John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

(الكتاب الثالث في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم) — تتمة ١١

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 62 of 67

بالعسكر إلى بلاد السوس لغزو العرب، وكف عاديتهم، ومحو آثار الخوارج المنتزين على الدولة، فأجفلوا أمامه، واتبع آثارهم إلى الساقية الحمراء آخر العمران من بلاد السوس، فهلك أكثر العرب في تلك القفار مسغبة وعطشا، وقفل لما بلغه من اعتلال أمير المؤمنين، ووصل إلى مراكش وقد أبل، وقد اعتزم على الجهاد والغزو وشكر الله، كما نذكره إن شاء الله تعالى.

** الخبر عن إجازة السلطان أبي يوسف الرابعة ومحاصرة شريش وما تخلل ذلك من الغزوات **

لما اعتزم أمير المسلمين على الإجازة واعترض جنوده وحاشيته، وأزاح عللهم، وبعث في قبائل المغرب بالنفير، ونهض من مراكش في جمادى الآخرة لثلاث وثمانين وستمائة واحتل رباط الفتح منتصف شعبان فقضى به صومه ونسكه، ثم ارتحل إلى قصر مصمودة وشرع في إجازة العساكر والحشود من المرتزقة والمطوعة خاتم سنته. ثم أجاز البحر بنفسه غرة صفر من سنة أربع وثمانين وستمائة بعدها واحتل بظاهرها [1] . ثم سار منها إلى الخضراء وأراح أياما. ثم خرج غازيا حتى انتهى إلى وادلك [2] ، وسرح الخيول في بلاد العدو وبسائطها يحرق وينسف. فلما خرب بلاد النصرانية ودمر أرضهم قصد مدينة شريش [3] ، فنزل بساحتها وأناخ عليها، وبث السرايا والغارات في جميع نواحيها، وبعث المسالح التي كانت بالثغور، فتوافت لديه. ولحقه حافده عمر بن أبي مالك بجمع وافر من المجاهدين من أهل المغرب فرسانا ورجالا، ووافته حصة العزفي من سبتة غزاة ناشبة تناهز خمسمائة من الرجل. وأوعز إلى ولي عهده الأمير أبي يعقوب باستنفار من بقي بالعدوة من المسلمين الى الجهاد، وعقد لحافده الآخر منصور بن عبد الواحد على ألف فارس من الغزاة. وأعطاه الراية

وسرحه لغزو إشبيلية لآخر صفر من سنته، فغنموا ومروا بقرمونة [1] في منصرفهم.

فاستباحوها وأثخنوا بالقتل والأسر ورجعوا وقد امتلأت أيديهم من الغنائم. وبعث وزيره محمد بن عطو [2] ومحمد بن عمران بن عبلة عيونا، فوافوا حصن القناطر وروطة، واستكشفوا ضعف الحامية واختلال الثغور، فعقد ثانية لحافده عمر بن عبد الواحد على مثلها من الفرسان لثالثة من ربيع وأعطاه الراية، وسرحه إلى بسائط وادلك، فرجعوا من الغنائم بما ملأ العساكر بعد أن أثخنوا فيها بالقتل والتخريب وتحريق الزروع واقتلاع الثمار، وأبادوا عمرانها. ثم سرح ثامن ربيع عسكرا للإغارة على حصن أركش، ووافوه على غرة فاكتسحوا أموالهم. ثم عقد تاسع ربيع لابنه أبي معروف على ألف من الفرسان. وسرحه لغزو إشبيلية فساروا حتى توقف عليها.

وانحجزت منه حاميتها، فخرب عمرانها وحرق زروعها وقطع شجرها. وامتلأت أيدي عسكره سبيا وأموالا، ورجع إلى معسكر السلطان مملوء الحقائب. ثم عقد ثالثة لحافده عمر منتصف ربيع لغزو حصن كان بالقرب من معسكره، وسرح الرجل من الناشبة والفعلة بالآلات. وأمده بالرجل من المصامدة. وغزاة سبتة فاقتحموه عنوة على أهله، وقتلوا المقاتلة وسبوا النساء والذرية، وأرغموا خده بالتراب.

ولسبع عشرة من الشهر ركب السلطان إلى حصن سقوط قريبا من معسكره، فخربه وحرقه بالنار، واستباحة. وقتل المقاتلة وسبى أهله. ولعشرين من شهره وصل ولي عهده، الأمير أبو يعقوب من العدوة بنفير أهل المغرب وكافة القبائل في جيوش ضخمة، وعساكر موفورة، وركب أمير المسلمين للقائهم وبرور مقدمهم. واعترض العساكر الموافية يومئذ فكانت ثلاثة عشر ألفا من المصامدة، وثمانية آلاف من برابرة المغرب متطوعون كلهم بالجهاد، فعقد السلطان له على خمسة آلاف من المرتزقة وألفين من المتطوعة وثلاثة عشر ألفا من الرجل والفين من الناشبة وسرحه لغزو إشبيلية والإثخان في نواحيها، فعبى كتائبه ونهض لوجهه. وبث الغارات بين يديه، فأثخنوا وسبوا وقتلوا واقتحموا الحصون واكتسحوا الأموال. وعاج على الشرق والغابة من بسيط إشبيلية فنسف قراها واقتحم من حصونها عدة، وقفل إلى معسكر أمير المسلمين

ظاهرا عزيزا غانما. ولسادس ربيع الثاني وصل الأمير أبو زيان منديل بن طريف بعسكر وافر من المسلمين فعقد له غداة وصوله وأمده بعسكر آخر وأغزاه قرمونة والوادي الكبير، فأغار على قرمونة. وطمعت حاميتها في المدافعة فبرزوا له وصدقهم القتال فانكشفوا حتى احجزوهم في البلد. ثم أحاطوا ببرج كان قريبا من البلد، فقاتلوه ساعة من نهار واقتحموه عنوة، ولم يزل يتقرى المنازل والعمران حتى وقف بساحة إشبيلية، فأغار واقتحم برجا كان هنالك عينا على المسلمين، وأضرمه نارا.

وامتلأت أيدي عساكره، وقفل إلى معسكر أمير المسلمين.

ولثلاث عشرة من ربيع الثاني عقد للأمير أبي يعقوب لمنازلة جزيرة كيوثر [1] ، فصمد إليها وقاتلها واقتحمها عنوة. وفي ثاني جمادى عقد لطلحة بن يحيى بن محلى، وكان بعد مداخلته أخاه عمر في شأن مالقة سنة خمس وسبعين وستمائة خرج إلى الحج، فقضى فرضه ورجع، ومر في طريقه بتونس واتهمه الدعي ابن أبي عمارة كان بها يومئذ فاعتقله سنة اثنتين وثمانين، ثم سرحه ولحق بقومه بالمغرب. ثم أجاز الأندلس غازيا في ركاب السلطان، فعقد له في هذه الغزاة على مائتين من الفرسان وسرحه إلى إشبيلية ليكون رتبة [2] للمعسكر وبعث معه لذلك عيونا من اليهود والمعاهدين من النصارى، يتعرفون له أخبار الطاغية شانجة وأمير المسلمين أثناء ذلك يغادي شريش ويراوحها بالقتال والتخريب، ونسف الآثار، وبث السرايا كل يوم وليلة في بلاد العدو، فلا يخلو يوما عن تجهيز عسكر أو اغزاء جيش أو عقد راية أو بعث سرية، حتى انتسف العمران في جميع بلاد النصرانية، وخرب بسائط إشبيلية وليلة [3] وقرمونة واستجة وجبال الشرق وجميع بسائط الفرنتيرة. وأبلى في هذه الغزوات عياد العاصمي من شيوخ جشم، وخضر الغزي أمير الأكراد بلاء عظيما.

وكان لهم فيها ذكر. وكذلك غزاة سبتة وسائر المجاهدين والعرب من جشم وغيرهم.

فلما دمرها تدميرا ونسفها تخريبا واكتسحها غارة ونهبا، وزحم فصل الشتاء وانقطعت الميرة عن العسكر، اعتزم على القفول وأفرج عن شريش لآخر رجب، ووافاه مدد غرناطة من عساكر الغزاة وقائدهم يعلى بن أبي عياد بن عبد الحق بوادي بردة،

فلقاهم مبرة، وتكريما وانقلبوا إلى أهلهم. واتصل به أن العدو أوعز إلى أساطيله باحتلال الزقاق والاعتراض دون الفراض فأوعز أمير المسلمين الى جميع سواحله من سبتة وطنجة والمنكب وجزيرة وطيف وبلاد الريف ورباط الفتح. واستدعى أساطيله فتوافت منها ستة وثلاثون أسطولا متكاملة في عدتها وعديدها، فأحجمت أساطيل العدو عنها وارتدت على أعقابها. واحتل بالجزيرة غرة رمضان. واستيقن الطاغية شانجة وأهل ملته أن بلادهم قد فنيت وأرضهم خربت وتبينوا العجز عن المدافعة والحماية، فجنحوا إلى السلم وضرعوا إلى أمير المسلمين في كف عاديته عنهم على ما يذكر ووصل إلى السلطان بمكانه من منازلة شريش عمر بن أبي يحيى بن محلى نازعا إلى طاعته، فاتهمه لما سبق من تلاعبه وأمر أخاه طلحة فنكبه. واحتمل إلى طريف فاعتقل بها، وسار طلحة إلى المنكب فاستصفى أموال أخيه عمر وذخائره وسار إلى السلطان. وأقر ثانية أخاه موسى على عمله بالمنكب، وأمده بعسكر من الرجل. ثم أطلق عمر لليال من اعتقاله. وأجاز طلحة وعمر في ركاب السلطان.

ونزع منصور بن أبي مالك حافد السلطان إلى غرناطة، ثم لحق منها بالمنكب وأقام مع موسى بن أبي يحيى بن محلى، فأقره السلطان ورضي بمقامه والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن وفادة الطاغية شانجة وانعقاد السلم ومهلك السلطان على تفيئة ذلك) **

لما نزل ببلاد النصرانية بلاد ابن أدفونش من أمير المسلمين ما نزل من تدمير قراهم واكتساح أموالهم وسبي نسائهم وإبادة مقاتلتهم وتخريب معاقلهم وانتساف عمرانهم، زاغت منهم الأبصار وبلغت القلوب الحناجر واستيقنوا أن لا عاصم من أمير المسلمين، فاجتمعوا إلى طاغيتهم شانجة، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، متوجعين مما أذاقهم جنود الله من سوء العذاب وأليم النكال. وحملوه على الضراعة لأمير المسلمين في السلم وإيفاد الملأ من كبار النصرانية عليه في ذلك. وإلا فلا تزال تصيبهم منه قارعة، وتحل قريبا من دارهم فأجاب إلى ما دعوه إليه من الخسف والهضيمة لدينه. وأوفد على أمير المسلمين من بطارقتهم وشما مستهم وأساقفهم يخطبون السلم ويضرعون في المهادنة والإبقاء ووضع أوزار الحرب، فردهم أمير المسلمين

اعتزازا عليهم. ثم أعادهم الطاغية بترديد الرغبة على أن يشترط ما شاء من عز دينه وقومه. فأسعفهم أمير المسلمين وجنح إلى السلم لما تيقن من صاغيتهم إليه وذلهم لعز الإسلام. وأجابهم إلى ما سألوه واشترط عليهم ما تقبلوه من مسالمة المسلمين كافة من قومه وغير قومه، والوقوف عند مرضاته في ولاية جيرانه من الملوك أو غداوتهم، ورفع الضريبة عن تجار المسلمين بدار الحرب من بلاده، وترك التضريب بين ملوك المسلمين والدخول بينهم في فتنة. وبعث لعمه عبد الحق ابن الترجمان باشتراط ذلك وأحكام عقده. فاستبلغ وأكد في الوفاء. ووفدت رسل ابن الأحمر على الطاغية وهو عنده لعقد السلم معه دون أمير المسلمين على قومه، ومدافعته عنهم، فأحضرهم بمشهد ابن الترجمان وأسمعهم ما عقد أمير المسلمين على قومه وأهل ملته. وقال لهم إنما أنتم عبيد آبائي فلستم معي في مقام السلم والحرب، وهذا أمير المسلمين ولست أطيق مقاومته ولا دفاعه عنكم فانصرفوا. ولما رأى عبد الحق صاغيته إلى مرضاة السلطان وسوس إليه بالوفادة لتتمكن الألفة وتستحكم العقدة، وأراه مغبة ذلك في سل السخيمة وتسكين الحفيظة وتمكين الألفة، فصغى إلى وفاته. وسأل لقي الأمير أبي يعقوب ولي عهده من قبل ليطمئن عليه، فوصل إليه ولقيه على فراسخ من شريش.

وباتا بمعسكر المسلمين هنالك. ثم ارتحلا من الغد للقاء أمير المسلمين وقد أمر الناس بالاحتفال للقاء الطاغية وقومه وإظهار شعار الإسلام أبهته، فاحتفلوا وتأهبوا وأظهروا عز الملة وشدة الشوكة ووفور الحامية.

ولقيه أمير المسلمين بأحسن مبرة وأتم كرامة يلقى بها مثله من عظماء الملل. وقدم الطاغية بين يديه هدية أتحف بها أمير المسلمين وابنه من ظرف بلاده، كان فيها زوج من الحيوان الوحشي المسمى بالفيل، وحمارة من حمر الوحش إلى غير ذلك من الظرف. فقبلها السلطان وابنه وقابلوه بكفائها ومضاعفتها، وكمل عقد السلم، وتقبل الطاغية سائر الشروط ورضي بعز الإسلام عنه. وانقلب إلى قومه بملء صدره من الرضا والمسرة وسأل منه أمير المسلمين أن يبعث من كتب العلم التي بأيدي النصارى منذ استيلائهم على مدن الإسلام، فاستكثر من أصنافها في ثلاثة عشر حملا بعث بها إليه، فوقفها السلطان بالمدرسة التي أسسها بفاس لطلب العلم.

وقفل أمير المسلمين إلى الجزيرة لليلتين بقيتا لرمضان، فقضى صومه ونسكه. وجعل من قيام ليله جزءا لمحاضرة أهل العلم. وأعد الشعراء كلمات أنشدوها يوم الفطر بمشهد

الملأ في مجلس أمير المسلمين. وكان من أسبقهم في ذلك الميدان شاعر الدولة عزوز المكناسي. ذكر فيها سير أمير المسلمين وغزواته على نسق.

ثم أعمل أمير المسلمين نظره في الثغور فرتب بها المسالح وعقد عليها لابنه الأمير أبي زيان منديل، وأنزله بركوان مقربة مالقة، واستوصاه بأن لا يحدث في بلاد ابن الأحمر حدثا. وعقد لعياد بن أبي عياض العاصمي على مسلحة أخرى، وأنزله بأصطبونة. وأجاز ابنه الأمير أبا يعقوب لتفقد أحوال المغرب ومباشرة أموره، فأجاز في أسطول القائد محمد بن القاسم الرنداحي قائد سبتة. وأوعز إليه بالبناء على قبر أبيه أبي الملوك عبد الحق، ولقيه إدريس بتافرطست، فاختط هنالك رباطا وبنى على قبورهم أسمنة من الرخام، ونقشها بالكتابة، ورتب عليها قراء لتلاوة القرآن، ووقف على ذلك ضياعا وفدنا. وهلك خلال ذلك وزيره يحيى بن أبي منديل العسكري لمنتصف رمضان. ثم اعتل بعد ذلك أمير المسلمين لشهر ذي الحجة واشتد وجعه وهلك لآخر محرم سنة خمس وثمانين وستمائة والله أعلم.

** (الخبر عن دولة السلطان وما كان فيها من الاحداث وشأن الخوارج لأول دولته) **

لما اعتل أمير المسلمين أبو يوسف بالجزيرة، مرضه نساؤه، وطيرن الخبر إلى ولي العهد الأمير أبي يعقوب وهو بمكانه من المغرب، فأغذ السير، وقضى أمير المسلمين قبل وصوله، فأخذ له البيعة على الناس وزراء أبيه وعظماء قومه، وأجاز إليهم البحر، فجددوا بيعته غرة صفر سنة خمس وثمانين وستمائة وأخذوها على الكافة. وانعقد أمر السلطان يومئذ ففرق الأموال وأجزل الصلات، وسرح السجون ورفع عن الناس الأخذ بزكاة الفطر، ووكلهم فيها إلى أمانتهم. وقبض أيدي العمال عن الظلم والاعتداء والجور على الرعايا، ورفع المكوس ومحا رسم الرتب، وصرف اعتناءه إلى إصلاح السابلة. وكان أول شيء أحدث من أمره إلى أن بعث ابن الأحمر وضرب موعدا للقائه، فبدر إليه ولقيه بظاهر مربالة [1] لأول ربيع. ولقاه مبرة وتكريما

وتجافى له عن جميع الثغور الأندلسية التي كانت لمملكته ما عدا الجزيرة وطريف.

وتفرقا من مكانهما على أكمل حالات المصافاة والوصلة، ورجع السلطان إلى الجزيرة ووافاه بها وفد الطاغية شانجة مجددين عقد السلم الذي عقد له أمير المسلمين عفا الله عنه فأجابهم. ولما تمهد أمر الأندلس ومر عن النظر فيها، عهد لأخيه أبي عطية العباس على الثغور الغربية والإمارة عليها. وعقد لعلي بن يوسف بن يزكاسن على مسالحها، وأمده بثلاثة آلاف من عساكره. وأجاز إلى المغرب فاحتل بقصر مصمودة سابع ربيع الثاني. ثم ارتحل إلى فاس، واحتل بها لاثنتي عشرة خلت من جمادى، ولحين استقراره بدار ملكه، خرج عليه محمد بن إدريس بن عبد الحق في إخوته وبنيه وذويهم، ولحق بجبل ورغة [1] . ودعا لنفسه، وسرح إليه السلطان أخاه أبا معروف، فبدا له في النزوع إليهم، ولحق بهم. فأغزاهم السلطان عساكره وردد إليهم البعوث والكتائب، وتلطف في استنزال أخيه، فنزل عن الخلاف وعاد إلى حسن طاعته. وفر أولاد إدريس إلى تلمسان، وتقبض عليهم أثناء طريقهم، وسرح السلطان أخاه أبا زيان إلى تازى، وأوعز إليه بقتلهم بمليلي خارج تازى لرجب من سنة خمس وثمانين وستمائة ورهب الأعياص عند ذلك من بادرة السلطان ففرقوا ولحق بغرناطة أولاد أبي العلاء إدريس بن عبد الحق، وأولاد يحيى بن عبد الحق، وأولاد عثمان بن يزول.

ورجع أولاد أبي يحيى إلى السلطان بعد اقتضاء عهده وأمانه. وهلك أخوه محمد بن يعقوب بن عبد الحق لشعبان من منته. وهلك عمر ابن أخيه أبي مالك بطنجة. ثم خرج على السلطان عمر بن عثمان بن يوسف العسكري بقلعة قندلاوة، ونبذ الطاعة وأذن بالحرب. وأوعز السلطان إلى بني عسكر ومن إليهم من القبائل المجاورين لها، فاحتشدوا له ونازلوه. ثم نهض بركابه وعساكره إلى منازلته، واحتل بسدورة [2] ، وخافه عمر على نفسه، وأيقن أنه أحيط به، فسأل الأمان.

وبذله السلطان على شريطة اللحاق بتلمسان، فبعث من يوثق به من الخيرة فنزل.

فوفى له السلطان بعهده، ولحق بتلمسان بأهله وولده.

ثم ارتحل السلطان في رمضان من سنته إلى مراكش لتمهيد أنحائها، وتثقيف أطرافها،

واحتل بها في شوال، واعتمل النظر في مصالحها، ونزع خلال ذلك طلحة بن محلى البطوي إلى بني حسان من المعقل، وخرج على السلطان ودعا لنفسه. وعقد السلطان لمنصور ابن أخيه أبي مالك على العساكر، وعهد له بولاية السوس وسرحه لاستنزال الخوارج، ومحو آثار الفساد. وارتاب بمكان أخيه عمر فغربه إلى غرناطة، فقتله أولاد أبي العلاء يوم وصوله إليها، فسار الأمير منصور في الجيوش والكتائب، وغزا عرب المعقل وأثخن فيهم. وقتل طلحة بن محلى في بعض حروبهم لثلاث عشرة في جمادى سنة ست وثمانين وستمائة وبعث برأسه إلى سدة السلطان فعلق بتازى. ثم نهض في رمضان لغزو المعقل بصحراء درعة لما أضروا العمران وأفسدوا السابلة. وسار إليهم في اثني عشر ألفا من الفرسان، ومر على بلاد هسكورة معترضا جبل درن. وأدركهم بالقفر نواجع، فأثخن فيهم بالقتل والسبي. واستكثر من رءوسهم فعلقت بشرافات مراكش وسجلماسة وفاس. وعاد من غزوة إلى مراكش آخر شوال، فنكب محمد بن علي بن محلى عاملها القديم الولاية عليها من لدن غلب الموحدين، لما وقع من الارتياب بأولاد محلى لما آتاهم كبيرهم طلحة، فنكب غرة المحرم من سنة سبع وثمانين وستمائة. وهلك في محبسه لشهر صفر بعده. وهلك على ذلك المزوار قاسم بن عتو [1] . وعقد السلطان على مراكش وأعمالها لمحمد بن عطو الجاناتي من موالي دولتهم ولاء الحلف. وترك معه ابنه أبا عامر. ثم ارتحل إلى حضرة فاس، فاحتل بها منتصف ربيع، ووافته بها عرسه بنت موسى بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق من غرناطة في وفد من وزراء ابن الأحمر وأهل دولته، فأعرس بها وكان بعث إلى أبيها من قبل في الاصهار بها. ووافت معها رسل ابن الأحمر يسألونه التجافي عن وادي آش، فأسعفهم بها، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.

** (الخبر عن دخول وادي آش في طاعة السلطان ثم رجوعها الى طاعة ابن الأحمر) **

كان أبو الحسن بن أشقيلولة ظهير السلطان ابن الأحمر على ملكه، ومعينة على شأنه، وكان له في الدولة بذلك مكان. ولما هلك خلف من الولد أبا محمد عبد الله وأبا

إسحاق إبراهيم، فعقد ابن الأحمر لأبي محمد على مالقة ولأبي إسحاق على قمارش ووادي آش. ولما هلك السلطان ابن الأحمر حدثت مغاضبات ومنافسات بينهما وبينه، وتأدى ذلك إلى الفتنة كما قلناه ودخل أبو محمد في طاعة السلطان أبي يوسف. ثم هلك فلحق ابنه محمد بالسلطان، ونزل له عن البلد سنة ست وسبعين وستمائة ثم هلك أبو إسحاق سنة اثنتين وثمانين وستمائة وغلب ابن الأحمر على حصن قمارش وصار إليه. وكان الرئيس أبو إسحاق قد عقد لابنه أبي الحسن على وادي آش وحصونها، واتصلت الفتنة بينه وبين ابن الأحمر، وظاهر أبو الحسن عليه الطاغية وأجلب أخوه أبو محمد معه على غرناطة هو وابن الدليل. وطال أمر الفتنة بينهما وبين ابن الأحمر. ثم انعقد السلم بين المسلمين والنصارى، وخشي أبو محمد بن أشقيلولة على نفسه عادية ابن الأحمر، فتذمم بطاعة صاحب المغرب، وأقام دعوته بوادي آش سنة ست وثمانين وستمائة فلم يعرض لها ابن الأحمر حتى إذا وقعت المواصلة بينه وبين ابن السلطان أبي يعقوب، وكان شأن هذا الصهر على يده، بعث رسله إلى السلطان يسأله التجافي عن وادي آش، فتجافى له عنها وبعث إلى أبي الحسن بن أشقيلولة بذلك فتركها. وارتحل إليه سنة سبع وثمانين وستمائة ولقيه بسلا، فأعطاه القصر الكبير وأعماله طعمة سوغه إياها. ثم نزل لبنيه آخر دولتهم. واستمكن ابن الأحمر من وادي آش وحصونها، ولم يبق له بالأندلس منازع من قرابته. والله يؤتي ملكه من يشاء، والله أعلم.

** (الخبر عن خروج الأمير أبي عامر ونزوعه الى مراكش ثم فيئته الى الطاعة) **

لما احتل السلطان بفاس وأقام بها خرج عليه ابنه أبو عامر، ولحق بمراكش، ودعا لنفسه أخريات شوال من سنة سبع وثمانين وستمائة وساعده على الخلاف والانتزاء عاملها محمد بن عطو. وخرج السلطان في أثره إلى مراكش، فبرز إلى لقائه، فكانت الدائرة عليهم وحاصرهم السلطان بمراكش أياما. ثم خلص أبو عامر إلى بيت المال فاستصفى ما فيه وقتل المشرف ابن أبي البركات، ولحق بجبال المصامدة، ودخل السلطان من غده إلى البلد يوم عرفة، فعفا وسكن ونهض منصور ابن أخيه

الأمير أبو مالك من السوس إلى حاجة فدوخ انحاءها. ثم سرح إليه المدد من مراكش، فأوقعوا بوكنة [1] من برابرة السوس، وقتل منهم ما يناهز أربعين من سرواتهم. وكان فيمن قتل منهم شيخهم حيون [2] بن إبراهيم. ثم إن ابنه أبا عامر ضاق ذرعه بسخط أبيه وإجلابه في الخلاف، فلحق بتلمسان ومعه وزيره ابن عطو فاتح سنة ثمان وثمانين وستمائة فآواهم عثمان بن يغمراسن، ومهد لهم المكان ولبثوا عنده أياما. ثم عطف السلطان على ابنه رحم لما عطفت ابنته عليه، فرضي عنه وأعاده إلى مكانه، وطالب عثمان بن يغمراسن أن يسلم إليه ابن عطو الناجم في النفاق مع ابنه، فأبى من إضاعة جواره وإخفار ذمته، وأغلظ له الرسول في القول فسطا به واعتقله، فثارت من السلطان الحفائظ الكامنة، وتحركت الإحن القديمة، والنزلات المتوارثة. واعتزم على غزو تلمسان والله أعلم.

** (الخبر عن تجدد الفتنة مع عثمان بن يغمراسن وغزو السلطان مدينة تلمسان ومنازلته إياها) **

كانت الفتنة بين هذين الحيين قديمة من لدن مجالاتهم بالقفر من حمراء ملوية إلى صا، إلى فيكيك، ولما انتقلوا إلى التلول وتغلبوا على الضواحي بالمغرب الأقصى والأوسط، لم تزل فتنتهم متصلة وأيام حروبهم فيها مذكورة. وكانت دولة الموحدين عند اختلالها والتياثها تستنصر منهم بالتضريب بينهم والفتنة، فتأكدت لذلك أحوالها واتصلت أيامها. وكان بين يغمراسن بن زيان وأبي يحيى بن عبد الحق فيها وقائع ومشاهد، نقلنا منها بعضا من كل. واستظهر الموحدون بيغمراسن عليه في بعضها.

وكان الغلب أكثر ما يكون لأبي يحيى بن عبد الحق لوفور قبيلة. إلا أن يغمراسن كان يتصدى لمقاومته في سائر وقائعه. ولما طمس أثر بني عبد المؤمن واستولى يعقوب ابن عبد الحق على ملكهم، وصارت في جملته عساكرهم، وتضاعف عليه، وأسف على ملك يغمراسن ملكه. وجمع له فأوقع به في تلاغ الواقعة المعروفة. ثم أوقع به ثانية وثالثة. ولما استوت قدم يعقوب بن عبد الحق في ملكه، واستكمل فتح

المغرب وسائر أمصاره، وكبح يغمراسن عن التطاول إلى مقاومته، وأوهن قواه بفل جموعه ومنازلته في داره، ومظاهرة أقتاله من زناتة بني توجين ومغراوة عليه.

فانصرف بعد ذلك إلى الجهاد، فكان له فيه شغل عما سواه كما نقلناه في أخباره.

ولما انصرف ارتاب ابن الأحمر بمكان السلطان يعقوب بن عبد الحق من الأندلس، وحذره على ملكه، وتظاهر مع الطاغية على منعه من الإجازة إلى عدوتهم، ثم خشوا أن لا يستقلوا بمدافعته، فراسلوا يغمراسن في الأخذ بحجزته. وأجابهم إليها وجرد عزائمه لها، واتصلت أيديهم في التظاهر عليه. ثم فسد ما بين ابن الأحمر والطاغية ولم يكن له بد من ولاية يعقوب بن عبد الحق، فتولى [1] بواسطة ابنه يوسف بن يعقوب كما ذكرناه وأطلعوه على خباء يغمراسن في مظاهرتهم، فأغزاه سنة تسع وسبعين وستمائة وهزمه بخرزونة [2] . ونازلة بتلمسان ووطأ عدوه من بني توجين بساحته كما ذكرناه. ثم انصرف إلى شأنه من الجهاد، وهلك يغمراسن بن زيان على تفيئة ذلك سنة إحدى وثمانين وستمائة، وأوصى ابنه عثمان ولي عهده، زعموا أن لا يحدث نفسه بمقاومة بني مرين ومساماتهم في الغلب، وأن لا يبرز إلى لقائهم بالصحراء، وأن يلوذ منهم بالجدران متى سموا إليه. وألقى إليه، زعموا أن بني مرين بعد تغلبهم على مراكش، وانضياف سلطان الموحدين إلى سلطانهم، ازدادت قوتهم وتضاعف غلبهم. وقال له زعموا فيما أوصاه. ولا يغرنك أني رجعت إليهم بعدها، وبرزت إلى لقائهم، فإني أنفت أن أرجع عن مقاومتهم بعد اعتيادها، وأترك مبارزتهم وقد عرفها الناس. وأنت لا يضرك العجز عن مبارزتهم والنكول عن لقائهم، فليس لك في ذلك مقام معلوم، ولا عادة سالفة، واجهد جهدك في التغلب على إفريقية وراءك، فإن فعلت كانت المناهضة. وهذه الوصاة زعموا هي التي حملت عثمان وبنيه من بعده على طلب ملك إفريقية، ومنازلة بجاية وحربهم مع الموحدين. ولما هلك يغمراسن ذهب ابنه إلى مسالمة بني مرين، فبعث أخاه محمدا إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق، وأجاز البحر إليه بالأندلس. ووافاه بأركش في إجازته الرابعة سنة أربع وثمانين وستمائة فعقد له ما جاء إليه من السلم والمهادنة، ورجعه إلى أخيه وقومه ممتلئا كرامة وسرورا. وهلك يعقوب بن عبد الحق أثر ذلك سنة خمس وثمانين

وستمائة وقام بالأمر ابنه يوسف بن يعقوب. وانتزى الخوارج عليه بكل جهة، فشمر لهم واستنزلهم وحسم أدواءهم. ثم خرج عليه ابنه آخرا كما ذكرناه بممالأة وزير السلطان محمد بن عطو. ثم فاء إلى طاعة أبيه ورضي عنه، وأعاده إلى مكانه من حضرته. وطالب عثمان بن يغمراسن كما ذكرناه في ابن عطو المنتزي عليه مع ابنه، فأبى عثمان من تسليمه وتحركت حفيظة السلطان واعتزم على غزوهم، فارتحل من مراكش لصفر من سنة سبع وثمانين [1] وعقد عليها لابنه الأمير أبي عبد الرحمن. ثم نهض لغزاته من فاس آخر ربيع من سنته في عساكره وجنوده، وحشد القبائل وكافة أهل المغرب، وسار حتى نزل تلمسان فانحجز عثمان وقومه بها، ولاذوا منه بجدرانها.

فسار في نواحيها ينسف الآثار ويخرب العمران ويحطم الزرع. ثم نزل بذراع الصابون بساحتها. ثم انتقل منه إلى تامة [2] وحاصرها أربعين يوما، وقطع أشجارها، وأباد خضراءها. ولما امتنعت عليه أفرج عنها وانكفأ راجعا إلى المغرب. وقضى نسك الفطر بعين الصفا من بلاد بني يرناتن، ونسك الأضحى وقربانه بتازى، وتلبث بها، ومنها كان فصوله للغزو عند انتقاض الطاغية كما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن انتقاض الطاغية واجازة السلطان لغزوه) **

لما رجع السلطان من غزو تلمسان وافاه الخبر بأن الطاغية شانجة انتقض ونبذ العهد، وتجاوز التخوم وأغار على الثغور، فأوعز إلى قائد المسالح علي بن يوسف بن يزكاسن بالدخول إلى دار الحرب ومنازلة شريش. وشن الغارات على بلاد الطاغية، فنهض لذلك في ربيع الآخر من سنة تسعين وستمائة وجاس خلالها، وتوغل في أقطارها، وأبلغ في النكاية. وفصل السلطان من تازى غازيا على أثره في جمادى، واحتل قصر مصمودة، واستنفر أهل المغرب وقبائله. ونفروا وشرع في إجازتهم البحر. وبعث الطاغية أساطيله إلى الزقاق حجزا دون الإجازة، فأوعز السلطان إلى قواد أساطيله بالسواحل فأغزاهم. والتقت الأساطيل ببحر الزقاق في شعبان فاقتتلوا وانكشف

المسلمون ومحصهم الله. ثم أغزاهم ثانية وخامت أساطيل العدو عن اللقاء، وصاعدوا عن الزقاق. وملكته أساطيل السلطان فأجاز أخريات رمضان واحتل بطريف. ثم دخل دار الحرب غازيا، فنازل حصن بجير ثلاثة أشهر، وضيق عليهم. وبث السرايا في أرض العدو، وردد الغارات على شريش وإشبيلية ونواحيها إلى أن بلغ في النكاية والإثخان. وقضى من الجهاد وطرا، وزاحمه فصل الشتاء وانقطاع الميرة عن العسكر، فأفرج عن الحصن ورجع إلى الجزيرة. ثم أجاز إلى المغرب فاتح إحدى وتسعين وستمائة فتظاهر ابن الأحمر والطاغية على منعه كما نذكره إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

** (الخبر عن انتقاض ابن الأحمر ومظاهرته للطاغية على طريف أعادها الله للمسلمين) **

لما قفل السلطان من غزاتة فاتح إحدى وتسعين وستمائة كما ذكرناه، وقد أبلغ في نكاية العدو وأثخن في بلاده، فأهم الطاغية أمره، وثقلت عليه وطأته، والتمس الوليجة من دونه. وحذر ابن الأحمر غائلته، ورأى أن مغبة حاله الاستيلاء على الأندلس وغلبه على أمره، ففاوض الطاغية وخلصوا نجيا. وتحدثوا أن استمكانه من الإجازة إليهم إنما هو لقرب مسافة بحر الزقاق، وانتظام ثغور المسلمين حفافيه لتصرف شوانيهم وسفنهم متى أرادوا فضلا عن الأساطيل وأن أم تلك الثغور طريف، وأنهم إذا استمكنوا منها كانت ربيئة لهم على بحر الزقاق. وكان أسطولهم بمرقاها بمرصد الأساطيل صاحب المغرب الخائضين لجة ذلك البحر، فاعتزم الطاغية على منازلة طريف. وزعم له ابن الأحمر بمظاهرته على ذلك، وشرط له المدد والميرة لأقوات العسكر أيام منازلتها، على أن تكون له إن خلصت. وتعاونوا على ذلك وأناخ الطاغية بعساكر النصرانية على طريف. وألح عليها بالقتال ونصب الآلات وانقطع عنها المدد والميرة. واحتلت أساطيله ببحر الزقاق، فحالفوا دون الصريخ من السلطان وإخوانهم المسلمين. وضرب ابن الأحمر معسكره بمالقة قريبا منه، وسرب إليه المدد من السلاح والرجال والميرة من الأقوات، وبعث عسكرا لمنازلة حصن أصطبونة، وتغلب عليه بعد مدة من الحصار. واتصلت هذه الحال أربعة أشهر حتى أصاب

أهل طريف الجهد، ونال منهم الحصار، فراسلوا الطاغية في الصلح والنزول عن البلد، فصالحهم واستنزلهم سنة إحدى وتسعين وستمائة ووفى لهم بعهده. واستشرف ابن الأحمر إلى تجافي الطاغية عنها لما عقدوا عليه، فأعرض عن ذلك واستأثر بها بعد أن كان نزل له عن ستة من الحصون عوضا منها، ففسد ذات بينهما، ورجع ابن الأحمر إلى تمسكه بالسلطان واستعانته به لأهل ملته على الطاغية. وأوفد ابن عمه الرئيس أبا سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف ووزيره أبا سلطان عزيز الداني في وفد من أهل حضرته لتجديد العهد وتأكيد المودة وتقرير المعذرة عن شأن طريف.

فوافوه بمكانه من منازلة تازوطا كما يذكر بعد. فأبرموا العقد وأحكموا الصلح وانصرفوا إلى ابن الأحمر سنة اثنتين وتسعين وستمائة بأسعاف غرضه من المواخاة واتصال اليد. وهلك خلال ذلك قائد المسالح بالأندلس علي بن يزكاسن في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وستمائة وعقد السلطان لابنه ولي عهده، الأمير أبي عامر على ثغور الأندلس التي في طاعته، وعهد له بالنظر في مصالحها. وأنفذه إلى قصر المجاز بعسكره فوافاه هنالك السلطان ابن الأحمر كما يذكر إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

** (الخبر عن وفادة ابن الأحمر على السلطان والتقائهما بطنجة) **

لما رجعت الرسل الى ابن الأحمر، وقد كرمت وفادتهم وقضيت حاجتهم، وأحكمت في المواخاة مقاصدهم، وقع ذلك من ابن الأحمر أجمل موقع، وطار سرورا من أعواده. وأجمع الرحلة إلى السلطان لإحكام الود والاستبلاغ في العذر عن واقعة طريف وشأنها، واستعدادهم لإغاثة المسلمين ونصرهم من عدوهم. فاعتزم على ذلك وأجاز البحر ذا القعدة سنة اثنتين وتسعين وستمائة واحتل بنيونش من ساحة سبتة. ثم ارتحل إلى طنجة، وقدم بين يدي نجواه هدية سنية أتحف بها السلطان، كان من أحفلها وأحسنها موقعا لديه فيما زعموا المصحف الكبير، أحد مصاحف عثمان ابن عفان أحد الأربعة المنبعثة إلى الآفاق، المختص هذا منها بالمغرب، كما نقله السلف. كان بنو أمية يتوارثونه بقرطبة، فتلقاه الأمير أبو عامر هنالك، وأخوه الأمير

أبو عبد الرحمن ابنا السلطان واحتفلا في مبرته. ثم جاء السلطان على أثرهما من حضرته لتلقيه وبرور مقدمه، ووافاه بطنجة، وبلغ في تكرمته وبر وفادته ما يكرم به مثله. وبسط ابن الأحمر العذر عن شأن طريف فتجافى السلطان عن العذل وأعرض عنه وقبل منه. وبر واحتفى ووصل وأجزل، ونزل له ابن الأحمر عن الجزيرة ورندة والغربية وعشرين حصنا من ثغور الأندلس كانت من قبل لطاعة صاحب المغرب ونزل عساكره. وعاد ابن الأحمر إلى الأندلس خاتم اثنتين وتسعين وستمائة محبوا محبورا. وأجازت عساكر السلطان معه لحصار طريف وعقد على حربها ومنازلتها لوزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن الخرباش الجشمي، فنازلها مدة، وامتنعت فأفرج عنها. وصرف السلطان همته إلى غزو تلمسان وحصارها. كما يذكر إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن انتزاء الوزير الوساطي بحصن تازوطا من جهات الريف واستنزال السلطان إياه) **

كان بنو الوزير هؤلاء رؤساء بني واطاس من قبل بني مرين، ويرون أن نسبهم دخيل في بني مرين. وأنهم من أعقاب علي بن يوسف بن تاشفين لحقوا بالبدو ونزلوا على بني واطاس، ورسخت فيهم عروقهم حتى لبسوا جلدتهم. ولم يزل السرو متربعا بين أعينهم لذلك، والرئاسة شامخة بأنوفهم. وكانوا يرومون الفتك بالأمراء من أولاد عبد الحق، فلم يطيقوه. ولما احتل السعيد بتازى غازيا إلى تلمسان كما ذكرناه، ولحق ببلدهم الأمير أبو يحيى بن عبد الحق ائتمروا في الفتك به. ونذر بشأنهم فارتحل، ففروا إلى غبولة وعين الصفا من بلاد بني يزناسن، وهنالك بلغه خبر مهلك السعيد.

وكانت بلاد الريف لبني واطاس من لدن دخول بني مرين المغرب واقتسامهم لأعماله فكانت ضواحيها لنزلهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم. وكان حصن تازوطا بها من أمنع المعاقل بالمغرب وكان الملوك من أولاد عبد الحق يعتنون بشأنه، وينزلونه من أوليائهم من يثقون بغنائه واطلاعه، ليكون آخذا بناصية هؤلاء الرهط. وشجا في صدورهم عما يسيمون إليه. وكان السلطان قد عقد عليه لمنصور ابن أخيه الأمير أبي مالك بعد مهلك ابنه أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق. وكان عمر بن يحيى ابن الوزير وأخوه

عامر رئيسين على بني واطاس لذلك العهد، فاستوهنوا أمر السلطان بعد مهلك أبيه، وحدثوا أنفسهم بالانتزاء بتازوطا والاستبداد بتلك الناحية، فوثب عمر منهم بمنصور ابن أخي السلطان شهر شوال من سنة إحدى وتسعين وستمائة وفتك برجاله وذويه وأزعجه عنها، وغلبه على مال الجباية الذي كان بقصره، فاستصفاه واستأثر به.

واستبد وشحن الحصن برجاله وحاشيته ووجوه قومه. ووصل منصور إلى السلطان وهلك لليال من منجاته أسفا لما أصابه. وسرح السلطان وزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن خرباش بالعساكر لمنازلته فأناخ عليه. ثم نهض السلطان على أثره ووافاه واضطرب معسكره بساحته. وخالف عامر أخاه عمر إلى السلطان بقومه حذرا من مغبة الأمر، وأشفق عمر لشدة الحصار ويئس من الخلاص، وظن أن قد أحيط به ودس إلى أخيه عامر، فاستأذن السلطان في مداخلته في الدخول على الحصن فأذن له. واحتمل ذخيرته وفر إلى تلمسان. وبدا لعامر في رأيه عند ما خلص إلى الحصن وخلاله من أخيه عمر الجو. وحذر غائلة السلطان وخشي أن يثأر منه بابن أخيه، فامتنع بالحصن. ثم ندم وسقط في يده، وفي خلال ذلك كان وصول وفد الأندلس، وأرسوا أساطيلهم بمرسى غساسة، فبعث إليهم عامر أن يشفعوا له عند السلطان لوجاهتهم لديه، فتقبلت شفاعتهم على شريطة إجازته إلى الأندلس، وكره ذلك وقدم بين يديه بعض حاشيته إلى الأسطول مكرا بهم، وخاض الليل إلى تلمسان، وتقبض السلطان على ولده وقتل. وأسلم أهل الاسطول من كان من حاشيته لديهم، وتجافوا عن إجازتهم على السلطان لما مكر بهم عامر فامر فاستلحموا مع من كان بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذرياتهم [1] وتملك السلطان حصن تازوطا وأنزل به عماله، ومسلحته وقفل إلى حضرته بفاس آخر جمادى من سنة اثنتين وتسعين وستمائة والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن نزوع أبي عامر ابن السلطان الى بلاد الريف وجهات غمارة) **

كان الأمير أبو عامر بعد إجازة ابن الأحمر إلى السلطان أبيه ورضاه عنه، وتأكيد

مؤاخاته وإغراء وزيره بمنازلة طريف، واستنزاله أولاد الوزير المنتزين بحصن تازوطا رجع من قصر مصمودة إلى بلاد الريف بإيعاز أبيه إليه بذلك لتسكين أحوالها. وكان أولاد الأمير أبي يحيى بن عبد الحق قد نزعوا إلى تلمسان لسعاية فيهم، وقرت في صدر السلطان، فأقاموا بها أياما، ثم استعطفوا السلطان واسترضوه، فرضي وأذن لهم في الرجوع في محلهم من قومهم ودولتهم. وبلغ الخبر الأمير أبا عامر وهو بمعسكره من الريف، فأجمع على اغتيالهم في طريقهم فظن أنه يرضي بذلك أباه.

واعترضهم بوادي القطف من ملوية سنة خمس وتسعين وستمائة فاستلحمهم وانتهى الخبر إلى السلطان فقام في ركائبه وقعد، وتبرأ إلى ابنه [1] من إخفار ذمته. ومن صنيع ابنه. وسخطه وأقصاه، فذهب مغاضبا ولحق ببلاد الريف. ثم صعد إلى جبل غمارة، فلم يزل طريدا بينهم. ونازلته عساكر أبيه لنظر ميمون بن وردار [2] الجشمي، ثم لنظر يرزيكن بن المولاة تاميمونت. وأوقع بهم مرارا آخرها بيرزيكن سنة سبع وتسعين وستمائة، وذكر الربجي [3] مؤرخ دولتهم أن خروجه بجبل غمارة كان سنة أربع وتسعين وستمائة وقتله لأولاد الأمير أبي يحيى كان سنة خمس وتسعين وستمائة بعدها أغزاهم [4] من مثوى انتزائه، وقتلهم كما ذكرناه والله أعلم. ولم يزل هذا دأبه إلى أن هلك ببني سعيد من جبال غمارة سنة ثمان وتسعين وستمائة ونقل شلوه إلى فاس فووري بباب الفتوح ملحد قومهم هنالك. وأعقب ولدين نقلهما السلطان جدهما، فكانا الخليفتين من بعده ملي ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.

** (الخبر عن حصار تلمسان الكبير وما تخلل ذلك من الاحداث) **

كان عثمان بن يغمراسن بعد إفراج السلطان سنة تسع وثمانين وستمائة وانتقاض الطاغية

وابن الأحمر عليه كما قلناه، صرف إلى ولايتهما وجه تدبيره وأوفد على الطاغية ابن بريدي من صنائع دولته سنة اثنتين وتسعين وستمائة ووجهه الطاغية مع الريك ريكسن رسول من كبار قومه. ثم عاد إليه الحاج مسعود من حاشيته، ووصل يده بيده يظن ذلك دافعا عنه. واعتدها السلطان عليه وطوى له على النث. حتى إذا فرغ من شأن الأندلس وهلك الطاغية شانجة سنة ثلاث وتسعين وستمائة لإحدى عشرة من سني ملكه، وارتحل السلطان إلى طنجة لمشارفة أحوال الأندلس سنة أربع وتسعين وستمائة فأجاز إليه السلطان ابن الأحمر ولقيه بطنجة، وأحكم معه المؤاخاة. ولما استيقن سكون أحوالها، نزل لابن الأحمر عن جميع الثغور التي بها الطاغية، وأجمع غزو تلمسان، ولحق به بين يدي ذلك ثابت بن منديل المغراوي صريخا على ابن يغمراسن ومستجيشا بقومه فتقبله وأجاره.

وكان أصاب الناس أعوام اثنتين وتسعين وستمائة قحط، ونالتهم سنة وهنوا لها. ثم أن الله رحم خلقه وأدر نعمته، وأعاد الناس إلى ما عهدوه من سبوغ نعمهم وخصب عيشهم. ووفد عليه سنة أربع وتسعين وستمائة ثابت بن منديل أمير مغراوة مستصرخا به من عثمان بن يغمراسن، فبعث من كبار قومه موسى بن أبي حمو إلى تلمسان شغيعا في ثابت بن منديل فرده عثمان أقبح رد وأساء في إجابته، فعاود الرسالة إليهم في شأنه، فلم يزدهم إلا إصرارا [1] فاعتزم على غزو بلادهم واستعد لذلك، ونهض سنة أربع وتسعين وستمائة حتى انتهى إلى بلاد تاوريرت، وكانت تخما لعمل بني مرين وبني عبد الواد في جانبها عامل السلطان أبي يعقوب، وفي جانبها الآخر عامل عثمان بن يغمراسن. فطرد السلطان عامل ابن يغمراسن وتميز بها، واختط الحصن الذي هنالك لهذا العهد. تولاه بنفسه يغادي الفعلة ويراوحهم، وأكمل بناءه في شهر رمضان من سنته. واتخذه ثغرا لملكه، وأنزل بني عسكر لحياطته وسد فروجه.

وعقد عليهم لأخيه أبي يحيى بن يعقوب، وانكفأ راجعا إلى الحضرة.

ثم خرج من فاس سنة خمس وتسعين وستمائة غازيا إلى تلمسان، ومر بوجدة، فهدم أسوارها وتغلب على مسيفة والزغاوة [2] . وانتهى إلى ندرومة، ونازلها أربعين يوما ورماها بالمنجنيق. وضيق عليها وامتنعت عليه فأفرج عنها ثاني الفطر. ثم أغزى

تلمسان سنة ست وتسعين وستمائة وبرز لمدافعته عثمان بن يغمراسن، فهزمه وحجزه بتلمسان، ونزل بساحتها وقتل خلقا من أهلها، ونازلها أياما. ثم أقلع عنها وقفل إلى المغرب وقضى منسك الأضحى من سنته بتازى. فأعرس هنالك لحافدة أبي ثابت ابن منديل، كان أصهر فيها إلى جدها قبل مهلكه سنة ست وتسعين وستمائة قتيلا ببحيرة الزيتون من ظاهر فاس. قتله بعض بني ورتاجن في دم كان لهم في قومه، فثأر السلطان به من قاتله وأعرس بحافدته. وأوعز ببناء القصر بتازى، وقفل إلى فاس فاتح سنة سبع وتسعين وستمائة. ثم ارتحل إلى مكناسة وانكفأ إلى فاس. ثم نهض جمادى غازيا تلمسان ومر بوجدة فأوعز ببنائها وتحصين أسوارها، واتخذ بها قصبة ودارا لسكناه ومسجدا وأغزى إلى تلمسان، ونزل بساحتها، وأحاطت عساكره إحاطة الهالة بها، ونصب عليها القوس البعيدة النزع العظيمة الهيكل المسماة بقوس الزيار ازدلف إليه الصناع والمهندسون بعملها، وكانت توقر على أحد عشر بغلا. ثم لما امتنعت عليه تلمسان أفرج عنها فاتح سنة ثمان وتسعين وستمائة ومر بوجدة، فأنزل بها الكتائب من بني عسكر لنظر أخيه أبي يحيى بن يعقوب كما كانوا بتاوريرت، وأوعز إليهم بترديد الغزاة على أعمال ابن يغمراسن وإفساد سابلتها. وضاقت أحوالهم ويئسوا من صريخ صاحبهم، فأوفدوا على الأمير أبي يحيى وفدا منهم يسألون الأمان بمن وراءهم من قومهم، على أن يمكنوه من قياد بلدهم، ويدينوا بطاعة السلطان، فبذل لهم من ذلك ما أرضاهم، ودخل البلد بعساكره، واتبعهم أهل تاوونت وأوفد مشيختهم جميعا على السلطان آخر جمادى، فقدموا عليه لحضرته وأدوا طاعتهم، فقبلها. ورغبوا إليه في الحركة إلى بلادهم ليريحهم من ملكة عدوه وعدوهم ابن يغمراسن، ووصفوا من عسفه وجوره وضعفه عن الحماية، ما استنهض السلطان لذلك على ما يذكر إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

** (الخبر عن الحصار الكبير لتلمسان وما تخلل ذلك من الأحداث) **

لما توفرت عزائم السلطان عن النهوض إلى تلمسان، ومطاولة حصارها إلى أن يظفر بها وبقومها، واستيقن أنه لا مدافع له عن ذلك، نهض من فاس شهر رجب من سنة

ثمان وتسعين وستمائة بعد أن استكمل حشده. ونادى في قومه، واعترض عساكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم. وارتجل في التعبية واحتل بساحة تلمسان ثاني شعبان وأناخ عليها وضرب معسكره بفنائها. وحجز عثمان بن يغمراسن وحاميتها من قومه، وأدار الأسوار سياجا على عمرانها كله، ومن ورائها نطاق الحفير البعيد المهوى.

ورتب المسالح على أبوابها وفرجها، وسرح عساكره لمحاصرتها فاقتحموها [1] وآتوا طاعتهم، وأوفد مشيختهم وسط شعبان. ثم سرح عساكره لمحاصرة وهران وتقرى البسائط ومنازلة الأمصار، فأخذت مازونة في جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين وستمائة وتنس في شعبان بعده، وتالموت [2] والقصبات وتامزردكت في رمضان منه، وفيه كان فتح مدينة وهران. وسارت عساكره في الجهات إلى أن بلغت بجاية كما نذكره. وأخذ الرعب بقلوب الأمم بالنواحي، وتغلب على ضواحي مغراوة وتوجين، وسارت فيها عساكره ودوختها كتائبه، واقتحمت أمصارها مثل مليانة ومستغانم وشرشال والبطحاء ووانشريش والمرية [3] وتافركينت، وأطاعه زيري المنتزي ببرشك. وأتى بيعته، وابن علان المنتزي بالجزائر. وأزعج الناكثين منهم عن طاعته، واستألف أهل الطاعة [4] كما نذكره. وحذره الموحدون من ورائهم بإفريقية ملوك بجاية وملوك تونس، فمدوا إليه يد المواصلة ولاطفوه بالمتاحفة والمهاداة كما نذكره، وخاطب صاحب الديار المصرية ملك الترك وهاداه وراجعه كما نذكره، ووفد عليه شرفاء مكة بني أبي نمى كما نذكر. وهو في خلال ذلك مستجمع للمطاولة بالحصار والتضييق، متجاف عن القتال إلا في بعض الأيام، ولم تبلغ أربعة أو خمسة ينزل شديد العقاب والسطوة بمن يميرها ويأخذ بالمرصاد على من يتسلل بالأقوات اليها. قد جعل سرداق الأسوار المحيطة ملاكا لأمره في ذلك، فلا يخلص إليهم الطيف ولا يكاد يصل إليهم العيث مدة مقامه عليها، إلى أن هلك بعد مائة شهر كما نذكره. واختط بمكان فسطاط المعسكر قصرا لسكناه، واتخذ به مسجدا لمصلاه وأدار عليها السور، وأمر الناس بالبناء فبنوا الدور الواسعة والمنازل الرحيبة

والقصور الأنيقة، واتخذوا البساتين وأجروا المياه. ثم أمر بإدارة السور سياجا على ذلك سنة اثنتين وسبعمائة، وصيرها مصرا، فكانت من أعظم الأمصار والمدن وأحفلها اتساع خطة وكثرة عمران ونفاق أسواق، واحتفال بناء وتشييد منعة. وأمر باتخاذ الحمامات والمارستان، وابتنى مسجدا جامعا، وشيد له مئذنة رفيعة، فكان من أحفل مساجد الأمصار وأعظمها، وسماها المنصورة، واستبحر عمرانها ونفقت أسواقها [1] ، ورحل إليها التجار بالبضائع من الآفاق فكانت إحدى مدائن المغرب.

وخربها آل يغمراسن عند مهلكه، وارتحال كتائبه عنها، بعد أن كان بنو عبد الواد أشرفوا على الهلاك، وأذنوا بالانقراض كما نذكره، فتداركهم من لطف الله ما شأنه أن يتدارك المتورطين في المهالك، والله غالب على أمره.

** (الخبر عن افتتاح بلاد مغراوة وما تخلل ذلك من الأحداث) **

لما أناخ السلطان على تلمسان وتغلب على ضواحي بني عبد الواد، وافتتح أمصارهم، سما إلى التغلب على ممالك مغراوة وبني توجين. وكان ثابت بن منديل قد وفد على السلطان بمقر ملكه من فاس سنة أربع وتسعين وستمائة وأصهر إليه في حافدته، فعقد له عليها. وهلك ثابت بمكان وفادته من دولتهم، وأعرس السلطان بحافدته سنة ست وتسعين وستمائة كما ذكرنا ذلك من قبل، فلما تغلب السلطان على مال بني عبد الواد جهز عساكره إلى بلاد مغراوة، وعقد عليها لعلي بن محمد من عظماء بني ورتاجن، فتغلبوا على الضواحي وشردوا مغراوة إلى رءوس المعاقل.

واعتصم راشد بن محمد بن ثابت بن منديل صهر السلطان بمليانة فنازلوه بها. ثم استنزلوه على الأمان تسع وتسعين وستمائة فأوفدوه على السلطان، فلقاه مبرة وتكرمة، وخلطه بجملته (لمكان) صهره معه. ثم افتتحوا مدينة تدلس [2] ومازونة وشرشال.

وأعطى زيري بن حماد المنتزي على برشك من بلادهم يد الطاعة. وأوفد على السلطان للبيعة، واستولوا على ضواحي شلف كلها. ولاذت مغراوة بطاعة السلطان.

وعقد عليهم وعلى جميع بلادهم لعمر بن ويفرن بن منديل فآسف ذلك راشد بن محمد لما كان يراه لنفسه من الاختصاص. ولما كانت أخته حظية السلطان وكريمته، ونافس عمر بن ويفرن في إمارة قومه، فلحق بجبال متيجة، وأجلب على من هنالك من عمال السلطان وعساكره وانحاش إليه مرضى القلوب من قومه، فاعصوصبوا عليه. وداخلوا أهل مازونة فانتقضوا على السلطان وملكوه أمرهم في ربيع من المائة السابعة. ثم بيت عمر بن ويفرن بمعسكره من أزمور، فقتله واستباح المعسكر. وبلغ الخبر إلى السلطان، فسرح العساكر من بني مرين وعقد لعلي بن الحسن بن أبي الطلاق على قومه من بني عسكر، ولعلي بن محمد الخيري على قومه من بني ورتاجن، وجعل الأمر شورى بينهما، وأشرك معهما عليها الحساني من صنائع دولته، وأبا بكر بن إبراهيم بن عبد القوي من أعياص بني توجين. وعقد على مغراوة محمد بن عمر بن منديل، وأشركه معهم، وزحفوا إلى راشد. ولما أحس بالعساكر لجأ إلى معقل بني بو سعيد فيمن معه من شيعة مغراوة. وأنزل بمازونة عليا وحمو ابني عمه يحيى بن ثابت، واستوصاهم بضبط البلد، وأنه مشرف عليهم من الجبل.

وجاءت عساكر السلطان إلى بلاد مغراوة فتغلبوا على البسائط وأناخوا بمازونة، وضربوا معسكرهم بساحتها، وأخذوا بمخنقها، واهتبل علي وقومه غرة في معسكر بني مرين فبيتهم سنة إحدى وسبعمائة. وانفض المعسكر وتقبض على علي بن محمد الخيري، ثم امتنعوا عليه وعاد المعسكر إلى مكانهم من حصارهم، وجهدهم حالهم فنزل إليهم حمو بن يحيى على حكم السلطان. وأنفذوه إليه فتقبض عليه. ثم نزل علي ثانية من غير عهد، فأشخصوه إلى السلطان فلقاه مبرة وتكريما، تأنيسا الراشد المنتزي بمعقله.

واقتحمت على أهلها عنوة سنة ثلاث وسبعمائة فمات منهم عالم واحتملت رءوسهم إلى سدة السلطان، رءوسهم إلى سدة السلطان، فرميت في حفائر البلد المحصور إرهابا لهم وتخذيلا، ولما عقد السلطان لأخيه أبي يحيى على بلاد الشرق وسرحه لتدويخ التخوم، نازل راشد بمعقله من بني بو سعيد، فبيت راشد معسكرهم إحدى لياليه، فانفضوا وقتل طائفة من بني مرين. ووجد السلطان لها فأمر بقتل علي وحمو ابني عمه يحيى، ومن كان معتقلا معهما من قومهما. ورفعوا على الجذوع وأثبتوهم بالسهام، ونزل راشد بعدها عن معقلة ولحق بمتيجة، وانحاش إليه منيف بن ثابت، وأوشاب من مغراوة وتحيز الآخرون إلى أميرهم محمد بن عمر بن منديل الذي عقد له السلطان

عليهم. ثم تأشبت على راشد ومنيف خوارج الثعالبة ومليكش، وصمد إليهم الأمير ابو يحيى في عساكره ثانية، ونازلهم بمعاقلهم ورغبوا في السلم، فبذله السلطان لهم، وأجاز منيف بن ثابت إلى الأندلس فيمن إليه من بنيه وعشيرة، فاستقروا بها آخر الأيام. ولحق راشد ببلاد الموحدين ووفد محمد بن منديل سنة خمس وسبعمائة على السلطان، فأوسعه حبا وتكريما. وتمهدت بلاد مغراوة واستبد بملكها السلطان، وصرف إليها العمال، ولم يزل كذلك إلى أن هلك سنة ست وسبعمائة والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن افتتاح بلاد توجين وما تخلل ذلك) **

لما نازل يوسف بن يعقوب تلمسان وأحاط بها، وتغلب على بني عبد الواد، وسما إلى تملك بلاد توجين. وكان عثمان بن يغمراسن قد غلبهم على مواطنهم، وملك جبل وانشريش وتصرف في بني عبد القوي بالولاية والعزل وأخذ الإتاوة سنة إحدى وسبعمائة، وأوعز إليه السلطان ببناء البطحاء التي هدمها محمد بن عبد القوي، فبناها وتوغل في قاصية المشرق، ثم انكفأ راجعا إلى حضرة أخيه وعطف على بلاد بني توجين سنة اثنتين وسبعمائة وفر بنو عبد القوي إلى ضواحيهم بالقفر، ودخل إلى جبل وانشريش وهدم حصونهم به، ورجع إلى الحضرة. ثم بادر أهل تافركينت سنة ثلاث وسبعمائة بإيتاء طاعتهم [1] . وانتقضوا طاعتهم بعدها. ثم بعث أهل المرية بطاعتهم السلطان، فتقبلها وأوعز ببناء قصبتها. وراجع بنو عبد القوي بعد ذلك بصائرهم فدخلوا في طاعة السلطان، ووفدوا عليه بمكانه من المنصورة مدينته المحيطة على تلمسان سنة ثلاث وسبعمائة فتقبل طاعتهم ورعى سابقتهم، وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم، وولى عليهم علي بن الناصر بن عبد القوي، وأوعز ببناء قصبة المرية سنة أربع وكملت سنة خمس وسبعمائة وهلك علي بن الناصر خلال ذلك، فعقد عليهم لمحمد بن عطية الأصم كما ذكرناه. فاستمر على الطاعة، ثم انتقض سنة ست وسبعمائة وحمل قومه على الخلاف، وانتبذوا عن الوطن إلى أن هلك يوسف بن يعقوب كما نذكره إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن مراسلة الموحدين ملوك افريقية بتونس وبجاية لزناتة وأحوالهم معهم) **

كان لبني أبي حفص ملوك إفريقية مع زناتة هؤلاء أهل المغرب من بني مرين وبني عبد الواد سوابق مذكورة، فكان لهم على يغمراسن وبنيه طاعة معروفة يؤدون بيعتها ويخطبون على منابرهم بدعوتها مذ تغلب الأمير أبي زكريا بن عبد الواحد على تلمسان. وعقده عليها ليغمراسن، واستمر حالهم على ذلك. وكانت لهم أيضا مع بني مرين ولاية وسابقة بما كان بنو مرين مذ أول أمرهم يخاطبون الأمير أبا زكريا، ويبعثون له بيعة البلاد التي يتغلبون عليها، مثل مكناسة والقصر ومراكش آخرا. ثم صارت مخالصته من لدن عهد المستنصر ويعقوب بن عبد الحق. وكانوا يتحفونهم بالمال والهدايا في سبيل المدد على صاحب مراكش، وقد ذكرنا السفارة التي وقعت بينهما سنة خمس وستين وستمائة وأن يعقوب أوفد عامر بن إدريس وعبد الله بن كندوز ومحمد الكناني، وأوفد عليه المستنصر سنة سبع وستين وستمائة بعدها كبير الموحدين يحيى بن صالح الهنتاتي في وفد من مشيخة الموحدين، ومعهم هدية سنية. ثم أوفد الواثق ابنه سنة تسع وسبعين قاضي بجاية المذكور أبا العباس أحمد الغماري، وأسنى الهدية معه. ولم يزل الشأن بينهم هذا إلى أن افترق أمر آل أبي حفص. وطار الأمير أبو زكريا بابن الأمير أبي إسحاق بن يحيى بن عبد الواحد من عشه بتلمسان في وكر عثمان بن يغمراسن، وأسف إلى بجاية فاستولى عليها سنة ثلاث وثمانين وستمائة، واستضاف إليها قسنطينة وبونة، وصيرهما عملا لملكه، ونصب لهما كرسيا لأمره، وأسف عثمان بن يغمراسن لفراره من بلده لما كان عليه من التمسك بدعوة عمه أبي حفص صاحب تونس، فشق ذلك عليه ونكره، واستمرت الحال على ذلك. ولما نزل السلطان يوسف بن يعقوب بمخنق تلمسان وأرسى قواعد ملكه بساحتها، وسرح عساكره لالتهام الأمصار والجهات، وتوجس الموحدون الخيفة منه على أوطانهم.

وكان الأمير أبو زكريا في جهات تدلس محاميا عن حوزته وعمله. ووصله هنالك راشد بن محمد نازعا عن السلطان أبي يعقوب. ثم طلعت العساكر على تلك الجهات في اتباعه، فزحف إليه عسكر الموحدين سنة تسع وتسعين وستمائة بناحية

جبل الزاب، ففضوا جمعه وأوقعوا به واستلحموا جنوده، واستمر القتل فيهم، وبقيت عظامهم ماثلة بمصارعهم سنين.

ورجع الأمير أبو زكريا إلى بجاية فانحصر بها وهلك على تفيئة ذلك على رأس المائة السابعة. وقارن ذلك مغاضبة بينه وبين أمير الزواودة لعهده عثمان بن سباع بن يحيى ابن دريد بن مسعود البلط، فوفد على السلطان أخريات إحدى وسبعمائة، ورغبه في ملك بجاية. واستمده للسير إليها، فأوعز إلى أخيه الأمير أبي يحيى بمكانه من منازلة مغراوة ومليكش والثعالبة، بأن ينهض إلى أعمال الموحدين. وسار عثمان بن سباع وقومه بين يدي العساكر يتقصون الطريق إلى أن تجاوز الأمير أبو يحيى بعساكره بجاية، واحتل بتاكرارت من أوطان سدويكش من أعمال بجاية. وأطل على بلاد سدويكش وانكفأ راجعا، فأوطأ عساكره ساحة بجاية وبها الأمير خالد بن يحيى، وناشبهم القتال بعض أيام، جلا فيها أولياء السلطان أبي البقاء عن أنفسهم وسلطانهم. وأمر بروض السلطان المسمى بالبديع فخربه، وكان من آنق الرياض وأحفلها. وقفل إلى مكانه من تدويخ البلاد، وأعرض عن أعمال الموحدين. وكان صاحب تونس لذلك العهد محمد بن المستنصر الملقب بأبي عصيدة بن يحيى الواثق، فأوفد على السلطان شيخ الموحدين بدولته محمد بن أكمازير عاقدا أسباب الولاية، ومحكما مذاهب الوصلة، ومقررا سوابق السلف. فوفد في مشيخة من قومه لشعبان سنة ثلاث وسبعمائة. وناغاه الأمير أبو البقاء خالد صاحب بجاية، وأوفد مشيخة من أهل دولته كذلك. وبر السلطان وفادتهم وأحسن منقلبهم.

ثم عاد ابن أكمازير سنة أربع وسبعمائة، ومعه شيخ الموحدين وصاحب السلطان أبو عبد الله بن يزريكن في وفد من عظماء الموحدين، وأوفد صاحب بجابة حاجبه أبا محمد الرخامي، وشيخ الموحدين بدولته عياد بن سعيد بن عثيمن. ووفدوا جميعا على السلطان ثالث جمادى، فأحسن السلطان في تكرمتهم ما شاء، ووصلهم إلى نفسه بمساكن داره وأراهم أريكة [1] ملكه وأطافهم قصوره ورياضه بعد أن فرشت ونمقت، فملأ قلوبهم جلالا وعظمة، ثم بعثهم إلى المغرب ليطوفوا على قصور الملك بفاس ومراكش، ويشاهدوا آثار سلفهم، وأوعز إلى عمال المغرب بالاستبلاغ في

تكرمتهم واتحافهم، فانتهوا من ذلك إلى الغاية، وانقلبوا إلى حضرته آخر جمادى، وانصرفوا إلى ملكهم [1] بالحديث عن شأن رسالتهم وكرامة وفدهم.

ثم أعاد ملوكهم مراسلة السلطان سنة خمس وسبعمائة بعدها، فوفد أبو عبد الله بن أكمازير من تونس وعياد بن سعيد من بجاية. وأوفد السلطان على صاحب تونس مع رسوله صاحب الفتيا بحضرته الفقيه أبا الحسن التونسي [2] وعلي بن يحيى البركشي رسولين يسألان المدد بأسطوله، فقضوا رسالتهم وانقلبوا سنة خمس وسبعمائة. ووصل بخبرها أبو عبد الله المزدوري من مشيخة الموحدين، واقترن بذلك وصول حسون بن محمد بن حسون المكناسي من صنائع السلطان، كما أوفده مع ابن عثيمن على مراسلة الأمير أبي البقاء خالد صاحب بجاية في طلب الأسطول أيضا، فرجعوه بالمعاذير.

وأوفدوا معه عبد الله بن عبد الحق بن سليمان فتلقاهم السلطان بالمبرة، وأوعز إلى عامله بوهران أن يستبلغ في تكريم عمرة الأسطول، فجرى في ذلك على مذهبه وانقلبوا جميعا أحسن منقلب. وغنى السلطان عن أسطولهم لفوات وقت الحاجة إليه من منازلة بلاد السواحل إذ كان قد تملكها أيام مما طلتهم ببيعته. واتصل الخبر بصاحب تلمسان الأمير أبي زيان بن عثمان المبايع أيام الحصار عند مهلك أبيه عثمان بن يغمراسن آخر سنة ثلاث وسبعمائة فبلغه صنيع الموحدين في موالاة عدوه السلطان يوسف بن يعقوب ومظاهرته بأساطيلهم عليه، فأسفهم ذلك وأخرسوا منابرهم عما كانت تنطق به من الدعاء من عهد يغمراسن، فلم يراجعوا دعوتهم من بعد، وهلك السلطان على نفيئة ذلك، والبقاء لله وحده.

** الخبر عن مراسلة ملوك المشرق الأقصى ومهاداتهم ووقادة أمراء الترك على السلطان وما تخلل ذلك **

لما استولى السلطان على المغرب الأوسط بممالكه وأعماله، وهنأته ملوك الأقطار وأعراب الضواحي والقفار، وصلحت السابلة ومشت الرفاق إلى الآفاق، واستجد أهل المغرب عزما في قضاء فرضهم، ورغبوا من السلطان إذنه لركب الحاج في السفر إلى

مكة، فقد كان عهدهم بمثلها الفساد السابلة واستهجان الدول. فبينما السلطان في ذلك آمل إذ داخله لحرم الله وروضة نبيه صلى الله عليه وسلم شوق، فأمر بانتساخ مصحف رائق الصنعة، كتبه ونمقه أحمد بن الحسن الكاتب المحسن، واستوسع في جرمه وعمل غشاءه من بديع الصنعة، واستكثر فيه من معالق الذهب المنظم بخرزات الدر والياقوت، وجعلت منها حصاة وسط المعلق تفوق الحصيات مقدارا وشكلا وحسنا، واستكثر من الأصونة عليه ووقفه على الحرم الشريف، وبعث به مع الحاج سنة ثلاث وسبعمائة وعني بشأن هذا الركب، فسرح معهم حامية من زناتة تناهز خمسمائة من الأبطال، وقلد القضاء عليهم محمد بن رغبوش من أعلام أهل المغرب، وخاطب صاحب الديار المصرية واستوصاه بحاج المغرب من أهل مملكته، وأتحفه بهدية من طرف بلاده استكثر فيها من الخيل العراب والمطايا الفارهة، يقال إن المطايا كانت منها أربعمائة حدثني بذلك من لقيته إلى ما يناسب ذلك من طرف المغرب وما عونه. ونهج بها السبيل للحاج من أهل المغرب، فأجمعوا الحج سنة أربع سبعمائة بعدها وعقد السلطان على دلالتهم لأبي زيد الغفاري، وفصلوا من تلمسان لشهر ربيع الأول.

وفي شهر ربيع الآخر بعده كان مقدم الحاج الأولين حملة المصحف ووفد معهم على السلطان الشريف لبيدة بن أبي نمي نازعا عن سلطان الترك لما كان تقبض على أخويه حميضة ورميثة اثر مهلك أبيهم أبي نمي صاحب مكة سنة إحدى وسبعمائة، فاستبلغ السلطان في تكريمه وسرحه إلى المغرب ليجول في أقطاره، ويطوف على معالم الملك وقصوره، وأوعز إلى العمال بتكريمه واتحافه على شاكلته. ورجع إلى حضرة السلطان سنة خمس وسبعمائة وفصل منها إلى المشرق، وصحبه من أعلام المغرب أبو عبد الله موري [1] حاجا، ولشعبان من سنة خمس وسبعمائة وصل أبو زيد الغفاري دليل ركب الحاج الآخرين، ومعه بيعة الشرفاء أهل مكة للسلطان، لما اسفهم صاحب مصر بالتقبض على إخوانهم، وكان شأنهم ذلك متى غاظهم السلطان. فقد سبق في أخبار المستنصر بن أبي حفص مثلها، وأهدوا إلى السلطان ثوبا من كسوة البيت شغف به، واتخذ منه ثوبا للباسه في الجمع والأعياد يستبطنه بين ثيابه تبركا

به، ولما وصلت هدية السلطان إلى صاحب مصر لعهده الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي حسن موقعها لديه، وذهب إلى المكافأة، فجمع من طرف بلاده من الثياب والحيوان ما يستغرب جنسه وشكله، من نوع الفيل والزرافة، وأوفد بها من عظماء دولته الأمير اليليلي [1] وفصل من القاهرة أخريات سنة خمس وسبعمائة ووصلت إلى تونس في ربيع من سنة ست وسبعمائة بعدها. ثم كان وصولها إلى سدة السلطان بالمنصورة من البلد الجديد في جمادى الآخرة، واهتز السلطان لقدومها وأركب الناس إلى لقائها، واحتفل للقاء هذا الأمير اليليلي ومن معه من أمراء الترك، وبر وفادتهم، واستبلغ في تكريمهم نزلا وقرى، وبعثهم إلى المغرب على العادة في مبرة أمثالهم، وهلك السلطان خلال ذلك وتقبل أبو ثابت سنة من بعده في تكريمهم، فأحسن منقلبهم وملاء حقائبهم صلة، وفصلوا من المغرب لذي الحجة سنة سبع وسبعمائة ولما انتهوا إلى بلاد بني حسن في ربيع من سنة ثمان وسبعمائة اعترضهم الأعراب بالقفر فانتهبوهم وخلصوا إلى مصر بجريعة الزمن [2] . فلم يعاودوا بعدها إلى المغرب سفرا ولا لفتوا إليه وجها. وطالما أوفد عليهم ملوك المغرب بعدها من رجال دولتهم من يؤبه له، ويهادونهم ويكافئون ولا يزيدون في ذلك كله على الخطاب شيئا، وكان الناس لعهدهم ذلك يتهمون أن الذين نهبوهم أعراب حصين بدسيسة من صاحب تلمسان أبي حمو لعهدهم، منافسة لصاحب المغرب لما بينهم من العداوات والإحن القديمة.

(أخبرني) شيخنا محمد بن إبراهيم الأبلي قال: حضرت بين يدي السلطان وقد وصله بعض الحاج من أهل بلده مستصحبا كتاب الملك الناصر بالعتاب عن شأن هؤلاء الأمراء، وما أصابهم في طريقهم من بلاده، وأهدى له مع ذلك كوبين من دهن البلسان المختص ببلدهم، وخمسة مماليك من الترك رماة بخمسة أقواس من قسي الغز المؤنقة الصنعة من العرى والعقب، فاستقل السلطان هديته تلك بالنسبة إلى ما أهدوا إلى ملك المغرب، ثم استدعى القاضي محمد بن هدية، وكان يكتب عنه فقال له: اكتب الآن إلى الملك الناصر كما أقول لك، ولا تحرف كلمة عن موضعها إلا ما تقتضيه صناعة الإعراب، وقل له: أما عتابك عن شأن الرسل وما أصابهم

في طريقهم فقد حضروا عندي وأبنت لهم الاستعجال حذرا مما أصابهم، وأريتهم مخاوف بلادنا وما فيها من غوائل الأعراب، فكان جوابهم أنا جئنا من عند ملك المغرب فكيف نخاف مغترين بشأنهم يحسبون أن أمره نافذ في أعراب فلاتنا [1] . وأما الهدية فترد عليك، أما دهن البلسان فنحن قوم بادية لا نعرف إلا الزيت وحسبنا به دهنا. وأما المماليك الرماة فقد افتتحنا بهم إشبيلية وصرفناهم إليك لتستفتح بهم بغداد والسلام. قال لي شيخنا وكان الناس إذ ذاك لا يشكون أن انتهابهم كان باذن منه.

وكان هذا الكتاب دليلا على ما في نفسه. وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون.

** الخبر عن انتقاض ابن الأحمر واستيلاء الرئيس سعيد على سبتة وخروج عثمان بن العلاء في غمارة **

لما أحكم السلطان عقد المهادنة والولاية مع السلطان ابن الأحمر المعروف بالفقيه، عند إجازته إليه بطنجة سنة اثنتين وتسعين وستمائة كما ذكرناه، وفرغ لعدوه تمسك ابن الأحمر بولايته تلك إلى أن هلك سنة إحدى وسبعمائة في شهر شعبان منه. وقام بالأمر الأندلسي من بعده ابنه محمد المعروف بالمخلوع. واستبد عليه كاتبه أبو عبد الله بن الحكيم من مشايخ رندة، كان اصطفاه لكتابته أيام أبيه. فاضطلع بأموره وغلب عليه. وكان هذا السلطان المخلوع ضرير البصر ويقال إنه ابن الحكيم، فغلب عليه واستبد إلى أن قتلهما أخوه أبو الجيوش نصر سنة ثمان وسبعمائة كما نذكره، وكان من أول آرائه عند استيلائه على الأمر من بعد أبيه المبادرة إلى إحكام ولاية السلطان، واتصال يده بيده، فأوفد إليه لحين ولايته وزير أبيه السلطان أبي عزيز الداني، ووزيره الكاتب أبا عبد الله بن الحكيم، فوصلا الى [2] السلطان بمعسكره من حصار تلمسان وتلقاهما بالقبول والمبرة، وجددت له أحكام الود والولاية، وانقلبا إلى مرسلهما خير منقلب. وتقدم السلطان إليهم في المدد برجل الأندلس وناشبتهم المعودين منازلة الحصون والمناغرة بالرباط، فتبادروا إلى إسعافه، وبعثوا حصتهم لحين مرجعهم إلى سلطانهم، فوصلت سنة اثنتين وسبعمائة. وكانت لهم نكاية في العدو وأثر

البلد المخروب. ثم بدا لمحمد بن الأحمر المخلوع في ولاية السلطان لمنافسات جرت إلى ذلك. وبعث إلى أدفونش هراندة بن شانجة، وأحكم له عقد السلم ولاطفة في الولاية، فانعقد ذلك بينهما سنة ثلاث وسبعمائة واتصل خبره بالسلطان فسخطه ورجع إليه حصتهم آخر سنة ثلاث وسبعمائة، واتصل خبره بالسلطان لسنة من مقدمهم بعد أن أبلوا وأثخنوا، وطوى لهم على النث واعتمل ابن الأحمر وشيعته في الاستعداد لمدافعة السلطان والارصاد لسطوته بهم. وأوعز إلى صاحب مالقة ابن عمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن محمد بن نصر، وليه من دون القرابة بما كان له من الصهر على أخته، والمضطلع له بثغر الغربية، فأوعز إليه بمداخلة أهل سبتة في خلع طاعة السلطان والقبض على ابن العزفي، والرجوع إلى ولاية ابن الأحمر. وكان أهل سبتة منذ هلك إبراهيم الفقيه أبو القاسم العزفي سنة سبع وسبعين وستمائة قام بأمرهم ولده أبو حاتم. وكان أبو طالب رديفا له في الأمر إلا أنه استبد عليه بصاغيته إلى الرئاسة، وإيثار أبي حاتم للخمول مع إيجابه حق أخيه الأكبر، واجابته الداعي من دون دفع [1] إليه فاستقام أمرهما مدة. وكان من سياستهما من أول أمرهما، الأخذ بدعوة السلطان فيما لنظرهما، والعمل بطاعته والتجافي عن السكني بقصور الملك والتحرج من أبهة السلطان لمكانهم، فأنزلوا بالقصبة عبد الله بن مخلص قائدا من البيوتات اصطنعوه وجعلوا إليه أحكام البلد، وضبط الحامية له فاضطلع بذلك سنين. ثم أسفه يحيى بن أبي طالب ببعض النزغات الرئاسية وحجر عليه الأحكام في ذويه. ثم أغرى به أباه وطالبه، بحساب الخرج لعطاء الحامية وغفلوا عما وراءها من التظنن فيه والريبة به ثقة بمكانه واستنامة إليه. وهم مع ذلك على أولهم في موالاة السلطان والأخذ بدعوته والوفود عليه في أوقاته. ولما فسدت ولاية ابن الأحمر للسلطان وعقد على محاولة سبتة وجد السبيل إلى ذلك بما طوى صاحب الأحكام بالقصبة على النث، فداخله الرئيس أبو سعيد صاحب الثغر بمالقة جاره بسبتة، ووعده الغدر ببني العزفي وأن يصحبهم في أساطيله، فشرع الرئيس أبو سعيد في إنشاء الأساطيل البحرية، واستنفار الناس للمثاغرة، وأن العدو لمالقة بالمرصاد، وشحنها بالفرسان والرجل والناشبة والأقوات، وأخفى وجه قصده عن الناس، حتى إذا

افلعت أساطيله بيت سبتة لسبع وعشرين من شوال سنة خمس وسبعمائة وأرسى بساحتها الموعد صاحب القصبة، فأدخله إلى حصنه فملكه، ونشر راياته بأسوارها، وسرب جيوشه إلى البلد فتسايلوا وركب إلى دور بني العزفي فتقبض عليهم، وعلى والدهم وحاشيتهم. وطير الخبر إلى السلطان بغرناطة، فوصل الوزير أبو عبد الله بن الحكيم، ونادى في الناس بالأمان، وبسط المعدلة، وأركب ابن العزفي السفن إلى مالقة. ثم أجازوا غرناطة وقدموا على ابن الأحمر، فأجل قدومهم وأركب الناس إلى لقائهم، وجلس لهم جلوسا فخما حتى أدوا بيعتهم وقضوا وفادتهم، وأنزلوا بالقصور وأجريت عليهم سنية الأرزاق. واستقروا بالأندلس إلى أن صاروا بعد إلى المغرب كما نذكر واستبد الرئيس أبو سعيد بأمر سبتة وثقف أطرافها وسد ثغورها، وأقام دعوة ابن عمه صاحب الأندلس بأنحائها. وكان عثمان بن أبي العلاء بن عبد الله بن عبد الحق من أعياص الملك المريني أجاز معه البحر إليها أميرا على الغزاة بمالقة، وقائدا لعصبتهم تحت لوائه. فموه بنصبه للملك بالمغرب. وخاطب قبائل غمارة في ذلك، فوقفوا بين الإقدام والإحجام واتصل ذلك كله بالسلطان وهو بمعسكره من حصار تلمسان، فاستشاط لها غيظا وحمي أنفه نفرة، واستنفره الصريخ، فبعث ابنه الأمير أبا سالم لسد تلك الفرجة، وجمع إليه العساكر وتقدم إليه باحتشاد قبائل الريف وبلاد تازى، فأغذ السير إليها وأحاطت عساكره بها، فحاصرها مدة. ثم بيته عثمان بن أبي العلاء فاختل معسكره، وأفرج عنها منهزما، فسخطه السلطان وذوى عنه وجه رضاه، وسار عثمان بن أبي العلاء في نواحي سبتة، وبلاد غمارة، وتغلب على تكيساس، وانتهى إلى قصر ابن عبد الكريم في آخر سنة ست وسبعمائة لسنة من استيلائهم على سبتة، مقيما رسم السلطان مناديا بالدعاء لنفسه، فاعتزم السلطان على النهوض إليه من أمر تلمسان، لما كانت على شفا هلكة ومحا بينة انفضاض، لولا عوائق الأقدار بمهلكه، كما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن انتقاض بني كمي من بني عبد الواد وخروجهم بأرض السوس) **

كان هؤلاء الرهط من بني عبد الواد من بطون بني علي من شعب أبي القاسم،

وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كندوز بن [1] بن كمي ولما استقل زيان برياسة أولاد علي بن ثابت بن محمد من أولاد طاع الله، ونفس عليه كنذوز هذا ما آتاه الله من الرئاسة، وجاذبه حبلها، واحتقر زيان شأنه فلم يحفل به. ثم تأشب عليه أخلاط من قومه وواضعه الحرب [2] . وهلك زيان بيد كندوز، وقام بأمر أولاد علي جابر بن يوسف بن محمد. ثم تناقلت الرئاسة فيهم إلى أن عادت لولد ثابت بن محمد، واستقل بها أبو عزة زكراز [3] بن زيان ولم تطل أيامه. والتحم بين أولاد كمي وبين أولاد طاع الله، وتناسوا الإحن، وصارت رياسة طاع الله لولد يغمراسن بن زيان، واستتبعوا قبائل عبد الواد كافة، واعتمل يغمراسن في الثأر بأبيه زيان من قاتله كندوز، فاغتاله ببيته، دعاه لمأدبة جميع لها بني أبيه، حتى إذا اطمأن المجلس تعاوروه بأسيافهم واحتزوا رأسه، وبعثوا به إلى أمهم، فنصبت عليه القدر ثالث أثافيها تشفيا منه وحفيظة. وطالب يغمراسن بقية بني كندوز ففروا أمام مطالبته، وأبعدوا المذهب ولحقوا بالأمير أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص، فأقاموا بسدته أحوالا، وكانوا يرجعون في رياستهم لعبد الله بن كندوز، ثم تذكروا عهد البداوة وحنوا إلى عشير زناتة، فراجعوا المغرب ولحقوا ببني مرين أقتالهم. ونزل عبد الله بن كندوز على يعقوب بن عبد الحق خير نزل، فلقاه من البر والترحيب بما ملأ صدره وأكد اغتباطه، وأقطعه بناحية مراكش الكفاية له ولقومه، وأنزلهم هنالك. وجعل انتجاع إبله وراحلته لحسان بن أبي سعيد الصبيحي وأخيه موسى من ذويهم وحاشيتهم، وألطف منزلة عبد الله ورفع مكانه بمجلسه، واكتفى به في كثير من أموره، وأوفده على المستنصر صاحب إفريقية سنة خمس وستين وستمائة مع عامر ابن أخيه إدريس كما قدمناه. واستقر بنو كندوز هؤلاء بالمغرب الأقصى، واستمرت الأيام على ذلك، وصاروا من جملة قبائل بني مرين وفي عدادهم.

وهلك عبد الله بن كندوز وصارت رياستهم لعمر ابنه من بعده.

ولما لفت السلطان يوسف بن يعقوب عزائمه إلى بني عبد الواد ونازل تلمسان، وطاول حصارها، واستطال بنو مرين وذووهم على بني عبد الواد، وأحسوا بهم أخذتهم

العزة بالإثم، وأدركتهم النعرة، فأجمع بنو كندوز هؤلاء الخلاف والخروج على السلطان ولحقوا بحاجة سنة ثلاث وسبعمائة. واحتفل الأمير بمراكش يعيش بن يعقوب لغزوهم سنة أربع وسبعمائة، فناجزوه الحرب بتادرت، واستمروا على خلافهم. ثم قاتلهم يعيش وعساكره ثانية بتامطريت سنة أربع وسبعمائة فهزمهم الهزيمة الكبرى التي قصت جناحهم وأوهت من رياستهم [1] . وقتل جماعة من بني عبد الواد بأزعار وتاكما [2] ، وأثخن يعيش بن يعقوب في بلاد السوس، وهدم تارودانت قاعدة أرضها وأم قراها، كان بها عبد الرحمن بن الحسن بن يدر من بقية الأمراء على السوس من قبل بني عبد المؤمن، وقد مر ذكرهم. وكانت بينه وبين عرب المعقل من الشبانات وبني حسان منذ انقرضت دولة الموحدين حرب سجال هلك في بعضها عمه علي بن يدر سنة ثمان وستين وستمائة وصارت إمارته بعد حين إلى عبد الرحمن هذا، ولم يزالوا في حربه إلى أن تملك السوس يعيش بن يعقوب، وهدم تارودانت قاعدة أرضها. ثم راجع عبد الرحمن أمره وبنى بلده تارودانت هذه سنة ست بعدها. ويزعم بنو يدر هؤلاء أنهم مستقرون بذلك القصر من لدن عهد الطوالع من العرب، وأنهم لم يزالوا أمراء به تعقد لهم ولايته كابرا عن كابر، ولقد أدركت على عهد السلطان أبي عنان وأخيه أبي سالم من بعده شيخا كبيرا من ولد عبد الرحمن، فحدثني بمثل ذلك، وأنهم من ولد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والله أعلم. ولم يزل بنو كندوز مشردين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان، وراجعوا طاعة الملوك من بني مرين من بعده وعفوا لهم عما سلف من هذه الجريمة، وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية، فأمحضوا النصيحة والمخالصة إلى هذا العهد كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن مهلك المشيخة من المصامدة بتلبيس أبي الملياني) **

قد ذكرنا شأن أبي علي الملياني وأوليته في أخبار مغراوة الثانية، وما كان من ثورته

بمليانة وانتزائه عليها. ثم إزعاج العسكر إياه منها ولحاقه بيعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين، وما أحله من مراتب التكرمة والمبرة. وأقطعه بلد أغمات طعمة، فاستقر بها، وما كان منه في العبث بأشلاء الموحدين ونبش أجداثهم، وموجدة السلطان والناس عليه لذلك. وأرصد له المصامدة الغوائل لما كان منه في ذلك، ولما هلك يعقوب بن عبد الحق استعمله يوسف بن يعقوب على جباية المصامدة، فلم يضطلع بها وسعى به مشيختهم عند السلطان أنه احتجز المال لنفسه، وحاسبوه فصدقوه السعاية، فاعتقله السلطان وأقصاه، وهلك سنة ست وثمانين وستمائة واصطنع السلطان أحمد ابن أخيه واستعمله في كتابته، وأقام على ذلك ببابه وفي جملته.

وكان السلطان سخط على مشيخة المصامدة علي بن محمد كبير هنتاتة، وعبد الكريم بن عيسى كبير كدميوة، وأوعز إلى ابنه الأمير علي بمراكش باعتقالهما، فاعتقلهما فيمن لهما من الولد والجاشية. وأحسن بذلك أحمد بن الملياني فاستعجل الثأر. وكانت العلامة السلطانية على الكتاب في الدولة لم تختص بكاتب واحد، بل كل منهم يضع العلامة بخطه على كتابه إذا أكمله، لما كانوا كلهم ثقاتا أمناء، وكانوا عند السلطان كأسنان المشط. فكتب أحمد بن الملياني إلى ابن السلطان الأمير بمراكش سنة سبع وتسعين وستمائة كتابا عن أمر أبيه، يأمره فيه بقتل مشيخة المصامدة ولا يمهلهم طرفة عين. ووضع عليها العلامة التي تنفذ بها الأوامر، وختم الكتاب. وبعث به مع البريد ونجا بنفسه إلى البلد الجديد. وعجب الناس بشأنه. ولما وصل الكتاب إلى ابن السلطان بمراكش أخرج أولئك الرهط المعتقلين من المصامدة إلى مصارعهم، وقتل علي بن محمد وولده، وعبد الكريم بن عيسى وولده عيسى، وعلي ومنصور وابن أخيه عبد العزيز. وطير الأمير وزيره إلى أبيه بالخبر فقتله لحينه حنقا عليه، وأنفذ البريد باعتقال ابنه، وجرد على ابن الملياني ففقد ولحق بتلمسان.

ونزل على آل زيان. ثم لحق من بعدها بالأندلس عند إفراج السلطان عنها في تلك السنة كما ذكرناه. وبها هلك. واقتصر السلطان من يومئذ في علامته على من يختاره من صنائعه ويثق بأمانته. وجعلها لذلك العهد لعبد الله بن أبي مدين خالصته المضطلع بأمور مملكته، فاختصت من بعده لهذا العهد، والله تعالى أعلم

** (الخبر عن رياسة اليهود بني رقاصة ومقتلهم) **

كان السلطان يعقوب [1] في صباه مؤثرا للذاته ومستترا بها عن أبيه يعقوب بن عبد الحق لمكانه من الدين والوقار. وكان يشرب الخمر ويعاقر بها الندمان. وكان خليفة بن رقاصة من اليهود المعاهدين بفاس قهرمانا لداره على عادة الأمراء في مثله من المعاهدين، فكان يزدلف إليه بوجوه الخدم ومذاهبها، فاستعمله هذا الأمير في اعتصارها والقيام على شئونها، فكانت له بذلك خلوة منه أوجبت له الحظ عنده، حتى إذا هلك يعقوب بن عبد الحق واستقل ابنه يوسف بأعباء ملكه، واتصلت خلواته في معاقرة الندمان، وانفرد ابن وقاصة بخلوته ذلك مع ما كان من القهرمة، عظمت رياسته وعلا كعبه في الدولة. وتلقى الخاصة الأوامر منه، فصار له الوجه بينهم وعظم قدره بعظم الدولة.

(أخبرني) شيخي الأبلي قال: وكان لخليفة هذا أخ يسمى إبراهيم، وابن عم يسمى خليفة، لقبوه بالصغيرة لمكانه هو من هذا الاسم. وكان له صهر يعرفون ببني السبتي، كبيرهم موسى، وكان رديفه في قهرمته، فلم يفق السلطان من نشوة صباه وملهاه حتى وجدهم على حال استتبعوا فيها العلية من القبيل والوزراء والشرفاء والعلماء. وأوجده السبيل عليهم، فسطا بهم سطوة واحدة واعتقلوا في شعبان من سنة إحدى وسبعمائة بمعسكره من حصار تلمسان. وقتل خليفة الكبير وأخوه إبراهيم وموسى بن السبتي وإخوته بعد أن امتحنوا ومثل بهم، وأتت النكبة على حاشيتهم وذويهم وأقاربهم، فلم تبق منهم باقية. واستبقى منهم خليفة الأصغر احتقارا لشأنه، حتى كان من قتله بعد ما نذكر، وعبث بسائرهم، وطهرت الدولة من رجسهم، وأزيل منها معرة رياستهم، والأمور بيد الله سبحانه.

** (الخبر عن مهلك السلطان أبي يعقوب) **

كان في جملة السلطان وحاشيته مولى من العبيد الخصيان من موالي ابن الملياني يسمى

سعادة، صار إلى السلطان من لدن استعماله إياه بمراكش، وكان على ثبج من الجهل والغباوة. بمكان، وكان السلطان يخلط الخصيان بأهله ويكشف لهم الحجاب عن ذوات محارمه، ولما كانت واقعة العز مولاه، واتهم بمداخلة بعض الحرم، وقتل بالظنة، واستراب السلطان بكثير من حاشيته الملابسين لداره، اعتقل جملة من الخصيان كان فيهم عنبر الكبير عريفهم. وحجب سائرهم فارتاعوا لذلك وسولت لهذا الخصي الخبيث نفسه الشيطانية الفتك بالسلطان، فعمد إليه وهو في بعض الحجر من قصره، وآذنه فأذن له فألفاه مستلقيا على فراشه مختضبا بالحناء، فوثب عليه وطعنه طعنات قطع بها أمعاءه وخرج هاربا. وانطلق بعض الأولياء في أثره، فأدرك من العشي بناحية تاسالة فتقبض عليه، وسيق إلى القصر فقتله العبيد والحاشية. وصابر السلطان ميتته إلى آخر النهار، ثم قضى رحمه الله يوم الأربعاء سابع ذي القعدة من سنة ست وسبعمائة وقبر هنالك. ثم نقل بعد ما سكنت الهيعة إلى مقبرتهم بشالة، فدفن بها مع سلفه والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن ولاية السلطان أبي ثابت) واستلحامه المرشحين وما تخلل ذلك من الاحداث **

كان الأمير أبو عامر ابن السلطان أبي يعقوب وولي عهده لما هلك طريدا ببلاد بني سعيد بغمارة والريف سنة ثمان وتسعين وستمائة كما ذكرنا، خلف ولديه عامرا وسليمان في كفالة السلطان جدهما، فكان لهما بعينه حلاوة وفي قلبه لوطة، لمكان حبه لأبيهما واغترابه عنه، فحدب عليهما وآثرهما من نفسه بمكان. وكان الأمير أبو ثابت عامر أصغر قومه، إقداما وشجاعة وجراءة، وكانت له في بني ورتاجن خؤلة. فلحين مهلك السلطان عرضوا له ودعوه للبيعة فبايعوه، وحضر لها الأمير أبو يحيى بن يعقوب عم أبيه، عز بمجتمعهم [1] اتفاقا، وحملوه على الطاعة، وكان أقرب للأمر منه لو حضره رجال، فأعطى القياد في المساعدة، وطوى على النث. وبادر الحاشية والوزراء بالبلد الجديد عند مهلك السلطان، فبايعوا ابنه الأمير أبا سالم. وكاد أمر بني

مرين أن يفترق وكلمتهم أن تفسد، فبعث الأمير أبو ثابت لحينه إلى تلمسان للأمير أبي زيان وأبي حمو ابني عثمان بن يغمراسن. وعقد لهما حلفا على الإفراج عنهم. ثم أمره أن يمده بالآلة ويرفعا له كسر البيت إن كان غير ما أمل. وحضر للعقد أبو حمو فأحكمه ومال أكثر بني مرين وأهل الحل والعقد إلى الأمير أبي ثابت. وتفرد ببيعة أبي سالم البطانة والوزراء والحاشية والأجناد ومن إليهم، وكان بالبلد الجديد مسكنه، وأشاروا عليه بالمناجزة فخرج وقد عبى كتائبه، فوقف وتهيب [1] وخام عن اللقاء ووعدهم الإقدام بالغداة، وكر راجعا إلى قصره، فيئسوا منه، وتسللوا إذا إلى الأمير أبي ثابت، وهو بمرقب من الجبل مطل عليهم حتى إذا انحجر أبو سالم بالبلد، انحاش إليه الجملة دفعة واحدة. فلما استوفت القبائل والعساكر لديه، زحف إلى البلد الجديد مثوى السلطان وسياج قصوره ومختط عزمه، وانتهى إلى ساحتها مغتنما الفرصة. وخرج إليه أبو زيد [2] يخلف بن عمران الفودودي، فأرجل عن فرسه بأمر أبي يحيى، وقتل بين يديه قعصا بالرماح. وكان قريب عهد بالوزارة، استوزره السلطان قبيل مهلكه في شعبان من سنة ست وسبعمائة.

وفر أبو سالم إلى جهة المغرب وصحبه من عشيرة من أولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق العباسي وعيسى وعلي ابنا رحو وابن أخيهم جمال الدين بن موسى. وأتبعهم الأمير أبو ثابت شرذمة من عسكره أدركوهم بندرومة، فتقبضوا عليهم ونفذ أمر السلطان بقتل أبي سالم وجمال الدين، واستبقى الآخرين. وأمر بإحراق باب البلد ليفتحها العسكر، فأطل عليهم قهرمان دارهم عبد الله بن أبي مدين الكاتب، وأخبره بفرار أبي سالم، وباتفاق الناس على طاعته. ورغب إليه في المسالمة ليلتهم حتى ينفجر الصباح خشية على دارهم من معرة العساكر وهجومها ففعل. وأمره الأمير أبو يحيى باعتقال أبي الحجاج بن اشقيلولة، فاعتقله لقديم من العداوة كانت بينهما، ثم أمر بقتله، وإنفاذ رأسه فقتل. وأمر السلطان ليلتئذ بإضرام النيران حتى إذا أضاء الظلام وبات راكبا، ودخل القصر لصبحه فوارى جده بعد أن صلى عليه.

وغص بمكان الأمير أبي يحيى لما تعدد فيه الترشيح وفاوض في شأنه كبير القرابة يومئذ

عبد الحق بن عثمان ابن الأمير أبي يفرن [1] ، محمد بن عبد الحق ومن حضره من الوزراء مثل إبراهيم بن عبد الجليل الونكاسي وإبراهيم بن عيسى اليرنياني وغيرهما من الخاصة، فأشاروا بقتله، ونميت عنه كلمات في معنى التربص بالسلطان ودولته، وابتغاء العصابة لأمره. وركب الأمير أبو يحيى إلى القصر ثالث البيعة، فأخذ السلطان بيده ودخل معه إلى الحرم لعزائهن عن أخيه السلطان. ثم خرج على الخاصة وتخلف عنه السلطان وقد دس إلى عبد الحق بن عثمان أن يتقبض عليه ففعل. ثم برز السلطان إليهم وهو موثق فأمر بالإجهاز عليه، ولم يمهله، وألحق به يومئذ وزيره عيسى بن موسى الفودودي، وفشا الخبر بمهلك هؤلاء الرهط، فرهب منه القرابة، وفر يعيش بن يعقوب أخو السلطان وابنه عثمان المعروف بأمه قضينت [2] ومسعود بن الأمير أبي مالك، والعباس بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق ولحقوا جميعا بعثمان بن أبي العلاء بمكانه من غمارة، وخلا الجو من المرشحين، واستبد السلطان بملك قومه، وأمن غوائل المنازعين.

ولما تم له الأمر واستوسق أمر الملك، وفى لبني عثمان بن يغمراسن بالإفراج عنهم، ونزل لهم عن جميع البلاد التي صارت إلى طاعته من بلاد المغرب الأوسط من أعمالهم، وأعمال بني توجين ومغراوة. ودعاه إلى بدار المغرب، ما كان من اختلال عثمان بن أبي العلاء بن عبد الله بن عبد الحق بسبتة، ودعائه لنفسه بين يدي مهلك السلطان، وخروجه إلى بلاد غمارة، واستيلائه على قصر كتامة، فاعتزم على الرحلة إلى المغرب وفوض الأمر في الرحلة بأهل المدينة الجديدة للوزير إبراهيم بن عبد السلام لما كانت حينئذ غاصة بالساكن مستبحرة في الاعتمار، ممتلئة من الخرثي [3] والآلة، فأحسن السياسة في أمرهم وضرب لهم الآجال والمواعيد إلى أن استوقوا الرحلة، وتركوها قواء، خربها بنو عثمان بن يغمراسن عند رحلة بني مرين إلى المغرب، وتحينوا لذلك فترات الفتن، فطمسوا معالمها طمسا ونسفوها نسفا. وقدم السلطان بين يديه من قرابته الحسن بن عامر بن عبد الحق انعجون [4] في العساكر

والجنود، وعقد له على حرب ابن أبي العلاء. وتلوم بالبلد الجديد لموافاة المسالح التي كانت بثغور المشرق، ولما نزل عنها جميعا لبني عثمان بن يغمراسن ارتحل غرة ذي الحجة، ودخل فاس فاتح سبع وسبعمائة والله أعلم.

** (الخبر عن انتزاء يوسف بن أبي عياد بمراكش وتغلب السلطان عليه) **

لما فصل أبو ثابت عن معسكرهم بتلمسان إلى المغرب، قدم بين يديه من قرابته الحسن بن عامر بن عبد الحق انعجون ابن السلطان أبي يوسف في العساكر والجنود، وعقد له على حرب عثمان بن أبي العلاء كما ذكرناه. وعقد على بلاد مراكش ونواحيها لابن عمه الآخر يوسف بن محمد بن أبي عياد بن عبد الحق، وعهد له بالنظر في أحوالها، فسار إليها واحتل بها. ثم حدثته نفسه بالانتزاء، فقتل الوالي بمراكش، واستركب واستلحق، واتخذ الآلة، وجاهر بالخلعان. وتقبض على والي البلد فقتله بالسوط في جمادى سنة سبع وسبعمائة، ودعا لنفسه. واتصل الخبر بالسلطان لأول قدومه، فسرح إليه وزيره يوسف بن عيسى بن السعود الجشمي، ويعقوب بن أصناك، في خمسة آلاف من عساكره، ودفعهم إلى حربه. وخرج في أثرهم بكتائبه. وبرز يوسف بن أبي عياد، وأجازوا أم الربيع فانهزم أمام الوزير وعساكره واتبعه الوزير ففر إلى أغمات. ثم فر إلى جبال هسكورة، ولحق به موسى بن سعيد الصبيحي من أغمات، تدلى من سورها، ودخل الوزير يوسف إلى مراكش.

ثم خرج إثره ولحقه، فكانت بينهما جولة، وقتل منهم خلق، ولحق بهسكورة.

ودخل السلطان أبو ثابت مراكش منتصف رجب من سنة سبع وسبعمائة وأمر بقتل أوربة المداخلة كانوا له في انتزائه فاستلحموا. ولما لحق يوسف بن أبي عياد بجبال هسكورة، ونزل على مخلوف بن عبو، وتذمم بجواره، فلم يجره على السلطان.

وتقبض عليه، واقتاده إلى مراكش مع ثمانية من أصحابه تولوا كبر ذلك الأمر، فقتلوا في مصرع واحد بعد أن مثل بهم السلطان بالسياط. وبعث برأس يوسف إلى فاس، فنصب بسورها وأثخن القتل فيمن سواهم ممن داخله في الانتزاء، فاستلحم منهم أمم بمراكش وأغمات. وسخط خلال ذلك وزيره إبراهيم بن عبد الجليل

فاعتقله واعتقل عشيرة من بني دولين ومن بني ونكاسن، وقتل الحسن بن دولين منهم، ثم عفا عنهم. وخرج منتصف شعبان إلى منازلة السكسيوي وتدويخ جهات مراكش، فتلقاه السكسيوي بطاعته المعروفة. وأسنى الهدية فتقبل طاعته وخدمته.

ثم سرح قائده يعقوب بن آصناد في اتباع زكنة حتى توغل في بلاد السوس ففروا أمامه إلى الرمال. وانقطع أثرهم ورجع إلى معسكر السلطان. وانكفأ السلطان بعساكره إلى مراكش، فاحتل بها غرة رمضان. ثم قفل إلى فاس بعد أن قتل جماعة من شيوخ بني ورا. وجعل طريقه في بلاد صنهاجة، وسار في بلاد تامسنا، وتلقاه عرب جشم من قبائل الخلط وسفيان وبني جابر والعاصم، فاستصحبهم إلى آنفى وتقبض على ستين من أشياخهم، فاستلحم منهم عشرين ممن نمي عنهم إفساد السابلة. ودخل رباط الفتح أخريات رمضان فقتل هنالك من الأعراب أمة ممن يؤثر عنه الحرابة. ثم ارتحل منتصف شوال الغز ورياح أهل آزغار والهبط. واثار بالإحن القديمة، فأثخن فيهم بالقتل والسبي وقفل إلى فاس، فاحتل بها منتصف ذي القعدة. وفجأه الخبر بهزيمة عبد الحق بن عثمان، واستلحام الروم من عساكره، ومهلك عبد الواحد الفودودي من رجالات دولته. وأن عثمان بن أبي العلاء قد استفحل أمره بجهات غمارة، فأجمع لغزوه، والله أعلم

** (الخبر عن غزاة السلطان لمدافعة عثمان بن أبي العلاء ببلاد الهبط ومهلكه بطنجة بعد ظهوره) **

لما ملك الرئيس أبو سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر سبتة سنة خمس وسبعمائة، وأقام بها الدعوة لابن عمه المخلوع محمد بن محمد الفقيه ابن محمد الشيخ ابن يوسف بن نصر كما ذكرناه، وأجاز معه رئيس الغزاة المجاهدين بمحل إمارته من مالقة عثمان بن أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق من أعياص هذا البيت، كان مرشحا للملك فيهم. واستقدمه معه ليفرق به الكلمة في المغرب بفتنة الدولة مدافعة عن سبتة لما كان هاج السلطان قومه فأخذها [1] واستقام ملكها. وطمع

عثمان في ملك المغرب بامدادهم ومظاهرتهم، وسولت له نفسه ذلك، فخرج من سبتة وولى على جيش الغزاة بعده عمر ابن عمه رحو بن عبد الله. ونجم هو ببلاد غمارة، فدعا لنفسه وإجابته القبائل منهم. واحتل بحصن علودان من أمنع معاقلهم، وبايعوه على الموت. ثم نهض إلى أصيلا والعريش فغلب عليها. واتصل ذلك كله بالسلطان الهالك أبي يعقوب فلم يحركه استهانة بأمرهم. وبعث ابنه أبا سالم بالعساكر، فنازل سبتة أياما. ثم أقلع عنها. وبعث بعده أخاه يعيش بن يعقوب وأنزله طنجة، وجمر معه الكتائب وجعلها ثغرا. وزحف إليه عثمان بن أبي العلاء فتأخر عن طنجة إلى القصر. ثم اتبعه فخرج إليه أهل القصر فرسانا ورجالا ورماة مع يعيش، فوصلوا إلى وادي وراء، ثم انهزموا إلى البلد. ومات عمر بن ياسين، ونزل عثمان عليهم القصر يوما، ثم دخله من غده. ثم كان مهلك السلطان، وفر يعيش بن يعقوب خيفة من أبي ثابت، فلحق بعثمان بن أبي العلاء واستقام أمره بتلك الجهات برهة. وكان السلطان أبو ثابت لما احتل بالمغرب شغله ما كان من انتزاء يوسف بن أبي عياد بمراكش كما قدمناه، فعقد على حرب عثمان بن أبي العلاء مكان عمه يعيش بن يعقوب لعبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من رجال بيته، فزحف إليه. ونهض عثمان إلى لقائه منتصف ذي الحجة سنة سبع وسبعمائة فهزمه واستلحم من كان معه من جند الروم. وهلك في تلك الوقعة عبد الواحد الفودودي من رجالات السلطان المرشحين ردفاء الوزارة. وسار عثمان إلى قصر كتامة فنزله، واستولى على جهاته. وعلى تفيئة ذلك كان رجوع السلطان من غزاة مراكش وقد حسم الداء ومحا أثر النفاق، فاعتزم على الحركة إلى بلاد غمارة يمحو منها أثر دعوة ابن أبي العلاء التي كادت تلج عليه ممالكه بالمغرب، ويرده على عقبه ويستخلص سبتة من يد ابن الأحمر لما صارت ركابا لمن يروم الانتزاء والخروج من القرابة والأعياص المستنفرين وراء البحر غزاة في سبيل الله، فنهض من فاس منتصف ذي الحجة من سنة سبع وسبعمائة ولما انتهى إلى قصر كتامة تلوم به ثلاثا حتى توافت عساكره وحشوده، وكمل اعتراضها وفر عثمان بن أبي العلاء أمامه، وارتحل السلطان في اتباعه فنازل حصن علودان واقتحمه عنوة. واستلحم به زهاء أربعمائة.

ثم نازل بلد الدمنة، واقتحمها وأثخن فيها قتلا وسبيا لتمسكهم بطاعة ابن أبي العلاء ومظاهرتهم له. ثم كبس القصر واستباحة. ثم ارتحل إلى طنجة واحتل بها غرة ثمان

وسبعمائة وانحجر ابن أبي العلاء بسبتة مع أوليائه وسرح السلطان عساكره، فتفرقت نواحي سبتة بالاكتساح والغارة. وأمر باختطاط بلد تيطاوين لنزول معسكره والأخذ بمخنق سبتة. وأوفد كبير الفقهاء بمجلسه أبا يحيى بن أبي الصبر إليهم في شأن النزول عن البلد. وفي خلال ذلك اعتل السلطان فمرض وقضى أياما قلائل وهلك في ثامن صفر من سنته، ودفن بظاهر طنجة. ثم حمل شلوه بعد أيام إلى مدفن آبائه بشالة فووري هنالك. رحمة الله عليه وعليهم.

** (الخبر عن دولة السلطان أبي الربيع وما كان فيها من الاحداث) **

لما ملك السلطان أبو ثابت تصدى للقيام بالأمر عمه علي ابن السلطان أبي يعقوب المعروف بأمه رزيكة، وخلص الملأ من بني مرين أهل الحل والعقد إلى أخيه أبي الربيع فبايعوه. وتقبض على عمه علي بن رزيكة المستام للإمرة، فاعتقله بطنجة إلى أن هلك بها سنة عشر وسبعمائة لجمادى. وبث العطاء في الناس وأجزل وارتحل نحو فاس. واتبعه عثمان بن أبي العلاء في جيش كثيف، وبيته وقد نذر به العسكر فأيقظوا ليلتهم ووافاهم على الظهر بساحة علودان، فناجزهم الحرب. وكانت الدائرة على عثمان وقومه. وتقبض على ولده وكثير من عساكره. وأثخن أولياء السلطان فيهم بالقتل والسبي، وكان الظهور الذي لا كفاء له. ووصل أبو يحيى بن أبي الصبر إلى الأندلس، وقد أحكم عقدة الصلح. وقد كان ابن الأحمر جاء للقاء السلطان أبي ثابت، ووصل إلى الجزيرة الخضراء فأدركه خبر مهلكه، فتوقف عن الجواز، وأجاز ابن أبي الصبر بأحكام المؤاخاة. واجتاز عثمان بن أبي العلاء إلى العدوة فيمن معه من القرابة. فلحق بغرناطة. وأغذ السلطان السير إلى حضرته، فدخل فاس آخر ربيع من سنة ثمان وسبعمائة واستقامت الأمور وتمهد الملك، وعقد السلم مع صاحب تلمسان موسى بن عثمان بن يغمراسن، وأقام وادعا بحضرته. وكانت أيامه خير أيام، هدنة وسكونا وترفا لأهل الدولة. وفي أيامه تغالى الناس في أثمان العقار، فبلغت قيمتها فوق المعتاد. حتى لقد بيع كثير من الدور بفاس بألف دينار من الذهب العين.

وتنافس الناس في البناء فعالوا الصروح، واتخذوا القصور المشيدة بالصخر والرخام

وزخرفوها بالزليج والنقوش. وتناغوا في لبس الحرير وركوب الفاره. وأكل الطيب واقتناء الحلي من الذهب والفضة. واستبحر العمران، وظهرت الزينة والترف، والسلطان وادع بداره متملى أريكته إلى أن هلك كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.

** (الخبر عن مقتل عبد الله بن أبي مدين) **

كان أبو شعيب بن مخلوف من بني أبي عثمان من قبائل كتامة المجاورين للقصر الكبير، وكان منتحلا للدين ومشتهرا به. ولما أجلب بنو مرين على المغرب وجالوا في بسائطه، وتغلبوا على ضواحيه، صحب البر منهم البر والفاجر من أهله مثله. وكان بنو عبد الحق قد تحيزوا لأبي شعيب هذا فيمن تحيزوه للصحابة من أهل الدين، فكان إمام صلاتهم. وكان يعقوب بن عبد الحق أشدهم صحابة له، وأوفاهم به ذماما فاتصل به حبله، واتصلت [1] صحابته، وعظم في الدولة قدره وانبسط بين الناس جاه ولده وأقاربه وحاشيته. وربى بنو شعيب هذا عبد الله ومحمد المعروف بالحاج، وأبو القاسم ومن بعدهم من إخوتهم بقصر كتامة في جو ذلك الجاه. وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فاستخلصهم يوسف بن عبد الحق لخدمته، واستعملهم على مختصاته. ثم ترقى بهم في رتب خدمته وأخصائه، درجة بعد أخرى إلى أن هلك أبوهم أبو مدين شعيب سنة سبع وتسعين وستمائة وكان المقدم منهم عند السلطان عبد الله، فاربى [2] على ثنيات العز والوزارة والخلة والولاية. وتقدم لحظوته في مجلسه كل حظوة، واختصه بوضع علامته على الرسائل والأوامر الصادرة عنه، وجعل إليه حسبان الخراج والضرب على أيدي العمال، وتنفيذ الأوامر بالقبض والبسط فيهم. واستخلصه لمناجاة الخلوات والإفضاء بذات الصدور، فوقف ببابه الإشراف من الخاصة والقبيل والقرابة والولد، وسودوه وخطبوا نائله. وكان عبد الله قد استعمل مع ذلك أخاه محمدا على جباية المصامدة بمراكش، وهنأ أبا القاسم

الدعة بفاس، فأقام بها متمليا راحته عريضا جاهه، طاعما كاسيا، تتسرب إليه أموال العمال في سبيل الإتحاف، وتقف ببابه صدور الركائب إلى أن هلك السلطان أبو يوسف. ويقال إن له خائنة في دمه مع سعاية الملياني. ولما ولي من بعده أخوه أبو الربيع فتقبل فيه مذاهب سلفه. وكان بنو وقاصة اليهود حين نكبوا، باشر نكبتهم لمكانه من إصدار الأوامر. ويزعمون أن له فيهم سعاية. وكان خليفة الأصغر منهم قد استبقى كما ذكرناه، فلما أفضى الأمر إلى السلطان أبي الربيع استعمل خليفة بداره في بعض المهن، وباشر [1] الخدم حتى اتصل بمباشرة السلطان، فجعل غايته السعاية بعبد الله بن أبي مدين. وكان يؤثر عن السلطان أبي الربيع بأنه لا تؤمن بوائقه مع حرم ذويه، وتعرف خليفة ذلك من مقالات الناس، فدس إلى السلطان أن عبد الله بن أبي مدين يعرض باتهام السلطان في ابنته، وأن صدره وغر بذلك، وأنه مترصد بالدولة. وكان يخشى العائلة بما كان عليه من مداخلة القبيل، ولما كان داعيته من دواعي آل يعقوب، فتعجل السلطان دفع غائلته واستدعاه صبيحة زفاف ابنته، زعموا عن زوجها فاستحثه قائد الروم من داره بفاس. ونذر بالشر، فلم يغنه النذر، ومر في طريقه إلى دار السلطان بمقبرة أبي يحيى بن العربي، فطعنه القائد هنالك من ورائه طعنة أكبته على ذقنه. واحتز رأسه وألقاه بين يدي السلطان.

ودخل الوزير سليمان بن يرزيكن فوجده بين يديه، فذهبت نفسه عليه وعلى مكانه من الدولة حسرة وأسفا، وأيقظ السلطان لمكر اليهودي، فوقفه على براءة كان ابن أبي مدين بعثها للسلطان معه بالتنصل والحلف، فتيقظ وعلم مكر اليهودي به، فندم وفتك لحينه بخليفة بن وقاصة وذويه من اليهود المتصدين للخدمة، وسطا بهم سطوة الهلكة، فأصبحوا مثلا للآخرين، والله أعلم.

** (الخبر عن ثورة أهل سبتة بالأندلسيين ومراجعتهم طاعة السلطان) **

لما قفل السلطان أبو الربيع من غزاة سبتة بعد أن شرد عثمان بن أبي العلاء وأحجره

بسبتة، وأجاز منها إلى العدوة ومن كان معه من القرابة كما قلناه، بلغه الخبر بضجر أهل سبتة، ومرض قلوبهم من ولاية الأندلسيين وسوء ملكتهم. ودس إليه بعض أشياعه بالبلد بمثل ذلك، فأغزى صنيعته تاشفين بن يعقوب الوطاسي أخا وزيره في عساكر ضخمة من بني مرين. وسائر الطبقات من الجند. وأوعز إليه بالتقدم إلى سبتة ومنازلتها، فأغذ إليها السير ونزل بساحتها، ولما أحس به أهل البلد تمشت رجالاتهم [1] وتنادوا بشعارهم، وثاروا على من كان بينهم من قواد ابن الأحمر وعماله وأخرجوا منها حاميته وجنوده. واقتحمها العساكر واحتل بقصبتها تاشفين بن يعقوب عاشر صفر من سنة تسع وسبعمائة. وطير الفوائق بالخبر إلى السلطان فعم السرور وعظم شأن الفرح. وتقبض على قائد القصبة أبي زكريا يحيى بن مليلة، وعلى قائد البحر أبي الحسن بن كماشة، وعلى قائد الحروب بها من الأعياص عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق. كان صاحب الأندلس عقد له مكان ابن عمه عثمان بن أبي العلاء عند إجازته البحر إلى الجهاد كما ذكرناه. وكتب إلى السلطان بالفتح، وأوفد عليه الملأ من مشيخة أهل سبتة وأهل الشورى. وبلغ الخبر إلى ابن الأحمر فارتاع لذلك وخشي عادية السلطان، وجيوش المغرب حين انتهوا إلى الفرضة. وقد كان الطاغية في تلك الأيام نازل الجزيرة الخضراء، وأقلع عنها على الصلح بعد أن أذاقها من الحصار شدة، وبعد أن نازل جبل الفتح، فتغلب عليه وملكه. وانهزم زعيم من زعمائه يعرف بألفنش بيرس، هزمه أبو يحيى بن عبد الله بن أبي العلاء صاحب الجيش بمالقة، لقيه وهو يجوس خلال البلاد بعد تملك الجبل، فهزم النصارى وقتلوا أبرح قتل. وأهم المسلمين شأن الجبل فبادر السلطان أبو الجيوش.

بإنفاذ رسله راغبين في السلم خاطبين للولاية. وتبرع بالنزول عن الجزيرة ورندة وحصونها، ترغيبا للسلطان في الجهاد، فتقبل منه السلطان وعقد له الصلح على ما رغب، وأصهر إليه في أخته، فأنكحه إياها. وبعث بالمدد للجهاد، أموالا وخيولا وجنائب مع عثمان بن عيسى اليرنياني. واتصلت بينهما الولاية إلى مهلك السلطان والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن بيعة عبد الحق بن عثمان بممالأة الوزير والمشيخة وظهور السلطان عليهم ثم مهلكه باثر ذلك) **

كانت رسل ابن الأحمر خلال هذه المهادنة والمكاتبات تختلف إلى باب السلطان، ووصل منهم في بعض أحيانها خلف من مترفيهم، فجاهر بالكبائر، فكشف صفحة وجهه في معاقرة الخمر والإدمان عليه. وكان السلطان منذ شهر جمادى الأولى سنة تسع وسبعمائة قد عزل القاضي بفاس أبا غالب المغيلي، وعهد بأحكام القضاء لشيخ الفتيا المذكور بها أبي الحسن الملقب بالصغير. وكان على نهج [1] من تغيير المنكرات والتعسف فيها، حتى لقد كان مطاوعا في ذلك وسواس النسك الأعجمي، ومتجاوزا به الحدود المتعارفة بين أهل الشريعة في سائر الأمصار. وأحضر عنده ذات يوم هذا الرسول ثملا، وحضر العدول فاستروحوه، ثم أمضى حكم الله فيه، وأقام عليه الحد. وأضرمته هذه الموجدة، فاضطرم غيظا وتعرض للوزير رحو بن يعقوب الوطاسي منصرفه من دار السلطان في موكبه، وكشف عن ظهر يريه السياط وينعي عليهم سوء هذا المرتكب مع الرسل. فتبرم لذلك الوزير وأدركته الحفيظة، وسرح وزعته [2] وحشمه في إحضار القاضي على أسوإ الحالات من التنكيل والتل لذقنه، فمضوا لتلك الوجهة، واعتصم القاضي بالمسجد الجامع، ونادى المسلمين، فثارت العامة فيهم، ومرج أمر الناس. واتصل الخبر بالسلطان فتلافاه بالبعث في أولئك النفر من وزعة الوزير، وضرب أعناقهم، وجعلهم عظة لمن وراءهم، فأسرها الوزير في نفسه، وداخل الحسن بن علي بن أبي الطلاق من بني عسكر بن محمد شيخ بني مرين، والمسلم له في شوارهم. وقائد الروم غنصالة المنفرد برياسة العسكر وشوكته، وكان لهم بالوزير اختصاص آثروه له على سلطانه، فدعا لهم لبيعة [3] عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق كبير القرابة وأسد الأعياص، وخلع طاعة السلطان فأجابوه وبايعوا له، وتم أمرهم نجيا. ثم خرج عاشر جمادى من سنة عشر

وسبعمائة إلى ظاهر البلد الجديد بمكان الرمكة، وجاهروا بالخلعان وأقاموا الآلة وبايعوا سلطانهم عبد الحق على عيون الملأ. وعسكروا بالعدوة القصوى من سبو تخم بلاد العسكر، وإزاء نبدورة من معاقل الحسن بن علي زعيم تلك الثورة. ثم ارتحلوا من الغد إلى تازى وخرج السلطان في أثرهم فعسكر بسبو وتلوم لاعتراض العساكر، وإزاحة العلل، واحتل القوم برباط تازي، وأوفدوا على موسى بن عثمان بن يغمراسن سلطان بني عبد الواد يدعونه إلى المظاهرة واتصال اليد، والمدد بالعساكر والأموال جنوحا إلى التي هي آثر لديه من تفريق كلمة عدوه، فتثاقل عن ذلك لمكان السلم الذي عقد له السلطان مذ أول الدولة، وليستبين سبيل القوم. وقدم السلطان بين يديه يوسف بن عيسى الجشمي، وعمر بن موسى الفودودي في جموع كتيبة من بني مرين. وسار في ساقتهم، فانكشف القوم عن تازى ولحقوا بتلمسان صرخا.

وحمد السلطان مغبة تثاقله عن نصرهم ووجد بها الحجة عليهم، إذ غاية مظاهرته إياهم أن يملكهم تازى، وقد انكشفوا عنها فيئسوا من صريخه. وأجاز عبد الحق بن عثمان ورحو بن يعقوب إلى الأندلس، فأقام رحو بها إلى أن قتله أولاد ابن أبي العلاء، ورجع الحسن بن علي إلى مكانه من قبيله ومحله من مجلس السلطان بعد أن اقتضى عهده بالأمان على ذلك. ولما احتل السلطان بتازى حسم الداء ومحا أثر الشقاق، وأثخن في حاشية الخوارج وذويهم بالقتل والسبي. ثم اعتل أثناء ذلك وهلك لليال من اعتلاله سلخ جمادى الأخيرة من سنة عشر وسبعمائة ووري بصحن الجامع الأعظم من تازى، وبويع السلطان أبو سعيد، كما نذكره إن شاء الله.

** (الخبر عن دولة السلطان أبي سعيد وما كان فيها من الأحداث) **

لما هلك السلطان أبو الربيع بتازى تطاول للأمر عمه عثمان ابن السلطان أبي يعقوب المعروف بأمه قضنيت [1] . واستام المنصب وأسدى في ذلك وألحم. وحضر الوزراء والمشيخة بالقصر بعد هدء من الليل، وأثاروا شيخ القرابة يومئذ وكبير الأعياص

المرشحين، وسربت إليهم الأموال. وجاءهم عثمان ابن السلطان أبي يعقوب مستاما، فزجروه واستدعوا السلطان أبا سعيد، فحضر وبايعوه ليلتئذ وأنفذ كتبه إلى النواحي والجهات باقتضاء البيعة. وسرح ابنه الأكبر الأمير أبا الحسن إلى فاس، فدخلها غرة رجب من سنة عشر وسبعمائة. ودخل القصر واطلع على أمواله وذخيرته، وفي غد ليلته أخذت البيعة للسلطان بظاهر تازي على بني مرين، وسائر زناتة والعرب والقبائل والعساكر والحاشية والموالي والصنائع والعلماء والصلحاء ونقباء الناس وعرفائهم والخاصة والدهماء. فقام بالأمر واستوسق له الملك. وفرق الأعطيات وأسنى الجوائز، وتفقد الدواوين ورفع الظلامات، وحط المغارم والمكوس. وسرح أهل السجون، ورفع عن أهل فاس وظيفة الرباع [1] وارتحل لعشرين من رجب إلى حضرته، فاحتل بفاس. وقدم عليه وفود التهنئة من جميع بلاد المغرب. ثم خرج لذي القعدة بعدها إلى رباط الفتح لتفقد الأحوال والنظر في أحوال الرعايا، واهتم بالجهاد، وأنشأ الأساطيل للغزو في سبيل الله. ولما قضى منسك الأضحى بعده، رجع إلى حضرته بفاس. ثم عقد سنة إحدى عشرة وسبعمائة لأخيه الأمير أبي البقاء يعيش على ثغور الأندلس: الجزيرة ورندة وما إليها من الحصون. ثم نهض من الحصون سنة ثلاث عشرة وسبعمائة إلى مراكش لما كان بها من اختلال الأحوال، وخروج عدي بن هنو الهسكوري، ونقضه للطاعة، فنازله وحاصره مدة، واقتحم حصنه عنوة عليه، وحمله إلى دار ملكه عنوة، فأودعه المطبق. ثم رجع إلى غزو تلمسان، والله أعلم.

** (الخبر عن حركة السلطان أبي سعيد الى تلمسان أولى حركاته اليها) **

لما خرج عبد الحق بن عثمان على السلطان أبي الربيع، وتغلب على تازى بمظاهرة الحسن بن علي بن أبي الطلاق كبير بني عسكر، واختلف رسلهم إلى أبي حمو موسى بن عثمان سلطان بني عبد الواد، اسف ذلك بني مرين وحرك من

إحنهم [1] ، ولما لحق الخارجون على الدولة بالسلطان أبي حمو وأقبل عليهم أضرم ذلك حقد بني مرين. وولى السلطان أبو سعيد الأمر وفي أنفسهم من بني عبد الواد غصة. فلما استوسق أمر السلطان، ودوخ الجهات المراكشية، وعقد على البلاد الأندلسية وفرغ من شأن المغرب، اعتزم على غزو تلمسان فنهض إليه سنة أربع عشرة وسبعمائة ولما انتهى إلى وادي ملوية قدم ابنيه أبا الحسن وأبا علي في عسكرين عظيمين في الجناحين، وسار في ساقتهما، ودخل بلاد بني عبد الواد على هذه التعبية، فاكتسح نواحيها واصطلم نعمها. ونازل وجدة، فقاتلها قتالا شديدا وامتنعت عليه ثم نهض إلى تلمسان فنزل بالملعب من ساحتها. وانحجر موسى بن عثمان من وراء أسوارها، وغلب على معاقلها ورعاياها وسائر ضواحيها، فحطمها حطما، ونسف جهاتها نسفا، ودوخ جبال بني يرناسن وفتح معاقلها وأثخن فيها وانتهى إلى وجدة. وكان معه في معسكره أخوه يعيش بن يعقوب، وقد أدركته بعض استرابة بأمره ففر إلى تلمسان، ونزل على أبي حمو ورجع السلطان على تعبيته إلى تازى، فأقام بها. وبعث ابنه الأمير أبا علي إلى فاس فكان من خروجه على أبيه ما نذكر إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن انتقاض الأمير أبي علي وما كان بينه وبين أبيه من الواقعات) **

كان للسلطان أبي سعيد اثنان من الولد أكبرهما لأمته الحبشية، وهو علي، والأصغر لمملوكة من سبي النصارى وهو عمر. وكان هذا الأصغر آثرهما لديه، وأعلقهما بقلبه منذ نشأ، فكان عليه حدبا وبه مشغوفا. ولما استولى على ملك المغرب، رشحه بولاية عهده، وهو شاب لم يطر شاربه. ووضع له ألقاب الإمارة، وصير معه الجلساء والخاصة والكتاب وأمره باتخاذ العلامة في كتبه. وعقد على وزارته لإبراهيم بن عيسى اليرنياني من صنائع دولتهم وكبار المرشحين بها. ولما رآه أخوه الأكبر أبو الحسن صاغية أبيه إليه، وكان شديد البرور بوالديه، انحاش إليه وصار في جملته، وخلط نفسه بحاشيته طاعة لأبيه واستمرت حال الأمير أبي علي على هذا، وخاطبه الملوك من

النواحي وخاطبهم، وهادوه وعقد الرايات، وأثبت في الديوان ومحا وزاد في العطاء ونقص، وكاد أن يستبد. ولما قفل السلطان أبو سعيد من غزاته إلى تلمسان سنة أربع عشرة وسبعمائة أقام بتازى وبعث ولديه إلى فاس، فلما استقر الأمير أبو علي بفاس حدثته نفسه بالاستبداد على أبيه، وخلعه وراوضه المداخلون له في المكر بالسلطان حتى يتقبض عليه، فأبي وركب الخلاف وجاهر بالخلعان ودعا لنفسه، فأطاعه الناس لما كان السلطان جعل إليه من أمرهم. وعسكر بساحة البلد الجديد يريد غزو السلطان، فبرز من تازى بعسكره يقدم رجلا ويؤخر أخرى.

ثم بدا للأمير أبي علي في شأن وزيره، وحدثته نفسه بالتقبض عليه استرابة به لما كان بلغه من المكاتبة بينه وبين السلطان، فبعث لذلك عمر بن يخلف الفردودي، وتفطن الوزير لما حاوله من المكر، فتقبض عليه ونزع إلى السلطان أبي سعيد فتقبله ورضي عنه. وارتحل إلى لقاء ابنه، ولما تراءى الجمعان بالقرمدة ما بين فاس وتازى، واختل مصاف السلطان وانهزم عسكره وأفلت بعد أن أصابته جراحة في يده وهن لها، ولحق بتازى فليلا جريحا. ولحق به ابنه الأمير أبو الحسن نازعا إليه من جملة أخيه أبي علي بعد المحنة وفاء لحق أبيه، فاستبشر السلطان بالظهور والفتح، وحمد المغبة، وأناخ الأمير أبو علي بعساكره على تازى، وسعى الخواص بين السلطان وابنه في الصلح على أن يخرج له السلطان عن الأمر ويقتصر على تازى وجهاتها، فتم ذلك بينهما وانعقد. وشهد الملأ من مشيخة العرب وزناتة وأهل الأمصار، واستحكم عقده وانكفأ الأمير أبو علي إلى حضرة فاس مملكا. وتوافت إليه بيعات الأمصار بالمغرب ووفودهم، واستوسق أمره.

ثم اعتل على أثر ذلك واشتد وجعه، وصار إلى حال الموت وخشي الناس على أنفسهم تلاشى الأمر بمهلكه، فسايلوا إلى السلطان بتازى، ثم نزع على الأمير أبي علي وزيره أبو بكر بن النوار [1] وكاتبه منديل بن محمد الكتاني، وسائر خواصه، ولحقوا بالسلطان وحملوه على تلافي الأمر، فنهض من تازى واجتمع إليه كافة بني مرين والجند. وعسكر على البلد الجديد وأقام محاصرا لها، وابتنى دارا لسكناه وجعل لابنه الأمير أبي الحسن ما كان لأخيه أبي علي من ولاية العهد وتفويض الأمر.

وتفرد أبو علي بطائفة من النصارى المستخدمين بدولتهم، كان قائدهم يمت إليه بخؤولة، وضبط البلد مدة مرضه حتى إذا أفاق وتبين اختلال أمره، بعث إلى أبيه في الصفح والرضى، وان ينزل له عما انتزى عليه من الأمر على أن يقطعه سجلماسة وما إليها، ويسوغه ما احتمل من المال والذخيرة من دراهم، فأجابه لذلك، وانعقد بينهما سنة خمس عشرة وسبعمائة وخرج الأمير أبو علي بخاصته وحشمه، وعسكر بالزيتون من ظاهر البلد. وفي له السلطان بما اشترط وارتحل إلى سجلماسة، ودخل السلطان إلى البلد الجديد ونزل بقصره، وأصلح شئون ملكه، وأنزل ابنه الأمير أبا الحسن بالدار البيضاء من قصوره، وفوض إليه في سلطانه تفويض الاستقلال. وأذن له في اتخاذ الوزراء والكتاب، ووضع العلامة على كتبه وسائر ما كان لأخيه. ووفدت إليه بيعات الأمصار بالمغرب، ورجعوا إلى طاعته.

ونزل الأمير أبو علي بسجلماسة فأقام بها ملكا، ودون الدواوين، واستلحق واستركب، وفرض العطاء واستخدم ظواعن العرب من المعقل، وافتتح معاقل الصحراء وقصور تاورت [1] وتيكورارين وتمنطيت، وغزا بلاد السوس فافتتحها وتغلب على ضواحيها، وأثخن في أعرابها من ذوي حسان والشبانات وزكنة، حتى استقاموا على طاعته.

وبيت عبد الرحمن بن يدر أمير الأنصار بالسوس في تارودانت مقره، فافتتحها عليه عنوة وقتله، واصطلم نعمته وأباد سلطانه. وأقام لبني مرين في بلاد القبلة ملكا وسلطانا، وانتقض على السلطان سنة عشرين وسبعمائة وتغلب على درعة، وسما إلى طلب مراكش، فعقد السلطان على حربه لأخيه الأمير أبي الحسن، وجعله إليه، وأغزاه ونهض على أثره، واعتل [2] بمراكش، وثقف أطرافها وحسم عللها. وعقد عليها لكندوز بن عثمان من صنائع دولتهم، وقفل بعساكره إلى الحضرة. ثم نهض الأمير أبو علي سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة بجموعه من سلجماسة وأغذ السير إلى مراكش، فاختلفت عساكره بها قبل أن يجتمع لكندوز أمره. فتقبض عليه وضرب عنقه ورفعه على القناة وملك مراكش وسائر ضواحيها. وبلغ الخبر إلى السلطان، فخرج من حضرته في عساكره بعد أن احتشد. وأزاح العلل، واستوفى

الأعطيات، وقدم بين يديه ابنه الأمير أبا الحسن ولي عهده الغالب على أمره في عساكره وجموعه. وجاء في ساقته، وسار على هذه التعبية. ولما انتهى إلى بويو [1] من وادي ملوية نذروا بالبيات من أبي علي وجنوده، فحذروهم وأيقظوا ليلتهم.

وبيتهم بمعسكرهم ذلك، فكانت الدبرة عليه. وفل عسكره. وارتحلوا من الغد في أثره. وسلك على جبال درن، وافترقت جنوده في أوعاره، ولحقهم من معراتها شناعات، حتى ترجل الأمير أبو علي عن فرسه، وسعى على قدميه، وخلص من ورطة ذلك الجبل بعد عصب الريق، ولحق بسجلماسة، ومهد السلطان نواحي مراكش، وعقد عليها لموسى بن علي بن محمد الهنتاتي، فعظم غناؤه في ذلك واضطلاعه وامتدت أيام ولايته وارتحل السلطان إلى سجلماسة، فدافعه الأمير أبو علي بالخضوع في الصفح والرضا والعودة إلى السلم، فأجابه السلطان لما كان شغفه من حبه، فقد كان يؤثر عنه من ذلك غرائب. ورجع إلى الحضرة وأقام الأمير أبو علي بمكانه من ملك القبلة إلى أن هلك السلطان، وتغلب عليه أخوه السلطان أبو الحسن كما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن نكبة منديل الكتاني ومقتله) **

كان أبوه محمد بن محمد الكتاني [2] من علية الكتاب بدولة الموحدين، ونزع من مراكش عند ما انحل نظام بني عبد المؤمن وانفض جمعهم إلى مكناسة، فأوطنها في إيالة بني مرين. واتصل بالسلطان يعقوب بن عبد الحق فصحبه فيمن كان يثائر على صحابته من أعلام المغرب. وسفر عنه إلى الملوك كما ذكرناه في سفارته إلى المستنصر سنة خمس وستين وستمائة وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فازداد الكتاني عند ابنه يوسف بن يعقوب حظوة ومكانه إلى أن سخطه ونكبه سنة سبع وستين وستمائة وأقصاه من يومئذ وهلك في حال سخطته وبقي من بعده ابنه منديل هذا في جملة السلطان أبي يعقوب متبرما بمقام عبد الله بن أبي مدين المستولي على قهرمة دار

السلطان ومخالصته في خلواته مغضيا لذلك. متوقعا النكبة في أكثر أيامه مضطرمة له بالحسد جوانحه، مع ما كان عليه من القيام على حسبان الديوان عرف فيه بسبقه وتشابه صديقه وعدوه. ولما تغلب السلطان على ضواحي شلف ومغراوة واستعمل على حسبان الجباية، وجعل إليه ديوان العسكر هنالك، وإلى نظره اعتراضهم وتمحيصهم، فنزل على مليانة مع من كان هنالك من الأمراء مثل علي بن محمد الخيري والحسن بن علي بن أبي الطلاق العسكري إلى أن هلك السلطان أبو يعقوب، ورجع أبو ثابت البلاد إلى أبي زيان وأخيه أبي حمو فخف عليهما، وحلا بعيونهما، واستبلغا في تكريمه وانصرف إلى مغربه. وكان معسكر السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان قد صحب أخاه أبا سعيد عثمان بن يعقوب في حال خموله، وتأكدت بينهما الخلة التي رعاها له السلطان أبو سعيد. فلما ولي أمر المغرب مت بذلك إليه، فعرفه له واختصه وخالصة، وجعل إليه وضع علامته وحسبان جبايته، ومستخلص أحواله، والمفاوضة بذات صدره. ورفع مجلسه في بسائطه، وقدمه على خاصته. وكان كثير الطاعة للأمير أبي علي ابنه المتغلب على أبيه قبل أول أمره [1] .

ولما استبد وخلع أباه انحاش منديل هذا إليه. ثم نزع عنه حين تبين اختلال أمره، وكان الأمير أبو الحسن يحقد عليه ولاية أخيه أبي علي لما كان بينهما من المنافسة.

وكان كثيرا ما يوغر صدره بإيجاب حق عمر عليه، وامتهانه في خدمته. وطوى له على النث حتى إذا انفرد بمجلس أبيه وفصل عمر إلى سجلماسة أحكم السعاية فيه وإلحاح [2] في الهلكة التي أحكم [3] السلطان عليها أذنا واعية، حتى تأذن الله بإهلاكه. وكان منديل هذا كثيرا ما يغضب السلطان في المحاورة والخطاب دالة عليه وكبرا، فاعتد عليه من ذلك كلمات وأحوالا، وسخطه سنة ثمان عشرة وسبعمائة واذن لابنه الأمير أبي الحسن في نكبته، فاعتقله واستصفى أمواله، وطوى ديوانه وامتحنه أياما، ثم قتله بمحبسه خنقا، ويقال جوعا. وذهب مثلا في الغابرين، والله خير الوارثين.

** (الخبر عن انتقاض العزفي بسبتة ومنازلته ثم مصيرها الى طاعة السلطان بعد مهلكه) **

كان بنو العز في لما تغلب عليهم الرئيس أبو سعيد ونقلهم إلى غرناطة سنة خمس وسبعمائة استقروا بها في إيالة المخلوع ثالث ملوك بني الأحمر، حتى إذا استولى السلطان أبو الربيع على سبتة سنة تسع وسبعمائة أذنوه في الإجازة إلى المغرب، فأجازوا إلى فاس، فاستقروا بها. وكان يحيى وعبد الرحمن ابنا أبي طالب من سراتهم وكبارهم، وكانوا يغشون مجالس أهل العلم، لما كانوا عليه من انتحال الطلب [1] .

وكان أبو سعيد أيام إمارة بني أبيه يجالس بالمسجد الجامع القرويين شيخ الفتيا أبا الحسن الصغير. وكان يحيى بن أبي طالب يلازمه، فاتصل به وصارت له وسيلة يحتسبها عنده. فلما ولي الأمر واستقل به، رعى لهم زمام صحابتهم، ووفى لهم مقاصدهم. وعقد ليحيى على سبتة، ورجعهم إلى مقر إمارتهم منها ومحل رياستهم، فارتحلوا إليها سنة عشر وسبعمائة وأقاموا دعوة السلطان أبي سعيد والتزموا طاعته. ثم تغلب الأمير أبو علي على أمر أبيه، واستبد عليه فعقد على سبتة لأبي زكريا حيون بن أبي العلاء القرشي، وعزل يحيى بن أبي طالب عنها. واستقدمه إلى فاس فقدمها هو وأبوه أبو طالب وعمه حاتم، واستقروا في جملة السلطان. وهلك أبو طالب بفاس خلال ذلك حتى إذا كان من خروج الأمير أبي علي على أبيه ما قدمناه، لحق يحيى بن أبي طالب وأخوه بالسلطان نازعين من جملة الأمير أبي علي. فلما اعتل بالبلد الجديد ونازلة السلطان بها فحينئذ عقد السلطان ليحيى بن أبي طالب على سبتة، وبعثه إليها ليقيم دعوته بتلك الجهات. وتمسك بابنه محمد رهنا على طاعته، فاستقل بإمارتها، وأقام دعوة السلطان وطاعته بها. وأخذ بيعته على الناس، واتصل ذلك سنتين [2] . وهلك عمه أبو حاتم هنالك بعد مرجعه معه من المغرب سنة ست عشرة وسبعمائة. ثم انتقض على طاعة السلطان ونبذ طاعة الأمراء، ورجع إلى حال سلفه من أمر الشورى في البلد. واستقدم من الأندلس عبد الحق بن

عثمان فقدم عليه وعقد له على الحرب ليفرق الكلمة به، ويوهن ببأسه عزائم السلطان في مطالبته. وجهز السلطان إليه العساكر من بني مرين وعقد علي حربه للوزير إبراهيم بن عيسى، فزحف إليه وحاصره، وتعلل عليهم بطلب ابنه، فبعث به السلطان إلى وزيره إبراهيم ليعطي طاعته، فيسلمه، وجاءه الخبر من عيون كانت بالعسكر وأن ابنه كائن بفسطاط الوزير بساحة البحر، بحيث تتأتى الفرصة في أخذه، فبيت المعسكر، وهجم عبد الحق بن عثمان بحشمه وذويه على فسطاط الوزير، فاحتمله إلى أبيه وركبت العساكر للهيعة، فلم يقفوا على خبر حتى تفقد الوزير ابن العز في.

واتهموا قائدهم إبراهيم بن عيسى الوزير بممالأة العدو على ذلك، فاجتمعت مشيختهم وتقبضوا عليه، وحملوه إلى السلطان ابتلاء للطاعة واستبصارا في نصح السلطان، فشكر لهم وأطلق وزيره لابتلاء نصيحته. ورغب يحيى بن العزفي بعدها في رضى السلطان وولايته. ونهض السلطان سنة تسع عشرة وسبعمائة إلى طنجة لاختبار طاعته، فعقد له على سبتة واشترط هو على نفسه الوفاء لجباية السلطان، وأسنى هديته في كل سنة. واستمرت الحال على ذلك إلى أن هلك يحيى العزفي سنة عشرين وسبعمائة. وقام بالأمر بعده ابنه محمد إلى نظر عمه محمد بن علي بن الفقيه أبي القاسم شيخ قرابتهم. وكان قائد الأساطيل بسبتة وولي النظر فيها بعد أن نزع القائد يحيى الرنداحي إلى الأندلس، واختلف الغوغاء بسبتة، وانتهز السلطان الفرصة فأجمع على النهوض إليها سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وبادروا بإيتاء طاعتهم. وعجز محمد ابن يحيى عن المناهضة، وظنها محمد بن عيسى من نفسه، فتعرض للأمر في أوغاد من اللفيف، فاجتمعوا إليه وادفعهم الملأ عن ذلك، وحملوهم على الطاعة، واقتادوا بني العز في إلى السلطان فانقادوا، واحتل السلطان بقصبة سبتة، وثقف جهاتها ورم منثلمها وأصلح خللها. واستعمل كبار رجالاته وخواص مجلسه في أعمالها، فعقد لحاجبه عامر بن فتح الله الصدراتي على حاميتها، وعقد لأبي القاسم بن أبي مدين على جبايتها والنظر في مبانيها، وإخراج الأموال للنفقات فيها. وأسنى جوائز الملأ من مشيختها، ووفر أقطاعاتهم وجراياتهم. وأوعز ببناء البلد المسمى أفراك على سبتة، فشرعوا في بنائها سنة تسع وعشرين وسبعمائة وانكفأ راجعا إلى حضرته، والله تعالى أعلم

** (الخبر عن استقدام عبد المهيمن للكتابة والعلامة) **

كان بنو عبد المهيمن من بيوتات سبتة، ونسبهم في حضرموت. وكانوا أهل تجلة ووقار، منتحلين للعلم. وكان أبو محمد قاضيا بسبتة أيام أبي طالب وأبي حاتم، وكان له معهم صهر. ونشأ ابنه عبد المهيمن هذا في حجر الطلب والجلالة، وقرأ صناعة العربية على الأستاذ الغافقي وحذق فيها. ولما نزلت بهم نكبة الرئيس أبي سعيد سنة خمس وسبعمائة واحتملوا إلى غرناطة، احتمل فيهم القاضي محمد بن عبد المهيمن وابنه. وقرأ عبد المهيمن بغرناطة على مشيختها، وازداد علما وبصرا باللسان والحديث. واستكتب بدار السلطان محمد المخلوع، واختص بوزيره المتغلب على دولته محمد بن الحكيم الرندي فيمن اختص به من رؤساء بني العزفي. ثم رجع بعد نكبة ابن الحكيم إلى سبتة، وكتب عن قائدها ابن مسلمة مدة. ولما استخلص بنو مرين سبتة سنة تسع وسبعمائة اقتصر على الكتابة، وأقام منتحلا مذاهب سلفه في انتحال العلم ونزول المروءة. ولما استولى السلطان أبو سعيد على المغرب واستقل بولاية العهد، وتغلب على الأمر ابنه أبو علي، وكان محبا للعلم مولعا بأهله منتحلا لفنونه.

وكانت دولته خلوا من صناعة التراسل مذ عهد الموحدين للبداوة الموجودة في أولهم [1] . وحصل للأمير أبي علي بعض البصر بالبلاغة واللسان تفطن به لشأن ذلك، وخلو دولتهم من الكتاب المرسلين، وأنهم إنما يحكمون الخط الذي حذقوا فيه. ورأى الأصابع تشير إلى عبد المهيمن في رياسة تلك الصناعة، فولع به. وكان كثير الوفادة مع أهل بلده أوقات وفادتهم، فيختصه الأمير أبو علي بمزيد بره وكرامته، ويرفع مجلسه، ويخطبه للكتابة وهو يمتنع عليه. حتى إذا أمضى عزيمته في ذلك أوعز إلى عامله بسبتة سنة اثنتي عشرة وسبعمائة أن يشخصه إلى بابهم فقلده كتابته وعلامته حتى إذا خرج أبو علي على أبيه تحيز عبد المهيمن الى الأمير أبي الحسن، فلما صولح أبو علي على النزول عن البلد الجديد وكتب شرطه على السلطان كان من جملتها كون عبد المهيمن معه، وأمضى له السلطان ذلك وأنف الأمير أبو

الحسن منها، فأقسم ليقتلنه إن عمل بذلك، فرفع عبد المهيمن أمره إلى السلطان ولاذ به، وألقى نفسه بين يديه، فرق لشكواه وأمره باعتزالهما معا والرجوع إلى خدمته. وأنزله بمعسكره وأقام على ذلك، واختصه منديل الكتاني كبير الدولة وزعيم الخاصة، وأنكحه ابنته، ولما نكب منديل جعل السلطان علامته لأبي القاسم بن أبي مدين، وكان غفلا خلوا من الآداب، فكان يرجع إلى عبد السلطان علامته لأبي القاسم بن أبي مدين، وكان غفلا خلوا من الآداب، فكان يرجع إلى عبد المهيمن في قراءة الكتب وإصلاحها، وإنشائها حتى عرف السلطان له ذلك، فاقتصر عليه وجعل وضع العلامة إليه سنة ثمان عشرة وسبعمائة فاضطلع بها ورسخت قدمه في مجلس السلطان، وارتفع صيته. واستمر على ذلك أيام السلطان وابنه أبي الحسن من بعده إلى أن هلك بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة والله سبحانه وتعالى خير الوارثين.

** (الخبر عن صريخ أهل الأندلس ومهلك بطرة على غرناطة) **

كان الطاغية شانجة بن أدفونش قد تكالب على أهل الأندلس من بعد أبيه هراندة الهالك سنة اثنتين وثمانين وستمائة. ومنذ غلب على طريف شغل السلطان يوسف بن يعقوب بعده ببني يغمراسن، ثم تشاغل حفدته من بعده بأمرهم وتقاصرت مددهم، وهلك شانجة سنة ثلاث وسبعين [1] وولى ابنه هراندة ونازل الجزيرة الخضراء فرضة الجهاد لبني مرين حولا كاملا، ونازلت أساطيله جبل الفتح واشتد الحصار على المسلمين. وراسل هراندة بن أدفونش صاحب برشلونة أن يشغل أهل الأندلس من ورائهم، ويأخذ بحجزتهم، فنازل المرية وحاصرها الحصار المشهور سنة تسع وسبعمائة ونصب عليها الآلات. وكان منها برج العود المشهور بطول الأسوار بمقدار ثلاث قامات، وتحيل المسلمون على إحراقه فأحرق. وحفر العدو تحت الأرض مسربا مقدار ما يسير فيه عشرون راكبا. وتفطن المسلمون واحتفر قبالتهم مثله إلى أن نفذ بعضهم

لبعض، واقتتلوا من تحت الأرض وعقد ابن الأحمر لعثمان بن أبي العلاء زعيم الأعياص على عسكر بعثه مددا لأهل المرية، فلقيه جمع من النصارى كان الطاغية بعثهم لحصار مرشانة [1] ، فهزمهم عثمان واستلحمهم، ونزل قريبا من معسكر الطاغية وألح بمغاداتهم ومراوحتهم الى أن رغبوا إليه في السلم وأفرج عن البلد. وتغلب الطاغية، خلال ذلك على جبل الفتح، وأقامت عساكره على سماتة [2] واسطبونة [3] ، وزحف العباس بن رحو بن عبد الله وعثمان بن أبي العلاء في العساكر لاغاثة البلدين، فأوقع عثمان بعسكر اسطبونة، وقتل قائدهم ألفنش بيرش [4] في نحو ثلاثة آلاف فارس واستلحموا. ثم زحف عثمان لاغاثة العباس وكان دخل عوجين فحاصرته جموع النصارى به، فانفضوا الخبر زحفه، وبلغ الخبر إلى الطاغية بمكانه من ظاهر الجزيرة بفتكة عثمان في قومه، فسرح جموع النصرانية، ولقيهم عثمان فأوقع بهم، وقتل زعماءهم. وارتحل الطاغية يريد لقاءهم فخالف أهل البلد إلى معسكره، وانتهبوا محلاته وفساطيطه، وأتيحت للمسلمين عليهم الكرة، وامتلأت الأيدي من غنائمهم وأسراهم. ثم هلك الطاغية أثر هذه الهزائم سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وهو هراندة بن شانجة. وولي بعد ابنه الهنشة طفلا صغيرا، جعلوه لنظر عمه دون بطرة ابن شانجة، وزعيم النصرانية جوان فكفلاه. واستقام أمرهم على ذلك، وشغل السلطان أبو سعيد ملك المغرب بشأن ابنه وخروجه، فاهتبل النصرانية الغرة في الأندلس وزحفوا إلى غرناطة سنة ثمان عشرة وسبعمائة وأناخوا عليها بعسكرهم وأممهم. وبعث أهل الأندلس صريخهم إلى السلطان واعتذر لهم بمكان أبي العلاء من دولتهم، ومحله من رياستهم، وأنه مرشح للأمر في قومه بني مرين، يخشى معه تفريق الكلمة. وشرط عليهم أن يدفعوه إليه برمته حتى يتم أمر الجهاد، ويعيده إليهم حوطة على المسلمين. ولم يمكنهم ذلك لمكان عثمان بن أبي العلاء لصرامته وعصابته

من قومه، فأخفق سعيهم واستلحموا. وأطالت أمم النصرانية بغرناطة، وطمعوا في التهامها. ثم إن الله نفس مخنقهم، ودافع قدرته عنهم، وكيف لعثمان بن أبي العلاء وعصبته واقعة فيهم كانت أغرب الوقائع. صمدوا إلى موقف الطاغية بجملتهم، وكانوا زهاء مائتين أو أكثر، وصابروهم حتى خالطوهم في مراكزهم، فصرعوا بطرة وجوان، وولوهم الأدبار. واعترضتهم من ورائهم مسارب الماء للشرب من شقيل [1] فتطارحوا فيها. وهلك أكثرهم، واكتسحت أموالهم، وأعز الله دينه، وأهلك عدوه. ونصب رأس بطرة بسور البلد عبرة لمن يذكر، وهو باق هنالك لهذا العهد.

والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن صهر الموحدين والحركة الى تلمسان على اثره وما تخلل ذلك من الاحداث) **

لما انفرج الحصار عن ولد يغمراسن بن زيان أحد ملوك بني عبد الواد سنة ست وسبعمائة وتجافى أبو ثابت عن بلادهم، ونزل لهم عما كان بنو مرين ملكوه منها بسيوفهم. واستقل أبو حمو بملك بني عبد الواد على رأس الحول منها، صرف نظره واهتمامه إلى بلاد المشرق، فتغلب على بلاد مغراوة، ثم على بلاد بني توجين، ومحا منها أثر سلطانهم. ولحق أعياصهم من ولد عبد القوي بن عطية ولد منديل بن عبد الرحمن بالموحدين بني أبي حفص مع من تبعهم من رءوس قبائلهم، وصاروا في جملة عساكرهم. واستلحق مولانا السلطان أبو يحيى وحاجبه يعقوب بن عمر منهم جندا كثيفا أثبتهم في الديوان، وغالب بهم الخوارج والمنازعين للدولة. ثم زحف أبو حمو إلى الجزائر وغلب ابن علان عليها سنة [2] ونقله إلى تلمسان ووفى له.

وفر بنو منصور أمراء ملكيش أهل بسيط متيجة من صنهاجة، فلحقوا بالموحدين واصطنعوهم. وتملك قاصية المغرب الأوسط وتاخم عمل الموحدين بعمله. ثم تغلب على تدلس سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وتجنى على مولانا السلطان أبي يحيى بما وقع بينهم من المراسلة أيام انتزى ابن مخلوف ببجاية كما ذكرناه في أخباره. فحث عزائمه

لمنزلتها وطلب بلاد الموحدين، وأوطأ عساكره أرضهم، ونازل أمصارهم بجاية وقسنطينة. واختص بجاية بشوكته من ذلك، وجهز العساكر مع مسعود ابن عمه أبي عامر إبراهيم لمضايقتها. وكان خلال ذلك ما قدمناه من خروج محمد بن يوسف ابن يغمراسن عليه سنة [1] وقيام بني توجين بأمره، واقتطاع جبل وانشريس من عمالة ملكه.

واستمرت الحال على ذلك حتى هلك السلطان أبو حمو سنة ثمان عشرة وسبعمائة وقام بأمرهم ابنه أبو تاشفين عبد الرحمن فصنع له في ابن عمه محمد بن يوسف. ونهض إليه بعساكر بني عبد الواد حتى نازلة بمعتصمه من جبل وانشريش وداخله عمر بن عثمان كبير بني تيغرين في المكر به، فتقبض عليه وقتله سنة تسع عشرة وسبعمائة وارتحل إلى بجاية حتى احتل بساحتها، وامتنع عليه الحاجب ابن عمر فأقام يوما أو بعضه. ثم انكفأ راجعا إلى تلمسان، وردد البعوث إلى أوطان بجاية، وابتنى الحصون لتجمير الكتائب، فابتنى بوادي بجاية من أعلاه حصن بكر، ثم حصن تامزردكت. ثم اختط بتيكلات على مرحلة منها بلدا سماها تامزيزدكت على اسم المعقل الذي كان لأوليهم بالجبل قبالة وجدة. وامتنع يغمراسن به على السعيد كما قدمناه، فاختط بلد تيكلات هذه، وشحنها بالأقوات والعساكر، وصيرها ثغرا لملكه، وأنزل بها جنده.

وعقد عليها لموسى بن علي الكردي كبير دولته، ودولة أبيه [2] . واستحثه أمراء الكعوب من بني سليم لملك إفريقية حين مغاضبتهم لمولانا السلطان أبي يحيى اللحياني، وأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أبي عمران، وأبي إسحاق بن أبي يحيى الشهيد، مرة بعد أخرى كما ذكرناه في أخبارهم جميعا. وكانت حروبهم سجالا إلى أن كان بين جيوش زناتة والموحدين الزحف المشهور بالرياش من نواحي مرماجنة سنة تسع وعشرين وسبعمائة زحفت فيه إلى السلطان أبي يحيى عساكر زناتة مع حمزة بن عمر أمير بني كعب. ومن إليه من البدو، وعليهم يحيى بن موسى من صنائع دولة آل يغمراسن. وقد نصبوا للملك محمد بن أبي عمران بن أبي حفص، ومعهم عبد الحق بن عثمان من أعياض بني عبد الحق في بنيه وذويه. وكان نزع إليهم من عند الموحدين كما ذكرناه، فاختل مصاف مولانا السلطان أبي يحيى

وانهزم، واستولوا على فساطيطه بما فيها من الذخيرة والحرم، وانتهبوا معسكره وتقبضوا على ولديه الموليين أحمد وعمر، وأشخصوهما إلى تلمسان. وأصيب السلطان في بدنه بجراحات أوهنته، وخلص إلى بونة ناجيا برمقه. وركب السفين منها إلى بجاية، فأقام بها يدمل جراحة، واستولت زناتة على تونس. ودخلها محمد بن أبي عمران وسموه باسم السلطان ومقادته في يد يحيى بن موسى أمير زناتة. واعتزم مولانا السلطان أبو يحيى على الوفادة على ملك المغرب السلطان أبي سعيد صريخا على آل يغمراسن. وأشار حاجبه محمد بن سيد الناس بإنفاذ ابنه الأمير أبي زكريا صاحب الثغر استنكافا له عن مثلها، فتقبل إشارته وأركب ابنه البحر لذلك. وبعث إليه معه أبا محمد عبد الله بن تاشفين من مشيخة الموحدين نافضا أمامه طرف المقاصد والمحاورات، ونزلوا بغساسة من سواحل المغرب، وقدموا على السلطان أبي سعيد بحضرته، وأبلغوه صريخ مولانا السلطان أبي يحيى، فاهتز لذلك هو وابنه الأمير أبو الحسن، وقال لابنه الأمير في ذلك المحفل: يا بني لقد قصدك أكبر أقوامنا وموصلك، وو الله لأبذلن في مظاهرتكم مالي وقومي ونفسي، ولأسيرن بعساكري إلى تلمسان فأنزلها مع أبيك، فانصرفوا إلى منازلهم مسرورين. وكان فيما شرطه عليهم السلطان أبو سعيد مسير مولانا السلطان أبي يحيى بعساكره إلى منازلة تلمسان معه فقبلوا. ونهض السلطان أبو سعيد إلى تلمسان سنة ثلاثين وسبعمائة ولما انتهوا إلى وادي ملوية وعسكر بضره، جاءهم الخبر اليقين باستيلاء السلطان أبي يحيى على حضرة تونس وإجهاضه زناتة وسلطانهم عنها. فاستدعى مولانا السلطان الأمير أبا زكريا يحيى ابنه ووزيره أبا محمد عبد الله بن تافراكين وأمرهم بالانصراف إلى صاحبهم وأسنى جوائزهم وحاجاتهم [1] . وركبوا أساطيلهم من غساسة وأرسل معهم للخطبة الصهر إبراهيم بن أبي حاتم العزفي والقاضي بحضرته أبي عبد الله بن عبد الرزاق، وانكفأ على عقبه راجعا إلى حضرته. ولما انعقد الصهر بين الأمير أبي الحسن، والسلطان أبي يحيى في ابنته شقيقة الأمير يحيى، زفها إليهم في أساطيله مع مشيخة من الموحدين، كبيرهم أبو القاسم بن عبو [2] . ووصلوا بها إلى موسى غساسة سنة إحدى وثلاثين بين يدي مهلك السلطان أبي سعيد، فقاموا لها على أقدام البر

والتكرمة، وبعثوا الظهر إلى غساسة لركوبها وحمل أثقالها، وصيغت حكمات الذهب والفضة ومدت ولايا الحرير المغشاة بالذهب، واحتفل لوافدها وأعراسها غاية الاحتفال بما لم يسمع مثله في دولتهم. وتولت قهارمة الدار من عجز النساء ما يتولاه مثلهم من ذلك فطم الصنيع، وتحدث الناس به. وهلك السلطان أبو سعيد بين يدي موصلها، والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن مهلك السلطان أبي سعيد عفا الله عنه وولاية السلطان أبي الحسن وما تخلل ذلك من الاحداث) **

كان السلطان لما بلغه وصول العروس بنت مولانا السلطان أبي يحيى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة واهتزت الدولة لقدومها عليهم تعظيما لحق أبيها وقومها واحتفاء بها، ارتحل السلطان أبو سعيد إلى تازى ليشارف أحوالها بنفسه احتفاء [1] في تكرمتها وسرورا بعرس ابنه. واعتل هنالك ومرض حتى إذا أشفى على الهلكة، ارتحل به ولي العهد الأمير أبو الحسن إلى الحضرة، وحمله في فراشه على أكتاف الحاشية والخول، حتى نزل بسبو، ثم أدخله كذلك ليلا إلى داره. وأدركته المنية في طريقه، فقضى رحمة الله عليه، فوضعوه بمكانه من البيت. واستدعى الصالحين لمواراته، فووري لشهر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة والبقاء لله وحده، وكل شيء هالك إلا وجهه.

ولما هلك السلطان أبو سعيد اجتمع الخاصة من المشيخة ورجالات الدولة لولي عهده الأمير أبي الحسن، وعقدوا له على أنفسهم، وآتوه طاعتهم وبيعتهم. وأمر بنقل معسكره من سبو، وأضرب بالزيتون من ساحة فاس. ولما ووري السلطان، خرج إلى معسكره بالتعبية، واجتمع إليه الناس على طبقاتهم لأداء البيعة، وجلس بفسطاطه، وتولى أخذ البيعة له يومئذ على الناس المزوار عبو بن قاسم رئيس الوزعة [2] ، والمتصرفين وحاجب الباب القديم الولاية بذلك في دارهم منذ عهد السلطان يوسف بن يعقوب. وزفت إليه يومئذ عروسه بنت السلطان أبي يحيى،

فأعرس بها بمكانه من المعسكر، وأجمع أمره على الانتقام لأبيها من عدوه. وبدأ باستكشاف حال أخيه أبي علي، وكان السلطان أبوهما يستوصيه به لما كان له بقلبه من العلاقة. وكان ولي العهد هذا يؤثر لرضاه جهده، فاعتزم على الحركة إلى سجلماسة لمشارفة أحواله، والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن حركة السلطان أبي الحسن إلى سجلماسة وانكفائه عنها الى تلمسان بعد الصلح مع أخيه والاتفاق) **

لما هلك السلطان أبو سعيد وكملت بيعة السلطان أبي الحسن، وكان كثيرا ما يستوصيه بأخيه أبي علي لما كان كلفا به شفوقا عليه، فأراد مشارفة أحواله قبل النهوض إلى تلمسان، فارتحل من معسكره بالزيتون قاصدا سجلماسة، وتلقته في طريقه وفود الأمير أبي علي أخيه مؤديا حقه، موجبا مبرته، مهنئا له بما آتاه الله من الملك، متجافيا عن المنازعة فيه، قانعا من تراث أبيه بما سأل، في يده، طالبا العقد له بذلك من أخيه. فأجابه السلطان أبو الحسن إلى ما سأل، وعقد له على سجلماسة وما إليها من بلاد القبلة كما كان لعهد أبيهما. وشهد الملأ من القبيل وسائر زناتة والعرب، وانكفأ راجعا إلى تلمسان لإجابة صريخ الموحدين، وأغذ السير إليها.

ولما انتهى إلى تلمسان تنكب عنها متجاوزا إلى جهة المشرق لوعد مولانا السلطان أبي يحيى بالنزول معه على تلمسان، كما كان عليه وفاقهم ومشارطتهم مع الأمير أبي زكريا الرسول إليهم. فاحتل بتاسالت في شعبان من سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وتلوم بها وأوعز إلى أساطيله بمراسي المغرب فأغزاها إلى سواحل تلمسان. وجهز لمولانا السلطان أبي يحيى مددا من عسكره أركبهم الأساطيل من سواحل وهران، وعقد عليهم لمحمد البطوي من صنائع دولته. ونزلوا بجاية، ووافوا بها مولانا السلطان أبا يحيى فصاروا في جملته. ونهضوا معه إلى تيكلات ثغر بني عبد الواد المجمرة بها الكتائب لحصار بجاية، وبها يومئذ ابن هزرع من قوادهم، وأجفل من كان بها من العسكر قبل وصوله إليهم، فلحقوا بآخر عملهم من المغرب الأوسط. وأناخ مولانا السلطان أبو يحيى عليها بعساكر من الموحدين والعرب والبربر وسائر الحشود، فخربوا عمرانها وانتهبوا ما كان من الأقوات مختزنا بها، وكان بحرا لا يدرك ساحله، لما كان

السلطان أبو حمو من لدن اختطها قد أوعز إلى العمال بسائر البلاد الشرقية، منذ عمل البطحاء أن ينقلوا أعشار الحبوب إليها وسائر الأقوات. وتقبل ابنه السلطان أبو تاشفين مذهبه في ذلك. ولم يزل دأبهم إلى حين حلت بها هذه الفاقرة فانتهب الناس من تلك الأقوات ما لا كفاء له. وأضرعوا مختطها بالأرض فنسفوها نسفا، وذروها قاعا صفصفا. والسلطان أبو الحسن خلال ذلك متشوف لأحوالهم منتظر قدوم مولانا السلطان أبي يحيى عليه لمنازلة تلمسان، حتى وافاه الخبر بانتقاض أخيه كما نذكره، فانكفأ راجعا، واتصل الخبر بمولانا السلطان أبي يحيى فقفل إلى حضرته. وحمل البطوي معه وأسنى جائزته وجوائز عسكره، وانصرفوا إلى السلطان مرسلهم في سفنهم من ساعتها. وانقبض عنان السلطان أبي تاشفين عن غزو بلاد الموحدين إلى أن انقرض أمره، والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن انتقاض الأمير أبي علي ونهوض السلطان أبي الحسن اليه وظفره به) **

لما توغل السلطان أبو الحسن في غزاة تلمسان وتجاوزها إلى تاسالت لوعد مولانا السلطان أبي يحيى، دس أبو تاشفين إلى الأمير أبي علي في اتصال اليد والاتفاق على السلطان أبي الحسن، وأن يأخذ كل واحد منهما بحجزته عن صاحبه متى هم به، وانعقد بينهما على ذلك. وانتقض الأمير أبو علي على أخيه السلطان أبي الحسن، ونهض من سجلماسة إلى درعة فقتل بها عامل السلطان، واستعمل عليه من ذويه، وسرح العسكر إلى بلاد مراكش. واتصل الخبر بالسلطان وهو بمعسكره بتاسالت، فأحفظه شأنه، وأجمع على الانتقام منه، فانكفأ راجعا إلى الحضرة.

وأنزل بثغر تاوريرت تخم عمله معسكرا، وعقد عليه لابنه تاشفين، وجعله إلى نظر وزيره منديل بن حمامة بن تيربيغين، وأغذ السير إلى سجلماسة، فنزل عليها وأحاطت عساكره بها، وأخذ بمخنقها وحشد الفعلة والصناع لعمل الآلات لحصارها، والبناء بساحتها. وأقام يغاديها القتال ويراوحها حولا كريتا. ونهض أبو تاشفين في عساكره وقومه إلى ثغر المغرب ليوطئه عساكره، وبعث في نواحيه يجاذب السلطان عن مكانه من حصاره. ولما انتهى إلى تاوريرت برز إليه ابن السلطان في وزرائه وعساكره،

وزحفوا إليه في التعبية، فاختل مصافه وانهزم ولم يلق أحدا، وعاد إلى منحجره وبادر إلى إمداد الأمير أبي علي بعسكره، فعقد على حصة من جنده وبعث بهم إليه، فتسربوا إلى البلد زرافات ووحدانا حتى استكملوا عنده، وطاولهم السلطان الحصار وأنزل بهم أنواع الحرب والنكال حتى تغلب عليهم، واقتحم البلد عنوة، وتقبض على الأمير أبي علي عند باب قصره. وسيق إلى السلطان فأمهله واعتقله، واستولى على ملكه. وعقد على سجلماسة واستعمل عليها، ورحل منكفئا إلى الحضرة، فاحتل بها سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة واعتقل أخاه في إحدى حجر القصر إلى أن قتله لأشهر من اعتقاله خنقا بمحبسه. وعدد له هذا الفتح بفتح الجبل واسترجاعه من يد العد ودمره الله بأيدي عسكره، وتحت راية ابنه أبي مالك، كما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الخبر عن منازلة جبل الفتح واستئثار الأمير أبي مالك والمسلمين به) **

لما هلك السلطان أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد المتغلب على ملك الأندلس من يد ابن عمه أبي الجيوش، قام بالأمر بعده ابنه محمد طفلا صغيرا لنظر وزيره محمد بن المحروق من بيوت الأندلس وصنائع الدولة. واستبد عليه. فلما شب وناهز أنف من الاستبداد عليه، وأغراه المعلوجي من حشمه بالوزير، فاغتاله وقتله سنة تسع وعشرين وسبعمائة وشمر للاستبداد وشد أواخي الملك. وكان الطاغية قد أخذ جبل الفتح سنة تسع، وجاورت النصرانية به ثغور الفرضة، وكان شجى في صدرها، وأهم المسلمين شأنه. وشغل عنهم صاحب المغرب بما كان فيه من فتنة ابنه، فرجعوا الجزيرة وحصونها إلى ابن الأحمر منذ سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لأول المائة الثامنة.

واستغلظ الطاغية عليهم بعد ذلك فرجعوا الجزيرة إلى صاحب المغرب سنة تسع وعشرين وسبعمائة وولي عليها السلطان أبو سعيد من أهل دولته سلطان بن مهلهل من عرب الخلط أخواله. وأسف الطاغية إلى حصونها عند مهلك السلطان أبي سعيد فملك أكثرها، ومنع البحر من الإجازة. وقارن ذلك استبداد صاحب الأندلس، وقتله لوزيره ابن المحروق. وأهمه شأن الطاغية، فبادر لإجازة البحر. ووفد على ابن خلدون م 22 ج 7

السلطان أبي الحسن بدار ملكه من فاس سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فأكبر موصله وأركب الناس للقائه، وأنزله بروض المصارة لصق داره، واستبلغ في تكريمه.

وفاوضه ابن الأحمر في شأن المسلمين وراء البحر، وما أهمهم من عدوهم، وشكا إليه حال الجبل واعتراضه شجى في صدر الثغور، فأشكاه السلطان. وعامل الله في أسباب الجهاد، وكان مشغوفا به متقبلا مذهب جده يعقوب فيه. وعقد لابنه الأمير أبي مالك على خمسة آلاف من بني مرين، وأنفذه مع السلطان محمد بن إسماعيل لمنازلة الجبل، فاحتل بالجزيرة، وتتابع إليه الأطول بالمدد. وأرسل ابن الأحمر حاشرين في الأندلس، فتسايلوا إليه، وأضربوا معسكرهم جميعا بساحة الجبل.

وأبلوا في حربه ومنازلته البلاء الحسن، إلى أن تغلبوا عليه سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة واقتحمه المسلمون عنوة، ونفلهم الله من كان به من النصرانية بما معهم، ووافاه الطاغية بأمم الكفر لثالثة فتحه، وقد شحنه المسلمون بالأقوات، نقلوها من الجزيرة على خيولهم. وباشر نقلها الأمير أبو مالك وابن الأحمر، فنقلها الناس عامة. وتحيز الأمير أبو مالك إلى الجزيرة وترك بالجبل يحيى بن طلحة بن محلى من وزراء أبيه.

ووصل الطاغية بعد ثلاث فأناخ عليه. وبرز أبو مالك بعساكره، فنزل بحذائه [1] وبعث إلى الأمير أبي عبد الله صاحب الأندلس. فوصل بحشد المسلمين بعد أن دوخ أرض النصرانية. وخرج فنزل بإزاء عسكر الطاغية، وتحصن العدو في محلتهم.

وقاموا كذلك عادية لقرب العهد بارتجاعه، وخفة ما به من الحامية والسلاح، فبادر السلطان ابن الأحمر إلى لقاء الطاغية. وسبق الناس إلى فسطاطه عجلا بائعا نفسه من الله في رضى المسلمين، وسد فرجتهم، فتلقاه الطاغية راجلا حاسرا إعظاما لموصله، وأجابه إلى ما سأل من الإفراج عن هذا المعقل، وأتحفه بذخائر مما لديه، وارتحل لفوره. وأخذ الأمير أبو مالك في تثقيف أطراف الثغر، وسد فروجه، وأنزل الحامية به، ونقل الأقوات إليه، وكان فتحا طوق دولة السلطان أبي الحسن قلادة الفخر إلى آخر الأيام. ثم رجع بعدها إلى شأنه من منازلة تلمسان، والله تعالى أعلم.

** (الخبر عن حصار تلمسان وتغلب السلطان أبي الحسن عليها وانقراض أمر بني عبد الواد بمهلك أبي تاشفين) **

لما تغلب السلطان على أخيه وحسم علة انتزائه ومنازعته وسد ثغور المغرب، وعظمت لديه نعمة الله بظهور عسكره على النصرانية، وارتجاع جبل الفتح من أيديهم بعد أن أقام في ملكة الطاغية نحوا من عشرين سنة. فرغ لعدوه وأجمع على غزو تلمسان.

ووفد عليه رسل السلطان أبي يحيى في سبيل التهنئة بالفتح والأخذ بحجزة أبي تاشفين على الثغور. وأوفد السلطان إلى أبي تاشفين شفعاء في أن يتخلى عن عمل الموحدين جملة، ويتراجع لهم عن تدلس، ويرجع إلى تخوم عمله منذ أول الأمر، ولو عامئذ ليعلم الناس جاه السلطان عند الملوك، ويقدروه حق قدره، واستنكف أبو تاشفين مع ذلك وأغلظ للرسل في القول، وأفحش بمجلسه بعض السفهاء من العبيد في الرد عليهم والنيل من مرسلهم، فانقلبوا إليه بما أحفظه، فانبعثت عزائم السلطان للصمود إليهم. وعسكر بساحة البلد الجديد، وبعث وزراءه إلى قاصية البلاد المراكشية لحشد القبائل والعساكر. ثم تعجل فاعترض جنوده وأزاح عللهم وعبى مواكبه، وسار في التعبية. وفصل بمعسكره من فاس أواسط خمس وثلاثين وسبعمائة وسار يجر الشوك والمدر من أمم المغرب وجنوده. ومر بوجدة، فجمر الكتائب لحصارها. ثم مر بند رومة فقاتلها بعض يوم واقتحمها، فقتل حاميتها واستولى عليها آخر سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ثم سار على تعبيته حتى أناخ على تلمسان، وبلغه الخبر بتغلب عساكره على وجدة سنة ست وثلاثين وسبعمائة فأوعز إليه بتخريب أسوارها، فأضرعوها بالأرض.

وتوافت إليه إمداد النواحي وجهاتها وحشودها، وربض على فريسته. ووفدت إليه قبائل مغراوة وبني توجين فآتوه طاعتهم. ثم سرح عساكره إلى الجهات فتغلب على وهران وهنين، ثم على مليانة وتنس والجزائر كذلك سنة ست وثلاثين وسبعمائة ونزع إليه يحيى بن موسى صاحب القاصية الشرقية من عمله، والمتاخم كان لعمل الموحدين، والقائم بحصار بجاية بعد نكبة موسى بن علي فلقاه مبرة وتكريما، ورفع بساطه ونظمه في طبقات وزرائه وجلسائه. وعقد على فتح البلاد الشرقية ليحيى

ابن سليمان العسكري كبير بني عسكر بن محمد وشيخ بني مرين، وصاحب شوراهم بمجلس السلطان، والمخصوص بصهر من السلطان. عقد له على ابنته فسار في الألوية والجنود وطوع ضاحية الشرق وقبائله، وافتتح أمصاره حتى انتهى إلى المرية [1] . ونظم البلاد في طاعة السلطان، وأحشد مقاتلتها إلى معسكره فلحقوا له وكاثروا جنوده. واستعمل السلطان على وانشريش وعمل الحشم من بني توجين.

وعقد لسعد بن سلامة بن علي على بني يدللتين. وجعل الوالي بالقلعة إلى نظره. وكان خلص إليه بالمغرب قبل فصوله نازعا عن أبي تاشفين لمكان أخيه قريعة محمد من الدولة.

واستعمل السلطان أيضا على شلف وسائر أعمال المغرب الأوسط. واختط السلطان بغربي [2] تلسمان البلد الجديد لسكناه، ونزل عساكره وسماه المنصورية [3] . وأدار على البلد المخروب سياجا من السور ونطاقا من الخندق. ونصب المجانيق والآلات من وراء خندقه وشيد قبالة كل برج من أبراج البلد برجا على ساقة خندقه ينضح رماته بالنبل رماتهم، ويشغلونهم بأنفسهم حتى شيد برجا آخر أقرب منه، وترتفع شرفاته فوق خندقهم. ولم يزل يتقرب بوضع الأبراج من حد إلى ما بعده، حتى اختطها من قرب على ساقه خندقهم. وتماصع المقاتلة بالسيوف من أعيالها، ورتب المجانيق إلى رجمها ودكها، فنالت من ذلك فوق الغاية. واشتد الحرب وضاق نطاق الحصار. وكان السلطان يصحبهم كل يوم بالبكور والتطواف على البلد من جميع جهاته لتفقد المقاتلة في مراكزهم، وربما ينفرد في طوافه بعض الأيام عن حاشيته، فاهتبلوا الأمر يحسبونه غرة. وصفوا جيوشهم من وراء السور مما يلي الجبل المطل على البلد، حتى إذا حاذاه السلطان في تطوافه فتحوا أبوابهم، وأرسلوا عليه عقبان جنودهم، واضطروه إلى سفح الجبل حتى لحق بأوعاره، وكاد أن ينزل عن فرسه هو ووليه عريف بن يحيى أمير سويد. ووصل الصائح إلى المعسكر فركب الأميران ابناه:

ابو عبد الرحمن وأبو مالك، في جموع بني مرين، وتهاوت فرسان المعسكر من كل جانب، فشمر جنود بني عبد الواد إلى مراكزهم. ثم دفعوهم عنها، وحملوهم على

هوة الخندق فتطارحوا فيه وترادفوا وهلك بالكظيظ أكثر ممن هلك بالقتل. واستلحم في ذلك اليوم زعماء ملئهم [1] مثل عمر بن عثمان كبير الحشم من بني توجين، ومحمد بن سلامة بن علي كبير بني يدللتن منهم أيضا وغيرهم. وكان يوما له ما بعده. واعتز بنو مرين عليهم من يومئذ. ونذر بنو عبد الواد بالتغلب عليهم، واتصلت الحرب مدة عامين. ثم اقتحمها السلطان غلابا لسبع وعشرين من رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ووقف أبو تاشفين بساحة قصره مع خاصته، وقاتل هنالك حتى قتل ابناه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي ووليه عبد الحق بن عثمان من أعياص عبد الحق. نزع إليه من جملة الموحدين كما أشرنا إليه ونستوفي خبره. فهلك هو وابنه وابن أخيه، وأثخنت السلطان أبا تاشفين الجراحة ووهن لها، فتقبض عليه. واختبنه [2] بعض الفرسان إلى السلطان فلقيه الأمير أبو عبد الرحمن صالي تلك الحروب وأورد غمرتها بنفسه، فاعترضه وقد غض الطرف بموكبه، فأمر به في الحين فقتل، واحتز رأسه، وسخط ذلك السلطان من فعله لحرصه على توبيخه وتفريعه، وذهب مثلا في الغابرين. واقتحم السلطان بكافة عساكره، وتواقع الناس بباب كشوط [3] لجنوبهم من كظيظ الزحام، فهلك منهم أمم.

وانطلقت أيدي النهب على البلد فلحقت الكثير من أهله معرات في أموالهم وحرمهم.

وخلص السلطان إلى المسجد الجامع مع لمة من خواصه وحاشيته. واستدعى شيوخ الفتيا بالبلد أبو زيد وأبو موسى ابنا الإمام، وفاء بحق العلم وأهله، فخلصوا إليه بعد الجهد ووعظوه وذكروه بما نال الناس من النهب، فركب لذلك بنفسه وسكن وأوزع جنوده وأشياعه من الرعية، وقبض أيديهم عن الفساد وعاد إلى معسكره بالبلد الجديد. وقد كمل الفتح وعز النصر، وشهد ذلك اليوم أبو محمد بن تافراكين، وافاه رسولا عن مولانا السلطان أبي يحيى مجددا للعهد، فأعجله السلطان إلى مرسلة بالخبر وسابق السابقين. ودخل تونس لسبع عشرة ليلة من نوبة الفتح، فعظم السرور عند السلطان أبي يحيى بمهلك عدوه والانتقام منه بشارة، واعتدها بمساعيه. ورفع السلطان أبو الحسن القتل عن بني عبد الواد أعدائهم، وشفى نفسه

بقتل سلطانهم، وعفا عنهم وأثبتهم في الديوان، وفرض لهم العطاء، واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم،. وجمع كلمة بني واسين من بني مرين وبني عبد الواد وتوجين، وسائر زناتة وأنزلهم ببلاد المغرب وسد بكل طائفة منهم ثغرا من أعماله، وساروا عصبا تحت لوائه، فأنزل منهم بقاصية السوس وبلاد غمارة، وأجاز منهم إلى ثغور عمله بالأندلس حامية ومرابطين، واندرجوا في جملته، واتسع نطاق ملكه. وأصبح ملك زناتة بعد أن كان ملك بني مرين وسلطان العدوتين بعد أن كان سلطان المغرب.

والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

** (الخبر عن نكبة الأمير عبد الرحمن بمتيجة وتقبض السلطان عليه ثم مهلكه آخرا) **

قد قدمنا ما كان من اشتراط السلطان أبي سعيد على الموحدين منازلتهم تلمسان مع عساكره، وتلوم السلطان أبي الحسن بتاسالت لانتظار مولانا السلطان أبي يحيى.

ولما نازل تلمسان بعساكره المرة الثانية، لم يطالبهم بذلك. وكان أبو محمد بن تافراكين يتردد إليه وهو بمعسكره من حصار تلمسان مؤديا حقه مستخبرا مآل عدوهم. فلما تغلب على تلمسان أسر إليه سفيره أبو محمد بن تافراكين بأن سلطانه قادم عليه للقائه وتهنئته بالظفر بعدوه. وتشوف السلطان أبو الحسن إليها لما كان يحب الفخر ويعنى به، وارتحل من تلمسان سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وعسكر ببسيط بمتيجة منتظرا وفادة مولانا السلطان أبي يحيى عليه، وتكاسل السلطان عنها لما أراه سيفه المتحكم في دولته محمد بن الحكيم من حذر مغبتها، وقال له: إن لقاء سلطانين لا يتفق إلا في يوم على أحدهما، فكره ذلك السلطان وتقاعد عنه: وطال مقام السلطان أبي الحسن في انتظار الموعد الذي ألقى إليه أبو محمد بن تافراكين، واعتل لأشهر من مقامه ومرض بفسطاطه. وتحدث أهل المعسكر بمهلكه. وكان ابنا الأمير أبو عبد الرحمن وأبو مالك متناغيين في ولاية عهده منذ أيام جدهما أبي سعيد. وكان السلطان قد جعل لهما من أول دولته ألقاب الإمارة وأحوالها من اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة وتدوين الدواوين وإثبات العطاء. واستلحاق الفرسان والانفراد بالعساكر، فكانا من ذلك على ثبج. وجعل لهما مع ذلك الجلوس لمقعد فصله،

مناوية لتنفيذ الأوامر السلطانية، فكانا لذلك رديفين له في سلطانه.

ولما اشتد وجع السلطان تمشت سماسرة الفتن بين هذين الأميرين وحزب أهل المعسكر لهما أحزابها، وبث كل واحد منهما المال وحمل على المقربات. وصارت شيعا وانقسموا فرقا. وهم الأمير أبو عبد الرحمن بالتوثب على الأمر قبل أن يتبين حال السلطان بإغراء وزرائه وبطانته بذلك. وتفطن خاصة السلطان لها، فأخبروه الخبر وحضوه على الخروج إلى الناس قبل أن يتفاقم الأمر ويتسع الخرق، فبرز إلى فسطاط جلوسه وتسامع أهل المعسكر به، فازدحموا على مجلسه وتقبيل يده. وتقبض على أهل الظنة من العساكر، فأودعهم السجن وسخط على الأميرين. ورحل الناس من معسكرهما، فردهما إلى معسكره. ثم رجع إلى فسطاطه فارتاب الأميران لذلك ووجما، وطفئت نار فتنتهما وسكن سعي المفسدين عندهما وانتبذ الناس عنهما.

فاشتدت روعة الأمير أبي عبد الرحمن، وركب من فساطيطه وخاض الليل، وأصبح بحلة أولاد علي [1] أمراء زغبة الموطنين بأرض حمزة، فتقبض عليه أميرهم موسى بن أبي الفضل. ورده إلى أبيه، فاعتقله بوجدة، ورتب العيون لحراسته من حشمه إلى أن قتل بعد ذلك سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. وثبت بالسجان فقتله. وأنفذ السلطان حاجبه علان بن محمد فقضى عليه. ولحق وزيره زيان بن عمر الوطاسي بالموحدين فأجاروه. ورضي السلطان صبيحة نزوع أبي عبد الرحمن عن أخيه أبي مالك، وعقد له على ثغور عمله بالأندلس، وصرفه إليها، وانكفأ إلى تلمسان.

والله أعلم.

** (الخبر عن خروج ابن هيدور وتلبسيه بابي عبد الرحمن) **

لما تقبض السلطان على ابنه عبد الرحمن وأودعه السجن، تفرق خدمة وحشمه وانذعروا في الجهات. وهمل جازر من مطبخه، كان يعرف بابن هيدور، كان شبيها له في الصورة، فلحق ببني عامر من زغبة، وكانوا لذلك العهد منحرفين عن

الطاعة، خوارج على الدولة لما كان السلطان وأبوه اختصا عريف بن يحيى أمير بني سويد أقتالهم، منذ نزع إليهم عن أبي تاشفين. فركبوا سنن الخلاف ولبسوا جلدة النفاق، وانتبذوا بالقفار. ورياستهم لذلك العهد لصغير بن عامر وإخوته. وعقد السلطان على حربهم لونزمار ابن وليه عريف. وكان سيد البدو يومئذ، فجمع لهم وشمر لطلبهم، وأبعدوا أمامه في المذاهب، وأوقع بهم مرارا. ولحق بهم هذا الجازر، وانتسب لهم إلى السلطان أبي الحسن وأنه أبو عبد الرحمن ابنه النازع عنه، فشبه لهم وبايعوه وأجلبوا به على نواحي المرية [1] . وبرز إليهم قائدها مجاهد بن [2] من صنائع الدولة، ففضوا جمعه وانهزم أمامهم. ثم جمع لهم ونزمار وفروا عن تلك النواحي وافترق جمعهم. ونبذوا لذلك الجازر عهده، فلحق ببني يرناتن من زواوة، ونزل على سيدتهم شمسي فقامت بأمره. وحمل بنوها من بني عبد الصمد قومهم على طاعته. وشاع في الناس خبره فمن مصدق ومن مكذب حتى تبينت ووقفوا على كذبه في انتسابه، فنبذوا عهده ولحق بالزواودة أمراء رياح، ونزل على سيدهم يعقوب بن علي، وانتسب له في مثل ذلك، فأجاره إن صدق نسبه.

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com