John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

مدينة رأس العين

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 84 of 130

قبيل الظهر من يوم السبت المذكور.

مدينة رأس العين

هذا الاسم لها من أصدق الصفات، وموضوعها به أشرف الموضوعات، وذلك أن الله تعالى فجر أرضها عيونا وأجراها ماء معينا، فتقسمت مذانب وانسابت جداول تنبسط في مروج خضر، فكأنها سبائك اللجين ممدودة في بساط الزبرجد، تحف بها أشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها الى آخر انتهائها من عمارة بطحائها. وأعظم هذه العيون عينان: احداهما فوق الأخرى، فالعليا منهما نابعة فوق الارض في صم الحجارة كأنها في جوف غار كبير متسع يبسط الماء فيه حتى يصير كالصهريج العظيم ثم يخرج ويسيل نهرا كبيرا كأكبر ما يكون من الانهار وينتهي الى العين الأخرى ويلتقي بمائها. وهذه العين الثانية عجب من عجائب مخلوقات الله عز وجل، وذلك أنها نابعة تحت الارض من الحجر الصلد بنحو اربع قامات أو أزيد، ويتسع منبعها حتى يصير صهريجا في ذلك العمق، ويعلو بقوة نبعه حتى يسيل على وجه الأرض. فربما يروم السابح القوي السباحة الشديدة الغوص في أعماق المياه أن يصل بغوصه الى قعره فيمجه الماء بقوة انبعاثا من منبعه، فلا يتناهى في غوصه الى مقدار نصف

مسافة العمق أو أقل شيئا؛ شاهدنا ذلك عيانا. وماؤها أصفى من الزلال وأعذب من السلسبيل، يشف عما حواه، فلو طرح الدينار فيه في الليلة الظلماء لما أخفاه، ويصاد فيها سمك جليل من أطيب ما يكون من السمك.

وينقسم ماء هذه العين نهرين: أحدهما آخذ يمينا، والآخر يسارا. فالأيمن يشق خانقة مبنية للصوفية والغرباء بإزاء العين، وهي تسمى الرباط أيضا، والأيسر ينسرب على جانب الخانقة وتفضي منه جداول الى مطاهرها ومرافقها المعدة للحاجة البشرية، ثم يلتقيان أسفلها مع نهر العين الأخرى العليا، وقد بنيت على شط نهرهما المجتمع بيوت أرحى تتصل على شط موضوع وسط النهر كأنه سد. ومن مجتمع ماء هاتين العينين منشأ نهر الخابور.

وبمقربة من هذه الخانقة بحيث تناظرها مدرسة بإزائها حمام، وكلاهما قد وهى وأخلق وتعطل، وما ارى كان في موضوعات الدنيا مثل موضوع هذه المدرسة، لأنها في جزيرة خضراء والنهر يستدير بها من ثلاثة جوانب والمدخل اليها من جانب واحد، وامامها ووراءها بستان، وبإزائها دولاب يلقي الماء الى بساتين مرتفعة عن مصب النهر. وشأن هذا الموضع كله عجيب جدا: فغاية حسن القرى بشرقي الأندلس أن يكون لها مثل هذا الموضع جمالا أو تتحلى بمثل هذه العيون، ولله القدرة في جميع مخلوقاته.

وأما المدينة فللبداوة بها اعتناء، وللحضارة عنها استغناء لا سور يحصنها، ولا دور أنيقة البناء تحسنها، قد ضحيت في صحرائها كأنها عوذة لبطحائها، وهي مع ذلك كاملة مرافق المدن، ولها جامعان حديث وقديم، فالقديم بموضع هذه العيون، وتنفجر أمامه عين معينة هي دون اللتين ذكرناهما. وهو من بنيان عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، لكنه قد أثر القدم فيه حتى آذن بتداعيه. والجامع الآخر داخل البلد، وفيه يجمع أهله. فكان مقامنا بها ذلك اليوم نزهة لم نختلس في سفرنا كله مثلها.

فلما كان عند المغيب من يوم السبت الخامس لربيع المذكور، وهو السادس

عشر ليونيه، رحلنا منها رغبة في الإسآد وبرد الليل وتفاديا من حر هجيرة التأويب، لأن منها الى حران مسيرة يومين لا عمارة فيها. فتمادى سيرنا الى الصباح ثم نزلنا في الصحراء على ماء جب وأرحنا قليلا، ثم رفعنا ضحوة النهار من يوم الأحد وسرنا ونزلنا قريب العصر على ماء بئر بموضع فيه برج مشيد وآثار قديمة يعرف ببرج حواء، فبتنا به، ثم رفعنا منه بعد تهويم ساعة وأسرينا الى الصباح، فوصلنا مدينة حران مع طلوع الشمس من يوم الاثنين السابع لربيع المذكور، والثامن عشر ليونيه، والحمد لله على تيسيره.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com