John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة ١٤

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 26 of 67

وثاروا به لخمس من قتل الأمين. فهرب إلى عقرقوبا [1] ومعه جماعة من القواد ثم تعبى لقتالهم فجاءوا واعتذروا وأحالوا على السفهاء والأحداث فصفح عنهم وتوعدهم أن يعودوا لمثلها، وأعطاهم أربعة أشهر. واعتذر إليه مشيخة بغداد وحلفوا أنهم لم يدخلوا الجند في شيء من ذلك، فقبل منهم ووضعت أهل الحرب أوزارها واستوسق [2] لأمر للمأمون في سائر الأعمال والممالك. ثم خرج الحسن الهرش في جماعة من السفلة واتبعه كثير من بوادي الأعراب ودعا إلى الرضا من آل محمد وأتى النيل فجبى الأموال ونهب القرى وولى المأمون الحسن بن سهل أخا الفضل على ما افتتحه طاهر من كور الجبل والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن، فقدم سنة تسعة وتسعين وفرق العمال وولى طاهرا على الجزيرة والموصل والشام والمغرب وأمره أن يسير إلى قتال نصر بن شبيب، وأمر هرثمة بالمسير إلى خراسان وكان نصر بن شبيب من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر في كيسوم شمالي حلب، وكان له ميل إلى الأمين.

فلما قتل أظهر الوفاء له بالبيعة وغلب على ما جاوره من البلاد، وملك سميساط واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب وعبر إلى شرقي العراق وحصر حران. وسأل منه شيعة الطالبيين أن يبايعوا لبعض آل علي لما رأوه من بني العباس ورجالهم وأهل دولتهم وقال: والله لا أبايع أولاد السوداوات، فيقول: إنه خلقني ورزقني. قالوا:

فبعض بني أمية قال قد أدبر أمرهم والمدبر لا يقبل ولو سلم علي رجل مدبر لأعداني بإدباره، وإنما هو اي في بني العباس، وإنما حاربتهم لتقديمهم العجم على العرب. ولما سار إليه طاهر نزل الرقة وأقام بها وكتب إليه يدعوه إلى الطاعة وترك الخلاف فلم يجبه وجاء الخبر إلى طاهر في الرقة وفاة أبيه الحسين بن زريق بن مصعب بخراسان وأن المأمون حضر جنازته، ونزل الفضل قبره وجاءه كتاب المأمون يعزيه فيه. وبعد قتل الأمين كانت الوقعة بالموصل بين اليمانية والنزارية وكان علي بن الحسن الهمداني متغلبا على الموصل فعسف بالنزارية وسار عثمان بن نعيم البرجمي إلى ديار مصر وشكا إلى أحيائهم واستنفرهم فسار معه من مصر عشرون ألفا وأرسل إليهم علي بن الحسن بالرجوع إلى ما يريدون، فأبى عثمان فخرج علي في أربعة آلاف فهزمهم وأثخن فيهم وعادا إلى البلد.

** ظهور ابن طباطبا العلوي **

لما بعث المأمون الحسن بن سهل إلى العراق وولاه على ما كان افتتحه طاهر من البلاد والأعمال تحدث الناس أن الفضل بن سهل غلب على المأمون واستبد عليه وحجبه عن أهل بيته وقواده، فغضب بنو هاشم ووجوه الناس واجترءوا على الحسن بن سهل وهاجت الفتنة وكان أبو السرايا السري بن منصور يذكر أنه من بني شيبان من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود، وقيل من بني تميم بالجزيرة وطلب فعبر إلى شرقي الفرات وأقام هنالك يخيف السابلة، ثم لحق بيزيد بن مزيد بأرمينية في ثلاثين فارسا فقوده وقاتل معه الحرمية [1] وأسر منهم وأخذ منهم غلامه أبا الشوك. ومات يزيد بن مزيد فكان مع ابنه أسد وعزل أسد فسار إلى أحمد بن مزيد. ولما بعث الأمين أحمد بن مزيد لحرب هرثمة بعثه طليعة إلى عسكره، فاستماله هرثمة فمال إليه ولحق به وقصد بني شيبان مع الجزيرة واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة واجتمع إليه أزيد من ألفي فارس. فلما قتل الأمين تعصى هرثمة عن أرزاقهم فغضب واستأذن في الحج فأذن له وأعطاه عشرين ألف درهم ففرقها في أصحابه ومضى وأوصاهم باتباعه، فاجتمع له منهم نحو مائتين وسار إلى عين التمر فأخذوا عاملها وقسموا ماله ولقوا عاملا آخر بمال موقور على ثلاثة أنفار فاقتسموه وأرسل هرثمة عسكرا خلفه فهزمهم ودخل البرية ولحق به من تخلف من أصحابه فكثر جمعه وسار نحو دقوقا وعليها أبو ضرغامة في سبعمائة فارس فخرج وقاتله فهزمه ورجع إلى القصر فحاصره أبو السرايا حتى نزل على الأمان وأخذ أمواله. وسار إلى الأنبار وعليها إبراهيم الشروي مولى المنصور، فقتله وأخذ ما فيها وعاد إليها عند إدراك الغلال فافتتحها. ثم قصد الرقة ومر بطوق بن مالك الثعلبي فاستجاشه على قيس فأقام عنده أربعة أشهر يقاتل قيسا بعصبية ربيعة حتى انقادت قيس إلى طوق. وسار أبو السرايا إلى الرقة فلقي محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي وتلقب أبوه إبراهيم طباطبا فدعاه إلى الخروج، وأنفذ إلى الكوفة فدخلاها وبايعهم أهلها على بيعة الرضا من آل محمد، ونهب أبو السرايا قصر العباس بن موسى بن عيسى، وأخذ ما فيه من الأموال والجواهر ما لا يحصى، وذلك منتصف جمادى الأخيرة سنة تسعة

وتسعين، وقيل إن أبا السرايا مطله هرثمة بأرزاق أصحابه فغضب ومضى إلى الكوفة فبايع ابن طباطبا. ولما ملك الكوفة هرع إليه الناس والأعراب من النواحي فبايعوه، وكان عليها سليمان بن المنصور من قبل الحسن بن سهل فبعث إليه زهير بن المسيب الضبي في عشرة آلاف وخرج إليه ابن طباطبا وأبو السرايا فهزموه واستباحوا عسكره وأصبح محمد بن طباطبا من الغد ميتا فنصب أبو السرايا مكانه غلاما من العلوية، وهو محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين واستبد عليه، ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة فأقام به وبعث الحسن بن سهل عبدوس ابن محمد بن خالد المروروذي في أربعة آلاف فلقيه أبو السرايا منتصف رجب وقتله ولم يفلت من أصحابه أحد كانوا بين قتيل وأسير، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة وبعث جيوشا إلى البصرة وواسط، وولى على البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفري، وعلى مكة الحسين الأفطس بن الحسين بن علي بن زين العابدين وجعل إليه الموسم. وعلى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق، وعلى فارس إسماعيل بن موسى بن جعفر الصادق، وعلى الأهواز زيد بن موسى الصادق، فسار إلى البصرة وأخرج عنها العباس بن محمد بن داود بن الحسن المثنى إلى المدائن وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي ففعل. وكان بواسط عبد الله بن سعد الخرشي من قبل الحسن بن سهل ففر أمامهم وبعث الحسن بن سهل إلى هرثمة يستدعيه لحرب أبي السرايا، وكان قد سار إلى خراسان مغاضبا له، فرجع بعد امتناع، وسار إلى الكوفة في شعبان وبعث الحسن إلى المدائن وواسط علي بن أبي سعيد وأبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة فوجه جيشا إلى المدائن فملكوها في رمضان. وتقدم فنزل نهر صرصر وعسكر هرثمة بإزائه غدوة. وسار علي بن أبي سعيد في سؤال المدائن فحاصر بها أصحاب أبي السرايا، ورجع هو من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة وهرثمة وأتباعه، ثم حصره وقتل جماعة من أصحابه فانجاز إلى الكوفة ووثب الطالبيون على دور بني العباس وشيعتهم فنهبوها وخربوها وأخرجوهم واستخرجوا ودائعهم عند الناس، وكان على مكة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، فلما بلغه قدوم حسين الأفطس جمع شيعة بني العباس. وكان مسرور الكبير قد حج في مائة فارس فتعبى للحرب ودعا داود إلى حربهم فقال: لا أستحل ذلك في الحرم وخرج إلى العراق وتبعه مسرور وكان حسين الأفطس بسرف يخاف دخول مكة فبلغه

الخبر ان مكة قد خلت من بني العباس عنها فدخل في عشرة أنفس وطاف وسعى ووقف بعرفة ليلا وأتم الحج. وأقام هرثمة بنواحي الكوفة يحاصرها، واستدعى منصور بن المهدي وكاتب رؤساء الكوفة وسار علي بن سعيد من المدائن إلى واسط فملكها، ثم توجه إلى البصرة واشتد الحصار على أبي السرايا بالكوفة فهرب عنها في ثمانمائة فارس ومعه صاحبه الذي نصبه وهو محمد بن جعفر بن محمد ودخلها هرثمة منتصف محرم فأقام بها يوما وولى عليها غسان صاحب الحرس بخراسان وعاد وقصد أبو السرايا القادسية وسار منها إلى السوس ولقي بخراسان مالا حمل من الأهواز فقسمه في أصحابه. وكان على الأهواز الحسن بن علي المأموني، فخرج إليه فقاتله فهزمه وافترق أصحابه وجاء إلى منزله برأس عين من جلولاء ومعه صاحبه محمد وغلامه أبو الشوك فظفر بهم حماد الكندغوش وجاء بهم إلى الحسن بن سهل في النهروان فقتل أبا السرايا وبعث برأسه إلى المأمون، وبصاحبه محمد معه، ونصب شلوه على جسر بغداد. وسار علي بن أبي سعيد إلى البصرة فملكها من يد زيد بن موسى بن جعفر الصادق، وكان يسمى زيد النار لكثرة ما أحرق من دور العباسيين وشيعتهم فاستأمن إليه زيد فأمنه وأخذه، وبعث الجيوش إلى مكة والمدينة واليمن لقتال من بها من العلويين، وكان إبراهيم بن موسى بن جعفر بمكة فلما بلغه خبر أبي السرايا ومقتله ولى وسار إلى اليمن وبها إسحاق بن موسى فهرب إلى مكة، واستولى إبراهيم على اليمن وكان يسمى الجزار لكثرة قتله وفتكه. ثم بعث رجلا من ولد عقيل بن أبي طالب إلى مكة ليحج بالناس وقد جاء لذلك أبو الحسن المعتصم في جماعة من القواد فيهم حدوية بن علي بن عيسى بن ماهان، واليا على اليمن من قبل الحسن بن سهل، فخام العقيلي عن لقائهم واعترض قافلة الكسوة فأخذها ونهب أموال التجار ودخل الحجاج إلى مكة عراة فبعث الخلودي من القواد فصبحهم وهزمهم وأسر منهم وتفقد أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها وضرب الأسراء عشرة أسواط لكل واحد وأطلقهم وحج المعتصم بالناس.

** بيعة محمد بن جعفر بمكة **

هو محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين ويلقب الديباجة، وكان عالما زاهدا ويروى عن أبيه وكان الناس يكتبون عنه. ولما ملك الحسين الأفطس

مكة كما ذكرناه عاث فيها ونزع كسوة الكعبة وكساها بأخرى من الغد أنفذها أبو السرايا من الكوفة وتتبع ودائع بني العباس وجعلها ذريعة لأخذ أموال الناس فخرجوا من مكة. وقلع أصحابه شبابيك الحرم وقلع ما على الأساطين من الذهب واستخرج ما كان في الكعبة من المال فقسمه في أصحابه وساء أثره في الناس. فلما قتل أبو السرايا تنكروا له فخشي على نفسه فجاء إلى محمد بن جعفر ليبايع له بالخلافة فلم يزل به هو وابنه حسن واستعانا عليه بابنه علي حتى بايعوه ودعوه بأمير المؤمنين. واستبد عليه ابنه علي وابن الأفطس بأسوا مما كان قبل، وأفحشوا في الزنا واللواط واغتصاب النساء والصبيان، فاجتمع الناس على خلع محمد بن جعفر أو يرد إليهم ابن القاضي كان مغتصبا ببيت ابنه علي، فاستأمنهم حتى ركب إلى بيت ابنه وسلم إليهم الغلام.

وجاء إسحاق بن موسى بن عيسى من اليمن فاجتمع الناس وخندقوا مكة وقاتلهم إسحاق وامتنعوا عليه فسار نحو العراق ولقي الجند الذين بعثهم هرثمة إلى مكة مع الجلودي ورجاء بن جميل، وهو ابن عم الحسين بن سهل. فرجع بهم وقاتل الطالبيين فهزمهم وافترقوا، واستأمن إليه محمد بن جعفر فأمنه وملك مكة وسار محمد ابن جعفر إلى الجحفة، ثم إلى بلاد جهينة فجمع وقاتل هارون بن المسيب والي المدينة، فانهزم محمد وفقئت عينه وقتل خلق من أصحابه ورجع إلى موضعه. ولما انقضى الموسم استأمن الجلودي ورجاء بن جميل فأمناه ودخل مكة وخطب واعتذر عما فعله بأنه بلغه موت المأمون ثم صح أنه حي، وخلع نفسه وسار إلى الحسن والي المأمون بمرو فلم يزل عنده إلى أن سار المأمون إلى العراق فمات بجرجان في طريقه.

** مقتل هرثمة **

لما فرغ هرثمة من أبي السرايا رجع، وكان الحسن بن سهل بالمدائن فلم يعرج عليه وسار على عقرقوبا إلى النهروان قاصدا خراسان، ولقيته كتب المأمون متلاحقة أن يرجع إلى الشام والحجاز، فأبى إلا لقاءه دالة عليه بما سبق له من نصحه له ولآبائه.

وكان قصد أن يطلع المأمون على حال الفضل بن سهل في طيه الأخبار عنه وما عند الناس من القلق بذلك، وباستبداده عليه ومقامه بخراسان وعلم الفضل بذلك فأغرى به المأمون وألقى إليه انه سلط أبا السرايا وهو من جنده وقد خالف كتبك وجاء معاندا سيئ القالة، وإن سومح في ذلك اجترأ غيره فسخطه المأمون وبقي في

انتظاره، ولما بلغ مرو قرع طبوله يسمعها لئلا يطوى خبره عن المأمون، وسأل المأمون عنها فقيل هرثمة أقبل يرعد ويبرق، فاستدعاه وقال هرثمة [1] مالأت العلويين وأبا السرايا ولو شئت إهلاكهم جميعا لفعلت، فذهب يعتذر فلم يمهله وأمر فربس [2] بطنه وشدخ أنفه وسحب إلى السجن ثم دس إليه من قتله.

** انتقاض بغداد على الحسن بن سهل **

ولما بلغ خبر هرثمة إلى العراق كتب الحسن بن سهل إلى علي بن هشام والي بغداد من قبله أن يتعلل على الجند الحربية والبغداديين في أرزاقهم، لأنه كان بلغه عنهم قبل مسير هرثمة أنهم عازمون على خلعه وطرد عماله، وولوا عليهم إسحاق بن الهادي خليفة المأمون. فلم يزل الحسين يتلطف إليهم ويكاتبهم حتى اختلفوا فأنزل علي بن هشام ومحمد ابن أبي خالد في أحد جانبيها، وزهير بن المسيب في الجانب الآخر، وقاتلوا الحربية ثلاثة أيام، ثم صالحهم على العطاء وشرع فيه. وكان زيد بن موسى ابن جعفر قد أخذه علي بن أبي سعيد من البصرة وحبسه كما ذكرناه قبل، فهرب من محبسه وخرج بناحية الأنبار ومعه أخ لأبي السرايا. ثم تلاشى أمره وأخذوا [3] إلى علي بن هشام ثم جاء خبر هرثمة وقد انتقض محمد بن أبي خالد على علي بن هشام بما كان يستحق به، وغضب يوما مع زهير بن المسيب فقنعه بالسوط، فسار إلى الحربية ونصب لهم الحرب، وانهزم علي بن هشام إلى صرصر.

وقيل إن ابن هشام أقام الحد على عبد الله بن علي بن عيسى فغضب الحربية وأخرجوه. واتصل ذلك بالحسن بن سهل وهو بالمدائن كما قلناه فانهزم إلى واسط أول سنة إحدى ومائتين، والفضل بن الربيع وقد ظهر من اختفائه من لدن الأمين. وجاء عيسى بن محمد بن أبي خالد من الرقة من عند طاهر، فاجتمع هو وأبوه على قتال الحسن وهزموا كل من تعرض للقائهم من أصحابه. وكان زهير بن المسيب عاملا للحسن على جوخى من السواد وكان يكاتب بغداد فركب إليه محمد بن أبي خالد

وأخذه أسيرا وانتهب ماله وحبسه ببغداد عند ابنه جعفر. ثم تقدم إلى واسط وبعثه ابنه هارون إلى النيل فهزم نائب الحسن بها إلى الكوفة فلحق بواسط ورجع هارون إلى أبيه وتقدم نحو واسط فسار الحسن عنها. واقام الفضل بن الربيع مختفيا بها واستأمن لمحمد وبعثه إلى بغداد. وسار إلى الحسن على البقية ولقيتهم عساكر الحسن وقواده، وانهزم محمد وأصحابه وتبعهم الحسن إلى تمام الصلح، ثم لحقوا بجرجايا. ووجه محمد ابن ابنه هارون إلى [1] فأقام بها وسار محمد ابن ابنه أبو رتيل وهو جريح إلى بغداد فمات بها ودفن في داره سرا. ومحمد أبو رتيل إلى زهير بن المسيب فقتله من ليلته [2] . وقام خزيمة بن خازم بأمر بغداد، وبعث إلى عيسى بن محمد بأن يتولى حرب الحسن مكان أبيه، وبلغ الحسن موت محمد فبعث عسكره إلى هارون بالنيل فغلبوا وانتهبوها، ولحق هارون بالمدائن. ثم اجتمع أهل بغداد وأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة فأبى فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق انحرافا عن الحسن ابن سهل. وقيل إن الحسن لما ساعد أهل بغداد عيسى بن محمد بن أبي خالد على حربه خام [3] عنه فلاطفه ووعده بالمصاهرة ومائة ألف دينار والأمان له ولأهل بيته ولأهل بغداد وولاية النواحي [4] ، فقبل وطلب خط المأمون بذلك، وكتب إلى أهل بغداد إني شغلت بالحرب عن جباية الخراج فولوا رجلا من بني هاشم، فولوا المنصور بن المهدي وأحصى عيسى أهل عسكره فكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفا. وبعث منصور غسان بن الفرج إلى ناحية الكوفة فغزاه حميد الطوسي من قواد الحسن بن سهل وأخذ أسيرا ونزل النيل. فبعث منصور بن محمد يقطين في العساكر إلى حميد فلقيه حميد بكونا [5] فهزمه وقتل من أصحابه ونهب ما حول كوثا ورجع إلى النيل وأقام ابن يقطين بصرصر.

** أمر المطوعة **

ولما كثر الهرج ببغداد وامتدت أيدي الدعاوي [1] باذاية الناس في أموالهم وأفشى المناكير فيهم وتعذر ذلك، فخرجوا إلى القرى فانتهبوها. «واستعدى الناس أهل الأمر فلم يغدوا عليهم فتمشى الصلحاء من عمل ريظ وكل بينهم ورأوا أنهم في كل درب قليلون بالنسبة إلى خيارهم فاعتزموا على مدافعتهم واشتد خالد المدريوش من أهل، بغداد فدعا جيرانه وأهل محلته إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير أن يغيروا على السلطان. فشد على من كان عندهم من أدعار وحبسهم ورفعهم إلى السلطان وتعدى ذلك إلى غير محلته. ثم قام بعده سهل بن سلامة الأنصاري من الحريشية من أهل خراسان ويكنى أبا حاتم فدعا إلى مثل ذلك وإلى العمل بالكتاب والسنة وعلق في عنقه مصحفا وعبر على العامة وعلى أهل الدولة فبايعوه على ذلك وعلى قتال من خالف» . [2] وبلغ خبرهما إلى منصور بن المهدي وعيسى بن محمد بن أبي خالد فنكروا ذلك لأن أكثر الدعار كانوا يشايعونهم على أمرهم، فدخلوا بغداد بعد أن عقد عليه الصلح مع الحسن بن سهل على الأمان له ولأهل بغداد، وانتظروا كتاب المأمون ورضي أهل البلد بذلك، فسهل عليهم أمر المدريوش وسهل.

** العهد لعلي الرضا والبيعة لإبراهيم بن مهدي **

ولما بلغ أهل بغداد أن المأمون قد بايع بالعهد لعلي بن موسى الكاظم ولقبه الرضا من آل محمد، وأمر الجند بطرح السواد ولبس الخضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن محمد بن أبي خالد ببغداد يعلمه بذلك في رمضان من سنة إحدى ومائتين، وأمره أن يأخذ من عنده من الجند وبني هاشم بذلك، فأجاب بعض وامتنع بعض، وكبر عليهم إخراج الخلافة من بني العباس.

وتولى كبر ذلك منصور وإبراهيم ابنا المهدي وشايعهم عليه المطلب بن عبد الله بن مالك والسدي ونصر الوصيف وصالح صاحب المصلى ومنعوا [1] يوم الجمعة من نادى في الناس بخلع المأمون والبيعة لإبراهيم بن المهدي ومن بعده لإسحاق بن الهادي. ثم بايعوه في المحرم سنة اثنتين ومائتين ولقبوه المبارك ووعد الجند بأرزاق ستة أشهر، واستولى على الكوفة والسواد، وخرج فعسكر بالمدائن وولى بها على الجانب الغربي العباس بن الهادي، وعلى الجانب الشرقي إسحاق بن الهادي. وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل، ومعه القواد سعيد بن الساحور وأبو البط وغسان بن الفرج [2] ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب كانوا منحرفين عن حميد فداخلوا إبراهيم بن الهادي في أن يهلكوه في قصر ابن هبيرة وشعر بذلك الحسن بن سهل فاستقدم حميدا وخلا لهم الجو منه فبعث إبراهيم بن المهدي عيسى ابن محمد بن أبي خالد وملك قصر ابن هبيرة وانتهب عسكر حميد ولحق به ابنه بجواريه. ثم عاد إلى الكوفة فاستعمل عليها العباس بن موسى الكاظم وأمره أن يدعو لأخيه فامتنع غلاة الشيعة من إجابته وقالوا: لا حاجة لنا بذكر المأمون وقعدوا عنه.

وبعث إبراهيم بن المهدي من القواد سعيدا وأبا البط لقتاله، فسرح إليهم العباس بن عمه وهو علي بن محمد الديباجة فانهزم، ونزل سعيد وأبو البط الحيرة ثم تقدموا لقتال أهل الكوفة، وقاتلهم شيعة بني العباس ومواليهم. ثم سألوا الأمان للعباس وخرجوا من داره. ثم قاتل أصحابه أصحاب سعيد فهزموهم وأحرقوا دور عيسى بن موسى، وبلغ الخبر إلى سعيد بالحيرة بأن العباس قد نقض ورجع عن الأمان فركب وجاء إلى

الكوفة وقتل من ظفر به ولقيه أهله فاعتذروا إليه بأن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس باق على عهده. ودخل سعيد وأبو البط ونادوا بالأمان وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي، ثم عزلوه وولوا مكانه غسان بن الفرج فقتل أخا السرايا.

ثم عزلوه وولوا الهول ابن أخي سعيد القائد وقدم حميد بن عبد الحميد لحربهم بالكوفة، فهرب الهول وبعث إبراهيم بن المهدي بن عيسى بن محمد بن أبي خالد لحصار الحسن بواسط على طريق النيل وكان الحسن متحصنا بالمدينة، فسرح أصحابه لقتالهم فانهزموا وغنم عسكرهم، ورجع عيسى إلى بغداد فقاتل سهل بن سلامة المطوع حتى غلبه على منزله فاختفى في غمار النظار وأخذوه بعد ليال وأتوا به إسحاق فقال: كل ما كنت أدعو إليه باطل فقالوا: أخرج فأعلم الناس بذلك فخرج وقال: قد كنت أدعوكم إلى الكتاب والسنة ولم أزل على ذلك فضربوه وقيدوه وبعثوا به إلى إبراهيم المهدي فضربه وحبسه، وظهر أنه قتل في محبسه خفية لسنة من قيامه.

ثم أطلقه فاختفى إلى أن انقرض أمر إبراهيم. وزحف حميد بن عبد الحميد سنة ثلاث ومائتين إلى قتال إبراهيم بن المهدي وأصحابه وكان عيسى بن محمد بن أبي خالد هو المتولي لقتالهم بأمر إبراهيم، فداخلهم في الغدر بإبراهيم وصار يتعلل عليه في المدافعة عنه، ونمي ذلك إلى إبراهيم بن هارون أخي عيسى فتنكر له، ونادى عيسى في الناس بمسالمة حميد فاستدعاه إبراهيم وعاتبه بذلك فأنكر واعتذر، فأمر به فضرب وحبس عدة من قواده وأفلت العباس خليفته، فمشى بعض الناس إلى بعض ووافقوا العباس على خلع إبراهيم وطردوا عامله من الجسر والكرخ. وثار الرعاع والغوغاء.

وكتب العباس إلى حميد يستقدمه ليسلم إليه بغداد ونزل صرصر وخرج إليه العباس والقواد وتواعدوا لخلع إبراهيم على أن يدفع لهم العطاء. وبلغ الخبر إلى إبراهيم فأخرج عيسى وإخوته، وسأله قتال حميد فامتنع. ودخل حميد فصلى الجمعة وخطب للمأمون وشرع في العطاء ثم قطعه عنهم فغضب الجند. وعاود إبراهيم سؤال عيسى في قتال حميد ومدافعته فقاتل قليلا، ثم استأسر لهم وانفض العسكر راجعين إلى إبراهيم. وارتحل حميد فنزل في وسط المدينة وتسلل أصحاب إبراهيم إلى المدائن فملكوها وقاتل بقيتهم حميد، وكان الفضل بن الربيع مع إبراهيم فتحول إلى حميد وكاتب المطلب بن عبد الله بن مالك بأن يسلموه إليه. وكان سعيد بن الساحور والبط وغيرهم من القواد يكاتبون علي بن هشام بمثل ذلك. ولما علم إبراهيم بما اجتمعوا

عليه أقبل على مداراتهم إلى أن جن الليل. ثم تسرب في البلد واختفى منتصف ذي الحجة من سنة ثلاث، وبلغ الخبر إلى حميد وعلي بن هشام، فأقبلوا إلى دار إبراهيم فلم يجدوه، وذلك لسنتين من بيعته. وأقام علي بن هشام على شرقي بغداد وحميد على غربيها وأظهر سهل بن سلامة ما كان يدعو إليه فقربه حميد ووصله.

** قدوم المأمون إلى العراق **

لما وقعت هذه الفتن بالعراق بسبب الحسن بن سهل ونفور الناس من استبداده وأخيه على المأمون ثم من العهد لعلي الرضا بن موسى الكاظم وإخراج الخلافة من بني العباس، وكان الفضل بن سهل يطوي ذلك عن المأمون ويبالغ في اخفائه حذرا من أن يتغير رأي المأمون فيه وفي أخيه. ولما جاء هرثمة للمأمون وعلم أنه يخبره بذلك وأن المأمون يثق بقوله، أحكم السعاية فيه عند المأمون حتى تغير له فقتله ولم يصغ إلى كلامه، فازدادت نفرة الشيعة وأهل بغداد وكثرت الفتن وتحدث القواد في عسكر المأمون بذلك، ولم يقدروا على إبلاغه، فجاءوا إلى علي الرضا وسألوه إنهاء ذلك إلى المأمون، فأخبره بما في العراق من الفتنة والقتال، وأنهم بايعوا إبراهيم بن المهدي فقال المأمون: إنما جعلوه أميرا يقوم بأمرهم! فقال: ليس كذلك وإن الحرب الآن قائمة بين ابن سهل وبينه، وإن الناس ينقمون عليك مكان الفضل والحسن ومكاني وعهدك لي، فقال له المأمون: ومن يعلم هذا غيرك؟ فقال يحيى بن معاذ وعبد العزيز ابن عمران وغيرهما من وجوه قوادك. فاستدعاهم فكتموا حتى استأمنوا إليه ثم أخبروه بما أخبره به الرضا، وأن الناس بالعراق يتهمونه بالرفض لعهده لعلي الرضا وأن طاهر ابن الحسين مع علم أمير المؤمنين ببلائه قد دفع إلى الرقة وضعف أمره، والبلاد تفتقت من كل جانب، وإن لم يتدارك الأمر ذهبت الخلافة منهم. فاستيقن المأمون ذلك وأمر بالرحيل واستخلف على خراسان غسان بن عباد وهو ابن عم الفضل بن سهل، وعلم الفضل بن سهل بذلك فشرع في عقاب أولئك القواد فلم يغنه. ولما نزل المأمون شرحبيل وثب بالفضل أربعة نفر فقتلوه في الحمام وهربوا، وجعل المأمون جعلا لمن جاء بهم، فجاء بهم العباس بن الهيثم الدينوري. فلما حضروا عند المأمون قالوا له:

أنت أمرتنا بقتله! وقيل بل اختلفوا في القول فقال بعضهم: أمرنا بقتله ابن أخيه، وقال آخرون بل عبد العزيز بن عمران من القواد وعلي وموسى وغيرهم، وأنكر

آخرون. فأمر المأمون بقتلهم وقتل من أقروا عليه من القواد، وبعث إلى الحسن بن سهل وسار إلى العراق. وجاءه الخبر بأن الحسن بن سهل أصابته الماليخوليا واختلط فبعث دينارا مولاه ووكله بأمور العسكر وكان إبراهيم بن المهدي وعيسى بالمدائن وأبو البط وسعيد بالنيل والحرب متصلة بينهم. والمطلب بن عبد الله بن مالك قد اعتل بالمدائن فرجع إلى بغداد وجعل يدعو إلى المأمون سرا وإلى خلع إبراهيم وأن يكون منصور بن المهدي خليفة للمأمون وداخله في ذلك خزيمة بن خازم وغيره من القواد. وكتب إلى علي بن هشام وحميد أن يتقدما فنزل حميد نهر صرصر وعلي النهروان، وعاد إبراهيم بن المهدي من المدائن إلى بغداد منتصف صفر، وقبض على منصور وخزيمة ومنع المطلب مواليه، فأمر إبراهيم بنهب داره ولم يظفر، ونزل حميد وعلي بن هشام المدائن وأقاما بها. وزوج المأمون في طريقه ابنته من علي الرضا وبعث أخاه إبراهيم بن موسى الكاظم على الموسم، وولاه اليمن وكان به حمدويه بن علي ابن عيسى بن ماهان قد غلب عليه. ولما نزل المأمون مدينة طوس مات علي الرضا فجأة آخر صفر من سنة ثلاث من عنب أكله، وبعث المأمون إلى الحسن بن سهل بذلك، وإلى أهل بغداد وشيعته يعتذر من عهده إليه، وأنه قد مات ويدعوهم إلى الرجوع لطاعته. ثم سار إلى جرجان وأقام بها أشهرا وعقد على جرجان لرجاء بن أبي الضحاك قاعدا وراء النهر، ثم عزله سنة أربع وعقد لغسان بن عباد من قرابة الفضل بن سهل على خراسان وجرجان وطبرستان وسجستان وكرمان وروبان ودهارير، ثم عزله بطاهر كما نذكره. ثم سار إلى النهروان فلقيه أهل بيته وشيعته والقواد ووجوه الناس وكان قد كتب إلى طاهر أن يوافيه بها، فجاء من الرقة ولقيه هنالك. وسار المأمون فدخل بغداد منتصف صفر من سنة أربعة فنزل الرصافة ثم نزل قصره بشاطئ دجلة، وبقي القواد في العسكر وانقطعت الفتن وبقي الشيعة يتكلمون في لبس الخضرة، وكان المأمون قد أمر طاهر بن الحسين أن يسأل حوائجه فأول شيء سأل لبس السواد فأجابه، وقعد للناس وخلع عليه وعليهم الثياب السود واستقامت الأمور [1] كانت الفتنة قد وقعت بالموصل بين بني شامة وبني ثعلبة وكان علي بن الحسن الهمداني متغلبا عليها في قومه فاستجارت ثعلبة بأخيه محمد فأمرهم بالخروج إلى البرية ففعلوا، وتبعهم بنو شامة في ألف رجل وحاصروهم بالقوجاء

ومعهم بنو ثعلب، وبعث علي ومحمد إليهم بالمدد فقتلوا جماعة من بني شامة وأسروا منهم، ومن بني ثعلب، فجاء أحمد بن عمر بن الخطاب الثعلبي إلى علي فوادعه وسكنت الفتنة. ثم إن علي بن الحسين سطا بمن كان في الموصل من الأزد عسفا في الحكم عليهم، وقال لهم يوما: ألحقوا بعمان. فاجتمعت الأزد إلى السيد بن أنس كبيرهم وقاتلوه. وكان في تلك النواحي مهدي بن علوان من الخوارج فادخله علي ابن الحسين وبايعه وصلى بالناس، واشتدت الحرب. ثم كانت اصرا [1] على علي وأصحابه وأخرجهم الأزد عن البلد إلى الحديثة ثم اتبعوهم فقتلوا عليا وأخاه أحمد في جماعة، ولجأ محمد إلى بغداد وملك السيد بن أنس والأزد الموصل وخطب للمأمون.

ولما قدم المأمون بغداد وفد عليه السيد بن أنس فشكاه محمد بن الحسين بن صالح واستعداءه عليه بقتل أخويه وقومه، فقال: نعم يا أمير المؤمنين! أدخلوا الخارجي بلدك وأقاموه على منبرك وأبطلوا دعوتك فأهدر المأمون دماءهم.

** ولاية طاهر على خراسان ووفاته **

كان المأمون بعد وصوله إلى العراق قد ولى طاهر بن الحسين الجزيرة والشرطة بجانبي بغداد والسواد، ودخل عليه يوما في خلوته فأذن له بالجلوس وبكى ففداه. فقال المأمون أبكي لأمر ذكره ذل وستره حزن، ولن يخلو أحد من شجن، وقضى طاهر حديثه وانصرف. وكان حسين الخادم حاضرا فدس إليه على يد كاتبه محمد بن هارون أن يسأل المأمون عن مكاتبته على مائة ألف درهم ومثلها للكاتب، وخلا حسين بالمأمون وسأله ففطن وقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، والمعروف عندي ليس بضائع فعيبي عن غير المأمون [2] . فأجابه وركب إلى المأمون وفاوضه في أمر خراسان وأنها يخشى عليها من الترك وأن غسان بن عباد ليس بكفء لها. فقال: لقد فكرت في ذلك فمن ترى يصلح لها؟ قال: طاهر بن الحسين قال: هو خالع، قال: أنا ضامنه. فاستدعاه وعقد له من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق من حلوان إلى خراسان، وعسكر من يومه خارج بغداد وأقام شهرا تحمل إليه كل يوم عشرة آلاف ألف درهم عادة صاحب خراسان. وولى المأمون مكانه بالجزيرة ابنه عبد الله، وكان

ينوب عن أبيه بالشرطة، فحملها إلى ابن عمه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وخرج إلى عمله ونزل الرقة لقتال نصر بن شيث. ثم سار طاهر إلى خراسان آخر ذي القعدة سنة خمس ومائتين. وقيل في سبب ولاية طاهر خراسان أن عبد الرحمن المطوع جمع جموعا كثيرة بنيسابور لقتال الحرورية، ولم يستأذن غسان بن عباد وهو الوالي على خراسان، فخشي أن يكون ذلك من المأمون فاضطرب وتعصب له الحسن بن سهل. وخشي المأمون على خراسان فولى طاهرا وسار إلى خراسان فأقام بها إلى سنة سبع، ثم اعتزم على الخلاف وخطب يوما فأمسك عن الدعاء للمأمون ودعا بصلاح الأمة، وكتب صاحب البريد بذلك إلى المأمون بخلعه، فدعا بأحمد بن أبي خالد فقال: أنت ضمنته! فسر وائتني به ثم جاء من الغد الخبر بموته فقال المأمون للبريد ونعم الحمد لله الذي قدمه وأخرنا، وولى طلحة من قبله وبعث إليه المأمون أحمد بن أبي خالد ليقوم بأمره فعبر أحمد إلى ما وراء النهر وافتتح أشر وسنة وأسر كاووس بن خالد حدد وابنه الفضل، وبعث بهما إلى المأمون ووهب طلحة لأحمد بن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا بألف ألف ولمكاتبته خمسمائة ألف درهم. ثم خالف الحسين بن الحسين بن مصعب بكرمان فسار إليه أحمد بن أبي خالد وأتى به إلى المأمون فعفا عنه.

** ولاية عبد الله بن طاهر الرقة ومصر ومحاربته نصر بن شيث **

وفي سنة ست ومائتين بلغ الخبر بوفاة يحيى بن معاذ عامل الجزيرة، وأنه استخلف ابنه أحمد، فولى المأمون عبد الله بن طاهر مكانه وجعل له ما بين الرقة ومصر، فأمره بحرب نصر بن شيث وقيل ولاه سنة خمس، وقيل سنة سبع، واستخلف على الشرطة ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب وهو ابن عمه، وكتب إليه أبو طاهر كتابا بالوصية جمع فيه محاسن الآداب والسياسة ومكارم الأخلاق، وقد ذكرناه في مقدمة كتابنا، فسار عبد الله بن طاهر لذلك وبعث الجيوش لحصار نصر ابن شيث بكيسوم في نواحي جانب، ثم سار إليه بنفسه سنة تسع ومائتين، وأخذ بمخنقه. وبعث إليه المأمون محمد بن جعفر العامري يدعوه إلى الطاعة، فأجاب على شرط أن لا يحضر عنده. فتوقف المأمون وقال: ما باله ينفر مني؟ فقال أبو جعفر: لما

تقدم من ذنبه. فقال: أفتراه أعظم ذنبا من الفضل بن الربيع وقد أخذ جميع ما أوصى له به الرشيد من الأموال والسلاح وذهب مع القواد إلى أخي، وأسلمني وأفسد علي حتى كان ما كان، ومن عيسى بن أبي خالد وقد خالف علي ببلدي وأخرب داري، وبايع لإبراهيم دوني فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين هؤلاء لهم سوابق ودالة يبقون بها، ونصر ليست له في دولتكم سابقة وإنما كان من جند بني أمية، وأنا لا أجيب إلى هذا الشرط، ولح نصر في الخلاف حتى جهده الحصار واستأمن فأمنه عبد الله بن طاهر وخرج إليه سنة عشرة وبعث به إلى المأمون وأخرب حصن كيسوم لخمس سنين من حصاره ورجع عبد الله بن طاهر إلى الرقة ثم قدم بغداد سنة إحدى عشرة فتلقاه العباس بن المأمون والمعتصم وسائر الناس.

** الظفر بابن عائشة وبإبراهيم بن المهدي **

كان إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام ويعرف بابن عائشة ممن تولى كبر البيعة لإبراهيم بن المهدي ومعه إبراهيم بن الأغلب ومالك بن شاهين وكانوا قد اختفوا عند قدوم المأمون في نواحي بغداد. ولما وصل نصر بن شيث وخرجت النظارة أنفذوا للخروج في ذلك اليوم ثم غلبهم بعض الناس فأخذوا في صفر من سنة عشرة، ثم ضربوا حتى أقروا على من كان معهم في الأمر فلم يعرض لهم المأمون وحبسهم فضاق عليهم المحبس وأرادوا أن ينقبوه، فركب المأمون بنفسه وقتلهم وصلب ابن عائشة ثم صلى عليه ودفنه. ثم أخذ في هذه السنة إبراهيم بن المهدي وهو متنقب في زي امرأة يمشي بين امرأتين واستراب به بعض العسس وقال أين تردن في هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت في يده فازداد ريبة ورفعهن إلى صاحب المسلحة، وجاء بهن إلى صاحب الجسر فذهب به إلى المأمون، وأحضره والغل في عنقه والملحبة [1] على صدره ليراه بنو هاشم والناس. ثم حبسه عند أحمد بن أبي خالد، ثم أخرجه معه عند ما سار الحسن بن سهل ليغنم الصلح، فشفع فيه الحسن وقيل ابنته بوران، وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار المعتصم وكان عند المأمون فأدخله عليه وأنبه فيما كان منه. واعتذر بمنظوم من الكلام ومنثور أتى فيه من وراء الغاية وهو منقول في كتب التاريخ فلا نطيل بنقله.

** انتقاض مصر والاسكندرية **

كان السري بن محمد بن الحكم واليا على مصر وتوفي سنة خمس ومائتين، وبقي ابنه عبد الله، فانتقض وخلع الطاعة وأنزل بالإسكندرية جالية من الأندلس أخرجهم الحكم بن هشام من ربضي قرطبة وغربهم إلى المشرق. ولما نزلوا بالإسكندرية ثاروا وملكوها وولوا عليهم أبا حفص عمر البلوطي. وفشل عبد الله بن طاهر عنهم بمحاربة نصر بن شيث، فلما فرغ منه ثار من الشام إليهم، وقدم قائدا من قواده ولقيه ابن السري وقاتله وأغذ ابن طاهر المسير فلحقهم وهم في القتال، وانهزم ابن السري إلى مصر وحاصره عبد الله بن طاهر حتى نزل على الأمان، وذلك سنة عشرة. ثم بعث إلى الجالية الذين ملكوا الاسكندرية بالحرب، فسألوا الأمان على أن يرتحلوا إلى بعض الجزائر في بحر الروم مما يلي الاسكندرية ففعل. ونزلوا جزيرة أقريطش واستوطنوها وأقامت في مملكة المسلمين من أعقابهم دهرا إلى أن غلب عليها الإفرنجة.

** العمال بالنواحي **

لما استقر المأمون ببغداد وسكن الهيج وذلك سنة أربع، ولى على الكوفة أخاه أبا عيسى، وعلى البصرة أخاه صالحا، وعلى الحرمين عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، وعلى الموصل السيد بن أنس الأزدي، وولى على الشرطة ببغداد ومعاون السواد طاهر بن الحسين استقدمه من الرقة، وكان الحسن بن سهل ولاه عليها فقدم واستخلف ابنه عبد الله عليها. ثم ولاه المأمون سنة خمس خراسان وأعمال المشرق كلها واستقدم ابنه عبد الله فجعله على الشرطة ببغداد مكان أبيه. وولى يحيى بن معاذ على الجزيرة وعيسى بن محمد بن أبي خالد على أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك. ومات عامل مصر السري بن محمد بن الحكم فولى ابنه عبيد الله مكانه. ومات داود بن يزيد عامل السند فولى بشر بن داود مكانه على أن يحمل ألف ألف درهم كل سنة. ثم مات يحيى بن معاذ سنة ست واستخلف ابنه أحمد فعزله المأمون وولى مكانه عبد الله بن طاهر وضاف إليه مصر، وسيره لمحاربة نصر بن شيث وولى عيسى بن يزيد الجلودي محاربة الزط سنة خمس، ثم عزله سنة ست وولى داود بن منحور [1] مع أعمال البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين، وولى

في سنة سبع محمد بن حفص على طبرستان والرويان ودنباوند. وفيها أوقع السيد بن أنس بجماعة من عرب بني شيبان ووديعة بما فشا من إفسادهم في البلاد، فكبسهم بالدسكرة واستباحهم بالقتل والنهب. وفي سنة تسع ولى صدقة بن علي ويعرف بزريق على أرمينية وأذربيجان وأمره بمحاربة بابك، وقام بأمره أحمد بن الجنيد الاسكافي فأسره بابك، فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل أذربيجان. وكان على جبال طبرستان شهريار بن شروين فمات سنة عشر وقام مكانه ابنه سابور، فقتله مازيار بن قارن في حرب أسره فيها وملك جبال طبرستان وفي سنة إحدى عشرة قتل زريق بن علي بن صدقة الأزدي السيد بن أنس صاحب الموصل، وقد كان زريق تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان وولاه المأمون عليها، فجمع وقصد الموصل لحرب السيد فخرج إليه أربعة آلاف فاشتد القتال بينهم وقتل السيد في المعركة فغضب المأمون لقتله، وولى محمد بن حميد الطوسي على الموصل وأمره بحرب زريق وبابك الخرمي فسار إلى الموصل واستولى عليها سنة اثنتي عشرة. ومات موسى بن حفص عامل طبرستان فولى المأمون مكانه ابنه، وولى حاجب بن صالح على الهند فوقعت بينه وبين بشر بن داود صاحب السند حرب، وانهزم بشر إلى كرمان ثم قتل محمد بن حميد الطوسي سنة أربع عشرة قتله بابك الخرمي وذلك أنه لما فرغ من أمر المتغلبين بالموصل سار إلى بابك في العساكر الكاملة الحشد وتجاوز إليه المضايق ووكل بحفظها حتى انتهى إلى الجبل، فصعد وقد أكمن بابك الرجال في الشعراء فلما جاز ثلاثة فراسخ خرجت عليهم الكمائن فانهزموا وثبت محمد بن حميد حتى إذا لم يبق معه إلا رجل واحد فتسلل يطلب النجاة فعثر في جماعة من الحربية يقاتلون طائفة من أصحابه فقصدوه وقتلوه، وعظم ذلك على المأمون واستعمل عبد الله بن طاهر على خراسان لأنه كان بلغه أن أخاه طلحة بن طاهر مات وقام علي أخوه مكانه خليفة لعبد الله، وعبد الله بالدينور يجهز العساكر إلى بابك فولى على نيسابور محمد بن حميد فكثر عيث الخوارج بخراسان فأمره المأمون بالمسير إليها فسار ونزل نيسابور وسأل عن سيرة محمد بن حميد فسكتوا فعزله لسكوتهم وفي سنة اثنتي عشرة خلع أحمد بن محمد العمري، يعرف بالأحمر العين باليمن، فولى المأمون ابنه العباس على الجزيرة والثغور والعواصم وأخاه أبا إسحاق المعتصم على الشام ومصر وسير عبد الله بن طاهر إلى خراسان وأعطى لكل واحد منهم خمسمائة ألف درهم، وبعث المعتصم أبا عميرة

الباذغيسي عاملا على مصر فوثب به جماعة من القيسية واليمانية فقتلوه سنة أربع عشرة، فسار المعتصم إلى مصر فقاتلهم وافتتح مصر وولى عليها واستقامت الأمور.

وفي سنة ثلاث عشرة ولى المأمون غسان بن عباس على السند لما بلغه خلاف بشر بن داود. وفي سنة أربع عشرة استقدم المأمون أبا دلف وكان بالكرخ من نواحي همذان منذ سار مع عيسى بن ماهان لحرب طاهر، وقتل عيسى فعاد إلى همذان وراسله طاهر يدعوه إلى البيعة فامتنع. وقال له ولا أكون مع أحد وأقام بالكرخ. فلما خرج المأمون إلى الري أرسل إليه يدعوه فسار نحوه وجلا بعد أن أغرى عليه أصحابه الامتناع. وفي سنة أربع عشرة قتل باليمن. وفيها ولى المأمون علي بن هشام الجبل وقم وأصبهان وأذربيجان وخلع أهل قم وكانوا سألوا الحطيطة من خراجهم وهو ألف ألف درهم لأن المأمون لما جاء من العراق أقام بالري أياما وخفف عنهم من الخراج فطمع أهل قم في مثلها فأبى فامتنعوا من الأداء فسرح إليهم علي بن هشام وعجيف بن عنبسة وظفروا بهم وقتلوا يحيى بن عمران وهدموا سورها وجبوها على سبعة آلاف ألف. وفي سنة ست عشرة ظهر عبدوس الفهري بمصر وقتل بعض عمال المعتصم، فسار المأمون إلى مصر وأصلحها وأتى بعبدوس فقتله وقدم من برقة وأقام بمصر وفيها غضب المأمون على علي بن هشام ووجه عجيفا وأحمد بن هشام لقبض أمواله وسلامه لما بلغه من عسفه وظلمه وأراد قتل عجيف واللحاق ببابك فلم يقدر وظفر به عجيف وجاء به إلى المأمون فأمر بقتله وطيف برأسه في الشام والعراق وخراسان ومصر ثم ألقي في البحر. وقدم غسان بن عباد من السند ومعه بشر بن داود مستأمنا، فولى على السند عمران بن موسى العكي وهرب جعفر بن داود القمي إلى قم فخلع وكان محبوسا بمصر منذ عزله المأمون عن قم فهرب الآن وخلع فغلبه علي بن عيسى القمي وبعث به إلى المأمون فقتل.

** الصوائف **

وفي سنة مائتين قتل الروم ملكهم إليون لسبع سنين ونصف من ملكه، وأعادوا ميخاييل بن جرجس المخلوع، وبقي عليهم تسع سنين. ثم مات سنة خمس عشرة وملك ابنه نوفل وفتح عبد الله بن حرداويه والي طبرستان البلاد والسيرن من بلاد الديلم وافتتح جبال طبرستان، وأنزل شهريار بن شروين عنها وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون وأسرا ياليل ملك الديلم وذلك سنة إحدى ومائتين. وفيها ظهر بابك الخرمي في

الجاوندانية أصحاب جاوندان سهل، وتفسيره الدائم الباقي وتفسير خرم فرح، وكانوا يعتقدون مذاهب المجوس وفي سنة أربع عشرة خرج أبو بلال الصابي الشاري، فسرح إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من القواد وقتلوه. وفي سنة خمس عشرة دخل المأمون بلاد الروم بالصائفة وسار عن بغداد في المحرم واستخلف عليها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وهو ابن عم طاهر، وولاه السواد وحلوان وكور دجلة، ولما وصل تكريت لقيه محمد بن علي الرضا فأجازه وزف إليه ابنته أم الفضل، وسار إلى المدينة فأقام بها وسار المأمون على الموصل إلى منبج ثم دابق، ثم أنطاكية ثم المصيصة وطرطوس. ودخل من هناك فافتتح حصن قرة عنوة وهدمه.

وقيل بل فتحه على الأمان، وفتح قبله حصن ماجد كذلك. وبعثه أشناس إلى حصن سدس، ودخل ابنه العباس ملطية ووجه المأمون عجيفا وجعفر الخياط إلى حصن سنان فأطاع. وعاد المعتصم من مصر فلقي المأمون قبل الموصل، ولقيه العباس ابنه برأس عين. وجاء المأمون منصرفه من العراق إلى دمشق، ثم بلغه أن الروم أغاروا على طرطوس والمصيصة وأثخنوا فيهم بالقتل. وكتب إليه ملك الروم فيه بنفسه فرجع إليهم وافتتح كثيرا من معاقلهم وأناخ على هرقلة حتى استأمنوا وصالحوه، وبعث المعتصم فافتتح ثلاثين حصنا منها مطمورة، وبعث يحيى بن أكثم فأثخن في البلاد وقتل وحرق وسبى. ثم رجع المأمون إلى كيسوم فأقام بها يومين ثم ارتحل إلى دمشق.

وفي سنة سبع عشرة رجع المأمون إلى بلاد الروم فأناخ على لؤلؤة فحاصرها مائة يوم، ثم رحل عنها وخلف عجيفا على حصارها. وجاء نوفل ملك الروم فأحاط به فبعث إليه المأمون بالمدد فارتحل نوفل واستأمن أهل لؤلؤة إلى عجيف، وبعث نوفل في المهادنة والمأمون على سلوين فلم يجبه. ثم رجع المأمون سنة ثمان عشرة وبعث ابنه العباس إلى بناء طوانة فبنى بها ميلا في ميل ودورها أربعة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب ونقل إليها الناس من البلدان.

** وفاة المأمون وبيعة المعتصم **

ثم مرض المأمون على نهر البربرون واشتد مرضه ودخل العراق وهو مريض فمات بطرسوس وصلى عليه المعتصم وذلك لعشرين سنة من خلافته، وعهد لابنه المعتصم وهو أبو إسحاق محمد فبويع له بعد موته، وذلك منتصف رجب من سنة ثمان عشرة

ومائتين. وشغب الجند وهتفوا باسم العباس بن المأمون فأحضره وبايع فسكتوا وخرب لوقته ما كان بناه من مدينة طوانة وأعاد الناس إلى بلادهم وحمل ما أطاق حمله من الآلة وأحرق الباقي.

** ظهور صاحب الطالقان **

وهو محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي زين العابدين بن الحسين، كان ملازما للمسجد بالمدينة فلزمه شيطان من أهل خراسان وزين له أنه أحق بالإمامة، وصار يأتيه بحجاج خراسان يبايعونه. ثم خرج به إلى الجوزجان وأخفاه وأقبل على الدعاء له، ثم حمله على إظهار الدعوة للرضا من آل محمد على عادة الشيعة في هذا الإبهام كما قدمناه. وواقعه قواد عبد الله بن طاهر بخراسان المرة بعد المرة فهزموه وأصحابه، وأخرج ناجيا بنفسه ومر بنسا، فوشي به إلى العامل فقبض عليه وبعثه إلى عبد الله بن طاهر، فبعثه إلى المعتصم منتصف ربيع أول سنة تسع عشرة، فحبسه عند الخادم مسرور الكبير، ووكل بحفظه فهرب من محبسه ليلة الفطر من سنته ولم يوقف له على خبر.

** حرب الزط **

وهم قوم من أخلاط الناس غلبوا على طريق البصرة وعاثوا فيها وأفسدوا البلاد وولوا عليهم رجلا منهم اسمه محمد بن عثمان، وقام بأمره آخر منهم اسمه سماق. وبعث المعتصم لحربهم في هذه السنة عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة فسار إلى واسط وحاربهم، فقتل منهم في معركة ثلاثمائة وأسر خمسمائة، ثم قتلهم وبعث برءوسهم إلى باب المعتصم وأقام قبالتهم سبعة أشهر. ثم استأمنوا إليه في ذي الحجة آخر السنة وجاءوا بأجمعهم في سبعة وعشرين ألفا، المقاتلة منهم اثنا عشر ألفا فعباهم عجيف في السفن على هيئتهم في الحرب ودخل بهم بغداد في عاشوراء سنة عشرين، وركب المعتصم إلى الشماسة في سفينة حتى رآهم، ثم غربهم إلى عين زربة فأغارت عليهم الروم فلم يفلت منهم أحد.

** بناء سامرا **

كان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحرف بمصر وسماهم المطاربة وقوما من

سمرقند وأشر وسنة وفرغانة وسماهم الفرغانة، وأكثر من صبيانهم، وكانوا يركضون الدواب في الطرق ويختلفون بها ركضا، فيصدمون النساء والصبيان فتتأذى العامة بهم، وربما انفرد بعضهم فقتلوه وتأذى الناس من ذلك ونكروه وربما أسمعوا النكير للمعتصم، فعمد إلى بناء القاطون، وكانت مدينة بناها الرشيد ولم يستتمها وخربت، فجددها المعتصم وبناها سنة عشرين وسماها سر من رأى فرخمها الناس سامرا وسارت دارا لملكهم من لدن المعتصم ومن بعده واستخلف ببغداد حتى انتقل إليها ابنه الواثق.

** نكبة الفضل بن مروان **

كان للمعتصم في ولاية أخيه كاتب يعرف بيحيى الجرمقاني [1] ، واتصل به الفضل بن مروان وهو من البردان، وكان حسن الخط. فلما هلك الجرمقاني استكتبه المعتصم وسار معه إلى الشام فأثرى. ولما استخلف المعتصم استولى على هواه واستتبع الدواوين واحتجر الأموال ثم صار يرد أوامر المعتصم في العطايا ولا ينفذها، واختلفت فيه السعايات عند المعتصم ودسوا عليه عنده من ملأ مجلسه ومساخره من يعير المعتصم باستبداده عليه ورد أوامره فحقد له ذلك. ثم نكبه سنة عشرين وصادره وجميع أهل بيته، وجعل مكانه محمد بن عبد الملك بن الزيات وغرب الفضل إلى بعض قرى الموصل [2] قد تقدم لنا حديث بابك الخرمي (محاربة بابك الخرمي) وظهوره سنة اثنتين ومائتين بدعوة جاوندان بن سهل، واتخذ مدينة البر [3] لامتناعه وولى المأمون حروبه، فهزم عساكره وقتل جماعة من قواده وخرب الحصون فيما بين أردبيل وزنجان، فلما ولي المعتصم بعث أبا سعيد محمد بن يوسف فبنى الحصون التي خربها وشحنها بالرجال والأقوات، وحفظ السابلة لجلب الميرة. وبينما هو في ذلك أغارت بعض سرايا بابك بتلك النواحي فخرج في طلبهم واستنقذ ما أخذوه، وقتل كثيرا وأسر أكثر، وبعث بالرءوس والأسرى إلى المعتصم. وكان ابن البعيث أيضا في قلعة له حصينة من كور أذربيجان ملكها من يد

ابن الرواد، وكان يصانع بابك ويضيف سراياه إذا مروا به. ومر به في هذه الأيام قائده عصمة، وأضافه على العادة، ثم قبض عليه وقتل أصحابه وبعث به إلى المعتصم، فسأله عن عورات بلاد بابك فدله عليها. ثم حبسه وعقد لقائده الأفشين حيدر بن كاوس على الجبال، ووجهه لحرب بابك، فسار إليها ونزل بساحتها وضبط الطرقات ما بينه وبين أردبيل، وأنزل قواده في العساكر ما بينه وبين أردبيل يتلقون الميرة من أردبيل من واحد إلى الآخر حتى تصل عسكر الأفشين. وكان إذا وقع بيده أحد من جواسيس بابك يسأله عن إحسان بابك إليه فيضاعفه ويطلقه. ثم إن المعتصم بعث بغا الكبير بمدد الأفشين بالنفقات وسمع بابك فاعتزم على اعتراضه وأخبر الأفشين بذلك بعض جواسيسهم، فكتب إلى بغا أن يرتحل من حصن النهر قيلا [1] ثم يرجع إلى أردبيل ففعل ذلك. وجاءت الأخبار إلى بابك وركب الأفشين في يوم مواعدته لبغا واغذ المسير، وخرجت سرية بابك فلقيت قافلة النهر ولم يصادفوا بغا فيها فقتلوا من وجدوا فيها من الجند وفاتهم المال. ولقوا في طريقهم الهيثم من قواد الأفشين فهزموه وامتنع بحصنه، ونزل بابك عليه يحاصره وإذا بالأفشين قد وصل، فأوقع بهم وقتل الكثير من جنده، ونجا بابك إلى موقان وأرسل إلى عسكره في البر فلحقت به، وخرج معهم من موقان إلى البذ. ولما رجع الأفشين إلى عسكره استمر على حصار بابك وانقطعت عنه الميرة من سائر النواحي، ووجه صاحب مراغة إليه ميرة فلقيتها سرية من سرايا بابك فأخذوها، ثم خلص إليه بغا بما معه من المال ففرقه في العساكر، وأمر الأفشين قواده فتقدموا ليضيقوا الحصار على بابك في حصن البذ، ونزل على ستة أميال منه. وسار بغا الكبير حتى أحاط بقرية البذ وقاتلهم وقتلوا منهم جماعة فتأخر إلى خندق محمد بن حميد من القواد، وبعث إلى الأفشين في المدد، فبعث إليه أخاه الفضل وأحمد بن الخليل بن هشام وأبا خوس وصاحب شرطة الحسن بن سهل، وأمره بمناجزتهم إلى الحرب في يوم عينه له، فركبوا في ذلك اليوم، وقصدوا البذ وأصابهم برد شديد ومطر، وقاتل الأفشين فغلب من بإزائه من أصحاب بابك واشتد عليهم المطر فنزلوا واتخذ بغا دليلا أشرف به على جبل يطل منه على الأفشين ونزل عليهم الثلج والضباب فنزلوا منازلهم. وعمد بابك إلى الأفشين ففض معسكره وضجر أصحاب بغا من مقامهم في رأس الجبل فارتحل بهم ولا يعلم

ما تم على الأفشين، وقصد حصن البذ فتعرف خبر الافشين ورجع على غير الطريق الذي دخلوا منه لكثرة مضايقه وعقباته وتبعته طلائع بابك فلم يلتفت إليهم مسابقة للمضايق أمامه. وأجنهم الليل وخافوا على أثقالهم وأموالهم فعسكر بهم بغا من رأس جبل وقد تعبوا وفنيت أزوادهم وبيتهم بابك ففضهم ونهبوا ما كان معهم من المال والسلاح ونجوا إلى خندقهم الأول في أسفل الجبل وأقام بغا هنالك. وكان طرخان كبير قواد بابك قد استأذنه أن يشتوا بقرية في ناحية مراغة، فأرسل الأفشين إلى بعض قواده بمراغة فأسرى إليه وقتله وبعث برأسه. ودخلت سنة اثنتين وعشرين فبعث المعتصم جعفر الخياط بالعساكر مددا للأفشين، وبعث إتياخ بثلاثين ألف ألف درهم لنفقات الجند فأرسلها وعاد، ورحل الأفشين لأول فصل الربيع، ودنا من الحصن وخندق على نفسه. وجاءه الخبر بأن قائد بابك واسمه أدين [1] قد عسكر بإزائه وبعث عياله إلى بعض حصون الجبل، فبعث الأفشين بعض قواده لاعتراضهم فسلكوا مضايق وتملقوا وأغاروا إلى أن لقوا العيال فأخذوهم وانصرفوا، وبلغ الخبر أدين فركب لاعتراضهم وحاربهم واستنقذ بعض النساء. وعلم بشأنهم الأفشين من علامات كان أمرهم بها إن رأى بهم ريبا فركب إليهم فلما أحسوا به فرجوا عن المضيق ونجا القوم، وتقدم الأفشين قليلا قليلا إلى حصن البذ وكان يأمر الناس بالركوب ليلا للحراسة خوف البيات فضجر الناس من التعب وارتاد في رءوس تلك الجبال أماكن يتحصن فيها الرجالة فوجد ثلاثة فأنزل فيها الرجالة بأزوادهم وسد الطرق إليها بالحجارة وأقام يحاصرهم. وكان يصلي الصبح بغلس، ثم يسير زحفا ويضرب الطبول الناس لزحفه في الجبال والأودية على مصافهم، وإذا أمسك وقفوا وكان إذا أراد أن يتقدم المضيق الذي أتى منه عام أول خلف به عسكرا على رأس العقبة يحفظونه لئلا يأخذه الحرسة منه عليهم. وكان بابك متى زحفوا عليه كمن عسكرا تحت تلك العقبة، واجتهد الأفشين أن يعرف مكان الكمين فلم يطق وكان يأمر أبا سعيد وجعفرا لخياط وأحمد بن الخليل بن هشام فيتقدمون إلى الوادي في ثلاثة كراديس، ويجلس على تلك ينظر إليهم وإلى قصر بابك ويقف بابك قبالته في عسكر قليل وقد أكمن بقية العسكر فيشربون الخمر ويلعبون بالسرياني، فإذا صلى الأفشين الظهر رجع إلى خندقه بروذالروذ مصافا بعد مصاف، الأقرب إلى العدو ثم الذي يليه،

وآخرين ترجع العسكر الذي عقبه المضيق حتى ضجرت الخرمية من المطاولة، وانصرف بعض الأيام وتأخر جعفر فخرج الخرمية من البذ على أصحابه فردهم جعفر على أعقابهم، وارتفع الصياح ورجع الأفشين وقد نشبت الحرب. وكان مع أبي دلف من أصحاب جعفر قوم من المطوعة فضيقوا على أصحاب بابك وكانوا يصدعون البذ، وبعث جعفر إلى الأفشين يستمده خمسمائة راجل من الناشبة فأتى له وأمره بالتحيل في الانصراف، وتعلق أولئك المطوعة بالبذ وارتفع الصياح وخرج الكمناء من تحت العقبة، وتبين الأفشين أماكنهم واطلع على خدعتهم. وانصرف جعفر إلى الأفشين وعاتبه فاعتذر إليه يستأمن الكمين وأراه مكانه، فانصرف عن عتابه وعلم أن الرأي معه. وشكا المطوعة ضيق العلوفة والزاد فأذن لهم في الانصراف وتناولوه بألسنتهم، ثم طلبوه في المناهضة فأذن لهم ووادعهم ليوم معلوم، وجهز وحمل المال والزاد والماء والمحامل لجرجان، وتقدم إلى مكانه بالأمس وجهز العسكر على العقبة على عادته، وأمر جعفرا بالتقدم بالمطوعة وأن يأتوا من أسهل الوجوه وأطلق يده بمن يريده من الناشبة والنفاطين، وتقدم جعفر إلى مكانه بالأمس والمتطوعة معه، فقاتلوا وتعلقوا بسور البذ حتى ضرب جمعهم ما به وجاء الفعلة بالفئوس وطيف عليهم بالمياه والأزودة ثم جاء الخرمية من الباب وكسروا على المطوعة وطرحوهم على السور ورموهم بالحجارة فنالت منهم وضعفوا عن الحرب، ثم تحاجزوا آخر يومهم وأمرهم الافشين بالانصراف وداخلهم اليأس من الفتح تلك السنة، وانصرف أكثر المطوعة. ثم عاود الأفشين الحرب بعد أسبوعين وبعث من جوف الليل ألفا من الناشبة إلى الجبل الذي وراء البذ حتى يعاينوا الأفشين من هذه الناحية فيرمون على الخرمية. وبعث عسكرا آخر كمينا تحت ذلك الجبل الذي وراء البذ، وركب هو من الغداة إلى المكان الذي يقف فيه على عادته. وتقدم جعفر الخياط والقواد حتى صاروا جميعا حول ذلك الجبل، فوثب كمين بابك من أسفل الجبل بالعسكر الذي جاء إليه لما فضحهم الصبح، وانحدر الناشبة من الجبل وقد ركبوا الأعلام على رماحهم، وقصدوا جميعا أدين قائد بابك في جفلة، فانحدر إلى الوادي، فحمل عليه جماعة من أصحاب القواد فرمى عليهم الصخور من الجبل وتحدرت إليهم ولما رأى ذلك بابك استأمن للأفشين على أن يحمل عياله من البذ، وبينما هم في ذلك إذ جاء الخبر إلى الأفشين بدخول البذ، وأن الناس صعدوا بالأعلام فوق قصور بابك حتى دخل واديا هنالك

وأحرق الأفشين قصور بابك وقتل الخرمية عن آخرهم، وأخذ أمواله وعياله، ورجع إلى معسكره عند المساء، وخالفه بابك إلى الحصن فحمل ما أمكنه من المال والطعام وجاء الأفشين من الغد فهدم القصور وأحرقها وكتب إلى ملوك أرمينية وبطارقتهم بإذكاء العيون عليه في نواحيهم حتى يأتوه به، ثم عثر على بابك بعض العيون في واد كثير الغياض يمر من أذربيجان إلى أرمينية فبعث من يأتي به فلم يعثروا عليه لكثرة الغياض والشجر. وجاء كتاب المعتصم بأمانه فبعث به الأفشين بعض المستأمنة من أصحاب بابك فامتنع من قبوله. وقتل بعضهم، ثم خرج من ذلك الوادي هو وأخوه عبد الله ومعاوية وأمه يريدون أرمينية، ورآهم الحرس الذين جاءوا لأخذه وكان أبو السفاح هو المقدم عليهم فمروا في اتباعهم وأدركوهم على بعض المياه، فركب ونجا وأخذ أبو السفاح معاوية وأم بابك وبعث بهم إلى الأفشين وسار بابك في جبال أرمينية مختفيا وقد أذكوا عليه العيون حتى إذا مسه الجوع بعث بعض أصحابه بدنانير لشراء قوتهم فعثر به بعض المسلحة. وبعث إلى سهل بن ساباط [1] فجاء واجتمع بصاحب بابك الذي كانت حراسة الطريق عليه، ودله على بابك فأتاه وخادعه حتى سار إلى حصنه وبعث بالخبر إلى الأفشين فبعث إليه بقائدين من قبله وأمرهما بطاعة ابن ساباط، فأكمنهما في بعض نواحي الحصن وأغرى بابك بالصيد وخرج معه فخرج القائدان من الكمين فأخذاه وجاء به إلى الأفشين ومعهما معاوية بن سهل بن ساباط فحبسه ووكل بحفظه وأعطى معاوية ألف درهم، وآتى سهلا ألف ألف درهم ومنطقة مفرقة بالجوهر. وبعث إلى عيسى بن يوسف بن أسطقانوس [2] ملك البيلقان يطلب منه عبد الله أخا بابك، وقد كان لجأ إلى حصنه عند ما أحاط به ابن ساباط فأنفذه إليه، وحبسه الأفشين مع أخيه. وكتب إلى المعتصم فأمره بالقدوم بهما وذلك في شوال من سنة اثنتين وعشرين، وسار الأفشين بهما إلى سامرا فكان يلقاه في كل رحلة رسول من المعتصم بخلعة وفرس. ولما قرب من سامرا تلقاه الواثق وكبر لقدومه وأنزل الأفشين وبابك عنده بالمطيرة، وتوج الأفشين وألبسه وشاحين ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة آلاف ألف درهم يفرقها في عسكره، وذلك في صفر سنة ثلاث وعشرين. وجاء أحمد ابن أبي داود إلى بابك متنكرا وكلمه، ثم جاء المعتصم أيضا

متنكرا فرآه. ثم عقد من الغد واصطف النظارة سماطين وجيء ببابك راكبا على فيل، فلما وصل أمر المعتصم بقطع أطرافه ثم بذبحه، وأنفذ رأسه إلى خراسان، وصلب شلوه بسامراء وبعث بأخيه عبد الله إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد ليفعل به مثل ذلك ففعل. وكان الذي أنفق الأفشين في مدة حصاره لبابك سوى الأرزاق والأنزال والمعاون عشرة آلاف ألف درهم يوم ركوبه لمحاربته، وخمسة آلاف يوم قعوده.

وجميع من قتل بابك في عشرين سنة أيام قتيبة مائة ألف وخمسة وخمسين ألف [1] ، وهزم من القواد يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبي خالد وأحمد ابن الجنيد وزريق بن علي بن صدقة ومحمد بن حميد الطوسي وإبراهيم بن الليث.

وكان الذين أسروا مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة والذي استنقذ من يديه من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة إنسان جعلوا في حظيرة، فمن أتى من أوليائهم وأقام بينة على أحد منهم أخذه، والذي صار في يد الأفشين من بني بابك وعياله سبعة عشر رجلا وثلاثا وعشرين امرأة.

** فتح عمورية **

وفي سنة ثلاث وعشرين خرج نوفل بن ميخاييل [2] ملك الروم إلى بلاد المسلمين، فأوقع بأهل زبطرة، لأن بابك لما أشرف على الهلاك كتب إليه أن المعتصم قد وجه عساكره حتى خياطه يعني جعفر بن دينار وطباخه يعنى إيتاخ ولم يبق عنده أحد، فانتهز الفرصة ثلاثا أو دونها. وظن بابك أن ذلك يدعو المعتصم إلى إنفاذ العساكر لحرب الروم، فيخف عنه ما هو فيه، فخرج نوفل في مائة ألف وفيهم من المجمرة [3] الذين كانوا خرجوا بالجبال وهزمهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب فلحق بالروم، وبلغ زبطرة فاستباحها قتلا وسبيا وأعاد على ملطية وغيرها، ومثل بالأسرى. وبلغ الخبر إلى المعتصم فاستعظمه وبلغه أن هاشمية صاحت وهي في أيدي الروم: وا معتصماه! فأجاب وهو على سريره لبيك، لبيك! ونادى بالنفير ونهض من ساعته فركب دابته واحتقب شكالا وسكة من حديد فيها رداؤه. وجمع العساكر وأحضر قاضي بغداد عبد الرحمن بن إسحاق ومعه ابن سهل في ثلاثمائة

وثلاثين من العدول فأشهدهم بما وقف من الضياع، ثلثا لولده وثلثا لمواليه، وثلثا لوجه الله. وسار فعسكر بقرى دجلة لليلتين من جمادى الأولى وبعث عجيف بن عنبسة وعمر الفرغاني وجماعة من القواد مددا لأهل زبطرة، فوجدوا الروم قد ارتحلوا عنها فأقاموا حتى تراجع الناس واطمأنوا. ولما ظفر ببابك سأل أي بلاد الروم أعظم عندهم فقيل له عمورية، فتجهز إليها بما لا يماثله أحد قبله من السلاح والآلة والعدد، وحياض الأدم والقرب والروايا وجعل مقدمته أشناس، وبعده محمد بن إبراهيم بن مصعب وعلى الميمنة إيتاخ، وعلى الميسرة جعفر بن دينار الخياط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة، وجاء إلى بلاد الروم فأقام بسلوقية على نهر السن قريبا من البحر، وعلى مسيرة يوم من طرطوس [1] وبعث الأفشين إلى سروج وأمره بالدخول من درب الحرث [2] وبعث أشناس من درب طرطوس وأمره بانتظاره بالصفصاف، وقدم وصيفا في أثر أشناس وواعدهم يوم اللقاء. ورحل المعتصم لست بقين من رجب. وبلغه الخبر أن ملك الروم عازم على كبس مقدمته فبعث إلى أشناس بذلك وأن يقيم ثلاثة أيام ليلحق به. ثم كتب إليه أن يبعث إليه من قواده من يأتيه بخبر الروم وملكهم فبعث عمر الفرغاني في مائتي فارس، فطاف في البلاد وأحضر جماعة عند أشناس أخبروه بأن ملك الروم بينما هو ينتظر المقدمة ليواقعها إذ جاءه الخبر بأن العساكر دخلت من جهة أرمينية [3] يعني عسكر الأفشين، فاستخلف ابن خاله على عسكره وسار إلى تلك الناحية فوجه أشناس بهم إلى المعتصم. وكتب المعتصم إلى الأفشين بالمقام حذرا عليه وجعل لمن يوصل الكتاب عشرة آلاف درهم، وأوغل في بلاد الروم فلم يدركه الكتاب. وكتب المعتصم إلى أشناس بأن يتقدم والمعتصم في أثره حتى إذا كانوا على ثلاث مراحل من أنقرة أسر أشناس في طريقه جماعة من الروم فقتلهم، وقال لهم شيخ منهم: أنا أدلك على قوم هربوا من أنقرة معهم الطعام والشعيرة فبعث معه مالك بن كرد [4] في خمسمائة فارس فدل بهم إلى مكان أهل أنقرة فغنموا منهم ووجدوا فيهم جرحى قد حضروا وقعة ملك الروم مع الأفشين، وقالوا: لما استخلف على عسكره سار إلى ناحية أرمينية فلقينا

المسلمين صلاة الغداة فهزمناهم وقتلنا رجالهم وافترقت عساكرنا في طلبهم، ثم رجعوا بعد الظهر فقاتلونا وحرقوا عسكرنا وفقدنا الملك وانهزمنا، ورجعنا إلى العسكر فوجدناه قد انتقض وجاء الملك من الغد فقتل نائبة الذي استخلفه، وكتب إلى بلاده بعقاب المنهزمين ومواعدتهم بمكان كذا ليلقى المسلمين بها. ووجه خصيا له إلى أنقرة ليحفظها فوجد أهلها قد أجلوا فأمره الملك بالمسير إلى عمورية، فوعى مالك ابن كرد خبرهم ورجع بالغنيمة والأسرى إلى أشناس وأطلق الأمير الذي دله. وكتب أشناس بذلك إلى المعتصم ثم جاء البشير من ناحية الأفشين بالسلامة، وأن الوقعة كانت لخمس بقين من شعبان. وقدم الأفشين على المعتصم بأنقرة ورحل بعد ثلاث والأفشين في ميمنته وأشناس في ميسرته وهو في القلب، وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمرهم بالتخريب والتحريق ما بين أنقرة وعمورية. ثم وافى عمورية وقسمها على قواده، وخرج إليه رجل من المنتصرة فدله على عورة من السور بني ظاهره وأخل باطنه فضرب المعتصم خيمته قبالته ونصبت عليه المجانيق، فتصدع السور. وكتب بطريقها باطيس [1] والخصي إلى الملك يعلمانه بشأنهما في السور وغيره، فوقع في يد المسلمين مع رجلين. وفي الكتاب أن باطيس عازم على أن يخرج ليلا ويمر بعسكر المسلمين ويلحق بالملك فنادى المعتصم حرسه، ثم انثلمت فوهة من السور بين برجين وقد كان الخندق طم بأوعية الجلود المملوءة ترابا ثم ضرب بالذبالات [2] عليها فدحرجها الرجال إلى السور فنشبت في تلك الأوعية وخلص من فيها بعد الجهد. ولما جاء من الغد بالسلالم والمنجنيقات فقاتلوهم على تلك الثلمة وحارب وبدر بالحرب أشناس وجمعت المنجنيقات على تلك الثلمة وحارب في اليوم الثاني الأفشين والمعتصم راكب إزاء الثلمة، وأشناس وأفشين وخواص الخدام معه.

ثم كانت الحرب في اليوم الثالث على المعتصم وتقدم اتياخ [3] بالمغاربة والأتراك واشتد القتال على الروم إلى الليل وفشت فيهم الجراحات، ومشى بطريق تلك الناحية إلى رؤساء الروم، وشكا إليهم واستمدهم فأبوا. فبعث إلى المعتصم يستأمن فأمنه وخرج من الغد إلى المعتصم وكان اسمه وبدوا [4] فبينما هو والمعتصم يحادثه أومأ عبد الوهاب

ابن علي من بين يديه إلى المسلمين بالدخول فافتتحوا من الثلمة ورآهم وبدوا فخاف فقال له المعتصم: كل شيء تريده هو لك. ودخل المسلمون المدينة وامتنع الروم بكنيستهم وسطها فأحرقها المسلمون عليهم. وامتنع باطيس البطريق في بعض أبراجها حتى استنزله المعتصم بالأمان، وجاء الناس بالأسرى والسبي من كل جانب، واصطفى الأشراف وقتل من سواهم وبيعت مغانمهم في خمسة أيام وأحرق الباقي.

ووثب الناس على المغانم في بعض الأيام ينهبونها فركب المعتصم وسار نحوهم فكفئوا بعمورية فهدمت وأحرقت وحاصرها خمسة وخمسين يوما من سادس رمضان إلى آخر شوال، وفرق الأسرى على القواد ورجع نحو طرطوس [1] . ولم يزل نوفل مملكا على الروم إلى أن هلك سنة تسع وعشرين ومائتين في ولاية الواثق، ونصبوا ابنه ميخاييل في كفالة أمه ندورة فأقامت عليهم ست سنين ثم اتهمها ابنها ميخاييل بقمط من أقماطها عليها وألزمها بيتها سنة ثلاث وثلاثين.

** حبس العباس بن المأمون ومهلكه **

كان المعتصم يقدم الأفشين على عجيف بن عنبسة ولما بعثه إلى زبطرة لم يطلق يده في النفقات كما أطلق للأفشين وكان يستقصر شأن عجيف وأفعاله، فطوى عجيف على النكث ولقي العباس بن المأمون فعذله على قعوده عند وفاة المأمون عن الأمر حتى بويع المعتصم وأغراه قبلا في ذلك فقبل العباس منه، ودس رجلا من بطانته يقال له السمرقندي قرابة عبد الله بن الوضاح وكان له أدب ومداراة فاستأمن له جماعة من القواد ومن خواص المعتصم فبايعوه وواعد كل واحد منهم أن يثب بالقائد الذي معه فيقتله من أصحاب المعتصم والأفشين وأشناس بالرجوع إلى بغداد فأبى من ذلك وقال: لا أفسد العراق. فلما فتحت عمورية وصعب التدبير بعض الشيء أشار عجيف بأن يضع من ينهب الغنائم فإذا ركب المعتصم وثبوا به ففعلوا مثل ما ذكرنا. وركب فلم يتجاسروا عليه. وكان للفرغاني قرابة غلام أمرد في جملة المعتصم فجلس مع ندمان الفرغاني تلك الليلة وقص عليهم ركوب المعتصم فأشفق الفرغاني وقال يا بني أقلل من المقام عند أمير المؤمنين والزم خيمتك، وإن سمعت هيعة فلا

تخرج فأنت غلام غر. ثم ارتحل المعتصم إلى الثغور وتغير أشناس على عمر الفرغاني وأحمد بن الخليل وأساء عليهما فطلبا من المعتصم أن يضمهما إلى من شاء وشكيا من أشناس فقال له المعتصم أحسن أدبهما فحبسهما وحملهما على بغل، فلما صار بالصفصاف حدث الغلام ما سمع من قريبه عمر الفرغاني فأمر بغا أن يأخذه من عند أشناس ويسأله عن تأويل مقالته فأنكر وقال إنه كان سكران، فدفعه إلى إتياخ. ثم دفع أحمد بن الخليل إلى أشناس [1] عنده نصيحة للمعتصم وأخبره خبر العباس بن المأمون والقواد والحرث السمرقندي فأنفذ أشناس إلى الحرث وقيده وبعث به إلى المعتصم، وكان في المقدمة فأخبر الحرث المعتصم بجلية الأثر فأطلقه وخلع عليه، ولم يصدقه على القواد لكثرتهم. ثم حضر العباس بن المأمون واستحلفه أن لا يكتم عنه شيئا فشرح له القصة فحبسه عند الأفشين وتتبع القواد بالحبس والتنكيل وقتل منهم المشاء بن سهيل [2] ثم دفع العباس للأفشين، فلما نزل منبج طلب الطعام فأطعم ومنع الماء. ثم أدرج في نبج [3] فمات. ولما وصل المعتصم إلى نصيبين احتفر لعمر الفرغاني بئرا وطمت عليه، ولما دخلوا بلاد الموصل قتل عجيف بمثل ما قتل به العباس واستلحم جميع القواد في تلك الأيام وسموا العباس اللعين. ولما وصل إلى سامرا جلس أولاد المأمون في داره حتى ماتوا.

** انتقاض مازيار وقتله **

كان مازيار بن قارن بن وندا هرمز [4] صاحب طبرستان وكان منافرا لعبد الله بن طاهر فلا يحمل إليه الخراج وقال: لا أحمله إلا للمعتصم فيبعث المعتصم من يقبضه من أصحابه ويدفعه إلى وكيل عبد الله بن طاهر يرده إلى خراسان. وعظمت الفتنة بين مازيار وعبد الله وعظمت سعاية عبد الله في مازيار عند المعتصم حتى استوحش منه.

ولما ظفر الأفشين ببابك وعظم محله عند المعتصم وطمع في ولاية خراسان ظن أن انتقاض مازيار وسيلة لذلك فجعل يستميل مازيار ويحرضه على عداوة ابن طاهر وإن

أدت إلى الخلاف ليبعثه المعتصم لحربه فيكون ذلك وسيلة له إلى استيلائه على خراسان ظنا بأن ابن طاهر لا ينهض لمحاربته. فانتقض مازيار وحمل الناس على بيعته كرها وأخذ رهائنهم وعجل جباية الخراج فأستكثر منه وخرب سور آمد وسور سابة [1] وفتل [2] أهلها إلى جبل يعرف بهرمازا بارونى [3] وسرخاشان سور طمس منها إلى البحر على ثلاثة أميال وهي على حد جرجان وكانت تبنيه سدا بين الترك وطبرستان [4] وجعل عليه خندقا ومن أهل جرجان إلى نيسابور، وأنفذ عبد الله بن طاهر عمه الحسن بن الحسين في جيش كثيف لحفظ جرجان، فعسكر على الخندق، ثم بعث مولاه حيان بن جبلة إلى قومس فعسكر على جبال شروين، وبعث المعتصم من بغداد محمد بن إبراهيم بن مصعب وبعث منصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الري، وبعث ابا الساج إلى دنباوند وأحاطت العساكر بحياله من كل ناحية، وداخل أصحاب الحسن بن الحسين أصحاب سرخاشان [5] في تسليم سورهم وليس بينهما إلا عرض الخندق، فكلموه وسار الآخرون إليه على حين غفلة من القائدين، وركب الحسن بن الحسين وقد ملك أصحابه السور ودخلوا منه فهرب سرخاشان وقبضوا على أخيه شهريار فقتل. ثم قبض على سرخاشان على خمسة فراسخ من معسكره وجيء به إلى الحسن بن الحسين فقتله أيضا. ثم وقعت بين حيان بن جبلة وبين فارق بن شهريار [6] وهو ابن أخي مازيار ومن قواده، مداخلة استمالت حيان، فأجاب أن يسلم مدينة سارية إلى حد جرجان على أن يملكوه جبال آبائه، وبعث حيان إلى ابن طاهر فسجل لقارن بما سأل، وكان قارن في جملة عبد الله بن قارن أخي مازيار ومن قواده فأحضر جميعهم لطعامه وقبض عليهم، وبعث بهم إلى حيان فدخل جبال قارن في جموعه واعتصم [7] لذلك مازيار، وأشار عليه أخوه القوهيار أن يخلي سبيل من عنده من أصحاب ينزلون من الجبل إلى مواطنهم لئلا يؤتى من قبلهم، فصرف

صاحب شرطته وخراجه وكاتبه حميدة، فلحقوا بالسهل ووثب أهل سارية بعامله عليهم مهرستان بن شهرين فهرب ودخل حيان سارية. ثم بعث قوهيار أخو مازيار محمد بن موسى بن حفص عامل طبرستان وكانوا قد حبسوه عند انتقاضهم، فبعثه إلى حيان ليأخذ له الأمان وولاية جبال آبائه على أن يسلم إليه مازيار، وعذل قوهيار بعض أصحابه في عدو له بالاستئمان عن الحسن إلى حيان فرجع إليهم وكتبوا إلى الحسن يستدعونه قوهيار من أخيه مازيار [1] فركب من معسكره بطمس وجاء لموعدهم ولقي حيان على فرسخ فرده إلى جبال شروين التي افتتحها، ووبخه على غيبته عنها فرجع الى سارية وتوفي، وبعث عبد الله مكانه بن الحسين بن مصعب وعهد إليه أن لا يمنع قارن ما يريده، ولما وصل الحسن إلى خرم آباذ وسط جبال مازيار لقيه قوهيار هنالك، واستوثق كل منهما من صاحبه، وكاتب محمد بن إبراهيم ابن مصعب من قواد المعتصم قوهيار بمثل ذلك، فركب قاصدا إليه، وبلغ الحسن خبره فركب في العسكر وحازم يسابق محمد بن إبراهيم إلى قوهيار فسبقه ولقي قوهيار وقد جاء بأخيه مازيار فقبض عليه وبعثه مع اثنين من قواده إلى خرم آباذ ومنها إلى مدينة سارية. ثم ركب واستقبل محمد بن إبراهيم بن مصعب وقال: أين تريد؟

فقال: إلى المازيار فقال هو بسارية، ثم حبس الحسن أخوي المازيار ورجع إلى مدينة سارية فقيد المازيار بالقيد الذي قيد به محمد بن محمد بن موسى بن حفص، وجاء كتاب عبد الله بن طاهر بأن يدفع المازيار وأخويه وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم يحملهم إلى المعتصم. وسأل الحسن المازيار عن أمواله فذكر أنها عند قوم من وجوه سارية سماهم وأمر الحسن القوهيار بحمل هذه الأموال، وسار إلى الجبل ليحملها، فوثب به مماليك المازيار من الديلم وكانوا ألفا ومائتين فقتلوه بثأر أخيه وهربوا إلى الديلم، فاعترضتهم جيوش محمد بن إبراهيم وأخذوهم فبعث بهم إلى مدينة سارية.

وقيل إن الذي غدر بالمازيار ابن عم له كان يتوارث جبال طبرستان والمازيار يتوارث سهلها، وكانت جبال طبرستان ثلاثة أجبل فلما انتقض واحتاج إلى الرجال دعا ابن عمه من السهل وولاه على أصعبها وظن أنه قد توثق به فكاتب هو الحسن وأطلعه على مكاتبة الأفشين لمازيار وداخله [2] في الفتك على أن يوليه ما كان لآبائه، وأن المازيار

لما ولاه الحسن بن سهل طبرستان انتزع الجبل من يده فأفضى له الحسن كتاب ابن طاهر وتوثق له فيه، وأوعده ليوم معلوم ركب فيه الحسن إلى الجبل فأدخله ابن عم مازيار وحاصروه حتى نزل على حكمه. ويقال أخذه أسيرا في الصيد. ومضى الحسن به ولم يشعر صاحب الجبل الآخر وأقام في قتاله لمن كان بإزائه فلم يشعر إلا والعساكر من ورائه فانهزم، ومضى إلى بلاد الديلم فأتبعوه وقتلوه. ولما صار المازيار في يده طلبت منه كتب الأفشين فأحضرها، وأمر ابن طاهر أن يبعث بها معه إلى المعتصم، فلما وصل إلى المعتصم ضربه حتى مات وصلبه إلى جانب بابك وذلك سنة أربع وعشرين.

** ولاية ابن السيد على الموصل **

وفي سنة أربع وعشرين ولى المعتصم على الموصل عبد الله بن السيد بن أنس الأزدي وكان سبب ولايته أن رجلا من مقدمي الأكراد يعرف بجعفر بن فهرجس كان قد عصى بأعمال الموصل، وتبعه خلق كثير من الأكراد وغيرهم، وأفسدوا البلاد فبعث المعتصم لحربه عبد الله بن السيد بن أنس فقاتله وغلبه [1] وأخرجه منها بعد أن كان استولى عليها ولحق بجبل دانس وامتنع بأعاليه، وقاتله عبد الله وتوغل في مضايق ذلك الجبل، فهزمه الأكراد وأثخنوا في أصحابه بالقتل، وقتل إسحاق بن أنس عم عبد الله فبعث المعتصم مولاه إتياخ في العساكر إلى الموصل سنة خمس وعشرين وقصد جبل داسن فقاتل جعفرا وقتله وافترق أصحابه، وأوقع بالأكراد واستباحهم وفروا أمامه إلى تكريت.

** نكبة الأفشين ومقتله **

كان الأفشين من أهل اشروسنة تبوأها ونشأ ببغداد عند المعتصم وعظم محله عنده ولما حاصر بابك كان يبعث إلى أشر وسنة بجميع أمواله، فيكتب ابن طاهر بذلك إلى المعتصم، فيأمره المعتصم بأن يجعل عيونه عليه في ذلك. وعثر مرة ابن طاهر على تلك الأموال فأخذها وصرفها في العطاء، وقال له حاملوها: هذا مال الأفشين، فقال: كذبتم لو كان ذلك لأعلمني أخي أفشين به، وإنما أنتم لصوص، وكتب إلى

الأفشين بذلك بأنه دفع المال إلى الجند ليوجههم إلى الترك فكتب إليه أفشين مالي ومال أمير المؤمنين واحد، وسأله في إطلاق القوم فأطلقهم واستحكمت الوحشة بينهما وتتابعت السعاية فيه من طاهر، وربما فهم الأفشين أن المعتصم يعزله عن خراسان فطمع في ولايتها، وكان مازيار يحسن له الخلافة ليدعو المعتصم ذلك إلى عزله وولاية الأفشين لحرب مازيار. فكان من أمر مازيار ما ذكرناه وسيق إلى بغداد مقيدا، وولى المعتصم الأفشين على أذربيجان فولى عليها من قبله منكجور من بعض قرابته فاستولى على مال عظيم لبابك. وكتب به صاحب البريد إلى المعتصم فكذبه منكجور وهم بقتله، فمنعه أهل أردبيل فقاتلهم، وسمع ذلك المعتصم فأمر الأفشين بعزل منكجور وبعث قائدا في عسكره مكانه، فخلع منكجور وخرج من أردبيل فهزمه القائد ولحق ببعض حصون أذربيجان كان بابك خربه، فأصلحه وتحصن فيه شهرا ثم وثب فيه أصحاب وأسلموه إلى القائد، فقدم به إلى سامرا فحبسه المعتصم واتهم الأفشين في أمره وذلك سنة خمس وعشرين ومائتين بأن القائد كان بغا الكبير وأنه خرج إليه بالأمان انتهى ولما أحس الأفشين بتغير المعتصم أجمع أمره على الفرار واللحاق بأرمينية، وكانت في ولايته ويخرج منها إلى بلاد الخزر ويرجع إلى بلاد أشر وسنة، وصعب عليه ذلك بمباشرة المعتصم أمره فأراد أن يتخذ لهم صنيعا يشغلهم فيه نهارهم، ثم يسير من أول الليل. وعرض له في أثناء ذلك غضب على بعض مواليه وكان سيئ الملكة فأيقن مولاه بالهلكة، وجاء إلى إتياخ فأحضره إلى المعتصم وخبره الخبر فأمره بإحضاره وحبسه بالجوسق، وكان ابنه الحسن عاملا على بعض ما وراء النهر فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال عليه، وكان يشكو من نوح بن أسد صاحب بخارى. فكتب ابن طاهر إلى الحسن بولاية بخارى وكتب إلى نوح بذلك وأن يستوثق منه إذا وصل إليه ويبعث به، ثم يبعث به إلى ابن طاهر، ثم إلى المعتصم. ثم أمر المعتصم بإحضار الأفشين ومناظرته فيما قيل عنه، فأحضر عند الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات وعنده القاضي أحمد بن أبي دواد وإسحاق بن إبراهيم وجماعة القواد والأعيان، وأحضر المازيار من محبسه والمؤيد والمرزبان بن تركش [1] أحد ملوك الصغد، ورجلان من أهل الصغد يدعيان أن الأفشين ضربهما وهما إمام ومؤذن بمسجد. فكشفا عن ظهورهما وهما عاريان من

اللحم، فقال ابن الزيات للأفشين: ما بال هذين؟ قال: عهدا إلى معاهدين فوثبا على بيت أصنامهم فكسراها، واتخذ البيت مسجدا فعاقبتهما على ذلك. وقال ابن الزيات: ما بال الكتاب المحلى بالذهب والجوهر عندك وفيه الكفر؟ وقال: كتاب ورثته من آبائي وأوصوني بما فيه من آدابهم فكنت آخذها منه وأترك كفرهم، ولم أحتج إلى نزع حلبته، وما ظننت أن مثل هذا يخرج عن الإسلام. ثم قال المؤيد أنه يأكل لحم المخنقة ويحملني على أكلها ويقول: هو أرطب من لحم المذبوحة! ولقد قال لي يوما حملت على كل مكروه لي حتى أكلت الزيت وركبت الجمل ولبست النعل، إلى هذه الغاية لم أختتن ولم تسقط عني شعرة العانة. فقال الأفشين: أثقة هذا عندكم في دينه؟ وكان مجوسيا قالوا: لا! قال: فكيف تقبلونه علي؟ ثم قال للمؤيد: أنت ذكرت أني أسررت إليك ذلك، فلست بثقة في دينك ولا بكريم في عهدك ثم قال له المرزبان: كيف يكاتبك أهل أشر وسنة؟ قال: ما أدري! قال:

أليس يكاتبونك بما تفسره بالعربي إلى إله الآلهة من عبده فلان؟ قال: بلى! فقال ابن الزيات: فمات أبقيت لفرعون؟ قال هذه عادة منهم لأبي وجدي ولي قبل الإسلام، ولو منعتهم لفسدت علي طاعتهم. ثم قال له: أنت كاتبت هذا وأشار إلى المازيار. كتب أخوه إلى أخي قوهيار أنه لن ينصر هذا الدين غيري وغيرك وغير بابك، فأما بابك فقد قتل نفسه بجمعه، ولقد عهدت أن أمنعه فأبى إلا خنقه، وأنت إن خالفت لم يرمك القوم بغيري ومعي أهل النجدة، وإن توجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا العرب والمغاربة والترك، والعربي كلب تناوله لقمة وتضرب رأسه، والمغاربة أكلة رأس، والأتراك لهم صدمة ثم تجول الخيل جولة فتأتي عليهم، ويعود هذا الدين إلى ما كان عليه أيام العجم. فقال الأفشين: هذا يدعى أن أخي كتب إلى أخيه فما يجب علي؟ ولو كتب فأنا أستميله مكرا به لأحظى عند الخليفة كما حظي به ابن طاهر، فزجره ابن أبي دؤاد فقال له الأفشين: ترفع طيلسانك فلا تضعه حتى تقتل جماعة فقال: أمتطهر أنت؟ قال: لا! قال: فما يمنعك وهو شعار الإسلام؟ قال: خشيت على نفسي من قطعه! قال: فكيف وأنت تلقى الرماح والسيوف؟ قال تلك ضرورة أصبر عليها وهذا أستجلبه. فقال ابن أبي دؤاد لبغا الكبير: قد بان لكم أمره يا بغا عليك به. فدفعه بيديه ورده إلى محبسه، وضرب مازيار أربعمائة سوط فمات منها، وطلب أفشين من المعتصم أن

ينفذ إليه من يثق به، فبعث حمدون بن إسماعيل فاعتذر له عن جميع ما قيل فيه وحمل إلى دار إتياخ فقتل بها وصلب على باب العامة، ثم أحرق وذلك في شعبان من سنة ست وعشرين، وقيل قطع عنه الطعام والشراب حتى مات.

** ظهور المبرقع **

كان هذا المبرقع يعرف بأبي حرب اليماني وكان بفلسطين، وأراد بعض الجند النزول في داره فمنعه بعض النساء فضربها الجندي، وجاء فشكت إليه بفعل الجندي، فسار إليه وقتله، ثم هرب إلى جبال الأردن فأقام به واختفى ببرقع على وجهه وصار يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعيب الخليفة ويزعم أنه أموي، واجتمع له قوم من تلك الناحية وقالوا: هو السفياني ثم أجابه جماعة من رؤساء اليمانية منهم ابن بهيس [1] وكان مطاعا في قومه وغيره فاجتمع له مائة ألف، وسرح المعتصم رجاء بن أيوب في ألف من الجند فخام عن لقائه لكثرة من معه، وعسكر قبالته ينتظر أوان الزراعة وانصراف الناس عنه لأعمالهم. وبينما هم في الانصراف توفي المعتصم وثارت الفتنة بدمشق، فأمره الواثق بقتل من أثار الفتنة والعود إلى المبرقع، ففعل وقاتله فأخذه أسيرا وابن بهيس معه، وقتل من أصحابه عشرين ألفا وحمله وذلك سنة سبع وعشرين ومائتين.

** وفاة المعتصم وبيعة الواثق **

وتوفي المعتصم أبو إسحاق محمد بن المأمون بن الرشيد منتصف ربيع الأول سنة سبع وعشرين لثمان سنين وثمانية أشهر من خلافته، وبويع ابنه هارون الواثق صبيحته وتكنى أبا جعفر. فثار أهل دمشق بأميرهم وحاصروه وعسكروا بمرج واسط [2] وكان رجاء بن أيوب بالرملة في قتال المبرقع، فرجع إليهم بأمر الواثق فقاتلهم وهزمهم وأثخن فيهم، وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة ومن أصحابه نحو ثلاثمائة، وصلح أمر دمشق، ورجع رجاء إلى قتال المبرقع حتى جاء به أسيرا [3] بيعة

الواثق توجه أشناس ووشحه وكان للواثق سمر يجلسون عنده ويفيضون في الأخبار حتى أخبروه عن شأن البرامكة واستبدادهم على الرشيد واحتجابهم الأموال فأغراه ذلك بمصادرة الكتاب فحبسهم وألزمهم الأموال. فأخذ من أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، ومن سليمان بن وهب كاتب إتياخ أربعمائة ألف، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألفا، ومن إبراهيم بن رباح وكاتبه مائة ألف، ومن أبي الوزر مائة وأربعين ألفا وكان على اليمن إتياخ وولاه عليها المعتصم بعد ما عزل جعفر بن دينار، وسخطه وحبسه ثم رضي عنه وأطلقه، فلما ولي الواثق ولى إتياخ على اليمن من قبله سار بأميان، فسار إليها وكان الحرس إسحاق بن يحيى بن معاذ ولاه المعتصم بعد عزل الأفشين، وولى الواثق على المدينة سنة إحدى وعشرين محمد بن صالح بن العباس وبقي محمد بن داود على مكة، وتوفي عبد الله بن طاهر سنة ثلاثين وكان على خراسان وكرمان وطبرستان والري وكان له الحرب والشرطة والسواد فولى الواثق على أعماله كلها ابنه طاهرا.

** وقعة بغا في الاعراب **

كان بنو سليم يفسدون بنواحي المدينة ويتسلطون على الناس في أموالهم وأوقعوا بناس من كنانة وباهلة، وبعث محمد بن صالح إليهم مسلحة المدينة ومعهم متطوعة من قريش والأنصار فهزمهم بنو سليم وقتلوا عامتهم وأحرقوا لباسهم وسلاحهم وكراعهم ونهبوا القرى ما بين مكة والمدينة وانقطع الطريق، فبعث الواثق بغا الكبير، وقدم المدينة في شعبان فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم خمسين رجلا وأسر مثلها، واستأمنوا له على حكم الواثق، فقبض على ألف منهم ممن يعرف بالفساد فحبسهم بالمدينة وذلك سنة ثلاثين. ثم حج وسار إلى ذات عرق وعرض على بني هلال مثل بني سليم فأخذ من المفسدين منهم نحو ثلاثمائة رجل وحبسهم بالمدينة وأطلق الباقين. ثم خرج بغا إلى بني مرة فنقب أولئك الأسرى الحبس وقتلوا الموكلين، فاجتمع عليهم أهل المدينة ليلا ومنعوهم من الخروج فقاتلوهم إلى الصبح ثم قتلوهم، وشق ذلك على بغا وكان سبب غيبته أن فزارة وبني مرة تغلبوا على فدك، فخرج إليهم وقدم رجلا من قواده يعرض عليهم الأمان، فهربوا من سطوته إلى الشام واتبعهم إلى تخوم الحجاز من الشام، وأقام أربعين ليلة ثم رجع إلى المدينة بمن ظفر منهم. وجاءه قوم من بطون غفار وفزارة وأشجع وثعلبة فاستحلفهم على الطاعة ثم سار إلى بني كلاب فأتوه في

ثلاثة آلاف رجل فحبس أهل الفساد منهم ألفا بالمدينة وأطلق الباقين، وأمره الواثق سنة اثنين وثلاثين بالمسير إلى بني نمير باليمامة وما قرب منها لقطع فسادهم، فسار إليهم ولقي جماعة الشريف منهم فحاربهم وقتل منهم خمسين وأسر أربعين. ثم سار إلى مرة وبعث إليهم في الطاعة فامتنعوا وساروا إلى جبال السند وطف اليمامة [1] وبعث سراياهم فأوقع بهم في كل ناحية ثم سار إليهم في ألف رجل فلقيهم قريبا من أضاخ فكشفوا مقدمته وميسرته وأثخنوا في عسكره بالقتل والنهب. ثم ساروا تحت الليل وهو في اتباعهم يدعوهم إلى الطاعة وبعث طائفة من جنده يدعون بعضهم وأصبح وهو في قلة، فحملوا عليه وهزموه إلى معسكره، وإذا بالطائفة الذين بعثهم قد جاءوا من وجهتهم فلما رآهم بنو نمير من خلفهم ولوا منهزمين وأسلموا رجالهم وأموالهم ونجوا على خيلهم ولم يفلت من رجالتهم أحد، وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة، وأقام بمكان الوقعة واستأمن له أمراؤهم فقيدهم وحبسهم بالبصرة. وقدم عليه واجن الأشروسني في سبعمائة مقاتل مددا فبعثه إلى اتباعهم إلى أن بلغ تبالة من أعمال اليمن ورجع، وسار بغا إلى بغداد بمن معه منهم وكانوا نحو ألفي رجل ومائتي رجل، وكتب إلى صالح أمير المدينة أن يوافيه ببغداد من عنده منهم فجاء بهم وسلموا جميعا.

** مقتل أحمد بن نصر **

وهو أحمد بن مالك وهو أحد النقباء كما تقدم وكان أحمد هذا نسيبة لأهل الحديث ويغشاه جماعة منهم مثل ابن حصين وابن الدورقي وأبي زهير، ولقن منهم النكير على الواثق بقوله بخلق القرآن. ثم تعدى ذلك إلى الشتم وكان ينعته بالخنزير والكافر، وفشا ذلك عنه وانتدب رجلان ممن كان يغشاه هما أبو هارون السراج وطالب وغيرهما فدعوا الناس له وبايعه خلق على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرقوا الأموال في الناس دينارا لكل رجل، وأنفذوا لثلاث تمضي من شعبان من سنة إحدى وثلاثين يظهرون فيها دعوتهم. واتفق أن رجالا ممن بايعهم من بني الأشرس جاءوا قبل الموعد بليلة وقد نال منهم السكر فضربوا الطبل وصاحب الشرطة إسحاق بن إبراهيم غائب، فارتاع خليفته محمد أخوه فأرسل من يسأل عن ذلك فلم يوجد [2]

أحد، وأتوه برجل أعور اسمه عيسى وجدوه في الحمام فدلهم على بني الأشرس وعلى أحمد بن نصر وعلى أبي هارون وطالب، ثم سيق خادم أحمد بن نصر فذكر القصة، فقبض عليه وبعث بهم جميعا إلى الواثق بسامراء مقيدين، وجلس لهم مجلسا عاما وحضر فيه أحمد بن أبي دؤاد، ولم يسأله الواثق عن خروجه وإنما سأله عن خلق القرآن فقال: هو كلام الله. ثم سأله عن الرؤية فقال: جاءت بها الأخبار الصحيحة ونصيحتي أن لا يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم سأل الواثق العلماء حوله عن أمره، فقال عبد الرحمن بن إسحاق قاضي الجانب الغربي:

هو حلال الدم! وقال ابن أبي دؤاد: هو كافر يستتاب. فدعا الواثق بالصمصامة فانتضاها ومشى إليه فضربه على حبل عاتقه ثم على رأسه، ثم وخزه في بطنه، ثم أجهز سيما الدمشقي عليه وحزوا رأسه ونصب ببغداد وصلب شلوه عند بابها.

** الفداء والصائفة **

وفي سنة إحدى وثلاثين عقد الواثق لأحمد بن سعيد بن مسلم بن قتيبة على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء هو وجانمان الخادم، وأمرهما أن تمتحن الأسرى باعتقاد القرآن والرؤية. وجاء الروم بأسراهم والمسلمون كذلك والتقوا على نهر اللامس على مرحلة من طرطوس [1] وكان عدة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربعة وستين والنساء والصبيان ثمانمائة وأهل الذمة مائة. فلما فرغوا من الفداء غزا أحمد بن سعيد بن مسلم شاتيا وأصاب الناس ثلج ومطر وهلك منهم مائة نفس، وأسر منهم نحوها وخرق بالنبل قرون خلق، ولقيه بطريق من الروم فخام عن لقائه ثم غنم ورجع، فعزله الواثق وولى مكانه نصر بن حمزة الخزاعي.

** وفاة الواثق وبيعة المتوكل **

وتوفي الواثق أبو جعفر هارون بن المعتصم محمد لست بقين من سنة اثنتين وثلاثين، وكانت علته الاستسقاء وأدخل في تنور مسجر [2] فلقي خفة، ثم عاوده في اليوم الثاني أكثر من الأول فأخرج في محفة فمات فيها، ولم يشعروا به. وقيل إن ابن أبي دؤاد غمضه ومات لخمس سنين وتسعة أشهر من خلافته، وحضر في الدار أحمد بن أبي

دؤاد وإتياخ [1] ووصيف وعمر بن فرح وابن الزيات، وأراد البيعة لمحمد بن واثق وهو غلام إمر [2] فألبسوه، فإذا هو قصير فقال وصيف: أما تتقون الله تولون الخلافة مثل هذا! ثم تناظروا فيمن يولونه وأحضروا المتوكل فألبسه ابن أبي دؤاد الطويلة وعممه وسلم عليه بامارة المؤمنين ولقبه المتوكل، وصلى على الواثق ودفنه. ثم وضع العطاء للجند لثمانية أشهر، وولى على بلاد فارس إبراهيم بن محمد بن مصعب، وكان على الموصل غانم بن محمد الطويس فأقره وعزل ابن العباس محمد بن صول عن ديوان النفقات وعقد لابنه المنتصر على الحرمين واليمن والطائف.

** نكبة الوزير ابن الزيات ومهلكه **

كان محمد بن عبد الملك بن الزيات قد استوزره الواثق فاستمكن من دولته وغلب على هؤلاء، وكان لا يحفل بالمتوكل ولا يوجب حقه، وغضب الواثق عليه مرة فجاء إلى ابن الزيات ليستنزله فأساء معاملته في التحية والملاقاة فقال: اذهب فإنك إذا صلحت رضي عنك. وقام عنه حزينا فجاء إلى القاضي أحمد بن دؤاد [3] فلم يدع شيئا من البر إلا فعله وحياه وفداه، وخطب حاجته فقال: أحب أن ترضي عني أمير المؤمنين فقال: أفعل ونعمة عين! ولم يزل بالواثق حتى رضي عنه. وكان ابن الزيات كتب إلى الواثق عند ما خرج عنه المتوكل أن جعفرا أتاني فسأل الرضا عنه وله وفرة شبه زي المخنثين، فأمره الواثق أن يحضره من شعر قفاه فاستحضره فجاء يظن الرضا عنه وأمر حجاما أخذ من شعره وضرب به وجهه فحقد له ذلك وأساء له. ولما ولي الخلافة بقي شهرا ثم أمر إتياخ أن يقبض عليه ويقيده بداره ويصادره، وذلك في صفر سنة ثلاث وثلاثين، فصادره واستصفى أمواله وأملاكه وسلط عليه أنواع العذاب، ثم جعله في تنور خشب في داخله مسامير تمنع من الحركة وتزعج من فيه لضيقه، ثم مات منتصف ربيع الأول، وقيل إنه مات من الضرب وكان لا يزيد على التشهد وذكر الله. وكان عمر بن الفرح الرحجي [4] يعامل المتوكل بمثل ذلك فحقد له، ولما استخلف قبض عليه في رمضان واستصفى أمواله ثم صودر على أحد عشر ألف ألف.

** نكبة اتياخ ومقتله **

كان اتياخ مولى السلام الأبرص [1] وكان عنده ناخوريا طباخا، وكان شجاعا فاشتراه المعتصم منه سنة تسع وتسعين وارتفع في دولته ودولة الواثق ابنه وكان له المؤنة بسامراء مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب. وكانت نكبة العظماء في الدولة على يديه وحبسهم بداره، مثل أولاد المأمون وابن الزيات وصالح وعجيف وعمر بن الفرج وابن الجنيد وأمثالهم، وكان له البريد والحجابة والجيش والمغاربة والأتراك. وشرب ذات ليلة مع المتوكل فعربد على إتياخ وهم إتياخ بقتله، ثم غدا عليه فاعتذر له ودس عليه من زين له الحج فاستأذن المتوكل فأذن له وخلع عليه وجعله أمير كل بلد يمر به. وسار لذلك في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين أو ثلاث وثلاثين، وسار العسكر بين يديه وجعلت الحجابة إلى وصيف الخادم ولما عاد إتياخ من الحج بعث إليه المتوكل بالهدايا والالطاف، وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره بحبسه.

فلما قارب بغداد كتب إليه إسحاق بأن المتوكل أمر أن يدخل بغداد وأن تلقاه بنو هاشم ووجوه الناس وأن يقعد بدار خزيمة بن خازم فيأمر للناس بالجوائز على قدر طبقاتهم ففعل ذلك، ووقف إسحاق على باب الدار فمنع أصحابه من الدخول إليه ووكل بالأبواب ثم قبض على ولديه منصور ومظفر وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد، وبعث إتياخ إليه يسأله الرفق بالولدين ففعل، ولم يزل إتياخ مقيدا بالسجن إلى أن مات فقيل إنهم منعوه الماء وبقي ابناه محبوسين إلى أن أطلقهما المنتصر بعد المتوكل.

** شأن ابن البغيث [2] **

كان محمد بن البغيث بن الحليس ممتنعا في حصونه بأذربيجان وأعظمها مرند، واستنزل من حصنه أيام المتوكل وحبس بسامراء فهرب من حبسه ولحق بمرند، وقيل إنه في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وشفع فيه بغا الشرابي، فأطلقه إسحاق في كفالة محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، وكان يتردد إلى سامرا حتى

مرض المتوكل ففر ولحق بمرند وشحنها بالأقوات، وجاءه أهل الفتنة من ربيعة وغيرهم فاجتمع له نحو ألفين ومائتي رجل، والوالي بأذربيجان يومئذ محمد بن حاتم ابن هرثمة فلم يقامعه فعزله المتوكل وولى حمدويه بن علي بن الفضل السعدي، فسار إليه وحاصره بمرند مدة وبعث إليه المتوكل بالمدد، وطال الحصار فلم يقن [1] فيه، فبعث بغا الشرابي في ألفى فارس فجاء لحصاره. وبعث إليه عيسى ابن الشيخ بن السلسل بالأمان له ولوجوه أصحابه أن ينزلوا على حكم المتوكل، فنزل الكثير منهم وانفض جمعه ولحق ببغا وخرج هو هاربا، ونهبت منازله وأسرت نساؤه وبناته. ثم أدرك بطريقة وأتي به أسيرا وبأخويه صقر وخالد وأبنائه حليس وصقر والبغيث، وجاء بهم بغا إلى بغداد وحملهم على الحجال [2] يوم قدومه حتى رآهم الناس وحبسوا. ومات البغيث لشهر من وصوله سنة خمس وثلاثين وجعل بنوه في الشاكرية مع عبد الله بن يحيى خاقان.

** بيعة العهد **

وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين عقد المتوكل البيعة والعهد وكانوا ثلاثة محمدا وطلحة وإبراهيم، ويقال في طلحة ابن الزبير وجعل محمدا أولهم ولقبه المستنصر وأقطعه إفريقية والمغرب وقنسرين والثغور الشامية والخزرية، وديار مضر وديار ربيعة، وهيت والموصل وغانة والخابور، وكور دجلة والسواد والخرمين [3] وحضرموت والحرمين [4] والسند ومكران وقندابيل وكور الأهواز والمستغلات بسامراء وماء الكوفة وماء البصرة. وجعل طلحة ثانيهم ولقبه المعتز وأقطعه أعمال خراسان وطبرستان والري وأرمينية وأذربيجان وأعمال فارس، ثم أضاف إليه سنة أربعين [5] خزن الأموال ودور الضرب في جميع الآفاق وأمر أن يرسم اسمه في السكة. وجعل الثالث إبراهيم [6] وأقطعه حمص ودمشق وفلسطين وسائر الأعمال الشامية وفي هذه السنة أمر الجند بتغيير

الزي فلبسوا الطيالسة العسلية وشدوا الزنانير في أوساطهم [1] وجعلوا الطراز في لباس المماليك ومنع من لباس المناطق وأمر بهدم البيع المحدثة لأهل الذمة ونهى أن يستغاث بهم في الأعمال وأن يظهروا في شعابهم الصلبان وأمر أن يجعل على أبوابهم صور شياطين من الخشب.

** ملك محمد بن إبراهيم **

كان محمد بن إبراهيم بن الحسن بن مصعب على بلاد فارس، وهو ابن أخي طاهر وكان أخوه إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة ببغداد منذ أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، وكان ابنه محمد بباب الخليفة بسامراء نائبا عنه. فلما مات إسحاق سنة خمس وثلاثين ولاه المتوكل وضم إليه أعمال أبيه، واستخلفه المعتز على اليمامة والبحرين ومكة وحمل إلى المتوكل وبنيه من الجواهر والذخائر كثيرا، وبلغ ذلك محمد بن إبراهيم فتنكر للخليفة ولمحمد بن أخيه، وشكا ذلك محمد إلى المتوكل فسرحه إلى فارس وولاه مكان عمه محمد، فسار وعزل عمه محمدا وولى مكانه ابن عمه الحسين بن إسماعيل بن مصعب، وأمره بقتل عمه محمد فأطعمه ومنعه الشراب فمات.

** انتقاض أهل أرمينية **

كان على أرمينية يوسف بن محمد فجاءه البطريق بقراط بن أسواط [2] وهو بطريق البطارقة يستأمن فقبض عليه وعلى ابنه وبعث بهما إلى المتوكل، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخيه وصهره موسى بن زرارة وتحالفوا على قتله وحاصروه بمدينة طرون في رمضان سنة سبع وثلاثين، وخرج لقتالهم فقتلوه ومن كان معه. فسرح المتوكل بغا الكبير فسار على الموصل والجزيرة وأناخ على أردن [3] حتى أخذها وحمل موسى وإخوته إلى المتوكل وقتل منهم ثلاثين ألفا وسبى خلقا وسار إلى مدينة دبيل فأقام بها شهرا ثم سار إلى تفليس فحاصرها، وبعث في مقدمته ربزك التركي [4] وكان بتفليس

إسحاق بن إسماعيل بن إسحاق مولى بني أمية فخرج وقاتلهم، وكانت المدينة كلها مشيدة من خشب الصنوبر، فأمر بغا أن يرمى عليها بالنفط فاضطرمت النار في الخشب، واحترقت قصور إسحاق وجواريه وخمسون ألف إنسان وأسر الباقون، وأحاطت الأتراك والمغاربة بإسحاق فأسروه وقتله بغا لوقته، ونجا أهل إسحاق بأمواله إلى صعدنيل [1] مدينة حذاء تفليس على نهر الكرمن [2] من شرقيه بناها أنوشروان وحصنها إسحاق وجعل أمواله فيها فاستباحها بغا، ثم بعث الجند إلى قلعة أخرى بين بردعة وتفليس ففتحوها وأسروا بطريقها. ثم سار إلى عيسى بن يوسف في قلعة كيس [3] من كور البيلقان ففتحها وأسره وحمل معه جماعة من البطارقة، وذلك سنة ثمان وثلاثين ومائتين.

** عزل ابن أبي دؤاد وولاية ابن أكثم **

وفي سنة سبع وثلاثين غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد وقبض ضياعه وحبس أولاده، فحمل أبو الوليد منهم مائة وعشرين ألف دينار وجواهر تساوي عشرين ألفا، ثم صولح عن ستة عشر ألف ألف درهم وأشهد عليهم ببيع أملاكهم وفلح أحمد، فأحضر المتوكل يحيى بن أكثم وولاه قضاء القضاء، وولى أبا الوليد بن أبي دؤاد المظالم ثم عزله. وولى أبا الربيع محمد بن يعقوب ثم عزله، وولى يحيى بن أكثم على المظالم ثم عزله سنة أربعين، وصادره على خمسة وسبعين ألف دينار وأربعة آلاف حربو [4] ، وولى مكانه جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي. وتوفي في هذه السنة أحمد بن أبي دؤاد بعد ابنه أبي الوليد بعشرين يوما وكان معتزليا أخذ مذهبهم عن بشر المريسي وأخذه بشر عن جهم بن صفوان وأخذه جهم عن الجعد بن دهم معلم مروان.

** انتقاض أهل حمص [1] **

وفي سنة سبع وثلاثين وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافعي بسبب أنه قتل بعض رؤسائهم فأخرجوه وقتلوا من أصحابه، فولى مكانه محمد بن عبدويه الأنباري فأساء إليهم وعسف فيهم فوثبوا به، وأمره المتوكل بجند من دمشق والرملة فظفر بهم وقتل منهم جماعة، وأخرج النصارى منها وهدم كنائسهم وأدخل منها بيعة في الجامع كانت تجاوره.

** اغارة البجاة على مصر **

كانت الهدنة بين أهل مصر والبجاة من لدن الفتح، وكان في بلادهم معادن الذهب يؤدون منها الخمس إلى أهل مصر، فامتنعوا أيام المتوكل وقتلوا من وجدوه من المسلمين بالمعادن، وكتب صاحب البريد بذلك إلى المتوكل فشاور الناس في غزوهم فأخبروه أنهم أهل إبل وشاء وأن بين بلادهم وبلاد المسلمين مسيرة شهر ولا بد فيها من الزاد، إن فنيت الأزواد هلك العسكر فأمسك عنهم. وخاف أهل الصغد [2] من شرهم، فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي على أسوان وقفط والأقصر وأستا وأرمنت، وأمره بحرب البجاة. وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبي عامل مصر بتجهيز العساكر معه وأزاحه عليهم فسار في عشرين ألفا من الجند والمتطوعة، وحملت المراكب من القلزم بالدقيق والتمر والأدم إلى سواحل بلاد البجاة وانتهى إلى حصونهم وقلاعهم. وزحف إليه ملكهم واسمه علي بابا في أضعاف عساكرهم على المهاري [3] ، وطاولهم علي بابا رجاء أن تفنى أزوادهم فجاءت المراكب وفرقها القمي في أصحابه، فناجزهم البجاة الحرب وكانت إبلهم نفورة، فأمر القمي جنده باتخاذ الأجراس بخيلهم. ثم حملوا عليهم فانهزموا وأثخن فيهم قتلا وأسرا حتى استأمنوا على أداء الخراج لما سلف ولما يأتي وأن يرد إلى مملكته، وسار مع القمي إلى المتوكل واستخلف ابنه، فخلع القمي عليه وعلى أصحابه، وكسا أرجلهم الجلال

المديحة وولاهم طريق ما بين مصر ومكة، وولى عليهم سعدا الإتياخي [1] الخادم فولى سعد محمد القمي فرجع معهم واستقامت ناحيتهم.

** الصوائف **

وفي سنة ثمان وثلاثين ورد على دمياط اسطول الروم في مائة مركب [2] فكبسوها وكانت المسلحة الذين بها قد ذهبوا إلى مصر باستدعاء صاحب المعونة عنبسة بن إسحاق الضبي فانتهزوا الفرصة في مغيبهم وانتهبوا دمياط وأحرقوا الجامع بها وأوقروا سفنهم سبيا ومتاعا، وذهبوا إلى تنيس ففعلوا فيها مثل ذلك وأقطعوا. وغزا بالصائفة في هذه السنة علي بن يحيى الأرميني [3] صاحب الصوائف. وفي سنة إحدى وأربعين كان الفداء بين الروم وبين المسلمين وكانت تدورة ملكة الروم قد حملت أسرى المسلمين على التنصر فتنصر الكثير منهم. ثم طلبت المفاداة فيمن بقي فبعث المتوكل سيفا [4] الخادم بالفداء ومعه قاضي بغداد جعفر بن عبد الواحد واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب وكان الفداء على نهر اللامس ثم أغارت الروم بعد ذلك على روبة [5] فأسروا من كان هنالك من الزط وسبوا نساءهم وأولادهم ولما رجع علي بن يحيى الأرميني من الصائفة خرجت الروم في ناحية سميساط فانتهوا إلى آمد واكتسحوا نواحي الثغور والخزرية [6] نهبا وأسروا نحوا من عشرة آلاف ورجعوا واتبعهم قرشاس [7] وعمر بن عبد الأقطع وقم من المتطوعة فلم يدركوهم وأمر المتوكل علي بن يحيى أن يدخل بالثانية في تلك السنة ففعل. وفي سنة أربع وأربعين جاء المتوكل من بغداد إلى دمشق وقد اجتمع نزولها ونقل الكرسي إليها فأقام بها شهرين، ثم استوبأها ورجع بعد أن بعث بغا الكبير في العساكر للصائفة فدخل بلاد الروم فدوخها واكتسحها من سائر النواحي ورجع. وفي سنة خمس وأربعين أغارت الروم على

سميساط فغنموا وغزا علي بن يحيى الأرمني بالصائفة كركرة وانتقض أهلها على بطريقهم فقبضوا عليه وسلموه إلى بعض موالي المتوكل، فأطلق ملك الروم في فداء البطريق ألف أسير من المسلمين وفي سنة ست وأربعين غزا عمر بن عبيد الله الأقطع بالصائفة فجاءوا بأربعة آلاف رأس [1] ، وغزا قرشاس فجاء بخمسة آلاف رأس، وغزا الفضل بن قاران في الاسطول بعشرين مركبا فافتتح حصن أنطاكية وغزا ملكها دورهم وسبى، وغزا علي بن يحيى فجاء بخمسة آلاف رأس ومن الظهر بعشرة آلاف وكان على يده في تلك السنة الفداء في ألفين وثلاثمائة من الأسرى.

** الولاية في النواحي **

ولى المتوكل سنة اثنتين على بلاد فارس محمد بن إبراهيم بن مصعب وكان على الموصل غانم بن حميد الطوسي، واستوزر لأول خلافته محمد بن عبد الله بن الزيات. وولى على ديوان الخراج يحيى بن خاقان الخراساني مولى الأزد وعزل الفضل بن مروان. وولى على ديوان النفقات إبراهيم بن محمد بن حتول. وولى سنة ثلاث وثلاثين على الحرمين واليمن والطائف ابنه المستنصر، وعزل محمد بن عيسى.

وولى على حجابة بابه وصيفا الخادم عند ما سار إتياخ للحج. وفي سنة خمس وثلاثين عهد لأولاده كما مر، وولى على الشرطة ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن الحسين ابن مصعب مكان ابنه إبراهيم عند ما توفي، وكانت وفاته ووفاة الحسن بن سهل في سنة واحدة. وفي سنة ست وثلاثين استكتب عبيد الله بن يحيى بن خاقان ثم استوزره بعد ذلك، وولى على أرمينية وأذربيجان حربا وخراجا يوسف بن أبي سعيد محمد بن يوسف المروذوذي [2] عند ما توفي أبوه فجاءه فسار اليها وضبطها، وأساء إلى البطارقة بالناحية فوثبوا به كما مر وقتلوه. وبعث المتوكل بغا الكبير في العساكر فأخذ ثأره منهم، وولى معادن السواد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم. وفي سنة تسع وثلاثين عزل ابن أبي دؤاد عن القضاء وصادره، وولى مكانه يحيى بن أكثم. وقدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان فولاه الشرطة والجزية وأعمال السواد، وكان على مكة علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور فحج بالناس، ثم ولى مكانه في السنة القابلة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى. وولى على الأحداث بطريق مكة

والمواسم جعفر بن دينار، وكان على حمص أبو المغيب موسى بن إبراهيم الرافقي وثبوا به سنة تسع وثلاثين، فولى مكانه محمد بن عبدويه. وفي سنة تسع وثلاثين عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وولى مكانه جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان وفي سنة اثنتين وأربعين ولى على مكة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وولى على ديوان النفقات الحسن بن مخلد بن الجراح عند ما توفي إبراهيم بن العباس الصولي وكان خليفته فيها من قبل. وفي سنة خمس وأربعين اختط المتوكل مدينته وأنزلها القواد والأولياء وأنفق عليها ألف ألف دينار، وبنى فيها قصر اللؤلؤة لم ير مثله في علوه وأجرى له الماء في نهر احتفره وسماها المتوكلية وتسمى الجعفري والماخورة وفيها ولى على طريق مكة أبا الساج مكان جعفر بن دينار لوفاته تلك السنة. وولى على ديوان الضياع والتوقيع نجاح بن سلمة وكانت له صولة على العمال، فكان ينام المتوكل فسعى عنده في الحسن بن مخلد وكان معه على ديوان الضياع ولى موسى بن عقبة عبد الملك وكان على ديوان الخراج، وضمن للمتوكل في مصادرتهما أربعين ألفا. وأذن المتوكل وكانا منقطعين إلى عبيد الله بن خاقان، فتلطف عند نجاح وخادعه حتى كتب على الرقعتين، وأشار إليه بأخذ ما فيهما معا وبدأ بنجاح فكتبه وقبض منه مائة وأربعين ألف دينار سوى الغلات والفرش والضياع، ثم ضرب فمات وصودر أولاده في جميع البلاد على أموال جمة.

** مقتل المتوكل وبيعة المنتصر ابنه **

كان المتوكل قد عهد إلى ابنه المنتصر ثم ندم وأبغضه لما كان يتوهم فيه من استعجاله الأمر لنفسه، وكان يسميه المنتصر والمستعجل لذلك. وكان المنتصر تنكر عليه انحرافه عن سنن سلفه فيما ذهبوا إليه من مذهب الاعتزال والتشيع لعلي، وربما كان الندمان في مجلس المتوكل يفيضون في ثلب علي فينكر المنتصر ذلك ويتهددهم ويقول للمتوكل: إن عليا هو كبير بيننا وشيخ بني هاشم، فإن كنت لا بد ثالبه فتول ذلك بنفسك ولا تجعل لهؤلاء الصفاعين سبيلا إلى ذلك فيستخف به ويشتمه، ويأمر وزيره عبيد الله بصفعه ويتهدده بالقتل ويصرح بخلعه. وربما استخلف ابنه الحبر [1] في الصلاة والخطبة مرارا وتركه فطوى من ذلك على النكث. وكان المتوكل قد

استفسد إلى بغا ووصيف الكبير ووصيف الصغير ودواجن، فأفسدوا عليه الموالي.

وكان المتوكل قد أخرج بغا الكبير من الدار وأمره بالمقام بسميساط لتعهد الصوائف، فسار لذلك واستخلف مكانه ابنه موسى في الدار وكان ابن خالة المتوكل، واستخلف على الستر بغا الشرابي الصغير. ثم تغير المتوكل لوصيف وقبض ضياعه بأصبهان والجبل وأقطعها الفتح بن خاقان، فتغير وصيف لذلك وداخل المنتصر في قتل المتوكل، وأعد لذلك جماعة من الموالي بعثهم مع ولده صالح وأحمد وعبد الله ونصر، وجاءوا في الليلة اتعدوا فيها. وحضر المنتصر ثم انصرف على عادته، وأخذ زرافة الخادم معه، وأمر بغا الشرابي الندمان بالانصراف حتى لم يبق إلا الفتح وأربعة من الخاصة، وأغلق الأبواب إلا باب دجلة فأدخل منه الرجال وأحس المتوكل وأصحابه بهم فخافوا على أنفسهم، واستماتوا وابتدروا إليه فقتلوه.

والقى الفتح نفسه عليهم ليقيه فقتلوه. وبعث إلى المنتصر وهو ببيت زرافة فأخبره وأوصى بقتل زرافة فمنعه المنتصر، وبايع له زرافة وركب إلى الدار فبايعه من حضر وبعث إلى وصيف إن الفتح قتل أبي فقتلته، فحضر وبايع. وبعث عن أخويه المعتز والمؤيد فحضرا وبايعا له. وانتهى الخبر إلى عبيد الله بن يحيى فركب من ليله وقصد منزل المعتز فلم يجده واجتمع عليه عشرة آلاف من الأزد والأرمن والزواقيل، وأغروه بالحملة على المنتصر وأصحابه فأبى وخام عن ذلك، وأصبح المنتصر فأمر بدفن المتوكل والفتح، وذلك لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين. وشاع الخبر بقتل المتوكل فثار الجند وتبعهم [1] وركب بعضهم بعضا، وقصدوا باب السلطان فخرج إليهم بعض الأولياء فأسمعوه، ورجع فخرج المنتصر بنفسه وبين يديه المغاربة فشردوهم عن الأبواب فتفرقوا بعد أن قتل منهم ستة أنفس.

** الخبر عن الخلفاء من بني العباس أيام الفتنة وتغلب الأولياء وتضايق نطاق الدولة باستبداد الولاة في النواحي من لدن المنتصر إلى أيام المستكفي **

كان بنو العباس حين ولوا الخلافة قد امتدت إيالتهم على جميع ممالك الإسلام، كما كان بنو أمية من قبلهم. ثم لحق بالأندلس من فل بني أمية من ولدها هاشم بن عبد الملك حافده عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، ونجا من تلك الهلكة فأجاز البحر ودخل الأندلس فملكها من يد عبد الرحمن بن يوسف الفهري، وخطب للسفاح فيها حولا ثم لحق به أهل بيته من المشرق فعزلوه في ذلك فقطع الدعوة عنهم وبقيت بلاد الأندلس مقتطعة من الدولة الإسلامية عن بني العباس. ثم لما كانت وقعة فتح أيام الهادي علي بن الحسن بن علي سنة تسع وتسعين ومائة، وقتل داعيتهم يومئذ حسين ابن علي بن حسن المثنى وجماعة من أهل بيته ونجا آخرون، وخلص منهم إدريس بن عبد الله بن حسن إلى المغرب الأقصى، وقام بدعوته البرابرة هنالك، فاقتطع المغرب عن بني العباس فاستحدثوا هنالك دولة لأنفسهم. ثم ضعفت الدولة العباسية بعد الاستفحال، وتغلب على الخليفة فيها الأولياء والقرابة والمصطنعون، وصار تحت حجرهم من حين قتل المتوكل وحدثت الفتن ببغداد، وصار العلوية إلى النواحي مظهرين لدعوتهم، فدعا أبو عبد الله الشيعي سنة ست وثمانين ومائتين بإفريقية في طامة لعبيد الله المهدي بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وبايع له، وانتزع إفريقية من يد بني الأغلب استولى عليها وعلى المغرب الأقصى ومصر والشام واقتطعوا سائر هذه الأعمال عن بني العباس واستحدثوا له دولة أقامت مائتين وسبعين سنة كما يذكر في أخبارهم. ثم ظهر بطبرستان من العلوية الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط ويعرف بالداعي، خرج سنة خمسين ومائتين أيام المستعين ولحق بالديلم فأسلموا على يديه وملك طبرستان ونواحيها، وصار هنالك دولة أخذها من يد أخيه سنة إحدى وثلاثمائة الأطروش من بني الحسين، ثم من بني على عمر داعي الطالقان أيام المعتصم وقد مر

خبره واسم هذه الأطروش الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر، وكانت لهم دولة وانقرضت أيام الحسين، واستولى عليها الديلم وصارت لهم دولة أخرى. وظهر باليمن الرئيس وهو ابن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن المثنى فأظهر هنالك دعوة الزيدية، وملك صعدة وصنعاء وبلاد اليمن، وكانت لهم هنالك دولة ولم تزل حتى الآن. وأول من ظهر منهم يحيى بن الحسين بن القاسم سنة تسعين ومائتين، ثم ظهر أيام الفتنة من دعاة العلوية صاحب الزنج ادعى أنه أحمد [1] بن عيسى بن زيد الشهيد وذلك سنة خمس وخمسين ومائتين أيام المهتدي، وطعن الناس في نسبه فادعى أنه من ولد يحيى بن زيد قتيل الجوزجان، وقيل إنه انتسب إلى طاهر بن الحسين بن علي والذي ثبت عند المحققين أنه علي بن عبد الرحيم بن عبد القيس، فكانت له ولبنيه دولة بنواحي البصرة أيام الفتنة قام بها الزنج إلى أن انقرضت على يد المعتضد أيام السبعين ومائتين. ثم ظهر القرظ بنواحي البحرين وعمان فسار إليها من الكوفة سنة تسع وسبعين أيام المعتضد، وانتسب إلى بني إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق دعوى كاذبة، وكان من أصحابه الحسن الجمالي وزكرونة القاشاني فقاموا من بعده بالدعوة ودعوا لعبد الله المهدي وغلبوا على البصرة والكوفة، ثم انقطعوا عنها إلى البحرين وعمان، وكانت لهم هنالك دولة انقرضت آخر المائة الرابعة، وتغلب عليهم العرب من بني سليم وبني عقيل. وفي خلال ذلك استبد بنو سامان بما وراء النهر آخر الستين ومائتين وأقاموا على الدعوة إلا أنهم لا ينفذون أوامر الخلفاء، وأقامت دولتهم إلى آخر المائة الرابعة. ثم اتصلت دولة أخرى في مواليهم بغزنة إلى منتصف المائة السادسة، وكانت للأغالبة بالقيروان وإفريقية دولة أخرى بمصر والشام بالاستبداد من لدن الخمسين والمائتين أيام الفتنة إلى آخر المائة الثالثة ثم أعقبتها دولة أخرى لمواليهم بني طفج إلى الستين والثلاثمائة. وفي خلال هذا كله تضايق نطاق الدولة العباسية إلى نواحي السواد والجزيرة فقط، إلا أنهم قائمون ببغداد على أمرهم. ثم كانت للديلم دولة أخرى استولوا فيها على النواحي وملكوا الأعمال ثم ساروا إلى بغداد وملكوها وصيروا الخليفة في ملكتهم من لدن المستكفي أعوام الثلاثين والثلاثمائة، وكانت من أعظم الدول. ثم أخذها من أيديهم السلجوقية من الغز إحدى شعوب الترك، فلم تزل دولتهم من لدن القائم سنة أربعين وأربعمائة إلى آخر المائة

السادسة، وكانت دولتهم من أعظم الدول في العالم. وتشعبت عنها دول هي متصلة إلى عهدنا حسبما يذكر ذلك كله في مكانه ثم استبد الخلفاء من بني العباس آخرا في هذا النطاق الضيق ما بين دجلة والفرات وأعمال السواد وبعض أعمال فارس، إلى أن خرج التتار من مفازة الصين وزحفوا إلى الدولة السلجوقية وهم على دين المجوسية، وزحفوا إلى بغداد فقتلوا الخليفة المعتصم، وانقرض أمر الخلافة وذلك سنة ست وخمسين وستمائة. ثم أسلموا بعد ذلك وكانت لهم دولة عظيمة، وتشعبت عنها دول لهم ولأشياعهم في النواحي وهي باقية لهذا العهد آخذة في الثلاثين كما نذكر ذلك كله في أماكنه.

** دولة المنتصر **

ولما بويع المنتصر كما ذكرناه ولى على المظالم أبا عمر وأحمد بن سعيد، وعلى دمشق عيسى بن محمد النوشري وكان على وزارته أحمد بن الخصيب، واستقامت أموره وتفاوض وصيف وبغا وأحمد بن الخصيب في شأن المعتز والمؤيد لما توقعوا من سطوتهما بسبب قتل المتوكل، فحملوا المنتصر على خلعهما الأربعين يوما من خلافته وبعث إليهما بذلك فأجاب المؤيد وامتنع المعتز فأغلظوا عليه وأوهموه القتل فخلا به المؤيد وتلطف به حتى أجاب وخلع نفسه وكتبا ذلك بخطهما. ثم دخلا على المنتصر فأجلسهما واعتذر لهما بسمع من الأمراء بأنهم الذين حملوه على خلعهما فأجبتهم إلى ذلك خشية عليكما منهم، فقبلا يده وشكرا له وشهد عليهما القضاة وبنو هاشم والقواد ووجوه الناس، وكتب بذلك المنتصر إلى الآفاق وإلى محمد بن طاهر ببغداد. ثم إن أحمد بن الخصيب أخا المنتصر أمر بإخراج وصيف للصائفة وإبعاده عن الدولة لما بينهما من الشحناء، فأحضره المنتصر وقال له: قد أتانا من طاغية الروم أنه أفسد الثغر فلا بد من مسيرك أو مسيري، فقال بل أنا أشخص يا أمير المؤمنين! فأمر أحمد بن الخصيب أن يجهزه ويزيح علل العسكر معه، وأمره أن يوافي ثغر ملطية فسار وعلى مقدمته مزاحم بن خاقان أخو الفتح، وعلى نفقات العساكر والمغانم والمقاسم أبو الوليد القروالي أن يأتيه رأيه.

** وفاة المنتصر وبيعة المستعين **

ثم أصابت المنتصر علة الذبحة فهلك لخمس بقين من ربيع الأول من سنة ثمان

وأربعين ومائتين لستة أشهر من ولايته، وقيل بل أكثر من ذلك فجعل السم في مشرطة الطبيب فاجتمع الموالي في القصر وفيهم بغا الصغير وبغا الكبير وأتامش وغيرهم فاستحلفوا قواد الأتراك والمغاربة والأشروسية على الرضا بمن يرضونه لهم، ثم خلصوا للمشورة ومعهم أحمد بن الخصيب فعدلوا عن ولد المتوكل خوفا منهم ونظروا في ولد المعتصم فبايعوه واستكتب أحمد بن الخصيب واستوزر أتامش وغدا على دار العامة في زي الخلافة، وإبراهيم بن إسحاق يحمل بين يديه الحربة، وصفت الممالك والأشروسية صفين بترتيب دواجن [1] ، وحضر أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين، وثار جماعة من الجند وقصدوا الدار يذكرون أنهم من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، والغوغاء [2] فشهروا السلاح وهتفوا باسم المعتز وشدوا على أصحاب دواجن فتضعضعوا، ثم جاءت المبيضة والشاكرية، وحمل عليهم المغاربة والأشروسية [3] فنشبت الحرب وانتهبت الدروع والسلاح من الخزائن بدار العامة، وجاء بغا الصغير فدفعهم عنها وقتل منهم عدة وفتقت السجون وتمت بيعة الأتراك للمستعين، ووضع العطاء على البيعة وبعث إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فبايع له هو والناس ببغداد. ثم جاء الخبر بوفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان وهلك عمه الحسين بن طاهر بمرو فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر مكانه وعقد لمحمد بن عبد الله بن طاهر على خراسان سنة ثمان وأربعين ومائتين، وولى عمه طلحة على نيسابور، وابنه منصور بن طلحة على مرو وسرخس وخوارزم، وعمه الحسين بن عبد الله على هراة وأعمالها، وعمه سليمان بن عبد الله على طبرستان، والعباس ابن عمه على الجوزجان والطالقان. ومات بغا الكبير فولى ابنه موسى على أعماله كلها وبعث أناجور من قواد الترك إلى العمرط الثعلبي فقتله [4] . واستأذنه عبد الله بن يحيى بن خان في الحج فأذن له، ثم بعث خلفه من نفاه إلى برقة، وحبس المعتز والمؤيد في حجره بالجوسق بعد أن أراد قواد الأتراك قتلهما فمنعهم أحمد بن الخصيب من ذلك.

ثم قبض على أحمد بن الخصيب فاستصفى ماله ومال ولده ونفاه إلى قرطيش [5]

واستوزر أتامش وعقد له على مصر والمغرب وعقد لبغا الصغير على حلوان وماسبذان ومهر جا تعرف، وجعل شاهك الخادم على داره وكراعه وحرمه وخاصة أموره وخادمه، وأشناس على جميع الناس. وعزل علي بن يحيى الأرمني عن الثغور الشامية وعقد له على أرمينية وأذربيجان. وكان على حمص كندر فوثب به أهلها فأخرجوه فبعث المستعين الفضل بن قارن وهو أخو مازيار فاستباحهم وحمل أعيانهم إلى سامرا وبعث المستعين إلى وصيف وهو بالثغر الشامي بأن يغزو بالصائفة، فدخل بلاد الروم وافتتح حصن قرورية ثم غزا بالصائفة سنة تسع وأربعين جعفر بن دينار وافتتح مطامير واستأذنه عمر بن عبد الله الأقطع في تدويخ بلاد الروم فأذن له فدخل في جماعة من أهل ملطية ولقي ملك الروم، فخرج الأسقف في خمسين ألفا أحاطوا به وقتل عمر في ألفين من المسلمين. وكان على الثغور الجزرية فأغار عليها الروم وبلغ ذلك علي بن يحيى وهو قابل من أرمينية إلى ميافارقين ومعه جماعة من أهلها فنفر إليهم وهو في نحو أربعمائة فقتلوا وقتل.

** فتنة بغداد وسامرا **

ولما اتصل الخبر ببغداد وسامرا بقتل عمر بن عبد الله وعلي بن يحيى شق ذلك على الناس لما كانوا عليه من عظيم الغناء في الجهاد، واشتد نكيرهم على الترك في غفلتهم عن المصالح وتذكروا قتل المتوكل واستيلاءهم على الأمور فاجتمعت العامة وتنادوا بالنفير إلى الجهاد. وانضم إليهم الشاكرية يطلبون أرزاقهم ثم فتقوا السجون وقطعوا الجسور وانتهبوا دور كتاب محمد بن عبد الله بن طاهر. ثم أخرج أهل اليسار من بغداد الأموال ففرقوها في المجاهدين وجاءت العامة من الجبال وفارس والأهواز فنفروا للغزو، ولم يظهر للمستعين ولا لأهل الدولة في ذلك أثر. ثم وثب العامة بسامرا وفتقوا السجون وخرج من كان فيها وجاء جماعة من الموالي في طلبهم فوثب العامة بهم وهزموهم وركب بغا ووصيف وأتامش في الترك فقتلوا من العامة خلقا وانتهبوا منازلهم وسكنت الفتنة.

** مقتل أتامش **

كان المستعين لما ولي أطلق يد أمه وأتامش وشاهك الخادم في الأموال وما فضل عنهم فلنفقات العباس بن المستعين، وكان في حجر أتامش فبعث ذلك عليه بغا

ووصيف وضاق حال الأتراك والفراغنة ودسهم عليهم بغا ووصيف فخرج منهم أهل الكرخ والدور وقصدوه في الجوسق مع المستعين وأراد الهرب فلم يطق، واستجار بالمستعين فلم يجره وحاصروه يومين، ثم افتتحوا عليه الجوسق وقتلوه وكاتبه شجاع بن القاسم ونهبت أموالهم واستوزر المستعين مكانه أبا صالح عبد الله بن محمد بن علي على الأهواز ولبغا الصغير على فلسطين. ثم غضب بغا الصغير على أبي صالح فهرب إلى بغداد واستوزر المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجاني وولى على ديوان الرسائل سعيد بن حميد.

** ظهور يحيى بن عمر ومقتله **

كان على الطالبيين بالكوفة يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد الشهيد ويكنى أبا الحسين وأمه من ولد عبد الله بن جعفر وكان من سراتهم ووجوههم وكان عمر بن فرج يتولى أمر الطالبيين أيام المتوكل، فعرض له أبو الحسين عند مقدمه من خراسان يسأله صلة لدين لزمه فأغلظ له عمر القول وحبسه حتى أخذ عليه الكفلاء وانطلق إلى بغداد. ثم جاء إلى سامرا وقد أملق فتعرض لوصيف في رزق يجرى له، فأساءه عليه وإليها فرجع إلى الكوفة وعاملها يومئذ أيوب بن الحسين بن موسى بن جعفر بن سليمان بن علي من قبل محمد بن عبد الله بن طاهر، فاعتزم على الخروج والتف عليه جمع من الأعراب وأهل الكوفة، ودعا للرضى من آل محمد ففتق السجون ونهبه وطرد العمال، وأخذ من بيت المال ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وكان صاحب البريد قد طير بخبره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فكتب إلى عامله بالسواد عبد الله بن محمود السرخسي أن يصير مددا إلى الكوفة فلقيه وقاتله فهزمهم يحيى وانتهب ما معهم، وخرج إلى سواد الكوفة واتبعه خلق من الزيدية، وانتهى إلى ناحية واسط وكثرت جموعه. وسرح محمد بن عبد الله بن طاهر إلى محاربة الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في العساكر فسار إليه. وقد كان يحيى قصد الكوفة فلقيه عبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفلس فهزمه يحيى إلى ناحية شاهي ودخل الكوفة واجتمعت عليه الزيدية، واشتمل عليه عامة أهل الكوفة وأمداد الزيدية من بغداد، وجاء الحسين بن إسماعيل وانضم إليه عبد الرحمن بن الخطاب وخرج يحيى من الكوفة ليعاجلهم الحرب فأسرى ليلته وصبح العساكر فساروا إليه فهزموه ووضعوا السيف في أصحابه، وأسروا الكثير من اتباعه، كان منهم الهيصم العجلي

وغيره، وانجلت الحرب عن يحيى بن عمر قتيلا فبعثوا برأسه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فبعث به إلى المستعين وجعل في صندوق في بيت السلاح وجيء بالأسرى فحبسوا وكان ذلك منتصف رجب سنة خمس ومائتين [1] .

** ابتداء الدولة العلوية بطبرستان **

لما ظهر محمد بن عبد الله بن طاهر بيحيى بن عمر وكان له من الغناء في حربه ما قدمناه، أقطعه المستعين قطائع من صوافي السلطان بطبرستان كانت منها قطعة بقرب ثغر الديلم تسمى روسالوس [2] وفيها أرض موات ذات غياض وأشجار وكلأ، مباحة لمصالح الناس من الاحتطاب والرعي، وكان عامل طبرستان يومئذ من قبل محمد بن طاهر صاحب خراسان عمه سليمان بن عبد الله بن طاهر وهو أخو محمد صاحب القطائع، وكان سليمان مكفولا لأمه وقد حظي عندها وتقدم وفرق أولاده في أعمال طبرستان وأساءوا السيرة في الرعايا ودخل محمد بن أوس بلاد الديلم وهم مسالمون فسبى منهم وانحرفوا لذلك. وجاء نائب محمد بن عبد الله لقبض القطائع فحاز فيها تلك الأرض الموات المرصدة لمرافق الناس، فنكر ذلك الناظر على تلك الأرض وهما محمد وجعفر ابنا رستم واستنهضا من أطاعهما من أهل تلك الناحية لمنعه من ذلك، فخافهما النائب ولحق بسليمان صاحب طبرستان. وبعث ابنا رستم إلى الديلم يستنجدانهم على حرب سليمان، وبعثا إلى محمد بن إبراهيم من العلويين بطبرستان يدعوانه إلى القيام بأمره، فامتنع ودلهما على كبير العلوية بالري الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط، فشخص إليهما وقد اجتمع أهل كلار وسالوس ومقدمهم ابنا رستم وأهل الريان ومعهم الديلم بأسرهم، فبايعوه جميعا وطردوا عمال سليمان وابن أوس. ثم انضم إليهم جبال طبرستان وزحف الحسن بمن معه إلى مدينة آمد، وخرج ابن أوس من سارية لمدافعته فانهزم ولحق بسليمان في سارية فخرج سليمان لحرب الحسن. ولما التقى الجمعان بعث الحسن بعض قواده خلف سليمان إلى سارية وسمع بذلك سليمان فانهزم، وملك الحسن سارية، وبعث بعيال سليمان وأولاده في البحر إلى جرجان. وقيل إن سليمان انهزم اختيارا لما

كان بنو طاهر يتهمون به من التشييع [1] ثم بعث الحسن إلى الري ابن عمه وهو القاسم ابن علي بن إسماعيل ويقال محمد بن جعفر بن عبد الله العقيقي بن الحسين بن علي بن زين العابدين فملكها، وبعث المستعين جندا إلى همذان ليمنعها. ولما ملك محمد بن جعفر قائد الحسن بن زيد الري أساء السيرة، وبعث محمد بن طاهر قائد محمد بن ميكال أخو الشاه فغلبه على الري، وانتزعها منه وأسره، فبعث إليه الحسن بن زيد قائده دواجن فهزم ابن ميكال وقتله واسترجع الري ثم رجع سليمان بن طاهر من جرجان إلى طبرستان فملكها ولحق الحسين بالديلم وسار سليمان إلى سارية وآمد، ومعهم أبناء قارن بن شهرزاد فصفح عنهم ونهى أصحابه عن الفتك والأذى. ثم جاء موسى بن بغا بالعساكر فملك الري من يدي أبي دلف وبعث مصلحا إلى طبرستان فحارب الحسن بن زيد وهزمه واستولى على طبرستان ولحق الحسن بالديلم ودخل مفلح آمد وخرب منازل الحسن ورجع إلى موسى بالري.

** مقتل باغر **

وكان باغر هذا من قواد الترك ومن جملة بغا الصغير، ولما قتل المتوكل زيد في أرزاقه وأقطعوه قرى بسواد الكوفة وضمنها له بعض أهل باروسما بألفي دينار فطلبه ابن مارمة وكيل باغر، وحبسه ثم تخلص وسار إلى سامرا، وكانت له ذمة من نصراني عند بغا الصغير فأجاره النصراني من كيد بغا وأغراه عليه فغضب لذلك باغر وشكى إلى بغا فأغلظ له القول، وقال: إني مستبدل من النصراني وأفعل فيه بعد ذلك ما تريد، ودس إلى النصراني بالحذر من باغر وأظهر عزله، وبقي باغر يتهدده وقد انقطع عن المستعين، وقد منعه بغا في يوم نوبته عن الحضور بدار السلطان فسأل المستعين وصيفا عن أعمال إتياخ وقلدها لباغر، فعذل وصيفا في الشأن فحلف له أنه ما علم قصد الخليفة. وتنكر بغا لباغر فجمع أصحابه الذين بايعوه على المتوكل وجدد عليهم العهد في قتل المستعين وبغا ووصيف، وأن ينصبوا ابن المعتصم أو ابن الواثق ويكون الأمر لهم. ونما الخبر على الترك إلى المستعين فأحضر بغا ووصيفا وأعلمهما بالخبر، فحلفا له على العلم وأمروا بحبس باغر ورجلين معه من الأتراك فسخطوا ذلك، وثاروا فانتهبوا الإصطبل وحضروا الجوثق وأمر بغا ووصيف وشاهك الخادم وكاتبه أحمد بن صالح

ابن شيزاده [1] ونزل على محمد بن طاهر في بيته في المحرم سنة إحدى وخمسين ولحق به القواد والكتاب والعمال وبنو هاشم وتخلف جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ فندم الأتراك، وركب جماعة من قوادهم إلى المستعين وأصحابه ليردوهم فأبوا ورجعوا آيسين منه وتفاوضوا في بيعة المعتز.

** بيعة المعتز وحصار المستعين **

كان قواد الأتراك لما جاءوا إلى المستعين ببغداد يعتذرون من فعلهم ويتطارحون في الرضا عنهم والرجوع إلى دار مكة وهو يوبخهم ويعدد عليهم إحسانه وإساءتهم ولم يزالوا به حتى صرح لهم بالرضا، فقال بعضهم: فإن كنت رضيت فقم واركب معنا إلى سامرا فكلمه ابن طاهر لسوء خطابهم، وضحك المستعين لعجمتهم وجهلهم بآداب الخطاب، وأمر باستمرار أرزاقهم ووعدهم بالرجوع، فانصرفوا حاقدين ما كان من ابن طاهر، وأخرجوا المعتز من محبسه وبايعوا له بالخلافة، وأعطى للناس شهرين. وحضر للبيعة أبو أحمد بن الرشيد فامتنع منها وقال: قد خلعت نفسك! فقال: أكرهت، فقال: ما علمنا ذلك ولا مخلص لنا في إيماننا فتركه. وولوا على الشرطة إبراهيم البربرح [2] وأضيفت له الكتابة والدواوين وبيت المال، وهرب عتاب ابن عتاب من القواد إلى بغداد وقال محمد بن عبد الله بن طاهر بالاحتشاد واستقدم مالك بن طوق في أهل بيته وجنده، وأمر حوبة بن قيس [3] وهو على الأنبار وبالاحتشاد وكتب إلى سليمان بن عمران صاحب الموصل بمنع الميرة عن سامرا، وشرع في تحصين بغداد وأدار عليها الأسوار والخنادق من الجانبين وجعل على كل باب قائدا، ونصب على الأبواب المجانيق والعدادات [4] ، وشحن الأسوار بالرماة

والمقاتلة وبلغت النفقة في ذلك ثلاثمائة وثلاثين ألف دينار وفوض للعيارين الرزق واغدق عليهم، وأنفذ كتب المستعين إلى العمال بالنواحي تحمل الخراج إلى بغداد. وكتب المستعين إلى الأتراك يأمرهم بالرجوع عما فعلوا وكتب المعتز إلى محمد يدعوه إلى بيعته، وطالت المراجعات في ذلك وكان موسى بن بغا قد خرج لقتال أهل حمص، فاختلفت إليه وهو بالشام كتب المستعين والمعتز يدعوه كل واحد منهما إلى نفسه، فاختار المعتز ورجع إليه، وهرب إليه عبد الله بن بغا الصغير من بغداد بعد أن هرب عنه فقتله. وهرب الحسن بن الأفشين إلى بغداد فخلع عليه المستعين وضم إليه الأشروسية. ثم عقد المعتز لأخيه إلى أحمد الواثق عن حرب بغداد وضم إليه الجنود مع باكليال [1] من قوادهم، فسار في خمسين ألفا من الأتراك والفراغنة والمغاربة، وانتهبوا ما بين عكبرا وبغداد من القرى والضياع وخربوها، وهرب إليهم جماعة من أصحاب بغا الصغير ووصلوا إلى باب الشماسية. وولى المستعين على باب الشماسية الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن مصعب، وجعل القواد هنالك تحت يده ووافقت طلائع الأتراك إلى باب الشماسية فوقفوا بالقرب منه، وأمده ابن طاهر بالشاه بن ميكال وبيدار الطبري [2] . ثم ركب محمد بن عبد الله بن طاهر من الغد ومعه بغا ووصيف والفقهاء والقضاة، وذلك عاشر صفر، وبعث إليهم يدعوهم إلى مراجعة الطاعة على المعتز ولي عهده فلم يجيبوا، فانصرفوا، وبعث إليه القواد من الغد بأنهم زحفوا إلى باب الشماسية فنهاهم عن مناداتهم بالقتال. وقدم ذلك اليوم عبد الله بن سليمان خليفة بغا من مكة في ثلاثمائة رجل. ثم جاء الأتراك من الغد فاقتتلوا مع القواد وانهزم القواد وبلغ ابن طاهر أن جماعة من الأتراك ساروا نحو النهروان، فبعث قائدا من أصحابه إليهم فرجع منهزما، واستولى الأتراك على طريق خراسان وقطعوها عن بغداد. ثم بعث المعتز عسكرا آخر نحو أربعة آلاف فنزلوا في الجانب الغربي، وبعث ابن طاهر إليهم الشاه ابن ميكال فهزمهم وأثخن فيهم، ورجع إلى بغداد فخلع عليه وعلى سائر القواد أربع خلع وطوقا وسوارا من ذهب لكل واحد. ثم أمر ابن طاهر بهدم الدور والحوانيت إلى باب الشماسية ليتسع المجال للحرب، وقدمت عليه أموال فارس والأهواز مع مكحول الأشروسي [3]

وخرج الأتراك لاعتراضه وبعث ابن طاهر لحفظه فقدموا به بغداد، ولم يظفر به الأتراك، ومضوا نحو النهروان فأحرقوا سفن الجسر. وكان المستعين قد بعث محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد واليا على الثغور الجزرية، وأقام ينتظر الجند والمال، فلما بلغه خبر هذه الفتنة جاء على طريق الرقة إلى بغداد فخلع عليه ابن طاهر وبعثه في جيش كثيف لمحاربتهم، وصار إلى ضبيعة بالسواد فأقام بها فقال ابن طاهر: لن يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله به! ثم ذهب الأتراك وقاتلوا واتصل الحصار واشتدت الحرب وانتهبت الأسواق، وورد الخبر من الثغور بأن بلكاجور حمل الناس على بيعة المعتز فقال ابن طاهر: لعله ظن موت المستعين فكان كذلك، ووصل كتابه بأنه جدد البيعة، وكان موسى بن بغا مع الأتراك كما قدمنا، فأراد الرجوع على المستعين فامتنع أصحابه وقاتلوه فلم يتم له أمره وفر القعاطون [1] من البصرة ورموا على الأتراك فأحرقوهم، فبعث ابن طاهر إلى المدائن ليحفظها، وأمده بثلاثة آلاف فارس، وبعث إلى الأنبار حوبة بن قيس فشق الماء إلى خندقها من الفرات، وجاء إلى الإسحاقي من قبل المعتز فسبق المدد الذي جاء من قبل ابن طاهر، وملك الأنبار. ورجع حوبة إلى بغداد فأنفذ ابن طاهر الحسين بن إسماعيل في جماعة من القواد والجند، فاعترضه الأتراك وحاربوه، وعاد الأنبار وتقدم هو لينزل عليهما، وبينما هو يحط الأثقال إذا بالأتراك فقاتلهم وهزمهم وأثخن فيهم، وكانوا قد كمنوا له فخرج الكمين وانهزم الحسين وغرق كثير من أصحابه في الفرات، وأخذ الأتراك عسكره، ووصل إلى الياسرية آخر جمادى الآخرة ومنع ابن طاهر المنهزمين من دخول بغداد وتوعدهم على الرجوع إليه، وأمده بجند آخر، فدخل من الياسرية وبعث على المخاض الحسين بن علي بن يحيى الأرميني في مائتي مقاتل ليمنع الأتراك من العبور إليه من عدوة الفرات، فوافوه وقاتلوه عليها فهزموه، وركب الحسين في زورق منحدرا وترك عسكره وأثقاله، فاستولى عليها الأتراك ووصل المنهزمون إلى بغداد من ليلتهم، ولحق من عسكره جماعة من القواد والكتاب بالمعتز وفيهم علي ومحمد ابنا الواثق، وذلك أول رجب. ثم كانت بينهم عدة وقعات وقتل من الفريقين خلق ودخل الأتراك في كثير من الأيام بغداد وأخرجوا عنها ثم ساروا إلى المدائن وغلبوا عليها ابن أبي السفاح وملكوها. وجاء الأتراك الذين بالأنبار إلى الجانب الغربي وانتهوا إلى

صرصر وقصر ابن هبيرة، واتصل الحصار إلى شهر ذي القعدة وخرج ابن طاهر في بعض أيامه في جميع القواد والعساكر، فقاتلهم وانهزموا وقتل منهم خلق وارتقم الذين كانوا مع بغا ووصيف لذلك فلحقوا بالأتراك. ثم تراجع الأتراك وانهزم أهل بغداد. ثم خرج في ذي الحجة رشيد بن كاووس أخو الأفشين ساعيا في الصلح بين الفريقين، واتهم الناس ابن طاهر بالسعي في خلع المستعين. فلما جاء رشيد وأبلغهم سلام المعتز وأخيه أبي أحمد شتموه وشتموا ابن طاهر وعمدوا إلى دار رشيد ليهدموها، وسأل ابن طاهر من المستعين أن يسكنهم، فخرج إليهم ونهاهم وبرأ ابن طاهر مما اتهموه به، فانصرفوا، وترددت الرسل بين ابن طاهر وبين أبي أحمد فتجدد للعامة والجند سوء الظن، وطلب الجند أرزاقهم فوعدهم بشهرين وأمرهم بالنزول، فأبوا إلا أن يعلمهم الصحيح من رأيه في المستعين. وخاف أن يدخلوا الأتراك كما عمل أهل المدائن والأنبار، فأصعد المستعين على سطح دار العامة حتى رآه الناس وبيده البردة والقضيب، وأقسم عليهم فانصرفوا. واعتزم ابن طاهر على التحول إلى المدائن، فجاءه وجوه الناس واعتذروا له بالغوغاء فأقصروا بنقل المستعين عن دار ابن طاهر إلى دار رزق الخادم بالرصافة. وأمر القواد وبني هاشم بالكون مع ابن طاهر، فركب في تعبية وحلف لهم على المستعين وعلى قصد الإصلاح فدعوا له، وسار إلى المستعين وأغراه به وأمر بغا ووصيفا بقتله فلم يفعلا. وجاءه أحمد بن إسرائيل والحسين بن مخلد بمثل ذلك في المستعين، فتغير له ابن طاهر. فلما كان يوم الأضحى وقد حضر الفقهاء والقضاة طالبه ابن طاهر بإمضاء الصلح، فأجاب وخرج إلى باب الشماسية، فجلس هناك ابن طاهر إلى المستعين وأخبره بأنه عقد الأمر إلى أن يخلع نفسه، ويبتذلوا له خمسين ألف دينار، ويعطوه غلة ثلاثين ألف دينار، ويقيم بالحجاز مترددا بين الحرمين، ويكون بغا واليا على الحجاز، ووصيف على الجبل، ويكون ثلث الجباية لابن طاهر وجند بغداد والثلثان للموالي والأتراك.

فامتنع المستعين أولا من الخلع ظنا منه أن وصيفا وبغا معه. ثم تبين موافقتهما عليه فأجاب وكتب بما أراد من الشروط، وأدخل الفقهاء والقضاة واشهدهم بأنه قد صير أمره إلى ابن طاهر. ثم أحضر القواد وأخبرهم بأنه ما قصد بهذا الإصلاح إلا حقن الدماء، وأخرجهم إلى المعتز ليوافقهم بخطه على كتاب الشرط ويشهدوا على إقراره، فجاءوا بذلك لست خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

** خلع المستعين ومقتله والفتن خلال ذلك **

ولما تم ما عقده ابن طاهر ووافى القواد بخط المعتز على على كتاب الشروط، أخذ البيعة للمعتز على أهل بغداد، وخطب له بها وبايع له المستعين وأشهد على نفسه بذلك، فنقله من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل ومعه عياله وأهله، وأخذ البردة والقضيب والخاتم ومنع من الخروج إلى مكة، فطلب البصرة فمنع منها وبعث إلى واسط. فاستوزر المعتز أحمد بن أبي إسرائيل ورجع أخوه أبو أحمد إلى سامرا. وفي آخر المحرم انصرف أبو الساج دبواز بن درموسب [1] إلى بغداد فقلده ابن طاهر معاون السواد فبعث معه مؤنه [2] إليها لطرد الأتراك والمغاربة عنها، وسار هو إلى الكوفة. ثم كتب المعتز إلى ابن طاهر بإسقاط بغا ووصيف ومن معهما من الدواوين وكان محمد أبو عون من قواد ابن طاهر قد تكفل لأبى إسحاق بقتلهما، وعقد له المعتز على اليمامة والبحرين والبصرة. ونمى الخبر إليهما بذلك فركبا إلى ابن طاهر وأخبراه الخبر وأن القوم قد نقضوا العهد. ثم بعث وصيف أخته سعاد إلى المؤيد وكان في حجرها فاستوهن له الرضا من المعتز وكذا فعل أبو أحمد مع بغا وكتب لهما المعتز جميعا بالرضا. ثم رغب الأتراك في إحضارهما بسامرا، فكتب بذلك ودس إلى ابن طاهر بمنعهما. فخرجا فيمن معهما ولم يقدر ابن طاهر على منعهما. وحضرا بسامرا فعقد إليهما المعتز على أعمالهما، ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير. ثم كانت فتنة بين جند بغداد وابن طاهر في شهر رمضان، جاءوا إليه يطلبون أرزاقهم قال: كتبت إلى أمير المؤمنين في ذلك فكتب إلي إن كنت تريد الجند لنفسك فأعطهم، وإن كان لنا فلا حاجة لنا فيهم. فشغبوا ففرق فيهم ألفي دينار فسكنوا. ثم اجتمعوا ثانية ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا الخيام بباب الشماسية وبنوا البيوت من الأعواد والقصب. وجمع محمد بن إبراهيم أصحابه وشحن داره بالرجال، وأرادوا يوم الجمعة أن يمنعوا الخطيب من الدعاء للمعتز فقعد واعتذر بالمرض، فخرجوا إلى الجسر ليقطعوه فقاتلهم أصحاب ابن طاهر ودفعوهم عنه. ثم دفعوا أصحاب ابن طاهر بإعانة أهل الجانب الشرقي، وجاء العامة فجلس الشرطة فأمر ابن طاهر بإحراق الحوانيت إلى باب الجسر ومات أصحاب تعبية الحرب وجاء من دله على عورة الجند فسرح الشاه

بن ميكال وعرض القواد فسار إلى ناحيتهم، وافترقوا وقتل بينهم ابن الخليل. وحمل رئيسهم الآخر ابن القاسم عبدون بن الموفق إلى ابن طاهر ومات في خلال ذلك.

وأخرج المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد، وذلك أن العلاء بن أحمد عامل أرمينية بعث إلى المؤيد بخمسة آلاف دينار فأخذها عيسى بن فرخان شاه، فأغرى المؤيد بعيسى الأتراك والمغاربة فبعث المعتز إلى المؤيد وأبي أحمد فحبسهما وقتل [1] المؤيد، فأخذ خطه بخلع نفسه. ثم نمي إليه أن الأتراك يرومون إخراجه من الحبس، فسأل عن ذلك موسى بن بغا فأنكر علم ذلك، وأخرج المؤيد من الغد ميتا ودفنته أمه. فيقال غطى على أنفه فمات، وقيل أقعد في الثلج ووضع على رأسه. ثم نقل أخوه ابن أحمد إلى مجلسه. ثم اعتزم المعتز على قتل المستعين فكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر أن يسلمه إلى سيما الخادم، وكتب محمد في ذلك إلى الموكلين به بواسط، يقال بل أرسل بذلك أحمد بن طولون، فسار به في القاطون وسلمه إلى سعيد بن صالح، فضربه سعيد حتى مات، وقيل ألقاه في دجلة بحجر في رجله، وكانت معه دابته فقتلت معه وحمل رأسه إلى المعتز فأمر بدفنه، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم وولاه معونة البصرة. ثم وقعت فتنة بين الأتراك والمغاربة مستهل رجب، بسبب أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرخان شاه فضربوه وأخذوا دابته لما أمرهم المؤيد، فامتعضت المغاربة له ونكروا على الأتراك وغلبوهم على الجوسق، وأخذوا دوابهم وركبوها وملكوا بيت المال. واستجاش الأتراك بمن كان منهم في الكرخ والدور وانضم الغوغاء والشاكرية إلى المغاربة فضعفت الأتراك عن لقائهم وسعى بينهم جعفر بن عبد الواحد في الصلح فتوادعوا أياما ثم اجتمع الأتراك على حين افتراق المغاربة فقصد محمد بن راشد ونصر ابن سعيد منزل محمد بن عون يختفيان عنده حتى تسكن الهيعة، فدس للأتراك بخبرهما وجاءوا فقتلوهما في منزله وبلغ ذلك المعتز فهم بقتل! ابن عون ثم نفاه.

** أخبار مساور الخارجي **

كان الوالي على الموصل عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن هاني الخزاعي، وكان صاحب الشرطة بالحديثة من أعمالها حسين بن بكير، وكان مساور

ابن عبد الله بن مساور البجلي من الخوارج يسكن البواريخ [1] . وحبس صاحب الشرطة حسين بن بكير بالحديثة ابنا للمساور هذا يسمى جوثرة وكان جميلا، فكتب إلى أبيه مساور بأن حسين بن بكير نال منه الفاحشة، فغضب لذلك وخرج فقصد الحديثة، فاختفى حسين وأخرج ابنه من الحبس. ثم كثر جمعه من الأكراد والأعراب وقصد الموصل فقاتلها أياما، ثم رجع فكان تحت طريق خراسان، وكانت لنظر بندأر ومظفر بن مشبك [2] فسار إليه بندار في ثلاثمائة مقاتل والخوارج مع مساور في سبعمائة فهزموه وقتلوه، ولم ينج منهم إلا نحو خمسين رجلا وفر مظفر إلى بغداد. وجاء الخوارج إلى جلولاء وكانت فيهم حرب هلك فيها من الجانبين خلق. ثم سار خطرمش في العساكر فلقيهم بجلولاء وهزمه مساور، ثم استولى مساور على أكثر أعمال الموصل، ثم ولى الموصل أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلبي سنة أربع وخمسين، فاستخلف عليها ابنه الحسن، فجمع عسكرا كان فيهم حمدون بن الحرث بن لقمان جدا لأمراء من بني حمدان ومحمد بن عبد الله بن السيد بن أنس، وسار إلى مساور وعبر إليه نهر الزاب فتأخر عن موضعه. وسار الحسن في طلبه فالتقوا واقتتلوا وانهزم عسكر الموصل وقتل محمد بن السيد الأزدي، ونجا الحسن بن أيوب إلى أعمال اربل. ثم كانت الفتنة سنة خمس وخمسين خلع المعتز وبويع للمهتدي وولى على الموصل عبد الله بن سليمان فزحف إليه مساور، وخام عبد الله عن لقائه فملك مساور البلد وأقام بها جمعة وصلى وخطب، ثم خرج منها إلى الحديثة وكانت دار هجرته. ثم انتقض عليه سنة ست وخمسين رجل من الخوارج اسمه عبيدة بن زهير العمري [3] بسبب الخلاف في توبة الخاطئ وقال عبيدة: لا تقبل واجتمع معه جماعة وخرج إليهم مساور من الحديثة واقتتلوا قتالا شديدا ثم قتل عبيدة وانهزم أصحابه وخرج إليه آخر من بني زهر اسمه طوق، فجمع له الحسن بن أيوب بن أحمد العدوي جمعا كثيرا وحاربه فقاتله سنة خمس أو سبع، واستولى مساور على أكثر العراق ومنع الأموال، فسار إليه موسى بن بغا بابكيال في العساكر فانتهوا إلى [4]

وبلغهم خبر الأتراك مع المهتدي فأقاموا ثم زحفوا بخلع المهتدي، فلما ولي المعتمد سير مفلحا إلى قتال مساور في عسكر كبير وخرج مساور عن الحديثة إلى جبلين حذاءها وقاتله مفلح في أتباعه، ولحق الجبل فاعتصم به وأقام مفلح في حصاره، فكانت بينهما وقعات وكثرت الجراحة في أصحاب مساور من لدن حربه مع عبيدة إلى هذه الحروب فسار عن الجبل وتركه وأصبح مفلح وقد فقدهم فسار إلى الموصل ثم إلى ديار ربيعة وسنجار ونصيبين والخابور، فأصلح أمورها وخرج من الموصل إلى الحديثة ففارقها عنه فرجع مساور في اتباعهم يتخطف من أعقابهم ويقاتلهم حتى وصل الحديثة فأقام بها أياما، ثم سار إلى بغداد في رمضان سنة ست وخمسين فرجع مساور الحديثة واستولى على البلاد واشتدت شوكته، ثم أوقع به مسرور البلخي سنة ثمان وخمسين، وجهز العسكر بالحديثة مع جعلان من قواد الترك. ثم قتل سنة إحدى وستين يحيى بن جعفر من ولاة خراسان، وسار مسرور في طلبه وتبعه الموفق فلم يدركاه.

** مقتل وصيف ثم بغا **

وفي سنة ثلاث وخمسين أيام المعتز اجتمع الجند من الأتراك والفراغنة والأشروسية فطلبوا أرزاقهم منهم لأربعة أشهر وشغبوا، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيما الطويل، وكلمهم وصيف واعتذر بعدم المال وقال: خذوا الزاب في أرزاقكم. ونزلوا بدار أشناس يتناظرون في ذلك، ومضى بغا وسيما إلى المعتز يسألانه في أمرهم، وبقي وصيف في أيديهم فوثب عليه بعضهم فقتله وقطعوا رأسه ونصبوه. ثم انقادوا وأهدر لهم ذلك، وجعل المعتز لبغا الشرابي ما كان لوصيف وألبسه التاج والوشاحين، ثم تغير له المعتز لما عليه من الاستبداد على الدولة، وخشي غائلته ومال باطنا إلى بابكيال وداخله في أمره واعتده لذلك. ثم زوج بغا ابنته آمنة من صالح بن وصيف وشغل بجهازها، فركب المعتز في تلك الغفلة ومعه حمدان بن إسرائيل إلى بابكيال في كرخ سامرا وكانت بينه وبين بغا وحشة شديدة وبلغ ذلك بغا فركب في خمسمائة من غلمانه وولده وقواده، وكان أكثرهم منحرفين عنه ولحق بالسن، وأقام المعتز على وجل لا ينام إلا بسلاحه. ثم تعلل أصحاب بغا عليه فأعرض عنهم وركب البحر راجعا إلى بغداد، وجاء الجسر ليلا لئلا يفطن به الموكلون هنالك، وبعثوا إلى المعتز

بخبره [1] ، فأمر بقتله وحمل إليه رأسه ونصب بسامرا وأحرقت المغاربة شلوه وكان قصد دار صالح بن وصيف ليثبوا على المعتز.

** ابتداء دولة الصفار **

كان يعقوب بن الليث عمر [2] : الصفر بسجستان وكان صالح بن النضر الكناني من أهل البيت قد ظهر بتلك الناحية وقام يقاتل الخوارج وسمى أصحابه المتطوعة حتى قيل له صالح المطوعي وصحبه جماعة منهم درهم بن الحسن ويعقوب بن الليث هذا وغلبوا على سجستان، ثم أخرجهم عنها طاهر بن عبد الله أمير خراسان. وهلك صالح إثر ذلك وقام بأمر المتطوعة درهم بن الحسن فكثر أتباعه. وكان يعقوب بن الليث شهما وكان درهم مضعفا، واحتال صاحب خراسان حتى ظفر به وحبس ببغداد، فاجتمعت المتطوعة على يعقوب بن الليث، وقام بقتال السراة وأتيح له الظفر عليهم وأثخن فيهم وخرب قراهم، وكانت له شرية في أصحابه لم تكن لأحد قبله، فحسنت طاعتهم له وعظم أمره وملك سجستان مظهرا طاعة الخليفة وكاتبه وقلده حرب السراة، فأحسن الغناء فيه وتجاوزه إلى سائر أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم سار من سجستان إلى نواحي خراسان وعليها يومئذ محمد بن عبد الله بن طاهر، وعلى هراة من قبله محمد بن أوس الأنباري، فجمع لمحاربة يعقوب وسار إليهم في التعبية، فاقتتلوا وانهزم ابن أوس وملك يعقوب هراة وبوشنج، وعظم أمره وهابه صاحب خراسان وغيرها من الأطراف. وكان المعتز قد كتب له بولاية سجستان، فكتب له الآن بولاية كرمان، وكان على فارس علي بن الحسين بن شبل، وأبطأ عامل الخراج واعتذر، فكتب له المعتز بولاية كرمان يريد إعداء كل منهما بصاحبه لأن طاعتهما مهوضة [3] فأرسل علي

ابن الحسين بفارس طوق بن الغلس خليفة على كرمان، وسار يعقوب الصفار من سجستان فسبقه طوق واستولى عليها وأقام يعقوب بمكانه قريبا منها يترقب خروج طوق إليه. وبعد شهرين ارتحل إلى سجستان فوضع طوق أوزار الحرب وأقبل على اللهو، واتصل ذلك بيعقوب في طريقه، فكر راجعا وأغذ السير فصادفه بعد يومين، وركب أصحابه وقد أحيط بهم ففروا ناجين بأنفسهم، وملك يعقوب كرمان وحبس طوق.

وبلغ الخبر إلى علي بن الحسين وهو على شيراز، فجمع جيشه ونزل على مضيق شيراز، وأقبل عليه يعقوب حتى نزل قبالته، والمضيق متوعر بين جبل ونهر ضيق المسلك بينهما، فاقتحم يعقوب النهر بينهما وأجاز إلى علي بن الحسين وأصحابه فانهزموا، وأخذ علي أسيرا واستولى على جميع عسكره، ودخل شيراز وملكها وجبى الخراج ورجع إلى سجستان وذلك سنة خمس وخمسين. ويقال بل وقع بينهما بعد عبور النهر حرب شديدة انهزم آخرها علي وكان عسكره نحوا من خمسة عشر ألفا من الموالي والأكراد، ورجعوا منهزمين إلى شيراز آخر يومهم وازدحموا في الأبواب وافترقوا في نواحي فارس وانتهوا إلى الأهواز، وبلغ القتلى منهم خمسة آلاف. ولما دخل يعقوب وملك فارس امتحن عليا وأخذ منه ألف بردة [1] ومن الفرش والسلاح والآلة ما لا يحد، وكتب إلى الخليفة بطاعته وأهدى هدية جليلة يقال منها عشر بازات بيض وباز أبلق صيني ومائة نافجة من المسك وغير ذلك من الطرف ورجع إلى سجستان، ثم استعاد الخليفة بعد ذلك فارس وبعث عماله إليها.

** ابتداء دولة ابن طولون بمصر **

كان بابكيال من أكابر قواد الأتراك مع بغا ووصيف وسيما الطويل، ولما حدثت هذه الفتن وتغلبوا على الخلفاء أخذوا الأعمال والنواحي في اقطاعهم، فاقطع المعتز بابكيال هذا أعمال مصر وبها يومئذ ابن مدبر، وكان بابكيال مقيما بالحفيدة فنظر فيمن يستخلفه عليها وكان أحمد بن طولون من أبناء الأتراك وأبوه من سبي فرغانة وربي في دار الخلفاء، ونشأ ابنه أحمد بها على طريقة مستقيمة لبابكيال خاله، وأشير عليه بتوليته فبعثه على مصر فاستولى عليها أولا دون أعمالها والاسكندرية، ثم قتل المعتز بابكيال وصارت مصر في اقطاع بارجوع الترك [2] وكان بينه وبين أحمد بن طولون

مودة متأكدة فكتب إليه واستخلفه على مصر جميعها، ورسخت قدمه فيها وأصارها تراثا لبنيه فكانت لهم فيها الدولة المعروفة.

** استقدام سليمان بن طاهر لولاية بغداد **

قد تقدم لنا أن محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين كان على العراق والسواد، وكانت لهم الشرطة وغيرها، وكان مقيما ببغداد وكان في المدافعة عن المستعين لما لجأ إليه. ثم صلح ما بينه وبين المعتز، واستقل المعتز بالخلافة والآثار المذكورة. ثم هلك آخر سنة ثلاث وثمانين أيام المعتز وفوض ما كان بيده من الولاية إلى أخيه عبيد الله، نازعه ابنه طاهر في الصلاة عليه ومالت العامة مع أصحاب طاهر والقواد مع عبيد الله لوصية أخيه. ثم أمضى المعتز عهد أخيه وخلع عليه، وبذل لصاحب الخلع خمسين ألف درهم. ثم بعث المعتز عن سليمان بن عبد الله بن طاهر من خراسان، وولاه على العراق والشرطة وغيرها مكان أخيه محمد، وعزل أخاهما عبيد الله. فلما علم عبيد الله تقدم سليمان أخذ ما في بيت المال وانتقل إلى غربي دجلة، وجاء سليمان وقائده محمد ابن أوس ومعه جند من خراسان فأساءوا السيرة في أهل بغداد فحنق الناس عليهم وأعطى أرزاقهم مما بقي في بيت المال وقدمهم على جند بغداد وشاكريها، فاتفق الجند على الثورة وفتقوا السجون، وعبر ابن أوس إلى الجزيرة واتبعه الجند والعامة، فحاربهم وانهزم وأخرجوه من باب الشماسية، ونهب من منزله قيمة ألفي ألف درهم، ومن الأمتعة ما لا يحصر ونهب منازل جنده. ورأى سليمان أن يسكن الثائرة فأمره بالخروج إلى خراسان، ثم كانت الفتنة في خلع المعتز وولاية المهدي كما يذكر، وبعث المهتدي سلخ رجب من سنة خمس وخمسين إلى سليمان ليأخذ البيعة له ببغداد. وكان أبو أحمد بن المتوكل ببغداد قد بعثه إليها المعتز، فنقله سليمان إلى داره ووثب الجند والعامة لذلك واجتمعوا بباب سليمان، وقاتلهم أصحابه مليا، ثم انصرفوا وخطب من الغد للمعتز فسكنوا ثم ساروا ودعوا إلى بيعة أبي أحمد، وطلبوا رؤيته فأظهره لهم ووعدهم بما طلبوا، فافترقوا ووكل بحفظ أبي أحمد ثم بايع للمهتدي في شعبان من تلك السنة.

** خبر كرخ أصبهان وأبي دلف **

قد تقدم لنا شأن أبي دلف أيام المأمون وأنه كان مقيما بكرخة وأن المأمون عفا له عما وقع منه في القعود عن نصره، وأقام بتلك الناحية وهلك، فقام ابنه عبد العزيز مكانه. ولما كانت أيام الفتنة تمسك بطاعة المستعين وولى وصيف على الجبل وأصبهان، فكتب إلى عبد العزيز باستخلافه عليها وبعث عليه بالخلع، وعقد المعتز لموسى بن بغا الكبير في شهر رجب من سنة ثلاث وخمسين على الجبل وأصبهان، فسار لذلك وفي مقدمته مفلح، فلقيه عبد العزيز بن أبي دلف في عشرين ألفا خارج همذان، فتحاربا وانهزم عبد العزيز وقتل أصحابه. وسار مفلح إلى الكرخ، فخرج إليه عبد العزيز وقاتله ثانية، فانهزم واستولى مفلح على الكرخ. ومضى عبد العزيز إلى قلعة نهاوند فتحصن بها وأخذ مفلح أهله وأمه. ثم عقد له وصيف سنة اثنين وخمسين على أعمال الجبل، ثم عقد لموسى بن بغا، فسار وفي مقدمته مفلح، فقاتله عبد العزيز فانهزم وملك مفلح الكرخ وأخذ ماله وعياله. ثم ملك عبد العزيز وقام مكانه ابنه دلف وقاتله القاسم بن صبهاه من أهالي أصبهان. ثم قتل القاسم أصحاب أبي دلف وولوا أخاه أحمد بن عبد العزيز سنة خمس وستين. وولاه عمر الصفار من قبله على أصبهان عند ما ولاه عليها المعتمد سنة ست وستين، وحاربه كغليغ التركي سنة تسع وستين، فغلبه أحمد وأخرجه إلى الصميرة، وبعث إليه عمر سنة ثمان وستين في المال فبعث إليه. ثم سار الموفق سنة ست وسبعين يريد أحمد بأصبهان فشاغله أحمد عن البلد وترك داره بفرشها لنزول الموفق. ثم مات أحمد سنة ثمانين وولى أخوه عمر وأخوه بكير يرادفه وقاتلا رافع بن الليث بأمر المعتضد فهزمهما كما يأتي ذكره. ثم قلده المعتضد أصبهان ونهوند والكرخ عمر بن عبد العزيز سنة إحدى وثمانين ثم راجعا الطاعة.

** خلع المعتز وموته وبيعة المهتدي **

كان صالح بن وصيف بن بغا متغلبا على المعتز، وكان كاتبه أحمد بن إسرائيل، وكانت أمه قبيحة ووزيرها الحسن بن مخلد، وكان أبو نوح عيسى بن إبراهيم من كبار الكتاب وجباة الأموال. وطلب الأتراك أرزاقهم وشغبوا، فقال صالح للمعتز:

هذه الأموال قد ذهب بها الكتاب والوزراء، وليس في بيت المال شيء فرد عليه

أحمد بن إسرائيل وأفحش في رده وتفاوضا في الكلام فسقط صالح مغشيا عليه، وتبادر أصحابه بالباب فدخلوا منتضين سيوفهم فدخل إلى قصره، فأمر صالح بالوزراء الثلاثة فقيدوا وشفع المعتز في أمر وزيره فلم يقبل شفاعته، وصادرهم على مال جليل حملوه فلم يسد شيئا، فلما فعلوا بالكتاب ما فعلوا من المصادرة اتهم الجند أنهم حملوا على مال ولم يكن ذلك، فشفعوا في طلب أرزاقهم وضمنوا للمعتز قتل صالح بن وصيف على خمسين ألفا يبذلها لهم. وسألها من أمه فاعتذرت فاتفقت كلمتهم على خلعه. ودخل إليه صالح بن وصيف ومحمد بن بغا المعروف بأبي نصر وبابكيال وطلبوه في الخروج إليهم، فاعتذر لهم وأذن لبعضهم في الدخول فدخلوا، وجروه إلى الباب وضربوه وأقاموه في الشمس في صحن الدار وكلما مر به أحد منهم لطمه. ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب في جماعة فأشهدهم على خلعه، وعلى صالح بن وصيف بأمانه وأمان أمه وأخته وولده [1] . وفرت أمه قبيحة من سرب كانت اتخذته بالدار، ثم عذبوا المعتز ثم جعلوه في سرب وطموا عليه، وأشهدوا على موته بني هاشم والقواد، وذلك آخر رجب من سنة خمس وخمسين، وبايعوا لمحمد ابن عمه الواثق ولقبوه المهتدي بالله عند ما خلع المعتز نفسه وأقر بالعجز والرغبة في تسليمها إلى المهتدي، بايعه الخاصة والعامة. وكانت قبيحة أم المعتز لما فعل صالح بالكتاب ما فعل قد [2] نفرا منهم على الفتك بذلك بصالح، ونمي ذلك إليه، فجمع الأتراك على الثوران، وأيقنت قبيحة بالهلاك فأودعت ما في الخزائن من الأموال والجواهر، وحفرت سربا في حجرتها هربت منه لما أحيط بالمعتز، ولما قتل خشيت على نفسها فبعثت إلى صالح تستأمنه فأحضرها في رمضان وظفر منها بخمسمائة ألف دينار، وعذبها على خزائن تحت الأرض فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار ومقدار مكوك من الزبرجد لم ير مثله، ومقدار مكوك آخر من اللؤلؤ العظيم وجراب من الياقوت الأحمر القليل النظير، وذمها الناس بأنها عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار ومعها هذا المال، ثم سارت إلى مكة فأقامت هنالك، وقبض صالح على أحمد بن إسرائيل وزيد بن المعتز وعذبه وصادره. ثم قبض على

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com