John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi

Surah Hud

Tafseer Al Qurtubi · Hud · 123 ayat · ayat 61–90 · Quran text →

فيها خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى ثَمُودَ﴾ أَيْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ (أَخاهُمْ) أَيْ فِي النَّسَبِ.

(صالِحاً). وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "وَإِلَى ثَمُودٍ" بِالتَّنْوِينِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ. وَاخْتَلَفَ سَائِرُ الْقُرَّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ فِي مَوْضِعٍ وَلَمْ يَصْرِفُوهُ فِي مَوْضِعٍ. وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ لَوْلَا مُخَالَفَةُ السَّوَادِ لَكَانَ الْوَجْهُ تَرْكَ الصَّرْفِ، إِذْ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ التَّأْنِيثُ. قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- مِنْ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ التَّأْنِيثُ كَلَامٌ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ ثَمُودًا يُقَالُ لَهُ حَيٌّ، وَيُقَالُ لَهُ قَبِيلَةٌ، وَلَيْسَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْقَبِيلَةَ، بَلِ الْأَمْرُ عَلَى ضِدِّ مَا قَالَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ. وَالْأَجْوَدُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِيمَا لَمْ يَقُلْ فِيهِ بَنُو فُلَانٍ الصَّرْفُ، نَحْو قُرَيْشٍ وَثَقِيفٍ وَمَا أَشْبَهَهُمَا، وَكَذَلِكَ ثَمُودٌ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّذْكِيرُ الْأَصْلُ، وَكَانَ يَقَعُ لَهُ مُذَكَّرٌ وَمُؤَنَّثٌ كَانَ الْأَصْلُ الْأَخَفُّ أَوْلَى. وَالتَّأْنِيثُ جَيِّدٌ بَالِغٌ حَسَنٌ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ [[البيت لعدي بن الرقاع يمدح الوليد بن عبد الملك، والشاهد فيه ترك صرف قريش حملا على معنى القبيلة، والصرف فيها أكثر وأعرف لأنهم قصدوا بها قصد الحي، وغلب ذلك عليها.

(شواهد سيبويه).]] فِي التَّأْنِيثِ:

غَلَبَ الْمَسَامِيحَ الْوَلِيدُ سَمَاحَةً ... وَكَفَى قُرَيْشَ الْمَعْضِلَاتِ وسادها

الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ تَقَدَّمَ.

(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) أَيِ ابْتَدَأَ خَلْقكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ أَنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٧٩ فما بعد.]] وَ "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٦ ص ٢٨٧ فما بعد.]] وَهُمْ مِنْهُ، وَقِيلَ: "أَنْشَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ". وَلَا يَجُوزُ إِدْغَامُ الْهَاءِ مِنْ "غَيْرُهُ" فِي الْهَاءِ مِنْ "هُوَ" إِلَّا عَلَى لُغَةِ مَنْ حَذَفَ الْوَاوَ فِي الْإِدْرَاجِ.

(وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) أَيْ جَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا وَسُكَّانَهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَعْنَى "اسْتَعْمَرَكُمْ" أَعْمَرَكُمْ مِنْ قَوْلِهِ: أَعْمَرَ فُلَانٌ فُلَانًا دَارَهُ، فَهِيَ لَهُ عُمْرَى. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَسْكَنَكُمْ فِيهَا، وَعَلَى هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ تَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ، مِثْلَ اسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَطَالَ أَعْمَارَكُمْ، وَكَانَتْ أَعْمَارُهُمْ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ إِلَى أَلْفٍ. ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعَاشَكُمْ فِيهَا. زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَمَرَكُمْ بِعِمَارَةِ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِيهَا مِنْ بِنَاءِ مَسَاكِنَ، وَغَرْسِ أَشْجَارٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَلْهَمَكُمْ عِمَارَتَهَا مِنَ الْحَرْثِ وَالْغَرْسِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا. الثالثة- قال ابن عربي قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ: الِاسْتِعْمَارُ طَلَبُ الْعِمَارَةِ، وَالطَّلَبُ الْمُطْلَقُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْوُجُوبِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: تَأْتِي كَلِمَةُ اسْتَفْعَلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى مَعَانٍ: مِنْهَا، اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى طَلَبِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: اسْتَحْمَلْتُهُ أَيْ طَلَبْتُ مِنْهُ حُمْلَانًا، وَبِمَعْنَى اعْتَقَدَ، كَقَوْلِهِمُ: اسْتَسْهَلْتُ هَذَا الْأَمْرَ اعْتَقَدْتُهُ سَهْلًا، أَوْ وَجَدْتُهُ سَهْلًا، وَاسْتَعْظَمْتُهُ أَيِ اعْتَقَدْتُهُ عَظِيمًا وَوَجَدْتُهُ، وَمِنْهُ اسْتَفْعَلْتُ بِمَعْنَى أَصَبْتُ، كَقَوْلِهِمُ: اسْتَجَدْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ [[في و: وجدته.]] جَيِّدًا: وَمِنْهَا بِمَعْنَى فَعَلَ: كَقَوْلِهِ: قَرَّ فِي الْمَكَانِ وَاسْتَقَرَّ، وقالوا وقوله: "يَسْتَهْزِؤُنَ" وَ "يَسْتَسْخِرُونَ" مِنْهُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ خلقكم لعمارتها"، لا مَعْنَى اسْتَجَدْتُهُ وَاسْتَسْهَلْتُهُ، أَيْ أَصَبْتُهُ جَيِّدًا وَسَهْلًا، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ فِي الْخَالِقِ، فَيَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ خَلَقَ، لِأَنَّهُ الْفَائِدَةُ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الشَّيْءِ بِفَائِدَتِهِ مَجَازًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ طلب من الله لِعِمَارَتِهَا، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ، أَمَّا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ استدعى عِمَارَتَهَا فَإِنَّهُ جَاءَ بِلَفْظِ اسْتَفْعَلَ، وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ إِذَا كَانَ أَمْرًا، وَطَلَبٌ لِلْفِعْلِ إِذَا كَانَ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى [رَغْبَةً [[الزيادة عن ابن العربي.]]]. قُلْتُ: لَمْ يُذْكَرِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: اسْتَوْقَدَ بِمَعْنَى أَوْقَدَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، [[راجع ج ١ ص ٢١٢ وص ٢٩٩.]] وَهِيَ: الرَّابِعَةُ- وَيَكُونُ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى الْإِسْكَانِ وَالْعُمْرَى وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢١٢ وص ٢٩٩.]] فِي السُّكْنَى وَالرُّقْبَى. وَأَمَّا الْعُمْرَى فَاخْتَلَفَ العلماء فيها على ثلاثة أقوال: أحدهما- أَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِمَنَافِعِ الرَّقَبَةِ حَيَاةَ الْمُعْمَرِ مُدَّةَ عُمْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ عَقِبًا فَمَاتَ الْمُعْمَرُ رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أَوْ لِوَرَثَتِهِ، هَذَا قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَيَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" حُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ. الثَّانِي أَنَّهَا تَمْلِيكُ الرَّقَبَةِ ومنافعا وَهِيَ هِبَةٌ مَبْتُولَةٌ [[مبتولة: ماضيه غير راجعة إلى الواهب، من بتلة، قطعه وأبانه.]] وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا وَالثَّوْرِيِّ والحسن ابن حَيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ، قَالُوا مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ لِوَرَثَتِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ رَقَبَتَهَا، وَشَرْطُ الْمُعْطِي الْحَيَاةَ وَالْعُمْرَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "العمرى جائزة" "والعمرى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ" الثَّالِثُ- إِنْ قَالَ عُمْرَكَ وليم يَذْكُرِ الْعَقِبَ كَانَ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ: وَإِنْ قَالَ لِعَقِبِكَ كَانَ كَالْقَوْلِ الثَّانِي، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّأِ. وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْمُعْمِرِ، إِذَا انقرض عقب المعمر، إذا كَانَ الْمُعْمِرُ حَيًّا، وَإِلَّا فَإِلَى مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ وَرَثَتِهِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ. وَلَا يملك المعمر بلفظ العمرى عند مَالِكٌ فِي الْحَبْسِ أَيْضًا: إِذَا حُبِسَ عَلَى رَجُلٍ وَعَقِبِهِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ. وَإِنْ حُبِسَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ حَيَاتَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْعُمْرَى قِيَاسًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال "أيما رجل أعمر رجل عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَالَ قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا وَعَقِبَكَ مَا بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَإِنَّهَا لِمَنْ أُعْطِيَهَا وَأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ" وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا، قَالَ مَعْمَرٌ: وَبِذَلِكَ كَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي. قُلْتُ: مَعْنَى الْقُرْآنِ يَجْرِي مَعَ أَهْلِ الْقَوْلِ الثَّانِي، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: "وَاسْتَعْمَرَكُمْ" بِمَعْنَى أَعْمَرَكُمْ، فَأَعْمَرَ الرَّجُلَ الصَّالِحَ فِيهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ بِالذِّكْرِ الْجَمِيلِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، وَبِالْعَكْسِ الرَّجُلُ الْفَاجِرُ، فَالدُّنْيَا ظَرْفٌ لَهُمَا حَيَاةً وَمَوْتًا. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ يَجْرِي مَجْرَى الْعَقِبِ. وَفِي التَّنْزِيلِ: "وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ" [[راجع ج ١٣ ص ١١٢.]] أَيْ ثَنَاءً حَسَنًا. وَقِيلَ: هُوَ محمد ﷺ. وقال: "وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ" [[راجع ج ١٥ ص ٨٩ وص ١١٢.]] وَقَالَ: "وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ" [[راجع ج ١٥ ص ٨٩ وص ١١٢.]]. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أَيْ سَلُوهُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.

(ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أَيِ ارْجِعُوا إِلَى عِبَادَتِهِ.

(إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) أي قريب الإجابة لمن دعاه. قد مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٣٠٨ فما بعد.]] عِنْدَ قَوْلِهِ: "فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ" القول فيه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ فِينَا سَيِّدًا قَبْلَ هَذَا، أَيْ قَبْلَ دَعْوَتِكَ النُّبُوَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ صَالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهُمْ وَيَشْنَؤُهَا، وَكَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالُوا: انْقَطَعَ رَجَاؤُنَا مِنْكَ.

(أَتَنْهانا) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ.

(أَنْ نَعْبُدَ) أَيْ عَنْ أَنْ نَعْبُدَ.

(مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) فَأَنْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ.

(وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ) وفى سورة "إبراهيم" "وَإِنَّا" وَالْأَصْلُ وَإِنَّنَا، فَاسْتُثْقِلَ ثَلَاثُ نُونَاتٍ فَأُسْقِطَ الثَّالِثَةُ.

(مِمَّا تَدْعُونا) الْخِطَابُ لِصَالِحٍ، وَفِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" "تَدْعُونَنا" [[راجع ص ٣٤٤ من هذا الجزء.]] لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلرُّسُلِ [صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ [[من ع.]]] (إِلَيْهِ مُرِيبٍ) مِنْ أَرَبْتُهُ فَأَنَا أُرِيبُهُ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَدَيْهِ الرِّيبَةَ. قَالَ الْهُذَلِيُّ»

:

كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِنْ غَيْبٍ ... يَشُمُّ عِطْفِي وَيَبُزُّ ثَوْبِي

[[.

(يبز ثوبي): يجذبه إليه.]] كَأَنَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِ نُوحٍ.

(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) اسْتِفْهَامٌ معنا هـ النَّفْيُ، أَيْ لَا يَنْصُرُنِي مِنْهُ إِنْ عَصَيْتُهُ أَحَدٌ.

(فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أَيْ تَضْلِيلٍ وأبعاد من الخير، قاله الفراء.

وَالتَّخْسِيرُ لَهُمْ لَا لَهُ ﷺ. كَأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكُمْ لَا لِي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا تَزِيدُونَنِي بِاحْتِجَاجِكُمْ بِدِينِ آبَائِكُمْ غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسَارَتِكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(لَكُمْ آيَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ أَوِ التَّنْبِيهِ فِي" هَذِهِ ١١. وإنما قيل: ناقة الله، لأنه أخرجها مِنْ جَبَلٍ- عَلَى مَا طَلَبُوا- عَلَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ. وَقِيلَ: أَخْرَجَهَا مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ مُنْفَرِدَةٍ فِي نَاحِيَةِ الْحِجْرِ يُقَالُ لَهَا الْكَاثِبَةُ [[كذا في والطبري، وفى تاج: كتابة: كرمانة. وفى ك: الكاثية.]]، فَلَمَّا خَرَجَتِ النَّاقَةُ- عَلَى مَا طَلَبُوا- قَالَ لَهُمْ [نَبِيُّ اللَّهِ [[من ع.]]] صَالِحٌ: "هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً".

(فَذَرُوها تَأْكُلْ) "أَمْرٌ وَجَوَابُهُ، وَحُذِفَتِ النُّونُ مِنْ" فَذَرُوها". لِأَنَّهُ أَمْرٌ. وَلَا يُقَالُ: وَذَرَ وَلَا وَاذِرَ إِلَّا شَاذًّا. وَلِلنَّحْوِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ، قال سيبويه: استغنوا عنه بترك. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا كَانَتِ الْوَاوُ ثَقِيلَةً وَكَانَ فِي الْكَلَامِ فِعْلٌ بِمَعْنَاهُ لَا وَاوَ فِيهِ أَلْغَوْهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ رَفْعُ "تَأْكُلْ" عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِئْنَافُ.

(وَلا تَمَسُّوها) جَزْمٌ بِالنَّهْيِ.

(بِسُوءٍ) قَالَ الْفَرَّاءُ: بِعَقْرٍ.

(فَيَأْخُذَكُمْ) جَوَابُ النَّهْيِ.

(عَذابٌ قَرِيبٌ) أَيْ قَرِيبٌ مِنْ عَقْرِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها﴾ إِنَّمَا عَقَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَأُضِيفَ إِلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ كَانَ بِرِضَا الْبَاقِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي عَقْرِهَا فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٠ فما بعدها.]]. وَيَأْتِي أَيْضًا.

(فَقالَ تَمَتَّعُوا) أَيْ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ تَمَتَّعُوا، أَيْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ الْعَذَابِ.

(فِي دارِكُمْ) أَيْ فِي بَلَدِكُمْ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَنْزِلَ لَقَالَ فِي دُورِكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ يَتَمَتَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي دَارِهِ وَمَسْكَنِهِ، كَقَوْلِهِ: "يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" [[راجع ج ١٢ ص ١١ وص ٣٣٠ ج ١٥.]] أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ طِفْلًا. وَعَبَّرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْحَيَاةِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَلَذَّذُ وَلَا يَتَمَتَّعُ بِشَيْءٍ، فَعُقِرَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَقَامُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَإِنَّمَا أَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْفَصِيلَ رَغَا ثَلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ احْمَرَّتْ فِي اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثَّالِثِ، وَهَلَكُوا فِي الرَّابِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الأعراف".

الثانية- استدل علماؤنا بإرجاء الْعَذَابَ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعِ لَيَالٍ قَصَرَ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٥٧.]] مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أَيْ غَيْرُ كَذِبٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أَيْ عَذَابُنَا.

(نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تَقَدَّمَ.

(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) أَيْ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، أَيْ مِنْ فَضِيحَتِهِ وَذِلَّتِهِ. وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، أَيْ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ زِيَادَتُهَا مع "لما" "وحتى" لَا غَيْرَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ "يَوْمَئِذٍ" بِالنَّصْبِ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى إِضَافَةِ "يَوْمٍ" إِلَى "إِذْ". وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَنْ أبى عمر أَنَّهُ قَرَأَ "وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ" أَدْغَمَ الْيَاءَ فِي الْيَاءِ، وَأَضَافَ، وَكَسَرَ الْمِيمَ فِي "يَوْمِئِذٍ". قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي يَرْوِيهِ النَّحْوِيُّونَ- مِثْلُ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ قَارَبَهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي مِثْلِ هَذَا- الْإِخْفَاءُ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَلْتَقِي سَاكِنَانِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُ الزَّايِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أَيْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صِيحَ بِهِمْ فَمَاتُوا، وَذُكِرَ لِأَنَّ الصَّيْحَةَ وَالصِّيَاحَ وَاحِدٌ. قِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَقِيلَ: صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ، وصوت كل شي فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ وَمَاتُوا. وَقَالَ هُنَا: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" وَقَالَ فِي "الْأَعْرَافِ" "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢.]] وَفِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ قَالَ بَعْضُهمْ لِبَعْضٍ مَا مَقَامُكُمْ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْأَمْرُ بَغْتَةً؟! قَالُوا: فَمَا نَصْنَعُ؟ فَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ وَرِمَاحَهُمْ وَعِدَدَهُمْ، وَكَانُوا فِيمَا يُقَالُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَبِيلَةٍ، فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَوَقَفُوا عَلَى الطُّرُقِ وَالْفِجَاجِ، زَعَمُوا يُلَاقُونَ الْعَذَابَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالشَّمْسِ أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رؤوسهم فَاشْتَوَتْ أَيْدِيهِمْ، وَتَدَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ، وَمَاتَ كُلُّ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ. وَجَعَلَ الْمَاءُ يَتَفَوَّرُ [[في ع: يفور.]] مِنْ تِلْكَ الْعُيُونِ مِنْ غَلَيَانِهِ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ، لَا يَسْقُطُ على شي إِلَّا أَهْلَكَهُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَلَّا يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ تَعْذِيبًا لَهُمْ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَصِيحَ بِهِمْ فَأُهْلِكُوا.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أَيْ سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَدْ لَصِقُوا بالتراب كالطير إذ جَثَمَتْ.

(أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم معناه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ فِينَا سَيِّدًا قَبْلَ هَذَا، أَيْ قَبْلَ دَعْوَتِكَ النُّبُوَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ صَالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهُمْ وَيَشْنَؤُهَا، وَكَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالُوا: انْقَطَعَ رَجَاؤُنَا مِنْكَ.

(أَتَنْهانا) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ.

(أَنْ نَعْبُدَ) أَيْ عَنْ أَنْ نَعْبُدَ.

(مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) فَأَنْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ.

(وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ) وفى سورة "إبراهيم" "وَإِنَّا" وَالْأَصْلُ وَإِنَّنَا، فَاسْتُثْقِلَ ثَلَاثُ نُونَاتٍ فَأُسْقِطَ الثَّالِثَةُ.

(مِمَّا تَدْعُونا) الْخِطَابُ لِصَالِحٍ، وَفِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" "تَدْعُونَنا" [[راجع ص ٣٤٤ من هذا الجزء.]] لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلرُّسُلِ [صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ [[من ع.]]] (إِلَيْهِ مُرِيبٍ) مِنْ أَرَبْتُهُ فَأَنَا أُرِيبُهُ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَدَيْهِ الرِّيبَةَ. قَالَ الْهُذَلِيُّ»

:

كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِنْ غَيْبٍ ... يَشُمُّ عِطْفِي وَيَبُزُّ ثَوْبِي

[[.

(يبز ثوبي): يجذبه إليه.]] كَأَنَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِ نُوحٍ.

(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) اسْتِفْهَامٌ معنا هـ النَّفْيُ، أَيْ لَا يَنْصُرُنِي مِنْهُ إِنْ عَصَيْتُهُ أَحَدٌ.

(فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أَيْ تَضْلِيلٍ وأبعاد من الخير، قاله الفراء.

وَالتَّخْسِيرُ لَهُمْ لَا لَهُ ﷺ. كَأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكُمْ لَا لِي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا تَزِيدُونَنِي بِاحْتِجَاجِكُمْ بِدِينِ آبَائِكُمْ غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسَارَتِكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(لَكُمْ آيَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ أَوِ التَّنْبِيهِ فِي" هَذِهِ ١١. وإنما قيل: ناقة الله، لأنه أخرجها مِنْ جَبَلٍ- عَلَى مَا طَلَبُوا- عَلَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ. وَقِيلَ: أَخْرَجَهَا مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ مُنْفَرِدَةٍ فِي نَاحِيَةِ الْحِجْرِ يُقَالُ لَهَا الْكَاثِبَةُ [[كذا في والطبري، وفى تاج: كتابة: كرمانة. وفى ك: الكاثية.]]، فَلَمَّا خَرَجَتِ النَّاقَةُ- عَلَى مَا طَلَبُوا- قَالَ لَهُمْ [نَبِيُّ اللَّهِ [[من ع.]]] صَالِحٌ: "هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً".

(فَذَرُوها تَأْكُلْ) "أَمْرٌ وَجَوَابُهُ، وَحُذِفَتِ النُّونُ مِنْ" فَذَرُوها". لِأَنَّهُ أَمْرٌ. وَلَا يُقَالُ: وَذَرَ وَلَا وَاذِرَ إِلَّا شَاذًّا. وَلِلنَّحْوِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ، قال سيبويه: استغنوا عنه بترك. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا كَانَتِ الْوَاوُ ثَقِيلَةً وَكَانَ فِي الْكَلَامِ فِعْلٌ بِمَعْنَاهُ لَا وَاوَ فِيهِ أَلْغَوْهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ رَفْعُ "تَأْكُلْ" عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِئْنَافُ.

(وَلا تَمَسُّوها) جَزْمٌ بِالنَّهْيِ.

(بِسُوءٍ) قَالَ الْفَرَّاءُ: بِعَقْرٍ.

(فَيَأْخُذَكُمْ) جَوَابُ النَّهْيِ.

(عَذابٌ قَرِيبٌ) أَيْ قَرِيبٌ مِنْ عَقْرِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها﴾ إِنَّمَا عَقَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَأُضِيفَ إِلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ كَانَ بِرِضَا الْبَاقِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي عَقْرِهَا فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٠ فما بعدها.]]. وَيَأْتِي أَيْضًا.

(فَقالَ تَمَتَّعُوا) أَيْ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ تَمَتَّعُوا، أَيْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ الْعَذَابِ.

(فِي دارِكُمْ) أَيْ فِي بَلَدِكُمْ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَنْزِلَ لَقَالَ فِي دُورِكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ يَتَمَتَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي دَارِهِ وَمَسْكَنِهِ، كَقَوْلِهِ: "يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" [[راجع ج ١٢ ص ١١ وص ٣٣٠ ج ١٥.]] أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ طِفْلًا. وَعَبَّرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْحَيَاةِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَلَذَّذُ وَلَا يَتَمَتَّعُ بِشَيْءٍ، فَعُقِرَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَقَامُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَإِنَّمَا أَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْفَصِيلَ رَغَا ثَلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ احْمَرَّتْ فِي اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثَّالِثِ، وَهَلَكُوا فِي الرَّابِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الأعراف".

الثانية- استدل علماؤنا بإرجاء الْعَذَابَ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعِ لَيَالٍ قَصَرَ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٥٧.]] مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أَيْ غَيْرُ كَذِبٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أَيْ عَذَابُنَا.

(نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تَقَدَّمَ.

(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) أَيْ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، أَيْ مِنْ فَضِيحَتِهِ وَذِلَّتِهِ. وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، أَيْ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ زِيَادَتُهَا مع "لما" "وحتى" لَا غَيْرَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ "يَوْمَئِذٍ" بِالنَّصْبِ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى إِضَافَةِ "يَوْمٍ" إِلَى "إِذْ". وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَنْ أبى عمر أَنَّهُ قَرَأَ "وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ" أَدْغَمَ الْيَاءَ فِي الْيَاءِ، وَأَضَافَ، وَكَسَرَ الْمِيمَ فِي "يَوْمِئِذٍ". قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي يَرْوِيهِ النَّحْوِيُّونَ- مِثْلُ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ قَارَبَهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي مِثْلِ هَذَا- الْإِخْفَاءُ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَلْتَقِي سَاكِنَانِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُ الزَّايِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أَيْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صِيحَ بِهِمْ فَمَاتُوا، وَذُكِرَ لِأَنَّ الصَّيْحَةَ وَالصِّيَاحَ وَاحِدٌ. قِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَقِيلَ: صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ، وصوت كل شي فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ وَمَاتُوا. وَقَالَ هُنَا: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" وَقَالَ فِي "الْأَعْرَافِ" "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢.]] وَفِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ قَالَ بَعْضُهمْ لِبَعْضٍ مَا مَقَامُكُمْ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْأَمْرُ بَغْتَةً؟! قَالُوا: فَمَا نَصْنَعُ؟ فَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ وَرِمَاحَهُمْ وَعِدَدَهُمْ، وَكَانُوا فِيمَا يُقَالُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَبِيلَةٍ، فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَوَقَفُوا عَلَى الطُّرُقِ وَالْفِجَاجِ، زَعَمُوا يُلَاقُونَ الْعَذَابَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالشَّمْسِ أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رؤوسهم فَاشْتَوَتْ أَيْدِيهِمْ، وَتَدَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ، وَمَاتَ كُلُّ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ. وَجَعَلَ الْمَاءُ يَتَفَوَّرُ [[في ع: يفور.]] مِنْ تِلْكَ الْعُيُونِ مِنْ غَلَيَانِهِ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ، لَا يَسْقُطُ على شي إِلَّا أَهْلَكَهُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَلَّا يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ تَعْذِيبًا لَهُمْ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَصِيحَ بِهِمْ فَأُهْلِكُوا.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أَيْ سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَدْ لَصِقُوا بالتراب كالطير إذ جَثَمَتْ.

(أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم معناه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ فِينَا سَيِّدًا قَبْلَ هَذَا، أَيْ قَبْلَ دَعْوَتِكَ النُّبُوَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ صَالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهُمْ وَيَشْنَؤُهَا، وَكَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالُوا: انْقَطَعَ رَجَاؤُنَا مِنْكَ.

(أَتَنْهانا) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ.

(أَنْ نَعْبُدَ) أَيْ عَنْ أَنْ نَعْبُدَ.

(مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) فَأَنْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ.

(وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ) وفى سورة "إبراهيم" "وَإِنَّا" وَالْأَصْلُ وَإِنَّنَا، فَاسْتُثْقِلَ ثَلَاثُ نُونَاتٍ فَأُسْقِطَ الثَّالِثَةُ.

(مِمَّا تَدْعُونا) الْخِطَابُ لِصَالِحٍ، وَفِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" "تَدْعُونَنا" [[راجع ص ٣٤٤ من هذا الجزء.]] لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلرُّسُلِ [صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ [[من ع.]]] (إِلَيْهِ مُرِيبٍ) مِنْ أَرَبْتُهُ فَأَنَا أُرِيبُهُ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَدَيْهِ الرِّيبَةَ. قَالَ الْهُذَلِيُّ»

:

كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِنْ غَيْبٍ ... يَشُمُّ عِطْفِي وَيَبُزُّ ثَوْبِي

[[.

(يبز ثوبي): يجذبه إليه.]] كَأَنَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِ نُوحٍ.

(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) اسْتِفْهَامٌ معنا هـ النَّفْيُ، أَيْ لَا يَنْصُرُنِي مِنْهُ إِنْ عَصَيْتُهُ أَحَدٌ.

(فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أَيْ تَضْلِيلٍ وأبعاد من الخير، قاله الفراء.

وَالتَّخْسِيرُ لَهُمْ لَا لَهُ ﷺ. كَأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكُمْ لَا لِي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا تَزِيدُونَنِي بِاحْتِجَاجِكُمْ بِدِينِ آبَائِكُمْ غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسَارَتِكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(لَكُمْ آيَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ أَوِ التَّنْبِيهِ فِي" هَذِهِ ١١. وإنما قيل: ناقة الله، لأنه أخرجها مِنْ جَبَلٍ- عَلَى مَا طَلَبُوا- عَلَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ. وَقِيلَ: أَخْرَجَهَا مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ مُنْفَرِدَةٍ فِي نَاحِيَةِ الْحِجْرِ يُقَالُ لَهَا الْكَاثِبَةُ [[كذا في والطبري، وفى تاج: كتابة: كرمانة. وفى ك: الكاثية.]]، فَلَمَّا خَرَجَتِ النَّاقَةُ- عَلَى مَا طَلَبُوا- قَالَ لَهُمْ [نَبِيُّ اللَّهِ [[من ع.]]] صَالِحٌ: "هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً".

(فَذَرُوها تَأْكُلْ) "أَمْرٌ وَجَوَابُهُ، وَحُذِفَتِ النُّونُ مِنْ" فَذَرُوها". لِأَنَّهُ أَمْرٌ. وَلَا يُقَالُ: وَذَرَ وَلَا وَاذِرَ إِلَّا شَاذًّا. وَلِلنَّحْوِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ، قال سيبويه: استغنوا عنه بترك. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا كَانَتِ الْوَاوُ ثَقِيلَةً وَكَانَ فِي الْكَلَامِ فِعْلٌ بِمَعْنَاهُ لَا وَاوَ فِيهِ أَلْغَوْهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ رَفْعُ "تَأْكُلْ" عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِئْنَافُ.

(وَلا تَمَسُّوها) جَزْمٌ بِالنَّهْيِ.

(بِسُوءٍ) قَالَ الْفَرَّاءُ: بِعَقْرٍ.

(فَيَأْخُذَكُمْ) جَوَابُ النَّهْيِ.

(عَذابٌ قَرِيبٌ) أَيْ قَرِيبٌ مِنْ عَقْرِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها﴾ إِنَّمَا عَقَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَأُضِيفَ إِلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ كَانَ بِرِضَا الْبَاقِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي عَقْرِهَا فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٠ فما بعدها.]]. وَيَأْتِي أَيْضًا.

(فَقالَ تَمَتَّعُوا) أَيْ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ تَمَتَّعُوا، أَيْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ الْعَذَابِ.

(فِي دارِكُمْ) أَيْ فِي بَلَدِكُمْ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَنْزِلَ لَقَالَ فِي دُورِكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ يَتَمَتَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي دَارِهِ وَمَسْكَنِهِ، كَقَوْلِهِ: "يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" [[راجع ج ١٢ ص ١١ وص ٣٣٠ ج ١٥.]] أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ طِفْلًا. وَعَبَّرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْحَيَاةِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَلَذَّذُ وَلَا يَتَمَتَّعُ بِشَيْءٍ، فَعُقِرَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَقَامُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَإِنَّمَا أَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْفَصِيلَ رَغَا ثَلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ احْمَرَّتْ فِي اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثَّالِثِ، وَهَلَكُوا فِي الرَّابِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الأعراف".

الثانية- استدل علماؤنا بإرجاء الْعَذَابَ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعِ لَيَالٍ قَصَرَ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٥٧.]] مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أَيْ غَيْرُ كَذِبٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أَيْ عَذَابُنَا.

(نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تَقَدَّمَ.

(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) أَيْ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، أَيْ مِنْ فَضِيحَتِهِ وَذِلَّتِهِ. وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، أَيْ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ زِيَادَتُهَا مع "لما" "وحتى" لَا غَيْرَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ "يَوْمَئِذٍ" بِالنَّصْبِ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى إِضَافَةِ "يَوْمٍ" إِلَى "إِذْ". وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَنْ أبى عمر أَنَّهُ قَرَأَ "وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ" أَدْغَمَ الْيَاءَ فِي الْيَاءِ، وَأَضَافَ، وَكَسَرَ الْمِيمَ فِي "يَوْمِئِذٍ". قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي يَرْوِيهِ النَّحْوِيُّونَ- مِثْلُ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ قَارَبَهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي مِثْلِ هَذَا- الْإِخْفَاءُ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَلْتَقِي سَاكِنَانِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُ الزَّايِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أَيْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صِيحَ بِهِمْ فَمَاتُوا، وَذُكِرَ لِأَنَّ الصَّيْحَةَ وَالصِّيَاحَ وَاحِدٌ. قِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَقِيلَ: صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ، وصوت كل شي فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ وَمَاتُوا. وَقَالَ هُنَا: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" وَقَالَ فِي "الْأَعْرَافِ" "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢.]] وَفِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ قَالَ بَعْضُهمْ لِبَعْضٍ مَا مَقَامُكُمْ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْأَمْرُ بَغْتَةً؟! قَالُوا: فَمَا نَصْنَعُ؟ فَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ وَرِمَاحَهُمْ وَعِدَدَهُمْ، وَكَانُوا فِيمَا يُقَالُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَبِيلَةٍ، فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَوَقَفُوا عَلَى الطُّرُقِ وَالْفِجَاجِ، زَعَمُوا يُلَاقُونَ الْعَذَابَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالشَّمْسِ أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رؤوسهم فَاشْتَوَتْ أَيْدِيهِمْ، وَتَدَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ، وَمَاتَ كُلُّ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ. وَجَعَلَ الْمَاءُ يَتَفَوَّرُ [[في ع: يفور.]] مِنْ تِلْكَ الْعُيُونِ مِنْ غَلَيَانِهِ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ، لَا يَسْقُطُ على شي إِلَّا أَهْلَكَهُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَلَّا يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ تَعْذِيبًا لَهُمْ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَصِيحَ بِهِمْ فَأُهْلِكُوا.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أَيْ سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَدْ لَصِقُوا بالتراب كالطير إذ جَثَمَتْ.

(أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم معناه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ فِينَا سَيِّدًا قَبْلَ هَذَا، أَيْ قَبْلَ دَعْوَتِكَ النُّبُوَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ صَالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهُمْ وَيَشْنَؤُهَا، وَكَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالُوا: انْقَطَعَ رَجَاؤُنَا مِنْكَ.

(أَتَنْهانا) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ.

(أَنْ نَعْبُدَ) أَيْ عَنْ أَنْ نَعْبُدَ.

(مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) فَأَنْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ.

(وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ) وفى سورة "إبراهيم" "وَإِنَّا" وَالْأَصْلُ وَإِنَّنَا، فَاسْتُثْقِلَ ثَلَاثُ نُونَاتٍ فَأُسْقِطَ الثَّالِثَةُ.

(مِمَّا تَدْعُونا) الْخِطَابُ لِصَالِحٍ، وَفِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" "تَدْعُونَنا" [[راجع ص ٣٤٤ من هذا الجزء.]] لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلرُّسُلِ [صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ [[من ع.]]] (إِلَيْهِ مُرِيبٍ) مِنْ أَرَبْتُهُ فَأَنَا أُرِيبُهُ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَدَيْهِ الرِّيبَةَ. قَالَ الْهُذَلِيُّ»

:

كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِنْ غَيْبٍ ... يَشُمُّ عِطْفِي وَيَبُزُّ ثَوْبِي

[[.

(يبز ثوبي): يجذبه إليه.]] كَأَنَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِ نُوحٍ.

(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) اسْتِفْهَامٌ معنا هـ النَّفْيُ، أَيْ لَا يَنْصُرُنِي مِنْهُ إِنْ عَصَيْتُهُ أَحَدٌ.

(فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أَيْ تَضْلِيلٍ وأبعاد من الخير، قاله الفراء.

وَالتَّخْسِيرُ لَهُمْ لَا لَهُ ﷺ. كَأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكُمْ لَا لِي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا تَزِيدُونَنِي بِاحْتِجَاجِكُمْ بِدِينِ آبَائِكُمْ غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسَارَتِكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(لَكُمْ آيَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ أَوِ التَّنْبِيهِ فِي" هَذِهِ ١١. وإنما قيل: ناقة الله، لأنه أخرجها مِنْ جَبَلٍ- عَلَى مَا طَلَبُوا- عَلَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ. وَقِيلَ: أَخْرَجَهَا مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ مُنْفَرِدَةٍ فِي نَاحِيَةِ الْحِجْرِ يُقَالُ لَهَا الْكَاثِبَةُ [[كذا في والطبري، وفى تاج: كتابة: كرمانة. وفى ك: الكاثية.]]، فَلَمَّا خَرَجَتِ النَّاقَةُ- عَلَى مَا طَلَبُوا- قَالَ لَهُمْ [نَبِيُّ اللَّهِ [[من ع.]]] صَالِحٌ: "هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً".

(فَذَرُوها تَأْكُلْ) "أَمْرٌ وَجَوَابُهُ، وَحُذِفَتِ النُّونُ مِنْ" فَذَرُوها". لِأَنَّهُ أَمْرٌ. وَلَا يُقَالُ: وَذَرَ وَلَا وَاذِرَ إِلَّا شَاذًّا. وَلِلنَّحْوِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ، قال سيبويه: استغنوا عنه بترك. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا كَانَتِ الْوَاوُ ثَقِيلَةً وَكَانَ فِي الْكَلَامِ فِعْلٌ بِمَعْنَاهُ لَا وَاوَ فِيهِ أَلْغَوْهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ رَفْعُ "تَأْكُلْ" عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِئْنَافُ.

(وَلا تَمَسُّوها) جَزْمٌ بِالنَّهْيِ.

(بِسُوءٍ) قَالَ الْفَرَّاءُ: بِعَقْرٍ.

(فَيَأْخُذَكُمْ) جَوَابُ النَّهْيِ.

(عَذابٌ قَرِيبٌ) أَيْ قَرِيبٌ مِنْ عَقْرِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها﴾ إِنَّمَا عَقَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَأُضِيفَ إِلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ كَانَ بِرِضَا الْبَاقِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي عَقْرِهَا فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٠ فما بعدها.]]. وَيَأْتِي أَيْضًا.

(فَقالَ تَمَتَّعُوا) أَيْ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ تَمَتَّعُوا، أَيْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ الْعَذَابِ.

(فِي دارِكُمْ) أَيْ فِي بَلَدِكُمْ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَنْزِلَ لَقَالَ فِي دُورِكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ يَتَمَتَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي دَارِهِ وَمَسْكَنِهِ، كَقَوْلِهِ: "يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" [[راجع ج ١٢ ص ١١ وص ٣٣٠ ج ١٥.]] أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ طِفْلًا. وَعَبَّرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْحَيَاةِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَلَذَّذُ وَلَا يَتَمَتَّعُ بِشَيْءٍ، فَعُقِرَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَقَامُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَإِنَّمَا أَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْفَصِيلَ رَغَا ثَلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ احْمَرَّتْ فِي اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثَّالِثِ، وَهَلَكُوا فِي الرَّابِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الأعراف".

الثانية- استدل علماؤنا بإرجاء الْعَذَابَ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعِ لَيَالٍ قَصَرَ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٥٧.]] مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أَيْ غَيْرُ كَذِبٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أَيْ عَذَابُنَا.

(نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تَقَدَّمَ.

(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) أَيْ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، أَيْ مِنْ فَضِيحَتِهِ وَذِلَّتِهِ. وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، أَيْ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ زِيَادَتُهَا مع "لما" "وحتى" لَا غَيْرَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ "يَوْمَئِذٍ" بِالنَّصْبِ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى إِضَافَةِ "يَوْمٍ" إِلَى "إِذْ". وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَنْ أبى عمر أَنَّهُ قَرَأَ "وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ" أَدْغَمَ الْيَاءَ فِي الْيَاءِ، وَأَضَافَ، وَكَسَرَ الْمِيمَ فِي "يَوْمِئِذٍ". قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي يَرْوِيهِ النَّحْوِيُّونَ- مِثْلُ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ قَارَبَهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي مِثْلِ هَذَا- الْإِخْفَاءُ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَلْتَقِي سَاكِنَانِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُ الزَّايِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أَيْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صِيحَ بِهِمْ فَمَاتُوا، وَذُكِرَ لِأَنَّ الصَّيْحَةَ وَالصِّيَاحَ وَاحِدٌ. قِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَقِيلَ: صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ، وصوت كل شي فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ وَمَاتُوا. وَقَالَ هُنَا: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" وَقَالَ فِي "الْأَعْرَافِ" "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢.]] وَفِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ قَالَ بَعْضُهمْ لِبَعْضٍ مَا مَقَامُكُمْ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْأَمْرُ بَغْتَةً؟! قَالُوا: فَمَا نَصْنَعُ؟ فَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ وَرِمَاحَهُمْ وَعِدَدَهُمْ، وَكَانُوا فِيمَا يُقَالُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَبِيلَةٍ، فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَوَقَفُوا عَلَى الطُّرُقِ وَالْفِجَاجِ، زَعَمُوا يُلَاقُونَ الْعَذَابَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالشَّمْسِ أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رؤوسهم فَاشْتَوَتْ أَيْدِيهِمْ، وَتَدَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ، وَمَاتَ كُلُّ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ. وَجَعَلَ الْمَاءُ يَتَفَوَّرُ [[في ع: يفور.]] مِنْ تِلْكَ الْعُيُونِ مِنْ غَلَيَانِهِ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ، لَا يَسْقُطُ على شي إِلَّا أَهْلَكَهُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَلَّا يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ تَعْذِيبًا لَهُمْ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَصِيحَ بِهِمْ فَأُهْلِكُوا.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أَيْ سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَدْ لَصِقُوا بالتراب كالطير إذ جَثَمَتْ.

(أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم معناه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ فِينَا سَيِّدًا قَبْلَ هَذَا، أَيْ قَبْلَ دَعْوَتِكَ النُّبُوَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ صَالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهُمْ وَيَشْنَؤُهَا، وَكَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالُوا: انْقَطَعَ رَجَاؤُنَا مِنْكَ.

(أَتَنْهانا) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ.

(أَنْ نَعْبُدَ) أَيْ عَنْ أَنْ نَعْبُدَ.

(مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) فَأَنْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ.

(وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ) وفى سورة "إبراهيم" "وَإِنَّا" وَالْأَصْلُ وَإِنَّنَا، فَاسْتُثْقِلَ ثَلَاثُ نُونَاتٍ فَأُسْقِطَ الثَّالِثَةُ.

(مِمَّا تَدْعُونا) الْخِطَابُ لِصَالِحٍ، وَفِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" "تَدْعُونَنا" [[راجع ص ٣٤٤ من هذا الجزء.]] لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلرُّسُلِ [صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ [[من ع.]]] (إِلَيْهِ مُرِيبٍ) مِنْ أَرَبْتُهُ فَأَنَا أُرِيبُهُ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَدَيْهِ الرِّيبَةَ. قَالَ الْهُذَلِيُّ»

:

كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِنْ غَيْبٍ ... يَشُمُّ عِطْفِي وَيَبُزُّ ثَوْبِي

[[.

(يبز ثوبي): يجذبه إليه.]] كَأَنَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِ نُوحٍ.

(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) اسْتِفْهَامٌ معنا هـ النَّفْيُ، أَيْ لَا يَنْصُرُنِي مِنْهُ إِنْ عَصَيْتُهُ أَحَدٌ.

(فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أَيْ تَضْلِيلٍ وأبعاد من الخير، قاله الفراء.

وَالتَّخْسِيرُ لَهُمْ لَا لَهُ ﷺ. كَأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكُمْ لَا لِي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا تَزِيدُونَنِي بِاحْتِجَاجِكُمْ بِدِينِ آبَائِكُمْ غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسَارَتِكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(لَكُمْ آيَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ أَوِ التَّنْبِيهِ فِي" هَذِهِ ١١. وإنما قيل: ناقة الله، لأنه أخرجها مِنْ جَبَلٍ- عَلَى مَا طَلَبُوا- عَلَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ. وَقِيلَ: أَخْرَجَهَا مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ مُنْفَرِدَةٍ فِي نَاحِيَةِ الْحِجْرِ يُقَالُ لَهَا الْكَاثِبَةُ [[كذا في والطبري، وفى تاج: كتابة: كرمانة. وفى ك: الكاثية.]]، فَلَمَّا خَرَجَتِ النَّاقَةُ- عَلَى مَا طَلَبُوا- قَالَ لَهُمْ [نَبِيُّ اللَّهِ [[من ع.]]] صَالِحٌ: "هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً".

(فَذَرُوها تَأْكُلْ) "أَمْرٌ وَجَوَابُهُ، وَحُذِفَتِ النُّونُ مِنْ" فَذَرُوها". لِأَنَّهُ أَمْرٌ. وَلَا يُقَالُ: وَذَرَ وَلَا وَاذِرَ إِلَّا شَاذًّا. وَلِلنَّحْوِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ، قال سيبويه: استغنوا عنه بترك. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا كَانَتِ الْوَاوُ ثَقِيلَةً وَكَانَ فِي الْكَلَامِ فِعْلٌ بِمَعْنَاهُ لَا وَاوَ فِيهِ أَلْغَوْهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ رَفْعُ "تَأْكُلْ" عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِئْنَافُ.

(وَلا تَمَسُّوها) جَزْمٌ بِالنَّهْيِ.

(بِسُوءٍ) قَالَ الْفَرَّاءُ: بِعَقْرٍ.

(فَيَأْخُذَكُمْ) جَوَابُ النَّهْيِ.

(عَذابٌ قَرِيبٌ) أَيْ قَرِيبٌ مِنْ عَقْرِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها﴾ إِنَّمَا عَقَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَأُضِيفَ إِلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ كَانَ بِرِضَا الْبَاقِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي عَقْرِهَا فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٠ فما بعدها.]]. وَيَأْتِي أَيْضًا.

(فَقالَ تَمَتَّعُوا) أَيْ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ تَمَتَّعُوا، أَيْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ الْعَذَابِ.

(فِي دارِكُمْ) أَيْ فِي بَلَدِكُمْ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَنْزِلَ لَقَالَ فِي دُورِكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ يَتَمَتَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي دَارِهِ وَمَسْكَنِهِ، كَقَوْلِهِ: "يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" [[راجع ج ١٢ ص ١١ وص ٣٣٠ ج ١٥.]] أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ طِفْلًا. وَعَبَّرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْحَيَاةِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَلَذَّذُ وَلَا يَتَمَتَّعُ بِشَيْءٍ، فَعُقِرَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَقَامُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَإِنَّمَا أَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْفَصِيلَ رَغَا ثَلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ احْمَرَّتْ فِي اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثَّالِثِ، وَهَلَكُوا فِي الرَّابِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الأعراف".

الثانية- استدل علماؤنا بإرجاء الْعَذَابَ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعِ لَيَالٍ قَصَرَ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٥٧.]] مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أَيْ غَيْرُ كَذِبٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أَيْ عَذَابُنَا.

(نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تَقَدَّمَ.

(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) أَيْ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، أَيْ مِنْ فَضِيحَتِهِ وَذِلَّتِهِ. وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، أَيْ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ زِيَادَتُهَا مع "لما" "وحتى" لَا غَيْرَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ "يَوْمَئِذٍ" بِالنَّصْبِ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى إِضَافَةِ "يَوْمٍ" إِلَى "إِذْ". وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَنْ أبى عمر أَنَّهُ قَرَأَ "وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ" أَدْغَمَ الْيَاءَ فِي الْيَاءِ، وَأَضَافَ، وَكَسَرَ الْمِيمَ فِي "يَوْمِئِذٍ". قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي يَرْوِيهِ النَّحْوِيُّونَ- مِثْلُ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ قَارَبَهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي مِثْلِ هَذَا- الْإِخْفَاءُ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَلْتَقِي سَاكِنَانِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُ الزَّايِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أَيْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صِيحَ بِهِمْ فَمَاتُوا، وَذُكِرَ لِأَنَّ الصَّيْحَةَ وَالصِّيَاحَ وَاحِدٌ. قِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَقِيلَ: صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ، وصوت كل شي فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ وَمَاتُوا. وَقَالَ هُنَا: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" وَقَالَ فِي "الْأَعْرَافِ" "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢.]] وَفِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ قَالَ بَعْضُهمْ لِبَعْضٍ مَا مَقَامُكُمْ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْأَمْرُ بَغْتَةً؟! قَالُوا: فَمَا نَصْنَعُ؟ فَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ وَرِمَاحَهُمْ وَعِدَدَهُمْ، وَكَانُوا فِيمَا يُقَالُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَبِيلَةٍ، فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَوَقَفُوا عَلَى الطُّرُقِ وَالْفِجَاجِ، زَعَمُوا يُلَاقُونَ الْعَذَابَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالشَّمْسِ أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رؤوسهم فَاشْتَوَتْ أَيْدِيهِمْ، وَتَدَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ، وَمَاتَ كُلُّ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ. وَجَعَلَ الْمَاءُ يَتَفَوَّرُ [[في ع: يفور.]] مِنْ تِلْكَ الْعُيُونِ مِنْ غَلَيَانِهِ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ، لَا يَسْقُطُ على شي إِلَّا أَهْلَكَهُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَلَّا يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ تَعْذِيبًا لَهُمْ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَصِيحَ بِهِمْ فَأُهْلِكُوا.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أَيْ سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَدْ لَصِقُوا بالتراب كالطير إذ جَثَمَتْ.

(أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم معناه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ فِينَا سَيِّدًا قَبْلَ هَذَا، أَيْ قَبْلَ دَعْوَتِكَ النُّبُوَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ صَالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهُمْ وَيَشْنَؤُهَا، وَكَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالُوا: انْقَطَعَ رَجَاؤُنَا مِنْكَ.

(أَتَنْهانا) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ.

(أَنْ نَعْبُدَ) أَيْ عَنْ أَنْ نَعْبُدَ.

(مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) فَأَنْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ.

(وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ) وفى سورة "إبراهيم" "وَإِنَّا" وَالْأَصْلُ وَإِنَّنَا، فَاسْتُثْقِلَ ثَلَاثُ نُونَاتٍ فَأُسْقِطَ الثَّالِثَةُ.

(مِمَّا تَدْعُونا) الْخِطَابُ لِصَالِحٍ، وَفِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" "تَدْعُونَنا" [[راجع ص ٣٤٤ من هذا الجزء.]] لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلرُّسُلِ [صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ [[من ع.]]] (إِلَيْهِ مُرِيبٍ) مِنْ أَرَبْتُهُ فَأَنَا أُرِيبُهُ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَدَيْهِ الرِّيبَةَ. قَالَ الْهُذَلِيُّ»

:

كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِنْ غَيْبٍ ... يَشُمُّ عِطْفِي وَيَبُزُّ ثَوْبِي

[[.

(يبز ثوبي): يجذبه إليه.]] كَأَنَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِ نُوحٍ.

(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) اسْتِفْهَامٌ معنا هـ النَّفْيُ، أَيْ لَا يَنْصُرُنِي مِنْهُ إِنْ عَصَيْتُهُ أَحَدٌ.

(فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أَيْ تَضْلِيلٍ وأبعاد من الخير، قاله الفراء.

وَالتَّخْسِيرُ لَهُمْ لَا لَهُ ﷺ. كَأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكُمْ لَا لِي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا تَزِيدُونَنِي بِاحْتِجَاجِكُمْ بِدِينِ آبَائِكُمْ غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسَارَتِكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(لَكُمْ آيَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ أَوِ التَّنْبِيهِ فِي" هَذِهِ ١١. وإنما قيل: ناقة الله، لأنه أخرجها مِنْ جَبَلٍ- عَلَى مَا طَلَبُوا- عَلَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ. وَقِيلَ: أَخْرَجَهَا مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ مُنْفَرِدَةٍ فِي نَاحِيَةِ الْحِجْرِ يُقَالُ لَهَا الْكَاثِبَةُ [[كذا في والطبري، وفى تاج: كتابة: كرمانة. وفى ك: الكاثية.]]، فَلَمَّا خَرَجَتِ النَّاقَةُ- عَلَى مَا طَلَبُوا- قَالَ لَهُمْ [نَبِيُّ اللَّهِ [[من ع.]]] صَالِحٌ: "هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً".

(فَذَرُوها تَأْكُلْ) "أَمْرٌ وَجَوَابُهُ، وَحُذِفَتِ النُّونُ مِنْ" فَذَرُوها". لِأَنَّهُ أَمْرٌ. وَلَا يُقَالُ: وَذَرَ وَلَا وَاذِرَ إِلَّا شَاذًّا. وَلِلنَّحْوِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ، قال سيبويه: استغنوا عنه بترك. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا كَانَتِ الْوَاوُ ثَقِيلَةً وَكَانَ فِي الْكَلَامِ فِعْلٌ بِمَعْنَاهُ لَا وَاوَ فِيهِ أَلْغَوْهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ رَفْعُ "تَأْكُلْ" عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِئْنَافُ.

(وَلا تَمَسُّوها) جَزْمٌ بِالنَّهْيِ.

(بِسُوءٍ) قَالَ الْفَرَّاءُ: بِعَقْرٍ.

(فَيَأْخُذَكُمْ) جَوَابُ النَّهْيِ.

(عَذابٌ قَرِيبٌ) أَيْ قَرِيبٌ مِنْ عَقْرِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها﴾ إِنَّمَا عَقَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَأُضِيفَ إِلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ كَانَ بِرِضَا الْبَاقِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي عَقْرِهَا فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٠ فما بعدها.]]. وَيَأْتِي أَيْضًا.

(فَقالَ تَمَتَّعُوا) أَيْ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ تَمَتَّعُوا، أَيْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ الْعَذَابِ.

(فِي دارِكُمْ) أَيْ فِي بَلَدِكُمْ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَنْزِلَ لَقَالَ فِي دُورِكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ يَتَمَتَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي دَارِهِ وَمَسْكَنِهِ، كَقَوْلِهِ: "يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" [[راجع ج ١٢ ص ١١ وص ٣٣٠ ج ١٥.]] أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ طِفْلًا. وَعَبَّرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْحَيَاةِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَلَذَّذُ وَلَا يَتَمَتَّعُ بِشَيْءٍ، فَعُقِرَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَقَامُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَإِنَّمَا أَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْفَصِيلَ رَغَا ثَلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ احْمَرَّتْ فِي اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثَّالِثِ، وَهَلَكُوا فِي الرَّابِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الأعراف".

الثانية- استدل علماؤنا بإرجاء الْعَذَابَ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعِ لَيَالٍ قَصَرَ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٥٧.]] مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أَيْ غَيْرُ كَذِبٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أَيْ عَذَابُنَا.

(نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تَقَدَّمَ.

(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) أَيْ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، أَيْ مِنْ فَضِيحَتِهِ وَذِلَّتِهِ. وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، أَيْ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ زِيَادَتُهَا مع "لما" "وحتى" لَا غَيْرَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ "يَوْمَئِذٍ" بِالنَّصْبِ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى إِضَافَةِ "يَوْمٍ" إِلَى "إِذْ". وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَنْ أبى عمر أَنَّهُ قَرَأَ "وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ" أَدْغَمَ الْيَاءَ فِي الْيَاءِ، وَأَضَافَ، وَكَسَرَ الْمِيمَ فِي "يَوْمِئِذٍ". قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي يَرْوِيهِ النَّحْوِيُّونَ- مِثْلُ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ قَارَبَهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي مِثْلِ هَذَا- الْإِخْفَاءُ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَلْتَقِي سَاكِنَانِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُ الزَّايِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أَيْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صِيحَ بِهِمْ فَمَاتُوا، وَذُكِرَ لِأَنَّ الصَّيْحَةَ وَالصِّيَاحَ وَاحِدٌ. قِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَقِيلَ: صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ، وصوت كل شي فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ وَمَاتُوا. وَقَالَ هُنَا: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" وَقَالَ فِي "الْأَعْرَافِ" "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢.]] وَفِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ قَالَ بَعْضُهمْ لِبَعْضٍ مَا مَقَامُكُمْ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْأَمْرُ بَغْتَةً؟! قَالُوا: فَمَا نَصْنَعُ؟ فَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ وَرِمَاحَهُمْ وَعِدَدَهُمْ، وَكَانُوا فِيمَا يُقَالُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَبِيلَةٍ، فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَوَقَفُوا عَلَى الطُّرُقِ وَالْفِجَاجِ، زَعَمُوا يُلَاقُونَ الْعَذَابَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالشَّمْسِ أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رؤوسهم فَاشْتَوَتْ أَيْدِيهِمْ، وَتَدَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ، وَمَاتَ كُلُّ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ. وَجَعَلَ الْمَاءُ يَتَفَوَّرُ [[في ع: يفور.]] مِنْ تِلْكَ الْعُيُونِ مِنْ غَلَيَانِهِ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ، لَا يَسْقُطُ على شي إِلَّا أَهْلَكَهُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَلَّا يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ تَعْذِيبًا لَهُمْ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَصِيحَ بِهِمْ فَأُهْلِكُوا.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أَيْ سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَدْ لَصِقُوا بالتراب كالطير إذ جَثَمَتْ.

(أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم معناه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ فِينَا سَيِّدًا قَبْلَ هَذَا، أَيْ قَبْلَ دَعْوَتِكَ النُّبُوَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ صَالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهُمْ وَيَشْنَؤُهَا، وَكَانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إِلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالُوا: انْقَطَعَ رَجَاؤُنَا مِنْكَ.

(أَتَنْهانا) اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ.

(أَنْ نَعْبُدَ) أَيْ عَنْ أَنْ نَعْبُدَ.

(مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) فَأَنْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ.

(وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ) وفى سورة "إبراهيم" "وَإِنَّا" وَالْأَصْلُ وَإِنَّنَا، فَاسْتُثْقِلَ ثَلَاثُ نُونَاتٍ فَأُسْقِطَ الثَّالِثَةُ.

(مِمَّا تَدْعُونا) الْخِطَابُ لِصَالِحٍ، وَفِي سُورَةِ "إِبْرَاهِيمَ" "تَدْعُونَنا" [[راجع ص ٣٤٤ من هذا الجزء.]] لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلرُّسُلِ [صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ [[من ع.]]] (إِلَيْهِ مُرِيبٍ) مِنْ أَرَبْتُهُ فَأَنَا أُرِيبُهُ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَدَيْهِ الرِّيبَةَ. قَالَ الْهُذَلِيُّ»

:

كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِنْ غَيْبٍ ... يَشُمُّ عِطْفِي وَيَبُزُّ ثَوْبِي

[[.

(يبز ثوبي): يجذبه إليه.]] كَأَنَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِ نُوحٍ.

(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) اسْتِفْهَامٌ معنا هـ النَّفْيُ، أَيْ لَا يَنْصُرُنِي مِنْهُ إِنْ عَصَيْتُهُ أَحَدٌ.

(فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أَيْ تَضْلِيلٍ وأبعاد من الخير، قاله الفراء.

وَالتَّخْسِيرُ لَهُمْ لَا لَهُ ﷺ. كَأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكُمْ لَا لِي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا تَزِيدُونَنِي بِاحْتِجَاجِكُمْ بِدِينِ آبَائِكُمْ غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِخَسَارَتِكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(لَكُمْ آيَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ أَوِ التَّنْبِيهِ فِي" هَذِهِ ١١. وإنما قيل: ناقة الله، لأنه أخرجها مِنْ جَبَلٍ- عَلَى مَا طَلَبُوا- عَلَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ. وَقِيلَ: أَخْرَجَهَا مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ مُنْفَرِدَةٍ فِي نَاحِيَةِ الْحِجْرِ يُقَالُ لَهَا الْكَاثِبَةُ [[كذا في والطبري، وفى تاج: كتابة: كرمانة. وفى ك: الكاثية.]]، فَلَمَّا خَرَجَتِ النَّاقَةُ- عَلَى مَا طَلَبُوا- قَالَ لَهُمْ [نَبِيُّ اللَّهِ [[من ع.]]] صَالِحٌ: "هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً".

(فَذَرُوها تَأْكُلْ) "أَمْرٌ وَجَوَابُهُ، وَحُذِفَتِ النُّونُ مِنْ" فَذَرُوها". لِأَنَّهُ أَمْرٌ. وَلَا يُقَالُ: وَذَرَ وَلَا وَاذِرَ إِلَّا شَاذًّا. وَلِلنَّحْوِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ، قال سيبويه: استغنوا عنه بترك. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا كَانَتِ الْوَاوُ ثَقِيلَةً وَكَانَ فِي الْكَلَامِ فِعْلٌ بِمَعْنَاهُ لَا وَاوَ فِيهِ أَلْغَوْهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ رَفْعُ "تَأْكُلْ" عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِئْنَافُ.

(وَلا تَمَسُّوها) جَزْمٌ بِالنَّهْيِ.

(بِسُوءٍ) قَالَ الْفَرَّاءُ: بِعَقْرٍ.

(فَيَأْخُذَكُمْ) جَوَابُ النَّهْيِ.

(عَذابٌ قَرِيبٌ) أَيْ قَرِيبٌ مِنْ عَقْرِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوها﴾ إِنَّمَا عَقَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَأُضِيفَ إِلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ كَانَ بِرِضَا الْبَاقِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي عَقْرِهَا فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٠ فما بعدها.]]. وَيَأْتِي أَيْضًا.

(فَقالَ تَمَتَّعُوا) أَيْ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ تَمَتَّعُوا، أَيْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ الْعَذَابِ.

(فِي دارِكُمْ) أَيْ فِي بَلَدِكُمْ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَنْزِلَ لَقَالَ فِي دُورِكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ يَتَمَتَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي دَارِهِ وَمَسْكَنِهِ، كَقَوْلِهِ: "يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" [[راجع ج ١٢ ص ١١ وص ٣٣٠ ج ١٥.]] أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ طِفْلًا. وَعَبَّرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْحَيَاةِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَلَذَّذُ وَلَا يَتَمَتَّعُ بِشَيْءٍ، فَعُقِرَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَقَامُوا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ وَالسَّبْتِ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَإِنَّمَا أَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْفَصِيلَ رَغَا ثَلَاثًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ احْمَرَّتْ فِي اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثَّالِثِ، وَهَلَكُوا فِي الرَّابِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الأعراف".

الثانية- استدل علماؤنا بإرجاء الْعَذَابَ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعِ لَيَالٍ قَصَرَ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٥٧.]] مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أَيْ غَيْرُ كَذِبٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ أَيْ عَذَابُنَا.

(نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) تَقَدَّمَ.

(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) أَيْ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ، أَيْ مِنْ فَضِيحَتِهِ وَذِلَّتِهِ. وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ، أَيْ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ زِيَادَتُهَا مع "لما" "وحتى" لَا غَيْرَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ "يَوْمَئِذٍ" بِالنَّصْبِ. الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى إِضَافَةِ "يَوْمٍ" إِلَى "إِذْ". وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَنْ أبى عمر أَنَّهُ قَرَأَ "وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ" أَدْغَمَ الْيَاءَ فِي الْيَاءِ، وَأَضَافَ، وَكَسَرَ الْمِيمَ فِي "يَوْمِئِذٍ". قَالَ النَّحَّاسُ: الَّذِي يَرْوِيهِ النَّحْوِيُّونَ- مِثْلُ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ قَارَبَهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي مِثْلِ هَذَا- الْإِخْفَاءُ، فَأَمَّا الْإِدْغَامُ فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَلْتَقِي سَاكِنَانِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُ الزَّايِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ أَيْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صِيحَ بِهِمْ فَمَاتُوا، وَذُكِرَ لِأَنَّ الصَّيْحَةَ وَالصِّيَاحَ وَاحِدٌ. قِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَقِيلَ: صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ، وصوت كل شي فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ وَمَاتُوا. وَقَالَ هُنَا: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" وَقَالَ فِي "الْأَعْرَافِ" "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ" وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ [[راجع ج ٧ ص ٢٤٢.]] وَفِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ قَالَ بَعْضُهمْ لِبَعْضٍ مَا مَقَامُكُمْ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْأَمْرُ بَغْتَةً؟! قَالُوا: فَمَا نَصْنَعُ؟ فَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ وَرِمَاحَهُمْ وَعِدَدَهُمْ، وَكَانُوا فِيمَا يُقَالُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ قَبِيلَةٍ، فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَوَقَفُوا عَلَى الطُّرُقِ وَالْفِجَاجِ، زَعَمُوا يُلَاقُونَ الْعَذَابَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالشَّمْسِ أن يعذبهم بحرها، فأدناها من رؤوسهم فَاشْتَوَتْ أَيْدِيهِمْ، وَتَدَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَطَشِ، وَمَاتَ كُلُّ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ. وَجَعَلَ الْمَاءُ يَتَفَوَّرُ [[في ع: يفور.]] مِنْ تِلْكَ الْعُيُونِ مِنْ غَلَيَانِهِ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ، لَا يَسْقُطُ على شي إِلَّا أَهْلَكَهُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَلَّا يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ تَعْذِيبًا لَهُمْ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَصِيحَ بِهِمْ فَأُهْلِكُوا.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) أَيْ سَاقِطِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، قَدْ لَصِقُوا بالتراب كالطير إذ جَثَمَتْ.

(أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم معناه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى﴾ هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَحًّا [[أي لازق النسب به.]]، وَكَانَتْ قُرَى لوط بنواحي الشام، وإبراهى م بِبِلَادِ فِلَسْطِينَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِعَذَابِ قوم لوط ومروا بِإِبْرَاهِيمَ وَنَزَلُوا عِنْدَهُ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِرَاهُ، وَكَانُوا مَرُّوا بِبِشَارَةِ إِبْرَاهِيمَ، فظنهم أضيافا. وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليم السَّلَامُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الضَّحَّاكُ: كَانُوا تِسْعَةً. السُّدِّيُّ: أَحَدَ عَشَرَ مَلَكًا عَلَى صُورَةِ الْغِلْمَانِ الحسان الوجوه، ذوو وَضَاءَةٍ وَجَمَالٍ بَارِعٍ. "بِالْبُشْرى " قِيلَ: بِالْوَلَدِ. وَقِيلَ: بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: بَشَّرُوهُ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّهُ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ.

(قالُوا سَلاماً) نُصِبَ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ: قَالُوا خَيْرًا. وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ "سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ" [[راجع ج ١٠ ص ٣٨٢.]] فَالثَّلَاثَةُ اسْمٌ غَيْرَ [قَوْلٍ] [[من ع.]] مقول. ولو رفعا جميعا أَوْ نُصِبَا جَمِيعًا "قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ" جاز في العربية. وقيل: انْتَصَبَ عَلَى الْمَصْدَرِ. وَقِيلَ: "قالُوا سَلاماً" أَيْ فَاتَحُوهُ بِصَوَابٍ مِنَ الْقَوْلِ، كَمَا قَالَ:" وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [[راجع ج ١٣ ص ٦٧.]] "أي صو أبا، فَسَلَامًا مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا لَفْظُهُ، قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَاخْتَارَهُ. قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ ذِكْرَ اللَّفْظِ قَالَهُ بِعَيْنِهِ فَقَالَ مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [[راجع ص ٣١٢ من هذا الجزء.]] "" سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ [[راجع ج ١٥ ص ٢٨٤ فما بعد.]] ". وَقِيلَ دَعَوْا لَهُ، وَالْمَعْنَى سَلِمْتَ سَلَامًا.

(قالَ سَلامٌ) فِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ أَيْ هُوَ سَلَامٌ، وَأَمْرِي سَلَامٌ. وَالْآخَرُ بِمَعْنَى سَلَامٌ عَلَيْكُمْ إِذَا جُعِلَ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ، فَأُضْمِرَ الْخَبَرُ. وَجَازَ سَلَامٌ عَلَى التَّنْكِيرِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، فَحُذِفَ الألف والام كما حذفت من لا هم في قولك اللهم. وقرى "سِلْمٌ" قَالَ الْفَرَّاءُ: السِّلْمُ وَالسَّلَامُ بِمَعْنًى، مِثْلُ الْحِلِّ وَالْحَلَالِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً [[كذا في الأصل والمسائل المذكورة هي في آيه ٧٠ و٧١ أيضا لأفي هذه الآية فحسب.]]: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ﴾ "أَنْ" بِمَعْنَى حَتَّى، قَالَهُ كُبَرَاءُ [[في ع: أكثر.]] النَّحْوِيِّينَ، حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. التَّقْدِيرُ: فَمَا لَبِثَ حَتَّى جَاءَ. وَقِيلَ: "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الْجَرِّ، التَّقْدِيرُ: فَمَا لَبِثَ عَنْ أَنْ جَاءَ، أَيْ مَا أَبْطَأَ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ بَقِيَ "أَنْ" فِي مَحَلِّ النَّصْبِ. وَفِي "لَبِثَ" ضمير اسم إبراهيم. و "سَلاماً" نَافِيَةٌ، قَالَهُ سِيبَوَيْهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فَمَا لَبِثَ مَجِيئُهُ، أَيْ مَا أَبْطَأَ مَجِيئُهُ، فَأَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَلَا ضَمِيرَ فِي "لَبِثَ" وَ "سَلاماً" نافية، ويصح أن تكون "سَلاماً" بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِي "لَبِثَ" ضَمِيرُ إِبْرَاهِيمَ وَ "أَنْ جاءَ" خبر "سَلاماً" أَيْ فَالَّذِي لَبِثَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. وَ (حَنِيذٍ) مَشْوِيٍّ. وَقِيلَ هُوَ الْمَشْوِيُّ بِحَرِّ الْحِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ. يقال حنذت الشاة أحنذها حنذا أي اشويها، وَجَعَلْتُ فَوْقَهَا حِجَارَةً مُحْمَاةً لِتُنْضِجَهَا فَهِيَ حَنِيذٌ. وَحَنَذْتُ الْفَرَسَ أَحْنِذُهُ حَنْذًا، وَهُوَ أَنْ تُحْضِرَهُ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ تُظَاهِرُ عَلَيْهِ الْجِلَالَ فِي الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ، فَهُوَ مَحْنُوذٌ وَحَنِيذٌ. فَإِنْ لَمْ يَعْرَقْ قِيلَ: كَبَا. وَحَنَذٌ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ [[وحنيذ موضع قريب من مكة أيضا.]]. وَقِيلَ: الْحَنِيذُ السَّمِيطُ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: حَنِيذٌ نَضِيجٌ. وَحَنِيذٌ بِمَعْنَى مَحْنُوذٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِعِجْلٍ لِأَنَّ الْبَقَرَ كَانَتْ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِ. الثَّانِيَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَدَبِ الضَّيْفِ أَنْ يُعَجِّلَ قِرَاهُ، فَيُقَدِّمُ الْمَوْجُودَ الْمُيَسَّرَ فِي الْحَالِ، ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِغَيْرِهِ إِنْ كَانَ لَهُ جِدَةٌ، وَلَا يَتَكَلَّفُ مَا يَضُرُّ بِهِ. وَالضِّيَافَةُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْ آدَابِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ خُلُقِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ. وَإِبْرَاهِيمُ أَوَّلُ مَنْ أَضَافَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٩٨.]] وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ ﷺ: "الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ". وَالْجَائِزَةُ الْعَطِيَّةُ وَالصِّلَةُ الَّتِي أَصْلُهَا عَلَى النَّدْبِ. وَقَالَ ﷺ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ". وَإِكْرَامُ الْجَارِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعًا، فَالضِّيَافَةُ مِثْلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَهَبَ اللَّيْثُ إِلَى وُجُوبِهَا تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ ﷺ: "لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ" إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَفِيمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْهِدَايَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ وُجُوبَ الضِّيَافَةِ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَمْ يَثْبُتْ، وَالنَّاسِخُ لَمْ يَرِدْ وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ، وَفِيهِ: "فَاسْتَضَفْنَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُونَا فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ" الْحَدِيثَ. وَقَالَ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الضِّيَافَةَ لَوْ كَانَتْ حَقًّا لَلَامَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَبَوْا، وَلَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يُخَاطِبُ بِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إِلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا أَهْلُ الْحَضَرِ وَالْبَادِيَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ. قَالَ سُحْنُونٌ: إِنَّمَا الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، وَأَمَّا الْحَضَرُ فَالْفُنْدُقُ يَنْزِلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ [حَكَى اللُّغَتَيْنِ [[من و، فليتأمل.]] صَاحِبُ الْعَيْنِ وَغَيْرُهُ]. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ". وَهَذَا حديث لا يصح، وإبراهيم ابن أخى عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْكَذِبِ، وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، وَنُسِبَ إِلَى وَضْعِهِ، قاله أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الضِّيَافَةُ حَقِيقَةً فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْقُرَى حَيْثُ لَا طَعَامَ وَلَا مَأْوَى، بِخِلَافِ الْحَوَاضِرِ فَإِنَّهَا مَشْحُونَةٌ بِالْمَأْوَاةِ وَالْأَقْوَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّيْفَ كَرِيمٌ، وَالضِّيَافَةَ كَرَامَةٌ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا فَهِيَ فَرِيضَةٌ. الرَّابِعَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: كَانَتْ ضِيَافَةُ إِبْرَاهِيمَ قَلِيلَةً فَشَكَرَهَا الْحَبِيبُ مِنَ الْحَبِيبِ، وَهَذَا حُكْمٌ بِالظَّنِّ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَبِالْقِيَاسِ فِي مَوْضِعِ النَّقْلِ، مِنْ أبن عُلِمَ أَنَّهُ قَلِيلٌ؟! بَلْ قَدْ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا ثَلَاثَةً، جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ ﷺ، وَعِجْلٌ لِثَلَاثَةٍ عَظِيمٌ، فَمَا هَذَا التَّفْسِيرُ لِكِتَابِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ؟! هَذَا بِأَمَانَةِ اللَّهِ هُوَ التَّفْسِيرُ الْمَذْمُومُ فَاجْتَنِبُوهُ فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ. الْخَامِسَةُ- السُّنَّةُ إِذَا قُدِّمَ لِلضَّيْفِ الطَّعَامُ أَنْ يُبَادِرَ الْمُقَدَّمُ إِلَيْهِ بِالْأَكْلِ، فَإِنَّ كَرَامَةَ الضَّيْفِ تَعْجِيلُ التَّقْدِيمِ، وَكَرَامَةُ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ الْمُبَادَرَةُ بِالْقَبُولِ، فَلَمَّا قَبَضُوا أَيْدِيَهُمْ نَكِرَهُمْ إِبْرَاهِيمُ، لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنِ الْعَادَةِ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُمْ مَكْرُوهٌ يَقْصِدُونَهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْكُتُونَ بِقِدَاحٍ [[قداح (جمع قدح بالكسر) السهم قبل أن ينصل ويراش.]] كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ فِي اللَّحْمِ وَلَا تَصِلُ أَيْدِيهِمْ إِلَى اللَّحْمِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ.

(نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ، وَالْوُجُوسُ الدُّخُولُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

جَاءَ الْبَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يَخُبُّ بِهِ ... فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ جَزَعًا

"خِيفَةً" خَوْفًا، أَيْ فَزَعًا. وَكَانُوا إِذَا رَأَوُا الضَّيْفَ لَا يَأْكُلُ ظَنُّوا بِهِ شَرًّا، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ (لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ). السَّادِسَةُ- مِنْ أَدَبِ الطَّعَامِ أَنَّ لِصَاحِبِ الضَّيْفِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ وَمُسَارَقَةٍ [[في ع: أو مسارقة.]] لَا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ. رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أكل مع سليمان ابن عَبْدِ الْمَلِكِ، فَرَأَى سُلَيْمَانُ فِي لُقْمَةِ الْأَعْرَابِيِّ شَعْرَةً فَقَالَ لَهُ: أَزِلِ الشَّعْرَةَ عَنْ لُقْمَتِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَتَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ يَرَى الشَّعْرَةَ فِي لُقْمَتِي؟! وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ مَعَكَ. قُلْتُ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ إِنَّمَا كَانَتْ مَعَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا مَعَ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ:

وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ [زِيَارَةِ] [[كذا في ع وى وفى الفريد، وفى ك: ضيافة.]] بَاخِلٍ ... يُلَاحِظُ أَطْرَافَ الْأَكِيلِ عَلَى عَمْدِ

السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يَقُولُ: أَنْكَرَهُمْ، تَقُولُ: نَكِرْتُكَ [وَأَنْكَرْتُكَ] [[من اوع وك وو.]] وَاسْتَنْكَرْتُكَ إِذَا وَجَدْتَهُ عَلَى غَيْرِ مَا عَهِدْتَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ [[البيت للأعشى.]]:

وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا

فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ. وَيُقَالُ: نَكِرْتُ لِمَا تَرَاهُ بِعَيْنِكَ. وَأَنْكَرْتُ لِمَا تَرَاهُ بِقَلْبِكَ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ قَائِمَةٌ بِحَيْثُ تَرَى الْمَلَائِكَةَ. قِيلَ: كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ. وَقِيلَ كَانَتْ تخدم الملائكة وهو جالس. وقال محمد ابن اسحق: قَائِمَةٌ تُصَلِّي. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ قَاعِدٌ". التَّاسِعَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: حَاضَتْ، وَكَانَتْ آيِسَةٌ، تَحْقِيقًا لِلْبِشَارَةِ، وَأَنْشَدَ عَلَى ذَلِكَ اللُّغَوِيُّونَ:

وَإِنِّي لَآتِي الْعِرْسَ عِنْدَ طُهُورِهَا ... وَأَهْجُرُهَا يَوْمًا إِذَا تَكُ ضَاحِكَا

وَقَالَ آخَرُ:

وَضِحْكُ الْأَرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا ... كَمِثْلِ دَمِ الْجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا

وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الْأَرْنَبُ إِذَا حَاضَتْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعِكْرِمَةَ، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَحِكَتِ الْكَافُورَةُ- وَهِيَ قِشْرَةُ الطَّلْعَةِ- إِذَا انْشَقَّتْ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنَى حَاضَتْ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ ضَحِكُ التَّعَجُّبِ، قَالَ أَبُو ذؤيب: فجاء بمزج لم يرى النَّاسُ مِثْلَهُ ... هُوَ الضَّحْكُ [[وفسر الضحك هنا بالعسل أو الشهد. راجع اللسان مادة (ضحك).]] إِلَّا أَنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ضَحِكَتْ مِنْ خَوْفِ إِبْرَاهِيمَ، وَرِعْدَتِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ فِي حَشَمِهِ وَخَدَمِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُومُ وَحْدَهُ بِمِائَةِ رَجُلٍ. قَالَ وَلَيْسَ الضَّحِكُ الْحَيْضَ فِي اللُّغَةِ بِمُسْتَقِيمٍ. وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْفَرَّاءُ ذَلِكَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ ثِقَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ. وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَسَحَتِ الْعِجْلَ، فَقَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَلَحِقَ بِأُمِّهِ، فَضَحِكَتْ سَارَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَبَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ. وَيُقَالُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ أَضْيَافَهُ أَقَامَ سَارَةَ تَخْدُمُهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ" أَيْ قَائِمَةٌ فِي خِدْمَتِهِمْ. وَيُقَالُ: "قائِمَةٌ" لِرَوْعِ إِبْرَاهِيمَ "فَضَحِكَتْ" لِقَوْلِهِمْ: "لَا تَخَفْ" سُرُورًا بِالْأَمْنِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ فَضَحِكَتْ، أَيْ ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالْوَلَدِ، وَقَدْ هَرِمَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. قَالَ النَّحَّاسُ فِيهِ أَقْوَالٌ: أَحْسَنُهَا- أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَأْكُلُوا أَنْكَرَهُمْ وَخَافَهُمْ، فَلَمَّا قَالُوا لَا تَخَفْ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ رُسُلُ [اللَّهِ [[من ع.]] [، فَرِحَ بِذَلِكَ، فَضَحِكَتِ امْرَأَتُهُ سُرُورًا بِفَرَحِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ قَالَتْ لَهُ: أَحْسَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عَذَابٌ فَضَمَّ لُوطًا إِلَيْكَ، فَلَمَّا جَاءَتِ الرُّسُلُ بِمَا قَالَتْهُ سُرَّتْ بِهِ فَضَحِكَتْ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا إِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُ فَهُوَ حَسَنٌ. وَالضَّحِكُ انْكِشَافُ الْأَسْنَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّحِكُ إِشْرَاقَ الْوَجْهِ، تَقُولُ رَأَيْتُ فُلَانًا ضَاحِكًا، أَيْ مُشْرِقًا. وَأَتَيْتُ عَلَى رَوْضَةٍ تَضْحَكُ، أَيْ مُشْرِقَةٍ، وَفِي الْحَدِيثِ" إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ [[من ع.]] يَبْعَثُ السَّحَابَ فَيَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ". جَعَلَ انْجِلَاءَهُ عَنِ الْبَرْقِ ضَحِكًا، وَهَذَا كَلَامٌ مُسْتَعَارٌ. وَرُوِيَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَّاءِ مَكَّةَ يقال له محمد بن زياد الأعرابي. "ضحكت" بِفَتْحِ الْحَاءِ، قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفَتْحُ "الْحَاءِ" مِنْ "فَضَحِكَتْ" غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَضَحِكَ يَضْحَكُ ضَحْكًا وَضِحْكًا وَضِحِكًا [وَضَحِكًا] [[من ع.]] أَرْبَعُ لُغَاتٍ. وَالضَّحْكَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ [[صدر البيت:

غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا]]

قاله الجوهري: الْعَاشِرَةُ- رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امرأته خادمهم يومئذ وَهِيَ الْعَرُوسُ. قَالَ سَهْلٌ: أَتَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ [[التور: إناء تشرب فيه العرب، ويتوضأ منه، ويصنع من صفرا وحجارة.]]، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَتَرْجَمَ لَهُ "بَابُ قِيَامِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْعُرْسِ وَخِدْمَتِهِمْ بِالنَّفْسِ". قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِيهِ جَوَازُ خِدْمَةِ الْعَرُوسِ زَوْجَهَا وَأَصْحَابَهُ فِي عُرْسِهَا. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَعْرِضَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ عَلَى صَالِحِ إِخْوَانِهِ، وَيَسْتَخْدِمُهُنَّ [[في ع: يستخدمها.]] لَهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَدَّمَ الْعِجْلَ قَالُوا: لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ، فَقَالَ لَهُمْ: "ثَمَنُهُ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُوهُ فِي آخِرِهِ" فَقَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللَّهُ هَذَا خَلِيلًا. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَلَمْ يَأْكُلُوا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَأْكُلُ. وَقَدْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ كَمَا يَسَّرَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ أَنْ يَتَشَكَّلُوا فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّ جَسَدًا وَهَيْئَةً أَنْ يُيَسِّرَ لَهُمْ أَكْلَ الطَّعَامِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي قَوْلِ الْعُلَمَاءِ أَرْسَلَهُمْ فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّ وَتَكَلَّفَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الضِّيَافَةَ [حَتَّى إِذَا رَأَى التَّوَقُّفَ وَخَافَ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى فَجْأَةً [[الزيادة عن ابن العربي.]]] الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ، وَالْحَمْدَ فِي آخِرِهِ مَشْرُوعٌ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الإسرائيليات أن إبراهيم كَانَ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، فَإِذَا حَضَرَ طَعَامُهُ أَرْسَلَ يَطْلُبُ مَنْ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَقِيَ يَوْمًا رَجُلًا، فَلَمَّا جَلَسَ مَعَهُ عَلَى الطَّعَامِ، قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: سَمِّ اللَّهَ، قَالَ الرَّجُلُ لَا أَدْرِي مَا اللَّهُ؟ فَقَالَ لَهُ: فَاخْرُجْ عَنْ طَعَامِي، فَلَمَّا خَرَجَ نَزَلَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ إِنَّهُ يَرْزُقُهُ عَلَى كُفْرِهِ مَدَى عُمْرِهِ وَأَنْتَ بَخِلْتَ عَلَيْهِ بِلُقْمَةٍ، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ: لَا أَرْجِعُ حَتَّى تُخْبِرَنِي لِمَ تَرُدُّنِي لِغَيْرِ مَعْنًى؟ فَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ، فَقَالَ هَذَا رَبٌّ كَرِيمٌ، آمنت، ودخل وسمي الله واكل مؤمنا [[في ع: متمتعا.]] الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ لَمَّا وُلِدَ لِإِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ هَاجَرَ تَمَنَّتْ سَارَةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ابْنٌ، وَأَيِسَتْ لِكِبَرِ سِنِّهَا، فَبُشِّرَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا وَيَلِدُ نَبِيًّا، فَكَانَ هَذَا بِشَارَةً لَهَا بِأَنْ تَرَى وَلَدَ وَلَدِهَا. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قرأ حمزة وعبد الله ابن عَامِرٍ "يَعْقُوبَ" بِالنَّصْبِ. وَرَفَعَ الْبَاقُونَ، فَالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: وَيُحْدِثُ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي "مِنْ" كَأَنَّ الْمَعْنَى: وَثَبَتَ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ بَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ مُقَابِلًا لَهُ يَعْقُوبُ. وَالنَّصْبُ عَلَى مَعْنَى: وَوَهَبْنَا لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ وَأَبُو حَاتِمٍ أَنْ يَكُونَ "يَعْقُوبَ" فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى مَعْنَى: وَبَشَّرْنَاهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يعقوب. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلَا يَجُوزُ الْخَفْضُ إِلَّا بِإِعَادَةِ الْحَرْفِ الْخَافِضِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ وَلَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أَوَّلَ مِنْ أَمْسِ وَأَمْسِ عَمْرٍو [[والوجه عنده (وأمس بعمرو).]] كَانَ قَبِيحًا [خَبِيثًا] [[كذا في اوك ع وووى.]]، لِأَنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ الْمَجْرُورِ وَمَا يشركه وهو الواو، كما تفرق بَيْنَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، لِأَنَّ الْجَارَّ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْرُورِ، وَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاوِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى﴾ هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَحًّا [[أي لازق النسب به.]]، وَكَانَتْ قُرَى لوط بنواحي الشام، وإبراهى م بِبِلَادِ فِلَسْطِينَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِعَذَابِ قوم لوط ومروا بِإِبْرَاهِيمَ وَنَزَلُوا عِنْدَهُ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِرَاهُ، وَكَانُوا مَرُّوا بِبِشَارَةِ إِبْرَاهِيمَ، فظنهم أضيافا. وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليم السَّلَامُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الضَّحَّاكُ: كَانُوا تِسْعَةً. السُّدِّيُّ: أَحَدَ عَشَرَ مَلَكًا عَلَى صُورَةِ الْغِلْمَانِ الحسان الوجوه، ذوو وَضَاءَةٍ وَجَمَالٍ بَارِعٍ. "بِالْبُشْرى " قِيلَ: بِالْوَلَدِ. وَقِيلَ: بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: بَشَّرُوهُ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّهُ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ.

(قالُوا سَلاماً) نُصِبَ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ: قَالُوا خَيْرًا. وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ "سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ" [[راجع ج ١٠ ص ٣٨٢.]] فَالثَّلَاثَةُ اسْمٌ غَيْرَ [قَوْلٍ] [[من ع.]] مقول. ولو رفعا جميعا أَوْ نُصِبَا جَمِيعًا "قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ" جاز في العربية. وقيل: انْتَصَبَ عَلَى الْمَصْدَرِ. وَقِيلَ: "قالُوا سَلاماً" أَيْ فَاتَحُوهُ بِصَوَابٍ مِنَ الْقَوْلِ، كَمَا قَالَ:" وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [[راجع ج ١٣ ص ٦٧.]] "أي صو أبا، فَسَلَامًا مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا لَفْظُهُ، قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَاخْتَارَهُ. قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ ذِكْرَ اللَّفْظِ قَالَهُ بِعَيْنِهِ فَقَالَ مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [[راجع ص ٣١٢ من هذا الجزء.]] "" سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ [[راجع ج ١٥ ص ٢٨٤ فما بعد.]] ". وَقِيلَ دَعَوْا لَهُ، وَالْمَعْنَى سَلِمْتَ سَلَامًا.

(قالَ سَلامٌ) فِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ أَيْ هُوَ سَلَامٌ، وَأَمْرِي سَلَامٌ. وَالْآخَرُ بِمَعْنَى سَلَامٌ عَلَيْكُمْ إِذَا جُعِلَ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ، فَأُضْمِرَ الْخَبَرُ. وَجَازَ سَلَامٌ عَلَى التَّنْكِيرِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، فَحُذِفَ الألف والام كما حذفت من لا هم في قولك اللهم. وقرى "سِلْمٌ" قَالَ الْفَرَّاءُ: السِّلْمُ وَالسَّلَامُ بِمَعْنًى، مِثْلُ الْحِلِّ وَالْحَلَالِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً [[كذا في الأصل والمسائل المذكورة هي في آيه ٧٠ و٧١ أيضا لأفي هذه الآية فحسب.]]: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ﴾ "أَنْ" بِمَعْنَى حَتَّى، قَالَهُ كُبَرَاءُ [[في ع: أكثر.]] النَّحْوِيِّينَ، حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. التَّقْدِيرُ: فَمَا لَبِثَ حَتَّى جَاءَ. وَقِيلَ: "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الْجَرِّ، التَّقْدِيرُ: فَمَا لَبِثَ عَنْ أَنْ جَاءَ، أَيْ مَا أَبْطَأَ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ بَقِيَ "أَنْ" فِي مَحَلِّ النَّصْبِ. وَفِي "لَبِثَ" ضمير اسم إبراهيم. و "سَلاماً" نَافِيَةٌ، قَالَهُ سِيبَوَيْهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فَمَا لَبِثَ مَجِيئُهُ، أَيْ مَا أَبْطَأَ مَجِيئُهُ، فَأَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَلَا ضَمِيرَ فِي "لَبِثَ" وَ "سَلاماً" نافية، ويصح أن تكون "سَلاماً" بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِي "لَبِثَ" ضَمِيرُ إِبْرَاهِيمَ وَ "أَنْ جاءَ" خبر "سَلاماً" أَيْ فَالَّذِي لَبِثَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. وَ (حَنِيذٍ) مَشْوِيٍّ. وَقِيلَ هُوَ الْمَشْوِيُّ بِحَرِّ الْحِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ. يقال حنذت الشاة أحنذها حنذا أي اشويها، وَجَعَلْتُ فَوْقَهَا حِجَارَةً مُحْمَاةً لِتُنْضِجَهَا فَهِيَ حَنِيذٌ. وَحَنَذْتُ الْفَرَسَ أَحْنِذُهُ حَنْذًا، وَهُوَ أَنْ تُحْضِرَهُ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ تُظَاهِرُ عَلَيْهِ الْجِلَالَ فِي الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ، فَهُوَ مَحْنُوذٌ وَحَنِيذٌ. فَإِنْ لَمْ يَعْرَقْ قِيلَ: كَبَا. وَحَنَذٌ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ [[وحنيذ موضع قريب من مكة أيضا.]]. وَقِيلَ: الْحَنِيذُ السَّمِيطُ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: حَنِيذٌ نَضِيجٌ. وَحَنِيذٌ بِمَعْنَى مَحْنُوذٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِعِجْلٍ لِأَنَّ الْبَقَرَ كَانَتْ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِ. الثَّانِيَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَدَبِ الضَّيْفِ أَنْ يُعَجِّلَ قِرَاهُ، فَيُقَدِّمُ الْمَوْجُودَ الْمُيَسَّرَ فِي الْحَالِ، ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِغَيْرِهِ إِنْ كَانَ لَهُ جِدَةٌ، وَلَا يَتَكَلَّفُ مَا يَضُرُّ بِهِ. وَالضِّيَافَةُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْ آدَابِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ خُلُقِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ. وَإِبْرَاهِيمُ أَوَّلُ مَنْ أَضَافَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٩٨.]] وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ ﷺ: "الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ". وَالْجَائِزَةُ الْعَطِيَّةُ وَالصِّلَةُ الَّتِي أَصْلُهَا عَلَى النَّدْبِ. وَقَالَ ﷺ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ". وَإِكْرَامُ الْجَارِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعًا، فَالضِّيَافَةُ مِثْلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَهَبَ اللَّيْثُ إِلَى وُجُوبِهَا تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ ﷺ: "لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ" إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَفِيمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْهِدَايَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ وُجُوبَ الضِّيَافَةِ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَمْ يَثْبُتْ، وَالنَّاسِخُ لَمْ يَرِدْ وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ، وَفِيهِ: "فَاسْتَضَفْنَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُونَا فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ" الْحَدِيثَ. وَقَالَ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الضِّيَافَةَ لَوْ كَانَتْ حَقًّا لَلَامَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَبَوْا، وَلَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يُخَاطِبُ بِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إِلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا أَهْلُ الْحَضَرِ وَالْبَادِيَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ. قَالَ سُحْنُونٌ: إِنَّمَا الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، وَأَمَّا الْحَضَرُ فَالْفُنْدُقُ يَنْزِلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ [حَكَى اللُّغَتَيْنِ [[من و، فليتأمل.]] صَاحِبُ الْعَيْنِ وَغَيْرُهُ]. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ". وَهَذَا حديث لا يصح، وإبراهيم ابن أخى عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْكَذِبِ، وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، وَنُسِبَ إِلَى وَضْعِهِ، قاله أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الضِّيَافَةُ حَقِيقَةً فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْقُرَى حَيْثُ لَا طَعَامَ وَلَا مَأْوَى، بِخِلَافِ الْحَوَاضِرِ فَإِنَّهَا مَشْحُونَةٌ بِالْمَأْوَاةِ وَالْأَقْوَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّيْفَ كَرِيمٌ، وَالضِّيَافَةَ كَرَامَةٌ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا فَهِيَ فَرِيضَةٌ. الرَّابِعَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: كَانَتْ ضِيَافَةُ إِبْرَاهِيمَ قَلِيلَةً فَشَكَرَهَا الْحَبِيبُ مِنَ الْحَبِيبِ، وَهَذَا حُكْمٌ بِالظَّنِّ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَبِالْقِيَاسِ فِي مَوْضِعِ النَّقْلِ، مِنْ أبن عُلِمَ أَنَّهُ قَلِيلٌ؟! بَلْ قَدْ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا ثَلَاثَةً، جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ ﷺ، وَعِجْلٌ لِثَلَاثَةٍ عَظِيمٌ، فَمَا هَذَا التَّفْسِيرُ لِكِتَابِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ؟! هَذَا بِأَمَانَةِ اللَّهِ هُوَ التَّفْسِيرُ الْمَذْمُومُ فَاجْتَنِبُوهُ فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ. الْخَامِسَةُ- السُّنَّةُ إِذَا قُدِّمَ لِلضَّيْفِ الطَّعَامُ أَنْ يُبَادِرَ الْمُقَدَّمُ إِلَيْهِ بِالْأَكْلِ، فَإِنَّ كَرَامَةَ الضَّيْفِ تَعْجِيلُ التَّقْدِيمِ، وَكَرَامَةُ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ الْمُبَادَرَةُ بِالْقَبُولِ، فَلَمَّا قَبَضُوا أَيْدِيَهُمْ نَكِرَهُمْ إِبْرَاهِيمُ، لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنِ الْعَادَةِ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُمْ مَكْرُوهٌ يَقْصِدُونَهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْكُتُونَ بِقِدَاحٍ [[قداح (جمع قدح بالكسر) السهم قبل أن ينصل ويراش.]] كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ فِي اللَّحْمِ وَلَا تَصِلُ أَيْدِيهِمْ إِلَى اللَّحْمِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ.

(نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ، وَالْوُجُوسُ الدُّخُولُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

جَاءَ الْبَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يَخُبُّ بِهِ ... فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ جَزَعًا

"خِيفَةً" خَوْفًا، أَيْ فَزَعًا. وَكَانُوا إِذَا رَأَوُا الضَّيْفَ لَا يَأْكُلُ ظَنُّوا بِهِ شَرًّا، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ (لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ). السَّادِسَةُ- مِنْ أَدَبِ الطَّعَامِ أَنَّ لِصَاحِبِ الضَّيْفِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ وَمُسَارَقَةٍ [[في ع: أو مسارقة.]] لَا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ. رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أكل مع سليمان ابن عَبْدِ الْمَلِكِ، فَرَأَى سُلَيْمَانُ فِي لُقْمَةِ الْأَعْرَابِيِّ شَعْرَةً فَقَالَ لَهُ: أَزِلِ الشَّعْرَةَ عَنْ لُقْمَتِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَتَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ يَرَى الشَّعْرَةَ فِي لُقْمَتِي؟! وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ مَعَكَ. قُلْتُ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ إِنَّمَا كَانَتْ مَعَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا مَعَ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ:

وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ [زِيَارَةِ] [[كذا في ع وى وفى الفريد، وفى ك: ضيافة.]] بَاخِلٍ ... يُلَاحِظُ أَطْرَافَ الْأَكِيلِ عَلَى عَمْدِ

السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يَقُولُ: أَنْكَرَهُمْ، تَقُولُ: نَكِرْتُكَ [وَأَنْكَرْتُكَ] [[من اوع وك وو.]] وَاسْتَنْكَرْتُكَ إِذَا وَجَدْتَهُ عَلَى غَيْرِ مَا عَهِدْتَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ [[البيت للأعشى.]]:

وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا

فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ. وَيُقَالُ: نَكِرْتُ لِمَا تَرَاهُ بِعَيْنِكَ. وَأَنْكَرْتُ لِمَا تَرَاهُ بِقَلْبِكَ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ قَائِمَةٌ بِحَيْثُ تَرَى الْمَلَائِكَةَ. قِيلَ: كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ. وَقِيلَ كَانَتْ تخدم الملائكة وهو جالس. وقال محمد ابن اسحق: قَائِمَةٌ تُصَلِّي. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ قَاعِدٌ". التَّاسِعَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: حَاضَتْ، وَكَانَتْ آيِسَةٌ، تَحْقِيقًا لِلْبِشَارَةِ، وَأَنْشَدَ عَلَى ذَلِكَ اللُّغَوِيُّونَ:

وَإِنِّي لَآتِي الْعِرْسَ عِنْدَ طُهُورِهَا ... وَأَهْجُرُهَا يَوْمًا إِذَا تَكُ ضَاحِكَا

وَقَالَ آخَرُ:

وَضِحْكُ الْأَرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا ... كَمِثْلِ دَمِ الْجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا

وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الْأَرْنَبُ إِذَا حَاضَتْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعِكْرِمَةَ، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَحِكَتِ الْكَافُورَةُ- وَهِيَ قِشْرَةُ الطَّلْعَةِ- إِذَا انْشَقَّتْ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنَى حَاضَتْ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ ضَحِكُ التَّعَجُّبِ، قَالَ أَبُو ذؤيب: فجاء بمزج لم يرى النَّاسُ مِثْلَهُ ... هُوَ الضَّحْكُ [[وفسر الضحك هنا بالعسل أو الشهد. راجع اللسان مادة (ضحك).]] إِلَّا أَنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ضَحِكَتْ مِنْ خَوْفِ إِبْرَاهِيمَ، وَرِعْدَتِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ فِي حَشَمِهِ وَخَدَمِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُومُ وَحْدَهُ بِمِائَةِ رَجُلٍ. قَالَ وَلَيْسَ الضَّحِكُ الْحَيْضَ فِي اللُّغَةِ بِمُسْتَقِيمٍ. وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْفَرَّاءُ ذَلِكَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ ثِقَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ. وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَسَحَتِ الْعِجْلَ، فَقَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَلَحِقَ بِأُمِّهِ، فَضَحِكَتْ سَارَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَبَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ. وَيُقَالُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ أَضْيَافَهُ أَقَامَ سَارَةَ تَخْدُمُهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ" أَيْ قَائِمَةٌ فِي خِدْمَتِهِمْ. وَيُقَالُ: "قائِمَةٌ" لِرَوْعِ إِبْرَاهِيمَ "فَضَحِكَتْ" لِقَوْلِهِمْ: "لَا تَخَفْ" سُرُورًا بِالْأَمْنِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ فَضَحِكَتْ، أَيْ ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالْوَلَدِ، وَقَدْ هَرِمَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. قَالَ النَّحَّاسُ فِيهِ أَقْوَالٌ: أَحْسَنُهَا- أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَأْكُلُوا أَنْكَرَهُمْ وَخَافَهُمْ، فَلَمَّا قَالُوا لَا تَخَفْ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ رُسُلُ [اللَّهِ [[من ع.]] [، فَرِحَ بِذَلِكَ، فَضَحِكَتِ امْرَأَتُهُ سُرُورًا بِفَرَحِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ قَالَتْ لَهُ: أَحْسَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عَذَابٌ فَضَمَّ لُوطًا إِلَيْكَ، فَلَمَّا جَاءَتِ الرُّسُلُ بِمَا قَالَتْهُ سُرَّتْ بِهِ فَضَحِكَتْ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا إِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُ فَهُوَ حَسَنٌ. وَالضَّحِكُ انْكِشَافُ الْأَسْنَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّحِكُ إِشْرَاقَ الْوَجْهِ، تَقُولُ رَأَيْتُ فُلَانًا ضَاحِكًا، أَيْ مُشْرِقًا. وَأَتَيْتُ عَلَى رَوْضَةٍ تَضْحَكُ، أَيْ مُشْرِقَةٍ، وَفِي الْحَدِيثِ" إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ [[من ع.]] يَبْعَثُ السَّحَابَ فَيَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ". جَعَلَ انْجِلَاءَهُ عَنِ الْبَرْقِ ضَحِكًا، وَهَذَا كَلَامٌ مُسْتَعَارٌ. وَرُوِيَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَّاءِ مَكَّةَ يقال له محمد بن زياد الأعرابي. "ضحكت" بِفَتْحِ الْحَاءِ، قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفَتْحُ "الْحَاءِ" مِنْ "فَضَحِكَتْ" غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَضَحِكَ يَضْحَكُ ضَحْكًا وَضِحْكًا وَضِحِكًا [وَضَحِكًا] [[من ع.]] أَرْبَعُ لُغَاتٍ. وَالضَّحْكَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ [[صدر البيت:

غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا]]

قاله الجوهري: الْعَاشِرَةُ- رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امرأته خادمهم يومئذ وَهِيَ الْعَرُوسُ. قَالَ سَهْلٌ: أَتَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ [[التور: إناء تشرب فيه العرب، ويتوضأ منه، ويصنع من صفرا وحجارة.]]، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَتَرْجَمَ لَهُ "بَابُ قِيَامِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْعُرْسِ وَخِدْمَتِهِمْ بِالنَّفْسِ". قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِيهِ جَوَازُ خِدْمَةِ الْعَرُوسِ زَوْجَهَا وَأَصْحَابَهُ فِي عُرْسِهَا. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَعْرِضَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ عَلَى صَالِحِ إِخْوَانِهِ، وَيَسْتَخْدِمُهُنَّ [[في ع: يستخدمها.]] لَهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَدَّمَ الْعِجْلَ قَالُوا: لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ، فَقَالَ لَهُمْ: "ثَمَنُهُ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُوهُ فِي آخِرِهِ" فَقَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللَّهُ هَذَا خَلِيلًا. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَلَمْ يَأْكُلُوا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَأْكُلُ. وَقَدْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ كَمَا يَسَّرَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ أَنْ يَتَشَكَّلُوا فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّ جَسَدًا وَهَيْئَةً أَنْ يُيَسِّرَ لَهُمْ أَكْلَ الطَّعَامِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي قَوْلِ الْعُلَمَاءِ أَرْسَلَهُمْ فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّ وَتَكَلَّفَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الضِّيَافَةَ [حَتَّى إِذَا رَأَى التَّوَقُّفَ وَخَافَ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى فَجْأَةً [[الزيادة عن ابن العربي.]]] الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ، وَالْحَمْدَ فِي آخِرِهِ مَشْرُوعٌ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الإسرائيليات أن إبراهيم كَانَ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، فَإِذَا حَضَرَ طَعَامُهُ أَرْسَلَ يَطْلُبُ مَنْ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَقِيَ يَوْمًا رَجُلًا، فَلَمَّا جَلَسَ مَعَهُ عَلَى الطَّعَامِ، قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: سَمِّ اللَّهَ، قَالَ الرَّجُلُ لَا أَدْرِي مَا اللَّهُ؟ فَقَالَ لَهُ: فَاخْرُجْ عَنْ طَعَامِي، فَلَمَّا خَرَجَ نَزَلَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ إِنَّهُ يَرْزُقُهُ عَلَى كُفْرِهِ مَدَى عُمْرِهِ وَأَنْتَ بَخِلْتَ عَلَيْهِ بِلُقْمَةٍ، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ: لَا أَرْجِعُ حَتَّى تُخْبِرَنِي لِمَ تَرُدُّنِي لِغَيْرِ مَعْنًى؟ فَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ، فَقَالَ هَذَا رَبٌّ كَرِيمٌ، آمنت، ودخل وسمي الله واكل مؤمنا [[في ع: متمتعا.]] الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ لَمَّا وُلِدَ لِإِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ هَاجَرَ تَمَنَّتْ سَارَةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ابْنٌ، وَأَيِسَتْ لِكِبَرِ سِنِّهَا، فَبُشِّرَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا وَيَلِدُ نَبِيًّا، فَكَانَ هَذَا بِشَارَةً لَهَا بِأَنْ تَرَى وَلَدَ وَلَدِهَا. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قرأ حمزة وعبد الله ابن عَامِرٍ "يَعْقُوبَ" بِالنَّصْبِ. وَرَفَعَ الْبَاقُونَ، فَالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: وَيُحْدِثُ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي "مِنْ" كَأَنَّ الْمَعْنَى: وَثَبَتَ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ بَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ مُقَابِلًا لَهُ يَعْقُوبُ. وَالنَّصْبُ عَلَى مَعْنَى: وَوَهَبْنَا لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ وَأَبُو حَاتِمٍ أَنْ يَكُونَ "يَعْقُوبَ" فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى مَعْنَى: وَبَشَّرْنَاهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يعقوب. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلَا يَجُوزُ الْخَفْضُ إِلَّا بِإِعَادَةِ الْحَرْفِ الْخَافِضِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ وَلَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أَوَّلَ مِنْ أَمْسِ وَأَمْسِ عَمْرٍو [[والوجه عنده (وأمس بعمرو).]] كَانَ قَبِيحًا [خَبِيثًا] [[كذا في اوك ع وووى.]]، لِأَنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ الْمَجْرُورِ وَمَا يشركه وهو الواو، كما تفرق بَيْنَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، لِأَنَّ الْجَارَّ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْرُورِ، وَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاوِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى﴾ هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَحًّا [[أي لازق النسب به.]]، وَكَانَتْ قُرَى لوط بنواحي الشام، وإبراهى م بِبِلَادِ فِلَسْطِينَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِعَذَابِ قوم لوط ومروا بِإِبْرَاهِيمَ وَنَزَلُوا عِنْدَهُ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِرَاهُ، وَكَانُوا مَرُّوا بِبِشَارَةِ إِبْرَاهِيمَ، فظنهم أضيافا. وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليم السَّلَامُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الضَّحَّاكُ: كَانُوا تِسْعَةً. السُّدِّيُّ: أَحَدَ عَشَرَ مَلَكًا عَلَى صُورَةِ الْغِلْمَانِ الحسان الوجوه، ذوو وَضَاءَةٍ وَجَمَالٍ بَارِعٍ. "بِالْبُشْرى " قِيلَ: بِالْوَلَدِ. وَقِيلَ: بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: بَشَّرُوهُ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّهُ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ.

(قالُوا سَلاماً) نُصِبَ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ: قَالُوا خَيْرًا. وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ "سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ" [[راجع ج ١٠ ص ٣٨٢.]] فَالثَّلَاثَةُ اسْمٌ غَيْرَ [قَوْلٍ] [[من ع.]] مقول. ولو رفعا جميعا أَوْ نُصِبَا جَمِيعًا "قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ" جاز في العربية. وقيل: انْتَصَبَ عَلَى الْمَصْدَرِ. وَقِيلَ: "قالُوا سَلاماً" أَيْ فَاتَحُوهُ بِصَوَابٍ مِنَ الْقَوْلِ، كَمَا قَالَ:" وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [[راجع ج ١٣ ص ٦٧.]] "أي صو أبا، فَسَلَامًا مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا لَفْظُهُ، قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَاخْتَارَهُ. قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ ذِكْرَ اللَّفْظِ قَالَهُ بِعَيْنِهِ فَقَالَ مُخْبِرًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [[راجع ص ٣١٢ من هذا الجزء.]] "" سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ [[راجع ج ١٥ ص ٢٨٤ فما بعد.]] ". وَقِيلَ دَعَوْا لَهُ، وَالْمَعْنَى سَلِمْتَ سَلَامًا.

(قالَ سَلامٌ) فِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ أَيْ هُوَ سَلَامٌ، وَأَمْرِي سَلَامٌ. وَالْآخَرُ بِمَعْنَى سَلَامٌ عَلَيْكُمْ إِذَا جُعِلَ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ، فَأُضْمِرَ الْخَبَرُ. وَجَازَ سَلَامٌ عَلَى التَّنْكِيرِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، فَحُذِفَ الألف والام كما حذفت من لا هم في قولك اللهم. وقرى "سِلْمٌ" قَالَ الْفَرَّاءُ: السِّلْمُ وَالسَّلَامُ بِمَعْنًى، مِثْلُ الْحِلِّ وَالْحَلَالِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً [[كذا في الأصل والمسائل المذكورة هي في آيه ٧٠ و٧١ أيضا لأفي هذه الآية فحسب.]]: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ﴾ "أَنْ" بِمَعْنَى حَتَّى، قَالَهُ كُبَرَاءُ [[في ع: أكثر.]] النَّحْوِيِّينَ، حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. التَّقْدِيرُ: فَمَا لَبِثَ حَتَّى جَاءَ. وَقِيلَ: "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الْجَرِّ، التَّقْدِيرُ: فَمَا لَبِثَ عَنْ أَنْ جَاءَ، أَيْ مَا أَبْطَأَ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ بَقِيَ "أَنْ" فِي مَحَلِّ النَّصْبِ. وَفِي "لَبِثَ" ضمير اسم إبراهيم. و "سَلاماً" نَافِيَةٌ، قَالَهُ سِيبَوَيْهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فَمَا لَبِثَ مَجِيئُهُ، أَيْ مَا أَبْطَأَ مَجِيئُهُ، فَأَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَلَا ضَمِيرَ فِي "لَبِثَ" وَ "سَلاماً" نافية، ويصح أن تكون "سَلاماً" بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِي "لَبِثَ" ضَمِيرُ إِبْرَاهِيمَ وَ "أَنْ جاءَ" خبر "سَلاماً" أَيْ فَالَّذِي لَبِثَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. وَ (حَنِيذٍ) مَشْوِيٍّ. وَقِيلَ هُوَ الْمَشْوِيُّ بِحَرِّ الْحِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ. يقال حنذت الشاة أحنذها حنذا أي اشويها، وَجَعَلْتُ فَوْقَهَا حِجَارَةً مُحْمَاةً لِتُنْضِجَهَا فَهِيَ حَنِيذٌ. وَحَنَذْتُ الْفَرَسَ أَحْنِذُهُ حَنْذًا، وَهُوَ أَنْ تُحْضِرَهُ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ تُظَاهِرُ عَلَيْهِ الْجِلَالَ فِي الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ، فَهُوَ مَحْنُوذٌ وَحَنِيذٌ. فَإِنْ لَمْ يَعْرَقْ قِيلَ: كَبَا. وَحَنَذٌ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ [[وحنيذ موضع قريب من مكة أيضا.]]. وَقِيلَ: الْحَنِيذُ السَّمِيطُ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: حَنِيذٌ نَضِيجٌ. وَحَنِيذٌ بِمَعْنَى مَحْنُوذٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِعِجْلٍ لِأَنَّ الْبَقَرَ كَانَتْ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِ. الثَّانِيَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَدَبِ الضَّيْفِ أَنْ يُعَجِّلَ قِرَاهُ، فَيُقَدِّمُ الْمَوْجُودَ الْمُيَسَّرَ فِي الْحَالِ، ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِغَيْرِهِ إِنْ كَانَ لَهُ جِدَةٌ، وَلَا يَتَكَلَّفُ مَا يَضُرُّ بِهِ. وَالضِّيَافَةُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْ آدَابِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ خُلُقِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ. وَإِبْرَاهِيمُ أَوَّلُ مَنْ أَضَافَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٩٨.]] وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ ﷺ: "الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ". وَالْجَائِزَةُ الْعَطِيَّةُ وَالصِّلَةُ الَّتِي أَصْلُهَا عَلَى النَّدْبِ. وَقَالَ ﷺ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ". وَإِكْرَامُ الْجَارِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعًا، فَالضِّيَافَةُ مِثْلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَهَبَ اللَّيْثُ إِلَى وُجُوبِهَا تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ ﷺ: "لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ" إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَفِيمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْهِدَايَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ وُجُوبَ الضِّيَافَةِ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَمْ يَثْبُتْ، وَالنَّاسِخُ لَمْ يَرِدْ وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ، وَفِيهِ: "فَاسْتَضَفْنَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُونَا فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ" الْحَدِيثَ. وَقَالَ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الضِّيَافَةَ لَوْ كَانَتْ حَقًّا لَلَامَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَبَوْا، وَلَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يُخَاطِبُ بِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إِلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا أَهْلُ الْحَضَرِ وَالْبَادِيَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ ضِيَافَةٌ. قَالَ سُحْنُونٌ: إِنَّمَا الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، وَأَمَّا الْحَضَرُ فَالْفُنْدُقُ يَنْزِلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ [حَكَى اللُّغَتَيْنِ [[من و، فليتأمل.]] صَاحِبُ الْعَيْنِ وَغَيْرُهُ]. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الضِّيَافَةُ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ". وَهَذَا حديث لا يصح، وإبراهيم ابن أخى عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْكَذِبِ، وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، وَنُسِبَ إِلَى وَضْعِهِ، قاله أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الضِّيَافَةُ حَقِيقَةً فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْقُرَى حَيْثُ لَا طَعَامَ وَلَا مَأْوَى، بِخِلَافِ الْحَوَاضِرِ فَإِنَّهَا مَشْحُونَةٌ بِالْمَأْوَاةِ وَالْأَقْوَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّيْفَ كَرِيمٌ، وَالضِّيَافَةَ كَرَامَةٌ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا فَهِيَ فَرِيضَةٌ. الرَّابِعَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: كَانَتْ ضِيَافَةُ إِبْرَاهِيمَ قَلِيلَةً فَشَكَرَهَا الْحَبِيبُ مِنَ الْحَبِيبِ، وَهَذَا حُكْمٌ بِالظَّنِّ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَبِالْقِيَاسِ فِي مَوْضِعِ النَّقْلِ، مِنْ أبن عُلِمَ أَنَّهُ قَلِيلٌ؟! بَلْ قَدْ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا ثَلَاثَةً، جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ ﷺ، وَعِجْلٌ لِثَلَاثَةٍ عَظِيمٌ، فَمَا هَذَا التَّفْسِيرُ لِكِتَابِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ؟! هَذَا بِأَمَانَةِ اللَّهِ هُوَ التَّفْسِيرُ الْمَذْمُومُ فَاجْتَنِبُوهُ فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ. الْخَامِسَةُ- السُّنَّةُ إِذَا قُدِّمَ لِلضَّيْفِ الطَّعَامُ أَنْ يُبَادِرَ الْمُقَدَّمُ إِلَيْهِ بِالْأَكْلِ، فَإِنَّ كَرَامَةَ الضَّيْفِ تَعْجِيلُ التَّقْدِيمِ، وَكَرَامَةُ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ الْمُبَادَرَةُ بِالْقَبُولِ، فَلَمَّا قَبَضُوا أَيْدِيَهُمْ نَكِرَهُمْ إِبْرَاهِيمُ، لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنِ الْعَادَةِ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُمْ مَكْرُوهٌ يَقْصِدُونَهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْكُتُونَ بِقِدَاحٍ [[قداح (جمع قدح بالكسر) السهم قبل أن ينصل ويراش.]] كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ فِي اللَّحْمِ وَلَا تَصِلُ أَيْدِيهِمْ إِلَى اللَّحْمِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ.

(نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) أَيْ أَضْمَرَ. وَقِيلَ: أَحَسَّ، وَالْوُجُوسُ الدُّخُولُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

جَاءَ الْبَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يَخُبُّ بِهِ ... فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ جَزَعًا

"خِيفَةً" خَوْفًا، أَيْ فَزَعًا. وَكَانُوا إِذَا رَأَوُا الضَّيْفَ لَا يَأْكُلُ ظَنُّوا بِهِ شَرًّا، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ (لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ). السَّادِسَةُ- مِنْ أَدَبِ الطَّعَامِ أَنَّ لِصَاحِبِ الضَّيْفِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ وَمُسَارَقَةٍ [[في ع: أو مسارقة.]] لَا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ. رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أكل مع سليمان ابن عَبْدِ الْمَلِكِ، فَرَأَى سُلَيْمَانُ فِي لُقْمَةِ الْأَعْرَابِيِّ شَعْرَةً فَقَالَ لَهُ: أَزِلِ الشَّعْرَةَ عَنْ لُقْمَتِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَتَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ يَرَى الشَّعْرَةَ فِي لُقْمَتِي؟! وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ مَعَكَ. قُلْتُ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ إِنَّمَا كَانَتْ مَعَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا مَعَ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ:

وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ [زِيَارَةِ] [[كذا في ع وى وفى الفريد، وفى ك: ضيافة.]] بَاخِلٍ ... يُلَاحِظُ أَطْرَافَ الْأَكِيلِ عَلَى عَمْدِ

السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يَقُولُ: أَنْكَرَهُمْ، تَقُولُ: نَكِرْتُكَ [وَأَنْكَرْتُكَ] [[من اوع وك وو.]] وَاسْتَنْكَرْتُكَ إِذَا وَجَدْتَهُ عَلَى غَيْرِ مَا عَهِدْتَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ [[البيت للأعشى.]]:

وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا

فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ. وَيُقَالُ: نَكِرْتُ لِمَا تَرَاهُ بِعَيْنِكَ. وَأَنْكَرْتُ لِمَا تَرَاهُ بِقَلْبِكَ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ قَائِمَةٌ بِحَيْثُ تَرَى الْمَلَائِكَةَ. قِيلَ: كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ. وَقِيلَ كَانَتْ تخدم الملائكة وهو جالس. وقال محمد ابن اسحق: قَائِمَةٌ تُصَلِّي. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ قَاعِدٌ". التَّاسِعَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: حَاضَتْ، وَكَانَتْ آيِسَةٌ، تَحْقِيقًا لِلْبِشَارَةِ، وَأَنْشَدَ عَلَى ذَلِكَ اللُّغَوِيُّونَ:

وَإِنِّي لَآتِي الْعِرْسَ عِنْدَ طُهُورِهَا ... وَأَهْجُرُهَا يَوْمًا إِذَا تَكُ ضَاحِكَا

وَقَالَ آخَرُ:

وَضِحْكُ الْأَرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا ... كَمِثْلِ دَمِ الْجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا

وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ضَحِكَتِ الْأَرْنَبُ إِذَا حَاضَتْ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعِكْرِمَةَ، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَحِكَتِ الْكَافُورَةُ- وَهِيَ قِشْرَةُ الطَّلْعَةِ- إِذَا انْشَقَّتْ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنَى حَاضَتْ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ ضَحِكُ التَّعَجُّبِ، قَالَ أَبُو ذؤيب: فجاء بمزج لم يرى النَّاسُ مِثْلَهُ ... هُوَ الضَّحْكُ [[وفسر الضحك هنا بالعسل أو الشهد. راجع اللسان مادة (ضحك).]] إِلَّا أَنَّهُ عَمَلُ النَّحْلِ

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ضَحِكَتْ مِنْ خَوْفِ إِبْرَاهِيمَ، وَرِعْدَتِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ فِي حَشَمِهِ وَخَدَمِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُومُ وَحْدَهُ بِمِائَةِ رَجُلٍ. قَالَ وَلَيْسَ الضَّحِكُ الْحَيْضَ فِي اللُّغَةِ بِمُسْتَقِيمٍ. وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْفَرَّاءُ ذَلِكَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ ثِقَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ. وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَسَحَتِ الْعِجْلَ، فَقَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَلَحِقَ بِأُمِّهِ، فَضَحِكَتْ سَارَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَبَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ. وَيُقَالُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ أَضْيَافَهُ أَقَامَ سَارَةَ تَخْدُمُهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ" أَيْ قَائِمَةٌ فِي خِدْمَتِهِمْ. وَيُقَالُ: "قائِمَةٌ" لِرَوْعِ إِبْرَاهِيمَ "فَضَحِكَتْ" لِقَوْلِهِمْ: "لَا تَخَفْ" سُرُورًا بِالْأَمْنِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ فَضَحِكَتْ، أَيْ ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالْوَلَدِ، وَقَدْ هَرِمَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. قَالَ النَّحَّاسُ فِيهِ أَقْوَالٌ: أَحْسَنُهَا- أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَأْكُلُوا أَنْكَرَهُمْ وَخَافَهُمْ، فَلَمَّا قَالُوا لَا تَخَفْ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ رُسُلُ [اللَّهِ [[من ع.]] [، فَرِحَ بِذَلِكَ، فَضَحِكَتِ امْرَأَتُهُ سُرُورًا بِفَرَحِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ قَالَتْ لَهُ: أَحْسَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عَذَابٌ فَضَمَّ لُوطًا إِلَيْكَ، فَلَمَّا جَاءَتِ الرُّسُلُ بِمَا قَالَتْهُ سُرَّتْ بِهِ فَضَحِكَتْ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا إِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُ فَهُوَ حَسَنٌ. وَالضَّحِكُ انْكِشَافُ الْأَسْنَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّحِكُ إِشْرَاقَ الْوَجْهِ، تَقُولُ رَأَيْتُ فُلَانًا ضَاحِكًا، أَيْ مُشْرِقًا. وَأَتَيْتُ عَلَى رَوْضَةٍ تَضْحَكُ، أَيْ مُشْرِقَةٍ، وَفِي الْحَدِيثِ" إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ [[من ع.]] يَبْعَثُ السَّحَابَ فَيَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ". جَعَلَ انْجِلَاءَهُ عَنِ الْبَرْقِ ضَحِكًا، وَهَذَا كَلَامٌ مُسْتَعَارٌ. وَرُوِيَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَّاءِ مَكَّةَ يقال له محمد بن زياد الأعرابي. "ضحكت" بِفَتْحِ الْحَاءِ، قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفَتْحُ "الْحَاءِ" مِنْ "فَضَحِكَتْ" غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَضَحِكَ يَضْحَكُ ضَحْكًا وَضِحْكًا وَضِحِكًا [وَضَحِكًا] [[من ع.]] أَرْبَعُ لُغَاتٍ. وَالضَّحْكَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:

غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ [[صدر البيت:

غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا]]

قاله الجوهري: الْعَاشِرَةُ- رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امرأته خادمهم يومئذ وَهِيَ الْعَرُوسُ. قَالَ سَهْلٌ: أَتَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ [[التور: إناء تشرب فيه العرب، ويتوضأ منه، ويصنع من صفرا وحجارة.]]، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَتَرْجَمَ لَهُ "بَابُ قِيَامِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْعُرْسِ وَخِدْمَتِهِمْ بِالنَّفْسِ". قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِيهِ جَوَازُ خِدْمَةِ الْعَرُوسِ زَوْجَهَا وَأَصْحَابَهُ فِي عُرْسِهَا. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَعْرِضَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ عَلَى صَالِحِ إِخْوَانِهِ، وَيَسْتَخْدِمُهُنَّ [[في ع: يستخدمها.]] لَهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَدَّمَ الْعِجْلَ قَالُوا: لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ، فَقَالَ لَهُمْ: "ثَمَنُهُ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُوهُ فِي آخِرِهِ" فَقَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللَّهُ هَذَا خَلِيلًا. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَلَمْ يَأْكُلُوا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَأْكُلُ. وَقَدْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ كَمَا يَسَّرَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ أَنْ يَتَشَكَّلُوا فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّ جَسَدًا وَهَيْئَةً أَنْ يُيَسِّرَ لَهُمْ أَكْلَ الطَّعَامِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي قَوْلِ الْعُلَمَاءِ أَرْسَلَهُمْ فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّ وَتَكَلَّفَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الضِّيَافَةَ [حَتَّى إِذَا رَأَى التَّوَقُّفَ وَخَافَ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى فَجْأَةً [[الزيادة عن ابن العربي.]]] الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ، وَالْحَمْدَ فِي آخِرِهِ مَشْرُوعٌ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الإسرائيليات أن إبراهيم كَانَ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، فَإِذَا حَضَرَ طَعَامُهُ أَرْسَلَ يَطْلُبُ مَنْ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَقِيَ يَوْمًا رَجُلًا، فَلَمَّا جَلَسَ مَعَهُ عَلَى الطَّعَامِ، قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: سَمِّ اللَّهَ، قَالَ الرَّجُلُ لَا أَدْرِي مَا اللَّهُ؟ فَقَالَ لَهُ: فَاخْرُجْ عَنْ طَعَامِي، فَلَمَّا خَرَجَ نَزَلَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ إِنَّهُ يَرْزُقُهُ عَلَى كُفْرِهِ مَدَى عُمْرِهِ وَأَنْتَ بَخِلْتَ عَلَيْهِ بِلُقْمَةٍ، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ: لَا أَرْجِعُ حَتَّى تُخْبِرَنِي لِمَ تَرُدُّنِي لِغَيْرِ مَعْنًى؟ فَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ، فَقَالَ هَذَا رَبٌّ كَرِيمٌ، آمنت، ودخل وسمي الله واكل مؤمنا [[في ع: متمتعا.]] الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ لَمَّا وُلِدَ لِإِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ هَاجَرَ تَمَنَّتْ سَارَةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ابْنٌ، وَأَيِسَتْ لِكِبَرِ سِنِّهَا، فَبُشِّرَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا وَيَلِدُ نَبِيًّا، فَكَانَ هَذَا بِشَارَةً لَهَا بِأَنْ تَرَى وَلَدَ وَلَدِهَا. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ قرأ حمزة وعبد الله ابن عَامِرٍ "يَعْقُوبَ" بِالنَّصْبِ. وَرَفَعَ الْبَاقُونَ، فَالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: وَيُحْدِثُ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي "مِنْ" كَأَنَّ الْمَعْنَى: وَثَبَتَ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ بَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ مُقَابِلًا لَهُ يَعْقُوبُ. وَالنَّصْبُ عَلَى مَعْنَى: وَوَهَبْنَا لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ وَأَبُو حَاتِمٍ أَنْ يَكُونَ "يَعْقُوبَ" فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى مَعْنَى: وَبَشَّرْنَاهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يعقوب. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلَا يَجُوزُ الْخَفْضُ إِلَّا بِإِعَادَةِ الْحَرْفِ الْخَافِضِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ وَلَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أَوَّلَ مِنْ أَمْسِ وَأَمْسِ عَمْرٍو [[والوجه عنده (وأمس بعمرو).]] كَانَ قَبِيحًا [خَبِيثًا] [[كذا في اوك ع وووى.]]، لِأَنَّكَ فَرَّقْتَ بَيْنَ الْمَجْرُورِ وَمَا يشركه وهو الواو، كما تفرق بَيْنَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، لِأَنَّ الْجَارَّ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْرُورِ، وَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاوِ.

فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى: (يا وَيْلَتى) قَالَ الزَّجَّاجُ: أَصْلُهَا يَا وَيْلَتِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ مِنَ الْيَاءِ وَالْكَسْرَةِ، وَلَمْ تُرِدِ الدُّعَاءَ عَلَى نَفْسِهَا بِالْوَيْلِ، وَلَكِنَّهَا كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلَى أَفْوَاهِ النِّسَاءِ إِذَا طَرَأَ عليهن ما يعجن مِنْهُ، وَعَجِبَتْ مِنْ وِلَادَتِهَا [وَمِنْ] [[من ع.]] كَوْنِ بَعْلِهَا شَيْخًا لِخُرُوجِهِ عَنِ الْعَادَةِ، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ مُسْتَغْرَبٌ وَمُسْتَنْكَرٌ. وَ (أَأَلِدُ) " اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ.

(وَأَنَا عَجُوزٌ) " أَيْ شَيْخَةٌ. وَلَقَدْ عَجَزَتْ تَعْجِزُ عَجْزًا وَعَجَّزَتْ تَعْجِيزًا، أَيْ طَعَنَتْ فِي السن.

وَقَدْ يُقَالُ: عَجُوزَةٌ أَيْضًا. وَعَجِزَتِ الْمَرْأَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ، عَظُمَتْ عَجِيزَتُهَا عُجْزًا وَعَجَزًا بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ بِنْتَ تِسْعِينَ [سَنَةً [[من ع.]]]. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهذا بَعْلِي﴾ أَيْ زَوْجِي.

(شَيْخاً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلِ فِيهِ التَّنْبِيهُ أَوِ الْإِشَارَةُ. "وَهذا بَعْلِي" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: وَفِي قِرَاءَةِ ابن مسعود وأبى "وَهذا بَعْلِي شَيْخاً" قَالَ النَّحَّاسُ: كَمَا تَقُولُ هَذَا زَيْدٌ قَائِمٌ، فَزَيْدٌ بَدَلٌ مِنْ هَذَا، وَقَائِمٌ خَبَرُ الِابْتِدَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "هَذَا" مُبْتَدَأٌ "وَزَيْدٌ قَائِمٌ" خَبَرَيْنِ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: هَذَا حُلْوٌ حَامِضٌ. وَقِيلَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ. وَقِيلَ: ابْنُ مِائَةٍ فَكَانَ يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّهَا عَرَّضَتْ بِقَوْلِهَا: "وَهذا بَعْلِي شَيْخاً" أَيْ عَنْ تَرْكِ غِشْيَانِهِ لَهَا. وَسَارَةُ هَذِهِ امْرَأَةُ إِبْرَاهِيمَ بِنْتُ هَارَانَ بْنِ ناخور بْنِ شَارُوعَ بْنِ أَرْغُو بْنِ فَالِغَ، وَهِيَ بنت عم إبراهيم.

(إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) أَيِ الَّذِي بَشَّرْتُمُونِي بِهِ لَشَيْءٌ عَجِيبٌ.

فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ لَمَّا قَالَتْ: "وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً" وَتَعَجَّبَتْ، أَنْكَرَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهَا تَعَجُّبَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، أَيْ مِنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَيْ لَا عَجَبَ مِنْ أَنْ يَرْزُقَكُمَا اللَّهُ الْوَلَدَ، وَهُوَ إِسْحَاقُ. وَبِهَذِهِ الْآيَةِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّهُ أَسَنُّ مِنْ إِسْحَاقَ، لِأَنَّهَا بُشِّرَتْ بِأَنَّ إِسْحَاقَ يَعِيشُ حَتَّى يُولَدَ لَهُ يَعْقُوبُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي هَذَا، وَبَيَانُهُ فِي "الصافات" [[راجع ج ١٥ ص ٩٨ فما بعد.]] إن شاء الله تعالى.

الثانية- قوله تعالى: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ) مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ (عَلَيْكُمْ). وَحَكَى سِيبَوَيْهِ "عَلَيْكُمْ" بِكَسْرِ الْكَافِ لِمُجَاوَرَتِهَا الْيَاءَ. وَهَلْ هُوَ خَبَرٌ أَوْ دُعَاءٌ؟ وَكَوْنُهُ إِخْبَارًا أَشْرَفُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ لَهُمُ، الْمَعْنَى: أَوْصَلَ اللَّهُ لَكُمْ رَحْمَتَهُ وَبَرَكَاتِهِ أَهْلَ الْبَيْتِ. وَكَوْنُهُ دُعَاءً إِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرٌ يُتَرَجَّى ولم يحصل بعد. ونصب (أَهْلَ الْبَيْتِ) عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَهَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وَقِيلَ: عَلَى النِّدَاءِ. الثَّالِثَةُ- هَذِهِ الْآيَةُ تُعْطِي أَنَّ زَوْجَةَ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَغَيْرُهَا مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: "وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" وَسَيَأْتِي [[راجع ج ١٤ ص ١٧٨.]]. الرَّابِعَةُ- وَدَلَّتِ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مُنْتَهَى السَّلَامِ "وَبَرَكاتُهُ" كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ صالحي عباده "رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ". وَالْبَرَكَةُ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ، وَمِنْ تِلْكَ الْبَرَكَاتِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ كَانُوا فِي وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ شَيْئًا مَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ- وَهُوَ يَوْمئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ- مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاكَ، فَعَرَّفُوهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: إِنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إِلَى الْبَرَكَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي عُصْبَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ عِشْرُونَ لِي وَعَشَرَةٌ لَكَ". قَالَ: وَدَخَلْتُ الثَّانِيَةَ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثَلَاثُونَ لِي وَعِشْرُونَ لَكَ". فَدَخَلْتُ الثَّالِثَةَ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ: فَقَالَ:" وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثَلَاثُونَ لِي وَثَلَاثُونَ لَكَ أَنَا وَأَنْتَ فِي السَّلَامِ سَوَاءٌ.

(إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أَيْ مَحْمُودٌ مَاجِدٌ. وقد بيناهما في "الْأَسْماءُ الْحُسْنى ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أَيِ الْخَوْفُ، يُقَالُ: ارْتَاعَ مِنْ كَذَا إِذَا خَافَ، قَالَ النَّابِغَةُ:

فَارْتَاعَ مِنْ صَوْتِ كَلَّابٍ [[الكلاب: صاحب الكلاب. يصف الشاعر ثورا وحشيا بأنه بات من الخوف الذي أدركه، والبرد الذي أصابه مبيت سوء، ومبيته على ذلك الحال يسر أعداءه.]] فَبَاتَ لَهُ ... طَوْعَ الشَّوَامِتِ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ صَرَدِ

(وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) أَيْ بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بَشَّرُوهُ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَتَوْا بِالْعَذَابِ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ.

(يُجادِلُنا) أَيْ يُجَادِلُ رُسُلَنَا، وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا بِأَمْرِهِ. وَهَذِهِ الْمُجَادَلَةُ رَوَاهَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ جُنْدُبٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا:" إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ [[راجع ج ١٣ ص ٣٤١ فما بعد.]] "قَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَثَلَاثُونَ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَعِشْرُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ فَإِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَةٌ- أَوْ خَمْسَةٌ شَكَّ حُمَيْدٌ- قَالُوا: لَا. قَالَ قَتَادَةُ: نَحْوًا مِنْهُ، قَالَ فَقَالَ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ: قَوْمٌ لَيْسَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ. وَقِيلَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَتُهْلِكُونَهَا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ:" إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ". وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: كَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ. ابْنُ جُرَيْجٍ. وَكَانَ فِي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ. وَمَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَالْكِسَائِيِّ أَنْ "يُجادِلُنا" فِي مَوْضِعِ "جادلنا". قال النحاس: لما كان جواب "فَلَمَّا" يَجِبْ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاضِي جُعِلَ الْمُسْتَقْبَلُ مَكَانَهُ، كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَجُعِلَ الْمَاضِي مَكَانَهُ. وَفِيهِ جَوَابٌ آخَرُ- أَنْ يَكُونَ "يُجادِلُنا" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ أَقْبَلَ يُجَادِلُنَا، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ.

(إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) تَقَدَّمَ فِي "بَرَاءَةٌ" [[راجع ج ٨ ص ٢٧٤.]] مَعْنَى "لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ". وَالْمُنِيبُ الرَّاجِعُ، يُقَالُ: أَنَابَ إِذَا رَجَعَ. وَإِبْرَاهِيمُ ﷺ كَانَ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا. وَقِيلَ: الْأَوَّاهُ الْمُتَأَوِّهُ أَسَفًا عَلَى مَا قَدْ فَاتَ قَوْمَ لُوطٍ مِنَ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أَيْ دَعْ عَنْكَ الْجِدَالَ فِي قَوْمِ لُوطٍ.

(إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) أَيْ عَذَابُهُ لَهُمْ.

(وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ) أَيْ نَازِلٌ بِهِمْ.

(عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) أَيْ غَيْرُ مَصْرُوفٍ عَنْهُمْ ولا مدفوع.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أَيِ الْخَوْفُ، يُقَالُ: ارْتَاعَ مِنْ كَذَا إِذَا خَافَ، قَالَ النَّابِغَةُ:

فَارْتَاعَ مِنْ صَوْتِ كَلَّابٍ [[الكلاب: صاحب الكلاب. يصف الشاعر ثورا وحشيا بأنه بات من الخوف الذي أدركه، والبرد الذي أصابه مبيت سوء، ومبيته على ذلك الحال يسر أعداءه.]] فَبَاتَ لَهُ ... طَوْعَ الشَّوَامِتِ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ صَرَدِ

(وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) أَيْ بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بَشَّرُوهُ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَتَوْا بِالْعَذَابِ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ.

(يُجادِلُنا) أَيْ يُجَادِلُ رُسُلَنَا، وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا بِأَمْرِهِ. وَهَذِهِ الْمُجَادَلَةُ رَوَاهَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ جُنْدُبٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا:" إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ [[راجع ج ١٣ ص ٣٤١ فما بعد.]] "قَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَثَلَاثُونَ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَعِشْرُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ فَإِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَةٌ- أَوْ خَمْسَةٌ شَكَّ حُمَيْدٌ- قَالُوا: لَا. قَالَ قَتَادَةُ: نَحْوًا مِنْهُ، قَالَ فَقَالَ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ: قَوْمٌ لَيْسَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ. وَقِيلَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَتُهْلِكُونَهَا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ:" إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ". وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: كَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ. ابْنُ جُرَيْجٍ. وَكَانَ فِي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ. وَمَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَالْكِسَائِيِّ أَنْ "يُجادِلُنا" فِي مَوْضِعِ "جادلنا". قال النحاس: لما كان جواب "فَلَمَّا" يَجِبْ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاضِي جُعِلَ الْمُسْتَقْبَلُ مَكَانَهُ، كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَجُعِلَ الْمَاضِي مَكَانَهُ. وَفِيهِ جَوَابٌ آخَرُ- أَنْ يَكُونَ "يُجادِلُنا" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ أَقْبَلَ يُجَادِلُنَا، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ.

(إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) تَقَدَّمَ فِي "بَرَاءَةٌ" [[راجع ج ٨ ص ٢٧٤.]] مَعْنَى "لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ". وَالْمُنِيبُ الرَّاجِعُ، يُقَالُ: أَنَابَ إِذَا رَجَعَ. وَإِبْرَاهِيمُ ﷺ كَانَ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا. وَقِيلَ: الْأَوَّاهُ الْمُتَأَوِّهُ أَسَفًا عَلَى مَا قَدْ فَاتَ قَوْمَ لُوطٍ مِنَ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أَيْ دَعْ عَنْكَ الْجِدَالَ فِي قَوْمِ لُوطٍ.

(إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) أَيْ عَذَابُهُ لَهُمْ.

(وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ) أَيْ نَازِلٌ بِهِمْ.

(عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) أَيْ غَيْرُ مَصْرُوفٍ عَنْهُمْ ولا مدفوع.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أَيِ الْخَوْفُ، يُقَالُ: ارْتَاعَ مِنْ كَذَا إِذَا خَافَ، قَالَ النَّابِغَةُ:

فَارْتَاعَ مِنْ صَوْتِ كَلَّابٍ [[الكلاب: صاحب الكلاب. يصف الشاعر ثورا وحشيا بأنه بات من الخوف الذي أدركه، والبرد الذي أصابه مبيت سوء، ومبيته على ذلك الحال يسر أعداءه.]] فَبَاتَ لَهُ ... طَوْعَ الشَّوَامِتِ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ صَرَدِ

(وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) أَيْ بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بَشَّرُوهُ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَتَوْا بِالْعَذَابِ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ.

(يُجادِلُنا) أَيْ يُجَادِلُ رُسُلَنَا، وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا بِأَمْرِهِ. وَهَذِهِ الْمُجَادَلَةُ رَوَاهَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ جُنْدُبٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا:" إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ [[راجع ج ١٣ ص ٣٤١ فما بعد.]] "قَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَثَلَاثُونَ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَعِشْرُونَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ فَإِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَةٌ- أَوْ خَمْسَةٌ شَكَّ حُمَيْدٌ- قَالُوا: لَا. قَالَ قَتَادَةُ: نَحْوًا مِنْهُ، قَالَ فَقَالَ يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ: قَوْمٌ لَيْسَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ. وَقِيلَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَتُهْلِكُونَهَا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ:" إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ". وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: كَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ. ابْنُ جُرَيْجٍ. وَكَانَ فِي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ. وَمَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَالْكِسَائِيِّ أَنْ "يُجادِلُنا" فِي مَوْضِعِ "جادلنا". قال النحاس: لما كان جواب "فَلَمَّا" يَجِبْ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاضِي جُعِلَ الْمُسْتَقْبَلُ مَكَانَهُ، كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَجُعِلَ الْمَاضِي مَكَانَهُ. وَفِيهِ جَوَابٌ آخَرُ- أَنْ يَكُونَ "يُجادِلُنا" فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ أَقْبَلَ يُجَادِلُنَا، وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ.

(إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) تَقَدَّمَ فِي "بَرَاءَةٌ" [[راجع ج ٨ ص ٢٧٤.]] مَعْنَى "لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ". وَالْمُنِيبُ الرَّاجِعُ، يُقَالُ: أَنَابَ إِذَا رَجَعَ. وَإِبْرَاهِيمُ ﷺ كَانَ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا. وَقِيلَ: الْأَوَّاهُ الْمُتَأَوِّهُ أَسَفًا عَلَى مَا قَدْ فَاتَ قَوْمَ لُوطٍ مِنَ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أَيْ دَعْ عَنْكَ الْجِدَالَ فِي قَوْمِ لُوطٍ.

(إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) أَيْ عَذَابُهُ لَهُمْ.

(وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ) أَيْ نَازِلٌ بِهِمْ.

(عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) أَيْ غَيْرُ مَصْرُوفٍ عَنْهُمْ ولا مدفوع.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ لَمَّا خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَرْيَةِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ بصرت بنتا لوط- وهما تستقيان- بالملائكة وَرَأَتَا هَيْئَةً حَسَنَةً، فَقَالَتَا: مَا شَأْنُكُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ مَوْضِعِ كَذَا نُرِيدُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ قَالَتَا: فَإِنَّ أَهْلَهَا أَصْحَابُ الْفَوَاحِشِ، فَقَالُوا: أَبِهَا مَنْ يُضَيِّفنَا؟ قَالَتَا: نَعَمْ! هَذَا الشَّيْخُ وَأَشَارَتَا إِلَى لُوطٍ، فَلَمَّا رَأَى لُوطٌ هيئتهم خاف قومه عليهم.

(سِيءَ بِهِمْ) أَيْ سَاءَهُ مَجِيئُهُمْ، يُقَالُ: سَاءَ يَسُوءُ فَهُوَ لَازِمٌ، وَسَاءَهُ يَسُوءُهُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ أَيْضًا، وَإِنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ السِّينَ، لِأَنَّ أَصْلَهَا الضَّمُّ، وَالْأَصْلَ سُوِئَ بِهِمْ مِنَ السُّوءِ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ عَلَى السِّينِ فَانْقَلَبَتْ يَاءً، وَإِنْ خُفِّفَتِ الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: "سي بِهِمْ" مُخَفَّفًا، وَلُغَةٌ شَاذَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ.

(وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أَيْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَجِيئِهِمْ وَكَرِهَهُ. وَقِيلَ: ضَاقَ وُسْعُهُ وَطَاقَتُهُ. وَأَصْلُهُ أَنْ يَذْرَعَ الْبَعِيرَ بِيَدَيْهِ فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلَى قَدْرِ سِعَةِ خطوه، فإذ حُمِلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ طَوْقِهِ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ، وَضَعُفَ وَمَدَّ عُنُقَهُ، فَضِيقُ الذَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ضِيقِ الْوُسْعِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَيْ غَلَبَهُ، أَيْ ضَاقَ عَنْ حَبْسِهِ الْمَكْرُوهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا ضَاقَ ذَرْعَهُ بِهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَمَالِهِمْ، وَمَا يَعْلَمُ مِنْ فِسْقِ قَوْمِهِ.

(وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أَيْ شَدِيدٌ فِي الشَّرِّ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَإِنَّكَ إِلَّا تُرْضِ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالْعِرَاقِ عَصِيبٌ

وَقَالَ آخَرُ:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا ... عَصْبَ الْقَوِيِّ السَّلَمِ الطِّوَالَا

وَيُقَالُ: عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ عَلَى التَّكْثِيرِ، أَيْ مَكْرُوهٌ مُجْتَمِعُ الشَّرِّ وَقَدْ. عَصَبَ، أَيْ عَصَبَ بِالشَّرِّ عِصَابَةً، وَمِنْهُ قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعوا الْكَلِمَةِ، أَيْ مُجْتَمِعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَعُصْبَةُ الرَّجُلِ الْمُجْتَمِعُونَ مَعَهُ فِي النَّسَبِ، وَتَعَصَّبْتُ لِفُلَانٍ صِرْتُ كَعَصَبَتِهِ، وَرَجُلٍ مَعْصُوبٍ [[في مفردات الراغب: ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة (.)]]، أَيْ مُجْتَمِعُ الْخَلْقِ.

(قَوْلُهُ تعالى:) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. "يُهْرَعُونَ" أَيْ يُسْرِعُونَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَا يَكُونُ الْإِهْرَاعُ إِلَّا إِسْرَاعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقَالُ: أَهْرَعَ الرَّجُلُ إِهْرَاعًا أَيْ أَسْرَعَ فِي رِعْدَةٍ مِنْ بَرْدٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ حُمَّى، وَهُوَ مهرع، قال مهلهل: فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى ... نَقُودُهُمْ عَلَى رَغْمِ الْأُنُوفِ

وَقَالَ آخَرُ:

بِمُعْجَلَاتٍ نَحْوَهُ مَهَارِعَ

وَهَذَا مِثْلُ: أُولِعَ فُلَانٌ بِالْأَمْرِ، وَأُرْعِدَ زَيْدٌ. وَزُهِيَ فُلَانٌ وَتَجِيءُ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَقِيلَ: أُهْرِعَ أَيْ أَهْرَعَهُ حِرْصُهُ، وَعَلَى هَذَا "يُهْرَعُونَ" أَيْ يَسْتَحِثُّونَ عَلَيْهِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ إِلَّا أُهْرِعَ الرَّجُلُ أَيْ أَسْرَعَ، عَلَى لَفْظٍ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ: هُرِعَ الْإِنْسَانُ هَرَعًا، وَأُهْرِعَ: سِيقَ وَاسْتُعْجِلَ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ: هُرِعَ الرَّجُلُ وَأُهْرِعَ أَيِ اسْتُحِثَّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: "يُهْرَعُونَ" يُهَرْوِلُونَ. الضَّحَّاكُ: يَسْعَوْنَ. ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ. وَقَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ مَشْيٌ بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ وَالْجَمَزَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَشْيٌ بَيْنَ مَشْيَيْنِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْرَاعِهِمْ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ الْكَافِرَةَ، لَمَّا رَأَتِ الْأَضْيَافَ وَجَمَالَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ، خَرَجَتْ حَتَّى أَتَتْ مَجَالِسَ قَوْمِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّ لُوطًا قَدْ أَضَافَ اللَّيْلَةَ فِتْيَةً مَا رُئِيَ مِثْلُهُمْ جَمَالًا، وَكَذَا وَكَذَا، فَحِينَئِذٍ جَاءُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَيُذْكَرُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَلَدِ لُوطٍ وَجَدُوا لُوطًا فِي حَرْثٍ لَهُ. وَقِيلَ: وَجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي مَاءً مِنْ نَهْرِ سَدُومَ، فَسَأَلُوهَا الدَّلَالَةَ عَلَى مَنْ يُضَيِّفُهُمْ، وَرَأَتْ هَيْئَتَهُمْ فَخَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، وَقَالَتْ لَهُمْ: مَكَانُكُمْ! وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تُضَيِّفَنَا اللَّيْلَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أومأ سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالُوا: وَمَا عَمَلُهُمْ؟ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَشَرُّ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ- وَقَدْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ لَا تُعَذِّبُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ- فَلَمَّا قَالَ لُوطٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ حَتَّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهَادَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ وَمِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ لُوطٍ.

(كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) أَيْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ إِتْيَانَ الرِّجَالِ. فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: (هؤُلاءِ بَناتِي) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: "هؤُلاءِ بَناتِي" فَقِيلَ: كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ صُلْبِهِ. وَقِيلَ: بِنْتَانِ، زَيْتَا [[كذا في الأصول والآلوسى، وفى الطبري: رثيا.]] وَزَعْوَرَاءُ، فَقِيلَ: كَانَ لَهُمْ سَيِّدَانِ مُطَاعَانِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُمَا ابْنَتَيْهِ. وَقِيلَ: نَدَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى النِّكَاحِ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ جَوَازُ نِكَاحِ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ، فَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنْتًا لَهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَا كَافِرَيْنِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ- مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ- أَشَارَ بِقَوْلِهِ: "بَناتِي" إِلَى النِّسَاءِ جُمْلَةً، إِذْ نَبِيُّ الْقَوْمِ أَبٌ لَهُمْ، وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ." النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم [الأحزاب: ٦]. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ مُدَافَعَةً وَلَمْ يُرِدْ إِمْضَاءَهُ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنْهَى عَنْ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ: الْخِنْزِيرُ أَحَلُّ لَكَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ بَنَاتِهِ وَلَا بَنَاتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِيَنْصَرِفُوا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ أُزَوِّجُكُمُوهُنَّ، فَهُوَ أَطْهَرُ لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ، أَيْ أَحَلُّ. وَالتَّطَهُّرُ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَأَرَادَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ يَفْدِيَ أَضْيَافَهُ بِبَنَاتِهِ. وَلَيْسَ أَلِفُ "أَطْهَرُ" لِلتَّفْضِيلِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ فِي نِكَاحِ [الرِّجَالِ [[في الأصل (النساء) وهو تحريف.]]] طَهَارَةً، بَلْ هُوَ كَقَوْلِكَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ، وَإِنْ لم يكن تفضيل، وَهَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ [[في ع: سائغ.]] فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُكَابِرِ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرَ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ [[أي أظهر دينك.]] اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "قُلِ اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". وَهُبَلُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَالِيًا وَلَا جَلِيلًا. وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى بْنُ عَمْرٍو "هُنَّ أَطْهَرَ" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ. وَ "هُنَّ" عِمَادُ. وَلَا يُجِيزُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشُ أَنْ يَكُونَ "هُنَّ" هَاهُنَا عِمَادًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِمَادًا فِيمَا لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِمَا بَعْدَهَا، نَحْوُ كَانَ زَيْدٌ هُوَ أَخَاكَ، لِتَدُلَّ بِهَا على أن الأخ ليس بنعت.

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَعْرِفَةٌ أَوْ مَا قَارَنَهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ لَا تُهِينُونِي وَلَا تُذِلُّونِي. وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:

فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبَ بْنَ مَالِكٍ ... وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إِحْدَى الصَّوَاعِقِ

مَدَدْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا ... وَدَمَّيْتَ فَاهُ قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ

ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، وَالْخَجَلُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

خَزَايَةٌ [[.

(خزاية) أي من الخزاية. والحبل هو حبل الرمل. والكلام في وصف ثور وحشي تطارده الكلاب. وقبله:

حتى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب

يعنى أن الثور أنف من الهرب فرجع إلى الكلاب.]] أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ... مِنْ جَانِبِ الْحَبْلِ مَخْلُوطًا بِهَا الْغَضَبُ

وَقَالَ آخَرُ:

مِنَ الْبِيضِ لَا تَخْزَى إِذَا الرِّيحُ أَلْصَقَتْ ... بِهَا مِرْطَهَا أَوْ زَايَلَ الْحَلْيُ جِيدَهَا

وَضَيْفٌ يَقَعُ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفَارَ الْجَازِرِ ... لِلضَّيْفِ وَالضَّيْفُ أَحَقُّ زَائِرِ

وَيَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ كَقَوْلِكَ: رِجَالٌ صَوْمٌ وَفِطْرٌ وَزَوْرٌ. وَخَزِيَ الرَّجُلُ خَزَايَةً، أَيِ اسْتَحْيَا مِثْلُ ذَلَّ وَهَانَ. وَخَزِيَ خِزْيًا إِذَا افْتَضَحَ، يَخْزَى فِيهِمَا جَمِيعًا. ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِقَوْلِهِ: "(أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) " أَيْ شَدِيدٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: "رَشِيدٌ" أَيْ ذُو رُشْدٍ. أَوْ بِمَعْنَى رَاشِدٍ أَوْ مُرْشِدٍ، أَيْ صَالِحٌ أَوْ مُصْلِحٌ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُؤْمِنٌ. أَبُو مَالِكٍ: نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: الرَّشِيدُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ، وَالرُّشْدُ وَالرَّشَادُ الهدى والاستقامة. ويجوز أي يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُرْشِدِ، كَالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ رُوِيَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَرَدَّهُمْ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، فذلك قوله تعالى: "قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ" وَبَعُدَ أَلَّا تَكُونَ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ. فَوَجْهُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ، لَنَا إِلَى بَنَاتِكَ تَعَلُّقٌ، وَلَا هُنَّ قَصْدُنَا، وَلَا لَنَا عَادَةٌ نَطْلُبُ ذَلِكَ.

(وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْأَضْيَافِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لَمَّا رَأَى اسْتِمْرَارَهُمْ فِي غَيِّهِمْ، وَضَعُفَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِمْ، تَمَنَّى لَوْ وَجَدَ عَوْنًا عَلَى رَدِّهِمْ، فَقَالَ عَلَى جِهَةِ التَّفَجُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ.: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَيْ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ الْوَلَدَ. وَ "أَنَّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أَوْ وَقَعَ. وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي "أَنَّ" التَّابِعَةَ لِ "لَوْ". وَجَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أَيْ لَرَدَدْتُ أَهْلَ الْفَسَادِ، وَحُلْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ.

(أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أَيْ أَلْجَأُ وَأَنْضَوِي. وقرى "أَوْ آوِيَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى "قُوَّةً" كَأَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَوْ إِيوَاءً إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أَيْ وَأَنْ آوِيَ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ "أَنْ". وَمُرَادُ لُوطٍ بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَةُ، وَالْمَنَعَةُ بِالْكَثْرَةِ. وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَجِدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَقَالُوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٢٩٨.]]. وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ "مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَالثَّرْوَةُ الْكَثْرَةُ وَالْمَنَعَةُ، حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَيُرْوَى أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا غَلَبَهُ قَوْمُهُ، وَهَمُّوا بِكَسْرِ الْبَابِ وَهُوَ يُمْسِكُهُ، قَالَتْ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ الْبَابِ، فَتَنَحَّى وَانْفَتَحَ الْبَابُ، فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، وَعَمُوا وَانْصَرَفُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٣.]] [القمر: ٣٧]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَغْلَقَ لُوطٌ بَابَهُ وَالْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُنَاظِرُ قَوْمَهُ وَيُنَاشِدُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا لَقِيَ مِنَ الْجَهْدِ وَالْكَرْبِ وَالنَّصَبِ بِسَبَبِهِمْ، قَالُوا: يَا لُوطُ إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غير مردود، وَإِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ، فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ، فَفَتَحَ الْبَابَ فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَذْرَاهَا فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَوْصَلَ اللَّهُ إِلَى عَيْنِ مَنْ بَعُدَ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابَ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، وَلَا اهْتَدَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا هُمْ أَسْحَرُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَحَرُونَا فَأَعْمَوْا أَبْصَارَنَا. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى نُصْبِحَ فَسَتَرَى، يَتَوَعَّدُونَهُ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) لَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ حُزْنَهُ وَاضْطِرَابَهُ وَمُدَافَعَتَهُ عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُلٌ مَكَّنَ قَوْمَهُ مِنَ الدُّخُولِ، فَأَمَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدَهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَعَمُوا، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ فَجَفَّتْ.

(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) أَيْ بِمَكْرُوهٍ (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) قُرِئَ "فَأَسْرِ" بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَقَطْعِهَا، لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾[[راجع ج ٢٠ ص ٤٢.]] [الفجر: ٤] وقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٠٤.]] [الإسراء: ١] وَقَالَ النَّابِغَةُ: فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ:

أَسْرَتْ [[ويروى (سرت). يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها بالجوزاء.]] عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشِّمَالُ عليه جامد الْبَرَدِ

وَقَالَ آخَرُ:

حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الْخِدْرِ ... أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي

وَقَدْ قِيلَ: "فَأَسْرِ" بالقطع إذا سار من أول الليل، وَسَرَى إِذَا سَارَ مِنْ آخِرِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إِلَّا سَارَ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

إِذَا الْمَرْءُ أَسْرَى لَيْلَةً ظَنَّ أَنَّهُ ... قَضَى عَمَلًا وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ عَامِلُ

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:

عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ... وَتَنْجَلِي عَنْهُمْ غَيَابَاتُ الْكَرَى

(بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. الضَّحَّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ. قَتَادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنَ اللَّيْلِ. الْأَخْفَشُ: بَعْدَ جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقيل: هزيع مِنَ اللَّيْلِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعر [[هو مالك بن كنانه.]]:

ونائحة تنوح بقطع ليل ... على رجل بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ

فَإِنْ قِيلَ: السُّرَى لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ، فَمَا مَعْنَى "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ"؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ" جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُ.

(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أَيْ لَا يَنْظُرُ وَرَاءَهُ مِنْكُمْ أحد، قال مُجَاهِدٌ. ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: لَا يَشْتَغِلُ مِنْكُمْ أَحَدٌ بِمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ.

(إِلَّا امْرَأَتَكَ) بِالنَّصْبِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيِّنَةُ الْمَعْنَى، أَيْ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ. وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ" فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْأَهْلِ. وَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْرُجْ بِهَا مَعَهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢٤١.]] [الأعراف: ٨٣] أَيْ مِنَ الْبَاقِينَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: "إِلَّا امْرَأَتُكُ" بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "أَحَدٌ". وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ "يَلْتَفِتْ" وَيَكُونُ نَعْتًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ- إِذَا أُبْدِلَتْ وَجُزِمَتْ- أَنَّ الْمَرْأَةَ أُبِيحَ لَهَا الِالْتِفَاتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ أَبِي عَمْرٍو مَعَ جَلَالَتِهِ وَمَحَلِّهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَالتَّأْوِيلُ لَهُ عَلَى مَا حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِحَاجِبِهِ: لَا يَخْرُجْ فُلَانٌ، فَلَفْظُ النَّهْيِ لِفُلَانٍ وَمَعْنَاهُ لِلْمُخَاطَبِ، أَيْ لَا تَدَعْهُ يَخْرُجُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: لَا يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، يَكُونُ مَعْنَاهُ: انْهَهُمْ عَنِ الْقِيَامِ إِلَّا زَيْدًا، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ لِلُوطٍ وَلَفْظُهُ لِغَيْرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: انْهَهُمْ لَا يَلْتَفِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ، أَيْ لَا يَلْتَفِتُ، مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ فَإِنَّهَا تَلْتَفِتُ وَتَهْلَكُ، وَأَنَّ لُوطًا خَرَجَ بِهَا، وَنَهَى مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَلَّا يَلْتَفِتَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهَا لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر فقتلها.

(إِنَّهُ مُصِيبُها) أَيْ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إلى الأمر والشأن، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ وَالْقِصَّةَ.

(مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) لَمَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قَالَ لُوطٌ: الْآنَ الْآنَ. اسْتَعْجَلَهُمْ بِالْعَذَابِ لِغَيْظِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالُوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "أَلَيْسَ الصُّبُحُ" بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الصُّبْحَ مِيقَاتًا لِهَلَاكِهِمْ، لِأَنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أَوْدَعُ، وَالنَّاسَ فِيهِ أَجْمَعُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ مَلَائِكَةً مَعَهُمْ صَوْتُ رَعْدٍ، وَخَطْفُ بَرْقٍ، وَصَوَاعِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ أَنَّ لُوطًا سَيَخْرُجُ فَلَا تُؤْذُوهُ، وَأَمَارَتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ، وَلَا تَلْتَفِتُ ابْنَتَاهُ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَا تَرَى. فَخَرَجَ لُوطٌ وَطَوَى اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ فِي وَقْتِهِ حَتَّى نَجَا وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أَيْ عَذَابُنَا.

(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، وَهِيَ خَمْسٌ: سَدُومُ- وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى،- وَعَامُورَا، وَدَادُومَا، وضعوه، وَقَتَمُ [[وفى ع وز وك: قاموارا ورادما وصعو، وفى ضبط هذه القرى اختلاف.]]، فَرَفَعَهَا مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ حَتَّى أَدْنَاهَا مِنَ السَّمَاءِ بما في فِيهَا، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نَهِيقَ حُمُرِهِمْ وَصِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ، لَمْ تَنْكَفِئْ لَهُمْ جَرَّةٌ، وَلَمْ ينكسر [[في ى: ينكشف.]] لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وَأَتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالْحِجَارَةِ. مُقَاتِلٌ. أُهْلِكَتْ أَرْبَعَةٌ، وَنَجَتْ ضعوه. وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تعالى: (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ حُكْمُهُ الرَّجْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٣.]]. وَفِي التَّفْسِيرِ: أَمْطَرْنَا فِي الْعَذَابِ، وَمَطَرْنَا فِي الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْعَرَبِ فَيُقَالُ: مَطَرَتِ السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في "سِجِّيلٍ" فَقَالَ النَّحَّاسُ [[كذا في ا، وفى ز وع وك وووى: (البخاري).]]: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ، وَسِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ، وَأَنْشَدَ [[سيأتي البيت بتمامه في ص ٨٣.]]

ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينًا قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وَقَالَ: هَذَا سِجِّينٌ وَذَلِكَ سِجِّيلٌ فَكَيْفَ يُسْتَشْهَدُ بِهِ؟! قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الرَّدُّ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تُبْدَلُ مِنَ النُّونِ لِقُرْبِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ يُرَدُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ لَكَانَ حِجَارَةً سِجِّيلًا، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ، لِأَنَّ شَدِيدًا نَعْتٌ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِحِجَارَةِ الْأَرْحَاءِ سِجِّيلٌ. وَحَكَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ أَنَّ سِجِّيلًا طِينٌ يُطْبَخُ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْحَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ سِجِّيلًا لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ عُرِّبَتْ، أَصْلُهَا سنج وجيل. وَيُقَالُ: سنك وكيل، بِالْكَافِ مَوْضِعَ الْجِيمِ، وَهُمَا بِالْفَارِسِيَّةِ حَجَرٌ وَطِينٌ عَرَّبَتْهُمَا الْعَرَبُ فَجَعَلَتْهُمَا اسْمًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: السِّجِّيلُ الطِّينُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٤٧.]] [الذاريات: ٣٣]. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ. وَالسِّجِّيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلُّ شَدِيدٍ صُلْبٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْآجُرَّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: طِينٌ طُبِخَ حَتَّى كَانَ كَالْآجُرِّ، وَعَنْهُ أَنَّ سِجِّيلًا اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وَصْفُهُ بِ "مَنْضُودٍ". وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْهُ نَزَلَتِ الْحِجَارَةُ. وَقِيلَ: هِيَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾[[راجع ج ١٢ ص ٢٨٩.]] [النور: ٤٣]. وَقِيلَ: هُوَ مِمَّا سُجِّلَ لَهُمْ أَيْ كُتِبَ لَهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ، فَهُوَ فِي مَعْنَى سِجِّينٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٢٥٤.]] [المطففين: ٨] قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَاخْتَارَهُ. وَقِيلَ: هُوَ فِعِّيلٌ مِنْ أَسْجَلْتُهُ أَيْ أَرْسَلْتُهُ، فَكَأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَسْجَلْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ، فَكَأَنَّهُ عَذَابٌ أُعْطُوهُ، قَالَ [[البيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب. واصل المساجلة. أن يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الآخر فأيهما نكل فقد غلب، فضربته مثلا العرب للمفاخرة. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين وهو الحبل الأول.]]:

مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... يَمْلَأُ الدلو إلى عقد الكرب

وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: السِّجِّيلُ وَالسِّجِّينُ الشَّدِيدُ مِنَ الْحَجَرِ وَالضَّرْبِ، قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً [[وروى في اللسان: (يضربون البيض عن عرض).]] ... ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا

(مَنْضُودٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُتَتَابِعٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نُضِدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: نُضِدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَ جَسَدًا وَاحِدًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَصْفُوفٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَرْصُوصٌ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. يُقَالُ: نَضَدْتُ الْمَتَاعَ وَاللَّبَنَ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهُوَ مَنْضُودٌ وَنَضِيدٌ وَنَضَدٌ، قَالَ:

وَرَفَّعَتْهُ إِلَى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: مُعَدٌّ، أَيْ هُوَ مِمَّا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ الظَّلَمَةِ.

(مُسَوَّمَةً) أَيْ مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ كَانَ عَلَيْهَا أَمْثَالُ الْخَوَاتِيمِ. وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ، وَكَانَتْ لَا تُشَاكِلُ حِجَارَةَ الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بِحُمْرَةٍ وَسَوَادٍ فِي بَيَاضٍ، فَذَلِكَ تَسْوِيمُهَا. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتْ مُعَلَّمَةً بِبَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ، وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله، وبعده:

كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر

وقوله: (له سيماء لا تشق على البصر) أي يفرح به من يراه.]]:

غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ

وَ "مُسَوَّمَةً" مِنْ نَعْتِ حِجَارَةٍ. وَ "مَنْضُودٍ" مِنْ نَعْتِ "سِجِّيلٍ". وَفِي قَوْلِهِ: (عِنْدَ رَبِّكَ) " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الْأَرْضِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ، أَيْ لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرْهِبُ قُرَيْشًا، الْمَعْنَى: مَا الْحِجَارَةُ مِنْ ظَالِمِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ بِبَعِيدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهِ مَا أَجَارَ اللَّهُ مِنْهَا ظَالِمًا بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجَالُهُمْ بِالرِّجَالِ وَنِسَاؤُهُمْ بِالنِّسَاءِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْتَقِبُوا عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ" ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ".

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ "لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَسْتَحِلَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَدْبَارَ الرِّجَالِ كَمَا اسْتَحَلُّوا أَدْبَارَ النِّسَاءِ فَتُصِيبُ طَوَائِفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ حِجَارَةٌ مِنْ رَبِّكَ". وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا هَذِهِ الْقُرَى مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، وَهِيَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ. وَجَاءَ "بِبَعِيدٍ" مُذَكَّرًا عَلَى مَعْنَى بِمَكَانٍ بَعِيدٍ. وَفِي الْحِجَارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى الْمُدُنِ حِينَ رَفَعَهَا جِبْرِيلُ. الثَّانِي- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُدُنِ مِنْ أَهْلِهَا وكان خارجا عنها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ لَمَّا خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَرْيَةِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ بصرت بنتا لوط- وهما تستقيان- بالملائكة وَرَأَتَا هَيْئَةً حَسَنَةً، فَقَالَتَا: مَا شَأْنُكُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ مَوْضِعِ كَذَا نُرِيدُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ قَالَتَا: فَإِنَّ أَهْلَهَا أَصْحَابُ الْفَوَاحِشِ، فَقَالُوا: أَبِهَا مَنْ يُضَيِّفنَا؟ قَالَتَا: نَعَمْ! هَذَا الشَّيْخُ وَأَشَارَتَا إِلَى لُوطٍ، فَلَمَّا رَأَى لُوطٌ هيئتهم خاف قومه عليهم.

(سِيءَ بِهِمْ) أَيْ سَاءَهُ مَجِيئُهُمْ، يُقَالُ: سَاءَ يَسُوءُ فَهُوَ لَازِمٌ، وَسَاءَهُ يَسُوءُهُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ أَيْضًا، وَإِنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ السِّينَ، لِأَنَّ أَصْلَهَا الضَّمُّ، وَالْأَصْلَ سُوِئَ بِهِمْ مِنَ السُّوءِ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ عَلَى السِّينِ فَانْقَلَبَتْ يَاءً، وَإِنْ خُفِّفَتِ الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: "سي بِهِمْ" مُخَفَّفًا، وَلُغَةٌ شَاذَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ.

(وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أَيْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَجِيئِهِمْ وَكَرِهَهُ. وَقِيلَ: ضَاقَ وُسْعُهُ وَطَاقَتُهُ. وَأَصْلُهُ أَنْ يَذْرَعَ الْبَعِيرَ بِيَدَيْهِ فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلَى قَدْرِ سِعَةِ خطوه، فإذ حُمِلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ طَوْقِهِ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ، وَضَعُفَ وَمَدَّ عُنُقَهُ، فَضِيقُ الذَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ضِيقِ الْوُسْعِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَيْ غَلَبَهُ، أَيْ ضَاقَ عَنْ حَبْسِهِ الْمَكْرُوهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا ضَاقَ ذَرْعَهُ بِهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَمَالِهِمْ، وَمَا يَعْلَمُ مِنْ فِسْقِ قَوْمِهِ.

(وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أَيْ شَدِيدٌ فِي الشَّرِّ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَإِنَّكَ إِلَّا تُرْضِ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالْعِرَاقِ عَصِيبٌ

وَقَالَ آخَرُ:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا ... عَصْبَ الْقَوِيِّ السَّلَمِ الطِّوَالَا

وَيُقَالُ: عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ عَلَى التَّكْثِيرِ، أَيْ مَكْرُوهٌ مُجْتَمِعُ الشَّرِّ وَقَدْ. عَصَبَ، أَيْ عَصَبَ بِالشَّرِّ عِصَابَةً، وَمِنْهُ قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعوا الْكَلِمَةِ، أَيْ مُجْتَمِعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَعُصْبَةُ الرَّجُلِ الْمُجْتَمِعُونَ مَعَهُ فِي النَّسَبِ، وَتَعَصَّبْتُ لِفُلَانٍ صِرْتُ كَعَصَبَتِهِ، وَرَجُلٍ مَعْصُوبٍ [[في مفردات الراغب: ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة (.)]]، أَيْ مُجْتَمِعُ الْخَلْقِ.

(قَوْلُهُ تعالى:) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. "يُهْرَعُونَ" أَيْ يُسْرِعُونَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَا يَكُونُ الْإِهْرَاعُ إِلَّا إِسْرَاعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقَالُ: أَهْرَعَ الرَّجُلُ إِهْرَاعًا أَيْ أَسْرَعَ فِي رِعْدَةٍ مِنْ بَرْدٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ حُمَّى، وَهُوَ مهرع، قال مهلهل: فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى ... نَقُودُهُمْ عَلَى رَغْمِ الْأُنُوفِ

وَقَالَ آخَرُ:

بِمُعْجَلَاتٍ نَحْوَهُ مَهَارِعَ

وَهَذَا مِثْلُ: أُولِعَ فُلَانٌ بِالْأَمْرِ، وَأُرْعِدَ زَيْدٌ. وَزُهِيَ فُلَانٌ وَتَجِيءُ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَقِيلَ: أُهْرِعَ أَيْ أَهْرَعَهُ حِرْصُهُ، وَعَلَى هَذَا "يُهْرَعُونَ" أَيْ يَسْتَحِثُّونَ عَلَيْهِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ إِلَّا أُهْرِعَ الرَّجُلُ أَيْ أَسْرَعَ، عَلَى لَفْظٍ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ: هُرِعَ الْإِنْسَانُ هَرَعًا، وَأُهْرِعَ: سِيقَ وَاسْتُعْجِلَ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ: هُرِعَ الرَّجُلُ وَأُهْرِعَ أَيِ اسْتُحِثَّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: "يُهْرَعُونَ" يُهَرْوِلُونَ. الضَّحَّاكُ: يَسْعَوْنَ. ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ. وَقَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ مَشْيٌ بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ وَالْجَمَزَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَشْيٌ بَيْنَ مَشْيَيْنِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْرَاعِهِمْ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ الْكَافِرَةَ، لَمَّا رَأَتِ الْأَضْيَافَ وَجَمَالَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ، خَرَجَتْ حَتَّى أَتَتْ مَجَالِسَ قَوْمِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّ لُوطًا قَدْ أَضَافَ اللَّيْلَةَ فِتْيَةً مَا رُئِيَ مِثْلُهُمْ جَمَالًا، وَكَذَا وَكَذَا، فَحِينَئِذٍ جَاءُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَيُذْكَرُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَلَدِ لُوطٍ وَجَدُوا لُوطًا فِي حَرْثٍ لَهُ. وَقِيلَ: وَجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي مَاءً مِنْ نَهْرِ سَدُومَ، فَسَأَلُوهَا الدَّلَالَةَ عَلَى مَنْ يُضَيِّفُهُمْ، وَرَأَتْ هَيْئَتَهُمْ فَخَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، وَقَالَتْ لَهُمْ: مَكَانُكُمْ! وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تُضَيِّفَنَا اللَّيْلَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أومأ سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالُوا: وَمَا عَمَلُهُمْ؟ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَشَرُّ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ- وَقَدْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ لَا تُعَذِّبُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ- فَلَمَّا قَالَ لُوطٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ حَتَّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهَادَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ وَمِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ لُوطٍ.

(كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) أَيْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ إِتْيَانَ الرِّجَالِ. فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: (هؤُلاءِ بَناتِي) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: "هؤُلاءِ بَناتِي" فَقِيلَ: كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ صُلْبِهِ. وَقِيلَ: بِنْتَانِ، زَيْتَا [[كذا في الأصول والآلوسى، وفى الطبري: رثيا.]] وَزَعْوَرَاءُ، فَقِيلَ: كَانَ لَهُمْ سَيِّدَانِ مُطَاعَانِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُمَا ابْنَتَيْهِ. وَقِيلَ: نَدَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى النِّكَاحِ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ جَوَازُ نِكَاحِ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ، فَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنْتًا لَهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَا كَافِرَيْنِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ- مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ- أَشَارَ بِقَوْلِهِ: "بَناتِي" إِلَى النِّسَاءِ جُمْلَةً، إِذْ نَبِيُّ الْقَوْمِ أَبٌ لَهُمْ، وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ." النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم [الأحزاب: ٦]. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ مُدَافَعَةً وَلَمْ يُرِدْ إِمْضَاءَهُ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنْهَى عَنْ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ: الْخِنْزِيرُ أَحَلُّ لَكَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ بَنَاتِهِ وَلَا بَنَاتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِيَنْصَرِفُوا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ أُزَوِّجُكُمُوهُنَّ، فَهُوَ أَطْهَرُ لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ، أَيْ أَحَلُّ. وَالتَّطَهُّرُ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَأَرَادَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ يَفْدِيَ أَضْيَافَهُ بِبَنَاتِهِ. وَلَيْسَ أَلِفُ "أَطْهَرُ" لِلتَّفْضِيلِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ فِي نِكَاحِ [الرِّجَالِ [[في الأصل (النساء) وهو تحريف.]]] طَهَارَةً، بَلْ هُوَ كَقَوْلِكَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ، وَإِنْ لم يكن تفضيل، وَهَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ [[في ع: سائغ.]] فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُكَابِرِ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرَ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ [[أي أظهر دينك.]] اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "قُلِ اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". وَهُبَلُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَالِيًا وَلَا جَلِيلًا. وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى بْنُ عَمْرٍو "هُنَّ أَطْهَرَ" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ. وَ "هُنَّ" عِمَادُ. وَلَا يُجِيزُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشُ أَنْ يَكُونَ "هُنَّ" هَاهُنَا عِمَادًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِمَادًا فِيمَا لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِمَا بَعْدَهَا، نَحْوُ كَانَ زَيْدٌ هُوَ أَخَاكَ، لِتَدُلَّ بِهَا على أن الأخ ليس بنعت.

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَعْرِفَةٌ أَوْ مَا قَارَنَهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ لَا تُهِينُونِي وَلَا تُذِلُّونِي. وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:

فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبَ بْنَ مَالِكٍ ... وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إِحْدَى الصَّوَاعِقِ

مَدَدْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا ... وَدَمَّيْتَ فَاهُ قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ

ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، وَالْخَجَلُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

خَزَايَةٌ [[.

(خزاية) أي من الخزاية. والحبل هو حبل الرمل. والكلام في وصف ثور وحشي تطارده الكلاب. وقبله:

حتى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب

يعنى أن الثور أنف من الهرب فرجع إلى الكلاب.]] أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ... مِنْ جَانِبِ الْحَبْلِ مَخْلُوطًا بِهَا الْغَضَبُ

وَقَالَ آخَرُ:

مِنَ الْبِيضِ لَا تَخْزَى إِذَا الرِّيحُ أَلْصَقَتْ ... بِهَا مِرْطَهَا أَوْ زَايَلَ الْحَلْيُ جِيدَهَا

وَضَيْفٌ يَقَعُ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفَارَ الْجَازِرِ ... لِلضَّيْفِ وَالضَّيْفُ أَحَقُّ زَائِرِ

وَيَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ كَقَوْلِكَ: رِجَالٌ صَوْمٌ وَفِطْرٌ وَزَوْرٌ. وَخَزِيَ الرَّجُلُ خَزَايَةً، أَيِ اسْتَحْيَا مِثْلُ ذَلَّ وَهَانَ. وَخَزِيَ خِزْيًا إِذَا افْتَضَحَ، يَخْزَى فِيهِمَا جَمِيعًا. ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِقَوْلِهِ: "(أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) " أَيْ شَدِيدٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: "رَشِيدٌ" أَيْ ذُو رُشْدٍ. أَوْ بِمَعْنَى رَاشِدٍ أَوْ مُرْشِدٍ، أَيْ صَالِحٌ أَوْ مُصْلِحٌ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُؤْمِنٌ. أَبُو مَالِكٍ: نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: الرَّشِيدُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ، وَالرُّشْدُ وَالرَّشَادُ الهدى والاستقامة. ويجوز أي يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُرْشِدِ، كَالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ رُوِيَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَرَدَّهُمْ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، فذلك قوله تعالى: "قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ" وَبَعُدَ أَلَّا تَكُونَ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ. فَوَجْهُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ، لَنَا إِلَى بَنَاتِكَ تَعَلُّقٌ، وَلَا هُنَّ قَصْدُنَا، وَلَا لَنَا عَادَةٌ نَطْلُبُ ذَلِكَ.

(وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْأَضْيَافِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لَمَّا رَأَى اسْتِمْرَارَهُمْ فِي غَيِّهِمْ، وَضَعُفَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِمْ، تَمَنَّى لَوْ وَجَدَ عَوْنًا عَلَى رَدِّهِمْ، فَقَالَ عَلَى جِهَةِ التَّفَجُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ.: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَيْ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ الْوَلَدَ. وَ "أَنَّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أَوْ وَقَعَ. وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي "أَنَّ" التَّابِعَةَ لِ "لَوْ". وَجَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أَيْ لَرَدَدْتُ أَهْلَ الْفَسَادِ، وَحُلْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ.

(أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أَيْ أَلْجَأُ وَأَنْضَوِي. وقرى "أَوْ آوِيَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى "قُوَّةً" كَأَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَوْ إِيوَاءً إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أَيْ وَأَنْ آوِيَ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ "أَنْ". وَمُرَادُ لُوطٍ بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَةُ، وَالْمَنَعَةُ بِالْكَثْرَةِ. وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَجِدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَقَالُوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٢٩٨.]]. وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ "مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَالثَّرْوَةُ الْكَثْرَةُ وَالْمَنَعَةُ، حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَيُرْوَى أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا غَلَبَهُ قَوْمُهُ، وَهَمُّوا بِكَسْرِ الْبَابِ وَهُوَ يُمْسِكُهُ، قَالَتْ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ الْبَابِ، فَتَنَحَّى وَانْفَتَحَ الْبَابُ، فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، وَعَمُوا وَانْصَرَفُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٣.]] [القمر: ٣٧]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَغْلَقَ لُوطٌ بَابَهُ وَالْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُنَاظِرُ قَوْمَهُ وَيُنَاشِدُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا لَقِيَ مِنَ الْجَهْدِ وَالْكَرْبِ وَالنَّصَبِ بِسَبَبِهِمْ، قَالُوا: يَا لُوطُ إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غير مردود، وَإِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ، فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ، فَفَتَحَ الْبَابَ فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَذْرَاهَا فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَوْصَلَ اللَّهُ إِلَى عَيْنِ مَنْ بَعُدَ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابَ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، وَلَا اهْتَدَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا هُمْ أَسْحَرُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَحَرُونَا فَأَعْمَوْا أَبْصَارَنَا. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى نُصْبِحَ فَسَتَرَى، يَتَوَعَّدُونَهُ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) لَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ حُزْنَهُ وَاضْطِرَابَهُ وَمُدَافَعَتَهُ عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُلٌ مَكَّنَ قَوْمَهُ مِنَ الدُّخُولِ، فَأَمَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدَهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَعَمُوا، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ فَجَفَّتْ.

(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) أَيْ بِمَكْرُوهٍ (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) قُرِئَ "فَأَسْرِ" بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَقَطْعِهَا، لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾[[راجع ج ٢٠ ص ٤٢.]] [الفجر: ٤] وقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٠٤.]] [الإسراء: ١] وَقَالَ النَّابِغَةُ: فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ:

أَسْرَتْ [[ويروى (سرت). يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها بالجوزاء.]] عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشِّمَالُ عليه جامد الْبَرَدِ

وَقَالَ آخَرُ:

حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الْخِدْرِ ... أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي

وَقَدْ قِيلَ: "فَأَسْرِ" بالقطع إذا سار من أول الليل، وَسَرَى إِذَا سَارَ مِنْ آخِرِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إِلَّا سَارَ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

إِذَا الْمَرْءُ أَسْرَى لَيْلَةً ظَنَّ أَنَّهُ ... قَضَى عَمَلًا وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ عَامِلُ

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:

عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ... وَتَنْجَلِي عَنْهُمْ غَيَابَاتُ الْكَرَى

(بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. الضَّحَّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ. قَتَادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنَ اللَّيْلِ. الْأَخْفَشُ: بَعْدَ جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقيل: هزيع مِنَ اللَّيْلِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعر [[هو مالك بن كنانه.]]:

ونائحة تنوح بقطع ليل ... على رجل بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ

فَإِنْ قِيلَ: السُّرَى لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ، فَمَا مَعْنَى "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ"؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ" جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُ.

(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أَيْ لَا يَنْظُرُ وَرَاءَهُ مِنْكُمْ أحد، قال مُجَاهِدٌ. ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: لَا يَشْتَغِلُ مِنْكُمْ أَحَدٌ بِمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ.

(إِلَّا امْرَأَتَكَ) بِالنَّصْبِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيِّنَةُ الْمَعْنَى، أَيْ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ. وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ" فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْأَهْلِ. وَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْرُجْ بِهَا مَعَهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢٤١.]] [الأعراف: ٨٣] أَيْ مِنَ الْبَاقِينَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: "إِلَّا امْرَأَتُكُ" بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "أَحَدٌ". وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ "يَلْتَفِتْ" وَيَكُونُ نَعْتًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ- إِذَا أُبْدِلَتْ وَجُزِمَتْ- أَنَّ الْمَرْأَةَ أُبِيحَ لَهَا الِالْتِفَاتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ أَبِي عَمْرٍو مَعَ جَلَالَتِهِ وَمَحَلِّهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَالتَّأْوِيلُ لَهُ عَلَى مَا حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِحَاجِبِهِ: لَا يَخْرُجْ فُلَانٌ، فَلَفْظُ النَّهْيِ لِفُلَانٍ وَمَعْنَاهُ لِلْمُخَاطَبِ، أَيْ لَا تَدَعْهُ يَخْرُجُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: لَا يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، يَكُونُ مَعْنَاهُ: انْهَهُمْ عَنِ الْقِيَامِ إِلَّا زَيْدًا، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ لِلُوطٍ وَلَفْظُهُ لِغَيْرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: انْهَهُمْ لَا يَلْتَفِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ، أَيْ لَا يَلْتَفِتُ، مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ فَإِنَّهَا تَلْتَفِتُ وَتَهْلَكُ، وَأَنَّ لُوطًا خَرَجَ بِهَا، وَنَهَى مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَلَّا يَلْتَفِتَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهَا لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر فقتلها.

(إِنَّهُ مُصِيبُها) أَيْ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إلى الأمر والشأن، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ وَالْقِصَّةَ.

(مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) لَمَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قَالَ لُوطٌ: الْآنَ الْآنَ. اسْتَعْجَلَهُمْ بِالْعَذَابِ لِغَيْظِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالُوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "أَلَيْسَ الصُّبُحُ" بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الصُّبْحَ مِيقَاتًا لِهَلَاكِهِمْ، لِأَنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أَوْدَعُ، وَالنَّاسَ فِيهِ أَجْمَعُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ مَلَائِكَةً مَعَهُمْ صَوْتُ رَعْدٍ، وَخَطْفُ بَرْقٍ، وَصَوَاعِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ أَنَّ لُوطًا سَيَخْرُجُ فَلَا تُؤْذُوهُ، وَأَمَارَتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ، وَلَا تَلْتَفِتُ ابْنَتَاهُ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَا تَرَى. فَخَرَجَ لُوطٌ وَطَوَى اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ فِي وَقْتِهِ حَتَّى نَجَا وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أَيْ عَذَابُنَا.

(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، وَهِيَ خَمْسٌ: سَدُومُ- وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى،- وَعَامُورَا، وَدَادُومَا، وضعوه، وَقَتَمُ [[وفى ع وز وك: قاموارا ورادما وصعو، وفى ضبط هذه القرى اختلاف.]]، فَرَفَعَهَا مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ حَتَّى أَدْنَاهَا مِنَ السَّمَاءِ بما في فِيهَا، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نَهِيقَ حُمُرِهِمْ وَصِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ، لَمْ تَنْكَفِئْ لَهُمْ جَرَّةٌ، وَلَمْ ينكسر [[في ى: ينكشف.]] لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وَأَتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالْحِجَارَةِ. مُقَاتِلٌ. أُهْلِكَتْ أَرْبَعَةٌ، وَنَجَتْ ضعوه. وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تعالى: (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ حُكْمُهُ الرَّجْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٣.]]. وَفِي التَّفْسِيرِ: أَمْطَرْنَا فِي الْعَذَابِ، وَمَطَرْنَا فِي الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْعَرَبِ فَيُقَالُ: مَطَرَتِ السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في "سِجِّيلٍ" فَقَالَ النَّحَّاسُ [[كذا في ا، وفى ز وع وك وووى: (البخاري).]]: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ، وَسِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ، وَأَنْشَدَ [[سيأتي البيت بتمامه في ص ٨٣.]]

ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينًا قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وَقَالَ: هَذَا سِجِّينٌ وَذَلِكَ سِجِّيلٌ فَكَيْفَ يُسْتَشْهَدُ بِهِ؟! قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الرَّدُّ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تُبْدَلُ مِنَ النُّونِ لِقُرْبِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ يُرَدُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ لَكَانَ حِجَارَةً سِجِّيلًا، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ، لِأَنَّ شَدِيدًا نَعْتٌ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِحِجَارَةِ الْأَرْحَاءِ سِجِّيلٌ. وَحَكَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ أَنَّ سِجِّيلًا طِينٌ يُطْبَخُ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْحَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ سِجِّيلًا لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ عُرِّبَتْ، أَصْلُهَا سنج وجيل. وَيُقَالُ: سنك وكيل، بِالْكَافِ مَوْضِعَ الْجِيمِ، وَهُمَا بِالْفَارِسِيَّةِ حَجَرٌ وَطِينٌ عَرَّبَتْهُمَا الْعَرَبُ فَجَعَلَتْهُمَا اسْمًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: السِّجِّيلُ الطِّينُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٤٧.]] [الذاريات: ٣٣]. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ. وَالسِّجِّيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلُّ شَدِيدٍ صُلْبٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْآجُرَّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: طِينٌ طُبِخَ حَتَّى كَانَ كَالْآجُرِّ، وَعَنْهُ أَنَّ سِجِّيلًا اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وَصْفُهُ بِ "مَنْضُودٍ". وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْهُ نَزَلَتِ الْحِجَارَةُ. وَقِيلَ: هِيَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾[[راجع ج ١٢ ص ٢٨٩.]] [النور: ٤٣]. وَقِيلَ: هُوَ مِمَّا سُجِّلَ لَهُمْ أَيْ كُتِبَ لَهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ، فَهُوَ فِي مَعْنَى سِجِّينٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٢٥٤.]] [المطففين: ٨] قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَاخْتَارَهُ. وَقِيلَ: هُوَ فِعِّيلٌ مِنْ أَسْجَلْتُهُ أَيْ أَرْسَلْتُهُ، فَكَأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَسْجَلْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ، فَكَأَنَّهُ عَذَابٌ أُعْطُوهُ، قَالَ [[البيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب. واصل المساجلة. أن يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الآخر فأيهما نكل فقد غلب، فضربته مثلا العرب للمفاخرة. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين وهو الحبل الأول.]]:

مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... يَمْلَأُ الدلو إلى عقد الكرب

وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: السِّجِّيلُ وَالسِّجِّينُ الشَّدِيدُ مِنَ الْحَجَرِ وَالضَّرْبِ، قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً [[وروى في اللسان: (يضربون البيض عن عرض).]] ... ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا

(مَنْضُودٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُتَتَابِعٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نُضِدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: نُضِدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَ جَسَدًا وَاحِدًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَصْفُوفٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَرْصُوصٌ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. يُقَالُ: نَضَدْتُ الْمَتَاعَ وَاللَّبَنَ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهُوَ مَنْضُودٌ وَنَضِيدٌ وَنَضَدٌ، قَالَ:

وَرَفَّعَتْهُ إِلَى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: مُعَدٌّ، أَيْ هُوَ مِمَّا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ الظَّلَمَةِ.

(مُسَوَّمَةً) أَيْ مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ كَانَ عَلَيْهَا أَمْثَالُ الْخَوَاتِيمِ. وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ، وَكَانَتْ لَا تُشَاكِلُ حِجَارَةَ الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بِحُمْرَةٍ وَسَوَادٍ فِي بَيَاضٍ، فَذَلِكَ تَسْوِيمُهَا. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتْ مُعَلَّمَةً بِبَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ، وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله، وبعده:

كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر

وقوله: (له سيماء لا تشق على البصر) أي يفرح به من يراه.]]:

غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ

وَ "مُسَوَّمَةً" مِنْ نَعْتِ حِجَارَةٍ. وَ "مَنْضُودٍ" مِنْ نَعْتِ "سِجِّيلٍ". وَفِي قَوْلِهِ: (عِنْدَ رَبِّكَ) " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الْأَرْضِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ، أَيْ لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرْهِبُ قُرَيْشًا، الْمَعْنَى: مَا الْحِجَارَةُ مِنْ ظَالِمِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ بِبَعِيدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهِ مَا أَجَارَ اللَّهُ مِنْهَا ظَالِمًا بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجَالُهُمْ بِالرِّجَالِ وَنِسَاؤُهُمْ بِالنِّسَاءِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْتَقِبُوا عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ" ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ".

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ "لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَسْتَحِلَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَدْبَارَ الرِّجَالِ كَمَا اسْتَحَلُّوا أَدْبَارَ النِّسَاءِ فَتُصِيبُ طَوَائِفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ حِجَارَةٌ مِنْ رَبِّكَ". وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا هَذِهِ الْقُرَى مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، وَهِيَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ. وَجَاءَ "بِبَعِيدٍ" مُذَكَّرًا عَلَى مَعْنَى بِمَكَانٍ بَعِيدٍ. وَفِي الْحِجَارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى الْمُدُنِ حِينَ رَفَعَهَا جِبْرِيلُ. الثَّانِي- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُدُنِ مِنْ أَهْلِهَا وكان خارجا عنها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ لَمَّا خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَرْيَةِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ بصرت بنتا لوط- وهما تستقيان- بالملائكة وَرَأَتَا هَيْئَةً حَسَنَةً، فَقَالَتَا: مَا شَأْنُكُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ مَوْضِعِ كَذَا نُرِيدُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ قَالَتَا: فَإِنَّ أَهْلَهَا أَصْحَابُ الْفَوَاحِشِ، فَقَالُوا: أَبِهَا مَنْ يُضَيِّفنَا؟ قَالَتَا: نَعَمْ! هَذَا الشَّيْخُ وَأَشَارَتَا إِلَى لُوطٍ، فَلَمَّا رَأَى لُوطٌ هيئتهم خاف قومه عليهم.

(سِيءَ بِهِمْ) أَيْ سَاءَهُ مَجِيئُهُمْ، يُقَالُ: سَاءَ يَسُوءُ فَهُوَ لَازِمٌ، وَسَاءَهُ يَسُوءُهُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ أَيْضًا، وَإِنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ السِّينَ، لِأَنَّ أَصْلَهَا الضَّمُّ، وَالْأَصْلَ سُوِئَ بِهِمْ مِنَ السُّوءِ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ عَلَى السِّينِ فَانْقَلَبَتْ يَاءً، وَإِنْ خُفِّفَتِ الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: "سي بِهِمْ" مُخَفَّفًا، وَلُغَةٌ شَاذَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ.

(وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أَيْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَجِيئِهِمْ وَكَرِهَهُ. وَقِيلَ: ضَاقَ وُسْعُهُ وَطَاقَتُهُ. وَأَصْلُهُ أَنْ يَذْرَعَ الْبَعِيرَ بِيَدَيْهِ فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلَى قَدْرِ سِعَةِ خطوه، فإذ حُمِلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ طَوْقِهِ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ، وَضَعُفَ وَمَدَّ عُنُقَهُ، فَضِيقُ الذَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ضِيقِ الْوُسْعِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَيْ غَلَبَهُ، أَيْ ضَاقَ عَنْ حَبْسِهِ الْمَكْرُوهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا ضَاقَ ذَرْعَهُ بِهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَمَالِهِمْ، وَمَا يَعْلَمُ مِنْ فِسْقِ قَوْمِهِ.

(وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أَيْ شَدِيدٌ فِي الشَّرِّ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَإِنَّكَ إِلَّا تُرْضِ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالْعِرَاقِ عَصِيبٌ

وَقَالَ آخَرُ:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا ... عَصْبَ الْقَوِيِّ السَّلَمِ الطِّوَالَا

وَيُقَالُ: عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ عَلَى التَّكْثِيرِ، أَيْ مَكْرُوهٌ مُجْتَمِعُ الشَّرِّ وَقَدْ. عَصَبَ، أَيْ عَصَبَ بِالشَّرِّ عِصَابَةً، وَمِنْهُ قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعوا الْكَلِمَةِ، أَيْ مُجْتَمِعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَعُصْبَةُ الرَّجُلِ الْمُجْتَمِعُونَ مَعَهُ فِي النَّسَبِ، وَتَعَصَّبْتُ لِفُلَانٍ صِرْتُ كَعَصَبَتِهِ، وَرَجُلٍ مَعْصُوبٍ [[في مفردات الراغب: ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة (.)]]، أَيْ مُجْتَمِعُ الْخَلْقِ.

(قَوْلُهُ تعالى:) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. "يُهْرَعُونَ" أَيْ يُسْرِعُونَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَا يَكُونُ الْإِهْرَاعُ إِلَّا إِسْرَاعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقَالُ: أَهْرَعَ الرَّجُلُ إِهْرَاعًا أَيْ أَسْرَعَ فِي رِعْدَةٍ مِنْ بَرْدٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ حُمَّى، وَهُوَ مهرع، قال مهلهل: فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى ... نَقُودُهُمْ عَلَى رَغْمِ الْأُنُوفِ

وَقَالَ آخَرُ:

بِمُعْجَلَاتٍ نَحْوَهُ مَهَارِعَ

وَهَذَا مِثْلُ: أُولِعَ فُلَانٌ بِالْأَمْرِ، وَأُرْعِدَ زَيْدٌ. وَزُهِيَ فُلَانٌ وَتَجِيءُ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَقِيلَ: أُهْرِعَ أَيْ أَهْرَعَهُ حِرْصُهُ، وَعَلَى هَذَا "يُهْرَعُونَ" أَيْ يَسْتَحِثُّونَ عَلَيْهِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ إِلَّا أُهْرِعَ الرَّجُلُ أَيْ أَسْرَعَ، عَلَى لَفْظٍ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ: هُرِعَ الْإِنْسَانُ هَرَعًا، وَأُهْرِعَ: سِيقَ وَاسْتُعْجِلَ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ: هُرِعَ الرَّجُلُ وَأُهْرِعَ أَيِ اسْتُحِثَّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: "يُهْرَعُونَ" يُهَرْوِلُونَ. الضَّحَّاكُ: يَسْعَوْنَ. ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ. وَقَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ مَشْيٌ بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ وَالْجَمَزَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَشْيٌ بَيْنَ مَشْيَيْنِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْرَاعِهِمْ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ الْكَافِرَةَ، لَمَّا رَأَتِ الْأَضْيَافَ وَجَمَالَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ، خَرَجَتْ حَتَّى أَتَتْ مَجَالِسَ قَوْمِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّ لُوطًا قَدْ أَضَافَ اللَّيْلَةَ فِتْيَةً مَا رُئِيَ مِثْلُهُمْ جَمَالًا، وَكَذَا وَكَذَا، فَحِينَئِذٍ جَاءُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَيُذْكَرُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَلَدِ لُوطٍ وَجَدُوا لُوطًا فِي حَرْثٍ لَهُ. وَقِيلَ: وَجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي مَاءً مِنْ نَهْرِ سَدُومَ، فَسَأَلُوهَا الدَّلَالَةَ عَلَى مَنْ يُضَيِّفُهُمْ، وَرَأَتْ هَيْئَتَهُمْ فَخَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، وَقَالَتْ لَهُمْ: مَكَانُكُمْ! وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تُضَيِّفَنَا اللَّيْلَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أومأ سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالُوا: وَمَا عَمَلُهُمْ؟ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَشَرُّ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ- وَقَدْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ لَا تُعَذِّبُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ- فَلَمَّا قَالَ لُوطٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ حَتَّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهَادَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ وَمِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ لُوطٍ.

(كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) أَيْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ إِتْيَانَ الرِّجَالِ. فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: (هؤُلاءِ بَناتِي) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: "هؤُلاءِ بَناتِي" فَقِيلَ: كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ صُلْبِهِ. وَقِيلَ: بِنْتَانِ، زَيْتَا [[كذا في الأصول والآلوسى، وفى الطبري: رثيا.]] وَزَعْوَرَاءُ، فَقِيلَ: كَانَ لَهُمْ سَيِّدَانِ مُطَاعَانِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُمَا ابْنَتَيْهِ. وَقِيلَ: نَدَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى النِّكَاحِ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ جَوَازُ نِكَاحِ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ، فَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنْتًا لَهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَا كَافِرَيْنِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ- مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ- أَشَارَ بِقَوْلِهِ: "بَناتِي" إِلَى النِّسَاءِ جُمْلَةً، إِذْ نَبِيُّ الْقَوْمِ أَبٌ لَهُمْ، وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ." النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم [الأحزاب: ٦]. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ مُدَافَعَةً وَلَمْ يُرِدْ إِمْضَاءَهُ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنْهَى عَنْ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ: الْخِنْزِيرُ أَحَلُّ لَكَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ بَنَاتِهِ وَلَا بَنَاتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِيَنْصَرِفُوا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ أُزَوِّجُكُمُوهُنَّ، فَهُوَ أَطْهَرُ لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ، أَيْ أَحَلُّ. وَالتَّطَهُّرُ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَأَرَادَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ يَفْدِيَ أَضْيَافَهُ بِبَنَاتِهِ. وَلَيْسَ أَلِفُ "أَطْهَرُ" لِلتَّفْضِيلِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ فِي نِكَاحِ [الرِّجَالِ [[في الأصل (النساء) وهو تحريف.]]] طَهَارَةً، بَلْ هُوَ كَقَوْلِكَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ، وَإِنْ لم يكن تفضيل، وَهَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ [[في ع: سائغ.]] فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُكَابِرِ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرَ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ [[أي أظهر دينك.]] اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "قُلِ اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". وَهُبَلُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَالِيًا وَلَا جَلِيلًا. وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى بْنُ عَمْرٍو "هُنَّ أَطْهَرَ" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ. وَ "هُنَّ" عِمَادُ. وَلَا يُجِيزُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشُ أَنْ يَكُونَ "هُنَّ" هَاهُنَا عِمَادًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِمَادًا فِيمَا لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِمَا بَعْدَهَا، نَحْوُ كَانَ زَيْدٌ هُوَ أَخَاكَ، لِتَدُلَّ بِهَا على أن الأخ ليس بنعت.

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَعْرِفَةٌ أَوْ مَا قَارَنَهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ لَا تُهِينُونِي وَلَا تُذِلُّونِي. وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:

فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبَ بْنَ مَالِكٍ ... وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إِحْدَى الصَّوَاعِقِ

مَدَدْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا ... وَدَمَّيْتَ فَاهُ قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ

ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، وَالْخَجَلُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

خَزَايَةٌ [[.

(خزاية) أي من الخزاية. والحبل هو حبل الرمل. والكلام في وصف ثور وحشي تطارده الكلاب. وقبله:

حتى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب

يعنى أن الثور أنف من الهرب فرجع إلى الكلاب.]] أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ... مِنْ جَانِبِ الْحَبْلِ مَخْلُوطًا بِهَا الْغَضَبُ

وَقَالَ آخَرُ:

مِنَ الْبِيضِ لَا تَخْزَى إِذَا الرِّيحُ أَلْصَقَتْ ... بِهَا مِرْطَهَا أَوْ زَايَلَ الْحَلْيُ جِيدَهَا

وَضَيْفٌ يَقَعُ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفَارَ الْجَازِرِ ... لِلضَّيْفِ وَالضَّيْفُ أَحَقُّ زَائِرِ

وَيَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ كَقَوْلِكَ: رِجَالٌ صَوْمٌ وَفِطْرٌ وَزَوْرٌ. وَخَزِيَ الرَّجُلُ خَزَايَةً، أَيِ اسْتَحْيَا مِثْلُ ذَلَّ وَهَانَ. وَخَزِيَ خِزْيًا إِذَا افْتَضَحَ، يَخْزَى فِيهِمَا جَمِيعًا. ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِقَوْلِهِ: "(أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) " أَيْ شَدِيدٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: "رَشِيدٌ" أَيْ ذُو رُشْدٍ. أَوْ بِمَعْنَى رَاشِدٍ أَوْ مُرْشِدٍ، أَيْ صَالِحٌ أَوْ مُصْلِحٌ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُؤْمِنٌ. أَبُو مَالِكٍ: نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: الرَّشِيدُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ، وَالرُّشْدُ وَالرَّشَادُ الهدى والاستقامة. ويجوز أي يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُرْشِدِ، كَالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ رُوِيَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَرَدَّهُمْ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، فذلك قوله تعالى: "قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ" وَبَعُدَ أَلَّا تَكُونَ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ. فَوَجْهُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ، لَنَا إِلَى بَنَاتِكَ تَعَلُّقٌ، وَلَا هُنَّ قَصْدُنَا، وَلَا لَنَا عَادَةٌ نَطْلُبُ ذَلِكَ.

(وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْأَضْيَافِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لَمَّا رَأَى اسْتِمْرَارَهُمْ فِي غَيِّهِمْ، وَضَعُفَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِمْ، تَمَنَّى لَوْ وَجَدَ عَوْنًا عَلَى رَدِّهِمْ، فَقَالَ عَلَى جِهَةِ التَّفَجُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ.: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَيْ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ الْوَلَدَ. وَ "أَنَّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أَوْ وَقَعَ. وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي "أَنَّ" التَّابِعَةَ لِ "لَوْ". وَجَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أَيْ لَرَدَدْتُ أَهْلَ الْفَسَادِ، وَحُلْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ.

(أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أَيْ أَلْجَأُ وَأَنْضَوِي. وقرى "أَوْ آوِيَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى "قُوَّةً" كَأَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَوْ إِيوَاءً إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أَيْ وَأَنْ آوِيَ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ "أَنْ". وَمُرَادُ لُوطٍ بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَةُ، وَالْمَنَعَةُ بِالْكَثْرَةِ. وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَجِدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَقَالُوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٢٩٨.]]. وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ "مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَالثَّرْوَةُ الْكَثْرَةُ وَالْمَنَعَةُ، حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَيُرْوَى أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا غَلَبَهُ قَوْمُهُ، وَهَمُّوا بِكَسْرِ الْبَابِ وَهُوَ يُمْسِكُهُ، قَالَتْ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ الْبَابِ، فَتَنَحَّى وَانْفَتَحَ الْبَابُ، فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، وَعَمُوا وَانْصَرَفُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٣.]] [القمر: ٣٧]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَغْلَقَ لُوطٌ بَابَهُ وَالْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُنَاظِرُ قَوْمَهُ وَيُنَاشِدُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا لَقِيَ مِنَ الْجَهْدِ وَالْكَرْبِ وَالنَّصَبِ بِسَبَبِهِمْ، قَالُوا: يَا لُوطُ إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غير مردود، وَإِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ، فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ، فَفَتَحَ الْبَابَ فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَذْرَاهَا فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَوْصَلَ اللَّهُ إِلَى عَيْنِ مَنْ بَعُدَ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابَ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، وَلَا اهْتَدَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا هُمْ أَسْحَرُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَحَرُونَا فَأَعْمَوْا أَبْصَارَنَا. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى نُصْبِحَ فَسَتَرَى، يَتَوَعَّدُونَهُ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) لَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ حُزْنَهُ وَاضْطِرَابَهُ وَمُدَافَعَتَهُ عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُلٌ مَكَّنَ قَوْمَهُ مِنَ الدُّخُولِ، فَأَمَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدَهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَعَمُوا، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ فَجَفَّتْ.

(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) أَيْ بِمَكْرُوهٍ (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) قُرِئَ "فَأَسْرِ" بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَقَطْعِهَا، لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾[[راجع ج ٢٠ ص ٤٢.]] [الفجر: ٤] وقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٠٤.]] [الإسراء: ١] وَقَالَ النَّابِغَةُ: فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ:

أَسْرَتْ [[ويروى (سرت). يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها بالجوزاء.]] عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشِّمَالُ عليه جامد الْبَرَدِ

وَقَالَ آخَرُ:

حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الْخِدْرِ ... أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي

وَقَدْ قِيلَ: "فَأَسْرِ" بالقطع إذا سار من أول الليل، وَسَرَى إِذَا سَارَ مِنْ آخِرِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إِلَّا سَارَ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

إِذَا الْمَرْءُ أَسْرَى لَيْلَةً ظَنَّ أَنَّهُ ... قَضَى عَمَلًا وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ عَامِلُ

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:

عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ... وَتَنْجَلِي عَنْهُمْ غَيَابَاتُ الْكَرَى

(بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. الضَّحَّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ. قَتَادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنَ اللَّيْلِ. الْأَخْفَشُ: بَعْدَ جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقيل: هزيع مِنَ اللَّيْلِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعر [[هو مالك بن كنانه.]]:

ونائحة تنوح بقطع ليل ... على رجل بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ

فَإِنْ قِيلَ: السُّرَى لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ، فَمَا مَعْنَى "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ"؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ" جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُ.

(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أَيْ لَا يَنْظُرُ وَرَاءَهُ مِنْكُمْ أحد، قال مُجَاهِدٌ. ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: لَا يَشْتَغِلُ مِنْكُمْ أَحَدٌ بِمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ.

(إِلَّا امْرَأَتَكَ) بِالنَّصْبِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيِّنَةُ الْمَعْنَى، أَيْ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ. وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ" فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْأَهْلِ. وَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْرُجْ بِهَا مَعَهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢٤١.]] [الأعراف: ٨٣] أَيْ مِنَ الْبَاقِينَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: "إِلَّا امْرَأَتُكُ" بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "أَحَدٌ". وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ "يَلْتَفِتْ" وَيَكُونُ نَعْتًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ- إِذَا أُبْدِلَتْ وَجُزِمَتْ- أَنَّ الْمَرْأَةَ أُبِيحَ لَهَا الِالْتِفَاتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ أَبِي عَمْرٍو مَعَ جَلَالَتِهِ وَمَحَلِّهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَالتَّأْوِيلُ لَهُ عَلَى مَا حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِحَاجِبِهِ: لَا يَخْرُجْ فُلَانٌ، فَلَفْظُ النَّهْيِ لِفُلَانٍ وَمَعْنَاهُ لِلْمُخَاطَبِ، أَيْ لَا تَدَعْهُ يَخْرُجُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: لَا يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، يَكُونُ مَعْنَاهُ: انْهَهُمْ عَنِ الْقِيَامِ إِلَّا زَيْدًا، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ لِلُوطٍ وَلَفْظُهُ لِغَيْرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: انْهَهُمْ لَا يَلْتَفِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ، أَيْ لَا يَلْتَفِتُ، مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ فَإِنَّهَا تَلْتَفِتُ وَتَهْلَكُ، وَأَنَّ لُوطًا خَرَجَ بِهَا، وَنَهَى مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَلَّا يَلْتَفِتَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهَا لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر فقتلها.

(إِنَّهُ مُصِيبُها) أَيْ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إلى الأمر والشأن، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ وَالْقِصَّةَ.

(مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) لَمَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قَالَ لُوطٌ: الْآنَ الْآنَ. اسْتَعْجَلَهُمْ بِالْعَذَابِ لِغَيْظِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالُوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "أَلَيْسَ الصُّبُحُ" بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الصُّبْحَ مِيقَاتًا لِهَلَاكِهِمْ، لِأَنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أَوْدَعُ، وَالنَّاسَ فِيهِ أَجْمَعُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ مَلَائِكَةً مَعَهُمْ صَوْتُ رَعْدٍ، وَخَطْفُ بَرْقٍ، وَصَوَاعِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ أَنَّ لُوطًا سَيَخْرُجُ فَلَا تُؤْذُوهُ، وَأَمَارَتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ، وَلَا تَلْتَفِتُ ابْنَتَاهُ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَا تَرَى. فَخَرَجَ لُوطٌ وَطَوَى اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ فِي وَقْتِهِ حَتَّى نَجَا وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أَيْ عَذَابُنَا.

(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، وَهِيَ خَمْسٌ: سَدُومُ- وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى،- وَعَامُورَا، وَدَادُومَا، وضعوه، وَقَتَمُ [[وفى ع وز وك: قاموارا ورادما وصعو، وفى ضبط هذه القرى اختلاف.]]، فَرَفَعَهَا مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ حَتَّى أَدْنَاهَا مِنَ السَّمَاءِ بما في فِيهَا، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نَهِيقَ حُمُرِهِمْ وَصِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ، لَمْ تَنْكَفِئْ لَهُمْ جَرَّةٌ، وَلَمْ ينكسر [[في ى: ينكشف.]] لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وَأَتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالْحِجَارَةِ. مُقَاتِلٌ. أُهْلِكَتْ أَرْبَعَةٌ، وَنَجَتْ ضعوه. وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تعالى: (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ حُكْمُهُ الرَّجْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٣.]]. وَفِي التَّفْسِيرِ: أَمْطَرْنَا فِي الْعَذَابِ، وَمَطَرْنَا فِي الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْعَرَبِ فَيُقَالُ: مَطَرَتِ السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في "سِجِّيلٍ" فَقَالَ النَّحَّاسُ [[كذا في ا، وفى ز وع وك وووى: (البخاري).]]: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ، وَسِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ، وَأَنْشَدَ [[سيأتي البيت بتمامه في ص ٨٣.]]

ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينًا قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وَقَالَ: هَذَا سِجِّينٌ وَذَلِكَ سِجِّيلٌ فَكَيْفَ يُسْتَشْهَدُ بِهِ؟! قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الرَّدُّ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تُبْدَلُ مِنَ النُّونِ لِقُرْبِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ يُرَدُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ لَكَانَ حِجَارَةً سِجِّيلًا، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ، لِأَنَّ شَدِيدًا نَعْتٌ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِحِجَارَةِ الْأَرْحَاءِ سِجِّيلٌ. وَحَكَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ أَنَّ سِجِّيلًا طِينٌ يُطْبَخُ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْحَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ سِجِّيلًا لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ عُرِّبَتْ، أَصْلُهَا سنج وجيل. وَيُقَالُ: سنك وكيل، بِالْكَافِ مَوْضِعَ الْجِيمِ، وَهُمَا بِالْفَارِسِيَّةِ حَجَرٌ وَطِينٌ عَرَّبَتْهُمَا الْعَرَبُ فَجَعَلَتْهُمَا اسْمًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: السِّجِّيلُ الطِّينُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٤٧.]] [الذاريات: ٣٣]. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ. وَالسِّجِّيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلُّ شَدِيدٍ صُلْبٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْآجُرَّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: طِينٌ طُبِخَ حَتَّى كَانَ كَالْآجُرِّ، وَعَنْهُ أَنَّ سِجِّيلًا اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وَصْفُهُ بِ "مَنْضُودٍ". وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْهُ نَزَلَتِ الْحِجَارَةُ. وَقِيلَ: هِيَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾[[راجع ج ١٢ ص ٢٨٩.]] [النور: ٤٣]. وَقِيلَ: هُوَ مِمَّا سُجِّلَ لَهُمْ أَيْ كُتِبَ لَهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ، فَهُوَ فِي مَعْنَى سِجِّينٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٢٥٤.]] [المطففين: ٨] قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَاخْتَارَهُ. وَقِيلَ: هُوَ فِعِّيلٌ مِنْ أَسْجَلْتُهُ أَيْ أَرْسَلْتُهُ، فَكَأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَسْجَلْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ، فَكَأَنَّهُ عَذَابٌ أُعْطُوهُ، قَالَ [[البيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب. واصل المساجلة. أن يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الآخر فأيهما نكل فقد غلب، فضربته مثلا العرب للمفاخرة. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين وهو الحبل الأول.]]:

مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... يَمْلَأُ الدلو إلى عقد الكرب

وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: السِّجِّيلُ وَالسِّجِّينُ الشَّدِيدُ مِنَ الْحَجَرِ وَالضَّرْبِ، قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً [[وروى في اللسان: (يضربون البيض عن عرض).]] ... ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا

(مَنْضُودٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُتَتَابِعٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نُضِدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: نُضِدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَ جَسَدًا وَاحِدًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَصْفُوفٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَرْصُوصٌ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. يُقَالُ: نَضَدْتُ الْمَتَاعَ وَاللَّبَنَ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهُوَ مَنْضُودٌ وَنَضِيدٌ وَنَضَدٌ، قَالَ:

وَرَفَّعَتْهُ إِلَى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: مُعَدٌّ، أَيْ هُوَ مِمَّا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ الظَّلَمَةِ.

(مُسَوَّمَةً) أَيْ مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ كَانَ عَلَيْهَا أَمْثَالُ الْخَوَاتِيمِ. وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ، وَكَانَتْ لَا تُشَاكِلُ حِجَارَةَ الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بِحُمْرَةٍ وَسَوَادٍ فِي بَيَاضٍ، فَذَلِكَ تَسْوِيمُهَا. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتْ مُعَلَّمَةً بِبَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ، وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله، وبعده:

كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر

وقوله: (له سيماء لا تشق على البصر) أي يفرح به من يراه.]]:

غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ

وَ "مُسَوَّمَةً" مِنْ نَعْتِ حِجَارَةٍ. وَ "مَنْضُودٍ" مِنْ نَعْتِ "سِجِّيلٍ". وَفِي قَوْلِهِ: (عِنْدَ رَبِّكَ) " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الْأَرْضِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ، أَيْ لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرْهِبُ قُرَيْشًا، الْمَعْنَى: مَا الْحِجَارَةُ مِنْ ظَالِمِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ بِبَعِيدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهِ مَا أَجَارَ اللَّهُ مِنْهَا ظَالِمًا بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجَالُهُمْ بِالرِّجَالِ وَنِسَاؤُهُمْ بِالنِّسَاءِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْتَقِبُوا عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ" ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ".

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ "لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَسْتَحِلَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَدْبَارَ الرِّجَالِ كَمَا اسْتَحَلُّوا أَدْبَارَ النِّسَاءِ فَتُصِيبُ طَوَائِفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ حِجَارَةٌ مِنْ رَبِّكَ". وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا هَذِهِ الْقُرَى مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، وَهِيَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ. وَجَاءَ "بِبَعِيدٍ" مُذَكَّرًا عَلَى مَعْنَى بِمَكَانٍ بَعِيدٍ. وَفِي الْحِجَارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى الْمُدُنِ حِينَ رَفَعَهَا جِبْرِيلُ. الثَّانِي- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُدُنِ مِنْ أَهْلِهَا وكان خارجا عنها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ لَمَّا خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَرْيَةِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ بصرت بنتا لوط- وهما تستقيان- بالملائكة وَرَأَتَا هَيْئَةً حَسَنَةً، فَقَالَتَا: مَا شَأْنُكُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ مَوْضِعِ كَذَا نُرِيدُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ قَالَتَا: فَإِنَّ أَهْلَهَا أَصْحَابُ الْفَوَاحِشِ، فَقَالُوا: أَبِهَا مَنْ يُضَيِّفنَا؟ قَالَتَا: نَعَمْ! هَذَا الشَّيْخُ وَأَشَارَتَا إِلَى لُوطٍ، فَلَمَّا رَأَى لُوطٌ هيئتهم خاف قومه عليهم.

(سِيءَ بِهِمْ) أَيْ سَاءَهُ مَجِيئُهُمْ، يُقَالُ: سَاءَ يَسُوءُ فَهُوَ لَازِمٌ، وَسَاءَهُ يَسُوءُهُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ أَيْضًا، وَإِنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ السِّينَ، لِأَنَّ أَصْلَهَا الضَّمُّ، وَالْأَصْلَ سُوِئَ بِهِمْ مِنَ السُّوءِ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ عَلَى السِّينِ فَانْقَلَبَتْ يَاءً، وَإِنْ خُفِّفَتِ الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: "سي بِهِمْ" مُخَفَّفًا، وَلُغَةٌ شَاذَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ.

(وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أَيْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَجِيئِهِمْ وَكَرِهَهُ. وَقِيلَ: ضَاقَ وُسْعُهُ وَطَاقَتُهُ. وَأَصْلُهُ أَنْ يَذْرَعَ الْبَعِيرَ بِيَدَيْهِ فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلَى قَدْرِ سِعَةِ خطوه، فإذ حُمِلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ طَوْقِهِ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ، وَضَعُفَ وَمَدَّ عُنُقَهُ، فَضِيقُ الذَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ضِيقِ الْوُسْعِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَيْ غَلَبَهُ، أَيْ ضَاقَ عَنْ حَبْسِهِ الْمَكْرُوهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا ضَاقَ ذَرْعَهُ بِهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَمَالِهِمْ، وَمَا يَعْلَمُ مِنْ فِسْقِ قَوْمِهِ.

(وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أَيْ شَدِيدٌ فِي الشَّرِّ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَإِنَّكَ إِلَّا تُرْضِ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالْعِرَاقِ عَصِيبٌ

وَقَالَ آخَرُ:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا ... عَصْبَ الْقَوِيِّ السَّلَمِ الطِّوَالَا

وَيُقَالُ: عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ عَلَى التَّكْثِيرِ، أَيْ مَكْرُوهٌ مُجْتَمِعُ الشَّرِّ وَقَدْ. عَصَبَ، أَيْ عَصَبَ بِالشَّرِّ عِصَابَةً، وَمِنْهُ قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعوا الْكَلِمَةِ، أَيْ مُجْتَمِعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَعُصْبَةُ الرَّجُلِ الْمُجْتَمِعُونَ مَعَهُ فِي النَّسَبِ، وَتَعَصَّبْتُ لِفُلَانٍ صِرْتُ كَعَصَبَتِهِ، وَرَجُلٍ مَعْصُوبٍ [[في مفردات الراغب: ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة (.)]]، أَيْ مُجْتَمِعُ الْخَلْقِ.

(قَوْلُهُ تعالى:) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. "يُهْرَعُونَ" أَيْ يُسْرِعُونَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَا يَكُونُ الْإِهْرَاعُ إِلَّا إِسْرَاعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقَالُ: أَهْرَعَ الرَّجُلُ إِهْرَاعًا أَيْ أَسْرَعَ فِي رِعْدَةٍ مِنْ بَرْدٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ حُمَّى، وَهُوَ مهرع، قال مهلهل: فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى ... نَقُودُهُمْ عَلَى رَغْمِ الْأُنُوفِ

وَقَالَ آخَرُ:

بِمُعْجَلَاتٍ نَحْوَهُ مَهَارِعَ

وَهَذَا مِثْلُ: أُولِعَ فُلَانٌ بِالْأَمْرِ، وَأُرْعِدَ زَيْدٌ. وَزُهِيَ فُلَانٌ وَتَجِيءُ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَقِيلَ: أُهْرِعَ أَيْ أَهْرَعَهُ حِرْصُهُ، وَعَلَى هَذَا "يُهْرَعُونَ" أَيْ يَسْتَحِثُّونَ عَلَيْهِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ إِلَّا أُهْرِعَ الرَّجُلُ أَيْ أَسْرَعَ، عَلَى لَفْظٍ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ: هُرِعَ الْإِنْسَانُ هَرَعًا، وَأُهْرِعَ: سِيقَ وَاسْتُعْجِلَ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ: هُرِعَ الرَّجُلُ وَأُهْرِعَ أَيِ اسْتُحِثَّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: "يُهْرَعُونَ" يُهَرْوِلُونَ. الضَّحَّاكُ: يَسْعَوْنَ. ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ. وَقَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ مَشْيٌ بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ وَالْجَمَزَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَشْيٌ بَيْنَ مَشْيَيْنِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْرَاعِهِمْ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ الْكَافِرَةَ، لَمَّا رَأَتِ الْأَضْيَافَ وَجَمَالَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ، خَرَجَتْ حَتَّى أَتَتْ مَجَالِسَ قَوْمِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّ لُوطًا قَدْ أَضَافَ اللَّيْلَةَ فِتْيَةً مَا رُئِيَ مِثْلُهُمْ جَمَالًا، وَكَذَا وَكَذَا، فَحِينَئِذٍ جَاءُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَيُذْكَرُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَلَدِ لُوطٍ وَجَدُوا لُوطًا فِي حَرْثٍ لَهُ. وَقِيلَ: وَجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي مَاءً مِنْ نَهْرِ سَدُومَ، فَسَأَلُوهَا الدَّلَالَةَ عَلَى مَنْ يُضَيِّفُهُمْ، وَرَأَتْ هَيْئَتَهُمْ فَخَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، وَقَالَتْ لَهُمْ: مَكَانُكُمْ! وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تُضَيِّفَنَا اللَّيْلَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أومأ سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالُوا: وَمَا عَمَلُهُمْ؟ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَشَرُّ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ- وَقَدْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ لَا تُعَذِّبُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ- فَلَمَّا قَالَ لُوطٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ حَتَّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهَادَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ وَمِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ لُوطٍ.

(كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) أَيْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ إِتْيَانَ الرِّجَالِ. فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: (هؤُلاءِ بَناتِي) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: "هؤُلاءِ بَناتِي" فَقِيلَ: كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ صُلْبِهِ. وَقِيلَ: بِنْتَانِ، زَيْتَا [[كذا في الأصول والآلوسى، وفى الطبري: رثيا.]] وَزَعْوَرَاءُ، فَقِيلَ: كَانَ لَهُمْ سَيِّدَانِ مُطَاعَانِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُمَا ابْنَتَيْهِ. وَقِيلَ: نَدَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى النِّكَاحِ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ جَوَازُ نِكَاحِ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ، فَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنْتًا لَهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَا كَافِرَيْنِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ- مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ- أَشَارَ بِقَوْلِهِ: "بَناتِي" إِلَى النِّسَاءِ جُمْلَةً، إِذْ نَبِيُّ الْقَوْمِ أَبٌ لَهُمْ، وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ." النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم [الأحزاب: ٦]. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ مُدَافَعَةً وَلَمْ يُرِدْ إِمْضَاءَهُ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنْهَى عَنْ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ: الْخِنْزِيرُ أَحَلُّ لَكَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ بَنَاتِهِ وَلَا بَنَاتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِيَنْصَرِفُوا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ أُزَوِّجُكُمُوهُنَّ، فَهُوَ أَطْهَرُ لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ، أَيْ أَحَلُّ. وَالتَّطَهُّرُ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَأَرَادَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ يَفْدِيَ أَضْيَافَهُ بِبَنَاتِهِ. وَلَيْسَ أَلِفُ "أَطْهَرُ" لِلتَّفْضِيلِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ فِي نِكَاحِ [الرِّجَالِ [[في الأصل (النساء) وهو تحريف.]]] طَهَارَةً، بَلْ هُوَ كَقَوْلِكَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ، وَإِنْ لم يكن تفضيل، وَهَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ [[في ع: سائغ.]] فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُكَابِرِ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرَ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ [[أي أظهر دينك.]] اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "قُلِ اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". وَهُبَلُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَالِيًا وَلَا جَلِيلًا. وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى بْنُ عَمْرٍو "هُنَّ أَطْهَرَ" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ. وَ "هُنَّ" عِمَادُ. وَلَا يُجِيزُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشُ أَنْ يَكُونَ "هُنَّ" هَاهُنَا عِمَادًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِمَادًا فِيمَا لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِمَا بَعْدَهَا، نَحْوُ كَانَ زَيْدٌ هُوَ أَخَاكَ، لِتَدُلَّ بِهَا على أن الأخ ليس بنعت.

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَعْرِفَةٌ أَوْ مَا قَارَنَهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ لَا تُهِينُونِي وَلَا تُذِلُّونِي. وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:

فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبَ بْنَ مَالِكٍ ... وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إِحْدَى الصَّوَاعِقِ

مَدَدْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا ... وَدَمَّيْتَ فَاهُ قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ

ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، وَالْخَجَلُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

خَزَايَةٌ [[.

(خزاية) أي من الخزاية. والحبل هو حبل الرمل. والكلام في وصف ثور وحشي تطارده الكلاب. وقبله:

حتى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب

يعنى أن الثور أنف من الهرب فرجع إلى الكلاب.]] أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ... مِنْ جَانِبِ الْحَبْلِ مَخْلُوطًا بِهَا الْغَضَبُ

وَقَالَ آخَرُ:

مِنَ الْبِيضِ لَا تَخْزَى إِذَا الرِّيحُ أَلْصَقَتْ ... بِهَا مِرْطَهَا أَوْ زَايَلَ الْحَلْيُ جِيدَهَا

وَضَيْفٌ يَقَعُ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفَارَ الْجَازِرِ ... لِلضَّيْفِ وَالضَّيْفُ أَحَقُّ زَائِرِ

وَيَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ كَقَوْلِكَ: رِجَالٌ صَوْمٌ وَفِطْرٌ وَزَوْرٌ. وَخَزِيَ الرَّجُلُ خَزَايَةً، أَيِ اسْتَحْيَا مِثْلُ ذَلَّ وَهَانَ. وَخَزِيَ خِزْيًا إِذَا افْتَضَحَ، يَخْزَى فِيهِمَا جَمِيعًا. ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِقَوْلِهِ: "(أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) " أَيْ شَدِيدٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: "رَشِيدٌ" أَيْ ذُو رُشْدٍ. أَوْ بِمَعْنَى رَاشِدٍ أَوْ مُرْشِدٍ، أَيْ صَالِحٌ أَوْ مُصْلِحٌ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُؤْمِنٌ. أَبُو مَالِكٍ: نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: الرَّشِيدُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ، وَالرُّشْدُ وَالرَّشَادُ الهدى والاستقامة. ويجوز أي يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُرْشِدِ، كَالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ رُوِيَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَرَدَّهُمْ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، فذلك قوله تعالى: "قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ" وَبَعُدَ أَلَّا تَكُونَ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ. فَوَجْهُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ، لَنَا إِلَى بَنَاتِكَ تَعَلُّقٌ، وَلَا هُنَّ قَصْدُنَا، وَلَا لَنَا عَادَةٌ نَطْلُبُ ذَلِكَ.

(وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْأَضْيَافِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لَمَّا رَأَى اسْتِمْرَارَهُمْ فِي غَيِّهِمْ، وَضَعُفَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِمْ، تَمَنَّى لَوْ وَجَدَ عَوْنًا عَلَى رَدِّهِمْ، فَقَالَ عَلَى جِهَةِ التَّفَجُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ.: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَيْ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ الْوَلَدَ. وَ "أَنَّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أَوْ وَقَعَ. وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي "أَنَّ" التَّابِعَةَ لِ "لَوْ". وَجَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أَيْ لَرَدَدْتُ أَهْلَ الْفَسَادِ، وَحُلْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ.

(أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أَيْ أَلْجَأُ وَأَنْضَوِي. وقرى "أَوْ آوِيَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى "قُوَّةً" كَأَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَوْ إِيوَاءً إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أَيْ وَأَنْ آوِيَ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ "أَنْ". وَمُرَادُ لُوطٍ بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَةُ، وَالْمَنَعَةُ بِالْكَثْرَةِ. وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَجِدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَقَالُوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٢٩٨.]]. وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ "مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَالثَّرْوَةُ الْكَثْرَةُ وَالْمَنَعَةُ، حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَيُرْوَى أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا غَلَبَهُ قَوْمُهُ، وَهَمُّوا بِكَسْرِ الْبَابِ وَهُوَ يُمْسِكُهُ، قَالَتْ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ الْبَابِ، فَتَنَحَّى وَانْفَتَحَ الْبَابُ، فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، وَعَمُوا وَانْصَرَفُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٣.]] [القمر: ٣٧]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَغْلَقَ لُوطٌ بَابَهُ وَالْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُنَاظِرُ قَوْمَهُ وَيُنَاشِدُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا لَقِيَ مِنَ الْجَهْدِ وَالْكَرْبِ وَالنَّصَبِ بِسَبَبِهِمْ، قَالُوا: يَا لُوطُ إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غير مردود، وَإِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ، فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ، فَفَتَحَ الْبَابَ فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَذْرَاهَا فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَوْصَلَ اللَّهُ إِلَى عَيْنِ مَنْ بَعُدَ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابَ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، وَلَا اهْتَدَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا هُمْ أَسْحَرُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَحَرُونَا فَأَعْمَوْا أَبْصَارَنَا. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى نُصْبِحَ فَسَتَرَى، يَتَوَعَّدُونَهُ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) لَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ حُزْنَهُ وَاضْطِرَابَهُ وَمُدَافَعَتَهُ عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُلٌ مَكَّنَ قَوْمَهُ مِنَ الدُّخُولِ، فَأَمَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدَهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَعَمُوا، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ فَجَفَّتْ.

(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) أَيْ بِمَكْرُوهٍ (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) قُرِئَ "فَأَسْرِ" بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَقَطْعِهَا، لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾[[راجع ج ٢٠ ص ٤٢.]] [الفجر: ٤] وقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٠٤.]] [الإسراء: ١] وَقَالَ النَّابِغَةُ: فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ:

أَسْرَتْ [[ويروى (سرت). يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها بالجوزاء.]] عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشِّمَالُ عليه جامد الْبَرَدِ

وَقَالَ آخَرُ:

حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الْخِدْرِ ... أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي

وَقَدْ قِيلَ: "فَأَسْرِ" بالقطع إذا سار من أول الليل، وَسَرَى إِذَا سَارَ مِنْ آخِرِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إِلَّا سَارَ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

إِذَا الْمَرْءُ أَسْرَى لَيْلَةً ظَنَّ أَنَّهُ ... قَضَى عَمَلًا وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ عَامِلُ

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:

عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ... وَتَنْجَلِي عَنْهُمْ غَيَابَاتُ الْكَرَى

(بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. الضَّحَّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ. قَتَادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنَ اللَّيْلِ. الْأَخْفَشُ: بَعْدَ جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقيل: هزيع مِنَ اللَّيْلِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعر [[هو مالك بن كنانه.]]:

ونائحة تنوح بقطع ليل ... على رجل بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ

فَإِنْ قِيلَ: السُّرَى لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ، فَمَا مَعْنَى "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ"؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ" جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُ.

(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أَيْ لَا يَنْظُرُ وَرَاءَهُ مِنْكُمْ أحد، قال مُجَاهِدٌ. ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: لَا يَشْتَغِلُ مِنْكُمْ أَحَدٌ بِمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ.

(إِلَّا امْرَأَتَكَ) بِالنَّصْبِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيِّنَةُ الْمَعْنَى، أَيْ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ. وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ" فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْأَهْلِ. وَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْرُجْ بِهَا مَعَهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢٤١.]] [الأعراف: ٨٣] أَيْ مِنَ الْبَاقِينَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: "إِلَّا امْرَأَتُكُ" بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "أَحَدٌ". وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ "يَلْتَفِتْ" وَيَكُونُ نَعْتًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ- إِذَا أُبْدِلَتْ وَجُزِمَتْ- أَنَّ الْمَرْأَةَ أُبِيحَ لَهَا الِالْتِفَاتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ أَبِي عَمْرٍو مَعَ جَلَالَتِهِ وَمَحَلِّهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَالتَّأْوِيلُ لَهُ عَلَى مَا حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِحَاجِبِهِ: لَا يَخْرُجْ فُلَانٌ، فَلَفْظُ النَّهْيِ لِفُلَانٍ وَمَعْنَاهُ لِلْمُخَاطَبِ، أَيْ لَا تَدَعْهُ يَخْرُجُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: لَا يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، يَكُونُ مَعْنَاهُ: انْهَهُمْ عَنِ الْقِيَامِ إِلَّا زَيْدًا، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ لِلُوطٍ وَلَفْظُهُ لِغَيْرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: انْهَهُمْ لَا يَلْتَفِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ، أَيْ لَا يَلْتَفِتُ، مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ فَإِنَّهَا تَلْتَفِتُ وَتَهْلَكُ، وَأَنَّ لُوطًا خَرَجَ بِهَا، وَنَهَى مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَلَّا يَلْتَفِتَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهَا لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر فقتلها.

(إِنَّهُ مُصِيبُها) أَيْ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إلى الأمر والشأن، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ وَالْقِصَّةَ.

(مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) لَمَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قَالَ لُوطٌ: الْآنَ الْآنَ. اسْتَعْجَلَهُمْ بِالْعَذَابِ لِغَيْظِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالُوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "أَلَيْسَ الصُّبُحُ" بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الصُّبْحَ مِيقَاتًا لِهَلَاكِهِمْ، لِأَنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أَوْدَعُ، وَالنَّاسَ فِيهِ أَجْمَعُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ مَلَائِكَةً مَعَهُمْ صَوْتُ رَعْدٍ، وَخَطْفُ بَرْقٍ، وَصَوَاعِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ أَنَّ لُوطًا سَيَخْرُجُ فَلَا تُؤْذُوهُ، وَأَمَارَتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ، وَلَا تَلْتَفِتُ ابْنَتَاهُ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَا تَرَى. فَخَرَجَ لُوطٌ وَطَوَى اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ فِي وَقْتِهِ حَتَّى نَجَا وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أَيْ عَذَابُنَا.

(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، وَهِيَ خَمْسٌ: سَدُومُ- وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى،- وَعَامُورَا، وَدَادُومَا، وضعوه، وَقَتَمُ [[وفى ع وز وك: قاموارا ورادما وصعو، وفى ضبط هذه القرى اختلاف.]]، فَرَفَعَهَا مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ حَتَّى أَدْنَاهَا مِنَ السَّمَاءِ بما في فِيهَا، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نَهِيقَ حُمُرِهِمْ وَصِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ، لَمْ تَنْكَفِئْ لَهُمْ جَرَّةٌ، وَلَمْ ينكسر [[في ى: ينكشف.]] لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وَأَتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالْحِجَارَةِ. مُقَاتِلٌ. أُهْلِكَتْ أَرْبَعَةٌ، وَنَجَتْ ضعوه. وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تعالى: (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ حُكْمُهُ الرَّجْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٣.]]. وَفِي التَّفْسِيرِ: أَمْطَرْنَا فِي الْعَذَابِ، وَمَطَرْنَا فِي الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْعَرَبِ فَيُقَالُ: مَطَرَتِ السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في "سِجِّيلٍ" فَقَالَ النَّحَّاسُ [[كذا في ا، وفى ز وع وك وووى: (البخاري).]]: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ، وَسِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ، وَأَنْشَدَ [[سيأتي البيت بتمامه في ص ٨٣.]]

ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينًا قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وَقَالَ: هَذَا سِجِّينٌ وَذَلِكَ سِجِّيلٌ فَكَيْفَ يُسْتَشْهَدُ بِهِ؟! قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الرَّدُّ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تُبْدَلُ مِنَ النُّونِ لِقُرْبِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ يُرَدُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ لَكَانَ حِجَارَةً سِجِّيلًا، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ، لِأَنَّ شَدِيدًا نَعْتٌ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِحِجَارَةِ الْأَرْحَاءِ سِجِّيلٌ. وَحَكَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ أَنَّ سِجِّيلًا طِينٌ يُطْبَخُ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْحَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ سِجِّيلًا لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ عُرِّبَتْ، أَصْلُهَا سنج وجيل. وَيُقَالُ: سنك وكيل، بِالْكَافِ مَوْضِعَ الْجِيمِ، وَهُمَا بِالْفَارِسِيَّةِ حَجَرٌ وَطِينٌ عَرَّبَتْهُمَا الْعَرَبُ فَجَعَلَتْهُمَا اسْمًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: السِّجِّيلُ الطِّينُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٤٧.]] [الذاريات: ٣٣]. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ. وَالسِّجِّيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلُّ شَدِيدٍ صُلْبٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْآجُرَّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: طِينٌ طُبِخَ حَتَّى كَانَ كَالْآجُرِّ، وَعَنْهُ أَنَّ سِجِّيلًا اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وَصْفُهُ بِ "مَنْضُودٍ". وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْهُ نَزَلَتِ الْحِجَارَةُ. وَقِيلَ: هِيَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾[[راجع ج ١٢ ص ٢٨٩.]] [النور: ٤٣]. وَقِيلَ: هُوَ مِمَّا سُجِّلَ لَهُمْ أَيْ كُتِبَ لَهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ، فَهُوَ فِي مَعْنَى سِجِّينٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٢٥٤.]] [المطففين: ٨] قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَاخْتَارَهُ. وَقِيلَ: هُوَ فِعِّيلٌ مِنْ أَسْجَلْتُهُ أَيْ أَرْسَلْتُهُ، فَكَأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَسْجَلْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ، فَكَأَنَّهُ عَذَابٌ أُعْطُوهُ، قَالَ [[البيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب. واصل المساجلة. أن يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الآخر فأيهما نكل فقد غلب، فضربته مثلا العرب للمفاخرة. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين وهو الحبل الأول.]]:

مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... يَمْلَأُ الدلو إلى عقد الكرب

وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: السِّجِّيلُ وَالسِّجِّينُ الشَّدِيدُ مِنَ الْحَجَرِ وَالضَّرْبِ، قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً [[وروى في اللسان: (يضربون البيض عن عرض).]] ... ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا

(مَنْضُودٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُتَتَابِعٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نُضِدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: نُضِدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَ جَسَدًا وَاحِدًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَصْفُوفٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَرْصُوصٌ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. يُقَالُ: نَضَدْتُ الْمَتَاعَ وَاللَّبَنَ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهُوَ مَنْضُودٌ وَنَضِيدٌ وَنَضَدٌ، قَالَ:

وَرَفَّعَتْهُ إِلَى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: مُعَدٌّ، أَيْ هُوَ مِمَّا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ الظَّلَمَةِ.

(مُسَوَّمَةً) أَيْ مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ كَانَ عَلَيْهَا أَمْثَالُ الْخَوَاتِيمِ. وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ، وَكَانَتْ لَا تُشَاكِلُ حِجَارَةَ الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بِحُمْرَةٍ وَسَوَادٍ فِي بَيَاضٍ، فَذَلِكَ تَسْوِيمُهَا. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتْ مُعَلَّمَةً بِبَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ، وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله، وبعده:

كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر

وقوله: (له سيماء لا تشق على البصر) أي يفرح به من يراه.]]:

غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ

وَ "مُسَوَّمَةً" مِنْ نَعْتِ حِجَارَةٍ. وَ "مَنْضُودٍ" مِنْ نَعْتِ "سِجِّيلٍ". وَفِي قَوْلِهِ: (عِنْدَ رَبِّكَ) " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الْأَرْضِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ، أَيْ لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرْهِبُ قُرَيْشًا، الْمَعْنَى: مَا الْحِجَارَةُ مِنْ ظَالِمِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ بِبَعِيدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهِ مَا أَجَارَ اللَّهُ مِنْهَا ظَالِمًا بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجَالُهُمْ بِالرِّجَالِ وَنِسَاؤُهُمْ بِالنِّسَاءِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْتَقِبُوا عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ" ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ".

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ "لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَسْتَحِلَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَدْبَارَ الرِّجَالِ كَمَا اسْتَحَلُّوا أَدْبَارَ النِّسَاءِ فَتُصِيبُ طَوَائِفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ حِجَارَةٌ مِنْ رَبِّكَ". وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا هَذِهِ الْقُرَى مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، وَهِيَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ. وَجَاءَ "بِبَعِيدٍ" مُذَكَّرًا عَلَى مَعْنَى بِمَكَانٍ بَعِيدٍ. وَفِي الْحِجَارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى الْمُدُنِ حِينَ رَفَعَهَا جِبْرِيلُ. الثَّانِي- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُدُنِ مِنْ أَهْلِهَا وكان خارجا عنها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ لَمَّا خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَرْيَةِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ بصرت بنتا لوط- وهما تستقيان- بالملائكة وَرَأَتَا هَيْئَةً حَسَنَةً، فَقَالَتَا: مَا شَأْنُكُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ مَوْضِعِ كَذَا نُرِيدُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ قَالَتَا: فَإِنَّ أَهْلَهَا أَصْحَابُ الْفَوَاحِشِ، فَقَالُوا: أَبِهَا مَنْ يُضَيِّفنَا؟ قَالَتَا: نَعَمْ! هَذَا الشَّيْخُ وَأَشَارَتَا إِلَى لُوطٍ، فَلَمَّا رَأَى لُوطٌ هيئتهم خاف قومه عليهم.

(سِيءَ بِهِمْ) أَيْ سَاءَهُ مَجِيئُهُمْ، يُقَالُ: سَاءَ يَسُوءُ فَهُوَ لَازِمٌ، وَسَاءَهُ يَسُوءُهُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ أَيْضًا، وَإِنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ السِّينَ، لِأَنَّ أَصْلَهَا الضَّمُّ، وَالْأَصْلَ سُوِئَ بِهِمْ مِنَ السُّوءِ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ عَلَى السِّينِ فَانْقَلَبَتْ يَاءً، وَإِنْ خُفِّفَتِ الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: "سي بِهِمْ" مُخَفَّفًا، وَلُغَةٌ شَاذَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ.

(وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أَيْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَجِيئِهِمْ وَكَرِهَهُ. وَقِيلَ: ضَاقَ وُسْعُهُ وَطَاقَتُهُ. وَأَصْلُهُ أَنْ يَذْرَعَ الْبَعِيرَ بِيَدَيْهِ فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلَى قَدْرِ سِعَةِ خطوه، فإذ حُمِلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ طَوْقِهِ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ، وَضَعُفَ وَمَدَّ عُنُقَهُ، فَضِيقُ الذَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ضِيقِ الْوُسْعِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَيْ غَلَبَهُ، أَيْ ضَاقَ عَنْ حَبْسِهِ الْمَكْرُوهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا ضَاقَ ذَرْعَهُ بِهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَمَالِهِمْ، وَمَا يَعْلَمُ مِنْ فِسْقِ قَوْمِهِ.

(وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أَيْ شَدِيدٌ فِي الشَّرِّ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَإِنَّكَ إِلَّا تُرْضِ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالْعِرَاقِ عَصِيبٌ

وَقَالَ آخَرُ:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا ... عَصْبَ الْقَوِيِّ السَّلَمِ الطِّوَالَا

وَيُقَالُ: عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ عَلَى التَّكْثِيرِ، أَيْ مَكْرُوهٌ مُجْتَمِعُ الشَّرِّ وَقَدْ. عَصَبَ، أَيْ عَصَبَ بِالشَّرِّ عِصَابَةً، وَمِنْهُ قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعوا الْكَلِمَةِ، أَيْ مُجْتَمِعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَعُصْبَةُ الرَّجُلِ الْمُجْتَمِعُونَ مَعَهُ فِي النَّسَبِ، وَتَعَصَّبْتُ لِفُلَانٍ صِرْتُ كَعَصَبَتِهِ، وَرَجُلٍ مَعْصُوبٍ [[في مفردات الراغب: ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة (.)]]، أَيْ مُجْتَمِعُ الْخَلْقِ.

(قَوْلُهُ تعالى:) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. "يُهْرَعُونَ" أَيْ يُسْرِعُونَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَا يَكُونُ الْإِهْرَاعُ إِلَّا إِسْرَاعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقَالُ: أَهْرَعَ الرَّجُلُ إِهْرَاعًا أَيْ أَسْرَعَ فِي رِعْدَةٍ مِنْ بَرْدٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ حُمَّى، وَهُوَ مهرع، قال مهلهل: فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى ... نَقُودُهُمْ عَلَى رَغْمِ الْأُنُوفِ

وَقَالَ آخَرُ:

بِمُعْجَلَاتٍ نَحْوَهُ مَهَارِعَ

وَهَذَا مِثْلُ: أُولِعَ فُلَانٌ بِالْأَمْرِ، وَأُرْعِدَ زَيْدٌ. وَزُهِيَ فُلَانٌ وَتَجِيءُ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَقِيلَ: أُهْرِعَ أَيْ أَهْرَعَهُ حِرْصُهُ، وَعَلَى هَذَا "يُهْرَعُونَ" أَيْ يَسْتَحِثُّونَ عَلَيْهِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ إِلَّا أُهْرِعَ الرَّجُلُ أَيْ أَسْرَعَ، عَلَى لَفْظٍ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ: هُرِعَ الْإِنْسَانُ هَرَعًا، وَأُهْرِعَ: سِيقَ وَاسْتُعْجِلَ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ: هُرِعَ الرَّجُلُ وَأُهْرِعَ أَيِ اسْتُحِثَّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: "يُهْرَعُونَ" يُهَرْوِلُونَ. الضَّحَّاكُ: يَسْعَوْنَ. ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ. وَقَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ مَشْيٌ بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ وَالْجَمَزَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَشْيٌ بَيْنَ مَشْيَيْنِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْرَاعِهِمْ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ الْكَافِرَةَ، لَمَّا رَأَتِ الْأَضْيَافَ وَجَمَالَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ، خَرَجَتْ حَتَّى أَتَتْ مَجَالِسَ قَوْمِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّ لُوطًا قَدْ أَضَافَ اللَّيْلَةَ فِتْيَةً مَا رُئِيَ مِثْلُهُمْ جَمَالًا، وَكَذَا وَكَذَا، فَحِينَئِذٍ جَاءُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَيُذْكَرُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَلَدِ لُوطٍ وَجَدُوا لُوطًا فِي حَرْثٍ لَهُ. وَقِيلَ: وَجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي مَاءً مِنْ نَهْرِ سَدُومَ، فَسَأَلُوهَا الدَّلَالَةَ عَلَى مَنْ يُضَيِّفُهُمْ، وَرَأَتْ هَيْئَتَهُمْ فَخَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، وَقَالَتْ لَهُمْ: مَكَانُكُمْ! وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تُضَيِّفَنَا اللَّيْلَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أومأ سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالُوا: وَمَا عَمَلُهُمْ؟ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَشَرُّ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ- وَقَدْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ لَا تُعَذِّبُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ- فَلَمَّا قَالَ لُوطٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ حَتَّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهَادَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ وَمِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ لُوطٍ.

(كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) أَيْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ إِتْيَانَ الرِّجَالِ. فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: (هؤُلاءِ بَناتِي) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: "هؤُلاءِ بَناتِي" فَقِيلَ: كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ صُلْبِهِ. وَقِيلَ: بِنْتَانِ، زَيْتَا [[كذا في الأصول والآلوسى، وفى الطبري: رثيا.]] وَزَعْوَرَاءُ، فَقِيلَ: كَانَ لَهُمْ سَيِّدَانِ مُطَاعَانِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُمَا ابْنَتَيْهِ. وَقِيلَ: نَدَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى النِّكَاحِ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ جَوَازُ نِكَاحِ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ، فَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنْتًا لَهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَا كَافِرَيْنِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ- مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ- أَشَارَ بِقَوْلِهِ: "بَناتِي" إِلَى النِّسَاءِ جُمْلَةً، إِذْ نَبِيُّ الْقَوْمِ أَبٌ لَهُمْ، وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ." النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم [الأحزاب: ٦]. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ مُدَافَعَةً وَلَمْ يُرِدْ إِمْضَاءَهُ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنْهَى عَنْ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ: الْخِنْزِيرُ أَحَلُّ لَكَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ بَنَاتِهِ وَلَا بَنَاتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِيَنْصَرِفُوا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ أُزَوِّجُكُمُوهُنَّ، فَهُوَ أَطْهَرُ لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ، أَيْ أَحَلُّ. وَالتَّطَهُّرُ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَأَرَادَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ يَفْدِيَ أَضْيَافَهُ بِبَنَاتِهِ. وَلَيْسَ أَلِفُ "أَطْهَرُ" لِلتَّفْضِيلِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ فِي نِكَاحِ [الرِّجَالِ [[في الأصل (النساء) وهو تحريف.]]] طَهَارَةً، بَلْ هُوَ كَقَوْلِكَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ، وَإِنْ لم يكن تفضيل، وَهَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ [[في ع: سائغ.]] فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُكَابِرِ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرَ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ [[أي أظهر دينك.]] اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "قُلِ اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". وَهُبَلُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَالِيًا وَلَا جَلِيلًا. وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى بْنُ عَمْرٍو "هُنَّ أَطْهَرَ" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ. وَ "هُنَّ" عِمَادُ. وَلَا يُجِيزُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشُ أَنْ يَكُونَ "هُنَّ" هَاهُنَا عِمَادًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِمَادًا فِيمَا لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِمَا بَعْدَهَا، نَحْوُ كَانَ زَيْدٌ هُوَ أَخَاكَ، لِتَدُلَّ بِهَا على أن الأخ ليس بنعت.

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَعْرِفَةٌ أَوْ مَا قَارَنَهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ لَا تُهِينُونِي وَلَا تُذِلُّونِي. وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:

فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبَ بْنَ مَالِكٍ ... وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إِحْدَى الصَّوَاعِقِ

مَدَدْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا ... وَدَمَّيْتَ فَاهُ قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ

ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، وَالْخَجَلُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

خَزَايَةٌ [[.

(خزاية) أي من الخزاية. والحبل هو حبل الرمل. والكلام في وصف ثور وحشي تطارده الكلاب. وقبله:

حتى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب

يعنى أن الثور أنف من الهرب فرجع إلى الكلاب.]] أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ... مِنْ جَانِبِ الْحَبْلِ مَخْلُوطًا بِهَا الْغَضَبُ

وَقَالَ آخَرُ:

مِنَ الْبِيضِ لَا تَخْزَى إِذَا الرِّيحُ أَلْصَقَتْ ... بِهَا مِرْطَهَا أَوْ زَايَلَ الْحَلْيُ جِيدَهَا

وَضَيْفٌ يَقَعُ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفَارَ الْجَازِرِ ... لِلضَّيْفِ وَالضَّيْفُ أَحَقُّ زَائِرِ

وَيَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ كَقَوْلِكَ: رِجَالٌ صَوْمٌ وَفِطْرٌ وَزَوْرٌ. وَخَزِيَ الرَّجُلُ خَزَايَةً، أَيِ اسْتَحْيَا مِثْلُ ذَلَّ وَهَانَ. وَخَزِيَ خِزْيًا إِذَا افْتَضَحَ، يَخْزَى فِيهِمَا جَمِيعًا. ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِقَوْلِهِ: "(أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) " أَيْ شَدِيدٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: "رَشِيدٌ" أَيْ ذُو رُشْدٍ. أَوْ بِمَعْنَى رَاشِدٍ أَوْ مُرْشِدٍ، أَيْ صَالِحٌ أَوْ مُصْلِحٌ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُؤْمِنٌ. أَبُو مَالِكٍ: نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: الرَّشِيدُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ، وَالرُّشْدُ وَالرَّشَادُ الهدى والاستقامة. ويجوز أي يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُرْشِدِ، كَالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ رُوِيَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَرَدَّهُمْ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، فذلك قوله تعالى: "قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ" وَبَعُدَ أَلَّا تَكُونَ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ. فَوَجْهُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ، لَنَا إِلَى بَنَاتِكَ تَعَلُّقٌ، وَلَا هُنَّ قَصْدُنَا، وَلَا لَنَا عَادَةٌ نَطْلُبُ ذَلِكَ.

(وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْأَضْيَافِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لَمَّا رَأَى اسْتِمْرَارَهُمْ فِي غَيِّهِمْ، وَضَعُفَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِمْ، تَمَنَّى لَوْ وَجَدَ عَوْنًا عَلَى رَدِّهِمْ، فَقَالَ عَلَى جِهَةِ التَّفَجُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ.: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَيْ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ الْوَلَدَ. وَ "أَنَّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أَوْ وَقَعَ. وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي "أَنَّ" التَّابِعَةَ لِ "لَوْ". وَجَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أَيْ لَرَدَدْتُ أَهْلَ الْفَسَادِ، وَحُلْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ.

(أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أَيْ أَلْجَأُ وَأَنْضَوِي. وقرى "أَوْ آوِيَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى "قُوَّةً" كَأَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَوْ إِيوَاءً إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أَيْ وَأَنْ آوِيَ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ "أَنْ". وَمُرَادُ لُوطٍ بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَةُ، وَالْمَنَعَةُ بِالْكَثْرَةِ. وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَجِدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَقَالُوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٢٩٨.]]. وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ "مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَالثَّرْوَةُ الْكَثْرَةُ وَالْمَنَعَةُ، حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَيُرْوَى أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا غَلَبَهُ قَوْمُهُ، وَهَمُّوا بِكَسْرِ الْبَابِ وَهُوَ يُمْسِكُهُ، قَالَتْ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ الْبَابِ، فَتَنَحَّى وَانْفَتَحَ الْبَابُ، فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، وَعَمُوا وَانْصَرَفُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٣.]] [القمر: ٣٧]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَغْلَقَ لُوطٌ بَابَهُ وَالْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُنَاظِرُ قَوْمَهُ وَيُنَاشِدُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا لَقِيَ مِنَ الْجَهْدِ وَالْكَرْبِ وَالنَّصَبِ بِسَبَبِهِمْ، قَالُوا: يَا لُوطُ إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غير مردود، وَإِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ، فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ، فَفَتَحَ الْبَابَ فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَذْرَاهَا فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَوْصَلَ اللَّهُ إِلَى عَيْنِ مَنْ بَعُدَ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابَ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، وَلَا اهْتَدَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا هُمْ أَسْحَرُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَحَرُونَا فَأَعْمَوْا أَبْصَارَنَا. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى نُصْبِحَ فَسَتَرَى، يَتَوَعَّدُونَهُ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) لَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ حُزْنَهُ وَاضْطِرَابَهُ وَمُدَافَعَتَهُ عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُلٌ مَكَّنَ قَوْمَهُ مِنَ الدُّخُولِ، فَأَمَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدَهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَعَمُوا، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ فَجَفَّتْ.

(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) أَيْ بِمَكْرُوهٍ (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) قُرِئَ "فَأَسْرِ" بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَقَطْعِهَا، لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾[[راجع ج ٢٠ ص ٤٢.]] [الفجر: ٤] وقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٠٤.]] [الإسراء: ١] وَقَالَ النَّابِغَةُ: فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ:

أَسْرَتْ [[ويروى (سرت). يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها بالجوزاء.]] عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشِّمَالُ عليه جامد الْبَرَدِ

وَقَالَ آخَرُ:

حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الْخِدْرِ ... أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي

وَقَدْ قِيلَ: "فَأَسْرِ" بالقطع إذا سار من أول الليل، وَسَرَى إِذَا سَارَ مِنْ آخِرِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إِلَّا سَارَ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

إِذَا الْمَرْءُ أَسْرَى لَيْلَةً ظَنَّ أَنَّهُ ... قَضَى عَمَلًا وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ عَامِلُ

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:

عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ... وَتَنْجَلِي عَنْهُمْ غَيَابَاتُ الْكَرَى

(بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. الضَّحَّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ. قَتَادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنَ اللَّيْلِ. الْأَخْفَشُ: بَعْدَ جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقيل: هزيع مِنَ اللَّيْلِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعر [[هو مالك بن كنانه.]]:

ونائحة تنوح بقطع ليل ... على رجل بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ

فَإِنْ قِيلَ: السُّرَى لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ، فَمَا مَعْنَى "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ"؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ" جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُ.

(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أَيْ لَا يَنْظُرُ وَرَاءَهُ مِنْكُمْ أحد، قال مُجَاهِدٌ. ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: لَا يَشْتَغِلُ مِنْكُمْ أَحَدٌ بِمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ.

(إِلَّا امْرَأَتَكَ) بِالنَّصْبِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيِّنَةُ الْمَعْنَى، أَيْ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ. وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ" فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْأَهْلِ. وَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْرُجْ بِهَا مَعَهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢٤١.]] [الأعراف: ٨٣] أَيْ مِنَ الْبَاقِينَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: "إِلَّا امْرَأَتُكُ" بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "أَحَدٌ". وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ "يَلْتَفِتْ" وَيَكُونُ نَعْتًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ- إِذَا أُبْدِلَتْ وَجُزِمَتْ- أَنَّ الْمَرْأَةَ أُبِيحَ لَهَا الِالْتِفَاتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ أَبِي عَمْرٍو مَعَ جَلَالَتِهِ وَمَحَلِّهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَالتَّأْوِيلُ لَهُ عَلَى مَا حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِحَاجِبِهِ: لَا يَخْرُجْ فُلَانٌ، فَلَفْظُ النَّهْيِ لِفُلَانٍ وَمَعْنَاهُ لِلْمُخَاطَبِ، أَيْ لَا تَدَعْهُ يَخْرُجُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: لَا يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، يَكُونُ مَعْنَاهُ: انْهَهُمْ عَنِ الْقِيَامِ إِلَّا زَيْدًا، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ لِلُوطٍ وَلَفْظُهُ لِغَيْرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: انْهَهُمْ لَا يَلْتَفِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ، أَيْ لَا يَلْتَفِتُ، مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ فَإِنَّهَا تَلْتَفِتُ وَتَهْلَكُ، وَأَنَّ لُوطًا خَرَجَ بِهَا، وَنَهَى مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَلَّا يَلْتَفِتَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهَا لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر فقتلها.

(إِنَّهُ مُصِيبُها) أَيْ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إلى الأمر والشأن، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ وَالْقِصَّةَ.

(مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) لَمَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قَالَ لُوطٌ: الْآنَ الْآنَ. اسْتَعْجَلَهُمْ بِالْعَذَابِ لِغَيْظِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالُوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "أَلَيْسَ الصُّبُحُ" بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الصُّبْحَ مِيقَاتًا لِهَلَاكِهِمْ، لِأَنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أَوْدَعُ، وَالنَّاسَ فِيهِ أَجْمَعُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ مَلَائِكَةً مَعَهُمْ صَوْتُ رَعْدٍ، وَخَطْفُ بَرْقٍ، وَصَوَاعِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ أَنَّ لُوطًا سَيَخْرُجُ فَلَا تُؤْذُوهُ، وَأَمَارَتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ، وَلَا تَلْتَفِتُ ابْنَتَاهُ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَا تَرَى. فَخَرَجَ لُوطٌ وَطَوَى اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ فِي وَقْتِهِ حَتَّى نَجَا وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أَيْ عَذَابُنَا.

(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، وَهِيَ خَمْسٌ: سَدُومُ- وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى،- وَعَامُورَا، وَدَادُومَا، وضعوه، وَقَتَمُ [[وفى ع وز وك: قاموارا ورادما وصعو، وفى ضبط هذه القرى اختلاف.]]، فَرَفَعَهَا مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ حَتَّى أَدْنَاهَا مِنَ السَّمَاءِ بما في فِيهَا، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نَهِيقَ حُمُرِهِمْ وَصِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ، لَمْ تَنْكَفِئْ لَهُمْ جَرَّةٌ، وَلَمْ ينكسر [[في ى: ينكشف.]] لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وَأَتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالْحِجَارَةِ. مُقَاتِلٌ. أُهْلِكَتْ أَرْبَعَةٌ، وَنَجَتْ ضعوه. وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تعالى: (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ حُكْمُهُ الرَّجْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٣.]]. وَفِي التَّفْسِيرِ: أَمْطَرْنَا فِي الْعَذَابِ، وَمَطَرْنَا فِي الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْعَرَبِ فَيُقَالُ: مَطَرَتِ السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في "سِجِّيلٍ" فَقَالَ النَّحَّاسُ [[كذا في ا، وفى ز وع وك وووى: (البخاري).]]: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ، وَسِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ، وَأَنْشَدَ [[سيأتي البيت بتمامه في ص ٨٣.]]

ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينًا قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وَقَالَ: هَذَا سِجِّينٌ وَذَلِكَ سِجِّيلٌ فَكَيْفَ يُسْتَشْهَدُ بِهِ؟! قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الرَّدُّ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تُبْدَلُ مِنَ النُّونِ لِقُرْبِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ يُرَدُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ لَكَانَ حِجَارَةً سِجِّيلًا، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ، لِأَنَّ شَدِيدًا نَعْتٌ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِحِجَارَةِ الْأَرْحَاءِ سِجِّيلٌ. وَحَكَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ أَنَّ سِجِّيلًا طِينٌ يُطْبَخُ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْحَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ سِجِّيلًا لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ عُرِّبَتْ، أَصْلُهَا سنج وجيل. وَيُقَالُ: سنك وكيل، بِالْكَافِ مَوْضِعَ الْجِيمِ، وَهُمَا بِالْفَارِسِيَّةِ حَجَرٌ وَطِينٌ عَرَّبَتْهُمَا الْعَرَبُ فَجَعَلَتْهُمَا اسْمًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: السِّجِّيلُ الطِّينُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٤٧.]] [الذاريات: ٣٣]. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ. وَالسِّجِّيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلُّ شَدِيدٍ صُلْبٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْآجُرَّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: طِينٌ طُبِخَ حَتَّى كَانَ كَالْآجُرِّ، وَعَنْهُ أَنَّ سِجِّيلًا اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وَصْفُهُ بِ "مَنْضُودٍ". وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْهُ نَزَلَتِ الْحِجَارَةُ. وَقِيلَ: هِيَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾[[راجع ج ١٢ ص ٢٨٩.]] [النور: ٤٣]. وَقِيلَ: هُوَ مِمَّا سُجِّلَ لَهُمْ أَيْ كُتِبَ لَهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ، فَهُوَ فِي مَعْنَى سِجِّينٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٢٥٤.]] [المطففين: ٨] قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَاخْتَارَهُ. وَقِيلَ: هُوَ فِعِّيلٌ مِنْ أَسْجَلْتُهُ أَيْ أَرْسَلْتُهُ، فَكَأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَسْجَلْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ، فَكَأَنَّهُ عَذَابٌ أُعْطُوهُ، قَالَ [[البيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب. واصل المساجلة. أن يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الآخر فأيهما نكل فقد غلب، فضربته مثلا العرب للمفاخرة. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين وهو الحبل الأول.]]:

مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... يَمْلَأُ الدلو إلى عقد الكرب

وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: السِّجِّيلُ وَالسِّجِّينُ الشَّدِيدُ مِنَ الْحَجَرِ وَالضَّرْبِ، قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً [[وروى في اللسان: (يضربون البيض عن عرض).]] ... ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا

(مَنْضُودٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُتَتَابِعٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نُضِدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: نُضِدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَ جَسَدًا وَاحِدًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَصْفُوفٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَرْصُوصٌ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. يُقَالُ: نَضَدْتُ الْمَتَاعَ وَاللَّبَنَ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهُوَ مَنْضُودٌ وَنَضِيدٌ وَنَضَدٌ، قَالَ:

وَرَفَّعَتْهُ إِلَى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: مُعَدٌّ، أَيْ هُوَ مِمَّا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ الظَّلَمَةِ.

(مُسَوَّمَةً) أَيْ مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ كَانَ عَلَيْهَا أَمْثَالُ الْخَوَاتِيمِ. وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ، وَكَانَتْ لَا تُشَاكِلُ حِجَارَةَ الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بِحُمْرَةٍ وَسَوَادٍ فِي بَيَاضٍ، فَذَلِكَ تَسْوِيمُهَا. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتْ مُعَلَّمَةً بِبَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ، وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله، وبعده:

كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر

وقوله: (له سيماء لا تشق على البصر) أي يفرح به من يراه.]]:

غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ

وَ "مُسَوَّمَةً" مِنْ نَعْتِ حِجَارَةٍ. وَ "مَنْضُودٍ" مِنْ نَعْتِ "سِجِّيلٍ". وَفِي قَوْلِهِ: (عِنْدَ رَبِّكَ) " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الْأَرْضِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ، أَيْ لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرْهِبُ قُرَيْشًا، الْمَعْنَى: مَا الْحِجَارَةُ مِنْ ظَالِمِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ بِبَعِيدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهِ مَا أَجَارَ اللَّهُ مِنْهَا ظَالِمًا بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجَالُهُمْ بِالرِّجَالِ وَنِسَاؤُهُمْ بِالنِّسَاءِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْتَقِبُوا عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ" ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ".

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ "لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَسْتَحِلَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَدْبَارَ الرِّجَالِ كَمَا اسْتَحَلُّوا أَدْبَارَ النِّسَاءِ فَتُصِيبُ طَوَائِفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ حِجَارَةٌ مِنْ رَبِّكَ". وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا هَذِهِ الْقُرَى مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، وَهِيَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ. وَجَاءَ "بِبَعِيدٍ" مُذَكَّرًا عَلَى مَعْنَى بِمَكَانٍ بَعِيدٍ. وَفِي الْحِجَارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى الْمُدُنِ حِينَ رَفَعَهَا جِبْرِيلُ. الثَّانِي- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُدُنِ مِنْ أَهْلِهَا وكان خارجا عنها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ لَمَّا خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَرْيَةِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ بصرت بنتا لوط- وهما تستقيان- بالملائكة وَرَأَتَا هَيْئَةً حَسَنَةً، فَقَالَتَا: مَا شَأْنُكُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ مَوْضِعِ كَذَا نُرِيدُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ قَالَتَا: فَإِنَّ أَهْلَهَا أَصْحَابُ الْفَوَاحِشِ، فَقَالُوا: أَبِهَا مَنْ يُضَيِّفنَا؟ قَالَتَا: نَعَمْ! هَذَا الشَّيْخُ وَأَشَارَتَا إِلَى لُوطٍ، فَلَمَّا رَأَى لُوطٌ هيئتهم خاف قومه عليهم.

(سِيءَ بِهِمْ) أَيْ سَاءَهُ مَجِيئُهُمْ، يُقَالُ: سَاءَ يَسُوءُ فَهُوَ لَازِمٌ، وَسَاءَهُ يَسُوءُهُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ أَيْضًا، وَإِنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ السِّينَ، لِأَنَّ أَصْلَهَا الضَّمُّ، وَالْأَصْلَ سُوِئَ بِهِمْ مِنَ السُّوءِ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ عَلَى السِّينِ فَانْقَلَبَتْ يَاءً، وَإِنْ خُفِّفَتِ الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: "سي بِهِمْ" مُخَفَّفًا، وَلُغَةٌ شَاذَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ.

(وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أَيْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَجِيئِهِمْ وَكَرِهَهُ. وَقِيلَ: ضَاقَ وُسْعُهُ وَطَاقَتُهُ. وَأَصْلُهُ أَنْ يَذْرَعَ الْبَعِيرَ بِيَدَيْهِ فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلَى قَدْرِ سِعَةِ خطوه، فإذ حُمِلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ طَوْقِهِ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ، وَضَعُفَ وَمَدَّ عُنُقَهُ، فَضِيقُ الذَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ضِيقِ الْوُسْعِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَيْ غَلَبَهُ، أَيْ ضَاقَ عَنْ حَبْسِهِ الْمَكْرُوهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا ضَاقَ ذَرْعَهُ بِهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَمَالِهِمْ، وَمَا يَعْلَمُ مِنْ فِسْقِ قَوْمِهِ.

(وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أَيْ شَدِيدٌ فِي الشَّرِّ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَإِنَّكَ إِلَّا تُرْضِ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالْعِرَاقِ عَصِيبٌ

وَقَالَ آخَرُ:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا ... عَصْبَ الْقَوِيِّ السَّلَمِ الطِّوَالَا

وَيُقَالُ: عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ عَلَى التَّكْثِيرِ، أَيْ مَكْرُوهٌ مُجْتَمِعُ الشَّرِّ وَقَدْ. عَصَبَ، أَيْ عَصَبَ بِالشَّرِّ عِصَابَةً، وَمِنْهُ قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعوا الْكَلِمَةِ، أَيْ مُجْتَمِعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَعُصْبَةُ الرَّجُلِ الْمُجْتَمِعُونَ مَعَهُ فِي النَّسَبِ، وَتَعَصَّبْتُ لِفُلَانٍ صِرْتُ كَعَصَبَتِهِ، وَرَجُلٍ مَعْصُوبٍ [[في مفردات الراغب: ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة (.)]]، أَيْ مُجْتَمِعُ الْخَلْقِ.

(قَوْلُهُ تعالى:) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. "يُهْرَعُونَ" أَيْ يُسْرِعُونَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَا يَكُونُ الْإِهْرَاعُ إِلَّا إِسْرَاعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقَالُ: أَهْرَعَ الرَّجُلُ إِهْرَاعًا أَيْ أَسْرَعَ فِي رِعْدَةٍ مِنْ بَرْدٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ حُمَّى، وَهُوَ مهرع، قال مهلهل: فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى ... نَقُودُهُمْ عَلَى رَغْمِ الْأُنُوفِ

وَقَالَ آخَرُ:

بِمُعْجَلَاتٍ نَحْوَهُ مَهَارِعَ

وَهَذَا مِثْلُ: أُولِعَ فُلَانٌ بِالْأَمْرِ، وَأُرْعِدَ زَيْدٌ. وَزُهِيَ فُلَانٌ وَتَجِيءُ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَقِيلَ: أُهْرِعَ أَيْ أَهْرَعَهُ حِرْصُهُ، وَعَلَى هَذَا "يُهْرَعُونَ" أَيْ يَسْتَحِثُّونَ عَلَيْهِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ إِلَّا أُهْرِعَ الرَّجُلُ أَيْ أَسْرَعَ، عَلَى لَفْظٍ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ: هُرِعَ الْإِنْسَانُ هَرَعًا، وَأُهْرِعَ: سِيقَ وَاسْتُعْجِلَ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ: هُرِعَ الرَّجُلُ وَأُهْرِعَ أَيِ اسْتُحِثَّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: "يُهْرَعُونَ" يُهَرْوِلُونَ. الضَّحَّاكُ: يَسْعَوْنَ. ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ. وَقَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ مَشْيٌ بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ وَالْجَمَزَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَشْيٌ بَيْنَ مَشْيَيْنِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْرَاعِهِمْ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ الْكَافِرَةَ، لَمَّا رَأَتِ الْأَضْيَافَ وَجَمَالَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ، خَرَجَتْ حَتَّى أَتَتْ مَجَالِسَ قَوْمِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّ لُوطًا قَدْ أَضَافَ اللَّيْلَةَ فِتْيَةً مَا رُئِيَ مِثْلُهُمْ جَمَالًا، وَكَذَا وَكَذَا، فَحِينَئِذٍ جَاءُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَيُذْكَرُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَلَدِ لُوطٍ وَجَدُوا لُوطًا فِي حَرْثٍ لَهُ. وَقِيلَ: وَجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي مَاءً مِنْ نَهْرِ سَدُومَ، فَسَأَلُوهَا الدَّلَالَةَ عَلَى مَنْ يُضَيِّفُهُمْ، وَرَأَتْ هَيْئَتَهُمْ فَخَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، وَقَالَتْ لَهُمْ: مَكَانُكُمْ! وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تُضَيِّفَنَا اللَّيْلَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أومأ سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالُوا: وَمَا عَمَلُهُمْ؟ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَشَرُّ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ- وَقَدْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ لَا تُعَذِّبُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ- فَلَمَّا قَالَ لُوطٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ حَتَّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهَادَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ وَمِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ لُوطٍ.

(كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) أَيْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ إِتْيَانَ الرِّجَالِ. فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: (هؤُلاءِ بَناتِي) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: "هؤُلاءِ بَناتِي" فَقِيلَ: كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ صُلْبِهِ. وَقِيلَ: بِنْتَانِ، زَيْتَا [[كذا في الأصول والآلوسى، وفى الطبري: رثيا.]] وَزَعْوَرَاءُ، فَقِيلَ: كَانَ لَهُمْ سَيِّدَانِ مُطَاعَانِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُمَا ابْنَتَيْهِ. وَقِيلَ: نَدَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى النِّكَاحِ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ جَوَازُ نِكَاحِ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ، فَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنْتًا لَهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَا كَافِرَيْنِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ- مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ- أَشَارَ بِقَوْلِهِ: "بَناتِي" إِلَى النِّسَاءِ جُمْلَةً، إِذْ نَبِيُّ الْقَوْمِ أَبٌ لَهُمْ، وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ." النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم [الأحزاب: ٦]. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ مُدَافَعَةً وَلَمْ يُرِدْ إِمْضَاءَهُ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنْهَى عَنْ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ: الْخِنْزِيرُ أَحَلُّ لَكَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ بَنَاتِهِ وَلَا بَنَاتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِيَنْصَرِفُوا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ أُزَوِّجُكُمُوهُنَّ، فَهُوَ أَطْهَرُ لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ، أَيْ أَحَلُّ. وَالتَّطَهُّرُ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَأَرَادَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ يَفْدِيَ أَضْيَافَهُ بِبَنَاتِهِ. وَلَيْسَ أَلِفُ "أَطْهَرُ" لِلتَّفْضِيلِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ فِي نِكَاحِ [الرِّجَالِ [[في الأصل (النساء) وهو تحريف.]]] طَهَارَةً، بَلْ هُوَ كَقَوْلِكَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ، وَإِنْ لم يكن تفضيل، وَهَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ [[في ع: سائغ.]] فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُكَابِرِ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرَ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ [[أي أظهر دينك.]] اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "قُلِ اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". وَهُبَلُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَالِيًا وَلَا جَلِيلًا. وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى بْنُ عَمْرٍو "هُنَّ أَطْهَرَ" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ. وَ "هُنَّ" عِمَادُ. وَلَا يُجِيزُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشُ أَنْ يَكُونَ "هُنَّ" هَاهُنَا عِمَادًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِمَادًا فِيمَا لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِمَا بَعْدَهَا، نَحْوُ كَانَ زَيْدٌ هُوَ أَخَاكَ، لِتَدُلَّ بِهَا على أن الأخ ليس بنعت.

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَعْرِفَةٌ أَوْ مَا قَارَنَهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ لَا تُهِينُونِي وَلَا تُذِلُّونِي. وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:

فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبَ بْنَ مَالِكٍ ... وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إِحْدَى الصَّوَاعِقِ

مَدَدْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا ... وَدَمَّيْتَ فَاهُ قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ

ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، وَالْخَجَلُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

خَزَايَةٌ [[.

(خزاية) أي من الخزاية. والحبل هو حبل الرمل. والكلام في وصف ثور وحشي تطارده الكلاب. وقبله:

حتى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب

يعنى أن الثور أنف من الهرب فرجع إلى الكلاب.]] أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ... مِنْ جَانِبِ الْحَبْلِ مَخْلُوطًا بِهَا الْغَضَبُ

وَقَالَ آخَرُ:

مِنَ الْبِيضِ لَا تَخْزَى إِذَا الرِّيحُ أَلْصَقَتْ ... بِهَا مِرْطَهَا أَوْ زَايَلَ الْحَلْيُ جِيدَهَا

وَضَيْفٌ يَقَعُ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفَارَ الْجَازِرِ ... لِلضَّيْفِ وَالضَّيْفُ أَحَقُّ زَائِرِ

وَيَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ كَقَوْلِكَ: رِجَالٌ صَوْمٌ وَفِطْرٌ وَزَوْرٌ. وَخَزِيَ الرَّجُلُ خَزَايَةً، أَيِ اسْتَحْيَا مِثْلُ ذَلَّ وَهَانَ. وَخَزِيَ خِزْيًا إِذَا افْتَضَحَ، يَخْزَى فِيهِمَا جَمِيعًا. ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِقَوْلِهِ: "(أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) " أَيْ شَدِيدٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: "رَشِيدٌ" أَيْ ذُو رُشْدٍ. أَوْ بِمَعْنَى رَاشِدٍ أَوْ مُرْشِدٍ، أَيْ صَالِحٌ أَوْ مُصْلِحٌ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُؤْمِنٌ. أَبُو مَالِكٍ: نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: الرَّشِيدُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ، وَالرُّشْدُ وَالرَّشَادُ الهدى والاستقامة. ويجوز أي يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُرْشِدِ، كَالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ رُوِيَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَرَدَّهُمْ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، فذلك قوله تعالى: "قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ" وَبَعُدَ أَلَّا تَكُونَ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ. فَوَجْهُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ، لَنَا إِلَى بَنَاتِكَ تَعَلُّقٌ، وَلَا هُنَّ قَصْدُنَا، وَلَا لَنَا عَادَةٌ نَطْلُبُ ذَلِكَ.

(وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْأَضْيَافِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لَمَّا رَأَى اسْتِمْرَارَهُمْ فِي غَيِّهِمْ، وَضَعُفَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِمْ، تَمَنَّى لَوْ وَجَدَ عَوْنًا عَلَى رَدِّهِمْ، فَقَالَ عَلَى جِهَةِ التَّفَجُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ.: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَيْ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ الْوَلَدَ. وَ "أَنَّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أَوْ وَقَعَ. وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي "أَنَّ" التَّابِعَةَ لِ "لَوْ". وَجَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أَيْ لَرَدَدْتُ أَهْلَ الْفَسَادِ، وَحُلْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ.

(أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أَيْ أَلْجَأُ وَأَنْضَوِي. وقرى "أَوْ آوِيَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى "قُوَّةً" كَأَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَوْ إِيوَاءً إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أَيْ وَأَنْ آوِيَ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ "أَنْ". وَمُرَادُ لُوطٍ بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَةُ، وَالْمَنَعَةُ بِالْكَثْرَةِ. وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَجِدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَقَالُوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٢٩٨.]]. وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ "مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَالثَّرْوَةُ الْكَثْرَةُ وَالْمَنَعَةُ، حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَيُرْوَى أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا غَلَبَهُ قَوْمُهُ، وَهَمُّوا بِكَسْرِ الْبَابِ وَهُوَ يُمْسِكُهُ، قَالَتْ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ الْبَابِ، فَتَنَحَّى وَانْفَتَحَ الْبَابُ، فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، وَعَمُوا وَانْصَرَفُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٣.]] [القمر: ٣٧]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَغْلَقَ لُوطٌ بَابَهُ وَالْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُنَاظِرُ قَوْمَهُ وَيُنَاشِدُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا لَقِيَ مِنَ الْجَهْدِ وَالْكَرْبِ وَالنَّصَبِ بِسَبَبِهِمْ، قَالُوا: يَا لُوطُ إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غير مردود، وَإِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ، فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ، فَفَتَحَ الْبَابَ فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَذْرَاهَا فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَوْصَلَ اللَّهُ إِلَى عَيْنِ مَنْ بَعُدَ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابَ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، وَلَا اهْتَدَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا هُمْ أَسْحَرُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَحَرُونَا فَأَعْمَوْا أَبْصَارَنَا. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى نُصْبِحَ فَسَتَرَى، يَتَوَعَّدُونَهُ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) لَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ حُزْنَهُ وَاضْطِرَابَهُ وَمُدَافَعَتَهُ عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُلٌ مَكَّنَ قَوْمَهُ مِنَ الدُّخُولِ، فَأَمَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدَهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَعَمُوا، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ فَجَفَّتْ.

(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) أَيْ بِمَكْرُوهٍ (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) قُرِئَ "فَأَسْرِ" بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَقَطْعِهَا، لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾[[راجع ج ٢٠ ص ٤٢.]] [الفجر: ٤] وقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٠٤.]] [الإسراء: ١] وَقَالَ النَّابِغَةُ: فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ:

أَسْرَتْ [[ويروى (سرت). يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها بالجوزاء.]] عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشِّمَالُ عليه جامد الْبَرَدِ

وَقَالَ آخَرُ:

حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الْخِدْرِ ... أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي

وَقَدْ قِيلَ: "فَأَسْرِ" بالقطع إذا سار من أول الليل، وَسَرَى إِذَا سَارَ مِنْ آخِرِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إِلَّا سَارَ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

إِذَا الْمَرْءُ أَسْرَى لَيْلَةً ظَنَّ أَنَّهُ ... قَضَى عَمَلًا وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ عَامِلُ

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:

عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ... وَتَنْجَلِي عَنْهُمْ غَيَابَاتُ الْكَرَى

(بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. الضَّحَّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ. قَتَادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنَ اللَّيْلِ. الْأَخْفَشُ: بَعْدَ جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقيل: هزيع مِنَ اللَّيْلِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعر [[هو مالك بن كنانه.]]:

ونائحة تنوح بقطع ليل ... على رجل بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ

فَإِنْ قِيلَ: السُّرَى لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ، فَمَا مَعْنَى "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ"؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ" جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُ.

(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أَيْ لَا يَنْظُرُ وَرَاءَهُ مِنْكُمْ أحد، قال مُجَاهِدٌ. ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: لَا يَشْتَغِلُ مِنْكُمْ أَحَدٌ بِمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ.

(إِلَّا امْرَأَتَكَ) بِالنَّصْبِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيِّنَةُ الْمَعْنَى، أَيْ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ. وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ" فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْأَهْلِ. وَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْرُجْ بِهَا مَعَهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢٤١.]] [الأعراف: ٨٣] أَيْ مِنَ الْبَاقِينَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: "إِلَّا امْرَأَتُكُ" بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "أَحَدٌ". وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ "يَلْتَفِتْ" وَيَكُونُ نَعْتًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ- إِذَا أُبْدِلَتْ وَجُزِمَتْ- أَنَّ الْمَرْأَةَ أُبِيحَ لَهَا الِالْتِفَاتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ أَبِي عَمْرٍو مَعَ جَلَالَتِهِ وَمَحَلِّهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَالتَّأْوِيلُ لَهُ عَلَى مَا حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِحَاجِبِهِ: لَا يَخْرُجْ فُلَانٌ، فَلَفْظُ النَّهْيِ لِفُلَانٍ وَمَعْنَاهُ لِلْمُخَاطَبِ، أَيْ لَا تَدَعْهُ يَخْرُجُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: لَا يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، يَكُونُ مَعْنَاهُ: انْهَهُمْ عَنِ الْقِيَامِ إِلَّا زَيْدًا، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ لِلُوطٍ وَلَفْظُهُ لِغَيْرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: انْهَهُمْ لَا يَلْتَفِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ، أَيْ لَا يَلْتَفِتُ، مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ فَإِنَّهَا تَلْتَفِتُ وَتَهْلَكُ، وَأَنَّ لُوطًا خَرَجَ بِهَا، وَنَهَى مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَلَّا يَلْتَفِتَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهَا لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر فقتلها.

(إِنَّهُ مُصِيبُها) أَيْ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إلى الأمر والشأن، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ وَالْقِصَّةَ.

(مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) لَمَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قَالَ لُوطٌ: الْآنَ الْآنَ. اسْتَعْجَلَهُمْ بِالْعَذَابِ لِغَيْظِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالُوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "أَلَيْسَ الصُّبُحُ" بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الصُّبْحَ مِيقَاتًا لِهَلَاكِهِمْ، لِأَنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أَوْدَعُ، وَالنَّاسَ فِيهِ أَجْمَعُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ مَلَائِكَةً مَعَهُمْ صَوْتُ رَعْدٍ، وَخَطْفُ بَرْقٍ، وَصَوَاعِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ أَنَّ لُوطًا سَيَخْرُجُ فَلَا تُؤْذُوهُ، وَأَمَارَتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ، وَلَا تَلْتَفِتُ ابْنَتَاهُ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَا تَرَى. فَخَرَجَ لُوطٌ وَطَوَى اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ فِي وَقْتِهِ حَتَّى نَجَا وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أَيْ عَذَابُنَا.

(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، وَهِيَ خَمْسٌ: سَدُومُ- وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى،- وَعَامُورَا، وَدَادُومَا، وضعوه، وَقَتَمُ [[وفى ع وز وك: قاموارا ورادما وصعو، وفى ضبط هذه القرى اختلاف.]]، فَرَفَعَهَا مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ حَتَّى أَدْنَاهَا مِنَ السَّمَاءِ بما في فِيهَا، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نَهِيقَ حُمُرِهِمْ وَصِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ، لَمْ تَنْكَفِئْ لَهُمْ جَرَّةٌ، وَلَمْ ينكسر [[في ى: ينكشف.]] لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وَأَتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالْحِجَارَةِ. مُقَاتِلٌ. أُهْلِكَتْ أَرْبَعَةٌ، وَنَجَتْ ضعوه. وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تعالى: (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ حُكْمُهُ الرَّجْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٣.]]. وَفِي التَّفْسِيرِ: أَمْطَرْنَا فِي الْعَذَابِ، وَمَطَرْنَا فِي الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْعَرَبِ فَيُقَالُ: مَطَرَتِ السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في "سِجِّيلٍ" فَقَالَ النَّحَّاسُ [[كذا في ا، وفى ز وع وك وووى: (البخاري).]]: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ، وَسِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ، وَأَنْشَدَ [[سيأتي البيت بتمامه في ص ٨٣.]]

ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينًا قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وَقَالَ: هَذَا سِجِّينٌ وَذَلِكَ سِجِّيلٌ فَكَيْفَ يُسْتَشْهَدُ بِهِ؟! قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الرَّدُّ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تُبْدَلُ مِنَ النُّونِ لِقُرْبِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ يُرَدُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ لَكَانَ حِجَارَةً سِجِّيلًا، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ، لِأَنَّ شَدِيدًا نَعْتٌ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِحِجَارَةِ الْأَرْحَاءِ سِجِّيلٌ. وَحَكَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ أَنَّ سِجِّيلًا طِينٌ يُطْبَخُ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْحَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ سِجِّيلًا لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ عُرِّبَتْ، أَصْلُهَا سنج وجيل. وَيُقَالُ: سنك وكيل، بِالْكَافِ مَوْضِعَ الْجِيمِ، وَهُمَا بِالْفَارِسِيَّةِ حَجَرٌ وَطِينٌ عَرَّبَتْهُمَا الْعَرَبُ فَجَعَلَتْهُمَا اسْمًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: السِّجِّيلُ الطِّينُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٤٧.]] [الذاريات: ٣٣]. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ. وَالسِّجِّيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلُّ شَدِيدٍ صُلْبٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْآجُرَّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: طِينٌ طُبِخَ حَتَّى كَانَ كَالْآجُرِّ، وَعَنْهُ أَنَّ سِجِّيلًا اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وَصْفُهُ بِ "مَنْضُودٍ". وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْهُ نَزَلَتِ الْحِجَارَةُ. وَقِيلَ: هِيَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾[[راجع ج ١٢ ص ٢٨٩.]] [النور: ٤٣]. وَقِيلَ: هُوَ مِمَّا سُجِّلَ لَهُمْ أَيْ كُتِبَ لَهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ، فَهُوَ فِي مَعْنَى سِجِّينٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٢٥٤.]] [المطففين: ٨] قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَاخْتَارَهُ. وَقِيلَ: هُوَ فِعِّيلٌ مِنْ أَسْجَلْتُهُ أَيْ أَرْسَلْتُهُ، فَكَأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَسْجَلْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ، فَكَأَنَّهُ عَذَابٌ أُعْطُوهُ، قَالَ [[البيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب. واصل المساجلة. أن يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الآخر فأيهما نكل فقد غلب، فضربته مثلا العرب للمفاخرة. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين وهو الحبل الأول.]]:

مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... يَمْلَأُ الدلو إلى عقد الكرب

وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: السِّجِّيلُ وَالسِّجِّينُ الشَّدِيدُ مِنَ الْحَجَرِ وَالضَّرْبِ، قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً [[وروى في اللسان: (يضربون البيض عن عرض).]] ... ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا

(مَنْضُودٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُتَتَابِعٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نُضِدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: نُضِدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَ جَسَدًا وَاحِدًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَصْفُوفٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَرْصُوصٌ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. يُقَالُ: نَضَدْتُ الْمَتَاعَ وَاللَّبَنَ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهُوَ مَنْضُودٌ وَنَضِيدٌ وَنَضَدٌ، قَالَ:

وَرَفَّعَتْهُ إِلَى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: مُعَدٌّ، أَيْ هُوَ مِمَّا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ الظَّلَمَةِ.

(مُسَوَّمَةً) أَيْ مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ كَانَ عَلَيْهَا أَمْثَالُ الْخَوَاتِيمِ. وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ، وَكَانَتْ لَا تُشَاكِلُ حِجَارَةَ الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بِحُمْرَةٍ وَسَوَادٍ فِي بَيَاضٍ، فَذَلِكَ تَسْوِيمُهَا. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتْ مُعَلَّمَةً بِبَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ، وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله، وبعده:

كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر

وقوله: (له سيماء لا تشق على البصر) أي يفرح به من يراه.]]:

غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ

وَ "مُسَوَّمَةً" مِنْ نَعْتِ حِجَارَةٍ. وَ "مَنْضُودٍ" مِنْ نَعْتِ "سِجِّيلٍ". وَفِي قَوْلِهِ: (عِنْدَ رَبِّكَ) " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الْأَرْضِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ، أَيْ لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرْهِبُ قُرَيْشًا، الْمَعْنَى: مَا الْحِجَارَةُ مِنْ ظَالِمِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ بِبَعِيدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهِ مَا أَجَارَ اللَّهُ مِنْهَا ظَالِمًا بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجَالُهُمْ بِالرِّجَالِ وَنِسَاؤُهُمْ بِالنِّسَاءِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْتَقِبُوا عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ" ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ".

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ "لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَسْتَحِلَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَدْبَارَ الرِّجَالِ كَمَا اسْتَحَلُّوا أَدْبَارَ النِّسَاءِ فَتُصِيبُ طَوَائِفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ حِجَارَةٌ مِنْ رَبِّكَ". وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا هَذِهِ الْقُرَى مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، وَهِيَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ. وَجَاءَ "بِبَعِيدٍ" مُذَكَّرًا عَلَى مَعْنَى بِمَكَانٍ بَعِيدٍ. وَفِي الْحِجَارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى الْمُدُنِ حِينَ رَفَعَهَا جِبْرِيلُ. الثَّانِي- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُدُنِ مِنْ أَهْلِهَا وكان خارجا عنها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ لَمَّا خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَرْيَةِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ بصرت بنتا لوط- وهما تستقيان- بالملائكة وَرَأَتَا هَيْئَةً حَسَنَةً، فَقَالَتَا: مَا شَأْنُكُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ مَوْضِعِ كَذَا نُرِيدُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ قَالَتَا: فَإِنَّ أَهْلَهَا أَصْحَابُ الْفَوَاحِشِ، فَقَالُوا: أَبِهَا مَنْ يُضَيِّفنَا؟ قَالَتَا: نَعَمْ! هَذَا الشَّيْخُ وَأَشَارَتَا إِلَى لُوطٍ، فَلَمَّا رَأَى لُوطٌ هيئتهم خاف قومه عليهم.

(سِيءَ بِهِمْ) أَيْ سَاءَهُ مَجِيئُهُمْ، يُقَالُ: سَاءَ يَسُوءُ فَهُوَ لَازِمٌ، وَسَاءَهُ يَسُوءُهُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ أَيْضًا، وَإِنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ السِّينَ، لِأَنَّ أَصْلَهَا الضَّمُّ، وَالْأَصْلَ سُوِئَ بِهِمْ مِنَ السُّوءِ، قُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ عَلَى السِّينِ فَانْقَلَبَتْ يَاءً، وَإِنْ خُفِّفَتِ الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: "سي بِهِمْ" مُخَفَّفًا، وَلُغَةٌ شَاذَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ.

(وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أَيْ ضَاقَ صَدْرُهُ بِمَجِيئِهِمْ وَكَرِهَهُ. وَقِيلَ: ضَاقَ وُسْعُهُ وَطَاقَتُهُ. وَأَصْلُهُ أَنْ يَذْرَعَ الْبَعِيرَ بِيَدَيْهِ فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلَى قَدْرِ سِعَةِ خطوه، فإذ حُمِلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ طَوْقِهِ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ، وَضَعُفَ وَمَدَّ عُنُقَهُ، فَضِيقُ الذَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ضِيقِ الْوُسْعِ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَيْ غَلَبَهُ، أَيْ ضَاقَ عَنْ حَبْسِهِ الْمَكْرُوهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا ضَاقَ ذَرْعَهُ بِهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَمَالِهِمْ، وَمَا يَعْلَمُ مِنْ فِسْقِ قَوْمِهِ.

(وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أَيْ شَدِيدٌ فِي الشَّرِّ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَإِنَّكَ إِلَّا تُرْضِ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بِالْعِرَاقِ عَصِيبٌ

وَقَالَ آخَرُ:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا ... عَصْبَ الْقَوِيِّ السَّلَمِ الطِّوَالَا

وَيُقَالُ: عَصِيبٌ وَعَصَبْصَبٌ عَلَى التَّكْثِيرِ، أَيْ مَكْرُوهٌ مُجْتَمِعُ الشَّرِّ وَقَدْ. عَصَبَ، أَيْ عَصَبَ بِالشَّرِّ عِصَابَةً، وَمِنْهُ قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعوا الْكَلِمَةِ، أَيْ مُجْتَمِعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَعُصْبَةُ الرَّجُلِ الْمُجْتَمِعُونَ مَعَهُ فِي النَّسَبِ، وَتَعَصَّبْتُ لِفُلَانٍ صِرْتُ كَعَصَبَتِهِ، وَرَجُلٍ مَعْصُوبٍ [[في مفردات الراغب: ومعصوب الخلق أي مدلج الخلقة (.)]]، أَيْ مُجْتَمِعُ الْخَلْقِ.

(قَوْلُهُ تعالى:) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. "يُهْرَعُونَ" أَيْ يُسْرِعُونَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَا يَكُونُ الْإِهْرَاعُ إِلَّا إِسْرَاعًا مَعَ رِعْدَةٍ، يُقَالُ: أَهْرَعَ الرَّجُلُ إِهْرَاعًا أَيْ أَسْرَعَ فِي رِعْدَةٍ مِنْ بَرْدٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ حُمَّى، وَهُوَ مهرع، قال مهلهل: فَجَاءُوا يُهْرَعُونَ وَهُمْ أُسَارَى ... نَقُودُهُمْ عَلَى رَغْمِ الْأُنُوفِ

وَقَالَ آخَرُ:

بِمُعْجَلَاتٍ نَحْوَهُ مَهَارِعَ

وَهَذَا مِثْلُ: أُولِعَ فُلَانٌ بِالْأَمْرِ، وَأُرْعِدَ زَيْدٌ. وَزُهِيَ فُلَانٌ وَتَجِيءُ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَقِيلَ: أُهْرِعَ أَيْ أَهْرَعَهُ حِرْصُهُ، وَعَلَى هَذَا "يُهْرَعُونَ" أَيْ يَسْتَحِثُّونَ عَلَيْهِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ إِلَّا أُهْرِعَ الرَّجُلُ أَيْ أَسْرَعَ، عَلَى لَفْظٍ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. قَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ: هُرِعَ الْإِنْسَانُ هَرَعًا، وَأُهْرِعَ: سِيقَ وَاسْتُعْجِلَ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ: هُرِعَ الرَّجُلُ وَأُهْرِعَ أَيِ اسْتُحِثَّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: "يُهْرَعُونَ" يُهَرْوِلُونَ. الضَّحَّاكُ: يَسْعَوْنَ. ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ. وَقَالَ شِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ مَشْيٌ بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ وَالْجَمَزَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَشْيٌ بَيْنَ مَشْيَيْنِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْرَاعِهِمْ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ الْكَافِرَةَ، لَمَّا رَأَتِ الْأَضْيَافَ وَجَمَالَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ، خَرَجَتْ حَتَّى أَتَتْ مَجَالِسَ قَوْمِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّ لُوطًا قَدْ أَضَافَ اللَّيْلَةَ فِتْيَةً مَا رُئِيَ مِثْلُهُمْ جَمَالًا، وَكَذَا وَكَذَا، فَحِينَئِذٍ جَاءُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَيُذْكَرُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَلَدِ لُوطٍ وَجَدُوا لُوطًا فِي حَرْثٍ لَهُ. وَقِيلَ: وَجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي مَاءً مِنْ نَهْرِ سَدُومَ، فَسَأَلُوهَا الدَّلَالَةَ عَلَى مَنْ يُضَيِّفُهُمْ، وَرَأَتْ هَيْئَتَهُمْ فَخَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، وَقَالَتْ لَهُمْ: مَكَانُكُمْ! وَذَهَبَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تُضَيِّفَنَا اللَّيْلَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أومأ سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ فَقَالُوا: وَمَا عَمَلُهُمْ؟ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَشَرُّ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ- وَقَدْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ لَا تُعَذِّبُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ لُوطٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ- فَلَمَّا قَالَ لُوطٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، قَالَ جِبْرِيلُ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ حَتَّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهَادَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ وَمِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ لُوطٍ.

(كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) أَيْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ إِتْيَانَ الرِّجَالِ. فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: (هؤُلاءِ بَناتِي) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: "هؤُلاءِ بَناتِي" فَقِيلَ: كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ صُلْبِهِ. وَقِيلَ: بِنْتَانِ، زَيْتَا [[كذا في الأصول والآلوسى، وفى الطبري: رثيا.]] وَزَعْوَرَاءُ، فَقِيلَ: كَانَ لَهُمْ سَيِّدَانِ مُطَاعَانِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُمَا ابْنَتَيْهِ. وَقِيلَ: نَدَبَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى النِّكَاحِ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ جَوَازُ نِكَاحِ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ جَائِزًا ثُمَّ نُسِخَ، فَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنْتًا لَهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَا كَافِرَيْنِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ- مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ- أَشَارَ بِقَوْلِهِ: "بَناتِي" إِلَى النِّسَاءِ جُمْلَةً، إِذْ نَبِيُّ الْقَوْمِ أَبٌ لَهُمْ، وَيُقَوِّي هَذَا أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ." النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم [الأحزاب: ٦]. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ مُدَافَعَةً وَلَمْ يُرِدْ إِمْضَاءَهُ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنْهَى عَنْ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ: الْخِنْزِيرُ أَحَلُّ لَكَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِمْ بَنَاتِهِ وَلَا بَنَاتِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا لِيَنْصَرِفُوا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ أُزَوِّجُكُمُوهُنَّ، فَهُوَ أَطْهَرُ لَكُمْ مِمَّا تُرِيدُونَ، أَيْ أَحَلُّ. وَالتَّطَهُّرُ التَّنَزُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَأَرَادَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْ يَفْدِيَ أَضْيَافَهُ بِبَنَاتِهِ. وَلَيْسَ أَلِفُ "أَطْهَرُ" لِلتَّفْضِيلِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ فِي نِكَاحِ [الرِّجَالِ [[في الأصل (النساء) وهو تحريف.]]] طَهَارَةً، بَلْ هُوَ كَقَوْلِكَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ، وَإِنْ لم يكن تفضيل، وَهَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ [[في ع: سائغ.]] فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُكَابِرِ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرَ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ [[أي أظهر دينك.]] اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "قُلِ اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ". وَهُبَلُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ عَالِيًا وَلَا جَلِيلًا. وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى بْنُ عَمْرٍو "هُنَّ أَطْهَرَ" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ. وَ "هُنَّ" عِمَادُ. وَلَا يُجِيزُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشُ أَنْ يَكُونَ "هُنَّ" هَاهُنَا عِمَادًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِمَادًا فِيمَا لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِمَا بَعْدَهَا، نَحْوُ كَانَ زَيْدٌ هُوَ أَخَاكَ، لِتَدُلَّ بِهَا على أن الأخ ليس بنعت.

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَعْرِفَةٌ أَوْ مَا قَارَنَهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ لَا تُهِينُونِي وَلَا تُذِلُّونِي. وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:

فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبَ بْنَ مَالِكٍ ... وَلَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إِحْدَى الصَّوَاعِقِ

مَدَدْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا ... وَدَمَّيْتَ فَاهُ قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ

ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، وَالْخَجَلُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

خَزَايَةٌ [[.

(خزاية) أي من الخزاية. والحبل هو حبل الرمل. والكلام في وصف ثور وحشي تطارده الكلاب. وقبله:

حتى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب

يعنى أن الثور أنف من الهرب فرجع إلى الكلاب.]] أَدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ... مِنْ جَانِبِ الْحَبْلِ مَخْلُوطًا بِهَا الْغَضَبُ

وَقَالَ آخَرُ:

مِنَ الْبِيضِ لَا تَخْزَى إِذَا الرِّيحُ أَلْصَقَتْ ... بِهَا مِرْطَهَا أَوْ زَايَلَ الْحَلْيُ جِيدَهَا

وَضَيْفٌ يَقَعُ لِلِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:

لَا تَعْدَمِي الدَّهْرَ شِفَارَ الْجَازِرِ ... لِلضَّيْفِ وَالضَّيْفُ أَحَقُّ زَائِرِ

وَيَجُوزُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ كَقَوْلِكَ: رِجَالٌ صَوْمٌ وَفِطْرٌ وَزَوْرٌ. وَخَزِيَ الرَّجُلُ خَزَايَةً، أَيِ اسْتَحْيَا مِثْلُ ذَلَّ وَهَانَ. وَخَزِيَ خِزْيًا إِذَا افْتَضَحَ، يَخْزَى فِيهِمَا جَمِيعًا. ثُمَّ وَبَّخَهُمْ بِقَوْلِهِ: "(أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) " أَيْ شَدِيدٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: "رَشِيدٌ" أَيْ ذُو رُشْدٍ. أَوْ بِمَعْنَى رَاشِدٍ أَوْ مُرْشِدٍ، أَيْ صَالِحٌ أَوْ مُصْلِحٌ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُؤْمِنٌ. أَبُو مَالِكٍ: نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: الرَّشِيدُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ، وَالرُّشْدُ وَالرَّشَادُ الهدى والاستقامة. ويجوز أي يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُرْشِدِ، كَالْحَكِيمِ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ رُوِيَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ خَطَبُوا بَنَاتِهِ فَرَدَّهُمْ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ رد في خطبة امرأة لم تحل أبدا، فذلك قوله تعالى: "قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ" وَبَعُدَ أَلَّا تَكُونَ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ. فَوَجْهُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ، لَنَا إِلَى بَنَاتِكَ تَعَلُّقٌ، وَلَا هُنَّ قَصْدُنَا، وَلَا لَنَا عَادَةٌ نَطْلُبُ ذَلِكَ.

(وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْأَضْيَافِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لَمَّا رَأَى اسْتِمْرَارَهُمْ فِي غَيِّهِمْ، وَضَعُفَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِمْ، تَمَنَّى لَوْ وَجَدَ عَوْنًا عَلَى رَدِّهِمْ، فَقَالَ عَلَى جِهَةِ التَّفَجُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ.: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَيْ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ الْوَلَدَ. وَ "أَنَّ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: لَوِ اتَّفَقَ أَوْ وَقَعَ. وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي "أَنَّ" التَّابِعَةَ لِ "لَوْ". وَجَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أَيْ لَرَدَدْتُ أَهْلَ الْفَسَادِ، وَحُلْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ.

(أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أَيْ أَلْجَأُ وَأَنْضَوِي. وقرى "أَوْ آوِيَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى "قُوَّةً" كَأَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً" أَوْ إِيوَاءً إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، أَيْ وَأَنْ آوِيَ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ "أَنْ". وَمُرَادُ لُوطٍ بِالرُّكْنِ الْعَشِيرَةُ، وَالْمَنَعَةُ بِالْكَثْرَةِ. وَبَلَغَ بِهِمْ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَجِدَتْ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَقَالُوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٢٩٨.]]. وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ "مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَالثَّرْوَةُ الْكَثْرَةُ وَالْمَنَعَةُ، حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَيُرْوَى أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا غَلَبَهُ قَوْمُهُ، وَهَمُّوا بِكَسْرِ الْبَابِ وَهُوَ يُمْسِكُهُ، قَالَتْ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ الْبَابِ، فَتَنَحَّى وَانْفَتَحَ الْبَابُ، فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، وَعَمُوا وَانْصَرَفُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٣.]] [القمر: ٣٧]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَغْلَقَ لُوطٌ بَابَهُ وَالْمَلَائِكَةُ مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ يُنَاظِرُ قَوْمَهُ وَيُنَاشِدُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا لَقِيَ مِنَ الْجَهْدِ وَالْكَرْبِ وَالنَّصَبِ بِسَبَبِهِمْ، قَالُوا: يَا لُوطُ إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غير مردود، وَإِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ، فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ، فَفَتَحَ الْبَابَ فَضَرَبَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: أَخَذَ جِبْرِيلُ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَذْرَاهَا فِي وُجُوهِهِمْ، فَأَوْصَلَ اللَّهُ إِلَى عَيْنِ مَنْ بَعُدَ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابَ فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، وَلَا اهْتَدَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا هُمْ أَسْحَرُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَحَرُونَا فَأَعْمَوْا أَبْصَارَنَا. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى نُصْبِحَ فَسَتَرَى، يَتَوَعَّدُونَهُ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) لَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ حُزْنَهُ وَاضْطِرَابَهُ وَمُدَافَعَتَهُ عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُلٌ مَكَّنَ قَوْمَهُ مِنَ الدُّخُولِ، فَأَمَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدَهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَعَمُوا، وَعَلَى أَيْدِيهِمْ فَجَفَّتْ.

(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) أَيْ بِمَكْرُوهٍ (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) قُرِئَ "فَأَسْرِ" بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَقَطْعِهَا، لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾[[راجع ج ٢٠ ص ٤٢.]] [الفجر: ٤] وقال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢٠٤.]] [الإسراء: ١] وَقَالَ النَّابِغَةُ: فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ:

أَسْرَتْ [[ويروى (سرت). يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها بالجوزاء.]] عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشِّمَالُ عليه جامد الْبَرَدِ

وَقَالَ آخَرُ:

حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الْخِدْرِ ... أَسْرَتْ إِلَيْكَ وَلَمْ تَكُنْ تَسْرِي

وَقَدْ قِيلَ: "فَأَسْرِ" بالقطع إذا سار من أول الليل، وَسَرَى إِذَا سَارَ مِنْ آخِرِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إِلَّا سَارَ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

إِذَا الْمَرْءُ أَسْرَى لَيْلَةً ظَنَّ أَنَّهُ ... قَضَى عَمَلًا وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ عَامِلُ

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:

عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى ... وَتَنْجَلِي عَنْهُمْ غَيَابَاتُ الْكَرَى

(بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. الضَّحَّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ. قَتَادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنَ اللَّيْلِ. الْأَخْفَشُ: بَعْدَ جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ. ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. وَقِيلَ: بَعْدَ هَدْءٍ مِنَ اللَّيْلِ. وقيل: هزيع مِنَ اللَّيْلِ. وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشاعر [[هو مالك بن كنانه.]]:

ونائحة تنوح بقطع ليل ... على رجل بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ

فَإِنْ قِيلَ: السُّرَى لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ، فَمَا مَعْنَى "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ"؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ" جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُ.

(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أَيْ لَا يَنْظُرُ وَرَاءَهُ مِنْكُمْ أحد، قال مُجَاهِدٌ. ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: لَا يَشْتَغِلُ مِنْكُمْ أَحَدٌ بِمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ.

(إِلَّا امْرَأَتَكَ) بِالنَّصْبِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيِّنَةُ الْمَعْنَى، أَيْ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ. وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ" فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْأَهْلِ. وَعَلَى هَذَا لَمْ يَخْرُجْ بِهَا مَعَهُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل: ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢٤١.]] [الأعراف: ٨٣] أَيْ مِنَ الْبَاقِينَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: "إِلَّا امْرَأَتُكُ" بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ "أَحَدٌ". وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ "يَلْتَفِتْ" وَيَكُونُ نَعْتًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ- إِذَا أُبْدِلَتْ وَجُزِمَتْ- أَنَّ الْمَرْأَةَ أُبِيحَ لَهَا الِالْتِفَاتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ أَبِي عَمْرٍو مَعَ جَلَالَتِهِ وَمَحَلِّهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَالتَّأْوِيلُ لَهُ عَلَى مَا حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِحَاجِبِهِ: لَا يَخْرُجْ فُلَانٌ، فَلَفْظُ النَّهْيِ لِفُلَانٍ وَمَعْنَاهُ لِلْمُخَاطَبِ، أَيْ لَا تَدَعْهُ يَخْرُجُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: لَا يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، يَكُونُ مَعْنَاهُ: انْهَهُمْ عَنِ الْقِيَامِ إِلَّا زَيْدًا، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ لِلُوطٍ وَلَفْظُهُ لِغَيْرِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: انْهَهُمْ لَا يَلْتَفِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النَّهْيِ عَنِ الِالْتِفَاتِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ، أَيْ لَا يَلْتَفِتُ، مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ فَإِنَّهَا تَلْتَفِتُ وَتَهْلَكُ، وَأَنَّ لُوطًا خَرَجَ بِهَا، وَنَهَى مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ أَسْرَى بِهِمْ أَلَّا يَلْتَفِتَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ سِوَى زَوْجَتِهِ، فَإِنَّهَا لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: وا قوماه! فأدركها حجر فقتلها.

(إِنَّهُ مُصِيبُها) أَيْ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْكِنَايَةُ فِي "إِنَّهُ" تَرْجِعُ إلى الأمر والشأن، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ وَالْقِصَّةَ.

(مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) لَمَّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قَالَ لُوطٌ: الْآنَ الْآنَ. اسْتَعْجَلَهُمْ بِالْعَذَابِ لِغَيْظِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالُوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "أَلَيْسَ الصُّبُحُ" بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ الصُّبْحَ مِيقَاتًا لِهَلَاكِهِمْ، لِأَنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أَوْدَعُ، وَالنَّاسَ فِيهِ أَجْمَعُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَكَّلَ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ مَلَائِكَةً مَعَهُمْ صَوْتُ رَعْدٍ، وَخَطْفُ بَرْقٍ، وَصَوَاعِقُ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُمْ أَنَّ لُوطًا سَيَخْرُجُ فَلَا تُؤْذُوهُ، وَأَمَارَتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ، وَلَا تَلْتَفِتُ ابْنَتَاهُ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَا تَرَى. فَخَرَجَ لُوطٌ وَطَوَى اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ فِي وَقْتِهِ حَتَّى نَجَا وَوَصَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أَيْ عَذَابُنَا.

(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) وَذَلِكَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْتَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، وَهِيَ خَمْسٌ: سَدُومُ- وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى،- وَعَامُورَا، وَدَادُومَا، وضعوه، وَقَتَمُ [[وفى ع وز وك: قاموارا ورادما وصعو، وفى ضبط هذه القرى اختلاف.]]، فَرَفَعَهَا مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ حَتَّى أَدْنَاهَا مِنَ السَّمَاءِ بما في فِيهَا، حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نَهِيقَ حُمُرِهِمْ وَصِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ، لَمْ تَنْكَفِئْ لَهُمْ جَرَّةٌ، وَلَمْ ينكسر [[في ى: ينكشف.]] لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وَأَتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالْحِجَارَةِ. مُقَاتِلٌ. أُهْلِكَتْ أَرْبَعَةٌ، وَنَجَتْ ضعوه. وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تعالى: (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ حُكْمُهُ الرَّجْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٣.]]. وَفِي التَّفْسِيرِ: أَمْطَرْنَا فِي الْعَذَابِ، وَمَطَرْنَا فِي الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْعَرَبِ فَيُقَالُ: مَطَرَتِ السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في "سِجِّيلٍ" فَقَالَ النَّحَّاسُ [[كذا في ا، وفى ز وع وك وووى: (البخاري).]]: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ، وَسِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ اللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ، وَأَنْشَدَ [[سيأتي البيت بتمامه في ص ٨٣.]]

ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينًا قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَدَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وَقَالَ: هَذَا سِجِّينٌ وَذَلِكَ سِجِّيلٌ فَكَيْفَ يُسْتَشْهَدُ بِهِ؟! قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الرَّدُّ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تُبْدَلُ مِنَ النُّونِ لِقُرْبِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى، وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ يُرَدُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى قَوْلِهِ لَكَانَ حِجَارَةً سِجِّيلًا، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ، لِأَنَّ شَدِيدًا نَعْتٌ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِحِجَارَةِ الْأَرْحَاءِ سِجِّيلٌ. وَحَكَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ أَنَّ سِجِّيلًا طِينٌ يُطْبَخُ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْحَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ سِجِّيلًا لَفْظَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ عُرِّبَتْ، أَصْلُهَا سنج وجيل. وَيُقَالُ: سنك وكيل، بِالْكَافِ مَوْضِعَ الْجِيمِ، وَهُمَا بِالْفَارِسِيَّةِ حَجَرٌ وَطِينٌ عَرَّبَتْهُمَا الْعَرَبُ فَجَعَلَتْهُمَا اسْمًا وَاحِدًا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: السِّجِّيلُ الطِّينُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾[[راجع ج ١٧ ص ٤٧.]] [الذاريات: ٣٣]. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَصْلُ الْحِجَارَةِ طِينًا فَشُدِّدَتْ. وَالسِّجِّيلُ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلُّ شَدِيدٍ صُلْبٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْآجُرَّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: طِينٌ طُبِخَ حَتَّى كَانَ كَالْآجُرِّ، وَعَنْهُ أَنَّ سِجِّيلًا اسْمُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ وَصْفُهُ بِ "مَنْضُودٍ". وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْهُ نَزَلَتِ الْحِجَارَةُ. وَقِيلَ: هِيَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾[[راجع ج ١٢ ص ٢٨٩.]] [النور: ٤٣]. وَقِيلَ: هُوَ مِمَّا سُجِّلَ لَهُمْ أَيْ كُتِبَ لَهُمْ أَنْ يُصِيبَهُمْ، فَهُوَ فِي مَعْنَى سِجِّينٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ. كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٢٥٤.]] [المطففين: ٨] قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَاخْتَارَهُ. وَقِيلَ: هُوَ فِعِّيلٌ مِنْ أَسْجَلْتُهُ أَيْ أَرْسَلْتُهُ، فَكَأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَسْجَلْتُهُ إِذَا أَعْطَيْتُهُ، فَكَأَنَّهُ عَذَابٌ أُعْطُوهُ، قَالَ [[البيت للفضل بن عباس بن عتبة بن أبى لهب. واصل المساجلة. أن يستقى ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الآخر فأيهما نكل فقد غلب، فضربته مثلا العرب للمفاخرة. والكرب: الحبل الذي يشد على الدلو بعد المنين وهو الحبل الأول.]]:

مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... يَمْلَأُ الدلو إلى عقد الكرب

وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: السِّجِّيلُ وَالسِّجِّينُ الشَّدِيدُ مِنَ الْحَجَرِ وَالضَّرْبِ، قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً [[وروى في اللسان: (يضربون البيض عن عرض).]] ... ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا

(مَنْضُودٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُتَتَابِعٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نُضِدَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: نُضِدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى صَارَ جَسَدًا وَاحِدًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَصْفُوفٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَرْصُوصٌ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. يُقَالُ: نَضَدْتُ الْمَتَاعَ وَاللَّبَنَ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهُوَ مَنْضُودٌ وَنَضِيدٌ وَنَضَدٌ، قَالَ:

وَرَفَّعَتْهُ إِلَى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: مُعَدٌّ، أَيْ هُوَ مِمَّا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ الظَّلَمَةِ.

(مُسَوَّمَةً) أَيْ مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ كَانَ عَلَيْهَا أَمْثَالُ الْخَوَاتِيمِ. وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَنْ رُمِيَ بِهِ، وَكَانَتْ لَا تُشَاكِلُ حِجَارَةَ الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بِحُمْرَةٍ وَسَوَادٍ فِي بَيَاضٍ، فَذَلِكَ تَسْوِيمُهَا. وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَتْ مُعَلَّمَةً بِبَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ، وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري يمدح عميلة حين قاسمه ماله، وبعده:

كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر

وقوله: (له سيماء لا تشق على البصر) أي يفرح به من يراه.]]:

غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ

وَ "مُسَوَّمَةً" مِنْ نَعْتِ حِجَارَةٍ. وَ "مَنْضُودٍ" مِنْ نَعْتِ "سِجِّيلٍ". وَفِي قَوْلِهِ: (عِنْدَ رَبِّكَ) " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الْأَرْضِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) يَعْنِي قَوْمَ لُوطٍ، أَيْ لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُرْهِبُ قُرَيْشًا، الْمَعْنَى: مَا الْحِجَارَةُ مِنْ ظَالِمِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ بِبَعِيدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: يَعْنِي ظَالِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهِ مَا أَجَارَ اللَّهُ مِنْهَا ظَالِمًا بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجَالُهُمْ بِالرِّجَالِ وَنِسَاؤُهُمْ بِالنِّسَاءِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْتَقِبُوا عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ" ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ".

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ "لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَسْتَحِلَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَدْبَارَ الرِّجَالِ كَمَا اسْتَحَلُّوا أَدْبَارَ النِّسَاءِ فَتُصِيبُ طَوَائِفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ حِجَارَةٌ مِنْ رَبِّكَ". وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا هَذِهِ الْقُرَى مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، وَهِيَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ. وَجَاءَ "بِبَعِيدٍ" مُذَكَّرًا عَلَى مَعْنَى بِمَكَانٍ بَعِيدٍ. وَفِي الْحِجَارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى الْمُدُنِ حِينَ رَفَعَهَا جِبْرِيلُ. الثَّانِي- أَنَّهَا أُمْطِرَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُدُنِ مِنْ أَهْلِهَا وكان خارجا عنها.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

Source. Tafseer Al Qurtubi, Qurtubi — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/23. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com