John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

(الكتاب الثالث في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم) — تتمة ١٤

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 65 of 67

ثم أجاز موسى ابنه سنة تسع وتسعين وستمائة [3] مع أولاد أبي عياد وأولاد سوط النساء. ثم رجع إلى محله من الدولة وفر ثانيا سنة خمس وسبعين وستمائة إلى تلمسان، وأجاز منها إلى الأندلس واستقر بها. وأجاز أولاد أبي العلاء سنة خمس وثمانين وستمائة مع أولاد أبي يحيى بن عبد الحق وأولاد عثمان بن عبد الحق واستقروا بالأندلس، وكانوا يرجعون في رياستهم لكبيرهم عبد الله بن أبي العلاء. وعقد له ابن الأحمر على الغزاة من زناتة فيمن كان يعقد لهم من زناتة قبل استقرار المنصب، إلى أن هلك شهيدا في إحدى غزوات سنة ثلاث وتسعين وستمائة وعقد المخلوع ابن الأحمر لأخيه عثمان بن أبي العلاء، على حامية مالقة وغربيها من الغزاة لنظر ابن عمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر. ولما غدر الرئيس أبو سعيد بسبتة سنة خمس وسبعمائة وتمت له في مثلها الحيلة، واضطرمت نار العداوة بينه وبين صاحب المغرب، فنصبوا عثمان هذا للأمر، وأجازوه إلى غمارة، فثار بها ودعا لنفسه، وتغلب على أصيلا والعرائش، وكان ما ذكرنا إلى أن غلبه أبو الربيع سنة ثمانين وستمائة، ورجع إلى مكانه بالأندلس ولما اعتزم أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد على الخروج على أبي الجيوش صاحب غرناطة، داخل في ذلك شيخ الغزاة بمالقة عثمان بن أبي العلاء، فساعده عليه، واعتقل أباه الرئيس أبا سعيد، وزحف

إلى غرناطة سنة أربع عشرة وسبعمائة فلما استولى عليها عقد لعثمان هذا على إمارة الغزاة المجاهدين من زناتة، وصرف عنها عثمان بن عبد الحق: بن عثمان، فلحق بوادي آش مع أبي الجيوش. وصار حمو بن عبد الحق بن رحو في جملته بعد أن كان شيخا على الغزاة كما قلناه. واستمرت أيام ولاية عثمان هذا، وبعد فيها صيته، وغص صاحب المغرب أبو سعيد بمكانه، ولما استصرخه المسلمون للجهاد سنة ثمان عشرة وسبعمائة اعتذر بمكان عثمان هذا، واشترط عليهم القبض عليه حتى يرجع عنهم فلم يكن ذلك، ونازل الطاغية غرناطة وحاصرها، وكان لعثمان وبنيه في ذلك آثار مذكورة.

وأتاح الله للمسلمين في النصرانية على يد عثمان هذا وبنيه ما لم يخطر على قلب أحد منهم، فتأكد اغتباط الدولة والمسلمين بمكانهم إلى أن هلك أبو الوليد سنة خمس وعشرين وسبعمائة، باغتيال بعض الرؤساء من قرابته بمداخلة عثمان هذا، زعموا في غدره، ونصب للأمر ابنه محمد صبيا لم يبلغ الحلم. وأقام بأمره وزيره محمد بن المحروق من صنائع دولتهم، فاستبد عليه وألقى زمام الدولة بيد عثمان في النقض والإبرام، فاعتز عليهم وقاسمهم في الأمر، واستأثر في أعطيات الغزاة بكثير من أموال الجباية، حتى خشي الوزير على الدولة. وأدار الرأي في كبره [1] على التغلب، فجمح وفسد ما بينه وبين الوزير ابن المحروق، فانتقض عليه وخرج مغاضبا، فاضطربت فساطيطه بمرج غرناطة. واعصوصب جماعة الغزاة من قبائل زناتة عليه، واعتصم الوزير وأهل الدولة بالحمراء وسعى الناس بينهما أياما، وأدار الوزير الرأي في أن ينصب له كفؤا من قرابته، يجاذبه الحبل ويشغله بشأنه عن الدولة، فجأجأ بيحيى بن عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق وكان في جملة عثمان وأصهر إليه في ابنته. وعقد له على الغزاة وتسايلوا إليه. وبرز [2] عثمان بمعسكره في عشيرة وولده، وعقد معه السلم في أن يجيز إلى المغرب. وأوفد بطانته على السلطان أبي سعيد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وارتحل من ساحة غرناطة في ألف فارس من ذويه وأقاربه وحشمه. وقصد تدرش [3] ليجعلها فرضة لمجازه، حتى إذا حاذى تدرش [4]

وكان بينه وبين رؤسائها مداخلة، فخرجوا إليه مؤدين حق مبرته، فغدر بهم وأركب إليها فملكها وضبطها، وأنزل بها حرمه وأثقاله. ودعا محمد ابن الرئيس أبي سعيد من شلوبانية كان منزلا بها، فجاء إليه ونصبه للأمر، وشن الغارات على غرناطة صباحا ومساء، واضطرمت نار الفتنة. واستركب يحيى بن رحو من قدر عليه من زناتة. وطالت الحرب سنين حتى إذا فتك السلطان محمد بن الأحمر بوزيره ابن المحروق، استدعى عثمان بن أبي العلاء، وعقد له السلم على أن يجيز عمه إلى المغرب ويلحق بغرناطة لشأنه من رياسة الغزاة، فتم ذلك سنة تسع وعشرين وسبعمائة ورجع إلى مكانه من الدولة. وهلك إثر ذلك لسبع وثلاثين سنة من إمارته على الغزاة. والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن رياسة ابنه أبي ثابت من بعده ومصير أمرهم) **

لما هلك شيخ الغزاة ويعسوب زناتة عثمان بن أبي العلاء، قام بأمره وقومه ابنه أبو ثابت عامر، وعقد السلطان أبو عبد الله بن أبي الوليد له على الغزاة المجاهدين كما كان أبوه، فعظم شأنه قوة وشكيمة وكثرة عصابة ونفوذ رأي وبسالة. وكان لقومه اعتزاز على الدولة، بما عجموا من عودها، وكانوا أولي بأس وقوة فيها واستبداد عليها، وكان السلطان محمد بن أبي الوليد مستنكفا عن الاستبداد عليه في القلة والكثرة، فكان كثيرا ما يخرقهم [1] بتسفيه آرائهم والتضييق عليهم في جاههم. ولما وفد على السلطان أبي الحسن سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة صريخا على الطاغية، واستغذ ابنه الأمير أبا مالك لمنازلة جبل الفتح، اتهموه بمداخلة السلطان أبي الحسن في شأنهم، فتنكروا وأجمعوا الفتك به، وداخلوا في ذلك بعض صنائعه ممن كان متربصا بالدولة فساعدهم. ولما افتتح الجبل وكان من شأنه ما قدمنا ذكره، وزحف الطاغية فأناخ عليه، وقصد ابن الأحمر الطاغية في بنيه راغبا أن يرجع إلى الحصن، فرجع

وافترقت عساكر المسلمين، ارتحل السلطان ابن الأحمر إلى غرناطة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة وقد قعدوا له بمرصد من طريقه. ونمي الخبر إليه، فدعا بأسطوله لركوب البحر إلى مالقة، واستبق إليهم الخبر بذلك، فتبادروا إليه ولقوة بطريقة من ساحل اصطبونة، فلاحوه وعاتبوه في شأن صنيعته عاصم من معلوجيه، وحاجهم عنه، فاعتوروا عاصما بالرماح فنكر ذلك عليهم، فألحقوه به، وخر صريعا عن مركوبة، وبعثوا إلى أخيه يوسف فأعطوه بيعتهم، وصفقة أيمانهم، ورجعوا به إلى غرناطة وهو حذر منهم لفعلتهم التي فعلوا. واستمرت الحال على ذلك. ولما استكمل السلطان أبو الحسن فتح تلمسان وصرف عزائمه إلى الجهاد داخل ابن الأحمر في إزاحتهم عن الأندلس مكان جهاده، فصادف منه إسعافا وقبولا وحرصا على ذلك، وتقبض على أبي ثابت وإخوته إدريس ومنصور وسلطان. وفر أخوهم سليمان فلحق بالطاغية، وكان له في يوم طريف أثر في الإيقام بالمسلمين، ولما تقبض ابن الأحمر على أبي ثابت وإخوته، أودعهم جميعا المطبق أياما، ثم غربهم إلى إفريقية، فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبي يحيى. وأوعز إليه السلطان أبو الحسن بالتوثق منهم أن يتصلوا بنواحي المغرب، ويخالفوه إليها أيام شغله بالجهاد في الأندلس، فاعتقلهم وأوفد أبا محمد بن تافراكين إلى سدة السلطان أبي الحسن إليه شفيعا فيهم، فتقبل شفاعته وأحسن نزلهم وكرامتهم، حتى إذا احتل بسبتة أيام حصار الجزيرة في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة سعى بهم عنده، فتقبض عليهم واعتقلهم بمكناسة. ولما انتزى ابنه الأمير أبو عنان على الأمر. وهزم منصور ابن أخيه أبي مالك صاحب فاس، ونازلة بالبلد الجديد، بعث فيهم إلى مكناسة، فأطلقهم من الاعتقال وأفاض فيهم الإحسان، واستظهر على شأنه. وأحل ابا ثابت محل الشورى من مجلسه، وداخل إدريس أخاه في المكر بالبلد الجديد، فنزع إليها ومكر بهم، وثار عليهم إلى أن نزلوا على حكم السلطان أبي عنان، فعقد لأبي ثابت على سبتة وبلاد الريف ليشارف منها الأندلس محل إمارته. وأطلق يده في المال والجيش، وفصل لذلك، فهلك بالطاعون يومئذ سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمعسكره إزاء معسكر السلطان من حصار البلد الجديد. واستقر إخوانه في إيالة السلطان أبي عنان بالمغرب الأقصى إلى أن كان من مفر أخيه إدريس وولايته على الغزاة بالأندلس، ما نذكره إن شاء الله تعالى.

** الخبر عن يحيى بن عمر بن رحو وإمارته على الغزاة بالأندلس أولا وثانيا ومبدإ ذلك وتصاريفه **

كان رحو بن عبد الله كبير ولد عبد الله بن عبد الحق، وكان له بنون كثيرون، وتشعب نسله فيهم، منهم: موسى وعبد الحق والعباس وعمر ومحمد وعلي ويوسف. أجازوا كلهم إلى الأندلس مع أولاد سوط النساء من تلمسان كما قدمناه. وأقام عمر بعدهم بتلمسان مدة واتخذ بها الأهل والولد. ثم لحقهم وولى موسى إمارة الغزاة بعد إبراهيم ابن عيسى الوسنافي، وبعده أخوه عبد الحق على الغزاة أقام بها مدة وأجاز إلى سبتة مع الرئيس أبي سعيد وعثمان بن أبي العلاء سنة خمس وسبعمائة وولي بعدها على الغزاة المجاهدين. ثم رجع إلى الأندلس، ولم يلبث بها أن أجاز إلى المغرب. ونزل على السلطان أبي سعيد، فأكرم نزله، ثم رجع إلى الأندلس. ولما ولي إمارة الغزاة عثمان بن أبي العلاء، وكان بينهم من المنافسة ما يكون بين فحول الشول، أشخص بني رحو جميعا إلى إفريقية، فنزلوا على مولانا السلطان أبي يحيى خير نزل، اصطفاهم واستخلصهم واستظهر جمعهم في حروبه. وهلك عمر بن رحو ببلاد الجريد وقبره ببشرى من نفزاوة معروف، ونزع ابنه يحيى من بين إخوته عن مولانا السلطان أبي يحيى، وصار في جملة ابن أبي عمران، ثم لحق بزواوة وأقام في بني يتراتن [1] سنين، ثم أجاز إلى الأندلس واستقر بمكانه من قومه. واصطفاه عثمان بن أبي العلاء وأصهر إليه بابنته، وخلطه بنفسه. ولما فسد ما بينه وبين ابن المحروق وزير السلطان بغرناطة سنة سبع وعشرين وسبعمائة واعصوصب عليه الغزاة بمعسكره من مرج غرناطة دس إليه يومئذ ابن المحروق إلى يحيى بن عمر هذا. ودعاه إلى مكان عمله ليضبطه [2] بذلك، فأجاب ونزع عن عثمان وقومه إلى ابن المحروق وسلطانه.

وعقد له على الغزاة فتسايلوا إليه عن عثمان شيخهم، وانصرف إلى المدية وكان من شأنه ما قصصناه في أخباره، وأقام يحيى بن عمر في رياسته إلى أن هلك ابن المحروق بفتكة سلطانه. واستدعى عثمان بن أبي العلاء للرئاسة فرجع إليها.

وصرف يحيى بن عمر إلى وادي آش، وعقد له على الغزاة بها فأقام حينا، ثم رجع إلى مكانه بين قومه. واصطفاه عثمان بن أبي العلاء وابنه أبا ثابت لما كانت أمه بنت موسى بن رحو، فكان يتعصب لخؤولته فيهم ثم هلك عثمان وكان ما قدمناه من شأن ولده وفتكهم بالسلطان المخلوع. وتقبض أخوهم أبو الحجاج عليهم، وأشخصهم إلى إفريقية وقوض مباني رياستهم. وعقد على الغزاة مكانهم ليحيى بن عمر هذا، فاضطلع بها أحسن اضطلاع. واستمرت حاله وحضر مشاهد أبي الحجاج مع السلطان أبي الحسن، فظهرت كفايته وغناؤه. ولما هلك أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة طعينا بمصلى العيد، في آخر سجدة من صلاته، بيد عبد من عبيد اصطبله مصاب في عقله، أغري زعموا به، وقتل لحينه هبرا بالسيوف. وبويع لابنه محمد، أخذ له البيعة على الناس يومئذ مولاه رضوان من معلوجاتهم، حاجب أبيه وعمه. وقام بأمره واستبد عليه وحجره، فقاسم يحيى بن عمر هذا في شأنه وشاركه في أمره وشد أزر سلطانه به، حتى إذا ثار بالحمراء الرئيس ابن عمهم محمد ابن إسماعيل بن محمد ابن الرئيس أبي سعيد قائما بدعوة إسماعيل بن أبي الحجاج أخي السلطان محمد كان ساكنا بالحمراء. وتحينوا لذلك مغيب السلطان في متنزهه بروضة خارج الحمراء، فخالفوه إليها وكبسوها ليلا فقتلوا الحاجب المستبد رضوان. وأجلس السلطان على سرير ملكه ونادوا بالناس إلى بيعته. ولما أصبح غدا عليهم يحيى بن عمر بعد أن يئسوا منه وخشوا عاديته، فأتاهم ببيعته وأعطى عليها صفقته وانصرف إلى منزله. وبعد استيلائهم استخلصوا إدريس بن عثمان بن أبي العلاء، كان وصل إليهم من دار الحرب بأرض برشلونة كما نذكر. وولوه إمارة الغزاة وائتمروا في التقبض على يحيى بن عمر. ونذر بذلك فركب في حاشيته يؤم دار الحرب من أرض الجلالقة، واتبعه إدريس فيمن إليه من قومه، فقاتلهم صدر نهاره وفض جموعهم. ثم خلص إلى تخوم النصرانية ولحق منها بسدة ملك المغرب أثر سلطانه المخلوع محمد بن أبي الحجاج، وخلف ابنه أبا سعيد عثمان بدار الحرب. ونزل يومئذ على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين وسبعمائة فأكرم مثواه وأحله من مجلسه محل الشورى والمؤامرة، واستقر في جملته إلى أن بعث ملك قشتالة في السلطان المخلوع، بإشارة ابنه أبي سعيد وسعايته في ذلك، ليجلب به على أهل الأندلس بما نقضوا من عهده. وجهزه السلطان أبو سالم سنة ثلاث وستين وسبعمائة فصحبه

يحيى بن عمر هذا. ولقيهم ابنه أبو سعيد عثمان وقاموا بأمر سلطانهم، واستولى على الأندلس بمظاهرتهم، وكان لهم آثار في ذلك. ولما استولى على غرناطة سنة ثلاث وستين وسبعمائة عقد ليحيى بن عمر على إمارة الغزاة كما كان وأعلى يده. واستخلص عثمان لشوراه وخلطه ببطانته. ونافسه الوزير يومئذ محمد بن الخطيب فسعى فيهم، وأغرى السلطان بهم، فتقبض عليهم سنة أربع وستين وسبعمائة وأودعهم المطبق. ثم أشخص يحيى سنة ست وستين وسبعمائة إلى المشرق وركب السفن من المدية [1] فنزل بالإسكندرية، ورجع منها إلى المغرب، ونزل على عمر بن عبد الله أيام استبداده واستقر في كرامة وخير مقامة، ولم يزل بالمغرب على أعز الأحوال إلى أن هلك سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة ثم استخلص ابنه أبا سعيد عثمان من الاعتقال سنة تسع وستين [2] وسبعمائة إلى إفريقية ونزل ببجاية على مولانا السلطان أبي العباس حافد مولانا السلطان أبي يحيى واستقر في جملته. وحضر معه فتح تونس وأبلى فيه. وأقطع له السلطان وأسنى له الجراية، وخلطه بنفسه واصطفاه لشوراه وخلته، وهو لهذا العهد من عظماء مجلسه وظهرائه في مقامات حروبه، وإخوته بالأندلس على مراكز عزهم وفي ظلال عصبيتهم مع قومهم، وقد ذهب مواجد السلطان بالأندلس عليهم وصار إلى جميل رأيه فيهم. والله مالك الملك ومقلب القلوب لا رب غيره.

** (الخبر عن إدريس بن عثمان بن أبي العلاء وإمارته بالأندلس ومصاير أمره) **

لما هلك أبو ثابت بن عثمان بن أبي العلاء سنة خمسين وسبعمائة، واستمر إخوته في جملة السلطان أبي عنان ملك المغرب وأقطعهم وأسنى جراياتهم، وكان في إدريس منهم بقية الترشيح يراه الناس به. فلما نهض السلطان إلى فتح قسنطينة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة توغل في ديار إفريقية وحام قومه عن مواقعها، تحيلوا عليه في الرجوع به عن قصده منها. وأذنت المشيخة لمن معهم من قومهم في الانطلاق إلى المغرب حتى خف المعسكر من أهله وتآمروا، زعموا في اغتيال السلطان والإدالة منه

بإدريس هذا، ونذر بذلك فكر راجعا كما ذكرناه في أخباره. ولما اشيع ذلك ركب إدريس ظهر الغدر وفر من العسكر ليلا، ولحق بتونس، ونزل على القائم بالدولة يومئذ الحاجب أبي محمد بن تافراكين خير نزل وأبره. وركب السفين من تونس إلى العدوة، فنزل على ابن القمص صاحب برشلونة في حشمه وذويه. وأقام هنالك إلى أن كان من مهلك رضوان الحاجب المستبد بالأندلس سنة ستين وسبعمائة ما قدمناه فنزع إلى منبته من غرناطة. ونزل على إسماعيل ابن السلطان أبي الحجاج والقائم بدولته يومئذ الرئيس محمد ابن عمه إسماعيل بن محمد الرئيس أبي سعيد فلقوه مبرة وتكريما ورجوه بالإدالة به من يحيى بن عمر أمير الغزاة يومئذ، لما كانوا يتهمونه به من ممالأة المخلوع صاحب الأمر عليهم. ولما نزع يحيى بن عمر إلى الطاغية، ولحق بدار الحرب سنة إحدى وستين وسبعمائة عقدوا لإدريس بن عثمان هذا على الغزاة مكانه. وولوه خطة أبيه وأخيه بدولتهم، فاضطلع بها. ومالأ الرئيس محمدا على قتل سلطانه إسماعيل بن الحجاج واستبد بالأمر، ولسنتين من ولايته غلبه المخلوع أبو عبد الله على الأمر، وزحف إليه من رندة، كان نزل بها بعد خروجه من دار الحرب مغاضبا للطاغية. وأذن له وزير المغرب عمر بن عبد الله في نزولها فنزلها، ثم زحف إلى الثائر بغرناطة على ملكهم الرئيس وحاشيته فأجفلوا. ولحق الرئيس محمد بن إدريس هذا بقشتالة، ونزلوا في جملتهم وحاشيتهم على الطاغية، فتقبض عليهم. وقتل الرئيس محمد وحاشيته جزاء بما أتوه من غدر رضوان. ثم غدر السلطان إسماعيل من بعده وأودع إدريس ومن معه من الغزاة السجن بإشبيلية، فلم يزل في أسره إلى أن تحيل في الفرار بمداخلة مسلم من الأسرى [1] أعد له فرسا إزاء معتقله، ففك قيده، ونقب البيت، وامتطى فرسه ولحق بأرض المسلمين سنة ست وستين وسبعمائة واتبعوه فأعجزهم، وجاء إلى السلطان أبي عبد الله محمد المخلوع فأكرم نزله وأحسن مبرته، ثم استأذنه في اللحاق بالمغرب فأذن له وأجاز إلى سبتة، وبلغ شأنه إلى صاحب الأمر بالمغرب يومئذ عمر بن عبد الله، فأوعز إلى صاحب سبتة بالتقبض عليه لمكان ما يؤنس من ترشيحه. وأودعه السجن بمكناسة، ثم نقله السلطان عبد العزيز إلى سجن الغدر [2] بفاس، ثم قتلوه خنقا سنة سبعين وسبعمائة

والله وارث الأرض ومن عليها.

** (الخبر عن إمارة علي بن بدر الدين على الغزاة بالأندلس ومصاير أمره) **

قد ذكرنا أن موسى بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق، كان أجاز إلى الأندلس مع محمد وعامر ابني إدريس بن عبد الحق وقومهم، أولاد سوط النساء سنة تسع وستين وسبعمائة ثم رجع إلى المغرب وفر إلى تلمسان وأجاز منها إلى الأندلس. وولي إمارة الغزاة بها إلى أن هلك بعد أن أصهر إليه السلطان يوسف بن يعقوب في ابنته، فعقد له عليها وزفها إليه سنة تسع وسبعين وسبعمائة مع وفد من قومهم. وكان لموسى بن رحو من الولد جماعة أكبرهم المحمدان جمال الدين وبدر الدين، وضع عليهما هذين اللقبين على طريقة أهل المشرق الشريف المكي الوافد على المغرب لذلك العهد من شرفاء مكة. وكان هؤلاء الأعياص من ملوكهم وأقيالهم يعظمون أهل البيت النبوي ويلتمسون الدعاء والبركة منهم فيما تيسر من أحوالهم، فحمل موسى بن رحو ولديه هذين عند وضعهما إلى الشريف يحنكهما ويدعو لهما، فقال له الشريف خذ إليك جمال الدين، وقال في الآخر خذ إليك بدر الدين، فاستحب موسى دعاءهما بهذين اللقبين تبركا بتسمية الشريف بهما، فاشتهرا بهذين الاسمين. ولما بلغا الأشد وشاركا أباهما في حمل الرئاسة وكان من مهلكه ما ذكرناه، وانحرفت رياسة الغزاة عنهما إلى عمهما عبد الحق وابنه، فلحق جمال الدين منهما بالطاغية سنة ثلاث ثم أجاز البحر من قرطاجنة الى السلطان يوسف بن يعقوب من معسكره من حصار تلمسان، واستقر في جملته حتى إذا هلك السلطان تصدى ابنه ابو سالم للقيام بأمره، وكان مغلبا مضعفا فلم يتم أمره، وتناول الملك أبو ثابت حافد السلطان واستولى عليه. وفر أبو سالم عشي مهلكه ومعه من القرابة جمال الدين هذا وأعمامه العباس وعيسى وعلي بنو رحو بن عبد الله، فتقبض عليهم في طريقهم بمديونة وسيقوا إلى السلطان أبي ثابت، فقتل عمه أبا سالم وجمال الدين بن موسى بن رحو، وامتن على الباقين واستحياهم، وانصرف السلطان بعدها إلى الأندلس، فكانت له في الجهاد آثار كما ذكرناه قبل. وأما بدر الدين فلم يزل بالأندلس مع قومه، ومحله من الرئاسة والتجلة

محله من النسب إلى أن هلك، فقام بأمره من بعده ابنه علي بن بدر الدين مزاحما لقومه في الرئاسة، مباهيا في الترشيح. وكان كثيرا ما يعقد له ملوك بني الأحمر على الغزاة من زناتة المرابطين بالثغور فيما بعد عن الحضرة من قواعد الأندلس، مثل مالقة والمرية ووادي آش، سبيل المرشحين من أهل بيته، وكانت إمارة الغزاة بالأندلس مستأثرة بأمر السيف والحرب، مقاسمة للسلطان أكثر الجباية في الأعطية والأرزاق لما كانت الحاجة إليهم في مدافعة العدو ومقارعة ملك المغرب إلى ملك الأندلس، يغضون لهم عن استطالتهم عليهم لمكان حاجتهم إلى دفاع العدوين، حتى إذا سكن ريح الطاغية بما كان من شغله بفتنة أهل دينه منذ منتصف هذه المائة، وشغل بنو مرين أيضا بعد مهلك السلطان أبي الحسن وتناسوا عهد الغلب على أقتالهم وجيرانهم، وتناسوا عهد ذلك أجمع. فاعتزم صاحب الأندلس على محو هذه الخطة من دولته. وأغراه بذلك وزيره ابن الخطيب كما ذكرناه حرصا على خلاء الجو له، فتقبض على يحيى بن عمر وبنيه سنة أربع وستين وسبعمائة كما ذكرناه، وعقد على الغزاة المجاهدين لابنه ولي عهده الأمير يوسف، ومحا رسم الخطة لبني مرين بالجملة إلى أن توهم فناء الحامية منهم بفناء بيوت العصبية الكبرى، فراجع رأيه في ذلك. وكان علي بن بدر الدين خالصة له وكان مقدما على الغزاة بوادي آش. ولما لحق السلطان به ناجيا من النكبة ليلة مهلك رضوان، مانع دونه وظاهره على أمره حتى إذا ارتحل إلى المغرب ارتحل معه. ونزلوا جميعا على السلطان أبي سالم سنة إحدى وستين وسبعمائة كما ذكرناه. ولما رجع إلى الأندلس رجع في جملته فكان له بذلك عهد وذمة رعاهما السلطان له، وكان يستخلصه ويناجيه. فلما تفقد مكان الأمير على الغزاة ونظر من يوليه عثر اختياره على هذا لسابقته ووسائله وما تولاه من نصحه ووقوفه عند حده، فعقد له سنة سبع وستين وسبعمائة على الغزاة كما كان أولوه، فقام بها واضطلع بأمورها، واستمرت حاله إلى أن هلك حتف أنفه سنة ثمان وستين وسبعمائة، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

** الخبر عن إمارة عبد الرحمن بن علي أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي على الغزاة بالأندلس ومصاير أمره **

كان أولاد السلطان أبي علي قد استوقروا بالأندلس وأجازوا إلى طلب الأمر بالمغرب.

وكان من أمرهم ما شرحناه، إلى أن أجاز عبد الرحمن هذا مع وزيره المصادر [1] به مسعود بن رحو بن ماسي سنة ست وستين وسبعمائة من غساسة على سلم عقده لهم وزير المغرب المستبد بأمره يومئذ عمر بن عبد الله. ونزل عبد الرحمن هذا بالمنكب، وكان السلطان يومئذ معسكرا بها فتلقاه من البر بما يناسبه. وأكرم مثواه وأسنى الجراية له ولوزيره ولحاشيته. واستقروا في جملة الغزاة المجاهدين حتى إذا هلك علي بن بدر الدين سنة ثمان وستين وسبعمائة نظر السلطان فيمن يوليه أمرهم، فعثر اختياره على عبد الرحمن هذا لما عرف به من البسالة والإقدام ولقرب الشرائح [2] بينه وبين ملك المغرب يومئذ، التي هي ملاك الترشيح لهذه الخطة بالأندلس كما قدمناه، لما كانت رشائح ولد عبد الله بن عبد الحق قد بعدت باتصال الملك في عمود نسب صاحب المغرب دون نسبهم، فآثره صاحب الأندلس بها، وعقد له على الغزاة المجاهدين سنة ثمان وستين وسبعمائة وأضفى عليه لبوس الكرامة والتجلة وأقعده بمجلس المؤازرة [3] كما كان الأمراء قبله، واتصل الخبر بسلطان المغرب يومئذ عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، فغص بمكانه، وتوهم أن هذه الإمارة زيادة في ترشيحه ووسيلة لملكه، وكانت لوزير الأندلس محمد بن الخطيب مداخلة مع صاحب المغرب، بما أمل أن يجعله فيئة لاعتصامه، فأوعز إليه بالتحيل على إفساد ما بينه وبين صاحب الأندلس، فجهد في ذلك جهده.

ونسب عليه وعلى وزيره مسعود بن ماسي إلى عظماء القبيل وبعض البطانة من أهل الدولة التحسب [4] والدعوة إلى الخروج على صاحب المغرب، فأحضرهم السلطان ابن الأحمر وأعطاهم كتابهم، فشهد عليهم وأمر بهم المغرب، فأحضرهم السلطان ابن الأحمر وأعطاهم كتابهم، فشهد عليهم وأمر بهم فاعتقلوا في المطبق سنة سبعين وسبعمائة واسترضى صاحب المغرب بفعلته فيهم، ونزع الوزير ابن الخطيب بعد ذلك إلى السلطان عبد العزيز، وتبين للسلطان مكره واحتياله عليه في شأنهم. ولما هلك عبد العزيز وأظلم الجو بين صاحب الأندلس وبين

القائم بالدولة أبي بكر بن غازي كما قدمناه، وامتعض ابن الأحمر للمسلمين من الفوضى، أطلق عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره مسعود بن ماسي من الاعتقال وجهز لهما الأسطول، فأجازوا فيه إلى المغرب ونزلوا بمرسى غساسة على بطوية داعيا لنفسه، فقاموا بأمره وكان من شأنه مع الوزير أبي بكر بن غازي ما قصصناه، واستقر آخرا بمراكش وتقاسم ممالك المغرب وأعماله مع السلطان أبي العباس أحمد ابن أبي سالم صاحب المغرب لهذا العهد. وصار التخم بينهما وادي ملوية. ووقف كل واحد منهما عند حده، وأغفل صاحب الأندلس هذه الخطة من دولته ومحا رسمها من ملكه. وصار أمر الغزاة المجاهدين إليه، وباشر أحوالهم بنفسه، وعمهم بنظره، وخص القرابة المرشحين منهم بمزيد تكرمته وعنايته. والأمر على ذلك لهذا العهد، وهو سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة والله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء لا رب غيره ولا معبود سواه.

تم كتاب أخبار الدول الإسلامية بالمغرب لولي الدين أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي الإشبيلي المالكي.

والحمد لله رب العالمين [1] .

** (التعريف بابن خلدون مؤلف هذا الكتاب) [2] **

أصل هذا البيت من إشبيلية انتقل عند الجلاء وغلب ملك الجلالقة ابن أدفونش عليها إلى تونس في أواسط المائة السابعة (نسبه) عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون [3] هذا لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هذه العشرة، ويغلب على الظن أنهم أكثر، وأنه سقط مثلهم عددا، لأن خلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس، فإن كان أول الفتح فالمدة لهذا العهد سبعمائة سنة، فيكونون زهاء العشرين، ثلاثة لكل مائة، كما تقدم في أول الكتاب الأول. ونسبنا في حضرموت من عرب اليمن إلى وائل بن حجر من أقيال العرب، معروف وله صحبة. قال أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة: هو وائل بن حجر بن سعد بن مسروق بن وائل، ابن النعمان بن ربيعة بن الحرث بن عوف بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن شرحبيل بن الحرث بن مالك بن مرة بن حمير بن زيد بن الحضرمي بن عمر بن عبد الله بن

عوف بن جردم بن جرسم بن عبد شمس بن زيد بن لؤي بن ثبت [1] بن قدامة ابن أعجب بن مالك بن مالك بن لؤي بن قحطان. وابنه علقمة بن وائل وعبد الجبار بن علقمة بن وائل.

وذكره أبو عمر بن عبد البر في حرف الواو من الاستيعاب. وأنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، فبسط له رداءه وأجلسه عليه، وقال: «اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده إلى يوم القيامة» . وبعث معاوية بن أبي سفيان إلى قومه يعلمهم الإسلام والقرآن، فكان له بذلك صحابة مع معاوية. ووفد عليه لأول خلافته فأجازه، فرد عليه جائزته ولم يقبلها.

ولما كانت وقعة حجر بن عدي الكندي بالكوفة، اجتمع رءوس أهل اليمن، فيهم وائل هذا فكانوا مع زياد بن أبي سفيان [2] عليه، حتى أوثقوه وجاءوا به إلى معاوية فقتله كما هو معروف.

وقال ابن حزم: ويذكر بنو خلدون الإشبيليون من ولده، جدهم الداخل من المشرق خالد المعروف بخلدون بن عثمان بن هانئ بن الخطاب بن كريت [3] بن معديكرب بن الحرث بن وائل بن حجر قال: ومن عقبه كريت بن عثمان بن خلدون وأخوه خالد، وكانا من أعظم ثوار الأندلس.

قال ابن حزم: وأخوه محمد، كان من عقبه أبو العاصي عمرو بن محمد بن خالد بن محمد بن خلدون. وترك أبو العاصي محمدا وأحمد وعبد الله. قال: وأخوهم عثمان، له عقب ومنهم الحكيم المشهور بالأندلس تلميذ مسلمة المجريطي [4] . وهو أبو مسلم عمر بن محمد [5] بن تقي بن عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن عثمان بن خلدون الداخل. وابن عمه أحمد بن محمد بن عبد الله. قال: ولم يبق من ولد كريت

الرئيس المذكور إلا أبو الفضل بن محمد بن خلف بن أحمد بن عبد الله بن كريت انتهى. كلام ابن حزم.

(سلفه بالأندلس) ولما دخل خلدون بن عثمان جدنا إلى الأندلس، نزل بقرمونة في رهط من قومه حضرموت، ونشأ بيت بنيه بها، ثم انتقل إلى إشبيلية. وكانوا في جند اليمن، وكان الكريت من عقبه وأخيه خالد، الثورة المعروفة بإشبيلية أيام الأمير عبد الله المرواني، ثار على أبي عبدة وملكها من يده أعواما. ثم ثار عليه عبد الله بن حجاج بإملاء الأمير عبد الله وقتله، وذلك في أواخر المائة الثالثة.

(وتلخيص الخبر عن ثورته [1] ) ما نقله ابن سعيد [2] عن الحجازي [3] وابن حيان [4] وغيرهما، وينقلونه عن ابن الأشعث مؤرخ إشبيلية أن الأندلس لما اضطرمت بالفتن أيام الأمير عبد الله، تطاول رؤساء إشبيلية إلى الثورة والاستبداد، وكان رؤساؤها المتطاولون إلى ذلك في ثلاثة بيوت: بيت أبي عبدة وبرئيسهم يومئذ ابن عبد الغافر بن أبي عبيدة، وكان عبد الرحمن الداخل ولى إشبيلية وأعمالها أبا عبدة، وكان حافده أمية من أعلام الدولة بقرطبة، ويولونه الممالك الضخمة.

وبيت بني خلدون ورئيسهم كريت المذكور، ويردفه خالد أخوه.

قال ابن حيان: وبيت بني خلدون إلى الآن في إشبيلية، نهاية في النباهة، ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانية ورياسة علمية. ثم بيت بني حجاج ورئيسهم يومئذ عبد الله. قال ابن حيان: هو من لخم وبيتهم إلى الآن في إشبيلية ثابت الأصل نابت الفرع موسوم بالرياسة السلطانية والعلمية. فلما عظمت الفتنة بالأندلس أعوام الثمانين ومائتين، وكان الأمير عبد الله قد ولى على إشبيلية أمية بن عبد الغافر، وبعث معه ابنه محمدا وجعله في كفالته، فاجتمع هؤلاء النفر وثاروا بمحمد بن الأمير

عبد الله، وبأمية صاحبهم، وهو يمالئهم على ذلك، ويكيد بابن الأمير عبد الله.

وحاصروه حتى طلب منهم اللحاق بأبيه فأخرجوه، واستبد أمية بإشبيلية، ودس على عبد الله بن حجاج من قتله، وأقام أخاه إبراهيم مكانه. وضبط إشبيلية واسترهن أولاد بني خلدون وبني حجاج ثم ثاروا به، وهم بقتل أبنائهم فراجعوا طاعته، وحلفوا له، فأطلق أبناءهم فانتقضوا ثانية. وحاربوه فاستمات وقتل حرمه وعقر خيوله، وأحرق موجودة. وقاتلهم حتى قتلوه مقبلا غير مدبر، وعاثت العامة في رأسه. وكتبوا إلى الأمير عبد الله بأنه خلع فقتلوه، فقبل منهم مداراة، وبعث عليهم هشام بن عبد الرحمن من قرابته، فاستبدوا عليه وفتكوا بابنه، وتولى كبر ذلك كريت بن خلدون. واستقل بإمارتها.

وكان إبراهيم بن حجاج بعد ما قتل أخوه عبد الله على ما ذكره ابن سعيد عن الحجاري سمت نفسه إلى التفرد، فظاهر ابن حفصون [1] أعظم ثوار الأندلس يومئذ، وكان بمالقة وأعمالها إلى رندة، فكان له منه ردء. ثم انصرف إلى مداراة كريت بن خلدون وملابسته، فردفه في أمره، وأشركه في سلطانه، وكان في كريت تحامل على الرعية وتعصب، فكان يتجهم لهم ويغلظ عليهم، وابن حجاج يسلك بهم الرفق والتلطف في الشفقة [2] بهم عنده، فانحرفوا عن كريت إلى إبراهيم. ثم دس إلى الأمير عبد الله يطلب منه الكتاب بولاية إشبيلية، لتسكن إليه العامة، فكتب إليه العهد بذلك. وأطلع عليه عرفاء البلد مع ما أشربوا من حبه، والنفرة عن كريت، ثم أجمع الثورة. وهاجت العامة بكريت فقتلوه، وبعث برأسه إلى الأمير عبد الله، واستقر بإمارة إشبيلية.

قال ابن حيان: وحصن مدينة قرمونة من أعظم معاقل الأندلس، وجعلها مرتبطا لخيله، وكان ينتقل بينها وبين إشبيلية. واتخذ الجند ورتبهم طبقات، وكان يصانع الأمير عبد الله بالأموال والهدايا، وبعث إليه المدد في الصوائف [3] . وكان مقصودا

ممدحا، قصده أهل البيوتات فوصلهم، ومدحه الشعراء ومدحه أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد [1] وقصده من بين سائر الثوار فعرف حقه وأعظم جائزته.

ولم يزل بين بني خلدون بإشبيلية كما ذكره ابن حيان وابن حزم وغيرهما، سائر أيام بني أمية إلى زمان الطوائف [2] ، وانمحت عنهم الإمارة بما ذهب لهم من الشوكة.

ولما غلب كعب بن عباد [3] على إشبيلية، واستبد على أهلها استوزر من بني خلدون هؤلاء واستعملهم في رتب دولته، وحضروا معه وقعة الجلالقة [4] كانت لابن عباد وليوسف بن تاشفين على ملوك الجلالقة، فاستشهد فيها طائفة كبيرة من بني خلدون هؤلاء ثبتوا في الجولة مع ابن عباد فاستلحموا في ذلك الموقف. بما كان الظهور للمسلمين، ونصرهم الله على عدوهم. ثم تغلب يوسف بن تاشفين والمرابطون على الأندلس، واضمحلت دولة العرب وفنيت قبائلهم.

(سلفه بإفريقية) ولما استولى الموحدون [5] على الأندلس وملكوها من يد المرابطين، وكان ملوكهم عبد المؤمن وبنيه. وكان الشيخ أبو حفص [6] كبير هنتاتة زعيم دولتهم. وولوه على إشبيلية وغرب الأندلس مرارا، ثم ولوا ابنه عبد الواحد عليها في بعض أيامهم، ثم ابنه أبا زكريا كذلك، فكان لسلفنا بإشبيلية اتصال بهم، وأهدى بعض أجدادنا من قبل الأمهات، ويعرف بالمحتسب للأمير أبي زكريا [7]

يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص أيام ولايته عليهم، جارية من سبي الجلالقة، اتخذها أم ولد، وكان له منها ابنه أبو زكريا يحيى ولي عهده الهالك في أيامه، وأخواه عمر وأبو بكر، وكانت تلقب أم الخلفاء. ثم انتقل الأمير أبو زكريا إلى ولاية إفريقية سنة عشرين وستمائة. ودعا لنفسه بها وخلع دعوة بني عبد المؤمن سنة خمس وعشرين وستمائة واستبد بإفريقية، وانتقضت دولة الموحدين بالأندلس، وثار عليهم ابن هود [1] . ثم هلك واضطربت الأندلس وتكالب الطاغية عليها، وتردد الغزو إلى الفرنتيرة بسيط قرطبة وإشبيلية إلى جيان. وثار ابن الأحمر من غرب الأندلس من حصن أرجونة يرجو التماسك بما بقي من رمق الأندلس. وفاوض أهل الشورى يومئذ بإشبيلية. وهم بنو الباجي، وبنو الجد، وبنو الوزير، وبنو سيد الناس، وبنو خلدون. وداخلهم في الثورة على ابن هود، وأن يتجافوا للطاغية عن الفرنتيرة، ويتمسكوا بالجبال الساحلية وأمصارها المتوعرة، من مالقة إلى غرناطة إلى المرية، فلم يوافقوه على بلادهم. وكان مقدمهم أبو مروان الباجي، فنابذهم ابن الأحمر وخلع طاعة الباجي وبايع مرة لابن هود ومرة لصاحب مراكش من بني عبد المؤمن، ومرة للأمير أبي زكريا صاحب إفريقية. ونزل غرناطة واتخذها دار ملكه، وبقيت الفرنتيرة وأمصارها ضاحية من ظل الملك، فخشي بنو خلدون سوء العاقبة من الطاغية، وارتحلوا من إشبيلية إلى العدوة، ونزلوا سبتة، وأجلب الطاغية على تلك الثغور فملك قرطبة وإشبيلية وقرمونة وجيان وما إليها في مدة عشرين سنة. ولما نزل بنو خلدون بسبتة أصهر إليهم العزفي بأبنائه وبناته، فاختلط بهم، وكان له معهم صهر مذكور. وكان جدنا الحسن بن محمد، وهو سبط ابن المحتسب قد أجاز فيمن أجاز إليهم، فذكروا سوابق سلفه عند الأمير أبي زكريا، فقصده، وقدم عليه فأكرم قدومه، وارتحل إلى المشرق فقضى فرضه. ثم رجع ولحق بالأمير أبي زكريا على بونة، فأكرمه واستقر في ظل دولته ومرعى نعمته، وفرض له الأرزاق وأقطع الأقطاع. وهلك هنالك فدفن ببونة سنة سبع وأربعين وستمائة وولي ابنه المستنصر

محمد، فأجرى جدنا أبا بكر على ما كان لأبيه. ثم ضرب الدهر ضرباته، وهلك المستنصر سنة خمس وسبعين وستمائة، وولي ابنه يحيى، وجاء أخوه الأمير أبو إسحاق من الأندلس بعد أن كان فر إليها أمام أخيه المستنصر. فخلع يحيى، واستقل هو بملك إفريقية، ودفع جدنا أبا بكر محمدا على عمل الأشغال في الدولة على سنن عظماء الدولة الموحدين فيها قبله، من الانفراد بولاية العمال وعزلهم وحسبانهم على الجباية، فاضطلع بتلك الرتبة. ثم عقد السلطان أبو إسحاق لابنه محمد، وهو جدنا الأقرب على حجابة ولي عهده ابنه أبي فارس أيام أن أقصاه إلى بجاية [1] . ثم استعفى جدنا من ذلك فأعفاه ورجع إلى الحضرة، ولما غلب الدعي ابن أبي عمارة [2] على ملكهم بتونس، اعتقل جدنا أبا بكر محمدا، وصادره على الأموال ثم قتله خنقا في محبسه. وذهب ابنه محمد جدنا الأقرب مع السلطان أبي إسحاق وأبنائه إلى بجاية فتقبض عليه ابنه أبو فارس، وخرج مع العساكر هو وإخوته لمدافعة الدعي ابن أبي عمارة، وهو يشبه بالفضل بن المخلوع حتى إذا استلحموا بمرماجنة جنة خلص جدنا محمد مع أبي حفص ابن الأمير أبي زكريا من الملحمة، ومعهما الفازازي وأبو الحسين بن سيد الناس فلحقوا بمنجاتهم من قلعة سنان. وكان الفازازي من صنائع المولى أبي حفص، وكان يؤثره عليهم. فأما أبو الحسين بن سيد الناس، فاستنكف من إيثار الفازازي عليه، بما كان أعلى رتبة منه ببلده إشبيلية، ولحق بالمولى أبي زكريا الأوسط بتلمسان، وكان من شأنه ما ذكرناه. وأما محمد بن خلدون فأقام مع الأمير أبي حفص وسكن لايثار الفازازي. ولما استولى أبو حفص على الأمور رعى له سابقته وأقطعه، ونظمه في جملة القواد ومراتب أهل الحروب، واستكفى به في الكثير من أمر ملكه، ورشحه لحجابته من بعد الفازازي. وهلك فكان من بعده حافد أخيه المستنصر أبو عصيدة، واصطفى لحجابته محمد بن إبراهيم الدباغ كاتب الفازازي وجعل محمد بن خلدون رديفا له في حجابته. فكان كذلك إلى أن هلك السلطان، وجاءت دولة الأمير خالد، فأبقاه على حاله من التجلة والكرامة، ولم

يستعمله ولا عقد له، إلى أن كانت دولة أبي يحيى بن اللحياني فاصطنعه، واستكفى به عند ما تنبضت عروق التغلب من العرب، ودفعه إلى حماية الجزيرة من لاج [1] إحدى بطون سليم الموطنين بنواحيها، فكانت له في ذلك آثار مذكورة. ولما انقرضت دولة ابن اللحياني خرج إلى الشرق وقضى سنة ثمان عشرة وأظهر التوبة والإقلاع، وعاود الحج متنقلا سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ولزم كسر بيته. وأبقى السلطان أبو يحيى عليه نعمته في كثير مما كان بيده من الاقطاع والجراية، ودعاه إلى حجابته مرارا فامتنع.

(أخبرني) محمد بن منصور بن مزني قال: لما هلك الحاجب بن محمد بن عبد العزيز الكردي المعروف بالمزوار سنة سبع وعشرين وسبعمائة، استدعى السلطان جدك محمد بن خلدون وأراده على الحجابة، وأن يفوض إليه أمره، فأبى واستعفى فأعفاه وآمره فيمن يوليه حجابته، فأثار عليه بصاحب ثغر بجاية محمد بن أبي الحسين بن سيد الناس لاستحقاقه ذلك بكفايته واضطلاعه، ولقديم صحابة بين سلفهما بتونس، وإشبيلية من قبل. وقال له: هو أقدر على ذلك بما هو عليه من الحاشية والدين [2] فعمل السلطان على إشارته واستدعى ابن سيد الناس وولاه حجابته. وكان السلطان أبو يحيى إذا خرج من تونس يستعمل جدنا محمدا عليها وثوقا بنظره واستنامة إليه إلى أن هلك سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ونزع ابنه، وهو والدي محمد بن أبي بكر عن طريقة السيف والخدمة إلى طريقة العلم والرباط، لما نشأ عليه في حجر أبي عبد الله الرندي [3] الشهير بالفقيه، كان كبير تونس لعهده في العلم والفتيا، وانتحال طرق الولاية التي ورثها عن أبي حسين وعمه حسن، الوليين الشهيرين. وكان جدنا رحمه الله قد لازمه من يوم نزوعه عن طريقه، وألزمه ابنه وهو والدي رحمه الله فقرأ وتفقه، وكان مقدما في صناعة العربية، وله بصر بالشعر وفنونه، عهدي بأهل البلد يتحاكمون إليه فيه، ويعرضون حوكهم عليه، وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة.

(أما نشأتي) فإني ولدت بتونس في غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وربيت في حجر والدي رحمه الله إلى أن أيفعت وقرأت القرآن العظيم على الأستاذ أبي عبد الله محمد بن سعد بن نزال [1] الأنصاري، أصله من جالبة الأندلس من أعمال بلنسية، أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها، وكان إماما في القراءات لا يلحق شأوه، وكان من أشهر شيوخه في القراءات السبع أبو العباس أحمد بن محمد بن البطوي [2] ومشيخته فيها، وأسانيده معروفة. وبعد أن استظهرت القرآن العظيم عن حفظي، قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفرادا وجمعا [3] في إحدى وعشرين ختمة، ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى ثم قرأت برواية يعقوب [4] ختمة واحدة جمعا بين الروايتين عنه، وعرضت عليه رحمه الله قصيدة الشاطبي [5] اللامية في القراءات والرائية في الرسم. وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي عبد الله البطوي وغيره من شيوخه، وعرضت عليه كتاب التفسير لأحاديث الموطأ لابن عبد البر حذا به حذو كتابه التمهيد على الموطأ، مقتصرا على الأحاديث فقط.

ودرست عليه كتبا جمة مثل كتاب التسهيل لابن مالك [6] ومختصر ابن الخطيب في الفقه [7] ولم أكملهما بالحفظ، وفي خلال ذلك تعلمت صناعة العربية على والدي

وعلى أستاذي تونس: منهم الشيخ أبو عبد الله محمد العربي الحصايري، وكان إماما في النحو وله شرح مستوفى على كتاب التسهيل. ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشواش المزازي [1] . ومنهم أبو العباس أحمد بن القصار، كان ممتعا في صناعة النحو، وله شرح على قصيدة البردة المشهورة في مدح الجناب النبوي وهو حي لهذا العهد بتونس.

ومنهم إمام العربية والأدب بتونس أبو عبد الله محمد بن بحر، لازمت مجلسه وأفدت عليه، وكان بحرا زاخرا في علوم اللسان. وأشار علي بحفظ الشعر فحفظت كتب الأشعار الستة، والحماسة للأعلم [2] وشعر حبيب [3] وطائفة من شعر المتنبي، ومن أشعار كتاب الأغاني. ولازمت أيضا مجلس إمام المحدثين بتونس، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن جابر بن سلطان القيسي الوادياشي صاحب الرحلتين، وسمعت عليه كتاب مسلم بن الحجاج إلا فوتا يسيرا من كتاب الصيد، وسمعت عليه كتاب الموطأ من أوله إلى آخره، وبعضا من الأمهات الخمس، وناولني [4] كتبا كثيرة في العربية والفقه وأجازني إجازة عامة، وأخبرني عن مشايخه المذكورين أشهرهم بتونس قاضي الجماعة أبو العباس أحمد بن الغماز الخزرجي.

وأخذت الفقه بتونس من جماعة، منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحياني، وأبو القاسم محمد القصير، وقرأت عليه كتاب التهذيب لأبي سعيد البرادعي، مختصر المدونة، وكتاب المالكية، وتفقهت عليه. وكنت في خلال ذلك انتاب مجلس شيخنا الإمام قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام مع أخي عمر رحمة الله عليهما، وأفدت منه وسمعت عليه أثناء ذلك كتاب الموطأ للإمام مالك، وكانت له طرق عالية عن أبي محمد بن هارون الطائي قبل اختلاطه إلى غير هؤلاء من مشيخة تونس، وكلهم سمعت عليه، وكتب لي وأجازني، ثم درجوا كلهم في الطاعون الجارف.

وكان قدم علينا في جملة السلطان أبي الحسن عند ما ملك إفريقية سنة ثمان وأربعين جماعة من أهل العلم كان يلزمهم شهود مجلسه، ويتجمل بمكانهم فيه، فمنهم شيخ الفتيا بالمغرب وإمام مذهب مالك أبو عبد الله محمد بن سليمان السطي، فكنت انتاب مجلسه وأفدت عليه. ومنهم كاتب السلطان أبي الحسن وصاحب علامته التي توضع أسفل مكتوباته، إمام المحدثين أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي، لازمته وأخذت عنه سماعا وإجازة، الأمهات الست. وكتاب الموطأ، والسير لابن إسحاق، وكتاب ابن الصلاح في الحديث، وكتبا كثيرة سرت [1] عن حفظي. وكانت بضاعته في الحديث وافرة، ونحلته في التقييد والحفظ كاملة، كانت له خزانة من الكتب تزيد على ثلاثة الاف سفر في الحديث والفقه والعربية والأدب والمعقول وسائر الفنون، مضبوطة كلها مقابلة. ولا يخلو ديوان منها عن ضبط بخط بعض شيوخه المعروفين في سنده إلى مؤلفة، حتى الفقه والعربية الغريبة الإسناد إلى مؤلفها في هذه العصور. ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي إمام المقرءين بالمغرب. قرأت عليه القرآن العظيم بالجمع الكبير بين القراءات السبع، من طريق أبي عمر والداني وابن شريح [2] لم أكملها، وسمعت عليه عدة كتب، وأجازني بالإجازة العامة.

ومنهم شيخ العلوم العقلية أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأيلي أصله من تلمسان وبها نشأ، وقرأ كتب التعليم وحذق فيها، وأظله الحصار الكبير بتلمسان أعوام المائة السابعة، فخرج منها وحج ولقي أعلام المشرق يومئذ، فلم يأخذ عنهم لأنه كان مختلطا بعارض عرض في عقله. ثم رجع من المشرق وأفاق وقرأ المنطق والأصلين على الشيخ أبي موسى عيسى ابن الإمام، وكان قرأ بتونس مع أخيه أبي زيد عبد الرحمن على تلميذ أبي زيتون الشهير الذكر [3] وجاءا إلى تلمسان بعلم كثير من المنقول والمعقول، فقرأ الأيلي على أبي موسى منهما كما قلناه، ثم خرج من تلمسان هاربا إلى المغرب لأن سلطانها أبا حمو يومئذ من ولد يغمراسن بن زيان، كان يكرهه على التصرف في أعماله، وضبط الجباية بحسبانه، ففر إلى المغرب، ولحق

بمراكش، ولازم العالم الشهير الذكر أبا العباس بن البناء، فحصل عنه سائر العلوم العقلية، وورث مقامه فيها وأرفع، ثم صعد إلى جبل الهساكرة بعد وفاة الشيخ باستدعاء علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه، فأفاده وبعد أعوام استنزله ملك المغرب، السلطان أبو سعيد، وأسكنه بالبلد الجديد والأبلي معه.

ثم اختصه السلطان أبو الحسن ونظمه في جملة العلماء بمجلسه، وهو في خلال ذلك يعلم العلوم العقلية، ويبثها بين أهل المغرب حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصاره. وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه. ولما قدم على تونس في جملة السلطان أبي الحسن، لزمته، وأخذت عنه العلوم العقلية [1] ، والمنطق، وسائر الفنون الحكمية، والتعليمية، وكان رحمه الله تعالى يشهد لي بالتبريز في ذلك.

وممن قدم في جملة السلطان أبي الحسن، صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي، كان يكتب عن السلطان ويلازم خدمة أبي محمد عبد المهيمن رئيس الكتاب يومئذ، وصاحب العلامة التي توضع عن السلطان أسفل المراسيم والمخاطبات، وبعضها يضعه السلطان بخطه. وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب في براعة خطه، وكثرة علمه، وحسن سمته، وإجادته في فقه الوثائق، والبلاغة في الترسيل عن السلطان، وحوك الشعر والخطابة على المنابر، لأنه كان كثيرا ما يصلي بالسلطان. فلما قدم علينا بتونس صحبته، واغتبطت به، وإن لم أتخذه شيخا، لمقاربة السن، فقد أفدت منه كما أفدت منهم. وقد مدحه صاحبنا أبو القاسم الرحوي شاعر تونس في قصيدة على روي النون يرغب منه أن يذكره [2] لشيخه أبي محمد عبد المهيمن في إيصال مدحه للسلطان أبي الحسن في قصيدة [3] على روي الياء، وقد تقدم ذكرها في أخبار السلطان. وذكر في مدح ابن رضوان أعلام العلماء القادمين مع السلطان وهي هذه:

عرفت زماني حين أفكرت عرفاني ... وأيقنت أن لا حظ في كف كيوان [4]

وأن لا اختيار في اختيار مقوم ... وأن لا قراع بالقران لأقران

وأن نظام الشكل أكمل نظمه ... لأضعاف قاض في الدليل برجحان

وأن افتقار المرء من فقراته ... ومن ثقله يغني اللبيب بأوزان

إلى آخرها، ثم يقول في ذكر العلماء القادمين:

هم القوم كل القوم أما حلومهم ... فأرسخ من طودي ثبير وثهلان [1]

فلا طيش يعلوهم [2] وأما علومهم ... فأعلامها تهديك من غير نيران

ثم يقول في آخرها

وهامت على عبد المهيمن تونس ... وقد ظفرت منه بوصل وقربان

وما علقت مني الضمائر غيره ... وإن هويت كلا بحب ابن رضوان

وكتب هذا الشاعر صاحبنا الرحوي يذكر عبد المهيمن بذلك.

لهي النفس في اكتساب وسعي ... وهو العمر في انتهاب وفي

وأرى الناس بين ساع لرشد ... يتوخى الهدى وساع لغي

وأرى العلم للبرية زينا ... فتزي منه بأحسن زي

وأرى الفضل قد تجمع كلا ... في ابن عبد المهيمن الحضرمي

ثم يقول في آخرها

ينبغي القرب من مراقي الأماني ... والترقي للجانب العلوي

فأنلها مرامها مستهلا [3] ... كل دان يسعى وكل قصي

ثم كانت واقعة العرب على السلطان بالقيروان فاتح تسع وأربعين وسبعمائة فشغلوا عن ذلك ولم يظفر هذا الرحوي بطلبته. ثم جاء الطاعون الجارف فطوى البساط بما فيه، وهلك عبد المهيمن فيمن هلك، ودفن بمقبرة سلفنا بتونس، لخلة كانت بينه وبين والدي رحمه الله أيام قدومهم علينا.

فلما كانت وقعة القيروان ثار أهل تونس بمن كان عندهم من أشياع السلطان أبي الحسن، فاعتصموا بالقصبة دار الملك، حيث كان ولد السلطان وأهله، وانتقض عليه ابن تافراكين، وخرج من القيروان إلى العرب، وهم يحاصرون السلطان، وقد

اجتمعوا على أبي دبوس وبايعوا له كما مر في أخبار السلطان، فبعثوا ابن تافراكين إلى تونس، فحاصر القصبة وامتنعت عليه. وكان عبد المهيمن يوم ثورة أهل تونس، وقد سمع الهيعة [1] خرج من بيته إلى دارنا فاختفى عند أبي رحمه الله، وأقام متخفيا عندنا نحوا من ثلاثة أشهر. ثم نجا السلطان من القيروان إلى سوسة، وركب البحر إلى تونس، وفر ابن تافراكين إلى المشرق، وخرج عبد المهيمن من الاختفاء، وأعاده السلطان إلى ما كان عليه من وظيفة الولاية والكتابة [2] وكان كثيرا ما يخاطب والدي رحمه الله ويشكره على موالاته، ومما كتب إليه وحفظته من خطه:

محمد ذو المكارم قد ثناني [3] ... فعال شكره أبدا عناني

جزى الله ابن خلدون حياة ... منعمة وخلدا في الجنان

فكم أولى ووالى من جميل ... وبر بالفعال وباللسان

وراعى الحضرمية في الذي قد ... جنى من وده ورد الحنان [4]

أبا بكر ثناؤك طول دهري ... أردد باللسان وبالجنان

وعن علياك ما امتدت حياتي ... أكافح بالحسام وباللسان

فمنك أفدت خلا لست دهري ... أرى عن حبه أثنى عناني

أوهؤلاء الأعلام الذين ذكرهم الرحوي في شعره، هم سباق الحلبة في مجلس السلطان أبي الحسن، اصطفاهم لصحابته من بين أهل المغرب، فأما ابنا الإمام منهم، فكانا أخوين من أهل برشك من أعمال تلمسان، واسم أكبرهم أبو زيد عبد الرحمن، والأصغر أبو موسى عيسى. وكان أبوهما إماما ببعض مساجد برشك، واتهمه المتغلب يومئذ على البلد زيرم بن حماد [5] بأن عنده وديعة من المال لبعض أعدائه، فطالبه بها، ولاذ بالامتناع، وبيته زيرم لينتزع المال من يده، فدافعه وقتل، وارتحل ابناه هذان الأخوان إلى تونس في آخر المائة

السابعة، وأخذا العلم بها عن تلميذ ابن زيتون، وتفقها على أصحاب أبي عبد الله بن شعيب الدكالي، وانقلبا إلى المغرب بحظ وافر من العلم، وأقاما بالجزائر يبثان العلم بها لامتناع برشك عليهما من أجل زيرم المتغلب عليها، والسلطان أبو يعقوب يومئذ صاحب المغرب الأقصى من بني مرين جاثم على تلمسان يحاصرها الحصار الطويل المشهور [1] ، وبث بها جيوشه في نواحيها، وغلب على الكثير من أعمالها وأمصارها، وملك عمر مغراوة بشلف، وحصر مليانة، بعث إليها الحسن بن أبي الطلاق من بني عسكر، وعلي بن محمد ابن الخير من بني ورتاجن، ومعهما لضبط الجباية واستخلاص الأموال الكاتب منديل بن محمد الكناني، فارتحل هذان الأخوان من الجزائر، وأخذا عليه [2] ، فحليا بعين منديل الكناني [3] ، فقربهما واصطفاهما، واتخذهما لتعليم ولده محمد. فلما هلك يوسف بن يعقوب سلطان المغرب بمكانه من حصار تلمسان سنة خمس وسبعمائة [4] على يد خصي من خصيانه طعنه فأشواه، وهلك. وأقام بالملك بعده حافده أبو ثابت بعد أمور ذكرناها في أخباره، ووقع بينه وبين صاحب تلمسان من بعده يومئذ، أبي زيان محمد بن عثمان بن يغمراسن وأخيه أبي حمو العهد المتأكد على الإفراج عن تلمسان، ورد أعمالها عليه، فوفى لهم بذلك وعاد إلى المغرب.

وارتحل ابن أبي الطلاق من شلف، والكناني من مليانة راجعين إلى المغرب. ومروا بتلمسان فأوصى لهما أبو حمو وأثنى عليهما حلة بمقامهما في العلم، واغتبط بهما أبو حمو وبنى لهما المدرسة المعروفة بهما بتلمسان. وأقاما عنده على مجرى أهل العلم.

وسننهم. وهلك أبو حمو، وكانا كذلك مع ابنه أبي تاشفين إلى أن زحف السلطان أبو الحسن المريني الى تلمسان، وملكها عنوة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وكانت لهما شهرة في أقطار المغرب، أسست لهما عقيدة صالحة، فاستدعاهما لحين دخوله، وأدنى مجلسهما وشاد بمكرمتهما، ورفع جاههما على أهل طبقتهما. وصار يجمل بهما مجلسه متى مر بتلمسان ووفدا عليه في الأولى التي نفر فيها أعيان بلادهما. ثم استنفرهما

إلى الغزو وحضرا معه واقعة طريف، وعادا إلى بلدهما. وتوفي أبو زيد منهما إثر ذلك، وبقي أخوه موسى متبوئا ما شاء من ظلال تلك الكرامة.

ولما سار السلطان أبو الحسن إلى إفريقية سنة ثمان وأربعين وسبعمائة كما مر في أخباره استصحب أبا موسى ابن الإمام معه مكرما موقرا، عالي المحل، قريب المجلس منه.

فلما استولى على إفريقية سرحه إلى بلده، فأقام بها يسيرا وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة وبقي أعقابهما بتلمسان دارجين في مسالك تلك الكرامة موقرين فيها طبقا على طبق إلى هذا العهد. وأما السطي، واسمه محمد بن سليمان من قبيلة سطة، من بطون أوربة بنواحي فاس، فنزل أبوه سليمان مدينة فاس. ونشأ محمد فيها وأخذ العلم عن الشيخ أبي الحسن الصغير إمام المالكية بالمغرب، والطائر الذكر وقاضي الجماعة بفاس، وتفقه وقرأ عليه، وكان أحفظ الناس لمذهب مالك، وأفقههم فيه. وكان السلطان أبو الحسن لعظم همته [1] وبعد شأوه في الفضل يتشوف إلى تزيين مجلسه. بالعلماء، واختار منهم جماعة لصحابته ومجالسته، كان منهم هذا الإمام محمد بن سليمان. وقدم علينا بتونس في جملته، وشهدنا وفور فضله [2] ، وكان في الفقه من بينهم لا يجارى حفظا وفهما، عهدي به رحمه الله تعالى، وأخي موسى [3] يقرأ عليه كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي، وهو يصححه عليه من إملائه وحفظه في مجالس عديدة، وكان هذا حاله في أكثر ما يعاني في جملة من الكتب [4] . وحضر مع السلطان أبي الحسن واقعة القيروان وخلص معه إلى تونس، وأقام بها نحوا من سنتين، وانتقض المغرب على السلطان واستقل به ابنه أبو عنان. ثم ركب السلطان أبو الحسن في أساطيله من تونس آخر سنة خمسين وسبعمائة ومر ببجاية فأدركه الغرق في سواحلها، فغرقت أساطيله وغرق أهله، وأكثر من كان معه من هؤلاء الفضلاء وغيرهم، ورمى به البحر ببعض الجزر هنالك حتى استنقذه منها بعض أساطيله، ونجا إلى الجزائر بعد أن تلف موجودة، وهلك الكثير من عياله وأصحابه، وكان من أمره ما مر في أخباره.

وأما الأيلي واسمه محمد بن إبراهيم فمنشؤه بتلمسان، وأصله من جالية الأندلس من أهل أيلة من بلد الجوف [1] منها، أجاز بأبيه وعمه أحمد، فاستخدمهم يغمراسن ابن زيان وولده في جندهم، وأصهر إبراهيم منهما إلى القاضي بتلمسان محمد بن غلبون في ابنته، فولدت له محمدا هذا. ونشأ بتلمسان في كفالة جده القاضي، فنشأ له بذلك ميل إلى انتحال العلم عن الجندية التي كانت منتحل أبيه وعمه. فلما أيفع وأدرك سبق إلى ذهنه محبة التعاليم، فبرز بها واشتهر وعكف الناس عليه في تعلمها، وهذا في سن البلوغ. ثم أظل السلطان يوسف بن يعقوب وخيم عليها يحاصرها، وسير العساكر إلى الأعمال، فافتتح أكثرها. وكان إبراهيم الأيلي قائدا بهنين مرسى تلمسان في لجة من الجند، فلما ملكها يوسف بن يعقوب اعتقل من وجد بها من أشياع بني عبد الواد [2] واعتقل إبراهيم الأيلي، وشاع الخبر في تلمسان بأن يوسف ابن يعقوب يسترهن أبناءهم ويطلقهم، فتشوف ابنه محمد إلى اللحاق بهم من أجل ذلك. وأغراه أهله بالعزم عليه، فتسور الأسوار وخرج إلى أبيه فلم يجد خبر الاسترهان صحيحا. واستخدمه يوسف بن يعقوب قائدا على الجند الأندلسيين بتاوريرت، فكره المقام على ذلك، ونزع عن طوره، ولبس المسوح، وسار قاصدا إلى الحج. وانتهى إلى رباط العباد [3] مختفيا في صحبة الفقراء، فوجد هنالك رئيسا من أهل كربلا [4] من بني الحسين جاء إلى المغرب يروم إقامة دعوته فيه، وكان مغفلا [5] ، فلما رأى عساكر يوسف بن يعقوب وشدة غلبه أيس من مرامه ونزع عن ذلك، واعتزم على الرجوع إلى بلده، فسار شيخنا محمد بن إبراهيم في جملته.

قال رحمه الله: وبعد حين انكشف لي حاله وما جاء له، واندرجت في جملته

وأصحابه وتابعيه. قال: وكان يتلقاه في كل بلد من أصحابه وأشياعه وخدمه من يأتيه بالأزواد والنفقات من بلده، إلى أن ركبنا البحر من تونس إلى الاسكندرية.

قال: واشتدت علي الغلمة في البحر واستحييت من كثرة الاغتسال لمكان هذا الرئيس، فأشار علي بعض بطانته بشرب الكافور، فاغترفت منه غرفة فشربتها فاختلطت. وقدم الديار المصرية على تلك الحال، وبها يومئذ تقي الدين بن دقيق العيد وابن الرفعة وصفي الدين الهندي، والتبريزي وغيرهم من فرسان المعقول والمنقول. فلم يكن قصاراه إلا تمييز أشخاصهم إذا ذكرهم لنا، لما كان به من الاختلاط. ثم حج مع ذلك الرئيس وسار في جملته إلى كربلاء فبعث به من أصحابه من أوصله إلى مأمنه ببلاد زواوة من أطراف المغرب. وقال لي شيخنا رحمه الله: كان معي دنانير كثيرة تزودتها من المغرب واستبطنتها في جبة كنت ألبسها، فلما نزل بي ما نزل انتزعها مني، حتى إذا بعث أصحابه يشيعوني إلى المغرب دفعها إليهم، حتى إذا أوصلوني إلى المأمن أعطوني إياها، وأشهدوا علي في كتاب حملوه معهم إليه كما أمرهم. ثم قارن وصول شيخنا إلى المغرب مهلك يوسف بن يعقوب وخلاص أهل تلمسان من الحصار، فعاد إلى تلمسان وقد أفاق من اختلاطه، وانبعثت همته إلى تعلم العلم. وكان مائلا إلى العقليات فقرأ المنطق على أبي موسى ابن الإمام، وجملة من الأصلين، وكان أبو حمو صاحب تلمسان قد استفحل ملكه، وكان ضابطا للأمور، وبلغه عن شيخنا تقدمه في علم الحساب، فدفعه إلى ضبط أمواله ومشارفة أحواله [1] . وتفادى شيخنا من ذلك فأكرهه عليه، فأعمل الحيلة في الخلاص منه، ولحق بفاس أيام السلطان أبي الربيع [2] ، وبعث فيه أبو حمو، فاختفى بفاس للتعاليم من اليهودي خليفة المغيلي [3] ، فاستوفى عليه فنونها، وحذق وخرج متواريا من فاس، فلحق بمراكش أعوام عشر وسبعمائة. ونزل على الإمام أبي العباس بن البناء شيخ المعقول والمنقول، والمبرز في التصوف علما وحالا، فلزمه، وأخذ عنه وتضلع في علم المعقول

والتعاليم والحكمة. ثم استدعاه شيخ الهساكرة علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه، وكان في طاعة السلطان، فدخل [1] إليه شيخنا وأقام عنده مدة، قرأ عليه فيها وحصل. واجتمع طلبة العلم هنالك على الشيخ، فكثرت إفادته، واستفادته، وعلي ابن محمد في ذلك على محبته وتعظيمه، وامتثال إشارته، فغلب على هواه، وعظمت رياسته في تلك القبائل. ولما استنزل السلطان أبو سعيد علي بن تروميت من جبله، نزل الشيخ معه، وسكن بفاس. وانثال عليه طلبة العلم من كل ناحية، فانتشر علمه، واشتهر ذكره، فلما فتح السلطان أبو الحسن تلمسان ولقي أبا موسى ابن الإمام، ذكره له بأطيب الذكر، ووصفه بالتقدم في العلوم، وكان السلطان معتنيا بجمع العلماء بمجلسه كما ذكرناه. فاستدعاه من مكانه بفاس ونظمه في طبقة العلماء بمجلسه، وعكف على التدريس والتعليم، ولزم صحابة السلطان، وحضر معه واقعة طريف، وواقعة القيروان بإفريقية. وكانت قد حصلت بينه وبين والدي رحمه الله خلة [2] ، كانت وسيلتي إليه في القراءة عليه، فلزمت مجلسه وأخذت عنه العلوم العقلية بالتعاليم. ثم قرأت المنطق وما بعده من الأصلين، وعلوم الحكمة. وعرض أثناء ذلك ركوب السلطان أساطيله من تونس إلى المغرب. وكان الشيخ في نزلنا وكفالتنا، فأشرنا عليه بالمقام وثبطناه عن السفر، فقبل وأقام. وطالبنا به السلطان أبو الحسن فأحسنا له العذر، فتجافى عنه. وكان من حديث غرقه في البحر ما قدمناه.

وأقام الشيخ بتونس، ونحن وأهل بلدنا جميعا نتساجل في غشيان مجلسه، والأخذ عنه، فلما هلك السلطان أبو الحسن بجبل هنتاتة وفرغ ابنه أبو عنان من شواغله، وملك تلمسان من بني عبد الواد، كتب فيه يطلبه من صاحب تونس وسلطانها يومئذ أبو إسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي يحيى في كفالة شيخ الموحدين أبي محمد بن تافراكين، فأسلمه إلى سفيره. وركب معه البحر في اسطول أبي عنان الذي جاء فيه السفير، ومر ببجاية ودخلها، وأقام بها شهرا، حتى قرأ عليه طلبة العلم بها مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه برغبتهم في ذلك منه ومن صاحب الأسطول. ثم ارتحل ونزل بمرسى هنين وقدم على أبي عنان بتلمسان، وأحله محل التكرمة، ونظمه في طبقة أشياخه من العلماء. وكان يقرأ عليه ويأخذ عنه إلى أن هلك بفاس سنة سبع

وخمسين وسبعمائة. وأخبرني رحمه الله أن مولده بتلمسان سنة إحدى وثمانين وستمائة.

(وأما عبد المهيمن) كاتب السلطان أبي الحسن، فأصله من سبتة، وبيتهم بها قديم، ويعرفون ببني عبد المهيمن وكان أبوه محمد قاضيها أيام بني العزفي. ونشأ ابنه عبد المهيمن في كفالته وأخذ عن مشيختها واختص بالأستاذ أبي إسحاق الغافقي [1] ، ولما ملك عليهم الرئيس أبو سعيد صاحب الأندلس سبتة، ونقل بني العزفي مع جملة أعيانها إلى غرناطة، ونقل معهم القاضي محمد بن عبد المهيمن وابنه عبد المهيمن، فاستكمل قراءة العلم هنالك وقرأ على مشيختها ابن الزبير ونظرائه [2] ، وتقدم في معرفة كتاب سيبويه، وبرز في علو الإسناد، وكثرة المشيخة. وكتب له أهل المغرب والأندلس والمشرق، واستكتبه رئيس الأندلس يومئذ الوزير أبو عبد الله ابن الحكيم الرندي، المستبد على السلطان المخلوع ابن الأحمر [3] فكتب عنه ونظمه في طبقة الفضلاء الذين كانوا بمجلسه، مثل المحدث أبي عبد الله بن سيد الفهري [4] وأبي العباس أحمد العزفي، والعالم الصوفي المتجرد أبي عبد الله محمد بن خميس التلمساني، وكانا لا يجاريان في البلاغة والشعر إلى غير هؤلاء ممن كان مختصا به، وقد ذكرهم ابن الخطيب في تاريخ غرناطة. فلما انكب الوزير الحكيم [5] ، وعادت سبتة إلى طاعة بني مرين، عاد عبد المهيمن إليها واستقر بها. ثم ولي الأمر أبو سعيد وغلب عليه ابنه أبو علي، واستبد بحمل الدولة. تشوف إلى استدعاء الفضلاء، وتجمل بمكانهم، فاستقدم عبد المهيمن من سبتة واستكتبه سنة اثنتي عشرة وسبعمائة. ثم خالف على أبيه سنة أربع عشرة وسبعمائة، وامتنع بالبلد الجديد، وخرج منها إلى سجلماسة لصلح عقده مع أبيه، فتمسك السلطان أبو سعيد بعبد المهيمن واتخذه كاتبا إلى أن دفعه إلى رياسة الكتاب، ورسم علامته في الرسائل

والأوامر، فتقدم لذلك سنة ثمان عشرة وسبعمائة، ولم يزل عليها سائر أيام السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن. وسار مع أبي الحسن إلى إفريقية، وتخلف عن واقعة القيروان بتونس، لما كان به من علة التقرس. فلما كانت الهيعة بتونس، ووصل خبر الواقعة، وتحيز أولياء السلطان إلى القصبة مع حرمه، تسرب عبد المهيمن في المدينة منتبذا عنهم، وتوارى في بيتنا خشية أن يصاب معهم بمكروه. فلما انجلت تلك الغيابة، ورجع السلطان من القيروان إلى سوسة وركب منها البحر إلى تونس، أعرض عن عبد المهيمن لما سخط غيبته عن قومه بالقصبة، وجعل العلامة لأبي الفضل ابن الرئيس عبد الله بن أبي مدين [1] وقد كانت من قبل مقصورة على هذا البيت، وأقام عبد المهيمن عطلا من العمل شهرا [2] . ثم أعتبه السلطان ورضي عنه، ورد إليه العلامة كما كان، ثم توفي لأيام قلائل بتونس بالطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة ومولده سنة خمس وسبعين وستمائة من المائة قبلها، وقد استوعب ابن الخطيب التعريف به في تاريخ غرناطة، فليطالع هناك من أحب الوقوف عليه.

(وأما ابن رضوان) الذي ذكره الرحوي في قصيدته، فهو أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان البحاري [3] أصله من الأندلس، نشأ بمالقة، وأخذ عن مشيختها، وحذق في العربية والأدب، وتفنن في العلوم ونظم ونثر، وكان مجيدا في الترسيل، ومحسنا في كتابة الوثائق. وارتحل بعد واقعة طريف ونزل سبتة، ولقي بها السلطان أبا الحسن [4] ومدحه وأجازه، واختص بالقاضي إبراهيم بن يحيى [5] وهو يومئذ قاضي العساكر وخطيب السلطان، وكان يستنيبه في القضاء والخطابة، ثم نظمه في جملة الكتاب بباب السلطان. واختص بخدمة عبد المهيمن رئيس الكتاب

والأخذ عنه، إلى أن رحل السلطان إلى إفريقية، وكانت واقعة القيروان، وانحصر بالقصبة بتونس مع من انحصر بها من أشياعه مع أهله وحرمه. وكان السلطان قد خلف ابن رضوان في بعض خدمته، فجلا عند الحصار فيما عرض لهم من المكاتبات. وتولى كبر ذلك، فقام فيه أحسن قيام إلى أن وصل السلطان من القيروان، فرعى له حق خدمته تأنيسا وقربا، وكثرة استعمال إلى أن رحل من تونس في الأسطول إلى المغرب سنة خمسين وسبعمائة كما مر. واستخلف بتونس ابنه أبا الفضل، وخلف أبا القاسم بن رضوان كاتبا له، فأقاما كذلك أياما. ثم غلبهم على تونس سلطان الموحدين الفضل ابن السلطان أبي يحيى. ونجا أبو الفضل إلى أبيه، ولم يطق ابن رضوان الرحلة معه، فأقام بتونس حولا، ثم ركب البحر إلى الأندلس، وأقام بالمرية مع جملة من هنالك من أشياع السلطان أبي الحسن، كان فيهم عامر ابن محمد بن علي شيخ هنتاتة كافلا لحرم السلطان أبي الحسن وابنه. أركبهم السفين معه من تونس عند ما ارتحل، فخلص إلى الأندلس، ونزلوا بالمرية وأقاموا بها تحت جراية سلطان الأندلس، فلحق بهم ابن رضوان وأقام معهم. ودعاه أبو الحجاج سلطان الأندلس [1] الى أن يستكتبه فامتنع، ثم هلك السلطان أبو الحسن وارتحل مخلفه الذين كانوا بالمرية، ووفدوا على السلطان أبي عنان، ووفد معهم ابن رضوان، فرعى له وسائله في خدمة أبيه، واستكتبه واختصه بشهود مجلسه مع طلبة العلم بحضرته. وكان محمد بن أبي عمرو يومئذ رئيس الدولة، ونجي الخلوة وصاحب العلامة، وحسبان الجباية والعساكر، قد غلب على هوى السلطان، واختص به، فاستخدم له ابن رضوان حتى علق منه بذمة [2] ، ولاية وصحبة وانتظام في السمر، وغشيان المجالس الخاصة، وهو مع ذلك يدنيه من السلطان. وينفق سوقه عنده، ويستكفي به في مواقف خدمته إذا غاب عنها لما هو أهم، فحلا بعين السلطان ونفقت عنده فضائله. فلما سار أبو عمرو في العساكر إلى بجاية سنة أربع وخمسين وسبعمائة انفرد ابن رضوان بعلامة الكتاب عن السلطان، ثم رجع ابن أبي عمرو وقد سخطه السلطان، فأقصاه إلى بجاية وولاه

عليها، وعلى سائر أعمالها، وعلى حرب الموحدين بقسنطينة. وأفرد ابن رضوان بالكتابة، وجعل إليه العلامة كما كانت لابن أبي عمرو، فاستقل بها موفر الاقطاع والإسهام والجاه. ثم سخطه آخر سبع وخمسين وسبعمائة وجعل العلامة لمحمد بن أبي القاسم بن أبي مدين والإنشاء والتوقيع لأبي إسحاق إبراهيم بن الحاج الغرناطي [1] ، فلما كانت دولة السلطان أبي سالم [2] جعل العلامة لعلي بن محمد بن مسعود [3] صاحب ديوان العساكر والإنشاء والتوقيع والسر لمؤلف الكتاب عبد الرحمن ابن خلدون. ثم هلك أبو سالم سنة اثنتين وستين وسبعمائة واستبد الوزير عمر بن عبد الله على من كفله من أبنائه، فجعل العلامة لابن رضوان سائر أيامه، وقتله عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، واستبد بملكه، فلم يزل ابن رضوان على العلامة، وهلك عبد العزيز وولي ابنه السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي بن الكاس وابن رضوان على حاله، ثم غلب السلطان أحمد على الملك وانتزعه من السعيد، وأبي بكر بن غازي، وقام بتدبير دولته محمد بن عثمان بن الكاس، مستبدا عليه، والعلامة لابن رضوان كما كانت إلى أن هلك بأزمور [4] في حركة السلطان أحمد إلى مراكش، لحصار عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي.

وكان في جملة السلطان أبي الحسن جماعة كثيرة من فضلاء المغرب وأعيانه، هلك كثير منهم في الطاعون الجارف بتونس، وغرق جماعة منهم في أسطوله لما غرق، وتخطت النكبة منهم آخرين إلى أن استوفوا ما قدر من آجالهم.

(فمن حضر معه بإفريقية) الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد الزواوي شيخ القراء بالمغرب، أخذ العلم والعربية عن مشيخة فاس، وروى عن الرحالة أبي عبد الله بن رشيد، وكان إماما في فن القراءات وصاحب ملكة فيها لا يجاري. وله مع ذلك

صوت من مزامير آل داود [1] وكان يصلي بالسلطان التراويح ويقرأ عليه بعض الأحيان حزبه.

(وممن حضر معه) بإفريقية الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد بن الصباغ من أهل مكناسة، كان مبرزا في المعقول والمنقول، وعارفا بالحديث وبرجاله، وإماما في معرفة كتاب الموطأ وإقرائه، أخذ العلوم عن مشيخة فاس ومكناسة، ولقي شيخنا أبا عبد الله الأيلي، ولازمه وأخذ عنه العلوم العقلية، فاستنفد بقية طلبه عليه، فبرز آخرا، واختاره السلطان لمجلسه واستدعاه، ولم يزل معه إلى أن هلك غريقا في ذلك الأسطول.

(ومنهم القاضي أبو عبد الله) محمد بن عبد الله بن عبد النور من أعمال ندرومة ونسبه في صنهاجة كان مبرزا في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس، تفقه فيه على الأخوين أبي زيد وأبي موسى ابني الإمام، وكان من جملة [2] أصحابهما.

ولما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان رفع من منزلة ابني الإمام واختصهما بالشورى في بلدهما. وكان يستكثر من أهل العلم في دولته، ويجري لهم الأرزاق ويعمر بهم مجلسه، فطلب يومئذ من ابن الإمام أن يختار له من أصحابه من ينظمه في فقهاء المجالس، فأشار عليه بابن عبد النور هذا، فأدناه وقرب مجلسه، وولاه قضاء عسكره، ولم يزل في جملته إلى أن هلك بالطاعون بتونس سنة تسع وأربعين وسبعمائة وكان قد خلف أخاه عليا رفيقه في تدريس ابن الإمام إلا أنه أقصر باعا منه في الفقه. فلما خلع السلطان أبو عنان طاعة أبيه السلطان أبي الحسن، ونهض إلى فاس، استنفره في جملته وولاه قضاء مكناسة، فلم يزل بها حتى تغلب عمر بن عبد الله على الدولة كما مر، فنزع إلى قضاء فرضه فسرحه. فخرج حاجا سنة أربع وستين وسبعمائة فلما قدم على مكة وكان به بقية مرض، هلك في طواف القدوم.

وأوصى أمير الحاج على ابنه محمد، وأن يبلغ وصيته به للأمير المتغلب على الديار المصرية يومئذ يلبغا الخاصكي [3] فأحسن خلافته فيه وولاه من وظائف الفقهاء ما

سد به خلته، وصان عن سؤال الناس وجهه، وكان له عفا الله عنه كلف بعلم الكيمياء، طالبا لمن غلط في ذلك وأمثاله [1] . فلم يزل يعاني من ذلك ما يورطه مع الناس في دينه وعرضه إلى أن دعته الضرورة للترحل عن مصر، ولحق ببغداد وناله مثل ذلك. فلحق بماردين [2] واستقر عند صاحبها، فأحسن جواره إلى أن بلغنا بعد التسعين أنه هلك هنالك حتف أنفه والبقاء لله وحده.

(ومنهم شيخ التعاليم) أبو عبد الله محمد بن النجار من أهل تلمسان، أخذ العلم ببلده عن مشيختها، وعن شيخنا الأيلي وبرز عليه. ثم ارتحل إلى المغرب فلقي بسبتة إمام التعاليم أبا عبد الله محمد بن هلال شارح المجسطي في الهيئة، وأخذ بمراكش عن الإمام أبي العباس بن البناء، وكان إماما في علم النجامة وأحكامها، وما يتعلق بها، ورجع إلى تلمسان بعلم كثير، واستخلصته الدولة. فلما هلك أبو تاشفين وملك السلطان أبو الحسن نظمه في جملته وأجرى له رزقه، فحضر معه بإفريقية وهلك في الطاعون.

(ومنهم) أبو العباس أحمد بن شعيب [3] من أهل فاس، برع في الأدب واللسان والعلوم العقلية، من الفلسفة والتعاليم والطب وغيرها. ونظمه السلطان أبو سعيد في جملة الكتاب وأجرى عليه رزق الأطباء لتقدمه فيه، فكان كاتبه وطبيبه، وكذا مع السلطان أبي الحسن بعده، فحضر بإفريقية وهلك بها في ذلك الطاعون. وكان له شعر سابق به الفحول من المتقدمين والمتأخرين، وكانت له إمامة في نقد الشعر وبصر به، وما حضرني الآن من شعره إلا قوله:

دار الهوى نجد وساكنها ... أقصى أماني النفس من نجد

هل باكر الوسمي ساحتها ... واستن في قيعانها الجرد

أو بات معتل النسيم بها ... مستشفيا بالبان والرند

يتلو أحاديث الذين هم ... قصدي وإن جاروا عن القصد

أيام سمر ظلالها وطني ... منها وزرق مياهها وردي

ومطارح النظرات في رشاء ... أحوى المدامع أهيف القد

يرنو إليك بعين جارية ... قتل المحب بها على عمد

حتى أجد بهم على عجل ... ريب الخطوب وعاثر الجد

فقدوا فما وأبيك بعدهم ... عيشي شفى إلا على الفقد [1]

وغدوا دفينا قد تضمنه ... بطن الثرى وقرارة اللحد

ومشردا من دون رؤيته ... قذف النوى وتنوفة البعد

أجرى علي العيش بعدهم ... أني جرعت حميمهم وحدي [2]

لا تلحني يا صاح في شجن ... أخفيت منه فوق ما أبدي

بالقرب لي سكن يؤوبني ... من ذكره سهد على سهد

فرخان قد تركا بمضيعة ... رزئت [3] عن الرفداء والرفد

(ومنهم) صاحبنا الخطيب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق من أهل تلمسان، كان سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعباد، ومتوارثين خدمة تربته من لدن جدهم خادمه في حياته. وكان جده الخامس أو السادس واسمه أبو بكر بن مرزوق معروفا بالولاية فيهم. ولما هلك دفنه يغمراسن [4] بن زيان السلطان بتلمسان من بني عبد الواد في التربة بقصره، ليدفن بإزائه متى قدر بوفاته. ونشأ محمد هذا بتلمسان، ومولده فيما أخبرني سنة عشر وسبعمائة [5] ، وارتحل مع أبيه إلى المشرق سنة ثمان عشرة

وسبعمائة ومر ببجاية فسمع بها على الشيخ أبي علي ناصر الدين ودخل الشرق. وجاور أبوه بالحرمين الشريفين، ورجع هو إلى القاهرة وأقام بها. وقرأ على برهان الدين الصفاقصي المالكي وأخيه. وبرع في الطلب والرواية، وكان يجيد الخطين. ثم رجع سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة الى المغرب ولقي السلطان أبا الحسن بمكانه من حصار تلمسان، وقد شيد بالعباد مسجدا عظيما، وكان عمه ابن مرزوق خطيبا به على عادتهم في العباد. وتوفي فولاه السلطان خطابة ذلك المسجد مكان عمه. وسمعه يخطب على المنبر ويشيد بذكره والثناء عليه، فحلا بعينه واختصه وقربه، وهو مع ذلك يلازم مجلس الشيخين ابني الإمام، ويأخذ نفسه بلقاء الفضلاء والأكابر والأخذ عنهم، والسلطان كل يوم يزيد ترقيه [1] ، وحضر معه واقعة طريف التي كان فيها تمحيص المسلمين، فكان يستعمله في السفارة عنه إلى صاحب الأندلس. ثم سفر عنه بعد أن ملك إفريقية إلى ابن أدفونش ملك قشتالة في تقرير الصلح، واستنقاذ ابنه أبي عمر تاشفين. كان أسر يوم طريف فغاب في تلك السفارة عن واقعة القيروان. ورجع بتاشفين مع طائفة من زعماء النصرانية جاءوا في السفارة عن ملكهم، ولقيهم خبر واقعة القيروان بقسنطينة من بلاد إفريقية، وبها عامل السلطان وحاميته، فثار أهل قسنطينة بهم جميعا ونهبوهم، وخطبوا للفضل ابن السلطان أبي يحيى، وراجعوا الموحدين، واستدعوه فجاء إليهم وملك البلد. وانطلق ابن مرزوق عائدا إلى المغرب مع جماعة من الأعيان، والعمال والسفراء عن الملوك. ووفد على السلطان أبي عنان مع أمة حظية أبي الحسن وأثيرته. كانت راحلة إليه، فأدركها الخبر بقسنطينة، وحضرت الهيعة. فوثب ابنها أبو عنان على ملك أبيه واستيلائه على فاس، فرجعت إليه وابن مرزوق في خدمتها. ثم طلب اللحاق بتلمسان فسرحوه إليها، وأقام بالعباد مكان سلفه. وعلى تلمسان يومئذ أبو سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يغمراسن بن زيان قد بايع له قبيلة بني عبد الواد بعد واقعة القيروان بتونس، وابن تافراكين يومئذ محاصر للقصبة كما مر في أخبارهم. وانصرفوا إلى تلمسان فوجدا بها أبا سعيد عثمان بن جرار أقد استعمله عليها السلطان أبو عنان عند انتقاضه على أبيه، ومسيره إلى فاس، وانتقض ابن جرار من بعده، ودعا لنفسه، وصمد إليه عثمان بن

عبد الرحمن ومعه أخوه أبو ثابت وقومهما، فملكوا تلمسان من يد ابن جرار وحبسوه ثم قتلوه. واستبد أبو سعيد بملك تلمسان وأخوه أبو ثابت يردفه، وركب السلطان أبو الحسن البحر من تونس وغرق أسطوله ونجا هو إلى الجزائر فاحتل بها، وأخذ في الحشد إلى تلمسان، فرأى أبو سعيد أن يكف غربة عنهم، بمواصلة تقع بينهما، واختار لذلك الخطيب ابن مرزوق [1] فاستدعاه وأسر إليه بما يلقيه عند السلطان أبي الحسن، وذهب لذلك على طريق الصحراء. وأطل أبو ثابت وقومه على الخبر فنكروه على أبي سعيد وعاتبوه فأنكر، فبعثوا صغير بن عامر في اعتراض ابن مرزوق فجاء به وحبسوه أياما. ثم أجازوه البحر إلى الأندلس فنزل على السلطان أبي الحجاج بغرناطة، وله إليه وسيلة منذ اجتماعه به بمجلس السلطان أبي الحسن بسبتة إثر واقعة طريف، فرعى له أبو الحجاج ذمة تلك المعرفة، وأدناه واستعمله في الخطابة بجامعة بالحمراء. فلم يزل خطيبه إلى أن استدعاه السلطان أبو عنان سنة أربع وخمسين وسبعمائة بعد مهلك أبيه، واستيلائه على تلمسان وأعمالها، فقدم عليه ورعى له وسائله، ونظمه في أكابر أهل مجلسه. وكان يقرأ الكتب بين يديه في مجلسه العلي [2] ويدرس في نوبته مع من يدرس في مجلسه منهم. ثم بعثه إلى تونس عام ملكها سنة ثمان وخمسين وسبعمائة ليخطب له ابنه السلطان أبي يحيى، فردت تلك الخطبة واختفت بتونس. ووشي إلى السلطان أبي عنان أنه كان مطلعا على مكانها، فسخطه لذلك ورجع السلطان من قسنطينة، فثار أهل تونس بمن كان بها من عماله وحاميته. واستقدموا أبا محمد بن تافراكين من المهدية، فجاء وملك البلد. وركب القوم الأسطول ونزلوا بمراسي تلمسان. وأوعز السلطان باعتقال ابن مرزوق، وخرج لذلك يحيى بن شعيب من مقدمي الحجاب [3] ببابه، فلقيه بتاسالت فقيده هنالك. وجاء به فأحضره السلطان وقرعه، ثم حبسه مدة وأطلقه بين يدي مهلكه.

واضطربت الدولة بعد موت السلطان أبي عنان، وبايع بعض بني مرين لبعض الأعياص من بني يعقوب بن عبد الحق. وحاصروا البلد الجديد، وبها ابنه السعيد ووزيره المستبد عليه الحسن بن عمر، وكان السلطان أبو سالم بالأندلس غربه إليها

أخوه السلطان أبو عنان مع بني عمهم ولد السلطان أبي علي بعد وفاة السلطان أبي الحسن، وحصولهم جميعا في قبضته. فلما توفي أراد أبو سالم النهوض لملكه بالمغرب، فمنعه رضوان القائم يومئذ بملك الأندلس مستبدا على ابن السلطان أبي الحجاج، فلحق هو بإشبيلية من دار الحرب، ونزل على بطرة [1] ملكهم يومئذ، فهيأ له السفن وأجازه إلى العدوة فنزل، بجبل الصفيحة من بلاد غمارة، وقام بدعوته بنو مسير [2] وبنو منير أهل ذلك الجبل منهم، ثم أمدوه واستولى على ملكه في خبر طويل ذكرناه في أخبار دولته. وكان ابن مرزوق يداخله وهو بالأندلس ويستخدم له، ويفاوضه في أموره وربما كان يكاتبه، وهو بجبل الصفيحة، ويداخل زعماء قومه في الأخذ بدعوته. فلما ملك السلطان أبو سالم رعى له تلك الوسائل أجمع، ورفعه على الناس، وألقى عليه محبته وجعل زمام الأمور بيده، فوطئ الناس عقبه وغشي أشراف الدولة بابه، وصرفت الوجوه إليه، فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة ونقموه على السلطان، وتربصوا به حتى وثب عبد الله بن عمر بالبلد الجديد، وافترق الناس عن السلطان. وقتله عمر بن عبد الله آخر اثنتين وستين وسبعمائة وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الذي نصبه، محمد بن أبي عبد الرحمن بن أبي الحسن فامتحنه واستصفاه، ثم أطلقه بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله فمنعه منهم.

ولحق بتونس سنة أربع وستين وسبعمائة ونزل على السلطان أبي إسحاق وصاحب دولته المستبد عليه أبي محمد بن تافراكين، فأكرموا نزله وولوه الخطابة بجامع الموحدين بتونس. وأقام بها إلى أن هلك السلطان أبو إسحاق سنة سبعين وسبعمائة وولي ابنه خالد. وزحف السلطان أبو العباس حافد السلطان أبي يحيى من مقره بقسنطينة إلى تونس فملكها، وقتل خالدا سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة.

وكان ابن مرزوق يستريب منه لما كان يميل وهو بفاس مع ابن عمه محمد صاحب بجاية، ويؤثره عند السلطان أبي سالم عليه، فعزله السلطان أبو العباس عن الخطبة بتونس، فوجم لها وأجمع الرحلة إلى المشرق. وسرحه السلطان فركب السفن ونزل بالإسكندرية، ثم رحل إلى القاهرة ولقي أهل العلم وأمراء الدولة، ونفقت بضائعه

عندهم، وأوصلوه إلى السلطان وهو يومئذ الأشرف [1] . فكان يحضر يومئذ مجلسه وولاه الوظائف العلمية، فكان ينتجع منها معاشه. وكان الذي وصل حبله بالسلطان أستاذ داره محمد بن آقبغا آص [2] لقيه أول قدومه فحلا بعينه، واستظرف جملته، فسعى له وأنجح سعايته، ولم يزل مقيما بالقاهرة موقر الرتبة معروف الفضيلة، مرشحا لقضاء المالكية ملازما للتدريس في وظائفه إلى أن هلك سنة إحدى وثمانين وسبعمائة هكذا ذكر من حضره من جملة السلطان أبي الحسن من أشياخنا وأصحابنا، وليس موضوع الكتاب الإطالة، فلنقتصر على هذا القدر، ونرجع إلى ما كنا فيه من أخبار المؤلف.

** (ولاية العلامة بتونس ثم الرحلة بعدها الى المغرب والكتابة على السلطان أبي عنان) **

ولم أزل منذ نشأت وناهزت مكبا على تحصيل العلم، حريصا على اقتناء الفضائل، متنقلا بين دروس العلم وحلقاته، إلى أن كان الطاعون الجارف، وذهب الأعيان والصدور وجميع المشيخة، وهلك أبواي رحمهما الله. ولزمت مجلس شيخنا أبي عبد الله الأيلي، وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين إلى أن شدوت بعض الشيء، واستدعاه السلطان أبو عنان فارتحل إليه، واستدعاني أبو محمد بن تافراكين المستبد على الدولة يومئذ بتونس إلى كتابة العلامة عن السلطان أبي إسحاق. مذ نهض إليه من قسنطينة صاحبها أبو زيد حافد السلطان أبي يحيى في عساكره، ومعه العرب أولاد مهلهل الذين استنجدوه لذلك، فخرج ابن تافراكين وسلطانه أبو إسحاق مع العرب أولاد أبي الليل، وبث العطاء في عسكره، وعمر له المراتب والوظائف. وتعلل عليه صاحب العالمة أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بالاستزادة من العطاء، فعزله وأدالني منه، فكتبت العلامة عن السلطان، وهي «الحمد لله والشكر لله» بالقلم الغليظ ما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم. وخرجت

معهم أول سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وقد كنت منطويا على الرحلة من إفريقية لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي وعطلاني [1] عن طلب العلم. فلما رجع بنو مرين إلى مراكزهم بالمغرب وانحسر تيارهم عن إفريقية، وأكثر من كان معهم من الفضلاء صحابة وأشياخ، فاعتزمت على اللحاق بهم، وصدني عن ذلك أخي وكبيري محمد رحمه الله، فلما دعيت إلى هذه الوظيفة سارعت إلى الإجابة لتحصيل غرضي من اللحاق بالمغرب، وكان كذلك، فإنا لما خرجنا من تونس نزلنا بلاد هوارة، وزحفت العساكر بعضها إلى بعض بفحص مرماجنة وانهزم صفنا ونجوت أنا إلى أبة، فأقمت بها عند الشيخ عبد الرحمن الوسناني [2] من كبراء المرابطين، ثم تحولت إلى سبتة ونزلت بها على محمد بن عبدون صاحبها، فأقمت عنده ليالي حتى هيأ لي الطريق مع رفيق من المغرب [3] ، وسافرت إلى قفصة، وأقمت بها أياما حتى قدم علينا بها الفقيه محمد ابن الرئيس منصور بن مزني، وأخوه يوسف يومئذ صاحب الزاب وكان هو بتونس، فلما حاصرها الأمير أبو زيد خرج إليه فكان معه. فلما بلغهم الخبر بأن السلطان أبا عنان ملك المغرب، نهض إلى تلمسان فملكها، وقتل سلطانها عثمان بن عبد الرحمن، وأخاه أبا ثابت وأنه انتهى الى المدية وملك بجاية من يد صاحبها الأمير أبي عبد الله من حفدة السلطان أبي يحيى، وراسله عند ما أطل على بلده، فسار إليه، ونزل له عنها. وصار في جملته، وولي أبو عنان على بجاية عمر ابن علي شيخ بني وطاس من بني الوزير شيوخهم. فلما بلغهم هذا الخبر أجفل الأمير عبد الرحمن من مكانه عن حصار تونس، ومر بقفصة فدخل إلينا محمد بن مزني ذاهبا إلى الزاب، فرافقته إلى بسكرة، ودخلت إلى أخيه هنالك، ونزل هو بعض قرى الزاب تحت جراية أخيه إلى أن انصرم الشتاء.

وكان أبو عنان لما ملك بجاية ولى عليها عمر بن علي بن الوزير من شيوخ بني وطاس فجاء فارح مولى الأمير أبي عبد الله لنقل حرمه وولده، فداخل بعض السفهاء من صنهاجة في قتل عمر بن علي فقتله في مجلسه ووثب هو على البلد وأرسل إلى الأمير أبي زيد يستدعيه من قسنطينة، فتمشت رجالات البلد بينهم خشية من سطوة السلطان.

ثم ثاروا بفارح فقتلوه وأعادوا دعوة السلطان كما كانت. وبعثوا عن عامل السلطان بتدلس يحياتن بن عمر بن عبد المؤمن من شيوخ بني ونكاسن من بني مرين، فملكوه قيادهم وبعثوا إلى السلطان بطاعتهم، فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو، واكتنف [1] له الجند وصرف معه وجوه دولته وأعيان بطانته. وارتحلت من بسكرة وافدا على السلطان أبي عنان بتلمسان، فلقيت ابن أبي عمرو بالبطحاء، وتلقاني من الكرامة بما لم أحتسبه، وردني معه إلى بجاية فشهدت الفتح، وتسايلت وفود إفريقية إليه. فلما رجع إلى السلطان وفدت معهم فنالني من كرامته وإحسانه ما لم أحتسبه، إذ كنت شابا لم يطر شاربي. ثم انصرفت مع الوفود ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية، فأقمت عنده حتى انصرم الشتاء أواخر أربع وخمسين وسبعمائة وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس وجمع أهل العلم للتحليق بمجلسه، وجرى ذكري عنده وهو ينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس، فأخبره الذين لقيتهم بتونس عني ووصفوني له، فكتب إلي الحاجب يستقدمني، فقدمت عليه سنة خمس وخمسين وسبعمائة ونظمني في أهل مجلسه العلمي، وألزمني شهود الصلوات معه، ثم استعملني في كتابته والتوقيع بين يديه على كره مني، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي. وعكفت على النظر والقراءة ولقاء المشيخة من أهل المغرب ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة، وحصلت من الإفادة منهم على البغية.

وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفار من أهل مراكش إمام القراءات لوقته، أخذ عن جماعة من مشيخة المغرب وكبيرهم شيخ المحدثين الرحالة أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري سيد أهل المغرب، وكان يعارض السلطان القرآن برواياته السبع إلى أن توفي.

(ومنهم) قاضي الجماعة بفاس أبو عبد الله محمد المغربي [2] صاحبنا، من أهل تلمسان، أخذ العلم بها عن أبي عبد الله محمد السلوي [3] ورد عليها من المغرب خلوا من المعارف. ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم، فعكف في بيته على مدارسة القرآن

فحفظه، وقرأه بالسبع. ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية فحفظه، ثم على مختصر ابن الحاجب في الفقه والأصول فحفظهما. ثم لزم الفقيه عمران المشدالي من تلاميذ أبي علي ناصر الدين، وتفقه عليه، وبرز في العلوم إلى حيث لم تلحق غايته. وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسة بتلمسان، فقدمه للتدريس بها، يضاهي به أولاد الإمام، وتفقه عليه بتلمسان جماعة كان من أوفرهم سهما في العلوم أبو عبد الله المغربي هذا.

ولما جاء شيخا أبو عبد الله الأيلي إلى تلمسان عند استيلاء السلطان أبي الحسن عليها، وكان أبو عبد الله السلوي قد قتل يوم فتح تلمسان، قتله بعض أشياع السلطان لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبي علي بسجلماسة قبل انتحاله العلم، كان السلطان توعده عليه، فقتل بباب المدرسة، فلزم أبو عبد الله المغربي بعده مجلس شيخنا الأيلي ومجالس ابني الإمام. واستبحر في العلم وتفنن. ولما انتقض السلطان أبو عنان سنة تسع وأربعين وسبعمائة وخلع أباه، ندبه إلى كتب البيعة فكتبها وقرأها على الناس في يوم مشهود. وارتحل مع السلطان إلى فاس، فلما ملكها عزل قاضيها الشيخ المعمر أبا عبد الله بن عبد الرزاق وولاه مكانه، فلم يزل قاضيا بها إلى أن أسخطه لبعض النزعات الملوكية، فعزله وأدال منه بالفقيه أبي عبد الله الفشتالي [1] آخر سنة ست وخمسين وسبعمائة، ثم بعثه في سفارة إلى الأندلس فامتنع من الرجوع. وقام السلطان لها في ركابه، ونقم [2] على صاحب الأندلس تمسكه به، وبعث إليه فيه يستقدمه، فلاذ ابن الأحمر بالشفاعة فيه، واقتضى له كتاب أمان بخط السلطان أبي عنان، وأوفده في جماعة من شيوخ العلم بغرناطة القاطنين بها [3] منهم: شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي شيخ الدنيا جلالة وعلما ووقارا ورياسة وإمام اللسان فصاحة وبيانا [4] وتقدما في نظمه ونثره. وترسلاته. وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن الحاج البلقيني [5] من أهل المرية شيخ المحدثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء

بالأندلس، وسيد أهل العلم بإطلاق، والمتفنن في أساليب المعارف، وآداب الصحابة للملوك فمن دونهم، فوفدوا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوفه للقائهما، فقبلت الشفاعة وأنجحت الوسيلة.

حضرت بمجلس السلطان يوم وفادتهما سنة سبع وخمسين وسبعمائة وكان يوما مشهودا. واستقر القاضي المغربي في مكان بباب السلطان عطلا من الولاية والجراية. وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان وقعت بينه وبين أقاربه، امتنع من الحضور معهم عند القاضي الفشتالي، فتقدم السلطان إلى بعض أكابر الوزعة ببابه أن يسحبه إلى مجلس القاضي حتى ينفذ فيه حكمه، فكان الناس يعدونها محنة، ثم ولاه السلطان بعد ذلك قضاء العساكر في دولته، عند ما ارتحل إلى قسنطينة. فلما افتتحها وعاد إلى دار ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين وسبعمائة اعتل القاضي المغربي في طريقه، وهلك عند قدومه بفاس.

(ومنهم صاحبنا) الإمام العالم القدوة [1] ، فارس المعقول والمنقول، وصاحب الفروع والأصول، أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف الحسني، ويعرف بالعلوي نسبة إلى قرية من أعمال تلمسان، تسمى العلوين، فكان أهل بلده لا يدافعون في نسبهم. وربما يغمز فيه بعض الفجرة ممن لا يروعه دينه ولا معرفته بالأنساب ببعض من اللغو، لا يلتفت إليه، نشأ هذا الرجل بتلمسان وأخذ العلم عن مشيختها، واختص بأولاد الإمام وتفقه عليهما في الفقه والأصول والكلام، ثم لزم شيخنا أبا عبد الله الأبلي وتضلع من معارفه، فاستبحر وتفجرت ينابيع العلوم من مداركه. ثم ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه سنة أربعين وسبعمائة ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله ابن عبد السلام وحضر مجلسه وأفاد منه، واستعظم رتبته في العلم. وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله ويعرف حقه حتى لقد زعموا أنه كان يخلو به في بيته، فيقرأ عليه فصل التصوف من كتاب الإشارات لابن سينا، لما كان هو أحكم ذلك الكتاب على شيخنا الأبلي وقرأ عليه كثيرا من كتاب الشفاء لابن سينا، ومن تلاخيص كتب أرسطو لابن رشد، ومن الحساب والهندسة والفرائض علاوة على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة، وكانت له في كتب الخلافيات يد

طولى، وقدم عالية، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كله وأوجب حقه، وانقلب إلى تلمسان، وانتصب لتدريس العلم وبثه فملأ المغرب معارف وتلاميذ، إلى أن اضطرب المغرب بعد واقعة القيروان. ثم هلك السلطان أبو الحسن، وزحف أبو عنان إلى تلمسان فملكها سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فاستخلص الشريف أبا عبد الله واختاره لمجلسه العلي مع من اختاره من المشيخة، وزحف به إلى فاس فتبرم الشريف من الاغتراب وردد الشكوى وعرف السلطان ذلك [1] وارتاب به. ثم بلغه أثناء ذلك أن عثمان بن عبد الرحمن سلطان تلمسان أوصاه على ولده، وأودع له مالا عند بعض الأعيان من أهل تلمسان، وأن الشريف مطلع على ذلك، فانتزع الوديعة وسخط الشريف بذلك ونكبه، وأقام في اعتقاله أشهرا، ثم أطلقه أول ست وخمسين وسبعمائة وأقصاه، ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة وأعاده إلى مجلسه إلى أن هلك السلطان آخر تسع وخمسين وسبعمائة.

وملك أبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين، واستدعى الشريف من فاس فسرحه القائم بالأمر يومئذ الوزير عمر بن عبد الله فانطلق إلى تلمسان. وأطلقه [2] أبو حمو براحتيه، وأصهر له في ابنته، فزوجها إياه، وبنى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمه، وأقام الشريف يدرس العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وأخبرني رحمه الله أن مولده سنة عشر وسبعمائة.

(ومنهم صاحبنا) الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحيى البرجي من برجة [3] الأندلس. كان كاتب السلطان أبي عنان وصاحب الإنشاء والسر في دولته، وكان مختصا به، وأثيرا لديه. وأصله من برجة الأندلس نشأ بها واجتهد في العلم والتحصيل، وقرأ وسمع وتفقه على مشيخة الأندلس. واستبحر في الأدب وبرز في النظم والنثر، وكان لا يجاري في كرم الطباع وحسن المعاشرة، ولين الجانب وبذل البشر والمعروف. وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين وسبعمائة، وبها الأمير أبو زكريا ابن السلطان أبي يحيى منفردا بملكها على حين أقفر من رسم الكتابة والبلاغة،

فبادرت أهل الدولة إلى اصطفائه وإيثاره بخطة الإنشاء والكتاب عن السلطان إلى أن هلك الأمير أبو زكريا، ونصب ابنه محمد مكانه، فكتب عنه على رسمه ثم هلك السلطان أبو يحيى، وزحف السلطان أبو الحسن إلى إفريقية واستولى على بجاية، ونقل الأمير محمدا بأهله وحاشيته إلى تلمسان كما تقدم في أخباره، فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان، وأقام بها واتصل خبره بأبي عنان ابن السلطان أبي الحسن وهو يومئذ أميرها، ولقيه، فوقع من قلبه بمكان إلى أن كانت واقعة القيروان.

وخلع أبو عنان واستبد بالأمر فاستكتبه وحمله إلى المغرب، ولم يسم به إلى العلامة لأنه آثر بها محمد بن أبي عمر بما كان أبوه يعلمه القرآن والعلم. وربي محمد بداره، فولاه العلامة، والبرجي مرادف له في رياسته إلى أن انقرضوا جميعا. وهلك السلطان أبو عنان واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب، وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدمناه، فنقل البرجي من الكتابة واستعمله في قضاء العساكر، فلم يزل على القضاء إلى أن هلك سنة ست وثمانين وسبعمائة وأخبرني رحمه الله ان مولده سنة عشر وسبعمائة.

(ومنهم شيخنا المعمر الرحالة) أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق شيخ وقته جلالة وتربية وعلما وخبرة بأهل بلده، وعظمة فيهم. نشأ بفاس وأخذ عن مشيختها، وارتحل إلى تونس فلقي القاضي أبا إسحاق بن عبد الرفيع، والقاضي أبا عبد الله النفزاوي. وأهل طبقتهما، وأخذ عنهم وتفقه عليهم، ورجع إلى المغرب ولازم سنن الأكابر والمشايخ إلى أن ولاه السلطان أبو الحسن القضاء بمدينة فاس، فأقام على ذلك إلى أن جاء السلطان أبو عنان من تلمسان بعد واقعة القيروان، وخلعه أباه فعزله بالفقيه أبي عبد الله المغربي، وأقام عطلا في بيته.

ولما جمع السلطان مشيخة العلم للتحليق بمجلسه، والإفادة منهم، واستدعى شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق، فكان يأخذ عنه الحديث، ويقرأ عليه القرآن برواياته في مجلس خاص إلى أن هلك رحمه الله بين يدي مهلك السلطان أبي عنان، إلى آخرين وآخرين من أهل المغرب والأندلس، كلهم لقيت وذاكرت وأفدت منه، وأجازني بالإجازة العامة.

** (حديث النكبة من السلطان أبي عنان) **

كان اتصالي بالسلطان أبي عنان آخر سنة ست وخمسين وسبعمائة وقربني وأدناني، واستعملني في كتابته، واختصني بمجلسه للمناظرة والتوقيع عنه فكثر المنافسون وارتفعت السعايات حتى قويت عنده بعد أن كان لا يغير عن صفائه [1] . ثم اعتل السلطان آخر سبع وخمسين وسبعمائة وكان قد حصلت بيني وبين الأمير محمد صاحب بجاية من الموحدين مداخلة، أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم. وغفلت عن التحفظ من مثل ذلك، من غيرة السلطان، فما هو إلا أن شغل بوجعه، حتى نمي إليه بعض الغواة أن صاحب بجاية معتمل في الفرار ليسترجع بلده، وبها يومئذ وزيره الكبير عبد الله بني علي، فانبعث السلطان لذلك، وبادر بالقبض عليه. وكان فيما نمي إليه أني داخلته في ذلك، فقبض علي وامتحنني وحبسني. ثم أطلق الأمير محمدا وما زلت أنا في اعتقاله إلى أن هلك، وخاطبته بين يدي مهلكه مستوطفا بقصيدة أولها:

على أي حال لليالي أعاتب ... وأي صروف للزمان أغالب

كفى حزنا أني على القرب نازح ... وأني على دعوى شهودي غائب

وأني على حكم الحوادث نازل ... تسالمني طورا وطورا تحارب

ومنها في التشوق:

سلوتهم إلا ادكار معاهد ... لها في الليالي الغابرات غرائب

وإن نسيم الريح منهم يشوقني ... إليهم وتصيبني البروق اللواعب

وهي طويلة، نحو مائتين بيتا، ذهبت عن حفظي، فكان لها منه موقع، وهش لها.

وكان بتلمسان، فوعد بالإفراج عني عند حلوله بفاس، ولخمس ليال من حلوله طرقه الوجع، وهلك لخمس عشرة ليلة، في رابع وعشرين ذي الحجة، خاتم تسع وخمسين وسبعمائة. وبادر القائم بالدولة، الوزير الحسن بن عمر الى إطلاق جماعة من المعتقلين، كنت فيهم، فخلع علي، وحملني، وأعادني إلى ما كنت

عليه، وطلبت منه الانصراف إلى بلدي، فأبى علي، وعاملني بوجوه كرامته، ومذاهب إحسانه، إلى أن اضطرب أمره، وانتقض عليه بنو مرين، وكان ما قدمناه في أخبارهم.

** (الكتابة عن السلطان أبي سالم في السر والإنشاء) **

ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلس لطلب ملكه، ونزل بجبل الصفيحة من بلاد غماره. وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبث دعوته سرا، واستعان بي على أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبة وائتلاف، فحملت الكثير منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين، منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصبوه للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عمر، وسلطانه السعيد ابن أبي عنان، بالبلد الجديد.

فقصدني ابن مرزوق في ذلك، وأوصل إلي كتاب السلطان أبي سالم. بالحض على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى علي حمله، فنهضت به، وتقدمت إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا، وبعث ابن مرزوق إلى الحسن بن عمر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر من الحصار، فبادر إلى الإجابة، واتفق رأي بني مرين على الانفضاض عن منصور بن سليمان، والدخول إلى البلد الجديد، فلما تم عقدهم على ذلك نزعت إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس، المستبد بعد ذلك بملك المغرب على سلطانه، وكان ذلك النزوع مبدأ حظه، وفاتحة رياسته، بسعايتي له عند السلطان، فلما قدمت على السلطان بالصفيحة، بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خلع منصور بن سليمان، وبالموعد الذي ضربوه لذلك، واستحثثته. فارتحل، ولقينا البشير بإجفال منصور بن سليمان، وفراره إلى نواحي بادس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، وإظهار الحسن بن عمر دعوة السلطان أبي سالم. ثم لقيتنا، بالقصر الكبير، قبائل السلطان، وعساكره، على راياتهم، ووزير منصور بن سليمان، وهو مسعود بن رحو بن ماساي، فتلقاه السلطان

بالكرامة كما يجب له، واستوزره عوضا نائبا للحسن بن يوسف بن علي بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته، لقيه بسبتة، وقد غربه منصور بن سليمان إلى الأندلس فاستوزره واستكفاه.

ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر صعد إلى فاس ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها، فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وانا في ركابه، لخمس عشرة ليلة من نزوعي إليه، منتصف شعبان سنة ستين وسبعمائة، فرعى لي السابقة واستعملني في كتابة سره، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل بدون أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الأسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء المعاني منها على أكثر الناس، بخلاف غير المرسل [1] ، فانفردت به يومئذ، وكان مستغربا عند من هم من أهل هذه الصناعة.

ثم أخذت نفسي بالشعر، وانثال علي منه بحور، توسطت بين الإجادة والقصور، وكان مما أنشدته إياه ليلة المولد النبوي من سنة ثلاث وستين وسبعمائة [2] .

أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتي ونحيبي

وأبين يوم البين موقف [3] ساعة ... لعواد [4] مشغوف الفؤاد كئيب

لله عهد الظاعنين وقد غدا [5] ... قلبي رهين صبابة ووجيب

غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشربت [6] بعدهم بماء غروب

يا ناقعا بالعتب غلة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي

يستعذب الصب الملام وإنني ... ماء المدام [7] لدي غير شروب

ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكر منزل وحبيب

أصبوا إلى أطلال [8] كانت مطلعا ... للبدر منهم أو كناس ربيب

عبثت به أيدي البلى وترددت ... في عطفها للدهر أي خطوب

تبلى معاهدها وإن عهودها ... ليجرها [1] وصفي وحسن نسيبي

وإذا الديار تعرضت لمتيم ... هزت لذكراها أولى التشبيب [2]

إيه على الصبر الجميل فإنه ... ألوى بدين فؤادي المنهوب

لم أنسها والدهر يثني صرفه ... ويغض طرفي حاسد ورقيب

والدار مونقة بما لبست من ... الأيام تجلوها بكل قشيب [3]

يا سائق الأظعان يعتسف الفلا ... بتواصل الأسناد والتأويب [4]

متهافتا عن رحل كل مدلل ... نشوان من آن ومس لغوب [5]

تتجاذب النفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صبا وجنوب

إن هام من ظمأ الصبابة ضحبه ... نهلوا بمورد دمعه المسكوب

إن تعترض مسراهم سدف الدجى ... صدعوا الدجى بغرامة المشبوب

في كل شعب منية. من دونها ... هجر الأماني أو لقاء شعوب

هلا عطفت صدورهن إلى التي ... فيها لغانية [6] أعين وقلوب

فتؤم من أكناف يثرب مأمنا ... يكفيك ما تخشاه من تثريب

حيث النبوة آيها مجلوة ... تتلومن الآثار كل غريب

سر عجيب ليس يحجبه الثرى [7] ... ما كان سر الله بالمحجوب

ومنها بعد تعديد معجزاته صلى الله عليه وسلم والإطناب في مدحه:

إني دعوتك واثقا بإجابتي ... يا خير مدعو وخير مجيب

قصرت في مدحي فإن يك طيبا ... فبما لذكرك من أريج الطيب

ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى ... في مدحك القرآن كل مطيب [8]

يا هل تبلغي الليالي زورة ... تدني إلي الفوز بالمرغوب

أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها ... وأحط أوزاري وإصر ذنوبي

في فتية هجروا المنى وتعودوا ... إنضاء كل نجيبة ونجيب

يطوي صحائف ليلهم نوق الفلا ... ما شئت من خبب ومن تقريب

إن رنم الحادي بذكرك رددوا ... أنفاس مشتاق إليك طروبي

أو غرد الركب الخلي بطيبة ... حنوا لملقاها حنين النيب

ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ... إرث الخلافة في بني يعقوب

الظاعنون الخيل وهي عوابس ... يغشى مثار النقع كل سبيب

والواهبون المقربات صوافنا ... من كل خوار العنان لعوب

والمانعون الجار حتى عرضه ... في منتدى الأعداء غير معيب

تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم ... والعز شيمة مرتجى ومهيب

ومنها في ذكر إجازته البحر واستيلائه على ملكه:

سائل بني طامي العباب وقد سرى ... تزجيه ريح العزم ذات هبوب

تهديه شهب أسنة وعزائم ... يصد عن ليل الحادث المرهوب

حتى انجلت ظلل الظلام [1] بسعيه ... وسطا الهدى بفريقه المغلوب

أبني الأولى شادوا الخلافة بالتقى ... واستأثروا بتاجها المغصوب [2]

جمعوا لحفظ الدين أي مناقب ... كرموا بها في مشهد ومغيب

لله مجدك طارفا أو تالدا ... فلقد شهدنا منه كل عجيب

كم رهبة أو رغبة لك في العلا ... تقتاد بالترغيب والترهيب

لا زلت مسرورا بأشرف دولة ... يبدو الهدى من أفقها المرغوب

تحيي المعالي غاديا أو رائحا ... وحديد سعدك ضامن المطلوب

ومن قصيدة خاطبته بها عند وصول هدية ملك السودان إليه، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة:

قدحت يد الأشواق من زندي ... وهفت بقلبي زفرة الوجد

ونبذت سلواني على ثقة ... بالقرب فاستبدلت بالبعد

ولرب وصل كنت آمله ... فاعتضت منه بمؤلم الصد

لا عهد عند الصبر أطلبه ... إن الغرام أضاع من عهدي

يلحى العذول فما أعنفه ... وأقول ضل فأبتغي رشدي

وأعارض النفحات أسألها ... برد الجوى فتزيد في الوقد

يهدي الغرام إلى مسالكها ... لتعللي بضعيف ما تهدي

يا سائق الأظعان معتسفا ... طي الفلاة لطية الوجد

أرح الركاب ففي الصبا نبأ ... يغني عن المستنة الجرد

وسل الربوع برامة خبرا ... عن ساكني نجد وعن نجد

ما لي يلام على الهوى خلقي ... وهي التي تأبى سوى الحمد

لأبيت إلا الرشد مذ وضحت ... بالمستعين معالم الرشد

نعم الخليفة في هدى وتقى ... وبناء عز شامخ الطود

نجل السراة الغر شأنهم ... كسب العلا بمواهب الوجد

ومنها في ذكر خلوصي إليه وما ارتكبته فيه:

لله منى إذ تأوبني ... ذكراه وهو بشاهق فرد

شهم يفل بواترا قضبا ... وجموع أقيال أولي اليد

أو ريت زند العزم في طلبي ... وقضيت حق المجد من قصدي

ووردت عن ظمأ مناهله ... فرويت عن عز ومن رفدي

هي جنة المأوى لمن كانت ... آماله بمطالب المجد

لو لم أعل برد [1] كوثرها ... ما قلت هذي جنة اللد

من مبلغ قومي ودونهم ... قذف النوى وتنوفة البعد

أني أنفت على رجائهم ... وملكت عز جميعهم وحدي

ورقيمة الأعطاف حالية ... موشية بوشائح البرد

وحشيه الأنساب ما أنست ... في موحش البيداء بالغرد [2]

تسمو بجيد بالغ صعدا ... شرف الصروح بغير ما جهد

طالت رءوس الشامخات به ... ولربما قصرت عن الوهد

قطعت إليك تنائفا وصلت ... آسارها بالقهد والوخد [1]

تحدي على استصغائها ذللا ... وتبيت طوع القن والقد [2]

بسعودك اللاتي ضمن لها ... طول الحياة بعيشة رغد

جاءتك في وفد الأحابش لا ... يرجون غيرك مكرم الوفد

وافوك أنضاء تقلبهم ... أيدي السرى بالغور والنجد

كالطيف يستقري مضاجعه ... أو كالحسام يسل من غمد

يثنون بالحسنى التي سبقت ... من غير إنكار ولا جحد

ويرون لحظك من وفادتهم ... فخرا على الأتراك والهند

يا مستعينا جل في شرف ... عن رتبة المنصور والمهدي

جازاك ربك عن خليقته ... خير الجزاء فنعم من يسدي

وبقيت للدنيا وساكنها ... في عزة أبدا وفي سعد

وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيرا لم يحضرني الآن شيء منه.

ثم غلب ابن مرزوق على هواه وأفرد بخالصته وكبح الشكائم عن قربه، فانقبضت وقصرت الخطو، مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سره وإنشاء مخاطباته ومر اسمه.

ولاني آخر الدولة «خطة المظالم» فوفيتها حقها ودفعت للكثير مما أرجو ثوابه. ولم يزل ابن مرزوق آخذا في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة، غيرة ومنافسة إلى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه، وثار الوزير عمر بن عبد الله بدار الملك فصار إليه الناس، ونبذوا السلطان وبيعته، وكان في ذلك هلاكه على ما ذكرناه في أخبارهم.

ولما قام الوزير عمر بالأمر أقرني علي ما كنت عليه، ووفر أقطاعي وزاد في جرايتي وكنت أسمو بطغيان الشباب إلى أرفع مما كنت فيه وأدل في ذلك بسابق مودة معه،

منذ أيام السلطان أبي عنان، وصحابة استحكم عقدها بيني وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية، فكان ثالث آثافينا، ومصقلة فكاهتنا، واشتدت غيرة السلطان لذلك كما مر، وسطا بنا، وتغافل عن عمر بن عبد الله لمكان أبيه من ثغر بجاية، ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه، وما ارتكبه في حقي من القصور بي عما أسمو إليه إلى أن هجرته، وقعدت عن دار السلطان مغاضبا له، فتنكر لي وأقطعني جانبا من الإعراض، فطلبت الرحلة إلى بلدي بإفريقية. وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان والمغرب الأوسط فمنعني من ذلك أن يغتبط أبو حمو صاحب تلمسان بمكاني، فأقيم عنده، وألح في المنع من ذلك، وأبيت أنا إلا الرحلة، واستجرت في ذلك برديفه وصهره الوزير مسعود بن رحو بن ماسي، ودخلت عليه يوم الفطر سنة ثلاث وستين وسبعمائة فأنشدته:

هنيئا لصوم لا عداه قبول ... وبشرى لعيد أنت فيه منيل

وهنئتها من عزة وسعادة ... تتابع أعوام بها وفصول

سقى الله دهرا أنت إنسان عينه ... ولا مس ربعا في حماك محول

فعصرك ما بين الليالي مواسم ... له غرر وضاحة وحجول

وجانبك المأمول للجود مشرع ... يحوم عليه عالم وجهول

عساك وإن ضن الزمان منولي ... فرسم الأماني من سواك محيل

أجرني فليس الدهر لي بمسالم ... إذا لم يكن لي في ذراك مقيل

وأوليتني الحسنى بما أنا آمل ... فمثلك يؤلي راجيا وينيل

وو الله ما رمت الترحل عن قلى ... ولا سخطة للعيش فهو جزيل

ولا رغبة عن هذه الدار إنها ... لظل على هذا الأنام ظليل

ولكن نأى بالشعب عنا حبائب ... شجاهن خطب والفراق طويل

يهيج بهن الوجد إني نازح ... وأن فؤادي حيث هن حلول

عزيز عليهن الذي قد لقيته ... وأن اغترابي في البلاد يطول

توارت بابني [1] البقاع كأنني ... تخطفت أو غالت ركابي غول

ذكرتك يا مغنى الأحبة والهوى ... فطارت لقلبي أنة وعويل

وحييت عن شوق رباك كأنما ... يمثل لي فيء [1] بها وطلول

أأحبابنا والعهد بيني وبينكم ... كريم وما عهد الكريم يحول

إذا أنا لم ترض الحمول مدامعي ... فلا قربتني للقاء حمول

الام مقامي حيث لم ترد العلا ... مرادي ولم تعط القياد ذلول

أجاذب فضل العمر يوما وليلة ... وساء صباح بينها وأصيل

ويذهب بي ما بين يأس ومطمع ... زمان بنيل المعلوات بخيل

تعللني منه أمان خوادع ... ويؤنسني منه أمان مطول [2]

أما لليالي لا ترد خطوبها ... ففي كبدي من وقعهن فلول

يروعني عن صرفها كل حادث ... تكاد له صم البلاد تزول

أداري على رغم العداة بريبة [3] ... يصانع واش خوفها وعذول

وأغدو بأشجاني عليلا كأنما ... تجود بنفسي زفرة وغليل

وإني وإن أصبحت في دار غربة ... تحيل الليالي سلوتي وتديل

وصدتني الأيام عن خير منزل ... عهدت به أن لا يضام نزيل

لأعلم أن الخير والشر ينتهي ... مداه وأن الله سوف يديل

وإني عزيز بابن ماساي مكثر ... وإن هان أنصار وبان خليل

فأعانني الوزير مسعود عليه حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن تلمسان في أي مذهب أردت، فاخترت الأندلس وصرفت ولدي وأمهم إلى أخوالهم، أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة فاتح أربع وستين وسبعمائة وجعلت أنا طريقي على الأندلس، وكان سلطانها أبو عبد الله المخلوع، وحين وفد على السلطان أبي سالم بفاس، وأقام عنده، حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة، من جهة الوزير أبي عبد الله بن الخطيب، لما كان بيني وبينه من الصحابة، فكنت أقوم بخدمته واعتمل في قضاء حاجاته في الدولة، ولما أجاز باستدعاء الطاغية لاسترجاع ملكه حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثب عليه بالأندلس من قرابته، خلفته فيما

ترك من عياله وولده بفاس، خير خلف في قضاء حاجاتهم وإدرار أرزاقهم، من المتولين لها، والاستخدام لهم. ثم فسد ما بين الطاغية وبينه، قبل ظفره بملكه، برجوعه عما اشترط له من التجافي عن حصون المسلمين التي تملكها بالإجلاب، ففارقه إلى بلاد المسلمين باستجة [1] وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصرا ينزله من أمصار الأندلس الغربية التي كانت ركابا لملوك المغرب في جهادهم. وخاطبني أنا في ذلك، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر، حتى تم قصده من ذلك، وتجافى له عن رندة وأعمالها، فنزلها وتملكها، وكانت دار هجرته، وركاب فتحه، وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين وسبعمائة واستوحشت أنا من عمر إثر ذلك كما مر، وارتحلت إليه معولا على سوابقي عنده، فقرب في المكافآت كما نذكره إن شاء الله تعالى.

** (الرحلة الى الأندلس) **

ولما أجمعت الرحلة إلى الأندلس بعثت بأهلي وولدي إلى أخوالهم بقسنطينة، وكتبت لهم إلى صاحبها السلطان أبي العباس من حفدة السلطان أبي يحيى، وبأني أمر على الأندلس وأجيز عليه من هنالك. وسرت إلى سبتة فرضة المجاز، وكبيرها يومئذ الشريف أبو العباس أحمد بن الشريف الحسني، ذو النسب الواضح السالم من الريبة عند كافة أهل المغرب، انتقل سلفه إلى سبتة من صقلية. وأكرمهم بنو العزفي أولا وصاهروهم. ثم عظم صيتهم في البلد فتنكروا لهم وغربهم يحيى العزفي آخرهم إلى الجزيرة، فاعترضتهم مراكب النصارى في الزقاق [2] فأسروهم. وانتدب السلطان أبو سعيد إلى فديتهم رعاية لشرفهم، فبعث إلى النصارى في ذلك فأجابوه. وفادى هذا الرجل وأباه على ثلاثة آلاف دينار، ورجعوا إلى سبتة، وانقرض بنو العزفي

ودولتهم، وهلك والد الشريف وصدر هو إلى رياسة الشورى. لما كانت واقعة القيروان، وخلع أبو عنان أباه واستولى على المغرب، وكان بسبتة عبد الله بن علي الوزير واليا من قبل السلطان أبي الحسن، فتمسك بدعوته، ومال أهل البلد إلى السلطان أبي عنان وبث فيهم الشريف دعوته، فثاروا بالوزير وأخرجوه، ووفدوا على أبي عنان وأمكنوه من بلدهم، فولى عليها من عظماء دولته سعيد بن موسى العجيسي، كان كافل تربيته في صغره. وأفرد هذا الشريف برياسة الشورى في سبتة، فلم يكن يقطع أمرا دونه، ووفد على السلطان بعض الأيام فتلقاه من المبرة بما لا يشاركه فيه أحد من وفود الملوك والعظماء. ولم يزل على ذلك سائر أيام السلطان وبعد وفاته، وكان معظما وقور المجلس، هش اللقاء، كريم الوفادة، متحليا بالعلم والأدب، منتحلا للشعر غاية في الكرم وحسن العهد، وسذاجة النفس، ولما مررت به سنة أربع وستين وسبعمائة أنزلني ببيته إزاء المسجد الجامع، ورأيت منه ما لا يقدر مثله من الملوك، وأركبني الحراقة [1] ليلة سفري يباشر دحرجتها إلى الماء بيده، إغرابا في الفضل والمساهمة، وحططت بجبل الفتح وهو يومئذ لصاحب المغرب، ثم خرجت منه إلى غرناطة وكتبت للسلطان ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب بشأني، وليلة بت بقرب غرناطة على بريد منها، لقيني كتاب ابن الخطيب يهنيني بالقدوم، ويؤنسني ونصه:

حللت حلول الغيث في البلد المحل ... على الطائر الميمون والرحب والسهل

يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشيخ والطفل المعصب [2]

لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل

وودي لا يحتاج فيه لشاهد ... وتقريري المعلوم ضرب من الجهل

أقسمت بمن حجت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمة الأحياء لميته ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته. لو خيرت أيها المحب الحبيب الذي زيارته الأمنية السنية، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة بين رجع الشباب يقطر ماؤه، ويرف نماؤه، ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا آلو في

حظ يلم بسياج لمته، أو يقدح ذباله في ظلمته، أو يقدم حواريه في ملمته [1] . من الأحابش وأمته. وزمانه روح وراح، ومغدى في النعيم مراح، وخصب صراح، ورنى وجراح [2] ، وانتخاب واقتراح، وصدر ما به إلا انشراح، ومسرات يردفها أفراح، وبين قدومك خليع الرسن ممتعا، والحمد لله باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعا بظرف المعارف، مالئا آلف الصيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزخارف، لما اخترت الشباب وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رفأ حنوه اغترابي [3] وملكني أزمة آرابي، وغبطني بمالي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي. وعجلت هذه مغبطة بمناخ المطية، وملتقى للسعود غير البطية، وتهني الآمال الوثيرة الوطية، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ربك، متجملة بزيك، عاقلة خطي سمهريك [4] ، ومولى مكارمه، مشيدة لأمثالك، ومضان منالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلف عن الإصحار لا بل اللقاء من وراء البحار والسلام.

ثم أصبحت من الغد قادما على البلد وذلك ثامن ربيع الأول عام أربعة وستين وسبعمائة وقد اهتز السلطان لقدومي، وهيأ لي المنزل من قصوره بفرشه وما عونه، وأركب خاصته للقائي تحفيا وبرا ومجازاة بالحسنى. ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك، وخلع علي وانصرفت. وخرج الوزير ابن الخطيب فشيعني إلى مكان نزلي، ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصني بالنجاء في خلوته، والمواكبة في ركوبه والمواكلة والمطايبة والمفاكهة في خلوات أنسه، وأقمت عنده، وسفرت عنه سنة خمس وستين وسبعمائة إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ، بطرة بن الهنشة بن أدفونش لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة بهدية فاخرة من ثياب الحرير والجياد والمقربات بمراكب الذهب الثقيلة، فلقيت الطاغية بإشبيلية وعاينت آثار سلفي بها، وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه، وأظهر الاغتباط بمكاني، وعلم أولية

سلفنا بإشبيلية وأثنى علي عنده طبيبه إبراهيم ابن زرور [1] اليهودي المقدم في الطب والنجامة، وكان لقيني بمجلس السلطان أبي عنان وقد استدعاه يستطبه، وهو يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس. ثم نزع بعد مهلك رضوان بن القائم بدولتهم إلى الطاغية، فأقام عنده ونظمه في أطبائه، فلما قدمت أنا عليه أثنى علي عنده، فطلب الطاغية حينئذ المقام عنده، وأن يرد علي تراث سلفي بإشبيلية، وكان بيد زعماء دولته، فتفاديت من ذلك بما قبله. ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه، فزودني وحملني [2] واختصني ببغلة فارهة، بمركب ثقيل ولجام ذهبيين، أهديتهما إلى السلطان فأقطعني قرية البيرة من أراضي السقي بمرج غرناطة، وكتب لي بها منشورا كان نصه [3] ثم حضرت ليلة المولد النبوي لخامسة قدومي، وكان يحتفل في الصنيع فيها والدعوة وإنشاد الشعر اقتداء بملوك المغرب، فأنشدته ليلتئذ:

حي المعاهد كانت قبل تحييني ... بواكف الدمع يرويها ويظميني

إن الألى نزحت داري ودارهم ... تحملوا القلب في آثارهم دوني

وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسما لا يناجيني

أمثل الربع من شوقي فألثمه ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني

وينهب الوجد مني كل لؤلؤة ... ما زال قلبي عليها غير مأمون

سقت جفوني مغاني الربع بعدهم ... بالدمع وقف على أطلاله الجوني [4]

قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل ... لو أن قلبي إلى السلوان يدعوني

أحبابنا هل لعهد الوصل مدكر ... منكم وهل نسمة عنكم تحييني

ما لي وللطيف لا يعتاد زائره ... وللنسيم عليلا لا يداويني

يا أهل نجد وما نجد وساكنها ... حسنا سوى جنة الفردوس والعين

أعندكم أنني ما مر ذكركم ... إلا انثنيت كأن الراح تثنيني

أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم ... شوقا ولولاكم ما كان يصبيني

يا نازحا والمنى تدنيه من خلدي [1] ... حتى لأحسبه قربا يناجيني

أسلى هواك فؤادي عن سواك وما ... سواك يوما بحال عنك يسليني

ترى الليالي أنستك ادكاري يا ... من لم تكن ذكره الأيام تنسيني

ومنها في وصف الإيوان الذي بناه لجلوسه بين قصوره:

يا مصنعا شيدت منه السعود حمى ... لا يطرق الدهر مبناه بتوهين

صرح يحار لديه الطرف مفتتنا ... فيما يروقك من شكل وتلوين

بعدا لإيوان كسرى إن مشورك [2] ... السامي لأعظم من تلك الأواوين

ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... «أشهى إلى القلب من أبواب جيرون» [3]

ومنها في التعريض بمنصرفي من العدوة:

من مبلغ عني الصحب الألى تركوا ... ودي وضاع حماهم إذ أضاعوني

أني أويت من العليا إلى حرم ... كادت مغانيه بالبشرى تحييني

وأنني ظاعنا لم ألق بعدهم ... دهرا أشاكي ولا خصما يشاكيني

لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ ... أقلب الطرف بين الخوف والهون

سقيا ورعيا لأيامي التي ظفرت ... يداي منها بحظ غير مغبون

أرتاد منها مليا لا يماطلني ... وعدا وأرجو كريما لا يعنيني

وهاك منها قواف طيها حكم ... مثل الأزاهر في طي الرياحين

تلوح إن جليت درا وإن تليت ... تثني عليك بأنفاس البساتين

عانيت منها بجهدي كل شاردة ... لولا سعودك ما كانت تواتيني

يمانع الفكر عنها ما تقسمه ... من كل حزن بطي الصدر مكنون

لكن بسعدك ذلت لي شواردها ... فرضت منها بتحبير وتزيين

بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين

وأنشدته سنة خمس وستين وسبعمائة في إعذار ولده، والصنيع الذي احتفل لهم فيه، ودعا إليه الجفلى [1] من نواحي الأندلس ولم يحضرني منها إلا ما أذكره:

صحا الشوق لولا عبرة ونحيب ... وذكرى تجد الوجد حين تثوب [2]

وقلب أبى إلا الوفاء بعهده ... وإن نزحت دار وبان حبيب

ولله مني بعد حادثة النوى ... فؤاد لتذكير [3] العهود طروب

يؤرقه طيف الخيال إذا سرى ... وتذكي حشاه نفحة وهبوب

خليلي لا تستعديا قد دعا الأسى [4] ... فإني لما يدعو الأسى لمجيب

ألما على الأطلال نقض حقوقها ... من الدمع فياض الشؤون سكوب

ولا تعذلاني في البكاء فإنها ... حشاشة نفسي في الدموع تذوب

ومنها في تقدم ولده للاعذار من غير نكول:

فيمم منه الحفل لا متقاعس ... ولا نكس [5] عند اللقاء هيوب

وراح كما راح الحسام من الوغى ... تروق حلاه والفرند خضيب

شواهر [6] أهدتهن منك شمائل ... وخلق بصفوف المجد منك مشوب

ومنها في الثناء على ولديه:

هما النيران الطالعان على الهدى ... بآيات فتح شأنهن عجيب

شهابان في الهيجا نعامان في الثوى [1] ... تسح المعالي منهما وتصوب

يدان لبسط المكرمات نماهما ... إلى المجد فياض اليدين وهوب

وأنشدته ليلة المولد الكريم من هذه السنة:

أبى الطيف أن يعتاد إلا توهما ... فمن لي ألقى الخيال المسلما

وقد كنت أستهديه لو كان نافعي ... واستمطر الأجفان لو تمطر الظما [2]

ولكن خيال كاذب وطماعة ... تعلل قلبا بالأماني متيما

أيا صاحبي نجواي والحب لوعة ... يبيح بشكواها الضمير المكتما

خذا لفؤادي العهد من نفس الصبا ... وطي النقا [3] والبان من أجرع الحمى

الأصنع الشوق الذي هو صانع ... فحبي مقيم أقصر الشوق أوسما

وإني ليدعوني السلو تعللا ... وتنهاني الأشجان أن أتقدما

لمن دمن أقفرن إلا هواتف ... تردد في أطلالهن الترنما

عرفت بها سيما الهوى وتنكرت ... فعجت على آياتها متوسما

وذو الشوق يعتاد الربوع دوارسا ... ويعرف آثار الديار توهما

تؤوبني والليل بيني وبينه ... وميض بأطراف الثنايا تضرما

أجد لي العهد القديم كأنه ... أشار بتذكار العهود فأفهما

عجبت لمرتاع الجوانح خافق ... بكيت له خلف الدجا وتبسما

وبت أرويه كؤوس مدامعي ... وبات يعاطيني الحديث عن الحمى

وصافحته عن رسم دار بذي الغضي ... لبست بها ثوب الشبيبة معلما

لعهدي بها تدني الظباء أوانسا ... وتطلع في آفاقها الغيد أنجما

أحن إليها حيث سار بي الهوى ... وأنجد رحلي في البلاد وأتهما

ولما استقر القرار، واطمأنت الدار، وكان من السلطان الاغتباط والاستبشار، وكثر الحنين إلى الأهل والتذكار، أمر لاستقدام [4] أهلي من مطرح اغترابهم من

قسنطينة، بعث إليهم من جاء بهم إلى تلمسان. وأمر قائد الأسطول بالمرية، فسار في إجازتهم في أسطوله، واحتلوا بالمرية. واستأذنت السلطان في تلقيهم، وقدمت بهم على الحضرة بعد أن هيأت لهم المنزل والبستان ودمنة الفلح، وسائر ضروريات المعاش.

وكتبت الى الوزير ابن الخطيب عند ما قاربت الحضرة، وقد كتبت إليه أستأذنه في القدوم، وما أعتمده في أحواله.

سيدي، قدمت بالطير اليمانين، على البلد الأمين، واستضفت الرفاء إلى البنين، ومتعت بطول السنين. وصلتني البراءة المعربة عن كتب اللقاء، ودنو المزار، وذهاب البعد، وقرب الديار، وأستفهم سيدي عما عندي في القدوم على المخدوم، وأحب أن يستقدمني سيدي إلى الباب الكريم [1] في الوقت الذي يجد المجلس الجمهوري لم يقض حجيجه، ولم يصخ [2] بهيجه، ويصل الأهل بعده إلى المحل الذي هيأته السعادة لاستقرارهم، واختاره اليمن قبل اختيارهم والسلام.

ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن حملوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي للسلطان، واشتماله علي، وحركوا له جواد الغيرة فتنكر. وشممت منه رائحة الانقباض مع استبداده بالدولة، وتحكمه في سائر أحوالها، وجاءتني كتب السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بأنه استولى عليها في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة واستدعاني إليه، فاستأذنت السلطان ابن الأحمر في الارتحال إليه. وعميت عليه شأن ابن الخطيب إبقاء للمودة، فارتمض [3] لذلك، ولم يسعه إلا الاسعاف، فودع وزود وكتب لي مرسوما بالتشييع من إملاء الوزير ابن الخطيب نصه:

هذا ظهير كريم، تضمن تشييعا وترفيعا وإكراما وإعظاما، وكان لعمل الصنيع ختاما، وعلى الذي أحسن تماما، وأشاد به للمعتمد به بالاغتباط الذي راق قساما [4] ، وتوفر إقساما، وأعلق بالقبول أن نوى بعد القوى رجوعا وآثر على الظعن المزمع مقاما.

أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه، وحبسه الأمير أبو عبد الله ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر أيد الله أمره، وأعز نصره، وأعلى ذكره، للولي الجليس، الحظي المكين، المقرب الأود الابن الفقيه الجليل الصدر الأوحد، الرئيس العالم الفاضل الكامل، الموقع الأمين الأظهر الأرضى، الأخلص الأصفى، أبي زيد عبد الرحمن ابن الشيخ الجليل، الحسيب الأصيل، المرفع المعظم، الصدر الأوحد، الأسمى الأفضل الموقر المبرور أبي يحيى ابن الشيخ الجليل الكبير، الرفيع الماجد، القائد الحظي، المعظم الموقر، المبرور المرحوم أبي عبد الله بن خلدون. وصله الله أسباب السعادة، وبلغه من فضله أقصى الإرادة، أعلن بما عنده، أيده الله من الاعتقاد الجميل في جانبه المرفع، وإن كان غنيا عن الإعلان، وأعرب عن معرفة مقداره في الحسبان، العلماء الرؤساء الأعيان، وأشاد باتصال رضاه عن مقاصده البرة وشيمه الحسان، من لدن وفد على بابه، وفادة العز الراسخ البنيان، وأقام المقام الذي عين له رفعة المكان، وإجلال الشان، إلى أن عزم على قصد وطنه، أبلغه الله في ظل الأمن [1] والأمان، وكفالة الرحمن بعد الاغتباط المربي على الخير بالعيان، والتمسك بجواره بجهد الإمكان، ثم قبول عذره بما جبلت الأنفس عليه من الحنين إلى المعاهد والأوطان. بعد أن لم يدخر عنه كرامة رفيعة، ولم يحجب عنه وجه صنيعه، فولاه القيادة والسيادة [2] وأحله جليسا معتمدا بالاستشارة، ثم أصحبه تشييعا يشهد بالضنانة بفراقه، ويجمع له بر الوجاهة من جميع آفاقه، ويجعله بيده رتيمة خنصر [3] ووثيقة سامع أو مبصر، فمهما لوى أخدعه إلى هذه البلاد بعد قضاء وطره، وتمليه من نهمة سفره، أو نزع به حسن العهد وحنين الود، فصدر العناية به مشروح، وباب الرضا والقبول مفتوح، وما عهده من الحظوة والبر ممنوح. فما كان القصد في مثله من أمجاد الأولياء التحول، ولا الاعتقاد الكريم التبدل، ولا الزمن الأخير أن ينسخ الأول. على هذا فليطو ضميره، وليرد ما شاء نميره، ومن وقف عليه من القواد والأشياخ والخدام برا وبحرا على اختلاف الخطط والرتب، وتباين الأحوال والنسب، أن يعرفوا حق

هذا الاعتقال في كل ما يحتاج إليه من تشييع ونزول، وإعانة وقبول، واعتناء موصول إلى أن يكمل الغرض، ويؤدي من امتثال هذا الأمر الواجب المفترض بحول الله وقوته.

وكتب في التاسع عشر من جمادى الأولى عام ست وستين وسبعمائة.

وبعد التاريخ العلامة بخط السلطان، ونصها «صح هذا» .

** (الرحلة من الأندلس الى بجاية وولاية الحجابة بها على الاستبداد) **

كانت بجاية ثغرا لإفريقية في دولة بني أبي حفص من الموحدين. ولما صار أمرهم للسلطان أبي يحيى منهم، واستقل بملك إفريقية، ولى في ثغر بجاية ابنه الأمير أبو زكريا، وفي ثغر قسنطينة ابنه الأمير أبا عبد الله. وكان بنو عبد الواد ملوك تلمسان والمغرب الأوسط ينازعونه في أعماله، ويحجرون الكتائب على بجاية [1] ، ويجلبون على قسنطينة إلى أن تمسك السلطان أبو بكر بذمة من السلطان أبي الحسن ملك المغرب الأوسط والأقصى من بني مرين، وله الشفوف على سائر ملوكهم. وزحف السلطان أبو الحسن إلى تلمسان فأخذ بمخنقها سنتين أو أزيد، وملكها عنوة وقتل سلطانها أبا تاشفين وذلك سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وخف ما كان على الموحدين من أمر بني عبد الواد، واستقامت دولتهم. ثم هلك أبو عبد الله ابن السلطان أبي يحيى بقسنطينة سنة أربعين وسبعمائة، وخلف سبعة من الأولاد، كبيرهم أبو زيد عبد الرحمن، ثم أبو العباس أحمد، فولى الأمير أبو زيد مكان أبيه في كفالة نبيل مولاهم. ثم توفي الأمير أبو زكريا ببجاية سنة ست وأربعين وسبعمائة، وخلف ثلاثة من الأولاد، كبيرهم أبو عبد الله محمد، وبعث السلطان أبو بكر ابنه الأمير أبا حفص عليها، فمال أهل بجاية إلى الأمير أبي عبد الله بن زكريا، وانحرفوا عن الأمير عمر وأخرجوه. وبادر السلطان فرقع هذا الخرق بولاية أبي عبد الله عليهم كما طلبوه. ثم توفي السلطان أبو بكر منتصف سبع وأربعين وسبعمائة وزحف أبو الحسن إلى إفريقية

فملكها، ونقل الأمراء من بجاية وقسنطينة إلى المغرب. وأقطع لهم هنالك إلى أن كانت حادثة القيروان، وخلع السلطان أبو عنان أباه. وارتحل من تلمسان إلى فاس، فنقل معه هؤلاء الأمراء أهل بجاية وقسنطينة، وخلطهم بنفسه، وبالغ في تكرمتهم. ثم صرفهم إلى ثغورهم الأمير أبا عبد الله أولا، وإخوته من تلمسان، وأبا زيد وإخوته من فاس ليستبدوا بثغورهم، ويخذلوا الناس عن السلطان أبي الحسن، فوصلوا إلى بلادهم وملكوها بعد أن كان الفضل ابن السلطان أبي بكر قد استولى عليها من يد بني مرين، فانتزعوها منه. واستقر أبو عبد الله ببجاية حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن بجبال المصامدة، وزحف أبو عنان إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فهزم ملوكها من بني عبد الواد وأبادهم، ونزل المدية وأطل على بجاية، وبادر الأمير أبو عبد الله للقائه، وشكا إليه ما يلقاه من زبون [1] الجند والعرب، وقلة الجباية. وخرج له عن ثغر بجاية فملكها، وأنزل عماله بها، ونقل الأمير أبا عبد الله معه إلى المغرب، فلم يزل عنده في كفاية [2] وكرامة. ولما قدمت على السلطان أبي عنان سنة خمس وخمسين وسبعمائة واستخلصني منه، نبضت عروق السابق بين سلفي وسلف الأمير أبي عبد الله، واستدعاني لصحابته، فأسرعت وكان السلطان أبو عنان شديد الغيرة من مثل ذلك. ثم كثر المنافسون ورفعوا إلى السلطان وقد طرقه مرض أرجف له الناس، فرفعوا له أن الأمير أبا عبد الله اعتزم على الفرار إلى بجاية، وأني عاقدته على ذلك، على أن يوليني حجابته، فانبعث له السلطان وسطا بنا واعتقلني نحوا من سنتين إلى أن هلك. وجاء السلطان أبو سالم واستولى على المغرب، ووليت كتابة سره، ثم نهض إلى تلمسان وملكها من يد بني عبد الواد، وأخرج منها أبا حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يغمراسن، ثم اعتزم على الرجوع إلى فاس، وولى على تلمسان أبا زيان محمد بن أبي سعيد عثمان ابن السلطان أبي تاشفين وأمده بالأموال والعساكر من أهل وطنه ليدافع أبا حمو عن تلمسان ويكون خالصة له، وكان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية كما ذكرناه، والأمير أبو العباس صاحب قسنطينة بعد أن كان بنو مرين حاصروا أخاه أبا زيد بقسنطينة أعواما تباعا.

ثم خرج لبعض مذاهبه إلى بونة، وترك أخاه أبا العباس بها فخلعه، واستبد بالأمر وخرج إلى العساكر المجمرة عليها من بني مرين، فهزمهم وأثخن فيهم. ونهض السلطان إليه من فاس سنة ثمان وخمسين وسبعمائة فتبرأ منه أهل البلد وأسلموه، فبعثه إلى سبتة في البحر، واعتقله بها حتى إذا ملك السلطان أبو سالم سبتة عند إجازته من الأندلس سنة ستين وسبعمائة أطلقه من الاعتقال وصحبه إلى دار ملكه ووعده برد بلده عليه.

فلما ولى أبو زيان على تلمسان أشار عليه خاصته ونصحاؤه بأن يبعث هؤلاء الموحدين إلى ثغورهم، فبعث أبا عبد الله إلى بجاية وقد كان ملكها عمه أبو إسحاق صاحب تلمسان [1] ، ومكفول بن تافراكين من يد بني مرين. وبعث أبا العباس إلى قسنطينة وبها زعيم من زعماء بني مرين. وكتب إليه السلطان أبو سالم أن يفرج له عنها فملكها لوقته، وسار الأمير أبو عبد الله إلى بجاية فطال إجلابه عليها، ومعاودته حصارها.

وألح أهلها في الامتناع منه مع السلطان أبي إسحاق. وقد كان لي المقام المحمود في بعث هؤلاء الأمراء إلى بلادهم. وتوليت كبر ذلك مع خاصة السلطان أبي سالم وكتاب أهل مجلسه، حتى تم القصد من ذلك، وكتب لي الأمير أبو عبد الله بخطه عهدا بولاية الحجابة متى حصل على سلطانه، ومعنى الحجابة في دولنا بالمغرب الاستقلال بالدولة، والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته، لا يشاركه في ذلك أحد. وكان لي أخ صغير اسمه يحيى [2] ، أصغر مني، فبعثه مع الأمير أبي عبد الله حافظا للرسم، ورجعت مع السلطان إلى فاس. ثم كان ما قدمته من انصرافي إلى الأندلس والمقام بها إلى أن تنكر الوزير ابن الخطيب وأظلم الجو بيني وبينه.

وبينما نحن في ذلك، وصل الخبر باستيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية من يدعمه في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة وكتب لي الأمير أبو عبد الله يستقدمني، فاعتزمت على ذلك، ونكر السلطان أبو عبد الله ابن الأحمر ذلك مني، لا لظنه سوى ذلك [3] ، إذ لم يطلع على ما كان بيني وبين الوزير ابن الخطيب، فأمضيت

العزم، ووقع منه الإسعاف والبر والألطاف. وركبت البحر من مرسى المرية، منتصف ست وستين وسبعمائة ونزلت بجاية لخامسة من الإقلاع، فاحتفل السلطان صاحب بجاية لقدومي، وأركب للقائي، وتهافت أهل البلد علي من كل أوب يمسحون أعطافي، ويقبلون يدي، وكان يوما مشهودا.

ثم وصلت إلى السلطان فحيا وفدى، وخلع وحمل، وأصبحت من الغد، وقد أمر السلطان أهل الدولة بمباكرة بابي، واستقللت بحمل ملكه، واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه، وقدمني للخطابة بجامع القصبة وأنا مع ذلك، عاكف بعد انصرافي من تدبير الملك غدوة، إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع القصبة، لا أنفك عن ذلك.

ووجدت بينه وبين ابن عمه السلطان أبي العباس صاحب قسنطينة فتنة، أحدثتها المشاحة في حدود الأعمال من الرعايا والعمال، وشبت نار هذه الفتنة بعرب أوطانهم من الزواودة من رياح، تنفيقا لسوق الزبون يميرون [1] به أموالهم، فكانوا في أهم شقة بجمع بعضهم لبعض فالتقو سنة ست وستين وسبعمائة بفدحيوه [2] ، وانقسم العرب عليهما، وكان يعقوب بن علي مع السلطان أبي العباس، فانهزم السلطان أبو عبد الله ورجع إلى بجاية مفلولا بعد أن كنت جمعت له أموالا كثيرة أنفق جميعها في العرب، ولما رجع وأعوزته النفقة، خرجت بنفسي إلى قبائل البربر بالجبال [3] الممتنعين من المغارم منذ سنين، فدخلت بلادهم واستبحت حماهم، وأخذت رهنهم على الطاعة، حتى استوفيت منهم الجباية، وكان لنا في ذلك مدد وإعانة. ثم بعث صاحب تلمسان إلى السلطان يطلب منه الصهر، فأسعفه بذلك ليصل يده به على ابن عمه، وزوجه ابنته، ثم نهض السلطان أبو العباس سنة سبع وستين وسبعمائة وجاس أوطان بجاية، وكاتب أهل البلد، وكانوا وجلين من السلطان أبي عبد الله لما كان يرهف الحد لهم، ويشد وطأته عليهم، فأجابوه إلى الانحراف عنه. وخرج الشيخ أبو عبد الله يروم مدافعته، ونزل جبل إيزو معتصما به، فبيته السلطان أبو العباس في عساكره وجموع الأعراب من أولاد محمد من رياح بمكانه ذلك،

بإغراء ابن صخر وقبائل سدويكش، وكبسه في مخيمه وركض هاربا، فلحقه وقتله، وسار إلى البلد بمواعدة أهلها. وجاءني الخبر بذلك، وأنا مقيم بقصبة السلطان بقصوره، وطلب مني جماعة من أهل البلد القيام بالأمر والبيعة لبعض أبناء السلطان، فتفاديت من ذلك، وخرجت إلى السلطان أبي العباس فأكرمني وحياني [1] ، وأمكنته من بلده، وأجرى أحوالها [2] كلها على معهودها. وكثرت السعاية عنده في والتحذير من مكاني، وشعرت بذلك، فطلبت الإذن في الانصراف بعهد كان منه في ذلك، فأذن لي بعد ما أبى، وخرجت إلى العرب، ونزلت على يعقوب بن علي. ثم بدا له الشأن في أمري، وقبض على أخي واعتقله ببونة. وكبس بيوتنا، فظن بها ذخيرة وأموالا فأخفق ظنه. ثم ارتحلت من أحياء يعقوب بن علي وقصدت بسكرة [3] لصحابة بيني وبين شيخها أحمد بن يوسف بن مزنى، وبين أبيه، فأكرم وبر وساهم في الحادث بماله وجاهه والله أعلم.

** (مشايعة أبي حمو صاحب تلمسان) **

كان السلطان أبو حمو قد التحم ما بينه وبين السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بالصهر في ابنته، وكانت عنده بتلمسان. فلما بلغه مقتل أبيها واستيلاء السلطان أبي العباس ابن عمه صاحب قسنطينة على بجاية، أظهر الامتعاض لذلك، وكان أهل بجاية قد توجسوا الخيفة من سلطانهم بإرهاف حده، وشدة بطشه. وسطوته فانحرفوا عنه باطنا وكاتبوا ابن عمه بقسنطينة كما ذكرناه.

ودسوا للسلطان أبي حمو بمثلها يرجون الخلاص من صاحبهم بأحدهما. فلما استولى السلطان أبو العباس وقتل ابن عمه رأوا أن جرحهم قد اندمل، وحاجتهم قد قضيت، فاعصوصبوا عليه، وأظهر السلطان أبو حمو الامتعاض للواقعة يسر منها

حسوا في ارتقاء [1] ، ويجعله ذريعة للاستيلاء على بجاية، لما كان يرى نفسه كفؤها بعدده وعديده، وما سلف من قومه في حصارها، فسار من تلمسان يجر الشوك والمدر [2] ، خيم بالرشة من ساحتها، ومعه أحياء زغبة بجموعهم وظعائنهم من لدن تلمسان إلى بلاد حصين من بني عامر وبني يعقوب وسويد والديالم والعطاف وحصين.

وانحجر أبو العباس بالبلد في شرذمة من الجند أعجله السلطان أبو حمو عن استكمال الحشد، ودافع أهل البلد أحسن الدفاع، وبعث السلطان أبو العباس عن أبي زيان ابن السلطان أبي سعيد عم أبي حمو من قسنطينة، كان معتقلا بها، وأمر مولاه وقائد عسكره بشيرا أن يخرج معه في العساكر، وساروا حتى نزلوا بني عبد الجبار قبالة معسكر أبي حمو، وكانت رجالات زغبة قد وجموا من السلطان، وأبلغهم النذير أنه إن ملك بجاية اعتقلهم بها، فراسلوا أبا زيان وركبوا إليه، واعتقدوا معه وخرج رجل البلد بعض الأيام من أعلى الحصن، ودفعوا شرذمة كانت مجمرة بإزائهم، فاقتلعوا خباءهم، وأسهلوا من تلك العقبة إلى بسيط الرشة، وعاينهم العرب بأقصى مكانهم من المعسكر فأجفلوا، وتتابع الناس في الانجفال حتى أفردوا السلطان في مخيمه فحمل رواحله وسار، وغصت الطرق بزحامهم، وتراكم بعضهم على بعض، فهلك منهم عوالم. وأخذهم سكان الجبال من البربر بالنهب من كل ناحية، وقد غشيهم الليل، فتركوا أزوادهم ورحالهم. وخلص السلطان ومن خلص منهم بعد غص الريق، وأصبحوا على منجاة. وقذفت بهم الطرق من كل ناحية إلى تلمسان، وكان السلطان أبو حمو قد بلغه خبر خروجي من بجاية، وما أحدثه السلطان بعدي في أهلي ومخلفي، فكتب إلي يستقدمني قبل هذه الواقعة، وكانت الأمور قد اشتبهت، فتفاديت بالأعذار، وأقمت بأحياء يعقوب بن علي. ثم ارتحلت إلى بسكرة فأقمت بها عند أميرها أحمد بن يوسف بن مزني. فلما وصل السلطان أبو حمو إلى تلمسان وقد جزع للواقعة، أخذ في استئلاف قبائل رياح ليجلب بهم مع عساكره على أوطان بجاية، وخاطبني في ذلك لقرب عهدي باستتباعهم، وملك

زمامهم، ورأى أن يعول علي في ذلك، واستدعاني لحجابته وعلامته، وكتب بخطه مدرجة في الكتاب نصها:

الحمد لله على ما أنعم، والشكر لله على ما وهب، ليعلم الفقيه المكرم أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، حفظه الله، انك تصل إلى مقامنا الكريم بما خصصناكم به من الرتبة المنيعة، والمنزلة المنيفة، وهو قلم خلافتنا، والانتظام في سلك أوليائنا، وقد أعلمناكم بذلك، وكتب بخط يده عبد الله المتوكل على الله، موسى بن يوسف لطف الله به وخار له.

وبعده بخط الكاتب ما نصه: بتاريخ السابع عشر من شهر رجب الفرد الذي من عام تسع وستين وسبعمائة، عرفنا الله خيره. ونص الكتاب الذي هذه مدرجته، وهو بخط الكاتب: «أكرمكم الله يا فقيه أبا زيد ووالى رعايتكم، إنا قد ثبت عندنا، وصح لدينا ما انطويتم عليه من المحبة في مقامنا، والانقطاع إلى جنابنا، والتشييع قديما وحديثا لنا، مع ما نعلمه من محاسن اشتملت عليها أوصافكم، ومعارف فقتم فيها نظراءكم، ورسوخ القدم في الفنون العلمية والآداب العربية.

وكانت خطة الحجابة ببابنا العلي أسماه الله إلى درجات أمثالكم، وأرفع الخطط لنظرائكم، قربا منا، واختصاصا بمقامنا، واطلاعا على خفايا أسرارنا، آثرناكم بها إيثارا، وقدمناكم لها اصطفاء واختيارا، فاعملوا على الوصول إلى بابنا العلي أسماه الله لما لكم فيه من التنويه، والقدر النبيه، حاجبا لعلي بابنا، ومستودعا لأسرارنا، وصاحبا لكريم علامتنا، إلى ما شاكل ذلك من الانعام العميم، والخير الجسيم، والاعتناء والتكريم. لا يشارككم مشارك في ذلك، ولا يزاحمكم أحد، وإن وجد من أمثالكم فأعملوه وعولوا عليه، والله تعالى يتولاكم، ويصل سراءكم، ويوالي احتفاءكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .

وتأدت إلي هذه الكتب السلطانية على يد سفير من وزرائه جاء إلى أشياخ الزواودة في هذا الغرض، فقمت له في ذلك أحسن قيام وشايعته أحسن مشايعة، وحملتهم على إجابة داعي السلطان والبدار إلى خدمته. وانحرف كبراؤهم عن السلطان أبي العباس إلى خدمته، والاعتمال في مذاهبه، واستقام غرضه من ذلك، وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله، وقدم علي ببسكرة، فبعثته إلى السلطان أبي حمو كالنائب عني في الوظيفة، متفاديا عن تجشم أهوالها بما كنت

نزعت عن غواية الرتب. وطال علي إغفال العلم، فأعرضت عن الخوض في أحوال الملوك، وبعثت الهمة على المطالعة والتدريس، فوصل إليه الأخ فاستكفى به في ذلك، ودفعه إليه.

ووصلني مع هذه الكتب السلطانية كتاب رسالة من الوزير أبي عبد الله بن الخطيب من غرناطة يتشوق إلي، وتأدى إلى تلمسان على يد سفراء السلطان ابن الأحمر، فبعث إلي من هنالك ونصه:

بنفسي وما نفسي علي رخيصة [1] ... فينزلني عنها المكاس بأثمان

حبيب نأى عني وصم لا أنثني ... وراش سهام البين عمدا فأضناني [2]

وقد كان هم الشيب لا كان كائنا [3] ... فقد آدني لما ترحل همان

شرعت له من دمع عيني موردا ... فكدر شربي بالفراق وأظماني

وأرعيته من حسن عهدي حمية [4] ... فأجدب آمالي وأوحش أزماني

حلفت على ما عنده لي من رضى ... قياسا بما عندي فأحنث أيماني

وإني على ما نالني منه من قلى ... لأشتاق من لقياه نعبة ظمآن

سألت جنوني فيه تقريب عرسه ... فقست بحر الشوق جن سليمان

إذا ما دعا داع من القوم باسمه ... وثبت وما استثبت شيمة هيمان

وتالله ما أصغيت فيه لعاذل ... تحاميته حتى ارعوى وتحاماني

ولا استشعرت نفسي برحمة عابد ... تظلل يوما مثله عبد رحمان

ولا شعرت من قبله بتشوق ... تخلل منها بين روح وجثمان

أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فسل به أية درج، بعد أن تجاوز اللوى [5] والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأني بالصبر على إبر الزبر [6] لا بل الضرب الهبر، ومطاولة اليوم والشهر، تحت حكم

القهر، ومن للعين أن تسلو سلو القصر عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزاهد عن سرها الرائي والمشاهد، وفي الجسد مضغة يصلح إذا صلحت، فكيف حاله إن رحلت عنه أو ترحت، وإذا كان الفراق هو الحمام الأول، فعلام المعول أعيت مراوضة الفراق على الرواق [1] ، وكادت لوعة الاشتياق أن تفضي إلى السياق [2] .

تركتموني بعد تشييعكم ... أوسع أمر الصبر عصيانا

أقرع سني ندما تارة ... وأستميح الدمع أحيانا

وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية، وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، أسائل نون النؤى [3] عن أهليه، وهيام المرقد المهجور عن مصطليه، وثاء الأثافي المثلثة من منازل الموحدين، وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين. لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، كلفت لعمر الله بسائل عن جفوني المؤرقة، ونائم عن شجوني [4] المجتمعة المتفرقة، ظعن عن ملال، لا متبرما بشر حال [5] وكدر الوصل بعد صفائه، وضرح النصل بعد عهد وفائه.

أقل اشتياقا أيها القلب إنما ... رأيتك تصفي الود من ليس جازيا

فها أنا أبكي عليه بدم أساله، وأندب في ربع الفراق آسى له، وأشكو إليه حال قلب صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لما خدعه، ثم قلاه وودعه، وانشق رياه أنف ارتياح قد جدعه، واستعديه على ظلم ابتدعه.

«خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي [6]

فلولا عسى الرجاء ولعله، لا بل شفاعة المحل الذي حله، لنشرت ألوية العتب، وبثثت كتائبها كمينا في شعاب الكتب، تهز من الألفات رماحا هز الأسنة [7] وتوتر من النونات أمثال القسي المرنة، وتقود من مجموع الطرس والنقس بلقا تردي في

الأعنة، ولكنه أوى إلى الحرم الأمين، وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من معرة الغوار عن الشمال واليمين، حرم الخلال المزنية، والظلال اليزنية، والهمم السنية، والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدنية، حيث الرفد الممنوح، والطير الميامن يزجر لها السنوح والمثوى الذي إليه مهما تقارع الكرام على الضيفان، حول جوابي الجفان، فهو الجنوح.

نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا

ومن حل بتلك المثابة فقد اطمأن جنبه، وتغمد بالعفو ذنبه، (ولله در القائل) :

فو حقه لقد انتدبت لوصفه ... بالبخل لولا أن حمصا داره

بلد متى أذكره هيج [1] لوعتي ... وإذا قدحت الزند طار شراره

اللهم غفرا، وأين قراره النخيل، من مثوى الألف البخيل، ومكذبة المخيل، وأين نائية هجر، من متبرئ ممن ألحد وفجر [2]

من أنكر غيث مسودة [3] ... في الأرض ينوء بمخلفها

فبنان بني مزنى مزن ... تنهل بلطف مصرفها

مزن مذحل ببسكرة ... يوما نطقت بمصحفها

شكرت حتى بعبارتها ... وبمعنها وبأحرفها

ضحكت بأبي العباس من ... الأيام ثنايا زخرفها

وشكرت الدنيا متى عرفت ... مزن فيها بمعرفها [4]

بل نقول لا محل للولد [5] ، لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد، لقد حل بينك عرى الجلد، وخلد الشوق بعدك يا ابن خلدون في الصميم من الخلد، فحيا الله زمانا شفيت في قربك زمانته [6] ، واحتليت في ذروة مجدك جمانته، ويا من لمشوق لم يفض من طول خلتك لبانته [7] ، وأهلا بروض أضلت شباب معارفك

بانته، فحمائمه بعدك تندب فيساعدها الجندب، ونواسمه ترق فتتغاشى، وعشبانه تتهافت وتتلاشى، وأدواحه في ارتباك، وحمائمه في مأتم ذي اشتباك، كأن لم تكن قمرها لات قبابه، ولم يكن أنسك شارع بابه، إلى صفوة الظرف ولبابة، ولم يسبح إنسان عينك [1] في ماء شبابه، فلهفا عليك من درة اختلستها يد النوى، ومطل بردها الدهر ولوى، ونعق غراب بينها في ربوع الهوى، ونطق بالزجر فما نطق عن الهوى، وبأي شيء يعتاض منك أيتها الرياض، بعد أن طما نهرك الفياض، وفهقت [2] الحياض، ولا كان الشانئ المشنوء والحرب المهنوء من قطيع ليل أغار على الصبح فاحتمل، وشارك في الأمر الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل، فشرع [3] الشراع فراع، وواصل الإسراع، فكأنما هو تمساح النيل ضايق الأحباب في البرهة، وأختطف بهم من الشط نزهة العين، وعين النزهة، ولجج بها، والعيون تنظر، والعبر عن الاتباع [4] تخطر، فلم يقدر إلا على الأسف، والتماح الأثر المنتسف، والرجوع بملء العيبة من الخيبة، ووفر الحبرة [5] من الحسرة، إنما نشكو إلى الله البث والحزن، ونستمطر منه المزن [6] ، وبسيف الرجاء نصول، إذا شرعت لليأس أسنة ونصول.

ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممن داره صول

فإن كان كلام [7] الفراق رغيبا، لما نويت مغيبا، وجللت الوقت الهني تشغيبا، فلعل الملتقى يكون قريبا، وحديثه يروى صحيحا غريبا. إيه سيدي كيف حال تلك الشمائل المزهرة المخايل، والشيم الهامية الديم؟ هل يمر ببالها من راعت بالبعد باله، وأخمدت بعاصف البين ذباله؟ أو ترثي لمؤق [8] شأنها سكب لا يفتر، وشوق

يبت حبال المشوق [1] ويبتر وضنى تقصر عن حلله الفائقة صنعاء وتستر [2] والأمر أعظم والله يستر، وما الذي يضيرك صير من بلفح السموم يضيرك [3] ، بعد أن أضرمت وأشعلت وأوقدت، وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، إن تترفق بذماء، أو ترد بنغبة ماء، أرماق ظماء، وتتعاهد المعاهد بتحية عليها شذ أنفاسك، أو تنظر إلينا من البعد بمقلة حوراء من بياض قرطاسك وسواد أنفاسك، فربما قنعت الأنفس المحبة بخيال يزور، وتعللت بنوال منذور، ورضيت لما لم تصد العنقاء بزرزور.

يا من ترحل والرياح لأجله ... تشتاق أن يعبق شذا رياها [4]

تحيا النفوس إذا بعثت تحية ... وإذا قرأت ترى ومن أحياها [5]

ولئن أحييت بها فيما سلف نفوسنا تفديك، والله إلى الخير يهديك، فنحن نقول معشر موديك «ثن ولا تجعلها بيضة الديك [6] وعذرا فإني لم أجترئ على خطابك بالفقرة الفقيرة، وأدللت لدي محرابك برفع العقيرة، عن نشاط بعث مرسومه [7] ولا اغتباط بالأدب إلا بسياسة تسوسه، أو في على الفترة ناموسه وانما هو نفاق نفثة المصدور [8] ، وهناء الجرب المجدور، وإن تعلل به مخارق، فثم قياس فارق، والذي هيأ هذا القدر وسببه، وسهل المكروه إلي منه وحببه، ما اقتضاه الصنو يحيى، أمد الله حياته، وحرس من الحوادث جهاته [9] ، من خطاب ارتشف لهذه القريحة العديمة بلالتها، بعد أن رضي غلالتها، ورسخ إلى الصهر الحضرمي سلالتها، فلم يسع إلا إسعافه، بما أعافه، فأمليت مجيبا ما لا يعد في يوم الرهان

نجيبا، وأسمعته وجيبا لما ساجلت بهذه الترهات سحرا عجيبا، حتى إذا ألف القلم العريان فسحه [1] ، وجمح برذون الغزارة فلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوه وموقف شلوه [2] ، إلا وقد تحيز إلى فئتك مغترا بل معترا، واستقبلها ضاحكا مفترا، وهش لها برا، وإن كان من الخجل مصفرا، وليس بأول من هجر، في التماس الوصل ممن هجر، أو بعث التمر إلى هجر [3] ، وأي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في محاورة الأعلام، بعد أن حال الجريض دون القريض [4] ، وشغل المريض عن التعريض، وغلب الشوق الكسل، ونشرت [5] الشعرات البيض كأنها الأسل، تروع برقط الحيات، سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر، والشباب [6] عند البيات، والشيب الموت العاجل، وإذا ابيض زرع صبحته المناجل، والمعتبر الآجل، وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده، حكم في الظاهر بإبعاده، وأسره في ملكة عاده، فأغض أبقاك الله، وأسمح لمن قصر عن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لباس ثوب الثواب، واشف بعض الجوى بالجواب.

تولاك الله فيما استضفت وملكت، ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك أية سلكت، ووسمك من السعادة بأوضح السمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات، والسلام الكريم يعتمد حلال [7] ولدي وساكن خلدي، بل أخي وإن اتقيت عتبة وسيدي، ورحمة الله وبركاته، من محبة المشتاق إليه محمد بن عبد الله بن الخطيب في الرابع عشر من شهر ربيع الثاني من عام سبعين وسبعمائة.

وكان تقدم منه قبل هذه الرسالة كتاب آخر إلي، بعث به إلى تلمسان فتأخر وصوله، حتى بعث به أخي يحيى عند وفادته على السلطان، ونص الكتاب.

يا سيدي إجلالا واعتدادا، وأخي ودا واعتقادا، ومحل ولدي شفقة حلت مني

فؤادا. طال علي انقطاع أنبائك، واختفاء أخبارك، فرجوت أن أبلغ المنية بهذا المكتوب إليك، وتخترق الموانع دونك، وإن كنت في موالاتك كالعاطش الذي لا يروى، والآكل الذي لا يشبع، شأن من تجاوز الحدود الطبيعية، والعوائد المألوفة، فأنا بعد إنهاء التحية المطلولة الروض بماء الدموع، وتقرير الشوق القديم اللزيم، وشكوى البعاد الأليم، والابتهال في إتاحة القرب [1] قبل الفوت من الله ميسر العسير، ومقرب البعيد، أسأل عن أحوالك سؤال أبعد الناس مجالا [2] في مجال الخلوص لك، وأشدهم حرصا على اتصال سعادتك، وقد اتصل بي في هذه الأيام ما جرى به القدر من تنويع الحال لديك، واستقرارك ببسكرة على الغبطة بك باللجإ إلى تلك الرئاسة الزكية، الكريمة الأب، الشهيرة الفضل، المعروفة القدر على البعد، حرسها الله ملجأ للفضلاء، ومخيما لرجال العلياء، ومهبا لطيب الثناء، بحول وقوته، وقاربت كل ساح السلامة [3] فاحمدوا الله على الخلاص، وقاربوا في معاملة الآمال، وضنوا بتلك الذات الفاضلة عن المشاق، وأبخلوا بها عن المتالف، فمطلوب الحريص على الدنيا خسيس، والموانع الحافة جمة، والحاصل حسرة، وما قل سعي يحمد حاله العاقبة [4] ، والعاقل لا يستنكحه الاستغراق فيما آخره الموت، إنما ينال منه الضروري، ومثلك لا يعجزه مع الناس [5] العافية، إضعاف ما يرجى به العمر من المأكل والمشرب، وحسبنا الله.

وإن تشوفت لحال المحب تلك السيادة الفذة والبنوة البرة، فالحال حال من جعل الزمام بيد القدر، والسير في مهيع الغفلة، والسبح في تيار الشواغل، ومن وراء الأمور غيب محجوب، وأجل مكتوب، يؤمل فيه عادة الستر من الله، إلا أن الضجر الذي تعلمونه حفظه الناس لما عجزت الحيلة، وأعوز الناصر [6] وسدت المذاهب، والشأن اليوم شأن الناس فيما يقرب من الاعتدال.

وفيما يرجع إلى السلطان تولاه الله على إضعاف ما باشر سيدي من الأغياء في البر، ووصل سبب الالتحام والاشتمال مع الإقبال [1] وما ينتجه متعود الظهور، والحمد لله.

وفيما يرجع إلى الأحباب والأولاد فعلى ما علمت الآن الشوق يخامر القلوب، وتصور اللقاء مما يزهد في الوطن، وحاضر النعم سنى الله ذلك على أفضل حال، ويسره قبل الارتحال من دار المحال.

وفيما يرجع إلى الوطن فأحوال النائم خصبا، وهدنة وظهورا على العدو، وحسبك فافتتاح حصن آش وبرغة [2] القاطعة بين بلاد الإسلام، ووبرة [3] والعارين وبيعة [4] وحصن السهلة في عام. ثم دخل بلد إطريرة بنت إشبيلية عنوة، والاستيلاء على ما يناهز خمسة آلاف من السبي من فتح دار الملك، وبلدة قرطبة، ومدينة جيان عنوة في اليوم الأغر المحجل، وقتل المقاتلة، وسبي الذرية، وتعفية الآثار حتى لا يلم بها العمران، ثم افتتاح مدينة رندة التي تلف جيان في ملاءتها، دار التجر، والرفاهية والبنات الحافلة، والنعم الثرة، نسأل الله جل وعلا أن يصل عوائد نصره، ولا يقطع عنا سيب رحمته، وأن ينفع بما أعان عليه من السعي في ذلك والإعانة عليه.

ولم يتزيد من الحوادث إلا ما علمتم من أخذ الله لنسب [5] السوء، وخبث الأرض، المسلوب من أثر الخير، عمر بن عبد الله، وتحكم شر الميتة في نفسه، وإتيان النكال على حاشيته، والاستئصال على نفيسة [6] ، والاضطراب مستول على الوطن بعده، إلا أن القرب على علالته [7] لا يرجحه غيره.

والأندلس اليوم شيخ غزاتها عبد الرحمن بن علي ابن السلطان أبي علي، بعد وفاة الشيخ أبي الحسن علي بن بدر الدين رحمه الله. وقد استقر بها بعد انصراف سيدي الأمير المذكور، والوزير مسعود بن رحو، وعمر بن عثمان بن سليمان.

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com