John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة ١٥

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 27 of 67

أبي نوح وفعل به مثله، وقبض على الحسن بن مخلد كذلك ولم يمت. وبلغ المهتدي ذلك فنكره وقال: كان الحبس كافيا في العقوبة. ولأول ولاية المهتدي أخرج القيان والمغنين من سامرا ونفاهم عنها، وأمر بقتل السباع التي كانت في دار السلطان وطرد الكلاب ورد المظالم وجلس للعامة، وكانت الفتن قائمة، والدولة مضطربة، فشمر لإصلاحها لو أمهل واستوزر سليمان بن وهب وغلب على أمره صالح بن وصيف وقام بالدولة.

** مسير موسى بن بغا إلى سامرا ومقتل صالح بن وصيف **

كان موسى بن بغا غائبا بنواحي الري وأصبهان منذ ولاية المعتز عليها سنة ثلاث وخمسين، ومعه مفلح غلام أبي الساج، وكانت قبيحة أم المعتز لما رأت اضطراب أموره كتبت إلى موسى قبل أن يفوت في أمره، فجاءه كتابها، وقد بعث مفلحا لحرب الحسن بن زيد العلوي فحربه [1] بطبرستان فغلبه، وأحرق قصوره بآمد وخرج في اتباعه إلى الديلم، فكتب إلى موسى بالرجوع لمداهمة من شاء وبينما هو في استقدامه وانتظاره قتل المعتز وبويع المهتدي، وبلغ أصحابه ما حواه صالح من أموال المعتز وكتابه وأمه، فشرهوا إلى مثل ذلك، وأغروا موسى بالمسير إلى سامرا، ورجع مفلح من بلاد الديلم إليه وهو بالري، فسار نحو سامرا وسمع المهتدي بذلك فكتب إليه بالمقام ويحذره على ما وراءه من العلويين فلم يصغ لذلك، وأفحش أصحابه في إساءة الرسل الواصلين بالكتب. فكتب بالاعتذار واحتج بما عاينه الرسل وأنه يخشى أن يقتله أصحابه إن عادوا إلى الري وصالح بن وصيف في خلال ذلك يغري به المهتدي وينسبه إلى المعصية والخلاف، إلى أن قدم في المحرم سنة ست وخمسين ودخل في التبعية، فاختفى صالح بن وصيف ومضى موسى إلى الجوسق والمهتدي جالس للمظالم فأعرض له عن الإذن ساعة ارتاب فيها هو وأصحابه وظنوا أنه ينتظر قدوم صالح بالعساكر. ثم أذن لهم فدخلوا وقبضوا على المهتدي وأودعوه دار باجورة [2] وانتهبوا ما كان في الجوسق. واستغاث المهتدي بموسى فعطف عليه ثم

أخذ عليه العهود والإيمان أن لا يوالي صالحا وأن باطنه وظاهره في موالاتهم سواء، فجددوا له البيعة واستبد موسى بالأمر، وبعث إلى صالح للمطالبة بما احتجبه من الأموال فلم يوقف له على أثر، وأخذوا في البحث عنه. وفي آخر المحرم أحضر المهتدي كتابا رفعه إليه سيما الشرابي، زعم أن امرأة دفعته إليه وغابت فلم يرها، وحضر القواد وقرأه سليمان بن وهب عليهم وهو بخط صالح يذكر ما صار إليه من الأموال، وأنه إنما استتر خشية على نفسه وحسما للفتنة وإبقاء على الموالي. ولما قرأ الكتاب حثهم المهتدي على الصلح والاتفاق، فاتهمه الأتراك بالميل إلى صالح وأنه مطلع على مكانه، وطال الكلام بينهم بذلك ثم اجتمعوا من الغد بدار موسى بن بغا داخل الجوسق واتفقوا على خلع المهتدي، إلا أخا بابكيال فإنه أبى من ذلك وتهددهم بأنه مفارقهم إلى خراسان، واتصل الخبر بالمهتدي فاستدعاه إليه وقد نظف ثيابه وتطيب وتقلد سيفه فأرعد وأبرق وتهددهم بالاستماتة، ثم حلف لا يعلم مكان صالح، وقال لمحمد بن بغا وبابكيال قد حضرتما مع صالح في أمر المعتز وأموال الكتاب وأنتم شركاؤه في ذلك كله. وانتشر الخبر في العامة بأنهم أرهقوه وأرادوا خلعه فطفقوا يحاذرون على الدعاء في المساجد والطرقات ويبغون على القواد بغيهم على الخليفة، ويرمون الرقاع بذلك في الطرقات. ثم إن الموالي بالكرخ والدور دسوا إلى المهتدي أن يبعثوا إليه أخاه أبا القاسم عبد الله بعد أن ركبوا وتحركوا فقالوا لأبي القاسم: بلغنا ما عليه موسى وبابكيال وأصحابهما ونحن شيعة للخليفة فيما يريده، وشكوا مع ذلك تأخر أرزاقهم وما صاروا من الاقطاع والزيادات إلى قوادهم وما أخذه النساء والدخلاء حتى أصحب ذلك كله بالخراج والضياع، وكتبوا بذلك إلى المهتدي، فأجابهم بالثناء على التشيع له والطاعة والوعد الجميل في الرزق، والنظر الجميل في شأن الاقطاعات للقواد والنساء، فأفاضوا في الدعاء وأجمعوا على منع الخليفة من الحجر الاستبداد عليه، وأن ترجع الرسوم إلى عادتها أيام المستعين على كل عشرة عريف، وعلى كل خمسين خليفة، وعلى كل مائة قائد، وأن تسقط النساء والزيادة في الاقطاع ويوضع العطاء في كل شهرين. وكتبوا بذلك إلى المهتدي وأنهم صائرون إلى بابه ليقضي حوائجهم، وإن أحد اعترض عليه أخذوا رأسه وإن تعرض له أحد قتلوا موسى بن بغا وبابكيال وماجور. فجاء أبو القاسم بالكتاب وقد قعد المهتدي للمظالم وعنده الفقهاء والقضاة والقواد قائمون في مراتبهم فقرأ كتابهم على

القواد فاضطربوا وكتب جوابهم بما سألوا، وطلب أبو القاسم من القواد أن يبعثوا معه رسولا بالعذر عنهم ففعلوا، ومضى أبو القاسم إليهم بكتاب الكتاب وبرسل القواد وأعذارهم. فكتبوا إلى المهتدي يطلبون التوقيعات بحط الزيادات ورد الاقطاعات وإخراج الموالي البرانيين من الخاصة، ورد الرسوم إلى عاداتها أيام المستعين، ومحاسبة موسى بن بغا وصالح بن وصيف على ما عندهم من الأموال ووضع العطاء على كل شهرين وصرف النظر في الجيش إلى بعض إخوته أو قرابته وإخراجه من الموالي، وكتبوا بذلك إلى المهتدي والقواد فأجابهم إلى جميع ما سألوه. وكتب إليهم موسى بن بغا بالإجابة في شأن صالح والإذن في ظهوره فقرءوا الكتابين ووعدوا بالجواب، فركب إليهم أبو القاسم واتبعه موسى في ألف وخمسمائة فوقف في طريقهم، وجاءهم أبو القاسم فاضطربوا في الجواب ولم يتفقوا فرجع ورد موسى بن بغا فأمرهم المهتدي بالرجوع وأن يتقدم إليهم محمد بن بغا مع أبي القاسم، ويدفعوا إليهم كتاب الأمان لصالح بن وصيف، وقد كان من طلبتهم أن يكون موسى في مرتبة أبيه وصالح كذلك والجيش في يده، وأن يظهر على الأمان فأجيبوا إلى ذلك. وافترق الناس إلى الكرخ والدور وسامرا، فلما كان من الغد ركب بنو وصيف في جماعة ولبسوا السلاح فنهبوا دواب العامة وعسكروا بسامرا وتعلقوا بأبي القاسم يطلبون صالحا فأنكر المهتدي أن يكون علم بمكانه، وقال: إن كان عندهم فليظهروه. ثم ركب ابن بغا في القواد ومعه أربعة آلاف فارس وعسكر، وافترق الأتراك ولم يظهر للكرخيين ولا لأهل الدور وسامرا في هذا اليوم حركة، وجد موسى في طلب صالح ونادى عليه وعثر عليه بعض الغوغاء فجاء به إلى الجوسق والعامة في اتباعه فضربه بعض أصحاب مفلح فقتله وطيف برأسه على قناة وخرج موسى بن بغا لقتال السراة بناحية السن.

** الصوائف منذ ولاية المنتصر إلى آخر أيام المهتدي **

في سنة ثمان وأربعين أيام المستعين خرج بناحية الموصل محمد بن عمر الشاربي وحكم فسرح المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغاني فأسره في عدة من أصحابه وقتلوا وصلبوا وفي هذه السنة غزا بالصائفة وصيف وأمره المنتصر بالمقام بملطية أربع سنين يغزو في أوقات الغزو إلى أن يأتيه رأيه، وكان مقيما بالثغر الشامي فدخل بلاد الروم وافتتح حصن قدورية. وفي سنة تسع وأربعين غزا بالصائفة جعفر بن دينار فافتتح مطامير واستأذنه

عمر بن عبد الله الأقطع في الدخول إلى بلاد الروم فأذن له، فدخل في جموع من أهل ملطية، ولقي ملك الروم بمرج الأسقف في خمسين ألفا فأحاطوا به وقيل في ألفين من المسلمين، وخرج الروم إلى الثغور الخزرية [1] فاستباحوها وبلغ ذلك علي ابن يحيى الأرمني وقد كان صرف عن الثغور الشامية وعقد له على أرمينية وأذربيجان. فلما سمع بخبرهم نفر إليهم وقاتلهم فانهزم وقتل في أربعمائة من المسلمين، وفي سنة ثلاث وخمسين أيام المعتز غزا محمد بن معاذ من ناحية ملطية فانهزم وأسر (الولاة) لما ولي المنتصر استوزر أحمد بن الخصيب وولى على المظالم أبا عمر أحمد بن سعيد مولى بني هاشم. ثم ولي المستعين ومات طاهر بن عبد الله بخراسان فولى المستعين مكانه ابنه محمدا وولى محمد بن عبد الله على العراق وجعل إليه الحرمين والشرطة ومعاون السواد، واستخلف أخاه سليمان بن عبد الله على طبرستان. وتوفي بغا الكبير فولى ابنه موسى على أعماله وضاف إليه ديوان البريد، وشغب أهل حمص على عاملهم وأخرجوه، فبعث عليهم المستعين الفضل بن قارن أخا مازيار فقتل منهم خلقا وحمل مائة من أعيانهم إلى سامرا. واستوزر المستعين أتامش بعد أن عزل أحمد بن الخصيب، واستصفى بقي إلى أقريطش، وعقد لأتامش على مصر والمغرب، ولبغا الشرابي على حلوان وماسبذان ومهرجا بعده [2] . ثم قتل أتامش فاستوزر المستعين مكانه أبا صالح عبد الله بن محمد بن داود وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج وولاه عيسى بن فرخان شاه، وولى وصيفا على الأهواز وبغا الصغير على فلسطين، ثم غضب بغا على أبي صالح ففر إلى بغداد واستوزر المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجاني، وولى ديوان الرسائل سعيد بن حميد وعزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء ونفاه إلى البصرة، وولى جعفر بن محمد بن عمار البرجمي، وفي خمسين عقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف بساسان على مكة ووثب أهل حمص على عاملهم الفضل بن قارن فقتلوه فسرح إليهم المستعين موسى بن بغا وحاربوه فهزمهم، وافتتحت حمص وأثخن فيهم وأحرقها، وفيها وثب الشاكرية والجند بفارس بعبد الله بن إسحاق فانتهبوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن وهرب عبد الله بن إسحاق وفيها كان ظهور العلوية بنواحي طبرستان. وفي سنة إحدى

وخمسين عقد المعتز لبغا ووصيف على أعمالها، ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير، وعقد محمد بن طاهر لأبي الساج وقدم بين يديه عبد الرحمن كما قلنا، وأظهر أنه إنما جاء لحرب الأعراب وتلطف لأبي أحمد حتى خالطه وقيده وبعث به إلى بغداد في سنة اثنتين وخمسين. وولى المعتز الحسين بن أبي الشوارب على القضاء وبعث محمد ابن عبد الله بن طاهر أبا الساج على طريق مكة، وعقد المعتز لعيسى الشيخ بن السليل الشيباني من ولد جساس بن مرة على الرملة فاستولى على فلسطين وعلى دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يحمل من الشام. وكان إبراهيم بن المدبر على مصر فبعث إلى بغداد من المال بسبعمائة ألف دينار فاعترضها عيسى وأخذها، وطولب بالمال فقال:

الفتنة على الجند! فولاه المعتمد على أرمينية يقيم بها دعواه. وبعث المعتمد إلى الشام ما جور على دمشق وأعمالها، وبلغ الخبر إلى عيسى فبعث ابنه منصورا في عشرين ألف مقاتل، فانهزم وقتل وسار عيسى إلى أرمينية على طريق الساحل. وفيها عقد وصيف لعبد العزيز بن أبي دلف العجلي على أعمال الجبل. وفي سنة ثلاث وخمسين عقد لموسى بن بغا على الجبل، فسار وفي مقدمته مفلح مولى بني الساج، وقاتله عبد العزيز بن أبي دلف فانهزم ولجأ إلى قلعة لهادر [1] وملك مفلح الكرخ، وأخذ أهله وعياله، وفيها مات ابن عبد الله بن طاهر ببغداد وولى أخوه عبيد الله بعهده. ثم بعث المعتز عن أخيه سليمان بطبرستان فولاه مكانه، وكان على الموصل سليمان بن عمران الأزدي، وكانت بينه وبين الأزد حروب بنواحي الموصل. وفيها مات مزاحم بن خاقان بمصر. وفيها ملك يعقوب الصفار سجستان وفارس وهراة، وكان ابتداء دولته، وولى بابكيال أحمد بن طولون على بر مصر من قبله فكان ابتداء دولته. ثم أقطعها المعتمد سنة سبع وخمسين ليارجوج [2] فولى عليها أحمد بن طولون من قبله وفي سنة خمس وخمسين أيام المهتدي استولى مساور الخارجي على الموصل وفيها ظهر صاحب الزنج وكان ابتداء فتنته.

** أخبار صاحب الزنج وابتداء فتنته **

كان أكثر دعاة العلوية الخارجين بالعراق أيام المعتصم وما بعده أكثرهم من

الزيدية، وكان من أئمتهم علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد الشهير وكان نازلا بالبصرة، ولما وقع البحث عليه من الخلفاء ظفروا بابن عمه علي بن محمد بن الحسين، فقتل بغدك ولأيام من قتله خرج رجل بالري يدعي أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى المطلوب وذلك سنة خمس وخمسين ومائتين أيام المهتدي. ولما ملك البصرة لقي عليا هذا حيا معروف النسب، فرجع عن ذلك وانتسب إلى يحيى قتيل الجوزجان أخي عيسى المذكور. ونسبه المسعودي إلى طاهر بن الحسين وأظنه الحسين ابن طاهر بن يحيى المحدث بن الحسين بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي، لأن ابن حزم قال في الحسين السبط أنه لا عقب له إلا من علي بن الحسين، وقال فيه علي بن محمد بن جعفر بن الحسين بن طاهر. وقال الطبري وابن حزم وغيرهم من المحققين أنه من عبد القيس، واسمه علي بن عبد الرحيم من قرية من قرى الري، ورأى كثرة خروج الزيدية فحدثته نفسه بالتوثب فانتحل هذا النسب، ويشهد لذلك أنه كان على رأي الأزارقة من الخوارج، ولا يكون ذلك من أهل البيت.

وسياقة خبره أنه كان اتصل بجماعة من حاشية المنتصر ومدحهم. ثم شخص من سامرا إلى البحرين سنة تسع وأربعين ادعى أنه من ولد العباس بن أبي طالب من ولد الحسن بن عبد الله بن العباس، ودعا الناس إلى طاعته فاتبعه كثير من أهل حجر وغيرها، وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه وعظمت فتنته، فتحول عنهم إلى الأحساء ونزل على بني الشماس من سعد بن تميم، وصحبه جماعة من البحرين منهم يحيى بن محمد الأزرق وسليمان بن جامع، فكانا قائدين له، وقاتل أهل البحرين فانهزم وافترقت العرب عنه واتبعه علي بن أبان وسار إلى البصرة ونزل في بني ضبيعة وعاملها يومئذ محمد بن رجاء، والفتنة فيها بين البلالية والسعدية، وطلبه ابن رجاء فهرب وحبس ابنه وزوجته وجماعة من أصحابه، فسار إلى بغداد وأقام بها حولا وانتسب إلى محمد بن أبي أحمد بن عيسى كما قلناه، واستمال بها جماعة منهم جعفر ابن محمد الصوحاني من ولد زيد بن ضوحان ومسروق ورفيق غلامان ليحيى بن عبد الرحمن وسمى مسروقا حمزة وكناه أبا أحمد، وسمى رفيقا جعفرا وكناه أبا الفضل.

ثم وثب رؤساء البلالية والسعدية بالبصرة وأخرجوا العامل محمد بن رجاء، فبلغه ذلك وهو ببغداد، وأن أهله خلعوه فرجع إلى البصرة في رمضان سنة خمس وخمسين ويحيى بن محمد وسليمان بن جامع ومسروق ورفيق، فنزل بقصر القرش

ودعا الغلمان من الزنوج ووعدهم بالعتق فاجتمع له منهم خلق وخطبهم ووعدهم بالملك ورغبهم في الإحسان وحلف لهم وكتب لهم في خرقة إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم الآية. واتخذها راية وجاءه موالي الزنوج في عبيدهم فأمر كل عبد أن يضرب مولاه وحبسهم ثم أطلقهم، ولم يزل هذا رأيه والزنوج في متابعته والدخول في أمره وهو يخطبهم في كل وقت ويرغبهم. ثم عبر دجيلا إلى نهر ميمون، فأخرج عند الحميري وملكه وسار إلى الأيلة وبها ابن أبي عون فخرج إليه في أربعة آلاف فهزمهم ونال منهم. ثم سار إلى القادسية فنهبها وكثر سلاحهم، وخرج جماعة من أهل البصرة لقتاله، فبعث إليهم يحيى بن محمد في خمسمائة رجل فهزمهم وأخذ سلاحهم. ثم طائفة أخرى كذلك وأخرى، وخرج قائدان من البصرة فهزمهما وقتل منهما، وكانت معهما سفن ألقتها الريح إلى الشط فغنموا ما فيها وقتلوا وكثر عيثه وفساده. وجاء أبو هلال من قواد الأتراك في أربعة آلاف مقاتل فلقيه على نهر الريان فهزمه الزنج واستلحموا أكثر أصحابه، ثم خرج أبو منصور أحد موالي الهاشميين في عسكر عظيم من المطوعة والبلالية والسعدية فسرح للقائهم علي بن أبان فلقي طائفة منهم فهزمهم، ثم أرسل طائفة أخرى إلى مرفأ السفن وفيه نحو من ألفي سفينة فهرب عنها أهلها ونهبوها، ثم جاءت عساكر أبي منصور وقعد الزنوج لهم بين النخل وعليهم علي بن أبان، ومحمد بن مسلم، فهزموا العسكر وقتلوا منهم وأخذوا سلاحهم. ثم سار فنهب القرى حتى امتلأت أيديهم بالنهب. ثم سار يريد البصرة ولقيته عساكرها فهزمهم الزنج وأثخنوا فيهم. ثم سار من الغد نحو البصرة وخرج إليه أهلها واحتشدوا وزحفوا إليه برا وبحرا فلقيهم بالسد وانهزموا هزيمة شنعاء كثر فيها القتل. ووهن أهل البصرة وكتبوا إلى الخليفة فبعث إليهم جعلان التركي مددا وولى على الأبلة أبا الأحوص الباهلي وأمه بجند من الأتراك، وقد بث صاحب الزنج أصحابه يمينا وشمالا للغارة والنهب. ولما وصل جعلان إلى البصرة، نزل على فرسخ منهم وخندق عليه، وأقام ستة أشهر يسرح لحربهم الزيني مع بني هاشم ومرجف. ثم بيته الزنج فقتلوا جماعة من أصحابه، وتحول عن مكانه ثم انصرف عن حربهم وظفر صاحب الزنج بعده من المراكب غنم فيها أموالا عظيمة، وقتل أهلها وألح بالغارات على الأبلة إلى أن دخلها عنوة آخر رجب سنة ست وخمسين، وقتل عاملها أبا الأخوص عبيد الله ابن حميد الطوسي وخلقا من أهلها واستباحها وأحرقها وبلغ ذلك أهل عبادان

فاستأمنوا له وملكها، واستولى على ما فيها من الأموال والعبيد والسلاح إلى الأهواز وبها إبراهيم بن المدبر على الخراج، فهرب أهلها ودخلها الزنج ونهبوا وأسروا ابن المدبر فخاف أهل البصرة وافترق كثير منهم من البلدان. وبعث المعتمد سعيد بن صالح الحاجب لحربهم سنة سبع وخمسين فهزمهم وأخذ ما معهم وأثخن فيهم وكان ابن المدبر أسيرا عندهم في بيت يحيى بن محمد البحراني وقد ضمن لهم مالا كثيرا ووكل به رجلين فداخلهم حتى حفر سربا من البيت وخرج منه ولحق بأهله.

** خلع المهتدي وقتله وبيعة المعتمد **

وفي أول رجب من سنة ست وخمسين شعف الأتراك من الترك والدور بطلب أرزاقهم وبعث المهتدي أخاه أبا القاسم ومعه كفقا [1] وغيره فسكنوهم وعادوا وبلغ محمد بن بغا أن المهتدي قال للأتراك أن الأموال عند محمد وموسى ابني بغا، فهرب إلى أخيه بالسند وهو في مقاتلة موسى الشاربي فأمنه المهتدي ورجع ومعه أخوه حنون وكيغلغ فكتب له المهتدي بالأمان ورجع إلى أصحابه وحبسه وصادره على خمسة عشر ألف دينار، ثم قتله وبعث بابكيال بكتابه إلى موسى بن بغا بأن يتسلم العسكر وأوصاه بمحاربة الشاربي [2] وقتل موسى بن بغا ومفلح، فقرأ الكتاب على موسى وتواطئوا على أن يرجع بابكيال فيتدبر على قتل المهتدي، فرجع ومعه يارجوج واساتكين [3] وسيما الطويل، ودخلوا دار الخلافة منتصف رجب فحبس بابكيال من بينهم واجتمع أصحابه ومعهم الأتراك وشغبوا. وكان عند المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور فأشار بقتله ومناجزتهم، فركب في المغاربة والأتراك والفراغنة على التعبية. ومشى والبلخي [4] في الميمنة ويارجوج في الميسرة ووقف هو في القلب ومعه أساتكين وغيره من القواد وبعث برأس بابكيال إليهم مع عتاب بن عتاب، ولحق الأتراك من صفه بإخوانهم الأتراك وانقض الباقون على المهتدي وولى منهزما ينادي بالناس ولا يجيبه أحد وسار إلى السجن فأطلق المحبوسين ودخل دار أحمد بن جميل صاحب الشرطة، وافتتحوا عليه وحملوه على بغل إلى الجوسق، وحبس عند أحمد

ابن خاقان، وأرادوه على الخلع فأبى واستمات فأخرجوا رقعة بخطه لموسى بن بغا وبابكيال وجماعة القواد أنه لا يغدر بهم ولا يقاتلهم ولا يهم بذلك، ومتى فعل شيئا من ذلك فقد جعل أمر الخلافة بأيديهم يولون من شاءوا فاستحلوا بذلك أمره وقتلوه.

وقيل في سبب خلعه غير هذا وهو أن أهل الكرخ والدور من الأتراك طلبوا الدخول على المهتدي ليكلموه فأذن لهم وخرج محمد بن بغا إلى المحمدية ودخلوا في أربعة آلاف، فطلبوا أن يعزل عنهم قواده ويصادرهم وكتابهم على الأهواز، ويصير الأمر إلى إخوته فوعدهم بالإجابة وأصبحوا من الغد يطلبون الوفاء بما وعدهم به، فاعتذر لهم بالعجز عن ذلك إلا بسياسة ورفق فأبوا إلا المعاجلة، فاستخلفهم على القيام معه في ذلك بإيمان البيعة فحلفوا، ثم كتبوا إلى محمد بن بغا عن المهتدي وعنهم يعذلونه في غيبته عن مجلسهم مع المهتدي، وأنهم إنما جاءوا بشكوى حالهم ووجدوا الدار خالية فأقاموا ورجع محمد بن بغا فحبسوه في الأموال وكتبوا إلى موسى بن بغا ومفلح بالقدوم وتسليم العسكر إلى من ذكروه لهم، وبعثوا من يقيدهما إن لم يأتمرا ذلك. ولما قرئت الكتب على موسى وأصحابه امتنعوا لذلك وساروا نحو سامرا، وخرج المهتدي لقتالهم على التعبية وترددت الرسل بينهم بطلب موسى أن يولى على ناحية ينصرف إليها، ويطلب أصحاب المهتدي أن يحضر عندهم فيناظرهم على الأموال إلى أن انفض عنهم أصحابه وسار هو ومفلح على طريق خراسان، ورجع بابكيال وجماعة من القواد إلى المهتدي فقتل بابكيال ثم أنف الأتراك من مساواة الفراغنة والمغاربة لهم وأرادوا طردهم فأبى المهتدي ذلك، فخرج الأتراك عن الدار بأجمعهم طالبين ثأر بابكيال فركب المهتدي على التعبية في ستة آلاف من الفراغنة والمغاربة ونحو ألف من الأتراك أصحاب صالح بن وصيف، واجتمع الأتراك للحرب في عشرة آلاف فانهزم المهتدي وكان ما ذكرناه من شأنه. ثم أحضر أبو العباس أحمد بن المتوكل وكان محبوسا بالجوسق فبايعه الناس. وكتب الأتراك إلى موسى بن بغا وهو غائب فحضر وكملت البيعة لأحمد بن المتوكل ولقب المعتمد على الله، واستوزر عبيد الله بن خاقان فأصبح المهتدي ثانى يوم البيعة ميتا منتصف رجب من سنة ست وخمسين على رأس سنة من ولايته. ولم يزل ابن خاقان في وزارته إلى أن هلك سنة ثلاث وستين من سقطة بالميدان سال فيها دماغه من منخريه، فاستوزر محمد بن مخلد، ثم سخط عليه موسى بن بغا واختلفا فاستوزر مكانه سليمان بن وهب، ثم عزله وحبسه وولى

الحسن ابن مخلد وغضب الموفق لحبسه ابن وهب وعسكر بالجانب الغربي وترددت الرسل بينهما فاتفقا وأطلقه وذلك سنة أربع وستين.

** ظهور العلوية بمصر والكوفة **

وفي سنة ست وخمسين ظهر بمصر إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن الحنفية ويعرف بالصولي يدعو إلى الرضا من آل محمد وملك أشياء من بلاد الصعيد.

وجاءه عسكر أحمد بن طولون من مصر فهزمهم وقتل قائدهم، فجاء جيش آخر فانهزم أمامهم إلى أبو خات وجمع هنالك جموعا وسار إلى الأشمومين [1] فلقيه هنالك أبو عبد الرحمن العمري وهو عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر كان قد أخذ نفسه بحرب البجاة وغزوا بلادهم لما كان منهم في غزو بلاد المسلمين، فاشتد أمره في تلك الناحية وكثر اتباعه، وبعث إليه ابن طولون عسكرا فقال لقائده أنا ألبث هناك لدفع الأذى عن بلاد المسلمين، فشاور أحمد بن طولون فأبى القائد إلا من أجزته [2] فهزمه العمري. ولما سمع ابن طولون خبره أنكر عليهم أن لا يكونوا بذكره، فبقي على حاله من الغارة على البجاة حتى أدوا الجزية. فلما جاء الصولي من الأشمونين لقيه العمري فهزمه، وعاد العمري إلى أسوان واشتد عيثه، فبعث إليه ابن طولون العساكر فهرب إلى عيذاب وأجاز البحر إلى مكة وافترق أصحابه، وقبض عليه والي مكة وبعث به إلى ابن طولون فحبسه مدة ثم أطلقه، فرجع إلى المدينة ومات بها.

وفي هذه السنة ظهر علي بن زيد، وجاءه الشاه بن ميكال من قبل المعتمد في جيش كثيف فهزمه وأثخن في أصحابه. فسرح المعتمد إلى حربه كيجور التركي فخرج علي عن الكوفة إلى القادسية وملك كيجور الكوفة أول شوال، وأقام علي بن زيد ببلاد بني أسد. ثم غزا كيجور آخر ذي الحجة فأوقع به وقتل وأسر من أصحابه ورجع إلى الكوفة، ثم إلى سر من رأى، وبقي علي هنالك إلى أن بعث المعتمد سنة تسع [3]

عسكرا فقتلوه بعكبر وانقطع أمره وقيل سار إلى صاحب الزنج فقتله سنه ستين وفي هذه السنة غلب الحسين بن زيد الطالبي على الري وسار موسى بن بغا إليه.

** بقية أخبار الزنج **

قد تقدم لنا أن المعتمد بعث سعيد بن صالح الحاجب لحربهم فأوقع بهم، ثم عاودوه فأوقعوا به وقتلوا من أصحابه وأحرقوا عسكره، ورجع إلى سامرا فعقد المعتمد على حربهم لجعفر بن منصور الخياط فقطع عنهم ميرة السفن. ثم سار إليهم في البحر فهزموه إلى البحرين، ثم بعث الخبيث علي بن أبان من قواده إلى اربل [1] لقطع قنطرتها، فلقي إبراهيم بن سيما منصرفا من فارس، فأوقع بهم إبراهيم وخرج علي بن أبان وسار إبراهيم إلى نهر جي وأمر كاتبه شاهين بن بسطام باتباعه وجاء الخبر إلى علي ابن أبان بإقبال شاهين فسار ولقيه وهزمه أشد من الأول، وانصرف إلى جي. وكان منصور بن جعفر الخياط منذ انهزم في البحر، لم يعد لقتال الزنج واقتصر على حفر الخنادق وإصلاح السفن، فزحف علي بن أبان لحصاره بالبصرة، وضيق على أهل البلد وأشرف على دخولها، وبعث لاحتشاد العرب، فوافاه منهم خلق فدفعهم لقتال أهل البصرة وفرقهم على نواحيها فقاتلهم كذلك يومين، ثم افتتحها علي بن أبان منتصف شوال وأفحش في القتل والتخريب، ورجع ثم عاودهم ثانية وثالثة حتى طلبوا الأمان فأمنهم وأحضرهم في بعض دور الامارة فقتلهم أجمعين، وحرق علي ابن أبان الجامع ومواضع من البصرة واتسع الحريق من الجبل إلى الجبل وعم النهب وأقام كذلك أياما، ثم نادى بالأمان فلم يظهر أحد وانتهى الخبر إلى الخبيث فصرف علي بن أبان وولى عليها يحيى بن محمد البحراني.

** مسير المولد لحربهم **

لما دخل الزنج البصرة وخربوها، أمر المعتمد محمدا المعروف بالمولد بالمسير إلى البصرة، وسار إلى الأبلة، ثم نزل البصرة واجتمع إليه أهلها، وأخرج الزنج عنها إلى نهر معقل، ثم بعث الخبيث قائده يحيى بن محمد لحرب المولد فقاتله عشرة أيام

ووطن المولد نفسه على المقام، وبعث الخبيث إلى يحيى بن محمد أبا الليث الأصبهاني مددا وأمرهم بتبييت المولد، فبيتوه وقاتلوه تلك الليلة والغد إلى المساء، ثم هزموه وغنم الزنج عسكره واتبعه البحراني إلى الجامدة وأوقع بأهلها، ونهب تلك القرى أجمع وعاث فيها ورجع إلى نهر معقل.

** مقتل منصور الخياط **

كان الزنج لما فرغوا من البصرة سار علي بن أبان إلى جي وعلى الأهواز يومئذ منصور ابن جعفر الخياط قد ولاه عليها المعتمد بعد مواقعته الزنج بالبحرين، فسار إلى الأهواز ونزل جي وسار علي بن أبان قائد الزنج لحربه. وجاء أبو الليث الأصبهاني في البحر مددا له وتقدم إلى منصور من غير أمر علي فظفر منصور وقتل الكثير ممن معه وأفلت منهزما إلى الخبيث. ثم تواقع علي بن أبان مع منصور فهزمه واتبعه الزنج فحمل عليهم وألقى نفسه في النهر ليعبر إليهم فغرق، وقيل تقدم إليه بعض الزنج لما رآه فقتله في الماء. ثم قتل أخوه خلف وغيره من العسكر وولى يارجوج على عمل منصور اصطيخور [1] من قواد الأتراك.

** مسير الموفق لحرب الزنج **

كان أبو أحمد الموفق وهو أخو المعتمد بمكة، وكان المعتمد قد استقدمه عند ما اشتد أمر الزنج وعقد له على الكوفة والحرمين وطريق مكة واليمن، ثم عقد له على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز، وأمره أن يعقد ليارجوج على البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين مكان سعيد بن صالح. ولما انهزم سعيد بن سعيد بن صالح عقد يارجوج لمنصور بن جعفر مكانه على البصرة وكور دجلة والأهواز ثم قتله كما قلناه فعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الموفق على مصر وقنسرين والعواصم وخلع على مفلح، وذلك في ربيع سنة ثمان وخمسين وسيرهما لحرب الزنج فساروا في عدة كاملة. وخرج المعتمد يشيع أخاه وكان علي بن أبان بجي ويحيى بن محمد البحراني بنهر العباس والخبيث في قلة من الناس، وأصحابه مترددون إلى البصرة لنقل ما نهبوه. فلما نزل الموفق نهر معقل أجفل الزنج إلى صاحبهم مرتاعين، فأمر علي بن أبان بالمسير إليهم ولقي مفلحا في مقدمة الموفق فاقتتلوا وبينما هم يقتتلون إذ أصاب مفلحا

سهم غرب فقتل، وانهزم أصحابه وأسر الكثير منهم. ثم رحل الموفق نحو الأبلة ليجمع العساكر ونزل نهر أبي الأسد ووقع الموتان في عسكره، فرجع إلى بادرود، وأقام لتجهيز الآلة وإزاحة العلل وإصلاح السفن، ثم عاد إلى عسكر الخبيث فالتقوا واشتد الحرب بينهم على نهر أبي الخصيب وقتل جماعة من الزنج، واستنقذ كثير من النساء المسبيات ورجع إلى عسكره ببادرود فوقع الحريق في عسكره، ورحل إلى واسط وافترق أصحابه فرجع إلى سامرا واستخلف على واسط.

** مقتل البحراني قائد الزنج **

كان اصطيخور لما ولي الأهواز بعد منصور الخياط بلغه مسير يحيى بن محمد قائد الزنج إلى نهر العباس عند مسير الموفق إليهم، فخرج إليه اصطيخور فقاتله وعبر يحيى النهر وغنم سفن الميرة التي كانت عند اصطيخور، وبعث طلائعه إلى دجلة فلقوا جيش الموفق فرجعوا هاربين، وطلائع الموفق في اتباعهم وعبروا النهر منهزمين. وبقي يحيى فقاتل وانهزم ودخل في بعض السفن جريحا وغنم [1] طلائع الموفق غنائمهم والسفن وأحرقوا بعضها وعبروا الماخورة على يحيى فأنزلوه من سفنهم خشية على أنفسهم، فسعى به طبيب كان يداوي جراحة وقبض عليه وحمل إلى سامرا وقطع ثم قتل. ثم أنفذ الخبيث علي بن أبان وسليمان بن موسى الشعراني من قواده إلى الأهواز، وضم إليهما الجيش الذي كان مع يحيى ومحمد البحراني وذلك سنة تسع وخمسين فلقيهما اصطيخور بدستميسان [2] وانهزم أمامهما وغرق، وهلك من أصحابه خلق وأسر الحسن بن هزيمة والحسن بن جعفر وغيرهما وحبسوا ودخل الزنج الأهواز فأقاموا يفسدون في نواحيها ويغنمون إلى أن قدم موسى بن بغا.

** مسير ابن بغا لحرب الزنج **

ولما ملك الزنج الأهواز سنة تسع وخمسين سرح المعتمد لحربهم موسى بن بغا وعقد له على الأعمال، فبعث إلى الأهواز عبد الرحمن بن مفلح وإلى البصرة إسحاق بن كنداجق وإلى بادرود [3] إبراهيم بن سيما وأمرهم بمحاربة الزنج. فسار عبد الرحمن إلى

علي بن أبان فهزمه أولا ثم كانت لعبد الرحمن الكرة ثانيا فأثخن فيهم، ورجعوا إلى الخبيث وجاء عبد الرحمن إلى حصن نهدي [1] فعسكر به وزحف إليه علي بن أبان فامتنع عليه، فسار إلى إبراهيم بن سيما ببادرود فواقعه فانهزم أولا إبراهيم، ثم كانت له الكرة ثانيا. وسار ابن أبان في الغياض فاضرموها عليهم نارا ففروا هاربين وأسر منهم جماعة وسار عبد الرحمن إلى علي بن أبان وجاءه المدد من الخبيث في البحر، فبينما عبد الرحمن في حربه إذ بعث علي جماعة من خلفه وشعر بهم، فرجع القهقرى ولم يصب منهم شيء إلا بعض السفن البحرية. ثم راجع حرب علي بن أبان وفي مقدمته طاشتمر فأوقعوا بعلي بن أبان ولحق بالخبيث صاحب الزنج، وأقام عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم يتناوبان حرب الخبيث ويوقعان به، وإسحاق بن كنداجق بالبصرة يقطع عنه المدد، وهو يبعث لكل منهما طائفة يقاتلونهم، وأقاموا على ذلك سبعة عشر شهرا إلى أن صرف موسى بن بغا عن حربهم ووليها مسرور البلخي كما نذكر.

** استيلاء الصفار على فارس وطبرستان **

قد تقدم استيلاء يعقوب بن الليث الصفار على فارس أيام المعتز من يد علي بن الحسين بن مقبل. ثم عادت فارس إلى الخلفاء، ووليها الحرث بن سيما، وكان بها من رجال العراق محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي فاتفق مع أحمد بن الليث من الأكراد الذين بنواحيها ووثبوا بالحرث بن سيما فقتلوه، واستولى ابن واصل على فارس سنة ست وخمسين، وقام بدعوة المعتمد وبعث عليها المعتمد الحسن بن الفياض، فسار إليه يعقوب بن الليث سنة سبع وخمسين، وبلغ ذلك المعتمد فكتب إليه بالنكير، وبعث إليه الموفق بولاية بلخ وطخارستان فملكهما وقبض على رتبيل، وبعث إلى المعتمد برسله وهداياه. ثم رجع إلى بست، واعتزم على العود إلى سجستان فعجل بعض قواده الرحيل قبله، فغضب وأقام سنة ثم رجع إلى سجستان.

** استيلاء الصفار على خراسان وانقراض أمر بنى طاهر منها ثم استيلاؤه على طبرستان **

ثم جاء إلى هراة وحاصر مدينة نيسابور حتى ملكها ثم سار إلى بوشنج وقبض على الحسين بن علي بن طاهر بن الحسين، وبعث إليه محمد بن طاهر بن عبد الله شافعا فيه فأبى من إطلاقه، ثم ولى على هراة وبوشنج وباذغيس ورجع إلى سجستان وكان بها عبد الله السخري [1] ينازعه. فلما قوي عليه يعقوب فر منه إلى خراسان وحاصر محمد بن طاهر في نيسابور، ورجع إليه الفقهاء فأصلحوا بينه وبين محمد، وولاه الطبسين وقهستان، وأرسل يعقوب في طلبه فأجاره محمد فسار يعقوب إليه بنيسابور فلم يطق لقاءه، ونزل يعقوب بظاهرها، فبعث محمد بعمومته وأهل بيته فتلقوه. ثم خرج إليه فوبخه على التفريط في عمله وقبض عليه وعلى أهل بيته، ودخل نيسابور واستعمل عليها، وأرسل إلى الخليفة بأن أهل خراسان استدعوه لتفريط ابن طاهر في أمره، وغلبه العلوي على طبرستان فبعث إليه المعتمد بالنكير والاقتصار على ما بيده وإلا سلك به سبيل المخالفين وذلك سنة تسع وخمسين. وقيل في ملكه نيسابور غير ذلك وهو أن محمد بن طاهر أصاب دولته العجز والإدبار، فكاتب بعض قرابته يعقوب بن الصفار واستدعوه، فكتب يعقوب إلى محمد بن طاهر بمجيئه إلى ناحية موريا بقصد الحسن ابن زيد في طبرستان، وأن المعتمد أمره بذلك، وأنه لا يعرض شيئا من أعمال خراسان. وبعث بعض قواده عينا عليه يمنعه من البراح عن نيسابور، وجاء بعده وقدم أخاه عمرا إلى محمد بن طاهر فقبض عليه وعنفه على الأعمال والعجز، وقبض على جميع أهل بيته نحو من مائة وستين رجلا، وحملهم جميعا إلى سجستان واستولى على خراسان، ووثب نوابه في سائر أعمالها وذلك لإحدى عشرة سنة وشهرين من ولاية محمد. ولما قبض يعقوب على ابن طاهر واستولى على خراسان هرب منازعة عبد الله السخري إلى الحسن بن زيد صاحب طبرستان فبعث إليه فيه فأجاره، وسار إلى يعقوب سنة ستين وحاربه فانهزم الحسن إلى أرض الديلم، وملك يعقوب سارية وآمل ومضى في اثر الحسين من عسكره نحو من أربعين ألفا من الرجل والظهر ونجا بعد مشقة شديدة، وكتب إلى المعتمد بذلك وكان عبد الله السخري قد هرب بعد هزيمة الحسن

العلوي إلى الري، فسار يعقوب في طلبه، وكتب إلى عامل الري يؤذنه بالحرب إن لم يدفعه إليه، فبعث به إليه وقتله ورجع إلى سجستان.

** استيلاء الحسن بن زيد على جرجان **

ولما هرب الحسن بن زيد أمام مفلح من طبرستان، ورجع مفلح اعتزم الحسن على الرجوع إلى جرجان، فبعث محمد بن طاهر إليها العساكر لحفظها فلم يغنوا عنها، وجاء الحسن فملكها وضعف أمر ابن طاهر في خراسان، وانتقض عليه كثير من أعمالها وظهر المتغلبون في نواحيها وعاث السراة من الخوارج في أعمالها ولم يقدر على دفعهم، وآل ذلك إلى تغلب الصفار على ابن طاهر وانتزاع خراسان من يده كما ذكرنا [1] .

** فتنة الموصل **

كان المعتمد قد ولى على الموصل أساتكين من قواد الأتراك فبعث عليها هو ابنه اذكرتكين [2] وسار إليها في جمادى سنة تسع وخمسين، فأساء السيرة وأظهر المنكر وعسف بالناس في طلب الخوارج، وتعرض بعض الأيام رجل من حاشيته إلى امرأة في الطريق وتخلصها من يده بعض الصالحين، فأحضره أذكوتكين وضربه ضربا شديدا، فاجتمع وجوه البلد وتآمروا في رفع أمرهم إلى المعتمد، فركب إليهم ليوقع بهم فقاتلوه وأخرجوه واجتمعوا على يحيى بن سليمان، وولوه أمرهم، ولما كانت سنة إحدى وستين ولى أستاكين عليها الهيثم بن عبد الله بن العمد الثعلبي العدوي [3] وأمره أن يزحف لحربهم ففعل، وقاتلوه أياما وكثرت القتلى بينهم، ورجع عنهم الهيثم وولى أستاكين مكانه إسحاق بن أيوب الثعلبي [4] جد بني حمدان وغيره،

وحاصرها مدة ومرض يحيى بن سليمان الأمير وفي أثنائها، فطمع إسحاق في البلد وجد في الحصار، واقتحمها من بعض الجهات فأخرجوه، وحملوا يحيى بن سليمان في قبة وألقوه أمام الصف، واشتد القتال ولم يزل إسحاق يراسلهم ويعدهم حسن السيرة إلى أن أجابوه على أن يقيم بالربض فأقام أسبوعا، ثم حدثت ممن بايعه بعض الفعلات فوثبوا به وأخرجوه، واستقر يحيى بن سليمان بالموصل.

** حروب ابن واصل بفارس **

قد تقدم لنا وثوب محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي بالحرث بن سيما عامل فارس وتغلبه عليها سنة ست وخمسين، فلما بلغ ذلك إلى المعتمد أضاف فارس إلى عبد الرحمن بن مفلح وبعثه إلى الأهواز وأمده بطاشتمر، وزحفوا من الأهواز إلى ابن واصل سنة إحدى وستين، فسار معهم من فارس ومعه أبو داود العلوس [1] ولقيهم برام هرمز فهزمهم وقتل طاشتمر وأسر ابن مفلح وغنم عسكرهم. وبعث إليه المعتمد في إطلاق ابن مفلح فقتله خفية، وسار لحرب موسى بن بغا بواسط، وانتهى إلى الأهواز وبها إبراهيم بن سيما في جموع كثيرة. ولما رأى موسى بن بغا اضطراب هذه الناحية استعفى المعتمد من ولايتها فأعفاه، وكان عند انصراف ابن مفلح عن الأهواز إلى فارس قد ولى مكانه بالساج وأمره بمحاربة الزنج، فبعث صهره عبد الرحمن لذلك، فلقيه علي بن أبان قائد الزنج، فهزمه علي وقتله، وانحاز أبو الساج إلى عسكر مكرم، وملك الزنج الأهواز فعاثوا فيها. ثم عزل أبو الساج عن ذلك وولى مكانه إبراهيم بن سيما فلم يزل بها حتى انصرف موسى بن بغا عن الأعمال كلها، ولما هزم إبراهيم بن سيما بن واصل عبد الرحمن بن مفلح وقتله طمع يعقوب الصفار في ملك فارس، فسار من سجستان مجدا، ورجع ابن واصل من الأهواز وترك محاربة ابن سيما، وأرسل خاله أبا بلال مرداس إلى الصفار، وراجعه بالكتب والرسل بحبس ابن واصل رسله، ورحل بعد السير ليفجأه [2] على بغتة، وشعر به الصفار فقال لخاله مرداس: إن صاحبك قد غدر بنا! وسار إليهم وقد أعيوا وتعبوا من شدة السير ومات أكثرهم عطشا. فلما تراءى الجمعان انهزم ابن واصل دون قتال، وغنم الصفار ما في عسكره وما كان لابن مفلح، واستولى على بلاد فارس ورتب بها العمال وأوقع بأهل زم لأعانتهم ابن واصل، وطمع في الاستيلاء على الأهواز وغيرها.

** مبدأ دولة بني سامان وراء النهر **

كان جدهم أسد بن سامان من أهل خراسان وبيوتها وينتسبون في الفرس تارة وإلى سامة بن لؤي بن غالب أخرى، وكان لأسد أربعة من الولد: نوح وأحمد ويحيى وإلياس. وتقدموا عند المأمون أيام ولايته خراسان واستعملهم، ولما انصرف المأمون إلى العراق ولى على خراسان غسان بن عباد من قرابة الفضل بن سهل، فولى نوحا منهم على سمرقند وأحمد على فرغانة ويحيى على الشاش وأشروسنة وإلياس على هراة. فلما ولي طاهر بن الحسين بعده أقرهم على أعمالهم ثم مات نوح بن أسد فأقر إخوته يحيى وأحمد على عمله، وكان حسن السيرة ومات إلياس بهراة، فولى عبد الله ابن طاهر مكانه ابنه أبا إسحاق محمد بن إلياس، وكان لأحمد بن أسد من البنين سبعة: نصر ويعقوب ويحيى وإسماعيل وإسحاق وأسد وكنيته أبو الأشعث وحميد وكنيته أبو غانم. فلما توفي أحمد استخلف ابنه نصرا على أعماله بسمرقند وما إليها، وأقام إلى انقراض أيام بني طاهر وبعدهم، وكان يلي أعماله من قبل ولاة خراسان إلى حين انقراض أيام بني طاهر. واستولى الصفار على خراسان فعقد المعتمد لنصر هذا على أعماله من قبله سنة إحدى وستين، ولما ملك يعقوب الصفار خراسان كما قلنا بعث نصر جيوشه إلى شط جيحون مسلحة من الصفار، فقتلوا مقدمهم ورجعوا إلى بخارى، وخشيهم واليها على نفسه ففر عنها، فولوا عليهم ثم عزلوا ثم ولوا ثم عزلوا، فبعث نصر أخاه إسماعيل لضبط بخارى. ثم ولي خراسان بعد ذلك رافع بن هرثمة بدعوة بني طاهر، وغلب الصفار عليها، وحصلت بينه وبين إسماعيل صاحب بخارى موالاة اتفقا فيها على التعاون والتعاضد، وطلب منه إسماعيل أعمال خوارزم، فولاه إياها، وفسد ما بين إسماعيل وأخيه نصر، وزحف نصر إليه سنة اثنتين وسبعين، واستجاش إسماعيل برافع بن هرثمة فسار إليه بنفسه مددا، ووصل إلى بخارى، ثم أوقع الصلح بينه وبين أخيه خوفا على نفسه، وانصرف رافع ثم انتقض ما بينهما وتحاربا سنة خمس وسبعين، وظفر إسماعيل بنصر. ولما حضر عنده ترجل له إسماعيل وقبل يده ورده إلى كرسي إمارته بسمرقند، وأقام نائبا عنه ببخارى، وكان إسماعيل خيرا مكرما لأهل العلم والدين.

** مسير الموفق إلى البصرة لحرب الزنج وولاية العهد **

ولما استعفى موسى بن بغا من ولاية الناحية الشرقية عزم المعتمد على تجهيز أخيه أبي أحمد الموفق، فجلس في دار العامة وأحضر الناس على طبقاتهم، وذلك في شوال من سنة إحدى وستين وعقد لابنه جعفر العهد من بعده، ولقبه المفوض إلى الله، وضم إليه موسى بن بغا وولاه إفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان ونهر تصدق، وعقد لأخيه أبي أحمد العهد بعده ولقبه الناصر لدين الله الموفق، وولاه المشرق وبغداد وسواد الكوفة وطريق مكة واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس وأصبهان والكرخ والدينور والري وزنجان والسند. وعقد لكل واحد منهما لواءين أبيض وأسود، وشرط أنه إن مات وجعفر لم يبلغ بتقدم الموفق عليه، ويكون هو بعده وأخذت البيعة بذلك على الناس، وعقد جعفر لموسى بن بغا على أعمال العرب، واستوزر صاعد بن مخلد، ثم نكبه سنة اثنتين وسبعين، واستصفاه واستكتب مكانه الصفر إسماعيل بن بابل، وأمر المعتمد أخاه الموفق بالمسير لحرب الزنج، فبعثه في مقدمته واعتزم على المسير بعده.

** وقعة الصفار والموفق **

لما كان يعقوب الصفار ملك فارس من يد واصل وخراسان من يد ابن طاهر وقبض عليه صرح المعتمد بأنه لم يوله ولا فعل ما فعل باذنه، وبعث ذلك مع حاج خراسان وطبرستان. ثم سار إلى الأهواز يريد لقاء المعتمد، وذلك سنة اثنتين وسبعين فأرسل إليه المعتمد إسماعيل بن إسحاق وفهواج [1] من قواد الأتراك ليردوه على ذلك وبعث معهما من كان في حبسه من أصحابه الذين حبسوا عند ما قبض على محمد بن طاهر، وعاد إسماعيل من عند الصفار بعزمه على الموصل، فتأخر الموفق لذلك عن المسير لحرب الزنج. ووصل مع إسماعيل من عند الصفار حاجبه درهم يطلب ولاية طبرستان وخراسان وجرجان والري وفارس، والشرطة ببغداد، فولاه المعتمد ذلك كله مضافا إلى ما بيده من سجستان وكرمان، وأعاد حاجبه إليه بذلك ومعه عمر بن سيما فكتب يقول: لا بد من الحضور بباب المعتمد. وارتحل من عسكر مكرم حاما وسار إليه أبو

الساج من الأهواز لدخوله تحت ولايته، فأكرمه ووصله وسار إلى بغداد. ونهض المعتمد من بغداد فعسكر بالزعفرانية وأخاه مسرور البلخي، فقاتله منتصف رجب وانهزمت ميسرة الموفق، وقتل فيها إبراهيم بن سيما وغيره من القواد. ثم تراجعوا واشتدت الحرب وجاء إلى الموفق محمد بن أوس والداراني مددا من المعتمد، وفشل أصحاب الصفار لما رأوا مدد الخليفة فانهزموا، وخرج الصفار وأتبعهم أصحاب الموفق وغنموا من عسكره نحوا من عشرة آلاف من الظهر، ومن الأموال ما يؤد حمله. وكان محمد بن طاهر معتقلا معه في العسكر منذ قبض عليه بخراسان، فتخلص ذلك اليوم وجاء إلى الموفق وخلع عليه وولاه الشرطة ببغداد، وسار الصفار إلى خوزستان فنزل جنديسابور، وأرسله صاحب الزنج يحثه على الرجوع ويعده المساعدة، فكتب إليه: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون 109: 1- 2 (السورة) . وكان ابن واصل قد خالف الصفار إلى فارس وملكها، فكتب إليه المعتمد بولايتها، وبعث الصفار إليه جيشا مع عمر بن السري من قواده، فأخرجه عنها وولى على الأهواز محمد بن عبد الله بن طاهر. ثم رجع المعتمد إلى سامرا والموفق إلى واسط واعتزم الموفق على اتباع الصفار، فقعد به المرض عن ذلك، وعاد إلى بغداد ومعه مسرور البلخي سار بعد موسى وأقطعه ما لأبي الساج من الضياع والمنازل، وقدم معه محمد بن طاهر فقام بولاية الشرطة ببغداد.

** سياقة أخبار الزنج **

قد ذكر أن مسرورا البلخي سار بعد موسى بن بغا لحرب الزنج، ثم سار مسرور للقاء المعتمد وحضر الموفق حرب الصفار، وبلغ صاحب الزنج جاءوا تلك النواحي من العساكر، فبعث سراياه فيها للنهب والحرق والتخريب في بعث سليمان بن جامع إلى البطيحة، وسليمان بن موسى إلى القادسية. وجاء أبو التركي في السفن يريد عسكر الزنج، فأخذ عليه سليمان بن موسى وقاتله شهرا حتى تخلص وانحاز إلى سليمان بن جامع، وبعث إليهما الخبيث بالمدد، وكان مسرور قد بعث قبل مسيره من واسط جندا في البحر إلى سليمان فهزمهم وأوقع بهم وقتل أسراهم، ونزل بقرة مروان قريبا من يعقوب متحصنا بالغياض والأغوار. وزحف إليه قائدان من بغداد وهما أغرتمش وحشيش في العساكر برا وبحرا وأمر سليمان أصحابه بالاختفاء في تلك

الغياض حتى يسمعوا أصوات الطبول. وأقبل أغرتمش ونهض شرذمة من الزنج فواقعوا أصحابه وشاغلوهم، وسار سليمان من خلفهم وضرب طبوله وعبروا إليهم في الماء، فانهزم أصحاب أغرتمش وظهر ما كان مختفيا، وقتل حشيش، واتبعوهم إلى العسكر وغنموا منه، وأخذوا من القطع البحرية، ثم استردها أغرتمش من أيديهم، وعاد سليمان ظافرا وبعث برأس حشيش إلى الخبيث صاحبه، فبعث به إلى علي بن أبان في نواحي الأهواز. وكان مسرور البلخي قد بعث إلى كور الأهواز أحمد بن كيتونة، فنزل السوس وكان صاحب الأهواز من قبل الصفار يكاتب صاحب الزنج ويداريه، ويطلب له الولاية عنه، فشرط عليه أن يكون خليفة لابن أبان، واجتمعا بتستر. ولما رأى أحمد تظافرهما رجع إلى السوس، وكان علي بن أبان يروم خطبة محمد له بعمله، فلما اجتمعا بتستر خطب للمعتضد والصفار ولم يذكر الخبيث، فغضب علي وسار إلى الأهواز. وجاء أحمد بن كيتونة إلى تستر، فأوقع بمحمد بن عبد الله وتحصن منه بتستر. وأقبل علي بن أبان إليه فاقتتلا واشتد القتال بينهما، وانهزم علي بن أبان وقتل جماعة من أصحابه، ونجا بنفسه جريحا في الساريات بالنهر، وعاد إلى الأهواز. وسار منها إلى عسكر الخبيث، واستخلف على عسكره بالأهواز حتى داوى جراحة ورجع. ثم بعث أخاه الخليل إلى أحمد بن كيتونة بعسكر مكرم فقاتله، وقد أكمن لهم فانهزموا، وقتل من الزنج خلق ورجع المنهزمون إلى علي بن أبان، وبعث مسلحة إلى السرقان فاعترضهم جيش من أعيان فارس أصحاب أحمد بن كيتونة، وقتلهم الزنج جميعا فحظي عنده بذلك وبعث في أثر إبراهيم من قتله في سرخس. ولما أراد الصفار العود إلى سجستان ولى على نيسابور عزيز بن السري، وعلى هراة أخاه عمرو بن الليث، فاستخلف عمر وعليها طاهر بن حفص الباذغيسي وسار إلى سجستان سنة إحدى وستين، فجاء الخبيث إلى أخيه علي وزين له أن يقيم نائبا عنه في أموره بخراسان، وطلب ذلك من أخيه يعقوب فأذن له. ولما ارتحلوا جمع جمعا وحارب عليا فأخرجه من بلده. ثم غلب عزيز بن السري على نيسابور وملكها أول اثنتين وستين، وقام بدعوة بني طاهر. واستقدم رافع بن هرثمة من رجالاتهم فجعله صاحب جيشه، وكتب إلى يعمر بن سركب وهو يحاصر بلخ يستقدمه، فلم يثق إليه، وسار إلى هراة فملكها من يد طاهر بن حفص، وقتله وزحف إليه أحمد وكانت بينهما مواساة، ثم داخل بعض قواد أحمد الخجستاني في

الغدر بيعمر على أن يمكنه من أخيه أبي طلحة، فكلف ذلك القائد به فتم ذلك، وكبسهم أحمد وقبض على يعمر وبعثه إلى نائبة بنيسابور فقتله، وقتل أبا طلحة القائد الذي غدر بأخيه. وسار إلى نيسابور في جماعة، فلقي بها الحسين بن طاهر مردودا من أصبهان طمعا أن يدعو له أحمد الخجستاني كما كان يزعم حين أورد فلم يخطب، فخطب له أبو طلحة وأقام معه بنيسابور، فسار إليهما الخجستاني من هراة في اثني عشر ألفا، وقدم أخاه العباس فخرج إليه أبو طلحة وهزمه، فرجع أحمد إلى هراة ولم يقف على خبر أخيه، وانتدب رافع وهرثمة إلى استعلام خبره واستأمن إلى أبي طلحة فأمنه ووثق إليه، وبعث رافع إلى أحمد بخبر أخيه العباس، ثم أنفذه طاهر إلى بيهق لجباية مالها، وضم معه قائدين لذلك، فجبى المال وقبض على القائدين وانتقض. وسار إلى الخجستاني ونزل في طريقه بقرية وبها علي بن يحي الخارجي، فنزل ناحية عنه، وركب ابن طاهر في أتباعه فأدركه بتلك القرية، فأوقع بالخارجي يظنه رافعا ونجا رافع إلى الخجستاني. وبعث ابن طاهر إسحاق الشاربي إلى جرجان لمحاربة الحسن بن زيد والديلم منتصف ثلاث وستين فأثخن في الديلم ثم انتقض على ابن طاهر، فسار إليه وكبسه إسحاق في طريقه فانهزم إلى نيسابور، واستضعفه أهلها فأخرجوه، فأقام على فرسخ منها وجمع جمعا وحاربهم، ثم كتب على أهل نيسابور إلى إسحاق باستدعائه ومساعدته على ابن طاهر وأبي طلحة، وكتب إلى أهل نيسابور عن إسحاق بالمواعدة. وسار إسحاق أبو محمد في قلة من الجند، فاعترضه أبو طلحة وقتله وحاصر نيسابور، فاستقدموا الخجستاني من هراة وأدخلوه. وسار أبو طلحة إلى الحسن بن زيد مستنجدا فأنجده ولم يظفر، وعاد إلى بلخ وحاصرها سنة خمس وستين، وخرج للخجستاني من نيسابور به، وحاربه الحسن بن زيد لما عدته أبا طلحة. وجاء أهل جرجان مددا للحسن، فهزمهم الخجستاني وأغرمهم أربعة آلاف ألف درهم. ثم جاء عمرو بن الليث إلى هراة بعد وفاة أخيه يعقوب الصفار وعاد الخجستاني من جرجان إلى نيسابور، وسار إليه عمرو من هراة فاقتتلا وانهزم عمرو ورجع إلى هراة، وأقام أحمد بنيسابور. وكانت الفقهاء بنيسابور يميلون إلى عمرو لتولية السلطان إياه، فأوقع الخجستاني بينهم الفتنة ليشغلهم بها، ثم سار إلى هراة سنة سبع وستين وحاصر عمرو بن الليث فلم يظفر منه بشيء، فسار نحو سجستان وترك نائبة بنيسابور، فأساء السيرة وقوي أهل الفساد، فوثب به أهل نيسابور

واستعانوا بعمرو بن الليث وبعث إليهم جندا يقبض على نائب الخجستاني وأقاموا بها، ورجع من سجستان فأخرجهم وملكها، وأقام إلى تمام سبع وستين، وكاتب عمرو أبا طلحة وهو يحاصر بلخ فقدم عليه وأعطاه أموالا واستخلفه بخراسان، وسار إلى سجستان، وسار أحمد إلى سرخس ولقيه أبو طلحة فهزمه أحمد ولحق بسجستان، وأقام أحمد بطخارستان. ثم جاء أبو طلحة إلى نيسابور فقبض على أهل الخجستاني وعياله، وجاء أحمد من طخارستان إلى نيسابور وأقام بها. ثم تبين لابن طاهر أن الخجستاني إنما يروم لنفسه وليس على ما يدعيه من القيام بأمرهم وكان على خوارزم أحمد بن محمد بن طاهر فبعث قائده أبا العباس النوفلي إلى نيسابور في خمسة آلاف مقاتل، وخرج أحمد أمامهم وأقام قريبا منهم وأفحش النوفلي في القتل والضرب والتشويه، وبعث إليه الخجستاني فنهاه عن مثل ذلك فضرب الرسل، فلحق أهل نيسابور بالخجستاني واستدعوه وجاءوا به وقبض على النوفلي وقتله. ثم بلغه أن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله بن طاهر بمرو، فسار إليه من أسورد في يوم وليلة وقبض عليه وولى عليها موسى البلخي، ثم وافاها الحسين بن طاهر فأحسن فيهم السيرة ووصل إليه نحو عشرين ألف درهم، وكان الخجستاني لما بلغه أخذ والدته من نيسابور وهو بطخارستان سار مجدا، فلما بلغ هراة أتاه غلام لأبي طلحة مستأمنا فأمنه وقربه، فغص به وغلامه الخالصة عنده والجنود، وطلب الفرصة في قتل الخجستاني، وكان قد غور ساقية قطلغ، فاتفقا على قتله فقتلاه في شوال سنة ثمان وستين. وأنفذ دامجور خاتمه إلى الإسطبل مع جماعة فركبوا الدواب وساروا بالخبر إلى أبي طلحة ليستقدموه، وأبطأ ظهوره على القواد فدخلوا فوجدوه قتيلا، وأخبرهم صاحب الإسطبل بخبر الخاتم والدواب، وطلبوا دامجور فلم يجدوه، ثم عثروا عليه بعد أيام فقتلوه، واجتمعوا على رافع بن هرثمة وكان من خبره ما نذكره.

** استيلاء الصفار على الأهواز **

ثم سار يعقوب الصفار من فارس إلى الأهواز وأحمد بن كيتونة قائد مسرور البلخي على الأهواز مقيم على تستر فرحل عنها ونزل يعقوب جنديسابور، ففر كل من كان في تلك النواحي من عساكر السلطان، وبعث إلى الأهواز من أصحابه الخضر بن

المعير [1] ، فأفرج عنها علي بن أبان والزنج ونزلوا السدرة ودخل خضر الأهواز، وأقام أصحاب الخضر وابن أبان يغير بعضهم على بعض. ثم فر ابن أبان وسار إلى الأهواز فأوقع بالخضر وفتك في أصحابه وغنم، ولحق الخضر بعسكر مكرم، واستخرج ابن أبان ما كان بالأهواز ورجع إلى نهر السدرة. وبعث يعقوب إلى الخضر مددا وأمره بالكف عن قتال الزنج والمقام بالأهواز، فأبى ابن أبان من ذلك إلا أن ينقل طعاما ما كان هناك فنقله وتوادعوا.

** استيلاء الزنج على واسط **

قد تقدم لنا واقعة أغرتمش مع سليمان بن جامع، وظفر سليمان به فلما انقضى أمره سار سليمان إلى صاحب الخبيث ومر في طريقه بعسكر تكين البخاري وهو ببردود [2] ، فلما حاذاه قريبا أشار عليه الجناني [3] أن يغير على العسكر في البحر ويستطرد لهم لينتهزوا منهم الفرصة ففعل وجاء مستطردا وقد أكمنوا لهم الكمناء حتى أجازوا موضع الكمائن. وركب سليمان إليهم وعطف الجناني على من في النهر وخرجت الكمائن من خلفهم فأثخنوا فيهم إلى معسكرهم، ثم بيتوهم ليلا فنالوا منهم، وانكشف سليمان قليلا، ثم عبر أصحابه وأتاهم من وجوه عديدة برا وبحرا، فانهزم تكين وغنم الزنج عسكره. ثم استخلف سليمان على عسكره الجناني وسار إلى صاحب الخبيث سنة ثلاث وستين. ومضى الجناني بالعسكر لطلب الميرة فاعترضه جعلان من قواد السلطان وهزمه وأخذ سيفه [4] . ثم زحف منجور ومحمد بن علي بن حبيب من القواد وبلغ الحجاجية فرجع سليمان مجدا إلى طهثا يريد جعلان وفي مقدمته الجناني. ثم كر إلى ابن خبيث فهزمه وقتل أخاه وغنم ما معه. ثم سار في شعبان إلى قرية حسان فأوقع بالقائد هناك جيش ابن خمار تكين وهزمه ونهب القرية وأحرقها. ثم بعث العساكر في الجهات للنهب برا وبحرا، واعترض جعلان بعضهم فأوقع بهم، ثم سار سليمان إلى الرصافة فأوقع بالقائد بها واستباحها وغنم ما فيها ورجع إلى منزله بمدينة الخبيث، وجاء مطر إلى الحجاجية فعاث فيها وأسر جماعة منها كان منهم القاضي سليمان، فحمله إلى

واسط [1] . ثم سار إلى طهثا وكتب الجناني بذلك إلى سليمان فوافاه لاثنتين من ذي الحجة، وجاء أحمد بن كيتونة بعد أن كان سار إلى الكوفة وجبيل [2] ، فعاد إلى البريدية [3] وصرف جعلان وضبط تلك الأعمال، وأوقع تكين بسليمان وقتل جماعة من قواده. ثم ولى الموفق على مدينة واسط محمد بن الوليد وجاءه في العساكر واستمد سليمان صاحبه بالخليل بن أبان في ألف وخمسمائة مقاتل، فزحف إلى ابن المولد وهزمه واقتحم واسط بها منكجور البخاري فقاتله عامة يومه، ثم قتل ونهب البلد وأحرقها وانصرف سليمان إلى جبيل واستدعوه في نواحيها تسعين ليلة.

** استيلاء ابن طولون على الشام **

كان على دمشق أيام المعتمد ماجور [4] من قواد الأتراك، فتوفي سنة أربع وستين وقام ابنه علي مكانه. وتجهز أحمد بن طولون من مصر إلى دمشق وكتب إلى ابن ماجور بأن المعتمد أقطعه الشام والثغور، فأجاب بالطاعة، وسار أحمد واستخلف على مصر ابنه العباس ولقيه ابن ماجور بالرملة فولاه عليها، وسار إلى دمشق فملكها وأقر القواد على أقطاعهم. ثم سار إلى حمص فملكها ثم حماة ثم حلب، وكان على أنطاكية وطرسوس سيما الطويل من قواد الأتراك، فبعث إليه ابن طولون بالطاعة وأن يقره على ولايته فامتنع، فسار إليه ودلوه على عورة في سور البلد نصب عليها المجانيق، وقاتله فملكها عنوة وقتل سيما في الحرب، فسار ثم قصد طرسوس فدخلها واعتزم على المقام بها ويريد الغزو. وشكا أهلها غلاء السعر وسألوه الرحيل فرحل عنهم إلى الشام، ومضى إلى حران وبها محمد بن أتامش فحاربه وهزمه، واستولى عليها. ثم جاءه الخبر بانتقاض ابنه العباس بمصر وأنه أخذ الأموال وسار إلى برقة فلم يكترث لذلك، وأصلح أحوال الشام وأنزل بحران عسكرا، وولى مولاه لؤلؤا على الرقة وأنزل معه عسكرا، وبلغ موسى بن أتامش خبر أخيه محمد فجمع العساكر وسار نحو

جرجان [1] وبها أحمد بن جيفونة [2] من قواد ابن طولون فأهمل مسيره وقال له بعض الأعراب واسمه أبو الأعز [3] : لا يهمك أمره فإنه طياش قلق وأنا آتيك به! فقال:

افعل وزاده عشرين رجلا، وسار إلى عسكر موسى بن أتامش، فأكمن بعض أصحابه ودخل العسكر بالباقي على زي الأعراب وقصد الخيل المرتبطة عند خيام ابن موسى فأطلقها وصاحوا فيها فنفرت واهتاج العسكر وركبوا واستطرد لهم أبو الأعز حتى جاوز الكمين وموسى في أوائلهم، فخرج الكمين وانهزم أصحاب موسى من ورائه، وعطف عليه أبو الأعز فأخذه أسيرا وجاء به إلى ابن جيفونة، وبعث به إلى ابن طولون فاعتقله وعاد إلى مصر وذلك سنة ست وستين.

(ومن أخبار الزنج) أن سليمان احتفر نهرا يمر إلى سواد الكوفة ليتهيأ له الغارة على تلك النواحي وكان أحمد بن كيتونة [4] فكبسهم وهم يعلمون، وقد جمروا عساكرهم لذلك فأوقع بهم وقتل منهم نحوا من أربعين قائدا وأحرق سفنهم، ورجع سليمان مهزوما إلى طهتا. ثم عدت عساكر الزنج النعمانية واستباحوها وصار أهلها الى جرجرايا وأحفل أهل السواد إلى بغداد، وزحف علي بن أبان بعسكر الزنج إلى تستر فحاصرها وأشرف على أخذها. وكان الموفق استعمل على كور الأهواز مسرورا البلخي فولى عليها تكين البخاري فسار إليها ووافاها أهل تستر في تلك الحال فأغزى علي ابن أبان وهزمه وقتل من الزنج خلقا ونزل تستر. وبعث ابن أبان جماعة من قواد الزنج ليقيموا بقنطرة فارس، وجاء عين بخبرهم إلى تكين فكبسهم وهزمهم وقتل منهم جماعة. وسار ابن أبان فانهزم أمامه، وكتب ابن أبان إلى تكين يسأله الموادعة فوادعه بعض الشيء واتهمه مسرور فسار وقبض عليه وحبسه عند عجلان بن أبان، وفر منه أصحابه وطائفة إلى الزنج وطائفة إلى محمد بن عبد الله الكرخي ثم أمن الباقين فرجعوا إليه.

** موت يعقوب الصفار وولاية عمر وأخيه **

وفي سنة خمس وستين أخريات شوال منها مات يعقوب الصفار وقد كان افتتح

الرحج [1] وقتل ملكها وأسلم أهلها على يده، وكانت مملكة واسعة الحدود وافتتح زابلستان وهي غزنة، وكان المعتمد قد استماله وقلده أعمال فارس، ولما مات قام أخوه عمرو بن الليث وكتب إلى المعتمد بطاعته، فولاه الموفق من قبله ما كان له من الأعمال، خراسان وأصبهان والسند وسجستان والشرطة ببغداد وسرمن رأى وقبله عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وخلع الموفق عمرو بن الليث وولى على أصبهان من قبله أحمد بن عبد العزيز.

** أخبار الزنج مع أغرتمش **

قد كان تقدم لنا إيقاع سليمان بن جامع بأغرتمش وحربه بعد ذلك مع تكين وجعلان ومطر ابن جامع وأحمد بن كيتونة واستيلاؤه على مدينة واسط، ثم ولي أغرتمش مكان تكين البخاري ما يتولاه من أعمال الأهواز فدخل تستر في رمضان ومعه مطر بن جامع، وقتل جماعة من أصحاب أبان كانوا مأسورين بها. ثم سار إلى عسكر مكرم، ووافاه هناك علي ابن أبان والزنج، فاقتتلوا ثم تجازوا لكثرة الزنج، ورجع علي إلى الأهواز وسار أغرتمش إلى الخليل بن أبان ليعبروا إليه من قنطرة اربل [2] وجاءه أخوه علي وخاف أصحابه المخلفون بالأهواز، فارتحلوا إلى نهر السروة [3] وتحارب علي وأغرتمش يوما ثم رجع علي إلى الأهواز ولم يجد أصحابه، فبعث من يردهم إليه فلم يرجعوا. وجاء أغرتمش وقتل مطر بن جامع في عدة من القواد.

وجاء المدد لابن أبان من صاحبه الخبيث فوادعه أغرتمش وتركه. ثم بعث محمد بن عبيد الله إلى أبكلاى [4] ابن الخبيث في أن يرفع عنه يد ابن أبان فزاد ذلك في غيظه، وبعث يطالبه محمد بالخراج ودافعه فسار إليه، وهرب محمد من رامهرمز إلى أقصى معاقلة، ودخل علي والزنج رامهرمز وغنموا ما فيها. ثم صالحه محمد على مائتي ألف درهم، وترك أعماله. ثم استنجده محمد بن عبيد الله على الأكراد على أن لعلي غنائمهم، فاستخلف علي على ذلك مجلز وطلب منه الرهن فمطل وبعث إليه الجيش فزحف بهم إلى الأكراد. فلما نشب القتال انهزم أصحاب محمد فانهزم الزنج

وأثخن الأكراد فيهم، وبعث علي من يعترضهم فاستلبوهم وكتب علي إلى محمد يتهدده فاعتذر ورد عليهم كثيرا من أسلابهم، وخشي من الخبيث وبعث إلى أصحابه مالا ليسألوه في الرضا عنه، فأجابهم إلى ذلك على أن يقيم دعوته في أعماله ففعل كذلك. ثم سار ابن أبان لحصار موتة [1] واستكثر من آلات الحصار، وعلم بذلك مسرور البلخي وهو بكور الأهواز، فسار إليه ووافاه عليها، فانهزم ابن أبان وترك ما كان حمله هناك، وقتل من الزنج خلق وجاء الخبر بمسير الموفق إليهم.

** استرجاع ابن الموفق ما غلب عليه الزنج من أعمال دجلة **

لما دخل الزنج واسط وعاثوا فيها كما ذكرناه بعث الموفق ابنه أبا العباس، وهو الذي ولي الخلافة بعد المعتمد ولقب المعتضد، فبعثه أبوه بين يديه في ربيع سنة ست وستين في عشرة آلاف من الخيل والرجال. وركب لتشييعه وبعث معه السفن في النهر عليها أبو حمزة نصر، فسار حتى وافى الخيل والرجل والسفن النهرية، وعلى مقدمته الجناني [2] وانهم نزلوا الجزيرة قريبا من بردرويا، وجاءهم سليمان بن موسى الشعراني مددا بمثل ذلك وأن الزنج اختلفوا في الاحتشاد، ونزلوا من السفح إلى أسفل واسط ينتهزون الفرصة في ابن الموفق لما يظنون من قلة دراسيته بالحرب، فركب أبو العباس لاستعلام أمرهم ووافى نصيرا، فلقيهم جماعة من الزنج فاستطرد لهم أولا، ثم كر في وجوههم وصاح بنصير فرجع، وركب أبو العباس السفن النهرية فهزم الزنج وأثخن فيهم واتبعهم ستة فراسخ، وغنم من سعيهم وكان ذلك أول الفتح. ورجع سليمان بن جامع إلى نهر الأمين [3] وسليمان بن موسى الشعراني إلى سوق الخميس، وأبو العباس على فرسخ من واسط يغاديهم القتال ويراوحهم. ثم احتشد سليمان وجاء من ثلاثة وجوه، وركب في السفن النهرية وبرز إليه نصير في سفنه، وركب معه أبو العباس في خاصته، وأمر الجند بمحاذاته من الشط، ونشب الحرب فوقعت الهزيمة على الزنج وغنمت سفنهم، وأفلت سليمان والجناني من

الهلكة، وبلغوا طهتا، ورجع أبو العباس إلى معسكره وأمر بإصلاح السفن المغنومة، وحفر الزنج في طريق الجبل الآبار وغطوها، فوقع بعض الفرسان فيها، فعدل جند السلطان عن ذلك الطريق. وأمر الخبيث أصحابه بالسفن في النهر وأغاروا على سفن أبي العباس وغنموا بعضها، وركب في اتباعهم واستنقذ سفنهم وغنم من سفنهم نحوا من ثلاثين، وجد في قتالهم وتحصن ابن جامع بطهتا، وسمى مدينته المنصورة. والشعراني بسوق الخميس وسمى مدينته المنيعة. وكان أبو العباس يغير على الميرة التي تأتيهم من سائر النواحي، وركب في بعض الأيام إلى مدينة الشعراني التي سماها المنيعة، وركب نصير في النهر، وافترقوا في مسيرهم واعترضت أبا العباس جماعة من الزنج فمنعوه من طريق المدينة وقاتلوه مقدار نهاره، وأشاعوا قتل نصير، وخالفهم نصير إلى المدينة فأثخن فيها وأضرموا النار في بيوتها. وجاء الخبر بذلك إلى أبي العباس بسبرة. ثم جاء نصير ومعه أسرى كثيرون فقاتلوا الزنج وهزموهم، ورجع أبو العباس إلى عسكره وبعث الخبيث إلى ابن أبان وابن جامع فأمرهما بالاجتماع على حرب أبي العباس.

** وصول الموفق لحرب الزنج وفتح المنيعة والمنصورة **

كان الموفق لما بعث ابنه أبا العباس لحرب الزنج تأخر لإمداده بالحشود والعدد وإزاحة علله ومسارقة أحواله، فلما بلغه اجتماع ابن أبان وابن جامع لحربه سار من بغداد إليه فوصل إلى واسط في ربيع الأول من سنة سبع وستين، ولقيه ابنه وأخبره بالأحوال، ورجع إلى عسكره. ونزل الموفق على نهر شداد ونزل ابنه شرقي دجلة على موهة بن مساور [1] فأقام يومين ثم رحل إلى المنيعة بسوق الخميس، سار إليها في النهر ونادى بالمقامة، ولقيه الزنج فحاربوه، ثم جاء الموفق فانهزموا واتبعهم أصحاب أبي العباس فاقتحموا عليهم المنيعة وقتلوا خلقا وأسروا آخرين، وهرب الشعراني، واختفى في الآجام آخرون. ورجع الموفق إلى عسكره وقد استنقذ من المسلمات نحو خمس عشرة امرأة [2] ، ثم غدا على المنيعة فأمر بنهبها وهدم سورها وطم خندقها وإحراق ما بقي من

السفن فيها، وببعث الأقوات التي أخذت، فكانت لا حد لها، فصرفت في الجند.

وكتب الخبيث إلى ابن جامع يحذره مثل ما نزل بالشعراني، وجاءت العيون إلى الموفق أن ابن جامع بالحوانيت، فسار إلى الضبية [1] وأمر ابنه بالسير في النهر إلى الحوانيت، فلم يلق ابن جامع بها، ووجد قائدين من الزنج استخلفهم عليها بحفظ الغلات، ولحق بمدينته المنصورة بطهتا، فقاتل ذلك الجند ورجع إلى أبيه بالخبر فأمره بالمسير إليه، وسار على أثره برا وبحرا حتى نزلوا على ميلين من طهتا. وركب لبيوني مقاعد القتال على المنصور [2] فلقيه الزنج وقاتلوه وأسروا جماعة من غلمانه.

ورمى أبو العباس بن الموفق أحمد بن مهدي الجناني فمات وأوهن موته [3] ، ثم ركب يوم السبت آخر ربيع من سنة سبع وعبى عسكره وبعث السفن في البحر الذي يصل إلى المنصورة، ثم صلى وابتهل بالدعاء، وقدم ابنه أبا العباس إلى السور، واعترضه الجند فقاتلهم عليه واقتحموا وولوا منهزمين إلى الخنادق وراءه، فقاتلوه عندها واقتحمها عليهم كلها، ودخلت السفن المدينة من النهر فقتلوا وأسروا، وأجلوهم عن المدينة وما اتصل بها، وهو مقدار فرسخ وملكه الموفق، وأفلت ابن جامع في نفر من أصحابه، وبلغ الطلاب في أثره إلى دجلة، وكثر القتل في الزنج والأسر، واستنقذ العباس من نساء الكوفة وواسط وصبيانهم أكثر من عشرة آلاف [4] وأعطى ما وجد في المنصورة من الذخائر والأموال للأجناد، وأسر من نساء سليمان وأولاده عدة. ولما جاء جماعة من الزنج إلى الآجام اختفوا، فأمر بطلبهم وهدم سور المدينة وطم خنادقها وأقام سبعة عشر يوما في ذلك ثم رجع إلى واسط.

** حصار مدينة الخبيث المختارة وفتحها **

ثم إن الموفق عرض عساكره وأزاح عللهم، وسار ومعه ابنه أبو العباس إلى مدينة

الخبيث، فأشرف عليها ورأى من حصانتها بالأسوار والخنادق ووعر الطرق، وما أعد من الآلات للحصار ومن كثرة المقاتلة ما استعظمه، ولما عاين الزنج عساكر الموفق دهشوا. وقدم ابنه العباس في السفن حتى ألصقها بالأسوار فرموه بالحجارة في المجانيق والمقاليع والأيدي، ورأوا من صبره وأصحابه ما لم يحتسبوه، ثم رجعوا وتبعهم مستأمنة من المقاتلة والملاحين نزعوا إلى الموفق، فقبلهم وأحسن إليهم، فتتابع المستأمنون في النهر فوكل الخبيث بفوهة النهر من معهم، وتعبى أهل السفن للحرب مع بهبود قائد الخبيث، فزحف إليه أبو العباس في السفن وهزمه، وقتل الكثير من أصحابه ورجع فاستأمن إليه بعض تلك السفن النهرية وكثير من المقاتلة فأمنهم وأقام شهرا لم يقاتلهم. ثم عبى عساكره منتصف شعبان في البر والبحر وكانوا نحوا من خمسين ألفا، وكان الزنج في نحو ثلاثمائة ألف مقاتل، فأشرف عليهم ونادى بالأمان إلا للخبيث، ورمى بالرقاع في السهام بالأمان، فجاء كثير منهم ولم يكن حرب. ثم رحل من مكانه ونزل قريبا من المختارة، ورتب المنازل من إنشاء السفن، وشرع في اختطاط مدينة لنزله سماها الموفقية. فأكمل بناءها وشيد جامعها وكتب بحمل الأموال والميرة إليها وأغب الحرب شهرا فتتابعت الميرة إلى المدينة، ورحل إليها التجار بصنوف البضائع، واستجر فيها العمران ونفقت الأسواق وجلبت صنوف الأشياء.

ثم أمر الموفق ابنه أبا العباس بقتال من كان من الزنج خارج المختارة فقاتلهم وأثخن فيهم، فاستأمن إليه كثير منهم فأمنهم ووصلهم، وأقام الموفق أياما يحاصر المحاربين ويصل المستأمنين، واعترض الزنج بعض الوفاد الجائية بالميرة، فأمر بترتيب السفن على مخارج الأنهار، ووكل ابنه أبا العباس بحفظها، وجاءت طائفة من الزنج بعض الأيام إلى عسكر نصير يريدون الإيقاع به، فأوقع بهم وظفر ببعض القواد منهم، فقتل رشقا بالسهام، وتتابع المستأمنة فبلغوا إلى آخر رمضان خمسين ألفا. ثم بعث الخبيث عسكرا من الزنج مع علي بن أبان ليأتوا من وراء الموفق إذا ناشبهم الحرب، ونمي إليه الخبر بذلك فبعث ابنه أبا العباس فأوقع بهم، وحملت الأسرى والرءوس في السفن النهرية ليراها الخبيث وأصحابه، وظنوا أن ذلك تمويه فرميت الرءوس في المجانيق حتى عرفوها، فظهر منهم الجزع وتكررت الحرب في السفن بين أبي العباس وبين الزنج، وهو يظهر عليهم في جميعها حتى انقطعت الميرة عنهم، فاشتد الحصار عليهم وخرج كثير من وجوه أصحابه مستأمنين، مثل محمد بن الحرث

القمي وأحمد اليربوعي. وكان من أشجع رجاله القمي منهم موكلا بحفظ السور فأمنهم الموفق ووصلهم، وبعث الخبيث قائدين من أصحابه في عشرة آلاف ليأتوا البطيحة من ثلاثة وجوه، فيعبروا من تلك النواحي ويقطعوا الميرة عن الموفق. وبلغ الموفق خبرهم فبعث إليهم عسكرا مع مولاه، ونزل فأوقع بهم وقتل وأسر، وأخذ منهم أربعمائة سفينة. ولما تتابع خروج المستأمنة وكل الخبيث من يحفظها، وجهدهم الحصار فبعث جماعة من قواده إلى الموفق يستأمنون وان يناشبهم الحرب ليجدوا السبيل إليه، فأرسل ابنه أبا العباس إلى نهر الغربي وبه علي بن أبان فاشتد الحرب وظهر أبو العباس على بن أبان، وأمده الخبيث بابن جامع ودامت الحرب عامة يومهم، وكان الظفر لأبي العباس، وسار إليه المستأمنة الذين وأعدوه. وانصرف أبو العباس إلى مدينة الخبيث وقاتل بعض الزنج طمعا فيهم فتكاثروا عليه، ثم جاءه المدد من قبل أبيه فظهر عليهم. وكان ابن جامع قد صعد في النهر وأتى أبا العباس من ورائه، وخفقت طبوله فانكشف أصحاب أبي العباس، ورجع منهزمة الزنج فأجبت جماعة من غلمان الموفق وعده من أعلامهم، وحامي أبو العباس عن أصحابه حتى خلصوا، وقوي الزنج بهذه الواقعة، فأجمع الموفق العبور إلى مدينتهم بعسكره. فعبى الناس لذلك من الغداة آخر ذي الحجة واستكثر من المعابر والسفن وقصدوا حصن أو كان بالمدينة وفيها أنكلاي بن الخبيث وابن جامع وابن أبان وعليه المجانيق والآلات، فأمر غلمانه بالدنو منه فخاموا لاعتراض نهر الأتراك بينهم وبينه، فصاح بهم فقطعوا النهر سبحا، وتناولوا الركن بالسلاح يهدمونه، ثم صعدوا عليه وملكوه ونصبوا به علم الموفق، وأحرقوا ما كان عليه من الآلات وقتلوا من الزنج خلقا عظيما، وكان أبو العباس يقاتلهم من الناحية الأخرى وابن أبان قبالته فهزمه، ووصل أصحاب أبي العباس إلى السور فثلموه ودخلوا، ولقيهم ابن جامع فقاتلهم حتى ردهم إلى مواقفهم. ثم توافي الفعلة فثلموا السور في مواضع، ونصبوا على الخندق جسرا عبر عليه المقاتلة، فانهزم الزنج عن السور واتبعهم أصحاب الموفق يقتلونهم إلى دير ابن سمعان، فملكه أصحاب الموفق وأحرقوه، وقاتلهم الزنج هناك ثم انهزموا فبلغوا ميدان الخبيث، فركب من هنالك وانهزم عنه أصحابه، وأظلم الليل ورجع الموفق بالناس، وتأخر أبو العباس لحمل بعض المستأمنين في السفن، واتبعه بعض الزنج ونالوا من آخر السفن. وكان بهبود بإزاء مسرور البلخي فنال من أصحابه واستأمن

بعض المنهزمين من الزنج والأعراب بعثوا بذلك من عبادان والبصرة، وكان منهم قائده ريحان أبو صالح المعري فأمنهم الموفق وأحسن إليهم وضم ريحان إلى أبي العباس. وخرج في المحرم إلى الموفق من قواد الخبيث وثقاته جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجان فأحسن إليه الموفق وحمله في بعض السفن إلى قصر الخبيث، فوقف وكلم الزنج في ذلك، وأقام الموفق أياما استجم فيها أصحابه، فلما كان منتصف ربيع الثاني قصد مدينة، وفرق القواد على جهاتها ومعهم النقابون للسور ومن ورائهم الرماة يحمونهم. وتقدم إليهم أن لا يدخلوا بعد الهزم إلا بإذنه، فوصلوا إلى السور وثلموه وحاربوا الزنج من ورائه وهزموهم، وبلغوا أبعد مما وصلوا إليه بالأمس. ثم تراجع الزنج وحاربوا من المكامن فرجع أصحاب الموفق نحو دجلة بعد أن نال منهم الزنج، ورجع الموفق إلى مدينته، ولام أصحابه على تقدمهم بغير إذنه، ثم بلغ الموفق أن بعض الأعراب من بني تميم يجلبون الميرة إلى الزنج فبعث إليهم عسكرا أثخنوا فيهم قتلا وأسرا، وجيء بالأسرى فقتلهم، وأوعز إلى البصرة بقطع الميرة فانقطعت عن الزنج بالكلية، وجهدهم الحصار وكثر المستأمنة وافترق كثير من الزنج في القرى والأمصار البعيدة، وبث الموفق دعاته فيهم ومن أبى قتلوه وعرض المستأمنين وأحسن إليهم ليستميل غيرهم وتابع الموفق وابنه قتال الزنج، وقتل بهبود بن عبد الواحد من قواد الخبيث في تلك الحروب، فكان قتله من أعظم الفتوح، وكان قتله في السفن البحرية ينصب فيها أعلاما كأعلام الموفق ويخايل أطراف العسكر فيصيب منهم.

وأفلت في بعض الأيام من يد أبي العباس بعد أن كان حصل في قبضته، ثم خيل أخرى لبعض السفن طامعا فيها فحاربوه وطعنه بعض الغلمان منها فسقط في الماء، وأخذه أصحابه فمات بين أيديهم. وخلع الموفق على الغلام الذي طعنه وعلى أهل السفينة. ولما هلك بهبود قبض الخبيث على بعض أصحابه وضربهم على ماله، فاستفسد قلوبهم، وهرب كثير منهم إلى الموفق، فوصلهم ونادى بالأمان لبقيتهم. ثم اعتزم على العبور إلى الزنج من الجانب الغربي وكانت طرقه ملتفة بالنخيل فأمر بقطعها، وأدار الخنادق على معسكره حذرا من البيات. ثم صعب على الموفق القتال من الجانب الغربي لكثرة أوعاره وصعوبة مسالكه وما يتوجه فيها على أصحابه من خيل الزنج لقلة خبرتهم بها، فصرف قصده إلى هدم أسوارهم وتوسعت الطرق فهدم طائفة من السور من ناحية نهر سلمى، وباشر الحرب بنفسه، واشتد القتال وكثرت

القتلى في الجانبين وفشت الجراح، وكانت في النهر قنطرتان يعبر منهما الزنج عند القتال، ويأتون أصحاب الموفق من ورائهم فأمر بهدمهما فهدمتا، ثم هدم طائفة من السور ودخلوا المدينة وانتهوا إلى دار ابن سمعان من خزائن الخبيث ودواوينه. ثم تقدموا إلى الجامع فخربوه وجاءوا بمنبره إلى الموفق بعد أن استمات الزنج دونه، فلم يغنوا به. ثم أكثروا من هدم السور وظهرت علامات الفتح، ثم أصاب الموفق في ذلك اليوم سهم في صدره وذلك لخمس بقين من جمادى سنة تسع وستين، فعاد إلى عسكره. ثم صابح الحرب تقوية لقلوب الناس. ثم لزم الفراش واضطرب العسكر، وأشير عليه بالذهاب إلى بغداد فأبى فاحتجب عن الناس ثلاثة أشهر حتى اندمل جرحه. ثم ركب إلى الحرب فوجد الزنج قد سددوا ما تثلم من الأسوار، فامر بهدمها كلها، واتصل القتال مما يلي نهر سلمى كما كان، والزنج يظنون أنهم لا يأتون إلا منها، فركب يوما لقتالهم وبعث السفن أسفل نهر أبي الخصيب، فانتهوا إلى قصر من قصور الزنج فأحرقوه وانتهبوا ما فيه واستنقذوا كثيرا من الساكن فيه. ورجع الموفق آخر يومه ظافرا. ثم بكر لحربهم فوصلت المقدمات دار أنكلاي بن الخبيث وهي متصلة بدار أبيه، وأشار ابن أبان بإجراء المياه على الساج وحفر الخنادق بين يدي العساكر، وأمر الموفق بطم الخنادق والأنهار، ورام إحراق قصره وقصده من دجلة فمنع من ذلك كثرة الحماة عنه، فأمر أن تسقف السفن بالأخشاب، وتطلى بالأدوية المانعة من الإحراق. ورتب فيها أنجاد أصحابه، وباتوا على أهبة الزحف من الغد. وجاء كاتب الخبيث وهو محمد بن سمعان عشاء ذلك اليوم مستأمنا، وبكروا إلى الحرب وأمر الموفق ابنه أبا العباس بإحراق منازل القواد المتصلة بقصر الخبيث ليشغلهم عن حمايته، وقصدت السفن المطلية قصر الخبيث فأحرقوا الرواشن والأبنية الخارجة وعلت النار فيه ورموا بالنار على السفن فلم تؤثر فيها. ثم حصر الماء من النهر فزحفت السفن، فلما جاء الدعاة إلى القصر أحرقوا بيوتا كانت تشرع على دجلة، واشتعلت النار فيها وقويت وهرب الخبيث وأصحابه وتركوها وما فيها. واستولى أصحاب الموفق على ذلك كله واستنقذوا جماعة من النساء، وأحرق قصر أنكلاي ابنه، وجرحا، وعاد الموفق عشاء يومه مظفرا، ثم بكر من الغد للقتال وأمر نصيرا قائد السفن بقصد القنطرة التي كان الخبيث عملها في نهر أبي الخصيب دون القنطرة التي كان اتخذها، وفرق العسكر في الجهات فدخل نصير في أول المد ولصق

بالقنطرة، واتصل الشد من ورائه فلم يقدر على الرجوع حتى حسر الماء عنها، وفطن لها الزنج فقصدوها فألقى الملاحون أنفسهم في الماء وألقى نصير نفسه وقاتل ابن جامع ذلك اليوم أشد قتال. ثم انهزم وسقط في الحريق فاحترق، ثم خلص بعد الجهد.

وانصرف الموفق سالما وأصابه مرض المفاصل واتصل به إلى شعبان من سنته فأمسك في هذه المدة عن الحرب حتى أبلى فأعاد الخبيث القنطرة التي غرق عندها نصير وزاد فيها وأحكمها، وجعل أمامها سكرا من الحجارة ليضيق المدخل على السفن، فبعث الموفق طائفة من شرقي نهر أبي الخصيب، وطائفة من بحريه ومعهم الفعلة لقطع القنطرة، وجعل أمامها سفنا مملوءة من القصب لتصيبها النار بالنفط فيحترق الجسر، وفرق جنده على القتال وساروا لما أمرهم عاشر شوال، وتقدموا إلى الجسر ولقيهم أنكلاي بن الخبيث وابن أبان وابن جامع وحاموا عن القنطرة لعلمهم بما في قطعها من المضرة عليهم، ودامت الحرب عليها إلى العشي ثم غلبهم أصحاب الموفق عليها، ونقضها النجارون ونقضوا الأثقال التي دونها وأدخلوا السفن بالقصب، وأضرموها نارا ووافت القنطرة فأحرقتها ووصل النجارون بذلك إلى ما أرادوا. وسهل سبيل السفن في النهر وقتل من الزنج خلق واستأمن آخرون، وانتقل الخبيث بعد حرق قصوره ومساكن أصحابه إلى الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، ونقل أسواقه إليه وتبين ضعفه فانقطعت عنه الميرة وفقدت الأقوات وغلت حتى أكل بعضهم بعضا، وأجمع الموفق أن يحرق الجانب الشرقي كما أحرق الغربي فقصد دار الهمذان وكان حصينا وعليه الآلات فلما انتهى إليها تعذر الصعود لعلو السور فرموا بالكلاليب ونشبت في أعلام الخبيث وجذبوها فتساقطت، فانهزم المقاتلة وصعد النفاطون فأحرقوا ما كان عليها من الآلة، ونهبوا الأثاث والمتاع. واتصل الحريق بما حولها من الدور واستأمن للموفق جماعة من خاصة الخبيث فأمنهم ودلوه على سوق عظيمة متصلة بالجسر الأول تسمى المباركة، وبها التجار الذين بهم قوامهم، فقصدها لإحراقها وحاربه الزنج عندها، واضرم أصحابه النار فيها فاتصلت وبقي التحريق عامة اليوم. ثم رجع الموفق ثم انتقل التجار بأمتعتهم وأموالهم إلى أعلى المدينة، ثم فعل الخبيث في الجانب الشرقي بعد هذه من حفر الخنادق وتغوير الطرق مثل ما كان فعل في الجانب الغربي، واحتفر خندقا عريضا حصن به منازل أصحابه على النهر الغربي. ثم خرق الموفق باقي السور إلى النهر الغربي بعد حرب شديدة كانت

عليه، وكان للخبيث جمع من الزنج وهم أشجع أصحابه، قد تحصنوا بحصن منيع يخرجون على أصحاب الموفق عند الحرب فيعوقونهم فأجمع على تخريبه وجمع المقاتلة عليه برا وبحرا وفرقهم على سائر جهاته وجهات الخبيث، وأمد الخبيث الحصن بالمهلبي وابن جامع، فلم يغنوا عنه وانهزموا، وتركوا الحصن في يدي أصحاب الموفق وهزموه وقتلوا من الزنج خلقا، وخلصوا من الحصن كثيرا من النساء والصبيان، ورجع الموفق إلى عسكره ظافرا.

** استيلاء الموفق على الجهة الغربية **

ولما هدم الموفق سور دار الخبيث أمر بتوسعة الطرق للحرب، وأحرق الجسر الأول الذي على نهر أبي الخصيب ليمنع من مدد بعضهم بعضا، فكان في إحراقه حرب عظيمة. وأعدت لذلك سفينة ملئت قصبا وجعل فيها النفط، وأرسلت في قوة المدد فتبادر الزنج إليها وغرقوها فركب الموفق إلى فوهة نهر أبي الخصيب وقصدهم من غربي النهر وشرقيه إلى أن انتهوا إلى الجسر من غربيه وعليه أنكلاي بن الخبيث وابن جامع فأحرقوه، وفعل مثل ذلك من الجانب الشرقي، فاحترق الجسر والحظيرة التي كانت لإنشاء السفن، وسجن كان هناك للخبيث. وانحاز هو وأصحابه من الجانب الغربي واستأمن كثير من قواده فأمنهم وأخرجوا أرسالا وخرج قاضيه هاربا، ووكل بالجسر الثاني من يحفظه وأمر الموفق ابنه أبا العباس بأن يتجهز لإحراقه فزحف في أنجاد غلمانه ومعه الفعلة والآلات. وكان في الجانب الغربي قبالة أبي العباس أنكلاي وابن جامع، وفي الجانب الغربي قبالة أسد مولى الموفق الخبيث نفسه والمهلبي، وجاءت السفن في النهر وقاتلوا حامية الجسر فانهزم ابن جامع وأنكلاي وأضرمت النار في الجسر، ولما وافياه وهو مضطرم نارا ألقيا أنفسهما في النهر فخلصا بعد أن غرق من أصحابهما خلق، واحترق الجسر واتصل الحريق بدورهم وقصورهم وأسواقهم، وافترق الجيش في الجانبين ونهبت دار الخبيث واستنفذ من كان في حبسه من النسوة والرجال. وأخرج ما كان في نهر أبي الخصيب من أصناف السفن إلى دجلة ونهبها أصحاب الموفق واستأمن أنكلاي بن الخبيث وعلم أبوه فثناه عن ذلك. واستأمن سليمان بن موسى الشعراني من رؤساء قواده فأجيب بعد توقف. ولما خرج تبعه أصحاب الخبيث فقاتلهم، ووصل إلى الموفق فأحسن إليه واقتفى أثره في ذلك شبل ابن سالم من قواده، وعظم على الخبيث وأوليائه استئمان هؤلاء، وصار شبل بن سالم يخرج في السرايا إلى عسكر الخبيث ويكثر النكاية فيهم.

** استيلاء الموفق على الجهة الشرقية **

وفي خلال هذه الحروب واتصالها مرن أصحاب الموفق على تخلل تلك المسالك والشعاب مع تضايقها ووعرها، وأجمع الموفق على قصد الجانب الشرقي في نهر أبي الخصيب، وندب لذلك قواد المستأمنة لخبرتهم بذلك دون غيرهم، ووعدهم بالإحسان والزيادة فأبوا وسألوه الإقالة فأبى لتتميز مناصحتهم. وجمع سفن دجلة من كل جانب، وكان فيها عشرة آلاف ملاح من المرتزقة. وأمر ابنه أبا العباس بقصد مدينة الخبيث الشرقية من جهاتها، فسار إلى دار المهلبي وهو في مائة وخمسين قطعة من السفن قد شحنها بأنجاد غلمانه، وانتخب عشرة آلاف مقاتل وأمرهم بالمسير حفا في النهر يشاهد أحوالهم. وبكر الموفق لثمان خلون من ذي القعدة زاحفا للحرب، فاقتتلوا مليا وصبروا. ثم انهزم الزنج وقتل منهم خلق، وأسر آخرون فقتلوا، وقصد الموفق بجمعه دار الخبيث، وقد جمع الخبيث أصحابه للمدافعة فلم يغنوا عنه وانهزموا وأسلموها فنهبها أصحاب الموفق، وسبوا حريمه وبنيه وكانوا عشرين. ونجا إلى دار المهلبي ونهبها واشتغل أصحابهم جميعا بنقل الغنائم إلى السفن، فأطمع ذلك الزنج فيهم وتراجعوا وردوا الناس إلى مواقفهم. ثم صدق الموفق الحملة عشي النهار فهزم الزنج إلى دار الخبيث ورجع الناس إلى عسكره، ووصله كتاب لؤلؤ غلام ابن طولون يستأذنه في القدوم عليه فأخر القتال إلى حضوره.

** مقتل صاحب الزنج **

ولما وصل غلام ابن طولون في ثالث المحرم من سنة سبعين جاء في جيش عظيم، فأحسن إليهم الموفق وأجرى لهم الأرزاق على مراتبهم، وأمره بالتأهب لقتال الخبيث. وقد كان لما غلب على نهر أبي الخصيب وقطعت القناطر والجسور التي عليه، أحدث فيه سكرا وضيق جرية الماء ليمنع السفن من دخوله إذا حضر، ويتعذر خروجها أمامه. وبقي جريه لا يتهيأ إلا بإزالة ذلك السكر، فحاول ذلك مدة والزنج يدافعون عنه، ودفع الموفق لذلك لؤلؤا في أصحابه ليتمرنوا على حرب الزنج في تلك المسالك والطرق فأحسنوا البلاء فيها ووصلهم، وألح على العسكر، وهو كل يوم يقتل مقاتلهم ويحرق مساكنهم ويقتل المستأمنة منهم. وقد كان بقي بالجهة الغربية بقية من أبنية ومزارع وبها جماعة يحفظونها، فسار إليهم أبو العباس وأوقع بهم، ولم

يسلم منهم إلا الشريد. ثم غلبهم على السكر وأحرقه واعتزم على لقاء الخبيث وقدم ابنه أبا العباس إلى دار المهلب وأضاف المستأمنة إلى شبل بن سالم وأمرهم أن ينتظروا بالقتال نفخ البوق، ونصب علمه الأسود على دار الكرماني. ثم صمد إليهم وزحف الناس في البر والنهر، ونفخت الأبواق وذلك لثلاث بقين من المحرم سنة سبعين. واشتد القتال وانهزم الزنج ومات منهم قتلا وغرقا ما لا يحصى، واستولى الموفق على المدينة واستنقذوا الأسرى وأسروا الخليل وابن أبان وأولادهما وعيال أخيهما، ومضى الخبيث ومعه ابنه أنكلاي وابن جامع وقواد من الزنج إلى موضع بنهر السفياني كانوا أعدوه ملجأ إذا غلب على المدينة، واتبعه الموفق في السفن ولؤلؤ في البر. ثم اقتحم النهر بفرسه واتبعه أصحابه فأوقعوا بالخبيث ومن معه حتى عبروا نهر السامان [1] واعتصموا بجبل وراءه، ورجع لؤلؤ عنهم وشكر له الموفق ورفع منزلته واستبشر الناس بالفتح. وجمع الموفق أصحابه فوبخهم على انقطاعهم عنه فاستعذروا بأنهم ظنوا انصرافه. ثم تحالفوا على الإقدام والثبات حتى يظفروا وسألوه أن ترد المعابر التي يعبرون فيها ليستميت الناس في حرب عدوهم، فوعدهم بذلك وأصبح ثالث صفر فعبى المراكب وبعثهم إلى المراكز ورد المعابر التي عبروا فيها وتقدم سرعان العسكر فأوقعوا بالخبيث وأصحابه ففضوا جماعة وأثخنوا فيهم قتلا وأسرا، وافترقوا كل ناحية. وثبت مع الخبيث لمة من أصحابه فيهم المهلبي وذهب ابنه أنكلاي وابن جامع واتبع كلا منهم طائفة من العسكر بأمر أبي العباس ابن الموفق. ثم أسر إبراهيم بن جعفر الهمذاني فاستوثقوا منه. ثم كر الخبيث والمنهزمون معه على من اتبعهم من أهل العسكر فأزالوهم عن مواقفهم. ثم رجعوا ومضى الموفق في اتباع الخبيث إلى آخر نهر أبي الخصيب فلقيه غلام من أصحاب لؤلؤ برأس الخبيث وسار أنكلاي نحو الديناري ومعه المهلبى وبعث الموفق أصحابه في طلبهم فظفر بهم وبمن معهم، وكانوا زهاء خمسة آلاف، فاستوثق منهم ثم استأمن إليه ورمونة [2] وكان عند البطيحة قد اعتصم بمغايض وآجام هنالك يخيف السابلة، ويغير على تلك النواحي وعلى الواردين إلى مدينة الموفق. فلما علم بموت الخبيث سقط في يده وبعث يستأمن فأمنه الموفق فحسنت توبته ورد الغصوبات إلى أهلها ظاهرا،

وأمر الموفق بالنداء برجوع الزنج إلى موطنهم فرجعوا وأقام الموفق بمدينة الموفقية ليأمن الناس بمقامه، وولى على البصرة والأبلة وكور دجلة محمد بن حماد وقدم ابنه أبا العباس إلى بغداد فدخلها منتصف جمادى من سنة سبعين وكان خروج صاحب الزنج آخر رمضان سنة خمس وخمسين وقتله أول صفر سنة سبعين لأربع عشرة سنة وأربعة أشهر من دولته.

** ولاية ابن كنداج على الموصل **

لما سار أحمد بن موسى بن بغا إلى الجزيرة وولى موسى بن أتامش على ديار ربيعة فتغير لذلك إسحاق بن كنداج وفارق عسكره وأوقع بالأكراد اليعقوبية وانتهب أموالهم ثم لقي ابن مساور الخارجي فقتله، وسار إلى الموصل فقاطع أهلها على مال، وكان عليهم علي بن داود قائدا، فدفعه وسار ابن كنداج إليه، فخرج علي بن داود واجتمع حمدان بن حمدون الثعلبي وإسحاق بن عمر بن أيوب بن الخطاب الثعلبي العدوي، فكانوا خمسة عشر، وجاءهم علي بن داود فلقيهم إسحاق في ثلاثة آلاف فهزمهم بدسيسة من أهل مسيرتهم، وسار حمدان وعلي بن داود إلى نيسابور، وابن أيوب إلى نصيبين، وابن كنداج في اتباعه، فسار عنها واستجار بعيسى ابن الشيخ الشيباني وهو بآمد، وأبي العز موسى بن زرارة وهو عامل أردن، فأنجداه وبعث المعتمد إلى إسحاق بن كنداج بولاية الموصل فدخلها، وأرسل إليه ابن الشيخ وابن زرارة مائة ألف دينار على أن يقرهم على أعمالهم فأبى، فاجتمعوا على حربه، فرجع إلى إجابتهم. ثم حاربوه سنة سبع وستين. واجتمع لحربه إسحاق بن أيوب وعيسى ابن الشيخ وأبو العز بن حمدان بن حمدون في ربيعة وثعلب وبكر واليمن فهزمهم ابن كنداج إلى نصيبين، ثم إلى آمد وحمر [1] عسكرا لحصار ابن الشيخ بآمد وكانت بينهم حروب.

** حروب الخوارج بالموصل **

كان مساور الخارجي قد هلك في حروبه مع العساكر سنة ثلاث وستين بالبوارسح [2]

وأراد أصحابه ولاية محمد بن حرداد [1] بشهرزور فامتنع، وبايعوا أيوب بن حيان المعروف بالغلام فقتل، فبايعوا هارون بن عبد الله البجلي وكثر أتباعه واستولى على بلد الموصل، وخرج عليه من أصحابه محمد بن حرداد، وكان كثير العبادة والزهد يجلس على الأرض ويلبس الصوف الغليظ ويركب البقر لئلا يفر في الحرب، فنزل واسط وجاء وجوه أهل الموصل، فسار إليهم وهارون غائب في الأحشاد، فبادر إليه واقتتلا، وانهزم هارون وقتل من أصحابه نحو مائتين، وقصد بني ثعلب [2] مستنجدا بهم فأنجدوه وسار معه حمدان بن حمدون ودخل معه الموصل، ودخل ابن حرداد، واستمال هارون أصحابه، ورجع إلى الحديثة، ولم يبق مع ابن حرداد إلا قليل من الأكراد فمالوا إلى هارون بالموصل، فخرج وأوقع بابن حرداد فقتله وأوقع بالأكراد الجلالية وكثر أتباعه، وغلب على القرى والرساتيق، وجعل على دجلة من يأخذ الزكاة من الأموال المصعدة والمنحدرة، ووضع في الرساتيق من يقبض اعتبار الغلات، واستقام أمره. ثم جاء بنو ساسان لقتاله سنة ست وسبعين واستنجد بحمدان بن حمدون فجاءه بنفسه، وسار إلى نهر الخازن وانهزمت طليعتهم، وانهزموا بانهزامها، وجاء بنو شيبان إلى فسا فانجفل أهلها وأقام هارون وأصحابه بالحديثة.

** أخبار رافع بن هرثمة من بعد الخجستاني **

لما قتل أحمد الخجستاني سنة ثمان وستين كما قدمناه اجتمع أصحابه على رافع بن هرثمة من قواد محمد بن طاهر، وكان رافع هذا لما استولى يعقوب الصفار على نيسابور، وزال بنو طاهر، صار رافع في جملته، وصحبه إلى سجستان. ثم أقصاه عن خدمته وعاد إلى منزله بنواحي جي حتى استخدمه الخجستاني وجعله صاحب جيشه. فلما قتل الخجستاني اجتمع الجيش عليه بهراة وأمروه وسار إلى نيسابور فحاصر بها أبا طلحة بن شركب وقد كان وصل إليها من جرجان، فضيق عليه المخنق ففارقها أبو طلحة إلى مرو، وولى على هراة ابن المهدي وخطب لمحمد بن طاهر بمرو وهراة وزحف إليه عمرو بن الليث فهزمه وغلبه على ما بيده. واستخلف على

مرو محمد بن سهل بن هاشم، وخرج أبو طلحة إلى مكمد [1] واستعان بإسماعيل بن أحمد الساماني، فأمده بعسكر وأخرج محمد بن سهل، وخطب بها لعمرو بن الليث سنة إحدى وسبعين. ثم قلد الموفق تلك السنة أعمال خراسان لمحمد ابن طاهر، وهو ببغداد، فاستخلف عليها رافع بن الليث وأقر على ما وراء النهر نصر بن أحمد. ووردت كتب الموفق بعزل عمرو بن الليث ولعنه، فسار رافع إلى هراة وقد كان بها محمد بن المهدي خليفة أبي طلحة، فثار عليه يوسف بن معبد. فلما جاء رافع استأمن إليه فأمنه واستعمل على هراة مهدي بن محسن. ثم سار رافع إلى أبي طلحة بمرو بعد أن استمد إسماعيل بن أحمد وأمده بنفسه في أربعة آلاف فارس، واستقدم علي بن محسن المروروذي فقدم عليه في عسكره، وساروا جميعا إلى أبي طلحة بمرو سنة اثنتين وسبعين، فهزموه وعاد إسماعيل إلى بخارى ولحق بأبي طلحة وبها مهدي، فاجتمع معه على مخالفة رافع فهزمهما رافع، ولحق أبو طلحة بعمرو بن الليث وقبض على مهدي سنة اثنتين وسبعين ثم خلى سبيله وسار رافع إلى خوارزم فجبى أموالها ورجع إلى نيسابور.

** مغاضبة المعتمد للموفق ومسيرة ابن طولون وما نشأ من الفتنة لأجل ذلك **

كان الموفق حدثت بينه وبين ابن طولون وحشة وأراد عزله، وبعث موسى بن بغا في العساكر إليه سنة اثنتين وستين فأقام بالرقة عشرة أشهر، واختلف عليه العسكر فرجع، وكان الموفق مستبدا على أخيه المعتمد منذ قيامه بأمر دولته مع ما كان من الكفاية والغناء، إلا أنه كان المعتمد يتأفف من الحجر، وكتب إلى أحمد بن طولون في السر يشكو ذلك وأشار عليه باللحاق إليه بمصر لينصره، وبعث عسكرا إلى الرقة في انتظاره، وكان الموفق مشغولا بحرب الزنج، فسار المعتمد منتصف سنة تسع وستين في القواد مظهرا أنه يتصيد، ثم سار إلى أعمال الموصل وعليها يومئذ وعلى سائر الجزيرة أصحاب كنداج [2] وكتب صاعد بن مخلد وزير الموفق عن الموفق إلى

إسحاق برده عن طريقه، والقبض على من معه من القواد. فلما وصل المعتمد إلى عمله أظهر إسحاق طاعته، فارتحل في خدمته إلى أول عمل ابن طولون. ثم اجتمع بالمعتمد والقواد وفيهم نيزك وأحمد بن خاقان وغيرهم فعذلهم في المسير إلى ابن طولون والمقام تحت يده، وطال الكلام بينهم مليا ثم دعاهم إلى خيمته للمناظرة في ذلك أدبا مع المعتمد، وقيدهم وجاء إلى المعتمد فعذله في المسير عن دار خلافته ومغاضبة أخيه، وهو في دفاع عدوه ومن يريد خراب ملكه، وحمل الجميع إلى سامرا. وقطع ابن طولون الدعاء للموفق على منابره وأسقط اسمه من الطرز [1] وغضب الموفق بسبب ذلك على أحمد بن طولون، وحمل المعتمد على أن يشار بلعنه على المنابر. وولى إسحاق بن كنداج على أعماله وفوض إليه من باب الشماسية إلى إفريقية، وكان لؤلؤ مولى ابن طولون عاملا على حمص وحلب وقنسرين وديار مصر من الجزيرة. وكان منزله بالرقة فانتقض عليه في هذه السنة، وسار إلى بالس فنهبها، وكتب إلى الموفق فمر بقرقيسياء وبها ابن صفوان العقيلي فحاربه وغلبه عليها وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق. ووصل إلى الموفق في عسكر عظيم وهو يقاتل صاحب الزنج فأكرمه الموفق وأحسن هو الغناء في تلك الحرب. ثم بعث ابن طولون في تلك السنة جيشه إلى مكة لإقامة الموسم، وعامل مكة هارون بن محمد ففارقها خوفا منهم، وبعث الموفق جعفرا في عسكر فقوي بهم هارون ولقوا أصحاب ابن طولون فهزموهم وصادروا القائد على ألف دينار. وقرئ الكتاب في المسجد بلعن ابن طولون وانقلب أهل مصر إلى بلدهم آمنين. ولم يزل لؤلؤ في خدمة الموفق إلى أن قبض عليه سنة ثلاث وسبعين وصادره على أربعمائة ألف وأدبر أمره ثم، ثم عاد إلى مصر آخر أيام هارون بن حماديه [2] .

** وفاة ابن طولون ومسير ابن كنداج إلى الشام **

وفي سنة سبعين انتقض بازمان [3] الخادم بطرسوس وقبض على نائبة، وسار إليه أحمد بن طولون في العساكر وحاصروه فامتنع عليه، فرجع إلى أنطاكية فمرض هنالك ومات لست وعشرين سنة من ولايته على مصر وولي بعده ابنه خمارويه،

وانتقضت عليه دمشق فبعث إليها العساكر وعادت إلى طاعته. وكان يومئذ بالموصل والجزيرة إسحاق بن كنداج وعلى الأنبار والرحبة وطريق الفرات محمد بن أبي الساج، فكاتبا الموفق في المسير إلى الشام واستمداه، فأذن لهما ووعدهما بالمدد، فسارا وملكا ما يجاورهما من بلاده، واستولى إسحاق على أنطاكية وحلب وحمص، وكاتبه نائب دمشق واجتمع الخلاف على خمارويه فسار إليه فهرب إلى شيزر وهي في طاعة خمارويه، ودمشق. وجاء أبو العباس بن الموفق وهو المعتضد من بغداد بالعساكر فكبس شيزر وقتل من جند ابن طولون مقتله عظيمة، ولحق فلهم بدمشق وأبو العباس في اتباعهم، فجلوا عنها، وملكها في شعبان سنة إحدى وسبعين.

ورجعت عساكر خمارويه إلى الرملة فأقاموا بها. وزحف إسحاق بن كنداج إلى الرقة وعليها وعلى الثغور والعواصم ابن دعاص [1] من قبل خمارويه فقاتله وكان الظهور لإسحاق. ثم زحف أبو العباس المعتضد من دمشق إلى الرملة، وسار خمارويه من مصر واجتمع بعساكره في الرملة على ماء الطواحين، وكان المعتضد قد استفسد لابن كنداج وابن أبي الساج ونسبهما إلى الجبن في انتظارهما إياه في محاربة خمارويه. وعبى المعتضد عساكره ولقي خمارويه وقد أكمن له، فانهزم خمارويه أولا وملك المعتضد خيامه، وشغل أصحابه بالنهب فخرج عليهم الكمين فانهزم المعتضد إلى دمشق، فلم يفتح له أهلها، فراح إلى طرسوس وأقام العسكران يقتتلان دون أمير، وأقام أصحاب خمارويه عليهم أخاه سعدا مكانه، وذهبوا إلى الشام فملكوه أجمع، وأذهبوا منه دعوة الموفق وابنه. وبلغ الخبر إلى خمارويه فسر وأطلق الأسرى الذين كانوا معه. ثم ثار أهل طرسوس بأبي العباس فأخرجوه، وسار إلى بغداد وولوا عليهم مازيار، فاستبد بها ثم دعا لخمارويه بعد أن وصله بمال جليل يقال أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف وسلاحا كثيرا، فدعا له ثم بعث إليه بخمسين ألف دينار.

** وفاة صاحب طبرستان وولاية أخيه **

ثم توفي الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان في رجب سنة سبعين لعشرين سنة من ولايته وولي مكانه أخوه وكان على قزوين أتكوتكين [2] فسار إلى الري في أربعة

آلاف فارس، وسار إليه محمد بن زيد في عالم كثير من الديلم والخراسانية، والتقوا فانهزم محمد بن زيد وقتل من عسكره نحو من ستة آلاف وأسر ألفان، وغنم أتكوتكين عسكرا وملك الري وأغرم أهلها مائة ألف دينار، وفرق عماله عليها، وسار محمد بن زيد إلى جرجان، ثم عزل عمرو بن الليث عن خراسان وولى عليها محمد بن طاهر، واستخلف محمد بن رافع بن هرثمة، وسار سنة خمس وسبعين إلى جرجان وهرب عنها ليلا إلى استرياد [1] فحاصره رافع فيها سنتين حتى أجهده الحصار، ففر عنها ليلا إلى سارية، فاتبعه فهرب عن طبرستان سنة سبع وسبعين، واستأمن رستم بن قارن إلى رافع بطبرستان فأمنه، وبعث إلى سالوس محمد بن هارون نائبا عنه وأتاه بها علي ابن كاني مستأمنا. ثم جاءه محمد وحاصرهما بسالوس، وانقطعت أخبارهما عن نافع.

ثم جاءه الخبر بحصارهما فسار إليهما فارتحل محمد بن زيد إلى أرض الديلم، فدخل رافع خلفه وأثخن فيها نهبا وتخريبا إلى حدود قزوين، وعاد إلى الري إلى أن توفي المعتمد سنة تسع وتسعين. [2]

** فتنة ابن كنداج وابن أبي الساج وابن طولون **

كان ابن أبي الساج في أعماله بقنسرين والفرات والرحبة ينافس إسحاق وهو على الجزيرة، ويريد التقدم عليه، فحدثت لذلك منهما فتنة. فخطب ابن أبي الساج لخمارويه بن طولون [3] . وبعث ابنه ديواداد رهينة إليه، فبعث إليه خمارويه أموالا جمة وسار إلى الشام، واجتمع بابن أبي الساج ببالس، ثم عبر ابن أبي الساج الفرات إلى الرقة، وهزم إسحاق بن كنداج، واستولى على أعماله. وعبر خمارويه ونزل الرقة ومضى إسحاق إلى قلعة ماردين وحاصره ابن أبي الساج بها، ثم أفرج عنها وسار إلى سنجار لقتال بعض الأعراب فسار ابن كنداج من ماردين إلى الموصل، فاعترضه ابن أبي الساج، وهزمه فعاد إلى ماردين، واستولى ابن أبي الساج على الجزيرة والموصل، وخطب فيهما لخمارويه ثم لنفسه بعد، وبعث غلامه فتحا إلى أعمال الموصل لجباية الخراج. وكان اليعقوبية من السراة قريبا منه، فهادنهم، ثم

غدر بهم فكسبهم، وجاءهم أصحابهم من غير شعور بالواقعة، فحملوا على أصحاب فتح فاستلحموهم. ثم انتقض ابن أبي الساج واستبيح عسكره. وكان له بحمص مخلف من أثقاله، فقدم خمارويه طائفة من العسكر إليها، فاستولوا على ما فيها، ومنعوا ابن أبي الساج من دخولها، فسار إلى حلب، ثم إلى الرقة وخمارويه في اتباعه، فعبر الفرات إلى الموصل، وجاء خمارويه إلى بلد وأقام بها وسار ابن أبي الساج إلى الحديثة وكان إسحاق بن كنداج قد لحق بخمارويه من ماردين فبعث معه جيشا وجماعة من القواد، وسار في طلب ابن أبي الساج، وقد عبر دجلة فجمع ابن كنداج السفن ليوطئ جسرا للعبور. وبينما هو في ذلك أسرى ابن أبي الساج من تكريت إلى الموصل، فوصلها لرابعة وسار ابن كنداج في اتباعه، فاقتتلوا بظاهر الموصل وابن أبي الساج في ألفين، فصبر واشتد القتال، وانهزم ابن كنداج وهو في عشرين ألفا. فخلص إلى الرقة ومحمد بن أبي الساج في اتباعه. وكتب إلى الموفق يستأذنه في عبور الفرات إلى بلاد خمارويه بالشام، فأمره بالتوقف إلى وصول المدد من عنده، ومضى ابن كنداج إلى خمارويه فجاء بجيوشه إلى الفرات، وتوافق مع ابن أبي الساج والفرات بينهما. ثم عبرت طائفة من عسكر ابن كنداج فأوقعوا بطائفة من عسكر ابن أبي الساج فانهزموا إلى الرقة، فسار ابن أبي الساج عن الرقة إلى بغداد سنة ست وسبعين في ربيع منها، فأكرمه الموفق ووصله واستولى ابن كنداج على ديار ربيعة من أعمال الجزيرة، وأقام بها وولى الموفق محمد بن أبي الساج على أذربيجان، فسار إليها فخرج إليه عبد الله بن الحسين الهمذاني عامل مراغة ليصده فهزمه ابن أبي الساج فحاصره وأخذ منه مراغة سنة ثمان وسبعين وقتله. واستقر ابن أبي الساج في عمله بأذربيجان.

** أخبار عمرو بن الليث **

كان عمرو بن الليث بعد مهلك أخيه يعقوب قد ولاه الموفق خراسان وأصبهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد كما كان أخوه، وقد ذكرنا ذلك قبل.

وكان عامله على فارس ابن الليث فانتقض عليه سنة ثمان وستين فسار عمر ولحربه فهزمه واستباح عسكره ونهب إصطخر ثم ظفرت جيوشه بمحمد وأسره وحبسه بكرمان، فأقام بها ثم بعث إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وهو بأصبهان يطلبه

بالمال. فبعث إليه بالأموال، وبعث عمرو إلى الموفق بثلاثمائة ألف دينار، وبخمسين منا من المسك ومثلها من العنبر ومائتين من العود، وثلاثمائة ثوب من الوشي ومن آنية الذهب والفضة والدواب والغلمان قيمة مائة ألف دينار. واستأذنه في غزو محمد ابن عبيد الكردي في رامهرمز فأذن له، فبعث قائدا من جيشه إليه فأسره وجاء به إلى عمرو، ثم عزل المعتمد سنة إحدى وستين عمرو بن الليث عما كان قلده من الأعمال، وأدخل إليه الحاج من أهلها عند منصرفهم من مكة، فأعلمهم بعزله، وأنه قد ولى على خراسان محمد بن طاهر، وأمر بلعن عمرو على المنابر. وجهز مخلد ابن صاعد إلى فارس لحرب عمرو، واستخلف محمد بن طاهر على خراسان رافع بن هرثمة، وكتب المعتمد إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف يأمره بقتاله، وبعث إليه الجيوش فاقتتلوا مع عمرو، وكان في خمسة عشر ألف مقاتل، فانهزم عمرو وخرج قائده الديلمي وقتل مائة من أعيانهم وأسر ثلاثة آلاف، فاستأمن منهم وغنموا من عسكره ما لا يحصى. ثم زحف الموفق سنة أربع وسبعين إلى فارس لحرب عمرو فأنفذ عمرو ابنه محمدا إلى أرجان في العساكر، وعلى مقدمته أبو طلحة بن شركب وعباس بن إسحاق إلى سيراف، واستأمن أبو طلحة إلى الموفق ففت ذلك في عضد عمرو، وعاد إلى كرمان واستراب الموفق بأبي طلحة فقبض عليه قريبا من شيراز، وجعل ماله لابنه أبي العباس المعتضد، وسار في طلب عمرو، فخرج من كرمان إلى سجستان ومات ابنه محمد بالمفازة، ورجع عنه الموفق وسار رافع بن الليث من خراسان وغلب محمد بن زيد على طبرستان كما قدمناه، (وقدم عليه هنالك علي بن الليث هو وابناه المعدل والليث بن حسن أخيه علي بكرمان ثم قتله رافع سنة ثمان وستين) [1] .

** مسير الموفق إلى أصبهان والجبل **

كان كاتب أتوتكين [2] أنهى إلى المعتضد أن له مالا عظيما ببلاد الجبل فتوجه لذلك فلم يجد شيئا ثم سار إلى الكرخ ثم إلى أصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف

فتنحى أحمد عن البلد بعسكره، وترك داره بفرشها لنزل الموفق عند قدومه، ثم رجع الموفق إلى بغداد.

** قبض الموفق على ابنه أبي العباس المعتضد ثم وفاته وقيام ابنه أبي العباس بالأمر بعده **

كان الموفق بعد رجوعه من أصبهان نزل واسط، ثم عاد إلى بغداد وترك المعتمد بالمدائن، وأمر ابنه أبا العباس وهو المعتضد بالمسير إلى بعض الوجوه فأبى، فأمر بحبسه، ووكل به. وركب القواد من أصحابه واضطربت بغداد فركب الموفق إلى الميدان وسكن الناس، وقال: إني احتجت إلى تقويم ابني فقومته، فانصرف الناس وذلك سنة ست وسبعين. وكان عند منصرفه من الجبل قد اشتد به وجع النقرس ولم يقدر على الركوب، فكان يحمل في المحفة، ووصل إلى داره في صفر من سنة سبع، وطال مرضه وبعث كاتبه أبا الصقر ابن بلبل إلى الميدان، فجاء بالمعتمد وأولاده وأنزله بداره، ولم يأت دار الموفق، فارتاب الأولياء لذلك، وعمد غلمان أبي العباس فكسروا الأقفال المغلقة عليه وأخرجوه وأقعدوه عند رأس أبيه وهو يجود بنفسه، فلما فتح عينه قربه وأدناه وجمع أبو الصقر عنده القواد والجند. ثم تسامع الناس أن الموفق حي، فتسللوا عن أبي الصقر وأولهم محمد بن أبي الساج، فلم يسع أبا الصقر إلا الحضور بدار الموفق، فحضر هو وابنه وأشاع أعداء أبي الصقر أنه هرب بمال الموفق إلى المعتمد، فنهبوا داره، وأخرجت نساؤه حفاة عراة، ونهب ما يجاوره من الدور، وفتقت السجون، ثم خلع الموفق على ابنه أبي العباس وأبي الصقر، وركب إلى منزلهما وولى أبو العباس غلامه بدار الشرطة. ثم مات لثمان بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ودفن بالرصافة. واجتمع القواد فبايعوا ابنه أبا العباس المعتضد بالله، واجتمع عليه أصحاب أبيه، ثم قبض المعتضد على أبي الصقر ابن بلبل وأصحابه، وانتهبت منازلهم، وولى عبد الله بن سليمان بن وهب الوزارة، وبعث محمد بن أبي الساج إلى واسط ليرد غلامه وصيفا إلى بغداد فأبى وصيف وسار إلى السوس فأقام بها.

** ابتداء أمر القرامطة **

كان ابتداء أمرهم فيما زعموا أن رجلا ظهر بسواد الكوفة سنة ثمان وسبعين ومائتين يتسم بالزهد، وكان يدعى قرمط يقال لركوبه على ثور كان صاحبه يدعى كرميطة فعرب وقيل بل اسمه حمدان ولقبه قرمط. يقال وزعم أنه داعية لأهل البيت للمنتظر منهم واتبعه العباس فقبض عليه الهيصم عامل الكوفة وحبسه، ففر من حبسه وزعم أن الإغلاق لا يمنعه. ثم زعم أنه الذي بشر به أحمد بن محمد ابن الحنفية، وجاء بكتاب تناقله القرامطة فيه بعد البسملة: يقول الفرح بن عثمان من قرية نصرانه أنه داعية المسيح وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل. وإن المسيح تصور له في جسم إنسان فقال له إنك الداعية وإنك الحجة وإنك الناقة وإنك الدابة وإنك يحيى بن زكريا وإنك روح القدس، وعرفه أن الصلاة أربع ركعات قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها، وأن الأذان بالتكبير في افتتاحه وشهادة التوحيد مرتين، ثم شهادة بالرسالة لآدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم عيسى ثم محمد صلوات الله عليهم، ثم لأحمد بن محمد بن الحنفية ويقرأ الاستفتاح في كل ركعة وهو من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية، والقبلة بيت المقدس والجمعة يوم الإثنين، ولا يعمل فيه شيء. والسورة التي تقرأ فيها: الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المنجد لأوليائه، قل إن الأهلة مواقيت للناس، ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين عرفوا عبادي سبيلي، اتقوني يا أولى الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي وأمتحن خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي وفي نعمتي، ومن زال عن أمري وكذب رسلي أخلدته مهانا في عذابي وأتممت أجلي وأظهرت على ألسنة رسلي. فأنا الذي لم يعل جبار إلا وضعته وأذللته، فبئس الذي أصر على أمره، ودام على جهالته. وقال: لن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين أولئك هم الكافرون. ثم يركع ويقول في ركوعه: مرتين سبحان ربي ورب العزة وتعالى عما يصف الظالمون، وفي سجوده الله أعلى مرتين، الله أعظم مرة، والصوم مشروع يوم المهرجان، والنيروز. والنبيذ حرام والخمر حلال، والغسل من الجنابة كالوضوء. ولا يؤكل ذو ناب ولا ذو مخالب، ومن خالفهم

وحارب وجب قتله، وإن لم يحارب أخذت منه الجزية انتهى إلى غير ذلك من دعاوى شنيعة متعارضة يهدم بعضها بعضا، وتشهد عليهم بالكذب، وهذا الفرح ابن يحيى الذي ذكر هذا أول الكتاب أنه داعية القرامطة يلقب عندهم ذكرويه بن مهرويه. ويقال إن ظهور هذا الرجل كان قبل مقتل صاحب الزنج، وإنه سار إليه على الأمان، وقال له: إن ورائي مائة سيف، فتعال نتناظر فلعلنا نتفق ونتعاون. ثم تناظرا فاختلفا وانصرف قرمط عنه، وكان يسمي نفسه القائم بالحق. وزعم بعض الناس أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج.

** فتنة طرسوس **

قد تقدم لنا انتقاض بازمان [1] بطرسوس على مولاه أحمد بن طولون، وأنه حاصره فامتنع عليه، وأنه راجع بعد طاعة ابنه خمارويه مما حمل إليه من الأموال والأمتعة والسلاح، فاستقام أمره بطرسوس مدة، وغزا سنة ثمان وسبعين بالصائفة مع أحمد الجعفي [2] وحاصروا اسكندا فأصيب بحجر منجنيق، فرجع وهلك في طريقه ودفن بطرسوس. وكان استخلف ابن عجيف فأقره خمارويه وأمده بالخيل والسلاح والمال، ثم عزله واستعمل عليها ابن عمه ابن محمد بن موسى بن طولون. ولما توفي الموفق نزع خادم من خواصه اسمه راغب إلى الشك، وطلب المقام بالثغر للجهاد، فأذن له المعتضد، فسار إلى طرسوس وحط أثقاله بها وسار إلى لقاء خمارويه بدمشق فأكرمه واستجلب أنسه، فطال مقامه وألهم أصحابه بطرسوس أنه قبض عليه، فأوصلوا أهل البلد في ذلك، فوثبوا بأميرهم محمد بن موسى حتى يطلق لهم راغب، وبلغ الخبر إلى خمارويه فأطلقه فجاء إليهم ووبخهم على فعلهم، فأطلقوا محمد بن موسى وسار عنهم إلى بيت المقدس فأعادوا ابن عجيف إلى ولايته.

** فتنة أهل الموصل مع الخوارج **

قد تقدم لنا أن هارون بن سليمان كان على الشراة من الخوارج، وكان بنو شيبان يقاتلونهم ويغيرون على الموصل. فلما كانت سنة تسع وسبعين جاء بنو شيبان لذلك وأغاروا على نينوى وغيرها من الأعمال، فاجتمع هارون الشاربي في الخوارج وحمدان

ابن حمدون الثعلبي على مدافعتهم. وكان مع بني شيبان هارون بن سيما مولى أحمد بن عيسى بن الشيخ الشيباني، بعثه محمد بن إسحاق بن كنداجق واليا على الموصل عند ما مات أبوه إسحاق، وولى مكانه على أعماله بالموصل وديار ربيعة فلم يرضه أهل الموصل وطردوه، فسار إلى بني شيبان مستنجدا بهم، فلما التقى الجمعان انهزم بنو شيبان أولا واشتغل أصحاب حمدان والخوارج بالنهب، فكر عليهم بنو شيبان وظفروا بهم. وكتب هارون بن سيما إلى محمد بن إسحاق بن كنداجق يستمده فسار بنفسه، وخشيه أهل الموصل فسار بعضهم إلى بغداد يطلبون عاملا يكفيهم أمر ابن كنداجق، ومروا في طريقهم بمحمد بن يحيى المجروح الموكل بحفظ الطريق فألفوه وقد وصل إليه بولاية العهد الموصل، فبادر وملكها، وتواثق ابن كنداجق في مكانه، وبعث إلى خمارويه بالهدية، ويسأل إمارة الموصل كما كان من قبل، فلم يجبه إلى ذلك، ثم عزل المجروح وولى بعده علي بن داود الكردي.

** الصوائف أيام المعتمد **

وصل الخبر في سنة سبع وخمسين بأن ملك الروم بالقسطنطينية ميخاييل بن روفيل وثب عليه قريبه مسك، ويعرف بالصقلي [1] فقتله لأربع وعشرين سنة من ملكه، وملك مكانه. وفي سنة تسع وخمسين خرجت عساكر الروم فنازلوا سميساط ثم نازلوا مليطة [2] وقاتلهم أهلها فانهزموا، وقتل بطريق من بطارقتهم. وفي سنة ثلاث وستين استولى الروم على قلعة الصقالبة، وكانت ثغرا لطرسوس وتسمى قلعة كركرة [3] فرد المعتمد ولاية ثغر طرسوس لابن طولون، وكان أحمد بن طولون قد خطب ولايتها من الموفق يريد أن يجعلها ركابا لجهاده لخبرته بأحوالها. وكان يردد الغزو من طرسوس إلى بلاد الروم قبل ولاية مصر، فلم يجبه الموفق، وولى عليها الموفق محمد بن هارون الثعلبي، واعترضه الشراة أصحاب مساور وهو مسافر في دجلة فقتلوه، فولى مكانه أماجور بن أولغ بن طرخان من الترك، فسار إليها وكان غرا جاهلا، فأساء السيرة ومنع أقران أهل كركرة ميرتهم، وكتبوا إلى أهل طرسوس يشكون فجمعوا لهم خمسة عشر ألف دينار فأخذها أماجور لنفسه، وأبطأ على أهل القلعة شأنها. فنزلوا

عنها وأعطوها الروم، وكثر أسف أهل طرسوس لذلك بما كانت ثغرهم وعينا لهم على العدو، وبلغ ذلك المعتمد، فكتب لأحمد بن طولون بولايتها وفوض إليه أمر الثغور، فوليها واستعمل فيها من يحفظ الثغر ويقيم الجهاد، وقارن ذلك وفاة أماجور عامل دمشق، وملك ابن طولون الشام جميعها كما ذكرناه قبل. وفي سنة أربع وستين غزا بالصائفة عبد الله بن رشيد بن كاوس في أربعين ألفا من أهل الثغور الشامية، فأثخن فيهم وغنم ورجع، فلما رحل عن البدندون خرج عليه بطريق سلوقية، وقرة كوكب وحرسيه [1] ، وأحاطوا بالمسلمين فاستمات المسلمون واستلحمهم الروم بالقتل، ونجا فلهم إلى الثغر، وأسر عبد الله بن كاوس وحمل إلى القسطنطينية وفي سنة خمس وستين خرج خمسة من بطارقة الروم إلى أذنة فقتلوا وأسروا والي الثغور أوخرد [2] فعزل عنها وأقام مرابطا، وبعث ملك الروم بعبد الله بن كاوس ومن معه من الأسرى إلى أحمد بن طولون، وأهدى إليه عدة مصاحف. وفي سنة ست وستين لقي أسطول المسلمين أسطول الروم عند صقيلة [3] فظفر الروم بهم، ولحق من سلم منهم بصقيلة، وفيها خرجت الروم على ديار ربيعة، واستنفر الناس ففروا ولم يطيقوا دخول الدرب لشدة البرد فيها. وغزا عامل ابن طولون على الثغور الشامية في ثلاثمائة من أهل طرسوس واعترضهم أربعة آلاف من الروم من بلاد هرقل، فنال المسلمون منهم أعظم النيل. وفي سنة ثمان وستين خرج ملك الروم، وفيها غزا بالصائفة خلف الفرغاني عامل ابن طولون على الثغور الشامية فأثخن ورجع. وفي سنة سبعين زحف الروم في مائة ألف ونزلوا قلمية على ستة أميال من طرسوس، فخرج إليهم بازيار [4] فهزمهم وقتل منهم سبعين ألفا وجماعة من البطارقة، وقتل مقدمهم بطريق البطارقة، وغنم منهم سبع صلبان ذهبا وفضة، وكان أعظمها مكللا بالجواهر. وغنم خمسة عشر ألف دابة، ومن السروج والسيوف مثل ذلك، وأربع كراسي من ذهب، ومائتين من فضة وعشرين علما من الديباج وآنية كثيرة. وفي سنة ثلاث وسبعين غزا بالصائفة بازيار وتوغل في أرض الروم وقتل وغنم وأسر وسبى وعاد إلى طرسوس. وفي سنة ثمان وسبعين دخل أحمد الجعفي [5] طرسوس وغزا مع بازيار

بالصائفة ونازلوا إسكندا [1] فأصيب بازيار عليها بحجر منجنيق فرجع ومات في طريقه ودفن بطرسوس.

** الولايات بالنواحي أيام المعتز **

كانت الفتنة قد ملأت نواحي الدولة من أطرافها وأوساطها واستولى بنو سامان على ما وراء النهر، والصفار على سجستان وكرمان وملك فارس من يد عمال الخليفة، وانتزع خراسان من بني طاهر وكلهم مع ذلك يقيمون دعوة الخليفة. وغلب الحسن بن زيد على طبرستان وجرجان منازعا بالدعوة ومحاربا بالديلم لابن سامان والصفار، وعساكر الخليفة بأصبهان، واستولى صاحب الزنج على البصرة والأبلة إلى واسط وكور دجلة منازعا للدعوة ومشاققا، وأضرم تلك النواحي فتنة. ولم يزل الموفق في محاربته حتى حسم علته وقطع أثره واضطرمت بلاد الموصل والجزيرة فتنة بخوارج السراة [2] وبالقرب من بني شيبان وتغلب بالأكراد، واستولى ابن طولون على مصر والشام مقيما لدعوة الخلافة العباسية، وابن الأغلب بإفريقية كذلك. وأما المغرب الأقصى والأندلس فاقتطعا عن المملكة العباسية منذ أزمان كما قلنا، ولم يكن للمعتمد مدة خلافته كلها حكم ولا أمر ونهي، إنما كان مغلبا لأخيه الموفق وتحت استبداده، ولم يكن لهما جميعا كبير ولاية في النواحي باستيلاء من استولى عليها ممن ذكرناه إلا بعض الأجناس، فلنذكر ما وصل إلينا من هذه الولايات أيام المعتمد، فلأول ولايته استوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان وبعث جعلان لحرب الزنج بالبصرة فكان أمره معهم كما مر. ثم ولى عيسى بن الشيخ من بني شيبان على دمشق فاستأثر بها ومنع الخراج، وجاءه حسين الخادم من بغداد يطلب المال فاعتذر بأنه أنفقه على الجند، فكتب له المعتمد عهده في أرمينية ليقيم بها دعوته وقلد أماجور دمشق وأعمالها فسار إليها، وأنفذ عيسى بن الشيخ ابنه منصورا لقتال أماجور في عشرين ألفا، فانهزموا وقتل منصور وسار عيسى إلى أرمينية على طريق الساحل ودخل أماجور دمشق. وفي سنة ست وخمسين سار موسى بن بغا لحرب مساور الخارجي فلقيه (ساحة جائعين) [3] فنال الخوارج منهم. وفيها كان وثوب محمد بن واصل بن

إبراهيم التميمي على الحرث بن سيما عامل فارس، فقتله وغلب عليها كما مر. وفيها غلب الحسن بن زيد الطالبي على الري فسار إليها موسى بن بغا وغلب على عساكر الحسن، وظهر علي بن زيد بالكوفة وملكها، وبعث المعتمد لمحاربته كيجور التركي فخرج عنها إلى القادسية، ثم إلى ختان [1] ثم إلى بلاد بني أسد. وغزاه كيجور من الكوفة فأوقع به وعاد إلى الكوفة، ثم إلى سر من رأى. وفي سنة سبع وخمسين عقد المعتمد لأخيه الموفق على الكوفة والحرمين واليمن ثم على بغداد والسواد إلى البصرة والأهواز وأمره أن يعقد ليارجوج [2] على البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين مكان سعيد الحاجب. وعقد يارجوج على ذلك لمنصور بن جعفر الخياط ونزل الأهواز ثم عقد المعتمد حرب الزنج بالبصرة لأحمد بن المولد، فسار إليها وقاتل الزنج. وكان بالبطائح سعيد بن أحمد الباهلي متغلبا عليها فأخذه ابن المولد وبعث به إلى سامرا.

وفيها تغلب يعقوب الصفار على فارس وبعض أعمال خراسان، وولاه المعتمد ما غلب عليها [3] وفيها غلب الحسن بن زيد على خراسان، وانتقضت على ابن طاهر أعمال خراسان، وفيها اقتطع المعتمد مصر وأعمالها ليارجوج التركي فولى عليها أحمد بن طولون، ومات يارجوج لسنة بعدها فاستبد ابن طولون بها، وكان عبد العزيز بن أبي دلف على الري، فخرج عليها خوفا من جيوش ابن زيد صاحب طبرستان، فبعث الحسن من قرابته القاسم بن علي القاسم، فأساء فيها السيرة. وفي سنة ثمان وخمسين قتل منصور بن جعفر الخياط في حرب الزنج، وولي يارجوج على أعمال منصور، فولى عليها أصطيخور، وهلك في حرب الزنج، وعقد المعتمد للموفق على ديار مصر وقنسرين والعواصم. وبعثه لحرب الزنج ومعه مفلح فهلك في تلك الحرب. وعقد المعتمد على الموصل والجزيرة لمسرور البلخي فكانت بينه وبين مساور الشيباني حروب وكذلك بين الأكراد واليعقوبية، وأوقع بهم كما مر. وفيها رجع أحمد بن واصل إلى طاعة السلطان وسلم فارس للحسن بن الفياض. وفي سنة تسع وخمسين كان مهلك أصطيخور بالأهواز، فأمر المعتمد موسى بن بغا بالمسير

لحرب الزنج كما مر. وفيها ملك يعقوب الصفار خراسان وقبض على محمد بن طاهر، وكان لمنكجور على الكوفة، فسار عنها إلى سامرا بغير إذن، وأمر بالرجوع فأبى، فبعث المعتمد عدة من القواد فلقوه بعكبر فقتلوه وحملوا رأسه. وفيها غلب الحسن بن زيد على قومس وملكها، وكانت وقعة بين محمد بن الفضل بن نيسان وبين دهشودان ابن حسان الديلي فهزمه محمد، وفيها غلب شركب الحمال على مرو ونواحيها. وفي سنة ستين أقام يعقوب بن الصفار الحسن بن زيد فهزمه وملك طبرستان كما مر.

وأخرج أهل الموصل عاملهم أتكوتكين بن أساتكين، فبعث عليهم أساتكين إسحاق ابن أيوب في عشرين ألفا ومعه حمدان بن حمدون الثعلبي فامتنع أهل الموصل منهم وولوا عليهم يحيى بن سليمان، فاستولى عليها، وفيها قتلت الأعراب منجور وإلى حمص فولى بكتر، وولى على أذربيجان الرذيني عمر بن علي لما بلغه أن عاملها العلاء بن أحمد الأزدي فلج، فلما أتى الرذيني حاربه العلاء فانهزم وقتل، واستولى الرذيني على مخلفه قريبا من ألفي ألف وسبعمائة ألف درهم. وفيها سار علي بن زيد القائد بالكوفة إلى صاحب الزنج فقتله. وفي سنة إحدى وستين عقد المعتمد لموسى بن بغا على الأهواز والبصرة والبحرين واليمامة، مضافا لما بيده. فولاها موسى عبد الرحمن بن مفلح وبعثه لحرب ابن واصل، فهزمه ابن واصل وأسره كما مر، ورأى موسى بن بغا اضطراب تلك الناحية، فاستعفى منها ووليها أبو الساج، وملك الزنج الأهواز من يده، فصرف عن ولايتها ووليها إبراهيم بن سيما وولي محمد بن أوس البلخي طريق خراسان. ثم جاء الصفار إلى فارس، فغلب عليها ابن واصل كما مر، فجهز المعتمد أخاه الموفق إلى البصرة بعد أن ولاه المعتمد عهده بعد ابنه جعفر كما ذكرناه. وبعث الموفق ابنه أبا العباس لحرب الزنج فتقدما بين يديه، وفيها فارق محمد بن زيد ولاية يعقوب الصفار، وسار ابن أبي الساج إلى الأهواز وطلب أن يوجه الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى خراسان، وفيها استبد نصر بن أحمد بن سامان بسمرقند وما وراء النهر، وولى أخاه إسماعيل بخارى وفيها ولى المعتمد على الموصل الخضر بن أحمد بن عمر بن الخطاب، وفيها رجع الحسين بن زيد إلى طبرستان وأخرج منها أصحاب الصفار، وأحرق سالوس لممالأة أهلها الصفار وأقطع ضياعهم للديلم، وفيها نادى المعتمد في حاج خراسان والري وطبرستان وجرجان بالنكير على ما فعله الصفار في خراسان وابن طاهر، وانه لم يكن عن أمره ولا ولاه.

وفيها قتل مساور الشاربي يحيى ابن جعفر من ولاة خراسان، فسار مسرور البلخي في طلبه والموفق من ورائه. وفي سنة اثنتين وستين كانت الحرب بين الموفق والصفار، واستولى الزنج على البطيحة ودسيميسان [1] وولى على الأهواز كما ذكرنا، وبعث مسرور البلخي أحمد بن ليتونة [2] لحربهم كما مر. وفيها ثار أحمد بن عبد الله الخجستاني في خراسان بدعوة بني طاهر، وغلب عليها الصفار إلى أن قتل كما مر ذكره. وفيها وقعت مغاضبة بين الموفق وابن طولون فبعث إليه الموفق موسى بن بغا فأقام بالرقة حولا، وعجز عن المسير لقلة الأموال فرجع إلى العراق. وفيها انصرف عامل الموصل وهو القطان صاحب مفلح فقتله الأعراب بالبرية. وفي سنة ثلاث وستين استولى الصفار على الأهواز، ومات مساور الشاربي [3] وهو قاصد لقاء العساكر السلطانية بالتواريخ [4] . فولى الخوارج مكانه هارون بن عبد الله البلخي، فاستولى على الموصل. وفيها ظفر أصحاب الصفار بابن واصل. وفيها هزم ابن أوس من طريق خراسان وعاد إلى الموصل. وفيها ظفر أصحاب الصفار بابن واصل وأسروه، ومات عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المعتمد فاستوزر مكانه الحسن بن مخلد، وكان موسى بن بغا غائبا في غزو العرب، فلما قدم خافه الحسين [5] وتغيب، فاستوزر مكانه سليمان بن وهب وفيها غلب أخو شركب الحمال على نيسابور وخرج عنها الحسين بن طاهر إلى مرو وبها خوارزم شاه يدعو لأخيه محمد.

وفيها ملك صاحب الزنج مدينة واسط وقاتله دونها محمد بن المولد فهزمه ودخلها واستباحها. وفيها قبض المعتمد على وزيره سليمان بن وهب وولى مكانه الحسن بن مخلد، وجاء الموفق مع عبد الله بن سليمان شفيعا فلم يشفعه، فتحول إلى الجانب الغربي مغاضبا واختلفت الرسل بينه وبين المعتمد، وكان مع الموفق مسرور كيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا. ثم أطلق سليمان ودعا إلى الجوسق وهرب محمد بن صالح ابن شيرزاده والقواد الذين كانوا بسامرا مع المعتمد خوفا من الموفق، فوصلوا إلى الموصل وكتب الموفق لأحمد بن أبي الأصبغ في قبض أموالهم. وفيها مات أماجور

عامل دمشق وملك ابن طولون الشام وطرسوس وقتل عاملها سيما. وفي سنة خمس وستين ولي مسرور البلخي على الأهواز، وهزم الزنج. وفيها مات يعقوب الصفار وقام بأمره أخوه عمر، ولاه الموفق مكان أخيه بخراسان وأصبهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد. وفيها وثب القاسم بن مهان [1] بدلف ابن عبد العزيز بن أبي دلف بأصبهان، فوثب جماعة من أصحاب دلف بالقاسم فقتلوه. فولي أصبهان أحمد بن عبد العزيز أخو دلف، وفيها لحق محمد بن المولد بيعقوب الصفار وقبضت أمواله وعقاره ببغداد. وفيها حبس الموفق سليمان بن وهب وابنه عبد الله وصادرهما على تسعمائة ألف دينار، وفيها ذهب موسى بن أتامش وإسحاق بن كنداجق والفضل بن موسى بن بغا مغاضبين، وبعث الموفق في أثرهم صاعد بن مخلد فردهم من صرصر وفيها استوزر الموفق أبا الصقر إسماعيل بن بلبل. وفي سنة ست وستين ملك الزنج رامهرمز وغلب أساتكين على الري وأخرج عنها عاملها فطلقت [2] . ثم مضى إلى قزوين وبها أخوه كيغلغ فصالحه ملكها. وفيها ولى علي بن الليث على الشرطة ببغداد عبيد الله بن عبد الله طاهر، وعلى أصبهان أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وعلى الحرمين وطريق مكة محمد بن أبي الساج، وولى الموفق على الجزيرة أحمد بن موسى بن بغا فولى من قبله على ديار ربيعة موسى بن أتامش، فغضب لذلك إسحاق ابن كنداجق وفارق عسكر موسى، وسار إلى بلد، وأوقع بالأكراد اليعقوبية، ثم لقي ابن مساور الخارجي فقاتله وسار إلى الموصل، وطلب من أهلها المال، وخرج على ابن داود لقتاله مع إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون، وكانت بينهم حروب أخرها المعتمد لإسحاق بن كنداجق على الموصل، وقد مر ذلك من قبل، وفيها قتل أهل حمص عاملها عيسى الكرخي. وفيها كانت بين لؤلؤ غلام ابن طولون وبين موسى بن أتامش وقعة برأس عين، وأسره لؤلؤ وبعث به إلى الرقة، ثم لقيه أحمد بن موسى فاقتتلوا، وغلب أحمد أولا ثم كر لؤلؤ فغلبهم وانتهوا إلى قرقيسيا. ثم ساروا إلى بغداد وسامرا. وفيها أوقع أحمد بن عبد العزيز ببكتم [3] فانهزم ولحق ببغداد وأوقع الخجستاني بالحسن بن زيد بجرجان فلحق بآمد، وملك الخجستاني جرجان وأقطعه من طبرستان واستخلف على سارية الحسن ابن محمد بن جعفر بن عبد الله العقيقي بن

حسين الأصفر بن زين العابدين، فلما انهزم الحسن بن زيد أظهر الحسن بن محمد أنه قتل، ودعا لنفسه وحاربه الحسن بن زيد فظفر به وقتله. وفيها ملك الخجستاني نيسابور من يد عامل ابن عمرو بن الليث، وفيها في صفر زحف الموفق لقتال صاحب الزنج، فلم يزل يحاصره حتى اقتحم عليه مدينته وقتله منتصف سنة سبعين.

وفيها كانت الحرب بالمدينة بين بني حسن وبني جعفر. وفي سنة سبع وستين كانت الفتنة بالموصل بين الخوارج. وفيها حبس السلطان محمد بن عبد الله بن طاهر وجماعة من بيته، اتهمه عمرو بن الليث بممالأة الخجستاني والحسين بن طاهر أخيه، فكتب إلى المعتمد وحبسه. وفيها كانت بين كيقلغ [1] التركي وأحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وانهزم أحمد وملك كيقلغ همذان، فزحف إليه أحمد بن عبد العزيز فهزمه، وملك همذان. وسار كيقلغ إلى الصحيرة [2] . وفيها أزال الخجستاني ذكر محمد بن طاهر من المنابر ودعا لنفسه بعد المعتمد، وضرب السكة باسمه، وجاء يريد العراق فانتهى إلى الري. ثم رجع وفيها أوقع أصحاب أبي الساج بالهيثم العجلي صاحب الكوفة، وغنموا عسكره. وفيها أوقع أبو العباس بن الموفق بالأعراب الذين كانوا يجلبون الميرة بالزنج من بين تميم وغيرهم. وفي سنة ثمان وستين كان مقتل الخجستاني و [3] أصحابه بعده على رافع بن هرثمة من قواد بني طاهر وملك بلاد خراسان وخوارزم، وفيها انتقض محمد بن الليث بفارس على أخيه عمرو، فسار إليه وهزمه واستباح عسكره، وملك أصطيخور [4] وشيراز وظفر به، فحبسه كما مر. وفيها كانت وقعة بين أتكوتكين [5] بن أساتكين وبين أحمد بن عبد العزيز ابن أبي دلف فهزمه اتكوتكين وغلبه على قم. وفيها بعث عمرو بن الليث عسكرا إلى محمد بن عبد الله الكردي. وفيها انتقض لؤلؤ على مولاه أحمد بن طولون، وسار إلى الموفق وقاتل معه الزنج. وفيها سار المعتمد إلى ابن طولون بمصر مغاضبا لأخيه الموفق، وكتب الموفق إلى إسحاق بن كنداجق بالموصل برده، فسار معه إلى آخر عمله، ثم

قبض على القواد الذين معه، ورده إلى سامرا. وفيها وثب العامة ببغداد بأميرهم الخلنجي وكان كاتب عبيد الله بن طاهر، وقتل غلام له امرأة بسهم، فلم يعدهم عليه، فوثبوا به وقتلوا من أصحابه ونهبوا منزله وخرج هاربا، فركب محمد بن عبد الله واسترد من العامة ما نهبوه. وفيها وثب بطرسوس خلق من أصحاب ابن طولون وعامله على الثغور الشامية، فاستنقذه أهل طرسوس من يده، وزحف إليهم ابن طولون فامتنعوا عليه، ورجع إلى حمص، ثم إلى دمشق، وفيها كانت وقعة بين العلويين والجعفريين بالحجاز، فقتل ثمانية من الجعفريين وخلصوا عامل المدينة من أيديهم. وفيها عقد هارون بن الموفق لأبي الساج على الأنبار والرحبة وطريق الفرات، وولى محمد بن أحمد على الكوفة وسوادها ودافعه عنها محمد بن الهيثم فهزمه محمد ودخلها. وفيها مات عيسى بن الشيخ الشيباني عامل أرمينية وديار بكر.

وفيها عظمت الفتنة بين الموفق وابن طولون، فحمل المعتمد على لعنه وعزله، وولى إسحاق بن كنداجق على أعماله إلى إفريقية، وعلى شرطة الخاصة. وقطع ابن طولون الخطبة للموفق واسمه من الطرر [1] وفيها ملك ابن طولون الرحبة بعد مقاتلة أهلها، وهرب أحمد بن مالك بن طوق إلى الشام، ثم سار إلى ابن الشماخ بقرقيسياء. وفي سنة سبعين كان مقتل صاحب الزنج وانقراض دعوته، ووفاة الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان، وقيام أخيه محمد بأمره، ووفاة أحمد بن طولون صاحب مصر وولاية ابنه خمارويه ومسير إسحاق بن كنداجق بابن دعامس عامل الرقة والثغور والعواصم لابن طولون. وفي سنة إحدى وسبعين ثار بالمدينة محمد وعلي ابنا الحسن بن جعفر بن موسى الكاظم وقتلا جماعة من أهلها، ونهبا أموال الناس، ومنعا الجمعة بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا. وفيها عزل المعتمد عمرو بن الليث من خراسان فقاتله أحمد بن عبد الله بن أبي دلف بأصبهان وهزمه. وفيها استعاد خمارويه الشام من يد أبي العباس بن الموفق، وفر إلى طرسوس كما تقدم. وفيها عقد المعتمد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة وطريق مكة، وكان يوسف بن أبي الساج والي مكة. وجاء بدر غلام الطائي أميرا على الحاج فحاربه يوسف على باب المسجد الحرام وأسره، فسار الجند والحاج بيوسف وأطلقوا بدرا من يده وحملوا يوسف أميرا إلى بغداد. وفي منتصف سنة اثنتين وسبعين غلب أتكوتكين على الري من يد محمد بن

زيد العلوي. سار هو من قزوين في أربعة آلاف، ومحمد بن زيد من طبرستان في الديلم، وأهل خراسان، فانهزموا وقتل منهم ستة آلاف. وفيها ثار أهل طرسوس بأبي العباس بن الموفق وأخرجوه إلى بغداد وولوا عليهم بازيار [1] . وفيها توفي سليمان ابن وهب في حبس الموفق. وفيها دخل حمدان بن حمدون وهارون مدينة الموصل. وفيها قدم صاعد بن مخلد الوزير من فارس، وقد كان بعثه الموفق إليها لحرب [2] فرجع إلى واسط وركب القواد لاستقباله فترجلوا إليه وقبلوا يده، ولم يكلمهم. ثم قبض الموفق على جميع أصحابه وأهله ونهب منازلهم، وكتب إلى بغداد بقبض ابنه أبي عيسى وصالح وأخيه عبدون، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، واقتصر به على الكتابة. وفيها جاء بنو شيبان إلى الموصل فعاثوا في نواحيها وأجمع هارون الشاربي وأصحابه على قصدهم، وكتب إلى أحمد بن حمدون الثعلبي فجاءه وساروا إلى الموصل وعبروا الجانب الشرقي من دجلة، ثم ساروا إلى نهر الحادر [3] فلما تراءى الجمعان انهزم هارون وأصحابه وانجلى سوى [4] عنها. وفي سنة ثلاث وسبعين وقعت الفتنة بين ابن كنداجق وبين ابن أبي الساج وسار ابن أبي الساج إلى ابن طولون واستولى على الجزيرة والموصل، وخطب له فيها. وقاتل الشراة كما ذكرنا.

وفيها قبض الموفق على لؤلؤ غلام ابن طولون وصادره على أربعمائة ألف دينار وبقي في إدبار إلى أن عاد إلى مصر أيام هارون بن خمارويه. وفي سنة أربع وسبعين سار الموفق إلى فارس فاستولى عليها من يد عمرو بن الليث ورجع عمرو إلى كرمان وسجستان، وعاد الموفق إلى بغداد. وفي سنة خمس وسبعين نقض ابن أبي الساج طاعة خمارويه وقاتله خمارويه فهزمه، وملك الشام من يده وسار إلى الموصل، وخمارويه في اتباعه إلى بغداد. ولحق ابن أبي الساج بالحديثة فأقام بها إلى أن رجع خمارويه. وكان إسحاق ابن كنداج قد جاء إلى خمارويه فبعث معه جيشا وقواد في طلب ابن أبي الساج.

واشتغل بعمل السفن للعبور إليه فسار ابن أبي الساج عنها إلى الموصل، وأتبعه ابن

كنداج وسار إلى الرقة فاتبعه ابن أبي الساج، وكتب إلى الموفق يستأذنه في اتباعه إلى الشام. وجاء ابن كنداج بالعساكر من عند خمارويه وأقام على حدود الشام ثم هزم ابن أبي الساج فسار إلى الموفق وملك ابن كنداج ديار ربيعة وديار مضر، وقد تقدم ذكر ذلك. وفيها خرج أحمد بن محمد الطائي من الكوفة لحرب فارس العبدي وكان يخيف السابلة فهزمه العبدي، وكان الطائي على الكوفة وسوادها وطريق خراسان وسامرا وشرطة بغداد، وخراج بادر دباد قطربل [1] وفيها قبض الموفق على ابنه أبي العباس وحبسه. وفيها ملك رافع بن هرثمة جرجان من يد محمد بن زيد وحاصره في أستراباذ نحوا من سنتين، ثم فارقها الجيش لحربه فسار عن سارية وعن طبرستان سنة سبع وسبعين. واستأمن رستم بن قارن إلى رافع وقدم عليه علي بن الليث من حبس أخيه بكرمان هو وابناه العدل والليث. رافع على سالوس محمد بن هارون وجاء إليه علي بن كاني مستأمنا فحصرهما محمد بن زيد، وسار إليه رافع ففر إلى أرض الديلم ورافع في اتباعه إلى حدود قزوين فسار فيها وأحرقها وعاد إلى الري. وفي سنة ست وسبعين رضي المعتمد عن عمرو بن الليث وولاه وكتب اسمه على الأعلام، وولى على الشرطة ببغداد من قبله عبيد الله ابن عبد الله بن طاهر. ثم انتقض فأزيل. وفيها كان مسير الموفق إلى الجبل لأتكوتكين ومحاربة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وقد تقدم ذلك. وفيها ولى الموفق ابن أبي الساج على أذربيجان فسار إليها ودافعه عبد الله ابن حسن الهمذاني صاحب مراغة فهزمه ابن أبي الساج، واستقر في عمله. وفيها زحف هارون الشاري من الحديثة إلى الموصل يريد حربها، ثم صانعه أهل الموصل ورحل عنهم. وفي سنة سبع وسبعين دعا مازيار بطرسوس لخمارويه بن أحمد بن طولون، وكان أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف وسلاحا كثيرا. وبعث إليه بعد الدعاء بخمسين ألف دينار. وفي سنة ثمان وسبعين كانت وفاة الموفق وبيعة المعتضد بالعهد كما مر. وفيها كان ابتداء أمر القرامطة وقد تقدم. وفي سنة تسع وسبعين خلع جعفر بن المعتمد وقدم عليه المعتضد وكانت الحرب بين الخوارج وأهل الموصل، وبين بني شيبان وعلى بني شيبان هارون بن سيما من قبل محمد ابن إسحاق بن كنداج، ولاه عليها فطرده أهلها، فزحف إليهم مع بني شيبان ودافع عن أهل الموصل هارون الشاري وحمدان بن حمدون فهزمهم بنو شيبان، وخاف أهل

الموصل من ابن سيما وبعثوا إلى بغداد يطلبون واليا، فولى المعتمد عليهم محمد بن يحيى المجروح الموكل بحفظ الطريق، وكان ينزل الحديثة فأقام بها أياما ثم استبدل منه بعلي بن داود الكردي.

** وفاة المعتمد وبيعة المعتضد **

توفى المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن المتوكل لعشر بقين من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين لثلاث وعشرين سنة من ولايته، ودفن بسامرا، وهو أول من انتقل إلى بغداد وكان في خلافته مغلبا عاجزا وكان أخوه الموفق مستبدا عليه، ولم يكن له معه حكم في شيء. ولما مات الموفق سنة ثمان وسبعين كما قدمناه أقام مكانه ابنه أبا العباس أحمد المعتضد وحجر المعتمد كما كان أبوه يحجره، وولاه عهده كما كان أبوه.

ثم قدمه في العهد على ابنه جعفر، ثم هلك فبايع الناس للمعتضد بالخلافة صبيحة موته، فولى غلامه بدرا الشرطة وعبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة، ومحمد بن الشاري بن ملك الحرس. ووفد عليه لأول خلافته رسول عمرو بن الليث بالهدايا وسأل ولاية خراسان فعقد له عليها، وبعث إليه بالخلع واللواء، ولأول خلافته مات نصر بن أحمد الساماني ملك ما وراء النهر، وقام مكانه أخوه إسماعيل.

** مقتل رافع بن الليث [1] **

كان رافع بن الليث قد وضع يده على قرى السلطان بالري، وكتب إليه المعتضد برفع يده عنها، فكتب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف بإخراجه عن الري فقاتله وأخرجه، وسار إلى جرجان ودخل نيسابور سنة ثلاث وثمانين، فوقعت بينه وبين عمرو حرب وانهزم رافع إلى أبيورد وخلص عمرو ابني أخيه من حبسه، وهما العدل والليث ابنا علي بن الليث، وقد تقدم خبرهما. ثم سار رافع إلى هراة ورصده عمرو بسرخس فشعر به ورجع إلى نيسابور في مسالك صعبة، وطرق ضيقة، واتبعه عمرو فحاصره في نيسابور. ثم تلاقيا وهرب عن رافع بعض قواده إلى عمرو فانهزم رافع، وبعث أخاه محمد بن هرثمة إلى محمد بن زيد يستمده كما شرط له فلم يفعل.

وافترق عن رافع أصحابه وغلمانه، وفارقه محمد بن هارون إلى أحمد بن إسماعيل في

بخارى، ولحق رافع بخوارزم في فل من العسكر ومعه بقية أمواله وآلته، ومر في طريقه بأبي سعيد الدرعاني ببلد فاستغفله وغدر به وحمل رأسه إلى عمرو بن الليث بنيسابور وذلك في شوال سنة ثلاث وثمانين.

** خبر الخوارج بالموصل **

قد تقدم لنا أن خوارج الموصل من الشراة استفدر عليهم بعد مساور هارون الشاري وذكرنا شيئا من أخبارهم. ثم خرج عليه سنة ثمانين محمد بن عبادة ويعرف بأبي جوزة من بني زهير من البقعاء، وكان فقيرا ومعاشه ومعاش بنيه في التقاط الكمأة وغيرها وأمثال ذلك، وكان يتدين ويظهر الزهد، ثم جمع الجموع وحكم واستجمع إليه الأعراب من تلك النواحي، وقبض الزكوات والأعشار من تلك الأعمال، وبنى عند سنجار حصنا ووضع فيه أمتعته وما عونه، وأنزل به ابنه أبا هلال في مائة وخمسين، فجمع هارون الشاري أصحابه وبدأ بحصار الحصن فأحاط به ومحمد بن عبادة في داخله. وجد في حصاره حتى أشرف على فتحه وقيد أبا هلال ابنه ونفرا معه وبعث بنو ثعلب وهم مع هارون إلى من كان بالحصن من بني زهير فأمنوهم، وملك هارون الحصن. ثم ساروا إلى محمد فلقيهم وهزمهم أولا ثم كروا عليه مستميتين فهزموه، وقتلوا من أصحابه ألفا وأربعمائة، وقسم هارون ماله ولحق محمد بآمد، فحاربه صاحبها أحمد بن عيسى بن الشيخ فظفر به وبعثه إلى المعتضد فسلخه حيا.

** إيقاع المعتضد ببني شيبان واستيلاؤه على ماردين **

وفي سنة ثمانين سار المعتضد إلى بني شيبان بأرض الجزيرة ففروا أمامه، وأثار على طوائف من العرب عند السند فاستباحهم، وسار إلى الموصل فجاءه بنو شيبان وأعطوه رهنهم على الطاعة، فغلبهم وعاد إلى بغداد. وبعث إلى أحمد بن عيسى بن الشيخ في أموال ابن كنداج التي أخذها بأحمد، فبعث بها وبهل أياما كثيرة معها [1] . ثم بلغه أن أحمد بن حمدون ممالئ لهارون الشاري، وداخل في دعوته، فسار المعتضد إليه سنة إحدى وثمانين واجتمع الأعراب من بني ثعلب وغيرهم للقائه، وقتل منهم

وغرق في الزاب كثيرا، وسار إلى الموصل. ثم بلغه أن أحمد هرب عن ماردين وخلف بها ابنه، فسار المعتضد إليه ونازلة وقاتله يوما، ثم صعد من الغد إلى باب القلعة، وصاح بابن حمدان واستفتح الباب ففتح له دهشا وأمر بنقل ما في القلعة وهدمها، وبعث في طلب حمدان وأخذ أمواله.

** الولاية على الجبل وأصبهان **

عقد المعتضد سنة إحدى وثمانين لابنه علي وهو المكتفي على الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم وهمذان والدينور فاستأمن إليه عامل الري لرافع بن الليث، وهو الحسن بن علي كورة فأمنه وبعث به إلى أبيه.

** عود حمدان إلى الطاعة **

وفي سنة اثنتين وثمانين سار المعتضد إلى الموصل واستقدم إسحاق بن أيوب وحمدان ابن حمدون، فبادر إسحاق بقلاعه وأودع حرمه وأمواله، فبعث إليه المعتضد العساكر مع وصيف ونصر القسوري [1] ، فمروا بذيل الزعفران من أرض الموصل وبه الحسن ابن علي كورة، ومعه الحسين بن حمدان. فاستأمن الحسين وبعثوا له إلى المعتضد فأمر بهدم القلعة. وسار وصيف في اتباع حمدان. فواقعه وهزمه وعبر إلى الجانب الغربي من دجلة وسار في ديار ربيعة، وعبرت إليه العساكر وحبسوه فأخذوا ماله، وهرب وضاقت عليه الأرض فقصد خيمة إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضد مستجيرا به فأحضره عند المعتضد فوكل به وحبسه.

** هزيمة هارون الشاري ومهلكه **

كان المعتضد قد ترك بالموصل نصر القسروي لإعادته العمال على الجباية، وخرج بعض العمال لذلك فأغارت عليهم طائفة من أصحاب هارون الشاري وقتل بعضهم، فكثر عيث الخوارج. وكتب نصر القسروي إلى هارون يهدده، فأجابه وأساء في الرد وعرض بذكر الخليفة فبعث نصر بالكتاب إلى المعتضد فأمره بالجد في طلب هارون، وكان على الموصل يكتم طاتشمر من مواليهم فقبض عليه وقيده، وولى على الموصل الحسن كورة، وأمر ولاة الأعمال بطاعته، فجمعهم وعسكر بالموصل،

وخندق على عسكره إلى أن أوقع بالناس غلاتهم. ثم سار إلى الخوارج وعبر الزاب إليهم فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم وقتل منهم وافترقوا، وسار الكثير منهم إلى أذربيجان ودخل هارون البرية واستأمن وجوه أصحابه إلى المعتضد فأمنهم. ثم سار المعتضد سنة ثلاث وثمانين في طلب هارون فانتهى إلى تكريت، وبعث الحسين بن حمدون في عسكر نحو من ثلاثمائة فارس، واشترط إن جاء به إطلاق ابنه حمدان! وسار معه وصيف وانتهى إلى بعض مخايض دجلة فأرصد بها وصيفا وقال: لا تفارقوها حتى تروني! ومضى في طلبه فواقعه وهزمه، وقتل من أصحابه. وأقام وصيف ثلاثة أيام فأبطأ عليه الأمر فسار في اتباع ابن حمدان، وجاء هارون منهزما إلى تلك المخاضة فعبر، وابن حمدان في أثره إلى حي من أحياء العرب قد اجتاز بهم هارون، فدلوا ابن حمدان عليه فلحقه وأسره وجاء به إلى المعتضد. فرجع المعتضد آخر ربيع الأول وخلع على الحسين وإخوته وطوقه، وأدخل هارون على الفيل وهو ينادي: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون، وكان صغديا [1] . ثم أمر المعتضد بحل القيود عن حمدان ابن حمدون والإحسان إليه وبإطلاقه. وفي سنة اثنتين وثمانين سار المعتضد من الموصل إلى الجبل فبلغ الكرخ فهرب عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بين يديه فأخذ أمواله وبعث إليه في طلب جد كان عنده فوجهه إليه. ثم بعث المعتضد وزيره عبيد الله بن سليمان إلى ابنه بالري ليسير من هناك إلى عمر بن عبد العزيز بالأمان، فسار وأمنه ورجع إلى الطاعة فخلع عليه وعلى أهل بيته، وكان أخوه بكر بن عبد العزيز قد استأمن قبل ذلك إلى عبيد الله بن سليمان وبدر فولاه عمله، على أن يسير إلى حربه.

فلما وصل عمر في الأمان قال لبكر: إنما وليناك وأخوك عاص فامضيا إلى أمير المؤمنين المعتضد وولى عيسى النوشري على أصبهان من قبل عمرو هرب بكر إلى الأهواز وسار عبيد الله بن سليمان الوزير إلى علي بن المعتضد بالري. ولما بلغ الخبر إلى المعتضد بعث وصيفا موسكين [2] إلى بكر بن عبد العزيز بالأهواز فلحقه بحدود فارس، فمضى بكر إلى أصبهان ليلا ورجع وصيف إلى بغداد، وكتب المعتضد إلى بدر مولاه بطلب بكر بن عبد العزيز وحربه، فأمر بذلك عيسى النوشري فقام به ولقي بكرا بنواحي أصبهان فهزمه بكر، ثم عاد النوشري لقتاله سنة أربع وثمانين فهزمه بنواحي أصبهان

واستباح عسكره ولجأ بكر إلى محمد بن زيد العلوي بطبرستان وهلك بها سنة خمس وثمانين، وكان عمر لما مات أبوه قبض على أخيه الحرث ويكنى أبا ليلى، وحبسه في قلعة رد، ووكل به شفيعا الخادم. فلما جاء المعتضد واستأمن عمر وهرب بكر وبقيت القلعة بيد شفيع بأموالها، رغب إليه الحرث في إطلاقه فلم يفعل، وكان شفيع يسامره كل ليلة وينصرف فحادثه ليلة ونادمه وقام شفيع لبعض حاجته فجعل الحرث في فراشه تمثالا وغطاه وقال لجاريته: قولي لشفيع إذا عاد هو نائم، ومضى فاختفى في الدار وفك القيد عن رجله بمبرد أدخل إليه وبرد به مسماره. ولما أخبر شفيع بنومه مضى إلى مرقده وقصده أبو ليلى على فراشه فقتله، وأمر أهل الدار واجتمع عليه الناس فاستحلفهم ووعدهم، وجمع الأكراد وغيرهم وخرج من القلعة ناقضا للطاعة. فسار إلى عيسى النوشري وحاربه فأصاب أبا ليلى سهم فمات، وحمل رأسه إلى أصبهان ثم إلى بغداد.

** خبر ابن الشيخ بآمد **

وفي سنة خمس وثمانين توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ وقام بأمره في آمد وأعمالها ابنه محمد فسار المعتضد إليه في العساكر ومعه ابنه أبو محمد علي المكتفي، ومر بالموصل وحاصر المعتمد إلى ربيع الآخر من سنة ست وثمانين ونصب عليها المجانيق حتى استأمن لنفسه ولأهل آمد، وخرج إلى المعتمد فخلع عليه وهدم سورها ثم بلغه أنه يروم الهرب فقبض عليه وعلى أهله.

** خبر ابن أبي الساج **

قد تقدم لنا ولاية محمد بن أبي الساج على أذربيجان ومدافعة الحسين إياه عن مراغة، ثم فتحها واستيلاؤه على أعمال أذربيجان، وبعث المعتضد سنة اثنتين وثمانين أخاه يوسف بن أبي الساج إلى الصيمرة مددا لفتح القلانسي [1] غلام الموفق، فخرج يوسف فيمن أطاعه فولاه المعتضد على أعماله، وبعث إليه بالخلع وأعطاه الرهن بما ضمن من الطاعة والمناصحة وبعث بالهدايا.

** ابتداء أمر القرامطة بالبحرين والشام **

كان في سنة احدى وثمانين قد جاء إلى القطيف بالبحرين رجل تسمى بيحيى بن المهدي وزعم أنه رسول من المهدي، وأنه قد قرب خروجه، وقصد من أهل القطيف علي بن المعلى بن حمدان الرباديني، وكان متغاليا في التشيع، فجمع الشيعة وأقرأهم كتاب المهدي ليشيع الخبر في سائر قرى البحرين، فأجابوا كلهم وفيهم أبو سعيد الجنابي وكان من عظمائهم. ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة ورجع بكتاب المهدي يشكرهم على إجابتهم وأمرهم أن يدفعوا ليحيى ستة دنانير وثلاثين عن كل رجل منهم ففعلوا. ثم غاب وجاء بكتاب آخر بأن يدفعوا إليه خمس أموالهم فدفعوا، وأقام يتردد في قبائل قيس، ثم أظهر أبو سعيد الجنابي الدعوة بالبحرين سنة ست وثمانين واجتمع إليه القرامطة والأعراب، وقتل واستباح وسار إلى القطيف طالبا البصرة، وبلغت النفقة فيه أربعة عشر ألف دينار. ثم قرب أبو سعيد من نواحي البصرة، وبعث المعتضد إليهم المدد مع عباس بن عمر الغنوي وعزله عن فارس وأقطعه اليمامة والبحرين، وضم إليه ألفين من المقاتلة، وسار إلى البصرة وأكثر من الحشد جندا ومتطوعة. فسار ولقي أبا سعيد الجنابي، ورجع من كان معه بني ضبة إلى البصرة. ثم كان اللقاء فهزمه الجنابي وأسره واحتوى على معسكره وحرق الأسرى بالنار وذلك في شعبان من هذه السنة. وسار إلى هجر فملكها وأمن أهلها ورجع إلى أهل البصرة، وبعثوا إليهم بالرواحل عليها الطعام والماء، فاعترضهم بنو أسد وأخذوا الرواحل وقتلوا الفل، واضطربت البصرة وتشوف أهلها إلى الانتقال فمنعهم الواثقي. ثم أطلق الجنابي العباس الغنوي فركب إلى الأبلة وسار منها إلى بغداد، فخلع عليه المعتضد. وأما ظهورهم بالشام فان داعيتهم ذكرويه بن مهرويه الذي جاء بكتاب المهدي إلى العراق لما رأى الجيوش متتابعة إلى القرامطة بالسواد، وأبادهم القتل، لحق بأعراب أسد وطيئ، فلم يجبه فبعث أولاده في كلب بن وبرة فلم يجبه منهم إلا بنو القليظي بن ضمضم بن عدي بن جناب، فبايعوا ذكرويه ويسمى بيحيى ويكنى بأبي القاسم، ولقبوه الشيخ، وأنه من ولد إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق. وأنه يحيى بن عبد الله بن يحيى بن إسماعيل، وزعم أن له مائة ألف تابع، وان ناقته التي يركبها مأمورة فمن تبعها كان منصورا. فقصدهم شبل مولى

المعتضد في العساكر من ناحية الرصافة فقتلوه. فسار إليهم شبل مولى أحمد بن محمد الطائي فأوقع بهم. وجاء ببعض رؤسائهم أسيرا فأحضره المعتضد وقال له هل تزعمون أن روح الله وأنبيائه تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل، وتوفقكم لصالح العمل؟ فقال له: يا هذا أرأيت إن حلت روح إبليس فما ينفعك؟ فاترك ما لا يعنيك إلى ما يعنيك. قال له: فقل فيما يعنيني! فقال له: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوكم العباس حي فلم يطلب الأمر ولا بايعه. ثم مات أبو بكر واستخلف عمر وهو يرى العباس ولم يعهد إليه عمر ولا جعله من أهل الشورى، وكانوا ستة وفيهم الأقرب والأبعد، وهذا إجماع منهم على دفع جدك عنها. فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه، ثم قطع مرتين ثم قتل. ولما أوقع شبل بالقرامطة بسواد الكوفة ساروا إلى الشام فانتهوا إلى دمشق وعليها طغج بن جف مولى أحمد بن طولون من قبل ابنه هارون، فخرج إليهم فقاتلهم مرارا، هزموه في كلها. هذه أخبار بدايتهم ونقبض العنان عنها إلى أن نذكر سياقتها عند ما نعدد أخبارهم على شريطتنا في هذا الكتاب كما تقدم.

** استيلاء ابن ماسان على خراسان من يد عمرو بن الليث وأسره ثم مقتله **

لما تغلب عمرو بن الليث الصفار على خراسان من يد رافع بن الليث، وقتله وبعث برأسه إلى المعتضد، وطلب منه أن يوليه ما وراء النهر مضافا إلى ولاية خراسان، كتب له بذلك فجهز الجيوش لمحاربة إسماعيل بن أحمد صاحب ما وراء النهر، وجعل عليهم محمد بن بشير من أخص أصحابه. وبعث معه القواد فانتهوا إلى آمد من شط جيحون، وعبر إليهم إسماعيل فهزمهم وقتل محمد بن بشير في ستة آلاف، ولحق الفل بعمرو في نيسابور، فتجهز وسار إلى بلخ، وكتب إليه إسماعيل يستعطفه ويقول: أنا في ثغر وأنت في دنيا عريضة فاتركني واستفد ألفتي فأبى. وصعب على أصحابه عبور النهر لشدته فعبر إسماعيل وأخذ الطرق على بلخ وصار عمرو محصورا. واقتتلوا فانهزم عمرو وتسرب من بعض المسالك عن أصحابه فوجد في أجمة وأخذ أسيرا، وبعث به إسماعيل إلى سمرقند ومن هناك إلى المعتضد سنة ثمان وثمانين، فحبسه إلى أن مات المعتضد سنة تسع بعدها فقتله ابنه المكتفي وعقد لإسماعيل على

خراسان كما كانت لعمرو، وكان عمرو عظيم السياسة، وكان يستكثر من المماليك ويجرى علي الأرزاق ويفرقهم على قواد ليطالعوه بأخبارهم. وكان شديد الهيبة، ولم يكن أحد يتجاسر أن يعاقب غلاما ولا خادما إلا أن يرفعه إلى حجابه.

** استيلاء ابن سامان على طبرستان من يد العلوي ومقتله **

ولما بلغ محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان والديلم ما وقع بعمر وبن الليث وأنه أسر طمع هو في خراسان وظن أن ابن إسماعيل لا يتجاوز عمله، فسار إلى جرجان وبعث إليه إسماعيل بالكف فأبى، فجهز لحربه محمد بن هارون، وكان من قواد رافع بن الليث. واستأمن إلى عمرو ثم إلى إسماعيل فنظمه في قواده وندبه الآن لحرب محمد بن زيد، فسار لذلك. ولقيه على باب خراسان، فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم محمد بن هارون أولا وافترقت عساكر محمد بن زيد على النهب ثم رجع هو وأصحابه، وانهزم محمد بن زيد وجرح جراحات فاحشة هلك منها لأيام، وأسر ابنه زيد، وبعث به إسماعيل إلى بخارى واجترأ عليه وغنم ابن هارون معسكرهم، ثم سار إلى طبرستان فملكها وصار خراسان وطبرستان لبني سامان، واتصلت لهم دولة نذكر سياقة أخبارها عند إفراد دولتهم بالذكر كما شرطناه في تأليفنا.

** ولاية علي بن المعتضد على الجزيرة والثغور **

ولما ملك المعتضد آمد من يد ابن الشيخ كما قدمناه، سار إلى الرقة وتسلم قنسرين والعواصم من يد عمال هارون بن خمارويه لأنه كان كتب إليه أن يقاطعه على الشام ومصر ويسلم إليه أعمال قنسرين، ويحمل إليه أربعمائة ألف دينار وخمسين ألفا فأجابوه وسار من آمد إلى الرقة فأنزل ابنه عليا الذي لقبه بعد ذلك بالمكتفي وعقد له على الجزيرة وقنسرين والعواصم سنة ست وثمانين. واستكتب له الحسن بن عمر النصراني واستقدم وهو بالرقة راغبا مولى الموفق من طرسوس، فقدم عليه وحبسه وحبس ملنون غلامه، واستصفى أموالهما، ومات راغب لأيام من حبسه وقد كان راغب استبد بطرسوس وترك الدعاء لهارون بن خمارويه، ودعا لبدر مولى المعتضد. ولما جاء أحمد بن طبان للغز سنة ثلاث وثمانين تنازع معه راغب، فركب أحمد البحر في

رجوعه ولم يعرج على طرسوس وترك بها دميانة غلام بازيار [1] وأمده فقوي وأنكر على راغب أفعاله بحمل دميانة إلى بغداد، واستبد راغب إلى استدعاء المعتضد ونكبه كما قلناه، وولى ابن الأخشاء على طرسوس فمات لسنة. واستخلف أبا ثابت وخرج سنة سبع وثمانين غازيا فأسر وولى الناس عليهم مكانه علي بن الأعرابي، ولحق بملطية في هذه السنة وصيف مولى محمد بن أبي الساج صاحب بردعة، وكتب إلى المعتمد يسأله ولاية الثغور وقد وطأ صاحبه أن يسير إليه إذا وليها فيقصدان ابن طولون ويملكان مصر من يده، وظهر المعتضد على ذلك فسار لاعتراضه، وقدم العساكر بين يديه، فأخذوه بعين زربة وجاءوا به إلى المعتضد فحبسه، وأمن عسكره ورحل إلى قرب طرسوس، واستدعى رؤساءها وقبض عليهم بمكاتبتهم وصيفا، وأمر بإحراق مراكب طرسوس بإشارة دميانة، واستعمل على أهل الثغور الحسن بن علي كورة وسار إلى أنطاكية وحلب ورجع منها إلى بغداد وقتل وصيفا وصلبه. واستقدم المكتفي بعد وفاة المعتضد الحسن بن علي، وولى على الثغور مظفر بن حاج. ثم شكا أهل الثغر منه فعزله وولى أبا العشائر بن أحمد بن نصر سنة تسعين.

** حرب الأعراب **

وفي سنة ست وثمانين اعترضت طيئ ركب الحاج بالاجيعر، وقاتلوه ونهبوا أموال التجار ما قيمته ألف ألف دينار، ثم اعترضوا الحاج كذلك سنة تسع وثمانين بالقرن فهزمهم الحاج وسلموا.

** تغلب ابن الليث على فارس وإخراج بدر إياه **

وفي فاتح ثمان وثمانين جاء طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث في العساكر إلى بلاد فارس، وأخرج منها عامل المعتضد وهو عيسى النوشري كان على أصبهان فولاه المعتضد فارس، فسار إليها فجاءه طاهر وملكها. وكتب إليه إسماعيل صاحب ما وراء النهر بأن المعتضد ولاه سجستان لذلك، وعقد المعتضد لبدر مولاه على فارس، وهرب عمال طاهر عنها وملكها بدر وجبى خراجها. ثم مات المعتضد وسار مغربا عن فارس فقتل بواسط وقاطع طاهر بلاد فارس على مال يحمله، فقلده المكتفي ولايتها سنة تسعين.

** الولايات في النواحي **

كان أكثر النواحي في دولة المعتضد مغلبا عليها كخراسان وما وراء النهر لابن سامان، والبحرين للقرامطة ومصر لابن طولون وإفريقية لابن الأغلب، وقد ذكرنا من ولي الموصل. وفي سنة خمس وثمانين ولى المعتضد عليها وعلى الجزيرة والثغور الشامية [1] مولاه، ثم ملك آمد من يد ابن الشيخ وجعلها لابنه علي المكتفي وأنزله الرقة كما ذكرناه وعقد له على الثغور. ثم عقد بعده للحسن بن علي كورة وولى على فارس بدرا مولاه. ومات إسحاق بن أيوب بن عمر بن الخطاب الثعلبي العدوي أمير ديار ربيعة، فولى المعتضد مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعمر.

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com