Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر ملؤك الشام من اليمن من غسان وغيرهم من الملوك
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 33 of 107
** أول ملوك الشام **
كان أول من ملك الشام من اليمن فالغ بن يغور.
ثم ملك بعده يوتاب، وهو أيوب بن رزاح، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه ما كان من خبره على لسان نبيه، وما اقتص من أمره، ثم غلبت الروم على ديارها، فتفرقوا في البلاد، وكانت قضاعة بن مالك بن حمير أول مي نزل الشام، وانضافوا إلى ملوك الروم، فملكوهم بعد أن دخلوا في النصراينة على من حوى الشام من العرب.
** تنوخ ونسبها **
وكان أول من ملك من تنوخ النعمان بن عمرو بن مالك، ثم ملك بعده عمرو بن النعمان بن عمرو، ثم ملك بعده الحواري بن النعمان، ولم يملك من تنوخ إلا من ذكرنا، وهو تنوخ بن مالك بن فهم بن تيم اللات بن الأزد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير.
وقد تنوزع في قضاعة: أمن معد كان أم من قحطان؟ فقضاعة تأبى أن تكون من معد، وتزعم أنها من قحطان، على ما ذكرنا.
وقد قيل في نسب قضاعة واتصالها بحمير غير ما ذكرنا من النسب.
** سليح ونسبها **
ثم وردت سليح الشام فغلبت على تنوخ، وتنصرت فملكتها الروم على العرب الذين بالشام، وهم ولد سليح بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، فاستقام ملك سليح بالشام، وتفرقت قبائل العرب لما كان بمارب وقصة عمرو بن عامر مزيقياء؛فسارت غسان إلى الشام وهم من ولد مازن، وذلك أن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ولد مازن، وإليه ترجع جميع قبائل غسان، وإنما غسان ماء شربوا منه فسموا بذلك وهو ما بين زبيد ورمع، وادي الأشعريين بأرض اليمن وفي ذلك يقول حسان بن ثابت الأنصاري:
إما سألت فإنا معشر نجب ... الأزد نسبتنا، والماء غسان
وسنذكر بعد هذا الموضع خبر عمرو بن عامر مزيقياء، وخبر سيل العرم، وتفرقهم في البلاد، وخبر الماء المعروف بغسان، وقد ذكر أن عمرو بن عامر حين خرج من مأرب لم يزل مقيما على هذا الماء إلى أن أدركه الموت، وكان عمره ثمانمائة سنة: أربعمائة سوقة، وأربعمائة ملكا.
** ملوك غسان على الشام **
وغلبت غسان على من بالشام من العرب، فملكها الروم على العرب، فكان أول من ملك من ملوك غسان بالشام: الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرىء القيس بن ثعلبة بن مازن، وهو غسان بن الأزد بن الغوث.
ثم ملك بعده الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر بن حارثة و أمه مارية ذات القرطين بنت أرقم بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو، وذكر أنها مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور وهو كندة، وهي التي ذكرتها الشعراء في أشعارها، وتنسب جماعة من ملوك غسان إليها.
وملك بعده النعمان بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو.
ثم ملك بعده المنزر أبو شمر بن الحارث بن جبلة بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو.
ثم ملك بعده عوف بن أبي شمر.
ثم ملك بعده الحارث بن أبي شمر فكان ملكه حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
** حسان والحارث الغساني **
وذكر عدة من الإخباريين أن حسان بن ثابت الأنصاري زار الحارث بن، أبي شمر الغساني بالشام - وكان النعمان بن المنزر اللخمي ملك الحيرة يساميه - فقال له وهو عنده: يابن الفريعة، لقد نبئت أنك تفضل النعمان علي، فقال: وكيف أفضله عليك!! فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولامك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من نداه، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك أمرع من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجداولك أغور من بحره، وليومك أطول من شهره، ولشهدك أمدة من حوله، ولحولك خير من حقبه،ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك من غسان وإنه من لخم، فكيف أفضله عليك أو أعدله بك فقال: يابن الفريعة، هذا لا يسمع إلا في شعر، فقال:
ونبئت أن أبا منذر ... يساميك للحارث الأصغر قفاؤك أحسن من وجهه ... وامك خير من المنزر
ويسرى يديك على عسرها ... كيمنى يديه على المعسر
** جبلة بن الأيهم **
ثم ملك بعده جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن أمرىء القيس بن ثعلبة بن مازن، وهو غسان بن الأزد بن الغوث، وهو الملك الذي امتدحه حسان بن ثابت الأنصاري، حيث يقول في شعر طويل:
أشهرنها فإن ملكك بالشا ... م إلى الروم فخر كل يماني
وفيه يقول أيضا:
لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك والصمان
من قريات من ثلاثين عدت ... ناسكا منه بالقصور الدواني
قد دنا الفصح والولائد ينظمن سراعا ألكلة المرجان
ذاك مغنى لآل جفنة في الد ... ر، وحقا تصرف الأزمان
صلوات المسيح في ذلك الدب ... ر دعاء القسيس والرهبان
وهذه مواضع وقرى من غوطة دمشق وأعمالها بين الجولان واليرموك.
** منازل غسان **
وكانت ديار ملوك غسان باليرموك والجولان وغيرهما، من غوطة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام.
وجبلة بن الأيهم هوالذي أسلم وارتد عن دينه خاف إلعار والقود من اللطمة، وخبره واضح مشهور، قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا، وسائر أخبار ملوك تنوخ وسليح وغسان وغيرهم ممن ملك الشام، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن أبي شمر الغساني إلى الإسلام وترغيبه في الإيمان، وقد أتينا على خبره وما كان من أمر أسل أمه وأخباره مع النبي صلى الله عليه وسلم في كتابنا أخبار الزمان، وفي أبيه يقول النابغة:
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر، والحارث خير الأنام
ثم لهند ولهند، وقد ... أسرع في الخيرات منه أمام
وخمسة آباؤهم ما هم ... أكرم من يشرب صوب الغمام
فجميع من ملك من ملوك غسان بالشام أحد عشر ملك، وقد كان بالشام ملوك ببلاد مأرب من أرض البلقاء من بلاد دمشق، وكعذلك مدائن قوم لوط من أرض الأردن وبلاد فلسطين، وكانت خمس مدن، وكانت دار المملكة منها، والمدينة العظمى مدينة سدوم، وكانت سمة كل ملك يملكها بارعا، وكذلك ذكر في التوراة، وذكرت أسماء هذه المدن، أعرضنا عنه؛إذ كان فيه خروج عن شرط الاختصار.
وقد كان لكندة وغيرها من العرب من قحطان ومعد ملوك كثيرة لم نتعرض لذكرها؛ إذ كان لا أسماء لهم تعمهم وتشهرهم، كقولنا الخليفة وقيصر وكسرى والنجاشي، ولئلا يطول الكتاب بذكرهم.
وقد أتينا على سائر ملوك العرب من معد وقحطان وغيرهم ممن وسم بالملك في بعض الممالك في سائر الأمم الخالية، والممالك الباقية، من البيضان والسودان، ممن أمكن ذكره وتأتى لنا الإخبار عنه، وإنما ذكرنا في هذا الكتاب من الملوك من اشتهر ملكه، وعرفت مملكته ميلا إلى الاختصار، وطلبا للإيجاز، وتنبيها على ما سلف من أخبارهم. في كتبنا المتقدم ذكرها من تصنيفنا، والله الموفق.