Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر مبعثه صلى الله عليه وسلم وما جاء في ذلك إلى هجرته
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 54 of 107
ثم بعث الله رسوله وأكرمه بما أختصه به من نبوته، بعد بنيان الكعبة بخمس سنين على ما قدمنا آنفا، وهو ابن أربعين سنة كاملة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وأخفى أمره ثلاث سنين، ونكح خديجة بنت خويلد وله خمس وعشرون سنة وأنزل عليه بمكة من القران اثنتان وثمانون سورة، ونزل تمام بعضها بالمدينة، وأول ما نزل عليه من القران " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، وأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم في ليلة السبت، ثم في ليلة الأحد، وخاطبه بالرسالة في يوم الاثنين، وذلك بحراء، وهو أول موضع نزل فيه القرآن، وخاطبه بأول السورة إلى قوله تعالى: " علم الإنسان ما لم يعلم " ونزل تم أمها بعد ذلك؛ و خوطب بفرض الصلوات ركعتين ركعتين، ثم أمر بإتم أمها بعد ذلك، واقرت ركعتين في السفر وزيد في صلاة الحضر.
** تحديد المبعث **
وكان مبعثه صلى الله عليه وسلم على رأس عشرين سنة من ملك كسرى أبرويز، وذلك على رأس مائتي سنة من يوم التحالف بالربذة، وذلك لستة الاف ومائة وثلاث عشرة سنة من هبوط آدم عليه السلام، وقد ذكر مثل هذا عن بعض حكماء العرب في صدر الإسلام ممن قرأ الكتب السالفة على حسب ما استخرج منها، وفي ذلك يقول في أرجوزة طويلة:
في رأس عشرة من السنين ... إلى ثلاث حصلت يقين
والمائة المعدوة التمام ... إلى الوف سدست نظام
أرسله الله لنا رسولا ... وكان فينا هادي السبيلا
** إسلام علي بن أبي طالب **
وقد تنوزع في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأسل أمه ، فذهب كثير من الناس إلى أنه لم يشرك بالله شيئا فيستأنف الإسلام، بل كان تابعا للنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أفعاله مقتديا به، وبلغ وهو على ذلك، وأن الله عصمه وسدده ووفقه لتبعيته لنبيه عليه السلام؛ لأنهما كانا غير مضطرين ولا مجبورين على فعل الطاعات، بل مختارين قادرين، فاختارا طاعة الرب، وموافقة أمره، واجتناب منهياته، ومنهم من رأى أنه أول من آمن، وأن الرسول دعاه وهو موضع التكليف بظاهر قوله عز وجل: " وأنذر عشيرتك الأقربين " ، وكان بدؤى بعلني إذ كان أقرب الناس إليه وأتبعهم له، ومنهم من رأى غير ما وصافنا، وهذا موضع قد تنازع الناس فيه من الشيعة، وقد احتج كل فريق لقوله ممن قال بالنص في الإمامة والاختيار، وأرضى كل فريق كيفية إسلامه ومقدار سنيه، وقد أتينا على الكلام في ذلك على الشرح والإيضاح في كتابنا المترجم بكتاب الصفوة في الإمامة وفي كتاب الاستبصار وفي كتاب الزاهي وغيره من كتبنا في هذا المعنى.
** إسلام أبي بكر ومن أسلم بإسلام أمه **
ثم أسلم أبو بكر رضي الله عنه، ودعا قومه إلى الإسلام، فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، فهؤلاء النفر سبقوا الناس بالإيمان، وقد قال بعض من تقدم من الشعراء في صدر الإسلام يذكرهم:
فيا سائلي عن خيار العبا ... د، صادفت ذا العلم والخبره
خيار العباد جميعا قريش ... وخير قريش ذوو الهجره وخير ذوي الهجرة السابقون ... ثمانية وحدهم نضره
علي وعثمان ثم الزبير ... وطلحة واثنان من زهره
وشيخان قد جاورا أحمدا ... وجاور قبراهما قبره
فمن كان بعدهما فاخرا ... فلا تذكروا عندهم فخره
** الخلاف في أول من أسلم **
وقد اختلف في أول صن أسلم: فمنهم من رأى أن أبا بكر الصديق كان أول الناس إسلاما، وأسبقهم إيمانا، ثم بلال بن رباحة، ثم عمرو بن عبسة، ومنهم من ذهب إلى أن أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال علي، ومنهم من رأي أن أول من أسلم زيد بن حارثة حب النبي صلى الله عليه وسلم و ثم خديجة، ثم علي كرم الله وجهة، وقد ذكرنا ما اجتبينا من القول في ذلك فيما قدمنا ذكره من كتبنا في هذا المعنى، والله تعالى ولي التوفيق.