Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر أمور وأحوال من مولده إلى وفاته صلى الله عليه وسلم
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 56 of 107
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب من ذكر مولده عليه السلام ومبعثه ووفاته جوامع يكتفي بها العالم المستبصر، ويتنبه بها الطالب المسترشد، وذكرنا جملا من الكوائن والأحداث في تضاعيف ذلك، وأفردنا هذا الباب لذكر لرتيب جمل من السنين من مولده إلى وفاته، وجمل أحداث وكوائن كانت في أي أمه ؛ ليقرب تناول ذلك على مريده، ؤيسهل مأخذه على الطالب له، وإن كنا قد أتينا على لمع من مبسوط هذا الباب فيما تقدمه من الأبواب إن شاء الله تعالى.
ففي أول سنة من مولده دفع إلى حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وفي السنة الخامسة من مولده ردته حليمة إلى أمه ، على حسب ما ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب.
وفي السنة السادسة أخرجته أمه إلى أخواله زائرة فتوفيت بالأبواء بين مكة والمدينة، ونمي ذلك إلى أيمن، فخرجت إليه؛ وقدمت به إلي مكة؛ وكانت مولاة له قد ورثها عن أمه .
** خروجه إلى الشام **
وفي السنة التاسعة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، وقيل: إذ خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام وله ثلاث عشرة سنة، وقد كان أبا طالب أخا عبد الله أبي النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه و أمه ؛ فلذلك كفل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر إخوته - وهم: العباس، وحمزة، والزبير، وحجل، والمقوم وضرار، والحارث، وأبو لهب - وهم عشرة بنو عبد المطلب، وكان لعب المطلب ستة عشر ولدا: عشرة ذكور، وهم من سمينا، وست إناث. وهن: عاتكة، وصفية، وأميمة، والبيضاء، وبرة، وأروى، ولم يسلم منهن إلا صفية أم الزبير بن العوام، وقد تنوزع في أروى: فمنهم من قال: إنها أسلمت ومنهم من خالف ذلك.
وفي خروجه عليه السلام مع عمه في هذه السنة نظر إليه بحيرا الراهب، وأوصاهم بمراعاته من اليهود فإنهم أعداؤه لعلمهم بما يكون من نبوته على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لخبر بحير الراهب وما كان من إخباره بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في باب أهل الفترة ممن كان بين المسيح ومحمد عليهما السلام.
** شهوده الفجار **
وقد قدمنا أنه عليه السلام شهد يوم حرب الفجار، وذلك في سنة إحدى وعشرين، وأنها حرب كانت بين قريش وقيس عيلان، فيما سلف من هذا الكتاب وغيره، وأنها إنما سميت بهذا الاسم الذي هو الفجار لأنها كانت في الأشهر الحرم، وكانت لقيس على قريش، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما شاهدها صارت لقريش على قيس، وكان على قريش يومئذ عبد الله بن جدعان التيمي، وكان نخاسا في الجاهلية بياعا للجواري، وكانت هذه إحدى الدلائل المنزرة بنبوته عليه السلام والتيمن بحضوره.
** سنوات من حياته **
وفي سنة ست وعشرين كان تزويجه بخديجة بنت خويلد، وهي ومئذ بنت أربعين، وقيل في سنها غيرهذا.
وفي سنة ست وثلاثين بنت قريش الكعبة، وتراضت به، فوضع الحجر على حسب ما قدمنا.
وفي سن إحدى وأربعين بعثه الله نبيا ورسولا إلى كافة الناس، وذلك بوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول، على حسب تنازع الناس في تاريخ مبعثه عليه السلام.
وفي سنة ست وأربعين كان حصار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني عبد المطلب في الشعب.
وفي سنة خمسين كان خروجه عليه السلام ومن تبعه من الشعب.
وفي هذه السنة كانت وفاة خديجة زوجه وفيها كان خروجه إلى الطائف على حسب ما ذكرنا.
وفي سنة إحدى وخمسين كان الإسراء به صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، على حسب ما نطق به التنزيل.
وفي سنة أربع وخمسين كانت هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفيها بني صلى الله عليه وسلم مسجده، وفيها دخل بعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وهي ابنة تسع، وتزوج بها قبل الهجرة وهي بنت سبع، وقيل: إنه تزوجها وهي بنت ست سنين، وبني بها في المدينة بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقيل عن عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهي بنت ثمان عشرة سنة، وكانت وفاتها سنة ثمان وخمسين من الهجرة بالمدينة، وصلى عليها أبو هريرة في أيام معاوية بن إلى سفيان وقد قاربت السبعين وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذان، وأرى عبد الله بن زيد كيفية الأذان في من أمه ، وفيها كان تزوج علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرنا من التنازع في التاريخ. وفي سنة اثنتين من الهجرة افترض على المؤمنين صوم شهر رمضان وفي هذه السنة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى الكعبة، وفيها توفيت ابنته رقية وفي آخر هذه السنة - وهي سنة اثنتين من الهجرة - كان دخول علي بن أبى طالب بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها كانت وقعة بدر، وذلك في الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.
وفي سنة ثلاث كان تزويجه بزينب بنت خزيمة، وكانت وفاتها بعد شهرين، وفي هذه السنة كان تزويجه بحفصة بنت عمر بن الخطاب، وفيها كان تزويج عثمان بن عفان بأم كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها كان مولد الحسن بن علي بن أبي طالب على ما في ذلك من التنازع في التاريخ وفيها كانت غزوة أحد، وفي هذه السنة استشهد حمزة بن عبد المطلب. وفي سنة أربع كانت غزوته المعروفة بذات الرقاع، وفي هذه الغزاة صلى صلاة الخوف بالناس، على حسب ما ذكر في كيفية ذلك التنازع، وفيها كان تزويجة بأم سلمة بنت أبي أمية، وفيها كانت غزوته إلى اليهود من بني النضير وامتنعوا منه بحصونهم، فقطعوا نخلهم وشجرهم وأضرموا النار عليهم، فلما رأى ذلك صالحهم، وفيها كانت غزوته إلى بني المصطلق، وفيها - وهي سنة أربع - كان مولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقد قيل: إن مولد فاطمة رضي الله تعالى عنها كان قبل الهجرة بثمان سنين.
وفي سنة خمس كانت غزوة الخندق وما كان فيها من حفر الخندق، وفيها غزا اليهود من بني قريظة، وكان من أمرهم ما قد شهر، وفيها كان تزويجه بزينب بنت جحش، وفيها كان تقول أهل الإفك على عائشة رضي الله عنها.
وفي سنة ست كان استسقاؤه عليه السلام لما لحق الناس من الضر والجدب، وفيها اعتمر عمرته المعروفة بعمرة الحديبية وواعد المشركين، وفيها أخذ فدك، وفيها تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، ووجه بالرسل إلى كسرى وقيصر، وكان فيها أداؤه لكتابة جويرية بنت الحارث وتزويجه بها.
وفي سنة سبع غزا خيبر فافتتحها، واصطفى صفية بنت حيى بن أخطب لنفسه، وفيها تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية خالة عبد الله بن عباس في سفره حين اعتمر عمرة القضاء، على ما ذكر من التنازع في نكاحه لها، أفي حال حله نكحها أم في حال إحرامه ؟ وما قال الفقهاء في ذلك، وتنازع الناس في نكاح المحرم، وفيها كان قدوم حاطب بن أبي بلتعة من مصر من عند المقوقس ملكها ومعه مارية القبطية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من هدايا المقوقس إليه، وفيها كان قدوم جعفربن أبي طالب من أرض الحبشة ومعه أولاده وزوجته وغيرهم من المسلمين ممن كان بأرض الحبشة.
وفي سنة ثمان استشهد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بأرض مؤتة من أرض البلقاء من أرض الشام وأعمال دمشق في وقعتهم مع الروم، وفيها كانت وفاة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: غير ذلك من التاريخ.
** فتح مكة **
وفي سنة ثمان كان افتتاح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وقد تنازع الناس في فتحها، أصلحا كان أم عنوة؛ وفيها كسرت الأصنام، وهدمت العزى ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم " قالوا: خيرأ أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: " أذهبوا فأنتم الطلقاء " ، وفيها غزا غزة حنين، وكان هوازن مالك بن عوف النضري ومعه دريد بن الصمة، وفيها كانت غزوة الطائف، وفيها كان إعطاؤه للمؤلفة قلوبهم وفيهم أبو سفيان صخربن حرب وابنه معاوية، وفيها كان مولد إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية.
وفي سنة تسع حج أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالناس، وقرأ علي بن أبي طالب عليهم سورة براءة، وأمرأن لا يحج مشرك، وأنه لا يطوف بالبيت عريان، وفيها كانت وفاة أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي سنة عشر حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وقال: " ألا أن الزمان. قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " ، وفيها كانت وفاة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام، وقيل غيم ذلك، وفيها كان بعثه عليه الصلاة والسلام بعلي إلى اليمن، وأحرم كإحرام النبي صلى الله عليه وسلم. وفي سنة إحدى عشرة كانت وفاته صلى الله عليه وسلم على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب قبل هذا الباب من ذكر وفاته ومقدار عمره وما قاله الناس في ذلك، وفيها كانت وفاة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرنا من تنازع الناس في مقدار عمرها ومدة بقائها بعد أبيها، ومن الذي صلى عليها: العباس بن عبد المطلب أم بعلها علي؟ ولما قبضت جزع عليها بعلها علي جزعأ شديدا واشتد بكاؤه وظهر أنينه وحنينه، وقال في ذلك:
لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقادي فاطما بعد أحمد ... دليل على أن لا يدوم خليل
** أولاده عليه السلام **
وكل أولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة خلا إبراهيم: ولد له صلى الله عليه وسلم: القاسم، وبه كان يكنى، وكان أكبر بنيه سنا، ورقية وام كلثوم، وكانتا تحت عتبة وعتيبة ابني أبي لهب عمه فطلقاهما لخبر يطول ذكره، فتزوجهما عثمان بن عفان واحدة بعد وحدة، وزينب، وكانت تحت أبي العاص بن الربيع، وفرق الإسلام بينهما، ثم أسلم فردها عليه بالنكاح الأول، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم في كيفية رده عليه الصلاة والسلام لزينب على أبي العاص، وولدت من أبي العاص امامة، وتزوجها علي بعد موت فاطمة عليهم السلام.
وولد له عليه الصلاة والسلام بعد ما بعث عبد الله وهو الطيب والطاهر، الثلاثة الأسماء له لأنه ولد في الإسلام، وفاطمة، وإبراهيم.
وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط على ما كان في سنة سنه من مولده عليه الصلاة والسلام إلى مبعثه، ومن مبعثه إلى هجرته، ومن هجرته إلى وفاته، ومن وفاته إلى وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وما كان في ذلك من المغازي والفتوح والسرايا والبعوث والطرائق والأحداث، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعا منبهين - بذلك على ما سلف من كتبنا، ومذكرين لما تقدم من تصنيفنا، وبالله التوفيق.