Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
(الكتاب الثالث في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم) — تتمة ١٢
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 63 of 67
وأوعز السلطان إلى السلطان أبي يحيى صاحب إفريقية في شأنه، فبعث إلى يعقوب وأشخصه إلى السلطان مع ذويه، فلحق به بمكانه من سبتة فامتحنه السلطان وقطعه من خلاف وانحسم دواؤه. وبقي بالمغرب تحت جراية من الدولة إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين وسبعمائة [3] والله تعالى أعلم.
** (الخبر عن شأن الجهاد واغزاء السلطان ابنه الأمير ابا مالك واستشهاده) **
لما فرغ السلطان من أمر عدوه وما تبع من ذلك من الأحوال، صرف اعتزامه إلى الجهاد لما كان كلفا به. وكان الطاغية منذ شغل بني مرين عن الجهاد منذ عهد يعقوب بن عبد الحق قد اعتزوا على المسلمين بالعدوة. ونازلوا معاقلهم،
وتغلبوا على الكثير منها، وارتجعوا الجبل ونازلوا السلطان أبا الوليد في عقر داره بغرناطة. ووضعوا عليه الجزية فتقبلها وأسفوا إلى التهام المسلمين بالأندلس. فلما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن عدوه وعلت على الأيدي يده، وانفسح نطاق ملكه، دعته نفسه إلى الجهاد.
وأوعز إلى ابنه الأمير أبي مالك أمير الثغور من عمله بالعدوة سنة أربعين وسبعمائة بالدخول إلى دار الحرب، وجهز إليه العساكر من حضرته وأنفذ إليه الوزراء، فشخص غازيا في الحفل، وتوغل في بلاد الطاغية واكتسحها، وخرج بالسبي والغنائم إلى أدنى صدره من أرضهم وأناخ بها. واتصل به الخبر بأن النصارى جمعوا له، وأغذوا السير في اتباعه. وأشار عليه الملأ بالخروج من أرضهم وإجازة الوادي الذي كان تخما بين أرض الإسلام ودار الحرب. وأن يصير إلى مدن المسلمين فيمتنع بها، فلج في إبايته وصمم على التعريس. وكان قرما ثبتا إلا أنه غير بصير بالحروب لمكان سنه، فصبحهم عساكر النصرانية في مضاجعهم قبل أن يركبوا وخاطبوهم في ابايتهم. وأدرك الأمير أبو مالك بالأرض قبل أن يستوي على فرسه فجدلوه واستلحموا الكثير من قومه، واحتووا على المعسكر بما فيه من أموال المسلمين وأموالهم، ورجعوا على أعقابهم. واتصل الخبر بالسلطان فتفجع لهلاك ابنه، واسترحم له، واحتسب عند الله أجره وفي سبيله قتله. وشرع في إجازة العساكر للجهاد وتجهيز الأساطيل.
** (الخبر عن واقعة الملند والظفر به وظهور اساطيل المسلمين على اسطول النصارى) **
لما بلغ الخبر إلى السلطان باستشهاد ابنه، أخرج وزراءه إلى السواحل لتجهيز الأساطيل. وفتح ديوان العطاء، واعترض الجنود وأزاح عللهم. واستنفر أهل المغرب وارتحل إلى سبتة ليباشر أحوال الجهاد. وتسامعت أمم النصرانية بذلك، فاستعدوا للدفاع. وأخرج الطاغية أسطوله إلى الزقاق ليمنع السلطان من الإجازة. واستحث السلطان أساطيل المسلمين من مراسي العدوة. وبعث إلى الموحدين بتجهيز أسطولهم إليه، فعقدوا عليه لزيد بن فرحون قائد أسطول بجاية من صنائع دولتهم، ووافى ستة
في ستة عشر من أساطيل إفريقية، كان من طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجاية. وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة تناهز المائة. وعقد السلطان عليها لمحمد بن علي العزفي الذي كان صاحب سبتة يوم فتحها، وأمره بمناجزة أسطول النصارى بالزقاق. وقد اكتمل عديدهم وعدتهم، فاستلأموا وتظاهروا في السلاح.
وزحفوا إلى أسطول النصارى وتواقفوا مليا. ثم قربوا الأساطيل بعضها إلى بعض وقرنوها للمصاف، فلم يمض إلا كلا ولا [1] حتى هبت ريح النصر، وأظفر الله المسلمين بعدوهم، وخالطوهم في أساطيلهم واستلحموهم هبرا بالسيوف، وطعنا بالرماح، وألقوا أشلاءهم في اليم وقتلوا قائدهم الملند واستاقوا أساطيلهم مجنوبة إلى مرسى سبتة، فبرز الناس لمشاهدتها وطيف بكثير من رءوسهم في جوانب البلد.
ونظمت أصفاد الأسرى بدار الإنشاء. وعظم الفتح وجلس السلطان للتهنئة، وأنشدت الشعراء بين يديه، وكان يوما من أعز الأيام، والمنة لله.
** (الخبر عن واقعة طريف وتمحيص المسلمين) **
لما ظفر المسلمون بأسطول النصارى وخضدوا شوكتهم عن ممانعة الجواز، شرع السلطان في إجازة العساكر الغزاة من المطوعة والمرتزقة، وانتظمت الأساطيل سلسلة واحدة من العدوة إلى العدوة. ولما استكمل إجازة العساكر أجاز هو في أسطوله مع خاصته وحشمه آخر سنة أربعين وسبعمائة ونزل بساحة طريف وأناخ بعساكره عليها، واضطرب معسكره بفنائها، وبدأ بمنازلتها. ووافاه سلطان الأندلس أبو الحجاج ابن السلطان أبي الوليد بعسكر الأندلس من غزاة زناتة وحامية الثغور ورجل البدو، فعسكروا حذاء معسكره وأحاطوا بطريف نطاقا واحدا، وأنزلوا بهم أنواع القتال، ونصبوا عليها الآلات. وجهز الطاغية أسطولا آخر اعترض به الزقاق لقطع المرافق عن المعسكر، وطال ثواؤهم [2] بمكانهم من حصار البلد، ففنيت أزودتهم وافتقدوا العلوفات، فوهن الظهر واختلت أحوال المعسكر. واحتشد الطاغية أمم النصرانية
وظاهره البرتقال صاحب أشبونة، وغرب الأندلس، فجاء معه في قومه. وزحف إليهم لستة أشهر من نزولهم. ولما قرب معسكرهم سرب إلى طريف جيشا من النصارى أكمنه بها، فدخلوه ليلا على حين غفلة من العسس الذي أرصد لهم. وأحسوا بهم آخر ليلتهم، فثاروا بهم من مراصدهم وأدركوا أعقابهم قبل دخول البلد، فقتلوا منهم عددا ولبسوا على السلطان بأنه لم يدخل البلد سواهم حذرا من سطوته. وزحف الطاغية من الغد في جموعه، وعبى السلطان مواكب المسلمين صفوفا، وتزاحفوا ولما نشب الحرب برز الجيش الكمين من البلد وخالفوهم إلى المعسكر، وعمدوا إلى فسطاط السلطان ودافعهم عنه الناشبة الذين أعدوا لحراسته فاستلحموهم. ثم دافعهم النساء عن أنفسهن فقتلوهن وخلصوا إلى خطايا السلطان: عائشة بنت عمه أبي يحيى بن يعقوب، وفاطمة بنت مولانا السلطان أبي يحيى ملك إفريقية، وغيرهما من حظاياه فقتلوهن واستلبوهن. وانتهبوا سائر الفساطيط وأضرموا المعسكر نارا وأحس المسلمون بما وراءهم في معسكرهم فاختل مصافهم وارتدوا على أعقابهم بعد أن كان ابن السلطان صمم في طائفة من قومه وذويه حتى خالطهم في صفوفهم، فأحاطوا به وتقبضوا عليه، وولى السلطان متحيزا إلى فئة المسلمين، واستشهد كثير من الغزاة ووصل الطاغية إلى فسطاط السلطان من المحلة وأنكر قتل النساء والولدان، ووقف منه لمنتهى أثره، وانكفأ راجعا إلى بلاده، ولحق ابن الأحمر بغرناطة، وخلص السلطان إلى الجزيرة، ثم إلى الجبل. ثم ركب السفين إلى سبتة في ليله ومحص الله المسلمين وأجزل ثوابهم. وأرجأ لهم الكرة على عدوهم.
** (الخبر عن منازلة الطاغية الجزيرة، ثم تغلبه عليها بعد أن غلب على القلعة من ثغور ابن الأحمر) **
لما رجع الطاغية من طريف استأسد على المسلمين بالأندلس، وطمع في التهامهم، وجمع عساكر النصرانية، ونازل قلعة بني سعيد ثغر غرناطة. وعلى مرحلة منها وجمع الآلات والأيدي على حصارها، واشتد مخنقها وأصابهم الجهد من العطش، فنزلوا على حكمه سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة وأدال الله الطيب منها بالخبيث، وانصرف إلى بلده. وكان السلطان أبو الحسن لما أجاز إلى سبتة أخذ نفسه بالعودة إلى الجهاد لرجع
الكرة وبعث في الأمصار للاستنفار، وأخرج قواده إلى سواحل البحر لتجهيز الأساطيل حتى اكتمل له منها عدد. ثم ارتحل إلى سبتة لمشارفتها، وقدم عساكره إلى العدوة مع وزيره عسكر بن تاحضريت. وبعث على الجزيرة محمد بن العباس بن تاحضريت من قرابة الوزير، وبعثه إليها مددا من العسكر مع موسى بن إبراهيم اليرنياني من المرشحين للوزارة ببابه، وبلغ الطاغية خبره فجهز أسطوله وأجراه إلى بحر الزقاق لمدافعته. وتلاقت الأساطيل ومحص الله المسلمين واستشهد منهم أعاد وتغلب أسطول الطاغية على بحر الزقاق وملكوه دون المسلمين وأقبل الطاغية من إشبيلية في عساكر النصرانية حتى أناخ بها على الجزيرة الخضراء مرفا أساطيل المسلمين وفرضة المجاز. وأمل أن ينظمها في مملكته مع جارتها طريف، وحشد الفعلة والصناع للآلات، وجمع الأيدي عليها وطاولها الحصار. واتخذ أهل المعسكر بيوتا من الخشب للمطاولة. وجاء السلطان أبو الحجاج بعساكر الأندلس فنزل قبالة الطاغية بظاهر جبل الفتح في سبيل الممانعة. وأقام السلطان أبو الحسن بمكانه من سبتة ليسرب عليها المدد من الفرسان والمال والزرع في أحايين الفعلة من أساطيلهم، وتحت جناح الليل، فلم يغنهم ذلك، واشتد عليهم الحصار وأصابهم الجهد. وأجاز إليه السلطان أبو الحجاج يفاوضه في شأن السلم مع الطاغية، بعد إذن الطاغية له في الإجازة مكرا به وترصد له بعض الأساطيل في طريقه فصدقهم المسلمون القتال وخلصوا إلى الساحل بعد غص الريق، وضاقت أحوال الجزيرة ومن كان بها من عساكر السلطان. وسألوا من الطاغية الأمان على أن ينزلوا عن البلد فبذله وخرجوا فوفى لهم.
وأجازوا إلى المغرب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة فأنزلهم السلطان ببلاده على خير نزل، ولقاهم من المبرة والكرامة ما أعاضهم مما فاتهم، وخلع عليهم وحملهم وأجازهم بما تحدث به الناس. وتقبض على وزيره عسكر بن تاحضريت عقوبة على تقصيره في المدافعة، مع تمكنه منها بما كان لديه من العساكر. وانكفأ السلطان إلى حضرته موقنا بظهور أمر الله، وإنجاز وعده في رجوع الكرة وعلو الدين. والله متم نوره ولو كره الكافرون
** (الخبر عن شفاعة صاحب تونس في أولاد أبي العلاء ووصولهم الى السلطان) **
كان عثمان بن أبي العلاء من أعياض آل عبد الحق، شيخ الغزاة المجاهدين من زناتة والبربر بالأندلس. وكان له فيها مقام معلوم في حماية الثغور ومدافعة العدو، وغزو دار الحرب، ومساهمة صاحب الأندلس الجهاد كما نستوفي أخباره. وكان السلطان أبو سعيد لما استصرخ بأهل الأندلس اعتذر بمكانه بينهم. واشترط عليهم أن يمكنوه من قياده حتى يقضي نوبة الجهاد، فلم يسعفوه بذلك. ولما هلك عثمان بن أبي العلاء، قام بالأمر من بعده في مراسم الجهاد بنوه وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كبيرهم أبي ثابت عامر. وقويت عصابتهم بالموالي والأبناء، وغلبت على يد السلطان يدهم، واستبدوا عليه في أكثر الأحوال، واستنكف لها، وكان ذلك مما دعاه إلى القدوم على السلطان أبي الحسن. وارتاب بنو أبي العلاء في إجازته إليه، واتهموه على أنفسهم، وأسعدهم إلى منازلة جبل الفتح على كره. فلما تغلب المسلمون عليه، وقضى ابن الأحمر من مدافعة الطاغية عنه بالرغبة ما قضى كما ذكرناه، واعتزم على القفول إلى حضرته، أجمعوا الفتك به في طريقه. وداخلوا في ذلك مولاه ابن المعلوجي لما أسفهم به من إرهاف حده والتضييق عليهم في جاههم، فبرموا وطووا على البث [1] ، حتى إذا وجدوا من أبي العلاء صاغية إلى ذلك، خفوا إلى إجابتها، ونذر بهم محمد بن الأحمر فبعث عن السفن تعرضه في طريقه [2] وساحل إليهم، وتسابقوا لشأنهم قبل فوته، فأدركوه دون حصن أصطبونة. وعتبوه فاستعتب، وأغلظوا له في القول، وقتلوا مولاه عاصما صاحب ديوان العطاء تجنيا عليه. ونكر ذلك السلطان فتناولوه بالرماح قعصا وطعنا حتى أقعصوه. ورجعوا إلى المعسكر فاستدعوا من كان داخلهم من الموالي. وجاءوا بأخيه أبي الحجاج يوسف بن أبي الوليد، فبايعوا له وأصفقوا على تقديمه. وسرح لحينه قائده ابن عزون، فاستولى له على دار ملكه، وتم أمره وحجبه رضوان مولى أبيهم، واستبد عليه، وسكن بين
جنبيه من بني أبي العلاء وقتلهم لأخيه داء دخيل، حتى إذا سما السلطان أبو الحسن إلى الجهاد، وأجاز المدد إلى ثغور عمله بالأندلس، وعقد لابنه الأمير أبي مالك، أسر إليهم في شأن بني أبي العلاء بما كان أبوه السلطان أبو سعيد اشترط عليهم في مثلها. ووافق منه داعية لذلك فتقبض عليهم أبو الحجاج وأودعهم المطبق أجمع. ثم أشخصهم في السفين إلى مراسي إفريقية، فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى. وبعث فيهم السلطان أبو الحسن إليه فاعتقلهم، ثم أوعز إليه مع عريف الوزعة ببابه ميمون بن بكرون في إشخاصهم إلى حضرته، فتوقف عنها. وأبى من إخفار ذمتهم ووسوس إليه وزيره أبو محمد بن تافراكين بأن مقصد السلطان فيهم غير ما ظنوا به من الشر. ورغب ببعثهم إليه والمبالغة في الشفاعة فيهم، علما بأن شفاعته لا ترد فأجابه لذلك، وجنبوهم إليه مع ابن بكرون. واتبعهم أبو محمد بن تافراكين بكتاب الشفاعة فيهم من السلطان. وقدموا على السلطان أبي الحسن مرجعه من الجهاد سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة فتلقاهم بالبر والترحيب إكراما لشفيعهم. وأنزلهم بمعسكره وجنب لهم المقربات بالمراكب الثقيلة، وضرب لهم الفساطيط، وأسنى لهم الخلع والجوائز وفرض لهم أعلى رتب العطاء وصاروا في جملته. ولما احتل بسبتة لمشارفة أحوال الجزيرة، سعى عنده فيهم بأن كثيرا من المفسدين يداخلونهم في الخروج والتوثب على الملك، فتقبض عليهم وأودعهم في السجن بمكناسة، إلى أن كان من خبرهم مع ابنه أبي عنان ما نذكره إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
** (الخبر عن هدية السلطان الى المشرق وبعثه بنسخ المصحف من خطه الى الحرمين والقدس) **
كان للسلطان أبي الحسن مذهب في ولاية ملوك المشرق، والكلف بالمعاهد الشريفة تقبله من سلفه. وضاعفه لديه متن ديانته. ولما قضى من أمر تلمسان ما قضى، وتغلب على المغرب الأوسط، وصار أهل النواحي تحت ربقة منه، واستطال بجناح سلطانه، خاطب لحينه صاحب مصر والشام محمد بن قلاوون الملك الناصر، وعرفه بالفتح وارتفاع العوائق عن الحاج في سابلتهم. وكان فرانقه [1] في ذلك
فارس بن ميمون بن وردار. وعاد بجواب الكتاب وتقرير المودة بين السلف. وأجمع السلطان على كتب نسخة عتيقة من المصحف الكريم بخط يده ليوقفها بالحرم الشريف قربة إلى الله تعالى، وابتغاء للمثوبة، فانتسخها وجمع الوراقين لمعاناة تذهيبها وتنميقها، والقراء لضبطها وتهذيبها حتى اكتمل شأنها، وصنع لها وعاء مؤلفا من خشب الأبنوس والعاج والصندل فائق الصنعة وغشي بصفائح الذهب ونظم الجوهر والياقوت واتخذ له اصونه الجلد المحكمة الصنعة وغشي بصفائح الذهب، ونظم بالجوهر والياقوت، واتخذت له أصونة الجلد المحكمة الصناعة، المرقوم أديمها بخطوط الذهب من فوقها غلاف الحرير والديباج وأغشية الكتان. وأخرج من خزائنه أموالا عينها لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفا على القراء فيها، وأوفد على الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر والشام، خواص مجلسه وكبار أهل دولته، مثل عريف بن يحيى أمير زغبة، والسابق المقدم في بساطه على كل خالصة عطية بن مهلهل بن يحيى كبير الخولة. وبعث كاتبه أبا الفضل بن محمد بن أبي مدين وعريف الوزعة ببابه وصاحب دولته عبو بن قاسم المزوار [1] ، واحتفل في الهدية للمزوار للسلطان صاحب مصر احتفالا تحدث الناس به دهرا. ووقفت على برنامج الهدية بخط أبي الفضل بن أبي مدين هذا الرسول ووعيته وأنسيته وذكر لي بعض قهارمة الدار أنه كان فيها خمسمائة من عتاق الخيل المقربات، بسروج الذهب والفضة ولجمها، خالصا ومغشي ومموها، وخمسمائة حمل من متاع المغرب وما عونه وأسلحته، ومن نسج الصوف المحكم ثيابا وأكسية وبرانس وعمائم، وأزرا معلمة وغير معلمة. ومن نسج الحرير الفائق المعلم بالذهب ملونا وغير ملون، وساذجا ومنمقا.
ومن الدرق المجلوبة من بلاد الصحراء المحكمة بالدباغ المتعارف، وتنسب إلى اللمط.
ومن خرثي المغرب وما عونه وما يستظرف صناعته بالمشرق، حتى لقد كان فيها مكيل من حصى الجوهر والياقوت. واعتزمت حظية من حظايا أبيه على الحج في ركابه ذلك، فأذن لها واستبلغ في تكريمها. واستوصى بها وافده وسلطان مصر في كتابه.
وفصلوا من تلمسان سنة [2] وأدوا رسالتهم إلى الملك الناصر وهديتهم،
فتقبلها وحسن لديه موقعها. وكان يوم وفادتهم عليه بمصر يوما مشهودا، تحدث به الناس دهرا، ولقاهم في طريقهم أنواع البر والتكرمة حتى قضوا فرضهم، ووضعوا المصحف الكريم حيث أمرهم صاحبهم. وأسنى هدية السلطان من فساطيطهم الغريبة الشكل والصنعة بالمغرب، ومن ثياب الإسكندرية البديعة النسج المرقومة بالذهب، ورجعهم بها إلى مرسلهم وقد استبلغ في تكريمهم ووصلتهم. وبقي حديث هذه الهدية مذكورا بين الناس لهذا العهد.
ثم انتسخ السلطان نسخة أخرى من المصحف الكريم على القانون الأول، ووقفها على القراءة بالمدينة، وبعث بها من تخيره لذلك العهد من أهل دولته. سنة [1] واتصلت الولاية بينه وبين الملك الناصر إلى أن هلك سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وولي الأمر من بعده ابنه أبو الفداء إسماعيل، فخاطبه السلطان وأتحفه وعزاه عن أبيه، وأوفد عليه كاتبه وصاحب ديوان الخراج أبا الفضل بن عبد الله بن أبي مدين فقضى من وفادته ما حمل. وكان شأنه عجبا في إظهار أبهة سلطانه، والإنفاق على المستضعفين من الحاج في طريقه، واتحاف رجال الدولة التركية بدأت يده والتعفف عما في أيديهم. ثم شرع بعد استيلائه على إفريقية كما نذكره في كتاب نسخة أخرى من المصحف الكريم ليوقفها ببيت المقدس، فلم يقدر إتمامها، وهلك قبل فراغه من نسخها، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن هدية السلطان الى ملك مالي من السودان المجاورين للمغرب) **
كان للسلطان أبي الحسن مذهب في الفخر يتطاول به إلى مناغات الملوك الأعاظم واقتفاء سننهم في مهاداة الأقتال والأمصار [2] ، وإيفاد الرسل على ملوك النواحي القاصية والتخوم البعيدة. وكان ملك مالي أعظم ملوك السودان لعهده مجاورا لملكه بالمغرب على مائة مرحلة في القفر من ثغور ممالكه القبلية. ولما غلب بني عبد الواد على تلمسان وابتزهم ملكهم، واستولى على ممالك المغرب الأوسط، وتحدث الناس
بشأن أبي تاشفين وحصاره ومقتله، وما كان للسلطان في ذلك من سورة التغلب وآية العز وإهانة العدو وشاعت أخبار ذلك في الآفاق. وسما سلطان مالي منسا موسى المتقدم ذكره في أخبارهم إلى مخاطبته. فأوفد عليه فرانقين من أهل مملكته مع ترجمان من الملثمين المجاورين لممالكهم من صنهاجة، فوفدوا على السلطان في التهنئة بالغلب والظفر بالعدو، فأكرم وفادتهم وأحسن مثواهم ومنقلبهم. ونزع إلى طريقته في الفخر، فأتحف طرفا من متاع المغرب وماعونه من ذخيرة داره وأسناها، وعين رجالا من أهل دولته، كان فيهم كاتب الديوان أبو طالب بن محمد بن أبي مدين ومولاه عنبر الخصي. وأوفدهم بها على ملك مالي منسا سليمان بن منسا موسى، لمهلك أبيه قبل مرجع وفده. وأوعز إلى أعراب الفلاة من المعقل بالسير معهم ذاهبين وجائين، فشمر لذلك علي بن غانم أمير أولاد جار الله من المعقل، وصحبهم في طريقهم امتثالا لأمر السلطان. وتوغل ذلك الركاب في القفر إلى بلد مالي بعد الجهد وطول المشقة، فأحسن مبرتهم وأعظم موصلهم وأكرم وفادتهم ومنقلبهم. وعادوا إلى مرسلهم في وفد من كبار مالي يعظمون سلطانه، ويوجبون حقه، ويؤدون طاعته من خضوع مرسلهم وقيامه بحق السلطان واعتماله في مرضاته ما استوصاهم به، فأدوا رسالتهم وبلغ السلطان أربا من اعتزازه على الملوك وخضوعهم لسلطانه، وقضاء حق الشكر لله في صنعه.
** (الخبر عن اصهار السلطان الى صاحب تونس) **
لما هلكت ابنة السلطان أبي يحيى بطريف فيمن هلك من حظايا السلطان أبي الحسن بفساطيطه، بقي في نفسه منها شيء حنينا إلى ما شغفته به من خلالها وعزة سلطانها، وقيامها على بيتها، وظفرها في تصريفها [1] ، والاستمتاع بأصول الترف ولذاذة العيش في عشيرتها، فسما أمله إلى الاعتياض عنها ببعض أخواتها. وأوفد في خطبتها وليه عريف بن يحيى أمير زغبة، وكاتب الجباية والعساكر بدولته أبا الفضل ابن عبد الله بن أبي مدين، وفقيه الفتوى بمجلسه أبا عبد الله محمد بن سليمان
السطي، ومولاه عنبر الخصي، فوفدوا يوم مثنى من سنة ست وأربعين وسبعمائة وأنزلوا منزل البر، واستبلغ في تكريمهم ودس الحاجب أبو عبد الله بن تافراكين إلى سلطانه غرض وفادتهم، فأبى من ذلك صونا لحرمة عن جولة الأقطار وتحكم الرجال، واستعظاما لمثل هذا العرس. ولم يزل حاجبه ابن تافراكين يخفض عليه الشأن ويعظم عليه حق السلطان أبي الحسن في رد خطبته مع الأذمة السابقة بينهما من الصهر والمخالصة إلى أن أجاب وأسعف. وجعل ذلك إليه فانعقد الصهر بينهما وأخذ الحاجب في شوار العروس، وتأنق فيه واحتفل واستكثر وطال ثواء الرسل إلى أن استكمل وارتحلوا من تونس لربيع من سنة تسع [1] وأربعين وسبعمائة وأوعز مولانا السلطان أبو يحيى إلى ابنه الفضل صاحب بونة وشقيق هذا العروس أن يزفها على السلطان أبي الحسن قياما بحقه، وبعث من بابه مشيخة من الموحدين مقدمهم عبد الواحد بن محمد بن أكمازير، صحبوا ركابها إليه. ووفدوا جميعا على السلطان واتصل الخبر أثناء طريقهم بمهلك مولانا السلطان أبي يحيى عفا الله عنه، فعزاهم السلطان أبو الحسن عنه عند ما وصلوا إليه، واستبلغ في تكريمهم وأجمل موعد أخيها الفضل بسلطانه ومظاهرته على تراث أبيه فاطمأنت به الدار الى أن سار في جملة السلطان وتحت ألويته إلى إفريقية كما نذكر إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن حركة السلطان الى إفريقية واستيلائه عليها) **
كان السلطان أبو الحسن قد امتدت عينه إلى ملك إفريقية لولا مكان السلطان أبي يحيى من ولايته وصهره، وأقام يتحين لها الأوقات، ولما بعث إليه في الصهر وأشيع بتلمسان أن الموحدين ردوا خطبته، نهض من المنصورة بتلمسان وأغذ السير إلى فاس ففتح ديوان العطاء، وأزاح علل العسكر، وعقد على المغرب الأقصى لحافده منصور ابن الأمير أبي مالك، وفوض إلى الحسن بن سليمان بن يرزيكن في أحكام الشرطة، وعقد له على الضاحية، وارتحل إلى تلمسان مضمرا الحركة إلى إفريقية حتى إذا جاء الخبر اليقين بالإسعاف والزفاف سكن عزمه [2] وهدأ طائره. فلما هلك السلطان أبو
يحيى في رجب من سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وكان من قيام ابنه عمر بالأمر، ونزوع الحاجب أبي محمد بن تافراكين في رمضان منها ما ذكرناه، تحركت عزائم السلطان لذلك. ورغبه ابن تافراكين في ملك الموحدين، فرغب وجاء على أثره الخبر بما كان من قتل عمر لأخيه أحمد ولي العهد، وكان يستظهر على عهده بكتاب أبيه، وما أودعه السلطان بحاشيته من الوفاق على ذلك بخطه، واقتضاه منه حاجبه أبو القاسم بن عتو في سفارته إليه، فامتعض السلطان لما أضاع عمر من عهد أبيه، وهدر من دم أخيه. وارتكب مذاهب العقوق فيهم، وخرق السباج الذي فرضه بخطه عليهم، فأجمع الحركة إلى إفريقية ولحق به خالد بن حمزة بن عمر نازعا إليه ومستغذا مسيره، ففتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالمسير إلى إفريقية، وأزاح عللهم. وكان صاحب بجاية المولى أبو عبد الله حافد مولانا الأمير أبي يحيى، وفد على السلطان أبي الحسن إثر مهلك جده بقرب المآب [1] بسفارة أبيه إليه، ويطلب الإقرار على عمله. فلما استيأس منه واستيقن حركته بنفسه إلى إفريقية، طلب الرجوع إلى مكانه فأسعف وفصل إلى بجاية.
ولما قضى السلطان منسك الأضحى من سنة تسع وأربعين وسبعمائة عقد لابنه الأمير أبي عنان على المغرب الأوسط، وعهد إليه بالنظر في أموره كافة، وجعل إليه جبايته، وارتحل يريد إفريقية. وسار في جملته هو وخالد بن حمزة أمير البدو. ولما احتل بوهران ووافاه هنالك وفد قسطيلة وبلاد الجريد، يقدمهم أحمد بن مكي أمير حربه [2] ورديف أخيه عبد الملك في إمارته، ويحيى بن محمد بن يملول أمير توزر سقط إليها بعد خروج الأمير أبي عمر العباس ولي العهد عنها، ومهلكه بتونس، وأحمد بن عامر بن العابد رئيس نفطة، رجعا إليهما كذلك بعد مهلك ولي العهد، فلقيه هؤلاء الرؤساء بوهران في ملإ من وجوه بلادهم، فآتوه بيعتهم وقضوا حق طاعته. وتثاقل محمد بن ثابت أمير طرابلس عن اللحاق به، فبعث بيعته معهم، فأكرم وفدهم وعقد لهم على أمصارهم، وصرفهم إلى أعمالهم. وتمسك بأحمد بن مكي لصحابة ركابه، وفي جملته، وأغذ السير. ولما احتل ببني حسن من أعمال بجاية، وافاه بها منصور بن فضل بن مزني أمير بسكرة وبلاد الزاب في وفد من أهل
وطنه، ويعقوب بن علي بن أحمد سيد الزواودة وأمير البدو بضاحية بجاية وقسنطينة، فتلقاهم بالمبرة والاحتفاء وألزمهم ساقته. وسرح بين يديه قائده حمو بن يحيى العسكري [1] من صنائع أبيه، فلما عسكر بساحة بجاية أبو عبد الله وأبي عليه أهل البلد رهبة من السلطان ورغبة فيه، وانفضوا من حوله، ولحقت مشيختهم من القضاة وأهل الفتيا والشورى بمجلس السلطان. وسابقهم إليه حاجبه فارح مولى ابن سيد الناس، فأدى طاعته ورجعه إليه للخروج للقاء ركابه. وارتحل حتى إذا أطلت راياته على البلد، بادر المولى أبو عبد الله ولقيه بساحة البلد، واعتذر من تخلفه فتقبل عذره وأحله من البر والتكرمة محل الولد العزيز. وأقطعه عمل كومية من نواحي هنين، وأسنى جرايته بتلمسان وأصحبه إلى ابنه أبي عنان صاحب المغرب الأوسط واستوصاه به. ودخل بجاية فرفع عنهم الظلامات وحط عنهم الربع من المغارم. ونظر في أحوال ثغورها فثقفها وسد فروجها. وعقد عليها لمحمد بن النوار [2] من طبقة الوزراء والمرشحين لها، وأنزل معه حامية من بني مرين. وكاتب الخراج ببابه بركات بن حسون بن البواق، وارتحل مغذا لسيرة حتى احتل بقسطينة. وتلقاه أميرها أبو زيد حافد مولانا السلطان أبي يحيى وأخواه أبو العباس أحمد وأبو يحيى زكريا وسائر إخوتهم، فأتوه ببيعتهم ونزلوا له عن عملهم. وأدالهم السلطان منه بندرومة من عمل تلمسان، عقد للمولى أبي زيد على إمارتها، وجعل له إسوة إخوته في أقطاع جبايتها، ودخل البلد وعقد عليها لمحمد بن العباس، وانزل معه العباس بن عمر في قومه من بني عسكر. وأمضى أقطاعات الزواودة ووافاه هنالك عمر بن حمزة سيد الكعوب لعهده وأمير البدو مستحثا لركابه. وأخبره برحيل السلطان عمر ابن مولانا السلطان أبي يحيى من تونس فيمن اجتمع إليه من أولاد مهلهل أقتالهم من الكعوب موجها إلى ناحية قابس. وأشار على السلطان بتسريح العساكر لاعتراضه قبل أن يخلص إلى طرابلس، فسرح معه حمو بن يحيى العسكري قائده في عسكر من بني مرين والجند. وارتحلوا في اتباع السلطان أبي حفص، وتلوم السلطان أبو الحسن بقسنطينة، واعترض عساكره بسطح الجعاب منها. وصرف يوسف بن مزني إلى عمله بالزاب، بعد أن خلع عليه وحمله.
ثم عقد للمولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى على مكان عمله ببونة، وملأ حقائبه جائزة وخلعا نفيسة وسرحه، ثم ارتحل على أثرهم وأوعز حمو بن يحيى مع الناجعة من أولاد أبي الليل، ولحقوا بالأمير أبي حفص بمباركة من ناحية قابس، فأوقعوا به وتردى عن فرسه في حومة القتال هو ومولاه ظافر السنان القائم بدولته من المعلوجي، فتقبض عليهما وسيقا إلى أبي حمو فاعتقلهما إلى الليل، ثم ذبحهما وأنفذ برءوسهما إلى السلطان. ولحق الفل بقابس، فتقبض عبد الملك بن مكي على أبي القاسم بن عتو صاحب الأمير أبي حفص وشيخ الموحدين، وعلى صخر بن موسى شيخ بني سكين من سدويكش فيمن تقبض عليه من ذلك الفل، وأشخصهم مقرنين في الأصفاد إلى السلطان. وسرح السلطان عساكره إلى تونس، وعقد عليهم ليحيى بن سليمان صهره من بني عسكر على ابنته، وأنفذ معه أحمد بن مكي فاحتلوا بتونس، واستولوا عليها. وانطلق ابن مكي إلى مكان عمله من هنالك لما عقد له السلطان عليه وسرحه إليه بعد أن خلع عليه وعلى حاشيته وحملهم. ونزل السلطان بناحية باجة، فوافاه هنالك البريد برأس الأمير أبي حفص. وعظم الفتح.
ثم ارتحل إلى تونس واحتل بها يوم الأربعاء الثامن لجمادى الآخرة من سنة ثمان.
وتلقاه وفد تونس وملؤها من شيوخ الشورى وأرباب الفتيا، فآتوا طاعتهم وانقلبوا مسرورين بملكتهم. ثم عبى يوم السبت إلى دخولها مواكبه، وصف جنوده سماطين من معسكره بسيجوم إلى باب البلد يناهز ثلاثة أميال أو أربعة. وركب بنو مرين إلى مراكزهم في جموعهم وتحت راياتهم. وركب السلطان من فسطاطه وراكبه من على يمينه وليه عريف بن يحيى أمير زغبة، ويليه أبو محمد عبد الله بن تافراكين ومن على يساره الأمير أبو عبد الله محمد أخو مولانا السلطان أبي يحيى، ويليه الأمير أبو عبد الله ابن أخيه خالد، كانا معتقلين بقسنطينة مع ولدهما منذ خروج أخيه الأمير أبي فارس فأطلقهم السلطان أبو الحسن وصحبوه إلى تونس، فكانوا طرازا في ذلك الموكب فيمن لا يحصى من أعياص بني مرين وكبرائهم. وهدرت طبوله، وخفقت راياته، وكانت يومئذ مائة. وجاء والمواكب تجتمع عليه صفا صفا إلى أن وصل إلى البلد، وقد ماجت الأرض بالجيوش، وكان يوما لم ير مثله فيما عقلناه. ودخل السلطان إلى القصر وخلع على أبي محمد بن تافراكين كسوته وقرب إليه فرسه بسرجه ولجامه.
وطعم الناس بين يديه وانتشروا. ودخل السلطان مع أبي محمد بن تافراكين إلى حجر
القصر ومساكن الخلفاء، فطاف عليها ودخل منه إلى الرياض المتصلة به المدعوة برأس الطابية، فطاف على بساتينه وجوائزه، وأفضى منه إلى معسكره وأنزل يحيى ابن سليمان بقصبة تونس في عسكر لحمايتها. ووصل إليه فل الأمير أبي حفص والأسرى بقابس مقرنين في أصفادهم، فأودعهم السجن بعد أن قطع أبا القاسم بن عتو وصخر بن موسى من خلاف، لفتيا الفقهاء بحرابتهم [1] . وارتحل من الغد إلى القيروان فجال في نواحيها. ووقف على آثار الأولين ومصانع الأقدمين والطلول الماثلة لصنهاجة والعبيديين، وزار أجداث العلماء والصالحين.
ثم سار إلى المهدية ووقف على ساحل البحر، ونظر في عاقبة الذين كانوا من قبل أشد قوة وآثارا في الأرض، واعتبر بأحوالهم. ومر في طريقه بقصر الأجم ورباط المنستير، وانكفأ راجعا إلى تونس، واحتل بها غرة رمضان وأنزل المسالح على ثغور إفريقية، وأقطع بني مرين البلاد والضواحي، وأمضى أقطاعات الموحدين للعرب. واستعمل على الجهات وسكن القصر وقد عظم الفتح وعظمت في الاستيلاء على الممالك والدول المنة. واتصلت ممالكه ما بين مسراته والسوس الأقصى من هذه العدوة، وإلى رندة من عدوة الأندلس. والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ودفع إليه الشعراء بتونس يهنئونه بالفتح، وكان سابقهم في تلك النوبة أبو القاسم الرحوي من ناشئة أهل الأدب فرفع إليه قوله:
أجابك شرق إذ دعوت ومغرب ... فمكة هشت للقاء ويثرب
وناداك مصر والعراق وشامه ... بدارا، فصدع الدين عندك يشعب
وحيتك أو كادت تحيى منابر ... عليها دعاة الحق باسمك تخطب
فسارع منا كل دان وشاسع ... إلى طاعة من طاعة الله تحسب
وتاقت لك الأرواح حبا ورغبة ... وأنت على الآمال تنأى وتقرب
ففي البلدة البيضاء معشر ... وأنت بأفق الناصرية ترقب
ووافتك من ذات النخيل وفودها ... فلقاهم أهل لديك ومرحب
ولم تتلكأ عن إباء بجاية ... ولكن تراض الصعب حينا وتركب
تأبت فلما أن أطلت عساكر ... ترى الشهب منها تستباح وتنهب
تبادر منهم مذعن ومسلم ... وأذعن منهم شاغب ومؤلب
وما تونس إلا بمصر مروع ... وفي حرم أمست لديك تسرب
وما أهلها إلا بغاث لصائد ... وبالعز منها استنصروا وتعقبوا
وقد كنت قبل اليوم كهف زعيمهم ... فها أنت كهف للجميع ومهرب
فكل يرى أن الزمان أداله ... بكم فأجاب العيش والعيش مخصب
وكذلك ابن طائع وإن اعتلت ... به السن أحوالا وأنت له أب
وما ذاك إلا أن عدلك ينتمي ... إلى الخلفاء الراشدين وينسب
تساميت في ملك ونسك بحظة ... حذياك محراب لديها ومركب
إذا لذ للأملاك خمر مدامة ... فلذ لك القرآن يتلى ويكتب
وإن أد من القوم الصبوح فإنما ... على ركعات بالضحى أنت تدأب
وإن حمدوا الشرب الغبوق فإنما ... شرابك بالإمساء ذكر مرتب
وإن خشنت أخلاقهم وتحجبوا ... فما أنت فظ بل، ولا متحجب [1]
لقد كرمت منك السجايا فأصبحت ... إذا ما أمر الدهر تحلو وتعذب
كما شيدت بيتا في ذؤابة معشر ... يزيدهم قحطان فخرا ويغرب
هم التاركو قلب القساور خضعا ... وعن شأوهم كفت عبيد وأغلب
هم الناس والأملاك تحت جوارهم ... هم العظم الأرض العظيمة مغرب [2]
هم المالكو الملك العظيم فبيتهم [3] ... على كاهل السبع الشداد مطنب
لقد أصبحت بغداد تحسد بأسهم ... وحلة ودت أن تكون مناسب [4]
تجلت ببيت [5] المجد منهم كواكب ... لقد حل منها شارق ومغرب
فالله منهم ثلة بغريبة [6] ... يروم بناها الأعجمي فيعرب
لقد قام عبد الحق للحق طالبا ... فما فاته منه الذي قام يطلب
وأعقب يعقوبا يؤم سبيله ... فلم يخطه وهو السبيل المنجب [7]
وخلف عثمانا فلله صارم ... به بان للإسلام شرع ومذهب
فكم في سبيل الله شن إغارة ... لما شاد أهل الكفر أمست تخرب
ولما أراد الله إتمام منة ... تقلدها منا مطيع ومذنب
أتى بك للدين الحنيفي آية ... تعرى بها عن لامع الحق غيهب
فجئت بما يرضى به الله سالكا ... سبيلا إلى رضوانه بك يذهب
وقمت بأمر الله حق قيامه ... يناضل عنه منك نضل مدرب
وأصبح أهل الله أهلا وشيعة ... لكم ولهم منكم مكان ومنصب
وحل بأهل الفتك ما حل عزمهم ... وقام لديهم واعظ مترقب [1]
وجاهدت في الرحمن حق جهاده ... فراهب أهل الكفر بأسك يرهب
وأنقذت من أيدي الإغارة أمة ... وأولى جهاد كان بل هو أوجب
فأصبحت الدنيا عروسا يزفها ... لأمرك من جاري المقادير [2] مغرب
فلا مصر إلا قد تمناك أهله ... ولا أرض إلا باذكارك تخصب
وما الأرض إلا منزل أنت ربه ... وما حلها إلا الودود المرجب
تملكت شطر الأرض كسبا وشطرها ... وراثا [3] فطاب الكل إرثا ومكسب [3]
بجيش على الألواح والماء يمتطي ... وجيش على الضمر السوابق يركب
وجيش من الإحسان والعدل والتقى ... وذلك لعمر الله أغلى وأغلب
فلا مركب إلا يزين راكبا ... ولا راكب إلا به ازدان مركب
ولا رمح إلا وهو أهيف خاطر ... ولا سيف إلا وهو أبيض فأضب [4]
فكم كاتب خطيه ودواته ... ولم يقر خطا يغتدى وهو يكتب [5]
يمر على الأبطال وهو كأنه ... هزبر وأبطال الفوارس ربرب
وكم كاتب لا ينكر الطعن رمحه ... خبير بأيام الأعاريب معرب
له من عجيب السحر بالقول أضرب ... وفي هامة القوم المضارب مضرب
فها هو في الأقوال واش محبر ... وها هو في الأمثال ثاو مجرب
ومن ساحب بردا من العلم والتقى ... عليه ذيول الداودية تسحب
له صبغة في العلم جاءت بأصبغ ... وشهبان فهم لم يشمهن أشهب
فيا عسكرا قد ضم أعلام عالم ... به طاب في الدنيا لنا متقلب
هم الفئة العلياء والمعشر الذي ... إذا حل شعبا [1] فهو للحق مشعب
لك الفضل في الدنيا على كل قاطن ... ومرتحل أنى يجيء ويذهب
ويا مالكا [2] عدلا رضى متورعا ... مناقبه العلياء تتلى وتكتب
شرعت من الإحسان فينا شريعة ... تساوى بهاناء ومن يتقرب
وأسميت أهل النسك إذ كنت منهم ... فمنك أخو التقوى قريب مقرب
وأعليت قدر العلم إذ كنت عالما ... فقيها وفي طلابه لك مأرب
فمدحك محتوم على كل قائل ... ومن ذا الذي يحصي الرمال ويحسب
فلله كم تعطي وتمطي وتجتبي ... فللبحر من كفيك قد صح منسب
فلا برحت كفاك في الأرض مزنة ... يطيب بها للخلق مرعى ومشرب
ولا زلت في علياء مجدك راقيا ... وشانئك المدحوض ينكى وينكب
توافي على أقصى أمانيك آمنا ... فلا بر يستعصى ولا يتعصب
** الخبر عن واقعة العرب مع السلطان أبي الحسن بالقيروان وما تخللها من الأحداث **
كان هؤلاء الكعوب من بني سليم رؤساء البدو بإفريقية، وكان لهم اعتزاز على الدولة لا يعرفون غيره مذ أولها بل وما قبله، إذ كان سليم هؤلاء منذ تغلب العرب من مضر على الدول والممالك أول الإسلام انتبذوا إلى الضواحي والقفار، وأعطوا من صدقاتهم عن عزة، وارتاب الخلفاء بهم لذلك حتى لقد أوصى المنصور ابنه المهدي أن لا يستعين بأحد منهم كما ذكر الطبري. فلما انثالت الدولة العباسية واستبد الموالي من العجم عليهم، اعتز بنو سليم هؤلاء بالقفر من أرض نجد، وأجلبوا على الحاج بالحرمين، ونالتهم منهم معرات، ولما انقسم ملك الإسلام بين العباسية والشيعة
واختطوا القاهرة، نفقت لهم أسواق الفتنة والتعزز، وساموا الدولتين بالهضيمة وقطع السابلة. ثم أغراهم العبيديون بالمغرب وأجازوا إلى برقة على أثر الهلاليين فخربوا عمرانها وأجروا في خلائها، حتى إذا خرج ابن غانية على الموحدين وانتزى بالثغور الشرقية طرابلس وقابس، واجتمع معه قراقش الغزي مولى بني أيوب ملوك مصر والشام، وانضاف إليهم أفاريق العرب من بني سليم هؤلاء وغيرهم، أجلبوا معه على الضواحي والأمصار، وصاروا في جملتهم من ناعق فتنتهم. ولما هلك قراقش وابن غانية واستبد آل أبي حفص بإفريقية وأعز الزواودة على الأمير أبي زكريا يحيى ابن عبد الواحد بن أبي حفص، استظهر عليهم ببني سليم هؤلاء، وزاحمهم بظواعنهم وأقطعهم بإفريقية ونقلهم عن مجالاتهم بطرابلس وأنزلهم بالقيروان، فكان لهم من الدولة مكان وعليها اعتزاز، ولما افترق سلطان بني أبي حفص، واستبد الكعوب برياسة البدو، وضربوا بين أعياصها وسعوا في شقاقها، وأصابت منهم وأصابوا منها، وكان بين مولانا الأمير أبي يحيى وبين حمزة بن عمر أخي الأمير منازعة وفتن وحرب سجال أعانه عليها ما كان من زحف بني عبد الواد إلى إفريقية وطمعهم في تملك ثغورها، فكان يستجر جيوشهم لذلك، وينصب الأعياص من بني أبي حفص يزاحم بهم، ثم غلبه مولانا السلطان أبو بكر آخرا واستجره إلى الطاعة ما كان من قطع كلمة الزبون [1] عن مولانا السلطان أبي يحيى، وهلاك عدوه من آل يغمراسن، بسيف وليه وظهيره السلطان أبي الحسن، فأذعن وسكن غرب اعتزازه. وحمل بني سليم على إعطاء صدقاتهم، فأعطوها بالكراهة. ثم هلك باغتيال الدولة له فيما يزعمون، وقام بالأمر بنوه ولم يعرفوا عواقب الأمور ولا أبلوا باعتساف الدولة، ولم يعهدوا ولا سمعوا لسلفهم غير الاعتزاز فحدثتهم أنفسهم بالفتنة والاعتزاز على قائد الدولة. وحاربوه فغلبوه، وأجلبوا على السلطان في ملكه، ونازلوه بعقر داره سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ولما سامهم الأمير ابن مولانا السلطان أبي يحيى الهضيمة بعد مهلك أبيه، نزعوا إلى أخيه ولي العهد، فجاء إلى تونس وملكها سبعا. ثم اقتحم عليه أخوه الأمير أبو حفص فقتله. وتقبض يوم اقتحامه البلد
على أبي الهول بن حمزة أخيهم، فقتله صبرا بباب داره بالقصبة، فأسفهم بها.
ونزعوا الى السلطان أبي الحسن ورغبوه في ملك إفريقية واستعدوه إليها.
ولما تغلب السلطان على الوطن وكانت حاله في الاعتزاز على من في طاعته غير حال الموحدين وملكته للبدو غير ملكتهم، وحين رأى اعتزازهم على الدولة وكثرة ما أقطعتهم من الضواحي والأمصار، نكره وأدالهم من الأمصار التي أقطعهم الموحدون بأعطيات فرضها لهم في الديوان. واستكثر جبايتهم، فنقصهم الكثير منها وشكا إليه الرعية من البدو وما ينالونهم به من الظلامات والجور بفرض الاتاوة التي يسمونها الخفارة، فقبض أيديهم عنها وأوعز إلى الرعايا بمنعهم منها، فارتابوا لذلك، وفسدت نياتهم وثقلت وطأة الدولة عليهم فترصدوا لها. وتسامع ذؤبانهم وبواديهم بذلك، فأغاروا على قياطين [1] بني مرين ومسالحهم بثغور إفريقية وفروجها، واستاقوا أموالهم، وكثر شاكيهم [2] وأظلم الجو منهم بينهم وبين السلطان والدولة.
ووفد عليه بتونس بعد مرجعه من المهدية وفد من مشيختهم، كان فيهم خالد بن حمزة مستحبة [3] إلى إفريقية، وأخوه أحمد وخليفة بن عبد الله بن مسكين، وابن عمه خليفة بن بو زيد من أولاد القوس، فأنزلهم السلطان وأكرمهم.
ثم رفع إليه الأمير عبد الرحمن ابن السلطان أبي يحيى زكريا بن اللحياني كان في جملته، وكان من خبره أنه رجع من المشرق بعد مهلك أبيه بمصر كما قدمناه سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فدعا لنفسه بجهات طرابلس. وتابعه أعراب ذباب، وبايع له عبد الملك بن مكي صاحب قابس. ونهض معه إلى تونس في غيبة السلطان لتخريب تامزيزدكت كما ذكرناه، فملكها أياما وأحس بمرجع السلطان فأجفل عنها. ولحق عبد الواحد بن اللحياني إلى تلمسان، إلى أن دلف إليها السلطان أبو الحسن بعساكره، ففارقهم وخرج إليه، فأحله محل التكرمة والمبرة واستقر في جملته إلى أن ملك تونس. ورفع إليه عند مقدم هذا الوفد أنهم دسوا إليه مع بعض حشمه، وطلبوه في الخروج معهم لينصبوه للأمر بإفريقية وتبرأ إلى السلطان من
ذلك، فأحضروا بالقصر ووبخهم الحاجب علال بن محمد بن المصمود، وأمر بهم، فسحبوا إلى السجن.
وفتح السلطان ديوان العطاء وعسكر بسيجوم من ساحة البلد بعد قضائه منسك الفطر من سنته. وبعث في المسالح والعساكر فتوافت إليه واتصل الخبر بأولاد أبي اليل وأولاد القوس باعتقال وفدهم وعسكرة السلطان لهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتعاقدوا على الموت، وبعثوا إلى أقتالهم أولاد مهلهل بن قاسم بن أحمد.
وكانوا بعد مهلك سلطانهم أبي حفص قد لحقوا بالقفر وانتبذوا عن إفريقية فرارا من مطالبة السلطان بما كانوا شيعة لعدوهم. فأغذ السير إليهم أبو الليل بن حمزة متطارحا عليهم بنفسه في الاجتماع على الخروج على السلطان، فأجابوه وارتحلوا معه. وتوافت أحياء بني كعب وحكيم جميعا بتوزر من بلاد الجريد، فهدروا الدماء بينهم وتدامروا وتبايعوا على الموت، والتمسوا من أعياص الملك من ينصبونه للأمر، فدلهم بعض سماسرة الفتن على رجل من أعقاب أبي دبوس فريسة بني مرين من خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش، عند ما استولى عليها. وكان من خبره أن أباه عثمان بن إدريس بن أبي دبوس لحق بمهلك أبيه بالأندلس، وصحب هنالك مرغم بن صابر شيخ بني ذباب وهو أسير ببرشلونة. فلما انطلق من أسره صحبه إلى وطن ذباب بعد أن عقد قمص برشلونة بينهما حلفا، وأمدهما بأسطول على مال التزماه له. ونزل بضواحي طرابلس وجبال البربر بها، ودعا لنفسه هنالك وقام بدعوته كافة العرب من ذباب، وقاتل طرابلس، فامتنعت عليه. ثم بايعه أحمد بن أبي الليل شيخ الكعوب بإفريقية، وأجلب به على تونس، فلم يتم أمره لرسوخ دعوة الحفصيين بإفريقية وانقطاع أمر بني عبد المؤمن منها، وآثارهم منذ الأحوال العديدة والآماد المتقادمة فنسي أمرهم.
وهلك عثمان بن إدريس هذا بجربة، ثم ابنه عبد السلام بعده، وترك من الولد ثلاثة: أصغرهم أحمد، وكان صناع اليدين. ولحقوا بتونس بعد ما طوحت بهم طوائح الاغتراب، وظنوا أن قد تنوسي شأن أبيهم، فتقبض عليهم مولانا السلطان أبو يحيى وأودعهم السجن إلى أن غربهم إلى الاسكندرية سنة أربع وأربعين وسبعمائة ورجع أحمد إلى إفريقية، واحتل بتوزر محترفا بالخياطة يتعيش منها، فاستدعاه بنو كعب هؤلاء حين اتفقت أهواؤهم ومن اتبعهم من أحلافهم أولاد القوس، وسائر
شعوب علاق. وخرج إليهم من توزر فنصبوه للأمر وجمعوا له شيئا. من الفساطيط والآلة والكسوة الفاخرة والمقربات. وأقاموا له رسم السلطان، وعسكروا عليه بحللهم وقياطينهم، وارتحلوا لمناجزة السلطان، ولما قضى منسك الأضحى من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ارتحل من ساحة تونس يريدهم، فوافاهم في الفرح بين بسيط تونس وبسيط القيروان المسمى بالثنية، فأجفلوا أمامه وصدقوه القتال منهزمين، وهو في اتباعهم إلى أن احتل بالقيروان، ورأوا أن لا ملجأ منه، فتذامروا واتفقوا على الاستماتة، ودس إليهم من عسكر السلطان بنو عبد الواد ومغراوة وبنو توجين فغلبوا بني مرين، ووعدوهم بالمناجزة صبيحة يومهم ليتحيزوا إليهم براياتهم، وصبحوا معسكر السلطان، وركب إليهم في الآلة والتعبية، فاختل المصاف، وتحيز إليهم الكثير، ونجا السلطان إلى القيروان فدخلها في الفل من عساكره ثامن المحرم سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وتدافعت ساقات العرب في أثره وتسابقوا إلى المعسكر، فانتهبوه ودخلوا فسطاط السلطان، فاستولوا على ذخيرته والكثير من حرمه، وأحاطوا بالقيروان، وأحاطت [1] حللهم بها سياجا، وتعاوت ذئابهم بأطراف البقاع، وأجلب ناعق الفتنة من كل مكان. وبلغ الخبر إلى تونس فاستحصن بالقصبة أولياء السلطان وحرمه، ونزع ابن تافراكين من جملة السلطان بالقيروان إليهم، فعقدوا له على حجابة سلطانهم أحمد بن أبي دبوس ودفعوه إلى محاربة من كان بالقصبة بتونس، وأغذ إليها السير واجتمع إليه أشياخ الموحدين وزعانف الغوغاء والجند، وأحاطوا بالقصبة، وعاودها [2] القتال، ونصب المنجنيق لحصارها. ووصل سلطانه أحمد على أثره، فامتنعت عليهم، ولم يغنوا فيها غناء، وافترق أمر الكعوب وخالف بعضهم بعضا إلى السلطان، وتساقطوا إليه، فتنفس مخنق الحصار عن القيروان، واختلفت إليه رسل أولاد مهلهل، وأحسن بهم أولاد أبي الليل بن حمزة بنفسه، وعاهد السلطان على الإفراج، ولم يفوا بعهده. وداخل السلطان أولاد مهلهل في الخروج إلى سوسة، فعاهدوه على ذلك. وأوعز أسطوله بمرساها وخرج معهم ليلا على تعبية، فلحق بسوسة وبلغ الخبر إلى ابن تافراكين بمكانه من حصار القصبة، فركب السفين ليلا إلى الإسكندرية. وارتاب سلطانهم ابن أبي دبوس، لما وقف
على خبره فانفض جمعهم وأفرجوا عن القصبة. وركب السلطان أسطوله من سوسة، ونزل بتونس آخر جمادى واعتمل في إصلاح أسوارها وإدارة الخندق عليها، وأقام لها من الامتناع والتحصين رسما ثبت له من بعده، ودفع به في نحر عدوه.
واستقل من نكبة القيروان وعثرتها، وخلص من هوتها والله يفعل ما يشاء.
ولحق أولاد أبي الليل وسلطانهم أحمد بن أبي دبوس بتونس، فأحاطوا بالسلطان واستبلغوا في حصاره، وخلصت ولاية أولاد مهلهل للسلطان، فعول عليهم ثم راجع بنو حمزة رأيهم في طاعة السلطان فدخل كبيرهم عمر إليه في شعبان، وتقبضوا على سلطانهم أحمد بن أبي دبوس وقادوه إلى السلطان استبلاغا في الطاعة، وامحاضا للولاية فتقبل فيئتهم، وأودع ابن أبي دبوس السجن، وأصهر إلى عمر بابنه أبي الفضل، فعقد له على بنته، واختلفت أحوالهم في الطاعة والانحراف إلى أن كان ما نذكر. والله غالب على أمره.
** (الخبر عن انتقاض الثغور الغربية ورجوعها إلى دعوة الموحدين) **
كان المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى، لما قدم على السلطان أبي الحسن بتلمسان في زفاف شقيقته سنة سبع وأربعين وسبعمائة بعد ما اتصل به في طريقه مهلك أبيه، أوسع له السلطان كنفه، ومهد له جانب كرامته وبره، وغمز له بوعد في المظاهرة على ملك أبيه تعزى به عن فقده. وارتحل السلطان إلى إفريقية. والمولى الفضل يرجو أن يجعل سلطانها إليه، حتى إذا استولى السلطان على الثغرين بجاية وقسنطينة، وارتحل إلى تونس، عقد له على مكان إمارته أيام أبيه ببونة، فصرفه إليه، فانقطع أمله وفسد ضميره وطوى على البث [1] حتى إذا كانت نكبة السلطان بالقيروان، سما إلى التوثب على ملك سلفه. وكان أهل قسنطينة وبجاية قد برموا من الدولة، واستنقلوا وطأة الإيالة لما اعتادوا من الملك الرفيق [2] ، فأشرأبوا إلى الثورة
عند ما بلغهم خبر النكبة. وقد كان توافي بقسنطينة ركاب من المغرب في طوائف من الوفود والعساكر، وكان فيهم ابن صغير من أبناء السلطان، عقد له على عسكر من أهل المغرب، وأوعز إليه باللحاق بتونس، وفيهم عمال المغرب قدموا عند رأس الحول بجبايتهم وحسبانهم، وفيهم أيضا وفد من زعماء النصارى بعثهم الطاغية ابن أدفونش مع تاشفين ابن السلطان لما أطلقه من الأسر بعد ما عقد السلم والمهادنة، وكان أسيرا عندهم من لدن واقعة طريف كما ذكرناه. وكان أصابه مس من الجنون.
فلما خلصت الولاية بين السلطان والطاغية، وعظم عنه الإتحاف والمهاداة، وبلغه خبر السلطان وتملكه إفريقية، أطلق ابنه تاشفين وبعث معه هؤلاء الزعماء للتهنئة، وفيهم أيضا وفد من أهل مالي ملوك السودان بالمغرب، أوفدهم ملكهم منسا سليمان للتهنئة بسلطان إفريقية. وكان معهم أيضا يوسف بن مزتي عامل الزاب وأميره، قدم بجباية عمله. واتصل به خبر الركاب بقسنطينة فلحق بهم مؤثرا صحابتهم إلى سدة السلطان. وتوافت هؤلاء الوفود جميعا بقسنطينة، واعصوصبوا على ولد السلطان.
فلما وصل خبر النكبة اشرأب الغوغاء من أهل البلد إلى الثورة، وتحلبت شفاههم إلى ما بأيديهم من أموال الجباية وأحوال الثورة، فنقموا عليهم سوء الملكة، ودس مشيختهم إلى المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى بمكانه من بونة، وقد كشف القناع في الانتزاء على عمله والدعاء لنفسه، فخطبوه للأمر، واستحثوه للقدوم، فأغذ السير. وتسامع بخبره أولياء السلطان، فخشي ابن مزني على نفسه، وخرج إلى معسكره بحلة أولاد يعقوب ابن علي أمير الزواودة، ولجأ ابن السلطان وأولياؤه إلى القصبة. ومكر بهم أهل البلد في الدفاع دونهم حتى إذا أطلت رايات المولى الفضل وثبوا بهم، وحجزوهم إلى القصبة وأحاطوا بها حتى استنزلوهم على أمان عقدوه لهم. ولحقوا بحلة يعقوب، فعسكروا بها بعد أن نقض أهل البلاد عهدهم في ذات يدهم، فاستصفوه وأشار عليهم ابن مزني باللحاق ببسكرة لتكون ركابهم إلى السلطان، فارتحلوا جميعا في جوار يعقوب لما له في تلك الضواحي، حتى لحقوا ببسكرة، ونزلوا منها على ابن مزني خير نزل، وكفاهم كل شيء يهمهم على طبقاتهم ومقاماتهم، وعناية السلطان بمن كان وافدا منهم، حتى سار بهم يعقوب بن علي إلى السلطان وأوفدهم عليه في رجب من سنته. واتصل الخبر بأهل بجاية بالفعلة التي فعل أهل قسنطينة، فساجلوهم في الثورة. وكنسوا منازل أولياء السلطان وعماله،
فاستباحوها واستلبوهم وأخرجوهم من بين ظهرانيهم عراة، فلحقوا بالمغرب وطيروا الخبر إلى المولى الفضل، واستحثوه للقدوم، فقدم عليهم وعقد على قسنطينة وبونة لمن استكفى به من خاصته ورجالات دولته، واحتل بجاية لشهر ربيع من سنته.
وأعاد ملك سلفه. واستوسق أمره بهذه الثغور إلى أن كان من خبره مع السلطان بعد خروجه من بجاية ما نذكره ان شاء الله.
** الخبر عن انتزاء أولاد السلطان بالمغرب الأوسط والأقصى ثم استقلال أبي عنان بملك المغرب **
لما اتصل خبر النكبة بالقيروان بالأمير أبي عنان ابن السلطان، وكان صاحب تلمسان والمغرب الأوسط، وتساقط إليه الفل من عسكر أبيه عراة زرافات ووحدانا، وأرجف الناس بمهلك السلطان بالقيروان، فتطاول الأمير أبو عنان للاستئثار بسلطان أبيه دون الأبناء، لما كان له من الإيثار عند أبيه لصيانته وعفافه، واستظهاره القرآن، فكان محلا بعين أبيه لأمثالها. وكان عثمان بن يحيى بن جرار من مشيخة بني عبد الواد وأولاد يندوكسن [1] بن طاع الله منهم، وكان له محل من الدولة كما ذكرناه عند أخباره، وكان السلطان أذن له في الرجوع إلى المغرب، فرجع من معسكره بالمهدية، ونزل بزاوية العباد من تلمسان، وكان مسمتا وقورا، جهينة خبر ممتعا في حديثه، وكان مرجما فيه الوقوف على الحدثان. وكان الأمير أبو عنان متشوقا إلى خبر أبيه، ففزع إلى عثمان بن جرار في تعرفها. واستدعاه وأنس به، وكان في قلبه مرض من السلطان، فأودع إذن الأمير أبي عنان ما أراد من الأماني بتورط السلطان في المهلكة، وبشره بمصير الأمر إليه، فصادف منه إذنا واعية. واشتمل عليه ابن جرار من بعدها. ورد الخبر بنكبة السلطان فأغراه ابن جرار بالتوثب على الملك، وسول له الاستئثار به من دون إخوانه يقينا بمهلك السلطان. ثم أوهمه الصدق بإرجاف الناس بموت السلطان، فاعتزم وشحذ عزيمته في ذلك ما اتصل به من حافد السلطان منصور ابن الأمير أبي مالك صاحب فاس وأعمال المغرب من الانتزاء على عمله، وأنه فتح ديوان العطاء واستلحق واستركب لغيبة بني مرين عن
بلادهم، وخلاء جوه من عساكرهم، وأظهر العسكر والحشد لاستنقاذ السلطان من هوة القيروان يسد منها حسوا في ارتقاء، وتفطن لشأنه الحسن بن سليمان بن يرزيكن عامل القصبة بفاس، وصاحب الشرطة بالضواحي، فاستأذنه باللحاق بالسلطان، فأذن له راحة من مكانه. وأصحبه عمال المصامدة ونواحي مراكش ليستقدمهم على السلطان بجباياتهم، فلحق بالأمير أبي عنان على حين أمضى عزيمته على التوثب والدعاء لنفسه، فقبض أموالهم وأخرج ما كان بموضع السلطان بالمنصورة من المال والذخيرة، وجاهر بالدعاء لنفسه، وجلس للبيعة بمجلس السلطان من قصره في ربيع سنة تسع وأربعين وسبعمائة فبايعه الملأ. وقرأ كتاب بيعتهم على الإشهاد، ثم بايعه العامة، وانفض المجلس وقد عقد سلطانه ورست قواعد ملكه. وركب في التعبية والآلة حتى نزل بقبة الملعب. وطعم الناس وانتشروا وعقد على وزارته للحسن بن يرزيكن، ثم لفارس بن ميمون بن وردار وجعله رديفا له وتبعا. ورفع مكان ابن جرار عليهم. واختص لولايته ومناجاة خلوته كاتبه أبا عبد الله محمد بن محمد بن أبي عمر [1] وسنذكر خبره. ثم فتح الديوان واستركب من تساقط إليه من فل أبيه، وخلع عليهم ودفع إليهم أعطياتهم وأزاح عللهم. وبينما هو يريد الرحلة إلى المغرب بلغه أن ونزمار بن عريف ولي السلطان، وخالصته عريف بن يحيى، وكان أمير زغبة لعهده ومقدما على سائر البدو، وبلغه أنه قد جمع له يريد حربه، وغلبه على ما صار إليه من الانتزاء والثورة على أبيه. وأنه قصد تلمسان بجموعه من العرب وزناتة المغرب الأوسط، فعقد للحسن بن سليمان وزيره على حربه وأعطاه الآلة وسرحه للقائه، وسرح معه من حضر من بني عامر أقتال سويد، وارتحل في عسكره حتى احتل تسالة، وناجزه ونزمار الحرب، ففلت جموعه ومنحوا أكتافهم، واتبع الوزير عسكرهم [2] ، واكتسح أموالهم وحللهم، وعاد إلى سلطانه بالفتح والغنائم.
وارتحل الأمير أبو عنان إلى المغرب، وعقد على تلمسان لعثمان بن جرار وأنزله بالقصر القديم منها، حتى كان من أمره مع عثمان بن عبد الرحمن ما ذكرناه في أخبارهم.
ولما انتهى إلى وادي الزيتون وشى إليه بالوزير الحسن بن سليمان أنه مضمر الفتك به بتازى تزلفا إلى السلطان ووفاء بطاعته، وأنه داخل في ذلك الحافد منصورا صاحب
أعمال المغرب، بما كان يظهر من طاعة جده، فارتاب الأمير أبو عنان به واستظهر واشيه على ذلك بكتابه. فلما قرأه تقبض عليه، وقتله بالمساء خنقا، وأغذ السير إلى المغرب.
وبلغ الخبر منصور بن أبي مالك صاحب فاس فزحف للقائه، والتقى الجمعان بناحية تازى وبوادي أبي الاجراف، فاختل مصاف منصور وانهزمت جموعه ولحق بفاس. وانحجر بالبلد الجديد وارتحل الأمير أبو عنان في أثره، وتسايل الناس على طبقاتهم إليه، وآتوه الطاعة وأناخ بعساكره على البلد الجديد في ربيع الآخر سنة تسع وأربعين، وأخذ بمخنقها وجمع الأيدي والفعلة على الآلات لحصارها، ولحين نزوله على البلد الجديد أوعز إلى الوالي بمكانه، أن يطلق أولاد أبي العلاء المعتقلين بالقصبة، فأطلقهم ولحقوا به فأقاموا معه على حصار البلد الجديد، وطال تمرسه بها إلى أن ضاقت أحوالهم واختلفت أهواؤهم، ونزع إليه أهل الشوكة منهم. ونزع إليهم عثمان بن إدريس بن أبي العلاء فيمن إليه من الحاشية بإذنه له في ذلك سرا ليمكن إليه [1] ، فدس إليه وواعدوه الثورة بالبلد، فثار بها واقتحمها الأمير أبو عنان عليهم، ونزل منصور بن أبي مالك على حكمه، فاعتقله إلى أن قتله بمحبسه، واستولى على دار الملك وسائر أعمال المغرب وتسابقت إليه وفود الأمصار للتهنئة بالبيعة.
وتمسك أهل سبتة بطاعة السلطان والانقياد لقائدهم عبد الله بن علي بن سعيد من طبقة الوزراء حينا، ثم توثبوا به وعقدوا على أنفسهم للأمير أبي عنان، وقادوا عاملهم إليه. وتولى كبر الثورة فيهم زعيمهم الشريف أبو العباس أحمد بن محمد بن رافع من بيت أبي الشريف من آل الحسين [2] ، كانوا انتقلوا إليها من صقلية، واستوسق للأمير أبي عنان ملك المغرب، واجتمع إليه قومه من بني مرين للأمر، وأقام مع السلطان بتونس وفاء بحقه، وحص جناح أبيه عن الكرة على الكعوب الناكثين لعهده، الناكبين عن طاعته، فأقام بتونس يرجو الأيام، ويؤمل الكرة.
والأطراف تنتقض والخوارج تتجدد إلى أن ارتحل إلى المغرب بعد اليأس، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن انتقاض النواحي وانتزاء بني عبد الواد بتلمسان ومغراوة بشلف وتوجين بالمرية **
لما كانت نكبة السلطان بالقيروان وانتثر ملك زناتة، وانتقضت قواعد سلطانهم، اجتمع كل قوم منهم لإبرام أمرهم والنظر في شأن جماعتهم، وكانوا جميعا نزعوا إلى الكعوب الخارجين على السلطان، وبنزوعهم تمت الدبرة عليه. ولحقوا بتونس مع الحاجب أبي محمد بن تافراكين ليلحقوا منها بأعمالهم. وكان في جملة السلطان جماعة من أعياصهم منهم عثمان وإخوته الزعيم ويوسف وإبراهيم أبناء عبد الرحمن بن يحيى ابن يغمراسن بن زيان سلطان بني عبد الواد، صار في إيالة السلطان منذ فتح تلمسان وإنزالهم بالجزيرة للرباط. ثم رجعوا بعد استئثار الطاغية بها من مكانهم من دولته، وساروا إلى القيروان تحت لوائه ومنهم علي بن راشد بن محمد بن منديل. وقد ذكرنا أخبار أبيه وأنه ربي في إيالة السلطان وجو الدولة يتيما، وكفلته نعمتها منذ نشأته حتى كأنه لا يعرف سواها، فاجتمع بنو عبد الواد بتونس وعقدوا على أنفسهم لعثمان ابن عبد الرحمن لما كان كبير إخوته، وأتوه ببيعتهم شرقي المصلى العتيق المطل على سيجوم من ساحة البلد، لعهده بهم يومئذ. وقد وضعوا له درقة بالأرض من اللمط أجلسوه عليها، ثم ازدحموا مكبين على يده يقبلونها للبيعة. ثم اجتمع من بعدهم مغراوة إلى علي بن راشد وبايعوه وحفوا به. وتعاهد بنو عبد الواد ومغراوة على الألفة وانتظام الكلمة وهدر الدماء. وارتحلوا إلى أعمالهم بالمغرب الأوسط، فنزل علي بن راشد قومه بموضع عملهم من ضواحي شلف، وتغلبوا على أمصاره وافتتحوا تدلس [1] وأخرجوا منها أولياء السلطان وعسكره، وقتلوا القاضي بمازونة سرحان، كان مقيما بها لدعوة السلطان، ثم سولت له نفسه التوثب والانتزاء، فدعا لنفسه، وقتله علي بن راشد وقومه.
وأجاز عبد الرحمن وقومه من بني عبد الواد إلى محل ملكهم بتلمسان، فألفوا عثمان ابن جرار قد انتزى بها بعد منصرف الأمير أبي عنان ودعا لنفسه، فتجهم له الناس لتوثبه على المنصب الذي ليس لأبيه، واستمسك بالبلد أياما يؤمل نزوع قومه إليه. ثم
زحف إليه بنو عبد الواد وسلطانهم فصدقوه الزحف، وثارت به الغوغاء، وكسروا أبواب البلد، وخرجوا إلى السلطان فأدخلوه القصر، واحتل به في جمادى من سنة تسع وأربعين وسبعمائة وتسابق الناس إلى مجلسه مثنى وفرادى، وبايعوه البيعة العامة.
ثم تفقد ابن جرار، ثم أغرى به البحث، فعثر عليه ببعض زوايا القصر، واحتمل إلى المطبق فأودع به إلى أن سرب إليه الماء فمات غريقا في هوته. وساهم السلطان أبو سعيد عثمان أخاه أبا ثابت الزعيم في سلطانه، وأشركه في أمره، وأردفه في ملكه، وجعل إليه أمر الحرب والضواحي والبدو كلها. واستوزر قريبه يحيى بن داود بن مكن، من ولد محمد بن يندوكس بن طاع الله، واستوسق ملكهم، وأوفدوا مشيختهم على الأمير أبي عنان صاحب المغرب، وسلطان بني مرين، فعقدوا معه السلم والمهادنة، واشترطوا له عن أنفسهم دفاع السلطان إليه. وزحفوا إلى وهران من ثغور أعمالهم، ونازلوا بها أولياء السلطان وعساكره، وعاملها يومئذ عبد الله بن أجانا [1] من صنائع السلطان أبي الحسن إلى أن غلبوه عليها، واستنزلوه صلحا لأشهر من حصارها.
واستمسك أهل الجزائر بطاعة السلطان، واعتصموا بها، وعقد عليها لقائده محمد ابن يحيى بن العسكري [2] من صنائع أبيه، بعثه إليهم من تونس بعد نكبة القيروان.
ونجم بالمدية علي [3] بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوي داعيا لنفسه، وطالبا سلطان سلفه، وامتنع عليه معقل ملكهم بجبل وانشريش لمكان ولد عمر بن عثمان وقومهم من بني تيغرين في رياسته، وانحاش إليه أولاد عزيز من بني توجين أهل ضاحية المدية فقاموا بأمره، واعصوصبوا عليه، وكانت بينه وبين أبناء عمر بن عثمان بوانشريش حرب سجال إلى أن هلك، وخلص أمر بني توجين لأبناء عمر بن عثمان، وهم على مذهبهم من طاعة السلطان وتمسكهم بدعوته، وهو مقيم خلال هذا بتونس إلى أن أزمع الرحلة، واحتل بالجزائر كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن رجوع الثغور الغربية لأمراء الموحدين ببجاية وقسنطينة) **
لما توثب الأمير أبو عنان على ملك أبيه وبويع بتلمسان، وكانت للأمير أبي عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكريا صاحب بجاية لديه خلة ومصافاة، من لدن بعثه إليه السلطان أبوه من بجاية. وأنزله بتلمسان فدعا له السابقة وآثره بالإمارة، وعقد له على محل إمارته من بجاية، وأمده بما يرضيه من المال والسلاح. ودفعه إليها ليكون حجرا دون السلطان بتونس، وضمن له هذا الأمير صده عن الخلوص إليه، وسد المذاهب دونه. وأوعز أبو عنان إلى أساطيله بوهران، فركبها الأمير إلى تدلس ودخلها. ونزل إليه صنهاجة أهل ضاحية بجاية، عن عمه الأمير أبي العباس الفضل، واعصوصبوا عليه، وقاموا بأمره لقديم نعمته وسالف إمارة أبيه. ولما ارتحل الأمير أبو عنان إلى المغرب، رحل في جملته الأمير أبو زيد عبد الرحمن ابن الأمير أبي عبد الله صاحب قسنطينة ومعه إخوته، فاختصهم يومئذ بتغريبه وخلطهم بنفسه.
فلما غلب الأمير أبو عنان منصور ابن أخيه أبي مالك على البلد الجديد، واستولى على المغرب، رأى أن يبعث ملوك الموحدين إلى بلادهم، ويدفع في صدر أبيه بمكانهم، فسرح الأمير أبا زيد وإخوته، وكان منهم السلطان أبو العباس الذي جبر الله به الصدع، ونظم الشمل، فوصلوا إلى موطن ملكهم ومحل إمارتهم. وكان مولاهم نبيل حاجب أبيهم قد تقدم إلى بجاية، ولحق بالأمير أبي عبد الله من حصارها. ثم تقدم إلى قسنطينة وبها مولى من موالي السلطان المتغلب عليها، وهو الأمير أبو العباس الفضل. فلحين إطلاله على جهاتها وشعور أهلها بمكانه، لفحت منهم عزائز المودة، وذكروا جميع الإيالة، وأجمعوا التوثب بواليهم. واحتل نبيل بظاهر قسنطينة، فشرهت العامة إلى إمارته، والقيام بدعوة مواليه. وتوثب أشياعهم على أولياء عمهم، فأخرجوهم، واستولى القائد نبيل على قسنطينة وأعمالها، وأقام دعوة الأمير أبي زيد وإخوته كما كانت أول مرة بها: وجاءوا من المغرب إلى مراكز إمارتهم، ودعوتهم بها قائمة، ورايتهم على أنحائها خافقة، فاحتلوا بها حلول الآساد
بعرانينها [1] والكواكب بآفاقها، ونهض الأمير أبو عبد الله محمد فيمن اجتمع إليه من البطانة والأولياء، إلى محاصرة بلد بجاية، فأحجر عمه بالبلد، وأخذ بمخنقها أياما، ثم أفرج عنها، ثم رجع إلى مكانه من حصارها. ودس إليه بعض أشياعه بالبلد، وسرب إليه المال في الغوغاء، فواعدوه فتح أبواب الربض في إحدى ليالي رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة واقتحم البلد وملاء الفضاء بهدير طبوله، فهب الناس من مراقدهم فزعين وقد ولج الأمير وقومه البلد. ونجا الأمير الفضل إلى شعاب الجبل وكواريه المطل على القصبة راجلا حافيا، فاختفى به إلى أن عثر عليه ضحى النهار، وسيق إلى ابن أخيه، فحن عليه وأركبه السفين إلى محل إمارته من بونة.
وخلص ملك بجاية للأمير أبي عبد الله هذا واقتعد سرير آبائه بها، وكتبوا للأمير أبي عنان بالفتح، وتجديد المخالصة والموالاة، والعمل عن مدافعة أبيه من جهاته، والله تعالى أعلم.
** الخبر عن نهوض الناصر ابن السلطان ووليه عريف بن يحيى من تونس الى المغرب الأوسط **
لما بلغ السلطان خبر ما وقع بالمغرب من انتقاض أطرافه، وتغلب الأعياص من قومه وسواهم على أعماله، ووصل إليه يعقوب بن علي أمير الزواودة بولده وعماله ووفده، نظر في تلافي أمره بتسريح ولده الناصر إلى المغرب الأوسط لارتجاع ملكه، ومحو آثار الخوارج من أعمالهم. فنهض مع يعقوب بن علي وأصحبه وليه عريف بن يحيى أمير زغبة ليستظهر به على ملك المغرب، وقدمهما طليعة بين يديه، وسار الناصر إلى بسكرة، واضطرب معسكره بها، ثم فصل من بلاد رياح إلى بلاد زغبة، واجتمع إليه أولياؤهم من العرب ومن زناتة من بني توجين أهل وانشريش وغيرهم. وزحف إليهم الزعيم أبو ثابت من تلمسان في قومه من بني عبد الواد وغيرهم للمدافعة. والتقى الجمعان بوادي ورك فانفضت جموع الناصر وانذعروا، ورجع على عقبه إلى بسكرة وخلص عريف بن يحيى إلى قومه سويد، ثم قطع القفر إلى المغرب الأقصى. ولحق
بالأمير أبي عنان فنزل منه بألطف محل، ورجع الناصر إلى بسكرة، وارتحل مع أوليائهم أولاد مهلهل لمدافعة أولاد أبي الليل وسلطانهم المولى الفضل عن تونس كما ذكرناه. وأحسوا به، فنهض إليهم، وفروا أمامه، إلى أن خلص الناصر إلى بسكرة ثانية، واتخذها مثوى إلى أن لحق بأبيه بالجزائر عند رحلته من تونس إليها كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن رحلة السلطان أبي الحسن الى المغرب وتغلب المولى الفضل على تونس وما دعا إلى ذلك من الأحوال **
لما خلص المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى من نكبة بجاية، وامتن عليه ابن أخيه، فلحق بمحل إمارته من بونة. ووافته بها مشيخة أولاد أبي الليل، أوفدهم عليه بنو حمزة بن عمر يستحثونه لملك إفريقية، يرغبونه فيه، فأجاب داعيتهم ونهض إليهم بعد قضاء نسك الفطر من سنة تسع وأربعين، ونزل مجللهم وأوجفوا بخيلهم وركابهم على ضواحي إفريقية، وجبوها، وصمدوا إلى تونس فنازلوها وأخذوا بمخنقها أياما، ثم أخذ بحجزتهم عنها شيعة السلطان وأولياؤه من أولاد مهلهل وابنه الناصر عند قفوله من المغرب الأوسط مفلولا فرحلوهم وشردوهم.
ثم رجعوا إلى مكانهم من حصارها، ثم انفضوا عنها. وتحيز خالد بن حمزة إلى شيعة السلطان أبي الحسن مع أولاد مهلهل وقومه، فاعتزوا به وذهب عمر بن حمزة إلى المشرق لقضاء فرضه، وأجفل أبو الليل أخوه مع المولى الفضل إلى القفر حتى كان من دخول أهل الجريد في طاعته ما نذكره إن شاء الله تعالى. وكان السلطان لما خلص من القيروان إلى تونس، وفد إليه أحمد بن مكي مهنيا ومفاوضا في شأن الثغر وما مني به من انتقاض الأطراف وفساد الرعية. وتدارك السلطان أمره عند فواته بالتولية على أهل القطر من جنسهم استئلافا للكافة. واستبقاء لطاعتهم. فعقد على عمل قابس وجربة والحامة [1] ، وما إليها لعبد الواحد ابن السلطان زكريا بن أحمد اللحياني، وأنفذه مع أحمد بن مكي إلى عمله، فهلك بجربة لليال من مقدمه في الطاعون
الجارف عامئذ.
وعقد لأبي القاسم بن عتو شيخ الموحدين على توزر ونفطة وسائر بلاد الجريد، بعد أن كان استخلصه بعد مفر أبي محمد بن تافراكين قريعة، وما أضمر [1] من سوء دخلته، فنزل بتوزر وجمع أهل الجريد على الولاية والمخالصة، ولما نازل المولى أبو العباس الفضل تونس مرتين، وشرد أولاد مهلهل وامتنعت عليه، عمد إلى الجريد سنة خمس وأربعين وسبعمائة يحاول فيه ملكا، وخاطب أبا القاسم بن عتو يذكره عهده وعهد سلفه وحقوقهم، فتذكر وحن، ونظر إلى ما ناله به السلطان من المثلة في أطرافه.
واستثار كامن حقده، فانحرف وحمل الناس على طاعة المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبي يحيى، فسارعوا إلى الإجابة وبايعه أهل توزر وقفصة ونفطة والحامة، ثم دعا ابن مكين إلى طاعته فأجاب إليها وبايعه أهل قابس وجربة أيضا.
وانتهى الخبر إلى السلطان باستيلاء المولى الفضل على أمصار إفريقية، وأنه ناهض إلى تونس، فأهمه الشأن وخشي على أمره، وكانت بطانته يوسوسون إليه بالرحلة إلى المغرب لاسترجاع نعمتهم باسترجاع ملكه، فأجابهم إليه وشحن أساطيله بالأقوات، وأزاح علل المسافرين. ولما قضى منسك الفطر من سنة خمسين وسبعمائة ركب البحر أيام استفحال فصل الشتاء، وعقد لابنه أبي الفضل على تونس ثقة بما بينه وبين أولاد حمزة من الصهر، وتفاديا بمكانه من معرة الغوغاء وثورتهم. وأقلع من مرسى تونس، ولخمس دخل مرسى بجاية، وقد احتاجوا إلى الماء فمنعهم صاحب بجاية من الورود، وأوعز إلى سائر سواحله بمنعهم، فزحفوا إلى الساحل وقاتلوا من صدهم عن الماء إلى أن غلبوهم واستقوا وأقلعوا، وعصفت بهم الريح ليلتئذ وجاءهم الموج من كل مكان، وألقاهم اليم بالساحل بعد أن تكسرت الأجفان، وغرق الكثير من بطانته وعامة الناس، وقذف الموج بالسلطان فألقاه إلى الجزيرة قرب الساحل من بلاد زواوة مع بعض حشمه عراة، فمكثوا ليلتهم وصبحهم جفن من الأساطيل كان قد سلم من ذلك العاصف، فقربوا إليه حين رأوه وقد تصايح به البربر من الجبال وتواثبوا إليه فاختطفه أولياؤه من أهل الجفن قبل أن يصل إليه البربر،
وقذفوا به إلى الجزائر فنزل بها، ولأم صدعه. وخلع على من وصل من فل الأساطيل ومن خرج إليه من أوليائه، ولحق به ابنه الناصر من بسكرة، واتصل بالمولى الفضل خبر رحيله من تونس وهو ببلاد الجريد، فأغذ السير إلى تونس، ونزل بها على ابنه ومن كان بها من مخلف أوليائه، فغلبوهم عليها. واتصل أهل البلد بهم وأحاطوا يوم منى بالقصبة. واستنزلوا ابن السلطان أبا الفضل الأمير بالقصبة على الأمان، فخرج إلى بيت أبي الليل بن حمزة، وأنفذ معه من أبلغه إلى مأمنه، فلحق بأبيه بالجزائر وبادر إلى السلطان علي بن يوسف المنتزى بالمدية من بني عبد القوي، فصار في جملته، وخرج له عن الأمر، وزعم أنه إنما كان قائما بدعوته، فتقبل منه وأقره على عمله.
ووفد عليه أولياؤه من العرب سويد والحرث والحصين ومن إليهم ممن اجتمع إلى وليه ونزمار بن عريف المتمسك بطاعته. ووفد عليه أيضا علي بن راشد أمير مغراوة، وأغزاه بني عبد الواد [1] ، واشترط عليه إقراره بوطنه وعمله إذا تم أمره، فأبى من قبول الاشتراط ظنا بعهده عن النكث، فنزع عنه وصار إلى مظاهرة بني عبد الواد عليه. وبعث أبو سعيد عثمان صاحب تلمسان إلى الأمير أبي عنان في المدد، فبعث إليه بعسكر من بني مرين عقد عليهم ليحيى بن رحو بن تاشفين بن معطي من تيربيغن، وزحف الزعيم أبو ثابت إلى حرب السلطان أبي الحسن فيمن اجتمع له من عسكر بني مرين ومغراوة. وخرج السلطان من الجزائر وعسكر بمتيجة، واحتشد ونزمار سائر العرب بحللهم، ووافاه بهم، وارتحلوا إلى شلف، ولما التقى الجمعان بشدبونة صدقه مغراوة الحملة وصابرهم ابنه الناصر وطعن في الجولة فهلك واختل مصاف السلطان واستبيح معسكره، وانتهب فساطيطه، وخلص مع وليه ونزمار بن عريف وقومه بعد أن استبيحت حللهم، فخرجوا إلى جبل وانشريش، ثم لحقوا بجبل راشد، ورجع القوم عن اتباعهم، وانكفؤا إلى الجزائر فتغلبوا عليها، وأخرجوا من كان بها من أولياء السلطان ومحوا آثار دعوته من المغرب الأوسط جملة.
والأمر بيد الله يؤتيه من يشاء.
** الخبر عن استيلاء السلطان على سجلماسة ثم فراره عنها امام ابنه إلى مراكش واستيلائه عليها وما تخلل ذلك **
لما انفضت جموع السلطان بشدبونة وقل عساكره، وهلك الناصر ابنه، خلص إلى الصحراء مع وليه ونزمار ولحق بحلل قومه سويد وأوطانهم قبلة جبل وانشريش، وأجمع أمره على قصد المغرب موطن قومه ومنبت عزه ودار ملكه. وارتحل معه وليه ونزمار بالنازعة [1] من قومه، وخرجوا إلى جبل راشد. ثم أبعدوا المذاهب وقطعوا المفاوز إلى سجلماسة في القفر. فلما أطلوا عليها وعاين أهلها السلطان تهافتوا عليه تهافت الفراش، وخرج إليه العذارى من وراء ستورهن صاغية إليه، وإيثارا لإيالته. وفر العامل بسجلماسة إلى منجاته. وكان الأمير أبو عنان لما بلغه الخبر بقصد سجلماسة، ارتحل إليها في قومه وكافة عساكره بعد أن أزاح عللهم وأفاض عطاءه فيهم، وكان ببني مرين نفرة عن السلطان وحذر من غائلته لجنايتهم بالتخاذل في المواقف، والفرار عنه في الشدائد، ولما كان يبعد بهم في الأسفار ويتجشم بهم المهالك، فكانوا لذلك مجتمعين على منابذته، ومخلصين في مناصحة ابنه منازعة، فما لبث السلطان أن جاءه الخبر بوصولهم إليه في العساكر الضخمة، مغذين السير إلى دفاعه، وعلم من حاله أنه لا يطيق دفاعهم، وأجفل عنه ونزمار وليه في قومه سويد. وكان من خبره أن عريف بن يحيى كان نزع إلى الأمير أبي عنان وأحله بمحله المعهود من تشريفهم وولايتهم، حتى إذا بلغه الخبر بمناصحة ونزمار للسلطان ومظاهرته وقصده المغرب معه بناجعته، زوى عنه وجه رضاه بعض الشيء، وأقسم له لئن لم تفارق السلطان لأوقعن بك وبابنك عشر [2] وكان معه في جملة الأمير أبي عنان، وأمره بأن يكتب له بذلك، فآثر ونزمار رضى أبيه. وعلم أن غناءه عن السلطان في وطن المغرب قليل، فأجفل عنه ولحق بالزاب وانتبذ عن قومه، وألقى عصاه ببسكرة، فكان ثواؤه بها إلى أن لحق بالأمير أبي عنان على ما نذكره.
ولما أجفل السلطان عن سجلماسة، دخل الأمير أبو عنان إليها وثقف أطرافها وسد
فروجها، وعقد عليها ليحياتن بن عمر بن عبد المؤمن كبير بني ونكاسن، وبلغه قصد السلطان إلى مراكش، فاعتزم على الرحلة إليها وأبى عليه قومه، فرجع بهم إلى فاس إلى أن كان من خبرهم مع السلطان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن استيلاء السلطان على مراكش ثم انهزامه أمام الأمير أبي عنان ومهلكه بجبل هنتاتة عفا الله عنه **
لما أجفل السلطان عن سجلماسة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بين يدي الأمير أبي عنان وعسكر بني مرين، قصد مراكش، وركب إليها الأوعار من جبال المصامدة.
ولما شارفها تسارع إليه أهل جهاتها بالطاعة من كل أوب، ونسلوا من كل حدب.
ولحق عامل مراكش بالأمير أبي عنان ونزع إلى السلطان صاحب ديوان الجباية أبو محمد [1] بن محمد بن أبي مدين بما كان في المودع من مال الجباية، فاختصه واستكتبه وجعل إليه علامته، واستركب واستلحق وجبى الأموال، وبث العطاء، ودخل في طاعته قبائل العرب من جشم وسائر المصامدة. وثاب له بمراكش ملك أمل معه أن يستولي على سلطانه، ويرتجع فارط أمره من يد مبتزه. وكان الأمير أبو عنان لما رجع إلى فاس عسكر بساحتها، وشرع في العطاء وإزاحة العلل، وتقبض على كاتب الجباية يحيى بن حمزة بن شعيب بن محمد بن أبي مدين، اتهمه بممالأة بني مرين في الإمالة عليه عن اللحاق بمراكش من سجلماسة. وأثار حقده في ذلك ما كان من نزوع عمه أبي المجد إلى السلطان بأموال الجباية، ووسوس إليه في السعاية به كاتبه وخالصته أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن أبي عمر [2] لما بينهما من المنافسة، فتقبض عليه وامتحنه، ثم قطع لسانه وهلك في ذلك الامتحان، وارتحل الأمير أبو عنان وجموع بني مرين إلى مراكش، وبرز السلطان إلى لقائهم ومدافعتهم، وانتهى كل واحد من الفريقين إلى وادي أم ربيع، وتربص كل بصاحبه إجازة الوادي. ثم أجازه السلطان أبو الحسن وأصبحوا جميعا في التعبية،
والتقى الجمعان بتامرغوست [1] في آخر صفر من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة فاختل مصاف السلطان وانهزم عسكره، ولحق به أبطال بني مرين فرجعوا عنه حياء وهيبة.
وكبا به فرسه يومئذ في مفره، فسقط إلى الأرض والفرسان تحوم حوله. واعترضهم دونه أبو دينار سليمان بن علي بن أحمد أمير الزواودة، ورديف أخيه يعقوب، كان هاجر مع السلطان من الجزائر، ولم يزل في جملته إلى يومئذ. فدافع عنه حتى ركب وسار من ورائه ردءا له. وتقبض على حاجبه علال بن محمد، فصار في يد الأمير أبي عنان وأودعه السجن إلى أن امتن عليه بعد مهلك أبيه.
وخلص السلطان إلى جبل هنتاتة ومعه كبيرهم عبد العزيز بن محمد بن علي، فنزل عليه وأجاره واجتمع إليه الملأ من قومه هنتاتة ومن انضاف إليهم من المصامدة، وتدامروا وتعاهدوا على الدفاع عنه، وبايعوه على الموت، وجاء أبو عنان على أثره حتى احتل بمراكش، وأنزل عساكره على جبل هنتاتة، ورتب المسالح لحصاره وحربه، وطال عليه ثواؤه، وطلب السلطان من ابنه الإبقاء، وبعث في حاجبه محمد بن أبي عمر فحضر عنده، وأحسن العذر عن الأمير أبي عنان والتمس له الرضى منه، فرضي عنه، وكتب له بولاية عهده. وأوعز إليه بأن يبعث له مالا وكسى، فسرح الحاجب ابن أبي عمر بإخراجها من المودع بدار ملكهم، واعتل السلطان خلال ذلك، فمرضه أولياؤه وخاصته، وافتصد لإخراج الدم، ثم باشر الماء لفصده للطهارة، فورم وهلك لليال قريبة عفا الله عنه، لثلاث وعشرين من ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وبعث أولياؤه الخبر إلى ابنه بمعسكره من ساحة مراكش، ورفعوه على أعواده إليه فتلقاه حافيا حاسرا، وقبل أعواده وبكى، واسترجع ورضي عن أوليائه وخاصته، وأنزلهم بالمحل الذي رضوه من دولته، ووارى أباه بمراكش إلى أن نقله إلى مقبرة سلفهم بشالة في طريقه إلى فاس وتلقى أبا دينار ابن علي بن أحمد بالقبول والكرامة، وأحله محل الرحب والسعة، وأسنى جائزته، وخلع عليه وحمله. وانصرف من فاس إلى قومه يستحثهم للقاء السلطان أبي عنان بتلمسان لما كان أجمع على الحركة إليها بعد مهلك أبيه، ورعى لعبد العزيز بن محمد أمير هنتاتة إجارته للسلطان واستماتته دونه، فعقد له على قومه وأحله بالمحل الرفيع من دولته ومجلسه، واستبلغ في تكريمه، والله تعالى أعلم.
** الخبر عن حركة السلطان أبي عنان إلى تلمسان وإيقاعه ببني عبد الواد بانكاد ومهلك سلطانهم سعيد **
لما هلك السلطان أبو الحسن وانقضى شأن الحصار ارتحل السلطان أبو عنان إلى فاس ونقل شلو أبيه إلى مقبرتهم بشالة فدفنه مع من هنالك من سلفه. وأغذ السير إلى فاس وقد استبد بالأمر، وخلت الدولة عن المنازع، فاحتل بفاس وأجمع أمره على غزو بني عبد الواد لارتجاع ما بأيديهم من الملك الذي سموا لاستخلاصه. ولما كان فاتح سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة نادى بالعطاء وأزاح العلل، وعسكر بساحة البلد الجديد، واعترض العساكر وارتحل يريد تلمسان، واتصل الخبر بأبي سعيد وأخيه، فجمعوا قومهم ومن إليهم من الأشياع والأحزاب من زناتة والعرب، وارتحلوا إلى لقائه، ونزل السلطان بعساكره وادي ملوية، وتلوم به أياما لاعتراض الحشود والعرب. ثم رحل على التعبية حتى إذا احتل ببسيط أنكاد وتراءى الجمعان، انفض سرعان المعسكر ولحقوا بالعرب [1] وركب السلطان في التعبية وخاض بحر القتال، وقد أظلم الجو به حتى إذا خلص إليهم من غمره، وخالطهم في صفوفهم، ولوا الأدبار، ومنحوهم الأكتاف، واتبع بنو مرين آثارهم فاستولوا على معسكرهم واستباحوه واستباحوهم قتلا وسبيا، وصفدوهم أسرى، وغشيهم الليل وهم متسايلون في أثرهم، وتقبض على أبي سعيد سلطانهم، فسيق إلى السلطان فأمر باعتقاله، وأطلق أيدي بني مرين من الغد على حلل العرب من المعقل، فاستباحوهم واكتسحوا أموالهم جزاء بما شرهوا إليه من النهب في المحلة في هيعة ذلك المجال. ثم ارتحل على تعبيته إلى تلمسان فاحتل بها لربيع من سنته، واستوت في ملكها قدمه، وأحضر أبا سعيد فقرعه ووبخه وأراه أعماله حسرة عليها، وأحضر الفقهاء وأرباب الفتيا، فأفتوا بحرابته وقتله. فأمضى حكم الله فيه، فذبح في محبسه لتاسعة من اعتقاله، وجعله مثلا للآخرين. وخلص أخوه الزعيم أبو ثابت إلى قاصية الشرق، فكان من خبره ما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
** الخبر عن شأن أبي ثابت وإيقاع بني مرين به بوادي شلف وتقبض الموحدين عليه بجاية **
لما أوقع السلطان ببني عبد الواد بأنكاد، وتقبض على أبي سعيد سلطانهم، خلص أبو ثابت أخوه في فل منهم، ومر بتلمسان، فاحتمل حرمهم ومخلفهم، وأجفل إلى الشرق، فاحتل بشلف من بلاد مغراوة وعسكر هنالك. واجتمع إليه أوشاب من زناتة، وحدث نفسه باللقاء، ووعدها بالصبر والثبات، وسرح السلطان وزيره فارس بن ميمون بن ودرار في عساكر بني مرين والجند، فأغذ السير إليهم وارتحل من تلمسان على أثره، ولما تراءى الجمعان صدق الفريقان المجاولة، وخاضوا النهر بالقراع. ثم صدق بنو مرين الحملة واجتازوا النهر إليهم، فانكشفوا واتبعوا آثارهم واستلحموهم، واستباحوا معسكرهم واستاقوا أموالهم ودوابهم ونساءهم، وارتحلوا في اتباعهم، وكتب الوزير بالفتح إلى السلطان، ومر أبو ثابت بالجزائر طارقا، وأجاز إلى قاصية المشرق، فاعترضهم قبائل زواوة وأرجلوهم عن خيلهم، وانتهبوا أسلابهم، ومروا حفاة عراة، واحتل الوزير بالجزائر، واستولى عليها واقتضى بيعة السلطان منهم فآتوها، واحتل الوزير بالمدية وأوعز إلى أمير بجاية المولى أبي عبد الله حافد مولانا الأمير أبي يحيى مع وليه ونزمار وخالصته يعقوب بن علي بالتقبض على أبي ثابت وأشياعه فأذكوا العيون عليهم وقعدوا لهم بالمرصاد، وعثر بعض الحشم على أبي ثابت وأبي زيان ابن أخيه أبي سعيد ووزيرهم يحيى بن داود، فرفعوهم إلى الأمير ببجاية، فاعتقلهم وارتحل للقاء السلطان بالمدية وبعثهم مع مقدمته، وجاء على أثرهم ونزل على السلطان بمعسكره من المدية خير نزل، بعد أن تلقاه بالمبرة والاحتفاء، وركب للقائه، ونزل عن فرسه للسلطان، فنزل السلطان برا له، وأودع أبا ثابت السجن. وتوافت إليه وفود الزواودة بمكانه من المدية، فأكرم وفدهم وأسنى أعطياتهم من الخلع والحملان والذهب، وانقلبوا خير منقلب، ووافته بمكانه ذلك بيعة ابن مزني عامل الزاب ووفدهم، فأكرمهم ووصلهم. وفرغ السلطان من شأن المغرب الأوسط، وبث العمال في نواحيه، وثقف أطرافه، وسما إلى ملك إفريقية كما نذكره إن شاء الله تعالى
** (الخبر عن تملك السلطان أبي عنان بجاية وانتقال صاحبها الى المغرب) **
لما وصل السلطان أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكريا يحيى صاحب بجاية إلى السلطان بمكانه من المدية في شعبان من سنته، وأقبل السلطان عليه، وبوأه كنف ترحيبه وكرامته، خلص الأمير به نجيا، وشكا إليه ما يلقاه من أهل عمله من الامتناع من الجباية والسعي في الفساد، وما يتبع ذلك من زبون الحامية واستبداد البطانة. وكان السلطان متشوقا لمثلها، فأشار عليه بالنزول عنها، وأن يديله عنها بما شاء من بلاده، فسارع إلى قبول إشارته، ودس إليه مع حاجبه محمد بن أبي عمرو أن يشهد بذلك على رءوس الملاء، ففعل، ونقم عليه بطانته ذلك، وفر بعضهم من معسكره، فلحق بإفريقية، ومنهم علي ابن القائد محمد بن الحكيم. وأمره السلطان أن يكتب بخطه إلى عامله على البلد بالنزول عنها وتمكين عمال السلطان منها ففعل وعقد السلطان عليها لعمر بن علي الوطاسي من أولاد الوزير الذي ذكرنا خبر انتزائهم بتازوطا من قبل، ولما قضى السلطان حاجته من المغرب الأوسط واستولى على بجاية، انكفأ راجعا إلى تلمسان لشهود الفطر بها، ودخلها في يوم مشهود، وحمل أبا ثابت ووزيره يحيى بن داود على جملين يخطوان بهما في ذلك المحفل بين السماطين، فكانا عبرة لمن حضر وسيقا من الغد إلى مصارعهما، فقتلا قعصا بالرماح، وأنزل السلطان المولى الأمير أبا عبد الله صاحب بجاية خير نزل، وفرش له في مجلسه تكرمة له إلى أن كان من توثب صنهاجة وأهل بجاية بعمر بن علي ما نحن ذاكروه إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن ثورة أهل بجاية ونهوض الحاجب اليها في العساكر) **
كان صنهاجة هؤلاء من أعقاب ملكانة [1] ملوك القلعة وبجاية، نزل أولوهم بوادي
بجاية بين القبائل من برابرتها الكتاميين في مواطن بني ورياكل منذ أول دولة الموحدين، وأقطعوهم على العسكرة معهم، ولما ضعفت جنود الموحدين وقل عددهم انفردوا بالعسكرة مع السلطان، وصار لهم بذلك اعتزاز وزبون على الدولة.
وكان الأمير أبو عبد الله هذا قد أصاب منهم لأول أمره، وقتل محمد بن تميم من أكابر مشيختهم، وكان صاحبه فارح مولى ابن سيد الناس عريفا عليه من عهد أبيه الأمير أبي زكريا، وكان مستبدا على المولى أبي عبد الله، فلما نزل عن إمارته للسلطان أبي عنان سخط ذلك ونقمه عليه، وأسرها في نفسه ولم يبدها لكماله، وسرحه أميره مع عمر بن علي الوطاسي لينقل حرمه ومتاعه وماعون داره، فوصل إليها وشكا إليه الصنهاجيون مغبة أمرهم في ثقل الوطأة وسوء الملكة فأشكاهم ودعاهم إلى الثورة ببني مرين، والقيام بدعوة الموحدين للمولى أبي زيان صاحب قسنطينة، فأجابوه وتواعدوا بالفتك بعمر بن علي بمجلسه من القصبة. وتولى كبرها منصور بن الحاج من مشيختهم، وباكره بداره على عادة الأمراء، ولما أكب عليه ليلثم أطرافه طعنه بخنجره، وفر إلى بيته جريحا فولجوا عليه واستلحموه. وثارت الغوغاء من أهل البلد في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
وركب الحاجب فارح وهتف الهاتف بدعوة المولى أبي زيد صاحب قسنطينة، وطيروا بالخبر واستدعوه، فتثاقل عن إجابتهم، وبعث مولى ابن المعلوجي للقيام بأمرهم.
وبلغ الخبر إلى السلطان فاتهم المولى أبا عبد الله بمداخلة حاجبة، فاعتقله بداره.
واعتقل وفدا من ملاء بجاية كان ببابه، وثبتت آراء المشيخة من أهل بجاية، وتمشت رجالاتهم وأولو الرأي والشورى منهم في الفتك بصنهاجة والعلج، وداخلهم القائد هلال مولى ابن سيد الناس من المعلوجي، وعلي بن محمد بن ألميت حاجب الأمير أبي زكريا يحيى، ومحمد ابن الحاجب أبي عبد الله بن سيد الناس وتواعدوا للفتك بفارح يوم وصول النائب من قبل صاحب قسنطينة، فجهروا بالنكير على الحاجب، ودعوه إلى المسجد ليؤامروه. ونذر بأمرهم فاعتد دار شيخ الفتيا أحمد بن إدريس فاقتحموا عليه الدار، وباشره مولاه محمد بن سيد الناس، فطعنه وأشواه، ورمي بشلوه من سقف الدار، وقطع رأسه، فبعثوا به إلى السلطان، وفر منصور بن الحاج وقومه صنهاجة من البلد، وكان بالمرسي أحمد بن سعيد القرموني من خاصة السلطان، جاء في السفن لبعض حاجاته من تونس، ووافى مرسي بجاية يومئذ فأنزلوه
واعصوصبوا عليه، وتنادوا بدعوة السلطان وطاعته، فأشار عليهم أحمد القرموني أن يبعثوا إلى قائد تدلس من مشيخة بني مرين يحياتن [1] بن عمر بن عبد المؤمن الونكاسي، فاستدعوه ووصل إليهم في جملة [2] من العسكر، وبعثوا بأخبارهم إلى السلطان وانتظروا. فلما بلغ الخبر إلى السلطان أمر حاجبه محمد بن أبي عمر بالنهوض إلى بجاية، فعسكر بساحة تلمسان. وانتقى له السلطان من قومه وجنوده خمسة آلاف فارس أزاح عللهم، واستوفى أعطياتهم وسرحه فنهض من تلمسان بعد قضاء منسك الأضحى، وأغذ السير إلى بجاية، ولما نزل ببني حسن جمع له بمعسكرهم من تيكلات، وخرج إليه المشيخة والوزراء، فتقبض على القائد هلال وأشخصه إلى السلطان ودخل البلد على التعبية، واحتل بقصبتها لمحرم فاتح أربع وخمسين وسبعمائة وسكن الناس وخلع على المشيخة، واختص علي بن ألميت [3] ومحمد بن سيد الناس، واستظهر بهم على أمره، وتقبض على جماعة من الغوغاء وعلى من تحت أيديهم ممن يتهم بالمداخلة في الثورة [4] يناهزون مائتين، واعتقلهم وأركبهم السفن إلى المغرب، فودع الناس وسكنوا وتوافت وفود الزواودة من كل جهة، فأجزل صلاتهم واقتضى الطاعة منهم [5] . ووصل عامل الزاب يوسف، وسد فروجه وارتحل إلى تلمسان أول جمادى لشهرين من مدخله، وأغذ السير بمن معه من العرب والوفود، وكنت يومئذ في جملتهم، وقد خلع علي وحملني وأجزل صلتي، وضرب لي الفساطيط، فوفدت في ركابه، وقدم تلمسان لأول جمادى الأخيرة، فجلس السلطان للوفد واعترض ما جنب له من الجياد والهدية، وكان يوما مشهودا.
ثم أسنى السلطان جوائز الوفد، واختص يوسف بن مزني ويعقوب بن علي بمزيد من البر والصلة، وخصوا بجاه من الكرامة، وآمرهم في شأن إفريقية ومنازلة قسنطينة.
ورجع معهم الحاجب ابن أبي عمر على كره منه لما نذكره من أخباره، وانصرفوا إلى مواطنهم لأول شعبان من سنة أربع وخمسين وسبعمائة وانقلبت معه بعد
إسناء الجائزة والخلع والحملان من السلطان، والوعد الجميل بتجديد ما إلى قومه ببلده من الأقطاع والله أعلم.
** الخبر عن الحاجب ابن أبي عمرو وما عقد له السلطان على ثغر بجاية وعلى منازلة قسنطينة ونهوضه لذلك **
سلف هذا الرجل من أهل المهدية من أجواد العرب من بني تميم بإفريقية، وانتقل جده علي إلى تونس باستدعاء السلطان المستنصر، وكان فقيها عارفا بالفتيا والأحكام، وقلده القضاء بالحضرة واستعمله على كتب علامته في الرسائل والأوامر الكبرى والصغرى، فاضطلع بذلك، وهلك على حالة من التجلة والمنصب، وقلد ابنه عبد الله من بعده العلامتين أيام أبي حفص عمر ابن الأمير أبي زكريا كما كان لأبيه، فاضطلع لذلك وكان أخوه أحمد بن علي مستنا [1] وقورا منتحلا للعلم.
ونشأ ابنه محمد وقرأ بتونس، وتفقه على مشيختها. ولما التاثت أمورهم وتلاشت أحوالهم، خرج محمد بن أحمد بن على مبتغيا للرزق والمعاش، وطوحت به الطوائح إلى بلد القل. وكان منتحلا للطلب [2] والكتابة، فاستعمل شاهدا بمرسى القل أيام رياسة الحاجب ابن أبي عمرو [3] ، وكانت له صحبة مع حسن بن محمد السبتي المنتحل بنسب الشرف. وكانا رفيقين في مطارح اغترابهما، فسعى له في مرافقة الشهرة، فأسعفا واتصلا بابن أبي عمرو فحمد مذاهبهما، ولما نزع الشريف عبد الوهاب زعيم تدلس إلى طاعة الموحدين أيام التياث أبي حمو بخروج محمد بن يوسف عليه، واعتلال الدولة، ودخل في أمر ابن أبي عمرو وجملته، فبعث محمد ابن أبي عمرو هذا وصاحبه إلى تدلس، واستعمل حسن الشريف في القضاء، ومحمد بن أبي عمرو في شهادة الديوان. فلما برئت الدولة من مرضها، واستفحل أمر أبي حمو وتغلب على تدلس، وصار رئيس الفتيا من الإمام لاقتضاء طاعتها، وإنفاذ أهلها على السلطان في الوفد، واستقرا بتلمسان يومئذ واستعملا في خطة
القضاء متعاقبين أيام بني عبد الواد وأيام السلطان أبي الحسن. وتعصب على بن أبي عمرو أيام قضائه جماعة من مشيخة البلد، وسعوا به إلى السلطان أبي الحسن، وتظلموا فأشكاهم على علم ببراءته، واختصه بتأديب ولده فارس هذا وتعليمه، فأفرغ وسعه في ذلك وربى ولده محمدا هذا الحاجب مع السلطان أبي عنان توأما وخليلا وألقى عليه محبته حتى إذا خلص له الملك رفع رتبة محمد بن أبي عمرو هذا، ورقاه من منزلة إلى أخرى حتى إذا أربى به على سائر المراتب، وجعل إليه العلامة والقيادة والحجابة والسفارة وديوان الجند والحساب والقهرمة وسائر ألقاب دولته، وخصوصيات داره، فانصرفت إليه الوجوه، ووقفت ببابه الأشراف من الأعياص والقبائل والشرفاء والعلماء، وسرب إليه العمال أموال الجباية تزلفا، وطال أمره واستيلاؤه على السلطان ونفس عليه رجال الدولة ووزراؤها ما آتاه الله من الحظ، حتى إذا خلا لهم وجه السلطان منه عند نهوضه إلى بجاية، حامت أغراض السعاية على مكانه فقرطست وألقى السلطان أذنه إلى استماعها. فلما رجع من بجاية، وكانت له الدالة على السلطان، وجد عليه في قبول الألاقي. ولقيه مغاضبا فتنكر له السلطان، ثم تجنى بطلب الغيبة عن الدولة، ويعقد له على بجاية متوهما أن السلطان ضنين به، فبادر السلطان إلى إسعافه، وبدا له ما لم يحتسب من الأعراض عنه.
ورجع إلى الرغبة في الإقالة فلم يسعف. وعقد له على حرب قسنطينة وحكمه في المال والجيش، وارتحل في شعبان من سنة أربع وخمسين وسبعمائة واحتل ببجاية آخرها وأشتى بها.
ونصب الموحدون تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المعتقل عندهم من لدن عهد المولى الفضل واعتقاله إياه، فنصبوه للأمر لتفريق كلمة بني مرين وجمعوا له الآلة والفساطيط، وقام بأمره ميمون بن علي لمنافسته مع أخيه يعقوب، وسمع بخبره يعقوب، فأغذ السير بحاله من بلاد الزاب، وفرق جمعهم وردهم على أعقابهم، وأحجزهم بالبلد. ولما انصرم الشتاء وقضى منسك الأضحى، عسكر بساحة البلد، واعترض العساكر وأزاح عللهم، وفرق أعطياتهم، وارتحل إلى منازلة قسنطينة، واجتمع إليه الزواودة بحللهم، وجمع المولى أبو زيد صاحب قسنطينة من كان على دعوته من أحياء بونة وميمون بن علي بن أحمد وشيعته من الزواودة، وعقد عليهم لحاجبه نبيل وسرحه للقاء ابن أبي عمرو وعساكره، فأوقع بهم الحاجب
لجمادى من سنة خمس وخمسين وسبعمائة واكتسح أموالهم ونازل قسنطينة حتى تفادوا منه بتمكينه من تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المنصوب للأمر، فاقتادوه إليه وأشخصه إلى أخيه السلطان. وأوفد المولى أبو زيد ابنه على السلطان أبي عنان، فتقبل وفادته وشكر مراجعته، وانكفأ الحاجب ابن أبي عمرو إلى بجاية، وأقام بها إلى أن هلك في المحرم سنة ست وخمسين وسبعمائة فذهب حميد السيرة عند أهل البلد، وتفجعوا لمهلكه، وبعث السلطان دوابه لارتحال عياله وولده، ونقل شلوه إلى مقبرة أبيه بتلمسان. وسرح ابنه أبا زيان في عساكر بني مرين لمواراته بها. وعقد على بجاية لعبد الله بن علي بن سعيد وزيره، فنهض إليها في شهر ربيع من سنة ست وخمسين وسبعمائة واستقر بها وتقبل ما حمده الناس من مذاهب الحاجب وسيرته فيها على ما نذكره، وجهز العساكر إلى حصار قسنطينة إلى أن كان من فتحها ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن خروج أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن بجبل السكسيوي ومكر عامل درعة به ومهلكه **
كان السلطان أبو عنان بعد مهلك أبيه لحق به في جملته أخواه أبو الفضل محمد وأبو سالم إبراهيم، وتدبر في ترشيحهما وحذر عليهما مغبته، فأشخصهما إلى الأندلس، واستقرا بها في إيالة أبي الحجاج ابن السلطان أبي الوليد ابن الرئيس أبي سعيد. ثم ندم على ما أتاه من ذلك، فلما استولى على تلمسان والمغرب الأوسط، ورأى أن قد استفحل أمره واعتز بسلطانه، أوعز إلى أبي الحجاج أن يشخصهما إليه ليكون مقامهما لديه أحوط للكلمة من أن يعتمد على تفريقهما سماسرة الفتن. وخشي أبو الحجاج عليهما غائلته فأبى من إسلامهما إليه، وأجاب الرسل بأنه لا يخفر ذمته وجوار المسلمين المجاهدين، فأحفظ السلطان كلمته، وأوعز إلى حاجبه محمد بن أبي عمرو بأن يخاطبه في ذلك بالتوبيخ واللائمة، فكتب له كتابا قرعه فيه وقفني عليه الحاجب ببجاية أيام كوني معه، فقضيت عجبا من فصوله وأغراضه، ولما قرأه أبو الحجاج دس إلى كبيرهما أبي الفضل باللحاق بالطاغية، وكانت بينهما ولاية ومخالصة منذ مهلك أبيه الهنشة على جبل الفتح سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، فنزع إليه أبو
الفضل وأجاره، وجهز به أسطولا إلى مراسي المغرب. وأنزله بساحة السوس، فلحق بالسكسيوي عبد الله ودعا لنفسه. وبلغ الخبر إلى السلطان بين مقدم حاجبه ابن أبي عمرو من فتح بجاية سنة أربع وخمسين وسبعمائة فجهز عساكره إلى المغرب، وعقد على حرب السكسيوي لوزيره فارس بن ميمون بن وردار وسرحه إليه، فنهض من تلمسان لربيع سنة أربع وخمسين وسبعمائة وأغذ السير إلى السكسيوي ونزل بمخنقه، وأحاط به، واختط مدينة لمعسكره وتجهيز كتائبه بسفح جبله، سماها القاهرة.
واستبد الحصار على السكسيوي وأرسل إلى الوزير في الرجوع إلى طاعته المعروفة، وأن ينبذ العهد إلى أبي الفضل، ففارقه وانتقل إلى جبال المصامدة.
ودخل الوزير فارس إلى أرض السوس فدوخ أقطارها، ومهد الحال [1] ، وسارت الألوية والجيوش في جهاته، ورتب المسالح في ثغوره وأمصاره مثل ايغري وفوريان وتارودانت، وثقف أطرافه وسد فروجه. وسار أبو الفضل في جبال المصامدة إلى أن انتهى إلى صناكة، وألقى بنفسه على ابن حميدي منهم مما يلي بلاد درعة، فأجاره وقام بأمره. ونازلة عامل درعة يومئذ عبد الله بن مسلم الزردالي من مشيخة دولة بني عبد الواد، كان اصطنعه السلطان أبو الحسن منذ تغلبه عليهم، وفتحه لتلمسان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فاستقر في دولتهم، ومن جملة صنائعهم، فأخذ بمخنق ابن حميدي وأرهبه بوصول العساكر والوزراء إليه، وداخله في التقبض على أبي الفضل، وأن يبذل له في ذلك ما أحب من المال، فأجاب ولاطف عبد الله بن مسلم الأمير أبا الفضل ووعده من نفسه الدخول في الأمر، وطلب لقاءه، فركب إليه أبو الفضل. ولما استمكن منه عبد الله بن مسلم تقبض عليه، ودفع لابن الحميدي ما اشترط له من المال، وأشخصه معتقلا إلى أخيه السلطان أبي عنان سنة خمس وخمسين وسبعمائة فأودعه السجن، وكتب بالفتح إلى القاصية. ثم قتله لليال من اعتقاله خنقا بمحبسه. وانقضى أمر الخوارج، وتمهدت الدولة إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن انتقاض عيسى بن الحسن بجبل الفتح ومهلكه) **
كان عيسى بن الحسن بن علي بن أبي الطلاق هذا من مشيخة بني مرين، وكان صاحب شوراهم لعهده، وقد كنا قصصنا من أخبار أبيه الحسن عند ذكر دولة أبي الربيع. وكان السلطان أبو الحسن قد عقد له على ثغور عمله بالأندلس، وأنزله بجبل الفتح عند ما أكمل بناءه وجعل إليه النظر في مسالح الثغور وتفريق العطاء على مسالحها، فطال عهد ولايته ورسخ فيها قدمه، وكان السلطان أبو الحسن يبعث عنه في الشورى متى عنت. وحضره عند سفره إلى افريقية وأشار عليه بالاقتصار عنها، وأراه ان قبائل بني مرين لا تفي اعدادهم بمسالح الثغور إذا رتبت شرقا وغربا وعدوة البحر وأن إفريقية تحتاج من ذلك إلى أوفر الأعداد وأشد الشوكة، لتغلب العرب عليها، وبعد عهدهم بالانقياد، فأعرض السلطان عن نصيحته لما كان شره إلى تملكها، وصرفه إلى مكان عمله بالثغور الأندلسية. ولما كانت نكبة القيروان وانتزى الأبناء بفاس وتلمسان، أجاز البحر لحسم الداء ونزل بغساسة ثم انتقل إلى وطنه بتازى وجمع قومه بني عسكر، وألقى السلطان أبا عنان قد هزم عساكر ابن أخيه وأخذ بمخنقه، فأجاب عليه وبيته بمعسكره من ساحة البلد الجديد وعقد السلطان أبو عنان على حربه لصنيعته سعيد بن موسى العجيسي، وأنزله بثغر بلاد بني عسكر على وادي بوحلوا. وتواقفا كذلك أياما حتى تغلب السلطان أبو عنان على البلد الجديد، ثم أرسل عيسى بن الحسن في الرجوع إلى طاعته وأبطأ عنه صريخ السلطان أبي الحسن بإفريقية فراجعه واشترط عليه، فتقبل وسار إليه فتلقاه السلطان وامتلاء سرورا بمقدمه، وأنزله بصدوره [1] وجعل الشورى إليه في مجلسه، واستمرت على ذلك حاله.
ولما تمكنت حال ابن أبي عمرو بعد مهلك السلطان أبي الحسن انفرد بخلة السلطان ومناجاته، وحجبه عن الخاصة والبطانة، أحفظه ذلك ولم يبدها. واستأذن السلطان في الحج، فأذن له وقضى فرضه، ورجع إلى محله من بساط السلطان سنة
ست وخمسين وسبعمائة ولقي ابن أبي عمرو بجباية، وتطارح عليه في ان يصلح حاله عند سلطانه، فوعده في ذلك، ولما وفد على السلطان وجده قد استبد في الشورى، وتنكر للخاصة والجلساء، فاستأذنه في الرجوع إلى محله من الثغر لإقامة رسم الجهاد فأذن له. وأجاز البحر إلى جبل الفتح من سنته، وكان صاحب ديوان العطاء بالجبل يحيى الفرقاجي، وكان مستظهرا على العمال، وكان ابنه أبو يحيى قدم برم بمكانه.
فلما وصل عيسى إلى الجبل اتبعه السلطان بأعطيات المسالح مع مسعود بن كندوس [1] من صنائع دولته، فسرب الفرقاجي إلى الضرب على يده شأنه مع ابنه أيام مغيبه، وأنف عيسى من ذلك فتقبض عليه، وأودعه المطبق، ورد ابن كندوس على عقبه، وأركبه السفين من ليلته إلى سبتة، وجاهر بالخلعان، وبلغ الخبر إلى السلطان أبي عنان فقلق لذلك، وقام في ركائبه وقعد، وأوعز بتجهيز الأساطيل، وظن أنه قد تدبر من الطاغية وابن الأحمر. وبعث أحمد بن الخطيب قائد البحر بطنجة عينا على شأنهم، فوصل إلى مرسى الجبل. وكان عيسى بن الحسن لما جاهر بالخلعان تمشت رجالات الثغر وعرفاء الرجل من غمارة الغزاة الموطنون بالجبل، وتحدثوا في شأنه، وامتنعوا من الخروج على السلطان، وتآمروا في إسلامه برمته.
وخلا به سليمان بن داود من عرفاء العسكر [2] ، كان من خواصه وأهل شوراه، وكان عيسى قد مكن قومه عند السلطان واستعمله على رنده، فلما جاهر عيسى بالخلعان، وركب ظهر الغدر، خالفه سليمان هذا إلى طاعة السلطان، وأنفذ كتبه وطاعته، واشتبه عليه الأمر فندم إذ لم يكن بني أمره على أساس من الرأي، فلما احتل أسطول أحمد بن الخطيب بمرسى الجبل، خرج إليه وناشده الله والعهد أن يبلغ السلطان طاعته، والبراءة مما صنع أهل الجبل، ونسبها إليهم. فعند ذلك خشي غمارة على أنفسهم، فثاروا به، ولجأ إلى الحصن فاقتحموه عليه وشدوه وابنه وثاقا، وألقوه في أسطول ابن الخطيب، وأنزله بسبتة وطير للسلطان بالخبر، فخلع عليه وأمر خاصته فخلعوا عليه. وبعث عمر ابن وزيره عبد الله بن علي وعمر بن العجوز قائد جند النصارى، فأحضروهما بدار السلطان يوم منى من سنة ست وخمسين وسبعمائة وجلس لهما السلطان ووقفا بين يديه وتنصلا واعتذرا، فلم يقبل منهما وأودعهما السجن وشدد
وثاقهما، حتى قضى منسك الأضحى. ولما كان ختم سنته أمر بهما فجنبا إلى مصارعهما وقتل عيسى قعصا بالرماح، وقطع ابنه أبو يحيى من خلاف، وأبى من مداواة قطعه، فلم يزل يتخبط في دمه إلى أن هلك لثالثة [1] قطعه، وأصبحا مثلا في الآخرين، وعقد على جبل الفتح وسائر ثغور الأندلس لسليمان بن داود إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن نهوض السلطان الى فتح قسنطينة وفتحها ثم فتح تونس عقبها) **
لما هلك الحاجب محمد بن أبي عمرو، عقد السلطان على ثغور بجاية وما وراءها من بلاد إفريقية لوزيره عبد الله بن علي بن سعيد، وسرحه إليها وأطلق يده في الجباية والعطاء. وكانت جبال ضواحي قسنطينة قد تملكها السلطان لما كانت الزواودة متغلبة عليها. وكان عامة أهل ذلك الوطن قبائل سدويكش، وعقد السلطان عليهم لموسى ابن إبراهيم بن عيسى، وأنزله بتاوريرت آخر عمل بجاية في أقاربه وولده وصنائعه.
ولما نزل ابن أبي عمرو بجاية وأخذ بمخنق قسنطينة، ثم أرحل عنها على ما عقد من السلم مع المولى الأمير أبي زيد، أنزل موسى بن إبراهيم بميلة، فاستقر بها. ولما ولي الوزير عبد الله بن علي أمر إفريقية، أوعز إليه السلطان بمنازلة قسنطينة، فنزلها سنة سبع وخمسين وسبعمائة وأخذ بمخنقها، ونصب المنجنيق عليها، واشتد الحصار بأهلها، وكادوا أن يلقوا باليد لولا ما بلغ العسكر من الإرجاف بمهلك السلطان فأفرجوا عنها، ولحق المولى أبو زيد ببونة، وأسلم البلد إلى أخيه مولانا الأمير أبي العباس أيده الله تعالى، عند ما وصل إليه من إفريقية، كان بها مع العرب طالبا ملكهم بتونس، ومجلبا بهم على ابن تافراكين منذ نازلوا تونس سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة كما مر، فلما رجع الآن إلى قسنطينة مع خالد بن حمزة، داخل المولى أبا زيد في خروجه إلى حصار تونس، وإقامة مولانا أبي العباس بقسنطينة، فأجاب لذلك وخرج معه، ودخل مولانا أبو العباس إلى قسنطينة، ودعا لنفسه، وضبط قسنطينة وكان مدلا ببأسه وإقدامه، وداخله بعض المنحرفين من بني مرين من أولاد
بو سعيد وسدويكش في تبييت موسى بن إبراهيم بمعسكره من ميلة، فبيتوه وانتهبوا معسكره وقتلوا أولاده وخلص إلى تاوريرت، ثم إلى بجاية، ولحق بمولانا السلطان مفلولا. ونكر السلطان على وزيره عبد الله بن علي ما وقع بموسى بن إبراهيم، وأنه قصر في إمداده، فسرح شعيب بن ميمون وتقبض عليه، وأشخصه إلى السلطان معتقلا، وعقد على بجاية مكانه ليحيى بن ميمون بن مصمود من صنائع دولته، وفي خلال ذلك راسل المولى أبو زيد الحاجب أبا محمد عبد الله بن تافراكين المتغلب على عمه إبراهيم في النزول لهم عن بونه، والقدوم عليهم بتونس، فقبلوه وأحلوه محل ولي العهد، واستعملوا على بونة من صنائعهم، ولما بلغ خبر موسى بن إبراهيم إلى السلطان أيام التشريق من سنة سبع وخمسين وسبعمائة اعتزم على الحركة إلى إفريقية، واضطرب معسكره بساحة البلد الجديد، وبعث في الحشد إلى مراكش. وأوعز إلى بني مرين بأخذ الأهبة للسفر، وجلس للعطاء والاعتراض من لدن وصول الخبر إليه إلى شهر ربيع من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. ثم ارتحل من فاس وسرح في مقدمته وزيره فارس بن ميمون في العساكر، وسار في ساقته على التعبية إلى أن احتل ببجاية، وتلوم لإزاحة العلل. ونازل الوزير قسنطينة. ثم جاء السلطان على أثره ولما أطلت راياته، وماجت الأرض بعساكره، ذعر أهل البلد، وألقوا بأيديهم إلى الإذعان، وانفضوا من حول سلطانهم مهطعين إلى السلطان، وتحيز صاحب البلد في خاصته إلى القصبة. ووصل أخوه المولى الفضل فطلب الأمان، فبذله السلطان لهم وخرجوا، وأنزلهم بمعسكره أياما، ثم بعث بالسلطان في الاسطول إلى سبتة فاعتقله بها إلى أن كان من أمره ما نذكره بعد.
وعقد على قسنطينة لمنصور ابن الحاج خلوف الباباني [1] من مشيخة بني مرين وأهل الشورى منهم، وأنزله بالقصبة في شعبان من سنته، ووصل إليه بمعسكره من ساحة قسنطينة بيعة يحيى بن يملول صاحب توزر، وبيعة علي بن الخلف صاحب نفطة.
ووفد ابن مكي مجددا طاعته. ووصل إليه أولاد مهلهل أمراء الكعوب وأقتال بني أبي الليل يستحثونه لملك تونس، فسرح معهم العساكر وعقد عليهم ليحيى بن رحو بن تاشفين، وبعث أسطوله في البحر مددا لهم، وعقد عليه للرئيس محمد بن يوسف
الأبكم، وساروا إلى تونس وأخرج الحاجب أبا محمد بن تافراكين سلطانه أبو إسحاق ابن مولانا السلطان أبي يحيى مع أولاد أبي الليل، وجهز معه العساكر لما أحس بقدوم عساكر السلطان. ووصل الأسطول إلى مرسى تونس فقاتلهم يوما أو بعض يوم، وركب الليل إلى المهدية فتحصن بها. ودخل أولياء السلطان إلى تونس في رمضان من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة وأقاموا بها دعوته. واحتل يحيى بن رحو بالقصبة، وأنفذ الأوامر، وكتبوا إلى السلطان بالفتح. ونظر السلطان بعد ذلك في أحوال ذلك، وقبض أيدي العرب من رياح عن الإتاوة التي يسمونها الخفارة فارتابوا، وطالبهم بالرهن فأجمعوا على الخلاف. فأرهف لهم حده، وتبين يعقوب ابن علي أميرهم مكره، فخرج معهم ولحقوا جميعا بالزاب، وارتحل في أثرهم.
وسار يوسف بن مزني عامل الزاب ببعض الطريق أمامه حتى نزل ببسكرة. ثم ارتحل إلى طولقة [1] فتقبض على مقدمها عبد الرحمن بن أحمد بإشارة ابن مزني، وخرب حصون يعقوب بن علي، وأجفلوا إلى القفر أمامه. ورجع عنهم. وحمل له ابن مزني جباية الزاب بعد أن رد عامة معسكره بالقرى من الأدم والحنطة والحملان والعلوفة ثلاث ليال نفذت في ذلك، وكافأه السلطان على صنيعه، فخلع عليه وعلى أهله وولده وأسنى جوائزهم ورجع إلى قسنطينة، واعتزم على الرحلة إلى تونس.
وضاق ذرع العساكر بشأن النفقات والأبعاد في المذهب، وارتكاب الخطر في دخول افريقية، فتمشت رجالاتهم في الانفضاض عن السلطان. وداخلوا الوزير فارس بن ميمون فوافقهم على ذلك وأذن المشيخة والنقباء لمن تحت أيديهم من القبائل في اللحاق بالمغرب حتى تفردوا، وأنهى إلى السلطان أنهم تآمروا في قتله. ونصب إدريس بن أبي عثمان بن أبي العلاء للأمر، فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم. ورأى قلة من معه من العساكر، وعلم بانفضاضهم، فكر راجعا إلى المغرب بعد أن ارتحل عن قسنطينة مرحلتين إلى الشرق، وأغذ السير إلى فاس، واحتل بها غرة ذي الحجة من سنته. وتقبض يوم دخوله على وزيره فارس بن ميمون، اتهمه بمداخلة بني مرين في شأنه، وقتله رابع أيام التشريق قعصا بالرماح، وتقبض على مشيخة بني مرين فاستلحمهم وأودع منهم السجن، وبلغ إلى الجهات خبر رجوعه من قسنطينة إلى
المغرب فارتحل أبو محمد بن تافراكين من المهدية إلى تونس، ولما أطل عليها ثار شيعته بالبلد على من كان بها من عساكر السلطان، وخلصوا إلى السفين، فنجوا إلى المغرب، وجاء على أثرهم يحيى بن رحو بمن معه من العساكر من أولاد مهلهل، كان بناحية الجريد لاقتضاء جبايته، واجتمعوا جميعا بباب السلطان، وأرجأ حركته إلى العام [1] القابل، فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن وزارة سليمان بن داود ونهوضه بالعساكر إلى إفريقية) **
لما رجع السلطان من إفريقية ولم يستتم فتحها، بقي في نفسه منها شيء. وخشي على ضواحي قسنطينة من يعقوب بن علي ومن معه من الزواودة المخالفين، فأهمه شأنهم، واستدعى سليمان بن داود من مكانه بثغور الأندلس، وعقد له على وزارته، وسرحه في العساكر إلى إفريقية، فارتحل إليها في ربيع من سنة تسع وخمسين وسبعمائة وكان يعقوب بن علي لما كشف وجهه في الخلاف، أقام السلطان مكانه أخاه ميمون بن علي منازعة، وقدمه على أولاد محمد من الزواودة، وأحله بمكانه من رياسة البدو والضواحي، ونزع إليه عن أخيه يعقوب الكثير من قومهم، وتمسك بطاعة السلطان طوائف من أولاد سباع بن يحيى وكبيرهم يومئذ عثمان بن يوسف بن سليمان، فانحاشوا جميعا للوزير ونزلوا على معسكره بحللهم. وارتحل السلطان في أثره حتى احتل بتلمسان فأقام بها لمشارفة أحواله منها، واحتل الوزير سليمان بوطن قسنطينة. وأغذ السير إلى عمال الزاب يوسف بن مزني بأن تكون يده معه، وأن يؤامره في أحوال الزواودة لرسوخه في معرفتها، فارتحل إليه من بسكرة، ونازلوا جبل أوراس واقتضوا جبايته ومغارمه. وشردوا المخالفين من الزواودة عن العيث في الوطن، فتم غرضهم من ذلك. وانتهى الوزير وعساكر السلطان إلى أول أوطان إفريقية من آخر مجالات رياح، وانكفأ راجعا إلى المغرب. ووافى السلطان بتلمسان، ووصلت معه وفود العرب الذين أبلوا في الخدمة، فوصلهم السلطان
وخلع عليهم وحملهم، وفرض لهم العطاء بالزاب وكتب لهم به، وانقلبوا إلى أهلهم، ووفد على أثرهم أحمد بن يوسف بن مزني، أوفده أبوه بهدية السلطان من الخيل والرقيق والرزق [1] فتقبلها السلطان وأكرم وفادته وأنزله، واستصحبه إلى فاس ليريه أحوال كرامته، وليستبلغ في الاحتفاء به، واحتل بدار ملكه منتصف ذي القعدة من سنة تسع وخمسين وسبعمائة والله أعلم.
** الخبر عن مهلك السلطان أبي عنان ونصب السعيد للأمر باستبداد الوزير حسن بن عمر في ذلك **
لما وصل السلطان إلى دار ملكه بفاس، احتل بها بين يدي العيد الأكبر حتى إذا قضى الصلاة من يوم الأضحى أدركه المرض، وأعجله طائف الوجع عن الجلوس يوم العيد على العادة، فدخل إلى قصره ولزم فراشه، واستبد به وجعه، وأطاف به النساء يمرضنه. وكان ابنه أبو زيان ولي عهده، وكان وزيره يحيى بن موسى القفولي [2] من صنائع دولتهم وأبناء وزرائهم، قد عقد له السلطان على وزارته واستوصاه به، فتعجل الأمر، وداخل رءوس بني مرين في الانحياش إلى أميرهم والفتك بالوزير الحسن بن عمر وداخله في ذلك عمر بن ميمون لعداوة بينهما وبين الوزير فخشيهما الحسن بن عمر على نفسه. وفاوض عليه أهل المجلس بذات صدره، وكانت نفرتهم عن ولي العهد مستحكمة لما أبلوا من سوء خلته وشر ملكته، فاتفقوا على تحويل الأمر عنه. ثم نمي إليهم أن السلطان مشرف على الهلكة لا محالة، وأنه موقع بهم من قبل مهلكه، فأجمعوا أمرهم على الفتك به والبيعة لأخيه السعيد طفلا خماسيا، وباكروا دار السلطان فتقبضوا على وزيره موسى بن عيسى وعمر بن ميمون فقتلوهما، وأجلسوا السعيد للبيعة. وأوعز وزيره مسعود بن رحو بن ماسى بالتقبض على أبي زيان من نواحي القصر، فدخل إليه وتلطف في إخراجه من بين الحرم.
وقاده إلى أخيه فبايع وتل إلى بعض حجر القصر، فأتلف فيها مهجته. واستقل الحسن بن عمر بالأمر يوم الأربعاء الرابع والعشرين لذي الحجة من سنة تسع
وخمسين وسبعمائة والسلطان أثناء ذلك على فراشه يجود بنفسه. وارتقب الناس دفنه يوم الأربعاء والخميس بعده، فلم يدفن فارتابوا، وفشا الكلام وارتاب الجماعة، فأدخل الوزير زعموا إليه بمكانه من بيته من غطه حتى أتلفه. ودفن يوم السبت، وحجب الحسن بن عمر الولد المنصوب للأمر، وأغلق عليه بابه، وتفرد بالأمر والنهي دونه. ولحق عبد الرحمن ابن السلطان أبي عنان بجبل الكاي يوم بيعة أخيه، وكان أسن منه وإنما آثروه لمكان ابن عمه مسعود بن ماسي من وزارته، فبعثوا إليه من لاطفه واستنزله على الأمان، وجاء به إلى أخيه فاعتقله الحسن بالقصبة من فاس.
وبعث على أبناء السلطان الأصاغر الأمراء بالثغور، فجاء المعتصم من سجلماسة، وامتنع المعتمد بمراكش، وكان بها في كفالة عامر بن محمد الهنتاتي استوصاه به السلطان وجعله هنالك لنظره، فمنعه من الوصول، وخرج به من مراكش إلى معقلة من جبل هنتاتة، وجهز الوزير العساكر لمحاربته، ولم يزل هنالك إلى أن استنزله عمه السلطان أبو سالم عند استيلائه على ملك المغرب، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
** الخبر عن تجهيز العساكر الى مراكش ونهوض الوزير سليمان بن داود لمحاربة عامر بن محمد **
كان عامر بن محمد بن علي شيخ هنتاتة من قبائل المصامدة. وكان السلطان يعقوب قد استعمل أباه محمد بن علي على جبايتهم، والسلطان أبو سعيد استعمل عمه موسى بن علي وربي عامر هذا في كفالة الدولة، وسار في جملة السلطان إلى إفريقية، وولاه السلطان أحكام الشرطة بتونس. ولما ركب البحر إلى المغرب أركب حرمه وحظاياه في السفن، وجعلهم إلى نظر عامر بن محمد. وأجازوا البحر إلى الأندلس فنزلوا المرية وبلغهم غرق السلطان أبي الحسن وعسكره، فأقام بهم بمكانه من المرية، ودعي للسلطان أبي عنان، فلم يجب داعية وفاء ببيعة أبيه، حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن بدارهم بالجبل، ورعى لهم السلطان أبو عنان إجارتهم لأبيه، حين لفظته البلاد وتحاماه الناس، أجمع أمره على الوفادة عليه، فوفد بمن معه من الحرم. وأكرم السلطان أبو عنان وفادته وأحسن نزله، ثم عقد له على جباية المصامدة سنة أربع وخمسين وسبعمائة وبعثه لها من تلمسان، فاضطلع بهذه الولاية وأحسن
الغناء فيها، والكفاية عليها، حتى كان السلطان أبو عنان يقول: وددت لو أصبت رجلا يكفيني ناحية المشرق من سلطاني كما كفاني عامر بن محمد ناحية المغرب، وأتورع، ونافسه الوزراء في مقامه ذلك عند السلطان ورتبته. وانفرد الحسن بن عمر آخر الأمر بوزارة السلطان، واشتدت منافسته وانتهت إلى العداوة والسعاية.
وكان السلطان بين يدي مهلكه ولى أبناءه الأصاغر على أعمال ملكه، فعقد لابنه محمد المعتمد على مراكش، واستوزر له، وجعله إلى نظر عامر واستوصاه به. فلما هلك السلطان واستقل الحسن بن عمر بالأمر ونصب السعيد للملك، استقدم الأبناء من الجهات، فبعث عن المعتمد من مراكش فأبى عليه عامر من الوفادة عليهم، وصعد به إلى معقلة من جبل هنتاتة، وبلغ الحسن بن عمر خبره، فجهز إليه العساكر وأزاح عللهم، وعقد على حربه للوزير سليمان بن داود مساهمه في القيام بالأمر، وسرحه في المحرم سنة ستين وسبعمائة، فأغذ السير إلى مراكش واستولى عليها، وصعد إلى الجبل فأحاط به، وضيق على عامر وطاول منازلته. وأشرف على اقتحام معقلة إلى أن بلغه خبر افتراق بني مرين، وخروج منصور بن سليمان من أعياص الملك على الدولة، وأنه منازل للبلد الجديد، فانفض العسكر من حوله وتسابقوا إلى منصور بن سليمان، فلحق به الوزير سليمان بن داود وتنفس الحصار عن عامر، إلى أن استولى السلطان أبو سالم على ملك المغرب في شعبان من سنة ستين وسبعمائة واستقدم عامرا والمعتمد ابن أخيه من مكانهم بالجبل، فقدم عليه وأسلمه إليه كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن ظهور أبي حمو بنواحي تلمسان وتجهيز العساكر لمدافعته، ثم تغلبه وما تخلل ذلك من الأحداث **
كان ولد عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن هؤلاء أربعة كما ذكرناه في أخبارهم، وكان يوسف كبيرهم، وكان سكوتا منتحلا لطرق الخير لا يريد علوا في الأرض، ولما هلك أخوه عثمان بتلمسان، عقد له على هنين [1] ، وكان ابنه يوسف بن موسى [2]
متقبلا مذهبه في السكوت والدعة ومجانبة أهل الشر، ولما تغلب السلطان أبو عنان عليهم سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وفر أبو ثابت إلى قاصية المشرق، واستلبهم [1] قبائل زواوة وأرجلوهم عن خيلهم سعوا على أقدامهم، وانتبذ أبو ثابت وأبو زيان ابن أخيه أبي سعيد وموسى ابن أخيه يوسف ووزيرهم يحيى بن داود ناحية عن قومهم، وسلكوا غير طريقهم، وتقبض على أبي ثابت ويحيى بن داود محمد بن عثمان، وخلص موسى إلى تونس، فنزل على الحاجب محمد بن تافراكين وسلطانه خير نزل، وأجارهم مع فل من قومه خلصوا إليهم وأسنوا جرايتهم. وبعث السلطان أبو عنان فيهم إلى ابن تافراكين فأبى من إسلامهم وجاهر بإجارتهم على السلطان.
ولما استولت عساكر السلطان على تونس، وأجفل عنها سلطانها أبو إسحاق إبراهيم ابن مولانا السلطان أبي يحيى، خرج موسى بن يوسف هذا في جملته، ولما رجع السلطان إلى المغرب صمد المولى أبو إسحاق إبراهيم ابن مولانا السلطان أبي يحيى، وابن أخيه المولى أبي زيد صاحب قسنطينة مع يعقوب بن علي وقومه من الزواودة إلى منازلة قسنطينة وارتجاعها، وسار في جملتهم موسى بن يوسف هذا فيمن كان عنده من زناتة قومه. وكان بنو عامر من زغبة خارجين على السلطان أبي عنان منذ غلبه بنو عبد الواد على تلمسان. وكانت رياستهم إلى صغير بن عامر بن إبراهيم، لحق بإفريقية في قومه ونزلوا على يعقوب بن علي، وجاوروه بحللهم وظعنهم، فلما أفرجوا عن قسنطينة بعد امتناعها، واعتزم صغير على الرحلة بقومه إلى وطنهم من صحراء المغرب الأوسط، دعوا موسى بن يوسف هذا إلى الرحلة معهم لينصبوه للأمر، ويجلبوا به على تلمسان، فخلى الموحدون سبيله، وأعانوه بما اقتدروا عليه لوقتهم، وعلى حال سفرهم من آلة وفسطاط. وارتحل مع بني عامر، وارتحل مع صولة بن يعقوب بن علي، وزيان بن عثمان بن سباع من أمراء الزواودة، وصغار [2] بن عيسى في حلل من بني سعيد إحدى بطون رياح. وأغذوا السير إلى المغرب للعيث في نواحيه. وجمع لهم أقتالهم من سويد أولياء السلطان والدولة، والتقوا بقبلة تلمسان، فانهزمت سويد وهلك عثمان بن ونزمار كبيرهم، وكان مهلك السلطان في خلال ذلك.
وكان السلطان حين استعمل الأبناء على الجهات، عقد لمحمد المهدي من أولاده على
تلمسان. ولما اتصل الخبر بوفاة السلطان بالمغرب، أغذوا السير إلى تلمسان، وملكوا ضواحيها، وجهز الحسن بن عمر لها عسكرا عقد عليه وعلى الحامية الذين بها لسعيد ابن موسى العجيسي من صنائع السلطان. وسرحه إليها، وسار في جملته أحمد بن مزني فاصلا إلى عمله بعد أن وصله وخلع عليه وحمله، وسار سعيد بن موسى في العساكر إلى تلمسان، واحتل بها في صفر من سنة ستين وسبعمائة وزحف إليه جموع بني عامر وسلطانهم أبو حمو موسى بن يوسف، فغلبوهم على الضاحية وأحجزوهم بالبلد. ثم ناجزوهم الحرب أياما، واقتحموها عليهم لليال خلون من ربيع، واستباحوا من كان بها من العسكر، وامتلأت أيديهم من أسلابهم ونهابهم. وخلص سعيد بن موسى بابن السلطان إلى حلة صغير بن عامر فأجاره ومن جاء على أثره من قومه، وأوفد برجالات من بني عامر ينصبون [1] له الطريق أمامه إلى أن أبلغوه مأمنه من دار ملكهم، واستولى أبو حمو على ملك تلمسان، واستأثر بالهدية التي ألفى بمودعها، كان السلطان انتقاها وبعث بها إلى صاحب برشلونة بطرة بن ألقنط وبعث إليه فيه بفرس أدهم من مقرباته بمركب ولحام مذهبين ثقيلين. فاتخذ أبو حمو ذلك الفرس لركوبه، وصرف الهدية في مصارفه ووجوه مذاهبه. والله غالب على أمره.
** الخبر عن نهوض الوزير مسعود بن ماسي إلى تلمسان وتغلبه عليها ثم انتقاضه ونصبه سليمان بن منصور للامر **
لما بلغ الوزير الحسن بن عمر خبر تلمسان واستيلاء أبي حمو عليها، جمع مشيخة بني مرين وأمرهم بالنهوض إليها، فأبوا عليه من النهوض بنفسه، وأشاروا بتجهيز العساكر ووعدوه مسيرهم كافة، ففتح ديوان العطاء وفرق الأموال وأسنى الصلات وأزاح العلل، وعسكر بساحة البلد الجديد. ثم عقد عليهم لمسعود بن رحو بن ماسي وحمل معه المال وأعطاه الآلة وسار في الألوية والعساكر. وكان في جملته منصور بن سليمان بن منصور بن أبي مالك بن يعقوب بن عبد الحق، وكان الناس يرجفون بأن
سلطان المغرب صائر إليه بعد مهلك أبي عنان. وشاع ذلك على ألسنة الناس وذاع وتحدث به السمر والندمان، وخشي منصور على نفسه لذلك، فجاء إلى الوزير الحسن وشكا إليه ذلك، فانتهره أن يختلج بفكره هذا الوسواس انتهارا خلا من وجه السياسة، فانزجر واقتصر. ولقد شهدت هذا الموطن، ورحمت ذلة انكساره وخضوعه في موقفه. ورحل الوزير مسعود في التعبية وأفرج أبو حمو عن تلمسان، ودخلها مسعود في ربيع الثاني واستولى عليها. وخرج أبو حمو إلى الصحراء، وقد اجتمعت عليه جموع العرب من زغبة والمعقل. ثم خالفوا بني مرين إلى المغرب واحتلوا بانكاد بحللهم وظواعنهم، وجهز إليهم مسعود بن رحو عسكرا من جنوده انتقى فيه مشيخة بني مرين وأمراءهم، وعقد عليهم لعامر ابن عمه عبو بن ماسي [1] ، وسرحهم فزحفوا إليه بساحة وجدة، وصدقهم العرب الحملة، فانكشفوا واستبيح معسكرهم، واستلبت مشيختهم، وأرجلوا عن خيلهم، ودخلوا إلى وجدة عراة. وبلغ الخبر إلى بني مرين بتلمسان، وكان في قلوبهم مرض من استبداد الوزير عليهم وحجره لسلطانهم، فكانوا يتربصون بالدولة. فلما بلغ الخبر وحاص الناس لها حيصة الحمر، خلص بعضهم نجيا بساحة البلد، واتفقوا على البيعة ليعيش بن علي بن أبي زيان ابن السلطان أبي يعقوب فبايعوه.
وانتهى الخبر إلى الوزير مسعود بن رحو، وكان متحينا السلطان منصور بن سليمان فاستدعاه وأكرهه على البيعة، وبايعه معه الرئيس الأكبر من بني الأحمر، وقائد جند النصارى القهردور [2] ، وتسايل إليه الناس، وتسامع الملأ من بني مرين بالخبر، فتهاووا إليه من كل جانب. وذهب يعيش بن أبي زيان لوجهه، فركب البحر وخلص إلى الأندلس، وانعقد الأمر لمنصور بن سليمان. واحتمل بني مرين على كلمته، وارتحل بهم من تلمسان يريد المغرب. واعترضهم جموع العرب في طريقهم فأوقعوا بهم، وامتلأت أيديهم من أسلابهم وظعنهم. وأغذوا السير إلى المغرب، واحتلوا بسبو في منتصف جمادى الأخيرة، وبلغ الخبر إلى الحسن بن عمر فاضطرب معسكره بساحة البلد. وأخرج السلطان في الآلة والتعبية إلى أن أنزله بفسطاطه. ولما غشيهم الليل انفض عنه الملأ إلى السلطان منصور بن سليمان، فأوقد
الشموع وأذكى النيران حوالي الفسطاط، وجمع الموالي والجند وأركب السلطان، ودخل إلى قصره، وانحجز بالبلد الجديد، وأصبح منصور بن سليمان فارتحل في التعبية حتى نزل بكدية العرائس في الثاني والعشرين لجمادى الأخيرة، واضطرب معسكره بها، وغدا عليها بالقتال وشد عليها الحملات، وامتنعت يومها. ثم جمع الأيدي على اتخاذ الآلات للحصار. واجتمعت إليه وفود الأمصار بالمغرب للبيعة، ولحقت به كتائب بني مرين التي كانت محجرة بمراكش لحصار عامر مع الوزير سليمان بن داود فاستوزره، وأطلق عبد الله بن علي وزير السلطان أبي عنان من معتقله بسبتة، فخلص منه خلوص الإبريز بعد السبك. وأمر منصور بن سليمان بتسريح السجون، فخرج من كان بها من دعار بجاية وقسنطينة، وكانوا معتقلين من لدن استيلاء السلطان أبي عنان على بلادهم. وانطلقوا إلى مواطنهم، وأقام على البلد الجديد يغاديها القتال ويراوحها ونزع عنه إلى الوزير الحسن بن عمر طائفة من بني مرين. ولحق آخرون ببلادهم، وانتقضوا عليه ينتظرون مآل أمره. ولبث على هذه الحال إلى غرة شعبان، فكان من قدوم السلطان أبي سالم لملك سلفه بالمغرب، واستيلائه عليه، ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن نزول المولى أبي سالم بجبال غمارة واستيلائه على ملك المغرب ومقتل منصور بن سليمان **
كان السلطان أبو سالم بعد مهلك أبيه واستقراره بالأندلس، وخروج أبي الفضل بالسوس لطلب الأمر، ثم ظفر السلطان أبي عنان به ومهلكه كما ذكرناه، قد تورع وسكن وسالمه السلطان. ثم لما هلك سلطان الأندلس أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة يوم الفطر بمصلى العيد طعنه أسود مدسوس كان ينسب إلى أخيه محمد من بعض إماء قصرهم. ونصبوا للأمر ابنه محمدا وحجبه مولاه رضوان [1] .
واستبد عليه. وكان للسلطان أبي عنان اعتزاز كما ذكرناه، وكان يؤمل ملك الأندلس. وأوعز إليهم عند ما طرقه طائف المرض سنة سبع وخمسين وسبعمائة أن
يبعثوا إليه طبيب دارهم إبراهيم بن زرور الذمي، وامتنع من ذلك اليهودي، واعتذر وردوه فتنكر لهم السلطان، ولما وصل إلى فاس من فتح قسنطينة وإفريقية تقبض على وزيره والمشيخة من قبله، تجنيا عليهم إذ لم يبادروا السلطان بنفسه أو حاجبه للتهنئة [1] . وأظلم الجو بينهم، واعتزم على النهوض إليهم وكانوا منحاشين بالجملة إلى الطاغية بطرة بن أدفونش صاحب قشتالة، منذ مهلك أبيه الهنشة على جبل الفتح سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ثم استبد رضوان على الدولة بعد مهلك أبي الحجاج، فكانت له صاغية إليه، ظاهرها النظر للمسلمين بمسالمة عدوهم. وكان السلطان أبو عنان يعتد ذلك عليهم، وعلم أنه لا بد أن يمدهم بأساطيله ويدافعوه عن الإجازة إليهم. وكان بين الطاغية بطرة وبين قمص برشلونة فتنة هلك فيها أهل ملتهم، فصرف السلطان قصده إلى قمص برشلونة وخاطبه في اتصال اليد على ابن أدفونش، واجتمع أسطول المسلمين وأسطول النصارى القمص بالزقاق، وضربوا لذلك الموعد وأتحفه السلطان بهدية سنية من متاع المغرب وماعونه، ومركب ذهبي صنيع، ومقرب من جياده وأنفذها إليه، فبلغت تلمسان، وهلك قبل وصولها إلى محلها، ولما هلك السلطان أبو عنان أمل أخوه المولى أبو سالم ملك أخيه، وطمع في مظاهرة أهل الأندلس له على ذلك لما كان بينهم وبين أخيه، واستدعاه أشياع من أهل المغرب، ووصل البعض منهم إليه بمكانه من غرناطة، وطلب الاذن من رضوان في الإجازة، فأبى عليه، فأحفظه ذلك. ونزع إلى ملك قشتالة متطارحا بنفسه عليه أن يجهز له الأسطول للإجازة إلى المغرب، فاشترط عليه وتقبل شرطه. وأجازه في أسطوله إلى مراكش، فامتنع عامر من قبوله لما كان فيه من التضييق والحصار بحضرة سليمان بن داود كما ذكرناه. فانكفأ راجعا على عقبه. فلما حاذى طنجة وبلاد غمارة وألقى بنفسه إليهم، ونزل من الصفيحة من بلادهم. واشتملت عليه قبائلهم، وتسايلوا إليه من كل جانب وبايعوه على الموت.
وملك سبتة وطنجة، وبها يومئذ السلطان أبو العباس بن أبي حفص صاحب قسنطينة لحق بها بعد الخروج من اعتقاله بسبتة كما ذكرناه، فاختصه المولى أبو سالم
بالصحبة والخلة، والبواء [1] في اغترابه ذلك، إلى أن استولى على ملكه، وألفى بطنجة الحسن بن يوسف الورتاجني، وكاتب ديوان الجند أبا الحسن بن علي بن السعود، والشريف أبا القاسم التلمساني. فكان منصور بن سليمان ارتاب بهم واتهمهم بمداخلة الوزير الحسن بن عمر بمكانه من البلد الجديد، فصرفهم من معسكره إلى الأندلس، فوافوا الأمير [2] أبا سالم عند استيلائه على طنجة، فصاروا إلى إيالته، واستوزر الحسن بن يوسف، واستكتب لعلامته أبا الحسن علي بن السعود، واختص الشريف بالمجالسة والمراكبة. ثم قام أهل الثغور الأندلسية بدعوته، وأجاز يحيى بن عمر صاحب جبل الفتح بمن كان معه من العسكر، وطالت حصاة المولى أبي سالم واتسع معسكره، وبلغ الخبر إلى الثائر على البلد الجديد منصور بن سليمان، فجهز عسكرا لدفاعه وعقد عليه لأخويه عيسى وطلحة، وأنزلهما قصر كتامة، وقاتلوه فهزموه، واعتصم بالجبل وبادر الحسن بن عمر من وراء الجدران فبعث طاعته إليه، ووعده بالتمكين من دار ملكه. وداخل بعض أشياع المولى أبي سالم مسعود بن رحو بن ماسي وزير منصور في النزوع إلى السلطان، وكان قد ارتاب بمنصور وابنه علي، فنزع وانفض الناس من حول منصور، وتخاذل أشياعه من بني مرين، ولحق بباديس من سواحل المغرب. ومشى أهل العسكر بأجمعهم في ساقاتهم ومواكبهم على التعبية، فلحقوا بالسلطان أبي سالم واستعدوه إلى دار ملكه، فأغذ السير وخلع الحسن بن عمر سلطانه السعيد من الأمر لتسعة أشهر من خلافته، وأسلمه عمه وخرج إليه فبايعه.
ودخل السلطان إلى البلد الجديد يوم الجمعة منتصف شعبان من سنة ستين وسبعمائة واستولى على ملك المغرب، وتوافت وفود النواحي بالبيعات، وعقد للحسن بن عمر على مراكش، وجهزه إليها بالعساكر ريبة بمكانه. واستوزر مسعود بن رحو بن ماسي والحسن بن يوسف الورتاجني، واصطفى من خواصه خطيب أبيه الفقيه أبا عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق، وجعل إلى مؤلف هذا الكتاب توقيعه وكتابة سره. وكنت نزعت إليه من معسكر منصور بن سليمان بكدية العرايس لما رأيت من اختلال أحواله، ومصير الأمر إلى السلطان، فأقبل علي وأنزلني بمحل التنويه،
واستخلصني لكتابته. واستوسق أمره بالمغرب وتقبض شيعة السلطان بباديس على منصور بن سليمان وابنه علي وقادوهم مصفدين إلى سدته، وأحضرهم ووبخهم، وجنبوا إلى مصارعهم، فقتلوا قعصا بالرماح آخر شعبان من سنته. وجمع الأبناء والقرابة المرشحين من ولد أبيه، وأشخصهم إلى رندة من ثغورهم بالأندلس، ووكل بهم من يحرسهم، ونزع محمد ابن أخيه أبو عبد الرحمن منهم إلى غرناطة. ثم لحق منها بالطاغية، واستقر لديه حتى كان من تملكه المغرب ما نقصه إن شاء الله تعالى.
وهلك الباقون غرقا بالبحر بإيعاز السلطان بذلك بعد مدة من سلطانه، أركبهم السفن إلى المشرق، ثم غرقهم. وخلص الملك من الخوارج والمنازعين، واستوسق له الأمر، والله غالب على أمره. واحتفل السلطان في كرامة مولانا السلطان أبي العباس، وأشاد ببره وأوعز باتخاذ دار عامر بن فتح الله وزير أبيه لنزله، ومهد له المجلس لضيق أريكته، ووعده بالمظاهرة على ملكه إلى أن بعثه من تلمسان عند استيلائه عليها، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن خلع ابن الأحمر صاحب غرناطة ومقتل رضوان ومقدمه على السلطان) **
لما هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة ونصب ابنه محمد للأمر، واستبد عليه رضوان مولى أبيه، وكان قد رشح ابنه الأصغر إسماعيل بما ألقى عليه وعلى أمه من محبته. فلما عدلوا بالأمر عنه حجبوه ببعض قصورهم، وقد كان له صهر من ابن عمه محمد بن إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد في شقيقته فكان يدعوه سرا إلى القيام بأمره متى أمكنته فرصة في الدولة، فخرج السلطان إلى بعض منتزهاته برياضه، فصعد سور الحمراء ليلة سبع وعشرين من رمضان من سنة ستين وسبعمائة في بعض أوشاب، جمعهم من الطغام لثورته. وعمد إلى دار الحاجب رضوان فاقتحم عليه الدار وقتله بين حرمه وبناته، وقربوا إلى إسماعيل فرسه فركب فأدخلوه القصر وأعلنوا بيعته، وقرعوا طبولهم بسور الحمراء، وفر السلطان من مكانه بمنتزهه إلى وادي آش بعد مقتل حاجبه رضوان، واتصل الخبر بالسلطان المولى أبي سالم، فامتعض لمهلك رضوان، وخلع السلطان رعيا لما سلف له في جوارهم، وأزعج
لحينه أبا القاسم الشريف من أهل مجلسه لاستقلاله، فوصل إلى الأندلس وعقد مع أهل الدولة على إجازة المخلوع من وادي آش إلى المغرب، وأطلق اعتقالهم الوزير الكاتب أبا عبد الله بن الخطيب، كانوا اعتقلوه لأول أمرهم لما كان رديفا للحاجب رضوان وركنا لدولة المخلوع. فأوصى المولى أبو سالم إليهم بإطلاقه، فأطلقوه. ولحق الرسول أبو القاسم الشريف بسلطانه المخلوع بوادي آش للإجازة إلى المغرب، وأجاز لذي القعدة من سنته. وقدم على السلطان بفاس وأجل قدومه، وركب للقائه، ودخل به إلى مجلس ملكه وقد احتفل ترتيبه [1] ، وغص بالمشيخة والعلية. ووقف وزيره ابن الخطيب فأنشد السلطان قصيدته الرائقة يستصرخه لسلطانه، ويستحثه لمظاهرته على أمره. واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمة، ونص القصيدة:
سلا هل لديها من محبرة ذكر ... وهل أعشب الوادي ونم به الزهر
وهل باكر الوسمي دارا على اللوى ... عفت آيها إلا التوهم والذكر
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى ... بأكنافها والعيش فينان مخضر
وجوي الذي ربى جناحي وكره ... فها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر
نبت بي لا عن جفوة وقلالة ... ولا نسخ الوصل الهني لها هجر
ولكنها الدنيا قليل متاعها ... ولذاتها دأبا تزور وتزور
فمن لي بنيل القرب منها ودوننا ... مدى طال حتى يومه عندنا شهر
ولله عينا من رآنا وللأسى ... ضرام له في كل جانحة جمر
وقد بددت در الدموع يد النوى ... وللبين أشجان يضيق لها الصدر
بكينا على النهر السرور عشية ... فعاد أجاجا بعدنا ذلك النهر
أقول لأظعاني وقد غالها السري ... وآنسها الحادي وأوحشها الزجر
رويدك بعد العسر يسر فأبشري ... بإنجاز وعد الله قد ذهب العسر
وإن تجبن الأيام لم تجبن النهى ... وإن يخذل الأقوام لم يخدل الصبر
وإن عركت مني الخطوب مجربا ... نقابا تسوى عنده الحلو والمر [2]
فقد عجمت عودا صليتا مقوما [1] ... وعزما كما تمضي المهندة البتر
إذا أنت بالبيضاء قد زرت منزلي ... فلا اللحم حل ما جنيت [2] ولا الظهر
زجرنا بإبراهيم ملء [3] همومنا ... فلما رأينا وجهه صدق الزجر
بمنتخب من آل يعقوب كلما ... دجا الخطب لم يكذب لعرمته فخر
تناقلت الركبان طيب حديثه ... فلما رأته صدق الخبر الخبر
ندي لو حواه البحر لذ مذاقه ... ولم يتعقب مده أبدا جزر
وباس غدا يرتاع من خوفه الردى ... وترفل في أذياله الفتية [4] البكر
أطاعته حتى العصم في قنن الربا ... وهشت إلى تأميله الأنجم الزهر
قصدناك يا مولى الملوك على النوى ... لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
كففنا بك الأيام عن غلوائها ... وقد رابنا منها التعسف والكبر
وعدنا بذاك المجد فانصرف الردى ... ولذنا بذاك العز فانهزم الشر
ولما أتينا البحر نرهب موجه ... ذكرنا بذاك العز الغمر فاحتقر البحر [5]
خلافتك العظمى ومن لم يدن بها ... فإيمانه لغو وعرفانه نكر
ووصفك يهدي المدح قصد صوابه ... إذا ضل في أوصاف من دونك الشعر
دعتك قلوب المسلمين وأخلصت ... وقد طاب منها السر لله والجهر
ومدت إلى الله الأكف ضراعة ... فقال لهن الله قد قضي الأمر
وألبسها النعمى ببيعتك التي ... لها الطائر الميمون والمحتد الحر
فأصبح ثغر الثغر يبسم ضاحكا ... وقد كان مما نابه ليس يفتر
وأمنت بالسلم البلاد وأهلها ... فلا ضيمة تعدو ولا روعة تعرو
وقد كان مولانا أبوك مصرحا ... بأنك في أولاده الولد البر
وقد كنت حقا بالخلافة بعده [6] ... على الفور لكن كل شيء له قدر
فأوحشت من دار الخلافة أهلها [1] ... أقامت زمانا لا يلوح بها البدر
ورد عليك الله حقك إذ قضى ... بأن تشمل النعمى وينسدل الستر
وقاد إليك الملك رفقا بخلقه ... وقد عدموا ركن الأمانة واضطروا
وزادك بالتمحيص عزا ورفعة ... وأجرا ولولا السبك ما عرف التبر
وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى ... وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر
وأنت إذا جار الزمان بحكمه ... لك النقض والإبرام والنهي والأمر
وهذا ابن نصر قد أتى وجناحه ... كسير ومن علياك يلتمس النصر
غريب يرجي منك ما أنت أهله ... فإن كنت تبغي الفخر قد جاءك الفخر
فعد يا أمير المؤمنين [2] لبيعة ... موثقة قد حل عقدتها الغدر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا ... بآل مرين جاءه العز والنصر
وخذ يا إمام الحق للحق ثأره ... ففي ضمن ما تأتي به العز والأجر
وأنت لها يا ناصر الحق فلتقم ... بحق فما زيد يرجى ولا عمرو
فإن قيل مال مالك الدثر وافر ... وإن قيل جيش عندك العسكر الحر [3]
يكف بك العادي ويحيا بك الهدى ... ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر
أعده إلى أوطانه عنك ثانيا ... وقلده نعماك التي ما لها حصر
وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها ... فقد صدهم عنه التغلب والقهر
وهم يرقبون الفعل منك وصفقة ... تحاولها يمناك ما بعدها خسر
مرامك سهل لا يؤدك كفله ... سوى أنه عرض له في الغلى حظر [4]
وما العمر إلا زينة مستعارة ... ترد ولكن الثناء هو العمر
ومن باع ما يفنى بباق مخلد ... فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر
ومن دون ما تبقيه يا مالك العلى ... جياد المذاكي والمحجلة الغر
وراد وشقر واضحات شياتها ... فأجسامها تبر وأراجلها در
وشهب إذا ما ضمرت يوم غارة ... مطهمة غارت بها الأنجم الزهر
وأسد رجال من مرين أعزة ... عمائمها بيض وآمالها سمر
عليهم من الماذي كل مفاضة ... تدافع في أعطافها اللجج الخضر
هم القوم إن هبوا لكشف مملة ... فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر
إذا سئلوا أعطوا، وإن نوزعوا سطوا ... وإن وعدوا أوفوا وإن عاهدوا بروا
وإن سمعوا العواء وافوا بأنفس ... كرام على هاماتها في الورى البر [1]
وإن مدحوا هزوا ارتياحا كأنهم ... نشاوى تمشت في معاطفهم خمر
وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم ... وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر
أمولاي غاضت فكرتي وتبدلت ... طباعي، فلا طبع يقيني [2] ولا فكر
ولولا حنان منك داركتني به ... وأحييتني لم يبق عين ولا أثر
فأوجدت منى فائتا أي فائت ... وأنشرت ميتا ضم أشلاءه قبر
بدأت بفضل لم أكن لعظمه ... بأهل فحل اللطف وانشرح الصدر
وطوقتني النعمى المضعفة [3] التي ... يقل عليها مني الحمد والشكر
وأنت بتتميم الصنائع كافل ... إلى أن يعود العز والجاه والوقر
جزاك الذي أسنى مقامك رحمة ... تفك بها العاني وينفس [4] مضطر
إذا نحن أثنينا عليك بمدحة ... فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر
ولكننا نأتي بما نستطيعه ... ومن بذل المجهود حق له العذر
ثم انقضى المجلس وانصرف ابن الأحمر إلى نزله، وقد فرشت له القصور وقربت له الجياد بالمراكب المذهبة، وبعث إليه بالكساء الفاخرة، ورتب الجرايات له ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصنائع، وانحفظ عليه رسم سلطانه في الركب والرجل، ولم يفقد من ألقاب ملكه إلا الأداة أدبا مع السلطان، واستقر في حملته إلى أن كان من لحاقه بالأندلس، وارتجاع ملكه سنة ثلاث وستين وسبعمائة ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن انتقاض الحسن بن عمر وخروجه بتادلا وتغلب السلطان عليه ومهلكه) **
لما فصل الوزير الحسن بن عمر إلى مراكش واستقر بها، تأثل له بها سلطان ورياسة، نفسها أهل مجلس السلطان [1] وسعوا في تنكر السلطان له، حتى أظلم الجو بينهما، وشعر الوزير بذلك فارتاب بمكانه، وخشي بادرة السلطان على نفسه، وخرج من مراكش في شهر صفر من سنة إحدى وستين وسبعمائة فلحق بتادلا منحرفا عن الطاعة، مرتبكا أمره، وتلقاه بنو جابر من جشم، واعصوصبوا عليه وأجاروه.
وجهز السلطان عساكره إلى حربه، وعقد عليها لوزيره الحسن بن يوسف وسرحه إليه فاحتل بتادلا، ولحق الحسن بن عمر بالجبل، واعتصم به مع الحسين بن علي الورديغي كبيرهم. وأحاطت بهم العساكر وأخذوا بمخنقهم، وداخل الوزير بعض أهل الجبل من صناكة في الثورة بهم، وسرب إليهم المال فثاروا بهم، وانفض جمعهم، وتقبض على الحسن بن عمر، وقاده برمته إلى عسكر السلطان فاعتقله الوزير، وانكفأ راجعا إلى الحضرة. وقدم بها على السلطان في يوم مشهود، واستركب السلطان فيه العسكر وجلس ببرج الذهب مقعده في ساحة البلد لاعتراض عساكره. وحمل السلطان الحسن بن عمر على جمل طيف به بين أهل ذلك المحشر، وقرب إلى مجلس السلطان فأومأ إلى تقبيل الأرض فوق جمله، وركب السلطان إلى قصره، وانفض الجمع وقد شهروا وصاروا عبرة من عبر الدنيا. ودخل السلطان قصره فاقتعد أريكته واستدعى خاصته وجلساءه، وأحضره فوبخه وقرر عليه مرتكبه، فتلوى بالمعاذير وفزع إلى الإنكار. وحضرت هذا المجلس يومئذ فيمن حضره من العلية والخاصة، فكان مقاما تسيل فيه العيون رحمة وعبرة. ثم أمر به السلطان فسحب على وجهه، ونتفت لحيته وضرب بالعصي، وتل إلى محبسه، وقتل لليال من اعتقاله قعصا بالرماح بساحة البلد، ونصب شلوه بسور البلد عن باب المحروق، وأصبح مثلا في الآخرين.
** (الخبر عن وفد السودان وهديتهم وأغرابهم فيها بالزرافة) **
كان السلطان أبو الحسن لما أهدى إلى ملك السودان منسا سليمان بن منسا موسى هديته المذكورة في خبره، اعتمل في مكافأته وجمع لمهادات من طرف أرضه وغرائب بلاده، وهلك السلطان أبو الحسن خلال ذلك، ووصلت الهدية إلى أقصى ثغورهم من الأرس [1] . وهلك منسا سليمان قبل وصولها. واختلف أهل مالي وافترق أمرهم [2] . وتواثب ملوكهم على الأمر وقتل بعضهم بعضا، وشغلوا بالفتنة حتى قام فيهم منسا زاطة [3] واستوسق له أمرهم ونظر في أعطاف ملكه، وأخبر بشأن الهدية وأخبر أنها بوالاتن فأمر بإنفاذها إلى ملك المغرب، وضم إليها حيوان الزرافة الغريب الشكل، العظيم الهيكل، المختلف الشبه بالحيوانات. وفصلوا بها من بلادهم فوصلوا إلى فاس في صفر من سنة اثنتين وستين وسبعمائة وكان يوم وفادتهم يوما مشهودا جلس لهم السلطان ببرج الذهب مجلس العرض. ونودي في الناس بالبروز إلى الصحراء، فبرزوا ينسلون من كل حدب حتى غص بهم الفضاء وركب بعضهم بعضا في الازدحام على الزرافة إعجابا بخلقتها وأنشد الشعراء في معرض المدح والتهنئة، ووصف الحال. وحضر الوفد بين يدي السلطان وأدوا رسالتهم بتأكيد الود والمخالصة، والعذر عن إبطاء الهدية بما كان من اختلاف أهل مالي وتواثبهم على الأمر، وتعظيم سلطانهم وما صار إليه. والترجمان يترجم عنهم وهم يصدقونه بالنزع في أوتار قسيهم عادة معروفة لهم. وحيوا السلطان يحثون التراب على رءوسهم على سنة ملوك العجم. ثم ركب السلطان وانفض ذلك الجمع وقد طار به الذكر. واستقر ذلك الوفد في إيالة السلطان وتحت جرايته، وهلك السلطان قبل انصرافهم، فوصلهم القائم بالأمر من بعده، وانصرفوا إلى مراكش وأجازوا منها إلى ذوي حسان عرب المعقل من السوس المتصلين ببلادهم. ولحقوا من هنالك بسلطانهم، والأمر لله وحده.
** الخبر عن حركة السلطان الى تلمسان واستيلائه عليها وإيثار أبي زيان حافد أبي تاشفين بملكها وما كان من ذلك من صرف أمراء الموحدين إلى بلادهم **
لما استقل السلطان بملك المغرب سنة ستين وسبعمائة كما ذكرناه، وكان العامل على درعة عبد الله بن مسلم الزردالي من أخلاف بني عبد الواد وشيعة أبي زيان [1] ، اصطنعه السلطان أبو الحسن عند تغلبه على تلمسان. واستعمله أبو عنان بعد ذلك على بلاد درعة كما ذكرناه. وتأتى له [2] المكر بأبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن حين خروجه على أخيه السلطان أبي عنان بجبل ابن حميدي، فارتاب عند استقلال المولى أبي سالم بالأمر. وخشي بادرته لما رآه من حقده عليه بسبب أخيه أبي الفضل، لما كان بينهما من لحمة الاغتراب، فداخل بطانة له من عرب المعقل، واحتمل ذخائره وأمواله وأهله وقطع القفر إلى تلمسان، ولحق بالسلطان أبي حمو آخر سنة ستين وسبعمائة فنزل منه خير نزل، وعقد له حين وصوله على وزارته، وباهى به وبمكانه، وفوض إليه في التدبير والحل والعقد، فشمر عن ساعده في الخدمة، وجأجأ بعرب المعقل من مواطنهم رغبة في ولايته وإيثارا لمكانته من الدولة، ورهبة من سلطان المغرب لما كانوا ارتكبوه من موافقة بني مرين مرة بعد أخرى، فاستقروا بتلمسان وانحاشوا جميعا إلى بني عبد الواد، وبعث السلطان أبو سالم إلى أبي حمو في شأن عاملهم عبد الله بن مسلم، فلم يرجع له جوابا عنه، وحضر عليه ولاية المعقل أهل وطنه، فلج في شأنهم فأجمع السلطان أمره على النهوض إليهم. واضطرب معسكره بساحة البلد وفتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالنفير إلى تلمسان. وأزاح العلل.
وبعث الحاشدين من وزرائه إلى مراكش فتوافت حشود الجهات ببابه، وفصل من.
فاس في جمادى من سنة إحدى وستين وسبعمائة وجمع أبو حمو من في إيالته وعلى التشييع لدولته من زناتة والعرب من بني عامر والمعقل كافة، ما عدا العمارنة، كان
أميرهم الزبير بن طلحة متحيزا إلى السلطان. وأجفلوا عن تلمسان وخرجوا إلى الصحراء. ودخل السلطان إلى تلمسان ثالث رجب، وخالفه أبو حمو وأشياعه إلى المغرب، فنزلوا كرسيف بلد ونزمار بن عريف، وخربوه واكتسحوا ما وجدوا فيه حقدا على ونزمار وقومه بولاية بني مرين. وتخطوا إلى وطاط، فعاثوا في نواحيه، وانقلبوا إلى أنكاد، وبلغ السلطان خبرهم فتلافى أمر المغرب. وعقد على تلمسان لحافد من حفدة السلطان أبي تاشفين، كان ربي في حجرهم وتحت كفالة نعمتهم، وهو أبو زيان محمد بن عثمان، وشهرته بالفتى، وأنزله بالقصر القديم من تلمسان وعسكر عليه زناتة الشرق كلهم، واستوزر له ابن عمه عمر بن محمد بن إبراهيم بن مكي [1] ومن أبناء وزرائهم سعيد بن موسى بن علي، وأعطاه عشرة أحمال من المال دنانير ودراهم، ودفع إليه الآلة. وذكر حينئذ لمولانا السلطان أبي العباس سوابقه وإيلافه في المنزل الخشن، فنزل له عن محل إمارته قسنطينة.
وصرف أيضا المولى أبا عبد الله صاحب بجاية لاسترجاع بلده بجاية، فعقد لهما بذلك وحملهما. وخلع عليهما وأعطاهما حملين من المال.
وكانت بجاية لذلك العهد قد تغلب عليها عمهم المولى أبو إسحاق إبراهيم صاحب تونس، فكتب إلى عاملهم على قسنطينة منصور بن الحاج خلوف أن ينزل عن بلدة مولانا السلطان أبي العباس أحمد، ويمكنه منها، وودع هؤلاء الأمراء وانكفأ راجعا إلى حضرته لسد ثغور المغرب، وحسم داء العدو، فدخل فاس في شعبان من سنته. ولم يلبث أن رجع أبو زيان على أثره بعد أن أجفل عن تلمسان ولحق بوانشريش. وتغلب عليه أبو حمو وفض جموعه، فلحق بالسلطان واستقل أبو حمو بملك تلمسان، وبعث في السلم إلى السلطان فعقد له من ذلك ما رضيه كما ذكرناه.
** الخبر عن مهلك السلطان أبي سالم واستيلاء عمر بن عبد الله على ملك المغرب ونصبه للملوك واحدا بعد واحد إلى أن هلك **
كان السلطان قد غلب على هواه الخطيب أبو عبد الله بن مرزوق وكان من خبره أن
سلفه من أهل رباط الشيخ أبي مدين كان جده قيما على خدمة قبره ومسجده واتصل القيام على هذا الرباط في عقبه، وكان جده الثالث محمد معروفا بالولاية، ولما مات دفنه يغمراسن بالقصر القديم ليجاوره بجدثه تبركا به، وكان ابنه أحمد أبو محمد هذا قد ارتحل إلى المشرق، وجاور الحرمين إلى أن هلك وربى ابنه محمد بالمشرق ما بين الحجاز ومصر. وقفل إلى المغرب بعد أن أسر أشياء [1] في الطلب وتفقه على أولاد الإمام، ولما ابتنى السلطان أبو الحسن مسجد العباد ولاه الخطابة به، وسمعه يخطب على المنبر وقد أحسن في ذكره والدعاء له، فحلا بعينه واستخلصه لنفسه وأحله محل القرب من نفسه [2] ، وجعله خطيبا حيث يصلي من مساجد المغرب، وسفر عنه إلى الملوك، ولما كانت نكبة القيروان خلص إلى المغرب واستقر برباط العباد بجبل سلفه، بعد أحوال أضربنا عن ذكرها اختصارا.
ولما خلص السلطان إلى الجزائر داخله أبو سعيد صاحب تلمسان في السفارة عنه إلى السلطان أبي الحسن وصلاح ما بينهما فسار لذلك ونقمه أبو ثابت وبنو عبد الواد ونكروه على سلطانهم. وسرحوا صغير بن عامر في اتباعه، فتقبض عليه وأودعوه المطبق. ثم أشخصوه بعد حين إلى الأندلس فاتصل بأبي الحجاج صاحب غرناطة.
وولاه خطابته لما اشتهر به من إجادة الخطبة للملوك بزعمهم. وألف السلطان أبا سالم في مثوى اغترابهما من غرناطة، وشاركه عند أبي الحجاج في مهماته. ولما نزل بجبال غمارة داخل بني مرين والوزراء في القيام بدعوته. وكان له في ذلك مقام محمود. فرعى السلطان وسائله وبوآته [3] القديمة والحادثة إلى مقامه عند أبيه، فلما استوسق له ملك المغرب استخصه بولايته وألقى عليه محبته وعنايته، وكان مؤامره ونجي خلوته والغالب على هواه، فانصرفت إليه الوجوه وخضعت له الرقاب ووطئ عقبه [4] الأشراف والوزراء، وعطف على بابه القواد والأمراء وصار زمام الدولة بيده. وكان يتجافى عن ذلك أكثر أوقاته حذرا من سوء المغبة، ويزجر من يتعرض
له في الشكاية ويردهم إلى أصحاب المراتب والخطط بباب السلطان، وهم يعلمون أنه قد ضرب على أيديهم، فنقموا ذلك وسخطوا الدولة من أجله. ومرضت قلوب أهل الحل والعقد من تقدمه: ونفس عليه الوزراء ما ثبت له عند السلطان من الحظ، فتربصوا بالدولة، وشمل هذا الداء الخاصة والعامة. وكان عمر بن عبد الله ابن علي لما هلك أبوه الوزير عبد الله بن علي في جمادى سنة ستين وسبعمائة عند استيلاء السلطان على ملكه، تحلبت شفاه أهل الدولة على تراثه. وكان مثريا فاستجار منهم بابن مرزوق، وساهمه في تراث أبيه بعد أن حملوا السلطان على النيل منه، والإهانة له، فأجاره منهم. ورفع عند السلطان رتبته وحمله على الإصهار إليه في أخته، وقلده السلطان أمانة البلد الجديد دار ملكه متى عنت له الرحلة عنها. وأصهر عمر إلى وزير الدولة مسعود بن ماسي تسكينا لروعته [1] واستخلاصا لمودته، وسفر عن السلطان إلى صاحب تلمسان في شعبان من سنة اثنين وستين وسبعمائة ونمي عنه أنه داخل صاحب تلمسان في بعض المكر فهم بنكبته وقتله، ودافع عنه ابن مرزوق وخلص من عقابه، وطوى على البث وتربص بالدولة. وأعيد إلى مكانه من الأمانة على دار الملك أول ذي القعدة مرجعه من تلمسان لما كان السلطان قد تحول عنها إلى القصبة بفاس، واختط إيوانا فخما لجلوسه بها، لضيق قصوره بها [2] . فلما استولى عمر على دار الملك حدثته نفسه بالتوثب وسول له ذلك ما اطلع عليه من مرض القلوب والنكير على الدولة، لمكان ابن مرزوق من السلطان فداخل قائد الجند غريسة ابن انطول [3] وتعدوا لذلك ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي القعدة سنة اثنين وستين وسبعمائة وخلصوا إلى تاشفين الموسوس ابن السلطان أبي الحسن بمكانه من البلد الجديد، فخلعوا عليه وألبسوه شارة الملك، وقربوا له مركبه وأخرجوه إلى أريكة السلطان فأقعدوه عليها. وأكرهوا شيخ الحامية والناشبة محمد بن الزرقاء على البيعة له، وجاهروا بالخلعان وقرعوا الطبول ودخلوا إلى مودع المال، ففرضوا العطاء من غير تقدير ولا حسبان، وماج أهل البلد الجديد من الجند بعضهم في بعض،
واختطفوا ما وصلوا إليه من العطاء، وانتهبوا ما كان بالمخازن الخارجية من السلع والعدة. وأضرموا النار في بيوتها سترا على ما ضاع منها، وأصبح السلطان بمكانه من القصبة، فركب واجتمع إليه من حضر من الأولياء والقبائل، وغدا على البلد الجديد وطاف بها يروم منها منفذا، فاستعصب واضطرب معسكره بكدية العرائس لحصارها، ونادى في الناس بالاجتماع إليه. ونزل عند قائلة الهاجرة بفسطاطة، فتسايل الناس عنه إلى البلد الجديد فوجا بعد فوج بمرأى منه إلى أن سار إليها أهل مجلسه وخاصته، فطلب النجاة بنفسه وركب في لمة من الفرسان مع وزرائه:
مسعود بن رحو وسليمان بن داود ومقدم الموالي والجند ببابه سليمان بن نصار [1] ، وأذن لابن مرزوق في الدخول إلى داره، ومضى على وجهه. ولما غشيهم الليل انفضوا عنه، ورجع الوزير إلى دار الملك فتقبض عليهما عمر بن عبد الله ومساهمه غريسة بن أنطول واعتقلاهما متفرقين، وأشخص علي بن مهدي بن يرزيجن في طلب السلطان، فعثر عليه نائما في بعض المحاشر [2] بوادي ورغة، وقد نزع عنه لباسه اختفاء بشخصه، وتوارى على العيون بمكانه، فتقبض عليه وحمله على بغل، وطير الخبر إلى عمر بن عبد الله فأزعج لتلقيه شعيب بن ميمون بن وردار [3] ، وفتح الله بن عامر ابن فتح الله. وأمرهما بقتله وإنفاذ رأسه، فلقياه بخندق القصب إزاء كدية العرائس، فأمر بعض جنود النصارى أن يتولى ذبحه وحمل رأسه في مخلاة، فوضعه بين يدي الوزير والمشيخة. واستقل عمر بالأمر ونصب الموسوس تاشفين يموه به على الناس، وذوات الأمور إلى غاياتها ولكل أجل كتاب.
** الخبر عن الفتك بابن أنطول قائد العسكر من النصارى ثم خروج يحيى بن رحو وبني مرين عن الطاعة **
لما تقبض عمر بن عبد الله على الوزير، كان معتقل سليمان بن داود بدار غريسة قائد
النصارى، ومعتقل ابن ماسي بداره ضنا به عن الامتهان لمكان صهره. ولما كان يؤمل منه من الاستظهار على أمره بعصابته من الأبناء والإخوة والقرابة، وكان غريسة بن أنطول صديقا لسليمان بن ونصار، فلما رجع عن السلطان ليلة انفضاضهم، نزل عليه وكان يعاقره الخمر، فأتاه سحرا وتفاوضا في اعتقال عمرو [1] وإقامة معتقله سليمان بن داود في الوزارة لما هو عليه من السن ورسوخ القدم في الأمر. ونمي إلى عمر الخبر، فارتاب وكان خلوا من العصابة ففزع إلى قائد المركب السلطاني من الرجل الأندلسيين يومئذ إبراهيم البطروجي [2] ، فباثه أمره وبايعه على الاستماتة دونه. ثم استقل عصابتهم ففزع إلى يحيى بن رحو شيخ بني مرين وصاحب شوراهم فشكا إليه، فأشكاه ووعده الفتك بابن أنطول وأصحابه. وانبرم عقد ابن أنطول وسليمان ابن ونصار على شأنهم وغدوا إلى القصر. وداخل ابن أنطول طائفة من النصارى للاستظهار بهم، ولما توافت بنو مرين بمجلس السلطان على عادتهم وطعموا، دعا عمر بن عبد الله القائد ابن أنطول بين يدي يحيى بن رحو وقد أحضر البطروجي رجل الأندلسيين، فسأله تحويل سليمان بن داود من داره إلى السجن فأبى وضن به عن الإهانة حتى سأل مثلها من ابن ماسي صاحبه، فأمر عمر بالتقبض عليه، فكشر في وجوه الرجال واخترط سكينه للمدافعة، فتواثبت بنو مرين وقتلوه لحينه.
واستلحموا من وجد بالدار من جند النصارى عند دخولهم [3] ، وفروا إلى معسكرهم ويعرف بالملاح جوار البلد الجديد.
وأرجف الغوغاء بالمدينة أن ابن أنطول غدر بالوزير فقتل جند النصارى حيث وجدوا من سكك المدينة. وتزاحفوا إلى الملاح لاستلحام من به من الجند، وركب بنو مرين لحماية جندهم من معرة الغوغاء، وانتهب يومئذ الكثير من أموالهم وآنيتهم وأمتعتهم.