Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر ما ذهبت إليه العرب من القيافة والزجر والعيافة والسانح والبارح وغير ذلك
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 39 of 107
** الخلاف في القيافة وجوازها **
تنازع الناس في العيافة والقيافة وغيرها مما ذكر: فذهبت طائفة إلى تحقيق القيافة والأخذ بها؛لأن الأشباه تنزع، وغير جائز أن يكون الولد غير مشبه لأبيه، أو أحد من أهله من جهة من الجهات، ومنهم من ذهب إلى أن في الولد مواضع تلحقها القيافة دون غيرها من الأعضاء مما لم يحلها الشبه، ولا توافق بينهما بحد مشترك، وأبى آخرون ما وصفنا؛إذ كان الناس قد يتشابهون في حد الإنسانية وغير ذلك من الحدود، ويفترقون في غيرها من الصور، وليس وجود الأغلب من الأشباه مما يوجب إلحاق الشبه بشبهه، دون أن يخالف من حيث أوجبت قضية العقل الاختلاف بالتباين.
** اختصاص العرب بذلك **
وهذه المعاني من خواص ما للعرب، وما تفردت به، دون سائر الأمم في الأغلب منها، وإن كانت الكهانة قد وجدت في غيرها، فإن القيافة والزجر والتفاؤل والتطير ليس لغيرها في الأغلب من الأمور، وليس هو موجودأ في سائر العرب، وإنما هو للخاص منها الفطن والمتدرب الطنن، وإن وجد ذلك في بعض الأمم، كوجود ذلك في الإفرنجة، وما جانسها ممن هنالك من الأمم، فيمكن أن يكون ذلك موروثا عن العرب، ومأخوذا منها في سالف الدهر، لأن العرب قد تنقلت في البلاد، وتغيرت لغاتها، فنسب ذلك إلى الجنس الذي قطنت بينهم العرب، ويمكن أن تكون الإفرنجة، ومن وجد فيها ذلك من الأمم، وأخذوه بعد ظهور الإسلام عمن جاورهم من أمم العرب، ممن سكن بلاد الأندلس من الأرض الكبيرة، وإن كان ذلك قبل ظهور الإسلام فهو ما ذكرنا آنفا، ويمكن أن يكون الله عز وجل خص بذلك أمما غير العرب كما خص العرب به؛إذ كان ذلك داخلا في الإمكان، خارجا من باب الممتنع والواجب، فيكون الزجر والفأل شاملا لبعض العرب وغيرها من خواص الأمم كوجود النقد للبربر، والنظر في الكتف، وغير ذلك مما خص به كل جنس من الناس.
** منشأ القيافة **
وقد ذهبت طائفة ممن سلف، من أهل البحث والتنقير إلى أن القيافة: اسم مشتق من القفو، وهو معنى استدلالي، وأصل ذلك: أن الأشكال انفصلت في صورة أنسابها بأشياء تخص الأنواع بالتشكيل وخواصم وجدت لما به ضربت الفواصل إضرابها في وحيدات الأشخاص، وكان التناسل على وساعة وقدر من الغير لما توجبه الطبيعة من اتفاق كل شيء في حوزته، وصرفه إلى وجهه، كما خصت الطبيعة كل نوع من الجنس بفصل أبانته من أغياره، وفرقت بينه وبين أشكاله، فكذلك أيضا خصت أوحد الأشخاص المنفصلة في الهيئة، بتغير الغير من أغياره. وكذلك لا تكاد فنون الصور تتراءى في المرائي لغير من أغياره،وكذلك لا تكاد وإن ضمها النوع وشملتها المادة فالقائف يقارب بين الهيات، فيحكم للأقرب صورة لأن تشبيه النسل أقرب من تشبيه النوع. وكذلك تشبيه الشخص إلى النوع أقرب منه إلى الجنس،لأن النوع والشخص ضمهما حدان مشتركان وإنما ضم الجنس واحد فهو أصل القيافة عند هذه الطائفة، وهو ضرب من ضروب البحث، وإلحاق النظير في الأغلب بنظيره، ومن حيث تساويهما من حيث ذكرنا في قضية العقل، وهو القياس بعينه، وليس هذا الاستدلال من كلام أحد من فقهاء القائسين ولا غيرهم من المسلمين، وإنما هذا الكلام انتزعناه من كلام طائفة من الفلاسفة المتقدمين؛فيجب أن يكون نظر القائف على قول هذه الطائفة إلى القدم؛ لأنها نهاية الشكل وغاية الهيئة، والولد لو خالف صورة أبيه في كنه أفعاله، و باينه في سائر شكله في الأغلب يوافقه في القدم؛ لأن النسل لا بد له من تخصيص قوته بشيء يميزه عن غيره ويبينه من سواه، ولذلك وجدوا الطول في أزدشنوأة، ولذلك صار الجفاء والغلظ في الروم، وأصحاب الأجبال، والأكثر من أهل الشام وأوباش مصر، واللؤم في الخزر وأهل حران من بلاد ديار بكر، والشح بفارس، واللؤم على الطعام بأصفهان، وصار تفرطح الرجلين وفطس ! الأنوف في السودان، والطرب في الزنج خاصة.
وهذا الذي وصفنا عند هذه الطائفة من أسرار الطبيعة، وخواص تأثير الأشخاص العلوية، والأجسام السماوية، وقد تقصينا هذا الشأن على كماله في كتابنا في الأسرار الطبيعية وخواص تأثير الأشخاص العلوية والغرائب الفلسفية في كتابنا في الرؤوس السبعية في أنواع السياسات المدنية وملكها الطبيعية وفي كتاب الاسترجاع في الكرم على من زعم أن العالم متغير جوهره إلى الظلمة، وأن النور فيه غريب مختار، وأن ستة أنفس كانوا نورأ بلا أجساد: شيث بن أدم وزرادشت، والمسيح، ويونس، واثنان لا يمكن ذكرهما، وأن النور والظلمة قديمان، وأنهما لا يريان إلا غير ممتزجين وأن الأشياء لا تعمل إلا في جوهرهما ثم امتزجا من تلقاء أنفسهما، من غير داخل عليهما ولا مكره أكرههما، وهذا الخلف من الكلام والفاسد من المقال، وأعجب من هذا القول قول زردشت نبي المجوس: أن القديم تعالى ذكره طالت وحدته فطالت فكرته، فلما أن طالت فكرته، واشتدت وحشته، توالد الهئم منه، وهو الشيطان، من تلك الوحشة التي ولدتها تلك الفكرة، ونتجتها الوحدة، وأن الله عز وجل لو كان قادرا على إفناء ألهم منه لما ضرب له أجلا، ولا أخل له أمرا يغوي عبادة، ويفسد بلاده. وهذا هو المحال بعينه، والتناقض بنفسه، وعجب آخر من الأراء من قول بولص: إن المسيح عليه السلام هو الذي أرسله، وإن المسيح إنسان وإله؛ لأنه إله صار إنسانا، إنسان صار إلها، وقد أتينا على جمل من متناقضات أهل الآراء، في أثناء ما تقدم من كتبنا، وإنما تشعب بت الكلام إلى هذا النوع، وتغلغل بنا القول إلى هذا المعنى، لأنه من جنس ما كنا فيه، لكن عند ذكرنا لما أودعناه كتاب الاسترجاع والإبانة عن غرض فيه.
** الزجر **
فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه من هذا الكتاب: وحدث المنقري عن العتبي، قال: وقف عبيد الراعي ذات يوم مع ركب بفيفاء قفر، وكانوا يريدون استقصاد رجل من تميم؛ إذ سنحت ظباء سود منكرة، ثم اعترضت الركب مقصرة في حضرها، واقفة على شأنها، فأنكر ذلك عبيد الراعي، ولم ينتبه له أصحابه، فقال عبيد:
ألم تدر ما قال الظباء السوانح؟ ... أطفن أمام الركب والركب رائح؟
فكر الذي لم يعرف الزجر منهم ... وأيقن قلبي أنهن نوائح ثم شارفوا مقصدهم، فألفوا الرئيس قد نهشته أفعى، فأتت عليه.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: وهذا من غريب الزجر، وذلك أن السانح مرجو عند العرب، والبارح: هو المخوف ، وأظن عبيدا إنما زجر الظباء في حالة رجوعها، ووصف الحال الأول في شعره، كما أن من شرط الواصف أن يبدأ بهوادي الأسباب فيوضح عنها، فهذا وجه زجر عبيد الراعي في شعره.
** اختصاص بعض العرب ببعض هذه الأمور **
ويقال: إن الكهانة لليمن، والزجر لبني أسد، والقيافة لبني مدلج وأحياء مضر بن نزار بن معد، لما كان من فعل بني نزار الأربعة في مسيرهم نحو الأفعى الجرهمي، ووصفهم الجمل الشارد، على ما ذكرنا، أو ذلك منهم قيافة؛فمن هنالك تفرقت القيافة من أحياء مضر على حسب ما تغلغل في العروق ونزع، وأهل المياه أكهن، وأهل البر الفائح أقوف، وبأرض الجفار - وهي بلاد الرمل بين بلاد مصر وأرض الشام - أناس من العرب في تلك الجفار يتناول الإنسان من تمر نخلهم فيغيب عنهم السنين ولم يروه ولا شاهدوه، فإن رأوه بعد مدة علموا أنه الآخذ لتمرهم، ولا يكادون يخطئون وهذا من فعلهم مشهور، ولا يكاد تخفى عليهم أقدام أي الناس هم.
ورأيت بهذه الأرض أناسا قد رتبهم ولاة المنازل يطوفون في هذا الرمل، يعرفون بالقصاص، يقصون آثار الناس وغيرهم، فيخبرون ولاة المنازل أي الناس هم ممن طرق تلك البلاد، وهم لم يروهم، بل رأوا اثر أقد أمه م، وهذا معنى لطيف وحس دقيق.
** القيافة **
وقد قفت القافة بقريش حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار، حتى أتت باب الغار على حجر صلد وصخر صم وجبال لا رمل عليها ولا طين ولا تراب تتبين عليه الأقدام، فحجبهم الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من نسج العنكبوت، وما سفت عليه الرياح، وما لحق القائف من الحيرة، وقوله: إلى هنا انتهت الأقدام، ومعه الجماعة من قريش، لا يرون على الصلد ما يرى ولا على الضفوان ما يشاهد، وأبصارهم سليمة، والآفات عنها مرتفعة، والموانع زائلة، ولولا أن هنالك لطيفة لا يتساوى الناس في علمها، ولا يتفقون بالأبصار إحصاء إدراكها، لما استأثر بذلك طائفة دون أخرى، وأهل الجبال والقفار والدهاس أزجر وأعرف.
** القيافة عند أهل الشرع **
وقد ذهب قوم من أهل الشريعة، من فقهاء الأمصار وغيرهم ممن سلف، إلى الحكم بالقيافة؛ استدلالا على شرف القيافة، وعظم خطرها وكبر محلها، وتحقيق فضلها؛لتعجب النبي صلى الله عليه وسلم منها، وتصديقه محرز المدلجي.
وقد أنكر جماعة من فقهاء الأمصار، ممن سلف وخلف، الحكم بالقيافة، والدليل على فساد الحكم بها إلحاق النبي صلى الله عليه وسلم الولد بأبيه حين شك فيه لعدم التشابه، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي وضعت غلاما وإنه لأسود فقال النبي صلى الله عليه وسلم مقربا إلى فهمه وقصدا منه لفساد علته التي قصدها وشك من أجلها في ولده فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فمن أين ذلك؟ لعل عرقا نزع " ا وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة شريك بن سحماء لا إن جاءت به على النعت المكروه، فهو للذي رميت به لما فلما جاءت به على النعت المكروه وجد التشابه بينه وبين من رميت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا حكم الله لكان لي ولك شأن " فألحق الولد مع عدم الشبه هنالك، ولم يلحق بالشبه ههنا، ولم يجعله حكما، وقضى بوجود الفراش وثبوت النص على فساد الحكم بالتشابه.
وهذا باب قصدنا فيه هذا الكلام، وإنما ذكرنا هذا الفصل لنذكر الحكم بضده من القيافة، وهذا باب يطول فيه الخطب، ويكثر في معانيه الشرح؛لغموضه ولطفه، وقد ذكرنا وجه الكلام في ذلك وما ذهبت إليه كل فرقة من الناس ممن سلف وخلف في كتابنا المترجم بكتاب الرؤوس السبعة في الإحاطة بسياسة العالم وأسراره وهو كتاب مشهور مستوعب.