Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 414 of 840
** [ما وقع فيها من الأحداث] **
دخول الروم إلى حلب
فيها دخل الدمستق ملك الروم - لعنه الله - إلى حلب في مائتي ألف مقاتل، وكان سبب ذلك أنه ورد عليها بغتة، فنهض إليه سيف الدولة بن حمدان بمن حضر من أصحابه، فقاتله فلم يقو به لكثرة جنوده، وقتل من أصحاب سيف الدولة خلقا كثيرا، وكان سيف الدولة قليل الصبر، ففر منهزما في نفر يسير من أصحابه، فكان أول ما استفتح به أن استحوذ على دار سيف الدولة ظاهر البلد، فأخذ منها أموالا عظيمة وحواصل، وعددا للحرب لا تحصى كثرة، ثم تدنى فحاصر السور، فقاتل أهل البلد دونه قتالا عظيما، وقتلوا خلقا كثيرا من الروم، وثلمت الروم في السور ثلمة عظيمة، فوقف فيها الروم، فحمل المسلمون عليهم، فأزاحوهم عنها، فلما جن الليل جد المسلمون في عمارتها، فما أصبح الصباح إلا وهي كما كانت، وحفظوا السور حفظا عظيما، ثم بلغ المسلمين أن رجالة الشرط قد عاثوا في البلد ينهبون الدور، فرجع الناس إلى منازلهم يمنعونها منهم، وغلبت الروم على السور، فعلوه ودخلوا البلد يقتلون من لقوه، فقتلوا من المسلمين خلقا كثيرا، وانتهبوا الأموال والأولاد والنساء، وخلصوا من كان
بأيدي المسلمين من أسارى الروم، وكانوا ألفا وأربعمائة، فأخذوا السيوف فقاتلوا مع قومهم، وكانوا أضرى على المسلمين، وأسروا نحوا من بضعة عشر ألفا ما بين صبي وصبية، ومن النساء شيئا كثيرا، ومن الرجال ألفين، وخربوا المساجد وأحرقوها، وصبوا في جباب الزيت الماء حتى فاض الزيت على وجه الأرض وهلك، وكل شيء لا يقدرون على حمله أحرقوه، وأقاموا في البلد تسعة أيام يفعلون هذه المفاسد العظيمة، ثم عزم الدمستق على الانصراف خوفا من رجوع سيف الدولة، فقال له ابن أخته: أتذهب وتترك القلعة وراءك؟ فقال له: إنا قد بلغنا فوق ما كنا نؤمله، وإن بها مقاتلة ورجالا غزاة، فقال: لا بد لنا منها. فقال له: اذهب إليها. فصمد إليها ليحاصرها فرموه بحجر، فقتله في الساعة الراهنة من بين الجيش كله، فغضب الدمستق عند ذلك وأمر بإحضار من كان في أيديهم من أسارى المسلمين، وكانوا قريبا من ألفين، فضربت أعناقهم بين يديه، ثم كر راجعا، قبحه الله ولعنة الله عليه.
وقد دخلوا عين زربة قبل ذلك في المحرم من هذه السنة، فاستأمنهم أهلها فأمنهم الملك، وأمر بأن يدخلوا كلهم إلى المسجد، ومن بقي في منزله قتل، فصار أهلها كلهم في المسجد، ومن تأخر منهم قتل، ثم قال: لا يبقين أحد منكم اليوم إلا ذهب حيث شاء، ومن تأخر قتل، فازدحموا في خروجهم من
المسجد، فمات كثير منهم، وخرجوا على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، فمات في الطرقات منهم خلق كثير، ثم هدم الجامع، وكسر المنبر، وقطع من حول البلد أربعين ألف نخلة، وهدم سور البلد والمنازل المشار إليها منها، وأقام بها مدة، وفتح حولها أربعة وخمسين حصنا، بعضها بالسيف وبعضها بالأمان، وقتل خلقا كثيرا، وأسرت الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان نائب منبج من جهة سيف الدولة، وكان شاعرا مطبقا، له ديوان حسن. وكان مدة مقامه بعين زربة أحدا وعشرين يوما، ثم سار إلى قيسارية فلقيه أربعة آلاف من أهل طرسوس مع نائبها ابن الزيات فقتل أكثرهم، وأدركه صوم النصارى فاشتغل به حتى فرغ منه، ثم هجم على حلب بغتة، فكان من أمره ما ذكرناه أيضا.
وفي هذه السنة كتبت العامة من الروافض على أبواب المساجد ببغداد: لعن الله معاوية بن أبي سفيان ولعن من غصب فاطمة فدك - يعنون أبا بكر رضي الله عنه - ومن أخرج العباس من الشورى - يعنون عمر، رضي الله عنه - ومن نفى أبا ذر - يعنون عثمان رضي الله عنه - ومن منع دفن الحسن عند جده - يعنون مروان بن الحكم -، ولما بلغ ذلك معز الدولة لم ينكره ولم يغيره، ثم بلغه أن أهل السنة محوا ذلك، فأمر بأن يكتب: لعن الله الظالمين لآل محمد من الأولين والآخرين، والتصريح باسم معاوية في اللعن، فكتب ذلك. قبح الله معز الدولة وشيعته من الروافض، وكذلك سيف الدولة بن حمدان بحلب فيه تشيع وميل إلى الروافض، ولا جرم أن الله لا ينصر أمثال هؤلاء، ويديل عليهم أعداءهم ; لمتابعتهم أهواءهم، وتقليدهم سادتهم وكبراءهم وآباءهم، وترك
متابعتهم أنبياءهم وعلماءهم، ولهذا لما ملكت الفاطمية بلاد الشام ; استحوذ على سواحلها كلها حتى بيت المقدس الفرنج، ولم يبق مع المسلمين سوى حلب وحمص وحماة ودمشق وبعض أعمالها، وجميع السواحل مع الفرنج والنواقيس النصرانية والقسوس الإنجيلية تنعر في الشواهق من الحصون والقلاع، وتكنو في أماكن المساجد وشريف البقاع.
وفيها وقعت فتنة عظيمة بين أهل البصرة بسبب المذاهب، فقتل منهم خلق كثير وجم غفير.
وفيها أعاد سيف الدولة بناء عين زربة وبعث مولاه نجا، فدخل بلاد الروم، فقتل منها خلقا كثيرا وسبى جما غفيرا، وغنم وسلم، وبعث حاجبه مع جيش طرسوس فدخلوا بلاد الروم فغنموا وسبوا ورجعوا سالمين، ولله الحمد والمنة.
وفيها فتح المعز الفاطمي حصن طبرمين من بلاد المغرب - وكان من أحصن بلاد الفرنج - افتتحه قسرا بعد محاصرة سبعة أشهر ونصف شهر. وقصدت الفرنج جزيرة أقريطش فاستنجد أهلها بالمعز، فسير إليهم جيشا، فانتصروا على الفرنج، ولله الحمد والمنة.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان:
### $ الحسن بن محمد بن هارون، أبو محمد المهلبي
الوزير لمعز الدولة بن بويه، مكث وزيرا في وزارته ثلاث عشرة سنة، وكان فيه حلم وكرم وأناة.
حكى أبو إسحاق الصابئ قال: كنت يوما عنده وقد جيء بدواة قد صنعت له ومرفع قد حليا بحلية كثيرة، فقال لي أبو محمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي - سرا بيني وبينه -: ما كان أحوجني إليها لأبيعها وأنتفع بها، فقلت: وأي شيء يفعل الوزير؟ فقال: يدخل في حر أمه، فسمعها الوزير وهو مصغ إلينا ولا نشعر، فلما أمسى بعث بالدواة إلى أبي محمد الشيرازي ومرفعها وعشرة ثياب وخمسة آلاف درهم، واصطنع له غيرها، فاجتمعنا يوما آخر عنده، وهو يوقع من تلك الدواة الجديدة، فنظر إلينا، فقال: هيه، من منكما يريدها مع الإعفاء من الدخول؟ قال: فاستحيينا، وعلمنا أنه كان سمع كلامنا يومئذ، وقلنا: بل يمتع الله الوزير بها، ويبقيه ليهب ألفا مثلها.
توفي أبو محمد المهلبي في هذه السنة عن أربع وستين سنة. ### $ دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن، أبو محمد السجستاني المعدل، سمع بخراسان وحلوان وبغداد والبصرة والكوفة ومكة، وكان من ذوي اليسار والمشهورين بالبر والإفضال، وله صدقات جارية، وأوقاف دارة على أهل الحديث ببغداد ومكة وسجستان.
وكانت له دار عظيمة ببغداد، فكان يقول: ليس في الدنيا مثلها ; لأنه ليس في الدنيا مثل بغداد ولا في بغداد مثل القطيعة، ولا في القطيعة مثل درب أبي خلف، وليس في درب أبي خلف مثل داري.
وصنف الدارقطني له مسندا، وكان إذا شك في حديث تركه، فكان الدارقطني يقول: لم أر في مشايخنا أثبت منه.
وقد أنفق في أهل العلم وذوي الحاجات أموالا جزيلة كثيرة جدا، اقترض منه بعض التجار عشرة آلاف دينار فضمن بها ضياعا، فربح في مدة ثلاث سنين ثلاثين ألف دينار، فعزل منها عشرة آلاف دينار، وجاءه بها، فأضافه دعلج ضيافة حسنة، فلما فرغ من شأنها قال: ما شأنك؟ قال له: هذه الدنانير التي تفضلت بها قد حضرت. فقال: يا سبحان الله! إني لم أعطكها لتردها،
فحل بها الأهل، فقال: إني قد ربحت ثلاثين ألف دينار، فهذه منها، فقال له دعلج: اذهب بها، بارك الله لك. فقال له: كيف يتسع مالك لهذا؟ ومن أين أفدت هذا المال؟ فقال: إني كنت في حداثة سني أطلب الحديث، فجاءني رجل تاجر من أهل البحر، فدفع إلي ألف ألف درهم، وقال: اتجر في هذه، فما كان من ربح فبيني وبينك، وما كان من خسارة فعلي دونك، وعليك عهد الله وميثاقه إن وجدت حاجة أو خلة فسدها من مالي هذا. ثم جاءني فقال: إني سأركب في البحر، فإن هلكت، فالمال في يدك على ما شرطت عليك. فهو في يدي على ما قال. ثم قال لي: لا تخبر بهذا أحدا مدة حياتي. فلم أخبر به أحدا حتى مات.
وقد كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن أربع أو خمس وتسعين سنة، رحمه الله. ### $ عبد الباقي بن قانع بن مرزوق أبو الحسين الأموي مولاهم، سمع الحارث بن أبي أسامة، وعنه الدارقطني وغيره، وكان من أهل الثقة والأمانة والحفظ، ولكنه تغير في آخر عمره.
قال الدارقطني: كان يخطئ ويصر على الخطأ. توفي في شوال منها. ### $ أبو بكر النقاش المفسر، محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون
بن جعفر، أبو بكر النقاش
المفسر المقرئ، مولى أبي دجانة سماك بن خرشة، وأصله من الموصل وكان عالما بالتفسير والقراءات، وسمع الكثير في بلدان شتى عن خلق من المشايخ، وحدث عنه أبو بكر بن مجاهد والخلدي وابن شاهين وابن رزقويه وخلق، وآخر من حدث عنه أبو علي بن شاذان، وتفرد بأشياء منكرة، وقد وقفه الدارقطني على كثير من أخطائه، فرجع عن ذلك، وصرح بعضهم بتكذيبه، فالله أعلم. وله كتاب التفسير الذي سماه " شفاء الصدور " فقال بعضهم: بل هو إشفاء الصدور.
وقد كان رجلا صالحا في نفسه، عابدا ناسكا، حكى من حضره يجود بنفسه، وهو يدعو بدعاء، ثم رفع صوته يقول: {لمثل هذا فليعمل العاملون} [الصافات: 61] يرددها ثلاث مرات، ثم خرجت روحه، رحمه الله. وكانت وفاته يوم الثلاثاء الثاني من شوال منها، ودفن في داره بدار القطن. ### $ محمد بن سعيد أبو بكر الحربي
الزاهد، ويعرف بابن الضرير، كان ثقة عابدا. ومن قوله: دافعت الشهوات حتى صارت شهوتي المدافعة.