John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر هجرته وجوامع مما كان في أيامه صلى الله عليه وسلم إلى وقت وفاته

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 55 of 107

أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وفرض عليه الجهاد، وذلك في سنة إحدى من سني الهجرة، وهي السنة التي نزل فيها الأذن، وكانت سنة أربع عشرة من المبعث.

وكان ابن عباس يقول: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر عشرا، وقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة.

** تحديد الهجرة **

وكانت سنة إحدى من الهجرة، وهي سنة اثنتين وتلاثين من ملك كسرى أبرويز، وسنة تسع من ملك هرقل ملك النصرانية، وسنة تسعمائة وثلاث وثلاثين من ملك الإسكندر المقدوني.

** كيف فعل في الهجرة؟ **

قال المسعودي: وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط كيفية فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجه من مكة ودخوله الغار واستئجار علي له الإبل، ونومه على فراشه؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، ومعه أبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أريقط الديلي دليل لهم على الطريق، ولم يكن مسلما، وكان مقام علي بن أبي طالب بعده بمكة ثلاثة أيام إلى أن أدى ما أمر بأدائه، ثم لحق بالرسول صلى الله عليه وسلم.

** دخول المدينة **

وكان دخوله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فأقام بها عشر سنين كوامل، وكان نزوله عليه الصلاة والسلام في حال موافاته المدينة بقباء على سعد بن خيثمة وابتنى المسجد وكان مع أمه بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وسار يوم الجمعة ارتفاع النهار، وأتته الأنصار حيا حيا يسأله كل فريق منهم النزول عليه، ويتعلقون بزمام راحلته وهي تجذبه. فيقول عليه الصلاة والسلام: " خلوا عنها فإنها مأمورة " حتى أدركته الصلاة في بني سالم، فصلى بهم يوم الجمعة، وكانت تلك أول جمعة صليت في الإسلام، وهذا موضع تنازع الفقهاء في العدد الذي تتم بهم صلاة الجمعة: فذهب الشافعي في آخرين معه إلى أن الجمعة لا تجب إقامتها حتى يكون عدد المصلين أربعين فصاعدا، وأقل من ذلك لا يجزي، وخالفه غيره من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم، وكانت صلاته في بطن الوادي المعروف بوادى رأنوناء إلى هذه الغاية، ثم استوى على ناقته، فسارت لا تعرج على شيء، ولا يردها راد، حتى أتت إلى موضع مسجده عليه الصلاة والسلام، والموضع يومئذ لغلامين يتيمين من بني النجار، فبركت، ثم سارت فمضت غير بعيد، ثم عادت إلى مبركها فبركت وأطمأنت، والنبي صلى الله عليه وسلم يراعي أحكام الباري فيه، - وتوفيقه له، فنزل عنها، وسار إلى منزل أبي أيوب الأنصاري - وهو خالد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن سحيم بن مالك بن النجار - فأقام في منزله شهرا حتى ابتنى المسجد من بعد ابتياعه الموضع، وأحدقت به الأنصار واشتد سرورهم به، وأظهروا التأسف على ما فاتهم من نصرته، وفي ذلك يقول صرمة بن أبي أنس أحد بني عدي النجار من قصيدة:

ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكرل ايلقى صديقا مواتيا

ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يوفي، ولم ير داعيا

فلما أتانا أظهر الله دينه ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا وأصبح لا يخشى من الناس واحدا ... بعيدا، ولا يخشى من الناس دانيا

بذلنا له الأموال في كل ملكنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا

ونعلم أن الله لارب غيره ... وأن رسول الله للحق رائيا

ونعادي الذي عادى من الناس ... كلهم جميعا، وإن كان الحبيب المصافيا

فافترض صيام شهر رمضان، وحؤلت القبلة إلى الكعبة بعد قدومه بثمانية عشر شهرا، وقد قيل: إنه أنزل عليه بالمدينة من القرآن اثنتان وثلاثون سورة.

** علته ووفاته **

ثم قبضه الله يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول سنة عشر في الساعة التي دخل فيها المدينة، في منزل عائشة رضي الله عنها، وكانت علته أتثنى عشر يوما.

** غزواته **

وكانت غزواته صلى الله عليه وسلم بفسه ستا وعشرين غزوة، ومنهم من رأى أنها سبع وعشرون، الأولون جعلوا منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة، والذين جعلوها سبعا وعشرين جعلوا غزوة خيبر مفردة ووادي القرى منصرفة إليها غزوة أخرى غير خيبر؛ فوقع التنازع في أعداد الغزوات من هذا الوجه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح الله خيبر انصرف منها إلى وادي القرى من غير أن يأتي المدينة.

وكان أول غزواته صلى الله عليه وسلم من المدينة بنفسه إلى ودان، وهي المعروفة بغزوة الأبواء، ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى، وكان خروجه طلبا لكرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى، وهي بدر الثانية التي قتل فيها صناديد قريش وأشرافها وأسر من أسر من زعمائهم، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الموضع المعروف بالكدر ماء لبني سليم، ثم غزوة السويق طلبا لأبي سفيان بن حرب فبلغ فيهما الموضع المعروف بقرقرة الكدر، ثم غزوة غطفان إلى نجد وتعرف هذه الغزوة بغزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران وهو موضع بالحجاز من فوق الفرع ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوه ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدر الأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة المريسيع ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان بن هذيل بن مدركة، ثم غزوة في قرد، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم اعتمر عليه السلام عمرة القضاء، ثم فتح مكة، ثم عزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك.

قاتل منها في تسع غزوات: بدر، واحد، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، وتبوك.

** قول الواقدي في غزواته **

هذا قول أحمد بن إسحاق، فأما ما ذهب إليه الواقدى فإنه وافق ابن إسحاق في قتال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه التسع الغزوات، وزاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل في غزاة وادي - القرى، وذلك أن غل أمه المعروف بمدعم رمي بسهم فقتل، وقاتل في يوم الغابة فقتل من المشركين ستة نفر، وقتل يومئذ محرز بن نضلة ففي قول الواقدي أنه قاتل في إحدى عشرة غزوة، وفي قول ابن إسحاق في تسع، فقتاله في التسع باتفاف منهما، وزاد الواقدي على ما ذكرنا.

وقد قيل: إن أول غزوة غزاها عليه السلام ذات العشيرة.

** سراياه وبعوثه **

وقد تنازع من سلف من أهل السير والأخبار في عدة سراياه وبعوثه: فقال قوم: إن عدة سراياه وبعوثه بين أن قدم المدينة وبين أن قبضه الله خمس وثلاثون بعثا وسرية، وذكر محمد بن جرير الطبري في كتابه في التاريخ قال: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد قال: قال محمد بن عمر الواقدى: كانت سرايا النبي صلى الله عليه وسلم ثمانيا وأربعين سرية، وقيل: إن سراياه صلى الله عليه وسلم وبعوثه كانت ستة وستين.

** مشاهير الأحداث **

وقبض صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة على حسب ما تقدم في صدر هذا الباب من قول ابن عباس، ولم يخلف من الولد إلا فاطمه عليها السلام، وتوفيت بعده بأربعين يوما، وقيل: سبعين يوما، وقيل غير ذلك. وكان تزوج علي بن أبي طالب لفاطمة عليهما السلام بعد سنة مضت من الهجرة، وقيل أقل من ذلك.

وكانت أول امرأة تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وكانت وفاتها في شوال بعد مبعثه بثلاث سنين.

وأسري به وهو ابن إحدى وخمسين سنة وثمانية أشهر وعشرين يوما.

وكانت وفاة عمه أبي طالب - واسمه عبد مناف بن عبد المطلب - بعد وفاة خديجة بثلاثة أيام، وهو ابن تسع وأربعين سنة وثمانية أشهر، وقد قيل: إن أبا طالب اسم له.

وتزوج بعد وفاة خديجة بسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد وذ بن نضر ابن مالك بن حسل.

وتزوج بعائشة رضي الله عنها قبل الهجرة بسنتين، وقيل: تزوجها بعد وفاة خديجة، ودخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر وتسعة أيام، وقد أتينا على ذكر سائر أزواجه في الكتاب الأوسط؛ فأغنى ذلك عن إعادته.

روى جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إن الله عز وجل أدب محمدا صلى الله عليه وسلم فأحسن تأديبه، فقال خذ العفو، وآمر العرف، وأعرض عن الجاهلين فلما كان كذلك قال الله تعالى: " وإنك على خلق عظيم " فلما قبل من الله فوض إليه فقال: " وما آتكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا " وكان يضمن على الله الجنة، فأجيز له ذلك.

وكان عدة من تزوج من النساء خمس عشرة، دخل بإحدى عشرة منهن، ولم يدخل بأربع، وقبض عليه السلام عن تسع.

** النزاع في عمره عليه الصلاة والسلام **

قال المسعودي: وقد تنوزع في مقدار عمره عليه السلام، وقد قدمنا ما روي في ذلك عن ابن عباس، وهو ما ذكره حماد بن سلمة عن أبي حمزة عن ابن عباس، وقد روي عن أبي هريرة مثل قول ابن عباس، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القران وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وأقام بمكة عشرا، وبالمدينه عشرا، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكذلك ذكر عن عائشة قالت توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد روي عن ابن عباس من وجه آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو ابن خمس وستين سنة، وكذلك ذكر ابن هشام قال: حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وذكر قتادة عن الحسن عن دغفل - يعنى ابن حنظلة - أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين، وقد قيل: إنه قبض وهو ابن ستين وذكر ذلك عن ابن عباس وعائشة وعروة بن ألزبير، وذكر حماد قال: أخبرنا عمرو بن دينار، عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، ومات وهو ابن ستين، وذكر شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث وهو ابن أربعين سنة، فلبث بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشرة سنين، وقبض وهو ابن ستين، صلى الله عليه وسلم.

** وفاته وتكفينه ودفنه عليه السلام **

وإنما حكينا هذا الخلاف ليعلم من نظر في كتابنا هذا أنا لم نغفل شيئا مما قالوه، ولا تركنا شيئا ذكروه إلا ذكرنا منه ما تأتى لنا ذكره وأشرنا إليه، ميلا إلى الاختصار وطلبا للإيجاز، والذي وجدنا عليه آل محمد عليه الصلاة والسلام أنه قبض ابن ثلاث وستين سنة، ولما غسل عليه الصلاة والسلام كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صحاريين وثوب حبرة أدرج فيها إدراجأ، ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم ابنا العباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر في مقدار الثياب للكفن غير ما ذكرنا، والله أعلم بكيفية ذلك.

ولنرجع الآن إلى ذكر لمع من أموره وأخبار كانت من مولده إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com