Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة ١٣
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 25 of 67
ثم إن المنصور عزل سليمان سنة تسع وثلاثين فاختفى عبد الله وأصحابه، فكتب المنصور إلى سليمان وأخيه عيسى بأمان عبد الله وقواده ومواليه وإشخاصهم إلى المنصور منهما فشخصوا. ولما قدما عليه فأذن لهما فأعلماه بحضور عبد الله واستأذناه له فشغلهما بالحديث وأمر بحبسه في مكان قد هيئ له في القصر، فلما خرج سليمان وعيسى لم يجدا عبد الله فعلما أنه قد حبس وأن ذمتهما قد أخفرت، فرجعا إلى المنصور فحبسا عنه وتوزع أصحاب عبد الله بين الحبس والقتل، وبعث ببعضهم إلى أبي داود خالد ابن إبراهيم بخراسان فقتلهم بها. ولم يزل عبد الله محبوسا حتى عهد المنصور إلى المهدي سنة تسع وأربعين وأمر موسى بن عيسى فجعله بعد المهدي ودفع إليه عبد الله، وأمره بقتله، وخرج حاجا وسار عيسى كاتبه يونس بن فروة في قتل عبد الله بن علي فقال:
لا تفعل فإنه يقتلك به، وإن طلبه منك فلا ترده إليه سرا فلما قفل المنصور من الحج دس على أعمامه من يحرضهم على الشفاعة في أخيهم عبد الله فشفعهم، وقال لعيسى جئنا به فقال: قتلته كما أمرتني فأنكر المنصور وقال خذوه بأخيكم فخرجوا به ليقتلوه حتى اجتمع الناس واشتهر الأمر فجاء به وقال: هو ذا حي سوي، فجعله المنصور في بيت أساسه ملح وأجرى عليه الماء فسقط ومات.
** وقعة الراوندية **
كان هؤلاء القوم من أهل خراسان ومن أتباع أبي مسلم يقولون بالتناسخ والحلول، وأن روح آدم في عثمان بن نهيك وأن الله حل في المنصور وجبريل في الهيثم بن معاوية. فحبس المنصور نحوا من مائتين منهم فغضب الباقون واجتمعوا وحملوا بينهم نعشا كأنهم في جنازة وجاءوا إلى السجن فرموا بالنعش وأخرجوا أصحابهم وحملوا على الناس في ستمائة رجل وقصدوا قصر المنصور وخرج المنصور من القصر ماشيا وجاء معن بن زائدة الشيباني وكان مستخفيا من المنصور لقتاله مع ابن هبيرة وقد اشتد طلب المنصور له فحضر عنده هذا اليوم متلثما وترجل وأبلى. ثم جاء إلى المنصور ولجام بغلته في يد الربيع حاجبه وقال: تنح ذا أنا أحق بهذا اللجام في هذا الوقت
وأعظم فنازل وقاتل حتى ظفر بالراوندية. ثم سأله فانتسب فأمنه واصطنعه. وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم ووقف على باب المنصور وقال أنا اليوم بواب. ثم قاتلهم أهل السوق وفتح باب المدينة ودخل الناس وحمل عليهم خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة حتى قتلوهم عن آخرهم. وأصاب عثمان بن نهيك في الحومة سهم فمات منه بعد أيام وجعل على الحبس بعده أخاه عيسى ثم بعده أبا العباس الطوسي وذلك كله بالهاشمية. ثم أحضر معنا ورفع منزلته وأثنى عليه بما كان منه في ذلك اليوم مع عمه عيسى، فقال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد جئت إلى الحومة وجلا حتى رأيت شدتك فحملني ذلك على ما رأيت مني. وقيل إنه كان مختفيا عند أبي الخصيب حاجب المنصور وأنه جاء يوم الراوندية فاستأذن أبو الخصيب وشاوره المنصور في أمرهم فأشار ببث المال في الناس، وأبى المنصور إلا الركوب إليهم بنفسه فخرج بين يديه وأبلى حتى قتلوا. ثم تغيب فاستدناه وأمنه وولاه على اليمن.
** انتقاض خراسان ومسير المهدي إليها **
كان السفاح قد ولى على خراسان أبا داود خالد بن إبراهيم الدهلي بعد انتقاض بسام ابن إبراهيم ومهلكه. فلما كان سنة أربعين ثار به بعض الجند وهو بكشماهن وجاءوا إلى منزله فأشرف عليهم ليلا من السطح فزلت قدمه فسقط ومات ليومه. وكان عصام صاحب شرطته فقام بالأمر بعده. ثم ولى المنصور على خراسان عبد الجبار بن عبد الرحمن فقدم عليها وحبس جماعة من القواد اتهمهم بالدعاء للعلوية، منهم مجاشع ابن حريث الأنصاري عامل بخارى وأبو المعرة خالد بن كثير مولى بني تميم عامل قهستان والحريش بن محمد الذهلي ابن عم أبي داود في آخرين. ثم قتل هؤلاء وألح على عمال أبي داود في استخراج المال وانتهت الشكوى إلى المنصور بذلك فقال لأبي أيوب: إنما يريد بفناء شيعتنا الخلع، فأشار عليه أبو أيوب أن تبعث من جنود خراسان لغزو الروم فإذا فارقوه بعثت إليه من شئت واستمكن منه. فكتب إليه بذلك فأجاب بأن الترك قد جاشت وإن فرقت الجنود خشيت على خراسان فقال له أبو أيوب: اكتب إليه بأنك ممده بالجيوش وابعث معها من شئت يستمكن منه، فأجاب عبد الجبار بأن خراسان مغلبة في عامها ولا تحتمل زيادة العسكر فقال له أبو يوسف هذا خلع فعاجله فبعث ابنه المهدي فسار ونزل الري وقدم خازم بن خزيمة
لحرب عبد الجبار فقاتلوه، فانهزم وجاء إلى مقطنة [1] وتوارى فيها. فعبر إليه المحشد [2] بن مزاحم من أهل مروالروذ وجاء به إلى خازم فحمله على بعير وعليه جبة صوف، ووجهه إلى عجز البعير وحمله إلى المنصور في ولده وأصحابه فبسط إليهم العذاب حتى استخرج الأموال ثم قطع يديه ورجليه وقتله وذلك سنة اثنتين وأربعين وبعث بولده إلى دهلك [3] فعزلهم بها وأقام المهدي بخراسان حتى رجع إلى العراق سنة تسع وأربعين. [4] وفي سنة اثنتين وأربعين انتقض عيينة بن موسى بن كعب بالسند، وكان عاملا عليها من بعد أبيه، وكان أبوه يستخلف المسيب بن زهير على الشرط فخشي المسيب إن حضر عيينة عند المنصور أن يوليه على الشرط، فحذره المنصور وحرضه على الخلاف فخلع الطاعة وسار المنصور إلى البصرة وسرح من هنالك عمر بن حفص بن أبي صفوة العتكي لحرب عيينة وولاه على السند والهند فورد السند وغلب عليها. وفي هذه السنة انتقض الأصبهبد بطبرستان وقتل من كان في أرضه من المسلمين فبعث المنصور مولاه أبا الخطيب وخازم بن خزيمة وروح بن حاتم في العساكر فحاصروه في حصنه مدة ثم تحيلوا ففتح لهم الحصن من داخله وقتلوا المقاتلة وسبى الذرية وكان مع الأصبهبد سم فشربه فمات.
** أمر بني العباس **
بنو هاشم [5] حين اضطرب أمر مروان بن محمد اجتمعوا إليه وتشاوروا فيمن يعقدون
له الخلافة فاتفقوا على محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن علي. وكان يقال:
إن المنصور ممن بايعه تلك الليلة. ولما حج أيام أخيه السفاح سنة ست وثلاثين تغيب عنه محمد وأخوه إبراهيم، ولم يحضرا عنده مع بني هاشم. وسأل عنهما فقال له زياد ابن عبيد الله الحرثى أنا آتيك بهما وكان بمكة فرده المنصور إلى المدينة. ثم استخلف المنصور وطفق يسأل عن محمد ويختص بني هاشم بالسؤال سرا، فكلهم يقول:
إنك ظهرت على طلبه لهذا الأمر فخافك على نفسه، ويحسن العذر عنه إلا الحسن ابن زيد بن الحسن بن علي. فإنه قال له: والله ما آمن وثوبه عليك، فإنه لا ينام عنك، فكان موسى بن عبد الله بن حسن يقول بعد هذا: اللهم اطلب الحسن بن زيد بدمائنا. ثم إن المنصور حج سنة [1] وألح على عبد الله بن حسن في إحضار ابنه محمد فاستشار عبد الله سليمان بن علي في إحضاره فقال له: لو كان عافيا عفى عن عمه! فاستمر عبد الله على الكتمان وبث المنصور العيون بين الأعراب في طلبه بسائر بوادي الحجاز ومياهها ثم كتب كتابا على لسان الشيعة إلى محمد بالطاعة والمسارعة وبعثه مع بعض عيونه إلى عبد الله وبعث معه بالمال والإلطاف كأنه من عندهم. وكان للمنصور كاتب على سره يتشيع، فكتب إلى عبد الله بن حسن بالخبر وكان محمد بجهينة، وألح عليه صاحب الكتاب أمر محمد ليدفع إليه كتاب الشيعة فقال له: اذهب إلى علي بن الحسن المدعو بالأغر يوصلك إليه في جبل جهينة فذهب وأوصله إليه. ثم جاءهم حقيقة خبره من كاتب المنصور وبعثوا أبا هبار إلى محمد وعلي بن حسن يحذرهما الرجل، فجاء أبو هبار إلى علي بن حسن وأخبره ثم سار إلى محمد فوجد العين عنده جالسا مع أصحابه فخلا به وأخبره، فقال: وما الرأي؟ قال: تقتله. قال: لا أقارف دم مسلم. قال: تقيده وتحمله معك. قال: لا آمن عليه لكثرة الخوف والإعجال. قال: فودعه عند بعض أهلك من جهينة. قال: هذه إذن. ورجع فلم يجد الرجل ولحق بالمدينة. ثم قدم على المنصور وأخبره الخبر وسمى اسم أبي هبار وكنيته، وقال: معه وبر فطلب أبو جعفر وبرا المري فسأله عن أمر محمد فأنكره وحلف فضربه وحبسه. ثم دعا عقبة بن سالم الأزدي وبعثه منكرا بكتاب والطاف من بعض الشيعة بخراسان إلى
عبد الله بن حسن ليظهر على أمره، فجاءه بالكتاب فانتهره وقال لا أعرف هؤلاء القوم. فلم يزل يتردد إليه حتى قبله وأنس به وسأله عقبة الجواب فقال: لا أكتب لأحد ولكن أقرئهم مني سلاما وأعلمهم أن ابني خارجان لوقت كذا. فرجع عقبة إلى المنصور فأنشأ الحج، فلما لقيه بنو حسن رفع مجالسهم وعبد الله إلى جنبه ثم دعا بالغداء فأصابوا منه. ثم قال لعبد الله بن حسن قد أعطيتني العهود والمواثيق أن لا تبغيني بسوء ولا تكيد لي سلطانا فقال: وأنا على ذلك. فلحظ المنصور عقبة بن سالم فوقف بين عبد الله حتى ملأ عينه منه فبادر المنصور يسأله الإقالة فلم يفعل، وأمر بحبسه وكان محمد يتردد في النواحي وجاء إلى البصرة فنزل في بني راهب وقيل في بني مرة بن عبيد، وبلغ الخبر إلى المنصور فجاء إلى البصرة وقد خرج عنها محمد، فلقي المنصور عمر بن عبيد فقال له: يا أبا عثمان هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا؟
فقال: لا، فانصرف واشتد الخوف على محمد وإبراهيم وسار إلى عدن ثم إلى السند ثم إلى الكوفة، ثم إلى المدينة وكان المنصور حج سنة أربعين وحج محمد وإبراهيم وعزما على اغتيال المنصور وأبي محمد من ذلك. ثم طلب المنصور عبد الله بإحضار ولديه وعنفه وهم به، فضمنه زياد عامل المدينة. وانصرف المنصور وقدم محمد المدينة قدمة فتلطف له زياد وأعطاه الأمان له. ثم قال له: الحق بأي بلاد شئت وسمع المنصور فبعث أبا الأزهر إلى المدينة في جمادى سنة إحدى وأربعين ليستعمل على المدينة عبد العزيز بن المطلب ويقبض زيادا وأصحابه. فسار بهم فحبسهم المنصور، وخلف زياد ببيت المال ثمانين ألف دينار ثم استعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري، وأمره بطلب محمد وإنفاق المال في ذلك فكثرت نفقته واستبطأه المنصور واستشار في عزله، فأشار عليه يزيد بن أسيد السلمي من أصحابه باستعمال رباح بن عثمان بن حسان المزني فبعثه أميرا على المدينة في رمضان سنة أربع وأربعين، وأطلق يده في محمد بن خالد القسري. فقدم المدينة وتهدد عبد الله بن حسن في إحضار ابنيه. وقال له عبد الله يومئذ: إنك لتريق المذبوح فيها كما تذبح الشاة، فاستشعر ذلك ووجد فقال له حاجبه أبو البختري: إن هذا ما اطلع على الغيب فقال: ويلك! والله ما قال إلا ما سمع، فكان كذلك. ثم حبس رباح محمد بن خالد وضربه وجد في طلب محمد فأخبر أنه في شعبان رضوى من أعمال ينبع وهو جبل جهينة، فبعث عامله في طلبه فأفلت منه. ثم إن رباح بن مرة
حبس بني حسن وقيدهم وهم عبد الله بن حسن بن الحسن وإخوته حسن وإبراهيم وجعفر وابنه موسى بن عبد الله، وبنو أخيه داود وإسماعيل وإسحاق بنو إبراهيم بن الحسن، ولم يحضر معهم أخوه علي العائد. ثم حضر من الغد عند رباح وقال:
جئتك لتحبسني مع قومي فحبسه، وكتب إليه المنصور أن يحبس معهم محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان المعروف بالديباجة. وكان أخا عبد الله لأمه أمهما فاطمة بنت الحسين. وكان عامل مصر قد عثر على علي بن محمد بن عبد الله ابن حسن بعثه أبوه إلى مصر يدعو له فأخذه وبعث به إلى المنصور فلم يزل في حبسه وسمى من أصحاب أبيه عبد الرحمن بن أبي المولى وأبا جبير فضربهما المنصور وحبسهما. وقيل عبد الله حبس أولا وحده وطال حبسه. فأشار عليه أصحابه بحبس الباقين فحبسهم. ثم حج المنصور سنة أربع وأربعين، فلما قدم مكة بعث إليهم وهم في السجن محمد بن عمران بن إبراهيم بن طلحة ومالك بن أنس يسألهم أن يرفعوا إليه محمدا وإبراهيم ابني عبد الله، فطلب عبد الله الإذن في لقائه فقال المنصور: لا والله حتى يأتيني به وبابنيه، وكان محسنا مقبولا لا يكلم أحدا إلا أجابه إلى رأيه. ثم إن المنصور قضى حجه وخرج إلى الربذة، وجاء رباح ليودعه فأمر باشخاص بني حسن ومن معهم إلى العراق فأخرجهم في القيود والأغلال وأردفهم في محامل بغير وطء، وجعفر الصادق يعاينهم من وراء ستر ويبكي. وجاء محمد إبراهيم مع أبيهما عبد الله يسايرانه مستترين بزي الأعراب ويستأذنه في الخروج فيقول: لا تعجلا حتى يمكنكما وإن منعتما أن تعيشا كريمين تمنعا أن تموتا كريمين، وانتهوا إلى الزيدية. وأحضر العثماني الديقا عند المنصور فضربه مائة وخمسين سوطا بعد ملاحاة جرت بينهما أغضبت المنصور. ويقال: إن رباحا أغرى المنصور به وقال له: إن أهل الشام شيعته ولا يتخلف عنه منهم أحد. ثم كتب أبو عون عامل خراسان إلى المنصور بأن أهل خراسان منتظرون أمر محمد بن عبد الله واحذر منهم. فأمر المنصور بقتل العثماني وبعث برأسه إلى خراسان، وبعث من يحلف أنه رأس محمد بن عبد الله وأن أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قدم المنصور بهم الكوفة وحبسهم بقصر ابن هبيرة، يقال: انه قتل محمد بن إبراهيم بن حسن منهم على أسطوانة وهو حي فمات. ثم بعده عبد الله بن حسن ثم علي بن حسن، ويقال: إن المنصور أمر بهم فقتلوا، ولم ينج منهم إلا سلمان وعبد الله ابنا داود وإسحاق وإسماعيل ابنا إبراهيم بن حسن وجعفر بن حسن والله أعلم.
** ظهور محمد المهدي ومقتله **
ولما سار المنصور إلى العراق وحمل معه بني حسن رجع رباح [1] إلى المدينة وألح في طلب محمد وهو مختف يتنقل في اختفائه من مكان إلى مكان وقد أرهقه الطلب حتى تدلى في بئر. فتدلى فغمس في مائها وحتى سقط ابنه من جبل فتقطع ودل عليه رباح بالمداد، فركب في طلبه فاختفى عنه ولم يره. ولما اشتد عليه الطلب أجمع الخروج وأغراه أصحابه بذلك. وجاء الخبر إلى رباح بأنه الليلة خارج فأحضر العباس بن عبد الله بن الحرث بن العباس ومحمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد قاضي المدينة وغيرهما، وقال لهم: أمير المؤمنين يطلب محمدا شرق الأرض وغربها وهو بين أظهركم. والله لئن خرج ليقتلنكم أجمعين. وأمر القاضي بإحضار عشيرة بني زهرة فجاءوا في جمع كثير وأجلسهم بالباب. ثم أحضر نفرا من العلويين فيهم جعفر بن محمد بن الحسين وحسين بن علي بن حسين بن علي ورجال من قريش فيهم إسماعيل ابن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة وابنه خالد، وبينما هم عنده إذ سمعوا التكبير وقيل قد خرج محمد فقال له: ابن مسلم بن عقبة أطعني واضرب أعناق هؤلاء فأبى، وأقبل من المداد [2] في مائة وخمسين رجلا وقصد السجن، فأخرج محمد بن خالد بن عبد الله القسري وابن أخيه النذير بن يزيد ومن كان معهم وجعل على الرجالة خوات بن جبير [3] وأتى دار الإمارة وهو ينادي بالكف عن القتل فدخلوا من باب المقصورة وقبضوا على رباح وأخيه عباس وابن مسلم بن عقبة فحبسهم، ثم خرج إلى المسجد وخطب الناس وذكر المنصور بما نقمه عليه ووعد الناس واستنصر بهم واستعمل على المدينة عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدراوردي، وعلى الشرط أبا الغلمش [4] عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، وأرسل إلى محمد بن عبد العزيز يلومه على القعود عنه فوعده بالبصرة وسار
الى مكة، ولم يتخلف عن محمد من وجوه الناس إلا نفر قليل منهم: الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حرام [1] وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وحبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. واستفتى أهل المدينة مالكا [2] في الخروج مع محمد وقالوا: في أعناقنا بيعة المنصور، فقال: إنما بايعتم مكرهين فتسارع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته، وأرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر يدعوه إلى بيعته، وكان شيخا كبيرا فقال: أنت والله وابن أخي مقتول فكيف أبايعك؟ فرجع الناس عنه قليلا وأسرع بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى محمد فجاءت جمادة [3] أختهم إلى عمها إسماعيل وقالت: يا عم إن مقالتك ثبطت الناس عن محمد وإخوتي معه، فأخشى أن يقتلوا فردها، فيقال: إنها عدت عليه فقتلته، ثم حبس محمد بن خالد القسري بعد أن أطلقه واتهمه بالكتاب إلى المنصور فلم يزل في حبسه. ولما استوى أمر محمد ركب رجل من آل أويس بن أبي سرح اسمه الحسين بن صخر، وجاء إلى المنصور في تسع [4] فخبره الخبر فقال: أنت رأيته؟ قال: نعم. وكلمته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم تتابع الخبر وأشفق المنصور من أمره واستشار أهل بيته ودولته. وبعث إلى عمه عبد الله وهو محبوس يستشيره فأشار عليه بأن يقصد الكوفة فإنهم شيعة لأهل البيت فيملك عليهم أمرهم ويحفها بالمسالح حتى يعرف الداخل والخارج، ويستدعي سالم بن قتيبة من الري فيتحشد معه كافة أهل الشام ويبعثه وأن يبعث العطاء في الناس، فخرج المنصور إلى الكوفة ومعه عبد الله بن الربيع بن عبد الله بن عبد المدان. ولما قدم الكوفة أرسل إلى يزيد يحيي وكان السفاح يشاوره فأشار عليه بأن يشحن الأهواز بالجنود وأشار عليه جعفر بن حنظلة الهراني [5] بأن يبعث الجند إلى البصرة. فلما ظهر إبراهيم بتلك الناحية تبين وجه إشارتهما. وقال المنصور لجعفر: كيف خفت البصرة؟ قال: لأن أهل المدينة ليسوا أهل حرب حبسهم أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعداء الطالبيين، ولم
يبق إلا البصرة. ثم إن المنصور كتب إلى محمد المهدي كتاب أمان فأجابه عنه بالرد والتعريض بأمور في الأنساب والأحوال، فأجابه المنصور عن كتابه بمثل ذلك وانتصف كل واحد منهما لنفسه بما ينبغي الإعراض عنه مع أنهما صحيحان مرويان نقلهما الطبري في كتاب الكامل فمن أراد الوقوف فليلتمسها في أماكنها [1] . ثم إن محمدا المهدي استعمل على مكة محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر وعلى اليمن القاسم بن إسحاق وعلى الشام موسى بن عبد الله. فسار محمد بن الحسن إلى مكة والقاسم معه ولقيهما السري بن عبد الله عامل مكة ببطن أذاخر فانهزم. وملك محمد مكة حتى استنفره المهدي لقتال عيسى بن موسى فنفر هو والقاسم بن عبيد الله، وبلغهما قتل محمد بنواحي قديد فلحق محمد بإبراهيم، فكان معه بالبصرة واختفى القاسم بالمدينة حتى أخذت له الأمان امرأة عيسى، وهي بنت عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر. وأما موسى بن عبد الله فسار إلى الشام فلم يقبلوا منه فرجع إلى المدينة ثم لحق بالبصرة مختفيا وعثر عليه محمد بن سليمان بن علي وعلى ابنه عبد الله وبعث بهما إلى المنصور فضربهما وحبسهما. ثم بعث المنصور عيسى ابن موسى إلى المدينة لقتال محمد فسار في الجنود ومعه محمد بن أبي العباس بن السفاح وكثير بن حصين العبدي وحميد بن قحطبة وهوازمرد [2] وغيرهم، فقال له: إن ظفرت فأغمد سيفك وابذل الأمان وإن تغيب فخذ أهل المدينة فإنهم يعرفون مذاهبه ومن لقيك من آل أبي طالب فعرفني به ومن لم يلقك فاقبض ماله. وكان جعفر الصادق فيمن تغيب، فقبض ماله. ويقال إنه طلبه من المنصور لما قدم بالمدينة بعد ذلك فقال: قبضه مهديكم. ولما وصل عيسى إلى فئته كتب إلى نفر من أهل المدينة ليستدعيهم منهم: عبد العزيز بن المطلب المخزومي وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمعي وعبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب فخرج إليه عبد الله هو وأخوه عمر وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل. واستشار المهدي أصحابه في القيام بالمدينة ثم في الخندق عليها، فأمر بذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وحفر الخندق الذي حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم للأحزاب. ونزل عيسى الأعرض [3] ، وكان محمد قد منع الناس من الخروج
فخيرهم، فخرج كثير منهم بأهلهم إلى الجبال وبقي في شرذمة يسيرة. ثم تدارك رأيه وأمر أبا الغلمش بردهم فأعجزوه ونزل عيسى على أربعة أميال من المدينة وبعث عسكرا إلى طريق مكة يعترضون محمدا إن انهزم إلى مكة، وأرسل إلى المهدي بالأمان والدعاء الى الكتاب والسنة ويحذره عاقبة البغي. فقال: إنما أنا رجل فررت من القتل. ثم نزل عيسى بالحرف لاثنتي عشرة من رمضان سنة خمس وأربعين، فقام يومين، ثم وقف على مسلم [1] ونادى بالأمان لأهل المدينة وأن تخلوا بينه وبين صاحبه، فشتموه فانصرف وعاد من الغد، وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة وبرز محمد في أصحابه ورايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وشعارهم أحد أحد. وطلب أبو الغلمش من أصحابه البراز فبرز إليه أخو أسد فقتله. ثم آخر فقتلوا [2] وقال أنا ابن الفاروق. وأبلى محمد المهدي يومئذ بلاء عظيما وقتل بيده سبعين رجلا. ثم أمر عيسى بن موسى حميد بن قحطبة فتقدم في مائة من الرجال إلى حائط دون الخندق فهدمه، وأجازوا الخندق وقاتلوا من ورائه، وصابرهم أصحاب محمد إلى العصر. ثم أمر عيسى أصحابه فرموا الخندق بالحقائب ونصبوا عليها الأبواب وجازت الخيل واقتتلوا وانصرف محمد فاغتسل وتحنط. ثم رجع فقال [3] : أترك أهل المدينة والله لا أفعل أو أقتل وأنت مني في سعة فمشى قليلا معه، ثم رجع وافترق عنه جل أصحابه، وبقي في ثلاثمائة أو نحوها. فقال له بعض أصحابه: نحن اليوم في عدة أهل بدر وطفق عيسى بن حصين من أصحابه يناشده في اللحاق بالبصرة أو غيرها، فيقول والله لا تبتلون بي مرتين. ثم جمع بين الظهر والعصر ومضى فأحرق الديوان الذي فيه أسماء من بايعهم [4] . وجاء إلى السجن وقتل رياح بن عثمان وأخاه عباسا وابن مسلم بن عقبة وتوثق محمد بن القسري بالأبواب فلم يصلوا إليه. ورجع ابن حصين إلى محمد فقاتل معه وتقدم محمد إلى بطن سلع ومعه بنو شجاع من الخمس. فعرقبوا دوابهم وكسروا جفون سيوفهم واستماتوا وهزموا أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثة. وصعد نفر من أصحاب عيسى الجبل وانحدروا منه إلى المدينة. ورفع بعض نسوة إلى العباس خمارا لها اسود على منارة المسجد. فلما رآه أصحاب محمد وهم
يقاتلون هربوا، وفتح بنو غفار طريقا لأصحاب عيسى فجاءوا من وراء أصحاب محمد ونادى حميد بن قحطبة للبراز فأبى، ونادى ابن حصين بالأمان فلم يصغ إليه [1] ، وكثرت فيه الجراح ثم قتل وقاتل محمد على شلوه فهد الناس عنه هدا حتى ضرب فسقط لركبته وطعنه ابن قحطبة في صدره، ثم أخذ رأسه وأتى به عيسى فبعثه إلى المنصور مع محمد بن الكرام عبد الله بن علي بن عبد الله بن جعفر، وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن، وأرسل معه رءوس بني شجاع، وكان قتل محمد منتصف رمضان. وأرسل عيسى الألوية فنصبت بالمدينة للأمان وصلب محمد وأصحابه ما بين ثنية الوداع والمدينة، واستأذنت زينب أخته في دفنه بالبقيع، وقطع المنصور الميرة في البحر عن المدينة، حتى أذن فيها المهدي بعده، وكان مع المهدي سيف علي ذو الفقار فأعطاه يومئذ رجلا من التجار في دين كان له عليه. فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة أخذه منه وأعطاه من دينه ثم أخذه منه المهدي، وكان الرشيد يتقلده وكان فيه ثمان عشرة فقرة، وكان معه من مشاهير بني هاشم أخو موسى وحمزة بن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين وحسين وعلي ابنا زيد بن علي، وكان المنصور يقول عجبا خرجا علي ونحن أخذنا بثأر أبيهما. وكان معه علي وزيد ابنا الحسن بن زيد بن الحسن وأبوهما الحسن مع المنصور والحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر والمرجى علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر وأبوه علي مع المنصور، ومن غير بني هاشم محمد بن عبد الله بن عمر بن سعيد بن العاص ومحمد ابن عجلان وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، وأبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، أخذ أسيرا فضرب وحبس في سجن المدينة، فلم يزل محبوسا إلى أن نازل السودان بالمدينة على عبد الله بن الربيع الحارثي، وفر عنها إلى بطن نخل وملكوا المدينة ونهبوا طعام المنصور. فخرج ابن أبي سبرة مقيدا وأتى المسجد وبعث إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما، وبعثوا إلى السودان وردوهم عما
كانوا فيه، فرجعوا ولم يصل الناس يومئذ جمعة. ووقف الأصبغ بن أبي سفيان بن عاصم بن عبد العزيز لصلاة العشاء ونادى أصلي بالناس على طاعة أمير المؤمنين، وصلى ثم أصبح ابن أبي سبرة ورد من العبيد ما نهبوه، ورجع ابن الربيع من بطن نخل وقطع رؤساء [1] العبيد وكان مع محمد بن عبد الله أيضا عبد الواحد بن أبي عون مولى الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدراوردي وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء ابن يعقوب مولى بني سباع وبنوه تسعة وعيسى وعثمان ابنا خضير وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير قتله المنصور من بعد ذلك لما أخذ بالبصرة وعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وعلي بن المطلب بن عبد الله بن حنطب [2] وإبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير وهشام بن عميرة بن الوليد بن [3] بن عبد الجبار وعبد الله بن يزيد بن هرمز وغيرهم.
** شأن إبراهيم بن عبد الله وظهوره ومقتله **
كان إبراهيم بن عبد الله أخو المهدي محمد قد اشتد الطلب عليه وعلى أخيه منذ خمس سنين، وكان إبراهيم يتنقل في النواحي بفارس وبكرمان والجبل والحجاز واليمن والشام، وحضر مرة مائدة المنصور بالموصل، وجاء أخرى إلى بغداد حين خطها المنصور مع النظار على قنطرة الفرات حين شدها وطلبه فغاض في الناس فلم يوجد ووضع عليه الرصد بكل مكان ودخل بيت سفيان بن حيان العمي [4] وكان معروفا بصحبته فتحيل على خلاصه بأن أتى المنصور وقال: أنا آتيك بإبراهيم فأحملني وغلامي على البريد وابعث معي الجند ففعل. وجاء بالجند إلى البيت وأركب معه إبراهيم في زي غلامه وذهب بالجند إلى البصرة ولم يزل يفرقهم على البيوت ويدخلها موهما أنه يفتشه حتى بقي وحده فاختفى وطلبه أمير البصرة سفيان بن معاوية فأعجزه، وكان قدم قبل ذلك الأهواز فطلبه محمد بن حصين واختفى منه عند
الحسن بن حبيب ولقي من ذلك غيا. ثم قدم إبراهيم البصرة سنة خمس وأربعين بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة يحيى بن زياد بن حيان النبطي وأنزله بداره في بني ليث فدعا الناس إلى بيعة أخيه وكان أول من بايعه نميلة بن مرة العبسي وعبد الله بن سفيان وعبد الواحد بن زياد وعمر بن سلمة الهجيمي وعبد الله بن حي بن حصين الرقاشي وبثوا دعوته في الناس، واجتمع لهم كثير من الفقهاء وأهل العلم وأحصى ديوانه أربعة آلاف. واشتهر أمره ثم حولوه إلى وسط البصرة ونزل دار أبي مروان مولى بني سليم في مقبرة بني يشكر ليقرب من الناس وولاه سفيان أمير البصرة على أمره، وكتب إليه أخوه محمد يأمره بالظهور وكان المنصور بظاهر، وأرسل من القواد مددا لسفيان علي إبراهيم إن ظهر، ثم إن إبراهيم خرج أول رمضان من سنة خمس وأربعين وصلى الصبح في الجامع وجاء دار الإمارة بابن سفيان وحبسه وحبس القواد معه، وجاء جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي في ستمائة رجل وأرسل إبراهيم إليها المعين بن القاسم الحدروري [1] في خمسين رجلا فهزمهما إلى باب زينب بنت سليمان بن علي وإليها ينسب الزينبيون من بني العباس فنادى بالأمان وأخذ من بيت المال ألفي ألف درهم، وفرض لكل رجل من أصحابه خمسين. ثم أرسل المغيرة على الأهواز في مائة رجل فغلب عليها محمد بن الحصين وهو في أربعة آلاف. وأرسل عمر بن شداد إلى فارس وبها إسماعيل وعبد الصمد ابنا علي، فتحصنا في دار بجرد وملك عمر نواحيها، فأرسل هارون بن شمس العجلي في سبعة عشر ألفا إلى واسط فغلب عليها هارون بن حميد الإيادي وملكها. وأرسل المنصور لحربه عامر ابن إسماعيل في خمسة آلاف وقيل في عشرين فاقتتلوا أياما ثم تهادنوا يروا مآل الأميرين المنصور وإبراهيم. ثم جاء نعي محمد إلى أخيه إبراهيم قبل الفطر فصلى يوم العيد وأخبرهم فازدادوا حنقا على المنصور. ونفر في حره وعسكر من الغد، واستخلف على البصرة غيلة وابنه حسنا معه. وأشار عليه أصحابه من أهل البصرة بالمقام وإرسال الجنود وأمدادهم واحدا بعد واحد، وأشار أهل الكوفة باللحوق إليها لأن الناس في انتظارك ولو رأوك ما توانوا عنك، فسار وكتب المنصور إلى عيسى بن موسى بإسراع العود وإلى مسلم بن قتيبة بالري وإلى سالم بقصد إبراهيم وضم إليه غيرها من القواد.
وكتب إلى المهدي بإنفاذ خزيمة بن خازم إلى الأهواز وفارس والمدائن وواسط
والسواد وإلى جانبه أهل الكوفة في مائة ألف يتربصون به. ثم رمى كل ناحية بحجرها وأقام خمسين يوما على مصلاه ويجلس ولم ينزع عنه جبته ولا قميصه وقد توسخا ويلبس السواد إذا ظهر للناس، وينزعه إذا دخل بيته. وأهديت له من المدينة امرأتان فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله وأمة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد فلم يحفل بهما. وقال: ليست هذه أيام نساء حتى انظر رأس إبراهيم إلي أو رأسي له. وقدم عليه عيسى بن موسى فبعثه لحرب إبراهيم في خمسة عشر ألفا وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف وسار إبراهيم من البصرة ومائة ألف حتى نزلا بإزاء عيسى بن موسى على ستة عشر فرسخا من الكوفة، وأرسل إليه مسلم بن قتيبة بأن يخندق على نفسه أو يخالف عيسى إلى المنصور فهو في حف من الجنون. ويكون أسهل عليك فعرض ذلك إبراهيم على أصحابه فقالوا: نحن هارون وأبو جعفر في أيدينا! فأسمع ذلك رسول سالم فرجع، ثم تصافوا للقتال وأشار عليه بعض أصحابه أن يجعلهم كراديس ليكون أثبت والصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره، فأبى إبراهيم إلا الصف صف أهل الإسلام، ووافقه بقية أصحابه. ثم اقتتلوا وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم معه الناس وعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة، فقال لهم حميد: لا طاعة في الهزيمة ولم يبق مع عيسى إلا فل قليل فثبت واستمات وبينما هو كذلك إذ قدم جعفر ومحمد بن سليمان بن علي وجاء من وراء إبراهيم وأصحابه فانعطفوا لقتالهم واتبعهم أصحاب عيسى ورجع المنهزمون من أصحابه بأجمعهم اعترضهم إمامهم، فلا يطيقون ومخافة ولا وثوبه، فانهزم أصحاب إبراهيم وثبت هو في ستمائة أو أربعمائة من أصحابه وحميد يقاتله. ثم أصابه سهم بنحره فأنزلوه واجتمعوا عليه. وقال حميد شدوا على تلك الجماعة فاحصروهم عن إبراهيم وقطعوا رأسه وجاءوا به إلى عيسى فسجد وبعثه إلى المنصور، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة الحرام سنة خمس وأربعين، ولما وضع رأسه بين يدي المنصور بكى، وقال: والله إني كنت لهذا كارها ولكني ابتليت بك وابتليت بي. ثم جلس للعامة فأذن للناس فدخلوا ومنهم من يثلب إبراهيم مرضاة للمنصور حتى دخل جعفر بن حنظلة النهراني فسلم ثم قال: عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك، فتهلل وجه المنصور وأقبل عليه وكناه بابي خالد واستدناه.
** بناء مدينة بغداد **
وابتدأ المنصور سنة ست وأربعين في بناء مدينة بغداد وسبب ذلك ثورة الراوندية عليه بالهاشمية، ولأنه كان يكره أهل الكوفة ولا يأمن على نفسه منهم. فتجافى عن جوارهم وسار إلى مكان بغداد اليوم، وجمع من كان هنالك من البطارقة فسألهم عن أحوال مواضعهم في الحر والبرد والمطر والوحل والهوام، واستشارهم فأشاروا عليه بمكانها وقالوا تجيئك الميرة في السفن من الشام والرقة ومصر والمغرب إلى المصرات. ومن الصين والهند والبصرة وواسط وديار بكر والروم والموصل في دجلة.
ومن أرمينية وما اتصل بها في تامرا حتى يتصل بالزاب. وأنت بين أنهار كالخنادق لا تعبر إلا على القناطر والجسور وإذا قطعتها لم يكن لعدوك مطمع وأنت متوسط بين البصرة والكوفة وواسط والموصل قريب من البر والبحر والجبل. فشرع المنصور في عمارتها وكتب إلى الشام والجبل [1] والكوفة وواسط والبصرة في الصناع والفعلة واختار من ذوي الفضل والعدالة والعفة والأمانة والمعرفة بالهندسة فأحضرهم لذلك، منهم:
الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة الفقيه وأمر بخطها بالرماد فشكلت أبوابها وفصلانها وطاقاتها ونواحيها، وجعل على الرماد حب القطن فأضرم نارا ثم نظر إليها وهي تشتعل فعرف رسمها وأمر أن تحفر الأسس على ذلك الرسم. ووكل بها أربعة من القواد يتولى كل واحد منهم ناحية، ووكل أبا حنيفة بعد الآجر واللبن. وكان أراده على القضاء والمظالم فأبى فحلف أن لا يقلع عنه حتى يعمل له عملا فكان هذا. وأمر المنصور أن يكون عرض أساس القصر من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين وجعل في البناء القصب والخشب ووضع بيده أول لبنة وقال: «بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» ثم قال ابنوا على بركة الله، فلما بلغ مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد المهدي، فقطع البناء وسار إلى الكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه ورجع من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد واستمر في بنائها، واستشار خالد بن برمك في نقض المدائن والإيوان فقال: لا أرى ذلك لأنه من آثار الإسلام [2] وفتوح العرب وفيه مصلى علي بن أبي طالب فاتهمه بمحبة العجم وأمر
بنقض القصر الأبيض فإذا الذي ينفق في نقضه أكثر من ثمن الجديد فأقصر عنه.
فقال خالد: لا أرى إقصارك عنه لئلا يقال عجزوا عن هدم ما بناه غيرهم، فأعرض عنه ونقل الأبواب إلى بغداد من واسط ومن الشام ومن الكوفة، وجعل المدينة مدورة وجعل قصره وسطها ليكون الناس منه على حد سواء. وجعل المسجد الجامع بجانب القصر وعمل لها سورين والداخل أعلى من الخارج. ووضع الحجاج ابن ارطاة قبلة المسجد، وكان وزن اللبنة التي يبنى بها مائة رطل وسبعة عشر رطلا وطولها ذراع في ذراع، وكانت بيوت جماعة من الكتاب والقواد تشرع أبوابها إلى رحبة الجامع، وكانت الأسواق داخل المدينة فأخرجهم إلى ناحية الكرخ لما كان الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها، وجعل الطرق أربعين ذراعا وكان مقدار النفقة عليها في المسجد والقصر والأسواق والفضلان والخنادق والأبواب أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف وثلاثة وثلاثين ألف درهم. وكان الأستاذ من البناءين يعمل يومه بقيراط، والروز كاري بحبتين، وحاسب القواد عند الفراغ منها فألزم كلا بما بقي عنده وأخذه حتى أخذ من خالد بن الصلت منهم خمسة عشر درهما بعد أن حبسه عليها.
** العهد للمهدي وخلع عيسى بن موسى **
كان السفاح قد عهد إلى عيسى بن موسى بن علي وولاه على الكوفة فلم يزل عليها، فلما كبر المهدي أراه المنصور أبوه أن يقدمه في العهد على عيسى، وكان يكرمه في جلوسه فيجلس عن يمينه والمهدي عن يساره فكلمه في التأخر عن المهدي في العهد فقال: يا أمير المؤمنين كيف بالإيمان التي علي وعلى المسلمين وأبى من ذلك، فتغير له المنصور وباعده بعض الشيء. وصار يأذن للمهدي قبله ولعمه عيسى بن علي وعبد الصمد. ثم يدخل عيسى فيجلس تحت المهدي واستمر المنصور على التنكر له وعزله عن الكوفة لثلاث عشرة سنة من ولايته، وولى مكانه محمد بن سليمان بن علي، ثم راجع عيسى نفسه فبايع المنصور للمهدي بالعهد وجعل عيسى من بعده.
ويقال إنه أعطاه أحد عشر ألف ألف درهم ووضع الجند في الطرقات لأذاه وإشهاد خالد بن برمك عليه جماعة من الشيعة بالخلع تركت جميعها لأنها لا تليق بالمنصور وعدالته المقطوع بها فلا يصح من تلك الأخبار شيء.
** خروج استادسيس [1] **
كان رجل ادعى النبوة في جهات خراسان فاجتمع إليه نحو ثلاثمائة ألف مقاتل من أهل هراة وباذغيس وسجستان وسار إليه الأخثم [2] عامل مروالروذ في العساكر فقاتل الأخثم وعامة أصحابه، وتتابع القواد في لقائه فهزمهم وبعث المنصور وهو بالبرادق [3] خازم بن خزيمة إلى المهدي في اثني عشر ألفا فولاه المهدي حربه فزحف إليه في عشرين ألفا وجعل على ميمنته الهيثم بن شعبة بن ظهير، وعلى ميسرته نهار بن حصن السعدي [4] وفي مقدمته بكار بن مسلم العقيلي، ودفع لواءه للزبرقان. ثم راوغهم في المزاحفة وجاء إلى موضع فخندق عليه وجعل له أربعة أبواب، وأتى أصحاب أستادسيس بالفئوس والمواعيل ليطموا الخندق فبدءوا بالباب الذي يلي بكار بن مسلم فقاتلهم بكار وأصحابه حتى ردوهم عن بابهم فأقبلوا على باب خازم وتقدم منهم الحريش من أهل سجستان فأمر خازم الهيثم بن شعبة أن يخرج من باب بكار ويأتي العدو من خلفهم وكانوا متوقعين قدوم أبي عون وعمر بن مسلم بن قتيبة وخرج خازم على الحريش واشتد قتاله معهم. وبدت أعلام الهيثم من ورائهم فكبر أهل العسكر وحملوا عليهم فكشفوهم ولقيهم أصحاب الهيثم فاستمر فيهم القتل فقتل سبعون ألفا وأسر أربعة عشر، وتحصن أستادسيس على حكم أبي عون فحكم بأن يوثق هو وبنوه ويعتق الباقون، وكتب إلى المهدي بذلك فكتب المهدي إلى المنصور ويقال إن أستادسيس أبو مراجل أم المأمون وابنه غالب خال المأمون الذي قتل الفضل بن سهل.
** ولاية هشام بن عمر الثعلبي على السند **
كان على السند أيام المنصور عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة ويلقب مرامي ألف رجل [5] ولما كان من أمر المهدي ما قدمناه بعث ابنه عبد الله
الأشتر إلى البصرة ليدعو له، فسار من هنالك إلى عمر بن حفص وكان يتشيع فأهدى له خيلا ليتمكن بها من لقائه. ثم دعاه فأجاب وبايع له وأنزله عنده مختفيا ودعا القواد وأهل البلد فأجابوا فمزق الأعلام وهيأ لبسة من البياض يخطب فيها، وهو في ذلك إذ فجأه الخبر بقتل المهدي فدخل على ابنه أشتر وعزاه فقال له: الله في دمي فأشار عليه باللحاق بملك من ملوك السند عظيم المملكة، كان يعظم جهة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معروفا بالوفاء، فأرسل إليه بعد أن عاهده عليه، واستقر عند ذلك الملك. وتسلل إليه جماعة من الزيدية نحوا من أربعمائة، وبلغ ذلك المنصور فغاظه وكتب إلى عمر بن حفص بعزله وأقام يفكر فيمن يوليه السند، وعرض له يوما هشام بن عمر الثعلبي [1] وهو راكب ثم اتبعه إلى بيته وعرض عليه أخته، فقال للربيع: لو كانت لي حاجة في النكاح لقبلت، فجزاك الله خيرا، وقد وليتك السند فتجهز لها وأمره أن يحارب ملك السند ويسلم إليه الأشتر ففعل، وأقام المنصور يستحثه. ثم خرجت خارجة بالسند فبعث هشام أخاه سفيحا لحسم الداء عنها، فمر بنواحي ذلك الملك فوجد الأشتر يتنزه في شاطئ همذان في عشرة من الفرسان فجاء ليأخذه فقاتلهم حتى قتل وقتل أصحابه جميعا. وكتب هشام بذلك إلى المنصور فشكره وأمر بمحاربة ذلك الملك فظفر به وغلب على مملكته، وبعث بسراري عبد الله الأشتر ومعه ولد منه اسمه عبد الله بعث بهم المنصور إلى المدينة وأسلمه إلى أهله ولما ولى هشام بن عمر على السند وعزل عمر بن حفص عنها ثم حدثت فتق بإفريقية بعثه إلى سده كما سيأتي في أخبارها.
** بناء الرصافة للمهدي **
ولما رجع المهدي من خراسان قدم عليه أهل بيته من الشام والكوفة والبصرة فأجازهم وكساهم وجملهم وكذلك المنصور. ثم شعب عليهم الجند فأشار عليهم قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بأن يفرق بينهم ويستكفيه في ذلك، وأمر بعض غلمانه أن يعترضه بدار الخلافة ويسأله بحق الله ورسله والعباس وأمير المؤمنين أبي الحسين من أشرف اليمن أم مضر؟ فقال: مضر كان منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها كتاب الله وعندها بيت الله ومنها خليفة الله فغضب اليمن إذ لم يذكر لها
فضلا. ثم كبح بعضهم بغلة قثم فامتنعت مضر وقطعوا الذي كبحها فتشاجر الحيان وتعصبت لليمن ربيعة والخراسانية للدولة وأصبحوا أربع فرق، وقال قثم للمنصور: اضرب كل واحدة بالأخرى وسير لابنك المهدي فلل أنير له [1] بجنده فيتناظرون أهل مدينتك فقبل رأيه وأمر صالحا صاحب المصلى ببناء الرصافة للمهدي.
** مقتل معن بن زائدة **
كان المنصور قد ولى على سجستان معن بن زائدة الشيباني وأرسل إلى رتبيل في الضريبة التي عليه فبعث بها عروضا زائدة الثمن فغضب معن وسار إلى الرخج على مقدمته يزيد [2] ابن أخيه يزيد ففتحها وسبى أهلها وقتلهم ومضى رتبيل إلى عزمه وانصرف معن إلى بست فشتى بها ونكر قوم من الخوارج سيرته فهجموا عليه وفتكوا به في بيته وقام يزيد بأمر سجستان وقتل قاتليه واشتدت على أهل البلاد وطأته فتحيل بعضهم بأن كتب المنصور على لسانه كتابا يتضجر من كتب المهدي إليه ويسأله أن يعفى من معاملته، فأغضب ذلك المنصور وأقرأ المهدي كتابه وعزله وحبسه ثم شفع فيه شخص إلى مدينة السلام فلم يزل مجفوا حتى بعث إلى يوسف البرم بخراسان كما يذكر بعد.
** العمال على النواحي أيام السفاح والمنصور **
كان السفاح قد ولى عند بيعته على الكوفة عمه داود بن علي وجعل على حجابته عبد الله بن بسام وعلى شرطته موسى بن كعب وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك وبعث عمه عبد الله لقتال مروان مع أبي عون بن يزيد بن قحطبة تقدمة، وبعث يحيى ابن جعفر ابن تمام بن العباس إلى المدائن، وكان أحمد بن قحطبة تقدمة وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن عمار بن ياسر إلى الأهواز مددا لبسام بن إبراهيم،
ودفع ولاية خراسان إلى أبي مسلم، فولى أبو مسلم عليها إيادا وخالد بن إبراهيم وبعث عمه عبد الله في مقدمته لحرب مروان أخاه صالحا ومعه أبو عون بن يزيد، فلما ظفر وانصرف ترك أبا عون يزيد بمصر واستقل عبد الله بولاية الشام وولى السفاح أخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان فولى على أرمينية يزيد بن أسد وعلى أذربيجان محمد بن صول ونزل الجزيرة. وكان أبو مسلم ولى على فارس محمد بن الأشعث حين قتل أبا مسلمة الخلال، فبعث السفاح عليها عيسى فمنعه محمد بن الأشعث واستخلفه على الولاية فبعث عليها عمه إسماعيل. وولى على الكوفة ابن أخيه موسى، وعلى البصرة سفيان بن معاوية المهلبي وعلى السند منصور بن جمهور ونقل عمه داود إلى ولاية الحجاز واليمن واليمامة. ثم ولى على البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان وتوفي داود بن علي سنة ثلاث وثلاثين، فولى مكانه على اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان وعلى مكة والمدينة والطائف واليمامة خاله زياد ابن عبد الله بن عبد المدان الحارثي وهو عم محمد بن يزيد. وفيها بعث محمد بن الأشعث إلى إفريقية ففتحها وفي سنة أربع وثلاثين بعث صاحب الشرطة موسى بن كعب لقتال منصور بن جمهور، وولاه مكانه على السند، فاستخلف مكانه على الشرطة المسيب بن زهير. وتوفي عامل اليمن محمد بن يزيد، فولى مكانه علي بن الربيع بن عبيد الله الحارثي. ولما استخلف المنصور وانتقض عبد الله بن علي وأبو مسلم ولى على خراسان أبا داود خالد بن إبراهيم وعلى مصر صالح بن علي وعلى الشام عبد الله بن علي. ثم هلك خالد ابن إبراهيم سنة أربعين فولى مكانه عبد الجبار ابن عبد الرحمن فانتقض لسنة من ولايته، فبعث المنصور ابنه المهدي على خراسان وفي مقدمته خازم بن خزيمة فظفر بعبد الجبار. وتوفي سليمان عامل البصرة سنة أربعين فولى مكانه سفيان بن معاوية، ومات موسى بن كعب بالسند وولى مكانه ابنه عيينة فانتقض، فبعث المنصور مكانه عمر بن حفص بن أبي صفرة وولى مصر في هذه السنة حميد بن قحطبة. وولى على الجزيرة والثغور والعواصم أخاه العباس ابن محمد وكان بها يزيد بن أسيد وعزل عمه إسماعيل عن الموصل، وولى مكانه مالك ابن الهيثم الخزاعي. وفي سنة ست وأربعين عزل الهيثم بن معاوية وولى على مكة والطائف مكانه السري بن عبد الله بن الحرث بن العباس نقله إليها من اليمامة، وولى مكانه من اليمن قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس، وعزل حميد بن
قحطبة عن مصر وولى مكانه نوفل بن الفرات، ثم عزله وولى مكانه يزيد بن حاتم ابن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة. وولى على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري ثم اتهمه في أمر ابن أبي الحسن فعزله، وولى مكانه رباح بن عثمان المزني ولما قتله أصحاب محمد المهدي ولى مكانه عبد الله بن الربيع الحارثي. ولما قتل إبراهيم أخو المهدي سنة خمس وأربعين ولى المنصور على البصرة سالم بن قتيبة الباهلي، وولى على الموصل ابنه جعفرا مكان مالك بن الهيثم وبعث معه حرب بن عبد الله من أكابر قواده. ثم عزل سالم بن قتيبة عن البصرة سنة ست وأربعين، وولى مكانه محمد بن سليمان، وعزل عبد الله بن الربيع عن المدينة، وولى مكانه جعفر بن سليمان، وعزل السري بن عبد الله عن مكة وولى مكانه عمه عبد الصمد بن علي.
وولى سنة سبع وأربعين على الكوفة محمد بن سليمان مكان عيسى بن موسى لما سخطه بسبب العهد. وولى مكان محمد بن سليمان على البصرة محمد بن السفاح فاستعفاه ورجع إلى بغداد فمات، واستخلف بها عقبة بن سالم فأقره. وولى على المدينة جعفر بن سليمان، وولى سنة ثمان وأربعين على الموصل خالد بن برمك لإفساد الأكراد في نواحيها، وعزل سنة تسع وأربعين عمه عبد الصمد عن مكة، وولى مكانه محمد بن إبراهيم. وفي سنة خمسين عزل جعفر بن سليمان عن المدينة، وولى مكانه الحسن بن زيد بن الحسن. وفي سنة إحدى وخمسين عزل عمر بن حفص عن السند وولى مكانه هشام بن عمر والثعلبي، وولى عمر بن حفص على إفريقية.
ثم بعث يزيد بن حاتم من مصر مددا له، وولى مكانه بمصر محمد بن سعيد. وفي هذه السنة قتل معن بن زائدة بسجستان كما تقدم فقام بأمره يزيد ابن أخيه يزيد، فأقره المنصور ثم عزله وفي هذه السنة سار عقبة بن سالم من البصرة واستخلف نافع ابن عقبة فغزا البحرين وقتل ابن حكيم العدوي واستقصره المنصور بإطلاق أسراهم فعزله وولى جابر بن مومة الكلابي، ثم عزله وولى مكانه عبد الملك بن طيبان النهيري. ثم عزله وولى الهيثم بن معاوية العكي. وفيها ولى على مكة والطائف محمد بن إبراهيم الإمام، ثم عزله وولى مكانه إبراهيم ابن أخيه يحيى بن محمد، وولى على الموصل إسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري. ومات أسيد بن عبد الله أمير خراسان فولى مكانه حميد بن قحطبة وفي سنة ثلاث وخمسين توفي عبيد الله بن بنت أبي ليلى قاضي الكوفة فاستقضى شريك بن عبد الله النخعي وكان على اليمن
يزيد بن منصور وفي سنة خمس وأربعين بل أربع وخمسين عزل عن الجزيرة أخاه العباس وأغرمه مالا، وولى مكانه موسى بن كعب الخثعمي، وكان سبب عزله شكاية يزيد بن أسيد منه، ولم يزل ساخطا على العباس حتى غضب على عمه إسماعيل، فشفع فيه إخوته عمومة المنصور فقال عيسى بن موسى: يا أمير المؤمنين شفعوا في أخيهم وأنت ساخط على أخيك العباس منذ كذا! ولم يكلمك فيه أحد منهم فرضي عنه. وفي سنة خمس وخمسين عزل محمد بن سليمان عن الكوفة وولى مكانه عمر بن زهير الضبي أخا المسيب صاحب الشرطة، وكان من أسباب عزله، أنه حبس عبد الكريم بن أبي العوجاء خال معن بن زائدة على الزندقة، وكتب إليه أن يتبين أمره فقتله قبل وصول الكتاب، فغضب عليه المنصور وقال: لقد هممت أن أقيده به. وعزل عمه عيسى في أمره لأنه الذي كان أشار بولايته. وفيها عزل الحسن بن زيد عن المدينة وولى مكانه عمه عبد الصمد بن علي، وكان على الأهواز وفارس عمارة بن حمزة. وفي سنة سبع وخمسين ولى على البحرين سعيد بن دعلج صاحب الشرطة بالبصرة، فأنفذ إليها ابنه تميما ومات سوار بن عبد الله قاضي البصرة فولى مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العيري. وعزل محمد بن الكاتب عن مصر وولى مكانه مولاه مطرا وعزل هشام بن عمر عن السند وولى مكانه معبد بن الخليل. وفي سنة ثمان وخمسين عزل موسى بن كعب عن الموصل لشيء بلغه عنه فأمر ابنه المهدي أن يسير إلى الرقة موريا بزيارة القدس ويكفل طريقة على الموصل فقبض عليه، وكان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم وأجله في إحضارها ثلاثا وإلا قتله، فبعث ابنه يحيى إلى عمارة بن حمزة ومبارك التركي وصالح صاحب المصلى وغيرهم من القواد ليستقرض منهم، قال يحيى:
فكلهم بعث إلا أن منهم من منعني الدخول ومنهم من يجيبني بالرد إلا عمارة بن حمزة فإنه أذن لي ووجهه إلى الحائط، ولم يقبل علي، وسلمت فرد خفيفا، وسأل كيف خالد فعرفته واستقرضته فقال: إن أمكنني شيء يأتيك فانصرفت عنه. ثم أنفذ المال فجمعناه في يومين وتعذرت ثلاثمائة ألف. وورد على المنصور انتقاض الموصل والجزيرة وانتشار الأكراد بها، وسخط موسى بن كعب فأشار عليه المسيب بن زهير بخالد بن برمك فقال: كيف يصلح بعد ما فعلنا؟ فقال: أنا ضامنه فصفح له عما بقي عليه، وعقد له على الموصل، ولابنه يحيى على أذربيجان. وسارا مع المهدي
فعزل موسى بن كعب وولاهما. قال يحيى: وبعثني خالد إلى عمارة بقرضه وكان مائة ألف، فقال لي: أكنت لأبيك صديقا؟ قم عني لا قمت. ولم يزل خالد على الموصل إلى وفاة المنصور. وفي هذه السنة عزل المنصور المسيب بن زهير عن شرطته وحبسه مقيدا لأنه ضرب أبان بن بشير الكاتب بالسياط حتى قتله، وكان مع أخيه عمر بن زهير بالكوفة، وولى المنصور على فارس نصر بن حرب بن عبد الله. ثم على الشرطة ببغداد عمر بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار، وعلى قضائها عبد الله بن محمد بن صفوان. ثم شفع المهدي في المسيب وأعاده إلى شرطته.
** الصوائف **
كان أمر الصوائف قد انقطع منذ سنة ثلاثين بما وقع من الفتن، فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين أقبل قسطنطين ملك الروم إلى ملطية ونواحيها فنازل حصن بلخ [1] ، واستنجدوا أهل ملطية فأمدوهم بثمانمائة مقاتل، فهزمهم الروم وحاصروا ملطية والجزيرة مفتوحة وعاملها موسى بن كعب بخراسان [2] فسلموا البلد على الأمان لقسطنطين. ودخلوا إلى الجزيرة وخرب الروم ملطية، ثم ساروا إلى قاليقلا ففتحوها.
وفي هذه السنة سار أبو داود وخالد بن إبراهيم إلى الجتن [3] فدخلها فلم تمتنع عليه، وتحصن منه السبيل [4] ملكهم، وحاصره مدة، ثم فرض الحصن ولحق بفرغانة.
ثم دخلوا بلاد الترك وانتهوا إلى بلد الصين، وفيها بعث صالح بن علي بن فلسطين سعيد بن عبد الله لغزو الصائفة وراء الدروب. وفي سنة خمس وثلاثين غزا عبد الرحمن بن حبيب عامل إفريقية جزيرة صقلية فغنم وسبى وظفر بما لم يظفر به أحد قبله. ثم سفل [5] ولاة إفريقية بفتن البربر فأمن أهل صقلية وعمر الحصون والمعاقل وجعلوا الأساطيل تطوف بصقلية للحراسة، وربما صادفوا تجار المسلمين في البحر فأخذوهم وفي سنة ثمان وثلاثين خرج قسطنطين ملك الروم فأخذ ملطية عنوة وهدم سورها وعفا عن أهلها. فغزا العباس بن محمد الصائفة ومعه عماه صالح وعيسى،
وبني ما خربه الروم من سور ملطية من سورة الروم، ورد إليها أهلها وأنزل بها الجند ودخل دار الحرب من درب الحرث وتوغل في أرضهم. ودخل جعفر بن حنظلة البهراني من درب ملطية. وفي سنة تسع وثلاثين كان الفداء بين المسلمين والروم في أسرى قاليقلا وغيرهم. ثم غزا بالصائفة سنة أربعين عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام ومعه الحسن بن قحطبة، وسار إليهم قسطنطين ملك الروم في مائة ألف فبلغ جيحان وسمع كثرة المسلمين فأحجم عنهم ورجع، ولم تكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين، لاشتغال المنصور بفتنة بني حسن. وفي سنة ست وأربعين خرج الترك والحدر بن باب الأبواب وانتهوا إلى أرمينية وقتلوا من أهلها جماعة ورجعوا. وفي سنة سبع وأربعين أغار أستر خان الخوارزمي في جمع من الترك على أرمينية فغنم وسبى ودخل تفليس فعاث فيها. وكان حرب بن عبد الله مقيما بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارزمي بالجزيرة، فأمره المنصور بالمسير لحرب الترك مع جبريل بن يحيى، فانهزموا وقتل حرب في كثير من المسلمين. وفيها غزا بالصائفة مالك بن عبد الله الخثعمي من أهل فلسطين، ويقال له ملك الصوائف فغنم غنائم كثيرة وقسمها بدرب الحرث [1] وفي سنة تسع وأربعين غزا بالصائفة العباس بن محمد ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث، فدخلوا أرض الروم وعاثوا ورجعوا. ومات محمد بن الأشعث في طريقه في سنة إحدى وخمسين وقتل أخوه محمد ولم يدر. ثم غزا بالصائفة سنة أربع وخمسين زفر بن عاصم الهلالي. وفي سنة خمس بعدها طلب ملك الروم الصلح على أن يؤدي الجزية، وغزا بالصائفة يزيد بن أسيد السلمي وغزا بها سنة ست وخمسين وغزا بالصائفة معيوب بن يحيى من درب الحرثى ولقي العدو فاقتتلوا ثم تحاجزوا.
** وفاة المنصور وبيعة المهدي **
وفي سنة ثمان وخمسين توفي المنصور منصرفا من الحج ببئر ميمون لست خلت من ذي الحجة وكان قد أوصى المهدي عند وداعه فقال: لم أدع شيئا إلا تقدمت إليك فيه
وسأوصيك بخصال وما أظنك تفعل واحدة منها، وله سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهدي: انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به فإن فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا ففي الثاني والثالث حتى تبلغ سبعة. فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة فإنك واجد ما تريد فيها وما أظنك تفعل. فانظر هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها، وقد جمعت فيها من الأموال ما أنكر عليك الخراج عشر سنين كفاك لأرزاق الجند والنفقات والذرية ومصلحة البيوت. فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامرا وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك وأن تظهر كرامتهم وتحسن إليهم وتقدمهم وتوطئ الناس أعقابهم وتوليهم المنابر فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل خراسان خيرا فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولتك وأن لا تخرج محبتك من قلوبهم، وأن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده وما أظنك تفعل. وإياك أن تبني مدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها وأظنك ستفعل. وإياك أن تستعين برجل من بني سليم وأظنك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. وقيل قال له: إني ولدت في ذي الحجة ووليت في ذي الحجة وقد يحس في نفسي أن أموت في ذي الحجة في هذه السنة، وإنما حد لي الحج على ذلك. فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي يجعل لك فيما كربك وحزنك فرجا ومخرجا ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب.
يا بني احفظ محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته يحفظك الله ويحفظ عليك أمورك، وإياك والدم الحرام فإنه حوب عند الله عظيم وعار في الدنيا لازم مقيم، والزم الحدود فإن فيها صلاحك في الآجل وصلاحك في العاجل، ولا تعتد فيها فتبور، فإن الله تعالى لو علم أن شيئا أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه. واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فسادا مع ما ادخر له من العذاب الأليم فقال: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا 5: 33 الآية. فالسلطان يا بني حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه المقيم فاحفظه وحصنه وذب عنه، وأوقع بالملحدين اقمع المارقين منه، وقابل الخارجين عنه بالعقاب، ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن. واحكم بالعدل
ولا تشطط فإن ذلك أقطع للشعث وأحسم للعدو وأنجع في الدواء، واعف عن الفيء فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك وافتتح بصلة الرحم وبر القرابة وإياك والأثرة والتبديد لأموال الرعية واشحن الثغور واضبط الأطراف وأمن السبيل وسكن العامة، وأدخل المرافق عليهم وارفع المكاره عنهم وأعد الأموال واخزنها، وإياك والتبديد فإن النوائب غير مأمونة وهي من شيم الزمان. وأعد الأكراع والرجال والجند ما استطعت. وإياك وتأخير عمل اليوم لغد فتتداول الأمور وتضيع، وخذ في أحكام الأمور والنازلات في أوقاتها أولا أولا، واجتهد وشمر فيها وأعد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل. وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل، واستعمل حسن الظن وأسئ الظن بعملك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ وتفقد من يبيت على بابك وسهل إذنك للناس وانظر في أمر النزاع إليك وكل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير ساهية. ولا تنم فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة ولا دخل عينه الغمض إلا وقلبه مستيقظ. هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك. ثم ودعه وسار إلى الكوفة فأحرم منها قارنا، وساق الهدي وأشعره وقلده لأيام خلت من ذي القعدة. ولما سار منازل عرض له وجعه الذي مات به. ثم اشتد فجعل يقول للربيع وكان عديله بادر بي إلى حرم ربي هاربا من ذنوبي فلما وصل بئر ميمون مات سحر السادس من ذي الحجة لم يحضر إلا خدمه والربيع مولاه. فكتموا الأمر ثم غدا أهل بيته على عادتهم، فدعا عيسى بن علي العم ثم عيسى بن موسى بن محمد ولي العهد، ثم الأكابر وذوي الأنساب، ثم عامتهم، فبايعهم الربيع للمهدي ثم بايع القواد وعامة الناس. وسار العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة فبايعا الناس للمهدي بين الركن والمقام وجهزوه إلى قبره وصلى عليه عيسى بن موسى وقيل إبراهيم ابن يحيى، ودفن في مقبرة المعلاة وذلك لاثنتين وعشرين سنة من خلافته. وذكر علي بن محمد النوفلي عن أبيه وهو من أهل البصرة وكان يختلف إلى المنصور تلك الأيام قال: جئت من مكة صبيحة موته إلى العسكر، فإذا موسى بن المهدي عند عمود السرادق والقاسم بن المنصور في ناحية فعلمت أنه قد مات. ثم أقبل الحسن بن زيد العلوي والناس حتى ملئوا السرادق وسمعنا همس البكاء. ثم خرج أبو العنبر الخادم مشقوق الأقبية وعلى رأسه التراب وهو يستغيث، وقام القاسم فشق ثيابه. ثم خرج الربيع وفي يده قرطاس فقرأه على الناس وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله
المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف من بني هاشم وشيعة من أهل خراسان وعامة المسلمين. ثم بكى وبكى الناس ثم قال: البكاء أمامكم فأنصتوا رحمكم الله: ثم قرأ: أما بعد فإني كتبت كتابي هذا وأنا حي في آخر يوم من أيام الدنيا أقرأ عليكم السلام، وأسأل الله أن لا يفتنكم بعدي ولا يلبسكم شيعا ولا يذيق بعضكم بأس بعض. ثم أخذ في وصيتهم للمهدي وحثهم على الوفاء بعهده. ثم تناول الحسن بن زيد وقال: قم فبايع، فبايع موسى بن المهدي لأبيه ثم بايع الناس الأول فالأول.
ثم دخل بنو هاشم وهو في أكفانه مكشوف الرأس لمكان الإحرام، فحملوه على ثلاثة أميال من مكة فدفنوه. وكان عيسى بن موسى لما بايع الناس أبى من الشيعة فقال له علي بن عيسى بن ماهان: والله لتبايعن وإلا ضربنا عنقك. ثم بعث موسى بن المهدي والربيع بالخبر والبردة والقضيب وخاتم الخلافة إلى المهدي وخرجوا من مكة. ولما وصل الخبر إلى المهدي منتصف ذي الحجة اجتمع إليه أهل بغداد وبايعوه، وكان أول ما فعله المهدي حين بويع أنه أطلق من كان في حبس المنصور إلا من كان في دم أو مال أو ممن يسعى بالفساد، وكان فيمن أطلق يعقوب بن داود وكان محبوسا مع الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن. فلما أطلق ساء ظن إبراهيم وبعث إلى من يثق به بحفر سرب يفضي إلى محبسه وبلغ ذلك يعقوب بن داود فجاء إلى ابن علاثة القاضي وأوصله إلى أبي عبيد الله الوزير ليوصله إلى المهدي فأوصله واستخلاه فلم يحدثه حتى قام الوزير والقاضي وأخبره بتحقيق الحال، فأمره بتحويل الحسن، ثم هرب بعد ذلك ولم يظفر به. وشاور يعقوب بن داود في أمره فقال أعطه الأمان وأنا أحضره وأحضره. ثم طلب من المهدي أن يجعل له السبيل في رفع أمور الناس وراء بابه إليه فأذن له وكان يدخل كلما أراد ويرفع إليه النصائح في أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وترويح العذاب وفكاك الأسرى والمحبوسين، والقضاء عن الغارمين والصدقة على المتعففين فحظي بذلك وتقدمت منزلته وسقطت منزلة أبي عبد الله، ووصله المهدي بمائة ألف وكتب له التوقيع بالإخاء في الله.
** ظهور المقنع ومهلكه **
كان هذا المقنع من أهل مرو ويسمى حكيما وهاشميا، وكان يقول بالتناسخ وأن الله خلق آدم فتحول في صورته ثم في صورة نوح ثم إلى أبي مسلم ثم إلى هاشم وهو
المقنع. فظهر بخراسان وادعى الإلهية واتخذ وجها من ذهب فجعله على وجهه فسمي المقنع، وأنكر قتل يحيى بن زيد وزعم أنه يأخذ بثأره، وتبعه خلق عظيم من الناس وكانوا يسجدون له. وتحصن بقلعة بسام [1] من رساتيق كش وكان قد ظهر بخارى والصغد جماعة من المبيضة فاجتمعوا معه على الخلاف، وأعانهم كفار الأتراك وأغاروا على المسلمين من ناحيتهم، وحاربهم أبو النعمان والجنيد وليث بن نصر بن سيار، فقتلوا أخاه محمد بن نصر وحسان ابن أخيه تميم. وأنفذ المهدي إليهم جبريل بن يحيى وأخاه يزيد لقتال المبيضة فقاتلوهم أربعة أشهر في بعض حصون بخارى وملكوه عنوة، فقتل منهم سبعمائة ولحق فلهم بالمقنع وجبريل في اتباعهم. ثم بعث المهدي أبا عون لمحاربة المقنع فلم يبالغ في قتاله فبعث معاذ بن مسلم في جماعة القواد والعساكر وعلى مقدمته سعيد الحريشي، وأتاه عقبة بن مسلم من ذم فاجتمعوا بالطواويس وأوقعوا بأصحاب المقنع فهزموهم، ولحق فلهم بالمقنع في بسام فتحصنوا بها. وجاء معاذ فنازلهم وفسد ما بينه وبين الحريشي، فكتب الحريشي إلى المهدي بالسعاية في معاذ ويضمن الكفاية إن أفرد بالحرب، فأجابه المهدي إلى ذلك وانفرد بحرب المقنع وأمده معاذ بابنه وجاءوا بآلات الحرب حتى طلب أصحاب المقنع الأمان سرا فأمنهم، وخرج إليه ثلاثون ألفا وبقي معه زهاء ألفين، وضايقوه بالحصار فأيقن بالهلاك وجمع نساءه وأهله فيقال سقاهم السم، ويقال بل أحرقهم وأحرق نفسه بالنار ودخلوا القلعة وبعث الحريشي برأس المقنع إلى المهدي فوصل إليه بحلب سنة ثلاث وتسعين.
** الولاة أيام المهدي **
وعزل المهدي سنة تسع وخمسين عمه إسماعيل عن الكوفة وولى عليها إسحاق بن الصفاح الكندي ثم الأشعي، وقتل عيسى بن لقمان بن محمد بن صاحب الجمحي وعزل سعيد بن دعلج عن أحداث البصرة وعبيد الله بن الحسن عن الصلاة، وولى مكانهما عبد الملك بن أيوب بن طيبان الفهيري. ثم جعل الأحداث إلى عمارة بن حمزة فولاها للسود بن عبد الله الباهلي. وعزل قثم بن العباس عن اليمامة وولى مكانه الفضل بن صالح، وعزل مطرا مولى المنصور عن مصر
وولى مكانه أبا ضمرة محمد بن سليمان. وعزل عبد الصمد بن علي عن المدينة وولى مكانه محمد بن عبد الله الكثيري ثم عزله وولى عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان، ثم عزله وولى مكانه زفر بن عاصم الهلالي. وتوفي معبد بن الخليل عامل السند فولى مكانه روح بن حاتم بإشارة وزيره أبي عبد الله. وتوفي حميد بن قحطبة بخراسان فولى عليها مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم سخطه سنة ستين فعزله، وولى معاذ بن مسلم. وولى على سجستان حمزة بن يحيى وعلى سمرقند جبريل بن يحيى فبنى سورها وحصنها وكان على اليمن رجاء بن روح وولى على قضاء الكوفة شريك [1] وولى على فارس والأهواز ودجلة قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن ثم عزله وولى مكانه محمد بن سليمان، وولى على السند بسطام بن عمر وولى على اليمامة بشر بن المنذر وفي سنة إحدى وتسعين [2] ولى على السند محمد بن الأشعث واستقضى عافية القاضي مع ابن علاثة بالرصافة وعزل الفضل بن صالح عن الجزيرة، وولى مكانه عبد الصمد بن علي، وولى عيسى بن لقمان على مصر ويزيد بن منصور على سواد الكوفة وحسان السروري على الموصل وبسطام بن عمر والثعلبي على أذربيجان، وعزله عن السند. وتوفي نصر بن مالك بن صالح صاحب الشرطة فولى مكانه حمزة بن مالك وكان الأبان بن صدقة كاتبا للرشيد، فصرفه وجعل مع الهادي، وجعل هو مع هارون يحيى ابن خالد وعزل محمد بن سليمان أبا ضمرة عن مصر وولى مكانه سليمان بن رجاء، وكان على سواد الكوفة يزيد بن منصور وعلى أحداثها إسحاق بن منصور. وفي سنة ست وستين عزل علي بن سليمان عن اليمن وولى مكانه عبد الله بن سليمان، وعزل مسلمة بن رجاء عن مصر وولى مكانه عيسى بن لقمان ثم عزله لأشهر. وولى مكانه مولاه واضحا، ثم عزله وولى مكانه يحيى الحريشي، وكان على طبرستان عمر بن العلاء وسعيد بن دعلج وعلى جرجان مهليل بن صفوان ووضع ديوان الأرمة وولى عليها عمر بن يزيع مولاه.
** العهد للهادي وخلع عيسى **
كان جماعة من بني هاشم وشيعة المهدي خاضوا في خلع عيسى بن موسى من ولاية
العهد والبيعة لموسى الهادي بن المهدي، ونمي ذلك إلى المهدي فسر به واستقدم عيسى بن موسى من منزله بالرحبة من أعمال الكوفة فامتنع من القدوم. فاستعمل المهدي على الكوفة روح بن حاتم وأوصاه بالإضرار فلم يجد سبيلا إلى ذلك. وكان عيسى لا يدخل الكوفة إلا يوم جمعة أو عيد. وبعث إليه المهدي يتهدده فلم يجب، ثم بعث عمه العباس يستقدمه فلم يحضر، فبعث قائدين من الشيعة فاستحضراه إليه، وقدم على عسكر المهدي وأقام أياما يختلف إليه ولا يكلم بشيء. وحضر الدار يوما وقد اجتمع رؤساء الشيعة لخلعه فثاروا به وأغلق الباب الذي كان خلفه فكسروه، وأظهر المهدي النكير عليهم فلم يرجعوا إلى أن كاشفه أكابر أهل بيته وأشدهم محمد بن سليمان واعتذر بالإيمان التي عليه. فأحضر المهدي القضاة والفقهاء وفيهم محمد بن علاثة ومسلم بن خالد الزنجي، فأفتوه بمخارج الإيمان وخلع نفسه وأعطاه المهدي عشرة آلاف درهم [1] وضياعا بالزاب وكسكر وبايع لابنه موسى الهادي بالعهد. ثم جلس المهدي من الغد وأحضر أهل بيته وأخذ بيعتهم وخرج إلى الجامع وعيسى معه فخطب وأعلم الناس ببيعة الهادي ودعاهم إليها فبادروا وأشهد عيسى بالخلع.
** فتح باربد من السند **
وبعث المهدي سنة تسع وخمسين عبد الملك بن شهلب المسمعي في جمع كثير من الجند والمقطوعة إلى بلاد الهند فركبوا البحر من فارس ونزلوا بأرض الهند، وفتحوا باربد فافتتحوها عنوة، ولجأ أهلها إلى البد فأحرقوه عليهم فاحترق بعض وقتل الباقون، واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون وأقاموا بعض أيام إلى أن يطيب الريح فوقع فيهم موتان فهلك ألف فيهم إبراهيم بن صبيح. ثم ركبوا البحر إلى فارس فلما انتهوا إلى ساحل حران عصفت بهم الريح فانكسرت عامة مراكبهم وغرق الكثير منهم.
** حج المهدي **
وفي سنة ستين حج المهدي واستخلف على بغداد ابنه الهادي، وخاله يزيد بن منصور، واستصحب ابنه هارون وجماعة من أهل بيته، وكان معه الوزير يعقوب بن
داود، فجاء في مكة بالحسن بن إبراهيم الذي ضمنه على الأمان فوصله المهدي وأقطعه. ولما وصل إلى مكة اهتم بكسوة الكعبة فكساها بأفخر الكسوة بعد أن نزع ما كان عليها. وكانت فيها كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وقسم مالا عظيما هنالك في مصارف الخير فكان منه مما جاء به من العراق ثلاثون ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار ومن اليمن مائة ألف دينار ففرق ذلك كله، وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع المسجد، ونقل خمسمائة من الأنصار إلى العراق جعلهم في حرسه وأقطع لهم وأجرى الأرزاق. ولما رجع أمر ببناء القصور بطريق مكة أوسع من قصور المنصور من القادسية إلى زبالة، وأمر باتخاذ المصانع في كل منها منهل، وبتحديد الأميال وحفر الآبار، وولى على ذلك بقطير بن موسى، وأمر بالزيادة في مسجد البصرة وتصغير المنابر إلى مقدار منبر النبي صلى الله عليه وسلم. وأمر في سنة سبع وستين بالزيادة في الحرمين على يد بقطير فدخلت فيه دور كثيرة، ولم يزل البناء فيهما إلى وفاة المهدي.
** نكبة الوزير أبي عبد الله **
كان أبو عبد الله الأشعري قد اتصل بالمهدي أيام أبيه المنصور فلطفت عنده منزلته واستوزره وسار معه إلى خراسان وعظمت به بطانة المهدي فأكثروا فيه السعاية، وكان الربيع يدرأ عنه ويعرض كتبه على المنصور ويحسن القول فيه. فكتب المنصور إلى المهدي بالوصاة به وأن لا يقبل فيه السعاية، ولما مات المنصور قام الربيع ببيعة المهدي، وقدموا إلى بغداد جاء الربيع إلى باب أبي عبد الله قبل المهدي وقبل أهله فعذله ابنه الفضل على ذلك، فقال: هو صاحب الرجل وينبغي أن نعامله بغير ما كنا نعامله، وإياك أن تذكر ما كنا نصنع في حقه أو تمنن بذلك في نفسك. فلما وقف ببابه أمهله طويلا من المغرب إلى العشاء ثم أذن له فدخل عليه وهو متكئ فلم يجلس ولا أقبل عليه. وشرع الربيع يذكر أمر البيعة فكفه وقال: قد بلغنا أمركم.
فلما خرج استطال عليه ابنه الفضل بالعذل فيما فعل بأن لم يكن الصواب. فقال له:
ليس الصواب إلا ما عملته، ولكن والله لأنفقن مالي وجاهي في مكروهة، وجد في السعاية فيه فلم يجد طريقا إليها لاحتياطه في أمر دينه وأعماله. فأتاه من قبل ابنه محمد ودس إلى المهدي بعرضه لحرمة وأنه زنديق، حتى لا استحكمت التهمة فيه أحضره
المهدي في غيبة من أبيه، ثم قال له: اقرأ فلم يحسن فقال لأبيه: ألم تقل أن ابنك يقرأ القرآن؟ فقال: فارقني منذ سنين وقد نسي، فأمر به المهدي فقتل. واستوحش من أبي عبد الله وساءت منزلته إلى أن كان من أمره ما نذكره وعزله عن ديوان الرسائل ورده إلى الربيع، وارتفعت منزلة يعقوب بن داود عند المهدي وعظم شأنه وأنفذ عهده إلى جميع الآفاق بوضع الأمناء ليعقوب، وكان لا ينفذ كتاب المهدي حتى يكتب يعقوب إلى يمينه بإنفاذ ذلك.
** ظهور دعوة العباسية بالأندلس وانقطاعها **
وفي سنة إحدى وستين أجاز عبد الرحمن بن حبيب الفهري من إفريقية إلى الأندلس داعية لبني العباس، ونزل بساحل مرسية، وكاتب سليمان بن يقطن [1] عامل سرقسطة في طاعة المهدي فلم يجبه. وقصد بلاده فيمن معه من البربر فهزمه سليمان وعاد إلى تدبير [2] . وسار إليه عبد الرحمن صاحب الأندلس وأحرق السفن في البحر تضييقا على ابن حبيب في النجاة فاعتصم بجبل منيع بنواحي بلنسية فبذل عبد الرحمن فيه المال فاغتاله بعض البربر وحمل رأسه إليه فأعطاه ألف دينار وذلك سنة اثنتين وستين. وهم عبد الرحمن صاحب الأندلس أمر ذلك لغزو الشام من الأندلس على العدوة الشمالية لأخذ ثأره فعصى عليه سليمان بن يقطن والحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عثمان الأنصاري في سرقسطة فشغلوه عما اعتزم عليه من ذلك.
** غزو المهدي **
تجهز المهدي سنة ثلاث وستين لغزو الروم وجمع الأجناد من خراسان ومن الآفاق وتوفي عمه عيسى بن علي آخر جمادى الأخيرة بعسكره، وسار من الغد واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادي واستصحب هارون، ومر في طريقه بالجزيرة والموصل، فعزل عبد الصمد بن علي وحبسه ثم أطلقه سنة ست وستين. ولما جاز ببني مسلمة بن عبد الملك ذكره عمه العباس بما فعله مسلمة مع جدهم محمد بن علي، وكان أعطاه مرة في اجتيازه عليه ألف دينار فأحضر المهدي ولد مسلمة ومواليه وأعطاهم عشرين ألف دينار وأجرى عليهم الأرزاق، وعبر الفرات إلى حلب، فأقام بها وبعث ابنه
هارون للغزو وأجاز معه الدروب إلى جيحان مشيعا، وبعث معه عيسى بن موسى وعبد الملك بن صالح والحسن بن قحطبة والربيع بن يونس ويحيى بن خالد بن برمك وكان إليه أمر العسكر والنفقات، وحاصروا حصن سمالوا أربعين يوما ثم فتحوه بالأمان وفتحوا بعده فتوحات كثيرة، وعادوا إلى المهدي وقد أثخن في الزنادقة وقتل من كان في تلك الناحية منهم. ثم قفل إلى بغداد ومر ببيت المقدس وصلى في مسجده ورجع إلى بغداد.
** العهد لهارون **
وفي سنة ست وستين أخذ المهدي البيعة لابنه هارون بعد أخيه الهادي ولقبه الرشيد.
** نكبة الوزير يعقوب بن داود **
كان أبو داود بن طهمان كاتبا لنصر بن سيار هو وإخوته وكان شيعيا وعلى رأي الزيدية ولما خرج يحيى بن زيد بخراسان كان يكاتبه بأخبار نصر فأقصاه نصر، فلما طلب أبو مسلم بدم يحيى جاءه داود فأمنه في نفسه وأخذ ما اكتسبه من المال أيام نصر، وأقام بعد ذلك عاطلا. ونشأ له ولد أهل أدب وعلم وصحبوا أولاد الحسن. وكان داود يصحب إبراهيم بن عبد الله فورثوا ذلك عنه، ولما قتل إبراهيم طلبهم المنصور وحبس يعقوب وعليا مع الحسن بن إبراهيم حتى توفي، وأطلقهما المهدي بعده مع من أطلق.
وداخله المهدي في أمر الحسن لما فر من الحبس فكان ذلك سببا لوصلته بالمهدي حتى استوزره، فجمع الزيدية وولاهم شرقا وغربا وكثرت السعاية فيه من البطانة بذلك وبغيره وكان المهدي يقبل سعايتهم حتى يروا أنها قد تمكنت، فإذا غدا عليه تبسم وسأله. وكان المهدي مشتهرا بالنساء فيخوض معه في ذلك وفيما يناسبه ويتغلب برضاه وسامره في بعض الليالي وجاء ليركب دابته وقد نام الغلام، فلما ركب نفرت الدابة من قعقعة ردائه فسقط ورمحته فانكسر فانقطع عن المهدي وتمكن أعداؤه من السعاية حتى سخطه وأمر به فحبس وحبس عماله وأصحابه. ويقال بل دفع إليه علويا ليقتله فأطلقه، ونمي ذلك إلى المهدي فأرسل من أحضره، وقال ليعقوب أين العلوي؟ فقال: قتلته فأخرجه إليه حتى رآه. ثم حبس في المطبق ودلي في بئر فيه.
وبقي أيام المهدي والهادي ثم أخرج وقد عمي وسأل من الرشيد المقام بمكة فأذن له.
وقيل في سبب تغيره أنه كان ينهى المهدي عن شرب أصحابه النبيذ عنده، ويكثر
عليه في ذلك ويقول: أبعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ لا والله لا على هذا استوزرتني ولا عليه صحبتك!
** مسير الهادي إلى جرجان **
وفي سنة سبع وستين عصى وتداهر من شرو بن ملكا طبرستان [1] من الديلم فبعث المهدي ولي عهده موسى الهادي وجعل على جنده محمد بن حميد [2] وعلى حجابته نفيعا مولى المنصور وعلى حرسه عيسى بن ماهان وعلى رسائله أبان بن صدقة وتوفي أبان بن صدقة فبعث المهدي مكانه أبا خالد الأجرد [3] . فسار المهدي وبعث الجنود في مقدمته وأمر عليهم يزيد فحاصرهما حتى استقاما وعزل المهدي يحيى الحريشي عن طبرستان وما كان إليه وولى مكانه عمر بن العلاء وولى على جرجان فراشة مولاه ثم بعث سنة ثمان وستين يحيى الحريشي في أربعين ألفا إلى طبرستان.
** العمال بالنواحي **
وفي سنة ثلاث وستين ولى المهدي ابنه هارون على المغرب كله وأذربيجان وأرمينية وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى وعلى الرسائل يحيى بن خالد بن برمك وعزل زفر بن عاصم عن الجزيرة وولى مكانه عبد الله بن صالح، وعزل معاذ بن مسلم عن خراسان وولى مكانه المسيب بن زهير الضبي، وعزل يحيى الحريشي عن أصبهان وولى مكانه الحكم بن سعيد، وعزل سعيد بن دعلج عن طبرستان وولى مكانه عمر بن العلاء، ومهلهل بن صفوان عن جرجان وولاها هشام بن سعيد.
وكان على الحجاز واليمامة جعفر بن سليمان، وعلى الكوفة إسحاق بن الصباح، وعلى البحرين والبصرة وفارس والأهواز محمد بن سليمان، فعزله سنة أربع وستين وولى مكانه صالح بن داود. وكان على السند محمد بن الأشعث. وفي سنة خمس وستين عزل خلف بن عبد الله عن الري وولاها عيسى مولى جعفر، وولى على البصرة روح بن حاتم وعلى البحرين وعمان والأهواز وفارس وكرمان النعمان مولى المهدي. وعزل محمد بن الفضل عن الموصل وولى مكانه أحمد بن إسماعيل. وفي سنة ست وستين
عزل عبيد الله بن الحسن العنبري عن قضاء البصرة واستقضى مكانه خالد بن طليق ابن عمران بن حصين فاستعفى أهل البصرة منه. وولى المهدي على قضائه أبا يوسف حين سار إلى جرجان. واضطربت في هذه السنة خراسان على المسيب بن زهير فولاها أبا العباس الفضل بن سليمان الطوسي، وأضاف إليه سجستان، فولى هو على سجستان سعيد بن دعلج. وولى على المدينة إبراهيم ابن عمه وعزل منصور بن يزيد عن اليمن وولى مكانه عبد الله بن سليمان الربعي. وكان على مصر إبراهيم بن صالح وتوفي في هذه السنة عيسى بن موسى بالكوفة وهي سنة سبع وستين. وعزل المهدي يحيى الحريشي عن طبرستان والرويان وما كان إليه وولاه عمر بن العلاء وولى على جرجان فراشة مولاه. وحج بالناس إبراهيم ابن عمه يحيى وهو على المدينة ومات بعد قضاء الحج، فولى مكانه إسحاق بن موسى بن علي وعلى اليمن سليمان بن يزيد الحارثي وعلى اليمامة عبد الله بن مصعب الزبيري وعلى البصرة محمد بن سليمان وعلى قضائها عمر بن عثمان التميمي وعلى الموصل أحمد بن إسماعيل الهاشمي. وقتل موسى بن كعب ووقع الفساد في بادية البصرة من الأعراب بين اليمامة والبحرين وقطعوا الطرق وانتهكوا المحارم وتركوا الصلاة.
** الصوائف **
وفي سنة تسع وخمسين أغزى المهدي عمه العباس بالصائفة وعلى مقدمته الحسن الوصيف فبلغوا أهرة [1] وفتحوا مدينة أوهرة ورجعوا سالمين ولم يصب من المسلمين أحد. وفي سنة إحدى وستين غزا بالصائفة يمامة بن الوليد [2] فنزل دابق وجاشت الروم مع ميخاييل في ثمانين ألفا ونزل عمق مرعش فقتل وسبى وغنم، وحاصر مرعش وقتل من المسلمين عددا، وانصرف إلى جيحان فكان عيسى بن علي مرابطا بحصن مرعش فعظم ذلك على المهدي وتجهز لغزو الروم. وخرجت الروم سنة اثنتين وستين إلى الحرث [3] فهدموا أسوارها وغزا بالصائفة الحسن بن قحطبة في ثمانين ألفا من المرتزقة فبلغ جهة أدرركبه [4] وأكثر التحريق والتخريق ولم يفتح حصنا ولا لقي
جمعا ورجع بالناس سالما. وغزا يزيد بن أسيد السلمي من ناحية قاليقلا فغنم وسبى وفتح ثلاثة حصون. ثم غزا المهدي بنفسه سنة ثلاث وستين كما مر ثم غزا سنة أربع وستين عبد الكبير بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحرث فخرج إليه ميخاييل وطارد الأرمني [1] البطريقان في تسعين الفا فحام عن لقائهم ورجع بالناس، فغضب عليه المهدي وهم بقتله فشفع فيه وحبسه. وفي سنة خمس وستين بعث المهدي ابنه هارون بالصائفة وبعث معه الربيع فتوغل في بلاد الروم ولقيه عسكر نقيطا من القواميس فبارزه يزيد بن مزيد فهزمهم، وغلب على عسكرهم ولحقوا بالدمشق [2] صاحب المسالح، فحمل لهم مائتي ألف دينار واثنتين وعشرين ألف درهم، وسار الرشيد بعساكره وكانت نحوا من مائة ألف فبلغ خليج قسطنطينية وعلى الروم يومئذ غسطة [3] امرأة إليوك كافلة لابنها منه صغيرا، فجرى الصلح على الفدية وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطريق لأن مدخله كان ضيقا مخوفا فأجابت لذلك، وكان مقدار الفدية سبعين ألف دينار كل سنة ومدة الصلح ثلاث سنين وكان ما سباه المسلمون قبل الصلح خمسة آلاف رأس وستمائة رأس وقتل من الروم في وقائع هذه الغزوات أربعة وخمسون ألفا ومن الأسرى ألفان. ثم نقض الروم هذا الصلح سنة ثمان وستين ولم يستكملوا مدته بقي منها أربعة أشهر وكان على الجزيرة وقنسرين علي ابن سليمان فبعث يزيد بن البدر بن البطال في عسكر فغنموا وسبوا وظفروا ورجعوا.
** وفاة المهدي وبيعة الهادي **
وفي سنة تسع وستين اعتزم المهدي على خلع ابنه موسى الهادي من العهد والبيعة للرشيد به، وتقديمه على الهادي وكان بجرجان فبعث إليه بذلك فاستقدمه فضرب الرسول وامتنع، فسار إليه المهدي فلما بلغ ماسبدان توفي هنالك. يقال مسموما من بعض جواريه، ويقال سمت إحداهما الأخرى في كثرى فغلط وأكلها ويقال حاز صيدا فدخل وراءه إلى خربة فدق الباب ظهره وكان موته في المحرم وصلى عليه ابنه الرشيد وبويع ابنه موسى الهادي لما بلغه موت أبيه وهو مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان. وكان الرشيد لما توفي المهدي والعسكر بماسبدان نادى في الناس بإعطاء
تسكينا وقسم فيهم مائتين مائتين، فلما استوفوها تنادوا بالرجوع إلى بغداد وتشايعوا إليها واستيقنوا موت المهدي، فأتوا باب الربيع وأحرقوه وطالبوا بالأرزاق ونقبوا السجون.
وقدم الرشيد بغداد في أثرهم فبعثت الخيزران إلى الربيع فامتنع يحيى خوفا من غيرة الهادي وأمرت الربيع بتسكين الجند فسكنوا وكتب الهادي إلى الربيع يتهدده فاستشار يحيى في أمره وكان يثق بوده فأشار عليه بأن يبعث ابنه الفضل يعتذر عنه وتصحبه الهدايا والتحف ففعل ورضى الهادي عنه وأخذت البيعة ببغداد للهادي. وكتب الرشيد بذلك إلى الآفاق وبعث نصيرا الوصيف إلى الهادي بجرجان فركب اليزيد إلى بغداد فقدمها في عشرين يوما. فاستوزر الربيع وهلك لمدة قليلة من وزارته. واشتد الهادي في طلب الزنادقة وقتلهم، وكان منهم علي بن يعطى ويعقوب بن الفضل من ولد ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، كان قد أقر بالزندقة عند المهدي إلا أنه كان مقسما أن لا يقتل هاشميا فحبسه وأوصى الهادي بقتله وبقتل ولد عمهم داود بن علي فقتلهما (وأما عماله) فكان على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعلى مكة والطائف عبد الله بن قثم وعلى اليمن إبراهيم بن مسلم بن قتيبة وعلى اليمامة والبحرين سويد القائد الخراساني وعلى عمان الحسن بن سليم الحواري وعلى الكوفة موسى بن عيسى بن موسى، وعلى البصرة ابن سليمان وعلى جرجان الحجاج مولى الهادي، وعلى قومس زياد بن حسان وعلى طبرستان والرويان صالح بن عمير مولى [1] وعلى الموصل هاشم بن سعيد بن خالد، وعزله الهادي لسوء سيرته وولى مكانه عبد الملك وصالح بن علي (وأما الصائفة) فغزا بها في هذه السنة وهي سنة تسع وتسعين معيوب [2] بن يحيى وقد كان الروم خرجوا مع بطريق لهم إلى الحرث فهرب الوالي ودخلها الروم وعاثوا فيها فدخل معيوب وراءهم من درب الراهب وبلغ مدينة استة وغنم وسبى وعاد.
** ظهور الحسين المقتول بفتح [3] **
وهو الحسين بن علي بن حسن المثلث بن حسن المثنى بن الحسن السبط، كان الهادي
قد استعمل على المدينة عمر بن عبد العزيز كما مر فأخذ يوما الحسن بن المهدي بن محمد بن عبد الله بن الحسين الملقب أبا الزفت، ومسلم بن جندب الهذلي الشاعر، وعمر بن سلام مولى العمريين على شراب لهم، فضربهم وطيف بهم بالمدينة بالحبال في أعناقهم، وجاء الحسين إليه فشفع فيهم وقال: ليس عليهم حد فإن أهل العراق لا يرون به بأسا وليس من الحد أن نطيفهم فحبسهم. ثم جاء ثانية ومعه من عمومته يحيى بن عبد الله بن الحسن صاحب الديلم بعد ذلك فكفلاه وأطلقه من الحبس. وما زال آل أبي طالب يكفل بعضهم بعضا ويعرضون فغاب الحسن عن العرض يومين، فطلب به الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله كافليه وأغلظ لهما، فحلف يحيى أنه يأتي به من ليلته أو يدق عليه الباب يؤذنه به. وكان بين الطالبيين ميعاد للخروج في الموسم فأعجلهم ذلك عنه وخرجوا من ليلتهم. وضرب يحيى على العمري في باب داره بالسيف واقتحموا المسجد فصلوا الصبح وبايع الناس الحسين المرتضى من آل محمد على كتاب الله وسنة رسوله. وجاء خالد اليزيدي في مائتين من الجند والعمري وابن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد في ناس كثيرين فقاتلوهم وهزموهم من المسجد، واجتمع يحيى وإدريس بن عبد الله بن حسن فقتلاه وانهزم الباقون وافترق الناس.
وأغلق أهل المدينة أبوابهم وانتهب القوم من بيت المال بضعة عشر ألف دينار وقيل سبعين ألفا، واجتمعت شيعة بني العباس من الغد وقاتلوهم إلى الظهر وفشت الجراحات وافترقوا. ثم قدم مبارك التركي من الغد حاجا فقاتل مع العباسية إلى منتصف النار وافترقوا، وواعدهم مبارك الرواح إلى القتال واستغفلهم وركب رواحله راجعا واقتتل الناس المغرب ثم افترقوا. ويقال إن مباركا دس إلى الحسين بذلك تجافيا عن أذية أهل البيت، وطلب أن يأخذ له عذرا في ذلك بالبيات فبيته الحسين واستطرد له راجعا. وأقام الحسين وأصحابه بالمدينة واحدا وعشرين يوما آخر ذي القعدة، ولما بلغها نادى في الناس بعتق من أتى إليه من العبيد فاجتمع إليه جماعة.
وكان قد حج تلك السنة رجال من بني العباس منهم سليمان بن المنصور ومحمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد بن علي وموسى وإسماعيل أبناء عيسى بن موسى. ولما بلغ خبر الحسين إلى الهادي كتب إلى محمد بن سليمان وولاه على حربه وكان معه رجال وسلاح وقد أغذ بهم عن البصرة خوف الطريق، فاجتمعوا بذي طوى، وقدموا مكة فحلوا من العمرة التي كانوا أحرموا بها. وانضم إليهم من حج من شيعتهم
ومواليهم وقوادهم، واقتتلوا يوم التروية، فانهزم الحسين وأصحابه وقتل كثير منهم، وانصرف محمد بن سليمان وأصحابه إلى مكة ولحقهم بذي طوى رجل من خراسان برأس الحسين ينادي من خلفهم بالبشارة، حتى ألقى الرأس بين أيديهم مضروبا على قفاه وجبهته، وجمعت رءوس القتلى فكانت مائة ونيفا وفيها رأس سليمان أخي المهدي ابن عبد الله، واختلط المنهزمون بالحاج. وجاء الحسن بن المهدي أبو الزفت فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد فأخذه موسى بن عيسى وقتله وغضب محمد بن سليمان من ذلك وغضب الهادي لغضبه وقبض أمواله وغضب على مبارك التركي وجعله سائس الدواب فبقي كذلك حتى مات الهادي. وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبد الله أخو المهدي فأتى مصر وعلي يريدها، وأصبح مولى صالح بن المنصور وكان يتشيع لآل علي فحمله على البريد إلى المغرب ووقع بمدينة وليلة من أعمال طنجة واجتمع البريد على دعوته وقتل الهادي وأصحابه بذلك وصلبه [1] وكان لإدريس وابنه إدريس وأعقابهم حروب نذكرها بعده.
** حديث الهادي في خلع الرشيد **
كان الهادي يبغض الرشيد بما كان المهدي أبوهما يؤثره، وكان رأى في منامه أنه دفع إليهما قضيين فأورق قضيب الهادي من أعلاه وأورق قضيب الرشيد كله، وتأول ذلك بقصر مدة الهادي وطول مدة الرشيد وحسنها. فلما ولي الهادي أجمع خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر مكانه، وفاوض في ذلك قواده فأجابه يزيد بن مزيد وعلي بن عيسى وعبد الله بن مالك، وحرضوا الشيعة على الرشيد لينقصوه ويقولوا لا نرضى به، ونهى الهادي أن يشاور بين يديه بالحرب فاجتنبه الناس، وكان يحيى بن خالد يتولى أموره فاتهمه الهادي بمداخلته وبعث إليه وتهدده فحضر عنده مستميتا وقال:
يا أمير المؤمنين أنت أمرتني بخدمته من بعد المهدي! فسكن غضبه وقال له في أمر الخلع فقال: يا أمير المؤمنين أنت إن حملت الناس على نكث الإيمان فيه هانت عليهم فيمن توليه، وإن بايعت بعده كان ذلك أوثق للبيعة، فصدقه وسكت عنه،
وعاد أولئك الذين جفلوه من القواد والشيعة فأغروه بيحيى وأنه الذي منع الرشيد من خلع نفسه، فحبسه الهادي فطلب الحضور للنصيحة، وقال له يا أمير المؤمنين أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر وهو صبي ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم، وتأمن أن يسمو إليها عند ذلك أكابر أهل بيتك فتخرج من ولد أبيك، والله لو لم يعقده المهدي لكان ينبغي أن تعقده أنت له حذرا من ذلك، وإني أرى أن تعقده لأخيك، فإذا بلغ ابنك أتيتك بأخيك فخلع نفسه وبايع له فقبل الهادي قوله وأطلقه. ولم يقنع القواد ذلك لأنهم كانوا حذرين من الرشيد في ذلك وضيق عليه واستأذنه في الصيد فمضى إلى قصر مقاتل ونكره الهادي وأظهر خفاءه [1] وبسط الموالي والقواد فيه ألسنتهم.
** وفاة الهادي وبيعة الرشيد **
ثم خرج الهادي إلى حديقة الموصل فمرض واشتد مرضه هنالك واستقدم العمال شرقا وغربا. ولما ثقل تآمر القواد الذين بايعوا جعفرا في قتل يحيى بن خالد، ثم أمسكوا خوفا من الهادي. ثم توفي الهادي في شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وقيل توفي بعد أن عاد من حديقة الموصل. ويقال إن أمه الخيزران وصت بعض الجواري عليه فقتلته لأنها كانت أول خلافته تستبد عليه بالأمور فعكف الناس واختلفت المواكب، ووجد الهادي لذلك فكلمته يوما في حاجة فلم يجبها فقالت: قد ضمنتها لعبد الله بن مالك. فغضب الهادي وشتمه وحلف لاقضيتها فقامت مغضبة، فقال:
مكانك وإلا انتفيت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. لئن بلغني أن أحدا من قوادي وخاصتي وقف ببابك لأضربن عنقه ولأقبضن ماله، ما للمواكب تغدو وتروح عليك؟ أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟
إياك إياك لا تفتحي بابك لمسلم ولا ذمي! فانصرفت وهي لا تعقل. ثم قال لأصحابه: أيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، ويقال فعلت أم فلان وصنعت؟ فقالوا لا نحب ذلك. قال: فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون معها؟
فيقال: إنه لما جد في خلع الرشيد خافت عليه منه، فلما ثقل مرضه وصت بعض الجواري فجلست على وجهه فمات، وصلى عليه الرشيد. وجاء هرثمة بن أعين إلى
الرشيد فأخرجه وأجلسه للخلافة، وأحضر يحيى فاستوزره وكتب إلى الأطراف بالبيعة. وقيل: إن يحيى هو الذي جاءه وأخرجه فصلى على الهادي ودفنه [1] إلى يحيى وأعطاه خاتمه. وكان يحيى يصدر عن رأي الخيزران أم الرشيد. وعزل لأول خلافته عمر بن عبد العزيز العمري عن المدينة وولى مكانه إسحاق بن سليمان، وتوفي يزيد بن حاتم عامل إفريقية، فولى مكانه روح بن حاتم، ثم توفي فولى مكانه ابنه الفضل، ثم قتل فولى هرثمة بن أعين كما يذكر في أخبار إفريقية. وأفرد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها عمالة واحدة وسماها العواصم، وأمره بعمارة طرسوس ونزلها الناس. وحج لأول خلافته وقسم في الحرمين مالا كثيرا. وأغزى بالصائفة سليمان بن عبد الله البكائي، وكان على مكة والطائف عبد الله بن قثم وعلى الكوفة عيسى بن موسى وعلى البحرين والبصرة واليمامة وعمان والأهواز وفارس محمد بن سليمان بن علي، وعلى خراسان أبو الفضل العباس بن سليمان الطوسي ثم عزله وولى مكانه جعفر بن محمد بن الأشعث. فسار إلى خراسان وبعث ابنه العباس إلى كابل فافتتحها وافتتح سابهار وغنم ما كان فيها. ثم استقدمه الرشيد فعزله وولى مكانه ابنه العباس، وكان على الموصل عبد الملك بن صالح فعزله وولى مكانه إسحاق بن محمد بن فروخ، فبعث إليه الرشيد أبا حنيفة حرب بن قيس فأحضره إلى بغداد وقتله، وولى مكانه [2] وكان على أرمينية يزيد بن مزيد بن زائدة بن أخي معن فعزله وولى مكانه أخاه عبد الله بن المهدي. وولى سنة إحدى وسبعين على صدقات بني ثعلب [3] روح بن صالح الهمداني فوقع بينه وبين ثعلب خلاف وجمع لهم الجموع فبيتوه وقتلوه في جماعة من أصحابه. وتوفي سنة ثلاث وسبعين محمد بن سليمان والي البصرة وكان أخوه جعفر كثير السعاية فيه عند الرشيد وأنه يحدث نفسه بالخلافة! وأن أمواله كلها فيء من أموال المسلمين
فاستصفاها الرشيد وبعث من قبضها، وكان لا يعبر عنها من المال والمتاع والدواب، واحضروا من العين فيها ستين ألف ألف دينار ولم يكن إلا أخوه جعفر فاحتج عليه الرشيد بإقراره أنها فيء. وتوفي سنة أربع وسبعين والي الرشيد إسحاق بن سليمان على السند ومكران، واستقضى يوسف بن أبي يوسف في حياة أبيه، وفي سنة خمس وسبعين عقد لابنه محمد بن زبيدة ولاية العهد ولقبه الأمين وأخذ له البيعة وعمره خمس سنين بسعاية خاله عيسى بن جعفر بن المنصور ووساطة الفضل بن يحيى، وفيها عزل الرشيد العباس بن جعفر عن خراسان وولاها خاله الغطريف بن عطاء الكندي.
** خبر يحيى بن عبد الله في الديلم **
وفي سنة خمس وسبعين خرج يحيى بن عبد الله بن حسن أخو المهدي بالديلم واشتدت شوكته وكثر جمعه وأتاه الناس من الأمصار فندب اليه الرشيد الفضل بن يحيى في خمسين ألفا وولاه جرجان وطبرستان والري وما إليها ووصل معه الأموال فسار ونزل بالطالقان وكاتب يحيى وحذره وبسط أمله وكتب إلى صاحب الديلم في تسهيل أمر يحيى على أن يعطيه ألف ألف درهم فأجاب يحيى على الأمان بخط الرشيد وشهادة الفقهاء والقضاة واجلة بني هاشم ومشايخهم عن عبد الصمد منهم فكتب له الرشيد بذلك وبعثه مع الهدايا والتحف وقدم يحيى مع الفضل فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأفاض عليه العطاء وعظمت منزلة الفضل عنده ثم أن الرشيد حبس يحيى إلى أن هلك في حبسه.
** ولاية جعفر بن يحيى مصر **
كان موسى بن عيسى قد ولاه الرشيد مصر فبلغه أنه عازم على الخلع فرد أمرها إلى جعفر بن يحيى وأمره بإحضار عمر بن مهران وأن يوليه عليها، وكان أحول مشوه الخلق خامل البزة يردف غلامه خلفه. فلما ذكرت له الولاية قال على شرطية أن يكون أمري بيدي إذا صلحت البلاد انصرفت فأجابه إلى ذلك. وسار إلى مصر وأتى مجلس موسى فجلس في أخريات الناس حتى إذا افترقوا رفع الكتاب إلى موسى فقرأه وقال: متى يقدم أبو حفص؟ فقال: أنا أبو حفص! فقال موسى: لعن الله فرعون حيث قال: أليس لي ملك مصر ثم سلم له العمل. فتقدم عمر إلى كاتبه أن لا
يقبل من الهدية إلا ما يدخل في الكيس، فبعث الناس بهداياهم وكانوا يمطلون بالخراج. فلما حضر النجم الأول والثاني وشكوا الضيق في الثالث أحضر الهدايا وحسبها لأربابها واستوفى خراج مصر ورجع إلى بغداد.
** الفتنة بدمشق **
وفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية ورأس المضرية أبو الهيدام عامر بن عمارة من ولد خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري، وكان أصل الفتنة بين القيس وبين اليمانية أن اليمانية قتلوا منهم رجلا فاجتمعوا لثأره، وكان على دمشق عبد الصمد بن علي فجمع كبار العشائر ليصلحوا بينهم فأمهلتهم اليمانية وبيتوا المضرية فقتلوا منهم ثلاثمائة أو ضعفها، فاستجاشوا بقبائل قضاعة وسليم فلم ينجدوهم وأنجدتهم قيس، وساروا معهم إلى البلقاء فقتلوا من اليمانية ثمانمائة وطال الحرب بينهم. وعزل عبد الصمد عن دمشق وولى مكانه إبراهيم بن صالح بن علي. ثم اصطلحوا بعد سنين ووفد إبراهيم على الرشيد وكان هواه مع اليمانية فوقع في قيس عند الرشيد واعتذر عنهم عبد الواحد بن بشر واستخلف إبراهيم على دمشق ابنه إسحاق فحبس جماعة من قيس وضربهم. ثم وثبت غسان برجل من ولد قيس بن العبسي فقتلوه، واستنجد أخوه بالدواقيل من حوران فأنجدوه وقتلوا من اليمانية نفرا. ثم وثبت اليمانية بكليب بن عمر بن الجنيد بن عبد الرحمن وعنده ضيف له فقتلوهم، فجاءت أم الغلام سابة إلى أبي الهيدام، فقال انظريني حتى ترفع دماؤنا إلى الأمير، فإن نظر فيها وإلا فأمير المؤمنين ينظر فيها. وبلغ ذلك إسحاق وحضر عنده أبو الهيدام فلم يأذن له ثم قتل بعض الدواقيل رجلا من اليمانية وقتلت اليمانية رجلا من سليم ونهبوا جيران محارب، وركب أبو الهيدام معهم إلى إسحاق فوعده بالنظر لهم، وبعث إلى اليمانية يغريهم به فاجتمعوا وأتوا إلى باب الجابية فخرج إليهم أبو الهيدام وهزمهم واستولى على دمشق وفتح السجون. ثم اجتمعت اليمانية واستنجدوا كلبا وغيرهم فاستمدوهم، واستجاش أبو الهيدام المضرية فجاءوه وهو يقاتل اليمانية عند باب توما فهزمهم أربع مرات. ثم أمره إسحاق بالكف وبعث إلى اليمانية يخبرهم بغرته، وجاء الخبر وركب وقاتلهم فهزمهم، ثم هزمهم أخرى على باب توما. ثم جمعت اليمانية أهل الأردن والجولان من كلب وغيرهم فأرسل من يأتيه بالخبر فأبطئوا ودخل المدينة فأرسل إسحاق من دلهم على مكمنه وأمرهم بالعبور إلى
المدينة، فبعث من أصحابه من يأتيهم من ورائهم فانهزموا. ولما كان مستهل صفر جمع إسحاق الجنود عند قصر الحجاج وجاء أصحاب الهيدام من أراد نهب القرى التي لهم بنواحي دمشق. ثم سألوا الأمان من أبي الهيدام فأمنهم وسكن الناس.
وفرق أبو الهيدام أصحابه وبقي في نفر يسير من أهل دمشق، فطمع فيه إسحاق وسلط عليه العذافر السكسكي مع الجنود فقاتلهم فانهزم العذافر وبقي الجند يحاربونه ثلاثا.
ثم إن إسحاق قاتله في الثالثة والجند في اثني عشر ألفا ومعهم اليمانية، فخرج أبو الهيدام من المدينة وقاتلهم على باب الجابية حتى أزالهم عنه. ثم أغار جمع من أهل حمص على قرية لأبي الهيدام فقاتلهم أصحابه وهزموهم وقتلوا منهم خلقا وأحرقوا قرى وديارا لليمانية في الغوطة، ثم توادعوا سبعين يوما أو نحوها وقدم السندي في الجنود من قبل الرشيد وأغزته [1] اليمانية بأبي الهيدام فبعث هو إليه بالطاعة فأقبل السندي إلى دمشق وإسحاق بدار الحجاج، وبعث قائده في ثلاثة آلاف وأخرج إليهم أبو الهيدام ألفا وأحجم القائد عنهم ورجع إلى السندي فصالح أبا الهيدام وأمن أهل دمشق. وسار أبو الهيدام إلى حوران وأقام السندي بدمشق ثلاثا وقدم موسى بن عيسى واليا عليها فبعث الجند يأتونه بأبي الهيدام فكبسوا داره وقاتلهم هو وابنه وعبده فانهزموا وجاء أصحابه من كل جهة وقصد بصرى. ثم بعث إليه موسى فسار إليه في رمضان سنة سبع وسبعين وقيل إن سبب الفتنة بدمشق أن عامل الرشيد بسجستان قتل أخا الهيدام فخرج هو بالشام وجمع الجموع. ثم بعث الرشيد أخا له ليأتيه به فتحيل حتى قبض عليه وشده وثاقا وأتى به إلى الرشيد فمن عليه وأطلقه. وبعث جعفر ابن يحيى سنة ثمانين إلى الشام من أجل هذه الفتن والعصبية فسكن الثائرة وأمن البلاد وعاد.
** فتنة الموصل ومصر **
وفي سنة سبع وثمانين تغلب العطاف بن سفيان الأزدي على خراسان وأهل الموصل على العامل بها محمد بن العباس الهاشمي وقيل عبد الملك بن صالح فاجتمع عليه أربعة آلاف رجل وجبى الخراج وبقي العامل معه مغلبا إلى أن سار الرشيد إلى الموصل وهدم سورها ولحق العطاف بأرمينية ثم بالرقم فاتخذها وطنا. وفي سنة ثمان وسبعين
ثارت الحوفية بمصر وهم من قيس وقضاعة على عاملها إسحاق بن سليمان وقاتلوه.
وكتب الرشيد إلى هرثمة بن أعين وكان بفلسطين فسار إليهم وأذعنوا بالطاعة، وولي على مصر ثم عزله لشهر وولى عبد الملك بن صالح عليها. وكان على خراسان أيام المهدي والهادي أبو الفضل العباس بن سليمان الطوسي فعزله الرشيد، وولى على خراسان جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعي فأبوه من النقباء من أهل مصر ومقدم ابنه العباس سنة ثلاث وسبعين، ثم قدم فغزا طخارستان وبعث ابنه العباس إلى كابل في الجنود وافتتح سابهار ورجع إلى مرو. ثم سار إلى العراق سنة ثلاث في رمضان وكان الأمين في حجره قبل أن يجعله في حجر الفضل بن يحيى. ثم ولى الرشيد ابنه العباس بن جعفر ثم عزله عنها فولى خالدا الغطريف بن عطاء الكندي سنة خمس وسبعين على خراسان وسجستان وجرجان فقدم خليفة داود بن يزيد وبعث عامل سجستان، وخرج في أيامه حصين الخارجي من موالي قيس بن ثعلبة من أهل أوق وبعث عامل سجستان عثمان بن عمارة الجيوش إليه فهزمهم حصين وقتل منهم وسار إلى باذغيس وبوشنج وهراة فبعث إليه الغطريف اثني عشر ألفا من الجند فهزمهم حصين وقتل منهم خلقا، ولم يزل في نواحي خراسان إلى أن قتل سنة سبع وسبعين. وسار الفضل إلى خراسان سنة ثمان وسبعين وغزا ما وراء النهر سنة ثمانين ثم ولى الرشيد على خراسان علي بن عيسى بن ماهان وقدم إليه يحيى [1] فأقام بها عشرين سنة وخرج عليه في ولايته حمزة بن أترك وقصد بوشنج وكان على هراة عمرويه بن يزيد الأزدي فنهض إليه في ستة آلاف فارس فهزمهم حمزة وقتل جماعة منهم ومات عمرويه في الزحام، فبعث علي بن عيسى ابنه الحسن في عشرة آلاف ففض [2] حربه فعزله، وبعث ابنه الآخر عيسى فهزمه حمزة فأمده بالعساكر ورده فهزم حمزة وقتل أصحابه، ونجا إلى قهستان في أربعين وأثخن عيسى في الخوارج بارق وجوين [3] وفيمن كان يعينهم من أهل القرى حتى قتل ثلاثين ألفا. وخلف عبد الله بن العباس النسيقي [4] بزرنج فجبى الأموال وسار بها ومعه الصفة ولقيه حمزة
فهزموه وقتلوا عامة أصحابه. وسار حمزة في القرى فقتل وسبى وكان علي قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج فخرج إلى حمزة وقصد قرية [1] ففر الخوارج وهم الذين يرون التحكيم ولا يقاتلون والمحكمة هم الذين يقاتلون وشعارهم لا حكم إلا لله فكتب العقد إلى حمزة بالكف وواعدهم، ثم انتقض وعاث في البلاد وكانت بينه وبين أصحاب علي حروب كثيرة. ثم ولى الرشيد سنة اثنتين وثمانين ابنه عبد الله العهد بعد الأمين ولقبه المأمون وولاه على خراسان وما يتصل بها إلى همذان واستقدم عيسى ابن علي من خراسان وردها إليه من قبل المأمون وخرج عليه بنسا أبو الخصيب وهب ابن عبد الله النسائي وعاث في نواحي خراسان ثم طلبه الأمان فأمنه. ثم بلغه أن حمزة الخارجي عاث بنواحي باذغيس فقصده وقتل من أصحابه نحوا من عشرة آلاف وبلغ كل من وراء غزنة. ثم غدر أبو الخصيب ثانية وغلب أبيورد ونسا وطوس ونيسابور، وحاصر مرو وانهزم عنها وعاد إلى سرخس، ثم نهض إليه ابن ماهان سنة ست وثمانين فقتله في نسا وسبى أهله. ثم نمي إلى الرشيد سنة تسع وثمانين أن علي بن عيسى مجمع على الخلاف وأنه قد أساء السيرة في خراسان وعنفهم، وكتب إليه كبراء أهلها يشكون بذلك، فسار الرشيد إلى الري فأهدى له الهدايا والكثيرة والأموال ولجميع من معه من أهل بيته وولده وكتابه وقواده وتبين للرشيد من مناصحته خلاف ما أنهى إليه فرده إلى خراسان وولى على الري وطبرستان ودنباوند وقومس وهمذان وبعث علي ابنه عيسى لحرب خاقان سنة ثمان وثماني فهزمه وأسر إخوته، وانتقض على علي بن عيسى رافع بن الليث بن نصر بن سيار بسمرقند وطالت حروبه معه وهلك في بعضها ابنه عيسى. ثم إن الرشيد نقم على علي بن عيسى أمورا منها استخفافه بالناس وإهانته أعيانهم، ودخل عليه يوما الحسين بن مصعب والد طاهر فأغلظ له في القول وأفحش في السب والتهديد وفعل مثل ذلك بهشام بن [2] فأما الحسين فلحق بالرشيد شاكيا ومستجيرا وأما هشام فلزم بيته وادعى أنه بعلة الفالج حتى عزل علي، وكان مما نقم عليه أيضا أنه لم قتل ابنه عيسى في حرب رافع بن الليث أخبر بعض جواريه أنه دفن في بستانه ببلخ ثلاثين ألف
دينار [1] . وتحدث الجواري بذلك فشاع في الناس، ودخلوا البستان ونهبوا المال، وكان يشكو إلى الرشيد بقلة المال ويزعم أنه باع حلي نسائه. فلما سمع الرشيد هذا المال استدعى هرثمة بن أعين وقال له: وليتك خراسان، وكتب له بخطه وقال له: اكتم أمرك وامض كأنك مدد. وبعث معه رجاء الخادم. فسار إلى نيسابور وولى أصحابه فيها ثم سار إلى مرو ولقيه علي بن عيسى فقبض عليه وعلى أهله وأتباعه وأخذ أمواله فبلغت ثمانين ألف ألف، وبعث إلى الرشيد من المتاع وقر خمسمائة بعير وبعث إليه بعلي بن عيسى على بعير من غير غطاء ولا وطاء، وخرج هرثمة إلى ما وراء النهر وحاصر رافع بن الليث بسمرقند إلى ان استأمن فأمنه، وأقام هرثمة بسمرقند وكان قدم مرو سنة ثلاث وتسعين.
** إيداع كتاب العهد **
وفي سنة ست وثمانين حج الرشيد وسار من الأنبار ومعه أولاده الثالثة محمد الأمين وعبد الله المأمون والقاسم، وكان قد ولى الأمين العهد وولاه العراق والشام إلى آخر.
الغرب. وولى المأمون العهد بعده وضم إليه من همذان إلى آخر المشرق، وبايع لابنه القاسم من بعد المأمون ولقبه المؤتمن وجعل خلعه وإثباته للمأمون. وجعل في حجر عبد الملك صالح وضم إليه الجزيرة والثغور والعواصم. ومر بالمدينة فأعطاه فيها ثلاثة أعطية عطاء منه ومن الأمين ومن المأمون فبلغ ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. ثم سار إلى مكة فأعطى مثلها، وأحضر الفقهاء والقضاة والقواد وكتب كتابا أشهد فيه على الأمين بالوفاء للمأمون وآخر على المأمون بالوفاء للأمين وعلق الكتابين في الكعبة وجدد عليها العهود هنالك. ولما شخص إلى طبرستان سنة تسع وثمانين وأقام بها أشهد من حضره أن جميع ما في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع للمأمون وجدد له البيعة عليهم وأرسل إلى بغداد فجدد له البيعة على الأمين.
** أخبار البرامكة ونكبتهم **
قد تقدم لنا أن خالد بن برمك كان من كبار الشيعة وكان له قدم راسخ في الدولة وكان يلي الولايات العظام وولاه المنصور على الموصل، وعلى أذربيجان، وولى ابنه
يحيى على أرمينية ووكله المهدي بكفالة الرشيد فأحسن تربيته ودفع عنه أخاه الهادي أراده على الخلع وتولية العهد ابنه وحبسه الهادي لذلك. فلما ولي الرشيد استوزر يحيى وفوض إليه أمور ملكه وكان أولا يصدر عن رأي الخيزران أم الرشيد، ثم استبد بالدولة. ولما ماتت وكان بيتهم مشهورا بالرجال من العمومة والقرابة، وكان بنوه جعفر والفضل ومحمد قد شابهوا آباءهم في عمل الدولة واستولوا على حظ من تقريب السلطان واستخلاصه. وكان الفضل أخاه من الرضاع أرضعت أمه الرشيد وأرضعته الخيزران وكان يخاطب يحيى يا أبت واستوزر الفضل وجعفرا وولى جعفرا على مصر وعلى خراسان وبعثه إلى الشام عند ما وقعت الفتنة بين المضرية واليمانية، فسكن الأمور ورجع. وولى الفضل أيضا على مصر وعلى خراسان وبعثه لاستنزال يحيى بن عبد الله العلوي من الديلم ودفع المأمون لما ولاه العهد إلى كفالة جعفر بن يحيى فحسنت آثارهم في ذلك كله. ثم عظم سلطانهم واستيلاؤهم على الدولة وكثرت السعاية فيهم وعظم حقد الرشيد على جعفر منهم، يقال بسبب أنه دفع إليه يحيى بن عبد الله لما استنزله أخوه الفضل من الديلم، وجعل حبسه عنده فأطلقه استبدادا على السلطان ودالة وأنهى الفضل بن الربيع ذلك إلى الرشيد فسأله فصدقه الخبر فأظهر له التصويب وحقدها عليه، وكثرت السعاية فيهم فتنكر لهم الرشيد. ودخل عليه يوما يحيى بن خالد بغير إذن فنكر ذلك منه، وخاطب به طبيبه جبريل بن بختيشوع منصرفا به من مواجهته وكان حاضرا فقال يحيى: هو عادتي يا أمير المؤمنين، وإذ قد نكرت مني فسأكون في الطبقة التي تجعلني فيها! فاستحيى هارون وقال: ما أردت ما يكره. وكان الغلمان يقومون بباب الرشيد ليحيى إذ دخل، فتقدم لهم مسرور الخادم بالنهي عن ذلك فصاروا يعرضون عنه إذا أقبل، وأقاموا على ذلك زمانا. فلما حج الرشيد سنة سبعة وثمانين ورجع من حجه ونزل الأنبار أرسل مسرورا الخادم في جماعة من الجند ليلا فأحضر جعفرا بباب الفسطاط وأعلم الرشيد فقال: ائتني برأسه فطفق جعفر يتذلل ويسأله المراجعة في أمره حتى قذفه الرشيد بعصي كانت في يده وتهدده فخرج وأتاه برأسه وحبس الفضل من ليلته وبعث من احتاط على منازل يحيى وولده وجميع موجودهم وحبسه في منزله وكتب من ليلته إلى سائر النواحي بقبض أموالهم ورقيقهم، وبعث من الغد بشلو جعفر وأمر أن يقسم قطعتين.. وبنصبان على الجسر، وأعفى محمد بن خالد من النكبة ولم يضيق على يحيى ولابنه الفضل ومحمد
وموسى ثم تجردت عنه التهمة بعبد الملك بن صالح بن علي، وكانوا أصدقاء له، فسعى فيه ابنه عبد الرحمن بأنه يطلب الخلافة فحبسه عنه الفضل بن الربيع، ثم أحضره من الغداة وقرعه ووبخه فأنكر وحلف واعترف لحقوق الرشيد وسلفه عليه، فأحضر كاتبه شاهدا عليه فكذبه عبد الملك، فأحضر ابنه عبد الرحمن فقال هو مأمور معذور أو عاق فاجر، فنهض الرشيد من مجلسه وهو يقول سأصبر حتى أعلم ما يرضي الله فيك، فإنه الحكم بيني وبينك، فقال عبد الملك: رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما فإنه لا يؤثر هواه على رضا ربه. ثم أحضره الرشيد يوما آخر فأرعد له وأبرق وجعل عبد الملك يعدد وسائله ومقاماته في طاعته ومناصحته فقال له الرشيد: لولا إبقائي على بني هاشم لقتلتك ورده إلى محبسه. وكلمه عبد الله بن مالك فيه، وشهد له بنصحه فقال: أطلقه إذا، قال: أما في هذا القرب فلا ولكن سهل حبسه ففعل. وأجرى عليه مؤنه حتى مات الرشيد وأطلقه الأمين. وعظم حقده على البرامكة بسبب ذلك، فضيق عليهم وبعث إلى يحيى يلومه فيما ستر عنه من أمر عبد الملك. فقال: يا أمير المؤمنين كيف يطلعني عبد الملك على ذلك وأنا كنت صاحب الدولة، وهل إذا فعلت ذلك يجازيني بأكثر من فعلك؟ أعيذك بالله أن تظن هذا الظن إلا أنه كان رجلا متجملا يسرني أن يكون في بيتك مثله، فوليته ولا خصصته. فعاد إليه الرسول يقول: إن لم تقر قتلت الفضل ابنك. فقال: أنت مسلط علينا فافعل ما أردت. وجذب الرسول الفضل وأخرجه فودع أباه وسأله في الرضا عنه فقال: رضي الله عنك، وفرق بينهما ثلاثة أيام ولم يجد عندهما شيئا فجمعهما واحتفظ [1] إبراهيم بن عثمان بن نهيك لقتل جعفر فكان يبكيه ويبكي قومه حزنا عليهم. ثم انتهى به إلى طلب الثأر بهم فكان يشرب النبيذ مع جواريه ويأخذ سيفه وينادي وا جعفراه وا سيداه والله لأثأرن بك ولأقتلن قاتلك، فجاء ابنه وحفص كان مولاه إلى الرشيد فأطلعاه على أمره، فأحضر إبراهيم وأظهر له الندم على قتله جعفرا والأسف عليه، فبكى إبراهيم وقال: والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله فانتهره الرشيد وأقامه. ثم دخل عليه ابنه بعد ليال قلائل فقتله يقال بأمر الرشيد.
وكان يحيى بن خالد محبوسا بالكوفة ولم يزل بها كذلك إلى أن مات سنة تسعين ومائة ومات بعده ابنه الفضل سنة ثلاث وتسعين. وكانت البرامكة من محاسن العالم ودولتهم من أعظم الدول وهم كانوا نكتة محاسن الملة وعنوان دولتها.
** الصوائف وفتوحاتها **
كان الرشيد على ما نقله الطبري وغيره يغزو عاما ويحج عاما، ويصلي كل يوم مائة ركعة ويتصدق بألف درهم، وإذا حج حمل معه مائة من الفقهاء ينفق عليهم، وإذا لم يحج أنفق على ثلاثمائة حاج نفقة شائعة. وكان يتحذى بآثار المنصور إلا في بذل المال فلم ير خليفة قبله أبذل منه للمال. وكان إذا لم يغز غزا بالصائفة كبار أهل بيته وقواده، فغزا بالصائفة سنة سبعين سليمان بن عبد الله البكائي، وقيل غزا بنفسه.
وغزا بالصائفة سنة اثنتين وسبعين إسحاق بن سليمان بن علي فأثخن في بلاد الروم وغنم وسبى. وغزا في سنة أربع وسبعين بالصائفة عبد الملك بن صالح وقيل أبوه عبد الملك فبلغ في نكاية الروم ما شاء، وأصابهم برد سديد سقطت منه أيدي الجند. ثم غزا بالصائفة سنة سبع وسبعين عبد الرزاق بن عبد الحميد الثعلبي. وفي سنة ثمان وسبعين زفر بن عاصم وغزا سنة إحدى وثمانين بنفسه فافتتح حصن الصفصاف وأغزى عبد الملك بن صالح فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة. وكان الفداء بين المسلمين والروم وهو أول فداء في دولة بني العباس، وتولاه القاسم بن الرشيد وأخرج له من طرسوس الخادم الوالي عليها، وهو أبو سليمان فرج فنزل المدامس [1] على اثني عشر فرسخا، وحضر العلماء والأعيان وخلق من أهل الثغور وثلاثون ألفا من الجند المرتزقة فحضروا هنالك وجاء الروم بالأسرى ففودي بهم من كان لهم من الأسرى، وكان أسرى المسلمين ثلاثة آلاف وسبعمائة. وغزا بالصائفة سنة اثنتين وثمانين عبد الرحمن ابن عبد الملك بن صالح دقشوسوس [2] مدينة أصحاب الكهف. وبلغهم أن الروم سلوا [3] ملكهم قسطنطين بن أليون وملكوا أمه ربى [4] وتلقب عطشة، فأثخنوا في البلاد ورجعوا. وفي سنة ثلاث وثمانين حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل ابن يحيى فماتت ببردعة، ورجع من كان معها فأخبروا أباها أنها قتلت غيلة، فتجهز إلى بلاد الإسلام، وخرج من باب الأبواب وسبى أكثر من مائة ألف فارس وفعلوا ما لم يسمع بمثله. فولى الرشيد يزيد بن مزيد أمر أرمينية مضافة إلى أذربيجان وأمره
بالنهوض إليهم وأنزل خزيمة بن خازم بنصيبين ردءا لهم. وقيل إن سبب خروجهم أن سعيد بن مسلم قتل الهجيم السلمي [1] فدخل ابنه إلى الخزر مستجيشا بهم على سعيد، ودخلوا أرمينية وهرب سعيد والخزر ورجعوا [2] . وفي سنة سبع وثمانين غزا بالصائفة القاسم بن الرشيد وجعله قربانا لله وولاه العواصم، فأناخ على قرة وضيق عليها وبعث عليها ابن جعفر بن الأشعث فحاصر حصن سنان حتى جهد أهله وفادى الروم بثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين على أن يرحل عنهم، فأجابهم وتم بينهم الصلح ورحل عنهم، وكان ملك الروم يومئذ ابن زيني وقد تقدم ذكره فخلعه الروم وملكوا يقفور [3] وكان على ديوان خراجهم ومات [4] زيني بعد خمسة أشهر. ولما ملك يقفور كتب إلى الرشيد بما استفزه فسار إلى بلاد الروم وغازيا، ونزل هرقل وأثخن في بلادهم حتى سأل يقفور الصلح، ثم نقض العهد وكان البرد شديد الكلب وظن يقفور أن ذلك يمنعه من الرجوع، فلم يمنعه ورجع حتى أثخن في بلاده ثم خرج من أرضهم. وغزا بالصائفة سنة ثمان وثمانين إبراهيم بن جبريل ودخل من درب الصفصاف فخرج إليه يقفور ملك الروم وانهزم وقتل من عسكره نحوا من أربعين ألفا. وفي هذه السنة رابط القاسم بن الرشيد أبق [5] وفي سنة تسع وثمانين كتب الرشيد وهو بالري كتب الأمان لشروين أبي قارن، ونداهرمز [6] جدمازيار، مرزبان خستان صاحب الديلم [7] . وبعث بالكتب مع حسين الخادم إلى طبرستان فقدم خستان ونداهرمز فأكرمهما الرشيد وأحسن إليهما وضمن ونداهرمز وشروين صاحبي طبرستان وذكرا كيف توجه الهادي لهما وحاصرهما. وفي سنة ست وثمانين كان فداء بين المسلمين حتى لم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي. وفي سنة تسعين سار الرشيد إلى بلاد الروم بسبب ما قدمناه من غدر يقفور في مائة وخمسة وثلاثين ألفا من المرتزقة، سوى الأتباع والمتطوعة ومن ليس له ذكر في الديوان، واستخلف المأمون
بالرقة وفوض إليه الأمور، وكتب إلى الآفاق بذلك، فنزل على هرقل [1] فحاصرها ثلاثين يوما وافتتحها وسبى أهلها وغنم ما فيها. وبعث داود بن عيسى بن موسى في سبعين ألفا غازيا في أرضهم ففتح الله عليه وخرب ونهب ما شاء. وفتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة وديسة [2] وافتتح يزيد بن مخلد حصن الصفصاف وقونية [3] ، وأناخ عبد الله بن مالك على حصن ذي الكلاع واستعمل الرشيد حميد بن معيوب [4] على الأساطيل ممن بسواحل الشام ومصر إلى قبرس، فهزم وحرق وسبى من أهلها نحوا من سبعة عشر ألفا وجاء بهم إلى الواقعة [5] فبايعوا بها وبلغ فداء أسقف قبرس ألفي دينار. ثم سار الرشيد إلى حلوانة [6] فنزل بها وحاصرها، ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر وبعث يقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن ابنه دينارين وعن بطارقته كذلك، وبعث يقفور في جارية من بني هرقلة [7] وكان خطبها ابنه فبعث بها إليه. ونقض في هذه السنة قبرس فغزاهم معيوب بن يحيى فأثخن فيهم وسباهم ولما رجع الرشيد من غزاته خرجت الروم إلى عين زربة والكنيسة السوداء وأغاروا ورجعوا فاستنقذ أهل المصيصة ما حملوه من الغنائم. وفيها غزا يزيد بن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف فأخذت الروم عليه المضايق فانهزم، وقتل في خمسين من أصحابه على مرحلتين من طرسوس. واستعمل الرشيد على الصائفة هرثمة بن أعين قبل أن يوليه خراسان وضم إليه ثلاثين ألفا من أهل خراسان، وأخرجه إلى الصائفة وسار بالعساكر الإسلامية في أثره ورتب بدرب الحرث عبد الله بن مالك وبمرعش سعيد بن مسلم بن قتيبة، وأغارت الروم عليه فأصابوا من المسلمين وانصرفوا ولم يتحرك من مكانه.
وبعث الرشيد محمد بن زيد بن مزيد إلى طرسوس وأقام هو بدرب الحرث وأمر قواده بهدم الكنائس في جميع الثغور وأخذ أهل الذمة بمخالفة زي المسلمين في ملبوسهم
وأمر هرثمة ببناء هرطوس [1] وتولى ذلك، فخرج الخادم بأمر الرشيد وبعث إليها جندا من خراسان ثلاثة أيام، وأشخص ألفا من أهل المصيصة وألفا من أنطاكية فتم بناؤها سنة اثنتين وتسعين. وفي هذه السنة تحركت الخرمية بناحية أذربيجان فبعث إليهم عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فقتل وسبى وأسر، ووافاه بقرملين فأمره بقتل الأسرى وبيع السبي. وفيها استعمل الرشيد على الثغور ثابت بن مالك الخزاعي فافتتح مطمورة وكان الفداء على يديه بالبرذون. ثم كان الفداء الثاني وكان عدة أسرى المسلمين فيه ألفين وخمسمائة.
** الولاية على النواحي **
كان على إفريقية مزيد بن حاتم كما قدمناه ومات سنة إحدى وسبعين بعد أن استخلف ابنه داود فبعث الرشيد على إفريقية أخاه روح بن حاتم فاستقدمه من فلسطين وبعثه إلى إفريقية. وعزل أبا هريرة محمد بن فروج عن الجزيرة وقتله وولى مكانه [2] وفي سنة ست وسبعين ولى الرشيد على الموصل الحكم بن سليمان، وقد كان خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين وغنم وسار إلى داريا وآمد وأرزق وخلاط فقفل لذلك ورجع إلى نصيبين، فأتى الموصل وخرج إليه الفضل في عساكرها فهزمهم على الزاب. ثم عادوا لقتاله فقتل الفضل وأصحابه. وفي سنة ست وسبعين مات روح بن حاتم بإفريقية واستخلف حبيب بن نصر المهلبي فسار الفضل إلى الرشيد فولاه على إفريقية، وعاد إليها فاضطرب عليه الخراسانية من جند إفريقية ولم يرضوه، فولى مكانه هرثمة بن أعين وبعث في العساكر فسكن الاضطراب، ورأى ما بإفريقية من الاختلاف فاستعفى الرشيد من ولايتها فأعفاه، وقدم إلى العراق بعد سنتين ونصف من مغيبه. وفي هذه ولى الفضل بن يحيى على مصر مكان أخيه جعفر مضافا إلى ما بيده من الري وسجستان وغيرهما. ثم عزله عن مصر وولى عليها إسحاق بن سليمان فثارت به الجوقية من مصر وهم جموع من قيس وقضاعة فأمده بهرثمة بن أعين فأذعنوا وولاه عليهم شهرا، ثم عزله وولى عبد الملك بن
صالح مكانه، وفيها فوض أمر دولته إلى يحيى بن خالد. وفي سنة ثمانين بعث جعفر ابن يحيى إلى الشام في القواد والعساكر ومعه السلاح والأموال والعصبية التي كانت بها فسكنت الفتنة ورجع، فولاه خراسان وسجستان فاستعمل عليها عيسى بن جعفر، وولى جعفر بن يحيى المريس وقدم هرثمة بن أعين من إفريقية فاستخلفه جعفر على الحرد [1] وعزل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرويان وولاها عبد الله بن حازم، وولى على الجزيرة سعيد بن مسلم وولى على الموصل يحيى بن سعيد الحريشي فأساء السيرة وطالبهم بخراج سنين ماضية، فانجلا أكثر أهل البلد، وعزله الرشيد وولى عليها يحيى بن خالد. وفي سنة إحدى وثمانين ولى على إفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي وكان أبوه من قواد الشيعة ومحمد رضيع الرشيد وتلاده فلما استعفى هرثمة ولاه مكانه، واضطربت عليه إفريقية، وكان إبراهيم بن الأغلب بها واليا على الزاب، وكان جند إفريقية يرجعون إليه فأعانه وحمل الناس على طاعته بعد أن أخرجوه فكرهوا ولاية محمد بن مقاتل وحملوا إبراهيم بن الأغلب على أن كتب إلى الرشيد يطلب ولاية إفريقية على أن يترك المائة ألف دينار التي كانت تحمل من مصر معونة إلى والي إفريقية ويحمل هو كل سنة أربعين ألف دينار فاستشار الرشيد بطانته فأشار هرثمة بإبراهيم بن الأغلب، وولاه الرشيد في محرم سنة أربعة وثمانين، فضبط الأمور وقبض على المؤمنين وبعث بهم إلى الرشيد فسكنت البلاد. وابتنى مدينة بقرب القيروان وسماها العباسية وانتقل إليها بأهله وخاصته وحشمه، وصار ملك إفريقية في عقبه كما يذكر في أخبارها إلى أن غلبهم عليها الشيعة العبيديون.
وكان يزيد بن مزيد على أذربيجان فولاه الرشيد سنة ثمان وثمانين على أرمينية مضافة إليها، وولى خزيمة بن خازم على نصيبين. وولى الرشيد سنة أربع وثمانين على اليمن ومكة حمادا البربري وعلى السند داود بن يزيد بن حاتم وعلى الجبل يحيى الحريشي، وعلى طبرستان مهروية الزاي، وقتله أهل طبرستان سنة خمس وثمانين، فولى مكانه عبد الله بن سعيد الحريشي. وفيها توفي يزيد بن زائدة الشيطاني [2] ببردعة وكان على أذربيجان وأرمينية فولى مكانه ابنه أسد بن يزيد بن حاتم. وفي سنة تسع وثمانين سار الرشيد إلى الري وولى على طبرستان والري ودنباوند
وقوس [1] وهمذان عبد الملك بن مالك. وفي سنة تسعين ولى على الموصل خالد بن يزيد بن حاتم وقد تقدم لنا ولاية هرثمة على سليمان ونكبة علي بن عيسى. في سنة إحدى وتسعين ظفر حماد البربري بهيصيم اليماني [2] وجاء به إلى الرشيد فقتله، وولى في هذه السنة على الموصل محمد بن الفضل ابن سليمان وكان على مكة الفضل بن العباس أخي المنصور والسفاح.
** خلع رافع بن الليث بما وراء النهر **
كان رافع بن نصر [3] بن سيار من عظماء الجند فيما وراء النهر وكان يحيى بن الأشعث قد تزوج ببعض النساء المشهورات الجمال وتسرى عليها وأكثر ضرارها وتشوقت إلى التخلص منه، فدس إليها رافع بن الليث بأن تحاول من يشهد عليها بالكفر لتخلص منه وتحل للأزواج ثم ترجع وتتوب، فكان وتزوجها وشكا يحيى بن الأشعث إلى الرشيد وأطلعه على جل الأمر، فكتب إلى علي بن عيسى أن يفرق بينهما ويقيم الحد على رافع ويطوف به في سمرقند مقيدا على حمار ليكون عظة لغيره، ففعل ذلك ولم يجده [4] رافع وحبس بسمرقند فهرب من الحبس ولحق بعلي بن عيسى في بلخ فهم بضرب عنقه، فشفع فيه ابنه عيسى فأمره بالانصراف إلى سمرقند فرجع إليها ووثب بعاملها فقتله وملكها وذلك سنة تسعين. فبعث علي لحربه ابنه عيسى فلقيه رافع وهزمه وقتله، فخرج علي بن عيسى لقتله وسار من بلخ إلى مرو مخافة عليها من رافع ابن الليث. ثم كانت نكبة علي بن عيسى وولاية هرثمة بن أعين على خراسان وكان مع رافع بن الليث جماعة من القواد ففارقوه إلى هرثمة منهم عجيف بن عنبسة وغيره. وحاصر هرثمة رافع بن الليث في سمرقند وضايقه، واستقدم طاهر ابن الحسين من خراسان فحضر عنده وعاث حمزة الخارجي في نواحي خراسان لخلائها من الجند، وحمل إليه عمال هراة وسجستان الأموال. ثم خرج عبد الرحمن إلى نيسابور سنة أربع وتسعين وجمع نحوا من عشرين ألفا، وسار إلى حمزة فهزمه وقتل من أصحابه خلقا وأتبعه إلى هراة حتى كتب المأمون إليه ورده عن
ذلك. وكانت سنة ثلاث وتسعين بين هرثمة وبين أصحاب رافع وقعة كان الظفر فيها لهرثمة وأسر بشرا أخا رافع وبعث به إلى الرشيد وافتتح بخارى. وكان الرشيد قد سار من الرقة بعد مرجعه من الصائفة التي بني فيها طرسوس على اعتزام خراسان لشأن رافع، وكان قد أصابه المرض، فاستخلف على الرقة ابنه القاسم وضم إليه خزيمة بن خازم، وجاء إلى بغداد، ثم سار منها إلى خراسان في شعبان سنة اثنتين وتسعين واستخلف عليها ابنه الأمين، وأمر المأمون بالمقام معه فأشار عليه الفضل بن سهل بأن يطلب المسير مع الرشيد، وحذره البقاء مع الأمين فأسعفه الرشيد بذلك وسار معه.
** وفاة الرشيد وبيعة الأمين **
ولما سار الرشيد عن بغداد إلى خراسان بلغ جرجان في سفر سنة ثلاث وتسعين وقد اشتدت عليه، فبعث ابنه المأمون إلى مرو ومعه جماعة من القواد عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن خزيمة [1] والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث والسدي والحريشي [2] ونعيم بن خازم، ثم سار الرشيد إلى موسى واشتد به الوجع وضعف عن الحركة وثقل فأرجف الناس بموته، وبلغه ذلك فأراد الركوب ليراه الناس فلم يطق النهوض فقال: ردوني. ووصل إليه وهو بطوس بشير أخو رافع أسيرا بعث به هرثمة بن أعين فأحضره وقال: لو لم يبق من أجلي إلا حركة شفتي بكلمة لقلت اقتلوه. ثم أمر قصابا ففصل أعضاءه ثم أغمي عليه وافترق الناس. ولما يئس من نفسه أمر بقبره فحفر في الدار التي كان فيها وأنزل فيه قوما قرءوا فيه القرآن حتى ختموه وهو في محفة على شفيره ينظر إليه وينادي وا سوأتاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم مات وصلى عليه ابنه صالح وحضر وفاته الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح ومسرور وحسين ورشيد. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة أو تزيد وترك في بيت المال تسعمائة ألف ألف دينار. ولما مات الرشيد بويع الأمين في العسكر صبيحة يومه، والمأمون يومئذ بمرو وكتب حموية مولى المهدي صاحب البريد إلى نائبة ببغداد وهو سلام أبو مسلم يعلمه بوفاة الرشيد وهنأه بالخلافة فكان أول من فعل ذلك. وكتب صالح إلى أخيه الأمين مع رجاء الخادم بوفاة الرشيد، وبعث معه بالخاتم والبردة
والقضيب، فانتقل الأمين من قصره بالخلد إلى قصر الخلافة وصلى بالناس الجمعة وخطب ثم نعى الرشيد وعزى نفسه والناس، وبايعته جملة أهله ووكل سليمان بن المنصور وهم [1] عم أبيه وأمه بأخذ البيعة على القواد وغيرهم. ووكل السندي بأخذ البيعة على الناس سواهم، وفرق في الجند ببغداد رزق سنين. وقدمت أمه زبيدة من الرقة فلقيها الأمين بالأنبار في جمع من بغداد من الوجوه، وكان معها خزائن الرشيد، وكان قد كتب إلى معسكر الرشيد وهو حي مع بكر بن المعتمر لما اشتدت علة الرشيد وإلى المأمون بأخذ البيعة لهم وللمؤتمن أخيهما، وإلى أخيه صالح بالقدوم بالعسكر والخزائن والأموال برأي الفضل. وإلى الفضل بالاحتفاظ على ما معه من الحرم والأموال، وأقر كل واحد على عمله كصاحب الشرطة والحرس والحجابة. وكان الرشيد قد سمع بوصول بكر بالكتاب فدعاه ليستخرجها سنه فجحدها فضربه وحبسه. ثم مات الرشيد وأحضره الفضل فدفعها إليه ولما قرءوا الكتاب تشاوروا في اللحاق بالأمين وارتحل الفضل بالناس لهواهم في وطنهم وتركوا عهود المأمون. فجمع المأمون من كان عنده من قواد أبيه وهم عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وشبيب بن حميد بن قحطبة والعلاء مولى الرشيد وكان على حجابته والعباس بن المسيب بن زهير وكان على شرطته وأيوب بن أبي سمير وهو على كتابته وعبد الرحمن بن عبد الملك ابن صالح وذو الرئاستين الفضل بن سهل وهو أخصهم به وأحظاهم عنده، فأشار بعضهم أن يركب في أثرهم ويردهم ومنعه الفضل من ذلك وقال: أخشى عليك منهم ولكن تكتب وترسل رسولك إليهم تذكرهم البيعة والوفاء، وتحذرهم الحنث، فبعث سهل بن صاعد ونوفلا الخادم بكتابه إليهم بنيسابور فقرأ الفضل كتابة وقال:
أنا واحد من الجند. وشد عبد الرحمن برجليه على سهل ليطعنه بالرمح وقال: لو كان صاحبك حاضرا لوضعته فيه وسب المأمون وانصرفوا، ورجع سهل ونوفل بالخبر إلى المأمون فقال له الفضل بن سهل: هؤلاء أعداء استرحت منهم وأنت بخراسان، وقد خرج بها المقنع وبعده يوسف البر فتضعضعت لهما الدولة ببغداد، وأنت رأيت عند خروج رافع بن الليث كيف كان الحال، وأنت اليوم نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم، فاصبر وأنا أضمن لك الخلافة. فقال المأمون: قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقال: إن عبد الله بن مالك والقواد أنفع مني لشهرتهم وقوتهم وأنا خادم
لمن يقوم بأمرك منهم حتى ترى رأيك. وجاءهم الفضل في منازلهم وعرض عليهم البيعة للمأمون، فمنهم من امتنع ومنهم من طرده، فرجع إلى المأمون وأخبره فقال أنت بالأمر وأشار عليه الفضل أن يبعث على الفقهاء ويدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة ورد المظالم ويعقد على الصفوف ففعل جميع ذلك، وأكرم القواد. وكان يقول للتميمي نقيمك مقام موسى ابن كعب وللربعي مكان أبي داود وخالد بن إبراهيم، ولليماني مكان قحطبة ومالك بن الهيثم، وكل هؤلاء نقباء الدولة. ووضع عن خراسان ربع الخراج فاغتبط به أهلها وقالوا: ابن أختنا وابن عم نبينا. وأقام المأمون يتولى ما كان بيده من خراسان والري وأهدى إلى الأمين وكتب إليه وعظمه. ثم إن الأمين عزل لأول ولايته أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة واستعمل عليها خزيمة بن خازم وأقر المؤتمن على قنسرين والعواصم. وكان على مكة داود بن عيسى بن موسى ابن محمد، وعلى حمص إسحاق بن سليمان فخالف عليه أهل حمص وانتقل عنهم إلى سلمية فعزله الأمين وولى مكانه عبد الله بن سعيد الحريشي، فقتل عدة منهم وحبس عدة، واضرم النار في نواحيها، وسألوا الأمان فأجابهم، ثم انتقضوا فقتل عدة منهم ثم ولى عليهم إبراهيم بن العباس.
** أخبار رافع وملوك الروم **
وفي سنة ثلاث وتسعين دخل هرثمة بن أعين سمرقند وملكها وقام بها ومعه طاهر ابن الحسين فاستجاش رافع بالترك فأتوه وقوي بهم. ثم انصرفوا وضعف أمره، وبلغه الحسن سيرة المأمون فطلب الأمان وحضر عند المأمون فأكرمه. ثم قدم هرثمة على المأمون فولاه الحرس وأنكر الأمين ذلك كله. وفي هذه السنة قتل يقفور [1] ملك الروم في حرب برجان لسبع سنين من ملكه، وملك بعده ابنه استبراق وكان جريا فمات لشهرين وملك بعده صهره على أخته ميخاييل بن جرجيس، ووثب عليه الروم سنة أربع وتسعين بعد اثنتين من ملكه فهرب وترهب وولوا بعده إليوق [2] القائد.
** الفتنة بين الأمين والمأمون **
ولما قدم الفضل بن الربيع على الأمين ونكث عهد المأمون خشي غائلته، فأجمع قطع علائقه من الأمور وأغرى الأمين بخلعه والبيعة للعهد لابنه موسى، ووافقه في ذلك علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما ممن يخشى المأمون. وخالفهم خزيمة بن خازم وأخوه عبد الله وناشدوا الأمين في الكف عن ذلك وأن لا يحمل الناس على نكث العهود فيطرقهم لنكث عهده. ولج الأمين في ذلك، وبلغه أن المأمون عزل العباس بن عبد الله بن مالك عن الري وأنه ولى هرثمة بن أعين على الحرس وأن رافع بن الليث استأمن له فآمنه وسار في جملته فكتب إلى العمال بالدعاء لموسى ابنه بعد الدعاء للمأمون والمؤتمن، فبلغ ذلك المأمون فأسقط اسم الأمين من الطرد وقطع البريد عنه. وأرسل الأمين إليه العباس بن موسى بن عيسى وخاله عيسى بن جعفر بن المنصور وصالحا صاحب الموصل، ومحمد بن عيسى بن نهيك يطلب منه تقديم ابنه موسى عليه في العهد ويستقدمه. فلما قدموا على المأمون استشار كبراء خراسان فقالوا: إنما بيعتنا لك على أن لا تخرج من خراسان فأحضر الوفد وأعلمهم بامتناعه مما جاءوا فيه. واستعمل الفضل بن سهل العباس بن موسى ليكون عينا لهم عند الأمين ففعل، وكانت كتبه تأتيهم بالأخبار. ولما رجع الوفد عاودوه بطلب بعض كور خراسان وأن يكون له بخراسان صاحب بريد يكاتبه، فامتنع المأمون من ذلك وأوعد إلى قعوده بالري ونواحيها يضبط الطرق وينقذها من غوائل الكتب والعيون، وهو مع ذلك يتخوف عاقبة الخلاف. وكان خاقان ملك التبت قد التوى عليه وجيفونة فارق الطاعة، وملوك الترك منعوا الضريبة، فخشي المأمون ذلك وحفظ عليه الأمر بأن يولى خاقان وجيفونة بلادهما، ويوادع ملك كابل، ويترك الضريبة لملوك الترك الآخرين. وقال له بعد ذلك ثم أضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال فان ظفرت وإلا لحقت بخاقان مستجيرا فقبل إشارته وفعلها، وكتب إلى الأمين يخادعه بأنه عامله على هذا الثغر الذي أمره الرشيد بلزومه وأن مقامه به أشد غناء ويطلب إعفاء من الشخوص إليه، فعلم الأمين أنه لا يتابعه على مراده فخلعه وبايع لولده في أوائل سنة خمس وتسعين وسماه الناطق بالحق، وقطع ذكر المأمون والمؤتمن من المنابر وجعل ولده موسى في حجر علي بن عيسى وعلى شرطته محمد بن عيسى بن نهيك
وعلى حرسه أخوه عيسى، وعلى رسائله صاحب القتلى. وكان يدعى له على المنابر ولابنه الآخر عبد الله ولقبه القائم بالحق، وأرسل إلى الكعبة من جاء بكتابي العهد للأمين والمأمون اللذين وضعهما الرشيد هنالك، وسارت الكتب من ذلك إلى المأمون ببغداد من عيونه بها، فقال المأمون: هذه أمور أخبر الرائي عنها وكفاني أنا أن أكون مع الحق وبعث الفضل بن سهل إلى جند الري بالأقوات والإحسان، وجمع إليهم من كان بأطرافهم. ثم بعث على الري طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق أسعد الخزاعي أبا العباس أميرا وضم إليه القواد والأجناد فنزلها ووضع المسالح والمراصد، وبعث الأمين عصمة بن حماد بن سالم إلى همذان في ألف رجل، وأمره أن يقيم بهمذان ويبعث مقدمته إلى ساوة.
** خروج ابن ماهان لحرب طاهر ومقتله **
ثم جهز الأمين علي بن ماهان إلى خراسان لحرب المأمون، يقال دس بذلك الفضل ابن سهل العين له عند الفضل بن الربيع، فأشار به عليهم لما في نفوس أهل خراسان من النفرة عن ابن ماهان فجدوا في حربه. ويقال حرض أهل خراسان على الكتب إلى ابن ماهان ومخادعته إن جاء. فأمره الأمين بالمسير وأقطعه نهاوند وهمذان وقم وأصبهان وسائر كور الجبل حربا وخراجا، وحكمه في الخزائن وأعطاه الأموال وجهز معه خمسين ألف فارس. وكتب إلى أبي دلف القاسم بن عيسى بن إدريس العجلي وهلال بن عبد الله الحضرمي في الانضمام، وركب إلى باب زبيدة ليودعها فأوصته بالمأمون بغاية ما يكون أن يوصى به، وأنه بمنزلة ابنها في الشفقة والموصلة وناولته قيدا من فضة وقالت له: إن سار إليك فقيده به مع المبالغة في البر والأدب معه. ثم سار علي بن عيسى من بغداد في شعبان وركب الأمين يشيعه في القواد والجنود ولم ير عسكر مثل عسكره. ولقي السفر بالسابلة فأخبروه أن طاهرا بالري يعرض أصحابه، وهو مستعد للقتال. وكتب إلى ملوك الديلم وطبرستان يعدهم ويمنيهم، وأهدى لهم التيجان والأسورة على أن يقطعوا الطرق عن خراسان فأجابوا، ونزل أول بلاد الري فأشار عليه أصحابه باذكاء العيون والطلائع، والتحصن بالخندق فقال: مثل طاهر لا يستعد له، وهو إما أن يتحصن بالري فيثب إليه أهلها، وإما أن يفر إذا قربت منه خيلنا. ولما كان من الري على عشرة فراسخ استشار أصحاب طاهر في لقائه فمالوا إلى التحصن بالري فقال: أخاف أن يثب بنا أهلها. وخرج فعسكر على خمسة فراسخ
منها في أقل من أربعة آلاف فارس. وأشار عليه أحمد بن هشام كبير جند خراسان أن ينادي بخلع الأمين و
** بيعة المأمون **
لئلا يخادعه علي بن عيسى بطاعة الأمين وأنه عامله ففعل، وقال علي لأصحابه بادروهم فإنهم قليل ولا يصبرون على حد السيوف وطعن الرماح، وأحكم تعبية جنده وقدم بين يديه عشر رايات مع كل راية ألف رجل، وبين كل رايتين غلوة سهم ليقاتلوا نوبا. وعبى طاهر أصحابه كراديس وحرضهم وأوصاهم، وهرب من أصحاب طاهر جماعة فجلدهم علي وأهانهم، فأقصر الباقون وجدوا في قتاله. وأشار أحمد بن هشام على طاهر بأن يرفع كتاب البيعة على رمح ويذكر علي بن عيسى بها نكثه. ثم اشتد القتال وحملت ميمنة علي فانهزمت ميسرة طاهر وكذلك ميسرته على ميمنة طاهر فأزالوها، واعتمد طاهر القلب فهزموهم ورجعت المجنبتان منهزمة وانتهت الهزيمة إلى علي وهو ينادي بأصحابه فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله وجاء برأسه إلى طاهر، وحمل شلوه على خشبة وألقي في بئر بأمر طاهر. وأعتق طاهر جميع غلمانه شكرا لله وتمت الهزيمة. واتبعهم أصحاب طاهر فرسخين واقفوهم فيها اثنتي عشرة مرة يقتلونهم في كلها ويأسرونهم حتى جن الليل بينهم. ورجع طاهر إلى الري وكتب إلى الفضل: كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس علي بين يدي وخاتمة في إصبعي، وجنده متصرفون تحت أمري والسلام. وورد الكتاب على البريد في ثلاثة أيام فدخل الفضل على المأمون وهنأه بالفتح ودخل الناس فسلموا عليه بالخلافة ووصل رأس علي بعدها بيومين وطيف به في خراسان، ووصل الخبر إلى الأمين بمقتل علي وهزيمة العسكر فأحضر الفضل بن الربيع وكيل المأمون ببغداد وهو نوفل الخادم فقبض ما بيده من ضياعه وغلاته وخمسين ألف ألف درهم كان الرشيد وصاه بها وندم الأمين على فعله، وسعت الجند والقواد في طلب الأرزاق فهم عبد الله بن حاتم بقتالهم فمنعه الأمين وفرق فيهم أموالا.
** مسير ابن جبلة إلى طاهر ومقتله **
ولما قتل علي بن عيسى بعث الأمين عبد الرحمن بن الأنباري في عشرين ألف فارس إلى همذان، وولاه عليها وعلى كل ما يفتحه من بلاد خراسان وأمده بالمال، فسار إلى همذان وحصنها وجاءه طاهر فبرز إليه ولقيه، فهزمه طاهر إلى البلد. ثم خرج عبد الرحمن ثانية فانهزم إلى المدينة وحاصره طاهر حتى ضجر منه أهل المدينة وطلب الأمان من طاهر وخرج من همذان. وكان طاهر عند نزوله عليها قد خشي من
صاحب قزوين أن يأتيه من ورائه فجهز العسكر على همذان وسار إلى قزوين في ألف فارس ففر عاملها وملكها ثم ملك همذان وسار أعمال الجبل وأقام عبد الرحمن بن جبلة في أمانه. ثم أصاب منه بعض الأيام غرة فركب وهجم عليه في عسكر فقاتله طاهر أشد القتال حتى انهزم أصحابه وقتل ولحق فلهم بعبد الله وأحمد ابني الحريشي في عسكر عظيم بعثهما الأمين مددا لعبد الرحمن فانهزموا جميعا إلى بغداد. وأقبل طاهر نحو البلاد وحده وأخذه إلى حلوان فخندق بها وجمع أصحابه.
** بيعة المأمون **
وأمر المأمون عندها بأن يخطب له على المنابر ويخاطب بأمير المؤمنين وعقد للفضل بن سهل على المشرق كله من جبل همذان إلى البيت طولا ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضا وحمل له عماله ثلاثة آلاف ألف درهم. وعقد له لواء ذا شعبتين ولقبه ذا الرئاستين يعني الحرب والعلم، وحمل اللواء علي بن هشام، وحمل العلم نعيم بن حازم وولى أخاه الحسن بن سهل ديوان الخراج.
** ظهور السفياني **
هو علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية ويلقب أبا العميطر لأنه زعم أنها كنية الحردون فلقبوه بها، وكانت أمه نفيسة بنت عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب وكان يقول أنا ابن شيخي صفين يعني عليا ومعاوية، وكان من بقايا بني أمية بالشام وكان من أهل العلم والرواية فادعى لنفسه بالخلافة آخر سنة خمس وتسعين وأعانه الخطاب بن وجه العلس [1] مولى بني أمية، كان متغلبا على صيدا فملك دمشق من يد سليمان بن المنصور، وكان أكثر أصحابه من كلب. وكتب إلى محمد بن صالح بن بيهس يدعوه ويتهدده فأعرض عنه وقصد السفياني القيسية فاستجاشوا بمحمد بن صالح فجاءهم في ثلاثمائة فارس من الصبات [2] ومواليه. وبعث السفياني يزيد بن هشام للقائهم في اثني عشر ألفا فانهزم يزيد وقتل من أصحابه ألفان وأسر ثلاثة آلاف أطلقهم ابن بيهس وحلقهم. ثم جمع جمعا مع ابنه القاسم وخرجوا
إلى ابن بيهس فانهزموا وقتل القاسم وبعث برأسه إلى الأمين. ثم جمع جمعا آخر وخرجوا مع مولاه المعتمر فانهزموا وقتل المعتمر فوهن أمر السفياني وطمعت فيه قيس. ثم إن ابن بيهس مرض فجمع رؤساء بني نمير وأوصاهم بيعة مسلمة بن يعقوب بن علي بن محمد بن سعد بن مسلمة عبد الملك بالخلافة. وقال لهم:
تولوه وكيدوا به السفياني فإنكم لا تتقون بأهل بيته. وعاد ابن بيهس إلى حوران واجتمعت نمير على مسلمة فبايعوه فقتل منهم وجمع مواليه ودخل على السفياني فقيده وحبس رؤساء بني أمية، وأدنى القيسية وجعلهم بطانة. وأفاق ابن بيهس من مرضه فجاء إلى دمشق وحاصرها وسلمها له القيسية في محرم سنة ثمان وتسعين وهرب مسلمة والسفياني إلى المزة وملك ابن بيهس دمشق إلى أن قدم عبد الله بن طاهر دمشق وسار إلى مصر ثم عاد إليها فاحتمل ابن بيهس معه إلى العراق ومات بها.
** مسير الجيوش إلى طاهر ورجوعهم بلا قتال **
ولما قتل عبد الرحمن بن جبلة أرسل الفضل بن الربيع إلى أسد بن يزيد بن مزيد ودعاه لحرب طاهر بعد أن ولي الأمين الخلافة، وشكر لأسد فضل الطاعة والنصيحة وشدة البأس ويمن التقية، وطلب منه أرزاق الجند من المال لسنة، وألف فرس تحمل من معه بعد إزاحته عللهم بالأموال، وأن لا يطلب بحسبان ما يفتتح. فقال قد أشططت ولا بد من مناظرة أمير المؤمنين ثم ركب ودخل على الأمين فأمر بحبسه، وقيل إنه طلب ولدي المأمون كانا عند أمهما ابنة الهادي ببغداد بحملهما معه، فإن أطاعه المأمون وإلا قتلهما. فغضب الأمين لذلك وحبسه، واستدعى عبد الله بن حميد بن قحطبة فاشتط وكذلك فاستدعى أحمد بن مزيد واعتذر له عبس أسد وبعثه لحرب طاهر، وأمر الفضل بأن يجهز له عشرين ألف فارس وشفع في أسد ابن أخيه فأطلقه. ثم سار وسار معه عبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا أخرى، وانتهوا إلى حلوان وأقاموا [1] وطاهر بموضعه ودس المرجفين في عسكرهم بأن العطاء والمنع ببغداد والجند يقبضون أرزاقهم. حتى مشى الجند بعضهم إلى بعض، واختلفوا واختلفوا واقتتلوا ورجعوا من غير لقاء. وتقدم طاهر فنزل
حلوان وجاءه هرثمة في جيش من عند المأمون ومعه كتاب بأن يسلم إلى هرثمة ما ملكه من المدن ويتقدم إلى الأهواز ففعل ذلك.
** أمر عبد الملك بن صالح وموته **
قد تقدم لنا حبس عبد الملك بن صالح إلى أن مات الرشيد وأخرجه الأمين، ولما كان أمر طاهر جاء عبد الملك إلى الأمين وأشار عليه بأن يقدم أهل الشام لحربه، فهم أجرأ من أهل العراق وأعظم نكاية في العدو، وضمن طاعتهم بذلك، فولاه الأمين أهل الشام والجزيرة وقر له بالمال والرجال واستحثه، فسار إلى الرقة وكاتب أهل الشام فتسالموا إليه فأكرمهم وخلع عليهم وكثرت جموعه. ثم مرض واشتد مرضه ووقعت فتنة في عسكره بين الخراسانيين وأهل الشام بسبب دابة أخذت لبعضهم في وقعة سليمان بن أبي جعفر وعرفها عند بعض أهل الشام، فاقتتلوا وأرسل إليهم عبد الملك بالقتل فلم يقتلوا، وكثر القتل وأظهر عبد الملك النصرة للشاميين وانتقض الحسين ابن علي للخراسانيين، وتنادى الناس بالرجوع إلى بلادهم فمضى أهل حمص وقبائل كلب فانهزم أهل الشام وأقام عبد الملك بن صالح بالرقة، توفي بها.
** خلع الأمين وإعادته **
ولما مات عبد الملك بن صالح نادى الحسين بن علي في الجند بالرحيل إلى بغداد وقدمها فلقيه القواد ووجوه الناس ودخل منزله واستدعاه الأمين من جوف الليل فامتنع وأصبح، فوافى باب الجسر وأغراهم بخلع الأمين وحذرهم من نكثة ثم أمرهم بعبور الجسر فعبروا ولقيه أصحاب الأمين فانهزموا، وذلك منتصف رجب سنة ست، وأخذ البيعة للمأمون من الغد ووثب العباس بن عيسى بن موسى بالأمين فأخرجه من قصر الخلد وحبسه بقصر المنصور ومعه أمه زبيدة، فلما كان من الغد طلب الناس أرزاقهم من الحسين وماج بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد فنكر استبداد الحسين بخلع الأمين وليس بذي منزلة ولا حسب ولا نسب ولا غنائم.
وقال أسد الحربي قد ذهب أقوام بخلع الأمين فاذهبوا أنتم بفكه يا معشر الحربية، فرجع الناس على أنفسهم باللائمة وقالوا ما قتل قوم خليفتهم إلا سلط الله عليهم السيف. ثم نهضوا إلى الحسين وتبعهم أهل الأرض فقاتلوه قتالا شديدا وأسروه ودخل
أسد الحربي إلى الأمين وكسر قيوده وأجلسه على أريكته، وأمرهم الأمين بلبس السلاح فانتهبه الغوغاء وجيء بالحسين إليه أسيرا، فاعتذر إليه وأطلقهم وأمره بجمع الجند والمسير إلى طاهر وخلع عليه ما وراء بابه ووقف الناس يهنئونه بباب الجسر حتى إذا خف عنه الناس قطع الجسر وهرب. وركب الجند في طلبه وأدركوه على فرسخ من بغداد وقتلوه وجاءوا برأسه إلى الأمين واختفى الفضل بن الربيع عند ذلك فلم يوقف له على خبر.
** استيلاء طاهر على البلاد **
ولما جاء كتاب المأمون بالمسير إلى الأهواز قدم إليها الحسين بن عمر الرستمي وسار في أثره وأتته عيونه بأن محمد بن يزيد بن حاتم قد توجه من قبل الأمين في جند ليحمي الأهواز من أصحاب طاهر، فبعث من أصحابه محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخاراخذاه مددا للرستمي. ثم أمدهم بقريش بن شبل ثم سار بنفسه حتى كان قريبا منهم وأشرفوا على محمد بن يزيد مكرم وقد أشار إليه أصحابه بالرجوع إلى الأهواز والتحصن بها حتى تأتيه قومه الأزد من البصرة، فرجع وأمر طاهر قريش شبل باتباعه قبل أن يتحصن بالأهواز، فخرج لذلك وفاته محمد بن يزيد إلى الأهواز وجاء على أثره فاقتتلوا قتالا شديدا، وفر أصحاب محمد واستمات هو ومواليه حتى قتلوا. وملك طاهر الأهواز وولى على اليمامة والبحرين وعمان ثم سار إلى واسط وبها السندي بن يحيى الحريشي والهيثم بن شعبة خليفة خزيمة بن حازم، فهربا عنها وملكها طاهر وبعث قائدا من قواده إلى الكوفة وبها العباس بن الهادي، فخلع الأمين وبايع للمأمون، وكتب بذلك إلى طاهر وكذلك فعل المنصور بن المهدي بالبصرة والمطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل، وأقرهم طاهر على أعمالهم. وبعث الحرث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة وأقام بجرجابا [1] ولما بلغ الخبر بذلك إلى الأمين بعث محمد بن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربري إلى قصر ابن هبيرة فقاتلهم الحرث وداود قتالا شديدا وهزموهم إلى بغداد. وبعث الأمين أيضا الفضل بن موسى على الكوفة، فبعث إليه طاهر بن العلاء في جيش فلقيه في طريقه فأراد مسالمته بطاعة المأمون كيادا ثم قاتله فانهزم إلى بغداد. ثم سار طاهر إلى المدائن
وعليها البرمكي والمدد متصل له كل يوم، فقدم قريش بن شبل، فلما أشرف عليهم وأخذ البرمكي في التعبية فكانت لا تتم له، فأطلق سبيل الناس وركب بعضهم بعضا نحو بغداد، وملك طاهر لمدائن ونواحيها ثم نزل صرصر وعقد بها جسرا.
** بيعة الحجاز للمأمون **
ولما أخذ الأمين كتب العهد من مكة وأمر داود بن عيسى، وكان على مكة والمدينة بخلع المأمون قام في الناس ونكر نقض العهد، وذكرهم ما أخذ الرشيد عليهم من الميثاق لابنيه في المسجد الحرام أن يكونوا على الظالم، وأن محمدا بدأ بالظلم والنكث وخلع أخويه وبايع لطفل صغير رضيع، وأخذ الكتابين من الكعبة فحرقهما ظلما ثم دعا إلى خلعه والبيعة للمأمون فأجابوه، ونادى بذلك في شعاب مكة وخطبهم.
وكتب إلى ابنه سليمان بالمدينة بمثل ذلك ففعله، وذلك في رجب سنة ست وتسعين.
وسار من مكة على البصرة وفارس وكرمان إلى المأمون وأخبره فسر بذلك وولاه مكانه وأضاف إليه ولاية عك وأعطاه خمسمائة ألف درهم وسير معه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى على الموسم ويزيد بن جرير بن مزيد بن خالد القسري في جند كثيف عاملا على اليمن ومروا بطاهر وهو محاصر بغداد فأكرمهم وأقام يريد اليمن فبايعوه للمأمون وأطاعوه.
** حصار بغداد واستيلاء طاهر عليها ومقتل الأمين **
ولما اتصلت بالأمين هذه الأحوال وقتل الحسين بن علي بن عيسى، شمر لحرب طاهر واستعد له وعقد في شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة [1] شتى وأمر عليهم علي بن محمد بن عيسى نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة فساروا إليه والتقوا بنواحي النهروان في رمضان فانهزموا وأسر قائدهم علي بن محمد فبعث به هرثمة إلى المأمون وترك النهروان، وأقام طاهر بصرصر والجيوش تتعاقب من قبل الأمين فيهزمها. ثم بذل الأمين الأموال ليستفسد بها عساكرهم فسار إليه من عسكر طاهر نحو من خمسة آلاف ففرق فيهم الأموال وقود جماعة من الحربية ودس إلى رؤساء
الجند في عسكر طاهر ورغبهم فشغبوا على طاهر وسار كثير منهم إلى الأمين، وانضموا إلى قواد الحربية وقواد بغداد وساروا إلى صرصر. فعبى أصحابه كراديس وحرضهم ووعدهم.
ثم تقدم فقاتلهم مليا من النهار وانهزم أصحاب الأمين، وغنم أصحاب طاهر عسكرهم.
ولما وصلوا إلى الأمين فرق فيهم الأموال وقود منهم جماعة ولم يعط المنهزمين شيئا ودس إليهم طاهر واستمالهم فشغبوا على الأمين فأمر هؤلاء المحدثين بقتالهم وطاهر يراسلهم وقد أخذ رهائنهم على الطاعة، وأعطاهم الأموال. فسار فنزل باب الأنبار بقواده وأصحابه واستأمن إليه كثير من جند الأمين، وثارت العامة وفتقت السجون، ووثب الشطار على الأخيار ونزل زهير بن مسيب الضبي من ناحية، ونصب المجانيق والعرادات، وحفر الخنادق ونزل هرثمة بناحية أخرى وفعل مثل ذلك. ونزل عبيد الله بن الوضاح بالشماسية ونزل طاهر بباب الأنبار فضيق على الأمين بمنزله ونفد ما كان بيد الأمين من الأموال، وأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة وضرب آنية الذهب والفضة ليفرقها في الجند، وأحرق الحديثة فمات بها خلق، واستأمن سعيد ابن مالك بن قادم إلى طاهر فولاه الأسواق وشاطئ دجلة، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان وكل ما غلب عليه من الدروب، وأمده بالرجال والأموال. ووكل الأمين بقصر صالح وقصر سليمان بن المنصور إلى دجلة بعض قواده فألح في إحراق الدور والرمي بالمجانيق وفعل طاهر مثل ذلك. وكثر الخراب ببغداد وصار طاهر يخندق على ما يمكنه من النواحي ويقاتل من لم يجبه، وقبض ضياع من لم يخرج إليه من بني هاشم والقواد وعجز الأجناد عن القتال. وقام به الباعة والعيارون وكانوا ينهبون أموال الناس. واستأمن إليه القائد الموكل بقصر صالح فأمنه وسلم إليه ما كان بيده من تلك الناحية في جمادى الأخيرة من سنة سبع. واستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب الشرطة فوهن الأمين. واجتمع العيارون والباعة والأجناد وقاتلوا أصحاب طاهر في قصر صالح، وقتلوا منهم خلقا وكاتب طاهر القواد بالأمان وبيعة المأمون فأجابه بنو قحطبة كلهم ويحيى بن علي بن ماهان ومحمد بن أبي العباس الطائي وغيرهم. وفشل الأمين وفوض الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الحسن الهرش، ومعهم الغوغاء يتولون أمر تلك الفتنة. وأجفل الناس من بغداد وافترقوا في البلاد. ولما وقع بطاهر في قصر صالح ما وقع بأصحابه شرع في هدم المباني وتخريبها ثم قطع الميرة عنهم وصرف السفن التي تحمل فيها إلى الفرات. فغلت الأسعار
وضاق الحصار واشتد كلب العيارين فهزموا عبيد الله بن الوضاح وغلبوه على الشماسية. وجاء هرثمة ليعينه فهزموه أيضا وأسروه ثم خلصه أصحابه. وعقد طاهر جسرا فوق الشماسية وعبر إليهم وقاتلهم أشد قتال فردهم على أعقابهم، وقاتل منهم بشرا كثيرا وعاد ابن الوضاح إلى مركزه وأحرق منازل الأمين بالخيزرانية، وكانت النفقة فيها بلغت عشرين ألف درهم. وأيقن الأمين بالهلاك وفر منه عبد الله بن حازم ابن خزيمة إلى المدائن لأنه اتهمه وحمل عليه السفلة والغوغاء. ويقال بل كاتبه طاهر وقبض ضياعه فخرج عن الأمين وقصد الهرش ومن معه جزيرة العباس من نواحي بغداد فقاتلهم بعض أصحاب طاهر وهزموهم وغرق منهم خلق كثير وضجر الأمين وضعف أمره وسار المؤتمن بن الرشيد إلى المأمون فولاه جرجان وكاتب طاهر خزيمة بن حازم ومحمد بن علي بن موسى بن ماهان وأدخلهما في خلع الأمين فأجاباه ووثبا آخر محرم من سنة ثمان وتسعين فقطعا جسر دجلة وخلع الأمين وبعث إلى هرثمة وكان بإزائهما فسار إليهما من ناحيته ودخل عسكر المهدي وملكه وقدم طاهر من الغد إلى المدينة والكرخ فقاتلهم وهزمهم وملكها عنوة ونادى بالأمان ووضع الجند بسوق الكرخ وقصر الوضاح وأحاط بمدينة المنصور وقصر زبيدة وقصر الخلد من باب الجسر إلى باب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة ونصب عليها المجانيق. واعتصم الأمين في أمه وولده بمدينة المنصور، واشتد عليه الحصار وثبت معه حاتم بن الصقر والحريشي والأفارقة. وافترق عامة الجنود والخصيان والجواري في الطرق وجاء محمد بن حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي إلى الأمين وقالا له بقي من خيلك سبعة آلاف فرس نختار سبعة آلاف فنجعلهم عليها ونخرج على بعض الأبواب ولا يشعر بنا أحد ونلحق بالجزيرة والشام فيكون ملك جديد، وربما مال إليك الناس ويحدث الله أمرا فاعتزم على ذلك وبلغ الخبر إلى طاهر فكتب إلى سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك يتهددهم إن لم يصرفوه عن ذلك الرأي. فدخلوا على الأمين وحذروه من ابن الصقر وابن الأغلب أن يجعل نفسه في أيديهم فيتقربوا به إلى طاهر وأشاروا عليه بطلب الأمان على يد هرثمة بن أعين والخروج إليه وخالفهم إليه ابن الصقر وابن الأغلب. وقالوا له إذا ملت إلى الخوارج فطاهر خير لك من هرثمة فأبى وتطير من طاهر وأرسل إلى هرثمة يستأمنه. فأجابه أنه يقاتل في أمانة المأمون فمن دونه
وبلغ ذلك طاهرا فعظم عليه أن يكون الفتح لهرثمة واجتمع هو وقواده لهرثمة وقواده في منزل خزيمة بن حازم، وحضر سليمان والسندي وابن نهيك وأخبروا طاهرا أنه لا يخرج إليه أبدا وأنه يخرج إلى هرثمة ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة وهو الخلافة فرضي. ثم جاء الهرش وأسر إليه أنهم يخادعونه وأنهم يحملونها مع الأمين إلى هرثمة فغضب وأعد رجالا حول قصور الأمين، وبعث إليه هرثمة لخمس بقين من محرم سنة ثمان وتسعين بأن يتربص ليلة لأنه رأى أولئك الرجال بالشط فقال: قد افترق عني الناس ولا يمكنني المقام لئلا يدخل علي طاهر فيقتلني.
ثم ودع ابنيه وبكى وخرج إلى الشط وركب حراقة هرثمة. وجعل هرثمة يقبل يديه ورجليه وأمر بالحراقة أن تدفع وإذا بأصحاب طاهر في الزواريق فشدوا عليها ونقبوها ورموهم بالآجر والنشاب فلم يرجعوا ودخل الماء إلى الحراقة فغرقت. قال أحمد بن سالم صاحب المظالم: فسقط الأمين وهرثمة وسقطنا فتعلق الملاح بشعر هرثمة وأخرجه وشق الأمين ثيابه. قال: وخرجت إلى الشط فحملت إلى طاهر فسألني عن نفسي فانتسبت وعن الأمين فقلت غرق فحملت إلى بيت وحبست فيه حتى أعطيتهم مالا فاديتهم به على نفسي. فبعد ساعة من الليل فتحوا علي الباب وأدخلوا علي الأمين عريان في سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة فاسترجعت وبكيت. ثم عرفني فقال:
ضمني إليك فإني أجد وحشة شديدة، فضممته وقلبه يخفق فقال: يا أحمد ما فعل أخي؟ فقلت: حي قال: قبح الله بريدهم كان يقول قد مات، يريد بذلك العذر عن محاربته فقلت: بل قبح الله وزراءك، فقال: تراهم يفون لي بالأمان؟
قلت: نعم إن شاء الله. ثم دخل محمد بن حميد الطاهري فاستثبتنا حتى عرفه وانصرف، ثم دخل علينا منتصف الليل قوم من العجم منتضين سيوفهم فدافع عن نفسه قليلا ثم ذبحوه ومضوا برأسه إلى طاهر ثم جاءوا من السحر فأخذوا جثته. ونصب طاهر الرأس حتى رآه الناس ثم بعث به إلى المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسن بن مصعب ومعه الخاتم والبردة والقضيب وكتب معه بالفتح فلما رآه المأمون سجد. ولما قتل الأمين نادى طاهر بالأمان ودخل المدينة يوم الجمعة فصلى بالناس وخطب للمأمون وذم الأمين، ووكل بحفظ القصور الخلافية، وأخرج زبيدة أم الأمين وابنيه موسى وعبد الله إلى بلاد الزاب الأعلى. ثم أمر بحمل الولدين إلى المأمون وندم الجند على قتله وطالبوا طاهر بالأموال فارتاب بجند بغداد وبجنده أنهم تواطئوا عليه