Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
(الكتاب الثالث في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم) — تتمة ١٣
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 64 of 67
وقتل النصارى كثيرا من المجان كانوا يعاقرون الخمر بالملاح، واستبد عمر بالدار واعتقل سليمان بن ونصار إلى الليل. وبعث من قتله بمحبسه. وحول سليمان بن داود إلى بعض الدور بدار الملك واعتقله بها، واستولى على أمره ورجع في الشورى إلى
يحيى بن رحو، واعصوصب بنو مرين عليه، واعتز على الأمراء والدولة، وكان عد الخاصة السلطان أبي سالم حريصا على قتلهم، وكان عمر يريد استبقاءهم لما أمله في ابن ماسي، فخشنت صدورهم عليه، ودبروا في شأنه. وخاطب هو عامر بن محمد في اتصال اليد واقتسام ملك المغرب، وبعث إليه بأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم، اعتده عنده وليجة لخلاصه من ربقة الحصار الذي هم به مشيخة بني مرين. وكان أبو الفضل هذا بالقصبة تحت الرقبة والأرصاد، فتفقد من مكانه.
وأغلظ المشيخة في العتب لعمر في ذلك، فلم يستعتب، ونبذ إليهم العهد وامتنع بالبلد الجديد، ومنعهم من الدخول إليه فاعصوصبوا على كبيرهم يحيى بن رحو وعسكروا بباب الفتوح، وجأجئوا [1] بعبد الحليم ابن السلطان أبي علي وكان من خبرهم معه ما نذكره. وأطلق عمر بن عبد الله مسعود بن ماسي من محبسه وسرحه إلى مراكش، وأوعده في الاجلاب عليهم إن حاصروه كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن وصول عبد الحليم ابن السلطان من تلمسان وحصار البلد الجديد) **
كان السلطان أبو الحسن لما قتل أخاه السلطان أبا علي وقضى الحق الذي له في ذمته [2] عمل بالحق الذي عليه في ولده وحرمه، فكفلهم وغذاهم بنعمته، وساواهم بولده في كافة شئونهم، وأنكح ابنته تاحضريت العزيزة عليه عليا منهم المكنى بأبي سلوس [3] ونزع عنه وهو بالقيروان أيام النكبة ولحق بالعرب. وأجلب معهم على السلطان بالقيروان وتونس. ثم انصرف من إفريقية ولحق بتلمسان ونزل على سلطانها أبي سعيد عثمان بن عبد الرحمن فبوأه كرامته. ثم شرع في الإجازة إلى الأندلس، وبعث فيه السلطان أبو عنان قبل فصوله، فاشخصوه إليه فاعتقله. ثم أحضره ووبخه على مرتكبه مع السلطان أبي الحسن وجحده حقه. ثم قتله لليلتين من شهور إحدى وخمسين وسبعمائة، ولما هلك السلطان أبو الحسن ولحقت جملته من
الخاصة والأبناء بالسلطان أبي عنان، وأشخص إخوته إلى الأندلس، وأشخص معهم ولد الأمير أبي علي هؤلاء عبد الحليم وعبد المؤمن والمنصور والناصر وسعيد ابن أخيهم أبي زيان، فاستقروا بالأندلس في جوار ابن الأحمر. ثم طلب أبو عنان إشخاصهم بعد، كما طلب إشخاص أخيه، فأجارهم ابن الأحمر جميعا وامتنع من إسلامهم إليه. وكان من المغاضبة لذلك ما قدمناه.
ولما اعتقل السلطان أبو سالم الأبناء المرشحين برندة، كما قدمناه، نزع منهم عبد الرحمن بن علي بن أبي يفلوسن إلى غرناطة فلحق بأعماله. وكان السلطان أبو سالم بمكانهم مستريبا بشأنهم حتى لقد قتل محمد بن أبي يفلوسن ابن أخته تاحضريت وهو في حجرها وحجره، استرابه بما نمي عنه. ولما أجاز أبو عبد الله المخلوع ابن أبي الحجاج، إلى المغرب ونزل عليه وصار إلى إيالته، ورأى أن قد ملك أمره في هؤلاء المرشحين بغرناطة، وأرسل الرئيس محمد بن إسماعيل عند توثبه على الأمراء واستلحامه أبناء السلطان أبي الحجاج، فراسله في اعتقالهم ثم فسد ما بين الرئيس والطاغية، وأخذ منه كثيرا من حصون المسلمين. وبعث إلى السلطان أبي سالم في أن يخلي سبيل المخلوع إليه، فامتنع وفاء للرئيس. ثم دافع الطاغية عن ثغوره بإسعاف طلبته، فجهز المخلوع وملأ حقائبه صلة وأعطاه الآلة، وأوعز إلى أسطوله بسبتة فجهز وبعث علال بن محمد ثقة أبيه [1] فأركبه الأسطول وركب معه إلى الطاغية. وخلص الخبر إلى الرئيس بمكانه من ملك غرناطة، وكان أبو حمو صاحب تلمسان يراسله في أولاد أبي علي، وأن يجيزهم إليه ليجدهم زبونا على السلطان أبي سالم، فبادر لحينه وأطلقهم من مكان اعتقالهم، وأركب عبد الحليم وعبد المؤمن وعبد الرحمن ابن أخيهما على أبي يفلوسن. في الأسطول، وأجازهم إلى مرسى هنين بين يدي مهلك السلطان أبي سالم، فنزلوا من صاحب تلمسان بأعز جوار. ونصب عبد الحليم منهم لملك المغرب.
وكان محمد السبيع بن موسى بن إبراهيم نزع عن عمر ولحق بتلمسان، فتوافى معهم وأخبرهم بمهلك السلطان وبايع له وأغراه بالرحلة [2] إلى المغرب ثم تتابعت وفود بني مرين بمثلها، فسرحه أبو حمو وأعطاه الآلة، واستوزر له محمد السبيع وارتحل معه
يغذ السير. ولقي في طريقه محمد بن زكراز من أولاد علي من شيوخ بني ونكاس أهل دبدوا وثغر المغرب منذ دخول بني مرين إليه، فبايعه وحمل قومه على طاعته، وأغذ السير وكان يحيى بن رحو والمشيخة لما نبذ عمر بن عبد الله إليهم العهد، وعسكروا بباب الفتوح، أوفدوا مشيخة منهم على تلمسان لاستقدام السلطان عبد الحليم، فوافوه بتازي ورجعوا معه، وتلقته جماعة بني مرين بسبو، ونزلوا على البلد الجديد يوم السبت سابع محرم من سنة ثلاث وستين وسبعمائة واضطرب معسكرهم بكدية العرائس، وغادوا البلد القتال وراوحوها سبعة أيام، وتتابعت وفودهم وبيعات الأمصار توافيهم والحشود تتسايل إليهم ثم إن عمر بن عبد الله برز من السبت القابل في مقدمة السلطان أبي عمر بمن معه من جند المسلمين والنصارى، رامحة وناشبة.
ووكل بالسلطان من جاء به في الساقة على التعبية المحكمة. وناشبهم الحرب فدلفوا إليه فاستطرد لهم ليتمكن الناشبة من عقرهم من الأسوار حتى فشت فيهم الجراحات. ثم صمم نحوهم وانفرج القلب وانفضت الجموع وزحف السلطان في الساقة فانذعروا في الجهات. وافترق بنو مرين إلى مواطنهم ولحق يحيى بن رحو بمراكش مع مبارك بن إبراهيم شيخ الخلط، ولحق عبد الحليم وإخوته بتازي بعد أن شهد لهم أهل المقام بصدق الجلاد وحسن البلاء في ذلك المجال وصابر عمر بن عبد الله قدوم محمد بن أبي عبد الرحمن كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن قدوم الأمير محمد ابن الأمير عبد الرحمن وبيعته بالبلد الجديد في كفالة عمر بن عبد الله **
لما نبذ بنو مرين عهدهم واعصوصبوا عليه، ونكروا ما جاء به من البيعة لأبي عمر مع فقده العقل الذي هو شرط الخلافة شرعا وعادة، ونقموا عليه، اتهم نفسه في نظره، وفرع إلى التماس المرشحين، فوقع نظره على حافد السلطان أبي الحسن محمد ابن الأمير أبي عبد الله النازع لأول دولة السلطان أبي سالم من رندة إلى الطاغية.
وكان قد نزل منه بخير مثوى، فبعث إليه مولاه عتيقا الخصي، ثم تلاه بعثمان بن الياسمين، ثم تلاهما بالرئيس الأبكم من بني الأحمر في كل ذلك يستحث قدومه، وخاطب المخلوع ابن الأحمر وهو في جوار الطاغية كما قدمناه قريب عهد بجواره،
فخاطبه في استحثاثه واستخلاصه من يد الطاغية. وكان المخلوع يرتاد لنفسه منزلا من ثغور المسلمين لما فسد بينه وبين الطاغية ورام النزوع عن إيالته، فاشترط على الوزير عمر النزول له عن رندة فتقبل شرطه، وبعث إليه الكتاب بالنزول عنها بعد أن وضع الملأ عليه خطوطهم من بني مرين والخاصة والشرفاء والفقهاء، فسار ابن الأحمر إلى الطاغية. وسأله تسريح محمد هذا إلى ملكه، وأن قبيله دعوه إلى ذلك، فسرحه بعد أن شرط عليه، وكتب الكتاب بقبوله وفصل من إشبيلية في شهر المحرم فاتح ثلاث وستين وسبعمائة ونزل بسبتة وبها سعيد بن عثمان من قرابة عمر بن عبد الله.
أرصده لقدومه فطير بالخبر إليه فخلع أبا عمر من الملك لعام من بيعته، وأنزله بداره مع حرمه. وبعث الى السلطان أبي زيان محمد بالبيعة والآلة والفساطيط. ثم جهز عسكرا للقائه فتلقوه بطنجة. وأغذ السير إلى الحضرة فنزل منتصف شهر صفر بكدية العرائس. واضطرب معسكره بها، وتلقاه الوزير يومئذ وبايعه وأخرج فسطاطه، فاضطربه بمعسكره وتلوم السلطان هنالك ثلاثا. ثم دخل في الرابع إلى قصره واقتعد أريكته وتودع ملكه وعمر مستبد عليه لا يكل إليه أمرا ولا نهيا. واستطال عند ذلك المنازعون أولاد أبي علي كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن تجهيز السلطان عبد الحليم واخوته الى سجلماسة بعد الواقعة عليهم بمكناسة **
لما سمع عبد الحليم بقدوم محمد بن أبي عبد الرحمن من سبتة إلى فاس وهو بمكانه من تازى، سرح أخاه عبد المؤمن وعبد الرحمن ابن أخيه إلى اعتراضه، فانتهوا إلى مكناسة وخاموا عن لقائه، فلما دخل إلى البلد الجديد أجلبوا بالغارة على النواحي وكثر العيث. وأجمع الوزير عمر على الخروج إليهم بالعساكر، فبرز بالتعبية والآلة، وبات بوادي النجاء. ثم أصبح على تعبيته وأغذ السير إلى مكناسة، فزحف إليه عبد المؤمن وابن أخيه عبد الرحمن في جموعهما فجاولهما القتال ساعة، ثم صمم إليهم فدفعهم عن مكناسة. وانكشفوا فلحقوا بأخيهم السلطان عبد الحليم بتازى، ونزل الوزير عمر بساحة مكناسة، وأوفد بالفتح على السلطان، وكنت وافده إليه يومئذ، فعمت البشرى واتصل السرور. وتهنأ السلطان بملكه وتودع من يومئذ سلطانه. ولما
وصل عبد المؤمن إلى أخيه عبد الحليم بتازى مفلولا انتقض معسكره ونزعوا عنه إلى فاس، وذهب لوجهه هو وإخوته مع وزيرهم السبيع بن محمد ومن كان معهم من عرب المعقل، فلحقوا بسجلماسة. وكان أهلها قد دخلوا في بيعتهم ودانوا بطاعتهم فاستعروا بها. وجددوا رسم الملك والسلطان إلى أن كان من خروجهم ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن قدوم عامر بن محمد ومسعود بن ماسي من مراكش وما كان من وزارة ابن ماسي واستبداد عامر بمراكش **
كان السلطان أبو سالم لما استقل بملك المغرب، استعمل على جباية المصامدة وولاية مراكش محمد بن أبي العلاء بن أبي طلحة من أبناء العمال، وكان مطلعا بها.
وناقش الكبير من ذوي عامر فأحفظه ذلك وربما تكررت سعايته في عامر عند السلطان ولم يقبل. ولما بلغ إلى عامر مهلك السلطان أبي سالم وقيام عمر بالأمر، وكانت بينهما خلة بيت محمد ابن أبي العلاء فتقبض عليه وامتحنه وقتله، واستقل بأمر مراكش وبعث إليه الوزير عمر بأبي الفضل بن السلطان أبي سالم يعتده لما يقع من حصار بني مرين إياه أن يجلب به عامر عليهم ويستنقضه كما ذكرناه. ثم سرح مسعود بن ماسي كما ذكرناه، ولما أحاط بنو مرين بالبلد الجديد جمع عامر من إليه من الجند والحشود وزحف بأبي الفضل بن السلطان أبي سالم إلى أنفى، ونزل بوادي أم ربيع، ولما انفض جمعهم من على البلد الجديد، لحق به يحيى بن رحو، وكان له صديقا ملاطفا، فتنكر له توفية لعمر بن عبد الله وصاحبه مسعود، وبعثه إلى الجبل ولم يشهد الجمع، فذهب مغاضبا. ولحق بسجلماسة بالسلطان عبد الحليم وهلك في بعض حروبه مع العرب. ولما انفض عبد المؤمن وأجفل عبد الحليم من تازي ولحقوا بسجلماسة، واستوسق الأمر لعمر بن عبد الله وفرغ من شأن المنازعين ومضايقتهم له، رجع إلى ما كان يؤمله من الاستظهار على أمره بمسعود بن ماسي وإخوته وأقاربه لمكان الصهر الذي بينهما، فاستقدمه للوزارة مرضاة لبني مرين لما كانوا عليه من استمالتهم لجميع المذاهب والإغضاء عما نالوه به من النكاية. وكان عامر بن محمد مجمعا القدوم على السلطان فقدم في صحابته ونزلا من الدولة بخير
منزل، وعقد السلطان لمسعود بن رحو على وزارته بإشارة الوزير عمر فاضطلع بها، ودفعه عمر إليها استمالة إليه وثقة بمكانه واستظهارا بعصابته. وعقد مع عامر بن محمد الحلف على مقاسمة المغرب من لحم وأدم رفيع [1] وجعل إمارة مراكش لأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم إسعافا بغرض عامر بن محمد في ذلك وأصهر عامر إليهم في بنت مولانا السلطان أبي يحيى المتوفى عنها السلطان أبو عنان [2] ، فحملوا أولياءها على العقد عليها وانكفأ راجعا إلى مكان عمله بمراكش يجر الدنيا وراءه عزا وثروة وتابعا لجمادى من سنة ثلاث وستين وسبعمائة وصرف عمر عزيمته إلى تشريد عبد الحليم وأخيه من سجلماسة، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن زحف الوزير عمر بن عبد الله الى سجلماسة) **
لما احتل عبد الحليم وإخوته بسجلماسة، اجتمع إليهم عرب المعقل كافة بحللهم.
واقتضوا خراج البلد فوزعوه فيهم، وانتضوا على الطاعة رهنهم. وأقطعهم جنات المختص [3] بأسرها واعصوصبوا عليه. واستحثه يحيى بن رحو ومن هنالك من مشيخة بني مرين إلى النهوض للمغرب، فأجمع أمره على ذلك. وتدبر الوزير عمر أمره وخشي أن يضطرم جمرة، فأجمع إليه الحركة. ونادى في الناس بالعطاء والرحلة فاجتمعوا إليه وبث العطاء فيهم. واعترض العساكر وأزاح العلل وارتحل من ظاهر فاس في شعبان من سنة ثلاث وستين وسبعمائة وارتحل معه ظهيره مسعود بن ماسي وبرز السلطان عبد الحليم إلى لقائهم. ولما تراءت الفئتان بتاغز وطت عند فرج الجبل المفضي من تلول المغرب الى الصحراء، هموا باللقاء. ثم تواقفوا أياما وتمشت بينهم رجالات العرب في الصلح والتجافي لعبد الحليم عن سجلماسة تراث أبيه، فعقد بينهما وافترقا. ورجع كل واحد منهما إلى عمله ومكانه من سلطانه. ودخل عمر والوزير مسعود إلى البلد الجديد في رمضان من سنته، وتلقاهما سلطانهما بأنواع المبرة والكرامة. ونزع الوزير محمد بن السبيع عن السلطان عبد الحليم
إلى الوزير عمر وسلطانه فتقبل وحل محل التكرمة والردافة للوزارة واستقر كل بمكانه.
وتوادعوا أمرهم إلى ما كان من خلع عبد المؤمن لأخيه عبد الحليم، ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن بيعة العرب لعبد المؤمن وخروج عبد الحليم الى المشرق) **
لما رجع عبد الحليم بعد عقد السلم مع الوزير عمر إلى سجلماسة واستقر بها وكان عرب المعقل من ذوي منصور فريقين: الأحلاف وأولاد حسين. وكانت سجلماسة وطنا للأحلاف وفي مجالاتهم منذ أول أمرهم ودخولهم المغرب. وكان من أولاد حسين في ممالأة الوزير عمر ما قدمناه، فكانت صاغية السلطان عبد الحليم إلى الأحلاف بسبب ذلك أكثر، فأسف ذلك أولاد حسين على الأحلاف وتجددت لذلك الفتنة وتزاحفوا. وأخرج السلطان عبد الحليم أخاه عبد المؤمن لرقع ما بينهما من الخرق ولأمته، فلما قدم على أولاد حسين دعوه إلى البيعة والقيام بأمره فأبى فأكرهوه عليها وبايعوه. وزحفوا إلى سجلماسة في صفر من سنة أربع وستين وستمائة وبرز عبد الحليم إليهم في أوليائه من الأحلاف وتواقفوا مليا وعقلوا رواحلهم وانكشف الأحلاف وانهزموا. وهلك يحيى بن رحو كبير المشيخة من بني مرين يومئذ في حربهم. وتغلبوا على سجلماسة، ودخل إليها عبد المؤمن وتخلى له أخوه عبد الحليم عن الأمر وخرج إلى المشرق لقضاء فرضه، فودعه وزوده بما أرادوا وارتحل إلى الحج وقطع المفازة إلى بلد مالي من السودان. وصحب منها ركاب الحج إلى مصر، ونزل على أميرها المتغلب على سلطانها يومئذ، وهو مليغا الحاصكي [1] وأنهى خبره إليه وعرف بمكانه، فاستبلغ في تكريمه بما يناسب بيته وسلطانه. وقضى حجه وانصرف إلى المغرب، فهلك بقرب الإسكندرية سنة ست وستين وسبعمائة واستقل عبد المؤمن، بأمر سجلماسة حتى كان من نهوض العسكر إليه ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن نهوض ابن ماسي بالعساكر الى سجلماسة واستيلائه عليها ولحاق عبد المؤمن بمراكش) **
لما افترقت كلمة أولاد السلطان أبي عنان وخلع عبد المؤمن أخاه تطاول الوزير عمر إلى التغلب عليهم. ونزع إليه الأحلاف عدو أولاد حسين وشيعة عبد الحليم المخلوع، فجهز العساكر وبث العطاء وأزاح العلل، وسرح ظهيره مسعود بن ماسي إلى سجلماسة، فنهض إليها في ربيع من سنة أربع وستين وسبعمائة. وتلقاه الأحلاف بحللهم وناجعتهم، وأغذ السير ونزع الكثير من أولاد حسين للوزير مسعود. وبعث عامر بن محمد عن عبد المؤمن من سجلماسة، فتركها ولحق بعامر فتقبض عليه واعتقله بداره من جبل هنتاتة. ودخل الوزير مسعود إلى سجلماسة واستولى عليها. واقتلع منها جرثومة الشقاق بافتراق دعوة أولاد أبي علي منها. وكر راجعا إلى المغرب لشهرين من حركته، فاحتل بفاس إلى أن كان من خبر انتقاضه على عمر وفساد ذات بينهما ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن انتقاض عامر ثم انتقاض الوزير ابن ماسي على أثره) **
لما استقل عامر بالناحية الغربية من جبال المصامدة ومراكش وما إلى ذلك من الأعمال واستبد بها، ونصب لأمره أبا الفضل ابن السلطان أبي سالم واستوزر له واستكفأ لأمره [1] ، وصارت كأنها دولة مستقلة، فصرف إليه النازعون من بني مرين على الدولة وجوه مفرهم ولجئوا إليه، فأجارهم عن الدولة واجتمع إليه منهم ملأ.
وأشاروا إليه باستقدام عبد المؤمن وأنه أبلغ ترشيحا من أبي الفضل بنسبه وقيامه على أمره وصاغية بني مرين إليه، فاستدعاه وأظهر لعمر أنه يروم بذلك مصلحته والمكر بعبد المؤمن. ونمي ذلك كله إلى عمر فارتاب به ونزع إليه آخرا السبيع بن موسى بن
إبراهيم الوزير. كان لعبد الحليم فكشف القناع في بطانته [1] وتجهيز العساكر إليه.
واستراب بأهل ولايته، وعثر على كتاب من الوزير مسعود بن ماسي إليه يخالصه ويبذل له النصيحة، فتقبض على حامله وأودعه السجن، فتنكر مسعود وأغراه صحابته الملاشون [2] له من بني مرين بالخروج ومنازعة عمر في الأمر. ووعدوه النصر منه، فاضطرب معسكره بالزيتون من خارج فاس موريا بالنزهة أبان الربيع.
وزخرف الأرض في شهر رجب من سنة خمس وستين وسبعمائة. وبني أصحابه الفساطيط في معسكره حتى إذا استوفى جمعهم واعتزم على الخروج، ارتحل مجاهرا بالخلاف، وعسكر بوادي النجا بمن كان يعده الخروج معه من بني مرين. ثم ارتحل إلى مكناسة، وكتب إلى عبد الرحمن بن علي بن يفلوسن. يستقدمه للبيعة، وكان بجهات تادلا قد خرج بها بعد انصرافهم من سجلماسة، وتخلف عن أخيه عبد المؤمن. وبعث عامر إليهم بعثا فهزموه ثم لحق ببني ونكاسن، فبعث إليه ابن ماسي وأصحابه، فقدم عليهم وبايعوه. وأخرج عمر سلطانه محمد بن أبي عبد الرحمن وعسكر بكدية العرائس. وبث العطاء وأزاح العلل. ثم ارتحل إلى وادي النجا، فبيته مسعود وقومه فثبت هو وعسكره في مراكزهم حتى إنجاب الظلام وفروا أمامهم، فاتبعوا آثارهم وانفض جمعهم وبدا لهم ما لم يحتسبوه من اصفاق الناس على السلطان ووزيره عمر واعتصامهم بطاعته، فانذعروا.
ولحق مسعود بن ماسي بن رحو بتادلا، ولحق الأمير عبد الرحمن ببلاد بني ونكاسن.
ورجع عمر والسلطان إلى مكانهما من الحضرة. واستمال مشيخة بني مرين فرجعوا إليه وعفا لهم عنها واستصلحهم. وتمسك أبو بكر بن حمامة بدعوة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأقامهما في نواحيه، وبايعه عليها موسى بن سيد الناس من بني علي أهل جبل دبدو من بني ونكاسن بما كان صهرا له. وخالفه قومه إلى الوزير عمر وواعدوه بالنهوض إلى أبي بكر بن حمامة، فنهض وغلبه على بلاده. واقتحم حصنه انكاوان [3] وفر هو وصهره موسى وفارقوا سلطانهم عبد الرحمن ونبذوا إليه عهده.
ورجعوا إلى طاعة صاحب فاس، فلحق هو بتلمسان ونزل على السلطان أبي حمو
فاستبلغ في تكريمه ولحق وزيره مسعود بن ماسي بدبدة ونزل على أميره محمد بن زكراز [1] صاحب ذلك الثغر. وبعث إلى الأمير عبد الرحمن من تلمسان ليطارد به لفرصة ظنها في المغرب ينتهزها. وأبي عليه أبو حمو من ذلك، فركب مطية الفرار ولحق بابن ماسي وأصحابه، فنصبوه للأمر وأجلبوا على تازى. ونهض الوزير إليهم في العساكر واحتل بتازى وتعرضوا للقائه، ففض جموعهم وردهم على أعقابهم إلى جبل دبدو وسعى بينهم ونزمار بن عريف ولي الدولة في قبض عنانهم عن المنازعة والتجافي عن طلب الأمر، وأن يجيزوا إلى الأندلس للجهاد فأجاز عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره ابن ماسي من غساسة فاتح سبع وستين وسبعمائة وخلا الجو من أجلابهم وعنادهم ورجع الوزير إلى فاس واحتشد إلى مراكش كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن نهوض الوزير عمر وسلطانه الى مراكش) **
لما فرغ عمر من شأن مسعود وعبد الرحمن بن أبي يفلوسن صرف نظره إلى ناحية مراكش وانتزى عامر بن محمد بها. وأجمع أمره على الحركة إليه فأفاض العطاء.
ونادى بالسفر إلى حرب عامر وأزاح العلل، وارتحل إليه لرجب من سنة سبع وستين وسبعمائة وصعد عامر وسلطانه أبو الفضل إلى الجبل. فاعتصم به وأطلق عبد المؤمن من معتقله، ونصب له الآلة وأجلسه على سرير حذاء سرير أبي الفضل يوهم أنه قد بايع له، وانه أحكم أمره يجأجئ بذلك لبني مرين لما يعلم من صاغيتهم إليه.
وخشي مغبة ذلك، فألان له القول ولاطفه في الخطاب، وسعى بينهما في الصلح حسون بن علي الصبيحي فعقد له عمر من ذلك ما أرضاه وانقلب إلى فاس.
ورجع عامر عبد المؤمن إلى معتقله وأمر الأحوال على ما كانت من قبل إلى أن بلغهم قتل الوزير لسلطانه، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن مهلك السلطان محمد بن أبي عبد الرحمن وبيعة عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن) **
كان شأن هذا الوزير عمر في الاستبداد على سلطانه هذا عجبا حتى بلغ مبلغ الحجر من الصبيان. وكان جعل عليه العيون والرقباء حتى من حرمه وأهل قصره. وكان السلطان كثيرا ما يتنفس الصعداء مع ندمائه ومن يختصه بذلك من حرمه إلى أن حدث نفسه باغتيال الوزير، وأمر بذلك طائفة من العبيد كانوا يختصون به، فنمى القول، وأرسل به إلى الوزير بعض الحرم كانت عينا له عليه، فخشي على نفسه، وكان من الاستبداد والدولة أن الحجاب مرفوع له عن خلوات السلطان وحرمه، ومكاشفة رتبه، فخلص إليه في حشمه وهو معاقر لندمائه، فطردهم عنه وتناوله غطا حتى فاض وألقوه في بئر في روض الغزلان. واستدعى الخاصة فأراهم مكانه وأنه سقط عن دابته وهو ثمل في تلك البئر، وذلك في المحرم فاتح ثمان وستين وسبعمائة لست سنين من خلافته. واستدعى من حينئذ عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن وكان في بعض الدور من القصبة بفاس تحت الرقباء والحراسة من الوزير لما كان السلطان محمد يروم الفتك به غيرة منه على الملك، لمكان ترشيحه، فحضر بالقصر وجلس على سرير الملك. وفتحت الأبواب لبني مرين والخاصة والعامة فازدحموا على تقبيل يده معطين الصفقة بطاعته. وكمل أمره وبادر الوزير من حينه إلى تجهيز العساكر إلى مراكش ونادى بالعطاء وفتح الديوان وكمل الأعراض وارتحل بسلطانه من فاس في شهر شعبان، وأغذ السير إلى مراكش ونازل عامر بن محمد بمعقله من جبل هنتاتة ومعه الأمير أبو الفضل ابن السلطان أبي سالم وعبد المؤمن ابن السلطان أبي علي، أطلقه من الاعتقال أيضا وأجلسه موازي ابن عمه، واتخذ له الآلة يموه به في شأنه الأول، ثم سعى بينه وبين عمر في الصلح، فانعقد بينهما وانكفأ راجعا بسلطانه إلى فاس في شهر شوال، فكان حتفه إثر ذلك، كما نذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم.
** (الخبر عن مقتل الوزير عمر بن عبد الله واستبداد السلطان عبد العزيز بأمره) **
كان عمر قد عظم استبداده على السلطان عبد العزيز فحجره ومنعه من التصرف في شيء من أمره. ومنع الناس من النهوض له في شيء من أمورهم. وكانت أمه حذرة عليه إشفاقا وحبا.
وكان عمر لما ملك أمره واستبد عليه، سما إلى الإصهار إليهم في بنت السلطان أبي عنان، واشترط لها زعموا تولية أخيها الأمير ونمي ذلك إلى السلطان، وأن عمر مغتاله لا محالة. وقارن ذلك أن عمر أوعز إلى السلطان بالتحول عن قصره إلى القصبة، فركب أسنة الغدر لاضطراره واعتزم على الفتك به، وأكمن بزوايا داره جماعة من الرجال وأعدهم بالتوثب به. ثم استدعاه إلى بيته للمؤامرة معه على سنته، فدخل معه وأغلق الموالي من الخصيان باب القصر من ورائه. ثم أغلظ له السلطان بالقول وعتبة. ودلف الرجال إليه من زوايا الدار فتناولوه بالسيوف هبرا. وصرخ ببطانته بحيث أسمعهم فحملوا على الباب وكسروا أغلاقه فألفوه مضرجا بدمائه، فولوا الأدبار وانفضوا من القصر وانذعروا وخرج السلطان إلى مجلسه فاقتعد أريكته واستدعى خاصته. وعقد لعمر بن مسعود بن منديل بن حمامة من بني مرين وشعيب بن ميمون بن وردان من الجشم ويحيى بن ميمون بن المصمود من الموالي، وكملت بيعته منتصف ذي القعدة سنة ثمان وستين وسبعمائة وتقبض على علي بن الوزير عمر وأخيه وعمه وحاشيتهم، وسر بهم واعتقلهم حتى أتى القتل عليهم لليال. واستأصل المكان شأفتهم وسكن وأمن ورد النافرين بأمانه وبسط بشره ثم تقبض لأيام على سليمان بن داود ومحمد السبيع، وكانا في مخالصة عمر بمكان فاعتقلهما استرابة بهما ولشيء نمى له عنهما. وأودعهما السجن إلى أن هلكا واعتقل معهما علال بن محمد والشريف أبا القاسم ريبة بصحابتهما. ثم امتن عليهما بشفاعة ابن الخطيب وزير ابن الأحمر وأقصاه. ثم أطلق عنانه في الاستبداد وقبض أيدي الخاصة والبطانة عن التصرف في شيء من سلطانه إلا بإذنه وعن أمره. وهلك لأشهر من استبداد الوزير شعيب بن ميمون. ثم هلك يحيى بن ميمون على ما نذكره إن شاء الله تعالى
** (الخبر عن انتزاء أبي الفضل بن المولى أبي سالم ثم نهوض السلطان اليه ومهلكه) **
لما فتك السلطان عبد العزيز بعمر بن عبد الله المتغلب عليه، سولت لأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم نفسه مثلها في عامر بن محمد، لمكان استبداده عليه، وأغراه بذلك البطانة. وتوجس لها عامر فتمارض بداره. واستأذنه في الصعود إلى معتصمه بالجبل ليمرضه هنالك أقاربه وحرمه، وارتحل بجملته. ويئس أبو الفضل من الاستمكان منه وأغراه حشمه بالراحة من عبد المؤمن. ولليال من منصرف عامر ثمل أبو الفضل ذات ليلة، وبعث عن قائد الجند من النصارى، فأمر بقتل عبد المؤمن بمكان معتقله من قصبة مراكش فجاء برأسه إليه. وطار الخبر إلى عامر فارتاع وحمد الله إذ خلص من غائلته. وبعث ببيعته الى السلطان عبد العزيز وأغراه بأبي الفضل ورغبه في ملك مراكش. ووعده بالمظاهرة فأجمع السلطان أمره على النهوض إلى مراكش. ونادى في الناس بالعطاء، وقضى أسباب حركته وارتحل من فاس سنة تسع وستين وسبعمائة واستبد أبو الفضل من بعد مهلك عبد المؤمن واستوزر طلحة النوري [1] وجعل علامته لمحمد بن محمد بن منديل الكناني، وجعل شوراه لمبارك بن إبراهيم بن عطية الخلطي. ثم أشخص طلحة النوري بسعاية الكناني، فقتله واعتمد منازلة عامر بعساكره. ولما فصل لذلك من مراكش جاءه الخبر بحركة السلطان عبد العزيز إليه، فانفض معسكره ولحق بتادلا ليعتصم بها في معقل بني جابر. وعاج السلطان بعساكره عن مراكش إليها، فنازله وأخذ بمخنقه وقاتله، ففل عسكره وداخله بعض بني جابر في الإخلال بمصافه يوم الحرب على مال يعطيه لهم، ففعلوا، وانهزمت عساكر أبي الفضل وجموعه، وتقبض على أشياعه. وسيق مبارك بن إبراهيم الى السلطان فاعتقله إلى أن قتله مع عامر عند مهلكه كما نذكره.
وفر الكناني إلى حيث لم يعلم مسقطه. ثم لحق بعامر بن محمد ولحق أبو الفضل بقبائل صناكة من ورائهم. وداخلهم أشياع السلطان من بني جابر وبذلوا لهم المال الدثر في إسلامه. فأسلموه وبعث السلطان إليهم وزيره يحيى بن ميمون، فجاء به أسيرا
وأحضره السلطان فوبخه وقرعه واعتقله بفسطاط في جواره، ثم غط من الليل.
وكان مهلكه في رمضان من سنة تسع وستين وسبعمائة سنين من إمارته على مراكش، وبعث السلطان إلى عامر يختبر طاعته بذلك فأبى عليه وجاهر بالخلاف إلى أن كان من شأنهما ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن نكبة الوزير يحيى بن ميمون بن مصمود ومقتله) **
كان يحيى بن ميمون هذا من رجالات دولتهم وربى في دولة السلطان أبي الحسن، وكان عمه علال عدوا له بعداوة أبيه. ولما انتزى السلطان أبو عنان على ملك أبيه، استخلص يحيى هذا سائر أيامه، وهلك عمر يوم مهلكه كما ذكرناه. واستعمل يحيى هذا ببجاية، فلم يزل بها إلى أن تقبض عليه الموحدون، لما استخلصوا بجاية من يده. وسار إلى تونس واعتقل بها مدة. ثم صرفوه إلى المغرب أيام عمر، فاختص به. ولما عقد له السلطان عبد العزيز على وزارته وكان قوي الشكيمة شديد الحزم صعب العداوة مرهف الحد، وكان عمه علال بعد أن أطلقه السلطان من الاعتقال نكبه عن إذنه [1] وأقامه متصرفا بين يديه، فألقى إلى السلطان استبداد يحيى عليه وحذره من شأنه، ورفع إليه أنه يروم تحويل الدعوة لبعض القرابة من آل عبد الحق، وأنه داخل في ذلك قواد الجند من النصارى. وأصاب الوزير وجع قعد به عن مجلس السلطان، فاختلف الناس إلى زيارته وعكف ببابه قواد النصارى، فاستريب بأمرهم وتيقن الأمر بعكوفهم، فأرسل السلطان من حشمه من تقبض عليه وأودعه السجن.
ثم جنب إلى مصرعه من الغد وقتل قعصا بالرماح، وقتل المتهمون من القرابة وقواد الجند، واستلحموا جميعا وصاروا مثلا في الآخرين، والأمر لله.
** (الخبر عن حركة السلطان الى عامر بن محمد ومنازلته بجبله ثم الظفر به) **
لما فرغ السلطان من شأن أبي الفضل عقد على مراكش لعلي بن محمد بن أجانا من
صنائع دولتهم. وأوعز إليه بالتضييق على عامر والأخذ بمخنقه وإلجائه إلى الطاعة.
وانقلب إلى فاس، واعتزم على الحركة إلى تلمسان. وبينما هو في الاستنفار لذلك إذ جاءه الخبر بأن علي بن أجانا نهض إلى عامر وحاصره أياما. وأن عامرا زحف إليه.
ففض معسكره وتقبض على ابن أجانا والكثير من العسكر، فاعتقلهم، فقام السلطان في ركائبه وقعد، وأجمع أمره على النهوض إليه بكافة بني مرين وأهل المغرب، فبعث في الحشود وبث العطاء، وعسكر بظاهر البلد حتى استوفى الغرض وعقد على وزارته لأبي بكر بن الغازي بن يحيى بن الكاس، لمكان فيه من مخايل الرئاسة والكفاية، وارتفع محله. وارتحل سنة سبعين وسبعمائة فاحتل بمراكش، ثم خرج إلى منازلة الجبل ونازلة [1] ، وكان عامر بن محمد قد نصب بعض الأعياص من آل عبد الحق من ولد أبي ثابت بن يعقوب اسمه تاشفين، ولحق به علي بن عمر ويعلان من شيوخ بني ورتاجن كبير بني مرين، وصاحب الشورى فيهم لعهده، فاشتد أزره به. وتوافي به كثير من الجند النازعين عن السلطان رهبة من بأسه أو سخطة لحاله، أو رغبة فيما عند عامر فرتبهم [2] . وأمسك الله يده عن العطاء، فلم تنس [3] بقطرة. وطال مثوى السلطان بساحته وعلى حصاره. ورتب المقاعد للمقاتلة وغاداه للقتال وراوحه. وتغلب على حصونه شيئا فشيئا إلى أن تعلق بأعلى جبل تامسكروط، وكان لأبي بكر بن غازي غناء مذكور، ويئس أصحاب عامر وأشياعه من عطائه. وفسد ما بينه وبين علي بن عمر هذا، فدس إلى السلطان يطلب الأمان، وتوثق لنفسه ثم نزع إليه. وداخله فارس بن عبد العزيز أخي عامر في القيام بدعوة السلطان والخلاف على عمه، لما كان يوسق به من إرهاف الحد وتفضيل ابنه أبي بكر عليه فبلغ خبره إلى السلطان واقتضى له وثيقة من الأمان والعهد بعث به إليه فثار بعمه. واستدعى القبائل من الجبل فأجابوه واستحث السلطان للزحف إليهم، فزحفت العساكر والجنود واستولت على معتصم الجبل. ولما استيقن عامر أن قد أحيط به أوعز إلى ابنه أن يلحق بالسلطان مموها بالنزوع، فألقى بنفسه إليه وبذل له
الأمان وألحقه بجملته. وانتبذ عامر عن الناس وذهب لوجهه ليخلص إلى السوس فرده الثلج. وقد كانت السماء أرسلت به منذ أيام بردا وثلجا حتى تراكم بالجبل بعضه على بعض. وسد المسالك فاقتحمه عامر وهلك فيه بعض حرمه ونفق مركوبة.
وعاين الهلكة العاجلة فرجع مخفيا أثره إلى غار أوى إليه مع أدلاء بذل لهم المال يسلكون به ظهر الجبل إلى الصحراء بالسوس. وأقاموا ينتظرون إمساك الثلج. وأقام وأغرى السلطان بالبحث عنه فدلهم عليه بعض البربر عثروا عليه فسيق إلى السلطان وأحضره بين يديه ووبخه فاعتذر ونجع بالطاعة. ورغب في الإقالة واعترف بالذنب، فحمل إلى مضرب بني له بإزاء فسطاط السلطان، واعتقل هنالك. وتقبض يومئذ على محمد الكناني فاعتقل وانطلقت الأيدي على معاقل عامر ودياره، فانتهب من الأموال والسلاح والذخيرة والزرع والأقوات والخرق ما لا عين رأت ولا خطر على قلب أحد منهم. واستولى السلطان على الجبل ومعاقلة في رمضان من سنة إحدى وسبعين وسبعمائة لحول من يوم حصاره. وعقد على هنتاتة لفارس بن عبد العزيز بن محمد ابن علي وارتحل إلى فاس واحتل بها آخر رمضان ودخلها في يوم مشهود برز فيه الناس. وحمل عامر وسلطانه تاشفين على جملين وقد أفرغ عليهما الرث وعبثت بهما أيدي الإهانة فكان ذلك عبرة لمن رآه ولما قضى منسك الفطر أحضر عامر فقرعه بذنوبه وأوتي بكتابه بخطه يخاطب فيه أبا حمو ويستنجده على السلطان فشهد عليه وأمر به السلطان فامتحن ولم يزل يجلد حتى انتن لحمه، وضرب بالعصي حتى ورمت أعضاؤه، وهلك بين يدي الوزعة، وأحضر الكناني ففعل به مثله. وجنب تاشفين سلطانه إلى مصرعه فقتل قعصا بالرماح وجنب مبارك بن إبراهيم من محبسه بعد الاعتقال، فألحق بهم ولكل أجل كتاب وصفا الجو للسلطان من المنازعين.
وفرغ لغزو تلمسان كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن ارتجاع الجزيرة الخضراء) **
قد تقدم لنا ذكر تغلب الطاغية ابن الهنشة على الجزيرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة وأنه نازل بعدها جبل الفتح سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وهلك بالطاعون وهو محاصر له عند ما استفحل أمره واشتدت شوكته. وكفى الله شأنه وولى أمر الجلالقة بعده ابنه ابن خلدون م 28 ج 7
بطرة، وعدا على سائر إخوته. وفر أخوه القمط ابن حظية أبيه المسماة بلغتهم ألريق (بهمزة) إلى قمط برشلونة فأجاره وأنزله خير نزل. ولحق به من الزعماء المريكس [1] ابن خالته وغيره من اقماطهم [2] وبعث إليه بطرة ملك قشتالة في إسلام أخيه فأبي من إخفار جواره. وحدثت بينهما بذلك الفتنة الطويلة افتتح بطرة فيها كثيرا من معاقل صاحب برشلونة وأوطأ عساكره نواحي أرضه، وحاصر بلنسية قاعدة شرق الأندلس مرارا أرجف عليها بعساكره، وملأ البحر إليها بأساطيله إلى أن ثقلت على النصرانية وطأته وساءت فيها ملكته، فانتقضوا عليه ودعوا القمط أخاه فزحف إلى قرطبة. وثار على بطرة أهل إشبيلية وتيقن صاغية النصارى إليه، ففر عن ممالكه ولحق بملك الافرنج وراء جليقية وفي الجوف عنها وهو صاحب انكلطرة، واسمه ألفنس غالس.
ووفد عليه صريخا سنة سبع وستين وسبعمائة فجمع قومه وخرج في صريخه إلى أن استولى على ممالكه. ورجع ملك الأفرنج فعاد النصارى إلى شأنهم مع بطرة. وغلب القمط على سائر الممالك فتحيز بطرة إلى ثغوره مما يلي بلاد المسلمين. ونادى صريخا بابن الأحمر فانتهز فيها الفرصة. ودخل بعساكر المسلمين فأثخن في أرض النصرانية، وخرب معاقلهم ومدنهم مثل أبدة وجيان وغيرهما من أمهات أمصارهم. ثم رجع إلى غرناطة، ولم تزل الفتنة قائمة بين بطرة وأخيه القمط إلى أن غلب عليه القمط وقتله.
وفي خلال هذه الفتن بقيت ثغورهم مما يلي أرض المسلمين عورة. وتشوف المسلمون إلى ارتجاع الجزيرة التي قرب عهدهم بانتظامها في ملكة المسلمين. وكان صاحب المغرب في شغل عن ذلك بما كان فيه من انتقاض أبي الفضل ابن أخيه وعامر بن محمد، فراسل صاحب الأندلس أن يزحف إليه بعساكره على أن عليه عطاءهم وإمداده بالمال والأساطيل على أن يكون مثوبة جهاده خالصة له، فأجاب إلى ذلك وبعث إليه أحمال المال. وأوعز إلى أساطيله بسبتة فعمرت وأقلعت من مرسى الجزيرة لحصارها وزحف ابن الأحمر بعساكر المسلمين على أثرها بعد أن قسم فيهم العطاء وأزاح العلل، واستعد الآلات للحصار، فنازلها أياما قلائل. ثم أيقن النصارى بالهلك لبعدهم عن الصريخ ويأسهم عن مدد ملوكهم، وألقوا باليد وسألوا النزول على حكم السلم فأجابهم السلطان إليه، ونزلوا عن البلد وأقيمت فيها شعائر الإسلام
ومراسمه، ومحيت منها كلمة الكفر وطواغيته. وكتب الله أجرها لمن أخلص في معاملته وكان ذلك سنة سبعين وسبعمائة وولى ابن الأحمر عليها من قبله. ولم تزل لنظره إلى أن تمحض النظر عن هدمها خشية استيلاء النصرانية عليها، فهدمت أعوام ثمانين وسبعمائة وأصبحت خاوية كأن لم تغن بالأمس. والبقاء لله وحده.
** (الخبر عن حركة السلطان الى تلمسان واستيلائه عليها وعلى سائر بلادها وفرار أبي حمو عنها) **
كان عرب المعقل موطنين بصحراء المغرب من لدن السوس ودرعة وتافيلالت وملوية وصا [1] . وكان بنو منصور منهم أولاد حسين والأحلاف مختصين بطاعة بني مرين وفي وطنهم. وكانوا مغلوبين للدولة تحت قهر من سلطانها. ولما ارتجع بنو عبد الواد ملكهم بتلمسان على يد أبي حمو، وكان الاحلاف بالمغرب، عاث هؤلاء المعقل وأكثروا في الوطن الفساد. ولما استقالت الدولة من عثارها تحيزوا إلى بني عبد الواد وأقطعوهم في أوطانهم. واستقروا هنالك من لدن نزوع عبد الله بن مسلم العامل بدرعة إلى أبي حمو ووزارته له. وفسد ما بين سلطان المغرب وأبي حمو من جراء ذلك. ونهض أبو حمو سنة ست وستين وسبعمائة إلى المغرب، وعاث في نواحي دبدو ثغر المغرب فنشأت [2] لذلك نار العداوة بينه وبين صاحب الثغر محمد بن زكراز [3] فكان داعية لعداء صاحب المغرب على الأيام. ولما استبد السلطان عبد العزيز وهلك صاحبهم عبد الله بن مسلم، وترددت الرسل بين أبي حمو وبين السلطان عبد العزيز، كان فيما اشترط عليه التجافي عن قبول عرب المعقل عرب وطنه، لما فيه من الاستكثار بهم عليه.
وأبي عليهم أبو حمو منها لاستظهاره بهم على زغبة من أهل وطنه وغيرهم. وكثر التلاحي في ذلك وأحفظ السلطان وهم بالنهوض إليه سنة سبعين وسبعمائة وأقصر لما أخذ بحجزته من خلاف عامر. وصاحب الثغر محمد بن زكراز أثناء ذلك يحرضه على الحركة إلى أبي حمو ويرغبه في ملك تلمسان. ولما قضى السلطان حركة مراكش
وفرغ من شأن عامر ورجع إلى فاس، ولقي [1] بها أبو بكر بن عريف أمير سويد في قومه من بني مالك بحللهم وناجعتهم، صريخا على أبي حمو لما نال منهم. وتقبض على أخيهم محمد ورؤساء بني مالك جزاء بما يعرف لهم ولسلفهم من ولاية صاحب المغرب. ووفد عليه رسل أهل الجزائر ببيعتهم يستحثون السلطان لاستنقاذهم من لهواته. وأمر السلطان بذلك وليه ونزمار ومحمد بن زكراز صاحب دبدو فزعموا له بالغناء في ذلك واعتزم على النهوض إلى تلمسان وبعث الحاشدين إلى مراكش للاحتشاد، وتوافي الناس ببابه على طبقاتهم أيام منى من سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وأفاض العطاء وأزاح العلل، ولما قضى منسك الأضحى اعترض العساكر ورحل إلى تلمسان، واحتل بتازى. وبلغ خبر نهوضه إلى أبي حمو، فجمع من إليه من زناتة الشرق وبني عامر من عرب المعقل وزغبة. وتوافت جموعه بساحة تلمسان واضطرب هنالك معسكره واعترض جنوده واعتزم على الزحف للقاء بني مرين ثقة بمكان المعقل. وتحيز من كان معه من عرب المعقل الأحلاف وعبيد الله إلى السلطان عبد العزيز بمداخلة وليهم ونزمار. واجتمعوا إليه وسرح معهم صنائعه فارتحلوا بين يديه وسلكوا طريق الصحراء. وبلغ خبر تحيزهم وإقبالهم إلى أبي حمو فأجفل هو وجنوده وأشياعه من بني عامر وسلكوا على البطحاء. ثم ارتحلوا عنها وعاجوا على منداس، وخرجوا إلى بلاد الديالم. ثم لحقوا بوطن رياح فنزلوا على أولاد سباع بن علي بن يحيى.
وارتحل السلطان عبد العزيز من تازي وقدم بين يديه وزيره أبا بكر بن غازي، فدخل تلمسان وملكها. ورحل السلطان على أثره واحتل بتلمسان يوم عاشوراء من سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، فدخلها في يوم مشهود واستولى عليها وعقد لوزيره أبي بكر ابن غازي على العساكر من بني مرين والجنود والعرب من المعقل وسويد، وسرحه في اتباعه وجعل شوراه إلى وليه ونزمار وفوض إليه في ذلك. فارتحلوا من تلمسان آخر المحرم وكنت وافدا على أبي حمو، فلما أجفل عن تلمسان ودعته وانصرفت إلى هنين للإجازة إلى الأندلس. ووشى بعض المفسدين إلى السلطان بأني احتملت مالا للأندلس، فبعث جريدة من معسكره للقبض علي، ووافوني بوادي الزيتون قبل
مدخلي إلى تلمسان فأحضرني وسألني، وتبين كذب الواشي فأطلقني وخلع علي وحملني. ولما ارتحل الوزير في اتباع أبي حمو استدعاني وأمرني بالنهوض إلى رياح والقيام فيهم بدعوته وطاعته، وصرفهم عن طاعة أبي حمو وصريخه، فنهضت لذلك، ولحقت بالوزير بالبطحاء، وارتحلت معه إلى وادي ورك من بلاد العطاف، فودعته وذهبت لوجهي وجمعت رياح على طاعة السلطان ونكبت بهم عن طاعة أبي حمو فنكبوا عنها. وخرج أبو زيان من محل نزوله بحصين، فلحق بأولاد محمد ابن علي بن سباع من الزواودة. وارتحل أبو حمو من المسيلة فنزل بالدوسن وتلوم بها.
وأوفدت من الزواودة على الوزير ونزمار فكانوا أدلاءهم في النهوض إليه. ووافوه بمكانه من الدوسن في معسكره من زناتة وحلل بني عامر، والوزير في التعبية، وأمم زناتة والعرب من المعقل وزغبة ورياح مخيفة [1] به. فأجهضوه عن ماله ومعسكره، فانتهب بأسره. واكتسحت أموال العرب الذين معه، ونجا بدمائه إلى مصاب.
وتلاحق به ولده وقومه متفرقين على كل مفازة، وتلوم الوزير بالدوسن أياما. ووافاه بذلك لحاق بني مرين [2] وانقلب إلى المغرب. ومر على قصور بني عامر بالصحراء فاستباحها، وشردهم عنها إلى قاصية القفر ومفازة العطش. ولحق بتلمسان في ربيع الثاني.
ووفدت أنا بالزواودة على السلطان ورئيسهم أبو دينار بن علي بن أحمد، فبر السلطان مقدمه ورعى له سوابقه عند أخيه [3] ، وخلع عليه وحمله وخلع على الوفد كافة وانصرفوا إلى مواطنهم. وبعث السلطان عماله على الأمصار، وعقد لصنائعه على النواحي، وجهز الكتائب مع وزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة، لحصار حمزة بن علي بن راشد من آل ثابت بن منديل، كان ربي في حجر الدولة ونشأ في جو نعمتها وسخط حاله لديهم. فنزع إلى وطن سلفه من مغراوة. ونزل بجبل بني بو سعيد فأجاروه وبايعوه على الموت دونه. وسرح السلطان وزيره إلى الأخذ بمخنقهم، فنزل عليهم وقاتلهم وامتنعوا في رأس شاهقهم، فأوطن الوزير بالخميس من وادي شلف وأحجرهم بمعتصمهم. وتوافت لديه الأمداد من تلمسان، فجهزها
كتائب وبوأهم المقاعد للحصار، وأقام هنالك واستولى السلطان على سائر الوطن من الأمصار والأعمال، وعقد عليها واستوسق له ملك المغرب الأوسط كما كان لسلفه.
والله تعالى أعلم.
** (الخبر عن اضطراب المغرب الأوسط ورجوع أبي زيان الى تيطرا واجلاب العرب بأبي حمو على تلمسان الى أن غلبهم السلطان جميعا على الأمر واستوسق له الملك) **
لما خلص أبو حمو من وقعة الدوسن هو وأحياء بني عامر أشياعه، لحقوا بالصحراء وأبعدوا فيها عن قصورهم قبلة جبل راشد. وجمع الوزير ونزمار بن عريف بأحياء العرب كافة من زغبة والمعقل. وكان السلطان لما احتل بتلمسان طلب العرب منه إطلاق أيديهم على ما أقطعهم أبو حمو إياه من الوطن على الزبون والاعتزاز عليه، فاستنكف من ذلك لعظم سلطانه واستبداد ملكه، فسخطوا أحوالهم ورجوا أن يكون لأبي حمو ظهور ينالون به من ذلك ما أملوه. فلما انهزم وقلت عساكره، وظهر السلطان ظهورا لا كفاء له فيئسوا، أجمع رحو بن منصور أمير الخراج من عبيد الله إحدى بطون المعقل الخروج على السلطان، ولما خرج العرب إلى مشاتيهم لحق بأبي حمو وأحياء بني عامر وكاثروهم وقادوهم إلى العيث في الأوطان. فأجلبوا على ممالك السلطان ونازلوا وجدة في رجب من سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة وصمدت نحوهم العساكر من تلمسان، فأجفلوا وعاجوا إلى البطحاء فاكتسحوا أوطانها.
ونهض إليهم الوزير في العساكر ففروا أمامه، واتبع آثارهم إلى أن أصحروا. واستنسر خلال ذلك حمزة بن علي بن راشد، فبيت معسكر الوزير بمكانه من حصار شلف، ففض جموعه ولحق مفلولا بالبطحاء وبلغ الخبر إلى حصين وكانوا راهبين من السلطان، لما اشتهر عنهم من الأجلاب على الدول والقيام بأمر الخوارج، فجأجئوا بأبي زيان الثائر كان عندهم من مكانه بأحياء أولاد يحيى بن علي بن سباع من الزواودة، فلحق بهم وأجلبوا على ضواحي المدية ونازلوا عسكر السلطان بها.
واضطرم المغرب الأوسط نازلا، واتصل ذلك به مدة. ولما كان سنة ثلاث وسبعين
وسبعمائة استمال السلطان رحو بن منصور عن أبي حمو وبذل له مالا وأقطعه ما أحب من الضواحي، وفعل ذلك بسائرهم وملأ صدورهم ترغيبا. واعتزم على تجهيز العساكر معهم لحسم أدواء الفساد وإخراج الثوار من النواحي. واتهم وزيره عمر بن مسعود بالمداهنة في أمر المغراوي، فسرح من دولته من تقبض عليه وأشخصه إلى حضرته مقيدا. واعتقله بفاس وجهز عساكره واعترض جنوده، وعقد لوزيره أبي بكر بن غازي على حرب الثوار والخوارج، فنهض من تلمسان في رجب سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة واعتمد حمزة على ابن راشد في معتصمه بجبل بني بو سعيد، وألح عليه بالقتال فعضتهم الحرب بنابها، وداخلهم الرعب، وأوفدوا مشيختهم على الوزير بالطاعة. ونبذ العهد إلى حمزة فعقد لهم ما ابتغوه. ولحق حمزة بأبي زيان بمكانه من حصين. ثم أثنى عزمه عن ذلك ورجع إلى ضواحي شلف. وبيته بعض الحامية فثبتوا في مراكزهم وانفض جمعه، وتقبض عليه وسيق إلى الوزير فاعتقله وبعث إلى السلطان في شأنه، فأمر بقتله، فاحتز رأسه ورءوس أشياعه وبعث بهم الى السلطان وعلق أشلاءهم بسور مليانة. ثم زحف إلى حصين فأحجرهم بمعقلهم بتيطرا، واجتمعت إليه أحياء زغبة كافة. فأحاط بهم من كل جانب وطاولهم الحصار وعاودوهم الحرب، وخاطبني السلطان بمكاني من الزاب، وأوعز إلي بنفير رياح كافة إلى معسكر الوزير فاستنزلهم [1] بأحيائهم وناجعتهم، ونازلنا الجبل من ناحية الصحراء مما يلي ضواحي رياح، فأصابهم الجهد وداخلهم الرعب، وانفضوا من المعقل وانذعروا في الجهات في المحرم فاتح أربع وسبعين وسبعمائة ولحق أبو زيان بواركلي، واستولى الوزير على المعقل وانتهب ما فيه، واقتضى رهن حصين على الطاعة وقرر عليهم الوضائع والمغارم، فأعطوها عن يد. وكان أبو حمو في خلال ذلك قد أجلب على تلمسان ينتهز الفرصة في انتباذ العسكر عن السلطان. وكان وليه خالد بن عامر أمير بني عامر من زغبة مريد الطاعة، لما اتهم أبو حمو به من ولاية رديفه عبد الله بن عسكر بن معروف دونه، فأسخطه ذلك، وداخل السلطان عبد العزيز في الانحراف إليه عن أبي حمو على مال حمله إليه، فنزع عنه. وجهز له السلطان عسكر الحرب أبي حمو في ذي القعدة من سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من
بني عامر وأولاد يغمور من المعقل، وعقد عليهم لمحمد بن عثمان من قرابة أبي بكر بن غازي وتعرضوا للقائهم، ففض جمعهم ومنحوا أكتافهم وأحيط بمعسكر أبي حمو وحلل العرب فاكتسح ما فيها واستولى بنو مرين على أمواله وحرمه وولده، فاستاقوهم إلى السلطان وأشخصهم إلى فاس فأنزلهم بقصوره. وتقبض على مولاه عطية بن موسى صاحب شلف، فامتن عليه وألحقه بجملته. ونجا ابو حمو وألقى بنفسه إلى عبد الله بن صغير مستميتا، فامتن عليه وبعث معه الأدلاء إلى تيكورارين من بلاد القبلة، فنزلها وكان ذلك بين يدي فتح تيطرا بليال. واستوت قدم السلطان في ملكه واستولى على المغرب الأوسط، ودفع الثوار والخوارج عنه. واستمال كافة العرب إلى طاعته فأتوها راغبين راهبين. ووفد عليه للوزير أبو بكر بن غازي من قاصية الشرق ومعه مشيخة العرب من كل حي من أحيائهم فوصلهم واحتفى بقدومهم، وركب للقاء الوزير وطلب المشيخة في الرهن على الطاعة والاستحثاث لتشريد أبي حمو من تيكورارين، وأوسع حفايتهم وبرهم وانصرفوا إلى مشاتيهم معتملين في أسباب الحركة إلى تيكورارين إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن قدوم ابن الخطيب على السلطان بتلمسان نازعا اليه عن سلطانه ابن الأحمر صاحب الأندلس) **
أصل هذا الرجل من لوشة على مرحلة من غرناطة في الشمال من البسيط الذي فيه ساحتها المسمى بالمرج على وادي سنجيل، ويقال شنبيل المنحرف في ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال، كان له بها سلف معروفون في وزارتها. وانتقل أبو عبد الله إلى غرناطة واستخدم لملوك بني الأحمر، واستعمل على مخازن الطعام، ونشأ ابنه محمد هذا بغرناطة وقرأ وتأدب على مشيختها واختص بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل، وأخذ عنه العلوم الفلسفية وبرز في الطب وانتحل الأدب. وأخذ عن أشياخه وامتلأ حوض السلطان من نظمه ونثره مع انتقاء الجيد منه. وبلغ في الشعر والترسيل حيث لا يجاري فيهما. وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر وملأ الدولة بمدايحه وانتشرت في الآفاق قدماه، فرقاه السلطان إلى خدمته وأثبته في
ديوان الكتاب ببابه مرءوسا بأبي الحسن بن الحباب [1] شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية. وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمد المخلوع من سلفه، عند ما قتل وزيره محمد بن الحكيم المستبد عليه كما مر في أخبارهم. فاستبد ابن الحباب برياسة الكتاب من يومئذ إلى أن هلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فولى السلطان أبو الحجاج يومئذ محمد بن الخطيب هذا رياسة الكتاب ببابه مثناة بالوزارة. ولقبه بها فاستقل بذلك. وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة. ثم داخله السلطان في تولية العمال على يديه بالمشارطات، فجمع له بها أموالا. وبلغ به المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد من قبله. وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعدوة مغريا بأبيه السلطان أبي الحسن فجلى في أغراض سفارته.
ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة عدا عليه بعض الزعانف يوم الفطر بالمسجد في سجوده للصلاة، وطعنه فأشواه وفاض لوقته، وتعاورت سيوف الموالي المعلوجي هذا القاتل فمزقوه أشلاء. وبويع ابنه محمد بالأمر لوقته، وقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم. واستبد بالدولة، وأفراد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه، واتخذ لكتابته غيره، وجعل ابن الخطيب رديفا له في أمره وتشاركا في الاستبداد معا، فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة. ثم بعثوا الوزير ابن الخطيب سفيرا إلى السلطان أبي عنان مستمدين له على عدوهم الطاغية على عادتهم مع سلفه. فلما قدم على السلطان ومثل بين يديه، تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها استأذنه في إنشاد شيء من الشعر يقدمه بين يدي نجواه، فأذن له، وأنشد وهو قائم:
خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح في الدجى قمر
ودافعت عنك كف قدرته ... ما ليس يستطيع دفعه البشر
وجهك في النائبات بدر دجى ... لنا وفي المحل كفك المطر
والناس طرا بأرض أندلس ... لولاك ما أوطنوا ولا عمروا
وجملة الأمر أنه وطن ... في غير علياك ما له وطر
ومن به مذ وصلت حبلهم ... ما جحدوا نعمة ولا كفروا
وقد أهمتهم نفوسهم ... فوجهوني إليك وانتظروا.
فاهتز السلطان لهذه الأبيات وأذن له في الجلوس. وقال له قبل أن يجلس: ما ترجع إليهم إلا بجميع عطائهم [1] . ثم أثقل كاهلهم بالإحسان، وردهم بجميع ما طلبوه.
وقال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف وكان معه في ذلك الوفد: لم يسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا. ومكثت دولتهم هذه بالأندلس خمس سنين. ثم نازلهم [2] محمد الرئيس ابن عم السلطان يشاركه في جده الرئيس أبي سعيد. وتحين خروج السلطان إلى منتزهه خارج الحمراء. وتسور دار الملك المعروفة بالحمراء وكبس رضوانا في بيته، فقتله. وذهب للملك إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج، لما كان صهره على شقيقته. وكان معتقلا بالحمراء، فأخرجه وبايع له وقام بأمره مستبدا عليه. وأحس السلطان محمد بقرع الطبول وهو بالبستان، فركب باديا إلى وادي آش وضبطها. وبعث بالخبر إلى السلطان أبي سالم إثر ما استولى على ملك آبائه بالمغرب. وقد كان مثواه أيام أخيه أبي عنان عندهم بالأندلس. واعتقل الرئيس القائم بالدولة هذا الوزير ابن الخطيب وضيق عليه في محبسه. وكانت بينه وبين الخطيب ابن مرزوق مودة استحكمت أيام مقامه بالأندلس كما مر. وكان غالبا على هوى السلطان أبي سالم، فزين له استدعاء هذا السلطان المخلوع من وادي آش يعده زبونا على أهل الأندلس، ويكف به عادية القرابة المرشحين هنالك متى طمحوا إلى ملك المغرب، فقبل ذلك منه. وخاطب أهل الأندلس في تسهيل طريقه من وادي آش إليه. وبعث من أهل مجلسه الشريف أبا القاسم التلمساني، وحمله مع ذلك الشفاعة في ابن الخطيب. وحل معتقله. فأطلق، وصحب الشريف أبا القاسم إلى وادي آش، وسار في ركاب السلطان. وقدموا على السلطان أبي سالم فاهتز لقدوم ابن الأحمر، وركب في المواكب لتلقيه، وأجلسه إزاء كرسيه، وأنشد ابن الخطيب قصيدته كما مر يستصرخ السلطان لنصره، فوعده وقد
كان يوما مشهودا وقد مر ذكره. ثم أكرم مثواه وأرغد نزله، ووفر أرزاق القادمين في ركابه وانتصر به. وأرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والأقطاع. ثم استأنس واستأذن السلطان في التحول إلى جهات مراكش والوقوف على آثار الملك بها، فأذن له وكتب إلى العمال باتحافه، فتبادروا في ذلك وحصل منه على حظ وعند ما مر بسلا في قفوله من سفره، دخل مقبرة الملوك بشالة ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشد قصيدته على روي الراء الموصولة يريثه ويستثير به استرجاع ضياعه بغرناطة مطلعها:
إن بان منزله وشطت داره ... قامت مقام عيانه أخباره
قسم زمانك عبرة أو غيرة [1] ... هذا ثراه وهذه آثاره
فكتب السلطان أبو سالم في ذلك إلى أهل الأندلس بالشفاعة، فشفعوه. واستقر هو بسلا منتبذا عن سلطانه طول مقامه بالعدوة. ثم عاد السلطان محمد المخلوع إلى ملكه بالأندلس سنة ثلاث وستين وسبعمائة كما مر في أخباره. وبعث عن مخلفه بفاس من الأهل والولد والقائم بالدولة يومئذ عمر بن عبد الله بن علي فاستقدم ابن الخطيب من سلا وبعثهم لنظره. فسر السلطان بمقدمه ورده إلى منزلته كما كان مع رضوان كافله.
وكان عثمان بن يحيى عمر شيخ الغزاة وابن أشياخهم قد لحق بالطاغية في ركاب أبيه عند ما أحس بالشر من الرئيس صاحب غرناطة. وأجاز يحيى من هنالك إلى العدوة وأقام عثمان بدار الحرب، فصحب السلطان في مثوى اغترابه هنالك، وتغلب في مذاهب خدمته. وانحرفوا عن الطاغية بعد ما يئسوا من الفتح على يديه، فتحولوا عنه إلى ثغور بلاده. وخاطبوا عمر بن عبد الله في أن يمكنهم من بعض الثغور الغربية التي أطاعتهم بالأندلس، يرتقبون منها الفتح. وخاطبني السلطان المخلوع في ذلك، وكانت بيني وبين عمر بن عبد الله ذمة مرعية ومخالصة متأكدة، فوفيت للسلطان بذلك من عمر بن عبد الله. وحملته على أن يرد عليه مدينة رندة إذ هي من تراث سلفه، فقبل إشارتي في ذلك. وتسورها السلطان المخلوع، ونزل بها وعثمان بن يحيى في جملته. وهو مقدم في بطانته.
ثم غزوا منها مالقة، فكانت ركابا للفتح. وملكها السلطان واستولى بعدها على دار
ملكها بغرناطة، وعثمان بن يحيى مقدم القوم في الدولة عريق في المخالصة، وله على السلطان دالة واستبداد على هواه. فلما فصل ابن الخطيب بأهل السلطان وولده، وأعاده السلطان إلى مكانه من الدولة من علو يده وقبول إشارته، فأدركته الغيرة من عثمان، ونكر على السلطان الاستكفاء به، والتخوف من هؤلاء الأعياص على ملكه، فحذره السلطان وأخذ في التدبير عليه حتى نكبه وأباه وإخوته في رمضان سنة أربع وستين وسبعمائة وأودعهم المطبق. ثم غربهم بعد ذلك، وخلا لابن الخطيب الجو وغلب على هوى السلطان ودفع إليه تدبير المملكة، وخلط بينه بندمائه وأهل خلوته، وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت عليه الآمال، وغشي بابه الخاصة والكافة. وغصت به بطانة السلطان وحاشيته، فتوافقوا على السعاية فيه [1] وقد صم السلطان عن قبولها. ونمي الخبر بذلك الى ابن الخطيب، فشمر عن ساعده في التقويض عنهم. واستخدم للسلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن ملك العدوة يومئذ في التقبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي. كانوا قد نصبوه شيخا على الغزاة في الأندلس لما أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك، وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم حينئذ بدولة بني مرين، فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس، فأجاز هو ووزيره مسعود بن ماسي ونزلوا على السلطان على المخلوع أعوام سبع وستين وسبعمائة فأكرم نزلهم، وتوفي علي بن بدر الدين شيخ الغزاة، فقدم عبد الرحمن مكانه. وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد قتله الوزير عمر بن عبد الله، فغص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك. وتوقع انتقاض أمره منهم. ووقف على مخاطبات ابن عبد الرحمن يسر بها في بني مرين، فجزع لذلك. وداخله ابن الخطيب في اعتقال ابن أبي يفلوسن وابن ماساي واراحة نفسه من شغبهم، على أن يكون له المكان من دولته متى نزع إليه، فأجابه إلى ذلك وكتب له العهد بخطه، على يد سفيره إلى الأندلس، وكاتبه أبي يحيى بن أبي مدين. بني مرين وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن أبي يفلوسن وابن ماسي فتقبض عليهما. واعتقلهما وفي خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية. وربما خيل أن السلطان مال إلى قبولها وأنهم قد
أحفظوه عليه، فأجمع التحول عن الأندلس إلى المغرب. واستأذن السلطان في تفقد الثغور الغربية. وسار إليها في لمة من فرسانه، ومعه ابنه علي الذي كان خالصة السلطان وذهب لطبنه. فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة، مال إليه وسرح إذنه بين يديه، فخرج قائد الخيل لتلقيه. وقد كان السلطان عبد العزيز قد أوعز إليه بذلك، وجهز إليه الأسطول من حينه، فأجاز إلى سبتة وتلقاه بها بأنواع التكرمة وامتثال الأوامر [1] . ثم سار لقصد السلطان، فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمقامته من تلمسان، فاهتزت له الدولة. وأركب السلطان خاصته لتلقيه، وأحله بمجلسه بمحل الأمن والغبطة، ومن دولته بمكان الشرف [2] والعزة. وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى بن أبي مدين سفيرا إلى الأندلس في طلب أهله وولده، فجاء بهم على أكمل الحالات من الأمن والتكرمة. ثم لغط المنافسون له في شأنه وأغروا سلطانه بتتبع عثراته، وأبدى ما كان كامنا في نفسه من سقطات دالته وإحصاء عصابته [3] . وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها إليه. ورفعت إلى قاضي الحضرة الحسن بن الحسن، فاسترعاها [4] وسجل عليه بالزندقة. وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه. وبعث القاضي أبو الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات، وإمضاء حكم الله فيه، فصم لذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يردى [5] وقال لهم: هلا انتقمتم وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه؟ وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري. ثم وفر الجراية والاقطاع له ولبنيه ولمن جاء من فرسان الأندلس في جملته. فلما هلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وسبعمائة ورجع بنو مرين إلى المغرب وتركوا تلمسان، سار هو في ركاب الوزير أبي بكر بن غازي القائم بالدولة، فنزل بفاس واستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن واغتراس الجنات، وحفظ عليه القائم بالدولة الرسوم التي رسمها له السلطان المتوفى. واتصلت حاله على ذلك إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن مهلك السلطان عبد العزيز وبيعة ابنه السعيد واستبداد أبي بكر بن غازي عليه ورجوع بني مرين إلى المغرب **
كان السلطان منذ أول نشأته قد أزمنت به الحمى بما أصابه من مرض النحول، ولأجل ذلك تجافى السلطان أبو سالم على احتماله مع الأبناء إلى رندة. ولما شب أفاق من مرضه وصلح بدنه. ثم عاوده وجعه في مثواه بتلمسان وتزايد نحوله. ولما كمل الفتح واستفحل سلطانه واشتد به الوجع وصابر المرض وكتمه عن الناس خشية الإرجاف، واضطرب معسكره خارج تلمسان للحاق بالمغرب، ولما كان ليلة الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وسبعمائة قضى متودعا بين أهله وولده ودس الخدم بالخبر إلى الوزير، فخرج على الناس وقد احتمل محمد السعيد ابن السلطان على كنفه فعزى الناس عن خليفتهم لسبع سنين من خلافته، وألقى ابنه بين أيديهم فازدحموا عليه باكين متفجعين، يعطونه الصفقة ويقبلون يديه للبيعة، وأخرجوه للمعسكر. ثم أخرج الوزير شلو السلطان على أعواده وأنزله بفساطيطه، وأيقظ بالليل بحراسة المعسكر. وأذن للناس بالرحيل، فخرجوا أفواجا إلى المحلة.
ثم ارتحلوا لثلاث، وأغذوا السير إلى المغرب واحتلوا بتازى ثم أغذوا السير إلى فاس، واحتل ابن السلطان بدار ملكه وجلس للبيعة العامة بقصره. وتوافت وفود الأمصار ببيعتهم على العادة. واستبد عليه الوزير أبو بكر بن غازي، وحجبه بقصره وحجره عن التصرف في شيء من سلطانه، ولم يكن في سن التصرف، واستعمل على الجهات وجلس بمجلس الفضل، واشتغل بأمر المغرب إبراما ونقضا إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى
** (الخبر عن استيلاء أبي حمو على تلمسان والمغرب الأوسط) **
لما فصل بنو مرين من تلمسان إثر مهلك السلطان عبد العزيز واحتلوا بتازي اجتمع المشيخة وعقدوا على تلمسان لإبراهيم ابن السلطان أبي تاشفين كان ربي في كفالة
دولتهم منذ مهلك أبيه، فآثروه بذلك لخلوصته. وبعثوه مع رحو بن منصور أمير عبيد الله من المعقل، وسرحوا معهما من كان بالمغرب من مغراوة إلى وطن ملكهم بشلف. وعقدوا عليهم لعلي بن هارون بن منديل بن عبد الرحمن وأخيه رحمون وانصرفوا إلى بلادهم. وكان عطية بن موسى مولى أبي حمو قد صار إلى السلطان عبد العزيز وألحقه بجملته وبطانته، فلما هلك السلطان خرج من القصر واختفى بالبلد حتى إذا فصل بنو مرين من معسكرهم ظاهر البلد، خرج من مكان اختفائه، وقام بدعوة مولاه أبي حمو، واجتمع إليه شيعة من أهل البلد مع من تأشب إليه من الغوغاء، وحملوا الخاصة على البيعة لأبي حمو، ووصلهم إبراهيم بن أبي تاشفين مع رحو بن منصور وقومه من عبيد الله، فنبذوه وامتنعوا عليه، فرجع عنهم إلى المغرب، وطير أولاد يعمور أولياء أبي حمو من عبيد الله بالخبر إليه وهو بمثواه من تيكورارين. واتصل بابنه أبي تاشفين وهو عند يحيى بن عامر [1] فدخل إلى تلمسان ومن معه من بني عبد الواد، وتساقط إليه فلهم من كل جانب، ووصل السلطان على أثرهم بعد اليأس منه، فدخلها في جمادى من سنة أربع وسبعين وسبعمائة واستقل بملكه، وتقبض على بطانته الذين آسفوه في اغترابه، ونمي له عنهم السعي عليه، فقتلهم، ورجع ملك بني عبد الواد وسلطانهم، ونهض إلى مغراوة أولياء بني مرين بمكانهم من شلف، فغلبهم عليه بعد مطاولة وحروب سجال هلك فيها رحمون بن هارون، ومحا دعوة بني مرين من ضواحي المغرب الأوسط وأمصاره، واستقل بالأمر حسبما ذكرناه في أخباره. واتصل الخبر بالوزير أبي بكر بن غازي فهم بالنهوض إليه. ثم ثنى عزمه ما كان من خروج الأمير عبد الرحمن بناحية بطوية فشغله شأنه عن ذلك.
** الخبر عن إجازة الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن الى المغرب واجتماع بطوية إليه وقيامهم بشأنه **
كان محمد المخلوع ابن الأحمر قد رجع من رندة إلى ملكه بغرناطة في جمادى من سنة
ثلاث وستين وسبعمائة وقتل له الطاغية عدوه الرئيس المنتزي على ملكهم حين هرب من غرناطة إليه وفاء بعهد المخلوع، واستوى على كرسيه واستقل بملكه، ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمد بن الخطيب واستخلصه وعقد له على وزارته، وفوض إليه في القيام بملكه فاستولى عليه وملك هواه. وكانت عينه ممتدة إلى المغرب وسكناه إلى أن نزلت به آفة في رياسته، فكان لذلك يقدم السوابق والوسائل عند ملوكه، وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلهم غيرة على ولد عمهم السلطان أبي علي ويخشونهم على أمرهم. ولما لحق الأمير عبد الرحمن بالأندلس اصطفاه ابن الخطيب واستخلصه لنجواه، ورفع في الدولة رتبته وأعلى منزلته، وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة والمجاهدين من زناتة مكان بني عمه من الأعياص، فكانت له آثار في الاضطلاع بها، ولما استبد السلطان عبد العزيز بأمره واستقل بملكه، وكان ابن الخطيب ساعيا في مرضاته عند سلطانه، فدس إليه باعتقال عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره المطارد به مسعود بن ماسي، وأدار ابن الخطيب في ذلك مكره وحمل السلطان عليهما إلى أن سطا بهما ابن الأحمر واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز سلطان المغرب سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة لما قدم من الوسائل ومهد من السوابق فقدمه السلطان وأحله من مجلسه محل الاصطفاء والقرب. وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده، فبعثهم إليه واستقر في جملة السلطان. ثم تأكدت العداوة بينه وبين ابن الأحمر فرغب السلطان في ملك الأندلس وحمله عليه وتواعدوا لذلك عند مرجعه من تلمسان إلى المغرب. ونمي ذلك إلى ابن الأحمر فبعث إلى السلطان بهدية لم يسمع بمثلها، انتقى فيها من متاع الأندلس وماعونها وبغالها الفارهة ومعلوجي السبي وجواريه، وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه، فأبى السلطان من ذلك ونكره، ولما هلك واستبد الوزير ابن غازي بالأمر تحيز إليه، ابن الخطيب وداخله وخاطبه ابن الأحمر فيه بمثل ما خاطب السلطان، فلم يؤب [1] واستنكف ذلك وأقبح الرد، وانصرف رسله إليه، وقد رهب سطوته، فأطلق ابن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول وقذف به إلى ساحل بطوية ومعه الوزير مسعود بن ماسي ونهض إلى جبل الفتح فنازله بعساكره
ونزل عبد الرحمن ببطوية في ذي القعدة من سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ومعه وزيره مسعود بن ماسي، فاجتمع قبائل بطوية إليه وبايعوه على القيام بدعوته والموت دونه، واتصل الخبر بالوزير أبي بكر بن غازي فعقد لابن عمه محمد بن عثمان على سبتة وبعثه لسد ثغورها لما خشي عليها من ابن الأحمر، ونهض من فاس بالآلة والعساكر ونازل عبد الرحمن ببطوية، فقاتله أياما ثم رجع إلى تازى ثم إلى فاس، ودخل الأمير عبد الرحمن تازي واستولى عليها، ودخل الوزير إلى فاس وقعد بمجلس الفصل، وهو مجمع العودة إلى تازي لتشريد عدوه إلى أن جاء الخبر ببيعة السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن بيعة السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم واستقلاله بالملك وما كان خلال ذلك من الأحداث **
لما نزل محمد بن عثمان بالثغر من سبتة لسد فروجها، ومدافعة ما يخشى من عادية ابن الأحمر عليها، وكان قد طاول حصار جبل الفتح وأخذ بمخنقه، وتكررت المراسلة بينه وبين محمد بن عثمان بالعتاب، فاستعتب له وقبح ما جاء به ابن عمه من الاستغلاظ له، فوجد ابن الأحمر بذلك السبيل إلى غرضه، وداخله في البيعة للسلطان أبي سالم من الأبناء الذين كانوا بطنجة تحت الرقبة والحوطة، وأن يقيمه للمسلمين سلطانا يحوط سياجهم [1] ويدافع عنهم ولا يتركهم فوضى وهملا.
ويجب [2] بيعة الصبي الذي لم تنعقد بيعته شرعا، واختص هذا بالسلطان من بين أولئك الأبناء وفاء بحقوق أبيه، ووعده بالمظاهرة على ذلك، واشترط عليه أن ينزلوا له عن الجبل إذا انعقد أمرهم، ويشخصوا إليه بيعة الأبناء والقرابة من طنجة ليكونوا في إيالته وتحت حوطته، وأن يبعثوا إليه ابن الخطيب متى قدروا عليه، ويبعثوا إليه بقية الأبناء والقرابة فقبل محمد بن عثمان شرطه كان سفيره في ذلك أحمد المرغني [3] من طبقات كتاب الأشغال بسبتة، كان السلطان أبو الحسن تزوج أمه
ليلة إجازته من واقعة طريف وافتقاد حظاياه، حتى لحق به الحرم من فاس، فردها إلى أهلها ونشأ المرغني في توهم هذه الكفالة، فانتفخ نحره لذلك ويحسبها وصلة إلى أبناء السلطان أبي الحسن، وكان سفيرا بين محمد بن عثمان وابن الأحمر، فأمل الرئاسة في هذه الدولة، وركب محمد بن عثمان من سبتة إلى طنجة، وقصد مكان اعتقالهم. واستدعى أبا العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم من مكانه مع الأبناء فبايع له، وحمل الناس على طاعته، واستقدم أهل سبتة بكتاب للبيعة، فقدموا وخاطب أهل الجبل فبايعوا، وأفرج ابن الأحمر عنهم. وبعث إليه محمد بن عثمان بالنزول عن جبل الفتح، وخاطبوا أهله بالرجوع إلى طاعته، فارتحل من مالقة إليه ودخله واستولى عليه، ومحا دعوة بني مرين مما وراء البحر، وأهدى للسلطان أبي العباس وأمده بعسكر من غزاة الأندلس وحمل إليه مالا للإعانة على أمره.
وكان محمد بن عثمان عند فصوله من فاس، وودعه الوزير ابن عمه فاوضه في شأن السلطان، وأن يقدم للناس إماما يرجعون إليه ويترك له أمرهم، وآمره في ذلك، ولم يفترقا على مبرم من أمرهم. فلما ارتكب هذا المرتكب وجاء بهذا الأمر، خاطب الوزير يموه عليه بأنه فعل بمقتضى المؤامرة، وأنه عن إذنه والله أعلم بما دار بينهما، ولج الوزير في تكذيبه والبراءة للناس مما رمى به ولاطفه في نقض ذلك الأمر، ورد أبا العباس إلى مكانه مع الأبناء تحت الحوطة، وأبى محمد بن عثمان من ذلك ودافعه باجتماع الناس عليه وانعقاد الأمر. وبينما الوزير يروم ذلك جاءه الخبر بأن محمد بن عثمان أشخص الأبناء المعتقلين كلهم إلى الأندلس، وأنهم حصلوا في كفالة ابن الأحمر، فوجم وأعرض عن ابن عمه وسلطانه، ونهض إلى تازى ليفرغ من عدوه إليهم، فنازل الأمير عبد الرحمن وأخذ بمخنقه، واهتبل محمد بن عثمان الغرة في ملك المغرب، فوصله مدد السلطان ابن الأحمر وعسكره تحت رايته، عقدها عليهم ليوسف بن سليمان بن عثمان بن أبي العلاء من مشيخة الغزاة المجاهدين، وعسكر آخر من رجل الأندلس الناشبة يناهزون سبعمائة. وبعث ابن الأحمر رسله إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد بابن عمه السلطان أبي العباس أحمد، ومظاهرته على ملك سلفه بفاس واجتماعهما لمنازلتها، وعقد بينهما الاتفاق والمواصلة وأن يختص عبد الرحمن بملك سلفه فتراضيا، وزحف محمد بن عثمان وسلطانه إلى فاس خالفوا إليه
الوزير وانتهوا إلى قصر ابن عبد الحليم [1] ، وبلغ الخبر إلى الوزير بمكانه من حصار تازى فانفض معسكره ورجع إلى فاس ونزل بكدية العرائس.
وانتهى السلطان أبو العباس أحمد إلى زرهون، فصمد إليه الوزير بعساكره، وصمم نحوه بمكانه من قنة الجبل، فاختل مصافه وانهزمت ساقة العسكر من ورائه، ورجع على عقبه مفلولا وانتهب المعسكر ودخل إلى البلد الجديد. وجأجأ بالعرب أولاد حسين أن يعسكروا له بالزيتون ظاهر فاس، ويخرج بجموعه إلى حللهم، فنهض إليهم الأمير عبد الرحمن من تازى بمن كان معه من العرب الأحلاف وشردهم إلى الصحراء، وشارف السلطان أبا العباس أحمد بجموعه العرب وزناتة، وبعثوا إلى ولي سلفهم ونزمار بن عريف بمكانه من قصر مرادة الذي اختطه بملوية فجاءهم وأطلعوه على كامن أسرارهم، فأشار عليهم بالاجتماع والاتفاق فاجتمعوا بوادي النجا. وحضر لعقدهم واتفاقهم وحلفهم على اتصال اليد على عدوهم ومنازلته بالبلد الجديد حتى يمكن الله منه وارتحلوا بجمعهم إلى كدية العرائس في ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وسبعمائة وبرز إليهم الوزير بعساكره فدارت الحرب وحمى الوطيس واشتد القتال مليا. ثم زحف إليه العسكران بساقتهما وآلتهما فاختل مصافه وانهزمت جيوشه وجموعه وأحيط به، وخلص إلى البلد الجديد بعد غص الريق. وأضرب السلطان أبو العباس معسكره بكدية العرائس، ونزل الأمير عبد الرحمن بإزائه، وضربوا على البلد الجديد سياجا بالبناء للحصار وأنزلوا بها أنواع القتال والإرهاف.
ووصلهم مدد السلطان ابن الأحمر من رجال الناشبة، واحتكموا في ضياع ابن الخطيب بفاس، فهدموها وعاثوا فيها. ولما كان فاتح سنة ست وسبعين وسبعمائة داخل محمد بن عثمان ابن عمه أبا بكر في النزول عن البلد الجديد والبيعة للسلطان، لما كان الحصار قد اشتد ويئس من الصريخ، وأعجزه المال فأجاب واشترط عليهم الأمير عبد الرحمن التجافي له في أعمال مراكش، وأن يديلوه بها من سجلماسة فعقدوا له على كره، وطووا على المكر. وخرج الوزير أبو بكر للسلطان أبي العباس أحمد، وبايعه واقتضى عهده بالأمان وتخلية سبيله من الوزارة فبذله. ودخل السلطان أبو
العباس أحمد إلى البلد الجديد سابع المحرم. وارتحل الأمير عبد الرحمن يومئذ إلى مراكش واستولى عليها، وارتحل معه علي بن عمر بن ويغلان شيخ بني مرين والوزير ابن ماسي، ثم نزع عنه ابن ماسي إلى فاس لعهد كان قد اقتضاه من السلطان أبي العباس، وأجاز البحر إلى الأندلس فاستقر بها في إيالة ابن الأحمر، واستقل السلطان أبو العباس ابن السلطان أبي سالم بملك المغرب ووزيره محمد بن عثمان، وفوض إليه شئونه وغلب على هواه. وصار أمر الشورى إلى سليمان بن داود، كان نزع إليه من البلد الجديد من جملة أبي بكر بن غازي بعد أن كان أطلقه من محبسه، واستخلصه. وجعل إليه مرجع أمره فتركه أحوج ما كان إليه، ولحق بالسلطان أبي العباس بمكانه من حصار البلد الجديد. فلما استوسق ملكه ألقى الوزير محمد بن عثمان مقاد الدولة له، وصار إليه أمر الشورى ورياسة المشيخة. واستحكمت المودة بينه وبين ابن الأحمر وتأكدت المداخلة. وجعلوا إليه المرجع في نقضهم وإبرامهم لمكان الأبناء المرشحين من إيالته. ولما ارتحل الأمير عبد الرحمن إلى مراكش نبذوا إليه العهد وتعللوا عليه بأن العقد الأول له، إنما كان على ملك سلفه ومراكش إنما ألجأهم إلى العقد عليها إلجاء، واعتزموا على النهوض إليه ثم أقصروا وانعقدت بينهما السلم سنة ست وسبعين وسبعمائة وجعلوا التخم بينهما أزمور وعقدوا على ثغرها لحسان الصبيحي فلم يزل عليها إلى أن هلك كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن مقتل ابن الخطيب) **
ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد دار ملكه فاتح ست وسبعين وسبعمائة واستقل بسلطانه والوزير محمد بن عثمان مستبد عليه، وسليمان بن داود رديف له، وقد كان الشرط وقع بينه وبين السلطان ابن الأحمر عند ما بويع بطنجة على نكبة ابن الخطيب وإسلامه إليه لما نمي إليه عنه أنه كان يغري السلطان عبد العزيز لملك الأندلس. فلما زحف السلطان أبو العباس من طنجة ولقي الوزير أبا بكر بن غازي بساحة البلد الجديد، فهزمه السلطان ولاذ منه بالحصار، آوى معه ابن الخطيب إلى البلد الجديد خوفا على نفسه، فلما استولى السلطان على البلد الجديد أقام أياما، ثم أغراه سليمان بن داود بالقبض عليه فقبضوا عليه وأودعوه السجن، وطيروا بالخبر إلى
السلطان ابن الأحمر وكان سليمان بن داود شديد العداوة لابن الخطيب لما كان سليمان قد تابع السلطان ابن الأحمر على مشيخة الغزاة بالأندلس، حتى أعاده الله إلى ملكه. فلما استقر له سلطانه أجاز إليه سليمان سفيرا عن عمر بن عبد الله ومقتضيا عهده من السلطان. فصده ابن الخطيب عن ذلك بأن تلك الرئاسة إنما هي لأعياص الملك من آل عبد الحق، لأنهم يعسوب زناتة. فرجع سليمان آيسا [1] وحقد ذلك لابن الخطيب. ثم جاور الأندلس بمحل إمارته من جبل الفتح، فكانت تقع بينه وبين ابن الخطيب مكاتبات ينفس كل منهما لصاحبه بما يحفظه لما كمن في صدورهما. وحين بلغ الخبر بالقبض على ابن الخطيب إلى السلطان بعث كاتبه ووزيره بعد ابن الخطيب، وهو أبو عبد الله بن زمرك، فقدم على السلطان أبي العباس وأحضر ابن الخطيب بالشورى في مجلس الخاصة وأهل الشورى، وعرض عليه بعض كلمات وقعت له في كتابه، فعظم عليه النكرير فيها، فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملاثم تل إلى محبسه. واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه، وأفتى بعض الفقهاء فيه ودس سليمان بن داود إليه لبعض الأوغاد من حاشيته بقتله، فطرقوا السجن ليلا ومعهم زعانفة جاءوا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الأحمر، وقتلوه خنقا في محبسه، وأخرجوا شلوه من الغد فدفن في مقبرة باب المحروق، ثم أصبح من الغد على شأفة قبره طريحا وقد جمعت له أعواد وأضرمت عليه نارا، فاحترق شعره واسود بشره، وأعيد إلى حفرته، وكان في ذلك انتهاء محنته وعجب الناس من هذه السفاهة التي جاء بها سليمان واعتدوها من هناته، وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته، والله الفعال لما يريد وكان عفى الله عنه أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت، فيتجيش هو أتقه بالشعر يبكي نفسه (ومما قال في ذلك) :
بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ [2] ونحن صموت
وأنفاسنا سكنت دفعة ... كجهر الصلات تلاه القنوت
وكنا عظاما فصرنا عظاما ... وكنا نقوت فها نحن قوت
وكنا شموس سماء العلا ... عزين فناحت عليها البيوت [1]
فكم جزلت ذا الحسام الظبا ... وذو البحث كم جدلته التحوت [2]
وكم سيق للقبر في خرقة ... فتى ملئت من كساه التخوت
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب ... وفات ومن ذا الذي لا يفوت
فمن كان يفرح منكم له ... فقل يفرح اليوم من لا يموت
** (الخبر عن اجازة سليمان بن داود الأندلس ومقامه إلى أن هلك بها) **
كان سليمان بن داود هذا منذ عضته الخطوب واختلفت عليه النكبات [3] يروم الفرار بنفسه إلى الأندلس للمقامة مع غزاة المجاهدين من قومه. ولما استقر السلطان ابن الأحمر بفاس عند خلعه ووفادته على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين وسبعمائة وداخله سليمان بن داود في تأميل الكون عنده، فعاهده على ذلك وأن يقدمه على الغزاة المجاهدين من قومه. ولما عاد إلى ملكه وفد عليه سليمان بن داود بغرناطة في سبيل السفارة عن عمر بن عبد الله سنة ست وستين وسبعمائة وأن يؤكد عقده من السلطان، فحال دون ذلك ابن الخطيب ومارى [4] السلطان عن ذلك بأن شياخة الغزاة مخصوصة بأعياص الملك من بني عبد الحق لمكان عصابتهم بالأندلس، فأخفق أمل سليمان حينئذ وحقدها على ابن الخطيب ورجع إلى مرسلة، ثم كانت نكبته أيام السلطان عبد العزيز فلم يخلص منها إلا بعد مهلكه، أطلقه أبو بكر بن غازي المستبد بالأمر من بعده، ليعتضد بمكانه على شأنه. فلما استبد الحصار على ابن غازي خرج عنه سليمان ولحق بالسلطان أبي العباس ابن المولى أبي سالم بمكانه من ظاهر البلد
الجديد، فكان ذلك من أسباب الفتح، ولما دخل السلطان إلى دار ملكه من البلد الجديد فاتح سنة ست وستين وسبعمائة واستوسق أمره، رفع مجلس سليمان وأحله محل الشورى، واعتضد به وزيره محمد بن عثمان واستخلصه كما ذكرناه. وكان يرجع إلى رأيه وهو في خلال ذلك يحاول اللحاق بالأندلس، فكان من أول عمله التقرب إلى السلطان ابن الأحمر بإغراء الوزير محمد بن عثمان بقتل ابن الوزير مسنويه [1] ، فتم ذلك لأول الدولة. وجرت الأمور بعدها على الاعتمال في مرضاته إلى أن حاول السفارة إليه في أغراض سلطانه، سنة ثمان وستين وسبعمائة في صحابة ونزمار بن عريف، فتلقاهما السلطان ابن الأحمر بما يتلقى به أمثالهما وأغرب في تكرمتهما. وأما ونزمار فانقلب راجعا لأول تأدية الرسالة، يتقضى من السلطان حظه لقواد أسطوله بتسهيل الإجازة إليه متى رامها. وخرج يتصيد فلحق بمرسى مالقة ودفع أمر السلطان بخطه، إلى قائد الأسطول، فأجازه إلى سبتة ولحق بمكانه. وأما سليمان فاعتزم على المقام عند ابن الأحمر وأقام هنالك خالصة ونجيا ومشاورا، الى أن هلك سنة إحدى وثمانين وسبعمائة.
** الخبر عن شأن الوزير أبي بكر بن غازي وما كان من تغريبه الى مايرقة ثم رجوعه وانتقاضه بعد ذلك **
لما اشتد الحصار بالوزير أبي بكر بن غازي وفنيت أمواله وأموال السلطان، وظن أنه أحيط به، داخله الوزير محمد بن عثمان من مكانهم بحصاره في النزول عن البلد على الأمان والإبقاء فأجاب وخرج إلى السلطان أبي العباس بن أبي سالم، فعقد له أمانا بخطه، وتحول إلى داره بفاس وأسلم سلطانه المنصوب للأمر، فتسلمه منه الوزير محمد بن عثمان، واشتد في الاحتياط عليه إلى أن بعثه إلى السلطان ابن الأحمر، فكان في جملة الأبناء عنده، ودخل السلطان أبو العباس إلى دار ملكه واقتعد سريره ونفذت في الممالك أوامره. وأقام أبو بكر بن غازي على حاله بداره والخاصة يباكرونه والنفوس منطوية على تأميله، فغص به أهل الدولة وترددت فيه
السعاية، وتقبض عليه السلطان وأشخصه إلى غساسة، وركب منها السفين إلى ميورقة آخر ست وسبعين وسبعمائة فأقام بها شهرا ومخاطباته مترددة إلى الوزير محمد بن عثمان. ثم عطفته عليه رحم، فأذن له في القدوم، إلى المغرب والمقامة بغساسة فقدمها أوائل سنة سبع وسبعين وسبعمائة واستبد بإمارتها. وبدا له رأي في تأميل الوثبة [1] وظهر ما كان يخفيه لابن عمه من المنافسة، فخاطب ابن الأحمر وراء البحر ولاطفه بالتحف والهدايا، فكتب إلى ابن عمه محمد بن عثمان يحضه على إعادته إلى مكانه دفعا لغوائله، فأبى من ذلك، وداخله ونزمار بن عريف في بعضها كذلك، فلح في الامتناع وحمل سلطانه على نبذ العهد لأبي بكر بن غازي، فتنكر له وأجمع المسير إليه بعساكر العرب، فخرج من فاس سنة تسع وسبعين وسبعمائة وبلغ الخبر إلى أبي بكر بن غازي فاستجاش بالعرب وأحثهم للوصول، فوصل إليه الأحلاف من المعقل، وسرب فيهم أمواله، وخرج من غساسة فألقى بينهم نفسه، وعمد إلى بعض العرب الطارئين فنصبه للأمر مشبها ببعض أبناء السلطان أبي الحسن. وزحف إليه السلطان حتى نزل بتازى، فأجفلت أحياء العرب أمام العساكر من بني مرين والجند، ونجا ابن غازي معهم بدمائه. ثم داخله ونزمار بن عريف في الإذعان للسلطان عن شق الخلاف، فأجاب ووصل به إلى سدة الملك، فبعث به السلطان محتاطا عليه إلى فاس فاعتقل بها. ونزلت مقدمات العساكر بوادي ملوية، وداخل صاحب تلمسان منها رعب، فأوفد على السلطان من قومه وكبار مجلسه ملاطفا مداريا، فتقبل منه وعقد السلم، وأصدر به كتابه وعهده بخطه، وانكفأ راجعا إلى حضرته بعد أن بث العمال في تلك النواحي على جبايتها، فجمعوا له منها ما رضي. ولما احتل بدار ملكه، أنفذ أمره بقتل أبي بكر بن غازي فقتل بمحبسه طعنا بالرماح [2] وذهب مثلا في الأيام، واستوسق للسلطان أمره. وأحكم العقد مع الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن صاحب مراكش، وترددت المهاداة بينهما بعض إلى بعض، وإلى صاحب الأندلس وإليه منهما فامتلأت المغرب هدنة وأمنا، وانبعثت الآمال بساطا وغبطة والحال متصلة على ذلك لهذا العهد آخر سنة إحدى وثمانين وسبعمائة أيام إشرافنا على هذا التأليف، والله مقدر الليل والنهار.
** الخبر عن انتقاض الصلح بين الأمير عبد الرحمن صاحب مراكش والسلطان أبي العباس صاحب فاس واستيلاء عبد الرحمن على أزمور ومقتل عاملها حسون بن على **
كان علي بن عمر كبير بني ورتاجن وشيخ بني ويغلان منهم، قد تحيز إلى الأمير عبد الرحمن منذ إجازته إلى الأندلس واستيلائه على تازى ثم زحفه إلى حصار البلد الجديد مع السلطان أبي العباس كما مر. فوصل في جملته إلى مراكش، وكان صاحب شواره وكبير دولته. وكان يظعن على خالد بن إبراهيم الهربرحى شيخ جاجة [1] من قبائل المصامدة ما بين مراكش وبلاد السوس، وقد كان علي بن عمر انتقض على ابن غازي الوزير المستبد بعد السلطان عبد العزيز، ولحق بالسوس. ومر بخالد بن إبراهيم هذا فاعترضه في طريقه وأخذ الكثير من أثقاله ورواحله. وخلص هو إلى منجاته بالسوس، وقد حقد ذلك لخالد. ثم حث [2] شيوخ المعقل عند ما أجاز الأمير عبد الرحمن من الأندلس إلى نواحي تازى يروم اللحاق بهم، فوفدوا عليه.
وسار معهم إلى أحيائهم وأقام معهم وهو في طاعة الأمير عبد الرحمن ودعوته إلى أن اتصل به بين يدي حصاره البلد الجديد مع السلطان أبي العباس. فلما فتح السلطان البلد الجديد أول سنة ست وسبعين وسبعمائة واستولى على ملكهم بها، وفصل عبد الرحمن إلى مراكش كما كان الوفاق بينهم، وسار علي بن عمر في جملة السلطان عبد الرحمن إلى مراكش، واستأذنه في قتل خالد صاحبه، فلم يأذن له، فأحفظه ذلك وطوى عليه، وبعد أيام صعد جبل وريكة في غرض من أغراض الدولة، وتقدم إلى حافده عامر ابن ابنه محمد بقتل خالد، فقتله بظاهر مراكش، ولحق بجده علي بن عمر بوريكة، فتلطف له الأمير عبد الرحمن وراسله بالملاينة والاستعطاف. ثم ركب إليه بنفسه واستصلحه ونزل به إلى مراكش فأقام معه أياما. ثم ارتاب ولحق بأزمور وعاملها يومئذ حسون بن علي الصبيحي فأغراه بالإجلاب على عمل مراكش، وزحفوا جميعا إلى عمل صنهاجة.
وسرح الأمير عبد الرحمن لمدافعتهم كبير دولته يومئذ وابن عمه عبد الكريم بن عيسى ابن سليمان بن منصور بن أبي مالك، وهو عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، فخرج في العساكر ومعه منصور مولى الأمير عبد الرحمن، فلقوا علي بن عمر فهزموه وأخذوا سواده، ولجأ إلى أزمور. ثم وفد هو وحسون بن علي إلى السلطان بفاس.
ووقعت أثناء ذلك المراسلة بين السلطانين، وانعقد بينهما الصلح. فأقام علي بن عمر بفاس ورجع حسون بن علي إلى مكان عمله بأزمور، ثم انتقض ما بين السلطانين ثانيا. وكان عند الأمير عبد الرحمن أخوان من ولد محمد بن يعقوب بن حسان الصبيحي وهما علي وأحمد، جرثومتا بغي وفساد، وعدا على كبيرهما علي بن يعقوب ابن علي بن حسان فقتله، واستعدى أخوه موسى عليه السلطان فأعداه. وأذن له في أن يثأر منه بأخيه فيقتله فخرج لذلك أحمد أخو علي، وهم بقتل موسى، فاستجار موسى بيعقوب بن موسى بن سيد الناس كبير بني ونكاسن، وصهر الأمير عبد الرحمن. وأقام أياما في جواره، ثم هرب إلى أزمور فلحقه نار الفتنة. ونهض الأمير عبد الرحمن إلى أزمور فلم يطق حسان بن علي دفاعه فملكها عليه وقتله واستباحها.
وبلغ الخبر إلى السلطان بفاس فنهض في عساكره وانتهى إلى سلا. ورجع الأمير عبد الرحمن إلى مراكش، وسار السلطان في اتباعه حتى نزل بحصن أكمليم من مراكش، وأقام هنالك نحوا من ثلاثة أشهر والقتال يتردد بينهم. ثم سعى بين السلطانين في الصلح، فاصطلحوا على حدود العمالات أولا، وانكفأ صاحب فاس إلى عمله وبلده. وبعث الحسن بن يحيى بن حسون الصنهاجي عاملا على الثغر بأزمور، فأقام بها، وكان أصله من صنهاجة أهل وطن أزمور، وله سلف في خدمة بني مرين منذ أول دولتهم، وكان أبوه يحيى في دولة السلطان أبي الحسن عاملا في الجباية بأزمور وغيرها. وهلك في خدمته بتونس أيام مقام السلطان بها، وترك ولده يستعمل في مثل ذلك، ونزع الحسن هذا منهم إلى الجندية فلبس شارتها وتصرف في الولاية المناسبة لها. واتصل بخدمة السلطان أبي العباس لأول بيعته بطنجة. وكان يومئذ عاملا بالقصر الكبير فدخل في دعوته وصار في جملته، وشهد معه الفتح واستعمله في خطط السيف، حتى ولاه أزمور هذه الولاية فقام بها كما نذكره.
(وأما الصبيحيون) فالخبر عن أوليتهم أن جدهم حسان من قبيلة صبيح من أفاريق سويد، جاء مع عبد الله بن كندوز الكمي من بني عبد الواد حين جاء من تونس،
وأوفد على السلطان ابن عبد الحق ولقيه كما مر. وكان حسان من رعاة إبله. فلما استقر عبد الله بن كندوز بناحية مراكش وأقطعه السلطان يعقوب في أعمالها، وكان الظهر الذي يحمل عليه السلطان متفرقا في سارية المغرب، فجمعه وجعله لنظر عبد الله بن كندوز، فجمع له الرعاة وكبيرهم يومئذ حسان الصبيحي، فكان يباشر السلطان في شأن ذلك الظهر ويطالعه في مهماته، فحصلت له مداخلة أجلبت إليه الحظ، حتى ارتفع وكبر. ونشئوا في ظل الدولة وعزها وتصرفوا في الولايات فيها، وانفردوا بالشاوية فلم تزل ولايتها متوارثة فيهم منقسمة بينهم لهذا العهد إلى ما كانوا يتصرفون فيه من غير ذلك من الولايات، وكان لحسان من الولد علي ويعقوب وطلحة وغيرهم، ومن حسان هذا تفرعت شعوبهم في ولده، وهم لهذا العهد متصرفون في الدولة على ما كان سلفهم من ولاية الشاوية والنظر في رواحل السلطان والظهر الذي يحمل من الإبل، ولهم عدد وكثرة ونباهة في الدولة، والله أعلم.
** الانتقاض الثاني بين صاحب فاس وصاحب مراكش ونهوض صاحب فاس إليه وحصاره ثم عودهما إلى الصلح **
لما رجع السلطان إلى فاس على ما استقر من الصلح، طلب الأمير عبد الرحمن أن يدخل عمالة صنهاجة ودكالة في أعماله، وكتب السلطان إلى الحسن بن يحيى عامل أزمور وتلك العمالة بأن يتوجه إليه ويسد المذاهب في ذلك دونه. وكان الحسن بن يحيى مضطغنا على الدولة، فلما وصل إليه داخله في الخلاف وأن يملكه تلك العمالة، فازداد الأمير عبد الرحمن بذلك قوة على أمره، وتعلل على صاحب فاس بأن يكون حدا بين الدولتين ووادي أم ربيع. واستمر صاحب فاس على الاباية من ذلك، فنهض الأمير عبد الرحمن من مراكش، ودخل الحسن بن يحيى في طاعته فملكها، وبعث مولاه منصورا في العساكر إلى أنفاه [1] فاستولى عليها وصادر أعيانها وقاضيها وواليها وبلغ الخبر إلى السلطان، فنهض من فاس في عساكره، وانتهى إلى
سلا، فهرب منصور من أنفاء وتركها. ولحق بمولاه عبد الرحمن فأجفل من أزمور إلى مراكش، والسلطان في أثره حتى انتهى إلى قنطرة الوادي، على غلوة من البلد، وأقام خمسة أشهر يحاصرها، واتصل الخبر بالسلطان ابن الأحمر صاحب الأندلس، فبعث خالصته الوزير أبا القاسم الحكيم الرندي ليعقد الصلح بينهما، فعقده على أن يسترهن السلطان أولاد الأمير عبد الرحمن وحافد أبي الحسن. وانكفأ السلطان راجعا إلى سلا. ولحق به جماعة من جملة الأمير عبد الرحمن من بني مرين وغيرهم، نزعوا عنه، وكان محمد بن يعقوب الصبحي لقي في طريقه مولى الأمير عبد الرحمن، جاء به مكرها إلى السلطان. وكان من النازعين أيضا يعقوب بن موسى بن سيد الناس كبير بني ونكاسن، وأبو بكر بن رحو بن الحسن بن علي بن أبي الطلاق، ومحمد بن مسعود الإدريسي وزيان بن عمر بن علي الوطاسي وغيرهم من المشاهير. وقدموا على السلطان بسلا فتقبلهم وأحسن كرامتهم، ورحل راجعا إلى فاس والله أعلم.
** انتقاض علي بن زكريا شيخ الهساكرة على الأمير عبد الرحمن وفتكه بمولاه منصور ومقتل الأمير عبد الرحمن **
لما رجع السلطان إلى فاس وبدا من الخلل في دولة الأمير عبد الرحمن وانتقاض الناس عليه ما قدمناه، نزع يده من التعويل على العساكر، وشرع في تحصين البلد.
وضرب الأسوار على القصبة وحفر الخنادق وتبين بذلك اختلال أمره. وكان علي بن زكريا شيخ هسكورة وكبير المصامدة وكان في دعوته منذ دخل مراكش فتلافى أمره مع صاحب فاس، ومد إليه يدا من طاعته. ثم انتقض على الأمير عبد الرحمن ودخل في دعوة السلطان، وبعث إليه الأمير عبد الرحمن مولاه منصورا يستألفه، فأرصد إليه في طريقه من حاشيته من قتله، وبعث برأسه إلى فاس، فنهض السلطان في عساكره إلى مراكش. واعتصم الأمير عبد الرحمن بالقصبة وقد كان أفردها عن المدينة بالأسوار. وخندق عليها فملك السلطان المدينة ورتب على القصبة المقاتلة من كل جهة، ونصب الآلة وأدار عليها من جهة المدينة حائطا وأقام يحاصرها تسعة [1]
أشهر يغاديها القتال ويراوحها. وكان أحمد بن محمد الصبيحي من الذين بوءوا المقاعد لقتالها، فهم بالانتقاض وحدثته نفسه بغدرة السلطان والتوثب به. وسعى بذلك إلى السلطان، فتقبض عليه وحبسه. وبعث السلطان بالنفير إلى أعماله، فتوافت الأمداد من كل ناحية، وبعث إليه صاحب الأندلس مددا من العسكر. فلما اشتد القتال والحصار بالأمير عبد الرحمن ونفذت الأقوات، وأيقن أصحابه بالهلكة، وأهمتهم أنفسهم. وهرب عنه وزيره محمد بن عمر [1] شيخ الهساكرة والمصامدة لعهد السلطان أبي الحسن وابنه، وقد مر ذكره. فلما لحق هذا بالسلطان وعلم أنه إنما جاء مضطرا قبض عليه وحبسه. ثم انفض الناس عن الأمير عبد الرحمن ونزلوا من الأسوار ناجين إلى السلطان. وأصبح في قصبته منفردا، وقد بات ليلته يراوض ولديه على الاستماتة وهما: أبو عامر وسليم. وركب السلطان من الغد في التعبية وجاء إلى القصبة فاقتحمها بمقدمته، ولقيهم الأمير عبد الرحمن وولداه مباشرا إلى الميدان بين أبواب دورهم، فجالوا معهم جولة قتل فيها ولداه، تولى قتلهم علي بن إدريس وزيان بن عمر الوطاسي وطال ما كان زيان يمتري يدي نعمهم [2] ويجر ذيله خيلاء في جاههم، فذهب مثلا في كفران النعمة وسوء الجزاء.
والله لا يظلم مثقال ذرة. 4: 40 وكان ذلك خاتم جمادى الأخيرة سنة أربع وثمانين وسبعمائة لعشر سنين من إمارته على مراكش. ثم رحل السلطان منقلبا إلى فاس، وقد استولى على سائر أعمال المغرب، وظفر بعدوه ودفع النازعين عن ملكه. والله أعلم.
** (اجلاب العرب على المغرب في مغيب السلطان بغرية من ولد أبي علي وأبي تاشفين بن أبي حمو صاحب تلمسان ومجيء أبي حمو على أثرهم) **
كان أولاد حسين من عرب المعقل مخالفين على السلطان من قبل مسيره إلى مراكش.
وكان شيخهم يوسف بن علي بن غانم قد حدثت بينه وبين الوزير القائم على الدولة
محمد بن عثمان منافرة وفتنة. وبعث العساكر إلى سجلماسة، فخرب ما كان له بها من العقار والأملاك. وأقام منتقضا بالقفر. فلما حاصر السلطان الأمير عبد الرحمن بمراكش وأخذ بمخنقه أرسل أبا العشائر ابن عمه منصور إلى يوسف بن علي وقومه، ليجلبوا به على المغرب ويأخذوا بحجزة السلطان عن حصاره، فسار لذلك. ولما قدم على يوسف سار به إلى تلمسان مستجيشا بالسلطان أبي حمو لذلك القصد، لما كان بينه وبين الأمير عبد الرحمن من العهد على ذلك. فبعث أبو حمو معهم ابنه أبا تاشفين في بعض عساكره، وسار في الباقين على أثرهم. وسار أبو تاشفين وأبو العشائر إلى أحياء العرب، فدخلوا إلى أحواز مكناسة وعاثوا فيها. وكان السلطان عند سفره إلى مراكش استخلف على دار ملكه بفاس علي بن مهدي العسكري في جماعة من الجند. واستنجد بونزمار بن عريف شيخ سويد وولي الدولة المقيم بأحياء ملوية، فحالف بين عرب المعقل واستألف منهم العمارنة والمنبات وهم الأحلاف. واجتمع مع علي بن مهدي، وساروا لمدافعة العدو بنواحي مكناسة، فصدوهم عن مرامهم ومنعوهم من دخول البلاد فأقاموا متواقفين أياما. وقصد أبو حمو في عسكره مدينة تازى وحاصرها سبعا، وخرب قصر الملك هنالك ومسجده المعروف بقصر تازورت.
وبينما هم على ذلك بلغ الخبر اليقين بفتح مراكش وقتل الأمير عبد الرحمن، فأجفلوا من كل ناحية. وخرج أولاد حسين وأبو العشائر وأبو تاشفين والعرب الأحلاف في اتباعهم، وأجفل أبو حمو عن تازى راجعا إلى تلمسان ومر بقصر ونزمار في نواحي بطوية المسمى بمرادة، هدمه ووصل السلطان إلى فاس وقد تم له الظهور والفتح إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (نهوض السلطان الى تلمسان وفتحها وتخريبها) **
كان السلطان لما بلغه ما فعل العرب وأبو حمو بالمغرب لم يشغله ذلك عن شأنه، ونقم على أبي حمو ما أتاه من ذلك، وأنه نقص عهده من غير داع إلى النقض. فلما احتل بدار ملكه بفاس أراح أياما، ثم أجمع النهوض إلى تلمسان. وخرج في عساكره على عادتهم وانتهى إلى تاوريرت. وبلغ الخبر إلى أبي حمو، فاضطرب أمره واعتزم على الحصار، وجمع أهل البلد عليه واستعدوا له. ثم خرج في بعض
تلك الليالي بولده وأهله وخاصته، وأصبح مخيما بالصفصف [1] وانفض أهل البلد إليه بعضهم بعياله وولده مستمسكين به، متفادين من معرة هجوم العساكر فلم يرعه ذلك عن قصده، وارتحل ذاهبا إلى البطحاء. ثم قصد بلاد مغراوة فنزل في بني بو سعيد قريبا من شلف، وأنزل أولاده الأصاغر وأهله بحصن تاحجمومت. وجاء السلطان إلى تلمسان فملكها واستقر فيها أياما. ثم هدم أسوارها وقصور الملك بها، بإغراء وليه ونزمار جزاء بما فعله أبو حمو في تخريب قصر تازروت وحصن مرادة. ثم خرج من تلمسان في اتباع أبي حمو، ونزل على مرحلة منها. وبلغه الخبر هنالك بإجازة السلطان موسى ابن عمه أبي عنان من الأندلس إلى المغرب وأنه خالفه إلى دار الملك، فانكفأ راجعا وأغذ السير إلى المغرب كما نذكر. ورجع أبو حمو إلى تلمسان واستقر في ملكه بها، كما ذكرناه في أخباره.
** اجازة السلطان موسى ابن السلطان أبي عنان من الأندلس الى المغرب واستيلاؤه على الملك وظفره بابن عمه السلطان أبي العباس وإزعاجه الى الأندلس) **
قد تقدم أن السلطان محمد بن الأحمر المخلوع، كان له تحكم في دولة السلطان أبي العباس بن أبي سالم صاحب المغرب بما كان من إشارته على محمد بن عثمان ببيعته وهو معتقل بطنجة، ثم بما أمده من مدد العساكر والأموال، حتى أمره واستولى على البلد الجديد كما قدمناه في أول خبره. ثم بما كان له من الزبون عليهم بالقرابة المرشحين الذين كانوا معتقلين بطنجة مع السلطان أبي العباس من أسباط السلطان أبي الحسن من ولد أبي عنان وأبي سالم والفضل وأبي عامر وأبي عبد الرحمن وغيرهم. وكانوا متعاهدين في معتقلهم أن من أتاح الله له الملك منهم يخرجهم من الاعتقال ويجيزهم إلى الأندلس. فلما بويع السلطان أبو العباس وفى لهم بهذا العهد وأجازهم إلى الأندلس، فنزلوا على السلطان ابن الأحمر أكرم نزل، أنزلهم بقصور ملكه بالحمراء وقرب لهم المراكب، وأفاض عليهم العطاء ووسع لهم الجرايات والأرزاق. وأقاموا
هنالك في ظل ظليل من كنفه فكان لهم به وثوب على ملك المغرب وكان الوزير القائم بها محمد بن عثمان يقدر له قدر ذلك كله فيجري في أغراضه وقصوده ويحكمه في الدولة ما شاء أن يحكمه، حتى توجهت الوجوه إلى ابن الأحمر وراء البحر من أشياخ بني مرين والعرب، وأصبح المغرب كأنه من بعض أعمال الأندلس. ولما نهض السلطان إلى تلمسان خاطبوه وأوصوه بالمغرب، وترك محمد بن عثمان بدار الملك كاتبه محمد بن الحسن، كان مصطنعا عنده من بقية شيع الموحدين ببجاية، فاختصه ورقاه واستخلفه في سفره هذا على دار الملك. فلما انتهوا إلى تلمسان وحصل له من الفتح ما حصل، كتبوا بالخبر إلى السلطان ابن الأحمر مع شيطان من ذرية عبو بن قاسم المرواني [1] كان بدارهم وهو عبد الواحد بن محمد بن عبو كان يسمو بنفسه إلى العظائم التي ليس لها بأهل ويتربص لذلك بالدولة. وكان ابن الأحمر مع كثرة تحكمه فيهم يتنحى لهم بعض الأوقات بما يأتونه من تقصير في شفاعة أو مخالفة في الأمر لا يجدون عنها وليجة، فيصطنع [2] لهم ذلك. فلما قدم عليه عبد الواحد هذا بخبر الفتح وقص عليه القصص، دس له أن أهل الدولة مضطربون على سلطانهم ومستبدلون به لو وجدوا، وبلغ من ذلك ما حمل وما لم يحمل. وأشار له بجلاء المغرب من الحامية جملة وأن دار الملك ليس بها إلا كاتب حضري لا يحسن المدافعة، وهو أعرف به، فانتهز الفرصة ابن الأحمر وجهز موسى ابن السلطان أبي عنان من الأسباط المقيمين عنده. واستوزر له مسعود بن رحو بن ماسي من طبقات الوزراء من بني مرين ومن بني قودر من أحلافهم. وله في ذلك سلف وقد كان بعثه من قبل وزيرا للأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن حين أجاز إلى المغرب أيام استبداد أبي بكر بن غازي. فلم يزل معه حتى كان حصار البلد الجديد واستيلاء السلطان أبي العباس عليها. وذهب عبد الرحمن إلى مراكش فاستأذنه مسعود في الانصراف إلى الأندلس، فأذن له ورجع عنه إلى فاس. ثم فارقها وأجاز إلى الأندلس متودعا ومتوددا للكل ومعولا على ابن الأحمر، فتلقاه بالقبول وأوسع له النزول والجراية وخلطه بنفسه وأحضره مع ندمائه. ولم يزل كذلك إلى أن جهزه وزيرا إلى المغرب مع السلطان أبي عنان وبعث معهما عسكرا. ثم ركب السفين إلى سبتة وكانت بينه وبين
شرفائها ورؤساء الشورى بها مداخلة، فقاموا بدعوة السلطان موسى وأدخلوه وقبضوا على عاملها رحو بن الزعيم المكدوني [1] وجاءوا به إلى السلطان فملكها غرة صفر من سنة ست وثمانين وسبعمائة وسلمها إلى ابن الأحمر، فدخلت في طاعته. وسار هو إلى فاس، فوصلها لأيام قريبة، وأحاط بدار الملك، واجتمع عليه الغوغاء، ونزل الدهش بمحمد بن الحسن فبادر بطاعته. ودخل السلطان إلى دار الملك، وقبض عليه لوقته، وذلك في عشر ربيع الأول من السنة. وجاء الناس بطاعته من كل جانب، وبلغ الخبر إلى السلطان أبي العباس بمكانه من نواحي تلمسان بأن السلطان موسى قد نزل بسبتة، فجهز علي بن منصور وترجمان الجند وجند النصارى ببابه مع طائفة منهم. وبعثهم حامية لدار الملك فانتهوا إلى تازى وبلغهم خبر فتحها فأقاموا هنالك. وأغذ السلطان أبو العباس السير إلى فاس، فلقيهم خبر فتحها بتاوريرت، فتقدم إلى ملوية وتردد في رأيه بين المسير إلى سجلماسة مع العرب أو قصد المغرب. ثم استمر عزمه، ونزل بتازى وأقام فيها أربعا، وتقدم إلى الركن، وأهل دولته خلال ذلك يخوضون في الانتقاض عليه تسللا إلى ابن عمه السلطان موسى المتولي على فاس، ويوم أصبح من الركن أرجفوا به. ثم انتقضوا عليه طوائف قاصدين فاس، ورجع هو إلى تازى بعد أن انتهب معسكره وأضرمت النار في خيامه وخزائنه. ثم أصبح بتازى من ليلته فدخلها، وعاملها يومئذ الخير من موالي السلطان أبي الحسن.
وذهب محمد بن عثمان إلى ولي الدولة ونزمار بن عريف وأمراء المغرب من المعقل. ولما دخل السلطان أبو العباس إلى تازى كتب إلى ابن عمه السلطان موسى يذكره العهد بينهما، وقد كان السلطان ابن الأحمر عهد إليه أن يبعث به إليه إن ظفر به، فبادر السلطان موسى باستدعائه مع جماعة من وجوه بني عسكر، أهل تلك الناحية، وهم زكريا بن يحيى بن سليمان ومحمد بن داود بن أعراب [2] ، ومعهم العباس بن عمر الوسناني فجاءوا به وأنزلوه بالزاوية بغدير الحمص بظاهر فاس، فقيد هنالك ثم بعثه إلى الأندلس موكلا به مع عمر بن رحو أخي الوزير مسعود بن ماسي. واستصحب ابنه أبا فارس وترك سائرهم بفاس وأجاز البحر من سبتة فأنزله السلطان ابن الأحمر بقلعة ملكه الحمراء، وفك قيوده ووكل به، ووسع له في الجراية فأقام هنالك
محتاطا به الى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى.
** (نكبة الوزير محمد بن عثمان ومقتله) **
أصل هذا الوزير محمد بن الكاس [1] إحدى بطون بني ورتاجن، وكان بنو عبد الحق عند ما تأثلوا ملكهم بالمغرب يستعملون منهم في الوزارة. وربما وقعت بينهم هنالك وبين بني إدريس وبني عبد الله منافسة، قتلوا فيها بعض بني الكاس منهم في دولة السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن. ثم استوزره السلطان أبو الحسن بعد مهلك وزيره يحيى بن طلحة ابن محلى بمكانه من حصار تلمسان، وقام بوزارته أياما [2] ، وحضر معه وقعة طريف سنة إحدى وأربعين وسبعمائة من هذه المائة، واستشهد فيها، ونشأ ابنه أبو بكر في ظل الدولة ممتعا بحسن الكفالة وسعة الرزق، وكانت أمه أم ولد، وخلفه عليها ابن عمه محمد بن عثمان هذا الوزير، فنشأ أبو بكر في حجره.
وكان أعلى رتبة منه بأولية أبيه وسلفه، حتى إذا بلغ أشده واستوى سمت به الحال [3] ، وجال أمصار [4] الملوك في اختياره وترشيحه، حتى استوزره السلطان عبد العزيز كما قلناه. وقام بوزارته أحسن قيام، وأصبح محمد بن عثمان هذا رديفه.
وهلك السلطان عبد العزيز فنصب أبو بكر ابنه السعيد للملك صبيا لم يثغر، وكان من انتقاض أمره وحصاره بالبلد الجديد واستيلاء السلطان أبي العباس عليه ما قدمناه، قام محمد بن عثمان بوزارة السلطان أبي العباس مستبدا عليه. ودفع إليه أمور ملكه، وشغل بلذاته، فقام محمد بن عثمان بوزارة السلطان أبي العباس من أمور الدولة ما عاناه حتى كان من استيلاء السلطان موسى على دار ملكهم ما مر.
وانفض بنو مرين عنه للسلطان أبي العباس كما ذكرناه، ورجع إلى تازى، فدخلها السلطان أبو العباس وفارقهم محمد بن عثمان إلى ولي الدولة ونزمار بن عريف وهو مقيم بتازى، وتذمم له فتجهم له ونزمار وأعرض عنه، فسار معدا إلى أحياء المنيات من
عرب المعقل. كانوا هنالك قبلة تازى لذمة صحابة كانت بينه وبين شيخهم أحمد ابن عبو فنزل عليه متذمما به، فخادعه وبعث بخبره إلى السلطان، فجهز إليه عسكرا مع المزوار عبد الواحد بن محمد بن عبو بن قاسم بن ورزوق بن بومريطت والحسن العوفي [1] من الموالي فتبرأ منه العرب وأسلموه إليه، فجاءوا به وأشهروه يوم دخوله إلى فاس. واعتقل أياما وامتحن في سبيل المصادرة ثم استصفى. ثم قتل ذبحا بمحبسه، والله وارث الأرض ومن عليها.
** الخبر عن خروج الحسن بن الناصر بغمارة ونهوض الوزير ابن ماسي اليه بالعساكر **
لما استقل السلطان موسى بملك المغرب وقام مسعود بن ماسي بوزارته مستبدا عليه، وكان من تغريبهم السلطان أبا العباس إلى الأندلس وقتلهم [2] وزيره محمد بن عثمان وافتراق أشياع الوزير محمد بن عثمان وقرابته وبطانته، فطلبوا بطن الأرض ولحق منهم ابن أخيه العباس بن المقداد بتونس، فوجد هنالك الحسن بن الناصر ابن السلطان أبي علي قد لحق بها من مقره بالأندلس في سبيل طلب الملك فثاب له رأي في الرجوع به إلى المغرب لطلب الأمر هنالك، فخرج به من تونس وقطع المفاوز والمشاق إلى أن انتهى إلى جبل غمارة، ونزل على أهل الصفيحة منهم، فأكرموا مثواه وتلقيه، وأعلنوا بالقيام بدعوته. واستوزر العباس بن المقداد. وبلغ الخبر إلى مسعود ابن ماسي فجهز العساكر مع أخيه مهدي بن ماسي، فحاصره بجبل الصفيحة أياما، وامتنع عليهم، فتجهز الوزير مسعود بن ماسي بالعساكر من دار الملك وسار لحصاره.
ثم رجع من طريقه لما بلغه من وفاة السلطان بعده، والله أعلم.
** (وفاة السلطان موسى والبيعة للمنتصر ابن السلطان أبي العباس) **
كان السلطان موسى لما استقل بملك المغرب استنكف من استبداد ابن ماسي عليه
وداخل بطانته في الفتك به. وأكثر ما كان يفاوض في ذلك كاتبه وخالصته محمد ابن كاتب أبيه، وخالصته محمد بن أبي عمر. وكان للسلطان موسى ندمان يطلعهم على الكثير من أموره منهم العباس بن عمر بن عثمان الوسناقي، وكان الوزير مسعود بن ماسي قد خلف أبا عمر على أمه وربي في حجره، فكان يدلي إليه بذلك، وينهي إليه ما يدور في مجلس السلطان في شأنه. فحصلت للوزير بذلك نفرة طلب لأجلها البعد عن السلطان. وبادر للخروج لمدافعة الحسن القائم بغمارة. واستخلف على دار الملك أخاه يعيش بن رحو بن ماسي. فلما انتهى إلى القصر الكبير لحقه الخبر بوفاة السلطان موسى، وكانت وفاته في جمادى الآخرة طرقه المرض فهلك ليوم وليلة لثلاث سنين من خلافته. وكان الناس يرمون يعيش أخا الوزير بأنه سمه، وبادر يعيش فنصب ابن عمه للملك، وهو المنتصر ابن السلطان أبي العباس، وانكفأ راجعا لوزير مسعود من القصر، وقتل السبيع محمد بن موسى من طبقة الوزراء، وقد مر ذكره وذكر قومه، وكان اعتقله أيام السلطان موسى فقتله بعد وفاته. واستمرت أمور الدولة في استقلاله والله أعلم.
** (إجازة الواثق محمد بن أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن من الأندلس والبيعة له) **
كان الوزير مسعود بن ماسي لما استوحش من السلطان موسى بعث ابنه يحيى وعبد الواحد المزوار إلى السلطان ابن الأحمر يسأل منه إعادة السلطان أبي العباس إلى ملكه فأخرجه ابن الأحمر من الاعتقال وجاء به إلى جبل الفتح يروم إجازته إلى العدوة.
فلما توفي السلطان موسى بدا للوزير مسعود في أمره، ودس للسلطان ابن الأحمر في رده، وأن يبعث إليه بالواثق محمد بن أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن من القرابة المقيمين عنده. ورآه أليق بالاستبداد والحجر، فأسعفه ابن الأحمر في ذلك، ورد السلطان أحمد إلى مكانه بالحمراء، وجاء بالواثق فحضر بجبل الفتح عنده، وفي خلال ذلك وصل جماعة من أهل الدولة وانتقضوا على الوزير مسعود، ولحقوا بسبتة، وأجازوا إلى السلطان ابن الأحمر وهم يعيش بن علي بن فارس الياباني
وسيور بن يحيى بن عمر الونكاسني وأحمد بن محمد الصبيحي، فوفد [1] إليهم الواثق، ورجعوا به إلى المغرب على أنهم في خدمة الوزير، حتى إذا انتهوا إلى جبل زرهون المطل على مكناسة أظهروا الخلاف على الوزير وصعدوا الى قبائل زرهون واعتصموا بجبلهم. ولحق بهم من كان على مثل دينهم من الخلاف على ابن ماسي وصاروا معهم يدا مثل طلحة بن الزبير الورتاجني وسيور بن يحياتن بن عمر الونكاسني ومحمد التونسي من بني أبي الطلاق وفارح بن مهدي من معلوجي السلطان، وأصله من موالي بني زيان ملوك تلمسان.
وكان أحمد بن محمد الصبيحي حين جاء مع الواثق قد استطال على أصحابه وأصهر الاستبداد بما كان من طائفة الجند المستخدمين، فغص به أهل الدولة وتبرءوا منه للسلطان الواثق، فأظهر لهم البراءة منه، فوثبوا به وقتلوه عند خيمة السلطان، وتولى كبر ذلك يعيش بن علي بن فارس الياباني كبير بني مرين، فذهب مثلا في الغابرين، ولم تبك عليه سماء ولا أرض. وكان رزوق بن بوفريطت من موالي بني علي بن زيان من شيوخ بني ونكاسن من أعيان الدولة ومقدمي الجند، قد انتقض على الدولة أيام السلطان موسى ولحق بأحياء أولاد حسين من عرب المعقل المخالفين منذ أيام السلطان موسى. ونزل على شيخهم يوسف بن علي بن غانم لذمة صحابة بينهما من جوارهم في المواطن. وكان معه في ذلك محمد بن يوسف بن علال، كان أبوه يوسف من صنائع السلطان أبي الحسن، ونشأة دولته استوحشا من الوزير، فلحقا بالعرب [2] فلما جاء هذا السلطان الواثق قدما عليه، فلقيهما بالتكرمة وأحلهما في مقامهما من الدولة، وخرج الوزير مسعود بن ماسي في العساكر، ونزل قبائلهم بجبل مغيلة وقاتلهم هنالك أياما وداخل الذين مع الواثق واستمالهم. وبعث عسكرا إلى مكناسة فحاصروها، وكان بها يومئذ عبد الحق بن الحسن بن يوسف الورتاجني، فاستنفر له منها وملكها، وترددت المراسلات بينه وبين الواثق وأصحابه على أن ينصبوه للأمر.
ويبعث بالمنتصر المنصوب عنده إلى أبيه السلطان أبي العباس بالأندلس وانعقد الأمر بينهم على ذلك. وسار الواثق في أصحابه إلى الوزير ابن ماساي فنزل عليه. ومضى يعيش بن علي بن فارس عنهم ذاهبا لوجهه. وسار الوزير بالواثق إلى دار الملك،
فبايعه في شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بعد أن اشترط عليه لنفسه وأصحابه ما شاء. وأجاز سلطانه المنتصر إلى أبيه السلطان أبي العباس بالأندلس وقبض على جماعة ممن كان مع الواثق مثل المزوار عبد الواحد، وقتله، وعلى فارح بن مهدي وحبسه، وعلى الخير مولى الأمير عبد الرحمن وامتحنه، وعلى آخرين سواهم. ثم قبض على جماعة من بطانة السلطان موسى كانوا يداخلونه في القبض والفتك به، فحبسهم وقتل بعضهم. وعلى جند الأندلس الذين جاءوا مددا للواثق، وعلى قوادهم من معلوجي ابن الأحمر فأودعهم السجن. ثم تقبض على كاتب السلطان موسى بن أبي الفضل بن أبي عمر مرجعه من السفارة عن سلطانه إلى الأندلس، فاعتقله وصادره. ثم خلى سبيله. ثم بعث إلى الحسن بن الناصر الثائر بجبل الصفيحة من غمارة مع إدريس بن موسى بن يوسف الياباني، فخادعه باستدعائه للملك والبيعة له، فخدعه واستنزله وجاء به فاعتقله أياما. ثم أجازه للأندلس، واستقر الأمر على ذلك، والله أعلم.
** الفتنة بين الوزير ابن ماسي وبين السلطان ابن الأحمر واجازة السلطان أبي العباس الى سبتة لطلب ملكه واستيلاؤه عليها **
لما بلغ الوزير ابن ماسي للواثق ورأى أنه قد استقل بالدولة ودفع عنها الشواغب، وصرف نظره إلى ما فرط من أعمال الدولة، وافتتح أمره بسبتة. وقد كان السلطان موسى لأول إجازته أعطاها لابن الأحمر كما مر. فبعث إليه الآن الوزير ابن ماسي في ارتجاعها منه على سبيل الملاطفة، فاستشاط لها ابن الأحمر ولج في الرد، فنشأت الفتنة لذلك، وجهز ابن ماسي العساكر لحصار سبتة مع العباس بن عمر بن عثمان الوسنافي ويحيى بن علال بن أمصمود، والرئيس محمد بن أحمد الأبكم من بني الأحمر. ثم من بيت السلطان الشيخ فاتح أمرهم وممهد دولتهم، وراسل السلطان إشبيلية والجلالقة من بني أدفونش وراء البحر، بأن يبعث إليهم ابن عم السلطان ابن الأحمر محمد بن إسماعيل مع الرئيس الأبكم ليجلبا من ناحيته على الأندلس.
وجاءت عساكر الوزير إلى سبتة فحاصروها ودخلوها عنوة. واعتصم حامية الأندلس الذين كانوا بها بالقصبة، واتصلت الجولة بين الفريقين وسط البلد، وأوفد
أهل القصبة النيران بالجبل علامة على أمرهم ليراها ابن الأحمر. وكان مقيما بمالقة، فبادر بتجهيز الأسطول مشحونا بالمقاتلة مددا لهم. ثم استدعى السلطان أبو العباس من مكانه بالحمراء، وأركبه السفين إلى القصبة في غرة صفر سنة تسع وثمانين وسبعمائة وأشرف عليهم من الغد وناداهم من السور يدعوهم إلى طاعته. فلما رأوه اضطربوا وافترقوا وخرج إليهم، فنهب سوادهم ودخلوا في طاعته متسايلين، ورجع جمهور العسكر ومقدموهم إلى طنجة واستولى السلطان على مدينة سبتة. وبعث إليه ابن الأحمر بالنزول عنها، وردها إليه فاستقرت في ملكه وكملت بها بيعته، وكان يوليه أمر الأضياف الواردين والله تعالى أعلم.
** مسير السلطان أبي العباس من سبتة لطلب ملكه بفاس ونهوض ابن ماسي لدفاعه ورجوعه منهزما **
ولما استولى السلطان أبو العباس على سبتة وتم له ملكها، واعتزم على المسير لطلب ملكه بفاس، وأغراه ابن الأحمر بذلك ووعده بالمدد لما كان من مداخلة ابن ماسي لجماعة من بطانته في أن يقتلوه ويملكوا الرئيس الأبكم يقال: إن الذي داخله في ذلك من بطانة ابن الأحمر يوسف بن مسعود البلنسي، ومحمد ابن الوزير أبي القاسم بن الحكيم الرندي وشعر بهم السلطان ابن الأحمر وهو يومئذ على جبل الفتح يطالع أمور السلطان أبي العباس، فقتلهم جميعا وإخوانهم. ويقال: إن ذلك كان بسعاية القائم على دولته مولاه خالد، كان يغص بهم ويعاديهم، فأخفى عليهم هذه [1] . وتمت سعايته بهم، فاستشاط ابن الأحمر غضبا على ابن ماسي، وبعث إلى السلطان أبي العباس يستنفره للرحلة إلى طلب ملكه، فاستخلف على سبتة رحو ابن الزعيم المكرودي عاملها من قبل كما مر وسار إلى طنجة وعاملها من قبل الواثق صالح بن رحو الياباني ومعه بها الرئيس الأبكم من قبل العساكر، فحاصرها أياما وامتنعت عليه فجمر عنهم الكتائب وسار عنها إلى أصيلا، فدخلت في دعوته وملكها. ونهض الوزير من فاس في العساكر بعد أن استخلف أخاه يعيش على دار
الملك وسار. ولحقت مقدمته بأصيلا ففارقها السلطان أبو العباس، وصعد إلى جبل الصفيحة، فاعتصم به وجاء الوزير ابن ماسي فتقدم الى حصاره بالجبل، وجمع عليه رماة الرجل من الأندلسيين الذين كانوا بطنجة، وأقام يحاصره بالصفيحة شهرين. وكان يوسف بن علي بن غانم شيخ أولاد حسين من عرب المعقل، مخالفا على الوزير مسعود وداعية إلى السلطان أبي العباس وشيعة له. وكان يراسل ابن الأحمر في شأنه. فلما سمع باستيلائه على سبتة وإقباله إلى فاس، جمع أشياعه من العرب، ودخل في طاعته إلى بلاد المغرب ما بين فاس ومكناسة. وشن الغارات على البسائط واكتسحها، وأرجف الرعايا وأجفلوا إلى الحصون، وكان ونزمار بن عريف ولي الدولة شيعة للسلطان، وكان يكاتبه وهو بالأندلس ويكاتب ابن الأحمر بشأنه.
فلما اشتد الحصار بالسلطان في الصفيحة، بعث ابنه أبا فارس إلى ونزمار بمكانه من نواحي تازى. وبعث معه سيور بن يحيى بن عمر، فقام ونزمار بدعوته، وسار به إلى مدينة تازى، وعاملها سليمان الغودودي من قرابة الوزير ابن ماسي. فلما نزل بها أبو فارس ابن السلطان بادر إلى طاعته وأمكنه من البلد، فاستولى عليها واستوزر سليمان هذا. وسار إلى صفيروا [1] ومعه ونزمار للاجتماع بعرب المعقل وأسف بهم إلى حصار فاس. وكان محمد بن الدمغة عاملا على ورغة، فبعث إليه السلطان عسكرا مع العباس بن المقداد ابن أخت الوزير محمد بن عثمان فقتلوه وجاءوا برأسه، ونجم الخلاف على يعيش بالبلد الجديد من كل جهة، وطير الخبر بذلك كله إلى أخيه بمكانه من حصار السلطان بالصفيحة، فانفضت عنه العساكر وأجفل راجعا إلى فاس. وسار السلطان في اتباعه ودخل في طاعته عامل مكناسة، وجاء الخير مولى الأمير عبد الرحمن ولقيه يوسف بن علي بن غانم ومن معه من أحياء العرب، وساروا جميعا إلى فاس. وكان أبو فارس ابن السلطان قد رحل من تازى إلى صفيروا للقاء أبيه، فاعترضه ابن ماسي في العساكر رجاء أن يفله. ولقيه ببني بهلول فنزع أهل المعسكر إلى أبي فارس ابن السلطان وهو بمكناسة، فارتحل يغذ السير إلى فاس.
وسار ابنه أبو فارس للقائه على وادي النجا. وصبحوا البلد الجديد فنزلوا عليه بجموعهم وقد اعتصم به الوزير في أوليائه وبطانته، ومعه يغمراسن بن محمد
السالفي [1] ومراهن بني مرين الذين استرهنهم عند مسيره للقاء السلطان بأصيلا، والله أعلم.
** (ظهور دعوة السلطان أبي العباس في مراكش واستيلاء أوليائه عليها) **
كان الوزير مسعود بن ماسي قد ولى على مراكش وأعمال المصامدة أخاه عمر بن رحو وكانت منتظمة في طاعته. فلما بلغ الخبر بوصول السلطان إلى سبتة واستيلائه عليها قامت [2] رءوس أوليائه إلى إظهار دعوته بتلك النواحي، فقام بدعوته بجبل الهساكرة علي بن زكريا. وبعث الوزير مسعود من مكانه في حصار السلطان بالصفيحة في أمداده بالعساكر من مراكش، فزحف إليه مخلوف بن سليمان الوارتيني [3] صاحب الأعمال ما بين مراكش والسوس، وقعد الباقون عن نصره وتفرقوا. وصعد أبو ثابت حافد علي بن عمر إلى جبل الهساكرة ومعه يوسف بن يعقوب بن علي الصبيحي، فاستمد علي بن زكريا ورجع إلى مراكش مجلبا على علي ابن رحو مناوشة القتال ساعة. ثم غلبه على البلد وملكها من يده ونزل بقصبة الملك.
وحبس عمر بن رحو بها. وكتب للسلطان بذلك، وهو بمكناسة متوجها إلى فاس، فكتب إليه بأن يصله بعساكر مراكش لحصار دار الملك فجمع العساكر واستخلف على قصبة مراكش بعض بني عمه، ولحق بالسلطان، وأقام معه في حصار البلد الجديد، والله أعلم.
** (ولاية المنتصر ابن السلطان أبي علي على مراكش واستقلاله بها) **
كان السلطان أبو العباس حين ملك المغرب بعث ابنه المنتصر في البحر إلى سلا،
واستوزر له عبد الحق بن يوسف الورتاجني [1] فوصل الى سلا وأقام بها، ومر به رزوق بن توفريطت راجعا من دكالة، حين نزول السلطان على البلد الجديد، فتلطف في استدعائه، ثم قبض عليه وبعث به لأبيه مقيدا فأودعه السجن وقتل بعد ذلك بمحبسه. ثم بعث السلطان إلى ابنه المنتصر بولاية مراكش وأن يسير إليها. فلما وصل إلى مراكش امتنع النائب بالقصبة، فدس لعبد الحق وزير المنتصر أن النائب قد هم بقتله، وحينئذ يمكن المنتصر من القصبة. فأجفل بالمنتصر وصعد إلى جبل هنتاتة، وطير بالخبر إلى السلطان، فتغير لأبي ثابت وأمره أن يكاتب نائبة بتمكين ابنه من القصبة. واستوزر له سعيد بن عبدون وبعثه بالكتاب، وعزل عبد الحق عن وزارة ابنه، واستدعاه لفاس، فوصل سعيد بن عبدون إلى مراكش، ودفع إلى النائب بالقصبة كتاب مستخلفه إلى الامتثال، وأمكنه من القصبة واعتزل عنها فدخلها. وبعث عن المنتصر ابن السلطان، واستولوا عليها، وقبضوا على نائب عامر الذي كان بها وسائر شيعته وبطانته، وامتحنوهم واستصفوهم إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (حصار البلد الجديد وفتحها ونكبة الوزير ابن ماسي ومقتله) **
لما نزل السلطان على البلد الجديد واجتمع إليه سائر قبيلته وأوليائه وبطانته، داخل الوزير مسعودا الحنق على بني مرين لانتباذهم عنه. فأمر بقتل أبنائهم الذين استرهنوهم على الوفاء له، فلاطفه يغمراسن السالفي في المنع من ذلك، فأقصر عنه، وضيق السلطان مخنقه بالحصار ثلاثة أشهر حتى دعا إلى النزول والطاعة، فبعث إليه ولي الدولة ونزمار بن عريف وخالصته محمد بن علال فعقد لهم الأمان لنفسه ولمن معه على أن يستمر على الوزارة ويبعث بسلطانه الواثق إلى الأندلس، واستحلفهم على ذلك وخرج معهم للسلطان فدخل السلطان البلد الجديد خامس رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة لثلاثة أعوام وأربعة أشهر من خلعه. ولحين دخوله قبض على الواثق
وبعث به معتقلا إلى طنجة وقتل بها بعد ذلك. ولما استولى على أمره قبض على الوزير ابن ماسي ليومين من دخوله، وإخوته وحاشيته، وامتحنهم جميعا فهلكوا في العذاب. ثم سلط على مسعود من العذاب والانتقام ما لا يعبر عنه، ونقم عليه ما فعله في دور بني مرين النازعين إلى السلطان، فإنه كان متى هرب عند أحد منهم يعمد إلى بيوته فينهبها ويخربها فأمر السلطان بعقابه في أطلالها، فكان يؤتى به إلى كل بيت منها، فيضرب عشرين سوطا إلى أن قتله العذاب [1] وتجاوز الحد. ثم أمر به فقطعت أربعته، فهلك عند قطع الثانية، فذهب مثلا في الآخرين.
** (وزارة محمد بن علال [2] ) **
كان أبوه يوسف بن علال من رؤساء الدولة [3] وصانعة السلطان أبي الحسن. وربي في داره. ولما ضخم أمره سما به إلى ولاية الأعمال، فولاه على درعة فانتزى وانتخب أولياء الدولة. ثم ولاه السلطان أبو عنان أمر طنجة ومائدته وضيوفه واستكفى به في ذلك، وولاه أخوه أبو سالم بعده كذلك. ثم بعثه إلى سجلماسة فعانى بها من أمور العرب مشقة، وعزلها عنها، وهلك بفاس. وكان له جماعة من الولد قد نشؤا في ظل هذه النعمة، وحدبت النجابة بمحمد المذكور منهم. فلما استولى السلطان أبو العباس استعمله في أمور الضيوف والمائدة كما كانت لأبيه. ثم رقاه إلى المخالصة وخلطه بنفسه، فلما خلع السلطان واستولى الوزير ابن ماسي على المغرب، وكانت بينه وبين أخيه يعيش بن ماسي إحن قديمة، فسكن لصولتهم حتى إذا اضطرمت نار الفتنة بالمغرب وأجلبت عرب المعقل الخلاف، فاستوحش محمد هذا، فلحق بأحيائهم مع رزوق بن توفريطت كما مر ذكره ونزل على يوسف بن علي بن غانم شيخ أولاد حسين، وأقاما معه في خلافه، حتى إذا أجاز السلطان الواثق إلى الأندلس، ووصل مع أصحابه إلى جبل زرهون، وأظهروا الخلاف على ابن ماسي بادر محمد هذا ورزوق إلى السلطان، ودخلا في طاعته متبرءين من النفاق الذي حملهم عليه
عداوة الوزير ابن ماسي. فما كان إلا أن انعقد الصلح بين الواثق وابن ماسي وسار به وأصحابه إلى فاس، وحصلوا في قبضة ابن ماسي فعفا لهم عما كان منهم، واستعملهم في مهود ولايتهم. ثم جاء الخبر بإجازة السلطان أبي العباس إلى سبتة، فاضطرب محمد بن يوسف وذكر مخالصة السلطان ومنافرة ابن ماسي، فأجمع أمره ولحق بسبتة، فتلقاه السلطان بالكرامة، وسر بمقدمه ودفعه إلى القيام بأمر دولته، فلم يزل متصرفا بين يديه إلى أن نزل إلى البلد الجديد. ولأيام من حصارها خلع عليه الوزارة ودفعه إليها، فقام بها أحسن قيام. ثم كان الفتح وانتظم أمر الدولة، ومحمد هذا يصرف الوزارة على أحسن أحوالها إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (ظهور محمد بن السلطان عبد الحليم بسجلماسة) **
قد تقدم لنا ذكر السلطان عبد الحليم ابن السلطان أبي علي، وكان يدعى بحلي كيف، بايع له بنو مرين وأجلبوا به على عمر بن عبد الله سنة ثلاث وستين وسبعمائة أيام مبعثه للسلطان أبي عمر ابن السلطان أبي الحسن. وحاصروا معه البلد الجديد حتى خرج لدفاعهم وقاتلهم، فانهزموا وافترقوا. ولحق السلطان عبد الحليم بتازى وأخوه عبد المؤمن بمكناسة، ومعه ابن أخيهما عبد الرحمن بن أبي يفلوسن. ثم بايع الوزير عمر بن عبد الله لمحمد بن أبي عبد الرحمن ابن السلطان أبي الحسن واستبدل به من أبي عمر لما كان بنو مرين يرمونه بالجنون والوسوسة، فاستدعى محمد بن أبي عبد الرحمن من مطرح اغترابه بإشبيلية وبايعه وخرج في العساكر لمدافعة عبد المؤمن وعبد الرحمن عن مكناسة، فلقيهما وهزمهما ولحقا بالسلطان عبد الحليم بتازى وساروا جميعا إلى سجلماسة، فاستقروا فيها والسلطان عبد الحليم، وقد تقدم خبر ذلك كله في أماكنه. ثم كان الخلاف بين عرب المعقل أولاد حسين والأحلاف. وخرج عبد المؤمن للإصلاح بينهم، فبايع له أولاد حسين ونصبوه كرها للملك. وخرج السلطان عبد الحق إليهم في جموع الأحلاف فقاتلوه وهزموه، وقتلوا كبار قومه، كان منهم يحيى بن رحو بن تاشفين بن معطي شيخ بني تيربيغن وكبير دولة بني مرين، أجلت المعركة عن قتله. ودخل عبد المؤمن البلد منفردا بالملك.
وصرف السلطان أخاه عبد الحليم إلى المشرق لقضاء فرضه برغبته في ذلك، فسار على
طريق القفر مسلك الحاج من التكرور إلى أن وصل القاهرة، والمستبد بها يومئذ يلبغا الخاصكي، على الأشرف شعبان بن حسين من أسباط الملك الناصر محمد بن قلاوون، فأكرم وفادته ووسع نزله وجرايته، وأدر لحاشيته الأرزاق، ثم أعانه على طريقه للحج بالأزواد والأبنية والظهر من الكراع والخف. ولما انصرف من حجه زوده لسفر المغرب. وهلك بضروجة [1] سنة سبع وستين وسبعمائة ورجعت حاشيته إلى المغرب بحرمة وولده. وكان ترك محمدا هذا رضيعا، فشب متقلبا من الدولة من ملك إلى آخر، منتبذا عن قومه بغيرة السلطان أبي الحسن من بني عمهم السلطان أبي علي. وكان أكثر ما يكون مقامه عند أبي حمو سلطان بني عبد الواد بتلمسان لما يروم به من الأجلاب على المغرب، ودفع عادية بني مرين عنه. فلما وقع بالمغرب من انتقاض عرب المعقل على الوزير مسعود بن ماسي سنة تسع وثمانين وسبعمائة واستمروا على الخلاف، انتهز أبو حمو الفرصة، وبعث محمد بن عبد الحليم هذا إلى المعقل ليجلب بهم على المغرب، ويمزقوا من الملك ما قدروا عليه، فلحق بأحيائهم ونزل على الأحلاف الذين هم أمس رحما بسجلماسة وأقرب موطنا إليها. وكان الوزير ابن ماسي قد ولى عليها من أقاربه علي بن إبراهيم بن عبو بن ماسي، فلما ظهر عليه السلطان أبو العباس وضيق مخنقه بالبلد الجديد، دس إلى الأحلاف وإلى قريبه علي ابن إبراهيم أن ينصب محمد ابن السلطان أبي العباس عنه، وينفسوا من حصاره، ففعلوا ذلك. ودخل محمد إلى سجلماسة فملكها، وقام علي بن إبراهيم بوزارته حتى إذا استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد، وفتك بالوزير مسعود بن ماسي وبإخوته وسائر قرابته، اضطرب علي بن إبراهيم وفسد ما بينه وبين سلطانه محمد، فخرج عن سجلماسة ودعا إلى أبي حمو سلطان تلمسان كما كان.
ثم زادت هواجس علي بن إبراهيم وارتيابه فخرج عن سجلماسة وتركها، ولحق بأحياء العرب. وسارت طائفة منهم معه إلى أن أبلغوه مأمنه. ونزل على السلطان أبي حمو إلى أن هلك، فسار إلى تونس وحضر وفاة السلطان أبي العباس بها سنة تسع وتسعين وسبعمائة ولحق محمد ابن السلطان عبد الحليم بعد مهلك أبي حمو بتونس. ثم ارتحل بعد وفاة السلطان أبي العباس الى المشرق لحجة فرضه [2] ، والله تعالى أعلم.
** (نكبة ابن أبي عمر ومهلكه وحركات ابن حسون) **
لما استقل السلطان بملكه واقتعد سريره، صرف نظره إلى أولياء تلك الدولة ومن يرتاب منه. وكان محمد بن أبي عمر قد تقدم ذكره وأوليته، من جملة خواصه وأوليائه وندمائه. وكان السلطان يقسم له من عنايته وجميل نظره ويرفعه عن نظرائه. فلما ولي السلطان موسى نزعت إليه نوازع المخالصة لأبيه من السلطان أبي عنان فقد كان أبوه أعز بطانته كما مر، فاستخلصه السلطان موسى للشورى ورفعه على منابر أهل الدولة. وجعل إليه كتاب علامته على المراسم السلطانية، كما كان لأبيه.
وكان يفاوضه في مهماته ويرجع إليه في أموره حتى غص به أهل الدولة ونمي عنه للوزير مسعود بن ماسي أنه يداخل السلطان في نكبته. وربما سعى عند سلطانه في جماعة من بطانة السلطان أحمد، فأتى عليهم النكال والقتل لكلمات [1] كانت تجري بينهم وبينه في مجالسة المنادمة عند السلطان حقدها لهم. فلما ظفر بالحظ من سلطانه، سعى بهم فقتلهم. وكان القاضي أبو إسحاق اليزناسني من بطانة السلطان أحمد وكان يحضر مع ندمائه فحقد له ابن أبي عامر، وأغرى به سلطانه فضربه وأطافه، وجاء بها شنعاء غريبة في القبح. وسفر عن سلطانه إلى الأندلس، وكان يمر بمجلس السلطان أحمد ومكان اعتقاله. وربما يلقاه فلا يلم إليه ولا يجيبه [2] ، ولا يوجب له حقا، فأحفظ ذلك السلطان. ولما فرغ من ابن ماسي قبض على ابن أبي عمر هذا وأودعه السجن، ثم امتحنه بعد ذلك إلى أن هلك بالسياط، عفا الله عنه. وحمل إلى داره، وبينما أهله يحضرونه إلى قبره وإذا بالسلطان قد أمر بأن يسحب بنواحي البلد إبلاغا في التنكيل، فحمل من نعشه وقد ربط حبل برجله، وسحب في سائر أنحاء المدينة. ثم ألقي في بعض المزابل [3] . ثم قبض على حركات ابن حسون وكان مجلبا في الفتنة، وكان العرب المخالفون من المعقل، لما أجاز السلطان إلى سبتة، وحركات هذا بتدلا، راودوه على طاعة السلطان فامتنع أولا. ثم أكرهوه وجاءوا به
إلى السلطان فطوى على ذلك حتى استقام أمره. وملك البلد الجديد فتقبض عليه وامتحنه، إلى أن هلك، والله وارث الأرض ومن عليها.
** (خلاف علي بن زكريا بجبل الهساكرة ونكبته) **
لما ملك السلطان البلد الجديد واستولى على ملكه، وفد عليه علي بن زكريا شيخ هسكورة مستصفيا [1] بما قدم من سوابقه. وقد كان حضر معه حصار البلد الجديد واستدعاه، فجاء بقومه وعساكر المصامدة وأبلى في حصارها، فرعى السلطان سوابقه وولاه الولاية الكبرى على المصامدة على عادة الدولة في ذلك. ثم وفد معه محمد بن إبراهيم الميراري [2] من شيوخ المصامدة وكانت له ذمة صهر مع الوزير محمد ابن يوسف بن علال على أخته، فولاه السلطان مكان علي بن زكريا فغضب لها واستشاط وبادر إلى الانتقاض والخلاف. ونصب بعض القرابة من بني عبد الحق، فجهز إليه السلطان العساكر مع محمد بن يوسف بن علال وصالح بن حمو الياباني وأمر صاحب درعة وهو يومئذ عمر بن عبد المؤمن بن عمر أن ينهض إليه بعساكر درعة من جهة القبلة، فساروا إليه وحاصروه في جبله. وجاولوه مرات ينهزم في جميعها حتى غلبوه على جبله. وسار إلى إبراهيم بن عمران الصناكي المجاور له في جبله فاستذم به. وخشي إبراهيم معرة الخلاف والغلب، ورغبه الوزير محمد بن يوسف بما بذل له، فأمكنه منه، وقبض على الوزير وجاء به إلى فاس، فأدخله في يوم مشهود وشهره، واعتقل فلم يزل في الاعتقال إلى أن هلك السلطان أبو العباس.
وارتاب به أهل الدولة بعده فقتلوه، كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** وفادة أبي تاشفين على السلطان أبي العباس صريخا على أبيه ومسيره بالعساكر ومقتل أبيه السلطان أبي حمو **
كان أبو تاشفين ابن السلطان أبي حمو قد وثب على أبيه آخر ثمان وثمانين وسبعمائة
بممالئته لغيره من إخوته واعتقله بوهران. وخرج بالعساكر لطلب إخوته المنتصر وأبي زيان وعمر [1] فامتنعوا عند حصين بجبل تيطرى فحاصرهم أياما. ثم تذكر غائلة أبيه، فبعث ابنه أبا زيان في جماعة من بطانته منهم ابن الوزير عمران بن موسى وعبد الله بن جابر الخراساني، فقتلوا بعض ولده بتلمسان، ومضوا إليه وهو بمحبسه في وهران. فلما شعر بهم أشرف من الحصن ونادى في أهل المدينة متذمما بهم، فهرعوا إليه. وتدلى إليهم في عمامته وقد احتزم بها فأنزلوه وأحدقوا به وأجلسوه على سريره. وتولى كبر ذلك خطيب البلد ابن جذورة [2] ولحق أبو زيان بن أبي تاشفين ناجيا إلى تلمسان. واتبعه السلطان أبو حمو ففر منها إلى أبيه. ودخل أبو حمو تلمسان وهي طلل وأسوارها خراب، فأقام فيها رسم دولته. وبلغ الخبر إلى أبي تاشفين فأجفل من تيطرى وأغذ السير فدخلها. واعتصم أبوه بمئذنة المسجد، فاستنزله منها وتجافى عن قتله. ورغب إليه أبوه في رحلة المشرق لقضاء فرضه، فاسعفه وأركبه السفين مع بعض تجار النصارى إلى الإسكندرية موكلا به. فلما حاذى مرسى بجاية لاطف النصراني في تخلية سبيله فأسعفه وملك أمره. وبعث إلى صاحب الأمر ببجاية يستأذنه في النزول، فأذن له. وسار منها إلى الجزائر، واستخدم العرب، واستصعب عليه أمر تلمسان، فخرج إلى الصحراء. وجاء إلى تلمسان من جهة المغرب فهزم عساكر ابنه أبي تاشفين وملكها. وخرج أبو تاشفين هاربا منها، فلحق بأحياء سويد في مشاتيهم. ودخل أبو حمو تلمسان في رجب سنة تسعين وسبعمائة. وقد تقدم شرح هذه الأخبار كلها مستوعبة. ثم وفد أبو تاشفين مع محمد بن عريف شيخ سويد على السلطان أبي العباس صريخا على أبيه، ومؤملا الكرة بإمداده. فبعث له السلطان وأجمل عليه المواعيد. وقام أبو تاشفين في انتظارها والوزير محمد بن يوسف بن علال يعده ويمنيه ويحلف له على الوفاء. وبعث السلطان أبو حمو إلى ابن الأحمر لما يعلم من استطالته على دولة بني مرين كما مر، يتوسل إليه في أن يصدهم عن صريخ أبي تاشفين وإمداده عليه فجلا ابن الأحمر في ذلك وجعلها من أهم حاجاته. وخاطب السلطان أبا العباس في أن يجيز إليه أبا تاشفين، فتعلل عليه في ذلك بأنه استجار بابنه أبي فارس، واستذم به. ولم يزل الوزير ابن علال يفتل لسلطانه ولابن الأحمر في
الذروة والغارب، حتى تم أمره وأنجز له السلطان بالنظر موعده. وبعث ابنه الأمير أبا فارس والوزير ابن علال في العساكر صريخين له، وانتهوا إلى تازى. وبلغ الخبر إلى أبي حمو فخرج من تلمسان في عساكره، واستألف أولياءه من عبيد الله. ونزل بالغيران من وراء جبل بني راشد المطل على تلمسان، وأقام هنالك متحصنا بالجبل، وجاءت العيون إلى عساكر بني مرين بتازى بمكانه هو وأعرابه من الغيران، فأجمعوا غزوة. وسار الوزير علال وأبو تاشفين وسلكوا القفر ودليلهم سليمان بن ناجي من الأحلاف. حتى صبحوا أبا حمو ومن معه من أحياء الجراح [1] في مكانهم بالغيران. فجاولوهم ساعة، ثم ولوا منهزمين، وكبا بالسلطان أبي حمو فرسه فسقط، وأدركه بعض أصحاب أبي تاشفين فقتلوه قعصا بالرماح، وجاءوا برأسه إلى ابنه أبي تاشفين والوزير ابن علال، فبعثوا به إلى السلطان، وجيء بابنه عمير أسيرا، فهم أخوه أبو تاشفين بقتله، فمنعه بنو مرين أياما. ثم أمكنوه منه فقتله، ودخل تلمسان آخر إحدى وتسعين وسبعمائة وخيم الوزير وعساكر بني مرين بظاهر البلد، حتى دفع إليهم ما شارطهم عليه من المال. ثم قفلوا إلى المغرب وأقام أبو تاشفين بتلمسان يقيم دعوة السلطان أبي العباس صاحب المغرب ويخطب له على منابر تلمسان وأعمالها، ويبعث إليه بالضريبة كل سنة، كما اشترط على نفسه. وكان أبو حمو لما ملك تلمسان ولى ابنه أبا زيان على الجزائر، فلما بلغه مقتل أبيه امتعض ولحق بأحياء حصين ناجيا وصريخا. وجاءه وفد بني عامر من زغبة يدعونه للملك.
فسار إليهم. وقام بدعوته شيخهم المسعود بن صغير، ونهضوا جميعا إلى تلمسان في رجب سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة فحاصرها أياما. ثم سرب أبو تاشفين المال في العرب فافترقوا عن أبي زيان، وخرج إليه أبو تاشفين فهزمه في شعبان من السنة.
ولحق بالصحراء واستألف أحياء المعقل، وعاود حصار تلمسان في شوال. وبعث أبو تاشفين ابنه صريخا إلى المغرب، فجاءه بمدد من العساكر. ولما انتهى إلى تاوريرت، أفرج أبو زيان عن تلمسان وأجفل إلى الصحراء. ثم أجمع رأيه على الوفادة إلى صاحب المغرب، فوفد عليه صريخا فتلقاه وبر مقدمه ووعده النصر من عدوه. وأقام هنالك إلى حين مهلك أبي تاشفين، والله أعلم.
** (وفاة أبي تاشفين واستيلاء صاحب المغرب على تلمسان) **
لم يزل هذا الأمير أبو تاشفين مملكا على تلمسان ومقيما فيها لدعوة صاحب المغرب أبي العباس ابن السلطان أبي سالم، ومؤديا الضريبة التي فرضها عليه منذ ملك، وأخوه الأمير زيان عند صاحب المغرب ينتظر وعده بالنصر عليه، حتى تغير السلطان أبو العباس على أبي تاشفين في بعض النزعات الملوكية، فأجاب داعي أبي زيان وجهزه بالعساكر لملك تلمسان. فسار لذلك منتصف سنة خمس وتسعين وسبعمائة وانتهى إلى تازى، وكان أبو تاشفين قد طرقه مرض أزمن به، ثم هلك منه في رمضان من السنة. وكان القائم بدولته أحمد بن العز من صنائعهم وكان يمت إليه بخؤولة، فولى بعده مكانه صبيا من أبنائه، وأقام بكفالته. وكان يوسف بن أبي حمو وهو ابن الزابية واليا على الجزائر من قبل أبي تاشفين، فلما بلغه الخبر أغذ السير مع العرب فدخل تلمسان، وقتل أحمد بن العز والصبي المكفول ابن أخيه أبي تاشفين، فلما بلغ الخبر إلى السلطان أبي العباس صاحب المغرب خرج إلى تازى، وبعث من هنالك ابنه أبا فارس في العساكر ورد أبا زيان بن أبي حمو إلى فاس، ووكل به. وسار ابنه أبو فارس إلى تلمسان فملكها واقام فيها دعوة أبيه. وتقدم وزير أبيه صالح بن أبي حمو إلى مليانة، فملكها وما بعدها من الجزائر وتدلس إلى حدود بجاية. واعتصم يوسف بن الزابية بحصن تاجمعومت وأقام الوزير صالح يحاصره. وانقرضت دعوة بني عبد الواد من المغرب الأوسط، والله غالب على أمره.
** وفاة أبي العباس صاحب المغرب واستيلاء أبي زيان بن أبي حمو على تلمسان والمغرب الأوسط **
كأن السلطان أبو العباس بن أبي سالم لما وصل إلى تازى وبعث ابنه أبا فارس إلى تلمسان فملكها، وأقام هو بتازى يشارف أحوال ابنه ووزيره صالح الذي تقدم لفتح البلاد الشرقية. وكان يوسف بن علي بن غانم أمير أولاد حسين من المعقل قد حج
سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة واتصل بملك مصر من الترك الملك الظاهر برقوق.
وتقدمت إلى السلطان فيه وأخبرته بمحله من قومه، فأكرم تلقيه وحمله بعد قضاء حجه هدية إلى صاحب المغرب، يطرفه فيها بتحف من بضائع بلده على عادة الملوك. فلما قدم يوسف بها على السلطان أبي العباس أعظم موقعها وجلس في مجلس حفل لعرضها والمباهاة بها. وشرع في المكافأة عليها بمتخير الجياد والبضائع والثياب، حتى استكمل من ذلك ما رضيه. واعتزم على إنفاذها مع يوسف بن علي حاملها الأول. وأنه يرسله من تازى أيام مقامته تلك، فطرقه هنالك مرض كان فيه حتفه في محرم سنة ست وتسعين وسبعمائة واستدعوا ابنه أبا فارس من تلمسان فبايعوه بتازى وولوه مكانه، ورجعوا به إلى فاس. وأطلقوا أبا زيان بن أبي حمو من الاعتقال، وبعثوا به إلى تلمسان أميرا عليها، وقائما بدعوة السلطان أبي فارس فيها، فسار إليها وملكها، وكان أخوه يوسف بن الزابية قد اتصل بأحياء بني عامر يروم ملك تلمسان والاجلاب عليها، فبعث إليهم أبو زيان عند ما بلغه ذلك وبذل لهم عطاء جزيلا على أن يبعثوا به إليه، فأجابوه إلى ذلك، وأسلموه إلى ثقات أبي زيان. وساروا به فاعترضهم بعض أحياء العرب ليستنقذوه منهم، فبادروا بقتله، وحملوا رأسه إلى أخيه أبي زيان فسكنت أحواله وذهبت الفتنة بذهابه، واستقامت أمور دولته. وهم على ذلك لهذا العهد، والله غالب على أمره، وهو على كل شيء قدير.
وقد انتهى بنا القول في دولة بني عبد الواد من زناتة الثانية، وبقي علينا خبر الرهط الذين تحيزوا منهم إلى بني مرين من أول الدولة. وهم بنو كمي من فصائل علي بن القاسم إخوة طاع الله بن علي، وخبر بني كندوز أمرائهم بمراكش. فلنرجع إلى ذكر أخبارهم، وبها نستوفي الكلام في أخبار بني عبد الواد. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
** الخبر عن القرابة المرشحين من آل عبد الحق من الغزاة المجاهدين بالأندلس الذين قاسموا ابن الأحمر في ملكه وانفردوا برياسة جهاده **
كانت الجزيرة الأندلسية وراء البحر منذ انقراض [1] أمر بني عبد المؤمن وقيام ابن الأحمر بأمرها، قليلة الحامية، ضعيفة الأحوال إلا من يلهمه الله لعمل الجهاد من قبائل زناتة المؤملين كرة الملك والمقتسمين ممالك المغرب، وخصوصا بني مرين أهل المغرب الأقصى لاتصال عدوة الأندلس ببسائطه ولتعدد الفراض ببحر الزقاق القريب العدوتين. وما زال أهل الزقاق على قديم الزمان لأجل ذلك فرضة دون سواحل المغرب.
(ولما استولى) بنو مرين على ممالكه، وضاقت أحوال المسلمين بالأندلس، وأخذ بمخنقهم الطاغية حتى ألجأهم إلى سيف البحر واستأثر بالقوسرة [2] وما وراءها.
واستأثر بنو القمص أهل برشلونة وقطلوسة بشرق الأندلس. وانتشر في الأقطار ما كان من أمر قرطبة وأضنيها إشبيلية وبلنسية، وامتعض لذلك المسلمون وتنافسوا في الجهاد وإمداد الأندلس بأموالهم وأنفسهم، وسابق الناس إلى ذلك الأمير ابو زكريا بن أبي حفص بما كان صاحب الوقت والمؤمل للكرة، فاستنفذ الكثير من أمواله ومقرباته في إمدادهم بعد أن كانوا آثروا القيام بدعوته، وأوفدوا عليه المشيخة ببيعتهم. وكان ليعقوب بن عبد الحق أمل في الجهاد وحرص عليه. فاعتزم في سلطان أخيه أبي يحيى على الإجازة لذلك، فمنعه ضنة به عن الاغتراب عنه. وأوعز إلى صاحب سبتة يومئذ أبي علي بن خلاص بمنعه منها، فوعر له السبيل وسد عليه المذاهب.
ولم ينشب يعقوب بن عبد الحق أن قام بسلطان المغرب بعد أخيه أبي يحيى وشغل بشأنه. وأهمه شأن ابن أخيه إدريس منهم في الجهاد بعد العدوة، فاغتنمها منه وعقد له من مطوعة زناتة على ثلاثة آلاف أو يزيدون. وأجاز معه رحو ابن عمه عبد الله بن عبد الحق. وفصلوا إلى الأندلس سنة إحدى وستين وستمائة فحسنت
آثارهم في الجهاد وكرمت مقاماتهم. ثم رجع عامر بن إدريس إلى المغرب وكثر انتقاض القرابة. ونافسهم أقيال زناتة في مثلها، فاجتمع أبناء الملوك بالمغرب الأوسط مثل عبد الملك ويغمراسن بن زيان وعامر بن منديل بن عبد الرحمن وزيان بن محمد ابن عبد القوي فتعاقدوا على الإجازة إلى الأندلس إلى الجهاد، وأجازوا فيمن خف معهم من قومهم سنة ست وسبعين وستمائة، فامتلأت الأندلس بأقيال زناتة وأعياص الملك منهم. وكان فيمن أجاز من أعياصهم بنو عيسى بن يحيى بن وسناف بن عبو ابن أبي بكر بن حمامة. ومنهم سليمان وإبراهيم [1] وكانت لهما آثار في الجهاد ومقامات محمودة، وكان موسى بن رحو لما نازلة السلطان وبني أبيه عبد الله بن عبد الحق بحصن علودان ونزلوا على عهده لحق بتلمسان. وكان بنو عبد الله بن عبد الحق وإدريس بن عبد الحق عصبة من بين سائرهم، لأن عبد الله وإدريس كانا شقيقين لسوط النساء بنت عبد الحق، فاقتفى أثر يعقوب بن عبد الحق بن عبد الله محمدا ابن عمه إدريس، وخرج على السلطان بقصر كتامة سنة ثلاث وستين وستمائة، ثم استرضاه عمه واستنزله. وبقي يعقوب بن عبد الله في انتقاضه ينتقل في الجهات إلى أن قتله طلحة بن محلى من أولياء السلطان سنة ثلاث وستين وستمائة بجهات سلا، فكفى السلطان شأنه. ولما كان من عهد السلطان لابنه أبي مالك ما قدمناه نفس عليه هؤلاء القرابة هذا الشأن، فانتفضوا ولحق ابن إدريس بحصن علودان. ولحق موسى بن رحو بن عبد الله بجبال غمارة ومعه أولاد عمه أبي عياد بن عبد الحق، ونازلهم السلطان حتى نزلوا على عهده، وأجازهم إلى الأندلس سنة سبعين وستمائة، فأقاموا بها للجهاد سوقا ونافسهم أقيال زناتة في مثلها بتلمسان، وأجاز منها إلى الأندلس سنة سبعين وستمائة، فولاه السلطان ابن الأحمر على جميع الغزاة المجاهدين هنالك، لما كان كبيرهم ومحل سؤلهم [2] . ولم يلبث أن عاد إلى المغرب، فولى السلطان مكانه أخاه عبد الحق. ثم رجع عنه مغاضبا إلى تلمسان، فولي مكانه على الغزاة المجاهدين إبراهيم بن عيسى بن يحيى بن وسناف إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى.
** الخبر عن موسى بن رحو فاتح هذه الرئاسة بالأندلس وخبر أخيه عبد الحق من بعده وابنه حمو بن عبد الحق بعدهما **
لما هلك السلطان الشيخ بن الأحمر وولي ابنه السلطان الفقيه، ووفد على السلطان يعقوب بن عبد الحق صريخا للمسلمين، فأجاز إليه أول إجازته سنة ثلاث وسبعين وستمائة وأوقع بجيوش النصرانية. وقتل الزعيم دننه واستولى له الغلب على الأندلس، وبدا لابن الأحمر في أمره وخشي مغبته، وتوقع أن يكون شأنه معه شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عياد. وكان بالأندلس قرابته بنو أشقيلولة قد قاسموه في ممالكها، وانفردوا بوادي آش ومالقة وقمارش حسبما ذكرناه في أخباره مع السلطان، وانتقض عليه أيضا من رؤساء الأندلس ابن عبدريل [1] وابن الدليل، فكانوا يجلبون على بلاد المسلمين. وكانوا قد استنجدوا جيوش النصرانية ونازلوا غرناطة، وعاثوا في الجهات، فلما استوت قدم السلطان يعقوب بن عبد الحق بالأندلس، وصل هؤلاء الثوار به أيديهم، فخشيهم ابن الأحمر جميعا على نفسه.
وقلب السلطان ليوسف ظهر المجن، واستظهر عليه بالأعياص من قرابته. وكان هؤلاء القرابة من أولاد رحو بن عبد الله بن عبد الحق وإدريس بن عبد الحق، وينسبون جميعا إلى سوط النساء كما ذكرناه، ومن أولاد أبي عياد بن عبد الحق لما أوجسوا الخيفة من السلطان واستشعروا النكير منه، لحقوا بالأندلس ثورية بالجهاد، وانتبذوا عن الهول [2] فرارا من محله. وقد كان السلطان أبو يوسف حين انتقضوا عليه أشخصهم إلى الأندلس، فاجتمع منهم عند ابن الأحمر عصابة من أولاد عبد الحق كما قلناه، وأولاد وسناف وأولاد نزول وتاشفين بن معطي كبير بني تيربيغن من بني محمد. وتبعهم أولاد محلى أخوال السلطان أبي يوسف، وكان ابن الأحمر كثيرا ما يعقد لهم على الغزاة المجاهدين من زناتة لدار الحرب، فعقد أولا لموسى بن رحو سنة ثلاث وسبعين وستمائة ولأخيه عبد الحق بعد انصرافه إلى المغرب، ثم لإبراهيم بن عيسى بعد انصرافهما معا كما قلناه. ثم رجعا فعقد لموسى بن رحو ثانية على أشياخه،
وأثبت له قدما في الرئاسة ليحسن به دفاع السلطان أبي يوسف عنهم. ثم تداولت الامارة فيهم ما بينهم وبين عمومتهم. وربما عقد قبل ذلك أزمان الفترة ليعلى بن أبي عياد بن عبد الحق في بعض الغزوات، ولتاشفين بن معطي في أخرى سنة تسع وسبعين وستمائة ومعه طلحة بن محلى، فاعترضوا الطاغية دون حصر المسلمين وربما كان لهم الظهور. ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان أبي تاشفين وعقد ابن الأحمر في بعض حروبه معه ليعلى بن أبي عياد على زناتة جميعا، وحاشهم إلى رايته، فانفضت جموع أبي يوسف، وظهروا عليه، وتقبضوا في المعركة على ابنه منديل، واستاقوه أسيرا إلى أن أطلقه السلطان ابن الأحمر في سلم عقده بعد مهلكه، مع أبيه يوسف بن يعقوب. واستبد موسى بن رحو من بعدها بإمارة الغزاة بالأندلس إلى أن هلك، فوليها من بعده أخوه عبد الحق إلى أن هلك سنة تسع وسبعين وستمائة وكان مظفر الراية على عدو المسلمين. ولما هلك ولي من بعده ابنه حمو بن عبد الحق فكانت هذه الامارة متصلة في بني رحو إلى أن انتقلت منهم إلى إخوانهم من بني أبي العلاء وغيرهم. واندرج حمو في جملة عثمان بن أبي العلاء من بعد حسبما نذكر.
وأما إبراهيم بن عيسى الوسنافي فإنه رجع إلى المغرب، ونزل على يوسف بن يعقوب وقتله بمكانه من حصار تلمسان بعد حين من الدهر، وبعد أن كبر وعمي. والله مالك الأمور لا رب غيره، وكان مهلك ابن أبي عياد سنة سبع وثمانين وستمائة ومعطي بن أبي تاشفين سنة تسع وثمانين وستمائة وطلحة بن محلى سنة ست وثمانين وستمائة والله أعلم.
** (الخبر عن عبد الحق بن عثمان شيخ الغزاة بالأندلس) **
كان عبد الحق هذا من أعياص الملك المريني ويعاسيبهم وهو من ولد محمد بن عبد الحق ثاني الأمراء على بني مرين بعد أبيهم عبد الحق. وهلك أبوه عثمان بن محمد بالأندلس إحدى أيام الجهاد سنة تسع وسبعين وستمائة وربي عبد الحق هذا في حجر السلطان يوسف بن يعقوب إلى أن كان من أمر خروجه مع الوزير رحو بن يعقوب على السلطان أبي الربيع ما ذكرناه في أخباره. ولحق بتلمسان وأجاز منها إلى الأندلس،
وسلطانه يومئذ أبو الجيوش ابن السلطان الفقيه. وشيخ زناتة حمو بن عبد الحق بن رحو. وخاطبهم السلطان أبو سعيد ملك المغرب في اعتقاله، فأجابوه وفر من محبسه، ولحق بدار الحرب. ولما انتقض أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد وبايع لنفسه بمالقة، وزحف إلى غرناطة فنازلها، ووقعت الحرب بظاهرها بين الفريقين وأخذ في بعض حروبهما [1] حمو بن عبد الحق أسيرا، وسيق إلى السلطان أبي الوليد. وكان معه عمه أبو العباس بن رحو فأبى من اسار ابن أخيه وخلى عنه، فرجع إلى سلطانه فارتاب به لذلك. وعقد على الغزاة مكانه لعبد الحق بن عثمان استدعاه من مكانه بدار الحرب. ثم غلبهم أبو الوليد على غرناطة. وتحول أبو الجيوش على وادي آش على سلم انعقد بينهم، وسار معه عبد الحق بن عثمان على شأنه. ثم وقعت بينه وبين أبي الجيوش مغاضبة، لحق لأجلها بالطاغية وأجاز إلى سبتة، فاستظهر به أبو يحيى بن أبي طالب العزفي أيام حصار السلطان أبي سعيد إياه، فكان له في حماية ثغره والدفاع عنه آثار مذكورة. ثم عقد السلطان أبو سعيد السلم ليحيى العزفي، وأفرج عنه، فارتحل عبد الحق بن عثمان إلى إفريقية. ونزل ببجاية سنة تسع عشرة وسبعمائة على أبي عبد الرحمن بن عمر صاحب السلطان أبي يحيى المستبد بالثغور الغربية، فأكرم نزله، وأوسع قراره، وضرب له الفساطيط بالزينة [2] من ساحة البلد استبلاغا في تكريمه وحمله وأصحابه على مائة وخمسين من الخيل، ثم أقدمهم على السلطان بتونس فبر مقدمهم، وخلط عبد الحق بنفسه وآثره بالخلة والصحابة، وأجله بمكان الاستظهار به وبعصابته. ولما عقد السلطان لمحمد بن سيد الناس على حجابته سنة سبع وعشرين وسبعمائة واستقدمه لذلك من ثغر بجاية كما ذكرناه، عظمت رياسته واستغلظ حجابه، وحجب عبد الحق ذات يوم عن بابه، فسخطها وذهب مغاضبا، وداخل أبا فارس في الخروج على أخيه، فأجابه وخرج به من تونس، فكان من خبرهم ومقتل أبي فارس وخلوص عبد الحق إلى تلمسان ونزوله على أبي تاشفين، وغزوة إلى إفريقية مع عساكر بني عبد الواد سنة سبع وعشرين وسبعمائة ما ذكرناه في أخبار الدولة الحفصية.
ثم لما رجع بنو عبد الواد إلى تلمسان صمد مولانا السلطان أبو يحيى إلى تونس في
أخريات سنته. وفر ابن أبي عمران السلطان المنصوب بتونس من بني أبي حفص إلى أحياء العرب، وتقبض على أبي رزين [1] ابن أخي عبد الحق بن عثمان في جملة من أصحابه، فقتله قعصا بالرماح. ورجع عبد الحق بن عثمان إلى مكانه من تلمسان، فأقام بمثواه عند أبي تاشفين متبوئا من الكرامة والاعتزاز ما شاء إلى أن هلك بمهلك أبي تاشفين يوم اقتحم السلطان أبو الحسن تلمسان عليهم سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وقتلوا جميعا عند قصر الملك أبو تاشفين وأبناء عثمان ومسعود وحاجبه موسى بن علي، ونزيله عبد الحق هذا، وأبو ثابت ابن أخيه، فقطعت رءوسهم وتركت أشلاؤهم بساحة القصر عبرة للمعتبرين حسبما ذكرناه في أخبار أبي تاشفين، والله أعلم.
** (الخبر عن عثمان بن أبي العلاء من أمراء الغزاة المجاهدين بالأندلس) **
كان أولاد سوط النساء من ولد عبد الحق، أهل عصابة واعتزاز على قومهم، وهم أولاد إدريس وعبد الله ابنيها والشقيقين كما ذكرناه. وكان مهلك إدريس الأكبر يوم مهلك أبيه بتافريطت [2] ومهلك عبد الله قبله. وخلف عبد الله ثلاثة من الولد تشعب فيهم نسله، وهم: يعقوب ورحو وإدريس. واستعمل أبو يحيى بن عبد الحق يعقوبا منهم على سلا عند افتتاحه إياها سنة تسع وأربعين وستمائة ثم انتزى بها بعد ذلك على عمه يعقوب سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان من شأن ثورة النصارى به ما ذكرناه، واستخلصها يعقوب بن عبد الحق ولحق يعقوب بن عبد الله بعلودان من بلاد غمارة، وامتنع بها، وخرج على أثره ابنا عمه إدريس وهما: عامر ومحمد، وانتزوا بالقصر الكبير، ولحق بهم كافة أولاد سوط النساء. وطالبهم السلطان فلحقوا بجبال غمارة ونازلهم، ثم استنزلهم بعد ذلك على الأمان، وعقد لعامر على الغزو إلى الأندلس سنة ستين وستمائة كما ذكرناه، وأجاز معه رحو بن عبد الله. ورجع محمد بن عامر ومر إلى تلمسان سنة ثمانين وستمائة وأجاز منها إلى الأندلس.
ثم خرجوا على السلطان يعقوب بن عبد الحق سنة تسع وثمانين وستمائة [1] ومعهم ولد أبي عياد بن عبد الحق واعتصموا بعلودان، واستنزلهم السلطان على اللحاق بتلمسان فلحقوا بها. وأجاز أولاد سوط النساء وأولاد أبي عياد كافة إلى الأندلس واستقروا بها يومئذ، ورجع عامر منهم ومحمد وكان من خبره ما نذكر. وهلك يعقوب بن عبد الله سنة ثمان وستين وستمائة في اغترابه بقفوله من رباط الفتح، قتله طلحة بن محلى.
واستقر بنوه من أولاد سوط النساء بالمغرب، وكان ابنه أبو ثابت أميرا على بلاد السوس أيام السلطان يوسف بن يعقوب وأوقع بالركبة [2] سنة تسع وتسعين وستمائة ولم يزل بنوه بالمغرب من يومئذ. وكان من إخوانه أبي العلاء ورحو ابنا عبد الله بن عبد الحق تشعب نسله فيهما، وأجاز رحو إلى الأندلس مع عامر ومحمد ابن عمه إدريس.