John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 16

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 28 of 67

وفي سنة ثمان وثمانين ظهر باليمن بعض العلويين وتغلب على صنعاء، فجمع له بنو يعفر وقاتلوه فهزموه وأسروا ابنه، وتجافى نحو خمسين فارسا، وملك بنو يعفر صنعاء وخطبوا فيها للمعتضد، وهلك ابن أبي الساج في هذه السنة، فولى أصحابه ابنه ديوداد. ونازعه عمه يوسف بن رافع بابن أخيه وهزمه ومضى إلى بغداد على طريق الموصل، واستقل يوسف بملك أذربيجان، وعرض على ابن أخيه المقام عنده فأبى، وقلد المعتضد لأول خلافته ديوان المشرق لمحمد بن داود بن الجراح، عوضا عن أحمد بن محمد بن الفرات، وديوان المغرب علي بن عيسى بن داود بن الجراح، ومات وزيره عبيد الله بن سليمان بن وهب فولى ابنه أبا القاسم مكانه.

** الصوائف **

وفي سنة خمس وثمانين غزا راغب مولى الموفق من طرسوس في البحر، فغنم مراكب الروم، قتل فيها نحوا من ثلاثة آلاف وأحرقها. وخرج الروم سنة سبع وثمانين ونازلوا طرسوس فقاتلهم أميرها واتبعهم إلى نهر الرحال فأسروه. وفي سنة ثمان وثمانين بعث الحسن بن علي كورة صاحب الثغور بالصائفة، فغزا وفتح حصونا كثيرة وعاد بالأسرى، فخرج الروم في أثره برا وبحرا إلى كيسوم من نواحي حلب فأسروا نحوا من خمسة عشر ألفا ورجعوا.

** وفاة المعتضد وبيعة ابنه **

كان بدر مولى المعتضد عظيم دولته، وكان القاسم بن عبيد الله الوزير يروم نقل الخلافة في غير بني المعتضد، وفاوض في ذلك بدرا أيام المعتضد فأبى، ولم يمكن القاسم مخالفته. فلما مات المعتضد كان بدر بفارس بعثه إليها المعتضد لما بلغه أن طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث غلب عليها فبعث بدرا وولاه. فلما مات عقد الوزير البيعة لابنه المكتفي وخشي من بدر فيما اطلع عليه منه، فأعمل الحيلة في أمره. وكان المكتفي أيضا يحقد لبدر كثيرا من منازعة معه أيام أبيه، فدس الوزير إلى القواد الذين مع بدر بمفارقته، ففارقه العباس بن عمر الغنوي ومحمد بن إسحاق بن كنداج وخاقان العلجى [1] وغيرهم، فأحسن الملتقى إليهم وسار بدر إلى واسط، فوكل المكتفي بداره وقبض على أصحابه وأمر بمحو اسمه من الفراش [2] والأعلام وبعث الحسن بن علي كورة في جيش إلى واسط، وعرض على بدر ما شاء من النواحي، فقال: لا بد لي أن أشافه مولاي بالقول! فخوف الوزير المكتفي خائنته ومنعه من ذلك، وشعر أن بدرا بعث عن ابنه هلال فوكل به. ثم بعث الوزير عن القاضي أبي عمر المالكي وحمله الأمان إلى بدر، فجاء بأمانه وبعث الوزير من اعترضه بالطريق فقتله لست خلون من رمضان، وحمل أهله شلوه إلى مكة فدفن بها لوصيته بذلك، وحزن القاضي أبو عمر لاخفار ذمته.

** استيلاء محمد بن هارون على الري ثم أسره وقتله **

قد تقدم لنا ذكر محمد بن هارون وأنه كان من قواد رافع بن هرثمة، ونظمه إسماعيل بن أحمد صاحب ما وراء النهر في قواده وبعثه لحرب محمد بن زيد فهزمه واستولى على طبرستان، وولاه إسماعيل عليها. ثم انتقض ودعا بدعوة العلوية وبيض [3] وساعده ابن حسان الديلمي. وبعث إسماعيل العساكر لقتال ابن حسان فهزموه. وكان على الري من قبل المكتفي أغرتمش التركي، فأساء السيرة فبعث أهل الري إلى محمد بن هارون أن يسير إليهم ويولوه، فسار وحارب أغرتمش فهزمه وقتله، وقتل ابنيه وأخاه

كيغلغ من القواد واستولى على الري وبعث المكتفي مولاه خاقان المفلحي لولاية الري في جيش كثيف فلم يصلها، وبعث المكتفي إلى إسماعيل بولايته ومحاربة محمد بن هارون فسار إسماعيل إليه وهزمه، فخرج عن الري إلى قزوين وزنجان. ثم لحق بطبرستان واستقر مع ابنه مستجيزا، ولما ملك إسماعيل الري ولى على جرجان مولاه نارس الكبير [1] ، والزمه إحضار محمد بن هارون فكاتبه نارس وضمن له صلاح الحال، فقبل وانصرف عن الديلم إلى بخارى، فبعث إسماعيل من اعترضه وحمل إلى بخارى مقيدا فمات في الحبس بعد شهر وذلك في شعبان سنة تسعين.

** استيلاء المكتفي على مصر وانقراض دولة ابن طولون **

كان محمد بن سليمان من قواد بني طولون وكاتب جيشهم واستوحش منهم، فلحق بالمعتضد وصرفوه في الخدم، وكانت القرامطة عاثوا في بلاد الشام وحاصروا عامل بني طولون بدمشق وهو طغج بن جف، وقتلوا قواده. وسار المكتفي إليهم فنزل الرقة وبعث محمد بن سليمان لحربهم ومعه الحسن بن حمدان والعساكر وبنو شيبان، فلقيهم قرب حماة فهزمهم واتبعهم إلى الكوفة، وقبض في طريقه على أميرهم صاحب الشامة فبعث به إلى المكتفي، فرجع إلى بغداد وخلف محمد بن سليمان في العساكر فتبعهم وأسر جماعة منهم. وبينما هو يروم العود إلى بغداد جاءه كتاب بدر الحمامي مولى هارون بن خمارويه ومحمد فائق صاحب دمشق يستقدمانه إلى البلاد لعجز هارون عنها، فأنهى ذلك محمد بن سليمان عند عوده إلى المكتفي فأعاده وأمده بالجنود والأموال، وبعث دميانة غلام بازيار في الأسطول ليدخل من فوهة النيل ويحاصر مصر، ولما وصل ودنا من مصر كاتب القواد، وخرج إليه رئيسهم بدر الحمامي وتتابع منهم جماعة، وبرز هارون لقتاله فحاربه أياما. ثم وقعت بعض الأيام في عسكره هيعة ركب لها ليسكنها فأصابته حربة مات منها، واجتمع أصحابه على عمه شيبان وبذل الأموال فقاتلوا معه. ثم جاءهم كتاب محمد بن سليمان بالأمان فأجابوه، وخالف شيبان إلى مصر فاستولى عليها واستأمن إليه شيبان سرا فأمنه ولحق به. ثم قبض على بني طولون وحبسهم واستصفى أموالهم وذلك في صفر سنة اثنتين وتسعين، وأمره المكتفي بإزالة آل طولون وأشياعهم من مصر والشام ففعل.

وسار بهم إلى بغداد وولى المكتفي على مصر عيسى النوشري وخرج عليه إبراهيم الخليجي من قواد بني طولون يخلف عن محمد بن سليمان، فخلفه وكثر جمعه وسار النوشري إلى الإسكندرية عجزا عن مدافعته، واستولى الخليجي على مصر وبعث المكتفي بالجنود مع فاتك مولى المعتضد وأحمد بن كيغلغ وبدر الحمامي من قواد بني طولون، فوصلوا سنة ثلاث وتسعين، وتقدم أحمد بن كيغلغ وجماعة من القواد، فلقيهم قرب العريش فهزمهم وقوي الأمر، وبلغ الخبر إلى المكتفي فعسكر ظاهر بغداد، وانتهى مده إلى تكريت فلقيه كتاب فاتك في شعبان يذكر أنهم هزموا الخليجي بعد حروب متصلة، وغنموا عسكره. ثم هرب واختفى بفسطاط مصر وجاء من دل عليه فأمر المكتفي بحمله ومن معه إلى بغداد فبعثوا بهم وحبسوا.

** ابتداء دولة بني حمدان **

وفي سنة اثنتين وتسعين عقد المكتفي على الموصل وأعمالها لأبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون العدوي الثعلبي فقدمها أول المحرم وجاء الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهدبانية ومقدمهم محمد بن سلال [1] قد أغاروا على البلاد وعانوا، فخرج في العساكر وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي، ولقيهم على الحارد [2] فقاتلهم وقتل من قواد سليمان الحمداني [3] ورجع عنهم، وبعث إلى الخليفة يستمده، فأبطأ عليه المدد إلى ربيع من سنة أربع [4] ، فلما جاءه المدد سار إلى الهدبانية وهم مجتمعون في خمسة آلاف بيت، فارتحلوا أمامه واعتصموا بجبل السلق المشرف على الزاب، فحاصرهم وعرفوا حقه فخذله أميرهم محمد بن سلال بالمراسلة في الطاعة والرهن، وحث أصحابه خلال ذلك في المسير إلى أذربيجان، واتبعهم أبو الهيجاء فلحقهم صاعدا إلى جبل القنديل فنال منهم، وامتنعوا بذروته. ورجع أبو الهيجاء عنهم فلحقوا بأذربيجان، ووفد أبو الهيجاء على المكتفي فأنجده بالعسكر وعاد إلى الموصل. ثم سار إلى الأكراد بجبل السلق فدخله وحاصرهم بقنته، وطال حصارهم واشتد البرد وعدمت الأقوات، وطلب محمد بن سلال النجاة بأهله

وولده، فنجا واستولى ابن حمدان على أموالهم وأهليهم وأمنهم. ثم استأمن محمد بن سلال فأمنه وحضر عنده وأقام بالموصل وتتابع الأكراد الحميدية مستأمنين، واستقام أمر أبي الهيجاء بالموصل. ثم انتقض سنة إحدى وثلاثمائة فبعث إليه المقتدر مؤنسا الخادم فجاء بنفسه مستأمنا ورجع إلى بغداد، فقبله المقتدر وأكرمه. وبقي ببغداد إلى أن انتقض أخوه الحسين بديار ربيعة سنة ثلاث وثلاثمائة. وسارت العساكر فجاءوا به أسيرا. فحبس المقتدر عند ذلك أبا الهيجاء وأولاده، وجمع إخوته بداره ثم أطلقهم سنة خمس وثلاثمائة.

** أخبار ابن الليث بفارس **

قد تقدم لنا استقلال طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث ببلاد فارس وأن المكتفي عقد له عليها سنة تسعين، ثم أنه تشاغل باللهو والصيد، وأعرض عن أمور ملكه.

ومضى في بعض الأيام إلى سجستان فوثب على فارس الليث بن علي بن الليث، وسيكرى مولى عمرو بن الليث، فاستوحش منها بعض قوادهما يعرف بأبي قابوس، وفارقهما إلى بغداد وأحسن المكتفي إليه. ثم كتب إليه طاهر في رد أبي قابوس إليه، ويحتسب له ما معه من أموال الجباية فأعرض الخليفة عن ذلك.

** الصوائف **

وفي سنة إحدى وتسعين خرج الروم إلى الثغور في مائة ألف، وقصد جماعة منهم الحدث. ثم غزا بالصائفة من طرسوس القائد المعروف غلام زرافة، ففتح مدينة أنطاكية وفتحها عنوة فقتل خمسة آلاف من مقاتلتهم وأسر مثلها. واستنقذ من أسرى المسلمين مثلها، وغنم ستين من مراكب الروم بما فيها من المال والمتاع والرقيق، فقسمها مع غنائم أنطاكية، فكان السهم ألف دينار. وفي سنة اثنتين وتسعين أغار الروم على مرعش ونواحيها، فخرج أهل المصيصة وأهل طرسوس فأصيب منهم جماعة، فعزل المكتفي أبا العشائر عن الثغور وولى رستم بن برد، فكان على يديه الفداء، وفودي ألف من المسلمين. ثم أغارت الروم سنة ثلاث وتسعين على موارس من أعمال حلب، وقاتلهم أهلها فانهزموا وقتل منهم خلق، ودخلها الروم فأحرقوا جامعها وأخذوا من بقي فيها. وفي سنة أربع وتسعين غزا ابن كيغلغ من طرسوس فأصاب من الروم أربعة آلاف سبيا، واستأمن بطريق من الروم فأسلم. ثم عاود ابن

كيغلغ الغزو وبلغ سكند [1] وافتتحها، وسار إلى الليس فبلغ خمسين ألف رأس.

وقتل من الروم خلقا ثم استأمن البطريق المتولي الثغور من جهة الروم إلى المكتفي، وخرج بمائتي أسير من المسلمين. وكان ملك الروم قد شعر بأمره وبعث من يقبض عليه، فقتل الأسرى المسلمون من جاء للقبض عليه وغنموا عسكرهم. واجتمع الروم على محاربة البطريق انذوقس [2] وزحف المسلمون لخلاصه وخلاص من معه من الأسرى، فبلغوا قونية وخربوها وانصرف الروم، ومر المسلمون في طريقهم بحصن أندوس فخرج معهم بأهله وسار إلى بغداد. وفي سنة إحدى وتسعين خرج الترك إلى ما وراء النهر في خلق لا يحصون، فبعث إليهم إسماعيل عسكرا عظيما من الجند والمطوعة فكبسوهم واستباحوهم. وفي سنة ثلاث وتسعين افتتح إسماعيل مدائن كثيرة من بلاد الترك والديلم.

** الولايات بالنواحي **

قد ذكرنا ولايات خاقان المفلحي على الري، ثم إسماعيل بن أحمد بن سامان بعده، وولاية عيسى النوشري على مصر بعد انتزاعها من بني طولون، وولاية أبي العشائر أحمد بن نصر على طرسوس وعزل مظفر بن حاج عنها سنة تسعين، ثم عزل أبي العشائر وولاية رستم بن برد، وسنة اثنتين وتسعين. وانتزاع الليث بن علي بن الليث بلاد فارس من يد طاهر بن محمد سنة ثلاث وتسعين بعد أن كان المكتفي عقد له عليها سنة تسعين، وولاية أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان على الموصل سنة ثلاث وتسعين.

وفي هذه السنة ثار داعية القرامطة باليمن إلى صنعاء فملكها واستباحها وتغلب على كثير من مدن اليمن وبعث المكتفي المظفر بن الحاج في شوال من هذه السنة إلى عمله باليمن فأقام به وفي سنة إحدى وتسعين توفي الوزير أبو القاسم بن عبيد الله واستوزر مكانه العباس بن الحسن.

** وفاة المكتفي وبيعة المقتدر **

ثم توفي المكتفي بالله أبو محمد علي بن المعتضد في شهر جمادى سنة خمس وتسعين لست سنين ونصف من ولايته، ودفن بدار محمد بن طاهر من بغداد بعد أن عهد

بالأمر إلى أخيه جعفر. وكان الوزير العباس بن الحسن قد استشار أصحابه فيمن يوليه، فأشار محمد بن داود بن الجراح بعبد الله بن المعتز، ووصفه بالعقل والرأي والأدب، وأشار أبو الحسين بن محمد بن الفرات بجعفر بن المعتضد بعد أن أطال في مفاوضته وقال له: اتق الله ولا توال إلا من خبرته ولا تول البخيل فيضيق على الناس في الأرزاق، ولا الطماع فيشره إلى أموال الناس، ولا المتهاون بالدين فلا يجتنب المآثم ولا يطلب الثواب. ولا تول من خبر الناس وعاملهم واطلع على أحوالهم، فيستكثر على الناس نعمهم، وأصلح الموجودين مع ذلك جعفر بن المعتضد. قال: ويحك وهو صبي! فقال: وما حاجتنا بمن لا يحتاج إلينا ويستبد علينا؟ ثم استشار علي بن عيسى فقال: اتق الله وانظر من يصلح. فمالت نفس الوزير إلى جعفر كما أشار ابن الفرات، وكما أوصى أخوه، فبعث صائفا الخدمي [1] فأتى به من داره بالجانب الغربي، ثم خشي عليه غائلة الوزير فتركه في الحراقة، وجاء إلى دار الخلافة فأخذ له البيعة على الحاشية. ثم جاء به من الحراقة وجاء إلى دار الخلافة فأخذ له البيعة على الحاشية. ثم جاء به من الحراقة وأقعده على الأريكة وجاء الوزير والقواد فبايعوه، ولقب المقتدر بالله وأطلق يد الوزير في المال وكان خمسة عشر ألف ألف دينار فأخرج منه حق البيعة واستقام الأمر.

** خلع المقتدر بابن المعتز وإعادته **

ولما بويع المقتدر وكان عمره ثلاث عشرة سنة استصغره الناس وأجمع الوزير خلعه والبيعة لأبي عبد الله محمد بن المعتز وراسله في ذلك، فأجاب وانتظر قدوم نارس حاجب إسماعيل بن سامان، كان قد انتقض إلى مولاه وسار عنه، فاستأذن في القدوم إلى بغداد وأذن له. وقصد الاستعانة به على موالي المعتضد. وأبطأ نارس عليه، وهلك أبو عبد الله بن المقتدر خلال ذلك فصرف الوزير وجهة لأبي الحسين بن الموكل فمات، فأقر المقتدر، ثم بدا له وأجمع عزله، واجتمع لذلك مع القواد والقضاة والكتاب وراسلوا عبد الله بن المعتز فأجابهم على أن لا يكون قتال. فأخبروه باتفاقهم وأن لا منازع لهم. وكان المتولون لذلك الوزير العباس بن الحسين ومحمد بن داود بن الجراح وأبا المثنى أحمد بن يعقوب القاضي، ومن القواد الحسين بن حمدان

وبدر الأعجمي ووصيف بن صوارتكين. ثم رأى الوزير أمره صالحا المقتدر فبدا له في ذلك فأجمع الآخرون أمرهم، واعترضه الحسين بن حمدان وبدر الأعجمي ووصيف في طريق لستانة فقتلوه لعشر بقين من ربيع الأول سنة ست وتسعين، وخلعوا المقتدر من الغد وبايعوا لابن المعتز، وكان المقتدر في الحلبة يلعب الأكرة، فلما بلغه قتل الوزير دخل الدار وأغلق الأبواب، وجاء الحسين بن حمدان إلى الحلبة ليفتك به فلم يجده، فقدم وأحضروا ابن المعتز فبايعوه، وحضر الناس والقواد وأرباب الدواوين سوى أبي الحسن بن الفرات وخواص المقتدر فلم يحضروا. ولقب ابن المعتز المرتضى بالله، واستوزر محمد بن داود بن الجراح، وقلد علي بن موسى الدواوين، وبعث إلى المقتدر بالخروج من دار الخلافة، فطلب الإمهال إلى الليل، وقال مؤنس الخادم ومؤنس الخازن: وعربت الحال وسائر الحاشية لا بد أن يبدي عذرا فيما أصابنا. وباكر الحسين بن حمدان من الغد دار الخلافة فقاتله الغلمان والخدم من وراء السور وانصرف. فلما جاء الليل سار إلى الموصل بأهله، وأجمع رأي أصحاب المقتدر على قصد ابن المعتز في داره فتسلحوا وركبوا في دجلة، فلما رآهم أصحاب ابن المعتز اضطربوا وهربوا واتهموا الحسين بن حمدان أنه قد واطأ المقتدر عليهم، وركب ابن المعتز ووزيره محمد بن داود بن الجراح وخرجوا إلى الصحراء ظنا منهم أن الجند الذين بايعوهم يخرجون معهم، وأنهم يلحقون بسامرا فيمتنعون، فلما تفردوا بالصحراء رجعوا إلى البلد وتسربوا في الدور، واختفى ابن الجراح في داره، ودخل ابن المعتز ومولاه دار أبي عبد الله بن الجصاص مستجيرا به. وثار العيارون والسفل [1] ينتهبون. وفشا القتل وركب ابن عمرويه صاحب الشرطة، وكان ممن بايع ابن المعتز، فنادى بثأر المقتدر مغالطا، فقاتله فهرب واستتر، وأمر المقتدر مؤنسا الخازن فزحف في العسكر وقبض على وصيف بن صوارتكين فقتله، وقبض على القاضي أبي عمر علي بن عيسى والقاضي محمد بن خلف، ثم أطلقهم وقبض على القاضي أبي المثنى أحمد بن يعقوب، قال له: بايع المقتدر! قال: هو صبي! فقتله وبعث المقتدر إلى أبي الحسن بن الفرات كان مختفيا فأحضره واستوزره. وجاء سوسن خادم ابن الجصاص فأخبر صافيا الخرمي مولى المقتدر بمكانه عندهم، فكبست الدار وأخذ ابن المعتز وحبس إلى الليل، ثم خصيت خصيتاه فمات وسلم إلى أهله وأخذ

ابن الجصاص وصودر على مال كثير، وأخذ محمد بن داود وزير ابن المعتز وكان مستترا فقتل. ونفى علي بن عيسى بن علي إلى واسط، واستأذن من ابن الفرات في المسير إلى مكة فسار إليها على طريق البصرة واقام بها، وصودر القاضي أبو عمر على مائة ألف دينار، وسارت العساكر في طلب الحسين بن حمدان إلى الموصل فلم يظفروا به، وشفع الوزير ابن الفرات في ابن عمرويه صاحب الشرطة وإبراهيم بن كيغلغ وغيرهم. وبسط ابن الفرات الإحسان وأدر الأرزاق للعباسيين والطالبيين وأرضى القواد بالأموال، ففرق معظم ما كان في بيت المال، وبعث المقتدر القاسم بن سيما وجماعة من القواد في طلب الحسين بن حمدان، فبلغوا قرقيسيا والرحبة ولم يظفروا به، وكتب المقتدر إلى أخيه أبي الهيجاء وهو عامل الموصل بطلبه، فسار مع القاسم بن سيما والقواد ولقوة عند تكريت فهزموه، وبعث مع أخيه إبراهيم يستأمن فأمنوه وجاءوا به إلى بغداد، فخلع عليه المقتدر وعقد له على قم وقاشان، وعزل عنها العباس بن عمر الغنوي فسار إليها الحسين، ووصل نارس مولى إسماعيل بن سامان فقلده المقتدر ديار ربيعة.

** ابتداء دولة العبيديين من الشيعة بإفريقية **

نسبة هؤلاء العبيديين إلى أول خلفائهم، وهو عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، ولا يلتفت لإنكار هذا النسب، فكتاب المعتضد إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسلجماسة يغريهم بالقبض عليه لما سار إلى المغرب شاهد بصحة نسبهم وشعر الشريف الرضي في قوله:

ألبس الذل في بلاد الأعادي ... وبمصر الخليفة العلوي

من أبوه أبي ومولاه مولاي ... إذا ضامني البعيد القصي

لف عرقي بعرقه سيدا لناس ... جميعا، محمد وعلي

وأما المحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر بالقدح في نسبهم، وشذ فيه أعلام الأئمة مثل القدوري والصهيري [1] وأبي العباس الأبيوردي وأبي حامد الأسفرايني وأبي الفضل النسوي وأبي جعفر النسفي، ومن العلوية المرتضى وابن

البطحاوي، وابن الأزرق، وزعيم الشيعة أبو عبد الله بن النعمان، فهي شهادة على السماع. وكان ذلك متصلا في دولة العباسية منذ مائتين من السنين فاشيا في أمصارهم وأعصارهم. والشهادة على السماع في مثله جائزة على أنها شهادة نفي، ولا تعارض ما ثبت في كتاب المعتضد مع أن طبيعة الوجود في الانقياد لهم، وظهور كلمتهم أدل شيء على صدق نسبهم. وأما من جعل نسبهم في اليهودية أو النصرانية لميمون القداح أو غيره فكفاه إثما تعرضه لذلك. وأما دعوتهم التي كانوا يدعون لها فقد تقدم ذكرها في مذاهب الشيعة من مقدمة الكتاب، وانقسمت مذاهب الشيعة مع اتفاقهم على تفضيل علي على جميع الصحابة إلى الزيدية القائلين بصحة إمامة الشيخين مع فضل علي، ويجوزون إمامة المفضول وهو مذهب زيد الشهيد وأتباعه، والرافضة ويدعون بالإمامية المتبرءين من الشيخين بإهمالهما وصية النبي صلى الله عليه وسلم بخلافة علي. مع أن هذه الوصية لم تنقل من طريق صحيح، قال بها أحد من السلف الذين يقتض بهم، وإنما هي من أوضاع الرافضة. وانقسم الرافضة بعد ذلك إلى اثني عشرية نقلوا الخلافة من جعفر بعد الحسن والحسين وعلي زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم وولده على سلسلة واحدة إلى تمام الاثني عشر، وهو محمد المهدي وزعموا أنه دخل سردابا وهم في انتظاره إلى الآن. وإلى الإسماعيلية نقلوا الخلافة من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل، ثم ساقوها في عقبة فمنهم من انتهى بها إلى عبيد الله هذا المهدي، وهم العبيديون، ومنهم من ساقها إلى يحيى بن عبيد الله بن محمد المكتوم. وهؤلاء طائفة من القرامطة وهي من كذباتهم، ولا يعرف لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبيد الله. وكان شيعة هؤلاء العبيديين بالمشرق واليمن وإفريقية. وسار بها إلى إفريقية رجلان يعرف أحدهما بالحلواني والآخر بالسفياني أنفذهما الشيعة إلى هنالك وقالوا لهما: إن العرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يحيا صاحب البذر، وسارا لذلك ونزلا أرض كتامة، أحدهما ببلد يسمى سوق حمار. وفشت هذه الدعوة منهما في أهل تلك النواحي من البربر وخصوصا في كتامة، وكانوا يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي بالخلافة بالنصوص الجلية وعدل عنها الصحابة إلى غيره فوجب البراءة ممن عدل عنها. ثم أوصى علي إلى ابنه الحسن ثم الحسن إلى أخيه الحسين، ثم الحسين إلى ابنه علي زين العابدين، ثم زين العابدين إلى ابنه محمد الباقر، ثم محمد

الباقر إلى ابنه جعفر الصادق، ثم جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل الإمام، ومنه إلى ابنه محمد، ويسمونه المكتوم لأنهم كانوا يكتمون اسمه حذرا عليه. ثم اوصى محمد المكتوم إلى ابنه جعفر المصدق، وجعفر المصدق إلى ابنه محمد الحبيب، ومحمد الحبيب إلى ابنه عبيد الله المهدي الذي دعا له أبو عبد الله الشيعي. وكانت شيعهم منتشرين في الأرض من اليمن إلى الحجاز والبحرين والطرق وخراسان والكوفة والبصرة والطالقان. وكان محمد الحبيب ينزل سلمية من أرض حمص، وكان عادتهم في كل ناحية يدعون للرضا من آل محمد، ويرومون إظهار الدعوة بحسب ما عليهم.

وكان الشيعة من النواحي يعملون مكيهم في أكبر الأوقات لزيارة قبر الحسين، ثم يعرجون على سلمية لزيارة الأئمة من ولد إسماعيل وكان باليمن من شيعتهم. ثم بعده لأئمة قوم يعرفون ببني موسى ورجل آخر يعرف بمحمد بن الفضل أصله من جند.

وجاء محمد إلى زيارة الإمام محمد الحبيب، فبعث معه أصحابه رستم بن الحسين بن حوشب بن داود النجار، وهو كوفي الأصل وأمره بإقامة الدعوة، وأن المهدي خارج في هذا الوقت، فسار إلى اليمن ونزل على بني موسى وأظهر الدعوة هنالك للمهدي من آل محمد الذي ينعتونه بالنعوت المعروفة عندهم، فاتبعه واستولى على كثير من نواحي اليمن. وكان أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسب، وكان محتسبا بالبصرة. وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس المخطوم وأبو عبد الله يعرف بالعلم. لأنه كان يعرف مذهب الإمامية الباطنية، قد اتصل بالإمام محمد الحبيب وخبر أهليته، فأرسله إلى أبي حوشب، ولزم مجالسته وأفاد علمه. ثم بعثه مع الحاج اليمني إلى مكة، وبعث معه عبد الله بن أبي ملا، فأتى الموسم ولقي به رجالات كتامة مثل حريث الحميلي وموسى بن مكاد، فاختلط بهم وعكفوا عليه لما رأوا عنده من العبادة والزهد، ووجه إليهم بدرا من ذلك المذهب، فاغتبط واغتبطوا وارتحل معهم إلى بلدهم ونزل بها منتصف ربيع سنة ثمان وثلاثين، وعين لهم مكان منزله بفتح الأحار وأن النص عنده من المهدي بذلك، ولجهره المهدي وأن أنصاره الأخيار من أهل زمانه، وأن اسم أنصاره مشتق من الكتمان ولم يعينه، واجتمع لمناظرته كثير من أهل كتامة فأبى، ثم أطاعوه بعد فتن وحروب. واجتمعوا على دعوته وكانوا يسمونه أبا عبد الله المشرفي والشيعي، ولما اختلف كتامة عليه واجتمع كثير منهم على قتله قام بنصرته الحسن بن هارون، وسار به

إلى جبل إيكجان وأنزله مدينة تاصروت من بلد زرارة، وقاتل من لم يتبعه بمن تبعه حتى استقاموا جميعا على طاعته. وبلغ خبره إبراهيم بن أحمد بن الأغلب عامل إفريقية بالقيروان، فأرسل إلى عامل ميلة يسأله عن أمره فحقره وذكر أنه رجل يلبس الخشن، ويأمر بالعبادة والخير فأعرض عنه حتى إذا اجتمع لأبي عبد الله أمره، زحف في قبائل كتامة إلى بلد ميلة فملكها على الأمان بعد الحصار، فبعث إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ابنه الأحوال في عسكرهم يجاوز عشرين ألفا، فهزم كتامة وامتنع أبو عبد الله بجبل إيكجان، وأحرق الأحول مدينة تاصروت ومدينة ميلة، وعاد إلى إفريقية، وبنى أبو عبد الله بجبل إيكجان [1] مدينة سماها دار الهجرة.

ثم توفي إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية وولى ابنه أبو العباس، وقتل واستقر الأمر لزيادة الله، وكان الأحول حمل العساكر لحضوره فاستقدمه زيادة الله وقتله.

** وفاة الحبيب وايصاؤه لابنه عبيد الله **

ولما توفي محمد الحبيب وأوصى لابنه عبيد الله، وقال له: أنت المهدي وتهاجر بعدي هجرة بعيدة، وترى محنا شديدة. فقام عبيد الله بالأمر وانتشرت دعوته وأرسل إليه أبو عبد الله الشيعي رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليهم، وأنهم في انتظاره.

وشاع خبره وطلبه المكتفي فهرب هو وولده نزار الذي ولي بعده وتلقب بالقائم.

وخرج معه خاصته ومواليه يريد المغرب. وانتهى إلى مصر وعليها يومئذ عيسى النوشري، فلبس عبيد الله زي التجار يتستر به. وجاء كتاب المكتفي للنوشري بالقبض عليه، وفيه صفته وحليته، فبعث العيون في طلبه. ونمي الخبر بذلك إلى عبيد الله من بعض خواص النوشري فخرج في رفقة، ورآه النوشري وأحضره ودعاه للمؤاكلة فاعتذر بالصوم، ثم امتحنه فلم تشهد له أحواله بشيء مما ذكر له عنه. وقارن ذلك رجوع ابنه أبي القاسم يسأل عن كلب للصيد ضاع له، فلما رآه النوشري وأخبر أنه ولد عبد الله علم أن هذه الدالة في طلب الضائع منافية للرقبة والخوف، فخلى سبيله. وجد المهدي في السير وكان له كتب من الملاحم ورثها منقولة عن أبيه سرقت من رحله في تلك الطريق، ويقال إن ابنه أبا القاسم لما زحف إلى مصر أخذها من بلاد برقة. ولما انتهى المهدي وابنه إلى طرابلس وفارقه التجار أهل الرفقة، قدم أبا

العباس أخا أبي عبيد الله الشيعي إلى أخيه بكتامة، ومر بالقيروان، وقد سبق خبرهم إلى زيادة الله وهو يسأل عنهم، فقبض على أبي العباس وسأله فأنكر فحبسه، وكتب إلى عامل طرابلس بالقبض على المهدي ففاته، وسار إلى قسطنطينية فعدل عنها خشية على أبي العباس أخي الشيعي المعتقل بالقيروان، وذهب إلى سجلماسة وبها أليشع بن مدرار فأكرمه. ثم جاءه كتاب زيادة الله ويقال كتاب المكتفي بأنه المهدي الذي داعيه في كتامة فحبسه، وبعث زيادة الله العساكر، الى كتامة مع قريبه إبراهيم بن حيش [1] ، وكانوا أربعين ألفا، فانتهى إلى قسطنطينية [2] فأقام بها وهم متحصنون بخيلهم ستة أشهر. ثم زحف إليهم ودافعهم عند مدينة بلزمة فانهزم إلى القيروان. وكتب أبو عبد الله بالفتح إلى المهدي وهو في محبسه. ثم زحف إلى مدينة طبنة فحاصرها وملكها بالأمان، ثم إلى مدينة بلزمة فملكها عنوة، فبعث زيادة الله العساكر مع هارون الطبني فانتهوا إلى مدينة دار ملوك، وكانوا قد أطاعوا الشيعي فهدمها هارون، وقتل أهلها، وسار إلى الشيعي فانهزم من غير قتال وقتل.

وفتح الشيعي مدينة عيسى فزحف زيادة الله في العساكر سنة خمس وتسعين ونزل الأربس ثم أشار عليه أصحابه بالرجوع إلى القيروان ليكون ردءا للعساكر، فبعث الجيوش مع إبراهيم بن أبي الأغلب من قرابته ورجع، وزحف أبو عبد الله إلى باغاية فهرب عاملها وملكها. ثم إلى مدينة مرماجنة فافتتحها عنوة وقتل عاملها ثم إلى مدينة تيفاش فملكها على الأمان، واستأمن إليه القبائل من كل جهة فأمنهم وسار بنفسه إلى مسلبابة [3] ثم إلى تبسة ثم إلى مجانة ففتحها على الأمان، ثم سار إلى القصرين من قمودة وأمن أهلها وسار يريد قادة وبلغ الخبر إلى إبراهيم بن أبي الأغلب وهو بالأربس أميرا على الجيش، فخشي على زيادة الله برقادة لقلة عسكره، وارتحل ذاهبا إليه، وسار أبو عبد الله إلى قسطنطينية فحاصرها وافتتحها على الأمان ورجع إلى باغاية فأنزل بها عسكرا وعاد الى ايكجان فسار إبراهيم بن أبي الأغلب إلى باغاية وحاصر أصحاب أبي عبد الله بها، فبعث أبو عبد الله عساكره إلى مج [4] العرعار فألفوا

إبراهيم قد عاد عنها إلى الأربس. ثم زحف أبو عبد الله إلى إبراهيم سنة ست وتسعين في مائة ألف مقاتل وبعث من عسكره من يأتي إبراهيم من خلفه، وسار إليه فانهزم وأثخن فيهم أبو عبد الله بالقتل والأسر، وغنم أموالهم وخيلهم وظهرهم. ودخل الأربس فاستباحها، ثم سار فنزل قمودة، وبلغ الخبر إلى زيادة الله فهرب إلى مصر.

وافترق أهل مدينة رقادة إلى القيروان وسوسة ونهب قصور بني الأغلب ووصل إبراهيم بن أبي الأغلب إلى القيروان، فنزل قصر الإمارة وجمع الناس ووعدهم الحماية، وطلب المساعدة بطاعتهم وأموالهم، فاعتذروا وخرجوا إلى الناس فأخبروهم، فثاروا به وأخرجوه. وبلغ أبا عبد الله الشيعي هرب زيادة الله وهو يشبه [1] فدخل إلى رقادة وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبي خنزير فساروا وأمنوا الناس. وخرج أهل القيروان للقاء أبي عبد الله فأكرمهم وأمنهم، ودخل رقادة في رجب سنة ست وتسعين، ونزل قصورها وفرق دورها على كتامة ونادى بالأمان. وتراجع الناس فأخرج العمال وطلب أهل الشر فهربوا، وجمع أموال زيادة الله وسلاحه وأمر بحفظها وبحفظ جواريه، واستأذنه الخطباء لمن يخطبون فلم يعين لهم أحدا. ونقش على السكة من أحد الوجهين بلغت حجة الله، ومن الآخر تفرق أعداء الله، وعلى السلاح عدة في سبيل الله، ورسم أفخاذ الخيل بالملك لله.

** بيعة المهدي بسجلماسة **

ولما ملك أبو عبد الله إفريقية لقيه أخوه أبو العباس منطلقا من اعتقاله، فاستخلفه عليها وترك معه أبا زاكي تمام بن معارك من قواد كتامة. وسار إلى المغرب ففرق القبائل من طريقه، وخافته زناتة فدخلوا في طاعته. ولما قرب من سجلماسة أرسل إلى المهدي بمحبسه يسأله عن حاله فأنكر، ثم سأل ولده كذلك فأنكر، وضرب رجاله فأنكروا، ونمي الخبر إلى أبي عبد الله فخشي عليهم وأرسل إلى أليسع يتلطفه فقتل الرسل فأغذ أبو عبد الله السير وحاصره يوما وهرب أليسع من الليل هو وأصحابه وبنو عمه. وخرج أهل البلد إلى أبي عبد الله فجاء إلى مجلس المهدي

فأخرجه هو وابنه أبا القاسم، وأركبهما ومشى مع رؤساء القبائل بين يديها وهو يقول:

هذا مولاكم ويبكي من شدة الفرح، ثم أنزله بالمخيم وبعث في أثر أليسع فجيء به فجلد، ثم قتل، وأقام بسجلماسة أربعين يوما ورجع إلى إفريقية، ووصل إلى رقادة في ربيع من سنة ست وتسعين وجدد البيعة للمهدي واستولى على ملك بني الأغلب بإفريقية. وملك مدرار سجلماسة ونزل برقادة وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين وبعث دعاته في الناس فحملوهم على مذهبهم فأجابوا إلا قليلا عرض عليهم السيف، وقسم الأموال والجواري في رجال كتامة، وأقطعهم الأموال والأعمال، ودون الدواوين وجبى الأموال وبعث العمال على البلاد. فبعث على صقلية الحسن بن أحمد بن أبي خنزير فوصل إلى مازر في عيد الأضحى من سنة تسع وتسعين، فاستقضى بها إسحاق بن المنهال، وأجاز البحر سنة ثمان وتسعين إلى بسط قلورية [1] فأثخن فيها وعاد وثار به أهل صقلية سنة تسع وتسعين فحبسوه واعتذروا إلى المهدي لسوء سيرته، فعذرهم وولى عليهم علي بن عمر البلوي فوصل إليهم خاتمة السنة المذكورة.

** أخبار ابن الليث بفارس **

قد ذكرنا من قبل استيلاء الليث بن علي بن الليث وسيكرى [2] مولى عمر بن الليث على فارس من يد طاهر بن محمد. ثم أخرج سيكرى بعد ذلك الليث وانفرد بها، وسار إليه طاهر بن محمد بن عمرو، فواقعه وانهزم طاهر وأسر سيكرى وأسر أخاه يعقوب، وبعث بهما إلى المقتدر مع كاتبه عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي، وقد أمره على ما يحمله وذلك سنة ست وتسعين، ثم سار إليه الليث بن علي من سجستان سنة سبع وتسعين، فغلبه وملك فارس، وهرب سيكرى إلى أرجان وأمده المقتدر بمؤنس الخادم في العساكر، فجاء إلى أرجان وجاء الحسين بن حمدان من قم إلى البيضاء في إعانته، فسار لملاقاته وأضل الطريق إلى مسالك صعبة أشرف على عسكر مؤنس. وكان سيكرى قد بعث أخاه إلى شيراز ليحفظها، فلما أشرف على العسكر ظنه عسكر أخيه فثاروا إليه واقتتلوا وانهزم عسكر الليث وأخذ أسيرا. وأشار عليه

أصحابه أن يقبض على سيكرى ويطلب من المقتدر ولاية فارس مكانه فوافقهم طاهر ودس إليه، فلحق بشيراز وعاد مؤنس إلى بغداد بالليث أسيرا، والحسين بن حمدان إلى عمله بقم. ثم إن عبد الرحمن بن جعفر كاتب سيكرى استولى على أمره، وحسده أصحابه وأكثروا السعاية فيه عند سيكرى فحبسه، واستكتب مكانه إسماعيل ابن إبراهيم اليمن [1] ، فحمله على العصيان ومنع الحمل ودس عبد الرحمن بن جعفر من محبسه إلى الوزير ابن الفرات بذلك، فكتب إلى مؤنس وهو بواسط يأمره بالعود إلى فارس، فسار وأرسله سيكرى وأنسه وسأل منه الوساطة في أمره، وشعر ابن الفرات بميل مؤنس إلى بغداد، وسار محمد بن جعفر فهزم سيكرى على شيراز فخلص إلى قم وتحصن بها، وحاصره محمد بن جعفر ثم خرج إليه فهزمه ثانية، ودخل مغارة خراسان فلقيته عساكر، إسماعيل إلى بغداد، فحبسا هنالك واستولى محمد بن جعفر من القواد على فارس وولى عليها قبيجا [2] خادم الأفشين، ثم صارت ولايتها لبدر ابن عبد الله الحمامي [3] وفي آخر سنة تسع وتسعين ومائتين قبض حرمه وقامت الهيعة ببغداد ثلاثة أيام، ثم سكنت وذلك لثلاث سنين وثلاثة أشهر من وزارته. فاستوزر مكانه أبا علي محمد بن يحيى بن عبيد الله بن يحيى، فرتب الأمور على الدواوين. ثم زاد قرفه لضيق صدره وطيشه وعدوله عن مذاهب الرئاسة إلى الوضاعة ومراجعة أصحاب الحاجات والحقوق إلى ما يريد قضاءه منها، وكثرة التولية والعزل وتبجح أصحابه عليه في إطلاق الأموال وانبساط الجاه بإفساد الأحوال. واعتزم المقتدر على عزله بأبي الحسين بن أبي الفضل، فاستدعاه من أصبهان، ثم قبض عليه وعلى أبي الحسن ببغداد، وأهمل رأي الوزراء وصار يرجع إلى قول النساء والخدم، فطمع العمال في الأطراف، ثم أخرج ابن الفرات من محبسه وجعله في بعض الحجر، وأحسن إليه وصار يعرض عليه مطالعات العمال، وأراد أن يستوزره ثم بدا له واستدعى علي بن عيسى من مكة فاستوزره لأول سنة إحدى وثلاثمائة، وقبض على الخاقاني وحبسه وعين حرسيا عليه. وقام علي بن عيسى بالوزارة وأصلح ما أفسده الخاقاني واستقامت الأمور.

** قيام أهل صقلية بدعوة المقتدر ثم رجوعهم إلى طاعة المهدي **

قد ذكرنا ولاية علي بن عمر على صقلية من عبد الله المهدي سنة تسع وتسعين. ثم إن أهل صقلية انتقضوا عليه وولوا عليهم أحمد بن موهب [1] ثم انتقضوا عليه وأرادوا قتله فدعا إلى طاعة المقتدر وخطب له بصقلية، وقطع خطبة المهدي وبعث أسطولا إلى ناحية ساحل إفريقية، فلقوا أسطول المهدي، وعليه الحسن بن أبي خنزير، فأحرقوه وقتلوا الحسن ووصلت خلع السواد وألويته لابن موهب من بغداد ثم جاءت أساطيل المهدي في البحر وفسد أمر ابن موهب ثم ثارت أهل صقلية به سنة ثلاثمائة وأسروه وبعثوا به إلى المهدي مع جماعة من أصحابه فأمرهم بقتلهم على قبر ابن أبي خنزير.

** ولاية العهد **

وفي سنة إحدى وثلاثمائة ولى المقتدر ابنه أبا العباس العهد وهو الذي ولي الخلافة بعد القاهر وسمي بالرافضي فولاه أبو المقتدر العهد وهو ابن سنين [2] وقلده مصر والمغرب، واستخلف له عليها مؤنسا الخادم وولى ابنه الآخر عليا على الري ودنباوند وقزوين وأذربيجان [3] وأبهر.

** ظهور الأطروش وملكه خراسان **

كان هذا الأطروش من ولد عمر بن علي زين العابدين وهو الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن عمر وكان قد دخل إلى الديلم بعد قتل محمد بن زيد، ولبث فيهم ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام ويأخذ منهم العشر، ويدافع عنهم ملكهم ابن حسان، فأسلم على يديه منهم خلق كثير وبنى لهم المساجد، وزحف بهم إلى ثغور المسلمين، أراهم مثل قزوين وسالوس فأطاعوه، وهدم حصن سالوس. ثم

دعاهم إلى غزو طبرستان وهي في طاعة ابن سامان، وكان إسماعيل بن أحمد لما انتقض بها محمد بن هارون، وقبض عليه إسماعيل وولى عليها أبا العباس عبد الله بن محمد بن نوح، فأحسن السيرة وأظهر العدل، وبالغ في الإحسان إلى العلوية الذين بها، واستمال الديلم بالمهاداة والإحسان، فاشتمل الناس عليه. فلما دعاهم الحسن إلى غزو طبرستان، لم يجيبوه من أجل ابن نوح. ثم إن أحمد بن إسماعيل عزل ابن نوح عنها، وولى عليها سلاما فأساء السيرة ولم يحسن سياسة الديلم، فهاجوا عليه فقاتلهم وهزمهم، واستعفى من ولايتها فعاد إليها ابن نوح وصلحت الحال كما كانت إلى أن مات، فولى عليها محمد بن إبراهيم بن صعلوك، فأساء السيرة وتنكر للديلم فصادف الحسن منها الغرة ودعاهم إلى غزو طبرستان فأجابوه، وسار إليه ابن صعلوك على من يرحله من سالوس بشاطئ البحر، فانهزم وقتل من أصحابه أربعة آلاف، ولجأ الباقون إلى سالوس، فحاصرهم الأطروش حتى استأمنوا، ورجع عنهم إلى آمد. ثم جاء الحسن بن القاسم العلوي الداعي صهر الأطروش إلى أولئك المستأمنين فقتلهم، واستولى الأطروش على طبرستان، ولحق ابن صعلوك بالري سنة إحدى وثلاثمائة، وسار منها إلى بغداد وكان الأطروش زيدي المذهب، وجميع الذين أسلموا على يده فيما وراء أسعيدولى إلى آمد [1] كلهم على مذهب الشيعة. ثم إن الأطروش العلوي تنحى عن آمد إلى سالوس بعد أن غلب عليها، فبعث إليه صعلوك الري من قبل ابن سامان جيشا فهزمهم وعاد إلى آمد. ثم زحفت إليه عساكر السعيد [2] صاحب خراسان سنة أربع وثلاثمائة فقتلوه. وكان هذا الأطروش عادلا حسن السيرة لم ير مثله في أيامه وأصابه الصمم من ضربة في رأسه بالسيف في الحرب. وقال ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم ويقال فيه الحسن بن علي الداعي وليس به، وإنما الداعي الحسن بن القاسم صهره، وسنذكره فيما بعد. وكان له من الولد أبو الحسن، وكان قواده من الديلم جماعة منهم ابن النعمان وكانت له ولاية جرجان، وما كان بن كالي وكان على أستراباذ ومعرا. ثم كان من قواد ولده من الديلم جماعة آخرون منهم أسفار بن شيرويه من أصحاب ما كان بن كالي ومرداويج بن

زياد من أصحاب أسفار، واسكرى من أصحابه أيضا، وبنو بويه من أصحاب مرداويج، وسيأتي الخبر عن جميعهم إن شاء الله تعالى.

** غلب المهدي على الاسكندرية ومسير مؤنس إلى مصر **

وفي سنة اثنتين وثلاثمائة بعث عبد الله المهدي عساكره من إفريقية إلى الإسكندرية مع قائده خفاشة الكتابي فغلب عليها وسار إلى مصر، وبلغ المقتدر فبعث مؤنسا الخادم في العساكر لمحاربته، وأمده بالأموال والسلاح. وسار إليهم وقاتلهم فهزمهم بعد وقائع متعددة، قتل فيها من الفريقين، وبلغ القتل والأسر من المغاربة سبعة آلاف ورجعوا إلى المغرب.

** انتقاض الحسين على ابن حمدان بديار ربيعة وأسره **

كان الحسين بن حمدان واليا على ديار ربيعة وطالبه الوزير علي بن عيسى بالمال، فدافعه وأمره بتسليم البلاد إلى عمال السلطان، فامتنع وكان مؤنس الخادم بمصر في محاربة عساكر المهدي صاحب إفريقية، فجهز الوزير إلى ابن حمدان رائقا الكبير في عسكر سنة ثلاث وثلاثمائة، وكتب إلى مؤنس أن يسير إلى الجزيرة لقتاله بعد فراغه من أصحاب العلوي بمصر، فسار رائق أولا هزمه الحسين، ولحق بمؤنس فأمره بالمقام بالموصل. وسار نحو الحسين وتبعه أحمد بن كيغلغ، وانتهى إلى جزيرة ابن عمر والحسين بأرمينية. ورجع الكثير من عسكره إلى مؤنس. ثم بعث مؤنس عسكرا في أثره عليهم بليق ومعه سيما الجزري. وجاء الصفواني واتبعوه فأدركوه، وقاتلوه فهزموه، وجاءوا به أسيرا ومعه ابنه عبد الوهاب وأهله وكثير من أصحابه. وعاد مؤنس إلى بغداد على الموصل، فحبسه المقتدر وأغار على أبي الهيجاء بن حمدان وجميع إخوته وحبسهم. ثم أطلق أبا الهيجاء سنة خمس وقتل الحسين سنة ست تقريبا كما نذكر إن شاء الله تعالى.

** وزارة ابن الفرات الثانية **

كان الوزير أبو الحسن بن الفرات محبوسا كما ذكرنا وكان المقتدر يشاوره ويرجع إلى رأيه، ويبغي بعض أصحاب المقتدر إعادته. وبلغ ذلك الوزير علي بن عيسى فاستعفى ومنعه المقتدر. ثم جاءت في بعض الأيام قهرمانة القصر تناظره في نفقات

الحرم والحاشية وكسوتهم، فألفته نائما فلم يوقظه لها أحده. فرجعت وشكت إلى المقتدر وأمه فقبض عليه في ذي القعدة من سنة أربع وثلاثمائة، وأعاد ابن الفرات على أن يحمل إلى بيت المال ألف دينار وخمسمائة دينار في كل يوم. وقبض على الوزير من قبله علي بن عيسى والخاقاني وأصحابهما، وصادرهم أبو علي بن مقلة وكان مختفيا منذ قبض على ابن الفرات فقدمه الآن واستخلصه.

** خبر ابن أبي الساج بأذربيجان **

قد ذكرنا استقرار يوسف بن أبي الساج على أرمينية وأذربيجان منذ مهلك أخيه محمد سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكان على الحرب والصلاة والأحكام، وكان عليه مال يؤديه. فلما ولي الخاقاني وعلي بن عيسى الوزارة، والتأمت أمور يوسف في الاستبداد، وأخر بعض المال واجتمع له ما يريده لذلك، وبلغته نكبة الوزير علي ابن عيسى، فأظهر أن العهد وصل إليه بولاية الري على يد علي بن عيسى. وكان حميد بن صعلوك من قواد ابن سامان قد بعث على الري وما يليها، وقاطع عليها بمال يحمله فسار إليه يوسف سنة أربع وثلاثمائة، فهرب إلى خراسان واستولى يوسف على الري وقزوين وزنجان، وكتب إلى الوزير ابن الفرات بالفتح ويعتذر بأنه طرد المتغلبين، ويذكر كثرة ما أنفق من ذلك، وأنه كان بأمر الوزير علي بن عيسى وعهده إليه بذلك، فأستعظم المقتدر ذلك، وسئل علي بن عيسى فأنكر وقال:

سلوا الكتاب والحاشية والعهد واللواء اللذين كان يسير بهما مع بعض القواد والخدام.

فكتب ابن الفرات بالنكير على يوسف، وجهز العساكر لحربه مع خاقان المفلحي، ومعه أحمد بن مسرور البلخي، وسيما الجزري، ونحرير الصغير، وساروا سنة خمس وثلاثمائة فهزمهم يوسف وأسر منهم جماعة، فبعث المقتدر مؤنسا الخادم في جيش كثيف لمحاربته وعزل خاقان المفلحي عن أعمال الجبل، وولاها نحريرا الصغير. وسار مؤنس واستأمن له أحمد بن علي أخو صعلوك فأمنه وأكرمه، وبعث ابن أبي الساج في المقاطعة على أعمال الري بسبعمائة ألف دينار سوى أرزاق الجند والخدم، فأبى له المقتدر من ذلك عقوبة على ما أقدم عليه، وولى على ذلك العمل وصيفا البكتمري، وطلب ابن أبي الساج أن يقاطعه على ما كان بيده قبل الري من أذربيجان وأرمينية، فأبى المقتدر إلا أن يحضر في خدمته. فلما يئس

ابن أبي الساج زحف إلى مؤنس وقاتله، فانهزم مؤنس إلى زنجان وقتل من قواده جماعة، وأسر هلال بن بدر وغيره فحبسهم يوسف في أردبيل، وأقام مؤنس بزنجان بجميع العساكر يستمد من المقتدر وابن أبي الساج يراسله في الصلح، والمقتدر لا يجيب إلى ذلك. ثم قاتله مؤنس في فاتح سنة سبع وثلاثمائة عند أردبيل فهزمه وأسره وعاد به إلى بغداد أسيرا، فحبسه المقتدر وولى مؤنس على الري ودنبوند وقزوين وأبهر وزنجان علي بن وهشودان وجعل أموالها لرجاله، وولى مؤنس على أصبهان وقم وقاشان أحمد بن علي بن صعلوك، وسار عن أذربيجان فوثب سبك مولى يوسف بن أبي الساح فملكها واجتمع عليه عسكر فولى مؤنس بن محمد بن عبيد الفارقي وسار بمحاربة سبك فانهزم وعاد إلى بغداد. وتمكن سبك في أذربيجان وسأل المقاطعة على مائتي ألف وعشرين ألف دينار في كل سنة. فأجيب وعقد له عليها، وكان مقيما بقزوين فقتله على مراسة ولحق ببلده، فولى المقتدر وصيفا البكتمري مكانه على أعمال الري، وولى محمد بن سليمان صاحب الجيش على الخوارج بها، ثم وثب أحمد بن علي بن صعلوك صاحب أصبهان وقم على الري، فملكها وكتب إليه المقتدر بالنكير، وأن يعود إلى قم، فعاد ثم أظهر الخلاف وأجمع المسير إلى الري، وسار وصيف البكتمري لحربه. وأمر نحريرا الصغير أن يسير مددا لبكتمري، فسبقهم أحمد بن صعلوك إلى الري وملكها، وقتل محمد بن سليمان صاحب الخوارج، وبعث إلى نصر الحاجب ليصلح أمره بالمقاطعة على أعمال الري بمائة وستين ألف دينار، وينزل عن قم فكتب له بذلك وولى غيره على قم.

** خبر سجستان وكرمان **

كانت سجستان قد صارت لابن سامان منذ سنة ثمان وتسعين ومائتين، ثم تغلب عليها كثير بن أحمد بن صهفود من يده، فكتب المقتدر إلى عامل فارس وهو بدر ابن عبد الله الحمامي أن يرسل العساكر لمحاربته، ويؤمر عليهم دركا، ويجعل على الخراج بها زيد بن إبراهيم. فسارت العساكر وحاربوا أهل سجستان فهزموهم وأسروا زيد بن إبراهيم، وكتب كثير إلى المقتدر بالبراءة من ذلك، وطوية أهل سجستان. وأرسل المقتدر أن يسير لقتاله بنفسه، فخاف كثير وطلب المقاطعة على خمسمائة ألف دينار في كل سنة، فأجيب وقررت البلاد عليه، وذلك سنة اربع وثلاثمائة. وانتقض في هذه السنة بكرمان صاحب الخوارج بها أبو زيد خالد بن محمد

المارداني، وسار منها إلى شيراز يروم التغلب على فارس فسار إليه بدر الحمامي العامل، وحاربه فقتله وحمل رأسه إلى بغداد.

** وزارة حامد بن العباس **

وفي سنة ست وثلاثمائة قبض المقتدر على وزيره أبي الحسن بن الفرات بسبب شكوى الجند بمطله أرزاقهم، واعتذر بضيق الأموال للنفقة في حروب ابن أبي الساج، ونقص الارتياع بخروج الري عن ملكه. فشغب الجند وركبوا، وطلب ابن الفرات من الخليفة إطلاق مائتي ألف دينار من خاصته يستعين بها، فنكر ذلك عليه لأنه كان ضمن القيام بأرزاق الأحشاد وجميع النفقات المرتبة، فاحتج بنقص الارتياع وبالنفقة في الحرب كما تقدم، فلم يقبل. ويقال سعى فيه عند المقتدر بأنه يروم إرسال الحسين بن حمدان إلى أبي الساج فيحاربه، وإذا سار عنده اتفقا على المقتدر، فقتل المقتدر ابن حمدان وقبض على ابن الفرات في جمادى الآخرة، وكان حامد بن العباس على الأعمال بواسط، وكان منافرا لابن الفرات، وسعى به عنده بزيادة ارتياعه على ضمانه، فخشيه حامد على نفسه. وكتب إلى نصر الحاجب والي والده المقتدر سعة نفسه وكثرة أتباعه، وذلك عند استيحاشه من ابن الفرات، فاستقدمه من واسط، وقبض على ابن الفرات وابنه المحسن وأتباعهما، واستوزر حامدا فلم يوف حقوق الوزارة ولا سياستها، وتحاشى عليه الدواوين فأطلق المقتدر علي ابن عيسى وأقامه على الدواوين كالنائب عن حامد. فكان يزاحمه واستبد بالأمور دونه ولم يبق لحامد أمر عليه فأجابه ابن الفرات بأسفه منه وقال لشفيع اللؤلؤي: قل لأمير المؤمنين حامد إنما حمله على طلب الوزارة، أني طالبته بأكثر من ألفي ألف دينار من فضل ضمانه، فاستشاط حامد وزاد في السفه، فأنفذ المقتدر من رد ابن الفرات إلى محبسه، ثم صودر وضرب ابنه الحسن وأصحابه وأخذت منهم الأموال. ثم إن حامدا لما رأى استطالة علي بن عيسى عليه وكثرت تصرفه في الوزارة دونه، ضمن للمقتدر أعمال الخوارج والضياع الخاصة والمستحدثة والقرارية، بسواد بغداد والكوفة وواسط والبصرة والأهواز وأصبهان، واستأذنه في الانحدار إلى واسط لاستخراج ذلك فانحدر واسم الوزارة له وأقام علي بن عيسى يدبر الأمور، فأظهر حامد سوء تصرف في الأموال، وبسط المقتدر يده حتى خافه علي بن عيسى. ثم

تحرك السعر ببغداد فشغبت العامة ونهبوا الغلال، لأن حامدا وغيره من القواد كانوا يخزنون الغلال. وأحضر حامد لمنعهم فحضر فقاتلوه، وفتقوا السجون ونهبوا دار الشرطة. وأنفذ المقتدر غريب الحال في العسكر، فسكن الفتنة وعاقب المتصدين للشر، وأمر بفتح المخازن التي للحنطة وببيعها، فرخص السعر وسكن إلى منع الناس من بيع الغلال في البيادر وخزنها فرفع الضمان عن حامد، وصرف عماله عن السواد ورد ذلك لعلي بن عيسى وسكن الناس.

** وصول ابن المهدي وهو أبو القاسم إلى ابنه **

وفي سنة سبع وثلاثمائة بعث المهدي صاحب إفريقية أبا القاسم في العساكر إلى مصر فوصل إلى الإسكندرية في ربيع الآخر وملكها، ثم سار إلى مصر ونزل بالجيزة واستولى على الصعيد، وكتب إلى أهل مكة في طاعته فلم يجيبوا. وبعث المقتدر مؤنسا الخادم إلى مصر لمدافعته، فكانت بينهم حروب كثر فيها القتلى من الجانبين، وكان الظهور لمؤنس ولقب يومئذ بالمظفر. ووصل من إفريقية أسطول من ثمانين مركبا مددا للقائهم، وعليهم سليمان الخادم ويعقوب الكتامي، وأمر المقتدر بأن يسير إليهم أسطول طرسوس فسار في خمسة وعشرين مركبا وعليهم أبو اليمن، ومعهم العدد والأنفاط، فغلبوا أسطول إفريقية وأحرقوا أكثر مراكبه. وأسر سليمان الخادم ويعقوب الكتامي في جماعة قتل أكثرهم، وحبس سليمان بمصر، وحمل يعقوب إلى بغداد. ثم هرب وعاد إلى إفريقية وانقطع المدد عن عسكر المغاربة، فوقع الغلاء عندهم وكثر الموتان في الناس والخيل فارتحلوا راجعين إلى بلادهم وسار عساكر مصر في أثرهم حتى أبعدوا.

** بقية خبر ابن أبي الساج **

قد تقدم لنا أن مؤنسا حارب يوسف بن أبي الساج عامل أذربيجان فأسره وحمله إلى بغداد فحبس بها، واستقر بعده في عمله سبك مولاه. ثم إن مؤنسا شفع فيه سنة عشر. فأطلقه المقتدر وخلع عليه ثم عقد له أذربيجان وعلى الري وقزوين أبهر وزنجان وعلى خمسمائة ألف دينار في كل سنة سوى أرزاق العساكر. وسار يوسف إلى أذربيجان ومعه وصيف البكتمري في العساكر، ومر بالموصل فنظر في

أعمالها وأعمال ديار ربيعة. وقد كان المقتدر تقدم إليه بذلك. ثم سار إلى أذربيجان وقد مات مولاه سبك، فاستولى عليها وسار سنة إحدى عشرة إلى الري وكان عليها أحمد بن علي أخو صعلوك، وقد اقتطعها كما قدمنا، ثم انتقض على المقتدر وهادن ما كان بن كالي من قواد الديلم القائم بدعوة أولاد الأطروش في طبرستان وجرجان.

فلما جاء يوسف إلى الري حاربه أحمد فقتله يوسف، وأنفذ رأسه إلى بغداد، واستولى على الري في ذي الحجة وأقام بها مدة، ثم سار عنها إلى همذان فاتح ثلاث عشرة، واستخلف بها مولاه مفلحا وأخرجه أهل الري عنهم، فعاد يوسف إليهم في جمادى من سنته، واستولى عليها ثانية. ثم قلده المقتدر سنة أربع عشرة نواحي المشرق وأذن له في صرف أموالها في قواده وأجناده وأمره بالمسير إلى واسط، ثم منها إلى هجر لمحاربة أبي طاهر القرمطي، فسار يوسف إلى طاهر وكان بها مؤنس المظفر، فرجع إلى بغداد وجعل له أموال الخراج بنواحي همذان وساوة وقم وقاشان وماه البصرة وماه الكوفة وماسبذان لينفقها في عسكره، ويستعين بها على حرب القرامطة، ولما سار من الري كتب المقتدر إلى السعيد نصر بن سامان بولاية الري وأمره بالمسير إليها وأخذها من فاتك مولى يوسف، فسار إليها فاتح أربع عشرة، فلما انتهى إلى جبل قارن منعه أبو نصر الطبري من العبور، وبذل له ثلاثين ألف دينار فترك سبيله وسار إلى الري فملكها من يد فاتك وأقام بها شهرين، وولى عليها سيمجور الدواني [1] وعاد إلى بخارى. ثم استعمل على الري محمد بن أبي صعلوك فأقام بها إلى شعبان سنة ست عشرة وأصابه مرض، وكان الحسن بن القاسم الداعي وما كان ابن كالي أميري الديلم في تسليم الري إليهما، فقدما وسار عنها ومات في طريقه، واستولى الداعي والديلم عليها.

** بقية الخبر عن وزراء المقتدر **

قد تقدم الكلام في وزارة حامد بن العباس وأن علي بن عيسى كان مستبدا عليه في وزارته، وكان كثيرا ما يطرح جانبه ويسيء في توقعاته [2] على عماله. وإذا اشتكى إليه أحد من نوابه يوقع على القصة: إنما عقد الضمان على الحقوق الواجبة فليكف

الظلم عن الرعية. فأنف حامد من ذلك واستأذن في المسير إلى واسط للنظر في ضمانه، فأذن له ثم كثرت استغاثة الخدم والحاشية من تأخر أرزاقهم وفسادها، فإن علي بن عيسى كان يؤخرها وإذا اجتمعت عدة شهور أسقطوا بعضها، وكثرت السعاية واستغاث العمال وجميع أصحاب الأرزاق بأنه حط من أرزاقهم شهرين من كل سنة، فكثرت الفتنة على حامد، وكان الحسن ابن الوزير ابن الفرات متعلقا بمفلح الأسود خالصة [1] الخليفة المقتدر وكان شقيقه لأبيه، وجرى بينه وبين حامد يوما كلام، فأساء عليه حامد وحقد له. وكتب ابن الفرات إلى المقتدر وضمن له أموالا فأطلقه واستوزره، وقبض على علي بن عيسى وحبسه في مكانه، وذلك سنة إحدى عشرة، وجاء حامد من واسط فبعث ابن الفرات من يقبض عليه، فهرب من طريقه واختفى ببغداد. ثم مضى إلى نصر بن الحاجب سرا وسأل إيصاله إلى المقتدر، وأن يحبسه بدار الخلافة، ولا يمكن ابن الفرات منه. فاستدعى نصر الحاجب مفلحا الخادم حتى وقفه على أمره وشفع له في رفع المؤاخذة بما كان منه، فمضى إلى المقتدر وفاوضه بما أحب، وأمر المقتدر بإسلامه [2] لابن الفرات فحبسه مدة ثم أحضره وأحضر له القضاة والعمال، وناظره فيما وصل إليه من الجهات فأقر بنحو ألف ألف دينار. وضمنه المحسن بن الفرات بخمسمائة ألف دينار فسلم إليه وعذبه أنواعا من العذاب، وبعثه إلى واسط ليبيع أمواله هناك فهلك في طريقه بإسهال أصابه. ثم صودر علي بن عيسى على ثلاثمائة ألف دينار وعذبه المحسن بعد ذلك عليها فلم يستخرج منه شيئا وسيره ابن الفرات أيام عطلته وحبسه بعد أن كان رباه وأحسن إليه، فقبض عليه مدة ثم أطلقه، وقبض على ابن الجوزي وسلمه إلى ابنه المحسن، فعذبه ثم بعثه إلى الأهواز لاستخراج الأموال، فضربه الموكل به حتى مات. وقبض أيضا على الحسين بن أحمد، وكان تولى مصر والشام وعلى محمد بن علي المارداني وصادرهما على ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، وصادر جماعة من الكتاب سواهم ونكبهم. وجاء مؤنس من غزاته فأنهى إليه أفعال ابن الفرات وما هو يعتمد من المصادرات والنكايات وتعذيب ابنه للناس، فخافه ابن الفرات وخوف المقتدر منه. وأشار بسيره إلى الشام ليقيم هنالك بالثغر، فبعثه

المقتدر وأبعده. ثم سعى ابن الفرات بنصر الحاجب وأغراه به وأطمعه في ماله وكان مكثرا واستجار نصر بأم المقتدر. ثم كثر الإرجاف بابن الفرات، فخاف وانهى إلى المقتدر بأن الناس عادوه لنصحه للسلطان واستيفاء حقوقه، وركب هو وابنه المحسن إلى المقتدر فأوصلهما إليه وأسهمهما، وخرجا من عنده فمنعهما نصر الحاجب، ودخل مفلح على المقتدر وأشار إليه بعزله، فأسر إليه وفاقه على ذلك، وأمر بتخلية سبيلهما.

واختفى المحسن من يومه. وجاء نازوك وبليق من الغد في جماعة من الجند إلى دار ابن الفرات فأخرجوه حافيا حاسرا، وحمل إلى مؤنس المظفر ومعه هلال بن بدر، ثم سلم إلى شفيع اللؤلؤي فحبس عنده وصودر على ألف ألف دينار، وذلك سنة اثنتي عشرة. وكان عبد الله أبو القاسم بن علي بن محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان لما تغير حال ابن الفرات سعى في الوزارة، وضمن في ابن الفرات وأصحابه ألفي ألف دينار على يد مؤنس الخادم وهارون بن غريب الحال ونصر الحاجب، فاستوزره المقتدر على كراهية فيه، ومات أبوه علي على وزارته. وشفع إليه مؤنس الخادم في إعادة علي بن عيسى من صنعاء، فكتب له في العود وبمشارفة أعمال مصر والشام، وأقام المحسن بن الفرات مختفيا مدة. ثم جاءت امرأة إلى دار المقتدر تنادي بالنصيحة، فأحضرها نصر الحاجب فدلت على المحسن، فأحضره نازوك صاحب الشرطة، فسلم للوزير وعذب بأنواع العذاب، فلم يستخرج منه شيء فأمر المقتدر بحمله إلى أبيه بدار الخلافة، وجاء الوزير أبو القاسم الخاقاني إلى مؤنس وهارون ونصر فحذرهم شأن ابن الفرات وغائلته بدار الخلافة، وأغراهم به، فوضعوا القواد والجند وقالوا: لا بد من قتل ابن الفرات وولده، ووافق هؤلاء على ذلك فأمر نازوك بقتلهما فذبحهما. وجاء هارون إلى الوزير الخاقاني يهنئه بذلك فأغمي عليه، ثم أفاق وأخذ منه ألفي دينار وشفع مؤنس المظفر في ابنيه عبد الله وأبي نصر فأطلقهما ووصلهما بعشرين ألف دينار. ثم عزل الخاقاني سنة ثلاث عشرة لأنه أصابه المرض وطال به، وشغب الجند في طلب أرزاقهم فوقفت به الأحوال، وعزله المقتدر وولى مكانه أبا العباس الخصي [1] وكان كاتبا لأمه فقام بالأمر، وأقر علي بن عيسى على أعمال مصر والشام، فكان يتردد إليهما من مكة، ثم أن الخصي اضطربت أموره وضاقت الجباية، وكان مدمنا للسكر مهملا للأمور، ووكل من يقوم عنه فآثروا مصالحهم

وأضاعوا مصلحته. وأشار مؤنس المظفر بعزله وولاية ابن عيسى، فعزل لسنة وشهرين. واستقدم علي بن عيسى من دمشق وأبو القاسم عبد الله بن محمد الكلواذي بالنيابة عنه إلى أن يحضر، فحضر أول سنة خمس عشرة واستقل بأمر الوزارة، وطلب كفالات المصادرين والعمال، وما ضمن من الأموال بالسواد والأهواز وفارس والمغرب، فاستحضرها شيئا بعد شيء وأدر الأرزاق وبسط العطاء وأسقط أرزاق المغنين والمسامرة والندمان والصفاعنة، وأسقط من الجند أصاغر الأولاد ومن ليس له سلاح والهرمي والزمنى، وباشر الأمور بنفسه واستعمل الكفاة وطلب أبا العباس الخصي في المناظرة، وأحضر له الفقهاء والقضاة والكتاب، وسأله عن أموال الخوارج والنواحي والمصادرات وكفالاتها، وما حصل من ذلك وما الواصل والبواقي، فقال لا أعلم فسأله عن المال الذي سلمه لابن أبي الساج كيف سلمه بلا مصرف ولا منفق، وكيف سلم إليه أعمال المشرق، وكيف بعثه لبلاد الصحراء بهجر هو وأصحابه من أهل الغلول والخصب، فقال: ظننت منهم القدرة على ذلك. وامتنع ابن أبي الساج من المنفق فقال: وكيف استجزت ضرب حرم المصادرين؟ فسكت، ثم سئل عن الخراج فخلط فقال: أنت غررت أمير المؤمنين من نفسك فهلا استعذرت بعدم المعرفة. ثم أعيد إلى محبسه واستمر علي بن عيسى في ولايته. ثم اضطربت عليه الأحوال واختلفت الأعمال، ونقص الارتياع نقصا فاحشا، وزادت النفقات، وزاد المقتدر تلك الأيام في نفقات الخدم والحرم ما لا يحصى، وعاد الجند من الأنبار فزادهم في أرزاقهم مائتين وأربعين ألف دينار. فلما رأى ذلك علي بن عيسى ويئس من انقطاعه أو توقفه، وخشي من نصر الحاجب، فقد كان انحرف عنه لميل مؤنس إليه وما بينهما من المنافرة في الدولة، فاستعفى من الوزارة وألح في ذلك وسكنه مؤنس فقال له: أنت سائر إلى الرقة، وأخشى على نفسي بعدك. ثم فاوض المقتدر نصر الحاجب بعد مسير مؤنس فأشار بوزارة أبي علي ابن مقلة، فاستوزره المقتدر سنة ست عشرة وقبض على علي بن عيسى وأخيه عبد الرحمن، وأقام ابن مقلة بالوزارة وأعانه فيها أبو عبد الله البريدي لمودة كانت بينهما واستمرت حاله على ذلك. ثم عزله المقتدر ونكبه بعد سنتين وأربعة أشهر حين استوحش من مؤنس كما نذكره، وكان ابن مقلة متهما بالميل إليه فاتفق مغيبه في بعض الوجوه فيقبض عليه المقتدر. فلما جاء مؤنس سأل في إعادته فلم يجبه المقتدر

وأراد قتله فمنعه، واستوزر المقتدر سليمان بن الحسن وأمر علي بن عيسى بمشاركته في الاطلاع على الدواوين، وصودر ابن مقلة على مائتي ألف دينار، وأقام سليمان في وزارته سنة وشهرين وعلي بن عيسى يشاركه في الدواوين، وضاقت عليه الأحوال إضاقة شديدة، وكثرت المطالبات ووقفت وظائف السلطان. ثم أفرد السواد بالولاية فانقطعت مواد الوزير لأنه كان يقيم من قبله من يشتري توقعات الأرزاق ممن لا يقدر على السعي في تحصيلها من العمال والفقهاء وأرباب البيوت، فيشتريها بنصف المبلغ فتعرض بعض من كان ينتمى لمفلح الخادم لتحصيل ذلك للخليفة، وتوسط له مفلح فدافع لذلك وجاهر في تحصيله من العمال، فاختلت الأحوال بذلك وفضح الديوان ودفعت الأحوال لقطع منافع الوزراء والعمال التي كانوا يرتفقون بها، وإهمالهم أمور الناس بسبب ذلك. وعاد الخلل على الدولة وتحرك المرشحون للوزارة في السعاية وضمان القيام بالوظائف وأرزاق الجند. وأشار مؤنس بوزارة أبي القاسم الكلواذي فاستوزره المقتدر في رجب من سنة تسع عشرة وأقام في وزارته شهرين.

وكان ببغداد رجل من المخرفين يسمى الدانيالي، وكان وراقا ذكيا محتالا يكتب الخطوط في الورق ويداويها حتى تتم بالبلى. وقد أودعها ذكر من يراه من أهل الدولة برموز وإشارات، ويقسم له فيها من حظوظ الملك والجاه والتمكين قسمة من عالم الغيب، يوهم أنها من الحدثان القديم المأثور عن دانيال وغيره، وأنها من الملاحم المتوارثة عن آبائه، ففعل مثل ذلك بمفلح. وكتب له في الأوراق م م م بأن يكون له كذا وكذا، وسأله مفلح عن الميم فقال: هو كناية عنك لأنك مفلح مولى المقتدر. وناسب بينه وبين علامات مذكورة في تلك الأوراق حتى طبقها عليه، فشغف به مؤنس وأغناه. وكان يداخل الحسين بن القاسم بن عبد الله بن وهب، فرمز اسمه في كتاب وذكر بعض علاماته المنطبقة عليه، وذكر أنه يستوزره الخليفة الثامن عشر من بني العباس، وتستقيم الأمور على يديه، ويقهر الأعادي وتعمر الدنيا في أيامه وخلط ذلك في الكتاب بحدثان كثير وقع بعضه ولم يقع الآخر.

وقرأ الكتاب على مفلح فأعجبه، وجاء بالكتاب إلى المقتدر فأعجب به الآخر، وقال لمفلح: من تعلم بهذه القصة؟ فقال لا أراه إلا الحسين بن القاسم. قال:

صدقت وإني لأميل إليه، وقد كان المقتدر أراد ولايته قبل ابن مقلة وقبل الكلواذي، فامتنع مؤنس. ثم قال المقتدر لمفلح: إن جاءتك رقعة منه بالسعي في

الوزارة فأعرضها علي. ثم سأل مفلح الدانيالي من أين لك الكتاب؟ قال: وراثة من آبائي وهو من ملاحم دانيال. فأنهى ذلك إلى المقتدر واغتبطوا بالحسين وبلغ الخبر إليه، فكتب إلى مفلح بالسعي في الوزارة، فعرض كتابه على المقتدر فأمره بإصلاح مؤنس. واتفق أن الكلواذي عمل حسابا بما يحتاج إليه من النفقات الزائدة على الحاصل، فكاتب سبعمائة ألف دينار وكتب عليه أهل الديوان خطوطهم، وقال ليس لهذه جهة إلا ما يطلقه أمير المؤمنين. فعظم ذلك على المقتدر، وأمر الحسين بن القاسم أن يضمن جميع النفقات وزيادة ألف ألف دينار لبيت المال. وعرض كتابه على الكلواذي فاستقال، وأذن للكلواذي لشهرين من وزارته، وولى الحسين بن القاسم واشترط أن لا يشاركه علي بن عيسى في شيء من أموره، وإخراجه الصافية. واختص به الحسين بن اليزيدي وابن الفرات. ولما ولي واطلع على نقصان الارتياع وكثرة الإنفاق وضاق عليه الأمر فتعجل الجباية المستقبلة، وصرفها في الماضية. وبلغ ذلك هارون بن غريب الحال فأنهاه إلى المقتدر، فرتب معه الخصي واطلع على حسابه، فألقى له حسبة ليس فيها رمزه. فأظهر ذلك للمقتدر وجميع الكتاب واطلعوا عليها وقابلوا الوزير بتصديق الخصي فيما قاله، وقبض على الحسين ابن القاسم في شهر ربيع من سنة عشرين لسبعة أشهر من ولايته. واستوزر أبا الفتح الفضل بن جعفر وسلم إليه الحسين فلم يؤاخذه بإساءته ولم يزل على وزارته.

** أخبار القرامطة في البصرة والكوفة **

كان القرامطة قد استبد طائفة منهم بالبحرين وعليهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجناني [1] ، ورث ذلك عن أبيه واقتطعوا ذلك العمل بأسره عن الدولة، كما يذكر في أخبار دولتهم عند إفرادها بالذكر، فقصد أبو طاهر البصرة سنة إحدى عشرة ومائتين وبها سبط مفلح، فكبسها ليلا في ألفين وسبعمائة، وتسنموا الأسوار بالجبال، وركب سبك فقتلوه ووضعوا السيف في الناس فأفحشوا في القتل وغرق كثير في الماء، وأقام أبو طاهر بها سبعة عشر يوما، وحمل ما قدر عليه من الأموال والأمتعة والنساء والصبيان وعاد إلى هجر. وولى المقتدر على البصرة محمد بن عبد الله الفارقي فانحدر إليها بعد انصرافهم عنها. ثم سار أبو طاهر القرمطي سنة اثنتين عشرة

معترضا للحاج في رجوعهم من مكة، فاعترض أوائلهم ونهبهم، وجاء الخبر إلى الحاج وهم بعيد، وقد فنيت أزوادهم وكان معهم أبو الهيجاء بن حمدان صاحب طريق الكوفة. ثم أغار عليهم أبو طاهر فأوقع بهم وأسر أبا الهيجاء أحمد بن بدر من أخوال المقتدر، ونهب الأمتعة وسبى النساء والصبيان، ورجع إلى هجر. وبقي الحجاج ضاحين في القفر إلى أن هلكوا، ورجع كثير من الحرم إلى بغداد، وأشغبوا واجتمع معهم حرم المنكوبين أيام ابن الفرات، فكان ذلك من أسباب نكبته. ثم أطلق أبو طاهر الأسرى الذين عنده ابن حمدان وأصحابه، وأرسل إلى المقتدر يطلب البصرة والأهواز، فلم يجبه وسار من هجر لاعتراض الحاج، وقد سار بين أيديهم جعفر بن ورقاء الشيباني في ألف رجل من قومه، وكان صاحب أعمال الكوفة وعلى الحاج بمثل صاحب البحر وجنا الصفواني وطريف اليشكري وغيرهم في ستة آلاف رجل، فقاتل جعفر الشيباني أولا وهزمه. ثم اتبع الحاج إلى الكوفة فهزم عسكرهم وفتك فيهم، وأسرجنا الصفواني، وهرب الباقون. وملك الكوفة، وأقام بظاهرها ستة أيام يقيم في المسجد إلى الليل ويبيت في عسكره وحمل ما قدر عليه من الأموال والمتاع ورجع إلى هجر. ووصل المنهزمون إلى بغداد فتقدم المقتدر إلى مؤنس بالخروج إلى الكوفة فسار إليها بعد خروجهم عنها، واستخلف عليها ياقوتا ومضى إلى واسط ليمانع أبا طاهر دونها، ولم يحج أحد هذه السنة وبعث المقتدر سنة أربع عشرة عن يوسف بن أبي الساج من أذربيجان وسيره إلى واسط لحرب أبي طاهر. ورجع مؤنس إلى بغداد وخرج أبو طاهر سنة خمس عشرة وقصد الكوفة، وجاء الخبر إلى ابن أبي الساج فخرج من واسط آخر رمضان يسابق أبا طاهر إليها، فسبقه أبو طاهر وهرب العمال عنها واستولى على الأتراك والعلوفات التي أعدت بها. ووصل ابن أبي الساج ثامن شوال بعد وصول أبي طاهر بيوم وبعث يدعوه إلى الطاعة للمقتدر، فقال لا طاعة إلا لله فآذنه بالحرب وتزاحفوا يوما إلى الليل. ثم انهزم أصحاب ابن أبي الساج وأسروا ووكل أبو طاهر طبيبا يعالج جراحته، ووصل المنهزمون ببغداد فأرجفوا بالهرب، وبرز مؤنس المظفر لقصد الكوفة. وقد سار القرامطة إلى عين التمر فبعث مؤنس من بغداد خمسمائة سرية ليمنعهم من عبور الفرات. ثم قصد القرامطة الأنبار ونزلوا غربي الفرات، وجاءوا بالسفن من الحديثة، فأجاز فيها ثلاثمائة منهم، وقاتلوا عسكر الخليفة فهزموهم واستولوا على مدينة الأنبار. وجاء الخبر إلى بغداد فخرج

الحاجب في العساكر ولحق بمؤنس المظفر واجتمعوا في نيف وأربعين ألف مقاتل إلى عسكر القرامطة ليخلصوا ابن أبي الساج فقاتلهم القرامطة وهزموهم. وكان أبو طاهر قد نظر إلى ابن أبي الساج وهو يستشرف إلى الخلاص، وأصحابه يشيرونه، فأحضره وقتله وقتل جميع الأسرى من أصحابه، وكثر الهرج ببغداد واتخذوا السفن بالانحدار إلى واسط ومنهم من نقل متاعه إلى حلوان. وكان نازوك صاحب الشرطة فأكثر التطواف بالليل والنهار، وقتل بعض الدعار فأقصروا عن [1] ثم سار القرامطة عن الأنبار فاتحة سنة ست عشرة ورجع مؤنس إلى بغداد وسار أبو طاهر إلى الرحبة فملكها واستباحها، واستأمن إليه أهل قرقيسيا فأمنهم، وبعث السرايا إلى الأعراب بالجزيرة فنهبوهم وهربوا بين يديه، وقدر إليهم الإتاوة في كل سنة يحملونها إلى هجر. ثم سار أبو طاهر إلى الرقة وقاتلها ثلاثا، وبعث السرايا إلى رأس عين، وكفرتوثا وسنجار فاستأمنوا إليهم، وخرج مؤنس المظفر من بغداد في العسكر وقصد الرقة، فسار أبو طاهر عنها إلى الرحبة ووصلها مؤنس، وسار القرامطة إلى هيت، فامتنعت عليهم فساروا إلى الكوفة. وخرج من بغداد نصر الحاجب وهارون بن غريب وبني بن قيس في العساكر إليها، ووصلت جند القرامطة إلى قصر ابن هبيرة. ثم مرض نصر الحاجب واستخلف على عسكره أحمد بن كيغلغ، وعاد فمات في طريقه، وولى مكانه على عسكره هارون بن غريب، وولى مكانه في الحجة ابنه أحمد. ثم انصرف القرامطة إلى بلادهم ورجع هارون إلى بغداد في شوال من السنة. ثم اجتمع بالسواد جماعات من أهل هذا المذهب بواسط وعين التمر، وولى كل جماعة عليهم رجلا منهم، فولى جماعة واسط حريث بن مسعود، وجماعة عين التمر عيسى بن موسى وسار إلى الكوفة ونزل بظاهرها وصرف العمال عن السواد، وجبى الخراج. وسار حريث إلى أعمال الموفق وبنى بها دارا سماها دار الهجرة، واستولى على تلك الناحية. وكان صاحب الحرب بواسط بني بن قيس فهزموه، فبعث إليه المقتدر هارون بن غريب في العساكر، وإلى قرامطة الكوفة صافيا البصري، فهزموهم من كل جانب وجاءوا بأعلامهم بيضاء عليها مكتوب: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض 28: 5 الآية، وأدخلت إلى بغداد منكوسة، واضمحل أمر القرامطة بالسواد.

** استيلاء القرامطة على مكة وقلعهم الحجر الأسود **

ثم سار أبو طاهر القرمطي سنة تسع عشرة إلى مكة وحج بالناس منصور الديلمي، فلما كان يوم التروية، ونهب أبو طاهر أموال الحجاج وفتك فيهم بالقتل حتى في المسجد والكعبة، واقتلع الحجر الأسود وحمله إلى هجر، وخرج إليه أبو مخلب [1] أمير مكة في جماعة من الأشراف، وسألوه فلم يسعفهم، وقاتلوه فقتلهم وقلع باب البيت، وأصعد رجلا يقتلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في زمزم ودفن الباقين في المسجد حيث قتلوا، ولم يغسلوا ولا صلى عليهم ولا كفنوا. وقسم كسوة البيت على أصحابه ونهب بيوت أهل مكة. وبلغ الخبر إلى المهدي عبيد الله بإفريقية وكانوا يظهرون الدعاء له، فكتب إليه بالنكير واللعن ويتهدده على الحجر الأسود، فرده وما أمكنه من أموال الناس واعتذر عن بقية ما أخذوه بافتراقه في الناس.

** خلع المقتدر وعوده **

كان من أول الأسباب الداعية لذلك أن فتنة وقعت بين ماجوريه هارون الحال ونازوك صاحب الشرطة [2] في بعض مذاهب الفواحش، فحبس نازوك ماجوريه هارون، وجاء أصحابه إلى محبس الشرطة ووثبوا بنائبه وأخذوا أصحابهم من الحبس. ورفع نازوك الأمر إلى المقتدر فلم يعد أحدا منهما لمكانهما منه، فعاد الأمر بينهما إلى المقاتلة وبعث المقتدر إليهما بالنكير فأقصرا، واستوحش هارون، وخرج بأصحابه ونزل البستان النجمي وبعث إليه المقتدر يسترضيه، فأرجف الناس أن المقتدر جعله أمير الأمراء، فشق ذلك على أصحاب مؤنس، وكان بالرقة فكتبوا إليه فأسرع العود إلى بغداد ونزل بالشماسية مستوحشا من المقتدر ولم يلقه، وبعث ابنه أبا العباس ووزيره ابن مقلة لتلقيه وإيناسه فلم يقبل، وتمكنت الوحشة وأسكن المقتدر ابن خاله هارون معه في داره فازداد نفور مؤنس. وجاء أبو العباس بن حمدان من بلاده في عسكر كبير، فنزل عند مؤنس وتردد الأمراء بين المقتدر ومؤنس، وسار إليه نازوك صاحب

الشرطة، وجاءه بني بن قيس، وكان المقتدر قد أخذ منه الدينور وأعادها إليه مؤنس، واشتمل عليه. وجمع المقتدر في داره هارون بن غريب وأحمد بن كيغلغ والغلمان الحجرية والرجال المصافية، ثم انتقض أصحاب المقتدر وجاءوا إلى مؤنس وذلك في فتح سنة سبع عشرة. فكتب مؤنس إلى المقتدر بأن الناس ينكرون سرفه فيما أقطع الحرم والخدم من الأموال والضياع ورجوعه إليهم في تدبير ملكه، ويطالبه بإخراجهم من الدار وإخراج هارون بن غريب معهم، وانتزاع ما في أيديهم من الأموال والأملاك. فأجاب المقتدر إلى ذلك، وكتب يستعطفه ويذكره البيعة ويخوفه عاقبة النكث، وأخرج هارون إلى الثغور الشامية والجزرية، فسكن مؤنس ودخل إلى بغداد ومعه ابن حمدان ونازوك والناس يرجفون بأنه خلع المقتدر. فلما كان عشر محرم من هذه السنة، ركب مؤنس إلى باب الشماسية وتشاور مع أصحابه قليلا، ثم رجعوا إلى دار الخليفة بأسرهم، وكان المقتدر قد صرف أحمد بن نصر القسوري عن الحجابة وقلدها ياقوتا وكان على حرب فارس، فاستخلف مكانه ابنه أبا الفتح المظفر. فلما جاء مؤنس إلى الدار هرب ابن ياقوت وسائر الحجبة والخدم والوزير وكل من بالدار، ودخل مؤنس فأخرج المقتدر وأمه وولده وخواص جواريه، فنقلهم إلى داره واعتقلهم بها، وبلغ الخبر هارون بن غريب بقطربل فدخل إلى بغداد واستتر، ومضى ابن حمدان إلى دار ابن طاهر فأحضر محمد بن المعتضد، وبايعوه ولقبوه القاهر بالله. وأحضروا القاضي أبا عمر المالكي عند المقتدر للشهادة عليه بالخلع، وقام ابن حمدان يتأسف له ويبكي ويقول: كنت أخشى عليك مثل هذا ونصحتك فلم تقبل، وآثرت قول الخدم والنساء على قولي، ومع هذا فنحن عبيدك وخدمك، وأودع كتاب الخلع عند القاضي أبي عمر ولم يظهر عليه أحدا حتى سلمه إلى المقتدر بعد عوده، فحسن موقع ذلك منه وولاه القضاء. ولما تم الخلع عمد مؤنس، إلى دار الخليفة فنهبها ومضى ابن نفيس إلى تربة أم المقتدر فاستخرج من بعض قبورها ستمائة ألف دينار وحملها إلى القاهر، وأخرج مؤنس علي ابن عيسى الوزير من الحبس وولى علي بن مقلة الوزارة، وأضاف إلى نازوك الحجابة مع الشرطة، وأقطع ابن حمدان حلوان والدينور وهمذان وكرمان والصيمرة ونهوند وشيراز وماسبذان مضافا إلى ما بيده من أعمال طريق خراسان، وكان ذلك منتصف المحرم. ولما تقلد نازوك الحجابة أمر الرجالة بتقويض خيامهم من الدار

وأدالهم ابن جالة من أصحابه فأسفهم بذلك وتقدموا إلى خلفاء الحجاب بأن يمنعوا الناس من الدخول إلا أصحاب المراتب فاضطربت الحجرية لذلك [1] . فلما كان سابع عشر المحرم وهو يوم الإثنين بكر الناس إلى الخليفة لحضور الموكب وامتلأت الرحاب وشاطئ دجلة بالناس، وجاء الرجالة المصافية شاكي السلاح يطالبون بحق البيعة ورزق سنة، وقد بلغ منهم الحنق على نازوك مبالغه، وقعد مؤنس عن الحضور ذلك اليوم، وزعق الرجالة المصافية فنهى نازوك أصحابه أن يعرضوا لهم، فزاد شغبهم وهجموا على الصحن المنيعي، ودخل معهم من كان على الشط من العامة بالسلاح، والقاهر جالس وعنده علي بن مقلة الوزير ونازوك، فقال لنازوك أخرج إليهم فسكنهم! فخرج وهو متحامل من الخمار فتقدم إلى الرجالة للشكوى بحالهم ورأى السيوف في أيديهم فهرب، فحدث لهم الطمع فيه وفي الدولة، واتبعوه فقتلوه وخادمه عجيفا ونادوا بشعار المقتدر. وهرب كل من في الديار من سائر الطبقات وصلبوا نازوك وعجيفا على شاطئ دجلة. ثم ساروا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر، وأغلق الخادم أبواب دار الخليفة، وكانوا كلهم صنائع المقتدر، وقصد أبو الهيجاء حمدان الفرات فتعلق به القاهر واستقدم به، فقال له: أخرج معي إلى عشيرتي أقتل دونك! فوجد الأبواب مغلقة فقال له ابن حمدان: قف حتى أعود إليك ونزع ثيابه ولبس بعض الخلقان، وجاء إلى الباب فوجده مغلقا والناس من ورائه، فرجع إلى القاهر وتمالأ بعض الخدام على قتله، فقاتلهم حتى كشفهم، ودخل في بعض مسارب البستان فجاءوه إليهم فقتلوه وحملوا رأسه. وانتهى الرجالة إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر فسلمه إليهم وحملوه على رقابهم إلى دار الخلافة، فلما توسط الصحن المنيعي اطمأن وسأل عن أخيه القاهر وابن حمدان وكتب لهما الأمان بخطه، وبعث فيهما فقيل له إن ابن حمدان قد قتل، فعظم عليه وقال: والله ما كان أحمد بسيف في هذه الأيام غيره، وأحضر القاهر فاستدناه وقبل رأسه وقال له: لا ذنب لك ولو لقبوك المقهور لكان أولى من القاهر! وهو يبكي ويتطارح عليه حتى حلف له على الأمان، فانبسط وسكن. وطيف برأس نازوك وابن حمدان،

وخرج أبو نفيس هاربا من مكان استتاره إلى الموصل، ثم إلى أرمينية، ولحق بالقسطنطينية فتنصر، وهرب أبو السرايا أخو أبي الهيجاء إلى الموصل، وأعاد المقتدر أبا علي بن مقلة إلى الوزارة، وأطلق للجند أرزاقهم وزادهم. وبيع ما في الخزائن بأرخص الأثمان وأذن في بيع الأملاك لتتمة الأعطيات، وأعاد مؤنسا إلى محله من تدبير الدولة والتعويل عليه في أموره. ويقال إنه كان مقاطعا للمقتدر وإنه الذي دس إلى المصافية والحجرية بما فعلوه، ولذلك قعد عن الحضور إلى القاهر. ثم إن المقتدر حبس أخاه القاهر عند أمه فبالغت في الإحسان إليه والتوسعة عليه في النفقة والسراري.

** أخبار قواد الديلم وتغلبهم على أعمال الخليفة **

قد تقدم لنا الخبر عن الديلم في غير موضع من الكتاب، وخبر افتتاح بلادهم بالجبال والأمصار التي تليها، مثل طبرستان وجرجان وسارية وآمد وأستراباذ، وخبر إسلامهم على يد الأطروش، وأنه جمعهم وملك بهم بلاد طبرستان سنة إحدى وثلاثمائة، وملك من بعده أولاده والحسن بن القاسم الداعي صهره، واستعمل منهم القواد على ثغورها فكان منهم ليلى بن النعمان، كانت إليه ولاية جرجان عن الحسن ابن القاسم الداعي سنة ثمان ثلاثين. وكانت بين بني سامان وبين بني الأطروش والحسن بن القاسم الداعي وقواد الديلم حروب هلك فيها ليلى بن النعمان سنة تسع وثلاثمائة، لأن أمر الخلفاء كان قد انقطع عن خراسان، وولوها لبني سامان فكانت بسبب ذلك بينهم وبين أهل طبرستان من الحروب ما أشرنا إليه. ثم كانت بعد ذلك حرب مع بني سامان فولاها من قواد الديلم شرخاب بن بهبودان وهو ابن عم ما كان ابن كالي وصاحب جيش أبي الحسن الأطروش، وقاتله سيمجور صاحب جيش بني سامان، فهزمه وهلك شرخاب، وولى ابن الأطروش ما كان بن كالي على أستراباذ، فاجتمع إليه الديلم وقدموه على أنفسهم، واستولى على جرجان كما يذكر ذلك كله في أخبار العلوية. وكان من أصحاب ما كان هذا أسفار ابن شيرويه من قواد الديلم عن ما كان إلى قواد بني سامان. فاتصل ببكر بن محمد بن أليسع بنيسابور، وبعثه في الجنود لافتتاح جرجان، وبها أبو الحسن بن كالي نائبا عن أخيه ما كان وهو بطبرستان. فقتل أبو الحسن وقام بأمر جرجان علي بن خرشيد. ودعا

أسفار بن شيرويه إلى حمايتها من ما كان، فزحف إليهم من طبرستان فهزموه وغلبوه عليها ونصبوا أبا الحسن وعلي بن خرشيد. فزحف ما كان إلى أسفار وهزمه وغلبه على طبرستان، ورجع إلى بكر بن محمد بن أليسع بجرجان. ثم توفي بكر سنة خمس عشرة، فولى نصر بن أحمد بن سامان أسفار بن شيرويه مكانه على جرجان، وبعث أسفار عن مرداويج بن زيار الجبلي وقدمه على جيشه، وقصدوا طبرستان فملكوها. وكان الحسن بن القاسم الداعي قد استولى على الري وأعمالها من يد نصر بن سامان، ومعه قائده ما كان بن كالي. فلما غلب أسفار على طبرستان زحف إليه الداعي وقائده ما كان فانهزما وقتل الداعي ورجع ما كان إلى الري، واستولى أسفار ابن شيرويه على طبرستان وجرجان، ودعا النصر بن أحمد بن سامان، ونزل سارية واستعمل على آمد هارون بن بهرام. ثم سار أسفار إلى الري، فأخذها من يد ما كان ابن كالي وسار ما كان إلى طبرستان واستولى أسفار على سائر أعمال الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم والكرخ، وعظمت جيوشه وحدثته نفسه بالملك، فانتقض على نصر بن سامان صاحب خراسان، واعتزم على حربه وحرب الخليفة. وبعث المقتدر هارون بن غريب الحال في عسكر إلى قزوين، فحاربه أسفار وهزمه وقتل كثيرا من أصحابه. ثم زحف إليه نصر بن سامان من بخارى فراسله في الصلح وضمان أموال الجباية، فأجابه وولاه ورجع إلى بخارى، فعظم أمر أسفار وكثر عيثه وعسف جنده، وكان قائده مرداويج من أكبر قواده قد بعثه أسفار إلى سلار صاحب سميرم، والطرم يدعوه إلى طاعته. فاتفق مع سلار على الوثوب بأسفار، وقد باطن في ذلك جماعة من قواد أسفار ووزيره محمد بن مطرف الجرجاني. ونمي الخبر إلى أسفار وثار به الجند، فهرب إلى بيهق. وجاء مرداويج من قزوين إلى الري، وكتب إلى ما كان بن كالي يستدعيه من طبرستان ليظاهره على أسفار، فقصد ما كان أسفار، فهرب أسفار إلى الري ليتصل بأهله وماله، وقد كان أنزلهم بقلعة المرت. وركب المفازة إليها، ونمي الخبر إلى مرداويج فسار لاعتراضه وقدم بعض قواده أمامه فلحقه القائد وجاء به إلى مرداويج فقتله ورجع إلى الري ثم إلى قزوين، وتمكن في الملك وافتتح البلاد وأخذ همذان والدينور وقم وقاشان وأصبهان، وأساء السيرة في أهل أصبهان وصنع سريرا من ذهب لجلوسه. فلما قوي أمره نازع ما كان في طبرستان فغلبه عليها ثم سار إلى جرجان فملكها وعاد إلى أصبهان ظافرا. وسار ما كان على الديلم

مستنجدا بأبي الفضل الثائر بها، وسار معه إلى طبرستان فقاتلهم عاملها من قبل مرداويج بالقسم بن بايحين وهزمهم، ورجع الثائر إلى الديلم وسار ما كان إلى نيسابور، ثم سار إلى الدامغان فصده عنها القسم فعاد إلى خراسان. وعظم أمر مرداويج واستولى على بلد الري والجبل واجتمع إليه الديلم وكثرت جموعه وعظم خرجه. فلم يكف ما في يده من الأعمال فسما إلى التغلب على النواحي، فبعث إلى همذان الجيوش مع ابن أخته، وكانت بها عساكر الخليفة مع محمد بن خلف، فحاربهم وهزمهم وقتل ابن أخت مرداويج. فسار من الري إلى همذان وهرب عسكر الخليفة عنها وملكها مرداويج عنوة واستباحها. ثم أمن بقيتهم. وأنفذ المقتدر هارون بن غريب الحال في العساكر فلقيه مرداويج وهزمهم واستولى على بلاد الجبل وما وراء همذان، وبعث قائده إلى الدينور ففتحها عنوة، وانتهت عساكره إلى حلوان فقتل وسبى. وسار هارون إلى قرقيسيا فأقام بها واستمد المقتدر وكان معه اليشكري من قواد أسفار، وكان قد استأمن بعد أسفار إلى الخليفة وسار في جملته.

وجاء مع هارون في هذه الغزاة إلى نهاوند لحمل المال إليه منها. فلما دخلها استمدت [1] عينه إلى ثروة أهلها، فصادرهم على ثلاثة آلاف ألف دينار، واستخرجها في مدة أسبوع، وجند بها جندا ومضى إلى أصبهان، وبها يومئذ ابن كيغلغ قبل استيلاء مرداويج عليها، فقاتله أحمد وانهزم وملك اليشكري أصبهان، ودخل إليها أصحابه، وقام بظاهرها. وسار أحمد بن كيغلغ في ثلاثين فارسا إلى بعض قرى أصبهان وركب اليشكري ليتطوف على السور، فنظر إليهم فسار نحوهم فقاتلوه، وضربه أحمد بن كيغلغ على رأسه بالسيف فقد المغفر وتجاوزه إلى دماغه فسقط ميتا. وقصد أحمد المدينة ففر أصحاب اليشكري، ودخل أحمد إلى أصبهان وذلك قبل استيلاء عسكر مرداويج عليها، فاستولى عليها وجددوا له فيها مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي وبساتينه، وجاء مرداويج في أربعين أو خمسين ألفا، فنزلها وبعث جمعا إلى الأهواز فاستولوا عليها، وعلى خوزستان كذلك، وجبى أموالها وقسم الكثير منها في أصحابه، وادخر الباقي وبعث إلى المقتدر يطلب ولاية هذه الأعمال وإضافة همذان وماه الكوفة إليها على مائتي ألف دينار في كل سنة، فأجابه وقاطعه وولاه وذلك سنة تسع عشرة. ثم دعا مرداويج

سنة عشرين أخاه وشكمير من بلاد كيلان، فجاء إليه بدويا حافيا بما كان يعاني من أحوال البداوة والتبذل في المعاش ينكر كل ما يراه من أحوال الترف ورقة العيش.

ثم صار إلى ترف الملك وأحوال الرئاسة فرقت حاشيته وعظم ترفهه. وأصبح من عظماء الملوك وأعرفهم بالتدبير والسياسة.

** ابتداء حال أبي عبد الله البريدي **

كان بداية أمره عاملا على الأهواز وضبط ابن ماكر لأن هذا الاسم بالموحدة والراء المهملة نسبة إلى البريد. وضبطه ابن مسكويه بالياء المثناة التحتانية والزاي نسبة إلى يزيد بن عبد الله بن المنصور الحميري، كان جده يخدمه ولما ولي علي بن عيسى الوزارة واستعمل العمال، وكان أبو عبد الله قد ضمن الخاصة بالأهواز وأخوه أبو يوسف على سوق فائق من الاقتصارية وأخوه علي هذا. فلما وزر أبو علي بن مقلة بذل له عشرين ألف دينار على أن يقلده أعمالا فائقة، فقلده الأهواز جميعها غير السوس وجنا سابور [1] وقلد أخاه أبا الحسن القرانية [2] وأخاهما أبا يوسف الخاصة والأسافل، وضمن المال أبا يوسف السمسار، وجعل الحسين بن محمد المارداني مشرفا على أبي عبد الله، فلم يلتفت إليه. وكتب إليه الوزير بن مقلة بالقبض على بعض العمال ومصادرته، فأخذ منه عشرة آلاف دينار واستأثر بها على الوزير، فلما نكب ابن مقلة كتب المقتدر بخطه إلى الحاجب أحمد بن نصر القسوري بالقبض على أولاد البريدي، وأن لا يطلقهم إلا بكتابه، فقبض عليهم وجاء أبو عبد الله بكتاب المقتدر بخطه بإطلاقهم وظهر تزويره فأحضرهم إلى بغداد وصودروا على أربعمائة ألف دينار فأعطوها.

** الصوائف أيام المقتدر **

ساره مؤنس المظفر سنة ست وتسعين في العساكر من بغداد إلى الفرات، ودخل من ناحية ملطية ومعه أبو الأغر السلمي، فظفر وغنم وأسر جماعة، وفي سنة سبع وتسعين بعث المقتدر أبا القاسم بن سيما لغزو الصائفة سنة ثمان وتسعين. وفي سنة تسع وتسعين غزا بالصائفة رستم أمير الثغور، ودخل من ناحية طرسوس ومعه دميانة،

وحاصر حصن مليح الأرمني ففتحه وأحرقه. وفي سنة ثلاثمائة مات إسكندروس بن لاور ملك الروم، وملك بعده ابنه قسطنطين ابن اثنتي عشرة سنة. وفي سنة اثنتين وثلاثمائة سار علي بن عيسى الوزير في ألف فارس لغزو الصائفة مددا لبسر الخادم عامل طرسوس، ولم يتيسر لهم الدخول في المصيف، فدخلوا شاتية في كلب البرد وشدته، وغنموا وسبوا. وفي سنة اثنتين وثلاثمائة غزا بسر الخادم والي طرسوس بلاد الروم، ففتح وغنم وسبى وأسر مائة وخمسين. وكان السبي نحوا من ألفي رأس. وفي سنة ثلاث وثلاثمائة أغارت الروم على ثغور الجزيرة ونهبوا حصن منصور وسبوا أهله بتشاغل عسكر الجزيرة بطلب الحسين بن حمدان مع مؤنس، حتى قبض عليه كما مر. وفي هذه السنة خرج الروم إلى ناحية طرسوس والفرات فقاتلوا وقتلوا نحوا من ستمائة فارس، وجاء مليح الأرمني إلى مرعش فعاث في نواحيها، ولم يكن للمسلمين في هذه السنة صائفة. وفي سنة أربع بعدها سار مؤنس المظفر بالصائفة ومر بالموصل فقلد سبكا المفلحي باريدى وقردى من أعمال الفرات، وقلد عثمان العبودي مدينة بلد وسنجار ووصيفا البكتمري باقي بلاد ربيعة، وسار إلى ملطية فدخل منها وكتب إلى أبي القاسم علي بن أحمد بن بسطام أن يدخل من طرسوس في أهلها، ففتح مؤنس حصونا كثيرة وغنم وسبى ورجع إلى بغداد فأكرمه المعتضد وخلع عليه. وفي سنة خمس وثلاثمائة وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر في المهادنة والفداء، فتلقيا بالإكرام وجلس لهما الوزير في الابهة، وصف الأجناد بالسلاح العظيم الشأن والزينة الكاملة، فأديا إليه الرسالة وأدخلهما من الغد على المقتدر وقد احتفل في الأبهة ما شاء، فأجابهما إلى ما طلب ملكهم. وبعث مؤنسا الخادم للفداء، وجعله أميرا على كل بلد يدخله إلى أن ينصرف. وأطلق الأرزاق الواسعة لمن سار معه من الجنود، وأنفذ معه مائة وعشرين ألف دينار للفدية. وفيها غزا الصائفة جنا الصفواني فغنم وغزا وسير نمالي الخادم في الأسطول فغنم. وفي السنة بعدها غزا نمالي في البحر كذلك، وجنا الصفواني فظفر وفتح وعاد وغزا بشر الأفشين بلاد الروم، ففتح عدة حصون وغنم وسبى. وفي سنة سبع غزا نمالي في البحر فلقي مراكب المهدي صاحب إفريقية فغلبهم وقتل جماعة منهم، وأسر خادما للمهدي.

وفي سنة عشرة وثلاثمائة غزا محمد بن نصر الحاجب من الموصل على قاليقلا، فأصاب من الروم، وسار أهل طرسوس من ملطية فظفروا واستباحوا وعادوا. وفي سنة

إحدى عشرة غزا مؤنس المظفر بلاد الروم فغنم وفتح حصونا، وغزا نمالي في البحر فغنم ألف رأس من السبي وثمانية آلاف من الظهر ومائة ألف من الغنم وشيئا كثيرا من الذهب والفضة. وفي سنة اثني عشرة جاء رسول ملك الروم بالهدايا ومعه أبو عمر بن عبد الباقي يطلبان الهدنة وتقرير الفداء، فأجيبا إلى ذلك. ثم غدروا بالصائفة فدخل المسلمون بلاد الروم فأثخنوا ورجعوا. وفي سنة أربع عشرة خرجت الروم إلى ملطية ونواحيها مع الدمستق ومليح الأرمني صاحب الدروب وحاصروا ملطية وهربوا إلى بغداد واستغاثوا، فلم يغاثوا. وغزا أهل طرسوس بالصائفة فغنموا ورجعوا.

وفي سنة خمس عشرة دخلت سرية من طرسوس إلى بلاد الروم فأوقع بهم الروم وقتلوا أربعمائة رجل صبرا، وجاء الدمستق في عساكر من الروم إلى مدينة دبيل، وبها نصر السبكي فحاصرها وضيق مخنقها واشتد في قتالها حتى نقب سورها، ودخل الروم إليها ودفعهم المسلمون فأخرجوهم وقتلوا منهم بعد أن غنموا ما لا يحصى وعاثوا في أنعامهم، فغنموا من الغنم ثلاثمائة ألف رأس فأكلوها. وكان رجل من رؤساء الأكراد يعرف بالضحاك في حصن له يعرف بالجعبري فتنصر وخدم ملك الروم، فلقيه المسلمون في سنة الغزاة فأسروه وقتلوا من معه. وفي سنة ست عشرة وثلاثمائة خرج الدمستق في عساكر الروم فحاصر خلاط وملكها صلحا، وجعل الصليب في جامعها، ورحل إلى تدنيس ففعل بها كذلك، وهرب أهل أردن إلى بغداد واستغاثوا فلم يغاثوا. وفيها ظهر أهل ملطية على سبعمائة رجل من الروم والأرمن، دخلوا بلدهم خفية وقدمهم مليح الأرمني ليكونوا لهم عونا إذا حاصروها، فقتلهم أهل ملطية عن آخرهم. وفي سنة سبع عشرة بعث أهل الثغور الجزرية مثل ملطية وفارقين وآمد وأرزا يستمدون المقتدر في العساكر وإلا فيعطوا الإتاوة للروم فلم يمدهم، فصالحوا الروم وملكوا البلاد. وفيها دخل مفلح الساجي بلاد الروم. وفي سنة عشرين غزا نمالي بلاد الروم من طرسوس ولقي الروم فهزمهم وقتل منهم ثلاثمائة وأسر ثلاثة آلاف، وغنم من الفضة والذهب شيئا كثيرا وعاد بالصائفة في سنته في حشد كثير، وبلغ عمورية فهرب عنها من كان تجمع إليها من الروم، ودخلها المسلمون فوجدوا من الأمتعة والأطعمة كثيرا، فغنموا وأحرقوا وتوغلوا في بلاد الروم يقتلون ويكتسحون ويخربون حتى بلغوا انكمورية التي مصرها أهله وعادوا سالمين.

وبلغت قيمة السبي مائة ألف وستة وثلاثين ألف دينار. وفي هذه السنة راسل ابن

الزيداني وغيره من الأرمن في نواحي أرمينية وحثوا الروم على قصد بلاد الإسلام، فساروا وخربوا نواحي خلاط وقتلوا وأسروا فسار إليهم مفلح غلام يوسف بن أبي الساج من أذربيجان في جموع من الجند والمتطوعة، فأثخن في بلاد الروم حتى يقال إن القتلى بلغوا مائة ألف، وخرب بلاد ابن الزيداني ومن وافقه، وقتل ونهب. ثم جاءت الروم إلى سميساط فحصروها وأمدهم سعيد بن حمدان، وكان المقتدر ولاه الموصل وديار ربيعة على أن يسترجع ملطية من الروم. فلما جاء رسول أهل سميساط إليهم فأجفل الروم عنها فسار إلى ملطية وبها عساكر الروم ومليح الأرمني صاحب الثغور الرومية، وبني بن قيس صاحب المقتدر الذي تنصر. فلما أحسوا بإقبال سعيد هربوا وتركوها خشية أن يثب بهم أهلها وملكها سعيد فاستخلف عليها وعاد إلى الموصل.

** الولايات على النواحي أيام المقتدر **

كان بأصبهان عبد الله بن إبراهيم المسمعي عاملا عليها، خالف الأول ولاية المقتدر وجمع من الأكراد عشرة آلاف، وأمر المقتدر بدرا الحمامي عامل أصبهان بالمسير إليه.

فسار إليه في خمسة آلاف من الجند وأرسل من يخوفه عاقبة المعصية، فراجع الطاعة وسار إلى بغداد واستخلف على أصبهان. وكان على اليمن المظفر بن هاج. ففتح ما كان غلب عليه الحرثي باليمن وأخذ الحلتمي من أصحابه. وكان على الموصل أبو الهيجاء بن حمدان، وسار أخوه الحسين بن حمدان وأوقع بأعراب كلب وطيئ، وأسر سنة أربع وتسعين. ثم سار إلى الأكراد المتغلبين على نواحي الموصل سنة خمس وتسعين فاستباحهم وهربوا إلى رءوس الجبال. وخرج بالحاج في سنة أربع وتسعين وصيف بن سوارتكين فحصره أعراب طيئ بالقتال وأوقعهم فهزمهم، ومضى إلى وجهه. ثم أوقع بهم هنالك الحسن بن موسى فأثخن فيهم. وكان على فارس سنة ست وتسعين اليشكري [1] غلام عمرو بن الليث، فلما تغلب وكان على الثغور الشامية أحمد بن كيغلغ في سنة سبع وتسعين ملك الليث فارس من يد اليشكري، ثم جاءه مؤنس فغلبه وأسره ورجع اليشكري إلى عمله كما مر في خبره.

وفي سنة ست وتسعين وصل ناسر موسى بن سامان وقلد ديار ربيعة وقد مر ذكره.

وفيها رجع الحسين بن حمدان من الخلاف وعقد له على قم وقاشان، فسار إليها ونزل عنها العباس بن عمر الغنوي. وفي سنة سبع وتسعين توفي عيسى النوشري عامل مصر وولى المقتدر مكانه تكين الخادم. وفي سنة ثمان وتسعين توفي منيح خادم الأفشين وهو عامل فارس وكان معه محمد بن جعفر الفريابي فماتا معا. وولي على فارس عبد الله بن إبراهيم المسمعي وأضيفت إليه كرمان وفيها وليت أم موسى الهاشمية قهرمة دار المقتدر وكانت تؤدي الرسائل عن المقتدر وأمه إلى الوزراء وعن الوزراء إليهما. وفي سنة تسع وتسعين كان على البصرة محمد بن إسحاق بن كنداج وجاء إليه القرامطة فقاتلهم فهربوا. وفي سنة ثلاثمائة عزل عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن فارس وكرمان ونقل إليها بدر الحمامي عامل أصبهان، وولى على أصبهان علي بن وهشودان وفيها ولى بشير الأفشين [1] طرسوس وفيها قلد أبو العباس بن المقتدر مصر والمغرب وهو ابن أربع سنين، واستخلف له على مصر مؤنس المظفر وقلد معين الطولوني المعونة بالموصل، ثم عزل واستعمل مكانه نحرير الصغير. وفيها خالف أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان بالموصل فسار إليه مؤنس وجاء به على الأمان، ثم قلد الموصل سنة اثنتين وثلاثمائة فاستخلف عليها وهو ببغداد. ثم خالف أخوه الحسين سنة ثلاثمائة وسار إليه مؤنس وجاء به أسيرا فحبس وقبض المقتدر على أبي الهيجاء وإخوته جميعا فحبسوا.

وفيها ولي الحسين بن محمد بن عينونة عامل الخراج والضياع بديار ربيعة بعد وفاة أبيه محمد بن أبي بكر. وفي سنة أربع عزل علي بن وهشودان صاحب الحرب بأصبهان بمنافرة وقعت بينه وبين أحمد بن شاه صاحب الخراج، وولى مكانه أحمد ابن مسرور البلخي. وأقام ابن وهشودان بنواحي الجبل. ثم تغلب يوسف بن أبي الساج عليها كما مر. وسار إليه مؤنس سنة سبع فهزمه وأسره، وولى على أصبهان وقم وقاشان وساوة أحمد بن علي بن صعلوك، وعلى الري ودنباوند وقزوين وأبهر وزنجان علي بن وهشودان استدعاه من الجبل فولاه، ووثب به عمه أحمد بن مسافر صاحب الكرم فقتله بقزوين. فاستعمل مكانه على الحرب وصيفا البكتمري، وعلى الخراج محمد بن سليمان. ثم سار أحمد بن صعلوك إليها فقتل محمد بن سليمان وطرد وصيفا، ثم قاطع على الأعمال بمال معلوم كما مر. وكان على أعمال سجستان كثير بن أحمد مهقور متغلبا عليها، فسار إليه أبو الحمامي عامل فارس، فخافه كثير وقاطع

على البلاد وعقد له عليها. وكان على كرمان سنة أربع وثلاثمائة أبو زيد خالد بن محمد المارداني، فانتقض وسار إلى شيراز فقاتله بدر الحمامي وقتله. وفي هذه السنة قلد مؤنس المظفر عند مسيره إلى الصائفة وانتهائه إلى الموصل، فولوا على بلد باريدى وقردى سبكا المفلحي وعلى مدينة بلد وسنجار وباكرى عثمان العبودي صاحب الحرب بديار مصر، فولى مكانه وصيف البكتمري فعجز عن القيام بها، فعزل وولى مكانه جنا الصفواني. وكان على البصرة في هذه السنة الحسن بن الخليل، تولاها منذ سنين ووقعت فتن بينه وبين العامة من مضر وربيعة، واتصلت وقتل منهم خلق. ثم اضطروه إلى الالتحاق بواسط فاستعمل عليها أبا دلف هاشم بن محمد الخزاعي، ثم عزل لسنة وولى سبكا المفلحي نيابة عن شفيع المقتدري. وفي سنة ست وثلاثمائة عزل عن الشرطة نزار وجعل فيها نجيح الطولوني، فأقام في الأرباع فقهاء يعمل أهل الشرطة بفتواهم، فضعفت الهيبة بذلك، وكثر اللصوص والعيارون، وكبست دور التجار واختطفت ثياب الناس. وفي سنة سبع وثلاثمائة ولي إبراهيم بن حمدان ديار ربيعة وولي بني بن قيس بلاد شهرزور، واتسعت عليه فاستمد المقتدر وحاصرها.

ثم قلد الحرب بالموصل وأعمالها، وكان على الموصل قبله محمد بن إسحاق بن كنداج، وكان قد سار لإصلاح البلاد فوقعت فتنة بالموصل فرجع إليها فمنعوه الدخول فحاصرهم. وعزله المقتدر سنة ثلاث وثلاثمائة وولى مكانه عبد الله بن محمد الغساني.

وفي سنة ثمان وثلاثمائة ولى المقتدر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان على طريق خراسان والدرنور، وفيها ولي على دقوقا وعكبرا وطريق الموصل بدرا الشرابي. وفي سنة تسع ولى المقتدر على حرب المصول ومعونتها محمد بن نصر الحاجب، فسار إليها وأوقع بالمخالفين من الأكراد المادرانية. وفيها ولى داود بن حمدان على ديار ربيعة. وفي سنة عشر عقد ليوسف بن أبي الساج على الري وقزوين وأبهر وزنجان وأذربيجان على تقدير العلوية كما مر. وفيها قبض المقتدر على أم موسى القهرمانة لأنها كانت كثيرة المال، وزوجت بنت أختها من بعض ولد المتوكل، كان مرشحا للخلافة، وكان محسنا فلما صاهرته أوسعت في الشوار [1] واليسار والعرس، وسعى بها إلى المقتدر أنها استخلصت القواد فقبض عليها وصادرها على أموال عظيمة وجواهر نفيسة. وفيها قتل خليفة نصر بن محمد الحاجب بالموصل، قتله العامة فجهز العساكر من بغداد،

وسار إليها. وفي سنة إحدى عشرة ملك يوسف بن أبي الساج الري من يد أحمد بن علي صعلوك، وقتله المقتدر وقد مر خبره. وفيها ولى المقتدر بني بن قيس على حرب أصبهان، وولى محمد بن بدر المعتضدي على فارس مكان ابنه بدر عند ما هلك. وفي سنة اثنتي عشرة ولى على أصبهان يحيى الطولوني، وعلى المعاون والحرب بنهاوند سعيد بن حمدان. وفيها توفي محمد بن نصر الحاجب صاحب الموصل وتوفي شفيع اللؤلؤي صاحب البريد، فولي مكانه شفيع المقتدري. وفي سنة ثلاث عشرة فتح إبراهيم المسمعي [1] عامل فارس ناحية القفص من حدود كرمان، وأسر منهم خمسة آلاف، وكان في هذه السنة ولي على الموصل أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان وابنه ناصر الدولة خليفة فيها، فأفسد الأكراد والعرب بأرض الموصل وطريق خراسان وكانت إليه، فكتب إليه ابنه ناصر الدولة سنة أربع عشرة بالانحدار إلى تكريت للقائه، فجاءه في الحشد وأوقع بالعرب والأكراد الخلالية وحسم علتهم. وفيها قلد المقتدر يوسف بن أبي الساج أعمال الشرق وعزله عن أذربيجان وولاه واسط، وأمده بالسير إليها لحرب القرامطة، وأقطعه همذان وساوة وقم وقاشان وماه البصرة وماه الكوفة وماسبذان للنفقة في الحرب، وجعل على الري من أعماله نصر بن سامان، فوليها وصار من عماله كما مر. وفيها ولي أعمال الجزيرة والضياع بالموصل أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان وأضيف إليه باريدى وقردى وما إليهما. وفيها قتل ابن أبي الساج كما مر. وفي سنة خمس عشرة مات إبراهيم المسمعي بالنوبندجان، وولى المقتدر على مكانه ياقوت، وعلى كرمان أبا طاهر محمد بن عبد الصمد. وفي سنة ست عشرة عزل أحمد بن نصر القسوري عن حجبة الخليفة ووليها ياقوت وهو على الحرب بفارس واستخلف عليها ابنه أبا الفتح المظفر. وفيها ولي على الموصل وأعمالها يونس المؤنسي، وكان على الحرب بالموصل ابن عبد الله بن حمدان، وهو ناصر الدولة فغضب وعاد إلى الخلافة. وقتل في تلك الفتنة نازوك، وأقر على أعمال قردى وباريدى التي كانت بيد أبي الهيجاء ابنه ناصر الدولة الحسن، وعلى أعمال الموصل نحريرا الصغير. ثم ولى عليها سعيدا ونصرا ابني حمدان، وهما أخوا أبي الهيجاء.

وولى ناصر الدولة على ديار ربيعة ونصيبين وسنجار والخابور ورأس عين وميافارقين من ديار بكر وأرزن على مقاطعة معلومة. وفي سنة ثمان عشرة صرف ابنا رائق عن الشرطة، ووليها أبو بكر محمد بن ياقوت عن الحجبة وقلد أعمال فارس وكرمان. وقلد

ابنه المظفر أصبهان وابنه أبا بكر محمدا سجستان وجعل مكان ياقوت وولده في الحجبة والشرطة إبراهيم ومحمد ابنا رائق، فأقام ياقوت بشيراز وكان علي بن خلف بن طيان على الخوارج، فتعاقدا على قطع الحمل عن المقتدر إلى أن ملك علي بن بويه بلاد فارس سنة ثلاث وعشرين. وفي هذه السنة غلب مرداويج على أصبهان وهمذان والري وحلوان، وقاطع عليها بمال معلوم وصارت في ولايته.

** استيحاش مؤنس من المقتدر الثانية ومسيره إلى الموصل **

كان الحسين بن القاسم بن عبد الله بن وهب وزيرا للمقتدر، وكان مؤنس منحرفا عنه قبل الوزارة حتى أصلح بليق حاله عند مؤنس، فوزر واختص به بنو البريدي وابن الفرات. ثم بلغ مؤنسا أن الحسين قد واطأ جماعة من القواد في التدبير عليه، فتنكر له مؤنس وضاقت الدنيا على الحسين وبلغه أن مؤنسا يكبسه، فانتقل إلى الخلافة وكتب الحسين إلى هارون بن غريب الحال يستقدمه، وكان مقيما بدير العاقول بعد انهزامه من مرداويج، وكتب إلى محمد بن ياقوت يستقدمه من الأهواز فاستوحش مؤنس.

ثم جمع الحسين الرجال والغلمان الحجرية في دار الخلافة، وأنفق فيهم فعظمت نفرة مؤنس، وقدم هارون من الأهواز فخرج مؤنس مغاضبا للمقتدر وقصد الموصل، وكتب الحسين إلى القواد الذين معه بالرجوع فرجع منهم جماعة، وسار مؤنس في أصحابه ومواليه ومعه من الساجية ثمانمائة من رجالهم، وتقدم الوزير بقبض أملاكه وأملاك من معه وأقطاعهم فحصل منه مال كثير، واغتبط المقتدر به لذلك ولقبه عميد الدولة ورسم اسمه في السكة وأطلق يده في الولاية والعزل، فولى على البصرة وأعمالها أبا يوسف يعقوب بن محمد البريدي على مبلغ ضمنه، وكتب إلى سعيد وداود ابني حمدان وابن أخيهما ناصر الدولة الحسين بن عبد الله بمحاربة مؤنس، فاجتمعوا على حربه إلا داود فإنه توقف لإحسان مؤنس إليه وتربيته إياه. ثم غلبوا عليه فوافقهم على حربه، وجمع مؤنس في طريقه رؤساء العرب وأوهمهم أن الخليفة ولاه الموصل وديار ربيعة، فنفر معه بعضهم واجتمع له من العسكر ثمانمائة وزحف إليه بنو حمدان في ثلاثين ألفا فهزمهم وملك مؤنس الموصل في صفر من سنة عشرين، وجاءته العساكر من بغداد والشام ومصر رغبة في إحسانه. وعاد ناصر الدولة بن حمدان إلى خدمته وأقام معه بالموصل ولحق سعيد ببغداد.

** مقتل المقتدر وبيعة القاهر **

ولما ملك مؤنس الموصل أقام بها تسعة واجتمعت العساكر فانحدر إلى بغداد لقتال المقتدر، وبعث المقتدر الجنود مع أبي محمد بن ياقوت وسعيد بن حمدان، فرجع عنهم العسكر إلى بغداد ورجعوا وجاء مؤنس فنزل بباب الشماسية والقواد قبالته، وندب المقتدر ابن خاله هارون بن غريب إلى الخوارج لقتاله، فاعتذر ثم خرج، وطالبوا المقتدر بالمال لنفقات الجند فاعتذر وأراد أن ينحدر إلى واسط ويستدعي العساكر من البصرة والأهواز وفارس وكرمان، فرده ابن ياقوت عن ذلك وأخرجه للحرب وبين يديه الفقهاء والقواد والمصاحف مشهورة وعليه البردة والناس يحدقون به، فانهزم أصحابه ولقيه علي بن بليق من أصحاب مؤنس، فعظمه وأشار عليه بالرجوع ولحقه قوم من المغاربة والبربر فقتلوه وحملوا رأسه وتركوه بالعراء، فدفن هنالك. ويقال إن علي بن بليق أشار إليهم بقتله. ولما رأى مؤنس ذلك ندم وسقط في يده وقال: والله لنقتلن جميعا، وتقدم إلى الشماسية وبعث من يحتاط على دار الخلافة وكان ذلك لخمس وعشرين سنة من خلافة المقتدر. فاتسع الخرق وطمع أهل القاصية في الاستبداد وكان مهملا لأمور خلافته محكما للنساء والخدم في دولته مبذرا لأمواله. ولما قتل لحق ابنه عبد الواحد بالمدائن ومعه هارون بن غريب الحال ومحمد بن ياقوت وإبراهيم بن رائق. ثم اعتزم مؤنس على البيعة لولده أبي العباس وكان صغيرا، فعذله وزيره أبو يعقوب إسماعيل النويحي في ولاية صغير في حجر أمه وأشار بأخيه أبي منصور محمد بن المعتضد، فأجاب مؤنس إلى ذلك على كره، وأحضر وبويع آخر شوال من سنة عشرين، ولقبوه القاهر بالله. واستحلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه بليق وابنه علي، واستقدم أبا علي بن مقلة من فارس فاستوزره، واستحجب علي بن بليق. ثم قبض على أم المقتدر وضربها على الأموال فحلفت فأمرها بحل أوقافها فامتنعت، فأحضر هو القضاة وأشهد بحل أوقافها ووكل في بيعها، فاشتراها الجند من أرزاقهم، وصادر جميع حاشية المقتدر، واشتد في البحث عن ولده وكبس عليهم المنازل إلى أن ظفر بأبي العباس الراضي وجماعة من إخوته وصادرهم وسلمهم علي بن بليق إلى كاتبه الحسين بن هارون، فأحسن صحبتهم وقبض الوزير ابن مقلة على البريدي واخوته وأصحابه وصادرهم على جملة من المال.

** خبر ابن المقتدر وأصحابه **

قد ذكرنا أن عبد الواحد بن المقتدر لحق بعد مقتل أبيه بالمدائن، ومعه هارون بن غريب الحال ومفلح ومحمد بن ياقوت وابنا رائق. ثم انحدروا منها إلى واسط وأقاموا بها، وخشيهم القاهر على أمره واستأمن هارون بن غريب على أن يبذل ثلاثمائة ألف دينار وتطلق له أملاكه، فأمنه القاهر ومؤنس وكتب له بذلك وعقد له على أعمال ماه الكوفة وماسبذان ومهروبان، وسار إلى بغداد وسار عبد الواحد بن المقتدر فيمن معه من واسط، ثم إلى السوس وسوق الأهواز، وطردوا العمال وجبوا الأموال. وبعث مؤنس إليهم بليقا في العساكر وبذل أبو عبد الله البريدي في ولاية الأهواز خمسين ألف دينار فأنفقت في العساكر. وسار معهم وانتهوا إلى واسط ثم إلى السوس، فجاز عبد الواحد ومن معه من الأهواز إلى تستر، ثم فارقه جميع القواد واستأمنوا إلى بليق إلا ابن ياقوت ومفلحا ومسرورا الخادم، وكان محمد بن ياقوت مستبدا على جميعهم في الأموال والتصرف، فنفروا لذلك واستأمنوا لأنفسهم ولابن المقتدر إلى بليق، فأمنهم بعد أن استأمنوا محمد بن ياقوت وأذن لهم، ثم استأمن هو على بليق إلى أمان القاهر ومؤنس، وساروا إلى بغداد جميعهم فوفى لهم القاهر وأطلق لعبد الواحد أملاكه وترك لأمه المصادرة التي صاردها، واستولى أبو عبد الله البريدي على أعمال فارس وأعاد إخوته إلى أعمالهم.

** مقتل مؤنس وبليق وابنه **

لما رجع محمد بن ياقوت من الأهواز واستخلصه القاهر واختصه لخلواته وشواره، وكانت بينه وبين الوزير ابن علي بن مقلة عداوة، فاستوحش لذلك ودس إلى مؤنس أن محمد بن ياقوت يسعى به عند القاهر، وأن عيسى الطبيب سفيره في ذلك، فبعث مؤنس علي بن بليق لإحضار عيسى، وتقدم علي بن بليق بالاحتياط على القاهر، فوكل به أحمد بن زيرك وضيق على القاهر وكشف وجوه النساء المختلفات إلى القصر خشية إيصالهم الرقاع إلى القاهر حتى كشفت أواني الطعام، ونقل بليق المحابيس من دار الخلافة إلى داره وفيهم أم المقتدر فأكرمها علي بن بليق وأنزلهم عند أمه فماتت في جمادى من سنة إحدى وعشرين. وعلم القاهر أن ذلك من مؤنس وابن مقلة فشرع في التدبير عليهم وكان طريف السبكري ونشرى من خدم

مؤنس قد استوحشا من مؤنس لتقدم بليق وابنه عليهما. وكان اعتماد مؤنس على الساجية وقد جاءوا معه من الموصل ولم يوف لهم فاستوحشوا لذلك، فداخلهم القاهر جميعا وأغراهم بمؤنس وبليق، وبعث إلى أبي جعفر محمد بن القاسم بن عبد الله وكان مختصا بابن مقلة وصاحب رأيه، فوعده بالوزارة فكان يطالعه بالأخبار. وشعر ابن مقلة بذلك فأبلغوا إلى مؤنس وبليق، وأجمعوا على خلع القاهر، واتفق بليق وابنه علي وابن مقلة والحسن بن هارون على البيعة لأبي أحمد بن المكتفي فبايعوه، وحلفوا له وأطلعوا مؤنسا على ذلك، فأشار بالمهل وتأنيس القاهر حتى يعرفوا من واطأه من القواد والساجية [1] والحجرية فأبوا وهونوا عليه الأمر في استعجال خلفه فأذن لهم، فأشاعوا أن أبا طاهر القرمطي ورد الكوفة، وندبوا علي بن بليق للمسير إليه ليدخل للوداع ويقبض على القاهر وابن مقلة كان نائما فلما استيقظ أعاد الكتاب إلى القاهر فاستراب. ثم جاءه طريف السيكري [2] غلام مؤنس في زي امرأة مستنصحا، فأحضره وأطلعه على تدبيرهم وبيعتهم لأبي أحمد بن المكتفي فأخذ القاهر حذره، وأكمن الساجية في دهاليز القصر وممراته، وجاء علي بن بليق في خف من أصحابه، واستأذن فلم يؤذن له، وكان ذا خمار فغضب وأفحش في القول فأخرج الساجية في السلاح وشتموه وردوه، وفر عنه أصحابه وألقى بنفسه في الطيار وعبر إلى الجانب الغربي. واختفى الوزير ابن مقلة والحسن بن هارون، وركب طريف إلى دار القاهر، فأنكر بليق ما جرى لابنه وشتم الساجية وقال: لا بد أن أستعدي الخليفة عليهم، وجاء إلى القاهر ومعه قواد مؤنس، فلم يأذن له وقبض عليه وحبسه، وعلى أحمد بن زيرك صاحب الشرطة، وجاء العسكر منكرين لذلك فاسترضاهم ووعدهم بالزيارة وبإطلاق هؤلاء المحبوسين فافترقوا، وبعث إلى مؤنس بالحضور عنده ليطالعه برأيه فأبى فعزله، وولى طريف السيكرى مكانه وأعطاه خاتمه وقال: قد فوضت إلى ابني عبد الصمد ما كان المقتدر فوضه إلى ابنه محمد، وقلدتك خلافته ورياسة الجيش وإمارة الأمراء وبيوت الأموال كما كان مؤنس وأمض إليه وأحمله إلى دار الخلافة مرفها عليه لئلا يجتمع إليه أهل الشر ويفسد ما بيننا

وبينه، فسار طريف إلى مؤنس وأخبره بأمان القاهر له ولأصحابه، وحمله على الحضور عنده وهون عليه أمره، وأن القاهر لا يقدر على مكروهة. فركب وحضر فقبض عليه القاهر وحبسه قبل أن يراه، وندم طريف على ما فعل واستوحش.

واستوزر القاهر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبد الله، ووكل بدور مؤنس وبليق وابنه علي وابن مقلة وابن زيرك وابن هارون ونقل ما فيها، وأحرقت دار ابن مقلة، وجاء محمد بن ياقوت وقام بالحجبة، فتنكر له طريف السيكري والساجية فاختفى ولحق بابنه بفارس، وكتب إليه القاهر بالعتب على ذلك وولاه الأهواز، وكان الذي دعا طريفا السيكري إلى الانحراف عن مؤنس وبليق أن مؤنسا رفع رتبة بليق وابنه عليه بعد أن كانا يخدمانه، فأهملا جانبه. ثم اعتزم بليق على أن يوليه مصر وفاوض في ذلك الوزير ابن مقلة، فوافق عليه. ثم أراد علي بن بليق عمل مصر لنفسه، ومنع من إرسال طريف فتربص بهم. وأما الساجية فكانوا مع مؤنس بالموصل وكان يعدهم ويمنيهم. ولما ولي القاهر واستبد بأمره لم يف لهم. وكان من أعيانهم الخادم صندل، وكان له بدار القاهر خادم اسمه مؤتمن باعه واتصل بالقاهر قبل الخلافة، فاستخلفه، فلما شرع في التدبير على مؤنس وبليق بعث مؤنسا هذا إلى صندل يمت إليه تقديمه ويدخله في أمر القاهر وإزالة الحجر عنه. فقصد إلى صندل وزوجته وتلطف ووصف القاهر بما شاء من محاسن الأخلاق، وحمل زوجته على الدخول إلى دار القاهر حتى شافهها بما أراد إبلاغه إلى صندل، وداخل صندل في ذلك سيما من قواد الساجية، واتفقوا على مداخلة طريف السيكري في ذلك لعلمهم باستيحاشه من مؤنس، فأجابهم على شريطة الإبقاء على مؤنس وبليق وابنه، وأن لا يزال مؤنس من مرتبته وتحالفوا على ذلك من الجانبين. وطلب طريف عهد القاهر بخطه، فكتب وزاد فيه أنه يصلي بالناس ويخطب لهم ويحج بهم ويغزو معهم ويتئد لكشف المظالم وغير ذلك من حسن السيرة، وكان جماعة من الحجرية قد أبعدهم ابن بليق وأدال منهم بأصحابه، فداخلهم طريف في أمر القاهر فأجابوه، ونمي الخبر بذلك إلى ابن مقلة وإلى بليق، وأرادوا القبض على قواد الساجية والحجرية. ثم خشوا الفتنة ودبروا على القاهر فلم يصلوا إليه لاحتجابه عنهم بالمرض. فوضعوا أخبار القرامطة كما قدمناه. ولما قبض القاهر على مؤنس ولى الحجابة سلامة الطولوني. وعلى الشرطة أحمد بن خاقان، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبد الله مكان ابن مقلة،

وأمر بالنداء على المتسترين والوعيد لمن أخفى، وطلب أبا أحمد بن المكتفي فظفر به، وبنى عليه حائطا فمات. ثم ظفر بعلي فقتله. ثم شغب الجند في شعبان ومعهم أصحاب مؤنس، وثاروا ونادوا بشعاره، وطلبوا إطلاقه وأحرقوا روشن دار الوزير أبي جعفر. فعمد القاهر إلى بليق في محبسه وأمر به فذبح وحمل الرأسين إلى مؤنس، فلما رآهما مؤنس استرجع ولعن قاتلهما فأمر به فذبح وطيف بالرءوس. ثم أودعت بالخزانة. وقيل إن قتل علي بن بليق تأخر عن قتل أبيه ومؤنس لأنه كان مختفيا، فلما ظفر به بعدهما قتله. ثم بعث القاهر إلى أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل اليوصحي فأخذ من محبس الوزير محمد بن القاسم وحبسه، وارتاب الناس من شدة القاهر، وندم الساجية والحجرية على مداخلته في ذلك الأمر. ثم قبض القاهر على وزيره أبي جعفر وأولاده وأخيه عبيد الله وخدمه لثلاثة أشهر ونصف من ولايته، ومات لثمان عشرة ليلة من حبسه، واستوزر مكانه أبا العباس أحمد بن عبيد الله بن سليمان الحصيبي. ثم استبد القاهر على طريف السيكري واستخف به، فخافه وتنكر. ثم أحضره بعد أن قبض على الوزير أبي جعفر فقبض عليه وأودعه السجن إلى أن خلع القاهر.

** ابتداء دولة بني بويه **

كان أبوهم أبو شجاع بويه من رجالات الديلم، وكان له أولاد: علي والحسن وأحمد، فعلي أبو الحسن عماد الدولة، والحسن أبو علي ركن الدولة، وأحمد أبو الحسن معز الدولة. ونسبهم ابن ماكولا في الساسانية إلى بهرام جور بن يزدجرد، وابن مسكويه إلى يزدجرد بن شهريار، وهو نسب مدخول، لأن الرئاسة على قوم لا تكون في غير أهل بلدهم كما ذكرنا في مقدمة الكتاب. ولما أسلم الديلم على يد الأطروش وملك بهم طبرستان وجرجان، وكان من قواده ما كان بن كالي وليلى بن النعمان وأسفار بن شيرويه ومرداويج بن وزيار، وكانوا ملوكا عظاما وازدحموا في طبرستان، فساروا لملك الأرض عند اختلاط الدولة العباسية وضعفها، وقصدوا الاستيلاء على الأعمال والأطراف. وكان بنو بويه من جملة قواد ما كان بن كالي.

فلما وقع بينه وبين مرداويج من الفتنة والخلاف ما تقدم، وغلبه مرداويج على طبرستان وجرجان عادوا إلى مرداويج لتخف عنه مؤنتهم على أن يرجعوا إليه إذا صلح أمره، فساروا إلى مرداويج فقبلهم وأكرمهم، واستأمن إليه جماعة من قواد ما

كان فقتلهم وأولادهم. وولى علي بن بويه على الكرج، وكان أكبر إخوته. وسار جميعهم إلى الري وعليها وشمكير بن وزيار أخو مرداويج ومعه وزيره الحسين بن محمد الملقب بالعميد، فاتصل به علي بن بويه وأهدى إليه بغلة كانت عنده ومتاعا، وندم مرداويج على ولاية هؤلاء المستأمنة من قواد ما كان، فكتب إلى أخيه وشمكير بالقبض على الباقين، وأراد أن يبعث في أثر علي بن بويه فخشي الفتنة تركه. ولما وصل علي بن بويه إلى الكرج استقام أمره وفتح قلاعا للخرمية ظفر منها بذخائر كثيرة، واستمال الرجال وعظم أمره، وأحبه الناس، ومرداويج يومئذ بطبرستان. ثم عاد إلى الري وأطلق مالا لجماعة من القواد على الكرج فوصلوا إلى علي ابن بويه فأحسن إليهم واستمالهم، وبعث إليهم مرداويج فدافعه فندم على إطلاقهم، وبعث فيهم مرداويج أمراء الكرج فاستأمن إليه شيرزاد من أعيان قواد الديلم. فقويت نفسه وسار إلى أصبهان وبها المظفر بن ياقوت على الحرب في عشرة آلاف مقاتل، وأبو علي بن رستم على الخوارج، فأرسل علي بن بويه يستعطفهما في الانحياز إلى طاعة الخليفة وخدمته، والمسير إلى الحضرة فلم يجيباه. وكان أبو علي أشد كراهة له فمات تلك الأيام. وسار ابن ياقوت ثلاثة فراسخ عن أصبهان، وكان في أصحابه حسل وديلم، واستأمنوا إلى ابن بويه، ثم اقتتلوا فانهزم ابن ياقوت واستولى علي بن بويه على أصبهان، وهو عماد الدولة، وكان عسكره نحوا من تسعمائة، وعسكر ابن ياقوت نحوا من عشرة آلاف. وبلغ ذلك القاهر فاستعظمه وبلغ مرداويج فأقلقه وخاف على ما بيده، وبعث إلى عماد الدولة يخادعه يطلب الطاعة منه ليطمئن للرسالة، ويخالفه أخوه وشمكير في العساكر. وشعر ابن بويه بذلك فرحل عن أصبهان وقصد أرجان وبها أبو بكر بن ياقوت، فانهزم أبو بكر من غير قتال ولحق برامهرمز. واستولى ابن بويه على أرجان وخالفه وشمكير أخو مرداويج إلى أصبهان فملكها، وأرسل القاهر إلى مرداويج بأن يسلم أصبهان لمحمد بن ياقوت ففعل.

وكتب أبو طالب يستدعيه ويهون عليه أمر ابن ياقوت ويغريه به، فخشي ابن بويه من كثرة عساكر ياقوت وأمواله، وأن يحصل بينه وبين ابنه تأهبات فتوقف، فأعاد عليه أبو طالب وأراه أن مرداويج طلب الصلح من ابن ياقوت وخوفه اجتماعهما عليه. فسار ابن بويه إلى أرجان في ربيع سنة إحدى وعشرين، ولقيتهم هنالك مقدمة ابن ياقوت فانهزمت، فزحف ابن ياقوت إليهم وبعث عماد الدولة أخاه ركن الدولة الحسن إلى

كازرون وغيرها من أعمال فارس، فجبى أموالها ولقي عسكر ابن ياقوت هنالك فهزمهم ورجع إلى أخيه، وخشي عماد الدولة من اتفاق مرداويج مع ابن ياقوت فسار إلى إصطخر، واتبعه ابن ياقوت وشيعه إلى قنطرة بطريق كرمان اضطروا إلى الحرب عليها. فتزاحفوا هنالك واستأمن بعض قواده إلى ابن ياقوت فقتلهم، فاستأمن أصحابه وانهزم ابن ياقوت واتبعه ابن بويه واستباح معسكره، وذلك في جمادى سنة اثنتين وعشرين. وأبلى أخوه معز الدولة أحمد في ذلك اليوم بلاء حسنا، ولحق ابن ياقوت بواسط، وسار عماد الدولة إلى شيراز فملكها وأمن الناس واستولى على بلاد فارس، وطلب الجند، أرزاقهم فعجز عنها وعثر على صناديق [1] من مخلف ابن ياقوت وذخائر بني الصفار فيها خمسمائة ألف دينار فامتلأت خزائنه وثبت ملكه.

واستقر ابن ياقوت بواسط وكاتبه أبو عبد الله اليزيدي [2] حتى قتل مرداويج عاد إلى الأهواز ووصل عسكر مكرم، وكانت عساكر ابن بويه سبقته فالتقوا بنواحي أرجان وانهزم ابن ياقوت فأرسل أبو عبد الله اليزيدي في الصلح فأجابه ابن بويه، واستقر ابن ياقوت بالأهواز ومعه ابن اليزيدي وابن بويه ببلاد فارس. ثم زحف مرداويج إلى الأهواز وملكها من يد ابن ياقوت، ورجع إلى واسط وكتب إلى الراضي. وكان بعد القاهر كما نذكره، وإلى وزيره أبي علي بن مقلة بالطاعة والمقاطعة فيما بيده من البلاد بأعمال فارس على ألف ألف درهم، فأجيب إلى ذلك وبعث إليه باللواء والخلع وعظم شأنه في فارس وبلغ مرداويج شأنه فخاف غائلته، وكان أخوه وشمكير قد رجع إلى أصبهان بعد خلع القاهر وصرف محمد بن ياقوت عنها، فسار إليها مرداويج للتدبير على عماد الدولة وبعث أخاه وشمكير على الري وأعمالها.

** خلع القاهر وبيعة الراضي **

ولما قتل القاهر مؤنسا وأصحابه أقام يتطلب الوزير أبا علي بن مقلة والحسن بن هارون وهما مستتران، وكانا يراسلان قواد الساجية والحجرية ويغريانهم بالقاهر، فإنهم غروه

كما فعل بأصحابه قبلهم. وكان ابن مقلة يجتمع بالقواد ويراسلهم ويجيء إليهم متنكرا ويغريهم، ووضعوا على سيما أن منجما أخبره أنه ينكب القاهر ويقتله، ودسوا إلى معبر كان عنده أموالا على أن يحذره من القاهر، فنفر واستوحش، وحفر القاهر مطامير في داره، فقيل لسيما والقواد إنما صنعت لكم فازدادوا نفرة. وكان سيما رئيس الساجية فارتاب بالقاهر وجمع أصحابه وأعطاهم السلاح، وبعث إلى الحجرية فجمعهم عنده وتحالفوا على خلع القاهر، وزحفوا إلى الدور وهجموا عليه فقام من النوم ووجد الأبواب مشحونة بالرجال فهرب إلى السطح، ودلهم عليه خادم فجاءوه واستدعوه للنزول فأبى فتهددوه بالرشق بالسهام فنزل وجاءوا به إلى محبس طريف السيكري فحبسوه مكانه وأطلقوه حتى سمل بعد ذلك، وذلك لسنة ونصف من خلافته. وهرب الحصيبي وزيره وسلامة حاجبه. وقد قيل في خلعه غير هذا وهو أن القاهر لما تمكن من الخلافة اشتد على الساجية والحجرية واستهان بهم، فتشاكوا ثم خافه حاجبه سلامة لأنه كان يطالبه بالأموال ووزيره الخصيبي كذلك، وحفر المطامير في داره فارتابوا به كما ذكرنا. وأسر جماعة من القرامطة فحبسهم بتلك المطامير وأراد أن يستظهر بهم على الحجرية والساجية فتنكروا ذلك وقالوا فيه للوزير وللحاجب، فأخرجهم من الدار وسلمهم لمحمد بن ياقوت صاحب الشرطة وأوصاه إليهم فازداد الساجية والحجرية ريبة. ثم تنكر لهم القاهر وصار يعلن بذمهم وكراهتهم فاجتمعوا لخلعه كما ذكرنا. ولما قبض القاهر بحثوا عن أبي العباس بن المقتدر وكان محبوسا مع أمه، فأخرجوه وبايعوه في جمادى سنة اثنتين وعشرين، وبايعه القواد والناس، وأحضر علي بن عيسى وأخاه عبد الرحمن وصدر عن رأيهما، وأراد علي ابن عيسى على الوزارة فامتنع واعتذر بالنكير، وأشار بابن مقلة فأمنه واستوزره.

وبعث القضاة إلى القاهر ليخلع نفسه فأبى فسمل وأمن ابن مقلة الخصيبي وولاه وولى الفضل بن جعفر بن الفرات نائبا عنه عن أعمال الموصل وقردى وباريدى وماردين وديار الجزيرة وديار بكر وطريق الفرات والثغور الجزرية والشامية وأجناد الشام وديار مصر يعزل ويولي من يراه في الخراج والمعادن والنفقات والبريد وغير ذلك. وولى الراضي على الشرطة بدرا الحمامي وأرسل إلى محمد بن رائق يستدعيه، وكان قد استولى على الأهواز ودفع عنها ابن ياقوت من تلك الولاية إلى السوس وجنديسابور، وقد ولى على أصبهان وهو يروم المسير إليها. فلما ولي الراضي استدعاه

للحجابة فسار إلى واسط، وطلب محمد بن ياقوت الحجابة فأجيب إليها فسار في أثر ابن رائق، وبلغ ابن رائق الخبر فسار من واسط مسابقا لابن ياقوت بالمدائن توقيع الراضي بالحرب، والمعادن في واسط مضافا إلى ما بيده من البصرة والمعادن، فعاد منحدرا في دجلة ولقيه ابن ياقوت مصعدا ودخل بغداد وولى الحجبة وصارت إليه رياسة الجيش ونظر في أمر الدواوين وأمرهم بحضور مجلسه، وأن لا ينفذوا توقيعا في ولاية أو عزل أو اطلاق إلا بخطه، وصار نظر الوزير في الحقيقة له وابن مقلة مكابر مجلسه مع جملتهم ومتميز عنهم في الإيثار والمجلس فقط.

** مقتل هارون **

كان هارون بن غريب الحال على ماه الكوفة والدينور وماسبذان وسائر الأعمال التي ولاها القاهر إياه، فلما خلع القاهر واستخلف الراضي رأى هارون أنه أحق بالدولة من غيره لأنه ابن خال المقتدر، فكاتب القواد ووعدهم وسار من الدينور إلى خافقين وشكا ابن مقلة وابن ياقوت والحجرية والساجية إلى الراضي فأذن لهم في منعه، فراسلوه أولا بالممانعة. والزيادة على ما في يده من الأعمال، فلم يلتفت إليهم وشرع في الجباية فقويت شوكته، فسار إليه محمد بن ياقوت في العساكر وهرب عنه بعض أصحابه إلى هارون، وكتب إلى هارون يستميله فلم يجب، وقال: لا بد من دخول بغداد. ثم تزاحفوا لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين، فانهزم أولا أصحاب ابن ياقوت ونهب سوادهم وسار محمد حتى قطع قنطرة تبريز، وسار هارون منفردا لاعتراضه، فدخل في بعض المياه وسقط عن فرسه، ولحقه غلام لمحمد بن ياقوت فقطع رأسه وانهزم أصحابه وقتل قواده وأسر بعضهم ورجع ابن ياقوت إلى بغداد ظافرا.

** نكبة ابن ياقوت **

قد ذكرنا أنه كان نظر في أمر الدواوين وصير ابن مقلة كالعاطل، فسعى به عند القاضي وأوهمه خلافه حتى أجمع القبض عليه في جمادى سنة ثلاثة وعشرين، فجلس الخليفة على عادته وحضر الوزير وسائر الناس على طبقاتهم يريد تقليد جماعة من القواد للأعمال. واستدعى ابن ياقوت للخدمة في الحجبة على عادته، فبادر وعدل به إلى حجرة فحبس فيها وخمار. وبعث الوزير ابن مقلة إلى دار محمد من

يحفظها من النهب وأطلق يده في أمور الدولة واستبد بها وكان ياقوت مقيما بواسط، فلما بلغه القبض على ابنه انحدر إلى فارس لمحاربة ابن بويه، وكتب يستعطف الراضي ويسأله إبقاء ابنه ليساعده على شأنه. ولم يزل محمد محبوسا إلى أن هلك سنة أربع عشرة في محبسه.

** خبر البريدي **

كان أبو عبد الله البريدي أيام ابن ياقوت ضامنا للأهواز، فلما استولى عليها مرداويج وانهزم ابن ياقوت كما مر رجع البريدي إلى البصرة وصار يتصرف في أسافل الأهواز مع كنانة ياقوت. ثم سار إلى ياقوت فأقام معه بواسط، فلما قبض على ابن ياقوت وكتب ابن مقلة إليه وإلى ياقوت يعتذر عن قبض ابن ياقوت ويأمرهما بالمسير لفتح فارس، فسار ياقوت على السوس والبريدي على طريق الماء حتى انتهيا إلى الأهواز. وكان إلى أخويه أبي الحسن وأبي يوسف ضمان السوس وجنديسابور، وادعيا أن دخل البلاد أخذه مرداويج. وبعث ابن مقلة ثانيا لتحقق ذلك، فوافاهم وكتب بصدقهم، فاستولى ابن البريدي ما بين ذلك على أربعة آلاف ألف دينار، ثم أشار أبو عبد الله علي بن ياقوت بالمسير لفتح فارس، وأقام هو لجباية الأموال فحصل منها بغيته. وسار ياقوت فلقيه ابن بويه على أرجان فهزمه وسار إلى عسكر مكرم. واتبعه ابن بويه إلى رامهرمز وأقام بها إلى أن اصطلحا.

** مقتل ياقوت **

قد تقدم لنا انهزام ياقوت من فارس أمام عماد الدولة ابن بويه إلى عسكر مكرم واستيلاء ابن بويه على فارس. وكان أبو عبد الله البريدي بالأهواز ضامنا كما تقدم. وكان مع ذلك كاتبا لياقوت، وكان ياقوت يستنيم إليه ويثق به، وكان مغفلا ضعيف السياسة فخادعه أبو عبد الله البريدي وأشار عليه بالمقام بعسكر مكرم وأن يبعث إليه بعض جنده الواصلين من بغداد تخفيفا للمئونة وتحذيرا من شغبهم. وبعث إليه أخاه بذلك أبا يوسف ودفع له من مال الأهواز خمسين ألف دينار. ثم قطع عنه فضاق الحال عليه وعلى جنده، وكان قد نزع إليه من أصحاب ابن بويه طاهر الحمل وكاتبه أبو جعفر الصهيري، ثم انصرف عنه لضيق حاله إلى غربي تستر ليتغلب على ماه البصرة، فكبسه ابن بويه وغنم معسكره وأسر الصهيري فشفع فيه وزيره وأطلقه،

فلحق بكرمان واتصل بعد ذلك بمعز الدولة ابن بويه واستكتبه. ولما انصرف طاهر عن ياقوت كتب إلى البريدي يشكو ضعفه واستطالة أصحابه، فأشار عليه بإرسالهم إلى الأهواز متعرفين لقومهم. فلما وصلوا إليه انتقى خيارهم ورد الباقين، وأحسن إلى من عنده وبعث ياقوت إليه في طلب المعز فلم يبعث إليه، فجاءه بنفسه فتلقاه وترجل إليه وقبل يده، وأنزله بداره وقام في خدمته أحسن مقام، ووضع الجند على الباب يشغبون ويرومون قتله، فأشار إليه بالنجاة، فعاد إلى عسكر مكرم فكتب إليه يحذره اتباعهم، وأن عسكر مكرم على ثمانية فراسخ من الأهواز، وأرى أن تتأخر بتستر فتتحصن بها. وكتب له على عامل تستر بخمسين ألف دينار، وعذله خادمه مؤنس في شأن ابن البريدي وأراه خديعته وأشار عليه باللحاق ببغداد، وأنه شيخ الحجرية، وقد كاتبوك فسر إلى رياسة بغداد وإلا فتعاجل إلى البريدي وتخريجه عن الأهواز، فصم عن نصيحته وأبى من قبول السعاية فيه، وتسايل أصحابه إلى ابن البريدي حتى لم يبق معه إلا نحو الثمانمائة. وجاءه ابنه المظفر ناجيا من حبس الراضي بعد أسبوع، فأطلقه وبعثه إلى أبيه فأشار عليه بالمسير إلى بغداد، فإن حصل على ما يريد وإلا فإلى الموصل وديار ربيعة ويتملكها، فأبى عليه أبوه ففارقه إلى ابن البريدي فأكرمه ووكل به. ثم حذر ابن البريدي غائلة ياقوت فبعث إليه بأن الخليفة أمره بإزعاجه [1] من البلاد اما إلى بغداد وإما إلى بلاد الجبل ليوليه بعض أعمالها، فكتب يستمهله فأبى من المهلة وبعث العساكر من الأهواز. وسار ياقوت إلى عسكر مكرم ليكبس ابن البريدي هنالك فصبح البلد ولم يجده، وجاءت عساكر ابن البريدي مع قائد أبي جعفر الجمال، فقاتله من أمامه وأكمن آخرين من خلفه فانهزم وافترق أصحابه، وحسا إلى حائط متنكرا فمر به قوم ابن البريدي فكشفوا وجهه وعرفوه فقتلوه وحملوا رأسه إلى العسكر، فدفنه الجمال وبعث البريدي إلى تستر فحمل ما كان لياقوت هنالك، وقبض على ابنه المظفر وبعثه إلى بغداد واستبد بتلك الأعمال وذلك سنة أربع وعشرين.

** مسير ابن مقلة إلى الموصل واستقرارها لابن حمدان **

كان ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان عاملا على الموصل فجاء عمه أبو العلاء سعيد فضمن الموصل وديار ربيعة سرا وسار إليها فظهر أنه في طلب المال من ابن أخيه. وشعر ناصر الدولة بذلك فخرج لتلقيه، فخالفه إلى بيته فبعث من قبله واهتم الراضي بذلك وأمر الوزير أبا علي بن مقلة بالمسير إلى الموصل فسار في العساكر من شعبان سنة ثلاث وعشرين، فرحل عنها ناصر الدولة ودخل الزوران واتبعه الوزير إلى حمل السن. ثم عاد عنها إلى الموصل وأقام في جبايتها وبعث ناصر الدولة إلى بغداد بعشرة آلاف دينار لابن الوزير ليستحث أباه في القدوم، فكتب إليه بما أزعجه، فسار من الموصل واستخلف عليها علي بن خلف بن طباب وما ترد الديلمي [1] من الساجية. ودخل بغداد منتصف شوال، وجمع ناصر الدولة ولقي ما ترد الديلمي على نصيبين فهزمه إلى الرقة وانحدر منها إلى بغداد ولحقه ابن طباب، واستولى ناصر الدولة حمدان على الموصل وكتب في الرضا وضمان البلاد فأجيب وتعذرت عليه.

** نكبة ابن مقلة وخبر الوزارة **

كان الوزير بن مقلة قد بعث سنة ثلاث وعشرين إلى محمد بن رائق بواسط يطالبه بارتفاع أعمال واسط والبصرة، وكان قد قطع الجبل. فلما جاءه كتاب ابن مقلة، كتب إليه جوابه يغالطه وكتب إلى الراضي بالسعي في الوزارة، وأنه يقوم بنفقات الدار وأرزاق الجند، فجهز الوزير ابنه سنة أربع وعشرين لقصده وورى بالأهواز، وأنفذ رسوله إلى ابن رائق بهذه التوراة يؤنسه بها، وباكر القصر لانفاذ الرسول فقبض عليه المظفر بن ياقوت والحجرية وكان المظفر قد أطلق من محبسه وأعيد إلى الحجبة، فاستحسن الراضي فعلهم، واختفى أبو الحسين ابن الوزير وسائر أولاده وحرمه وأصحابه، وأشار إلى الحجرية والساجية بوزارة علي بن عيسى فامتنع وسار بأخيه عبد الرحمن فاستوزره الراضي وصادر ابن مقلة. ثم عجز عن تمشية الأمور وضاقت عليه الجباية فاستعفى من الوزارة، فقبض عليه الراضي وعلى أخيه على ثلاثة أشهر من وزارته، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي فصادر علي بن عيسى على

مائة ألف دينار، ثم عجز عن الوزارة وضاقت الأموال وانقطعت، وطمع أهل الأعمال فيما بأيديهم، فقطع ابن رائق حمل واسط والبصرة وقطع ابن البريدي حمل الأهواز وأعمالها، وانقطع حمل فارس لغلب ابن بويه عليها، ولم يبق غير هذه الأعمال ونطاق الدولة قد تضايق إلى الغاية، وأهل الدولة مستبدون على الخلافة والأحوال متلاشية، فتحير أبو جعفر وكثرت عليه المطالبات وذهبت هيبته، فاختفى لثلاثة أشهر ونصف من وزارته واستوزر الراضي مكانه أبا القاسم سليمان بن الحسن، فكان حاله مثل حال من قبله في قلة المال ووقوف الحال.

** استيلاء ابن رائق على الخليفة **

ولما رأى الراضي وقوف الحال من الوزراء استدعى أبا بكر محمد بن رائق من واسط وكاتبه بأنه قد أجابه إلى ما عرض من السعي في الوزارة على القيام بالنفقات وأرزاق الجند، فسر ابن رائق بذلك وشرع يتجهز للمسير. ثم أنفذ إليه الراضي الساجية وقلده إمارة الجيش، وجعله أمير الأمراء، وفوض إليه الخراج والدواوين والمعادن في جميع البلاد، وأمر بالخطبة له على المنابر، وانحدر إليه الدواوين والكتاب والحجاب.

ولما جاءه الساجية قبض عليهم بواسط في ذي الحجة من سنة أربع وعشرين، ونهب رجالهم ودوابهم ومتاعهم ليوفر أرزاقهم على الحجرية، فاستوحشوا لذلك وخيموا بدار الخلافة، وأصعد ابن رائق إلى بغداد وفوض الخليفة إليه أمرهم. وأمر الحجرية بتقويض خيامهم والرجوع إلى منازلهم، وأبطل الدواوين وصير النظر إليه، فلم يكن الوزير ينظر في شيء من الأمور. وبقي ابن رائق وكتابه ينظرون في جميع الأمور فبطلت الدواوين وبيوت الأموال من يومئذ وصارت لأمير الأمراء، والأموال تحمل إلى خزانته، ويتصرف فيها كما يريد، ويطلب من الخليفة ما يريد. وتغلب أصحاب الأطراف وزال عنهم الطاعة. ولم يبق للخليفة إلا بغداد وأعمالها وابن رائق مستبد عليه. وأما باقي الأعمال فكانت البصرة في يد ابن رائق، وخوزستان والأهواز في يد ابن البريدي، وفارس في يد عماد الدولة ابن بويه، وكرمان في يد علي بن الياس، والري وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة ابن بويه، ووشمكير أخو مرداويج ينازعه في هذه الأعمال، والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد حمدان، ومصر والشام في يد ابن طغج، والمغرب وإفريقية في يد العبيديين، والأندلس في يد

عبد الرحمن بن الناصر من ولد عبد الرحمن الداخل وما وراء النهر في يد بني سامان، وطبرستان في يد الديلم، والبحرين واليمامة في يد أبي الطاهر القرمطي، ولم يبق لنا من الأخبار إلا ما يتعلق بالخلافة فقط في نطاقها المتضايق أخيرا، وإن كانت مغلبة وهي أخبار ابن رائق والبريدي، وأما غير ذلك من الأعمال التي اقتطعت كما ذكرناه، فنذكر أخبارها منفردة ونسوق المستبدين دولا كما شرطناه أول الكتاب ثم كتب ابن رائق عن الراضي إلى أبي الفضل بن جعفر بن الفرات وكان على الخراج بمصر والشام، وظن أنه بوزارته تكون له تلك الجباية، فوصل إلى بغداد وولي وزارة الراضي وابن رائق جميعا.

** وصول يحكم مع ابن رائق **

كان يحكم هذا من جملة مرداويج قائد الديلم ببلاد الجبل، وكان قبله في جملة ما كان بن كالي ومن مواليه، وهبه له وزيره أبو علي الفارض، ثم فارق ما كان مع من فارقه إلى مرداويج. وكان مرداويج قد ملك الري وأصبهان والأهواز، وضخم ملكه وصنع كراسي من ذهب وفضة للجلوس عليها هو وقواده، ووضع على رأسه تاجا تظنه تاج كسرى. وأمر أن يخاطب بشاهنشاه واعتزم على قصد العراق والاستيلاء عليه، وتجديد قصور كسرى بالمدائن. وكان في خدمته جماعة من الترك ومنهم يحكم. فأساء ملكهم وعسكرهم فقتلوه سنة ثلاث وعشرين بظاهر أصبهان كما نذكره في أخبارهم.

واجتمع الديلم والجبل بعده على أخيه وشمكير بن وزيار وهو والد قابوس، ولما قتل مرداويج افترق الأتراك فرقتين ففرقة سارت إلى عماد الدولة بن بويه بفارس، والأخرى وهي الأكثر سارت نحو الجبل عند يحكم، فجبوا خراج الدينور وغيرها. ثم ساروا إلى النهروان وكاتبوا الراضي في المسير إليه، فأذن لهم وارتاب الحجرية بهم، فأمرهم الوزير بالرجوع إلى بلد الجبل فغضبوا واستدعاهم ابن رائق صاحب واسط والبصرة فمضوا إليه وقدم عليهم يحكم وكان الأتراك والديلم من أصحاب مرداويج فجاءته جماعة منهم فأحسن إليهم وإلى يحكم وسماه الرائقي نسبة إليه وأذن له أن يكتبه في مخاطباته

** مسير الراضي وابن رائق لحرب ابن البريدي **

ثم اعتزم ابن رائق سنة خمس وعشرين على الراضي في المسير إلى واسط لطلب ابن البريدي في المال ليكون أقرب لمناجزته، فانحدر في شهر محرم وارتاب الحجرية بفعله مع الساجية، فتخلفوا ثم تبعوه فاعترضهم وأسقط أكثرهم من الديوان، فاضطربوا وثاروا فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم جماعة ولجأ فلهم إلى بغداد، فأوقع بهم لؤلؤ صاحب الشرطة ونهبت دورهم وقطعت أرزاقهم وقبضت أملاكهم، وقتل ابن رائق من كان في حبسه من الساجية، وسار هو والراضي نحو الأهواز لإجلاء ابن البريدي منها. وقدم إليه في طلب الاستقامة وتوعده فجدد ضمان الأهواز بألف دينار في كل شهر، ويحمل في كل يوم قسطه [1] . وأجابه إلى تسليم الجيش لمن يسير إلى قتال ابن بويه لنفرتهم عن بغداد. وعرض ذلك على الراضي، فأشار الحسين بن علي القونجي وزير ابن رائق بأن لا تقبل لأنه خداع ومكر وأشار أبو بكر بن مقاتل بإجابته، وعقد الضمان على ابن البريدي، وعاد ابن رائق والراضي إلى بغداد فدخلاها أول صفر، ولم يف ابن البريدي بحمل المال، وأنفذ ابن رائق جعفر بن ورقاء ليسير بالجيش إلى فارس، ودس إليهم ابن البريدي أن يطلبوا منه المال ليتجهزوا به، فاعتذر فشتموه وتهددوه بالقتل. وأتى ابن البريدي فأشار عليه بالنجاء. ثم سعى ابن مقاتل لابن البريدي في وزارة ابن رائق عوضا عن الحسين القونجي [2] وبذل عنه ثلاثين ألف دينار، فاعتذر له بسوابق القونجي عنده وسعيه له، وكان مريضا فقال له ابن مقاتل: إنه هالك! فقال ابن رائق: قد أعلمني الطبيب أنه ناقة، فقال:

الطبيب يراجيك فيه لقربه منك، ولكن سل ابن أخيه علي بن حمدان. وكان القونجي قد استناب ابن أخيه في مرضه، فأشار عليه ابن مقاتل أن يعرف الأمير إذا سأله بمهلكه، وأشار عليه أن يستوزره. فلما سأله ابن رائق أيأسه منه فقال ابن رائق: عند ذلك لابن مقاتل: أكتب لابن البريدي يرسل من ينوب عنه في الوزارة، فبعث أحمد بن الكوفي واستولى مع ابن مقاتل على ابن رائق، وسعوا لابن البريدي أبي يوسف في ضمان البصرة. وكان عامل البصرة من قبل ابن رائق محمد بن

يزداد وكان شديد الظلم والعسف بهم، فخادعه ابن البريدي وأنفذ أبو عبد الله مولاه إقبالا في ألفي رجل، وأقاموا في حصن مهدي قريبا. فعلم ابن يزداد أنه يروم التغلب على البصرة، وأقاما على ذلك وأقام ابن رائق شأن هذا العسكر في حصن مهدي.

وبلغه أيضا أنه استخدم الحجريين الذين أذن لهم في الانسياح في الأرض، وأنهم اتفقوا مع عسكره على قطع الحمل، وكاتبه يطردهم عنه فلم يفعل. فأمر ابن الكوفي أن يكتب إلى ابن البريدي بالكتاب على ذلك. ويأمر بإعادة العسكر من حصن مهدي، فأجاب باعدادهم للقرامطة وابن يزداد عاجز عن الحماية. وكان القرامطة قد وصلوا إلى الكوفة في ربيع الآخر وخرج ابن رائق في العساكر إلى حصن ابن هبيرة ولم يستقر بينهم أمر. وعاد القرمطي إلى بلده وسار ابن رائق إلى واسط.

فكتب ابن البريدي إلى عسكره بحصن مهدي أن يدخلوا البصرة ويملكوها من يد ابن يزداد، وأمدهم جماعة من الحجرية فقصدوا البصرة وقاتلوا ابن يزداد فهزموه، ولحق بالكوفة، وملك إقبال مولى ابن البريدي وأصحابه البصرة، وكتب ابن رائق إلى البريدي يتهدده ويأمره بإخراج أصحابه من البصرة فلم يفعل.

** استيلاء يحكم [1] على الأهواز **

ولما امتنع ابن البريدي من الإفراج عن البصرة بعث ابن رائق العساكر مع بدر الحريشي [2] ويحكم مولاه، وأمرهم بالمقام بالجامدة فتقدم يحكم عن بدر وسار إلى السوس، وجاءته عساكر البريدي مع غلامه محمد الجمال [3] في ثلاثة آلاف ومع يحكم مائتان وسبعون من الترك، فهزمهم يحكم ورجع محمد بن الجمال إلى ابن البريدي فعاقبه على انهزامه، وحشد له العسكر فسار في ستة آلاف ولقيهم يحكم عند نهر تستر فانهزموا من غير قتال، وركب ابن البريدي السفن ومعه ثلاثمائة ألف دينار ففرق أصحابه وماله ونجا إلى البصرة، وأقام بالأبلة وبعث غلامه إقبالا فلقي جماعة من أصحاب ابن رائق فهزمهم، وبعث ابن رائق مع جماعة من أهل البصرة يستعطفه فأبى، فطلبوا البصرة فحلف ليحرقنها ويقتل كل من فيها، فرجعوا مستبصرين في قتاله. وأقام ابن البريدي بالبصرة، واستولى يحكم على الأهواز ثم

بعث ابن رائق جيشه في البحر والبر فانهزم عسكر البر واستولى عسكر الماء على الكلا، فهرب ابن البريدي في السفن إلى جزيرة أوال، وترك أخاه أبا الحسين في عسكر بالبصرة فدفع عسكر ابن رائق عن الكلا فسار ابن رائق من واسط، واستولى يحكم على الأهواز، وقاتلوا البصرة فامتنعت عليهم، وسار أبو عبد الله بن البريدي من أوال إلى عماد الدولة بن بويه بفارس، فاطعمه في العراق وبعث معه أخاه معز الدولة إلى الأهواز فسير إليها ابن رائق مولاه يحكم على أن يكون له الحرب والخراج، وأقام ابن البريدي على البصرة وزحفت إليه عساكرهم فأعجلوه عن تقويض خيامه فأحرقها وسار إلى الأهواز مجردا، وسبقته عساكره إلى واسط وأقام عند يحكم أياما وأشير عليه بحبسه فلم يفعل ورجع ابن رائق إلى واسط.

** استيلاء معز الدولة على الأهواز **

لما سار أبو عبد الله بن البريدي من جزيرة أوال إلى عماد الدولة ابن بويه بفارس مستجيرا به من ابن رائق ويحكم ومستنجدا عليهم، طمع عماد الدولة في الاستيلاء على العراق. فسير معه أخاه معز الدولة أحمد بن بويه في العسكر، ورهن ابن البريدي عنده ولديه أبا الحسين محمدا وأبا جعفر الفياض. وسار يحكم للقائهم فلقيهم بأرجان فانهزم أمامهم وعاد إلى الأهواز، وخلف جيشا بعسكر مكرم. فقاتلهم معز الدولة ثلاثة عشر يوما ثم انفضوا ولحقوا بتستر، وملك معز الدولة عسكر مكرم وذلك سنة ست وعشرين وسار يحكم من الأهواز إلى تستر، وبلغ الخبر إلى ابن رائق بواسط، فسار إلى بغداد وجاء يحكم من تستر إلى واسط. ولما استولى معز الدولة وابن البريدي على عسكر مكرم، ولقيهم أهل الأهواز وساروا معهم إليها فأقاموا شهرا. ثم طلب معز الدولة من ابن البريدي عسكره الذي بالبصرة ليسير بهم إلى أخيه ركن الدولة بأصبهان لحرب وشمكير، فأحضر منهم أربعة آلاف. ثم طلب من عسكره الذين بحصن مهدي ليسير بهم في الماء إلى واسط فارتاب ابن البريدي وهرب إلى البصرة. وبعث إلى عسكرها الذين ساروا إلى أصبهان وكانوا متوقفين بالسوس، فرجعوا إليه، ثم كتب إلى معز الدولة أن يفرج له عن الأهواز ليتمكن من الجباية والوفاء بها لأخيه عماد الدولة، وكان قد ضمن له الأهواز والبصرة بثمانية عشر ألف ألف درهم، فرحل معز الدولة إلى عسكر مكرم وأنفذ ابن البريدي عامله إلى

الأهواز. ثم بعث إلى معز الدولة بأن يتأخر إلى السوس فأبى، وعلم يحكم بحالهم فبعث جيشا استولوا على السوس وجنديسابور، وبقيت الأهواز بيد ابن البريدي ومعز الدولة بعسكر مكرم، وقد ضاقت أحوال جنده. ثم بعث إليه أخوه عماد الدولة بالمدد فسار إلى الأهواز وملكها. ورجع ابن البريدي إلى البصرة ويحكم في ذلك مقيم بواسط، وقد صرف همه إلى الاستيلاء على رتبة ابن رائق ببغداد. وقد أنفذ له ابن رائق علي بن خلف بن طباب ليسيروا إلى الأهواز ويخرجوا ابن بويه. ويكون يحكم على الحرب وابن خلف على الخراج، فلم يلتفت يحكم لذلك واستوزر علي بن خلف ويحكم في أحوال واسط. ولما رأى أبو الفتح الوزير ببغداد إدبار الأحوال أطمع ابن رائق في مصر والشام، وقال: أنا أجبيهما لك، وعقد بينه وبين ابن طغج صهرا. وسار أبو الفتح إلى الشام في ربيع الآخر وشعر ابن رائق بمحاولة يحكم عليه، فبعث إلى ابن البريدي بالاتفاق على يحكم على أن يضمن ابن البريدي واسط بستمائة ألف، فنهض يحكم إلى ابن البريدي قبل ابن رائق وسار إلى البصرة، فبعث إليه ابن البريدي أبا جعفر الجمال في عشرة آلاف فهزمهم يحكم وارتاع ابن البريدي لذلك، ولم يكن قصد يحكم إلا الألفة فقط، والتضرع لابن رائق، فبعث إليه بالمسالمة وأن يقلده واسط إذا تم أمره، فاتفقا على ذلك وصرف نظره إلى أمر بغداد.

** وزارة ابن مقلة ونكبته **

ولما انصرف أبو الفتح بن الفرات إلى الشام استوزر الراضي أبا علي بن مقلة على سنن من قبله والأمر لابن رائق، وابن مقلة كالعارية. وكتب له في أمواله وأملاكه فلم يردها. فشرع في التدبير عليه، فكتب إلى ابن رائق بواسط ووشمكير بالري يطمع كلا منهما في مكانه، وكتب الراضي يشير بالقبض على ابن رائق وأصحابه، واستدعى يحكم لمكانه وأنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف دينار، فأطعمه الراضي على كره. فكتب هو إلى يحكم يستحثه وطلب من الراضي أن ينتقل إلى دار الخلافة حتى يتم الأمر فأذن له وحضر متنكرا آخر ليلة من رمضان سنة ست وعشرين، فأمر الراضي باعتقاله وأطلع ابن رائق من الغد على كتبه فشكر ذلك له ابن رائق، وأمر بابن مقلة في منتصف شوال فقطع ثم عولج، وبريء وعاد إلى السعي في الوزارة والتظلم من ابن رائق والدعاء عليه، فأمر بقطع لسانه وحبسه إلى أن مات.

** استيلاء يحكم على بغداد **

لم يزل يحكم يظهر التبعية لابن رائق ويكتب على أعلامه وتراسه يحكم الرائقي إلى أن وصلته كتب ابن مقلة بأن الراضي قلده إمرة الأمراء، فطمع وكاشف ابن رائق ومحا نسبه إليه من أعلامه وسلاحه. وسار من واسط إلى بغداد في ذي القعدة سنة ست وعشرين.

وكتب إليه الراضي بالرجوع فأبى، ووصل إلى نهر دبالي وأصاب ابن رائق في غربيه فانهزموا وعبروا النهر سبحا. وسار ابن رائق إلى عكبرا، ودخل يحكم بغداد منتصف ذي القعدة ولقي الراضي من الغد، وولاه أمير الأمراء، وكتب عن الراضي إلى القواد الذين مع ابن رائق بالرجوع عنه فرجعوا، وعاد ابن رائق إلى بغداد فاختفى بها لسنة وأحد عشر شهرا من إمارته، ونزل يحكم بدار مؤنس واستقر ببغداد متحكما في الدولة مستبدا على الخليفة.

** دخول آذربيجان في طاعة وشمكير **

كان من عمال وشمكير على أعمال الجبل السيكري [1] بن مردي، وكان مجاورا لأعمال أذربيجان وعليها يومئذ ديسم بن إبراهيم الكردي من أصحاب ابن أبي الساج، فحدثت السيكري نفسه بالتغلب عليها، فجمع وسار إليها. وخرج إليه ديسم فانهزم فاستولى على سائر بلاده إلا أردبيل وهي كرسي أذربيجان، فحاصرها السيكري وضيق حصارها، فراسلوا ديسم بالمثنى لقتال السيكري من ورائه ففعل، وجاءه يوم قتالهم من خلف، فانهزم السيكري إلى موقان فأعانه أصبهبذها ابن دوالة وسار معه نحو ديسم، فانهزم ديسم وقصد وشمكير بالري واستمده على أن يدخل في طاعته ويضمن له مالا في كل سنة. فأجابه وبعث معه العسكر وبعث أصحاب السيكري إلى وشمكير بأنهم على الطاعة، وشعر بذلك السيكري فسار في خاصته إلى أرمينية واكتسح في نواحيها. ثم سار إلى الزوزان من بلاد الأرمن، فاعترضوه وقتلوه ومن معه، ورجع فلهم وقد ولوا عليهم سان بن السيكري، وقصدوا بلد طرم الأرمني ليثأروا منهم بأصحابهم، فقاتلهم طرم وأثخن فيهم، وساروا إلى ناصر الدولة بن حمدان وانحدر بعضهم إلى بغداد، وكان على المعادن بأذربيجان

الحسين بن سعيد بن حمدان من قبل ابن عمه ناصر الدولة، فلما جاء إلى الموصل أصحاب السيكري مع ابنه بعثهم ابن عمه بأذربيجان لقتال ديسم، فلم تكن له به طاقة ورجع إلى الموصل واستولى ديسم على أذربيجان في طاعة وشمكير.

** ظهور ابن رائق ومسيره إلى الشام **

وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة سار يحكم إلى الموصل وديار ربيعة بسبب أن ناصر الدولة بن حمدان أخر المال الذي عليه من ضمان البلاد، فأقام الراضي بتكريت وسار يحكم، ولقيه ناصر الدولة على ستة فراسخ من الموصل، فانهزم واتبعه يحكم إلى نصيبين ثم إلى آمد، وكتب إلى الراضي بالفتح. فسار من تكريت في الماء إلى الموصل، وفارقه جماعة من القرامطة كانوا في عسكره، وكان ابن رائق يكاتبهم من مكان اكتفائه، فلما وصلوا بغداد خرج ابن رائق إليهم واستولى، وطار الخبر إلى الراضي فأصعد من الماء وسار إلى الموصل، وكتب إلى يحكم بذلك. فرجع عن نصيبين بعد أن استولى عليها، وشرع أهل العسكر يتسللون إلى بغداد فأهم ذلك يحكم. ثم جاءت رسالة ابن حمدان في الصلح وتعجيل خمسمائة ألف درهم، فأجابوه وقرره ورجعوا إلى بغداد، ولقيهم أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد رسولا عن ابن رائق في الصلح على أن يقلده الراضي طريق الفرات وديار مضر حران والرها وما جاورها جندي قنسرين والعواصم. فأجابه الراضي وقلده وسار إلى ولايته في ربيع الآخر. وكان يحكم قد استناب بعض قواد الأتراك على الأنبار واسمه بالبان، وطلب تقليد طريق الفرات فقلد وسار إلى الرحبة. ثم انتقض وعاد لابن رائق وعصى على يحكم، فسار إليه غازيا بالرحبة على حين غفلة لخمسة أيام من مسيره، فظفر به وأدخله بغداد على جمل وحبسه وكان آخر العهد به.

** وزارة ابن البريدي **

قد تقدم لنا مسير الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات إلى الشام، ولما سار استناب بالحضرة عبد الله بن علي البصري، وكان يحكم قد قبض على وزيره خلف ابن طباب، واستوزر أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرازاد، فسعى في وزارة ابن البريدي ليحكم حتى تم ذلك. ثم ضمن ابن البريدي أعمال واسط بستمائة ألف دينار كل سنة. ثم جاء الخبر بموت أبي الفتح بن الفرات بالرملة، فسعى أبو جعفر

ابن شيرزاد في وزارة أبي عبد الله للخليفة، فعقد له الراضي بذلك واستخلف بالحضرة عبد الله بن علي البصري كما كان مع أبي الفتح.

** مسير ركن الدولة إلى واسط ورجوعه عنها **

لما استقر ابن البريدي بواسط بعث جيشا إلى السوس وبها أبو جعفر الظهيري وزير معز الدولة أحمد بن بويه ومعز الدولة بالأهواز. فتحصن أبو جعفر بقلعة السوس، وعاث الجيش في نواحيها وكتب معز الدولة إلى أخيه ركن الدولة وهو على إصطخر قد جاء من أصبهان لما غلبه وشمكير عليها. فلما جاء كتاب أخيه معز الدولة سار محمد إلى السوس وقد رجع عنه جيش ابن البريدي. ثم سار إلى واسط يحاول ملكها فنزل في جانبها الشرقي، وابن البريدي في الجانب الغربي، واضطرب عسكر ابن بويه واستأمن جماعة منهم إلى ابن البريدي. ثم سار الراضي ويحكم من بغداد إلى واسط للإمداد، فرجع ركن الدولة إلى الأهواز ثم إلى رامهرمز. وبلغه أن وشمكير قد أنفذ عسكره مددا لما كان بن كالي وأن أصبهان خالية، فسار إليها من رامهرمز وأخرج من بقي منها من أصحاب وشمكير وملكها فاستقر بها.

** مسير يحكم إلى بلد الجبل وعوده إلى واسط واستيلاؤه عليها **

كان يحكم قد أرسل ابن البريدي وصاهره واتفقا على أن يسير يحكم إلى بلاد الجبل لفتحها من يد وشمكير، وأبو عبد الله بن البريدي إلى الأهواز لأخذها من يد معز الدولة ابن بويه، فسار يحكم إلى حلوان وبعث إليه ابن البريدي بخمسمائة رجل مددا. وبعث يحكم بعض أصحابه إلى ابن البريدي يستحثه إلى السوس والأهواز، فأقام يماطله ويدافعه ويبين له أنه يريد مخالفة يحكم إلى بغداد. فكتب إليه بذلك فرجع عن قصده إلى بغداد، وعزل ابن البريدي من الوزارة، وولى مكانه أبا القاسم بن سليمان بن الحسين بن مخلد، وقبض على ابن شيرزاد الذي كان ساعيا له، وتجهز إلى واسط وانحدر في الماء آخر ذي الحجة سنة ثمان وعشرين. وبعث عسكرا في البر، وبلغ الخبر ابن البريدي فسار عن واسط إلى البصرة واستولى عليها يحكم وملكها.

** استيلاء ابن رائق على الشام **

قد تقدم لنا مسير ابن رائق إلى ديار مضر وثغور قنسرين والعواصم فلما استقر بها حدثته نفسه بملك الشام فسار إلى حمص فملكها ثم سار إلى دمشق وبها بدر بن عبد الله الإخشيدي ويلقب بدير، فملكها من يده. ثم سار إلى الرملة ومنها إلى عريش مصر يريد ملك الديار المصرية، ولقيه الإخشيد محمد بن طغج وانهزم أولا وملك أصحاب ابن رائق خيامه. ثم خرج كمين الإخشيد فانهزم ابن رائق إلى دمشق وبعث الإخشيد في أثره أخاه أبا نصر بن طغج، وسار إليهم ابن رائق من دمشق فهزمهم وقتل أبو نصر، فكفنه ابن رائق وحمله مع ابنه مزاحم إلى أخيه الإخشيد بمصر. وكتب يعزيه ويعتذر فأكرم الإخشيد مزاحما، واصطلح مع أبيه على أن تكون مصر للإخشيد من حد الرملة وما وراءها من الشام لابن رائق ويعطى الإخشيد عن الرملة في كل سنة مائة وأربعين ألف دينار.

** الصوائف أيام الراضي **

وفي سنة اثنتين وعشرين سار الدمستق إلى سميساط في خمسين ألفا من الروم، ونازل ملطية وحاصرها مدة طويلة حتى فتحها بالأمان، وبعثهم إلى مأمنهم مع بطريق من بطارقته. وتنصر الكثير منهم محبة في أهليهم وأموالهم. ثم افتتحوا سميساط وخربوا أعمالها وأفحشوا في أسطوله في البحر. ففتحوا بلد جنوة ومروا بسردانية فأوقعوا بأهلها، ثم مروا بقرقيسياء من ساحل الشام فأحرقوا مراكبها، وعادوا سالمين.

وفي سنة ست وعشرين كان الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة على يد ابن ورقاء الشيباني البريدي في ستة آلاف وثلاثمائة أسير.

** الولايات أيام الراضي والقاهر قبله **

قد تقدم لنا أنه لم يبق من الأعمال في تصريف الخلافة لهذا العهد إلا أعمال الأهواز والبصرة وواسط والجزيرة، وذكرنا استيلاء بني بويه على فارس وأصبهان، ووشمكير على بلاد الجبل، وابن البريدي على البصرة، وابن رائق على واسط، وأن عماد الدولة بن بويه على فارس، وركن الدولة أخوه يتنازع مع وشمكير على أصبهان

وهمذان وقم وقاشان والكرج والري وقزوين. واستولى معز الدولة أخوهما على الأهواز وعلى كرمان واستولى ابن البريدي على واسط وسار ابن رائق إلى الشام فاستولى عليها.

وفي سنة ثلاث وعشرين قلد الراضي ابنيه أبا جعفر وأبا الفضل ناحية المشرق والمغرب. وفي سنة إحدى وعشرين ورد الخبر بوفاة تكين الخاصكي بمصر وكان أميرا عليها، وولى القاهر مكانه ابنه محمدا وثار به الجند، فظفر بهم. وفيها وقعت الفتنة بين بني ثعلب وبني أسد ومعهم طيئ، وركب ناصر الدولة الحسن بن عبد الله ابن حمدان ومعه أبو الأعز بن سعيد بن حمدان ليصلح بينهم، فوقعت ملاحاة قتل فيها أبو الأعز على يد رجل من ثعلب، فحمل عليهم ناصر الدولة واستباحهم إلى الحديثة. فلقيهم يأنس غلام مؤنس واليا على الموصل، فانضم إليه بنو ثعلب وبنو أسد وعادوا إلى ديار ربيعة. وفي سنة أربع وعشرين قلد الراضي محمد بن طغج أعمال مصر مضافا إلى ما بيده من الشام وعزل عنها أحمد بن كيغلغ.

** وفاة الراضي وبيعة المتقي **

وفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة توفي الراضي أبو العباس أحمد بن المقتدر في ربيع الأول منها لسبع سنين غير شهر من خلافته. ولما مات أحضر يحكم ندماءه وجلساءه لينتفع بما عندهم من الحكمة فلم يفهم عنهم لعجمته. وكان آخر خليفة خطب على المنبر وان خطب غيره فنادر. وآخر خليفة جالس السمر وواصل الندماء. ودولته آخر دول الخلفاء في ترتيب النفقات والجوائز والجرايات والمطابخ والخدم والحجاب، وكان يحكم يوم وفاته غائبا بواسط حين ملكها من يد ابن البريدي، فانتظر في الأمور وصول مراسمه، فورد كتابه مع كتابه أبي عبد الله الكوفي يأمر فيه باجتماع الوزراء وأصحاب الدواوين والقضاة والعلويين والعباسيين ووجوه البلد عند الوزير أبي القاسم سليمان بن الحسن، ويشاورهم الكوفي فيمن ينصب للخلافة ممن يرتضي مذهبه وطريقه، فاجتمعوا وذكروا إبراهيم بن المقتدر، واتفقوا عليه وأحضروه من الغد وبايعوا له آخر ربيع الأول من سنة تسع وعشرين. وعرضت عليه الألقاب فاختار المتقي لله وأقر سليمان على وزارته كما كان، والتدبير كله للكوفي كاتب يحكم، وولى سلامة الطولوني على الحجبة.

** مقتل يحكم **

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com