Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk
ذكر الخبر عن ملوك الفرس وسني ملكهم — تتمة ٣
Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 45 of 356
فنهض اسفاذ جشنس، ودعا بعض من كان معه من خدمه، ودفع اليه كساء كان لابسه، وأخرج من كمه ششتقة بيضاء نقية، فمسح بها وجهه، ثم دخل على كسرى، فلما عاين كسرى، خر له ساجدا، فأمره كسرى بالانبعاث، فانبعث وكفر بين يديه- وكان كسرى جالسا على ثلاثة أنماط من ديباج خسرواني منسوج بذهب، قد فرشت على بساط من إبريسم، متكئا على ثلاث وسائد منسوجه بذهب، وكان بيده سفرجلة صفراء شديدة الاستدارة فلما عاين اسفاذ جشنس، تربع جالسا ووضع السفرجلة التي كانت بيده على تكأته، فتدحرجت من أعلى الوسائد الثلاث لشدة استدارتها واملساس الوسادة التي كانت عليها، بامتلاء حشوها إلى أعلى تلك الأنماط الثلاثة، ومن النمط إلى البساط، ولم تلبث على البساط أن تدحرجت إلى الأرض، ووقعت بعيدا متلطخه بتراب، فتناولها اسفاذ جشنس فمسحها بكمه، وذهب ليضعها بين يدي كسرى، فأشار إليه أن ينحيها عنه، وقال له: اعزبها عنى، فوضعها اسفاذ جشنس عند طرف البساط إلى الأرض، ثم عاد فقام مقامه، وكفر بيده، فنكس كسرى، ثم قال متمثلا: الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في الإقبال به، وإذا أقبل أعيت الحيلة في الإدبار به، وهذان الأمران متداولان على ذهاب الحيل فيهما، ثم قال لاسفاذ جشنس: إنه قد كان من تدحرج هذه السفرجلة وسقوطها حيث سقطت، وتلطخها بالتراب وهو عندنا كالإخبار لنا بما حملت من الرسالة، وما أنتم عاملون به وعاقبته، فإن السفرجلة التي تأويلها الخير، سقطت من علو إلى سفل، ثم لم تلبث على مفرشنا أن سقطت إلى الأرض، ووقعت بعيدا متلطخة بتراب، وذلك منها دليل في حال الطيرة:
أن مجد الملوك قد صار عند السوق، وأنا قد سلبنا الملك، وأنه لا يلبث في أيدي عقبنا أن يصير إلى من ليس من أهل المملكة، فدونك فتكلم بما حملت من رسالة، وزودت من الكلام.
فاندفع اسفاذ جشنس في تبليغ الرسالة التي حمله إياها شيرويه، ولم يغادر منها كلمة، ولم يزلها عن نسقها فقال كسرى في مرجوع تلك الرسالة: بلغ عني شيرويه القصير العمر، أنه لا ينبغي لذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب، ولا اليسير من السيئة إلا بعد تحقق ذلك عنده، وتيقنه إياه منه، فضلا عن عظيم ما بثثت ونشرت وادعيت منا، ونسبتنا إليه من الذنوب والجرائم، مع أن أولى الناس بالرد عن ذي ذنب، وتوبيخ ذي جرمة، من قد ضبط نفسه عن الذنوب والجرائم، ولو كنا على ما أضفتنا إليه لم يكن ينبغي أن تنشره وتؤنبنا به أيها القصير العمر القليل العلم، فإن كنت جاهلا بما يلزمك من العيوب ببثك منا ما بثثت، ونسبتك إيانا إلى ما نسبت، فاستثبت عيوبك واقتصر في الزري علينا، والعيب لنا على ما لا يزيدك بسوء مقالتك فيه إلا اشتهارا بالجهل، ونقص الرأي أيها العازب العقل، العديم العلم، فإنه إن كان لإجهادك نفسك في شهرك إيانا من الذنوب بما يوجب علينا القتل حقيقة، وكان لك على ذلك برهان، فقضاة أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من أبيه، وينحونه عن مضامة الأخيار ومجالستهم، ومخالطتهم إلا في أقل المواطن فضلا عن أن يملك، مع أنه قد بلغ بحمد الله ونعمته من إصلاحنا أنفسنا ونيتنا فيما بيننا وبين الله وبيننا وبين أهل ملتنا وديننا، وبيننا وبينك وبين معشر أبنائنا ما ليس لنا في شيء من ذلك تقصير، ولا علينا فيه من أحد حجة ولا توبيخ، ونحن نشرح الحال فيما ألزمتنا من الذنوب، وألحقت بنا من الجرائم، عن غير التماس منا لذلك نقصا فيما أدلينا به من حجة، أو أتينا عليه من برهان، لتزداد علما بجهالتك وعزوب عقلك، وسوء صنيعك أما ما ذكرت من أمر أبينا هرمز، فمن جوابنا فيه أن الأشرار والبغاة كانوا أغروا هرمز بنا حتى اتهمنا واحتمل غمرا ووغرا ورأينا من ازوراره عنا، وسوء رأيه فينا، ما تخوفنا ناحيته، فاعتزلنا بابه لإشفاقنا منه، ولحقنا بأذربيجان، وقد استفاض، فانتهك من الملك ما انتهك فلما انتهى إلينا خبر ما بلغ منه شخصنا من أذربيجان إلى بابه، فهجم علينا المنافق بهرام في جنود عظيمة من العصاة المستوجبة القتل، مارقا من الطاعة، فأجلانا عن موضع المملكة فلحقنا ببلاد الروم، فأقبلنا منها بالجنود والعدة، وحاربناه فهرب منا، وصار من أمره في بلاد الترك من الهلكة والبوار إلى ما قد اشتهر في الناس، حتى إذا صفا لنا الملك، واستحكم لنا أمره، ودفعنا بعون الله عن رعيتنا البلاء والآفات التي كانوا أشفوا عليها، قلنا: إن من خير ما نحن بادئون به في سياستنا، ومفتتحون به ملكنا الانتقام لأبينا، والثأر به والقتل لكل من شرك في دمه، فإذا أحكمنا ما نوينا من ذلك، وبلغنا منه ما نريد تفرغنا لغيره من تدبير الملك، فقتلنا كل من شرك في دمه، وسعى فيه ومالأ عليه.
وأما ما ذكرت من أمر أبنائنا، فمن جوابنا أنه ليس من ولد ولدناه- ما خلا من استأثر الله به منهم- إلا صحيحة أعضاء جسده، غير أنا وكلنا بالحراسة لكم، وكفكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم إرادة كف ما نتخوف من ضرركم على البلاد والرعية ثم كنا أقمنا من النفقات الواسعة في كسوتكم ومراكبكم وجميع ما تحتاجون إليه ما قد علمت، وأما أنت خاصة، فمن قصتك أن المنجمين كانوا قضوا في كتاب مولدك أنك مثرب علينا، أو يكون ذلك بسببك، فلم نأمر بقتلك، ولكن ختمنا على كتاب قضية مولدك، ودفعناه إلى شيرين صاحبتنا ومع ثقتنا بتلك القضية وجدنا فرميشا ملك الهند كتب إلينا في سنة ست وثلاثين من ملكنا، وقد أوفدهم إلينا، فكتب في أمور شتى، وأهدى لنا ولكم- معشر أبنائنا- هدايا، وكتب إلى كل واحد منكم كتابا، وكانت هديته لك- فاذكرها- فيلا، وسيفا، وبازيا أبيض، وديباجة منسوجة بذهب، فلما نظرنا فيما أهدي لكم، وكتب إليكم وجدته قد وقع على كتابه إليك بالهندية: اكتم ما فيه، فأمرنا أن يصرف إلى كل واحد منكم ما بعث إليه من هديه او كتاب، واحتبسنا كتابه إليك لحال التوقيع الذي كان عليه، ودعونا بكاتب هندي، وأمرنا بفض خاتم الكتاب وقراءته، فكان فيه: أبشر وقر عينا، وانعم بالا، فإنك متوج ماه آذر روز ديباذر سنه ثمان وثلاثين من ملك كسرى، ومملك على ملكه وبلاده، فوثقنا أنك لم تكن لتملك إلا بهلكنا وبوارنا، فلم ننتقصك- بما استقر عندنا من ذلك مما كنا أمرنا بإجرائه عليك من الأرزاق والمعاون والصلات وغير ذلك- شيئا، فضلا عن أمرنا بقتلك.
وأما كتاب فرميشا فقد ختمنا عليه بخاتمنا، واستودعناه شيرين صاحبتنا، وهي في الأحياء صحيحة العقل والبدن، فإن أحببت أن تأخذ منها قضية مولدك، وكتاب فرميشا إليك وتقرأهما لتكسبك قراءتك إياهما ندامة وثبورا فافعل وأما ما ذكرت من حال من خلد السجن فمن جوابنا فيه أن الملوك الماضين من لدن جيومرت إلى أن ملك بشتاسب، كانوا يدبرون ملكهم بالمعدلة، ولم يزالوا من لدن بشتاسب إلى أن ملكنا يدبرونه بمعدلة، معها ورع الدين، فسل إن كنت عديم عقل وعلم وأدب حملة الدين- وهم أوتاد هذه الملة- عن حال من عصى الملوك وخالفهم، ونكث عهدهم، والمستوجبين بذنوبهم القتل فيخبروك أنهم لا يستحقون أن يرحموا ويعفى عنهم واعلم مع ذلك أنا لم نأمر بالحبس في سجوننا، ولا من قد وجب عليه في القضاء العدل أن يقتل أو تسمل عينه، وتقطع يده ورجله وسائر أعضائه وكثيرا ما كان الموكلون بهم وغيرهم من وزرائنا يذكرون استيجاب من استوجب منهم القتل، ويقولون: عاجلهم بالقتل قبل أن يحتالوا لأنفسهم حيلا يقتلونك بها، فكنا لحبنا استبقاء النفوس وكراهتنا سفك الدماء نتأنى بهم، ونكلهم إلى الله، ولا نقدم على عقوبتهم بعد الحبس الذي اقتصرنا عليه، إلا على منعهم أكل اللحم وشرب الشراب، وشم الرياحين، ولم نعد في ذلك ما في سنن الملة من الحول بين المستوجبين للقتل، وبين التلذذ والتنعم بشيء مما منعناهم إياه، وكنا أمرنا لهم من المطعم والمشرب وسائر ما يقيمهم بالذي يصلحهم في اقتصاد، ولم نأمر بالحول بينهم وبين نسائهم والتوالد والتناسل في حال حبسهم وقد بلغنا أنك أجمعت على التخلية عن أولئك الدعار المنافقين المستوجبين للقتل، والأمر بهدم محبسهم، ومتى تخل عنهم تأثم بالله ربك، وتسيء إلى نفسك، وتخل بدينك وما فيه من الوصايا والسنن التي فيها صرف الرحمة والعفو عن المستوجبين للقتل، مع أن أعداء الملوك لا يحبون الملك أبدا، والعاصين لهم لا يمنحونهم الطاعة وقد وعظ الحكماء وقالوا: لا تؤخرن معاقبة المستوجبي العقوبة، فإن في تأخيرها مدفعة للعدل، ومضرة على المملكة في حال التدبير، ولئن نالك بعض السرور إن أنت خليت عن أولئك الدعار المنافقين العصاة المستوجبين للقتل لتجدن غب ذلك في تدبيرك، ودخول أعظم المضرة والبلية على أهل الملة.
وأما قولك: إنا إنما كسبنا وجمعنا وادخرنا الأموال والأمتعة والبزور وغيرها من بلاد مملكتنا بأعنف اجتباء، وأشد إلحاح على رعيتنا، وأشد ظلم، لا من بلاد العدو بالمجاهدة لهم والقهر، عن غلبة منا إياهم على ما في أيديهم، فمن جوابنا فيه إن من إصابة الجواب في كل كلام يتكلم بجهل وعنجهية ترك الجواب فيه، ولكن لم ندع- إذ صار ترك الجواب كالاقرار، وطافت حجتنا فيما غشينا أن نحتج به، قوية، وعذرنا واضحا- شرح ما سألتنا عنه من ذلك.
اعلم أيها الجاهل، أنه إنما يقيم ملك الملوك بعد الله الأموال والجنود وبخاصة ملك فارس، الذي قد اكتنفت بلاده أعداء فاغرة أفواههم لالتقام ما في يديه، وليس يقدر على كفهم عنها، وردعهم عما يريدون من اختلاس ما يرومون اختلاسه منه، إلا بالجنود الكثيفة، والأسلحة والعدد الكثيرة، ولا سبيل له إلى الكثيف من الجنود والكثير مما يحتاج إليه إلا بكثرة الأموال ووفورها، ولا يستكثر من الأموال ولا يقدر على جمعها لحاجة إن عرضت له إليها إلا بالجد والتشمير في اجتباء هذا الخراج وما نحن ابتدعنا جمع الأموال، بل اقتدينا في ذلك بآبائنا والماضين من أسلافنا، فإنهم جمعوها كجمعنا إياها، وكثروها ووفروها لتكون ظهرا لهم على تقوية جنودهم وإقامة أمورهم، وغير ذلك مما لم يستغنوا عن جمعها له فأغار على تلك الأموال وعلى جوهر كان في خزائننا، المنافق بهرام في عصابة مثله وفتاك مستوجبين القتل، فشذبوها وبذروها وذهبوا بما ذهبوا به منها، ولم يتركوا في بيوت أموالنا وخزائننا إلا أسلحة من أسلحتنا لم يقدروا على تشذيبها والذهاب بها، ولم يرغبوا فيها فلما ارتجعنا بحمد الله ملكنا، واستحكمت أمورنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة، ودفعنا عنهم البوائق التي كانت حلت بهم، ووجهنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين، وولينا دونهم على تلك النواحي فاذوسبانين، واستعملنا على ثغورنا مرازبة وولاة ذوي صرامة ومضاء وجلد، وقوينا من ولينا من هؤلاء بالكثيف من الجنود، أثخن هؤلاء الولاة من كان بإزائهم من الملوك المخالفين لنا والعدو وبلغ من غاراتهم عليهم، وقتلهم من قتلوا، وأسرهم من أسروا منهم، من سنة ثلاث عشرة من ملكنا، ما لم يقدر الرجل من أولئك على إطلاع رأسه في حرم بلاده إلا بخفير، أو خائفا، أو بأمان منا، فضلا عن الإغارة على شيء من بلادنا، والتعاطي لشيء مما كرهنا، ووصل في مدة هذه السنين إلى بيوت أموالنا وخزائننا مما غنمنا من بلاد العدو من الذهب والفضة وأنواع الجوهر، ومن النحاس والفرند والحرير والإستبرق والديباج والكراع والأسلحة والسبي والأسراء ما لم يخف عظم خطر ذلك وقدره على العامة، فلما أمرنا في آخر سنة ثلاث عشرة من ملكنا بنقش سكك حديثة، لنأمر فيستأنف ضرب الورق بها، وجد في بيوت أموالنا- على ما رفع إلينا المحصون لما كان فيها من الورق سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جنودنا من الورق- مائتا الف بدره، فيها ثمانمائه ألف ألف مثقال فلما رأينا أنا قد حصنا ثغورنا، وردعنا العدو عنها وعن رعيتنا، وجمعنا مشتت أمرنا، وكعمنا أفواههم الفاغرة كانت لالتقام ما في أيديهم، وبسطنا فيهم الأمن، وأمنا على نواحي بلادنا الأربع ما كان أهلها فيه من البوائق والمغار، أمرنا باجتباء بقايا السنين، وما انتهب من بيوت أموالنا من ذهب وفضة، ومن خزائننا من جوهر أو نحاس، ورد ذلك كله إلى موضعه، حتى إذا كان في آخر سنه ثلاثين من ملكنا أمرنا بنقش سكك حديثة، يضرب عليها الورق، فوجد في بيوت أموالنا سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جندنا، والأموال التي أحصيت لنا قبل ذلك من الورق أربعمائة ألف بدرة، يكون ما فيها ألف ألف الف مثقال وستمائه ألف ألف مثقال، وذلك سوى ما زادنا الله إلى تلك الأموال، مما أفاء الله بمنه وطوله علينا من أموال ملوك الروم، في سفن أقبلت بها إلينا الريح، فسميناها فيء الرياح، ولم تزل أموالنا من سنة ثلاثين من ملكنا إلى سنة ثمان وثلاثين من ملكنا، التي هي هذه السنة تزداد كثرة ووفورا، وبلادنا عمارة، ورعيتنا أمنا وطمأنينة، وثغورنا وأطرافنا مناعة وحصانة، وقد بلغنا أنك هممت- لرذولة مروءتك- أن تبذر هذه الأموال وتتويها، عن رأي الأشرار العتاة المستوجبين للقتل.
ونحن نعلمك أن هذه الكنوز والأموال لم تجمع إلا بعد المخاطرة بالنفوس، وبعد كد وعناء شديد، لندفع بها العدو المكتنفين لبلاد هذه المملكة، المتقلبين إلى غلبتهم على ما في أيديهم وإنما يقدر على كف أولئك العدو في الأزمان والدهور كلها، بعد عون الله بالأموال والجنود، ولن تقوى الجنود إلا بالأموال، ولا ينتفع بالأموال إلا على كثرتها ووفورها، فلا تهمن بتفرقة هذه الأموال، ولا تجسرن عليها، فإنها كهف لملكك وبلادك، وقوة لك على عدوك.
ثم انصرف اسفاذ جشنس إلى شيرويه فقص عليه ما قال له كسرى، ولم يسقط منه حرفا، وإن عظماء الفرس عادوا فقالوا لشيرويه: إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان، فإما أن تأمر بقتل كسرى، ونحن خولك، المانحوك الطاعة، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة فهدت شيرويه هذه المقالة وكسرته، وأمر بقتل كسرى، فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى، فكلما أتاه الرجل منهم شتمه كسرى وزبره فلم يقدم على قتله أحد، حتى أتاه شاب يقال له مهر هرمز بن مردان شاه ليقتله، وكان مردان شاه فاذوسبانا لكسرى على ناحية نيمروذ، وكان من أطوع الناس لكسرى وأنصحهم له، وإن كسرى سأل قبل أن يخلع بنحو من سنتين منجميه وعافته عن عاقبة أمره، وأخبروه أن منيته آتيه من قبل نيمروذ فاتهم مردان شاه، وتخوف ناحيته لعظم قدره، وأنه لم يكن في تلك الناحية من يعدله في القوة والقدرة.
فكتب إليه أن يعجل القدوم عليه، حتى إذا قدم عليه أجال الرأي في طلب علة يقتله بها، فلم يجد عليه عثرة، وتذمم من قتله لما علم من طاعته إياه، ونصيحته له، وتحريه مرضاته فرأى أن يستبقيه، ويأمر بقطع يمينه، ويعوضه منها أموالا عظيمة يجود له بها، فبغى عليه من العلل ما قطع يمينه، وإنما كانت تقطع الأيدي والأرجل وتقطع الأعناق في رحبة الملك.
وإن كسرى أرسل يوم أمر بقطع يده عينا ليأتيه بخبر ما يسمع من مردان شاه وممن بحضرته من النظارة، وان مردان شاه لما قطعت يمينه قبض عليها بشماله، فقبلها ووضعها في حجره، وجعل يندبها بدمع له دار ويقول:
وا سمحتاه! وا راميتاه! وا كاتبتاه! وا ضاربتاه! وا لاعبتاه! وا كريمتاه! فانصرف إلى كسرى الرجل الذي كان وجهه عينا عليه، فأخبره بما رأى وسمع منه، فرق له كسرى، وندم على إتيانه في أمره ما أتى، فأرسل إليه مع رجل من العظماء يعلمه ندامته على ما كان منه، وأنه لن يسأله شيئا يجد السبيل إلى بذله له إلا أجابه إليه، وأسعفه به.
فأرسل إلى كسرى مع ذلك الرسول يدعو له، ويقول: إني لم أزل أعرف تفضلك علي أيها الملك، وأشكره لك، وقد تيقنت أن الذي أتيت إلي مع كراهتك إياه، إنما كان سببه القضاء، ولكني سائلك أمرا فأعطني من الأيمان على إسعافك إياي به ما اطمان إليه، وليأتني بيقين حلفك على ذلك رجل من النساك، فأفرشك إياه وأبثه لك فانصرف رسول كسرى إلى كسرى بهذه الرسالة، فسارع الى ما ساله مردان شاه، وحلف بالأيمان المغلظة ليجيبنه إلى ما هو سائله، ما لم تكن مسألته أمرا يوهن ملكه وأرسل إليه بهذه الرسالة مع رئيس المزمزمين، فأرسل اليه مردان شاه يسأله أن يأمر بضرب عنقه ليمتحي بذلك العار الذي لزمه، فأمر كسرى فضربت عنقه كراهة منه للحنث، زعم.
وان كسرى سال مهر هرمز بن مردان شاه، حين دخل عليه عن اسمه، وعن اسم ابيه ومرتبته فاخبره انه مهر هرمز بن مردان شاه، فاذوسبان نيمروذ، فقال كسرى: أنت ابن رجل شريف كثير الغناء، قد كافأناه على طاعته إيانا، ونصيحته لنا، وغنائه عنا بغير ما كان يستحقه، فشأنك وما أمرت به فضرب مهر هرمز على حبل عاتقه بطبرزين كان بيده ضربات فلم يحك فيه، ففتش كسرى فوجد قد شد في عضده خرزه لا يحيك السيف في كل من تعلقها فنزعت من عضده، ثم ضربه بعد ذلك مهر هرمز ضربة فهلك منها.
وبلغ شيرويه فخرق جيبه وبكى منتحبا، وامر بحمل جثته الى الناووس فحملت، وشيعها العظماء وأفناء الناس.
وأمر فقتل قاتل كسرى، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، وكان قتله ماه آذر روز ماه وقتل شيرويه سبعة عشر أخا له ذوي أدب وشجاعة ومروءة، بمشورة وزيره فيروز، وتحريض ابن ليزدين- والى عشور الآفاق كان لكسرى، يقال له شمطا- اياه على قتلهم، فابتلي بالأسقام ولم يلتذ بشيء من لذات الدنيا، وكان هلاكه بدسكرة الملك، وكان مشئوما على آل ساسان، فلما قتل إخوته جزع جزعا شديدا ويقال: إنه لما كان اليوم الثاني من اليوم الذي قتلهم فيه، دخلت عليه بوران وآزرميدخت أختاه فأسمعتاه وأغلظتا له، وقالتا: حملك الحرص على ملك لا يتم، على قتل أبيك وجميع إخوتك، وارتكبت المحارم! فلما سمع ذلك منهما بكى بكاء شديدا، ورمى بالتاج عن رأسه، ولم يزل أيامه كلها مهموما مدنفا ويقال: إنه أباد من قدر عليه من أهل بيته، وإن الطاعون فشا في أيامه حتى هلك الفرس إلا قليلا منهم وكان ملكه ثمانية اشهر
** ذكر ملك أردشير بن شيرويه **
ثم ملك أردشير بن شيرويه بن ابرويز بن هرمز بن انوشروان، وكان طفلا صغيرا- قيل: إنه كان ابن سبع سنين لأنه لم يكن في أهل بيت المملكة محتنك- فملكته عظماء فارس، وحضنه رجل يقال له مهاذرجشنس، وكانت مرتبته رئاسة أصحاب المائدة، فأحسن سياسة الملك، فبلغ من إحكامه ذلك ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير وكان شهربراز بثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى وسماهم السعداء، وكان كسرى وشيرويه لا يزالان يكتبان إليه في الأمر يهمهما، فيستشيرانه فيه، فلما لم يشاوره عظماء فارس في تمليك أردشير.
اتخذ ذلك ذريعة إلى التعتب والتبغي عليهم، وبسط يده في القتل، وجعله سببا للطمع في الملك، والاعتلاء عند ذلك من ضعة العبودية إلى رفعة الملك، واحتقر أردشير لحداثة سنه واستطال عليهم، وأجمع على دعاء الناس إلى التشاور في الملك ثم أقبل بجنده وقد عمد مهاذرجشنس، فحصن سور مدينة طيسبون وأبوابها، وحول أردشير، ومن بقي من نسل الملك ونسائهم، وما كان في بيت مال أردشير من ماله وخزائنه وكراعه إلى مدينة طيسبون وكان الذين اقبل فيهم من الجند شهربراز ستة آلاف رجل من جند فارس بثغر الروم، فأناخ إلى جانب مدينة طيسبون، وحاصر من فيها وقاتلهم عنها، ونصب المجانيق عليها فلم يصل إليها فلما رأى عجزه عن افتتاحها أتاها من قبل المكيدة، فلم يزل يخدع رجلا يقال له نيوخسروا، وكان رئيس حرس أردشير ونامدار جشنس بن آذر جشنس، أصبهبذ نيمروذ، حتى فتحا له باب المدينة فدخلها، فأخذ جماعة من الرؤساء فقتلهم، واستصفى أموالهم، وفضح نساءهم وقتل ناس بأمر شهربراز أردشير بن شيرويه، سنة اثنتين ماه بهمن، ليله روز آبان في ايوان خسرو شاه قباذ.
وكان ملكه سنه وسته اشهر
** ذكر ملك شهربراز **
ثم ملك شهربراز، وهو فرخان ماه اسفنديار، ولم يكن من أهل بيت المملكة، ودعا نفسه ملكا وإنه حين جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من شدة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء، فدعا بطست فوضع أمام ذلك السرير فتبرز فيه وإن رجلا من أهل إصطخر، يقال له فسفروخ بن ما خرشيذان وأخوين له، امتعضوا من قتل شهربراز أردشير وغلبته على الملك، وأنفوا من ذلك، وتحالفوا وتعاقدوا على قتله، وكانوا جميعا في حرس الملوك، وكان من السنة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين، عليهم الدروع والبيض والترسة والسيوف، وبأيديهم الرماح، فإذا حاذى بهم الملك وضع كل رجل منهم نرسه على قربوس سرجه، ثم وضع جبهته عليه كهيئة السجود وان شهربراز ركب بعد أن ملك بأيام فوقف فسفروخ وأخواه، قريبا بعضهم من بعض، فلما حاذى بهم شهربراز طعنه فسفروخ، ثم طعنه أخواه، وكان ذلك اسفندارمذ ماه، وروز دي بدين، فسقط عن دابته ميتا، فشدوا في رجله حبلا وجروه إقبالا وإدبارا، وساعدهم على قتله رجل من العظماء يقال له زاذان فروخ بن شهرداران، ورجل يقال له ماهياي، كان مؤدب الأساورة، وكثير من العظماء وأهل البيوتات، وعاونوهم على قتل رجال فتكوا بأردشير بن شيرويه، وقتلوا رجالا من العظماء وإنهم ملكوا بوران بنت كسرى.
وكان جميع ما ملك شهربراز اربعين يوما
** ذكر ملك بوران بنت كسرى ابرويز **
ثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان، فذكر أنها قالت يوم ملكت: البر أنوي وبالعدل آمر، وصيرت مرتبه شهربراز لفسفروخ، وقلدته وزارتها، وأحسنت السيرة في رعيتها، وبسطت العدل فيهم، وأمرت بضرب الورق ورم القناطر والجسور، ووضعت بقايا بقيت من الخراج على الناس عنهم، وكتبت إلى الناس عامة كتبا أعلمتهم ما هي عليه من الإحسان إليهم، وذكرت حال من هلك من أهل بيت المملكة، وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهة والاستقامة بمكانها ما يعرفون به أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد، ولا ببأسهم تستباح العساكر، ولا بمكايدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر، ولكن كل ذلك يكون بالله عز وجل، وأمرتهم بالطاعة وحضتهم على المناصحة، وكانت كتبها جماعة لكل ما يحتاج إليه، وإنها ردت خشبة الصليب على ملك الروم مع جاثليق يقال له إيشوعهب.
وكان ملكها سنه واربعه اشهر
** ذكر ملك جشنسده **
ثم ملك بعدها رجل يقال له: جشنسده، من بني عم أبرويز الأبعدين.
وكان ملكه اقل من شهر
** ذكر ملك آزرميدخت بنت كسرى ابرويز **
ثم ملكت آزرميدخت بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى انوشروان، ويقال إنها كانت من أجمل نسائهم، وإنها قالت حين ملكت:
منهاجنا منهاج أبينا كسرى المنصور، فإن خالفنا أحد هرقنا دمه ويقال: إنه كان عظيم فارس يومئذ فرخهرمز إصبهبذ خراسان، فأرسل إليها يسألها أن تزوجه نفسها، فأرسلت إليه: إن التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن دهرك فيما ذهبت إليه قضاء حاجتك وشهوتك مني، فصر إلي ليلة كذا وكذا ففعل فرخهرمز وركب إليها في تلك الليلة، وتقدمت آزرميدخت إلى صاحب حرسها أن يترصده في الليلة التي تواعدا الالتقاء فيها حتى يقتله فنفذ صاحب حرسها لأمرها، وأمرت به فجر برجله، وطرح في رحبة دار المملكة، فلما أصبحوا وجدوا فرخهرمز قتيلا، فأمرت بجثته فغيبت، وعلم أنه لم يقتل إلا لعظيمة وكان رستم بن فرخهرمز صاحب يزدجرد الذي وجه بعد لقتال العرب خليفة أبيه بخراسان، فلما بلغه الخبر أقبل في جند عظيم حتى نزل المدائن، وسمل عيني آزرميدخت، وقتلها وقال بعضهم: بل سمت.
وكان ملكها سته اشهر
** كسرى بن مهراجشنس **
ثم أتي برجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له:
كسرى بن مهرجشنس، فملكه العظماء، ولبس التاج، وجلس على سرير الملك، وقتل بعد ان ملك بايام
** ذكر ملك خرزا خسروا **
وقيل إن الذي ملك بعد آزرميدخت خرزاذ خسروا من ولد أبرويز.
وقيل: إنه وجد بحصن يعرف بالحجارة بالقرب من نصيبين، فلما صار إلى المدائن مكث أياما يسيرة، ثم استعصوا عليه وخالفوه
** ذكر ملك فيروز بن مهراجشنس **
وقال الذين قالوا: ملك بعد آزرميدخت كسرى بن مهراجشنس: لما قتل كسرى بن مهراجشنس، طلب عظماء فارس من يملكونه من أهل بيت المملكة، فطلبوا من له عنصر من أهل ذلك البيت ولو من قبل النساء، فأتوا برجل كان يسكن ميسان، يقال له فيروز بن مهرانجشنس، ويسمى أيضا جشنسده قد ولدته صهاربخت بنت يزداندار بن كسرى انوشروان، فملكوه كرها.
وكان رجلا ضخم الرأس، فلما توج قال: ما أضيق هذا التاج! فتطير العظماء من افتتاحه كلامه بالضيق، وقتلوه بعد أن ملك أياما.
ومن الناس من يقول: قتل ساعه تكلم بما تكلم به
** ذكر ملك فرخزاذ خسروا **
وقال قائل هذا القول: ثم شخص رجل من العظماء يقال له زاذي ولمرتبته رئيس الخول إلى موضع في ناحية المغرب قريب من نصيبين، يقال له: حصن الحجارة، فأقبل بابن لكسرى كان نجا إلى ذلك القصر حين قتل شيرويه بني كسرى يقال له: فرخزاذ خسروا إلى مدينة طيسبون، فانقاد له الناس زمنا يسيرا، ثم استعصوا عليه وخالفوه، فقال بعضهم: قتلوه وكان ملكه ستة أشهر
** ذكر ملك يزدجرد بن شهريار **
وقال بعضهم كان أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن كسرى بإصطخر، قد هرب به إليها حيث قتل شيرويه إخوته، فلما بلغ عظماء أهل إصطخر أن من بالمدائن خالفوا فرخزاذ خسروا، أتوا بيزدجرد بيت نار يدعى بيت نار أردشير، فتوجوه هنالك، وملكوه- وكان حدثا- ثم أقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا فرخزاذ خسروا بحيل احتالوها لقتله بعد أن ملك سنة.
وساغ الملك ليزدجرد، غير أن ملكه كان عند ملك آبائه كالخيال والحلم، وكانت العظماء والوزراء يدبرون ملكه لحداثة سنه، وكان أشدهم نباهة في وزرائه وأذكاهم رئيس الخول وضعف أمر مملكة فارس، واجترأ عليه أعداؤه من كل وجه، وتطرفوا بلاده وأخربوا منها، وغزت العرب بلاده بعد أن مضت سنتان من ملكه وقيل بعد أن مضى أربع سنين من ملكه.
وكان عمره كله إلى أن قتل ثمانيا وعشرين سنة.
وقد بقي من أخبار يزدجرد هذا وولده أخبار سأذكرها إن شاء الله بعد في مواضعها من فتوح المسلمين وما فتحوا من بلاد العجم، وما آل إليه أمره وأمر ولده.
فجميع ما مضى من السنين من لدن أهبط آدم إلى الأرض، إلى وقت هجره النبي ص وسلم- على ما يقوله أهل الكتاب من اليهود، وتزعم أنه في التوراة الصورة مثبت من أعمار الأنبياء والملوك- أربعة آلاف سنة وستمائه سنة واثنتان وأربعون سنة وأشهر وأما على ما تقوله النصارى مما تزعم أنه في توراة اليونانية، فإن ذلك خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر.
وأما جميع ذلك على قول المجوس من الفرس، فإنه أربعة آلاف سنة ومائة سنة واثنتان وثمانون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما، على أنه داخل في ذلك مدة ما بين وقت الهجرة ومقتل يزدجرد، وذلك ثلاثون سنة وشهران وخمسه عشر يوما، وعلى ان حسابهم ذلك وابتداء تأريخهم من عهد جيومرت، وجيومرت هو آدم أبو البشر، الذي إليه نسبة كل منتسب من الإنس، على ما قد بينت في كتابي هذا.
وأما علماء الإسلام فقد ذكرت قبل ما قال فيه بعضهم، وأذكر بعض من لم يمض ذكره منهم الآن، فإنهم قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة.
** ذكر من قال ذلك: **
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق.
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، عن غير واحد من أهل العلم، قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة.
وروي عن عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: الفتره بين محمد وعيسى ع ستمائه سنة.
وروي عن فضيل بن عبد الوهاب، عن جعفر بن سليمان، عن عوف، قال: كان بين عيسى وموسى ستمائه سنة.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن كعبا قال: إن قوله:
«يا أخت هارون» ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة:
كذبت، قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ص قال فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائه سنة قال: فسكتت.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم الف سنه وتسعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل، سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبي خمسمائة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء، وهو قوله: «إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث» ، والذي عزز به شمعون، وكان من الحواريين، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة وأربعا وثلاثين سنة، وإن عيسى حين رفع كان ابن اثنتين وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت نبوته ثلاثين شهرا، وإن الله رفعه بجسده، وإنه حي الآن.
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا يقول: قد خلا من الدنيا خمسه آلاف سنه وستمائه سنة.
حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا يحيى بن صالح، عن الحسن بن أيوب الحضرمي، قال: حدثنا عبد الله بن بسر، قال: [قال لي رسول الله ص: لتدركن قرنا، فعاش مائة سنة]
فهذا ما روي عن علماء الإسلام في ذلك، وفي ذلك من قولهم تفاوت شديد، وذلك أن الواقدي، حكى عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا ما ذكرت عنه أنه رواه عنهم وعلى ذلك من قوله، ينبغي أن يكون جميع سني الدنيا إلى مولد نبينا ص اربعه آلاف سنه وستمائه سنة، وعلى قول ابن عباس الذي رواه هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عنه، ينبغي أن يكون إلى مولد النبي ص خمسه آلاف سنه وخمسمائة سنة.
وأما وهب بن منبه فقد ذكر جملة من قوله من غير تفصيل، وأن ذلك الى زمنه خمسه آلاف سنه وستمائه سنة، وجميع مدة الدنيا عند وهب ستة آلاف سنة، وقد كان مضى عنده من ذلك الى زمانه خمسه آلاف سنه وستمائه سنة وكانت وفاة وهب بن منبه سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة، فكأن الباقي من الدنيا على قول وهب من وقتنا الذي نحن فيه، مائتا سنة وخمس عشرة سنة.
وهذا القول الذي قاله وهب بن منبه موافق لما رواه أبو صالح، عن ابن عباس.
وقال بعضهم: من وقت هبوط آدم ع الى ان بعث نبينا ص ستة آلاف سنة ومائة وثلاث عشرة سنة، وذلك أن عنده من مهبط آدم إلى الأرض إلى الطوفان ألفي سنة ومائتي سنة وستا وخمسين سنة ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم خليل الرحمن ألف سنة وتسعا وسبعين سنة، ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر خمسمائة سنة وخمسا وستين سنة، ومن خروج موسى ببني إسرائيل من مصر إلى بناء بيت المقدس- وذلك لأربع سنين من ملك سليمان بن داود- ستمائه سنة وستا وثلاثين سنة، ومن بناء بيت المقدس الى ملك الاسكندر سبعمائة سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر الى مولد عيسى بن مريم ع ثلاثمائة سنة وتسعا وستين سنة، ومن مولد عيسى الى مبعث محمد ص خمسمائة سنة وإحدى وخمسين سنة، ومن مبعثه إلى هجرته من مكة إلى المدينة ثلاث عشرة سنة.
وقد حدث بعضهم عن هشام بن محمد الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنه قال: كان من آدم إلى نوح ألفا سنة ومائتا سنة، ومن نوح إلى إبراهيم ألف سنة ومائة سنة وثلاث وأربعون سنه، ومن ابراهيم الى موسى خمسمائة سنة وخمس وسبعون سنة، ومن موسى إلى داود مائة سنة وتسع وسبعون سنة، ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاث وخمسون سنه، ومن عيسى الى محمد ستمائه سنة.
وحدث الهيثم بن عدي عن بعض اهل الكتب أنه قال: من آدم إلى الطوفان ألفا سنة ومائتا سنة وست وخمسون سنة، ومن الطوفان إلى وفاة إبراهيم ألف سنة وعشرون سنة، ومن وفاة إبراهيم إلى دخول بني إسرائيل مصر خمس وسبعون سنة، ومن دخول يعقوب مصر الى خروج موسى منها أربعمائة سنة وثلاثون سنة، ومن خروج موسى من مصر الى بناء بيت المقدس خمسمائة سنة وخمسون سنة، ومن بناء بيت المقدس الى ملك بختنصر وخراب بيت المقدس أربعمائة سنة وست وأربعون سنة ومن ملك بختنصر الى ملك الاسكندر أربعمائة سنة وست وثلاثون سنة، ومن ملك الإسكندر إلى سنة ست ومائتين من الهجرة ألف سنه ومائتان وخمس واربعون سنه