John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi

Surah Az-Zumar

Tafseer Al Qurtubi · The Groups · 75 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

قرأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ "إِنَّكَ مَائِتٌ وَإِنَّهُمْ مَائِتُونَ" وَهِيَ قِرَاءَةٌ حَسَنَةٌ وَبِهَا قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. النَّحَّاسُ: وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَلِفِ تُحْذَفُ فِي الشَّوَاذِّ وَ "مَائِتٌ" فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِثْلُهُ مَا كَانَ مَرِيضًا وَإِنَّهُ لَمَارِضٌ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ: الْمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ مَنْ لَمْ يَمُتْ وَسَيَمُوتُ، وَالْمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ مَنْ فَارَقَتْهُ الرُّوحُ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُخَفَّفْ هُنَا. قَالَ قَتَادَةُ: نُعِيَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفْسُهُ، وَنُعِيَتْ إِلَيْكُمْ أَنْفُسُكُمْ. وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: نَعَى رَجُلٌ إِلَى صِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ أَخًا لَهُ فَوَافَقَهُ يَأْكُلُ، فَقَالَ: ادْنُ فَكُلْ فَقَدْ نُعِيَ إِلَيَّ أَخِي مُنْذُ حِينٍ، قَالَ: وَكَيْفَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ أَتَاكَ بِالْخَبَرِ. قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَعَاهُ إِلَيَّ فَقَالَ: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ". وَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهِ وَمَوْتِهِمْ، فَاحْتَمَلَ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنَ الْآخِرَةِ. الثَّانِي أَنْ يَذْكُرَهُ حَثًّا عَلَى الْعَمَلِ. الثَّالِثُ أَنْ يَذْكُرَهُ تَوْطِئَةً لِلْمَوْتِ. الرَّابِعُ لِئَلَّا يَخْتَلِفُوا فِي مَوْتِهِ كَمَا اخْتَلَفَتِ الْأُمَمُ فِي غَيْرِهِ، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَنْكَرَ مَوْتَهُ احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَأَمْسَكَ. الْخَامِسُ لِيُعْلِمَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَوَّى فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ مَعَ تَفَاضُلِهِمْ فِي غَيْرِهِ، لِتَكْثُرَ فِيهِ السَّلْوَةُ وَتَقِلَّ فِيهِ الْحَسْرَةُ "ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ" يَعْنِي تَخَاصُمَ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ وَالظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي خَبَرٍ فِيهِ طُولٌ: إِنَّ الْخُصُومَةَ تَبْلُغُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى أَنْ يُحَاجَّ الرُّوحُ الْجَسَدَ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ؟ قَالَ: "نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُؤَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ" فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَنَحْنُ نَرَى هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِينَا وَفِي أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ: "ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ" فَقُلْنَا: وَكَيْفَ نَخْتَصِمُ وَنَبِيُّنَا وَاحِدٌ وَدِينُنَا وَاحِدٌ، حَتَّى رَأَيْتُ بَعْضَنَا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا فِينَا نَزَلَتْ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: كُنَّا نَقُولُ رَبُّنَا وَاحِدٌ وَدِينُنَا وَاحِدٌ وَنَبِيُّنَا وَاحِدٌ فَمَا هَذِهِ الْخُصُومَةُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ وَشَدَّ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ قُلْنَا نَعَمْ هُوَ هَذَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَعَلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: مَا خُصُومَتُنَا بَيْنَنَا؟ فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالُوا: هَذِهِ خُصُومَتُنَا بَيْنَنَا. وَقِيلَ تَخَاصُمُهُمْ هُوَ تَحَاكُمُهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَسْتَوْفِي مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَيَرُدُّهَا فِي حَسَنَاتِ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ. وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَظَالِمِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَنَ الْمُفْلِسُ" قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثم طرفي النَّارِ "خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ مَضَى الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي" آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص طبعه أولى أو ثانيه.]] وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَحَدٍ من عرضه أو شي فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" وَفِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ "أَوَّلُ مَا تَقَعُ الْخُصُومَاتُ فِي الدُّنْيَا" وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْبَابَ كله في التذكرة مستوفى.

قوله تعالى: "فَمَنْ أَظْلَمُ" أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ "مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ" فَزَعَمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا وشريكا "وكذب بالصدق" يعني القرآن "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ" لاستفهام تَقْرِيرٍ "مَثْوىً لِلْكافِرِينَ" أَيْ مُقَامٌ لِلْجَاحِدِينَ، وَهُوَ مشتق من ثوى بالمكان إذ أَقَامَ بِهِ يَثْوِي ثَوَاءً وَثُوِيًّا مِثْلُ مَضَى مَضَاءً وَمُضِيًّا، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَثْوَى لَكَانَ مُثْوًى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَوَى هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَثْوَى، وَأَنْشَدَ قول الأعشى:

أثوى وقصر ليلة ليزودا ... وومضى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا

وَالْأَصْمَعِيُّ لَا يَعْرِفُ إِلَّا ثَوَى، وَيَرْوِي الْبَيْتَ أَثَوَى عَلَى الِاسْتِفْهَامِ. وَأَثْوَيْتُ غَيْرِي يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "النَّبِيُّ ﷺ" وَصَدَّقَ بِهِ "أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. السُّدِّيُّ: الَّذِي جاء بالصدق جبريل وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "النَّبِيُّ ﷺ:" وَصَدَّقَ بِهِ "الْمُؤْمِنُونَ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "كَمَا قَالَ:﴿ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ: "الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ" الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدِ اتَّبَعْنَا مَا فِيهِ، فَيَكُونُ "الَّذِي" عَلَى هَذَا بِمَعْنَى جَمْعٍ كَمَا تَكُونُ مَنْ بِمَعْنَى جَمْعٍ. وَقِيلَ: بَلْ حذفت منه النون لطول الاسم، وتأول الشَّعْبِيُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ. وَقَالَ: "الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ" مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا خَبَرُهُ جَمَاعَةً، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُعَظَّمُ هُوَ فَعَلُوا، وَزَيْدٌ فَعَلُوا كَذَا وَكَذَا. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَالَّذِي جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ" وَهِيَ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ. وَفِي قِرَاءَةِ أَبِي صَالِحٍ الْكُوفِيِّ "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَقَ بِهِ" مُخَفَّفًا عَلَى مَعْنَى وَصَدَقَ بِمَجِيئِهِ بِهِ، أَيْ صَدَقَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢١٢ طبعه ثانيه أو ثالثه.]] الْكَلَامُ فِي "الَّذِي" وَأَنَّهُ يَكُونُ وَاحِدًا وَيَكُونُ جَمْعًا. "لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ" أَيْ مِنَ النَّعِيمِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا يُقَالُ: لَكَ إِكْرَامٌ عِنْدِي، أَيْ يَنَالُكَ مِنِّي ذَلِكَ. "ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ" الثَّنَاءُ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ صَدَّقُوا "لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ". "أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا" أَيْ يُكْرِمَهُمْ وَلَا يُؤَاخِذَهُمْ بِمَا عَمِلُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ. "وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ" أَيْ يثيبهم على الطاعات الدُّنْيَا "بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ" وَهِيَ الْجَنَّةُ.

قوله تعالى: "فَمَنْ أَظْلَمُ" أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ "مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ" فَزَعَمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا وشريكا "وكذب بالصدق" يعني القرآن "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ" لاستفهام تَقْرِيرٍ "مَثْوىً لِلْكافِرِينَ" أَيْ مُقَامٌ لِلْجَاحِدِينَ، وَهُوَ مشتق من ثوى بالمكان إذ أَقَامَ بِهِ يَثْوِي ثَوَاءً وَثُوِيًّا مِثْلُ مَضَى مَضَاءً وَمُضِيًّا، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَثْوَى لَكَانَ مُثْوًى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَوَى هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَثْوَى، وَأَنْشَدَ قول الأعشى:

أثوى وقصر ليلة ليزودا ... وومضى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا

وَالْأَصْمَعِيُّ لَا يَعْرِفُ إِلَّا ثَوَى، وَيَرْوِي الْبَيْتَ أَثَوَى عَلَى الِاسْتِفْهَامِ. وَأَثْوَيْتُ غَيْرِي يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "النَّبِيُّ ﷺ" وَصَدَّقَ بِهِ "أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. السُّدِّيُّ: الَّذِي جاء بالصدق جبريل وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "النَّبِيُّ ﷺ:" وَصَدَّقَ بِهِ "الْمُؤْمِنُونَ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "كَمَا قَالَ:﴿ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ: "الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ" الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدِ اتَّبَعْنَا مَا فِيهِ، فَيَكُونُ "الَّذِي" عَلَى هَذَا بِمَعْنَى جَمْعٍ كَمَا تَكُونُ مَنْ بِمَعْنَى جَمْعٍ. وَقِيلَ: بَلْ حذفت منه النون لطول الاسم، وتأول الشَّعْبِيُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ. وَقَالَ: "الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ" مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا خَبَرُهُ جَمَاعَةً، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُعَظَّمُ هُوَ فَعَلُوا، وَزَيْدٌ فَعَلُوا كَذَا وَكَذَا. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَالَّذِي جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ" وَهِيَ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ. وَفِي قِرَاءَةِ أَبِي صَالِحٍ الْكُوفِيِّ "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَقَ بِهِ" مُخَفَّفًا عَلَى مَعْنَى وَصَدَقَ بِمَجِيئِهِ بِهِ، أَيْ صَدَقَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢١٢ طبعه ثانيه أو ثالثه.]] الْكَلَامُ فِي "الَّذِي" وَأَنَّهُ يَكُونُ وَاحِدًا وَيَكُونُ جَمْعًا. "لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ" أَيْ مِنَ النَّعِيمِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا يُقَالُ: لَكَ إِكْرَامٌ عِنْدِي، أَيْ يَنَالُكَ مِنِّي ذَلِكَ. "ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ" الثَّنَاءُ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ صَدَّقُوا "لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ". "أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا" أَيْ يُكْرِمَهُمْ وَلَا يُؤَاخِذَهُمْ بِمَا عَمِلُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ. "وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ" أَيْ يثيبهم على الطاعات الدُّنْيَا "بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ" وَهِيَ الْجَنَّةُ.

قوله تعالى: "فَمَنْ أَظْلَمُ" أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ "مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ" فَزَعَمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا وشريكا "وكذب بالصدق" يعني القرآن "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ" لاستفهام تَقْرِيرٍ "مَثْوىً لِلْكافِرِينَ" أَيْ مُقَامٌ لِلْجَاحِدِينَ، وَهُوَ مشتق من ثوى بالمكان إذ أَقَامَ بِهِ يَثْوِي ثَوَاءً وَثُوِيًّا مِثْلُ مَضَى مَضَاءً وَمُضِيًّا، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَثْوَى لَكَانَ مُثْوًى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَوَى هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَثْوَى، وَأَنْشَدَ قول الأعشى:

أثوى وقصر ليلة ليزودا ... وومضى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا

وَالْأَصْمَعِيُّ لَا يَعْرِفُ إِلَّا ثَوَى، وَيَرْوِي الْبَيْتَ أَثَوَى عَلَى الِاسْتِفْهَامِ. وَأَثْوَيْتُ غَيْرِي يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "النَّبِيُّ ﷺ" وَصَدَّقَ بِهِ "أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. السُّدِّيُّ: الَّذِي جاء بالصدق جبريل وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "النَّبِيُّ ﷺ:" وَصَدَّقَ بِهِ "الْمُؤْمِنُونَ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "كَمَا قَالَ:﴿ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ: "الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ" الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدِ اتَّبَعْنَا مَا فِيهِ، فَيَكُونُ "الَّذِي" عَلَى هَذَا بِمَعْنَى جَمْعٍ كَمَا تَكُونُ مَنْ بِمَعْنَى جَمْعٍ. وَقِيلَ: بَلْ حذفت منه النون لطول الاسم، وتأول الشَّعْبِيُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ. وَقَالَ: "الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ" مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا خَبَرُهُ جَمَاعَةً، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُعَظَّمُ هُوَ فَعَلُوا، وَزَيْدٌ فَعَلُوا كَذَا وَكَذَا. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَالَّذِي جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ" وَهِيَ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ. وَفِي قِرَاءَةِ أَبِي صَالِحٍ الْكُوفِيِّ "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَقَ بِهِ" مُخَفَّفًا عَلَى مَعْنَى وَصَدَقَ بِمَجِيئِهِ بِهِ، أَيْ صَدَقَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢١٢ طبعه ثانيه أو ثالثه.]] الْكَلَامُ فِي "الَّذِي" وَأَنَّهُ يَكُونُ وَاحِدًا وَيَكُونُ جَمْعًا. "لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ" أَيْ مِنَ النَّعِيمِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا يُقَالُ: لَكَ إِكْرَامٌ عِنْدِي، أَيْ يَنَالُكَ مِنِّي ذَلِكَ. "ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ" الثَّنَاءُ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ صَدَّقُوا "لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ". "أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا" أَيْ يُكْرِمَهُمْ وَلَا يُؤَاخِذَهُمْ بِمَا عَمِلُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ. "وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ" أَيْ يثيبهم على الطاعات الدُّنْيَا "بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ" وَهِيَ الْجَنَّةُ.

قوله تعالى: "فَمَنْ أَظْلَمُ" أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ "مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ" فَزَعَمَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا وشريكا "وكذب بالصدق" يعني القرآن "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ" لاستفهام تَقْرِيرٍ "مَثْوىً لِلْكافِرِينَ" أَيْ مُقَامٌ لِلْجَاحِدِينَ، وَهُوَ مشتق من ثوى بالمكان إذ أَقَامَ بِهِ يَثْوِي ثَوَاءً وَثُوِيًّا مِثْلُ مَضَى مَضَاءً وَمُضِيًّا، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَثْوَى لَكَانَ مُثْوًى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَوَى هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَثْوَى، وَأَنْشَدَ قول الأعشى:

أثوى وقصر ليلة ليزودا ... وومضى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا

وَالْأَصْمَعِيُّ لَا يَعْرِفُ إِلَّا ثَوَى، وَيَرْوِي الْبَيْتَ أَثَوَى عَلَى الِاسْتِفْهَامِ. وَأَثْوَيْتُ غَيْرِي يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "النَّبِيُّ ﷺ" وَصَدَّقَ بِهِ "أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. السُّدِّيُّ: الَّذِي جاء بالصدق جبريل وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَمُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ:" الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ "النَّبِيُّ ﷺ:" وَصَدَّقَ بِهِ "الْمُؤْمِنُونَ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:" أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "كَمَا قَالَ:﴿ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ: "الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ" الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدِ اتَّبَعْنَا مَا فِيهِ، فَيَكُونُ "الَّذِي" عَلَى هَذَا بِمَعْنَى جَمْعٍ كَمَا تَكُونُ مَنْ بِمَعْنَى جَمْعٍ. وَقِيلَ: بَلْ حذفت منه النون لطول الاسم، وتأول الشَّعْبِيُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ. وَقَالَ: "الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ" مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا خَبَرُهُ جَمَاعَةً، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُعَظَّمُ هُوَ فَعَلُوا، وَزَيْدٌ فَعَلُوا كَذَا وَكَذَا. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَالَّذِي جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ" وَهِيَ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ. وَفِي قِرَاءَةِ أَبِي صَالِحٍ الْكُوفِيِّ "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَقَ بِهِ" مُخَفَّفًا عَلَى مَعْنَى وَصَدَقَ بِمَجِيئِهِ بِهِ، أَيْ صَدَقَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢١٢ طبعه ثانيه أو ثالثه.]] الْكَلَامُ فِي "الَّذِي" وَأَنَّهُ يَكُونُ وَاحِدًا وَيَكُونُ جَمْعًا. "لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ" أَيْ مِنَ النَّعِيمِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا يُقَالُ: لَكَ إِكْرَامٌ عِنْدِي، أَيْ يَنَالُكَ مِنِّي ذَلِكَ. "ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ" الثَّنَاءُ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ صَدَّقُوا "لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ". "أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا" أَيْ يُكْرِمَهُمْ وَلَا يُؤَاخِذَهُمْ بِمَا عَمِلُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ. "وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ" أَيْ يثيبهم على الطاعات الدُّنْيَا "بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ" وَهِيَ الْجَنَّةُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ حُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ "كَافٍ" لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ بَعْدَهَا، وَكَانَ الْأَصْلُ أَلَّا تُحْذَفَ فِي الْوَقْفِ لِزَوَالِ التَّنْوِينِ، إِلَّا أَنَّهَا حُذِفَتْ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْوَصْلِ. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُثْبِتُهَا فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَصْلِ فَيَقُولُ: كَافِي. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "عَبْدَهُ" بِالتَّوْحِيدِ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ يَكْفِيهِ اللَّهُ وَعِيدَ الْمُشْرِكِينَ وَكَيْدَهُمْ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "عِبَادَهُ" وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ أَوِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ بهم. واختار أبو عبيد قِرَاءَةَ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ عَقِيبَهُ: "وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ". وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ لَفْظَ الْجِنْسِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى رَاجِعَةً إِلَى الثَّانِيَةِ. وَالْكِفَايَةُ شَرُّ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُخَوِّفُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَصْنَامِ، حَتَّى قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ﴿وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨١]. وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: إِنَّ اللَّهَ كَافٍ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ وعبده الكافر، هذا بالثواب وهذا بالعقاب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَوَّفُوا النَّبِيَّ ﷺ مَضَرَّةَ الْأَوْثَانِ، فَقَالُوا: أَتَسُبُّ آلِهَتَنَا؟ لَئِنْ لَمْ تَكُفَّ عَنْ ذِكْرِهَا لَتُخَبِّلَنَّكَ أَوْ تُصِيبَنَّكَ بِسُوءٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَشَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى لِيَكْسِرَهَا بِالْفَأْسِ. فَقَالَ لَهُ سَادِنُهَا: أُحَذِّرُكَهَا يَا خَالِدُ فَإِنَّ لَهَا شِدَّةً لَا يَقُومُ لها شي، فَعَمَدَ خَالِدٌ إِلَى الْعُزَّى فَهَشَّمَ أَنْفَهَا حَتَّى كَسَرَهَا بِالْفَأْسِ. وَتَخْوِيفُهُمْ لِخَالِدٍ تَخْوِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَّهَ خَالِدًا. وَيَدْخُلُ فِي الْآيَةِ تَخْوِيفُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ بِكَثْرَةِ جَمْعِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] "وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ" تَقَدَّمَ. "وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ" أَيْ ممن عاداه أو عادى رسله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ حُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ "كَافٍ" لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ بَعْدَهَا، وَكَانَ الْأَصْلُ أَلَّا تُحْذَفَ فِي الْوَقْفِ لِزَوَالِ التَّنْوِينِ، إِلَّا أَنَّهَا حُذِفَتْ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي الْوَصْلِ. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُثْبِتُهَا فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَصْلِ فَيَقُولُ: كَافِي. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "عَبْدَهُ" بِالتَّوْحِيدِ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ يَكْفِيهِ اللَّهُ وَعِيدَ الْمُشْرِكِينَ وَكَيْدَهُمْ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "عِبَادَهُ" وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ أَوِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ بهم. واختار أبو عبيد قِرَاءَةَ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ عَقِيبَهُ: "وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ". وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ لَفْظَ الْجِنْسِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى رَاجِعَةً إِلَى الثَّانِيَةِ. وَالْكِفَايَةُ شَرُّ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُخَوِّفُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَصْنَامِ، حَتَّى قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ﴿وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨١]. وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: إِنَّ اللَّهَ كَافٍ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ وعبده الكافر، هذا بالثواب وهذا بالعقاب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَوَّفُوا النَّبِيَّ ﷺ مَضَرَّةَ الْأَوْثَانِ، فَقَالُوا: أَتَسُبُّ آلِهَتَنَا؟ لَئِنْ لَمْ تَكُفَّ عَنْ ذِكْرِهَا لَتُخَبِّلَنَّكَ أَوْ تُصِيبَنَّكَ بِسُوءٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَشَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى لِيَكْسِرَهَا بِالْفَأْسِ. فَقَالَ لَهُ سَادِنُهَا: أُحَذِّرُكَهَا يَا خَالِدُ فَإِنَّ لَهَا شِدَّةً لَا يَقُومُ لها شي، فَعَمَدَ خَالِدٌ إِلَى الْعُزَّى فَهَشَّمَ أَنْفَهَا حَتَّى كَسَرَهَا بِالْفَأْسِ. وَتَخْوِيفُهُمْ لِخَالِدٍ تَخْوِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَّهَ خَالِدًا. وَيَدْخُلُ فِي الْآيَةِ تَخْوِيفُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ بِكَثْرَةِ جَمْعِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] "وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ" تَقَدَّمَ. "وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ" أَيْ ممن عاداه أو عادى رسله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أَيْ ولين سَأَلْتَهُمْ يَا مُحَمَّدُ "مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" بَيَّنَ أَنَّهُمْ مَعَ عِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ مُقِرُّونَ بِأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ فَكَيْفَ يُخَوِّفُونَكَ بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي هِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ الذي خلقها وخلق السموات وَالْأَرْضَ. "قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ" أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِمْ بِهَذَا "أَفَرَأَيْتُمْ" إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ "بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ" هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ "يَعْنِي هَذِهِ الْأَصْنَامَ" أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ نِعْمَةٍ وَرَخَاءٍ "هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" قَالَ مُقَاتِلٌ: فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَكَتُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَالُوا لَا تَدْفَعُ شَيْئًا قدره الله ولكنها تشفع. فنزلت" قل حسى وَتَرَكَ الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ يَعْنِي فَسَيَقُولُونَ لَا (أَيْ لَا تَكْشِفُ وَلَا تُمْسِكُ) [[الزيادة من حاشية الجمل نقلا ع القرطبي.]] فَ "قُلْ" أَنْتَ "حَسْبِيَ اللَّهُ" أَيْ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أَيِ اعْتَمَدْتُ وَ "عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ" يَعْتَمِدُ الْمُعْتَمِدُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ [[راجع ج ٤ ص ١٨٩ وص ٢٥٣ طبعه أولى أو ثانية.]] فِي التَّوَكُّلِ. وَقَرَأَ نافع وابن كثير والكوفون ما عدا عاصما "كاشفات ضره" بغيره تنوين. وقرا أبو عمرووشيبه وهر الْمَعْرُوفَةُ مِنْ قِرَاءَةِ الْحَسَنِ وَعَاصِمٍ "هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ". "مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ" بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، لِأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ فِي مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ التَّنْوِينُ أَجْوَدَ. قَالَ الشَّاعِرُ:

الضَّارِبُونَ عميرا عن بيوتهم ... وبالليل يَوْمَ عُمَيْرٌ ظَالِمٌ عَادِي

. وَلَوْ كَانَ مَاضِيًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّنْوِينُ، وَحَذْفُ التَّنْوِينِ عَلَى التحقيق فإذا حذفت التنوين لي يَبْقَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَاجِزٌ فَخَفَضْتَ الثَّانِي بِالْإِضَافَةِ. وَحَذْفُ التَّنْوِينِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَوْجُودٌ حَسَنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ" وقال: "إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ" قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ "غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ" وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

هَلْ أَنْتَ بَاعِثُ دِينَارٍ لحاجتنا ... واو عَبْدِ رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بْنِ مِخْرَاقِ

وَقَالَ النابغة:

أحكم كحكم فتاه الحي إذ نظرات ... وإلى حَمَامٍ شَرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ [[يقول الشاعر للنعمان بن المنذر وكان واجدا عليه: كن حكيما في أمرى كحكم زرقاء اليمامة في حزرها للحمام التي مرت طائرة بها. وخبرها مشهور. والشراع: الموضع الذي ينحدر منه إلى الماء والثمد: الماء القليل على وجه الأرض.]]

مَعْنَاهُ وَارِدٍ الثَّمَدَ فَحُذِفَ التَّنْوِينُ، مِثْلَ "كاشِفاتُ ضُرِّهِ." قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ﴾ أي مَكَانَتِي أَيْ عَلَى جِهَتِي الَّتِي تَمَكَّنَتْ عِنْدِي "فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ." وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِالْجَمْعِ "مَكَانَاتِكُمْ". وقد مضى في "الأنعام." [[راجع ج ٧ ص ٨٩ طبعه أولى أو ثانية.]] "مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ" أَيْ يُهِينُهُ وَيُذِلُّهُ أَيْ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ بِالْجُوعِ وَالسَّيْفِ. "وَيَحِلُّ عَلَيْهِ" أي في الآخرة "عَذابٌ مُقِيمٌ." قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُسْتَوْفًى في غير موضع [[راجع ج ٨ ص ٣٨٨ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أَيْ ولين سَأَلْتَهُمْ يَا مُحَمَّدُ "مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" بَيَّنَ أَنَّهُمْ مَعَ عِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ مُقِرُّونَ بِأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ فَكَيْفَ يُخَوِّفُونَكَ بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي هِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ الذي خلقها وخلق السموات وَالْأَرْضَ. "قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ" أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِمْ بِهَذَا "أَفَرَأَيْتُمْ" إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ "بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ" هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ "يَعْنِي هَذِهِ الْأَصْنَامَ" أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ نِعْمَةٍ وَرَخَاءٍ "هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" قَالَ مُقَاتِلٌ: فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَكَتُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَالُوا لَا تَدْفَعُ شَيْئًا قدره الله ولكنها تشفع. فنزلت" قل حسى وَتَرَكَ الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ يَعْنِي فَسَيَقُولُونَ لَا (أَيْ لَا تَكْشِفُ وَلَا تُمْسِكُ) [[الزيادة من حاشية الجمل نقلا ع القرطبي.]] فَ "قُلْ" أَنْتَ "حَسْبِيَ اللَّهُ" أَيْ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أَيِ اعْتَمَدْتُ وَ "عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ" يَعْتَمِدُ الْمُعْتَمِدُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ [[راجع ج ٤ ص ١٨٩ وص ٢٥٣ طبعه أولى أو ثانية.]] فِي التَّوَكُّلِ. وَقَرَأَ نافع وابن كثير والكوفون ما عدا عاصما "كاشفات ضره" بغيره تنوين. وقرا أبو عمرووشيبه وهر الْمَعْرُوفَةُ مِنْ قِرَاءَةِ الْحَسَنِ وَعَاصِمٍ "هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ". "مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ" بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، لِأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ فِي مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ التَّنْوِينُ أَجْوَدَ. قَالَ الشَّاعِرُ:

الضَّارِبُونَ عميرا عن بيوتهم ... وبالليل يَوْمَ عُمَيْرٌ ظَالِمٌ عَادِي

. وَلَوْ كَانَ مَاضِيًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّنْوِينُ، وَحَذْفُ التَّنْوِينِ عَلَى التحقيق فإذا حذفت التنوين لي يَبْقَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَاجِزٌ فَخَفَضْتَ الثَّانِي بِالْإِضَافَةِ. وَحَذْفُ التَّنْوِينِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَوْجُودٌ حَسَنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ" وقال: "إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ" قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ "غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ" وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

هَلْ أَنْتَ بَاعِثُ دِينَارٍ لحاجتنا ... واو عَبْدِ رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بْنِ مِخْرَاقِ

وَقَالَ النابغة:

أحكم كحكم فتاه الحي إذ نظرات ... وإلى حَمَامٍ شَرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ [[يقول الشاعر للنعمان بن المنذر وكان واجدا عليه: كن حكيما في أمرى كحكم زرقاء اليمامة في حزرها للحمام التي مرت طائرة بها. وخبرها مشهور. والشراع: الموضع الذي ينحدر منه إلى الماء والثمد: الماء القليل على وجه الأرض.]]

مَعْنَاهُ وَارِدٍ الثَّمَدَ فَحُذِفَ التَّنْوِينُ، مِثْلَ "كاشِفاتُ ضُرِّهِ." قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ﴾ أي مَكَانَتِي أَيْ عَلَى جِهَتِي الَّتِي تَمَكَّنَتْ عِنْدِي "فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ." وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِالْجَمْعِ "مَكَانَاتِكُمْ". وقد مضى في "الأنعام." [[راجع ج ٧ ص ٨٩ طبعه أولى أو ثانية.]] "مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ" أَيْ يُهِينُهُ وَيُذِلُّهُ أَيْ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ بِالْجُوعِ وَالسَّيْفِ. "وَيَحِلُّ عَلَيْهِ" أي في الآخرة "عَذابٌ مُقِيمٌ." قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُسْتَوْفًى في غير موضع [[راجع ج ٨ ص ٣٨٨ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أَيْ ولين سَأَلْتَهُمْ يَا مُحَمَّدُ "مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" بَيَّنَ أَنَّهُمْ مَعَ عِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ مُقِرُّونَ بِأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ فَكَيْفَ يُخَوِّفُونَكَ بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي هِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ الذي خلقها وخلق السموات وَالْأَرْضَ. "قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ" أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِمْ بِهَذَا "أَفَرَأَيْتُمْ" إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ "بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ" هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ "يَعْنِي هَذِهِ الْأَصْنَامَ" أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ نِعْمَةٍ وَرَخَاءٍ "هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" قَالَ مُقَاتِلٌ: فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَكَتُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَالُوا لَا تَدْفَعُ شَيْئًا قدره الله ولكنها تشفع. فنزلت" قل حسى وَتَرَكَ الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ يَعْنِي فَسَيَقُولُونَ لَا (أَيْ لَا تَكْشِفُ وَلَا تُمْسِكُ) [[الزيادة من حاشية الجمل نقلا ع القرطبي.]] فَ "قُلْ" أَنْتَ "حَسْبِيَ اللَّهُ" أَيْ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أَيِ اعْتَمَدْتُ وَ "عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ" يَعْتَمِدُ الْمُعْتَمِدُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ [[راجع ج ٤ ص ١٨٩ وص ٢٥٣ طبعه أولى أو ثانية.]] فِي التَّوَكُّلِ. وَقَرَأَ نافع وابن كثير والكوفون ما عدا عاصما "كاشفات ضره" بغيره تنوين. وقرا أبو عمرووشيبه وهر الْمَعْرُوفَةُ مِنْ قِرَاءَةِ الْحَسَنِ وَعَاصِمٍ "هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ". "مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ" بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، لِأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ فِي مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ التَّنْوِينُ أَجْوَدَ. قَالَ الشَّاعِرُ:

الضَّارِبُونَ عميرا عن بيوتهم ... وبالليل يَوْمَ عُمَيْرٌ ظَالِمٌ عَادِي

. وَلَوْ كَانَ مَاضِيًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّنْوِينُ، وَحَذْفُ التَّنْوِينِ عَلَى التحقيق فإذا حذفت التنوين لي يَبْقَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَاجِزٌ فَخَفَضْتَ الثَّانِي بِالْإِضَافَةِ. وَحَذْفُ التَّنْوِينِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَوْجُودٌ حَسَنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ" وقال: "إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ" قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ "غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ" وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

هَلْ أَنْتَ بَاعِثُ دِينَارٍ لحاجتنا ... واو عَبْدِ رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بْنِ مِخْرَاقِ

وَقَالَ النابغة:

أحكم كحكم فتاه الحي إذ نظرات ... وإلى حَمَامٍ شَرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ [[يقول الشاعر للنعمان بن المنذر وكان واجدا عليه: كن حكيما في أمرى كحكم زرقاء اليمامة في حزرها للحمام التي مرت طائرة بها. وخبرها مشهور. والشراع: الموضع الذي ينحدر منه إلى الماء والثمد: الماء القليل على وجه الأرض.]]

مَعْنَاهُ وَارِدٍ الثَّمَدَ فَحُذِفَ التَّنْوِينُ، مِثْلَ "كاشِفاتُ ضُرِّهِ." قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ﴾ أي مَكَانَتِي أَيْ عَلَى جِهَتِي الَّتِي تَمَكَّنَتْ عِنْدِي "فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ." وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِالْجَمْعِ "مَكَانَاتِكُمْ". وقد مضى في "الأنعام." [[راجع ج ٧ ص ٨٩ طبعه أولى أو ثانية.]] "مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ" أَيْ يُهِينُهُ وَيُذِلُّهُ أَيْ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ بِالْجُوعِ وَالسَّيْفِ. "وَيَحِلُّ عَلَيْهِ" أي في الآخرة "عَذابٌ مُقِيمٌ." قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُسْتَوْفًى في غير موضع [[راجع ج ٨ ص ٣٨٨ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أَيْ ولين سَأَلْتَهُمْ يَا مُحَمَّدُ "مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" بَيَّنَ أَنَّهُمْ مَعَ عِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ مُقِرُّونَ بِأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ فَكَيْفَ يُخَوِّفُونَكَ بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي هِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ الذي خلقها وخلق السموات وَالْأَرْضَ. "قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ" أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِمْ بِهَذَا "أَفَرَأَيْتُمْ" إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ "بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ" هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ "يَعْنِي هَذِهِ الْأَصْنَامَ" أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ نِعْمَةٍ وَرَخَاءٍ "هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" قَالَ مُقَاتِلٌ: فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَكَتُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَالُوا لَا تَدْفَعُ شَيْئًا قدره الله ولكنها تشفع. فنزلت" قل حسى وَتَرَكَ الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ يَعْنِي فَسَيَقُولُونَ لَا (أَيْ لَا تَكْشِفُ وَلَا تُمْسِكُ) [[الزيادة من حاشية الجمل نقلا ع القرطبي.]] فَ "قُلْ" أَنْتَ "حَسْبِيَ اللَّهُ" أَيْ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أَيِ اعْتَمَدْتُ وَ "عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ" يَعْتَمِدُ الْمُعْتَمِدُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ [[راجع ج ٤ ص ١٨٩ وص ٢٥٣ طبعه أولى أو ثانية.]] فِي التَّوَكُّلِ. وَقَرَأَ نافع وابن كثير والكوفون ما عدا عاصما "كاشفات ضره" بغيره تنوين. وقرا أبو عمرووشيبه وهر الْمَعْرُوفَةُ مِنْ قِرَاءَةِ الْحَسَنِ وَعَاصِمٍ "هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ". "مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ" بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، لِأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ فِي مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ التَّنْوِينُ أَجْوَدَ. قَالَ الشَّاعِرُ:

الضَّارِبُونَ عميرا عن بيوتهم ... وبالليل يَوْمَ عُمَيْرٌ ظَالِمٌ عَادِي

. وَلَوْ كَانَ مَاضِيًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّنْوِينُ، وَحَذْفُ التَّنْوِينِ عَلَى التحقيق فإذا حذفت التنوين لي يَبْقَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَاجِزٌ فَخَفَضْتَ الثَّانِي بِالْإِضَافَةِ. وَحَذْفُ التَّنْوِينِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَوْجُودٌ حَسَنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ" وقال: "إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ" قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ "غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ" وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

هَلْ أَنْتَ بَاعِثُ دِينَارٍ لحاجتنا ... واو عَبْدِ رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بْنِ مِخْرَاقِ

وَقَالَ النابغة:

أحكم كحكم فتاه الحي إذ نظرات ... وإلى حَمَامٍ شَرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ [[يقول الشاعر للنعمان بن المنذر وكان واجدا عليه: كن حكيما في أمرى كحكم زرقاء اليمامة في حزرها للحمام التي مرت طائرة بها. وخبرها مشهور. والشراع: الموضع الذي ينحدر منه إلى الماء والثمد: الماء القليل على وجه الأرض.]]

مَعْنَاهُ وَارِدٍ الثَّمَدَ فَحُذِفَ التَّنْوِينُ، مِثْلَ "كاشِفاتُ ضُرِّهِ." قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ﴾ أي مَكَانَتِي أَيْ عَلَى جِهَتِي الَّتِي تَمَكَّنَتْ عِنْدِي "فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ." وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِالْجَمْعِ "مَكَانَاتِكُمْ". وقد مضى في "الأنعام." [[راجع ج ٧ ص ٨٩ طبعه أولى أو ثانية.]] "مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ" أَيْ يُهِينُهُ وَيُذِلُّهُ أَيْ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ بِالْجُوعِ وَالسَّيْفِ. "وَيَحِلُّ عَلَيْهِ" أي في الآخرة "عَذابٌ مُقِيمٌ." قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُسْتَوْفًى في غير موضع [[راجع ج ٨ ص ٣٨٨ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]].

فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أَيْ يَقْبِضُهَا عِنْدَ فَنَاءِ آجَالِهَا "وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها" اخْتُلِفَ فِيهِ. فَقِيلَ: يَقْبِضُهَا عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ بَقَاءِ أَرْوَاحِهَا فِي أَجْسَادِهَا "فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى " وَهِيَ النَّائِمَةُ فَيُطْلِقُهَا بِالتَّصَرُّفِ إِلَى أَجَلِ مَوْتِهَا، قَالَ ابْنُ عِيسَى [[في نسخة: قاله أبو عيسى.]]. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى وَيَقْبِضُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِهَا. قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ تَوَفِّيهَا نَوْمَهَا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ وَفَاتُهَا نَوْمُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ تَلْتَقِي فِي الْمَنَامِ فَتَتَعَارَفُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْهَا، فَإِذَا أَرَادَ جَمِيعُهَا الرُّجُوعَ إِلَى الْأَجْسَادِ أَمْسَكَ اللَّهُ أَرْوَاحَ الْأَمْوَاتِ عِنْدَهُ، وَأَرْسَلَ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ إِلَى أَجْسَادِهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْأَمْوَاتِ إِذَا مَاتُوا، وَأَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ إِذَا نَامُوا، فَتَتَعَارَفُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَتَعَارَفَ "فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى " أَيْ يُعِيدُهَا. قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَمَا رَأَتْهُ نَفْسُ النَّائِمِ وَهِيَ فِي السَّمَاءِ قَبْلَ إِرْسَالِهَا إِلَى جَسَدِهَا فَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، وَمَا رَأَتْهُ بَعْدَ إِرْسَالِهَا وَقَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا فِي جَسَدِهَا تُلْقِيهَا الشَّيَاطِينُ، وَتُخَيِّلُ إِلَيْهَا الْأَبَاطِيلَ فَهِيَ الرؤيا الكاذبة.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: النَّوْمُ وَفَاةٌ وَالْمَوْتُ وَفَاةٌ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَمَا تَنَامُونَ فَكَذَلِكَ تَمُوتُونَ وَكَمَا تُوقَظُونَ فَكَذَلِكَ تُبْعَثُونَ." وَقَالَ عُمَرُ: النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "لَا النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ وَالْجَنَّةُ لَا مَوْتَ فِيهَا" خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "فِي ابْنِ آدَمَ نَفْسٌ وَرُوحٌ بَيْنَهُمَا مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فَالنَّفْسُ الَّتِي بِهَا الْعَقْلُ وَالتَّمْيِيزُ، وَالرُّوحُ الَّتِي بِهَا النَّفَسُ وَالتَّحْرِيكُ، فَإِذَا نَامَ الْعَبْدُ قَبَضَ اللَّهُ نَفْسَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ." وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَالزَّجَّاجِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ: وَفِي هَذَا بُعْدٌ إِذِ الْمَفْهُومُ من الآية أن النفس المقبوضة في الحالين شي وَاحِدٌ، وَلِهَذَا قَالَ: "فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى" فَإِذًا يَقْبِضُ اللَّهُ الرُّوحَ فِي حَالَيْنِ فِي حَالَةِ النَّوْمِ وَحَالَةِ الْمَوْتِ، فَمَا قَبَضَهُ فِي حَالِ النَّوْمِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَغْمُرُهُ بِمَا يَحْبِسُهُ عَنِ التصرف فكأنه شي مَقْبُوضٌ، وَمَا قَبَضَهُ فِي حَالِ الْمَوْتِ فَهُوَ يُمْسِكُهُ وَلَا يُرْسِلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَوْلُهُ: "وَيُرْسِلُ الْأُخْرى " أَيْ يُزِيلُ الْحَابِسَ عَنْهُ فَيَعُودُ كَمَا كَانَ. فَتَوَفِّي الْأَنْفُسِ فِي حَالِ النَّوْمِ بِإِزَالَةِ الْحِسِّ وَخَلْقِ الْغَفْلَةِ وَالْآفَةِ فِي مَحَلِّ الْإِدْرَاكِ. وَتَوَفِّيهَا فِي حَالَةِ الْمَوْتِ بِخَلْقِ الْمَوْتِ وَإِزَالَةِ الْحِسِّ بِالْكُلِّيَّةِ. "فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ" بِأَلَّا يَخْلُقُ فِيهَا الْإِدْرَاكَ كَيْفَ وَقَدْ خَلَقَ فِيهَا الْمَوْتَ؟ "وَيُرْسِلُ الْأُخْرى " بِأَنْ يُعِيدَ إِلَيْهَا الْإِحْسَاسَ. الثَّانِيَةُ- وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ، هَلْ هُمَا شي وَاحِدٌ أَوْ شَيْئَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَالْأَظْهَرُ أنهما شي وَاحِدٌ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ الصِّحَاحُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ. مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ [[شق بصره: أي انفتح.]] بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ" وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَمْ تَرَوُا الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ" قَالَ: "فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ" خَرَّجَهُمَا مُسْلِمٌ. وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالُوا اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ رَاضٍ غَيْرِ غَضْبَانَ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي "التَّذْكِرَةِ." وَفِي صَحِيحِ، مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا" مَلَكَانِ يَصْعَدَانِ بِهَا. "وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ بِلَالٌ فِي حَدِيثِ الْوَادِي: أَخَذَ بِنَفْسِي يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقَابِلًا لَهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي حَدِيثِ الْوَادِي:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ رَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا. "الثَّالِثَةُ- وَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُشَابِكٌ لِلْأَجْسَامِ الْمَحْسُوسَةِ، يُجْذَبُ وَيُخْرَجُ وَفِي أَكْفَانِهِ يُلَفُّ وَيُدْرَجُ، وَبِهِ إِلَى السَّمَاءِ يُعْرَجُ، لَا يَمُوتُ وَلَا يَفْنَى، وَهُوَ مِمَّا لَهُ أَوَّلُ وَلَيْسَ لَهُ آخِرُ، وَهُوَ بِعَيْنَيْنِ وَيَدَيْنِ، وَأَنَّهُ ذُو رِيحٍ طَيِّبَةٍ وَخَبِيثَةٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَجْسَامِ لَا صِفَةُ الْأَعْرَاضِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَخْبَارَ بِهَذَا كُلِّهِ فِي كِتَابِ" التَّذْكِرَةِ بِأَحْوَالِ الْمَوْتَى وَأُمُورِ الْآخِرَةِ. "وقال تعالى:﴿ فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] يَعْنِي النَّفْسَ إِلَى خُرُوجِهَا مِنَ الْجَسَدِ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْجِسْمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ- خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ وَلِيُسَمِّ اللَّهَ فَإِنَّهُ لَا يعلم ما خلفه بعد عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَلْيَقُلْ سُبْحَانَكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا." وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ: "فَارْحَمْهَا" بَدَلَ "فَاغْفِرْ لَهَا" وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ "زَادَ التِّرْمِذِيُّ" وَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ. "وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ:" اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا "وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ. "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ﴾هَذِهِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَلَى أَنَّهُ مُسَمَّى الْفَاعِلِ" الْمَوْتَ "نَصْبًا، أَيْ قَضَى اللَّهُ عَلَيْهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ، لِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ:" اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ "فَهُوَ يَقْضِي عَلَيْهَا. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ" قُضِيَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ "عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. النَّحَّاسُ: وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ غَيْرَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى أَبْيَنُ وَأَشْبَهُ بِنَسَقِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ قد أجمعوا على" ويرسل، "ولم يقرءوا" وَيُرْسَلُ،". وَفِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ، وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ سِوَاهُ. "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ" يَعْنِي فِي قَبْضِ اللَّهِ نَفْسَ الْمَيِّتِ وَالنَّائِمِ، وَإِرْسَالِهِ نَفْسَ النَّائِمِ وَحَبْسِهِ نَفْسَ الْمَيِّتِ "لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ." وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ سَمِعْتُ مُعْتَمِرًا يَقُولُ: رُوحُ الْإِنْسَانِ مِثْلُ كُبَّةِ [[كبة الغزل: ما جمع منه.]] الْغَزْلِ، فَتُرْسَلُ الرُّوحُ، فَيَمْضِي ثُمَّ تَمْضِي ثُمَّ تُطْوَى فَتَجِيءُ فَتَدْخُلُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ يُرْسَلُ مِنَ الروح شي فِي حَالِ النَّوْمِ وَمُعْظَمُهَا فِي الْبَدَنِ مُتَّصِلٌ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا اتِّصَالًا خَفِيًّا، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ الْمَرْءُ جَذَبَ مُعْظَمُ رُوحِهِ مَا انْبَسَطَ مِنْهَا فعاد. وقيل غير هذا، وفي التنزيل: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] أَيْ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا اللَّهُ. وَقَدْ تقدم في [سبحان [[راجع ج ١ ص ٣٢٣ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أَيْ بَلِ اتَّخَذُوا يَعْنِي الْأَصْنَامَ وَفِي الْكَلَامِ مَا يَتَضَمَّنُ لَمْ، أَيْ "إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" لَمْ يَتَفَكَّرُوا وَلَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا آلِهَتَهُمْ شُفَعَاءَ. "قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً" أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَتَتَّخِذُونَهُمْ شُفَعَاءَ وإن كانوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الشَّفَاعَةِ "وَلَا يَعْقِلُونَ" لِأَنَّهَا جَمَادَاتٌ. وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ. "قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً" نَصٌّ فِي أَنَّ الشَّفَاعَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَلَا شَافِعَ إِلَّا مِنْ شَفَاعَتِهِ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. "جَمِيعاً" نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. فَإِنْ قِيلَ: "جَمِيعًا" إِنَّمَا يَكُونُ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَالشَّفَاعَةُ وَاحِدَةٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ يُؤَدِّي عَنِ الِاثْنَيْنِ والجميع "لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَعَلَى الْحَالِ عِنْدَ يُونُسَ. "اشْمَأَزَّتْ" قَالَ الْمُبَرِّدُ انْقَبَضَتْ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَفَرَتْ وَاسْتَكْبَرَتْ وَكَفَرَتْ وَتَعَصَّتْ. وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ أَنْكَرَتْ. وَأَصْلُ الِاشْمِئْزَازِ النُّفُورُ وَالِازْوِرَارُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

إِذَا عَضَّ الثِّقَافُ بِهَا اشْمَأَزَّتْ ... وَوَلَّتْهُمْ عَشَوْزَنَةً زَبُونَا [[الثقاف ما تقوم به الرماح. وعشوزنة صلبة شديدة. والزبون الدفوع. والبيت في وصف قناة، وقبله:

فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... - على الأعداء قبلك أن تلينا]]

وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: اشْمَأَزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الْفَزَعِ وَهُوَ الْمَذْعُورُ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" نَفَرُوا وَكَفَرُوا. "وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" يَعْنِي الْأَوْثَانَ حِينَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أَمْنِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ سُورَةَ [النَّجْمِ] تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُمْ تُرْتَجَى [[راجع ما قيل في هذا الكلام من منافاته للعصمة وتأويلات في قوله تعالى في سورة الحج: "وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ" ج ١٢ ص ٧٩ وما بعدها]]. قَالَهُ جَمَاعَةُ الْمُفَسِّرِينَ. "إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" أَيْ يظهر في وجوههم البشر والسرور.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أَيْ بَلِ اتَّخَذُوا يَعْنِي الْأَصْنَامَ وَفِي الْكَلَامِ مَا يَتَضَمَّنُ لَمْ، أَيْ "إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" لَمْ يَتَفَكَّرُوا وَلَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا آلِهَتَهُمْ شُفَعَاءَ. "قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً" أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَتَتَّخِذُونَهُمْ شُفَعَاءَ وإن كانوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الشَّفَاعَةِ "وَلَا يَعْقِلُونَ" لِأَنَّهَا جَمَادَاتٌ. وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ. "قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً" نَصٌّ فِي أَنَّ الشَّفَاعَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَلَا شَافِعَ إِلَّا مِنْ شَفَاعَتِهِ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. "جَمِيعاً" نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. فَإِنْ قِيلَ: "جَمِيعًا" إِنَّمَا يَكُونُ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَالشَّفَاعَةُ وَاحِدَةٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ يُؤَدِّي عَنِ الِاثْنَيْنِ والجميع "لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَعَلَى الْحَالِ عِنْدَ يُونُسَ. "اشْمَأَزَّتْ" قَالَ الْمُبَرِّدُ انْقَبَضَتْ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَفَرَتْ وَاسْتَكْبَرَتْ وَكَفَرَتْ وَتَعَصَّتْ. وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ أَنْكَرَتْ. وَأَصْلُ الِاشْمِئْزَازِ النُّفُورُ وَالِازْوِرَارُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

إِذَا عَضَّ الثِّقَافُ بِهَا اشْمَأَزَّتْ ... وَوَلَّتْهُمْ عَشَوْزَنَةً زَبُونَا [[الثقاف ما تقوم به الرماح. وعشوزنة صلبة شديدة. والزبون الدفوع. والبيت في وصف قناة، وقبله:

فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... - على الأعداء قبلك أن تلينا]]

وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: اشْمَأَزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الْفَزَعِ وَهُوَ الْمَذْعُورُ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" نَفَرُوا وَكَفَرُوا. "وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" يَعْنِي الْأَوْثَانَ حِينَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أَمْنِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ سُورَةَ [النَّجْمِ] تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُمْ تُرْتَجَى [[راجع ما قيل في هذا الكلام من منافاته للعصمة وتأويلات في قوله تعالى في سورة الحج: "وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ" ج ١٢ ص ٧٩ وما بعدها]]. قَالَهُ جَمَاعَةُ الْمُفَسِّرِينَ. "إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" أَيْ يظهر في وجوههم البشر والسرور.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ﴾ أَيْ بَلِ اتَّخَذُوا يَعْنِي الْأَصْنَامَ وَفِي الْكَلَامِ مَا يَتَضَمَّنُ لَمْ، أَيْ "إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" لَمْ يَتَفَكَّرُوا وَلَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا آلِهَتَهُمْ شُفَعَاءَ. "قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً" أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَتَتَّخِذُونَهُمْ شُفَعَاءَ وإن كانوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الشَّفَاعَةِ "وَلَا يَعْقِلُونَ" لِأَنَّهَا جَمَادَاتٌ. وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ. "قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً" نَصٌّ فِي أَنَّ الشَّفَاعَةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَلَا شَافِعَ إِلَّا مِنْ شَفَاعَتِهِ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. "جَمِيعاً" نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. فَإِنْ قِيلَ: "جَمِيعًا" إِنَّمَا يَكُونُ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَالشَّفَاعَةُ وَاحِدَةٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ يُؤَدِّي عَنِ الِاثْنَيْنِ والجميع "لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَعَلَى الْحَالِ عِنْدَ يُونُسَ. "اشْمَأَزَّتْ" قَالَ الْمُبَرِّدُ انْقَبَضَتْ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَفَرَتْ وَاسْتَكْبَرَتْ وَكَفَرَتْ وَتَعَصَّتْ. وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ أَنْكَرَتْ. وَأَصْلُ الِاشْمِئْزَازِ النُّفُورُ وَالِازْوِرَارُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

إِذَا عَضَّ الثِّقَافُ بِهَا اشْمَأَزَّتْ ... وَوَلَّتْهُمْ عَشَوْزَنَةً زَبُونَا [[الثقاف ما تقوم به الرماح. وعشوزنة صلبة شديدة. والزبون الدفوع. والبيت في وصف قناة، وقبله:

فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... - على الأعداء قبلك أن تلينا]]

وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: اشْمَأَزَّ الرَّجُلُ ذُعِرَ مِنَ الْفَزَعِ وَهُوَ الْمَذْعُورُ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" نَفَرُوا وَكَفَرُوا. "وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" يَعْنِي الْأَوْثَانَ حِينَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أَمْنِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ سُورَةَ [النَّجْمِ] تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُمْ تُرْتَجَى [[راجع ما قيل في هذا الكلام من منافاته للعصمة وتأويلات في قوله تعالى في سورة الحج: "وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ" ج ١٢ ص ٧٩ وما بعدها]]. قَالَهُ جَمَاعَةُ الْمُفَسِّرِينَ. "إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" أَيْ يظهر في وجوههم البشر والسرور.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ نَصْبٌ لِأَنَّهُ نِدَاءٌ مُضَافٌ وَكَذَا "عالِمَ الْغَيْبِ" وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا. "أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي مَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سألت عائشة رضي الله عنها بأي شي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَفْتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ "اللَّهُمَّ رب جبريل وميكائيل" وإسرافيل "فاطر السموات وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عبادك فيما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "وَلَمَّا بَلَغَ الرَّبِيعَ بْنَ خَيْثَمٍ قَتْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَرَأَ" قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فيما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ". وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنِّي لَأَعْرِفُ آيَةً مَا قَرَأَهَا أَحَدٌ قَطُّ فَسَأَلَ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي مَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ كَذَّبُوا وَأَشْرَكُوا "مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ" أَيْ مِنْ سُوءِ عَذَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَةِ "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ١٣١ طبعه أولى أو ثانية.]] وَ "الرَّعْدِ" [[راجع ج ٩ ص ٣٠٧ طبعه أولى أو ثانية.]]. "وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" مِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَمِلُوا أَعْمَالًا تَوَهَّمُوا أَنَّهَا حَسَنَاتٌ فَإِذَا هِيَ سَيِّئَاتٌ. وَقَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: عَمِلُوا أَعْمَالًا تَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ يَتُوبُونَ مِنْهَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَأَدْرَكَهُمُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يَتُوبُوا، وَقَدْ كَانُوا ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَنْجُونَ بِالتَّوْبَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا تَوَهَّمُوا أَنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَ "بَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" مِنْ دُخُولِ النَّارِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَيْلٌ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ وَيْلٌ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ هَذِهِ آيَتُهُمْ وَقِصَّتُهُمْ. وَقَالَ عكرمة ابن عَمَّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جزعا شديد، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أَخَافُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ "وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" فَأَنَا أَخْشَى أَنْ يَبْدُوَ لِي مَا لَمْ أَكُنْ أَحْتَسِبُ. "وبَدا لَهُمْ" أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ "سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ عِقَابُ مَا كَسَبُوا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. "وَحاقَ بِهِمْ" أَيْ أَحَاطَ بِهِمْ ونزل "ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ."

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ نَصْبٌ لِأَنَّهُ نِدَاءٌ مُضَافٌ وَكَذَا "عالِمَ الْغَيْبِ" وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا. "أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي مَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سألت عائشة رضي الله عنها بأي شي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَفْتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ "اللَّهُمَّ رب جبريل وميكائيل" وإسرافيل "فاطر السموات وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عبادك فيما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "وَلَمَّا بَلَغَ الرَّبِيعَ بْنَ خَيْثَمٍ قَتْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَرَأَ" قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فيما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ". وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنِّي لَأَعْرِفُ آيَةً مَا قَرَأَهَا أَحَدٌ قَطُّ فَسَأَلَ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي مَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ كَذَّبُوا وَأَشْرَكُوا "مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ" أَيْ مِنْ سُوءِ عَذَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَةِ "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ١٣١ طبعه أولى أو ثانية.]] وَ "الرَّعْدِ" [[راجع ج ٩ ص ٣٠٧ طبعه أولى أو ثانية.]]. "وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" مِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَمِلُوا أَعْمَالًا تَوَهَّمُوا أَنَّهَا حَسَنَاتٌ فَإِذَا هِيَ سَيِّئَاتٌ. وَقَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: عَمِلُوا أَعْمَالًا تَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ يَتُوبُونَ مِنْهَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَأَدْرَكَهُمُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يَتُوبُوا، وَقَدْ كَانُوا ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَنْجُونَ بِالتَّوْبَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا تَوَهَّمُوا أَنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَ "بَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" مِنْ دُخُولِ النَّارِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَيْلٌ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ وَيْلٌ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ هَذِهِ آيَتُهُمْ وَقِصَّتُهُمْ. وَقَالَ عكرمة ابن عَمَّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جزعا شديد، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أَخَافُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ "وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" فَأَنَا أَخْشَى أَنْ يَبْدُوَ لِي مَا لَمْ أَكُنْ أَحْتَسِبُ. "وبَدا لَهُمْ" أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ "سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ عِقَابُ مَا كَسَبُوا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. "وَحاقَ بِهِمْ" أَيْ أَحَاطَ بِهِمْ ونزل "ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ."

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ نَصْبٌ لِأَنَّهُ نِدَاءٌ مُضَافٌ وَكَذَا "عالِمَ الْغَيْبِ" وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا. "أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي مَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سألت عائشة رضي الله عنها بأي شي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَفْتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ "اللَّهُمَّ رب جبريل وميكائيل" وإسرافيل "فاطر السموات وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عبادك فيما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "وَلَمَّا بَلَغَ الرَّبِيعَ بْنَ خَيْثَمٍ قَتْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَرَأَ" قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فيما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ". وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنِّي لَأَعْرِفُ آيَةً مَا قَرَأَهَا أَحَدٌ قَطُّ فَسَأَلَ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي مَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ كَذَّبُوا وَأَشْرَكُوا "مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ" أَيْ مِنْ سُوءِ عَذَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَةِ "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ١٣١ طبعه أولى أو ثانية.]] وَ "الرَّعْدِ" [[راجع ج ٩ ص ٣٠٧ طبعه أولى أو ثانية.]]. "وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" مِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَمِلُوا أَعْمَالًا تَوَهَّمُوا أَنَّهَا حَسَنَاتٌ فَإِذَا هِيَ سَيِّئَاتٌ. وَقَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: عَمِلُوا أَعْمَالًا تَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ يَتُوبُونَ مِنْهَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَأَدْرَكَهُمُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يَتُوبُوا، وَقَدْ كَانُوا ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَنْجُونَ بِالتَّوْبَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا تَوَهَّمُوا أَنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَ "بَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" مِنْ دُخُولِ النَّارِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَيْلٌ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ وَيْلٌ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ هَذِهِ آيَتُهُمْ وَقِصَّتُهُمْ. وَقَالَ عكرمة ابن عَمَّارٍ: جَزِعَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ جزعا شديد، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أَخَافُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ "وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" فَأَنَا أَخْشَى أَنْ يَبْدُوَ لِي مَا لَمْ أَكُنْ أَحْتَسِبُ. "وبَدا لَهُمْ" أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ "سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ عِقَابُ مَا كَسَبُوا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. "وَحاقَ بِهِمْ" أَيْ أَحَاطَ بِهِمْ ونزل "ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ."

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. "ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" قَالَ قَتَادَةُ: "عَلى عِلْمٍ" عِنْدِي بِوُجُوهِ الْمَكَاسِبِ، وَعَنْهُ أَيْضًا "عَلى عِلْمٍ" على خير عندي قيل: "عَلى عِلْمٍ" أَيْ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي. وَقَالَ الْحَسَنُ: "عَلى عِلْمٍ" أَيْ بِعِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إِيَّاهُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي إِذَا أُوتِيتُ هَذَا فِي الدُّنْيَا أَنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً، "فَقَالَ اللَّهُ:" بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ "أَيْ بَلِ النِّعَمُ الَّتِي أُوتِيتَهَا فِتْنَةٌ تُخْتَبَرُ بِهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنَّثَ" هِيَ "لِتَأْنِيثِ الْفِتْنَةِ، وَلَوْ كَانَ بَلْ هُوَ فِتْنَةٌ لَجَازَ. النَّحَّاسُ: التَّقْدِيرُ بَلْ أَعْطَيْتُهُ فِتْنَةً." وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ إِعْطَاءَهُمُ الْمَالَ اخْتِبَارٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ قالَهَا﴾ أُنِّثَ عَلَى تَأْنِيثِ الْكَلِمَةِ. "الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" يَعْنِي الْكُفَّارَ قَبْلَهُمْ كَقَارُونَ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: "إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي". "فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ" "مَا" لِلْجَحْدِ أَيْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا أَوْلَادَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا. وَقِيلَ: أي فما الذي أغنى أموالهم؟ ف "إِنَّما" اسْتِفْهَامٌ. "فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ جَزَاءُ سيئا ت أَعْمَالِهِمْ. وَقَدْ يُسَمَّى جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً. "وَالَّذِينَ ظَلَمُوا" أي أشركوا "من هؤلاء" لا لأمة "سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ بِالْجُوعِ وَالسَّيْفِ. "وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ" أَيْ فَائِتِينَ اللَّهَ وَلَا سَابِقِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٨٨ طبعه أولى أو ثانيه. وج ٨ ص ٣٥١ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ الْمُؤْمِنَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَدَبَّرُ الْآيَاتِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا. وَيَعْلَمُ أَنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ قَدْ يكو مكرا واستدراجا، وتقتيره رفعة وإعظاما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. "ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" قَالَ قَتَادَةُ: "عَلى عِلْمٍ" عِنْدِي بِوُجُوهِ الْمَكَاسِبِ، وَعَنْهُ أَيْضًا "عَلى عِلْمٍ" على خير عندي قيل: "عَلى عِلْمٍ" أَيْ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي. وَقَالَ الْحَسَنُ: "عَلى عِلْمٍ" أَيْ بِعِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إِيَّاهُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي إِذَا أُوتِيتُ هَذَا فِي الدُّنْيَا أَنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً، "فَقَالَ اللَّهُ:" بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ "أَيْ بَلِ النِّعَمُ الَّتِي أُوتِيتَهَا فِتْنَةٌ تُخْتَبَرُ بِهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنَّثَ" هِيَ "لِتَأْنِيثِ الْفِتْنَةِ، وَلَوْ كَانَ بَلْ هُوَ فِتْنَةٌ لَجَازَ. النَّحَّاسُ: التَّقْدِيرُ بَلْ أَعْطَيْتُهُ فِتْنَةً." وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ إِعْطَاءَهُمُ الْمَالَ اخْتِبَارٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ قالَهَا﴾ أُنِّثَ عَلَى تَأْنِيثِ الْكَلِمَةِ. "الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" يَعْنِي الْكُفَّارَ قَبْلَهُمْ كَقَارُونَ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: "إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي". "فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ" "مَا" لِلْجَحْدِ أَيْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا أَوْلَادَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا. وَقِيلَ: أي فما الذي أغنى أموالهم؟ ف "إِنَّما" اسْتِفْهَامٌ. "فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ جَزَاءُ سيئا ت أَعْمَالِهِمْ. وَقَدْ يُسَمَّى جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً. "وَالَّذِينَ ظَلَمُوا" أي أشركوا "من هؤلاء" لا لأمة "سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ بِالْجُوعِ وَالسَّيْفِ. "وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ" أَيْ فَائِتِينَ اللَّهَ وَلَا سَابِقِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٨٨ طبعه أولى أو ثانيه. وج ٨ ص ٣٥١ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ الْمُؤْمِنَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَدَبَّرُ الْآيَاتِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا. وَيَعْلَمُ أَنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ قَدْ يكو مكرا واستدراجا، وتقتيره رفعة وإعظاما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. "ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" قَالَ قَتَادَةُ: "عَلى عِلْمٍ" عِنْدِي بِوُجُوهِ الْمَكَاسِبِ، وَعَنْهُ أَيْضًا "عَلى عِلْمٍ" على خير عندي قيل: "عَلى عِلْمٍ" أَيْ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي. وَقَالَ الْحَسَنُ: "عَلى عِلْمٍ" أَيْ بِعِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إِيَّاهُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي إِذَا أُوتِيتُ هَذَا فِي الدُّنْيَا أَنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً، "فَقَالَ اللَّهُ:" بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ "أَيْ بَلِ النِّعَمُ الَّتِي أُوتِيتَهَا فِتْنَةٌ تُخْتَبَرُ بِهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنَّثَ" هِيَ "لِتَأْنِيثِ الْفِتْنَةِ، وَلَوْ كَانَ بَلْ هُوَ فِتْنَةٌ لَجَازَ. النَّحَّاسُ: التَّقْدِيرُ بَلْ أَعْطَيْتُهُ فِتْنَةً." وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ إِعْطَاءَهُمُ الْمَالَ اخْتِبَارٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ قالَهَا﴾ أُنِّثَ عَلَى تَأْنِيثِ الْكَلِمَةِ. "الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" يَعْنِي الْكُفَّارَ قَبْلَهُمْ كَقَارُونَ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: "إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي". "فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ" "مَا" لِلْجَحْدِ أَيْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا أَوْلَادَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا. وَقِيلَ: أي فما الذي أغنى أموالهم؟ ف "إِنَّما" اسْتِفْهَامٌ. "فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ جَزَاءُ سيئا ت أَعْمَالِهِمْ. وَقَدْ يُسَمَّى جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً. "وَالَّذِينَ ظَلَمُوا" أي أشركوا "من هؤلاء" لا لأمة "سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ بِالْجُوعِ وَالسَّيْفِ. "وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ" أَيْ فَائِتِينَ اللَّهَ وَلَا سَابِقِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٨٨ طبعه أولى أو ثانيه. وج ٨ ص ٣٥١ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ الْمُؤْمِنَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَدَبَّرُ الْآيَاتِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا. وَيَعْلَمُ أَنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ قَدْ يكو مكرا واستدراجا، وتقتيره رفعة وإعظاما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. "ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" قَالَ قَتَادَةُ: "عَلى عِلْمٍ" عِنْدِي بِوُجُوهِ الْمَكَاسِبِ، وَعَنْهُ أَيْضًا "عَلى عِلْمٍ" على خير عندي قيل: "عَلى عِلْمٍ" أَيْ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِفَضْلِي. وَقَالَ الْحَسَنُ: "عَلى عِلْمٍ" أَيْ بِعِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ إِيَّاهُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي إِذَا أُوتِيتُ هَذَا فِي الدُّنْيَا أَنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً، "فَقَالَ اللَّهُ:" بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ "أَيْ بَلِ النِّعَمُ الَّتِي أُوتِيتَهَا فِتْنَةٌ تُخْتَبَرُ بِهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنَّثَ" هِيَ "لِتَأْنِيثِ الْفِتْنَةِ، وَلَوْ كَانَ بَلْ هُوَ فِتْنَةٌ لَجَازَ. النَّحَّاسُ: التَّقْدِيرُ بَلْ أَعْطَيْتُهُ فِتْنَةً." وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ إِعْطَاءَهُمُ الْمَالَ اخْتِبَارٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ قالَهَا﴾ أُنِّثَ عَلَى تَأْنِيثِ الْكَلِمَةِ. "الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" يَعْنِي الْكُفَّارَ قَبْلَهُمْ كَقَارُونَ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: "إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي". "فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ" "مَا" لِلْجَحْدِ أَيْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا أَوْلَادَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا. وَقِيلَ: أي فما الذي أغنى أموالهم؟ ف "إِنَّما" اسْتِفْهَامٌ. "فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ جَزَاءُ سيئا ت أَعْمَالِهِمْ. وَقَدْ يُسَمَّى جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً. "وَالَّذِينَ ظَلَمُوا" أي أشركوا "من هؤلاء" لا لأمة "سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُوا" أَيْ بِالْجُوعِ وَالسَّيْفِ. "وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ" أَيْ فَائِتِينَ اللَّهَ وَلَا سَابِقِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٧ ص ٨٨ طبعه أولى أو ثانيه. وج ٨ ص ٣٥١ طبعه أولى أو ثانيه.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ الْمُؤْمِنَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَدَبَّرُ الْآيَاتِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا. وَيَعْلَمُ أَنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ قَدْ يكو مكرا واستدراجا، وتقتيره رفعة وإعظاما.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْيَاءَ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ. النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاصي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَقُلْنَا: الْمَوْعِدُ أَضَاةُ [[الاضاة غدير.]] بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحبه. فأصبحت أنا وعياش ابن عُتْبَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَإِذَا بِهِ قَدْ فُتِنَ فَافْتُتِنَ، فَكُنَّا نَقُولُ بِالْمَدِينَةِ: هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ افْتُتِنُوا لِبَلَاءٍ لَحِقَهُمْ لَا نَرَى لَهُمْ تَوْبَةً، وَكَانُوا هُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَى هِشَامٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعَثُوا إِلَيْهِ: إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أَنَّ لَنَا تَوْبَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآية:" قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ "ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ" الْفُرْقَانِ" [[راجع ج ١٣ ص ٧٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَخَافُوا أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ لِذُنُوبٍ سَبَقَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطَاءٌ نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِسْلَامَهُ: وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْتُ، هَلْ يقبل الله منى توبة؟ فصمت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتْ: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ" [الفرقان: ٦٨ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَرَى شَرْطًا فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَدَعَا بِهِ فَتَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" فَقَالَ: نَعَمِ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا. فَأَسْلَمَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَلَا يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى التَّفْسِيرِ، أَيْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَهُوَ التَّائِبُ أَوْ مَنْ عَمِلَ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ التَّائِبَ مَا بَعْدَهُ "وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ" فَالتَّائِبُ مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه: ٨٢] فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي [سُبْحَانَ [[راجع ج: ١ ص ٣٢٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَهَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقد مضى في [الرعد [[راجع ج ٩ ص ٢٨٥ طبعه أولى أو ثانية.]]]. وقرى "وَلَا تَقْنِطُوا" بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي" الْحِجْرِ [[راجع ج ١٠ ص ٣٦ طبعه أولى أو ثانية.]] " بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ.

(وَأَسْلِمُوا لَهُ) أَيِ اخْضَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) فِي الدنيا (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِهِ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "من السَّعَادَةِ أَنْ يُطِيلَ اللَّهُ عُمُرَ الْمَرْءِ فِي الطَّاعَةِ وَيَرْزُقَهُ الْإِنَابَةَ وَإِنَّ مِنَ الشَّقَاوَةِ أَنْ يَعْمَلَ الْمَرْءُ وَيُعْجَبُ بِعَمَلِهِ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ "أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ" هُوَ الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْمَعْنَى مَا قَالَ الْحَسَنُ: الْتَزِمُوا طَاعَتَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَعْصِيَتَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَحْسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، ثُمَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ الْمُعْجِزُ، وَقِيلَ: هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَاضٍ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ وَجَمِيعُ الْكُتُبِ مَنْسُوخَةٌ- وَقِيلَ: يَعْنِي الْعَفْوَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ، وَقِيلَ مَا عَلَّمَ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَقِيلَ: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الماضية. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ كَرَاهَةَ "أَنْ تَقُولَ" وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَقُولُ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَذَرَ "أَنْ تَقُولَ". وَقِيلَ: أَيْ مِنْ قَبْلِ "أن تقول نفس" لأنه قال قبل هَذَا: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ". الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ نُكِّرَتْ؟ قُلْتُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضُ الْأَنْفُسِ وَهِيَ نَفْسُ الْكَافِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ نَفْسًا مُتَمَيِّزَةً مِنَ الْأَنْفُسِ، إِمَّا بِلَجَاجٍ فِي الْكُفْرِ شَدِيدٍ، أَوْ بِعِقَابٍ عَظِيمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ التَّكْثِيرُ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:

وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا

وَهُوَ يُرِيدُ أَفْوَاجًا مِنَ الْكِرَامِ يَنْصُرُونَهُ لَا كَرِيمًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ رُبَّ بَلَدٍ قَطَعْتُ، وَرُبَّ بَطَلٍ قَارَعْتُ، وَلَا يُقْصَدُ إلا التكثير. "يا حَسْرَتى " وَالْأَصْلُ "يَا حَسْرَتى " فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ وَأَمْكَنُ فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِمَدِّ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْهَاءَ، أَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارٍ نَاجِيَهْ [[الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية]] ... إِذَا أَتَى قَرَّبْتُهُ لِلسَّانِيَهْ

وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِتَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرٍ: يَا حَسْرَتَايَ وَالْحَسْرَةُ النَّدَامَةُ.

(عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قَالَ الْحَسَنُ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أَيْ فِي ثَوَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنْبُ الْقُرْبُ وَالْجِوَارُ: يُقَالُ فُلَانُ يَعِيشُ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَيْ في جواره ومنه "وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" أي على مَا فَرَّطْتُ فِي طَلَبِ جِوَارِهِ وَقُرْبِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ اللَّهِ الَّذِي دَعَانِي إِلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّبَبَ وَالطَّرِيقَ إِلَى الشَّيْءِ جَنْبًا، تَقُولُ تَجَرَّعْتُ فِي جَنْبِكَ غُصَصًا، أَيْ لِأَجْلِكَ وَسَبَبِكَ وَلِأَجْلِ مَرْضَاتِكَ. وَقِيلَ: "فِي جَنْبِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَثَوَابِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَانِبَ جَنْبًا، قَالَ الشَّاعِرَ:

قُسِمَ مَجْهُودًا لِذَاكَ الْقَلْبُ ... النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ

يَعْنِي النَّاسَ مِنْ جَانِبٍ وَالْأَمِيرَ مِنْ جَانِبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْ تَرَكْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يُقَالُ مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فِي جَنْبِ حَاجَتِي، قَالَ كُثَيِّرٌ:

أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ

وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، أَيْ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا جَلَسَ رَجُلٌ مَجْلِسًا وَلَا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجع لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كان عليه ترة يوم القيامة" أي حَسْرَتى [[فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص أو التبعة.]]، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِنَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَالَهُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، قَدْ وَرِثَهُ وَعَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَلَى الْآخَرِ وِزْرُهُ، وَمِنَ الْحَسَرَاتِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ عَبْدَهُ الَّذِي خَوَّلَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبَ مَنْزِلَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يَعْرِفُهُ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا قَدْ أَبْصَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَمِيَ هُوَ، (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) أَيْ وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى سَخِرَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَحَلُّ "إِنْ كُنْتُ" النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَرَّطْتُ وَأَنَا سَاخِرٌ، أَيْ فَرَّطْتُ فِي حَالِ سُخْرِيَتِي، وَقِيلَ وَمَا كُنْتُ إِلَّا فِي سُخْرِيَةٍ وَلَعِبٍ وَبَاطِلٍ أَيْ مَا كَانَ سَعْيِي إِلَّا فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هَذِهِ النَّفْسُ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي) أَيْ أَرْشَدَنِي إِلَى دِينِهِ (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي الشرك والمعاسى، وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَاهْتَدَيْتُ قَوْلَ صِدْقٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ احْتِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَزَّ عَنْهُمْ فِي قَوْلُهُ: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا" فَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لَا حُكْمَ إلا لله، (أَوْ تَقُولَ) يعنى هَذِهِ النَّفْسَ (حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي رَجْعَةً، (فَأَكُونَ) نَصْبٌ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى "كَرَّةً" لِأَنَّ مَعْنَاهُ أن أكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ»

:

لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ ذِكْرَى وَخَشْيَةٍ ... وَتَسْأَلَ عَنْ رُكْبَانِهَا أَيْنَ يَمَّمُوا فنصب

و (تُسْئَلُ) على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك مِنْهَا إِلَّا أَنْ تَذْكُرَ، وَمِنْهُ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ، أَيْ لَأَنْ أَلْبَسَ عَبَاءَةً وَتَقَرَّ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ رَجُلٌ عَالِمٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَدَ رُقْعَةً، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجنة، فقال: ولاي شي أُتْعِبُ نَفْسِي فَتَرَكَ عَمَلَهُ وَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ عُمُرٌ طَوِيلٌ فَتَمَتَّعْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَتُوبُ، فَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْفُجُورِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي أَلَذِّ مَا كَانَ، فَقَالَ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ذَهَبَ عُمُرِي فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَنَدِمَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي القرآن، وقال قتادة: هؤلان أصناف، صنف منهم قال: "يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ". وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالَ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، وَقَالَ آخَرُ: "لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا لِكَلَامِهِمْ (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) قَالَ الزَّجَّاجُ: "بَلى " جَوَابُ النَّفْيِ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ لَفْظُ النَّفْيِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي" مَا هَدَانِي، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَالَ ما هديت، فقيل، بلى قَدْ بُيِّنَ لَكَ طَرِيقُ الْهُدَى فَكُنْتَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤْمِنَ أَمْكَنَكَ أَنْ تُؤْمِنَ. "آياتِي" أَيِ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: عَنَى بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ، أَيْ وَضَحَ الدَّلِيلُ فَأَنْكَرْتَهُ وَكَذَّبْتَهُ، (وَاسْتَكْبَرْتَ) أَيْ تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ). وَقَالَ: "اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" وَهُوَ خِطَابُ الذَّكَرِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. يُقَالُ،: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقُولُ الْعَرَبُ نَفْسٌ وَاحِدٌ أَيْ إنسان واحد. وروى الربيع ابن أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَرَأَ "قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ". وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "بَلَى قد جاءته آياتي" وهذا يدل على التذكر- والربيع ابن أَنَسٍ لَمْ يَلْحَقْ أُمَّ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: يَجِبُ إِذَا كُسِرَ التَّاءُ أَنْ تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لا يلزم، إلا تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ، "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: ثُمَّ قَالَ:" وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "وَلَمْ يَقُلْ مِنَ السَّوَاخِرِ وَلَا مِنَ السَّاخِرَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ" وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" مِنَ الْجَمْعِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ النَّاسِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ القوم الساخرين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْيَاءَ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ. النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاصي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَقُلْنَا: الْمَوْعِدُ أَضَاةُ [[الاضاة غدير.]] بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحبه. فأصبحت أنا وعياش ابن عُتْبَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَإِذَا بِهِ قَدْ فُتِنَ فَافْتُتِنَ، فَكُنَّا نَقُولُ بِالْمَدِينَةِ: هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ افْتُتِنُوا لِبَلَاءٍ لَحِقَهُمْ لَا نَرَى لَهُمْ تَوْبَةً، وَكَانُوا هُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَى هِشَامٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعَثُوا إِلَيْهِ: إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أَنَّ لَنَا تَوْبَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآية:" قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ "ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ" الْفُرْقَانِ" [[راجع ج ١٣ ص ٧٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَخَافُوا أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ لِذُنُوبٍ سَبَقَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطَاءٌ نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِسْلَامَهُ: وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْتُ، هَلْ يقبل الله منى توبة؟ فصمت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتْ: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ" [الفرقان: ٦٨ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَرَى شَرْطًا فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَدَعَا بِهِ فَتَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" فَقَالَ: نَعَمِ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا. فَأَسْلَمَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَلَا يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى التَّفْسِيرِ، أَيْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَهُوَ التَّائِبُ أَوْ مَنْ عَمِلَ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ التَّائِبَ مَا بَعْدَهُ "وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ" فَالتَّائِبُ مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه: ٨٢] فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي [سُبْحَانَ [[راجع ج: ١ ص ٣٢٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَهَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقد مضى في [الرعد [[راجع ج ٩ ص ٢٨٥ طبعه أولى أو ثانية.]]]. وقرى "وَلَا تَقْنِطُوا" بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي" الْحِجْرِ [[راجع ج ١٠ ص ٣٦ طبعه أولى أو ثانية.]] " بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ.

(وَأَسْلِمُوا لَهُ) أَيِ اخْضَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) فِي الدنيا (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِهِ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "من السَّعَادَةِ أَنْ يُطِيلَ اللَّهُ عُمُرَ الْمَرْءِ فِي الطَّاعَةِ وَيَرْزُقَهُ الْإِنَابَةَ وَإِنَّ مِنَ الشَّقَاوَةِ أَنْ يَعْمَلَ الْمَرْءُ وَيُعْجَبُ بِعَمَلِهِ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ "أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ" هُوَ الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْمَعْنَى مَا قَالَ الْحَسَنُ: الْتَزِمُوا طَاعَتَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَعْصِيَتَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَحْسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، ثُمَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ الْمُعْجِزُ، وَقِيلَ: هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَاضٍ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ وَجَمِيعُ الْكُتُبِ مَنْسُوخَةٌ- وَقِيلَ: يَعْنِي الْعَفْوَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ، وَقِيلَ مَا عَلَّمَ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَقِيلَ: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الماضية. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ كَرَاهَةَ "أَنْ تَقُولَ" وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَقُولُ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَذَرَ "أَنْ تَقُولَ". وَقِيلَ: أَيْ مِنْ قَبْلِ "أن تقول نفس" لأنه قال قبل هَذَا: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ". الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ نُكِّرَتْ؟ قُلْتُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضُ الْأَنْفُسِ وَهِيَ نَفْسُ الْكَافِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ نَفْسًا مُتَمَيِّزَةً مِنَ الْأَنْفُسِ، إِمَّا بِلَجَاجٍ فِي الْكُفْرِ شَدِيدٍ، أَوْ بِعِقَابٍ عَظِيمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ التَّكْثِيرُ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:

وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا

وَهُوَ يُرِيدُ أَفْوَاجًا مِنَ الْكِرَامِ يَنْصُرُونَهُ لَا كَرِيمًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ رُبَّ بَلَدٍ قَطَعْتُ، وَرُبَّ بَطَلٍ قَارَعْتُ، وَلَا يُقْصَدُ إلا التكثير. "يا حَسْرَتى " وَالْأَصْلُ "يَا حَسْرَتى " فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ وَأَمْكَنُ فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِمَدِّ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْهَاءَ، أَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارٍ نَاجِيَهْ [[الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية]] ... إِذَا أَتَى قَرَّبْتُهُ لِلسَّانِيَهْ

وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِتَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرٍ: يَا حَسْرَتَايَ وَالْحَسْرَةُ النَّدَامَةُ.

(عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قَالَ الْحَسَنُ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أَيْ فِي ثَوَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنْبُ الْقُرْبُ وَالْجِوَارُ: يُقَالُ فُلَانُ يَعِيشُ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَيْ في جواره ومنه "وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" أي على مَا فَرَّطْتُ فِي طَلَبِ جِوَارِهِ وَقُرْبِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ اللَّهِ الَّذِي دَعَانِي إِلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّبَبَ وَالطَّرِيقَ إِلَى الشَّيْءِ جَنْبًا، تَقُولُ تَجَرَّعْتُ فِي جَنْبِكَ غُصَصًا، أَيْ لِأَجْلِكَ وَسَبَبِكَ وَلِأَجْلِ مَرْضَاتِكَ. وَقِيلَ: "فِي جَنْبِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَثَوَابِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَانِبَ جَنْبًا، قَالَ الشَّاعِرَ:

قُسِمَ مَجْهُودًا لِذَاكَ الْقَلْبُ ... النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ

يَعْنِي النَّاسَ مِنْ جَانِبٍ وَالْأَمِيرَ مِنْ جَانِبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْ تَرَكْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يُقَالُ مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فِي جَنْبِ حَاجَتِي، قَالَ كُثَيِّرٌ:

أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ

وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، أَيْ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا جَلَسَ رَجُلٌ مَجْلِسًا وَلَا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجع لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كان عليه ترة يوم القيامة" أي حَسْرَتى [[فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص أو التبعة.]]، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِنَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَالَهُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، قَدْ وَرِثَهُ وَعَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَلَى الْآخَرِ وِزْرُهُ، وَمِنَ الْحَسَرَاتِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ عَبْدَهُ الَّذِي خَوَّلَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبَ مَنْزِلَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يَعْرِفُهُ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا قَدْ أَبْصَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَمِيَ هُوَ، (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) أَيْ وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى سَخِرَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَحَلُّ "إِنْ كُنْتُ" النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَرَّطْتُ وَأَنَا سَاخِرٌ، أَيْ فَرَّطْتُ فِي حَالِ سُخْرِيَتِي، وَقِيلَ وَمَا كُنْتُ إِلَّا فِي سُخْرِيَةٍ وَلَعِبٍ وَبَاطِلٍ أَيْ مَا كَانَ سَعْيِي إِلَّا فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هَذِهِ النَّفْسُ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي) أَيْ أَرْشَدَنِي إِلَى دِينِهِ (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي الشرك والمعاسى، وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَاهْتَدَيْتُ قَوْلَ صِدْقٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ احْتِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَزَّ عَنْهُمْ فِي قَوْلُهُ: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا" فَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لَا حُكْمَ إلا لله، (أَوْ تَقُولَ) يعنى هَذِهِ النَّفْسَ (حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي رَجْعَةً، (فَأَكُونَ) نَصْبٌ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى "كَرَّةً" لِأَنَّ مَعْنَاهُ أن أكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ»

:

لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ ذِكْرَى وَخَشْيَةٍ ... وَتَسْأَلَ عَنْ رُكْبَانِهَا أَيْنَ يَمَّمُوا فنصب

و (تُسْئَلُ) على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك مِنْهَا إِلَّا أَنْ تَذْكُرَ، وَمِنْهُ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ، أَيْ لَأَنْ أَلْبَسَ عَبَاءَةً وَتَقَرَّ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ رَجُلٌ عَالِمٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَدَ رُقْعَةً، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجنة، فقال: ولاي شي أُتْعِبُ نَفْسِي فَتَرَكَ عَمَلَهُ وَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ عُمُرٌ طَوِيلٌ فَتَمَتَّعْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَتُوبُ، فَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْفُجُورِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي أَلَذِّ مَا كَانَ، فَقَالَ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ذَهَبَ عُمُرِي فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَنَدِمَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي القرآن، وقال قتادة: هؤلان أصناف، صنف منهم قال: "يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ". وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالَ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، وَقَالَ آخَرُ: "لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا لِكَلَامِهِمْ (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) قَالَ الزَّجَّاجُ: "بَلى " جَوَابُ النَّفْيِ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ لَفْظُ النَّفْيِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي" مَا هَدَانِي، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَالَ ما هديت، فقيل، بلى قَدْ بُيِّنَ لَكَ طَرِيقُ الْهُدَى فَكُنْتَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤْمِنَ أَمْكَنَكَ أَنْ تُؤْمِنَ. "آياتِي" أَيِ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: عَنَى بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ، أَيْ وَضَحَ الدَّلِيلُ فَأَنْكَرْتَهُ وَكَذَّبْتَهُ، (وَاسْتَكْبَرْتَ) أَيْ تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ). وَقَالَ: "اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" وَهُوَ خِطَابُ الذَّكَرِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. يُقَالُ،: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقُولُ الْعَرَبُ نَفْسٌ وَاحِدٌ أَيْ إنسان واحد. وروى الربيع ابن أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَرَأَ "قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ". وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "بَلَى قد جاءته آياتي" وهذا يدل على التذكر- والربيع ابن أَنَسٍ لَمْ يَلْحَقْ أُمَّ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: يَجِبُ إِذَا كُسِرَ التَّاءُ أَنْ تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لا يلزم، إلا تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ، "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: ثُمَّ قَالَ:" وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "وَلَمْ يَقُلْ مِنَ السَّوَاخِرِ وَلَا مِنَ السَّاخِرَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ" وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" مِنَ الْجَمْعِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ النَّاسِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ القوم الساخرين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْيَاءَ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ. النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاصي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَقُلْنَا: الْمَوْعِدُ أَضَاةُ [[الاضاة غدير.]] بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحبه. فأصبحت أنا وعياش ابن عُتْبَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَإِذَا بِهِ قَدْ فُتِنَ فَافْتُتِنَ، فَكُنَّا نَقُولُ بِالْمَدِينَةِ: هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ افْتُتِنُوا لِبَلَاءٍ لَحِقَهُمْ لَا نَرَى لَهُمْ تَوْبَةً، وَكَانُوا هُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَى هِشَامٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعَثُوا إِلَيْهِ: إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أَنَّ لَنَا تَوْبَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآية:" قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ "ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ" الْفُرْقَانِ" [[راجع ج ١٣ ص ٧٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَخَافُوا أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ لِذُنُوبٍ سَبَقَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطَاءٌ نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِسْلَامَهُ: وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْتُ، هَلْ يقبل الله منى توبة؟ فصمت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتْ: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ" [الفرقان: ٦٨ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَرَى شَرْطًا فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَدَعَا بِهِ فَتَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" فَقَالَ: نَعَمِ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا. فَأَسْلَمَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَلَا يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى التَّفْسِيرِ، أَيْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَهُوَ التَّائِبُ أَوْ مَنْ عَمِلَ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ التَّائِبَ مَا بَعْدَهُ "وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ" فَالتَّائِبُ مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه: ٨٢] فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي [سُبْحَانَ [[راجع ج: ١ ص ٣٢٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَهَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقد مضى في [الرعد [[راجع ج ٩ ص ٢٨٥ طبعه أولى أو ثانية.]]]. وقرى "وَلَا تَقْنِطُوا" بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي" الْحِجْرِ [[راجع ج ١٠ ص ٣٦ طبعه أولى أو ثانية.]] " بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ.

(وَأَسْلِمُوا لَهُ) أَيِ اخْضَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) فِي الدنيا (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِهِ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "من السَّعَادَةِ أَنْ يُطِيلَ اللَّهُ عُمُرَ الْمَرْءِ فِي الطَّاعَةِ وَيَرْزُقَهُ الْإِنَابَةَ وَإِنَّ مِنَ الشَّقَاوَةِ أَنْ يَعْمَلَ الْمَرْءُ وَيُعْجَبُ بِعَمَلِهِ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ "أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ" هُوَ الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْمَعْنَى مَا قَالَ الْحَسَنُ: الْتَزِمُوا طَاعَتَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَعْصِيَتَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَحْسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، ثُمَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ الْمُعْجِزُ، وَقِيلَ: هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَاضٍ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ وَجَمِيعُ الْكُتُبِ مَنْسُوخَةٌ- وَقِيلَ: يَعْنِي الْعَفْوَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ، وَقِيلَ مَا عَلَّمَ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَقِيلَ: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الماضية. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ كَرَاهَةَ "أَنْ تَقُولَ" وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَقُولُ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَذَرَ "أَنْ تَقُولَ". وَقِيلَ: أَيْ مِنْ قَبْلِ "أن تقول نفس" لأنه قال قبل هَذَا: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ". الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ نُكِّرَتْ؟ قُلْتُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضُ الْأَنْفُسِ وَهِيَ نَفْسُ الْكَافِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ نَفْسًا مُتَمَيِّزَةً مِنَ الْأَنْفُسِ، إِمَّا بِلَجَاجٍ فِي الْكُفْرِ شَدِيدٍ، أَوْ بِعِقَابٍ عَظِيمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ التَّكْثِيرُ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:

وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا

وَهُوَ يُرِيدُ أَفْوَاجًا مِنَ الْكِرَامِ يَنْصُرُونَهُ لَا كَرِيمًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ رُبَّ بَلَدٍ قَطَعْتُ، وَرُبَّ بَطَلٍ قَارَعْتُ، وَلَا يُقْصَدُ إلا التكثير. "يا حَسْرَتى " وَالْأَصْلُ "يَا حَسْرَتى " فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ وَأَمْكَنُ فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِمَدِّ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْهَاءَ، أَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارٍ نَاجِيَهْ [[الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية]] ... إِذَا أَتَى قَرَّبْتُهُ لِلسَّانِيَهْ

وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِتَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرٍ: يَا حَسْرَتَايَ وَالْحَسْرَةُ النَّدَامَةُ.

(عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قَالَ الْحَسَنُ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أَيْ فِي ثَوَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنْبُ الْقُرْبُ وَالْجِوَارُ: يُقَالُ فُلَانُ يَعِيشُ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَيْ في جواره ومنه "وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" أي على مَا فَرَّطْتُ فِي طَلَبِ جِوَارِهِ وَقُرْبِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ اللَّهِ الَّذِي دَعَانِي إِلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّبَبَ وَالطَّرِيقَ إِلَى الشَّيْءِ جَنْبًا، تَقُولُ تَجَرَّعْتُ فِي جَنْبِكَ غُصَصًا، أَيْ لِأَجْلِكَ وَسَبَبِكَ وَلِأَجْلِ مَرْضَاتِكَ. وَقِيلَ: "فِي جَنْبِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَثَوَابِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَانِبَ جَنْبًا، قَالَ الشَّاعِرَ:

قُسِمَ مَجْهُودًا لِذَاكَ الْقَلْبُ ... النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ

يَعْنِي النَّاسَ مِنْ جَانِبٍ وَالْأَمِيرَ مِنْ جَانِبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْ تَرَكْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يُقَالُ مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فِي جَنْبِ حَاجَتِي، قَالَ كُثَيِّرٌ:

أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ

وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، أَيْ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا جَلَسَ رَجُلٌ مَجْلِسًا وَلَا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجع لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كان عليه ترة يوم القيامة" أي حَسْرَتى [[فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص أو التبعة.]]، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِنَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَالَهُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، قَدْ وَرِثَهُ وَعَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَلَى الْآخَرِ وِزْرُهُ، وَمِنَ الْحَسَرَاتِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ عَبْدَهُ الَّذِي خَوَّلَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبَ مَنْزِلَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يَعْرِفُهُ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا قَدْ أَبْصَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَمِيَ هُوَ، (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) أَيْ وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى سَخِرَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَحَلُّ "إِنْ كُنْتُ" النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَرَّطْتُ وَأَنَا سَاخِرٌ، أَيْ فَرَّطْتُ فِي حَالِ سُخْرِيَتِي، وَقِيلَ وَمَا كُنْتُ إِلَّا فِي سُخْرِيَةٍ وَلَعِبٍ وَبَاطِلٍ أَيْ مَا كَانَ سَعْيِي إِلَّا فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هَذِهِ النَّفْسُ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي) أَيْ أَرْشَدَنِي إِلَى دِينِهِ (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي الشرك والمعاسى، وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَاهْتَدَيْتُ قَوْلَ صِدْقٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ احْتِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَزَّ عَنْهُمْ فِي قَوْلُهُ: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا" فَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لَا حُكْمَ إلا لله، (أَوْ تَقُولَ) يعنى هَذِهِ النَّفْسَ (حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي رَجْعَةً، (فَأَكُونَ) نَصْبٌ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى "كَرَّةً" لِأَنَّ مَعْنَاهُ أن أكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ»

:

لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ ذِكْرَى وَخَشْيَةٍ ... وَتَسْأَلَ عَنْ رُكْبَانِهَا أَيْنَ يَمَّمُوا فنصب

و (تُسْئَلُ) على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك مِنْهَا إِلَّا أَنْ تَذْكُرَ، وَمِنْهُ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ، أَيْ لَأَنْ أَلْبَسَ عَبَاءَةً وَتَقَرَّ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ رَجُلٌ عَالِمٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَدَ رُقْعَةً، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجنة، فقال: ولاي شي أُتْعِبُ نَفْسِي فَتَرَكَ عَمَلَهُ وَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ عُمُرٌ طَوِيلٌ فَتَمَتَّعْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَتُوبُ، فَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْفُجُورِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي أَلَذِّ مَا كَانَ، فَقَالَ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ذَهَبَ عُمُرِي فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَنَدِمَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي القرآن، وقال قتادة: هؤلان أصناف، صنف منهم قال: "يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ". وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالَ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، وَقَالَ آخَرُ: "لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا لِكَلَامِهِمْ (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) قَالَ الزَّجَّاجُ: "بَلى " جَوَابُ النَّفْيِ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ لَفْظُ النَّفْيِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي" مَا هَدَانِي، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَالَ ما هديت، فقيل، بلى قَدْ بُيِّنَ لَكَ طَرِيقُ الْهُدَى فَكُنْتَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤْمِنَ أَمْكَنَكَ أَنْ تُؤْمِنَ. "آياتِي" أَيِ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: عَنَى بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ، أَيْ وَضَحَ الدَّلِيلُ فَأَنْكَرْتَهُ وَكَذَّبْتَهُ، (وَاسْتَكْبَرْتَ) أَيْ تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ). وَقَالَ: "اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" وَهُوَ خِطَابُ الذَّكَرِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. يُقَالُ،: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقُولُ الْعَرَبُ نَفْسٌ وَاحِدٌ أَيْ إنسان واحد. وروى الربيع ابن أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَرَأَ "قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ". وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "بَلَى قد جاءته آياتي" وهذا يدل على التذكر- والربيع ابن أَنَسٍ لَمْ يَلْحَقْ أُمَّ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: يَجِبُ إِذَا كُسِرَ التَّاءُ أَنْ تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لا يلزم، إلا تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ، "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: ثُمَّ قَالَ:" وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "وَلَمْ يَقُلْ مِنَ السَّوَاخِرِ وَلَا مِنَ السَّاخِرَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ" وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" مِنَ الْجَمْعِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ النَّاسِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ القوم الساخرين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْيَاءَ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ. النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاصي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَقُلْنَا: الْمَوْعِدُ أَضَاةُ [[الاضاة غدير.]] بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحبه. فأصبحت أنا وعياش ابن عُتْبَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَإِذَا بِهِ قَدْ فُتِنَ فَافْتُتِنَ، فَكُنَّا نَقُولُ بِالْمَدِينَةِ: هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ افْتُتِنُوا لِبَلَاءٍ لَحِقَهُمْ لَا نَرَى لَهُمْ تَوْبَةً، وَكَانُوا هُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَى هِشَامٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعَثُوا إِلَيْهِ: إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أَنَّ لَنَا تَوْبَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآية:" قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ "ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ" الْفُرْقَانِ" [[راجع ج ١٣ ص ٧٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَخَافُوا أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ لِذُنُوبٍ سَبَقَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطَاءٌ نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِسْلَامَهُ: وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْتُ، هَلْ يقبل الله منى توبة؟ فصمت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتْ: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ" [الفرقان: ٦٨ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَرَى شَرْطًا فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَدَعَا بِهِ فَتَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" فَقَالَ: نَعَمِ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا. فَأَسْلَمَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَلَا يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى التَّفْسِيرِ، أَيْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَهُوَ التَّائِبُ أَوْ مَنْ عَمِلَ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ التَّائِبَ مَا بَعْدَهُ "وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ" فَالتَّائِبُ مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه: ٨٢] فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي [سُبْحَانَ [[راجع ج: ١ ص ٣٢٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَهَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقد مضى في [الرعد [[راجع ج ٩ ص ٢٨٥ طبعه أولى أو ثانية.]]]. وقرى "وَلَا تَقْنِطُوا" بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي" الْحِجْرِ [[راجع ج ١٠ ص ٣٦ طبعه أولى أو ثانية.]] " بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ.

(وَأَسْلِمُوا لَهُ) أَيِ اخْضَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) فِي الدنيا (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِهِ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "من السَّعَادَةِ أَنْ يُطِيلَ اللَّهُ عُمُرَ الْمَرْءِ فِي الطَّاعَةِ وَيَرْزُقَهُ الْإِنَابَةَ وَإِنَّ مِنَ الشَّقَاوَةِ أَنْ يَعْمَلَ الْمَرْءُ وَيُعْجَبُ بِعَمَلِهِ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ "أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ" هُوَ الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْمَعْنَى مَا قَالَ الْحَسَنُ: الْتَزِمُوا طَاعَتَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَعْصِيَتَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَحْسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، ثُمَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ الْمُعْجِزُ، وَقِيلَ: هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَاضٍ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ وَجَمِيعُ الْكُتُبِ مَنْسُوخَةٌ- وَقِيلَ: يَعْنِي الْعَفْوَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ، وَقِيلَ مَا عَلَّمَ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَقِيلَ: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الماضية. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ كَرَاهَةَ "أَنْ تَقُولَ" وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَقُولُ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَذَرَ "أَنْ تَقُولَ". وَقِيلَ: أَيْ مِنْ قَبْلِ "أن تقول نفس" لأنه قال قبل هَذَا: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ". الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ نُكِّرَتْ؟ قُلْتُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضُ الْأَنْفُسِ وَهِيَ نَفْسُ الْكَافِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ نَفْسًا مُتَمَيِّزَةً مِنَ الْأَنْفُسِ، إِمَّا بِلَجَاجٍ فِي الْكُفْرِ شَدِيدٍ، أَوْ بِعِقَابٍ عَظِيمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ التَّكْثِيرُ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:

وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا

وَهُوَ يُرِيدُ أَفْوَاجًا مِنَ الْكِرَامِ يَنْصُرُونَهُ لَا كَرِيمًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ رُبَّ بَلَدٍ قَطَعْتُ، وَرُبَّ بَطَلٍ قَارَعْتُ، وَلَا يُقْصَدُ إلا التكثير. "يا حَسْرَتى " وَالْأَصْلُ "يَا حَسْرَتى " فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ وَأَمْكَنُ فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِمَدِّ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْهَاءَ، أَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارٍ نَاجِيَهْ [[الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية]] ... إِذَا أَتَى قَرَّبْتُهُ لِلسَّانِيَهْ

وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِتَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرٍ: يَا حَسْرَتَايَ وَالْحَسْرَةُ النَّدَامَةُ.

(عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قَالَ الْحَسَنُ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أَيْ فِي ثَوَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنْبُ الْقُرْبُ وَالْجِوَارُ: يُقَالُ فُلَانُ يَعِيشُ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَيْ في جواره ومنه "وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" أي على مَا فَرَّطْتُ فِي طَلَبِ جِوَارِهِ وَقُرْبِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ اللَّهِ الَّذِي دَعَانِي إِلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّبَبَ وَالطَّرِيقَ إِلَى الشَّيْءِ جَنْبًا، تَقُولُ تَجَرَّعْتُ فِي جَنْبِكَ غُصَصًا، أَيْ لِأَجْلِكَ وَسَبَبِكَ وَلِأَجْلِ مَرْضَاتِكَ. وَقِيلَ: "فِي جَنْبِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَثَوَابِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَانِبَ جَنْبًا، قَالَ الشَّاعِرَ:

قُسِمَ مَجْهُودًا لِذَاكَ الْقَلْبُ ... النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ

يَعْنِي النَّاسَ مِنْ جَانِبٍ وَالْأَمِيرَ مِنْ جَانِبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْ تَرَكْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يُقَالُ مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فِي جَنْبِ حَاجَتِي، قَالَ كُثَيِّرٌ:

أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ

وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، أَيْ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا جَلَسَ رَجُلٌ مَجْلِسًا وَلَا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجع لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كان عليه ترة يوم القيامة" أي حَسْرَتى [[فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص أو التبعة.]]، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِنَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَالَهُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، قَدْ وَرِثَهُ وَعَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَلَى الْآخَرِ وِزْرُهُ، وَمِنَ الْحَسَرَاتِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ عَبْدَهُ الَّذِي خَوَّلَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبَ مَنْزِلَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يَعْرِفُهُ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا قَدْ أَبْصَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَمِيَ هُوَ، (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) أَيْ وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى سَخِرَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَحَلُّ "إِنْ كُنْتُ" النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَرَّطْتُ وَأَنَا سَاخِرٌ، أَيْ فَرَّطْتُ فِي حَالِ سُخْرِيَتِي، وَقِيلَ وَمَا كُنْتُ إِلَّا فِي سُخْرِيَةٍ وَلَعِبٍ وَبَاطِلٍ أَيْ مَا كَانَ سَعْيِي إِلَّا فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هَذِهِ النَّفْسُ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي) أَيْ أَرْشَدَنِي إِلَى دِينِهِ (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي الشرك والمعاسى، وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَاهْتَدَيْتُ قَوْلَ صِدْقٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ احْتِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَزَّ عَنْهُمْ فِي قَوْلُهُ: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا" فَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لَا حُكْمَ إلا لله، (أَوْ تَقُولَ) يعنى هَذِهِ النَّفْسَ (حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي رَجْعَةً، (فَأَكُونَ) نَصْبٌ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى "كَرَّةً" لِأَنَّ مَعْنَاهُ أن أكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ»

:

لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ ذِكْرَى وَخَشْيَةٍ ... وَتَسْأَلَ عَنْ رُكْبَانِهَا أَيْنَ يَمَّمُوا فنصب

و (تُسْئَلُ) على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك مِنْهَا إِلَّا أَنْ تَذْكُرَ، وَمِنْهُ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ، أَيْ لَأَنْ أَلْبَسَ عَبَاءَةً وَتَقَرَّ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ رَجُلٌ عَالِمٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَدَ رُقْعَةً، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجنة، فقال: ولاي شي أُتْعِبُ نَفْسِي فَتَرَكَ عَمَلَهُ وَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ عُمُرٌ طَوِيلٌ فَتَمَتَّعْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَتُوبُ، فَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْفُجُورِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي أَلَذِّ مَا كَانَ، فَقَالَ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ذَهَبَ عُمُرِي فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَنَدِمَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي القرآن، وقال قتادة: هؤلان أصناف، صنف منهم قال: "يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ". وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالَ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، وَقَالَ آخَرُ: "لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا لِكَلَامِهِمْ (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) قَالَ الزَّجَّاجُ: "بَلى " جَوَابُ النَّفْيِ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ لَفْظُ النَّفْيِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي" مَا هَدَانِي، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَالَ ما هديت، فقيل، بلى قَدْ بُيِّنَ لَكَ طَرِيقُ الْهُدَى فَكُنْتَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤْمِنَ أَمْكَنَكَ أَنْ تُؤْمِنَ. "آياتِي" أَيِ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: عَنَى بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ، أَيْ وَضَحَ الدَّلِيلُ فَأَنْكَرْتَهُ وَكَذَّبْتَهُ، (وَاسْتَكْبَرْتَ) أَيْ تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ). وَقَالَ: "اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" وَهُوَ خِطَابُ الذَّكَرِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. يُقَالُ،: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقُولُ الْعَرَبُ نَفْسٌ وَاحِدٌ أَيْ إنسان واحد. وروى الربيع ابن أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَرَأَ "قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ". وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "بَلَى قد جاءته آياتي" وهذا يدل على التذكر- والربيع ابن أَنَسٍ لَمْ يَلْحَقْ أُمَّ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: يَجِبُ إِذَا كُسِرَ التَّاءُ أَنْ تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لا يلزم، إلا تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ، "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: ثُمَّ قَالَ:" وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "وَلَمْ يَقُلْ مِنَ السَّوَاخِرِ وَلَا مِنَ السَّاخِرَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ" وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" مِنَ الْجَمْعِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ النَّاسِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ القوم الساخرين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْيَاءَ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ. النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاصي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَقُلْنَا: الْمَوْعِدُ أَضَاةُ [[الاضاة غدير.]] بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحبه. فأصبحت أنا وعياش ابن عُتْبَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَإِذَا بِهِ قَدْ فُتِنَ فَافْتُتِنَ، فَكُنَّا نَقُولُ بِالْمَدِينَةِ: هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ افْتُتِنُوا لِبَلَاءٍ لَحِقَهُمْ لَا نَرَى لَهُمْ تَوْبَةً، وَكَانُوا هُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَى هِشَامٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعَثُوا إِلَيْهِ: إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أَنَّ لَنَا تَوْبَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآية:" قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ "ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ" الْفُرْقَانِ" [[راجع ج ١٣ ص ٧٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَخَافُوا أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ لِذُنُوبٍ سَبَقَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطَاءٌ نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِسْلَامَهُ: وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْتُ، هَلْ يقبل الله منى توبة؟ فصمت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتْ: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ" [الفرقان: ٦٨ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَرَى شَرْطًا فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَدَعَا بِهِ فَتَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" فَقَالَ: نَعَمِ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا. فَأَسْلَمَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَلَا يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى التَّفْسِيرِ، أَيْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَهُوَ التَّائِبُ أَوْ مَنْ عَمِلَ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ التَّائِبَ مَا بَعْدَهُ "وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ" فَالتَّائِبُ مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه: ٨٢] فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي [سُبْحَانَ [[راجع ج: ١ ص ٣٢٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَهَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقد مضى في [الرعد [[راجع ج ٩ ص ٢٨٥ طبعه أولى أو ثانية.]]]. وقرى "وَلَا تَقْنِطُوا" بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي" الْحِجْرِ [[راجع ج ١٠ ص ٣٦ طبعه أولى أو ثانية.]] " بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ.

(وَأَسْلِمُوا لَهُ) أَيِ اخْضَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) فِي الدنيا (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِهِ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "من السَّعَادَةِ أَنْ يُطِيلَ اللَّهُ عُمُرَ الْمَرْءِ فِي الطَّاعَةِ وَيَرْزُقَهُ الْإِنَابَةَ وَإِنَّ مِنَ الشَّقَاوَةِ أَنْ يَعْمَلَ الْمَرْءُ وَيُعْجَبُ بِعَمَلِهِ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ "أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ" هُوَ الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْمَعْنَى مَا قَالَ الْحَسَنُ: الْتَزِمُوا طَاعَتَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَعْصِيَتَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَحْسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، ثُمَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ الْمُعْجِزُ، وَقِيلَ: هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَاضٍ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ وَجَمِيعُ الْكُتُبِ مَنْسُوخَةٌ- وَقِيلَ: يَعْنِي الْعَفْوَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ، وَقِيلَ مَا عَلَّمَ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَقِيلَ: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الماضية. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ كَرَاهَةَ "أَنْ تَقُولَ" وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَقُولُ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَذَرَ "أَنْ تَقُولَ". وَقِيلَ: أَيْ مِنْ قَبْلِ "أن تقول نفس" لأنه قال قبل هَذَا: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ". الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ نُكِّرَتْ؟ قُلْتُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضُ الْأَنْفُسِ وَهِيَ نَفْسُ الْكَافِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ نَفْسًا مُتَمَيِّزَةً مِنَ الْأَنْفُسِ، إِمَّا بِلَجَاجٍ فِي الْكُفْرِ شَدِيدٍ، أَوْ بِعِقَابٍ عَظِيمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ التَّكْثِيرُ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:

وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا

وَهُوَ يُرِيدُ أَفْوَاجًا مِنَ الْكِرَامِ يَنْصُرُونَهُ لَا كَرِيمًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ رُبَّ بَلَدٍ قَطَعْتُ، وَرُبَّ بَطَلٍ قَارَعْتُ، وَلَا يُقْصَدُ إلا التكثير. "يا حَسْرَتى " وَالْأَصْلُ "يَا حَسْرَتى " فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ وَأَمْكَنُ فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِمَدِّ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْهَاءَ، أَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارٍ نَاجِيَهْ [[الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية]] ... إِذَا أَتَى قَرَّبْتُهُ لِلسَّانِيَهْ

وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِتَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرٍ: يَا حَسْرَتَايَ وَالْحَسْرَةُ النَّدَامَةُ.

(عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قَالَ الْحَسَنُ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أَيْ فِي ثَوَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنْبُ الْقُرْبُ وَالْجِوَارُ: يُقَالُ فُلَانُ يَعِيشُ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَيْ في جواره ومنه "وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" أي على مَا فَرَّطْتُ فِي طَلَبِ جِوَارِهِ وَقُرْبِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ اللَّهِ الَّذِي دَعَانِي إِلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّبَبَ وَالطَّرِيقَ إِلَى الشَّيْءِ جَنْبًا، تَقُولُ تَجَرَّعْتُ فِي جَنْبِكَ غُصَصًا، أَيْ لِأَجْلِكَ وَسَبَبِكَ وَلِأَجْلِ مَرْضَاتِكَ. وَقِيلَ: "فِي جَنْبِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَثَوَابِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَانِبَ جَنْبًا، قَالَ الشَّاعِرَ:

قُسِمَ مَجْهُودًا لِذَاكَ الْقَلْبُ ... النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ

يَعْنِي النَّاسَ مِنْ جَانِبٍ وَالْأَمِيرَ مِنْ جَانِبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْ تَرَكْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يُقَالُ مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فِي جَنْبِ حَاجَتِي، قَالَ كُثَيِّرٌ:

أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ

وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، أَيْ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا جَلَسَ رَجُلٌ مَجْلِسًا وَلَا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجع لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كان عليه ترة يوم القيامة" أي حَسْرَتى [[فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص أو التبعة.]]، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِنَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَالَهُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، قَدْ وَرِثَهُ وَعَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَلَى الْآخَرِ وِزْرُهُ، وَمِنَ الْحَسَرَاتِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ عَبْدَهُ الَّذِي خَوَّلَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبَ مَنْزِلَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يَعْرِفُهُ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا قَدْ أَبْصَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَمِيَ هُوَ، (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) أَيْ وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى سَخِرَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَحَلُّ "إِنْ كُنْتُ" النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَرَّطْتُ وَأَنَا سَاخِرٌ، أَيْ فَرَّطْتُ فِي حَالِ سُخْرِيَتِي، وَقِيلَ وَمَا كُنْتُ إِلَّا فِي سُخْرِيَةٍ وَلَعِبٍ وَبَاطِلٍ أَيْ مَا كَانَ سَعْيِي إِلَّا فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هَذِهِ النَّفْسُ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي) أَيْ أَرْشَدَنِي إِلَى دِينِهِ (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي الشرك والمعاسى، وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَاهْتَدَيْتُ قَوْلَ صِدْقٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ احْتِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَزَّ عَنْهُمْ فِي قَوْلُهُ: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا" فَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لَا حُكْمَ إلا لله، (أَوْ تَقُولَ) يعنى هَذِهِ النَّفْسَ (حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي رَجْعَةً، (فَأَكُونَ) نَصْبٌ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى "كَرَّةً" لِأَنَّ مَعْنَاهُ أن أكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ»

:

لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ ذِكْرَى وَخَشْيَةٍ ... وَتَسْأَلَ عَنْ رُكْبَانِهَا أَيْنَ يَمَّمُوا فنصب

و (تُسْئَلُ) على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك مِنْهَا إِلَّا أَنْ تَذْكُرَ، وَمِنْهُ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ، أَيْ لَأَنْ أَلْبَسَ عَبَاءَةً وَتَقَرَّ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ رَجُلٌ عَالِمٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَدَ رُقْعَةً، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجنة، فقال: ولاي شي أُتْعِبُ نَفْسِي فَتَرَكَ عَمَلَهُ وَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ عُمُرٌ طَوِيلٌ فَتَمَتَّعْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَتُوبُ، فَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْفُجُورِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي أَلَذِّ مَا كَانَ، فَقَالَ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ذَهَبَ عُمُرِي فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَنَدِمَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي القرآن، وقال قتادة: هؤلان أصناف، صنف منهم قال: "يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ". وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالَ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، وَقَالَ آخَرُ: "لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا لِكَلَامِهِمْ (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) قَالَ الزَّجَّاجُ: "بَلى " جَوَابُ النَّفْيِ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ لَفْظُ النَّفْيِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي" مَا هَدَانِي، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَالَ ما هديت، فقيل، بلى قَدْ بُيِّنَ لَكَ طَرِيقُ الْهُدَى فَكُنْتَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤْمِنَ أَمْكَنَكَ أَنْ تُؤْمِنَ. "آياتِي" أَيِ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: عَنَى بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ، أَيْ وَضَحَ الدَّلِيلُ فَأَنْكَرْتَهُ وَكَذَّبْتَهُ، (وَاسْتَكْبَرْتَ) أَيْ تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ). وَقَالَ: "اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" وَهُوَ خِطَابُ الذَّكَرِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. يُقَالُ،: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقُولُ الْعَرَبُ نَفْسٌ وَاحِدٌ أَيْ إنسان واحد. وروى الربيع ابن أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَرَأَ "قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ". وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "بَلَى قد جاءته آياتي" وهذا يدل على التذكر- والربيع ابن أَنَسٍ لَمْ يَلْحَقْ أُمَّ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: يَجِبُ إِذَا كُسِرَ التَّاءُ أَنْ تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لا يلزم، إلا تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ، "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: ثُمَّ قَالَ:" وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "وَلَمْ يَقُلْ مِنَ السَّوَاخِرِ وَلَا مِنَ السَّاخِرَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ" وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" مِنَ الْجَمْعِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ النَّاسِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ القوم الساخرين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْيَاءَ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ. النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاصي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَقُلْنَا: الْمَوْعِدُ أَضَاةُ [[الاضاة غدير.]] بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحبه. فأصبحت أنا وعياش ابن عُتْبَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَإِذَا بِهِ قَدْ فُتِنَ فَافْتُتِنَ، فَكُنَّا نَقُولُ بِالْمَدِينَةِ: هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ افْتُتِنُوا لِبَلَاءٍ لَحِقَهُمْ لَا نَرَى لَهُمْ تَوْبَةً، وَكَانُوا هُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَى هِشَامٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعَثُوا إِلَيْهِ: إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أَنَّ لَنَا تَوْبَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآية:" قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ "ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ" الْفُرْقَانِ" [[راجع ج ١٣ ص ٧٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَخَافُوا أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ لِذُنُوبٍ سَبَقَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطَاءٌ نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِسْلَامَهُ: وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْتُ، هَلْ يقبل الله منى توبة؟ فصمت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتْ: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ" [الفرقان: ٦٨ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَرَى شَرْطًا فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَدَعَا بِهِ فَتَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" فَقَالَ: نَعَمِ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا. فَأَسْلَمَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَلَا يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى التَّفْسِيرِ، أَيْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَهُوَ التَّائِبُ أَوْ مَنْ عَمِلَ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ التَّائِبَ مَا بَعْدَهُ "وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ" فَالتَّائِبُ مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه: ٨٢] فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي [سُبْحَانَ [[راجع ج: ١ ص ٣٢٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَهَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقد مضى في [الرعد [[راجع ج ٩ ص ٢٨٥ طبعه أولى أو ثانية.]]]. وقرى "وَلَا تَقْنِطُوا" بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي" الْحِجْرِ [[راجع ج ١٠ ص ٣٦ طبعه أولى أو ثانية.]] " بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ.

(وَأَسْلِمُوا لَهُ) أَيِ اخْضَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) فِي الدنيا (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِهِ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "من السَّعَادَةِ أَنْ يُطِيلَ اللَّهُ عُمُرَ الْمَرْءِ فِي الطَّاعَةِ وَيَرْزُقَهُ الْإِنَابَةَ وَإِنَّ مِنَ الشَّقَاوَةِ أَنْ يَعْمَلَ الْمَرْءُ وَيُعْجَبُ بِعَمَلِهِ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ "أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ" هُوَ الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْمَعْنَى مَا قَالَ الْحَسَنُ: الْتَزِمُوا طَاعَتَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَعْصِيَتَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَحْسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، ثُمَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ الْمُعْجِزُ، وَقِيلَ: هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَاضٍ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ وَجَمِيعُ الْكُتُبِ مَنْسُوخَةٌ- وَقِيلَ: يَعْنِي الْعَفْوَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ، وَقِيلَ مَا عَلَّمَ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَقِيلَ: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الماضية. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ كَرَاهَةَ "أَنْ تَقُولَ" وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَقُولُ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَذَرَ "أَنْ تَقُولَ". وَقِيلَ: أَيْ مِنْ قَبْلِ "أن تقول نفس" لأنه قال قبل هَذَا: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ". الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ نُكِّرَتْ؟ قُلْتُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضُ الْأَنْفُسِ وَهِيَ نَفْسُ الْكَافِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ نَفْسًا مُتَمَيِّزَةً مِنَ الْأَنْفُسِ، إِمَّا بِلَجَاجٍ فِي الْكُفْرِ شَدِيدٍ، أَوْ بِعِقَابٍ عَظِيمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ التَّكْثِيرُ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:

وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا

وَهُوَ يُرِيدُ أَفْوَاجًا مِنَ الْكِرَامِ يَنْصُرُونَهُ لَا كَرِيمًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ رُبَّ بَلَدٍ قَطَعْتُ، وَرُبَّ بَطَلٍ قَارَعْتُ، وَلَا يُقْصَدُ إلا التكثير. "يا حَسْرَتى " وَالْأَصْلُ "يَا حَسْرَتى " فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ وَأَمْكَنُ فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِمَدِّ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْهَاءَ، أَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارٍ نَاجِيَهْ [[الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية]] ... إِذَا أَتَى قَرَّبْتُهُ لِلسَّانِيَهْ

وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِتَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرٍ: يَا حَسْرَتَايَ وَالْحَسْرَةُ النَّدَامَةُ.

(عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قَالَ الْحَسَنُ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أَيْ فِي ثَوَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنْبُ الْقُرْبُ وَالْجِوَارُ: يُقَالُ فُلَانُ يَعِيشُ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَيْ في جواره ومنه "وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" أي على مَا فَرَّطْتُ فِي طَلَبِ جِوَارِهِ وَقُرْبِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ اللَّهِ الَّذِي دَعَانِي إِلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّبَبَ وَالطَّرِيقَ إِلَى الشَّيْءِ جَنْبًا، تَقُولُ تَجَرَّعْتُ فِي جَنْبِكَ غُصَصًا، أَيْ لِأَجْلِكَ وَسَبَبِكَ وَلِأَجْلِ مَرْضَاتِكَ. وَقِيلَ: "فِي جَنْبِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَثَوَابِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَانِبَ جَنْبًا، قَالَ الشَّاعِرَ:

قُسِمَ مَجْهُودًا لِذَاكَ الْقَلْبُ ... النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ

يَعْنِي النَّاسَ مِنْ جَانِبٍ وَالْأَمِيرَ مِنْ جَانِبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْ تَرَكْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يُقَالُ مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فِي جَنْبِ حَاجَتِي، قَالَ كُثَيِّرٌ:

أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ

وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، أَيْ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا جَلَسَ رَجُلٌ مَجْلِسًا وَلَا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجع لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كان عليه ترة يوم القيامة" أي حَسْرَتى [[فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص أو التبعة.]]، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِنَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَالَهُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، قَدْ وَرِثَهُ وَعَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَلَى الْآخَرِ وِزْرُهُ، وَمِنَ الْحَسَرَاتِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ عَبْدَهُ الَّذِي خَوَّلَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبَ مَنْزِلَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يَعْرِفُهُ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا قَدْ أَبْصَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَمِيَ هُوَ، (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) أَيْ وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى سَخِرَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَحَلُّ "إِنْ كُنْتُ" النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَرَّطْتُ وَأَنَا سَاخِرٌ، أَيْ فَرَّطْتُ فِي حَالِ سُخْرِيَتِي، وَقِيلَ وَمَا كُنْتُ إِلَّا فِي سُخْرِيَةٍ وَلَعِبٍ وَبَاطِلٍ أَيْ مَا كَانَ سَعْيِي إِلَّا فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هَذِهِ النَّفْسُ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي) أَيْ أَرْشَدَنِي إِلَى دِينِهِ (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي الشرك والمعاسى، وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَاهْتَدَيْتُ قَوْلَ صِدْقٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ احْتِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَزَّ عَنْهُمْ فِي قَوْلُهُ: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا" فَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لَا حُكْمَ إلا لله، (أَوْ تَقُولَ) يعنى هَذِهِ النَّفْسَ (حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي رَجْعَةً، (فَأَكُونَ) نَصْبٌ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى "كَرَّةً" لِأَنَّ مَعْنَاهُ أن أكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ»

:

لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ ذِكْرَى وَخَشْيَةٍ ... وَتَسْأَلَ عَنْ رُكْبَانِهَا أَيْنَ يَمَّمُوا فنصب

و (تُسْئَلُ) على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك مِنْهَا إِلَّا أَنْ تَذْكُرَ، وَمِنْهُ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ، أَيْ لَأَنْ أَلْبَسَ عَبَاءَةً وَتَقَرَّ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ رَجُلٌ عَالِمٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَدَ رُقْعَةً، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجنة، فقال: ولاي شي أُتْعِبُ نَفْسِي فَتَرَكَ عَمَلَهُ وَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ عُمُرٌ طَوِيلٌ فَتَمَتَّعْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَتُوبُ، فَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْفُجُورِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي أَلَذِّ مَا كَانَ، فَقَالَ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ذَهَبَ عُمُرِي فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَنَدِمَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي القرآن، وقال قتادة: هؤلان أصناف، صنف منهم قال: "يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ". وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالَ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، وَقَالَ آخَرُ: "لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا لِكَلَامِهِمْ (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) قَالَ الزَّجَّاجُ: "بَلى " جَوَابُ النَّفْيِ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ لَفْظُ النَّفْيِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي" مَا هَدَانِي، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَالَ ما هديت، فقيل، بلى قَدْ بُيِّنَ لَكَ طَرِيقُ الْهُدَى فَكُنْتَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤْمِنَ أَمْكَنَكَ أَنْ تُؤْمِنَ. "آياتِي" أَيِ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: عَنَى بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ، أَيْ وَضَحَ الدَّلِيلُ فَأَنْكَرْتَهُ وَكَذَّبْتَهُ، (وَاسْتَكْبَرْتَ) أَيْ تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ). وَقَالَ: "اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" وَهُوَ خِطَابُ الذَّكَرِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. يُقَالُ،: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقُولُ الْعَرَبُ نَفْسٌ وَاحِدٌ أَيْ إنسان واحد. وروى الربيع ابن أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَرَأَ "قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ". وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "بَلَى قد جاءته آياتي" وهذا يدل على التذكر- والربيع ابن أَنَسٍ لَمْ يَلْحَقْ أُمَّ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: يَجِبُ إِذَا كُسِرَ التَّاءُ أَنْ تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لا يلزم، إلا تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ، "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: ثُمَّ قَالَ:" وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "وَلَمْ يَقُلْ مِنَ السَّوَاخِرِ وَلَا مِنَ السَّاخِرَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ" وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" مِنَ الْجَمْعِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ النَّاسِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ القوم الساخرين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْيَاءَ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ. النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَجَلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعْنَا على الهجرة، اتعدت أنا وهشام بن العاصي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَقُلْنَا: الْمَوْعِدُ أَضَاةُ [[الاضاة غدير.]] بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: مَنْ تَأَخَّرَ مِنَّا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صاحبه. فأصبحت أنا وعياش ابن عُتْبَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَإِذَا بِهِ قَدْ فُتِنَ فَافْتُتِنَ، فَكُنَّا نَقُولُ بِالْمَدِينَةِ: هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ افْتُتِنُوا لِبَلَاءٍ لَحِقَهُمْ لَا نَرَى لَهُمْ تَوْبَةً، وَكَانُوا هُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَى هِشَامٍ. قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعَثُوا إِلَيْهِ: إن ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أَنَّ لَنَا تَوْبَةً؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآية:" قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ "ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ" الْفُرْقَانِ" [[راجع ج ١٣ ص ٧٦ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ وَقَدْ عَبَدْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَخَافُوا أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ لِذُنُوبٍ سَبَقَتْ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَطَاءٌ نَزَلَتْ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِسْلَامَهُ: وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى وَحْشِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأَجِرْنِي حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ عَلَى غَيْرِ جِوَارٍ فَأَمَّا إِذْ أَتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأَنْتَ فِي جِوَارِي حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" قَالَ: فَإِنِّي أَشْرَكْتُ بِاللَّهِ وَقَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْتُ، هَلْ يقبل الله منى توبة؟ فصمت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتْ: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ" [الفرقان: ٦٨ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَتَلَاهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَرَى شَرْطًا فَلَعَلِّي لَا أَعْمَلُ صَالِحًا، أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَدَعَا بِهِ فَتَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَعَلِّي مِمَّنْ لَا يَشَاءُ أَنَا فِي جِوَارِكَ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ: "يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" فَقَالَ: نَعَمِ الْآنَ لَا أَرَى شَرْطًا. فَأَسْلَمَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَلَا يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى التَّفْسِيرِ، أَيْ يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَهُوَ التَّائِبُ أَوْ مَنْ عَمِلَ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَبِيرَةٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ التَّائِبَ مَا بَعْدَهُ "وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ" فَالتَّائِبُ مَغْفُورٌ لَهُ ذُنُوبُهُ جَمِيعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ﴾ [طه: ٨٢] فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: "قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي [سُبْحَانَ [[راجع ج: ١ ص ٣٢٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]]]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَهَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ أرجى آية في القرآن قول تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقد مضى في [الرعد [[راجع ج ٩ ص ٢٨٥ طبعه أولى أو ثانية.]]]. وقرى "وَلَا تَقْنِطُوا" بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا. وَقَدْ مَضَى فِي" الْحِجْرِ [[راجع ج ١٠ ص ٣٦ طبعه أولى أو ثانية.]] " بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أَيِ ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْإِخْلَاصِ.

(وَأَسْلِمُوا لَهُ) أَيِ اخْضَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) فِي الدنيا (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِهِ، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "من السَّعَادَةِ أَنْ يُطِيلَ اللَّهُ عُمُرَ الْمَرْءِ فِي الطَّاعَةِ وَيَرْزُقَهُ الْإِنَابَةَ وَإِنَّ مِنَ الشَّقَاوَةِ أَنْ يَعْمَلَ الْمَرْءُ وَيُعْجَبُ بِعَمَلِهِ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ "أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ" هُوَ الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْمَعْنَى مَا قَالَ الْحَسَنُ: الْتَزِمُوا طَاعَتَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَعْصِيَتَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَحْسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يعنى المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه، وقال: أنزل الله كتبا التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، ثُمَّ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ الْمُعْجِزُ، وَقِيلَ: هَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ قَاضٍ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ وَجَمِيعُ الْكُتُبِ مَنْسُوخَةٌ- وَقِيلَ: يَعْنِي الْعَفْوَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ، وَقِيلَ مَا عَلَّمَ اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَقِيلَ: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الماضية. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى) "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ كَرَاهَةَ "أَنْ تَقُولَ" وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِئَلَّا تَقُولُ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَذَرَ "أَنْ تَقُولَ". وَقِيلَ: أَيْ مِنْ قَبْلِ "أن تقول نفس" لأنه قال قبل هَذَا: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ". الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ نُكِّرَتْ؟ قُلْتُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضُ الْأَنْفُسِ وَهِيَ نَفْسُ الْكَافِرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ نَفْسًا مُتَمَيِّزَةً مِنَ الْأَنْفُسِ، إِمَّا بِلَجَاجٍ فِي الْكُفْرِ شَدِيدٍ، أَوْ بِعِقَابٍ عَظِيمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ التَّكْثِيرُ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:

وَرُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا

وَهُوَ يُرِيدُ أَفْوَاجًا مِنَ الْكِرَامِ يَنْصُرُونَهُ لَا كَرِيمًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ رُبَّ بَلَدٍ قَطَعْتُ، وَرُبَّ بَطَلٍ قَارَعْتُ، وَلَا يُقْصَدُ إلا التكثير. "يا حَسْرَتى " وَالْأَصْلُ "يَا حَسْرَتى " فَأُبْدِلَ مِنَ الْيَاءِ أَلِفٌ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ وَأَمْكَنُ فِي الِاسْتِغَاثَةِ بِمَدِّ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْهَاءَ، أَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

يَا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارٍ نَاجِيَهْ [[الناجية: السريعة. وفى تفسير الفراء ناهية بدل ناجية وكذا روى في اللسان وشرح القاموس في مادة سنا. والسانية هنا مصدر على فاعلة بمعنى الاستسقاء، أراد قربته للسناية]] ... إِذَا أَتَى قَرَّبْتُهُ لِلسَّانِيَهْ

وَرُبَّمَا أَلْحَقُوا بِهَا الْيَاءَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِتَدُلَّ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرٍ: يَا حَسْرَتَايَ وَالْحَسْرَةُ النَّدَامَةُ.

(عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قَالَ الْحَسَنُ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أَيْ فِي ثَوَابِ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنْبُ الْقُرْبُ وَالْجِوَارُ: يُقَالُ فُلَانُ يَعِيشُ فِي جَنْبِ فُلَانٍ أَيْ في جواره ومنه "وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" أي على مَا فَرَّطْتُ فِي طَلَبِ جِوَارِهِ وَقُرْبِهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ اللَّهِ الَّذِي دَعَانِي إِلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّبَبَ وَالطَّرِيقَ إِلَى الشَّيْءِ جَنْبًا، تَقُولُ تَجَرَّعْتُ فِي جَنْبِكَ غُصَصًا، أَيْ لِأَجْلِكَ وَسَبَبِكَ وَلِأَجْلِ مَرْضَاتِكَ. وَقِيلَ: "فِي جَنْبِ اللَّهِ" أَيْ فِي الْجَانِبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَثَوَابِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجَانِبَ جَنْبًا، قَالَ الشَّاعِرَ:

قُسِمَ مَجْهُودًا لِذَاكَ الْقَلْبُ ... النَّاسُ جَنْبٌ وَالْأَمِيرُ جَنْبُ

يَعْنِي النَّاسَ مِنْ جَانِبٍ وَالْأَمِيرَ مِنْ جَانِبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْ تَرَكْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يُقَالُ مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فِي جَنْبِ حَاجَتِي، قَالَ كُثَيِّرٌ:

أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ

وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، أَيْ ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا جَلَسَ رَجُلٌ مَجْلِسًا وَلَا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجع لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ إِلَّا كان عليه ترة يوم القيامة" أي حَسْرَتى [[فسرها ابن الأثير في النهاية بالنقص أو التبعة.]]، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مِنَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَالَهُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، قَدْ وَرِثَهُ وَعَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَعَلَى الْآخَرِ وِزْرُهُ، وَمِنَ الْحَسَرَاتِ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ عَبْدَهُ الَّذِي خَوَّلَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا أَقْرَبَ مَنْزِلَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يَعْرِفُهُ أَعْمَى فِي الدُّنْيَا قَدْ أَبْصَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَمِيَ هُوَ، (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) أَيْ وَمَا كُنْتُ إِلَّا مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بالقرآن وبالرسول في الدنيا، بأولياء الله، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طَاعَةَ اللَّهِ حَتَّى سَخِرَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَحَلُّ "إِنْ كُنْتُ" النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَرَّطْتُ وَأَنَا سَاخِرٌ، أَيْ فَرَّطْتُ فِي حَالِ سُخْرِيَتِي، وَقِيلَ وَمَا كُنْتُ إِلَّا فِي سُخْرِيَةٍ وَلَعِبٍ وَبَاطِلٍ أَيْ مَا كَانَ سَعْيِي إِلَّا فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هَذِهِ النَّفْسُ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي) أَيْ أَرْشَدَنِي إِلَى دِينِهِ (لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي الشرك والمعاسى، وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَاهْتَدَيْتُ قَوْلَ صِدْقٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ احْتِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَزَّ عَنْهُمْ فِي قَوْلُهُ: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا" فَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لَا حُكْمَ إلا لله، (أَوْ تَقُولَ) يعنى هَذِهِ النَّفْسَ (حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي رَجْعَةً، (فَأَكُونَ) نَصْبٌ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى "كَرَّةً" لِأَنَّ مَعْنَاهُ أن أكر، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ»

:

لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ:

فَمَا لَكَ مِنْهَا غَيْرُ ذِكْرَى وَخَشْيَةٍ ... وَتَسْأَلَ عَنْ رُكْبَانِهَا أَيْنَ يَمَّمُوا فنصب

و (تُسْئَلُ) على موضع الذكرى، لان معنى الكلام فمالك مِنْهَا إِلَّا أَنْ تَذْكُرَ، وَمِنْهُ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ، أَيْ لَأَنْ أَلْبَسَ عَبَاءَةً وَتَقَرَّ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ رَجُلٌ عَالِمٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَدَ رُقْعَةً، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجنة، فقال: ولاي شي أُتْعِبُ نَفْسِي فَتَرَكَ عَمَلَهُ وَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ عُمُرٌ طَوِيلٌ فَتَمَتَّعْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَتُوبُ، فَأَخَذَ فِي الْفُسُوقِ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْفُجُورِ، فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي أَلَذِّ مَا كَانَ، فَقَالَ: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ذَهَبَ عُمُرِي فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَنَدِمَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ خَبَرَهُ فِي القرآن، وقال قتادة: هؤلان أصناف، صنف منهم قال: "يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ". وَصِنْفٌ مِنْهُمْ قَالَ: "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، وَقَالَ آخَرُ: "لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا لِكَلَامِهِمْ (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي) قَالَ الزَّجَّاجُ: "بَلى " جَوَابُ النَّفْيِ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ لَفْظُ النَّفْيِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى "لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي" مَا هَدَانِي، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَالَ ما هديت، فقيل، بلى قَدْ بُيِّنَ لَكَ طَرِيقُ الْهُدَى فَكُنْتَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُؤْمِنَ أَمْكَنَكَ أَنْ تُؤْمِنَ. "آياتِي" أَيِ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: عَنَى بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ، أَيْ وَضَحَ الدَّلِيلُ فَأَنْكَرْتَهُ وَكَذَّبْتَهُ، (وَاسْتَكْبَرْتَ) أَيْ تَكَبَّرْتَ عَنِ الْإِيمَانِ (وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ). وَقَالَ: "اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" وَهُوَ خِطَابُ الذَّكَرِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. يُقَالُ،: ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: تَقُولُ الْعَرَبُ نَفْسٌ وَاحِدٌ أَيْ إنسان واحد. وروى الربيع ابن أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَرَأَ "قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ". وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "بَلَى قد جاءته آياتي" وهذا يدل على التذكر- والربيع ابن أَنَسٍ لَمْ يَلْحَقْ أُمَّ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَقَعُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: يَجِبُ إِذَا كُسِرَ التَّاءُ أَنْ تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لا يلزم، إلا تَقُولَ وَكُنْتِ مِنَ الْكَوَافِرِ أَوْ مِنَ الْكَافِرَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ، "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: ثُمَّ قَالَ:" وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ "وَلَمْ يَقُلْ مِنَ السَّوَاخِرِ وَلَا مِنَ السَّاخِرَاتِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ" وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ" مِنَ الْجَمْعِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ النَّاسِ السَّاخِرِينَ أَوْ مِنَ القوم الساخرين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي مما أحاط بِهِمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "تَرَى" غَيْرُ عَامِلٍ فِي قَوْلِهِ: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ: إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ إِنْ كَانَ "تَرَى" مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ كَانَ مِنْ رُؤْيَةِ القلب، (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى الكبر فقال عليه السلام: "سفه الحق وغمص النَّاسِ" أَيِ احْتِقَارُهُمْ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٩٦ طبعه ثانية أو ثالثة.]] وَغَيْرِهَا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالذَّرِّ يَلْحَقُهُمُ الصَّغَارُ حَتَّى يُؤْتَى بِهِمْ إِلَى سِجْنِ جَهَنَّمَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقرى "وَيُنْجِي" أَيْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي.

(بِمَفازَتِهِمْ) عَلَى التَّوْحِيدِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ "بِمَفَازَاتِهِمْ" وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ بِسَعَادَاتِهِمْ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "يَحْشُرُ اللَّهُ مَعَ كُلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ فَيَكُونُ عَمَلُ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَطْيَبِ رِيحٍ فَكُلَّمَا كَانَ رُعْبٌ أَوْ خَوْفٌ قَالَ لَهُ لَا تُرَعْ فَمَا أَنْتَ بِالْمُرَادِ بِهِ وَلَا أَنْتَ بِالْمَعْنِيِّ بِهِ فَإِذَا كَثُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ فَمَا أَحْسَنَكَ فَمَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَمَا تَعْرِفُنِي أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ حَمَلْتَنِي عَلَى ثِقَلِي فَوَاللَّهِ لَأَحْمِلَنَّكَ وَلَأَدْفَعَنَّ عَنْكَ فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ" وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ".

(اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أَيْ حَافِظٌ وَقَائِمٌ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاحِدُهَا مِقْلِيدٌ. وَقِيلَ: مِقْلَادٌ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إِقْلِيدٌ وَالْمَقَالِيدُ الْمَفَاتِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ السدى: خزائن السموات والأرض، وقال غيره: خزائن السموات الْمَطَرُ وَخَزَائِنُ الْأَرْضِ النَّبَاتُ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى أَقَالِيدُ وَعَلَيْهَا يَكُونُ وَاحِدَهَا إِقْلِيدٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْإِقْلِيدُ الْمِفْتَاحُ، وَالْمِقْلَدُ مِفْتَاحٌ كَالْمِنْجَلِ رُبَّمَا يُقَلَّدُ به الكلاء كَمَا يُقَلَّدُ الْقَتُّ إِذَا جُعِلَ حِبَالًا، أَيْ يقتل وَالْجَمْعُ الْمَقَالِيدُ، وَأَقْلَدَ الْبَحْرُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ أَيْ غَرَّقَهُمْ كَأَنَّهُ أَغْلَقَ عَلَيْهِمْ، وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيُّ عن ابن عمر أن عثمان بن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴾لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا حول ولا قوة إل بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَزَادَ مَنْ قَالَهَا إِذَا أَصْبَحَ أَوْ أَمْسَى عَشْرَ مَرَّاتٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ سِتَّ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا يُحْرَسُ مِنْ إِبْلِيسَ، وَالثَّانِيَةُ يَحْضُرُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَالثَّالِثَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا مِنَ الْأَجْرِ، وَالرَّابِعَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ، وَالْخَامِسَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ.، وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ، وَلَهُ أَيْضًا مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقُبِلَتْ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ. فَإِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ مَاتَ شَهِيدًا، وَرَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ الْمَقَالِيدِ فَقَالَ: "يَا عَلِيُّ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ الْمَقَالِيدُ هُوَ أَنْ تَقُولَ عَشْرًا إِذَا أَصْبَحْتَ وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَيْتَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ واستغفر الله ولا قولة إِلَّا بِاللَّهِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" مَنْ قَالَهَا عَشْرًا إِذَا أَصْبَحَ، وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَى أَعْطَاهُ اللَّهُ خِصَالًا سِتًّا أَوَّلُهَا يَحْرُسُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، وَالثَّانِيَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا فِي الْجَنَّةِ هُوَ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِهِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، وَالثَّالِثَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا الْأَبْرَارُ، وَالرَّابِعَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَالْخَامِسَةُ يَشْهَدُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ يَكْتُبُونَهَا لَهُ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَيَشْهَدُونَ لَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ، وَكَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقَبِلَ اللَّهُ حَجَّتَهُ وَعُمْرَتَهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ أَوْ شَهْرِهِ طُبِعَ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ وَقِيلَ: الْمَقَالِيدُ الطَّاعَةُ يُقَالُ أَلْقَى إِلَى فُلَانٍ بِالْمَقَالِيدِ أَيْ أَطَاعَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ لَهُ طَاعَةُ مَنْ فِي السموات وَالْأَرْضِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أَيْ بِالْقُرْآنِ وَالْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ.

(أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) تقدم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (وَذَلِكَ حِينَ دَعَوُا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَقَالُوا هُوَ دِينُ آبَائِكَ، وَ "غَيْرَ" نصب ب "أعبده" عَلَى تَقْدِيرِ أَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ فِيمَا تَأْمُرُونَنِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِ "تَأْمُرُونِّي" عَلَى حَذْفِ حرف الجز، التقدير: أتأمروني بغير الله أن أعبد، لِأَنَّ أَنْ مُقَدَّرَةٌ وَأَنْ وَالْفِعْلُ مَصْدَرٌ، وَهِيَ بدل من غير، التقدير: أتأمروني بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ "تَأْمُرُونِّي" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "تَأْمُرُونَنِي، بِنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ. الْبَاقُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ، وَقَرَأَ نَافِعٌ عَلَى حَذْفِ النُّونِ الثَّانِيَةِ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْمَحْذُوفَةُ الثَّانِيَةَ، لِأَنَّ التَّكْرِيرَ وَالتَّثْقِيلَ يَقَعُ بِهَا، وَأَيْضًا حَذْفُ الْأُولَى لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهَا دَلَالَةُ الرَّفْعِ، وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٩ طبعه أولى أو ثانية.]] بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَتُحاجُّونِّي". "أَعْبُدُ" أَيْ أَنْ أَعْبُدَ فَلَمَّا حَذَفَ "أَنْ" رَفَعَ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

أَلَّا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى [[البيت من معلقة طرفة وتمامه:

وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

.]]

وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الوجه قراءة من قرأ "أعبد" بالنصب.

Source. Tafseer Al Qurtubi, Qurtubi — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/23. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com