John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة سبع عشرة وسبعمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 780 of 840

** [الأحداث التي وقعت فيها] **

استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها. وفي صفر شرع في عمارة الجامع الذي أنشأه ملك الأمراء سيف الدين تنكز نائب الشام ظاهر باب النصر، تجاه حكر السماق على نهر بانياس بدمشق، وتردد القضاة والعلماء في تحرير قبلته، فاستقر الحال في أمرها على ما قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية في يوم الأحد الخامس والعشرين منه، وشرعوا في بنائه بأمر السلطان ومساعدته لنائبه في ذلك.

وفي صفر هذا جاء سيل عظيم بمدينة بعلبك، أهلك خلقا كثيرا من الناس، وخرب دورا وعمائر كثيرة، وذلك في يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر.

وملخص ذلك أنه جاءهم قبله رعد وبرق عظيم، معهما مطر وبرد، فسالت الأودية، ثم جاءهم بعده سيل هائل خسف من سور البلد من جهة الشمال بشرق مقدار أربعين ذراعا، مع أن سمك الحائط خمسة أذرع، وحمل برجا صحيحا، ومعه من جانبيه بعض بدنيتين، فحمله كما هو حتى مر فحفر في

الأرض نحو خمسمائة ذراع، سعة ثلاثين ذراعا، وحمل السيل ذلك إلى غربي البلد، لا يمر على شيء إلا أتلفه، ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فأتلف ما يزيد على ثلثها، ودخل الجامع فارتفع فيه على قامة ونصف، ثم قوي على حائطه الغربي فأخربه، وأتلف جميع ما فيه من الحواصل، والكتب، والمصاحف، وأتلف شيئا كثيرا من رباع الجامع، وهلك تحت الهدم خلق كثير من الرجال، والنساء، والأطفال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وغرق في الجامع الشيخ علي بن محمد بن الشيخ علي الحريري هو وجماعة معه من الفقراء، ويقال: جملة من هلك بالغرق في هذه الكائنة من أهل بعلبك مائة وأربعة وأربعون نفسا سوى الغرباء، وجملة الدور التي خربها والحوانيت التي أتلفها نحو من ستمائة دار وحانوت، وجملة البساتين التي جرف أشجارها عشرون بستانا، ومن الطواحين ثمانية سوى الجامع والأمينية، وأما الأماكن التي دخلها وأتلف ما فيها ولم تخرب فكثير جدا.

وفي هذه السنة زاد النيل زيادة عظيمة لم يسمع بمثلها من مدد، وغرق بلادا كثيرة، وهلك فيها ناس كثير أيضا، وغرق منية الشيرج، فهلك للناس فيها شيء كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفي مستهل ربيع الآخر جلس السلطان بو سعيد بن خربندا على تخت المملكة بالمدينة السلطانية. وفي ربيع الآخر منها أغار جيش حلب على مدينة آمد، فنهبوا، وسبوا، وعادوا سالمين. وفي يوم السبت تاسع عشرين منه قدم قاضي المالكية إلى الشام من مصر، وهو الإمام فخر الدين أبو العباس أحمد بن سلامة بن أحمد بن سلامة الإسكندري المالكي على قضاء دمشق، عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين الزواوي لضعفه، واشتداد مرضه، فالتقاه القضاة والأعيان، وقرئ تقليده بالجامع ثاني يوم وصوله، وهو مؤرخ بثاني عشر الشهر، وقدم نائبه الفقيه نور الدين السخاوي، ودرس بالجامع في مستهل جمادى الأولى، وحضر عنده الفقهاء، والأعيان، والقضاة، وشكرت فضائله، وعلومه، ونزاهته، وصرامته، وديانته، وبعد ذلك بتسعة أيام توفي الزواوي المعزول، وقد باشر القضاء بدمشق ثلاثين سنة.

وفيه أفرج عن الأمير سيف الدين بهادرآص من سجن الكرك، وحمل إلى القاهرة، وأكرمه السلطان، وكان سجنه بها مطاوعة لإشارة نائب الشام بسبب ما كان وقع بينهما بملطية.

وخرج المحمل في يوم الخميس تاسع شوال، وأمير الحج سيف الدين كجكن

المنصوري. وممن حج قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى، وابن أخيه شرف الدين، وكمال الدين بن الشيرازي، والقاضي جلال الدين الحنفي، والشيخ شرف الدين ابن تيمية، وخلق.

وفي سادس هذا الشهر درس بالجاروخية القاضي جمال الدين محمد بن الشيخ كمال الدين الشريشي بعد وفاة الشيخ شرف الدين بن سلام، وحضر عنده الأعيان. وفي التاسع عشر منه درس ابن الزملكاني بالعذراوية عوضا عن ابن سلام. وفيه درس الشيخ شرف الدين ابن تيمية بالحنبلية عن إذن أخيه له في ذلك، بعد وفاة أخيهما لأمهما بدر الدين قاسم بن محمد بن خالد، ثم سافر الشيخ شرف الدين إلى الحج، وحضر الشيخ تقي الدين ابن تيمية الدرس بنفسه، وحضر عنده خلق كثير من الأعيان وغيرهم، حتى عاد أخوه وبعد عوده أيضا، وجاءت الأخبار بأنه قد أبطلت الخمور والفواحش كلها من بلاد السواحل، وطرابلس، وغيرها، ووضعت مكوس كثيرة عن الناس هنالك، وبنيت بقرى النصيرية في كل قرية مسجد، ولله الحمد والمنة.

وفي بكرة نهار الثلاثاء الثامن والعشرين من شوال وصل الشيخ الإمام العلامة، شيخ الكتاب، شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي على البريد من مصر إلى دمشق متوليا كتابة السر بها، عوضا عن شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله

توفي إلى رحمة الله.

وفي ذي القعدة يوم الأحد درس بالصمصامية التي جددت للمالكية، وقد وقف عليها الصاحب شمس الدين غبريال درسا، ودرس بها فقها، وعين تدريسها لنائب الحكم الفقيه نور الدين علي بن عبد النصير المالكي، وحضر عنده القضاة والأعيان، وممن حضر عنده: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وكان يعرفه من إسكندرية. وفيه درس بالدخوارية الشيخ جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد الكحال، ورتب في رياسة الطب عوضا عن أمين الدين سليمان الطبيب، بمرسوم نائب السلطنة تنكز، واختاره لذلك.

واتفق أنه في هذا الشهر تجمع جماعة من التجار بماردين، وانضاف إليهم خلق من الجفال من الغلا قاصدين بلاد الشام، فساروا حتى إذا كانوا بمرحلتين من رأس العين لحقهم ستون فارسا من التتار، فمالوا عليهم بالنشاب، وقتلوهم عن آخرهم، ولم يبق منهم سوى صبيانهم نحو سبعين صبيا، فقالوا: من يقتل هؤلاء؟ فقال واحد منهم: أنا، بشرط أن تنفلوني بمال من الغنيمة، فقتلهم كلهم عن آخرهم، وكان جملة من قتل من التجار ستمائة، ومن الجفال ثلاثمائة من

المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وردموا بموتاهم خمس صهاريج هناك حتى امتلأت بهم، رحمهم الله، ولم يسلم من الجميع سوى رجل واحد تركماني هرب، وجاء إلى رأس العين، فأخبر الناس بما رأى وشاهد من هذا الأمر الفظيع المؤلم، فاجتهد متسلم ديار بكر سوتاي في طلب أولئك التتر حتى أهلكهم عن آخرهم، ولم يبق منهم رجل واحد، لا جمع الله بهم شملا، ولا بهم مرحبا ولا أهلا، آمين يا رب العالمين.

[خروج المهدي الضال]

** صفة خروج المهدي الضال بأرض جبلة **

وفي هذه السنة خرجت النصيرية عن الطاعة، فأقاموا من بينهم رجلا سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدعي أنه علي بن أبي طالب فاطر السموات والأرض، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وصرح بكفر المسلمين، وأن النصيرية على الحق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية الضلال، وعين لكل إنسان منهم تقدمة ألف، وبلادا كثيرة، ونيابة قلعة، وحملوا على مدينة

جبلة، فدخلوها، وقتلوا خلقا من أهلها، وخرجوا منها يقولون: لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان، وسبوا الشيخين، وصاح أهل البلد: واإسلاماه، واسلطاناه، واأميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل، فجمع هذا الضال تلك الأموال فقسمها على أصحابه وأتباعه، قبحهم الله أجمعين، وقال لهم: لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة، ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلها.

ونادى في تلك البلاد: إن المقاسمة بالعشر لا غير ليرغب الفلاحين فيه، وأمر أصحابه بخراب المساجد، واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين: قل: لا إله إلا علي، واسجد لإلهك المهدي الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك، ويكتب لك فرمان. وتجهزوا، وعملوا أمرا عظيما جدا، فجردت إليهم العساكر، فهزموهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وجما غفيرا، وقتل المهدي الذي أضلهم، وهو يكون يوم القيامة مقدمهم وهاديهم إلى عذاب السعير، كما قال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} [الحج: 3]

[الحج: 3، 4] .

وفيها حج الأمير حسام الدين مهنا وولده سليمان، في ستة آلاف، وأخوه محمد بن عيسى في أربعة آلاف، ولم يجتمع مهنا بأحد من المصريين ولا الشاميين، وقد كان في المصريين قجليس وغيره. والله أعلم.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي بها من الأعيان:

### $ الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله الجبني، كان فاضلا، وكتب حسنا، نسخ " التنبيه "، و " العمدة "، وغير ذلك، وكان الناس ينتفعون به، ويقابلون معه، ويصححون عليه، ويجلسون إليه عند صندوق كان له بالجامع، توفي ليلة الاثنين سادس المحرم، ودفن بالصوفية، وقد صححت عليه في " العمدة " وغيره. ### $ الشيخ شهاب الدين الرومي، أحمد بن محمد بن إبراهيم المراغي، درس بالمعينية، وأم بمحراب الحنفية بمقصورتهم الغربية، إذ كان محرابهم هناك، وتولى مشيخة الخاتونية، وكان يؤم بنائب السلطان الأفرم، وكان يقرأ حسنا بصوت مليح، وكانت له مكانة عنده، وربما راح إليه الأفرم ماشيا حتى يدخل عليه زاويته التي أنشأها بالشرف الشمالي على الميدان الكبير، ولما توفي بالمحرم ودفن بالصوفية قام ولداه عماد الدين وشرف الدين في وظائفه. ### $ الشيخ الصالح العدل الأمين، فخر الدين عثمان بن أبي الوفا بن نعمة الله الأعزازي، كان ذا ثروة من المال، كثير المروءة والتلاوة، أدى الأمانة في ستين

ألف دينار وجواهر، حيث لا يعلم بها إلا الله عز وجل، بعد ما مات صاحبها مجردا في الغزاة، وهو عز الدين الجراحي نائب غزة، أودعه إياها فأداها إلى أهلها، أثابه الله؛ ولهذا لما مات يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الآخر - حضر جنازته خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى، حتى قيل: إنهم لم يجتمعوا في مثلها قبل ذلك. ودفن بباب الصغير، رحمه الله. ### $ قاضي القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن سومر الزواوي، قاضي المالكية بدمشق من سنة سبع وثمانين وستمائة، قدم مصر من المغرب، واشتغل بها، وأخذ عن مشايخها منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم قدم دمشق قاضيا في سنة سبع وثمانين وستمائة، وكان مولده تقريبا في سنة تسع وعشرين وستمائة، وأقام شعار مذهب مالك، وعمر الصمصامية في أيامه، وجدد عمارة النورية، وحدث ب " صحيح مسلم "، و " موطأ مالك "، عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وكتاب " الشفا " للقاضي عياض، وعزل قبل وفاته بعشرين يوما عن القضاء، وهذا من خيره حيث لم يمت قاضيا، توفي بالمدرسة الصمصامية يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة، وصلي عليه بعد الجمعة،

ودفن بمقابر باب الصغير تجاه مسجد النارنج، وحضر الناس جنازته، وأثنوا عليه خيرا، وقد جاوز الثمانين كمالك، رحمه الله، ولم يبلغ إلى سبع عشرة من عمره على مقتضى مذهبه أيضا. ### $ القاضي الصدر الرئيس، رئيس الكتاب، شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب بن جمال الدين فضل الله بن مجلي القرشي، العدوي، العمري، ولد سنة تسع وعشرين وستمائة، وسمع الحديث، وخدم، وارتفعت منزلته حتى كتب الإنشاء بمصر، ثم نقل إلى كتابة السر بدمشق إلى أن توفي في ثامن رمضان، ودفن بقاسيون، وقد قارب التسعين وهو ممتع بحواسه وقواه، وكانت له عقيدة حسنة في العلماء، ولا سيما في ابن تيمية وفي الصلحاء، رحمه الله، وقد رثاه الشهاب محمود كاتب السر بعده بدمشق، وعلاء الدين بن غانم، وجمال الدين بن نباتة. ### $ الفقيه الإمام، العالم المناظر، شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن الإمام

كمال الدين علي بن إسحاق بن سلام الدمشقي الشافعي، ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، واشتغل، وبرع، وحصل، ودرس بالجاروخية، والعذراوية، وأعاد بالظاهرية، وأفتى بدار العدل، وكان واسع الصدر، كثير الهمة، كريم النفس، مشكورا في فهمه، وخطه، وحفظه، وفصاحته، ومناظرته، توفي في رابع عشرين رمضان، وترك أولادا، ودينا كثيرا، فوفته عنه زوجته بنت زويزان، تقبل الله منها، وأحسن إليها. ### $ الصاحب أنيس الملوك، بدر الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الإربلي، ولد سنة ثمان وثلاثين وستمائة، واشتغل بالأدب فحصل على جانب جيد منه، وارتزق عند الملوك به، فمن رقيق شعره ما أورده الشيخ علم الدين في ترجمته قوله:

ومدامة حمراء تش ... به خد من أهوى ودمعي

يسعى به قمر أعز ... علي من نظري وسمعي

وقوله في مغنية:

وغريرة هيفاء ناعمة السنا ... طوع العناق مريضة الأجفان

غنت وماس قوامها فكأنها ال ... ورقاء تسجع فوق غصن البان

### $ الصدر الرئيس، شرف الدين محمد بن جمال الدين إبراهيم بن شرف الدين عبد الرحمن بن أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى، باشر عدة جهات، وخرج مع خاله قاضي القضاة ابن صصرى إلى الحجاز الشريف، فلما كانوا ببردى اعتراه مرض، ولم يزل به حتى مات، توفي بمكة وهو محرم ملب، فشهد الناس جنازته، وغبطوه بهذه الموتة، وكانت وفاته يوم الجمعة آخر النهار سابع ذي الحجة، ودفن ضحى يوم السبت بمقبرة الحجون، رحمه الله تعالى، وأكرم مثواه.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com