John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi

Surah Hud

Tafseer Al Qurtubi · Hud · 123 ayat · ayat 91–120 · Quran text →

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ، وَمَدْيَنُ هُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ. وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُمْ بَنُو مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَقِيلَ: مَدْيَنُ وَالْمُرَادُ بَنُو مَدْيَنَ. كَمَا يُقَالُ مُضَرُ وَالْمُرَادُ بَنُو مُضَرَ. الثَّانِي- أَنَّهُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَنْصَرِفُ مَدْيَنُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٥٧.]] هَذَا الْمَعْنَى وَزِيَادَةٌ.

(قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تَقَدَّمَ.

(وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) كَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أَهْلَ بَخْسٍ وَتَطْفِيفٍ، كَانُوا إِذَا جَاءَهُمُ الْبَائِعُ بِالطَّعَامِ أَخَذُوا بِكَيْلٍ زَائِدٍ، وَاسْتَوْفَوْا بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ [عَلَيْهِ [[من ع.]]] وَظَلَمُوا، وَإِنْ جَاءَهُمْ مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشححوا لَهُ بِغَايَةِ مَا يَقْدِرُونَ، فَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ إِقْلَاعًا عَنِ الشِّرْكِ، وَبِالْوَفَاءِ نَهْيًا عَنِ التَّطْفِيفِ.

(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أَيْ فِي سَعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ، وَكَثْرَةٍ مِنَ النِّعَمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سِعْرُهُمْ رَخِيصًا.

(وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) وَصَفَ الْيَوْمَ بِالْإِحَاطَةِ، وَأَرَادَ وَصْفَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِمْ، فَإِنَّ يَوْمَ الْعَذَابِ إِذَا أَحَاطَ بِهِمْ فَقَدْ أَحَاطَ الْعَذَابُ بِهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ شَدِيدٌ، أَيْ شَدِيدٌ حَرُّهُ. وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ، فَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ النَّارِ فِي الآخرة.

وَقِيلَ: عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: غَلَاءُ السِّعْرِ، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَا أَظْهَرَ قَوْمٌ الْبَخْسَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنِ التَّطْفِيفِ تَأْكِيدًا. وَالْإِيفَاءُ الْإِتْمَامُ. "بِالْقِسْطِ" أَيْ بِالْعَدْلِ والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نَصِيبٍ إِلَى نَصِيبِهِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ إِيفَاءَ الْمِكْيَالِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَوْفُوا بِالْمِكْيَالِ وَبِالْمِيزَانِ، بَلْ أَرَادَ أَلَّا تُنْقِصُوا حَجْمَ الْمِكْيَالِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَكَذَا الصَّنَجَاتِ.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أَيْ لَا تُنْقِصُوهُمْ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا.

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بَيَّنَ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ مُبَالَغَةٌ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٤٨.]] زِيَادَةٌ لِهَذَا، والحمد لله. قوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أَيْ مَا يُبْقِيهِ اللَّهُ لَكُمْ بَعْدَ إِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِالْقِسْطِ أَكْثَرُ بَرَكَةً، وَأَحْمَدُ عَاقِبَةً مِمَّا تُبْقُونَهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ فَضْلِ التَّطْفِيفِ بِالتَّجَبُّرِ وَالظُّلْمِ، قَالَ مَعْنَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ" يُرِيدُ طَاعَتَهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَصِيَّةُ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُرَاقَبَةُ اللَّهِ. ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: حَظُّكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ.

(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شَرَطَ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْرِفُونَ صِحَّةَ هَذَا إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أَيْ رَقِيبٍ أَرْقُبُكُمْ عِنْدَ كَيْلِكُمْ وَوَزْنِكُمْ، أَيْ لَا يُمْكِنُنِي شُهُودُ كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَصْدُرُ مِنْكُمْ حَتَّى أُؤَاخِذُكُمْ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَحْفَظَكُمْ مِنْ إِزَالَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِمَعَاصِيكُمْ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) قالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ) وقرى "أَصَلَاتُكَ" مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ.

(تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ.

وَرُوِيَ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَيَقُولُ: الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هُنَا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، قَالَهُ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، أَيْ قِرَاءَتُكَ تَأْمُرُكَ، وَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ.

(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) زَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ تَنْهَانَا أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ "أَوْ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا تَشَاءُ" بِالتَّاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: "أَوْ أَنْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى "أَنْ" الْأُولَى. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ حَذْفُ الدَّرَاهِمِ [[حذف الشيء قطعه من أطرافه.]]. وَقِيلَ: مَعْنَى. "أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا" إِذَا تَرَاضَيْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِالْبَخْسِ فَلِمَ تَمْنَعَنَا مِنْهُ؟!.

(إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يَعْنُونَ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَمِثْلُهُ فِي صِفَةِ أَبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٥١.]] [الدخان: ٤٩] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ بِزَعْمِكَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى وجه الاستهزاء والسخرية، قال قَتَادَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْحَبَشِيِّ: أَبُو الْبَيْضَاءِ، وَلِلْأَبْيَضِ أَبُو الْجَوْنِ [[الجون هنا الأسود.]]، وَمِنْهُ قَوْلُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لِأَبِي جَهْلٍ: "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ". وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ بِضِدِّهِ لِلتَّطَيُّرِ وَالتَّفَاؤُلِ، كَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، وَلِلْفَلَاةِ مَفَازَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ تَعْرِيضٌ أَرَادُوا بِهِ السَّبَّ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَدُلُّ مَا قَبْلَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ حَقًّا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا! وَيَدُلُّ عَلَيْهِ. "أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا" أَنْكَرُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ بِأَنْ يَكُونَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، وَبَعْدَهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. "قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً" أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ؟! وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ. وَيُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُمُ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ" [[في ع: القردة والخنازير. وقد مضى في ج ٦ ص ٢٣٦ أنه أيضا من قول المسلمين لهم.]] فَقَالُوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مَسْأَلَةٌ- قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَافِ الصِّحَاحِ لِتَفْضُلَ لَهُمُ الْقِرَاضَةُ، وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاحِ عَدًّا، وَعَلَى الْمَقْرُوضَةِ وَزْنًا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْنِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَسْرُهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُكْسَرَ سَكَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا، وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً، وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَةُ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ، بِالنَّاسِ، وَلِذَلِكَ حَرُمَ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾[[راجع ج ١٣ ص ٢١٥.]] [النمل: ٤٨] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ: مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً، وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إِذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ، أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَرَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ: يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ، وَنَحْوُهُ عن سفيان. وقال أبو عبد الرحمن النجيبي: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ [[في ع: بالمدينة، وفى و: أمير المؤمنين.]] فَأُتِيَ بِرَجُلٍ [يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ] [[من ع وز وك وووى.]] وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ، وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا جزاء من يقطع الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَدْ كُنْتُ أَيَّامَ الْحُكْمِ [بَيْنَ النَّاسِ] [[من ع وى.]] أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْرَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ لِلْمَعْصِيَةِ، أَنْ يُقْطَعَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا، فَإِنَّ الْكَسْرَ إِفْسَادُ الْوَصْفِ، وَالْقَرْضَ تَنْقِيصٌ لِلْقَدْرِ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْحِرْزُ أَصْلًا فِي الْقَطْعِ؟ قُلْنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا، وَحِرْزُ كُلِّ شي عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُهُ، وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ، فَلَمْ أَجْبُنْ [[من ع وفي ز وو وى: أحب.]] بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّالِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ تقدم (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثِيرَ الْمَالِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ. الْهُدَى وَالتَّوْفِيقَ، وَالْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنِ الضَّلَالِ! وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَّبِعُ الضُّلَّالَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى "أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي" أَتَأْمُرُونَنِي [[في ع: أفتأمرونني.]] بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ، وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ [عَنْهُ] [[من ع وى.]].

(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أُرِيدُ".

(إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شي وَأَرْتَكِبُهُ كَمَا لَا أَتْرُكُ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أَيْ مَا أُرِيدُ إِلَّا فِعْلَ الصَّلَاحِ، أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ وَآخِرَتَكُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَقَالَ: "مَا اسْتَطَعْتُ" لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ شُرُوطِ الْفِعْلِ دون الإرادة. و "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ إِنْ أُرِيدَ إِلَّا الْإِصْلَاحَ جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي. "(وَما تَوْفِيقِي) " أَيْ رُشْدِي، وَالتَّوْفِيقُ الرُّشْدُ. "(إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) " أَيِ اعْتَمَدْتُ. "(وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) " أَيْ أَرْجِعُ فِيمَا يَنْزِلُ بِي مِنْ جَمِيعِ النَّوَائِبِ. وَقِيلَ: إِلَيْهِ أَرْجِعُ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِنَابَةَ الدُّعَاءُ، وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: "(وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) " وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ "يُجْرِمَنَّكُمْ".

(شِقاقِي) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.

(أَنْ يُصِيبَكُمْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ مُعَادَاتِي عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْكُفَّارَ [قَبْلَكُمْ [[من ع وووى.]]] قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ لَا: يُكْسِبَنَّكُمْ شِقَاقِي إِصَابَتَكُمُ الْعَذَابَ، كَمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى "يَجْرِمَنَّكُمْ" فِي "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ٤٤ وما بعدها.]] وَ "الشِّقَاقُ" في "البقرة" [[راجع ج ٢ ص ١٤٣.]] وهو بِمَعْنَى الْعَدَاوَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:

أَلَا مَنْ مُبْلِغٍ عَنِّي [[الرسول هنا بمعنى الرسالة. وفى الديوان: مبلغ قبسا.]] رَسُولًا ... فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ طَعْمَ الشِّقَاقِ

وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] [[من ع.]]: إِضْرَارِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِرَاقِي.

(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ. وَقِيلَ: وَمَا دِيَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْبَعِيدَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ دُورُهُمْ فِي دُورِكُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) اسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي كِتَابِ "الْأَسْنَى فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِدْتُ الرَّجُلَ أَوُدُّهُ وُدًّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ، وَالْوَدُودُ الْمُحِبُّ، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ وَالْوُدُّ وَالْمَوَدَّةُ الْمَحَبَّةُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: "ذَاكَ خَطِيبُ الأنبياء".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ أَيْ مَا نَفْهَمُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنَا عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَتَعِظُنَا بِمَا لَا عَهْدَ لَنَا بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنْ سَمَاعِهِ، وَاحْتِقَارًا لِكَلَامِهِ، يُقَالُ: فَقِهَ يَفْقَهُ إِذَا فَهِمَ فِقْهًا، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: فَقُهَ فَقَهًا وَفِقْهًا إِذَا صَارَ فَقِيهًا [[عبارة الأصول هنا مضطربة، وصوبت عن كتب اللغة، وعبارة الأصل: فقه يفقه إذا فهم فقها وفقها وحكى الكسائي: فقها، وفقه فقها إذا صار فقيها.]].

(وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً) قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مصابا ببصره [[ليس شعيب الرسول عليه السلام ضريرا لأن هذا الوصف ينافي العصمة مما يقدح وإنما شعيب الضرير هو صاحب موسى وليس بنبي وبينهما ثلاثمائة سنة.]]، قاله سعيد ابن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: كَانَ ضَعِيفَ الْبَصَرِ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَحَكَى عَنْهُ النَّحَّاسُ مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأَعْمَى ضَعِيفًا، أَيْ قَدْ ضَعُفَ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ، لَهُ ضَرِيرٌ، أَيْ قَدْ ضُرَّ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَكْفُوفٌ، أَيْ قَدْ كُفَّ عَنِ النَّظَرِ بِذَهَابِ بَصَرِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ مَهِينٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى ضَعِيفُ الْبَدَنِ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَحِيدًا لَيْسَ لَكَ جُنْدٌ وَأَعْوَانٌ تَقْدِرُ بِهَا عَلَى مُخَالَفَتِنَا. وَقِيلَ: قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَسِيَاسَةِ أَهْلِهَا وَ "ضَعِيفاً" نصب على الحال.

(وَلَوْلا رَهْطُكَ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِمْ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَمِنْهُ الرَّاهِطَاءُ لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ وَيَخْبَأُ فِيهِ وَلَدَهُ. وَمَعْنَى "(لَرَجَمْناكَ) " لَقَتَلْنَاكَ بِالرَّجْمِ، وَكَانُوا إِذَا قَتَلُوا إِنْسَانًا رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَكَانَ رَهْطُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَى "لَرَجَمْناكَ" لَشَتَمْنَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ:

تَرَاجَمْنَا بِمُرِّ الْقَوْلِ حَتَّى ... نَصِيرَ كَأَنَّنَا فَرَسَا رِهَانِ

وَالرَّجْمُ أَيْضًا اللَّعْنُ، وَمِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ.

(وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِغَالِبٍ وَلَا قَاهِرٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ "أَرَهْطِي" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَرَهْطِي فِي قُلُوبِكُمْ (أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَهُوَ يَمْلِكُكُمْ.

(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أَيِ اتَّخَذْتُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ظِهْرِيًّا، أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَامْتَنَعْتُمْ مِنْ قَتْلِي مَخَافَةَ قَوْمِي، يُقَالُ: جَعَلْتُ أَمْرَهُ بِظَهْرٍ إِذَا قَصَّرْتُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٤٠.]]، (إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ) أَيْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

(مُحِيطٌ) أَيْ عَلِيمٌ وَقِيلَ حَفِيظٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٨٩.]].

(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) أَيْ يُهْلِكُهُ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِثْلَ ﴿يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[[راجع ج ٣ ص ٦٢.]] [البقرة: ٢٢٠].

(وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) عَطْفٌ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: أَيْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ مِنَّا. وَقِيلَ: فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، تَقْدِيرُهُ: وَيُخْزِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ فَسَيُعْلَمُ كَذِبَهُ، وَيَذُوقُ وَبَالَ أَمْرِهِ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُمْ إنما جاءوا ب "هُوَ" في "وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ" لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ مَنْ قَائِمٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَنْ قَامَ، وَمَنْ يَقُومُ، وَمَنِ الْقَائِمُ، فَزَادُوا "هُوَ" لِيَكُونَ جُمْلَةً تَقُومُ مَقَامَ فعل يفعل. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا قَوْلُهُ [[هو عمرو بن أبى ربيعة.]]:

مَنْ رَسُولِي إِلَى الثُّرَيَا بِأَنِّي ... ضِقْتُ ذَرْعًا بِهَجْرِهَا وَالْكِتَابِ

(وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أَيِ انْتَظِرُوا الْعَذَابَ وَالسَّخْطَةَ، فَإِنِّي مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ وَالرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ قِيلَ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَخَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ (نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) أَيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ. وَأَنَّثَ الْفِعْلَ عَلَى لَفْظِ الصَّيْحَةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ" فَذَكَّرَ عَلَى مَعْنَى الصِّيَاحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّتَيْنِ بِعَذَابٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْمَ صَالِحٍ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَقَوْمَ شُعَيْبٍ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ.

(فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنَ السُّلَمِيَّ قَرَأَ "كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ إِنَّمَا يُقَالُ بعد يَبْعَدُ بَعَدًا وَبُعْدًا إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: مَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ "بَعِدَتْ" فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَبَعِدَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، فَالْبَعَدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ لتقارب المعاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ بَيَّنَ أَنَّهُ أَتْبَعَ النَّبِيَّ النَّبِيَّ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِزَاحَةِ كُلِّ عِلَّةٍ "بِآياتِنا" أَيْ بِالتَّوْرَاةِ. وَقِيلَ: بِالْمُعْجِزَاتِ.

(وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) أَيْ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، يَعْنِي الْعَصَا. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٣٣.]] مَعْنَى السُّلْطَانِ وَاشْتِقَاقُهُ فَلَا مَعْنَى للإعادة.

(إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) أَيْ شَأْنَهُ وَحَالَهُ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا، وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أَيْ بِسَدِيدٍ يُؤَدِّي إِلَى صَوَابٍ: وَقِيلَ: "بِرَشِيدٍ" أَيْ بِمُرْشِدٍ إِلَى خَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَتَقَدَّمُهُمْ إِلَى النَّارِ إِذْ هُوَ رَئِيسُهُمْ. يُقَالُ: قَدَمَهُمْ يَقْدُمُهُمْ قَدْمًا وَقُدُومًا إِذَا تَقَدَّمَهُمْ.

(فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) أَيْ أَدْخَلَهُمْ فِيهَا. ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَالْمَعْنَى فَيُورِدُهُمُ النَّارَ، وَمَا تَحَقَّقَ وُجُودُهُ فَكَأَنَّهُ كَائِنٌ، فَلِهَذَا يُعَبَّرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي.

(وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) أَيْ بِئْسَ الْمَدْخَلُ الْمَدْخُولُ، وَلَمْ يَقُلْ بِئْسَتْ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَرْجِعُ إِلَى الْمَوْرُودِ، وَهُوَ كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ الْمَنْزِلُ دَارُكَ، وَنِعْمَتِ الْمَنْزِلُ دَارُكَ وَالْمَوْرُودُ الْمَاءُ الَّذِي يُورَدُ، والموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً﴾ أَيْ فِي الدُّنْيَا.

(وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أَيْ وَلَعْنَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.

(بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) حَكَى الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: رَفَدْتُهُ أَرْفِدُهُ رَفْدًا، أَيْ أَعَنْتُهُ وَأَعْطَيْتُهُ. وَاسْمُ الْعَطِيَّةِ الرِّفْدُ، أَيْ بِئْسَ الْعَطَاءُ وَالْإِعَانَةُ. وَالرِّفْدُ أَيْضًا الْقَدَحُ الضَّخْمُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ الرِّفْدُ رِفْدُ الْمَرْفُودِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الرَّفْدَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْقَدَحُ، وَالرِّفْدِ بِكَسْرِهَا مَا فِي الْقَدَحِ مِنَ الشَّرَابِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، فَكَأَنَّهُ ذَمَّ بِذَلِكَ مَا يَسْقُونَهُ فِي النَّارِ. وَقِيلَ: إِنَّ الرِّفْدَ الزِّيَادَةُ، أَيْ بِئْسَ مَا يَرْفِدُونَ بِهِ بعد الغرق النار، قاله الكلبي.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ بَيَّنَ أَنَّهُ أَتْبَعَ النَّبِيَّ النَّبِيَّ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِزَاحَةِ كُلِّ عِلَّةٍ "بِآياتِنا" أَيْ بِالتَّوْرَاةِ. وَقِيلَ: بِالْمُعْجِزَاتِ.

(وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) أَيْ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، يَعْنِي الْعَصَا. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٣٣.]] مَعْنَى السُّلْطَانِ وَاشْتِقَاقُهُ فَلَا مَعْنَى للإعادة.

(إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) أَيْ شَأْنَهُ وَحَالَهُ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا، وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أَيْ بِسَدِيدٍ يُؤَدِّي إِلَى صَوَابٍ: وَقِيلَ: "بِرَشِيدٍ" أَيْ بِمُرْشِدٍ إِلَى خَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَتَقَدَّمُهُمْ إِلَى النَّارِ إِذْ هُوَ رَئِيسُهُمْ. يُقَالُ: قَدَمَهُمْ يَقْدُمُهُمْ قَدْمًا وَقُدُومًا إِذَا تَقَدَّمَهُمْ.

(فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) أَيْ أَدْخَلَهُمْ فِيهَا. ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَالْمَعْنَى فَيُورِدُهُمُ النَّارَ، وَمَا تَحَقَّقَ وُجُودُهُ فَكَأَنَّهُ كَائِنٌ، فَلِهَذَا يُعَبَّرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي.

(وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) أَيْ بِئْسَ الْمَدْخَلُ الْمَدْخُولُ، وَلَمْ يَقُلْ بِئْسَتْ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَرْجِعُ إِلَى الْمَوْرُودِ، وَهُوَ كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ الْمَنْزِلُ دَارُكَ، وَنِعْمَتِ الْمَنْزِلُ دَارُكَ وَالْمَوْرُودُ الْمَاءُ الَّذِي يُورَدُ، والموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً﴾ أَيْ فِي الدُّنْيَا.

(وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أَيْ وَلَعْنَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.

(بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) حَكَى الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: رَفَدْتُهُ أَرْفِدُهُ رَفْدًا، أَيْ أَعَنْتُهُ وَأَعْطَيْتُهُ. وَاسْمُ الْعَطِيَّةِ الرِّفْدُ، أَيْ بِئْسَ الْعَطَاءُ وَالْإِعَانَةُ. وَالرِّفْدُ أَيْضًا الْقَدَحُ الضَّخْمُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ الرِّفْدُ رِفْدُ الْمَرْفُودِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الرَّفْدَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْقَدَحُ، وَالرِّفْدِ بِكَسْرِهَا مَا فِي الْقَدَحِ مِنَ الشَّرَابِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، فَكَأَنَّهُ ذَمَّ بِذَلِكَ مَا يَسْقُونَهُ فِي النَّارِ. وَقِيلَ: إِنَّ الرِّفْدَ الزِّيَادَةُ، أَيْ بِئْسَ مَا يَرْفِدُونَ بِهِ بعد الغرق النار، قاله الكلبي.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ بَيَّنَ أَنَّهُ أَتْبَعَ النَّبِيَّ النَّبِيَّ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِزَاحَةِ كُلِّ عِلَّةٍ "بِآياتِنا" أَيْ بِالتَّوْرَاةِ. وَقِيلَ: بِالْمُعْجِزَاتِ.

(وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) أَيْ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، يَعْنِي الْعَصَا. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٣٣.]] مَعْنَى السُّلْطَانِ وَاشْتِقَاقُهُ فَلَا مَعْنَى للإعادة.

(إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) أَيْ شَأْنَهُ وَحَالَهُ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا، وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أَيْ بِسَدِيدٍ يُؤَدِّي إِلَى صَوَابٍ: وَقِيلَ: "بِرَشِيدٍ" أَيْ بِمُرْشِدٍ إِلَى خَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَتَقَدَّمُهُمْ إِلَى النَّارِ إِذْ هُوَ رَئِيسُهُمْ. يُقَالُ: قَدَمَهُمْ يَقْدُمُهُمْ قَدْمًا وَقُدُومًا إِذَا تَقَدَّمَهُمْ.

(فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) أَيْ أَدْخَلَهُمْ فِيهَا. ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَالْمَعْنَى فَيُورِدُهُمُ النَّارَ، وَمَا تَحَقَّقَ وُجُودُهُ فَكَأَنَّهُ كَائِنٌ، فَلِهَذَا يُعَبَّرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي.

(وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) أَيْ بِئْسَ الْمَدْخَلُ الْمَدْخُولُ، وَلَمْ يَقُلْ بِئْسَتْ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَرْجِعُ إِلَى الْمَوْرُودِ، وَهُوَ كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ الْمَنْزِلُ دَارُكَ، وَنِعْمَتِ الْمَنْزِلُ دَارُكَ وَالْمَوْرُودُ الْمَاءُ الَّذِي يُورَدُ، والموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً﴾ أَيْ فِي الدُّنْيَا.

(وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أَيْ وَلَعْنَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.

(بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) حَكَى الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: رَفَدْتُهُ أَرْفِدُهُ رَفْدًا، أَيْ أَعَنْتُهُ وَأَعْطَيْتُهُ. وَاسْمُ الْعَطِيَّةِ الرِّفْدُ، أَيْ بِئْسَ الْعَطَاءُ وَالْإِعَانَةُ. وَالرِّفْدُ أَيْضًا الْقَدَحُ الضَّخْمُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ الرِّفْدُ رِفْدُ الْمَرْفُودِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الرَّفْدَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْقَدَحُ، وَالرِّفْدِ بِكَسْرِهَا مَا فِي الْقَدَحِ مِنَ الشَّرَابِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، فَكَأَنَّهُ ذَمَّ بِذَلِكَ مَا يَسْقُونَهُ فِي النَّارِ. وَقِيلَ: إِنَّ الرِّفْدَ الزِّيَادَةُ، أَيْ بِئْسَ مَا يَرْفِدُونَ بِهِ بعد الغرق النار، قاله الكلبي.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ بَيَّنَ أَنَّهُ أَتْبَعَ النَّبِيَّ النَّبِيَّ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِزَاحَةِ كُلِّ عِلَّةٍ "بِآياتِنا" أَيْ بِالتَّوْرَاةِ. وَقِيلَ: بِالْمُعْجِزَاتِ.

(وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) أَيْ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، يَعْنِي الْعَصَا. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٣٣.]] مَعْنَى السُّلْطَانِ وَاشْتِقَاقُهُ فَلَا مَعْنَى للإعادة.

(إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) أَيْ شَأْنَهُ وَحَالَهُ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا، وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أَيْ بِسَدِيدٍ يُؤَدِّي إِلَى صَوَابٍ: وَقِيلَ: "بِرَشِيدٍ" أَيْ بِمُرْشِدٍ إِلَى خَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَتَقَدَّمُهُمْ إِلَى النَّارِ إِذْ هُوَ رَئِيسُهُمْ. يُقَالُ: قَدَمَهُمْ يَقْدُمُهُمْ قَدْمًا وَقُدُومًا إِذَا تَقَدَّمَهُمْ.

(فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) أَيْ أَدْخَلَهُمْ فِيهَا. ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَالْمَعْنَى فَيُورِدُهُمُ النَّارَ، وَمَا تَحَقَّقَ وُجُودُهُ فَكَأَنَّهُ كَائِنٌ، فَلِهَذَا يُعَبَّرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي.

(وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) أَيْ بِئْسَ الْمَدْخَلُ الْمَدْخُولُ، وَلَمْ يَقُلْ بِئْسَتْ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَرْجِعُ إِلَى الْمَوْرُودِ، وَهُوَ كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ الْمَنْزِلُ دَارُكَ، وَنِعْمَتِ الْمَنْزِلُ دَارُكَ وَالْمَوْرُودُ الْمَاءُ الَّذِي يُورَدُ، والموضع الذي يورد، وهو بمعنى المفعول.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً﴾ أَيْ فِي الدُّنْيَا.

(وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أَيْ وَلَعْنَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.

(بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) حَكَى الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: رَفَدْتُهُ أَرْفِدُهُ رَفْدًا، أَيْ أَعَنْتُهُ وَأَعْطَيْتُهُ. وَاسْمُ الْعَطِيَّةِ الرِّفْدُ، أَيْ بِئْسَ الْعَطَاءُ وَالْإِعَانَةُ. وَالرِّفْدُ أَيْضًا الْقَدَحُ الضَّخْمُ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ الرِّفْدُ رِفْدُ الْمَرْفُودِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الرَّفْدَ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْقَدَحُ، وَالرِّفْدِ بِكَسْرِهَا مَا فِي الْقَدَحِ مِنَ الشَّرَابِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، فَكَأَنَّهُ ذَمَّ بِذَلِكَ مَا يَسْقُونَهُ فِي النَّارِ. وَقِيلَ: إِنَّ الرِّفْدَ الزِّيَادَةُ، أَيْ بِئْسَ مَا يَرْفِدُونَ بِهِ بعد الغرق النار، قاله الكلبي.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ "ذلِكَ" رُفِعَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، أَيِ الْأَمْرُ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ.

(مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) قَالَ قَتَادَةُ: الْقَائِمُ مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَالْحَصِيدُ مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: الْقَائِمُ الْعَامِرُ، وَالْحَصِيدُ الْخَرَابُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَائِمٌ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ، يَعْنِي مَحْصُودًا كَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَالنَّاسُ فِي قَسْمِ الْمَنِيَّةِ بَيْنَهُمْ ... كَالزَّرْعِ مِنْهُ قَائِمٌ وَحَصِيدُ

وَقَالَ آخَرُ [[البيت للطرماح كما في اللسان.]]:

إِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ ... فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهْ

قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: حَصِيدٌ أَيْ مَحْصُودٌ، وَجَمْعُهُ حَصْدَى وَحِصَادٌ مِثْلَ مَرْضَى وَمِرَاضٍ، قَالَ: يَكُونُ فِيمَنْ يَعْقِلُ حَصْدَى، مِثْلِ قَتِيلِ وَقَتْلَى.

(وَما ظَلَمْناهُمْ) أَصْلُ الظُّلْمِ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٣٠٩ وما بعدها.]] مُسْتَوْفًى.

(وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ يُقَالُ: ظَلَمَ إِيَّاهُ (فَما أَغْنَتْ) أَيْ دَفَعَتْ.

(عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أي يدعون.

(لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ:

فَلَقَدْ بَلِيتُ وَكُلُّ صَاحِبِ جِدَّةٍ ... لِبِلًى يَعُودُ وَذَاكُمُ التَّتْبِيبُ

وَالتَّبَابُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ مَا زَادَتْهُمْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، أَيْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا قَدْ خَسَّرَتْهُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

(قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) أَيْ كَمَا أَخَذَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ لِنُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْقُرَى الظَّالِمَةِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى" وَعَنِ الْجَحْدَرِيِّ أَيْضًا "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ" كالجماعة "إذ أخذ القرى".

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ مَنْ قَرَأَ: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ" فَهُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمُهْلَكَةِ إِذْ أَخَذَهُمْ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ مَنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ مَتَى أَخَذَهُ، فَإِذْ لِمَا مَضَى، أَيْ حِينَ أَخَذَ الْقُرَى، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ (وَهِيَ ظالِمَةٌ) أَيْ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِثْلُ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

(إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أَيْ عُقُوبَتَهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مُوجِعَةٌ غَلِيظَةٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى " الْآيَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ أَيْ لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً.

(لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ).

(ذلِكَ يَوْمٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.

(مَجْمُوعٌ) مِنْ نَعْتِهِ.

(لَهُ النَّاسُ) اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ مَجْمُوعُونَ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ارْتِفَاعَ "النَّاسُ" بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرَ "مَجْمُوعٌ لَهُ" فَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: مَجْمُوعُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، لِأَنَّ "لَهُ" يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَالْجَمْعُ الْحَشْرُ، أَيْ يُحْشَرُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

(وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أَيْ يَشْهَدُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِنْ أسماء القيامة في كتاب "التذكرة" وبينا هما والحمد الله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أَيْ مَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.

(إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أَيْ لِأَجَلٍ سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُنَا، وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَنَا.

(يَوْمَ يَأْتِ) وقرى "يَوْمَ يَأْتِ" لِأَنَّ الْيَاءَ تُحْذَفُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، تَقُولُ: لَا أَدْرِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. قَالَ النَّحَّاسُ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْإِدْرَاجِ، وَحَذْفِهَا فِي الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرءا "يَوْمَ يَأْتِي" بِالْيَاءِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "يَوْمَ يَأْتِ" بِغَيْرِ يَاءٍ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: الْوَجْهُ فِي هَذَا أَلَّا يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُوصَلَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: لَا تُحْذَفُ الْيَاءُ، وَلَا يُجْزَمُ الشَّيْءُ بِغَيْرِ جَازِمٍ، فَأَمَّا الْوَقْفُ بِغَيْرِ يَاءٍ فَفِيهِ قَوْلٌ لِلْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ السَّالِمَ يُوقَفُ عَلَيْهِ كَالْمَجْزُومِ، فَحَذَفَ الْيَاءَ، كَمَا تُحْذَفُ الضَّمَّةُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ بِحُجَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا- أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُصْحَفُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى- أَنَّهُ حَكَى أَنَّهَا لُغَةُ هُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: أَمَّا حُجَّتُهُ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ رضي الله عنه فشى يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْتُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقِيلَ لِي ذَهَبَ، وَأَمَّا حُجَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: "مَا أَدْرِ" فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَذْفَ قَدْ حَكَاهُ النَّحْوِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، وَذَكَرُوا عِلَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ فِي حَذْفِ الْيَاءِ:

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا

أَيْ تُعْطِي. وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَا أَدْرِ، فَتَحْذِفُ الْيَاءَ وَتَجْتَزِئُ بِالْكَسْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَجْوَدُ فِي النَّحْوِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ، قَالَ: وَالَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعَ الْمُصْحَفِ وَإِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

(لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) الْأَصْلُ تَتَكَلَّمُ، حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ فِيهِ نَفْسٌ إِلَّا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ وَقْتًا يُمْنَعُونَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَكْثَرُ مَا يَسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْإِلْحَادِ فِي الدِّينِ. فَيَقُولُ لِمَ قَالَ: "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" وَ "هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ"»

[المرسلات: ٣٦]. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذِكْرِ الْقِيَامَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٧]. وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ١٩٣.]] [النحل: ١١١]. وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٧٣ فما بعد، في الأصول "يَتَلاوَمُونَ" وليست في المعنى المراد هنا.]] [الصافات: ٢٤]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٧٣.]] [الرحمن: ٣٩]. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْإِقْرَارِ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلَى بَعْضٍ، فَأَمَّا التَّكَلُّمُ وَالنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ فَلَا، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ لِلَّذِي يُخَاطِبُكَ كَثِيرًا، وَخِطَابُهُ فَارِغٌ عن الْحُجَّةِ: مَا تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ، وَمَا نَطَقْتَ بِشَيْءٍ، فَسُمِّيَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلَا حُجَّةٍ فِيهِ لَهُ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ. وَقَالَ: قَوْمٌ: ذَلِكَ الْيَوْمُ طَوِيلٌ، وَلَهُ مَوَاطِنُ وَمَوَاقِفُ فِي بَعْضِهَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْكَلَامِ، وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَقُ لَهُمُ الْكَلَامُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

(فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أَيْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أو من الناس، وقد ذكرهم قَوْلِهِ: "يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ". وَالشَّقِيُّ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ. وَالسَّعِيدُ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:

فَمِنْهُمْ سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ... وَمِنْهُمْ شَقِيٌّ بِالْمَعِيشَةِ قَانِعُ

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ" سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَامَ نَعْمَلُ؟ عَلَى شي قد فرغ منه، أو على شي لم يفرغ منه؟ فقال: "بل على شي قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْأَعْرَافِ" [[راجع ج ٧ ص ٣١٤.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ابْتِدَاءٌ.

(فَفِي النَّارِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَكَذَا (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الزَّفِيرُ مِنَ الصَّدْرِ. وَالشَّهِيقُ مِنَ الْحَلْقِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّفِيرُ مِنْ شِدَّةِ الْأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ مِنَ الْأَنِينِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا، قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الزَّفِيرَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ صَوْتِ الْحَمِيرِ فِي النَّهِيقِ، وَالشَّهِيقَ بِمَنْزِلَةِ [آخِرِ] صَوْتِ الْحِمَارِ فِي النَّهِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَكْسَهُ، قَالَ: الزَّفِيرُ الصَّوْتُ الشَّدِيدِ، وَالشَّهِيقُ الصَّوْتُ الضَّعِيفُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: الزَّفِيرُ مِثْلُ أَوَّلِ نَهِيقِ الْحِمَارِ، وَالشَّهِيقُ مِثْلُ آخِرِهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَوْتِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ [[هو العجاج والبيت من قصيدة له يصف فيها المفازة مطلعها:

قاتم الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ ... مُشْتَبِهِ الْأَعْلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَقْ]]:

حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا [[في ع: في الصدر، والسحيل: الصوت الذي يطور في صدر الحمار.]] أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ

وَقِيلَ: الزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ، وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ الْجَوْفُ غَمًّا فَيَخْرُجُ بِالنَّفَسِ، وَالشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ وَقِيلَ: الزَّفِيرُ تَرْدِيدُ النَّفَسِ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ، وَالشَّهِيقُ النَّفَسُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شَاهِقٌ، أَيْ طَوِيلٌ [[قال في النهاية: شاهق عال.]]. وَالزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ مِنْ أَصْوَاتِ الْمَحْزُونِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ "مَا دامَتِ" فِي مَوْضِعِ نصب على الظرف، أي دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقْتَ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا، فَقَالَتْ. طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الضَّحَّاكُ: الْمَعْنَى مَا دامت سموات الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَرْضُهُمَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَالْأَرْضُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمُكَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾[[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] [الزمر: ٧٤]. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِخْبَارِ. عَنْ دَوَامِ الشَّيْءِ وَتَأْبِيدِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيكَ مَا جَنَّ لَيْلٌ، أَوْ سَالَ سَيْلٌ، وَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا نَاحَ الْحَمَامُ، وما دامت السموات وَالْأَرْضُ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَأَفْهَمَهُمُ اللَّهُ تَخْلِيدَ الْكَفَرَةِ بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السموات وَالْأَرْضِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السموات وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ، فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ عَشَرَةٍ: الْأُولَى- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "فَفِي النَّارِ" كَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ رَوَاهُ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَدَدُ لَا الْأَشْخَاصُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكُمْ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٢.]] [النساء: ٣]. وَعَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلَهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ". الثَّانِي- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا" عَامًّا فِي الْكَفَرَةِ وَالْعُصَاةِ، وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ "خالِدِينَ"، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَدْخُلُ نَاسٌ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ [[الحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، والواحدة حمة.]] أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ "وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي" النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٣٣٢.]] وَغَيْرِهَا. الثَّالِثُ- أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ، وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ مَا ذُكِرَ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. الرَّابِعُ- قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّارَ فَتَأْكُلُهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ، ثُمَّ يُجَدِّدُ خَلْقَهُمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَهُ فِي الْأَكْلِ، وَتَجْدِيدِ الْخَلْقِ. الْخَامِسُ- أَنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى "سِوَى" كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: مَا مَعِي رَجُلٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِي عَلَيْكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ إِلَّا الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْكَ [[وعبارة البحر: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك بعني سوى تلك الألف.]]. قِيلَ: فَالْمَعْنَى مَا دامت السموات وَالْأَرْضُ سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ. السَّادِسُ- أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْهَا. كَمَا تَقُولُ فِي الْكَلَامِ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ غَيْرَهُ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاجُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ مِقْدَارِ مَوْقِفِهِمْ عَلَى رَأْسِ قُبُورِهِمْ، وَلِلْمُحَاسَبَةِ، وَقَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْبَرْزَخِ، وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ- وُقُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ، وَتَقْدِيرُهُ: "خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ لِأَهْلِ النَّعِيمِ، وَزِيَادَةِ الْعَذَابِ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ. قُلْتُ: فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الزِّيَادَةِ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ كَوْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيُّ [[يلاحظ أنه لم يذكر المصنف السابع ولعله هو هذا.]] الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَيْ خَالِدِينَ فيها مقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ مُدَّةُ الْعَالَمِ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقْتٌ يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾[[راجع ص ٣٨٢ من هذا الجزء]] [إبراهيم: ٤٨] فَخَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أنفسهم وأموالهم الجنة، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْدِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يخلد في النار بمقدار دوام السموات وَالْأَرْضِ، فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فِي الْجَنَّةِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَعَ الْجَمِيعُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الدخان: ٣٩] فَيَخْلُدُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامِهِمَا، وَهُوَ حَقُّ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنَ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمُ الْأَبَدَ فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَارِهِ أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْنِ أَبَدًا، فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْعِبَادَ مِقْدَارَ الْخُلُودِ، ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" مِنْ زِيَادَةِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَعْجَزُ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهَا، فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَبَعْضُ أَهْلِ النظر وهوالثامن- وَالْمَعْنَى: وَمَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الخلود على مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] [البقرة: ١٥٠] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا. وَقَالَ الشَّاعِرُ [[البيت لعمرو ابن معدى كرب. وقيل هو لحضرمي بن عامر. ويجوز أن تكون "إِلَّا" هنا بمعنى غير. قال سيبويه: كأنه قال وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، فقد نعت "كلا" بها.]]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ

أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُونَ "إِلَّا" بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٢٨.]] بَيَانُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبُّكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ﴾[[راجع ج ٥ ص ١٠٣.]] [النساء: ٢٢] أي كما قد سلف، وهوالتاسع، الْعَاشِرُ- وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ كَلَامٍ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[[راجع ج ١٦ ص ١٤٧ وص ٢٨٩.]] [الفتح: ٢٧] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِي وَاجِبٍ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَلَيْسَ يُوصَفُ بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ، وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: تَقَدَّمَتْ عَزِيمَةُ الْمَشِيئَةِ من الله تعالى في خلود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، فَوَقَعَ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَزِيمَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُودِ، قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا، فَلَمْ يُوجِبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا، إِذِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تقدمة، بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقَوْلٌ: حَادِيَ عَشَرَ- وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاءَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَالسُّعَدَاءُ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ لَا غَيْرُهُمْ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَهُمُ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: "فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ" أَلَّا يُخَلِّدَهُ فِيهَا، وَهُمُ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُمْ بِدُخُولِهِمُ النَّارَ يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاءَ، وَبِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاءَ، كَمَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّارِ ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَفْصٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّلَ شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ "سُعِدُوا" مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سَعِدَ فُلَانٌ وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْعَدَ مِثْلُ أَمْرَضَ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الْكِسَائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَكَانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ يُحْذَفُ فِيهِ ويسمى به. قال الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ ضَمَّ السِّينَ مِنْ "سُعِدُوا" فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ وَهُوَ شَاذٌّ قَلِيلٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَعِدَهُ اللَّهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: "سُعِدُوا" بِضَمِّ السِّينِ أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَةَ، يُقَالُ: سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "سُعِدُوا" بِفَتْحِ السِّينِ قِيَاسًا عَلَى "شَقُوا" وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالسَّعَادَةُ خِلَافُ الشَّقَاوَةِ، تَقُولُ: مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيدٌ، مِثْلُ سَلِمَ فَهُوَ سَلِيمٌ، وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: مُسْعَدٌ، كَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ: وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَأَسْعَدَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُسْعَدٌ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يُقَالُ سَعِدَ فُلَانٌ كَمَا لَا يُقَالُ شَقِيَ فُلَانٌ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، مِنْ جَذَّهُ يَجُذُّهُ أَيْ قَطَعَهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:

تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ [[البيت للنابغة الذبياني يصف فيه السيوف. ويروى (تقد- ويوقدن). والسلوقي: الدرع المنسوب إلى سلوق، قرية باليمن. والمضاعف: الذي نسج حلقتين. والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل، وقيل: نار الحباحب ما اقتدح من شرر النار في الهواء بتصادم حجرين.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُ﴾ جَزْمٌ بِالنَّهْيِ، وَحُذِفَتِ النُّونُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.

(فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.

(مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) مِنَ الْآلِهَةِ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا: أَيْ قُلْ يا محمد لكل من شك "فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ" أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهَا كَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ تَقْلِيدًا لَهُمْ.

(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا- نَصِيبُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَهُ أبو العالية. الثاني- نصيبهم من العذاب، قال ابْنُ زَيْدٍ. الثَّالِثُ- مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما.

قوله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) الْكَلِمَةُ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِمَا عَلِمَ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاحِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَضَى بَيْنَهُمْ أَجَلَهُمْ بِأَنْ يُثِيبَ الْمُؤْمِنَ وَيُعَاقِبَ الْكَافِرَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي كِتَابِ مُوسَى، فَإِنَّهُمْ كَانُوا بَيْنَ مُصَدِّقٍ [بِهِ [[من اوووى.]]] وَمُكَذِّبٍ. وَقِيلَ: بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيكَ يَا مُحَمَّدُ بِتَعْجِيلِ الْعِقَابِ، ولكن سبق الحكم بتأخير العقاب هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

(وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) إِنْ حُمِلَتْ عَلَى قَوْمِ مُوسَى، أَيْ لَفِي شَكٍّ مِنْ كِتَابِ مُوسَى فهم في شك من القرآن.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ أَيْ إِنَّ كُلًّا مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي عَدَدْنَاهُمْ يَرَوْنَ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ، فَكَذَلِكَ قَوْمُكَ يَا مُحَمَّدُ. وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ "وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا" فَقَرَأَ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ- نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُمْ- "وَإِنْ كُلًّا لَمَّا" بِالتَّخْفِيفِ، عَلَى أَنَّهَا "إِنْ" الْمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ مُعْمَلَةً، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَبَ تَقُولُ: إِنْ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ [[هو: ابن صريم اليشكري، وصدر البيت: ويوما توافينا بوجه مقسم يجوز نصب الظبية بكان تشبيها بالفعل إذا حذف وعمل، والخبر محذوف لعلم السامع. ويجوز جر الظبية على تقدير: كظبية، وأن زائدة مؤكدة.]]:

كَأَنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إِلَى وَارِقِ السَّلَمْ

أَرَادَ كَأَنَّهَا ظَبْيَةٌ فَخَفَّفَ وَنَصَبَ مَا بَعْدَهَا، وَالْبَصْرِيُّونَ يُجَوِّزُونَ تَخْفِيفَ "إِنَّ" الْمُشَدَّدَةَ مَعَ إِعْمَالِهَا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْكِسَائِيُّ وَقَالَ: مَا أدري على أي شي قُرِئَ "وَإِنْ كُلًّا"! وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُ نَصَبَ كُلًّا "فِي قِرَاءَةِ مَنْ خَفَّفَ بِقَوْلِهِ:" لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" أَيْ وَإِنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ كُلًّا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ كَبِيرِ الْغَلَطِ، لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ زَيْدًا لَأَضْرِبَنَّهُ [[قال الطبري: وذلك أن العرب لا تنصب بفعل بعد لام اليمين اسما قبلها.]]. وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ "إِنَّ" وَنَصَبُوا بِهَا "كُلًّا" عَلَى أَصْلِهَا. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَابْنُ عَامِرٍ "لَمَّا" بِالتَّشْدِيدِ. وَخَفَّفَهَا الْبَاقُونَ عَلَى مَعْنَى: وَإِنَّ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، جَعَلُوا "مَا" صِلَةً. وَقِيلَ: دَخَلَتْ لِتَفْصِلَ بَيْنَ اللَّامَيْنِ اللَّتَيْنِ تَتَلَقَّيَانِ الْقَسَمَ، وَكِلَاهُمَا مَفْتُوحٌ فَفُصِلَ بَيْنَهُمَا بِ "مَا". وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَامُ "لَمَّا" لَامُ "إِنَّ" وَ "مَا" زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، تَقُولُ: إِنَّ زيدا لمنطلق، فإن تَقْتَضِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَى خَبَرِهَا أَوِ اسْمِهَا لَامٌ كَقَوْلِكَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَقَوْلُهُ:" إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى [[راجع ج ١٥ ص ٢٤٥.]] ". وَاللَّامُ فِي "لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" هِيَ الَّتِي يُتَلَقَّى بِهَا الْقَسَمُ، وَتَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ وَيَلْزَمُهَا النُّونُ الْمُشَدَّدَةُ أَوِ الْمُخَفَّفَةُ، وَلَمَّا اجْتَمَعَتِ اللَّامَانِ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِ "مَا" وَ "مَا" زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: "مَا" بِمَعْنَى "من" كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] أَيْ وَإِنَّ كُلًّا لَمَنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَاللَّامُ فِي "لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" لِلْقَسَمِ، وَهَذَا يَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ، غَيْرَ أَنَّ "مَا" عِنْدَ الزَّجَّاجِ زَائِدَةٌ وَعِنْدَ الْفَرَّاءِ اسْمٌ بِمَعْنَى "مَنْ". وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ، بَلْ هِيَ اسْمٌ دَخَلَ عَلَيْهَا لَامُ التَّأْكِيدِ، وَهِيَ خَبَرُ "إِنَّ" وَ "لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" جَوَابُ الْقَسَمِ، التَّقْدِيرُ: وَإِنَّ كُلًّا خُلِقَ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ. وَقِيلَ: "مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" كَقَوْلِهِ:" فَانْكِحُوا [[راجع ج ٥ ص ٢٢٥ وص ١٢.]] ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ" [النِّسَاءِ: ٣] أَيْ مَنْ، وَهَذَا كُلُّهُ هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِعَيْنِهِ. وَأَمَّا مَنْ شَدَّدَ "لَمَّا" وَقَرَأَ "وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا" بِالتَّشْدِيدِ فِيهِمَا- وَهُوَ حَمْزَةُ وَمَنْ وَافَقَهُ- فَقِيلَ: إِنَّهُ لَحْنٌ، حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ زَيْدًا إِلَّا لَأَضْرِبَنَّهُ، وَلَا لَمَّا لَضَرَبْتُهُ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَمَا أَعْرِفُ لَهَا وَجْهًا. وَقَالَ هُوَ وَأَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: التَّشْدِيدُ فِيهِمَا مُشْكِلٌ. قَالَ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ: وَلِلنَّحْوِيِّينَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ- أَنَّ أَصْلَهَا "لِمَنْ مَا" فَقُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا، وَاجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ فَحُذِفَتِ الْوُسْطَى فَصَارَتْ "لَمَّا" وَ "مَا" عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِمَعْنَى "مَنْ" تَقْدِيرُهُ: وَإِنَّ كُلًّا لِمَنِ الَّذِينَ، كَقَوْلِهِمْ:

وَإِنِّي لَمَّا أُصْدِرُ الْأَمْرَ وَجْهَهُ ... إِذَا هُوَ أَعْيَا بِالسَّبِيلِ مَصَادِرُهُ

وَزَيَّفَ الزَّجَّاجُ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ: "مَنْ" اسْمٌ عَلَى حَرْفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ. الثَّانِي- أَنَّ الْأَصْلَ. لَمِنْ مَا، فَحُذِفَتِ الْمِيمُ الْمَكْسُورَةُ لِاجْتِمَاعِ الْمِيمَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنَّ كُلًّا لَمِنْ خَلْقٍ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ. وَقِيلَ: "لَمَّا" مَصْدَرُ "لَمَّ" وَجَاءَتْ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ حَمْلًا لِلْوَصْلِ عَلَى الْوَقْفِ، فَهِيَ عَلَى هَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا﴾[[راجع ج ٢٠ ص ٥٢.)]] [الفجر: ١٩] أَيْ جَامِعًا لِلْمَالِ الْمَأْكُولِ، فَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا: وَإِنَّ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ تَوْفِيَةً لَمًّا، أَيْ جَامِعَةً لِأَعْمَالِهِمْ جَمْعًا، فَهُوَ كَقَوْلِكَ: قِيَامًا لَأَقُومَنَّ. وَقَدْ قَرَأَ الزُّهْرِيُّ "لَمًّا" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِينِ على هذا المعنى. الثالث- أَنَّ "لَمَّا" بِمَعْنَى "إِلَّا" حَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ لَمَّا فَعَلْتَ، بِمَعْنَى إِلَّا فَعَلْتَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ﴾[[راجع ج ٢٠ ص ٣.]] [الطارق: ٤] أَيْ إِلَّا عَلَيْهَا، فَمَعْنَى الْآيَةِ: مَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَزَيَّفَ الزَّجَّاجُ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا نَفْيَ لِقَوْلِهِ: "وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا" حَتَّى تُقَدَّرَ "إِلَّا" وَلَا يُقَالُ: ذَهَبَ النَّاسُ لَمَّا زَيْدٍ. الرَّابِعُ- قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ: الْأَصْلُ وَإِنَّ كُلًّا لَمَا بِتَخْفِيفِ "لَمَّا" ثُمَّ ثُقِّلَتْ كَقَوْلِهِ [[البيت لرؤبة.]]:

لَقَدْ خَشِيتُ أن أرى جدبا ... في عامنا ذا بعد ما أَخْصَبَّا

وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا يُخَفَّفُ الْمُثَقَّلُ، وَلَا يُثَقَّلُ الْمُخَفَّفُ. الْخَامِسُ- قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّشْدِيدُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ الشَّيْءَ أَلُمُّهُ لَمًّا إِذَا جَمَعْتُهُ، ثُمَّ بُنِيَ مِنْهُ فعلى، كما قرئ ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾[[راجع ج ١٢ ص ١٢٤.]] [المؤمنون: ٤٤] بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَبِتَنْوِينٍ. فَالْأَلِفُ عَلَى هَذَا لِلتَّأْنِيثِ، وتمال على هذا القول لأصحا الْإِمَالَةِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْقَوْلُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى "مَا" مِثْلُ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] وَكَذَا أَيْضًا تُشَدَّدُ عَلَى أَصْلِهَا، وَتَكُونُ بِمَعْنَى "مَا" وَ "لَمَّا" بِمَعْنَى "إِلَّا" حَكَى ذَلِكَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَجَمِيعُ الْبَصْرِيِّينَ، وَأَنَّ "لَمَّا" يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى "إِلَّا" قُلْتُ: هَذَا الْقَوْلُ [الَّذِي [[من ووى.]]] ارْتَضَاهُ الزَّجَّاجُ حَكَاهُ عَنْهُ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ وَتَضْعِيفُ الزَّجَّاجِ لَهُ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ صَوَابُهُ [[من اوج وو.]] "إِنْ" فِيهِ نَافِيَةٌ، وَهُنَا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَافْتَرَقَا [[وردت العبارة الآتية بإحدى النسخ تصويبا لعبارة القرطبي، ومذيلة بكلمة.

(حاشية): (صواب ما ذكره الشيخ رحمه الله أن يقول: إلا أن هذا القول "إن" فيه نافيه والقول المتقدم "إن" فيه مخففة من الثقيلة فافترقا).]] وَبَقِيَتْ قِرَاءَتَانِ، قَالَ أَبُو حاتم: وفي حرف أبي: ﴿وإن كلا إلا ليوفينهم﴾[[في ى: وإن كلا إلا ليوفينهم. وفي الشواذ: وإن كل بفتح الكاف وتخفيف اللام لما.)]] [هود: ١١١] وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ "وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا" بِتَخْفِيفِ "إِنْ" وَرَفْعِ "كُلٌّ" وَبِتَشْدِيدِ "لَمَّا". قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذِهِ الْقِرَاءَاتُ الْمُخَالِفَةُ لِلسَّوَادِ تَكُونُ فِيهَا "إِنْ" بِمَعْنَى "مَا" لَا غَيْرَ، وَتَكُونُ عَلَى التَّفْسِيرِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِمَا خَالَفَ السَّوَادَ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ.

(إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) تهديد ووعيد.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِغَيْرِهِ. وَقِيلَ: لَهُ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: "اسْتَقِمْ" اطْلُبِ الْإِقَامَةَ عَلَى الدِّينِ مِنَ اللَّهِ وَاسْأَلْهُ ذَلِكَ. فَتَكُونُ السِّينُ سِينَ السُّؤَالِ، كَمَا تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَطْلُبُ الْغُفْرَانَ [مِنْهُ] [[من ا.]]. وَالِاسْتِقَامَةُ الِاسْتِمْرَارُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَخْذٍ فِي جِهَةِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ، فَاسْتَقِمْ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ! قَالَ: "قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ". وَرَوَى الدَّارِمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَاضِرٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ أَوْصِنِي! فَقَالَ: نَعَمْ! عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاسْتِقَامَةِ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ.

(وَمَنْ تابَ مَعَكَ) أَيِ اسْتَقِمْ أَنْتَ وَهُمْ، يُرِيدُ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةٌ هِيَ أَشَدُّ وَلَا أَشَقُّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ! فَقَالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا". وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ السَّرِيَّ [[في الأصل (الشتوي) وصوب عن (الدر المنثور).]] يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ". فَقَالَ: "نَعَمْ" فَقُلْتُ لَهُ: مَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْهَا؟ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَهَلَاكُ الْأُمَمِ! فَقَالَ: "لَا وَلَكِنْ قَوْلُهُ: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ" [[راجع ج ١٨ ص ٢٦٢.]].

(وَلا تَطْغَوْا) نَهَى عَنِ الطُّغْيَانِ وَالطُّغْيَانُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَمِنْهُ "إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ". وَقِيلَ: أَيْ لَا تَتَجَبَّرُوا عَلَى أَحَدٍ.

فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ الرُّكُونُ حَقِيقَةٌ الِاسْتِنَادُ وَالِاعْتِمَادُ وَالسُّكُونُ إِلَى، الشَّيْءِ وَالرِّضَا بِهِ، قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ لَا تَوَدُّوهُمْ وَلَا تُطِيعُوهُمْ. ابْنُ جُرَيْجٍ: لَا تَمِيلُوا إِلَيْهِمْ. أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا تَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُّكُونُ هُنَا الْإِدْهَانُ [[الأدهان: المصانعة.]] وَذَلِكَ أَلَّا يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ. الثَّانِيَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ: "تَرْكَنُوا" بِفَتْحِ الْكَافِ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: هِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا: تَرْكُنُوا" بِضَمِّ الْكَافِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ. وَجَوَّزَ قَوْمٌ رَكَنَ يَرْكَنُ مِثْلُ مَنَعَ يَمْنَعُ [[والآية من باب تعب.]]. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قِيلَ: أَهْلُ الشِّرْكِ. وَقِيلَ: عَامَّةٌ فِيهِمْ وَفِي الْعُصَاةِ، عَلَى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾[[راجع ج ٦ ص ١٢ وج ٥ ص ٤١٧، وص ٢١٧.]] [الأنعام: ٦٨] الْآيَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ، وَأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى هِجْرَانِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ صُحْبَتَهُمْ كُفْرٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ، إِذِ الصُّحْبَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ مَوَدَّةٍ، وَقَدْ قَالَ حَكِيمٌ [[هو طرفة بن العبد.]]:

عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي

فَإِنْ كَانَتِ الصُّحْبَةُ عَنْ ضَرُورَةٍ وَتَقِيَّةٍ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهَا فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٥٧.]] وَ "الْمَائِدَةِ" [[راجع ج ٦ ص ١٢ وج ٥ ص ٤١٧، وص ٢١٧.]]. وَصُحْبَةُ الظَّالِمِ عَلَى التَّقِيَّةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ النَّهْيِ بِحَالِ الِاضْطِرَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ أَيْ تُحْرِقَكُمْ. بِمُخَالَطَتِهِمْ وَمُصَاحَبَتِهِمْ وَمُمَالَأَتِهِمْ عَلَى إِعْرَاضِهِمْ [[في ى: أغراضهم ومرافقهم.]] وموافقتهم في أمورهم.

فِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُرَادُ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَةُ، وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الْإِيمَانِ، وَإِلَيْهَا يُفْزَعُ فِي النَّوَائِبِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ [[.

(حزبه): نزل به مهم، أو أصابه غم.]] أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ. وَقَالَ شُيُوخُ الصُّوفِيَّةِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ اسْتِغْرَاقُ الْأَوْقَاتِ بِالْعِبَادَةِ فَرْضًا وَنَفْلًا [[كذا في ع وو. والذي في ابن العربي: لم يتناول ذلك لا واجبا فإنها خمس صلوات ولا نفلا.]]، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ إِلَّا وَاجِبًا لَا نَفْلًا، فَإِنَّ الْأَوْرَادَ مَعْلُومَةٌ، وَأَوْقَاتَ النَّوَافِلِ الْمُرَغَّبَ فِيهَا مَحْصُورَةٌ، وَمَا سِوَاهَا مِنَ الْأَوْقَاتِ يُسْتَرْسَلُ عَلَيْهَا النَّدْبُ عَلَى الْبَدَلِ لَا عَلَى الْعُمُومِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُوَّةِ بَشَرٍ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الطَّرَفُ الْأَوَّلُ، صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَالطَّرَفُ الثَّانِي صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقِيلَ: الطَّرَفَانِ الصبح والمغرب، قال ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: الطَّرَفُ الثاني العصر وحده، وقال قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ. وَقِيلَ: الطَّرَفَانِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ. وَالزُّلَفُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالصُّبْحِ، كَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ رَاعَى جَهْرَ الْقِرَاءَةِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الطَّرَفَ الْأَوَّلَ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِاتِّفَاقٍ. قُلْتُ: وَهَذَا الِاتِّفَاقُ يَنْقُصُهُ الْقَوْلُ الَّذِي قَبْلَهُ. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الطَّرَفَيْنِ الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تَدْخُلُ فِيهِ لِأَنَّهَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْعَجَبُ مِنَ الطَّبَرِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ طَرَفَيِ النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ، وَهُمَا طَرَفَا اللَّيْلِ! فَقَلَبَ الْقَوْسَ رِكْوَةً [[لفظ المثل كما في الصحاح وغيره (صارت القوس ركوة) ويضرب في الإدبار وانقلاب الأمور.]]، وَحَادَ عَنِ الْبُرْجَاسِ [[البرجاس (بالضم): غرض على رأس رمح أو نحوه مولد. والغلوة: قدر رمية سهم.]] غَلْوَةً، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ الصُّبْحُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّرَفَ الْآخَرَ الْمَغْرِبُ، وَلَمْ يُجْمِعْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أحد.

قُلْتُ: هَذَا تَحَامُلٌ مِنَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الرَّدِّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُجْمِعْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الطَّرَفَ الْأَوَّلَ صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ- إِلَّا مَنْ شَذَّ بِأَنَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ جَامَعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مُتَعَمِّدًا أَنَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ يَوْمُ فِطْرٍ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا وَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنَ النَّهَارِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ فِي الصُّبْحِ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ الْمَغْرِبُ وَالرَّدُّ عَلَيْهِ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ أَيْ فِي زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَالزُّلَفُ السَّاعَاتُ الْقَرِيبَةُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ، لِأَنَّهَا مَنْزِلٌ بَعْدَ عَرَفَةَ بِقُرْبِ مَكَّةَ. وَقَرَأَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا "وَزُلُفًا" بِضَمِّ اللَّامِ جَمْعُ زَلِيفٍ، لِأَنَّهُ قَدْ نَطَقَ بِزَلِيفٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدُهُ "زُلْفَةً" لُغَةً، كَبُسْرَةٍ وَبُسُرٍ، فِي لُغَةِ مَنْ ضَمَّ السِّينَ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "وَزُلْفًا" مِنَ اللَّيْلِ بِإِسْكَانِ اللَّامِ، وَالْوَاحِدَةُ زُلْفَةٌ تُجْمَعُ جَمْعَ الْأَجْنَاسِ الَّتِي هِيَ أَشْخَاصٌ كَدُرَّةٍ وَدُرٍّ وَبُرَّةٍ وَبُرٍّ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ أَيْضًا "زُلْفَى" مِثْلَ قُرْبَى. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "وَزُلَفاً" بِفَتْحِ اللَّامِ كَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الزُّلَفُ السَّاعَاتُ، وَاحِدُهَا زُلْفَةٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: الزُّلْفَةُ أَوَّلُ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِزُلَفِ اللَّيْلِ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. وَقِيلَ: الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: يَعْنِي صَلَاةَ اللَّيْلِ وَلَمْ يُعَيِّنْ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُتَأَوِّلِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ [[من ك]]] إِلَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ هَاهُنَا هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَسَنَاتُ قَوْلُ الرَّجُلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْمِثَالِ فِي الْحَسَنَاتِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِي الْحَسَنَاتِ خَاصٌّ فِي السَّيِّئَاتِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: "مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ". قُلْتُ: سَبَبُ النُّزُولِ يُعَضِّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، قِيلَ: هُوَ أَبُو الْيُسْرِ بْنُ عَمْرٍو. وَقِيلَ: اسْمُهُ عَبَّادٌ، خَلَا بِامْرَأَةٍ فَقَبَّلَهَا وَتَلَذَّذَ بِهَا فِيمَا دون الفرج. روى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ:: إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا وَأَنَا هَذَا فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ! لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَأَتْبَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فدعاه، فتلا عليه: "أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ" إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ:" [لَا] [[الزيادة عن الترمذي.]] بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَخَرَّجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةَ حَرَامٍ فَأَتَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ كفارتها فنزلت: "أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ" فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "لَكَ وَلِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا فَقُلْتُ: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبُ مِنْ هَذَا، فَدَخَلَتْ مَعِي فِي الْبَيْتِ فَأَهْوَيْتُ إِلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا، فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا فَلَمْ أَصْبِرْ، فَأَتَيْتُ عُمَرَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا فَلَمْ أَصْبِرْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "أَخَلَفْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَهْلِهِ بِمِثْلِ هَذَا"؟ حَتَّى تَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ إِلَّا تِلْكَ السَّاعَةَ، حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قَالَ: وَأَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أوحى الله إليه "أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ". قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: فَأَتَيْتُهُ فَقَرَأَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِهَذَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَقَالَ: "بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ [[الذي في صحيح الترمذي (صحيح) بدل (غريب)]]، وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ضَعَّفَهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: "أشهدت معنا الصَّلَاةَ"؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ فَإِنَّهَا كَفَّارَةٌ لِمَا فَعَلْتَ". وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ لَهُ: "قُمْ فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي "نَوَادِرِ الْأُصُولِ" مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَمْ أَرَ شَيْئًا أَحْسَنَ طَلَبًا وَلَا أَسْرَعَ إِدْرَاكًا مِنْ حَسَنَةٍ حَدِيثَةٍ لِذَنْبٍ قَدِيمٍ،" إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ". الْخَامِسَةُ- دَلَّتِ الْآيَةُ مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْقُبْلَةَ الْحَرَامَ وَاللَّمْسَ الْحَرَامَ لَا يَجِبُ فِيهِمَا الْحَدُّ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ وَلَا أَدَبَ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَإِنْ وُجِدَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ لَا يجب عليهما شي، وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا فِي "النُّورِ" [[راجع ج ١٢ ص ١٦١ وص ٩٨.]] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّادِسَةُ- ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ الصَّلَاةَ بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَقِيَامِهَا وَقِرَاءَتِهَا وَأَسْمَائِهَا فَقَالَ: "أَقِمِ الصَّلاةَ" الْآيَةَ. وَقَالَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٣٠٣ وص ٣٤٣ وص ١٠٨.]] [الإسراء: ٧٨] الْآيَةَ. وَقَالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾[[راجع ج ١٤ ص ١٤.]] [الروم: ١٨ - ١٧]. وَقَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾[[راجع ج ١١ ص ٢٦٠.]] [طه: ١٣٠]. وقال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. وقال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾[[راجع ج ٣ ص ٢١٣.]] [البقرة: ٢٣٨]. وَقَالَ: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾[[راجع ج ٧ ص ٣٥٣.]] [الأعراف: ٢٠٤] عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾[[راجع ج ١٠ ص ٣٠٣ وص ٣٤٣ وص ١٠٨.]] [الإسراء: ١١٠] أَيْ بِقِرَاءَتِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَلٌ أَجْمَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَأَحَالَ عَلَى نَبِيِّهِ فِي بَيَانِهِ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرَهُ: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾[[راجع ج ١٠ ص ٣٠٣ وص ٣٤٣ وص ١٠٨.]] [النحل: ٤٤] فَبَيَّنَ ﷺ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، وَعَدَدَ الرَّكَعَاتِ وَالسَّجَدَاتِ، وَصِفَةَ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَسُنَنِهَا، وَمَا لَا تَصِحُّ [الصَّلَاةُ] [[من اوع.]] إِلَّا بِهِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَمَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا مِنَ السُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ، فَقَالَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي". وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الْكَافَّةُ عَنِ الكافة، على ما هو معلوم، ولم يَمُتِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَيَّنَ جَمِيعَ مَا بِالنَّاسِ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ، فَكَمَّلَ الدِّينَ، وَأَوْضَحَ السَّبِيلَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾[[راجع ج ٦ ص ٦١.]] [المائدة: ٣].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ﴾ أَيِ الْقُرْآنُ مَوْعِظَةٌ وَتَوْبَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ وَتَذَكَّرَ، وَخَصَّ الذَّاكِرِينَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالذِّكْرَى. وَالذِّكْرَى مَصْدَرٌ جَاءَ بألف التأنيث.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ أَيْ عَلَى الصَّلَاةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾[[راجع ج ١١ ص ٢٦٣.]] [طه: ١٣٢]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا تَلْقَى مِنَ الْأَذَى.

(فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يعني المصلين. قوله تعالى "(فَلَوْلا كانَ) " أَيْ فَهَلَّا كَانَ.

(مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من الأمم التي قبلكم.

(أُولُوا بَقِيَّةٍ) أَيْ أَصْحَابُ طَاعَةٍ وَدِينٍ وَعَقْلٍ وَبَصَرٍ.

(يَنْهَوْنَ) قَوْمَهُمْ.

(عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) لِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْعُقُولِ وَأَرَاهُمْ مِنَ الآيات، وهذا توبيخ للكفار. وقيل: ولولا هَاهُنَا لِلنَّفْيِ، أَيْ مَا كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ، كقوله: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٨٣.]] [يونس: ٩٨] أَيْ مَا كَانَتْ.

(إِلَّا قَلِيلًا) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ قَلِيلًا.

(مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) نَهَوْا عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. قِيلَ: هُمْ قَوْمُ يُونُسَ، لِقَوْلِهِ: "إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ". وَقِيلَ: هُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلُ الْحَقِّ.

(وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أَيْ أَشْرَكُوا وَعَصَوْا.

(مَا أُتْرِفُوا فِيهِ) أَيْ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْمَالِ وَاللَّذَّاتِ، وَإِيثَارِ ذَلِكَ عَلَى الآخرة.

(وَكانُوا مُجْرِمِينَ).

(هامش

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ أَيْ عَلَى الصَّلَاةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾[[راجع ج ١١ ص ٢٦٣.]] [طه: ١٣٢]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا تَلْقَى مِنَ الْأَذَى.

(فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يعني المصلين. قوله تعالى "(فَلَوْلا كانَ) " أَيْ فَهَلَّا كَانَ.

(مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من الأمم التي قبلكم.

(أُولُوا بَقِيَّةٍ) أَيْ أَصْحَابُ طَاعَةٍ وَدِينٍ وَعَقْلٍ وَبَصَرٍ.

(يَنْهَوْنَ) قَوْمَهُمْ.

(عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) لِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْعُقُولِ وَأَرَاهُمْ مِنَ الآيات، وهذا توبيخ للكفار. وقيل: ولولا هَاهُنَا لِلنَّفْيِ، أَيْ مَا كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ، كقوله: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٨٣.]] [يونس: ٩٨] أَيْ مَا كَانَتْ.

(إِلَّا قَلِيلًا) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ قَلِيلًا.

(مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) نَهَوْا عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. قِيلَ: هُمْ قَوْمُ يُونُسَ، لِقَوْلِهِ: "إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ". وَقِيلَ: هُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلُ الْحَقِّ.

(وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أَيْ أَشْرَكُوا وَعَصَوْا.

(مَا أُتْرِفُوا فِيهِ) أَيْ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْمَالِ وَاللَّذَّاتِ، وَإِيثَارِ ذَلِكَ عَلَى الآخرة.

(وَكانُوا مُجْرِمِينَ).

(هامش

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى﴾ أَيْ أَهْلَ الْقُرَى.

(بِظُلْمٍ) أَيْ بِشِرْكٍ وَكُفْرٍ.

(وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي تَعَاطِي الْحُقُوقِ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهُمْ بِالْكُفْرِ وَحْدَهُ حَتَّى يَنْضَافَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ شُعَيْبٍ بِبَخْسِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَقَوْمَ لُوطٍ بِاللِّوَاطِ، وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ أَقْرَبُ إِلَى عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشِّرْكِ، وَإِنْ كَانَ عَذَابُ الشِّرْكِ فِي الْآخِرَةِ أَصْعَبَ. وَفِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٦ ص ٣٤٢ فما بعدها.]]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا كَانَ رَبّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُسْلِمُونَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهُمْ وَنَقْصًا مِنْ حَقِّهِمْ، أَيْ مَا أَهْلَكَ قَوْمًا إِلَّا بَعْدَ إِعْذَارٍ وَإِنْذَارٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا كَانَ رَبُّكُ لِيُهْلِكَ أَحَدًا وَهُوَ يَظْلِمُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى نِهَايَةِ الصَّلَاحِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٤٦.]] [يونس: ٤٤]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَهُمْ مُصْلِحُونَ، أَيْ مُخْلِصُونَ فِي الْإِيمَانِ. فَالظُّلْمُ الْمَعَاصِي عَلَى هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ، أَهْلُ ضَلَالَةٍ أَوْ أَهْلُ هُدًى.

(وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) أَيْ عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ.

(إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بِالْإِيمَانِ وَالْهُدَى فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ. وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا غَنِيٌّ وَهَذَا فَقِيرٌ. "إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ" بِالْقَنَاعَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ، وَعَطَاءٌ [وَيَمَانٌ [[من ع، ا، و، ى.]]]: الْإِشَارَةُ لِلِاخْتِلَافِ، أَيْ وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: وَلِرَحْمَتِهِ خَلَقَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ: "وَلِذلِكَ" وَلَمْ يَقُلْ وَلِتِلْكَ، وَالرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى الْفَضْلِ. وَقِيلَ. الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ وَالرَّحْمَةِ، وَقَدْ يشار ب "لِذلِكَ" إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾[[راجع ج ١ ص ٤٤٨.]] [البقرة: ٦٨] وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ ذَيْنِكَ وَلَا تَيْنِكَ، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾[[راجع ج ١٣ ص ٧٢.]] [الفرقان: ٦٧] وَقَالَ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾[[راجع ج ١٠ ص ٣٤٣.]] [الإسراء: ١١٠] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٥٣.]] [يونس: ٥٨] وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ يَعُمُّ، أَيْ وَلِمَا ذُكِرَ خَلَقَهُمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ، قَالَ أَشْهَبُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، أَيْ خَلَقَ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ لِلِاخْتِلَافِ، وَأَهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقًا يَرْحَمُهُ وَفَرِيقًا لَا يَرْحَمُهُ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ. مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وَالْمَعْنَى: وَلِشُهُودِ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَلَقَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ متعلق بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] أَيْ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ خَلَقَهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ مَعْنَى "تَمَّتْ" ثَبَتَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ وَقَدَّرَ فِي أَزَلِهِ، وَتَمَامُ الْكَلِمَةِ امْتِنَاعُهَا عَنْ قَبُولِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ.

(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) "مَنْ" لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَيْ مِنْ جِنْسِ الْجِنَّةِ وَجِنْسِ النَّاسِ. "أَجْمَعِينَ" تَأْكِيدٌ، وَكَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَمْلَأُ نَارَهُ كَذَلِكَ أَخْبَرَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ [صَلَّى اللَّهُ [[من ع.]] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَنَّهُ يَمْلَأُ جَنَّتَهُ بِقَوْلِهِ: "وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وقد تقدم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى﴾ أَيْ أَهْلَ الْقُرَى.

(بِظُلْمٍ) أَيْ بِشِرْكٍ وَكُفْرٍ.

(وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي تَعَاطِي الْحُقُوقِ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهُمْ بِالْكُفْرِ وَحْدَهُ حَتَّى يَنْضَافَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ شُعَيْبٍ بِبَخْسِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَقَوْمَ لُوطٍ بِاللِّوَاطِ، وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ أَقْرَبُ إِلَى عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشِّرْكِ، وَإِنْ كَانَ عَذَابُ الشِّرْكِ فِي الْآخِرَةِ أَصْعَبَ. وَفِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٦ ص ٣٤٢ فما بعدها.]]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا كَانَ رَبّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُسْلِمُونَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهُمْ وَنَقْصًا مِنْ حَقِّهِمْ، أَيْ مَا أَهْلَكَ قَوْمًا إِلَّا بَعْدَ إِعْذَارٍ وَإِنْذَارٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا كَانَ رَبُّكُ لِيُهْلِكَ أَحَدًا وَهُوَ يَظْلِمُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى نِهَايَةِ الصَّلَاحِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٤٦.]] [يونس: ٤٤]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَهُمْ مُصْلِحُونَ، أَيْ مُخْلِصُونَ فِي الْإِيمَانِ. فَالظُّلْمُ الْمَعَاصِي عَلَى هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ، أَهْلُ ضَلَالَةٍ أَوْ أَهْلُ هُدًى.

(وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) أَيْ عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ.

(إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بِالْإِيمَانِ وَالْهُدَى فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ. وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا غَنِيٌّ وَهَذَا فَقِيرٌ. "إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ" بِالْقَنَاعَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ، وَعَطَاءٌ [وَيَمَانٌ [[من ع، ا، و، ى.]]]: الْإِشَارَةُ لِلِاخْتِلَافِ، أَيْ وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: وَلِرَحْمَتِهِ خَلَقَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ: "وَلِذلِكَ" وَلَمْ يَقُلْ وَلِتِلْكَ، وَالرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى الْفَضْلِ. وَقِيلَ. الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ وَالرَّحْمَةِ، وَقَدْ يشار ب "لِذلِكَ" إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾[[راجع ج ١ ص ٤٤٨.]] [البقرة: ٦٨] وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ ذَيْنِكَ وَلَا تَيْنِكَ، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾[[راجع ج ١٣ ص ٧٢.]] [الفرقان: ٦٧] وَقَالَ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾[[راجع ج ١٠ ص ٣٤٣.]] [الإسراء: ١١٠] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٥٣.]] [يونس: ٥٨] وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ يَعُمُّ، أَيْ وَلِمَا ذُكِرَ خَلَقَهُمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ، قَالَ أَشْهَبُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، أَيْ خَلَقَ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ لِلِاخْتِلَافِ، وَأَهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقًا يَرْحَمُهُ وَفَرِيقًا لَا يَرْحَمُهُ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ. مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وَالْمَعْنَى: وَلِشُهُودِ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَلَقَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ متعلق بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] أَيْ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ خَلَقَهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ مَعْنَى "تَمَّتْ" ثَبَتَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ وَقَدَّرَ فِي أَزَلِهِ، وَتَمَامُ الْكَلِمَةِ امْتِنَاعُهَا عَنْ قَبُولِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ.

(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) "مَنْ" لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَيْ مِنْ جِنْسِ الْجِنَّةِ وَجِنْسِ النَّاسِ. "أَجْمَعِينَ" تَأْكِيدٌ، وَكَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَمْلَأُ نَارَهُ كَذَلِكَ أَخْبَرَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ [صَلَّى اللَّهُ [[من ع.]] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَنَّهُ يَمْلَأُ جَنَّتَهُ بِقَوْلِهِ: "وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وقد تقدم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى﴾ أَيْ أَهْلَ الْقُرَى.

(بِظُلْمٍ) أَيْ بِشِرْكٍ وَكُفْرٍ.

(وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي تَعَاطِي الْحُقُوقِ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهُمْ بِالْكُفْرِ وَحْدَهُ حَتَّى يَنْضَافَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ شُعَيْبٍ بِبَخْسِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَقَوْمَ لُوطٍ بِاللِّوَاطِ، وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ أَقْرَبُ إِلَى عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشِّرْكِ، وَإِنْ كَانَ عَذَابُ الشِّرْكِ فِي الْآخِرَةِ أَصْعَبَ. وَفِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٦ ص ٣٤٢ فما بعدها.]]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا كَانَ رَبّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُسْلِمُونَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهُمْ وَنَقْصًا مِنْ حَقِّهِمْ، أَيْ مَا أَهْلَكَ قَوْمًا إِلَّا بَعْدَ إِعْذَارٍ وَإِنْذَارٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا كَانَ رَبُّكُ لِيُهْلِكَ أَحَدًا وَهُوَ يَظْلِمُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى نِهَايَةِ الصَّلَاحِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٤٦.]] [يونس: ٤٤]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَهُمْ مُصْلِحُونَ، أَيْ مُخْلِصُونَ فِي الْإِيمَانِ. فَالظُّلْمُ الْمَعَاصِي عَلَى هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ، أَهْلُ ضَلَالَةٍ أَوْ أَهْلُ هُدًى.

(وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) أَيْ عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ.

(إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بِالْإِيمَانِ وَالْهُدَى فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ. وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا غَنِيٌّ وَهَذَا فَقِيرٌ. "إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ" بِالْقَنَاعَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.

(وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ، وَعَطَاءٌ [وَيَمَانٌ [[من ع، ا، و، ى.]]]: الْإِشَارَةُ لِلِاخْتِلَافِ، أَيْ وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: وَلِرَحْمَتِهِ خَلَقَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ: "وَلِذلِكَ" وَلَمْ يَقُلْ وَلِتِلْكَ، وَالرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى الْفَضْلِ. وَقِيلَ. الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ وَالرَّحْمَةِ، وَقَدْ يشار ب "لِذلِكَ" إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾[[راجع ج ١ ص ٤٤٨.]] [البقرة: ٦٨] وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ ذَيْنِكَ وَلَا تَيْنِكَ، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾[[راجع ج ١٣ ص ٧٢.]] [الفرقان: ٦٧] وَقَالَ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾[[راجع ج ١٠ ص ٣٤٣.]] [الإسراء: ١١٠] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾[[راجع ج ٨ ص ٣٥٣.]] [يونس: ٥٨] وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ يَعُمُّ، أَيْ وَلِمَا ذُكِرَ خَلَقَهُمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ، قَالَ أَشْهَبُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، أَيْ خَلَقَ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ لِلِاخْتِلَافِ، وَأَهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقًا يَرْحَمُهُ وَفَرِيقًا لَا يَرْحَمُهُ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ. مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وَالْمَعْنَى: وَلِشُهُودِ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَلَقَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ متعلق بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] أَيْ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ خَلَقَهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ مَعْنَى "تَمَّتْ" ثَبَتَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ وَقَدَّرَ فِي أَزَلِهِ، وَتَمَامُ الْكَلِمَةِ امْتِنَاعُهَا عَنْ قَبُولِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ.

(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) "مَنْ" لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَيْ مِنْ جِنْسِ الْجِنَّةِ وَجِنْسِ النَّاسِ. "أَجْمَعِينَ" تَأْكِيدٌ، وَكَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَمْلَأُ نَارَهُ كَذَلِكَ أَخْبَرَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ [صَلَّى اللَّهُ [[من ع.]] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَنَّهُ يَمْلَأُ جَنَّتَهُ بِقَوْلِهِ: "وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وقد تقدم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ "كُلًّا" نُصِبَ بِ "نَقُصُّ" مَعْنَاهُ وَكُلُّ الَّذِي تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلُ نَقُصُّ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "كُلًّا" حَالٌ مُقَدَّمَةٌ، كَقَوْلِكَ: كُلًّا ضَرَبْتُ الْقَوْمَ.

(مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ) أَيْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَصَبْرِهِمْ عَلَى أَذَى قَوْمِهِمْ.

(مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) أَيْ عَلَى أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا يَنَالُكَ فِيهَا مِنَ الْأَذَى. وَقِيلَ: نَزِيدُكَ بِهِ تَثْبِيتًا وَيَقِينًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا نَشُدُّ بِهِ قَلْبَكَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نُصَبِّرُ بِهِ قَلْبَكَ حَتَّى لَا تَجْزَعُ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: نُطَيِّبُ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَ "مَا" بَدَلٌ مِنْ "كُلًّا" الْمَعْنَى: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ.

(وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ) أَيْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمَا، وَخَصَّ هَذِهِ السُّورَةَ لِأَنَّ فِيهَا أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقِيلَ: خَصَّهَا بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، يُرِيدُ النُّبُوَّةَ.

(وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) الْمَوْعِظَةُ مَا يُتَّعَظُ بِهِ مِنْ إِهْلَاكِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ الْمُكَذِّبَةِ، وَهَذَا تَشْرِيفٌ لِهَذِهِ السُّورَةِ، لِأَنَّ غَيْرَهَا مِنَ السُّوَرِ قَدْ جَاءَ فِيهَا الْحَقُّ وَالْمَوْعِظَةُ [[في ع: المواعظ.]] وَالذِّكْرَى وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ عَلَى التَّخْصِيصِ. "وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ" أَيْ يَتَذَكَّرُونَ مَا نَزَلَ بِمَنْ هَلَكَ فَيَتُوبُونَ، وَخَصَّ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمُ المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء.

Source. Tafseer Al Qurtubi, Qurtubi — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/23. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com