John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر ملوك الحيرة من بنى نصر وغيرهم

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 32 of 107

** جذيمة ابوضاح ومقتله **

ولما هلك جذيمة الوضاح وأتت عليه الزباء بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر، وقد كان ملك من مشارق الشام إلى الفرات من قبل الروم، وكانت داره بالموضع المعروف بالمضيق، بين بلاد الخانوقة وقرقيسيا، وقد كانت الزباء تملكت بعد أبيها، وأطمعت جذيمة في نفسمها إلى أن قتلته، وأقام جذيمة ملكا في زمن ملوك الطوائف خمسا وتسعين سنة، وفي ملك أردشير بن بابك وسابور الجنود بن أردشير ثلاثا وعشرين سنة؛ فكان ملكه مائة وثمان عشرة سنة، وكان يكنى بأبي مالك، وفيه يقول بعض شعراء الجاهلية وهو سويد بن أبي كاهل اليشكري:

أن أذق حتفي فقبلي ذاقه ... طسم عاد وجديس ذوالشنع

وأبو مالك القيل الذي ... قتلته بنت عمرو بالخدع

** مالك بن فهم **

وكان الملك قبل جذيمة أباه، وهو أول من ملك الحيرة، والله أعلم، وكان يقال له مالك بن فهم بن دوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان سار من اليمن مع ولد جفنة بن عمرو بن عامر مزيقياء، فسار بنو جفنة نحو الشام، وانفصل مالك نحو العراق فملك على مضر بن نزار اثنتي عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه جذيمة على ما ذكرنا.

** عمرو بن عدي **

ثم ملك بعد جذيمة ابن أخته عمر وبن عدي بن نصر بن ربيعه بن الحارث بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم، وهو أول من نزل من الملوك الحيرة واتخذها منزلا ودار ملك، وإليه تنسب الملوك النصرانية، وهم ملوك الحيرة؛فكان ملك عمرو عدي ابن أخت جذيمة مائة سنة.

** قصة عمرة بن عدي **

قال المسعودي: وقد ذكر غير واحد ممن عني بأخبار العرب وأي أمه ا أن جذيمة أول من ملك من قضاعة، وهو جذيمة بن مالك بن فهم التنوخي، وأنه قال ذات يوم لندمائه: لقد ذكر لي عن غلام من لخم، في أخواله من إياد، له ظرف وأدب، فلو بعثت إليه فوليته كأسي والقيام على رأسي لكان الرأي، قالوا: الرأي ما رأى الملك، فليبعث إليه، ففعل، فلما قدم عليه قال: من أنت؟ قال: أنا عدي بن نصر بن ربيعه، فولاه مجلسه، فعشقته قاش ابنة مالك أخت الملك، فقالت: يا عدي، إذا سقيت القوم فامزج لهم، وغدق للملك، فإذا أخذت الخمر منه فاخطبني منه فإنه يزوجك، فأشهد القوم إن فعل، ففعل الغلام ذلك وخطبها وزوجها به، فأشهد عليه، وانصرف الغلام إليها فأنبأها، فقالت: عرس بأهلك، ففعل، فلما أصبح غدا متضرجا بالخلوق، فقال !له جذيمة: ما هذه الآثار يا عدي؟. قال: اثار العرس، وقال: وأي عرس؟. قال: عرس رقاش فنخر وأكب على الأرض، ورفع علي جراميزه، وهرب وأسرع جذيمة في طلبه، فلم يجده، وقال بعضهم: بل قتله، وبعث إليها يقول:

حدثيني رقاش ل اتكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين.

أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟

؛ فأجابته رقاش تقول:

إنت زوجتني وما كنت أدري ... وأتاني النساء للتزيين

ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصبا والمجون

فنقلها جذيمة إليه، وحضنها في قصره، فاشتملت على حمل، وولدت غلاما فسمته عمرا، ووشحته، حتى إذا ترعرع حلته وعطرته وألبسته كسوة فاخرة، ثم أزارته خاله، وألقيت عليه منه محبة ومودة حتى إذا خرج الملك في سنة مكلئة قد أكمأت، فبسط له في روضة، وخرج عمرو في غلمة يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها، ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يتقدمهم، ويقول:

هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده! إلى فيه

** قصة نديمي جذيمة **

فالتزمه جذيمة وحباه، ثم إن الجن استطارته، فضرب له جذيمة في الافاق زمانا، فلم يسمع له بخبر فكف عنه إذ أقبل رجلان يقال لأحدهما: مالك، وللآخر: عقيل، ابنا فالج، وهما يريدان الملك بهدية، فنزلا على ماء، ومعهما قينة يقال لها أم عمرو، فنصبت لهما قدرا، وأصلحت لهما طعاما، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل أشعث أغبر الرأس قد طالت أظفاره وساءت حاله، حتى جلس مزجر الكلب، ومد يده، فناولته القينة طعاما، فأكل، فلم يغن عنه شيئا، فمد يده، فقالت القينة: إن تعط العبد كراعا طلب ذراعا، فأرسلتها مثلا، ثم ناولت صاحبيها من شرابها، وأوكت زقها، فقال عمرو بن عدى!:

علت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا

وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لاتصبحينا فقال له الرجلان: من أنت؟ فقال: إن تنكراني فلن تنكرا حسبي، أنا عمرو بن عدي؛ فقاما إليه فلثماه، وغسلا رأسه، وقلما أظفاره، وقصرا من لمته، وألبساه من طرائف ثيابهما، وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي أنفس عنده ولا هو عليها أحرص من ابن أخته، قدرده الله إليه، فخرجا به، حتى إذا وقفا على باب الملك بشراه به فسر به وصرفه إلى أمه ، وقال لهما: حكمكما، فقالا: حكمنا منادمتك ما بقيت وبقينا، قال: ذلك لكما، فهما ندمانا جذيمة المعروفان، وإياهما عني متمم بن نويرة اليربوعي في مرثيته لأخيه مالك حين قتله خالد بن الوليد بن المغيرة يوم البطاح:

وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

وقال أبو خراش الهذلي:

ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل

وإن أم عمرو عمدت إليه، فبعثت معه حفدة يقومون عليه في الحمام، حتى إذا خرج ألبسته من طرائف ثياب الملوك، وجعلت في عنقه طوقا من ذهب لنذر كان عليها، ثم أمرته بزيارة خالة، فالما رأى خاله لحيته والطوق في عنقه قال: شب عمرو عن الطوق، وأقام عمرو مع جذيمة خاله قد حمل عنه عامة أمره.

** بين الزباء وجذيمة **

وإن الزباء ابنة عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر ملكة الشام والجزيرة من أهل بيت عاملة من العماليق كانوا في سليح، وقال بعضهم: بل كانت رومية، وكانت تتكلم بالعربية، مدائنها على شاطىء الفرات من الجانب الشرقي والغربي، وهي اليوم خراب، وكانت - فيما ذكر - قد سقفت الفرات وجعلت من فوقه أبنية رومية وجعلته أنقابا بين مدائنها، وكانت تغزو بالجنود قبائل فخطبها جذيمة الأبرش، فكتبت إليه: إني فاعلة، ومثلك من يرغب فيه، فإذا شئت فاشخص إلي، وكانت بكرا، فجمع عند ذلك جذيمة أصحابه، فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضي، وخاللهم قصير بن سعد تابع كان له من لخم، فأمره أن لا يفعل، ويكتب إليها، فإن كانت صادقة أقبلت إليك، وإلا لم تقع في حبالها، فعصاه وأطاعهم وسار حتى إذا كان ببقة - من دون هيت إلى الأنبار - جمعهم وشاورهم فأمروه بالشخوص إليها لما علموا من رأيه في ذلك، وقال القصير: تنصرف ودمك في وجهك،، فقال جذيمة ببقة قضي الأمر، فأرسلها مثلا، وقال قصير بن سعد حين رآه قد عزم، لا يطاع لقصير أمر، فأرسلها مثلا، وظعن جذيمة، حتى إذا عاين مدينتها - وهي بمكان دون الخانوقة - ونظر إلى الكتائب من دونها، فهاله ما رأى، فقال: أي قصير، ما الرأي؟ فقال قصير: إني تركت الرأي ببقة، فقال عند ذلك: أشر علي، فقال: إن لقيتك الكتائب فحيتك بتحية الملك وانصرفوا أمامك فالمرأة صادقة، وإن هم أخذوا بجنبيك ووقفوا دونك فالقوم منعطفون عليك فيما بينهم وبين جنوهم، فاركب العصا فإنها لا تحرك ولا تسبق، يعني فرسا كانت جنبت معه، فط ستقبله القوم وأحاطوا به، فلم يري العصا، فعدد إليها قصير فركبها وحمل وانطلق، فالتفت جذيمة فإذا هو بالعصا عليها قصير أمام خيلهم حتى توارت به، فقال جذيمة: ما ضل من تجري به العصا، فأدخل على الزباء فاستقبلته وقد كشفت عن كبعثاتها أي عفلها وتنظفت باستها، وقالت: يا جذيمة، أي متاع عروس ترى؟ قال: أرى متاع امة غير ذات خفر، فقالت: أما والله ما ذاك من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكن شيمة ما أناس، ثم أجلسته على نطع، ودعت له بطست من عسجد، فقطعت رواهشه واستنزفته، حتى إذا ضعفت قواه ضرب بيده فقطرت قطرة من دمه على دعامة من زخام، وقد قيل لها: إنه إن وقع من دمه قطرة في غير طست طلب بدمه، فقالت: أي جذيمة؛لا تضيعن من دمك شيئا، فإني إنما بعثت إليك لأنه بلغني أن لدمك شفاء من الخبل، فقال جذيمة: وما يحزنك من دم أضاعه أهله إ؛ وفي ذلك يقول البعيث:

من الدأرميين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنة والخبل واستصفت دمه، وجعلته في برنية، وقال بعضهم: دخل عليها جذيمة في قصر لها ليس فيه إلا الجواري، وهي على سريرها، فقالت للإماء: خذن بيد سيدكن، ثم دعت بنطع فأجلسته عليه فعرف الشر وكشفت عن عورتها فإذا هي قد عقدت شعر استها من وراء؛فقالت: أشوار عروس ترى؟ فقال: بل شوار أمه بظراء، فقالت: أما والله ما ذاك من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكنها شيمة ما أناس، ثم أمرت برواهشة فقطعت، فجعل دمه يشخب في النطع كراهة أن يفسد مقعدها، فقال جذيمة: لا يحزنك دم أراقه أهله.

** عمرو بن عدي يأخذ بثأر خاله **

ونجا قصير، فأورد الخبر على عمرو بن عبد الجن التنوخي بالحيرة، فأشفق لذلك، فقال له قصير: اطلب بثأر ابن عمك، وإلا سبتك العرب، فلم يحفل بذلك، فخرج قصير إلى عمرو بن عدي، فقال له: هل لك في أن أصرف الجنود إليك على أن تطلب ثأر خالك؟. فضمن له ذلك، فصرف وجوه الجنود إليه، ومناهم بالمال والحال، فانصرف إليه منهم بشر كثير، فالتقى هو والتنوخي، فلما خافوا الفناء تابعه التنوخي، وتم الأمر لعمرو بن عدى، فقال له قصير: انظر ما وعدتني به في الزباء، فقال عمرو: وكيف لنا بها وهي أمنع من عقاب الجو؟؛ فقال: أما إذ أبيت فإني جادع أنفي وأذني ومحتال لقتلها جهدي، فأعني وخلاك ذم، فقال له عمرو: أنت أبصر، وعلئ معونتك، فجدع أنفه، فقيل: لأمر ما جدع قصير أنفه، ثم انطلق حتى دخل على الزباء، فقالت: من أنت؟ فقال: أنا قصير، لا ورب المشارق ما كان على وجه الأرض بشر كان أنصح لجذيمة ولا أغش لك مني، حتى جدع عمرو بن عدي أنفي وأذني، فعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه مني معك، فقالت: أي قصير، نقبل منزلتك ونصرفك في بضائعنا، فأعطته مالا للتجارة، فأتى بيت مال الحيرة، فاستخف ما فيه بأمر عمرو بن عدي، وانصرف به إليها، فلما رأت ما جاءها به فرحت بذلك، وزادته ما لا إلى ما جاء به، وقال: إنه ليس من ملك إلا وهم يتخنون في مدائنهم أنقابا تكون لهم عددا، فقالت له: أما إني قد فعلت ذلك، قد نقبت سربا وبنيته من تحت سريري هذا حتى أخرج من تحت الفرات إلى سرير أختي رحيلة ففرح بذلك قصير، ثم ظعن حتى أتى عمرا، فركب عمرو في الذي رجل على ألف بعير في الصناديق، حتى صار إليها، فتقدم قصير وسبق الأبعرة، فقال لها: اصعدي حائط مدينتك. وانظري إلى مالك، وتقدمي إلى بوابك فلا يتعرض لشيء من أموالنا، فإني قد جئت بمال صامت. وكانت قد أمنته، فلم تكن تخافه وصعدت وفعلت ما أمرها، فلمال نظرت إلى ثقل مشي الجمال قالت:

ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا

أم صرفانأ باردا شديدا ... ام الرجال جثما قعودا

ودخلت الإبل المدينة، حتى إذا بقي آخرها جملا عيل صبر البواب، فطعن بمنخسة كانت في يدى خاصرة رجل فضرط، فقال البواب: بشتابشتا، وهي بالنبطية أي: في الجوالق شر، وثار الرجال من الجوالق ضربا بأسيافهم، فخرجت الزباء هاربة إلى سربها، فأبصرت قصيرا عند نفقها مصلتا سيفه، فانصرفت راجعة، وتلقاها عمرو بن عدي، فضربها وقال بعضهم: مصت خاتمها، وكان فيه سم ساعة، !وقالت: بيدي لا بيد عمرو، وخربت المدينة، وسبيت الفراري، فقالت الشعراء في أمرها وأمر قصير فأكثرت ؛ فمن ذلك قول المتلمس:

ومن طلب الأوتار ماحز أنفه ... قصير، ورام الموت بالسيف بيهس

نعامة لما صرع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس

ومن ذلك قول عدي بن زيد التميمي يصف ذلك من أمرهم:

ألا يأيها الملك المرجى ... ألم تسمع بخطب الأولينا

دعا بالبقة الأمراء يوما ... جذيمة عام ينجوهم ثببنا

وطاوع أمرهم، وعصا قصيراوكان يقول لو وقع اليقينا

لخطبته التي غدرت وخانت ... وهن فوات غائلة، لحينا

مع أشعار كثيرة قيلت في ذلك.

وكانت الزباء لا تأتي حصنا إلا ضفرت شعر استها من خلفه، ثم تقاعست فتقلعه، حتى فعلت ذلك بمارد - حصن دومة الجندل - وبالأبلق - حصن تيماء - حصنين منيعين، فقالت: تمرد مارد وعز الأبلق فذهب مثلا، وهما الحصنان اللذان تذكرهما العرب في أشعارها كثيرا، قال الأعشى في ذلك: بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار

وجذيمة الوضاح الذي يقول فيه:

ماست مودعة الحديث فمنجد منهم وغائما

أن تاه إحدى ذو رعين لنا وأحوى ذو أباعر

والملك كان لذي نوا ... س حوله من ذي بحائر

بالسابغات وبالقنا ... والبيض تبرق والمغافر

أزمان عملاق وفيهم منهم باد وحاضر

وإنما سمي جذيمة الأبرش الوضاح لأنه كان به برص، فكنى عنه إعظاما له قال المسعودي: هذا بدء خبر بني عدي، وقد قدمنا أن مدة ملكه كانت مائة سنة.

** بقية ملوك الحيرة **

وملك بعده ولده امرؤالقيس بن عمروبن عدي ستين سنة.

وملك بعده عمر وبن أمرىء القيس، وهو محرق العرب خمسا وعشرين سنة، وكانت أمه مارية البرية أخت ثعلبة بن عمرو من ملوك غسان.

وملك النعمان بن أمرىء القيس قاتل الفرس خمسا وستين سنة، وكانت أمه الهيجمانة بنت سلول من مراد، ويقال: من إياد.

وملك المنزر بن النعمان ابن أمرىء القيس خمسأ وعشرين سنة، وكانت أمه الفراسية بنت مالك بن المنزر، من آل نصر.

وملك النعمان بن المنزر فارس حليمة، وهو الذي بنى الخورنق وكرعس الكراديس خمسا وثلاثين سنة، وكانت أمه هند بنت زيد مناة من ال غسان.

وملك الأسود بن النعمان؛ عشرين سنة، وكانت أمه هند بنت الهيجمانة، من آلى نصر.

وملك المنزر بن الأسود بن النعمان بن المنزر أربعا وثلاثين سنة، وكانت أمه ماء السماء بنت عوف بن النمر بن قاسط بن هيت بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعه بن نزار، وإنما سميت ماء السماء لحسنها وجمالها.

ثم ملك بعده عمرو بن المنزر، أربعا وعشرين سنة، وكانت أمه حليمة بنت الحارث من آل معد يكرب.

وملك المنزر بن عمرو بن المنزر، ستين سنة، وكانت أمه أخت عمرو بن قابوس من آل نصر.

ثم ملك قابوس بن المنزر ثلاثين سنة، وكانت أمه هند بنت الحارث، من آل معاوية بن معد يكرب.

وملك النعمان بن المنزر، وهو الذي يقال له: أبيت اللعين! اثنتين وعشرين سنة، وكانت أمه سلمى بنت وائل بن عطية من كلب.

** بين النابغة والنعمان **

وذكر عدة من الأخباريين أن النابغة استأذن على النعمان يوما، فقال له الحاجب: إن الملك على شرابه، قال النابغة: فهو وقت الملق، تقبله الأفئدة، وهو جذل للرحيق والسماع، فإن تلج تلق المجد عن غرر مواهبه، فأنت قسيم ما أفدت، قال له الحاجب: ما تفي عنايتي بدون شكرك، فكيف أرغب فيما وصفت وعون ما طلبت رهبة التعدي؟. فهل من سبب؟ قال النابغة: ومن عندي؟ قال الحاجب: خالد بن جعفر الكلابي نديمه، فقال النابغة: هل لك إلى أن تؤدي إلى خالد عني ما أقول لك؟؛ قال: وما هو؟ قال: تقول إن من قدرك وفاء الدرك بك وناحيتي من الشكر ما قد علمت، فلما صار خالد إلى بعض ما تبعثه موارد الشراب عليه نهض، فاعترضه الحاجب، فقال: ليهنك أبا البسام حادث النعيم، قال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، وكان خالد رفيقا، يأتي الأشياء بلطف وحسن بصيرة، فدخل مبتسما، وهو يقول:

إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد

واللات لكأني أنظر إلى أملاك ذي رعين، وقد مدت لهم قضبان المجد إلى معالم أحسابكم، ومناقب أنسابكم، في حلبة أنت - أبيت اللعن! - غرتها فجئت سابقا متمهلأ، وجاءوا لم يلم لهم سعي، قال النعمان: لأنت في وصفك أبلغ إحسانا من النابغة في نظام قافيته، فقال خالد: ما أبلغ فيك حسنأ إلا وهو دون قدرك استحقاقا للشرف الباهر، ولو كان النابغة حاضرأ لقال وقلنا، فأمر النعمان بإدخاله، فخرج إليه الحاجب، فقال النابغة: ما وراءك فقال: قد أذنت بفتح الباب، رفع الحجاب، ادخل، فدخل ثم انتصب بين يديه، وحياه بتحية الملك، وقال: أبيت اللعن! أتفاخر وأنت سائس العرب، وغرة الحسب، واللات لأمسك أيمن من يومه، ولقفاك أحسن من وجهه، وليسارك أسمع من يمينه، ولو عدك أصلح من رفده، ولعبيدك أكثر من قومه، ولأسمك أشهر من قدره، ولنفسك أكبر من جده، وليومك أشرف من دهره، ثم قال:

أخلاق مجدك جلت ما لها خطر ... في الجود والبأس بين العلم والخبر متؤج بالمعالي فوق مفرقه ... وفي الوغى ضيغئم في صورة القمر

فتهلل وجه النعمان بالسرور، ثم أمر فحشي فوه جوهرا، ثم قال: بمثل هذا فلتمدح الملوك.

** بين النعمان وزيد بن عدي وكسرى **

وقد كان النعمان قتل عدي بن زيد العباعي، وكان يكتب لكسري أبرويز بالعربية، ويترجم له إذا وفد عليه زعماء العرب؛لموجدة وجدها عليه النعمان، في خبر طويل الشرح، فلما قتل صار زيد بن عدي ابنه مكان أبيه، فذكر لأبرويز جمال نساء آل المنزر، ووصفهن له، فكتب إلى النعمان يأمره أن يبعث إليه بأخته، فلما قرأ النعمان كتابه، قال للرسول - وهو زيد بن عدي - : يا زيد، أما لكسرى فيمها السواد كفاية حتى يتخطى إلى العربيات؟ فقال زيد: إنما أراد الملك إكرامك - أبيت اللعن! - بصهرك، ولو علم أن ذلك يشق عليك لما فعله، وسأحسن ذلك عنده، وأعذرك بما يقبله، فقال له النعمان: فافعل، فقد تعرف ما على العرب في تزويج العجم من الغضاضة والشناعة، فلما انصرف إلى كسرى أخبره أنه رغب عنه فأدى إليه قوله في مها السواد على أقبح الوجوه، وأوجده عليه، وقال: المها؟ فقال: البقر، فأخذ عليه وقال: رب عبد قد صار في الطغيان إلى أكثر من هذا، فلما بلغت كلمته إلى النعمان تخوفه، فخرج هاربا حتى صار إلى طيىء، لصهر كان له فيهم، ثم خرج من عنهم حتى أتى بني رواحة بن ربيعه بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس، فقالوا له: أقم معنا فأنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فجزاهم الخير، ورحل عنهم يريد كسرى ليرى فيه رأيه، وذلك قول زهير بن أبي سلمى:

ألم تر للنعمان كان بنجوة ... من الدهر لو أن امرأ كان ناجيا

فغير عنه ملك عشرين حجة ... من الدهر يوم واحد كان غاويا

فلم أرمسلوبا له مثل ملكه ... أقل صديقا معطيا أو مواسيا

خلا أن حيا من رواحة حافظوا ... وكانوا أناسا يتقون المخازيا

يسيرون حتى جيشوا عند ثاره ... هجان المطايا و العتاق المذاكيا

فجازاهم خيرأ وأثنى عليهم ... وودعهم توديع أن لا تلاقيا

وأقبل النعمان حتى أتى المدائن، فصص له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهن المصبغات صفين، فلما صار النعمان بينهن قلن له: أما فينا للمك غنى عن بقر السواد ا؛ فعلم النعمان أنه غير ناج منه، ولقيه زيد بن عدي، فقال له النعمان: أنت فعلت هذا بي، لئن تخلصت لأسقينك بكأس أبيك، فقال له زيد: امض نعيم، فقد أخيت لك أخية لا يقطعا المهر الأرن، وأمر كسرى بالنعمان، فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمي تحت أرجل الفيلة، وقال بعضهم: بل مات في محبسه بساباط، وقد ذكرت ذلك الشعراء فأكثرت؛ فمن ذلك قول الأعشى وأجاد:

ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي الصكاك ويرفق

ويجبى إليه المسلمون، وعنده ... صريعون في أنهارها والخورنق

ويقسم أمر الناس يومأ وليلة ... وهم ساكتون والمنية تنطق

فذاك، وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محزرق

وقال هانىء بن مسعود الشيباني:

إن ذا التاج، لا أبا لك، أضحى ... في الورى رأسه تخوت الفيول

إن كسرى عدا على الملك النعمان حتى سقاه من البليل

ومما رثى به النعمان:

لم تبكه هند ولا أختها ... خرقاء، واستعجم ناعيه

بين فيول الهند تخبطنه ... مختبطا تدمى نواحيه

وقد كان النعمان حين أراد المضي إلى كسرى مستسلما مر على بني شيبان فأودعهم سلاحه وعياله عند هانى بن مسعود بن هانى السيباني، فلما أتى كسرى على النعمان بعث إلى هانى بن مسعود، وطالبه بتركته، فامتنع، وأبى أن يخفر الذمة، فكان ذلك السبب الذي أهاج حرب في قار، وقد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط فأغنى عن إعادته هنا.

** بنت ألنعمان عند سعد بن أبي وقاص **

وقد كانت حرقة بنت النعمان بن المنزر إذا خرجت إلى بيعتها يفرش لها طريقها بالحرير والديباج، مغشى بالخز والوشي، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها، ويرجع إلى منزلها، فلما هلك النعمان نكبها الزمان، فأنزلها من الرفعة إلى الذلة، ولما وفد سعد بن أبي وقاص القادسية أميرا عليها لما هزم الله الفرس وقتل رستم، فأتت حرقة بنت النعمان في حفدة من قومها وجواريها وهن في زيها عليهن المسوح والمقطعات السود، مترهبات تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد، فقال: أفيكن حرقة؟. قالت: ها أنا ذه، قال: أنت حرقة؟. قالت: نعم، فما تكرارك في استفهامي؟ ثم قالت: إن الدنيا دار زول. ولا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالا، وتعقبهم بعد حال حالا، كنا ملوك هذا المصر يجبى لنا خراجه، ويطيعنا أهله مدى المدة زمان الدولة، فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا وشتت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس يأتي قوما بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة، ثم أنشأت تقول:

فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف

فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف

فقال سعد: قاتله الله عدي بن زيد، كأنه ينظر إليها حيث يقول:

إن للدهر صولة فاحنرنها ... لا تبيتن قد أمنت الدهور

قد يبيت الفتى معافى فيرى ... ولقد كان آمنا مسرورإ

قال: فبينا هي واقفة بين يدي سعد إذ دخل عمرو بن مص يكرب، وكان زؤارا لأبيها في الجاهلية، فلما نظر إليها قال: أنت حرقة؟ قالت: نعم، قال: فما دهمك فأذهب محمودات شيمك، وأين تتابع نعمتك وسطوات نقمتك؟ فقالت: يا عمرو، إن للدهر لسطوات وعثرات وعبرات، تعثر بالملوك وأبنائهم، فتخفضهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عزة، إن هذا لأمر كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره. قال: فأكرمها سعد، وأحسن جائزتها، قلما أرادت فراقه قالت: حتى أحييك بتحيه ملوكنا بعضهم لبعض، لا نزع الله من عبد صالح نعمة إلا جعلك سببا لردها عليه! ثم خرجت من عنده فلقيها نساء المدينة، فقلن لها: ما فعل بك الأمير؟ قالت: حاط لي ذمتي، وأكرم وجهي، إنما يكرم الكريم الكريم.

وسنذكر خبر هند بنت النعمان مع المغيرة بن شعبة أيام إمرته على الكوفة، فيما يرد من هذا الكتاب، عند ذكرنا لأخبار معاوية بن أبي سفيان.

قال أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي: فهؤلاء ملوك الحيرة إلى أن ظهر الإسلام، فأظهره الله، وأذل الكافرين، فجميع من سمينا من هؤلاء الملوك من ولد عمرو بن عدي بن أخت جذيمة الأبرش، على حسب ما قدمنا آنفا في صدر هذا الباب، ثم جاء الإسلام وملك الفرس وكسرى أبرويز بن هرمز، فملك على العرب بالحيرة إياس بن قبيصة الطائي، فكان ملكه تسع سنين، ولثمانية أشهر، مضت من ملك إياس، كان مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ملك الحيرة جماعة من الفرس، وقد كان قبل عمرو بن عدي ملوك على الحيرة على حسب ما ذكرنا، وكان عدة الملوك بالحيرة ثلاثة وعشرين ملكا من بني نصر وغيرهم من العرب والفرس؛وكان عدة ملكهم ستمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر، وقد قيل: إن عمران الحيرة وبدوه إلى أن خرجت في وقت بناء الكوفة، كان خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة.

** خراب الحيرة **

قال المسعودي: ولم يزل عمرانها يتناقص من الوقت الذي ذكرنا إلى صدر من أيام المعتضد، فإنه استولى عليها الخراب، وقد كان جماعة من خلفاء بني العباس - كالسفاح، والمنصور، والرشيد، وغيرهم - ينزلونها يصلون المقام بها لطيب هوائها، وصفاء جوهرها، وصحة تربتها، وصلابتها، وقرب الخورنق، والنجف منها، وقد كان فيها ديارات كثيرة فيها رهبان، فلحقوا بغيرها من البلاد، لتداعي الخراب إليها، وأقفرت من كل أنيس في هذا الوقت ليس بها إلى الصدى والبوم، وعند كثير من أهل الدراية التامة بما يحدث في المستقبل من الزمان: أن سعدها سيعود بالعمران، وأن هذا النحس عنها سيزول؛ وكذلك الكوفة. قال المسعودي: ولمن سمينا من ملوك الحيرة أخبار وسير وحروب قد أتينا على ذكرها والغرور من مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان، وفيما بعد من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com