Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Az-Zumar
Tafseer Al Qurtubi · The Groups · 75 ayat · ayat 61–75 · Quran text →
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي مما أحاط بِهِمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "تَرَى" غَيْرُ عَامِلٍ فِي قَوْلِهِ: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ: إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ إِنْ كَانَ "تَرَى" مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ كَانَ مِنْ رُؤْيَةِ القلب، (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى الكبر فقال عليه السلام: "سفه الحق وغمص النَّاسِ" أَيِ احْتِقَارُهُمْ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٩٦ طبعه ثانية أو ثالثة.]] وَغَيْرِهَا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالذَّرِّ يَلْحَقُهُمُ الصَّغَارُ حَتَّى يُؤْتَى بِهِمْ إِلَى سِجْنِ جَهَنَّمَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقرى "وَيُنْجِي" أَيْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي.
(بِمَفازَتِهِمْ) عَلَى التَّوْحِيدِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ "بِمَفَازَاتِهِمْ" وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ بِسَعَادَاتِهِمْ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "يَحْشُرُ اللَّهُ مَعَ كُلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ فَيَكُونُ عَمَلُ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَطْيَبِ رِيحٍ فَكُلَّمَا كَانَ رُعْبٌ أَوْ خَوْفٌ قَالَ لَهُ لَا تُرَعْ فَمَا أَنْتَ بِالْمُرَادِ بِهِ وَلَا أَنْتَ بِالْمَعْنِيِّ بِهِ فَإِذَا كَثُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ فَمَا أَحْسَنَكَ فَمَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَمَا تَعْرِفُنِي أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ حَمَلْتَنِي عَلَى ثِقَلِي فَوَاللَّهِ لَأَحْمِلَنَّكَ وَلَأَدْفَعَنَّ عَنْكَ فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ" وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ".
(اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أَيْ حَافِظٌ وَقَائِمٌ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاحِدُهَا مِقْلِيدٌ. وَقِيلَ: مِقْلَادٌ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إِقْلِيدٌ وَالْمَقَالِيدُ الْمَفَاتِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ السدى: خزائن السموات والأرض، وقال غيره: خزائن السموات الْمَطَرُ وَخَزَائِنُ الْأَرْضِ النَّبَاتُ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى أَقَالِيدُ وَعَلَيْهَا يَكُونُ وَاحِدَهَا إِقْلِيدٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْإِقْلِيدُ الْمِفْتَاحُ، وَالْمِقْلَدُ مِفْتَاحٌ كَالْمِنْجَلِ رُبَّمَا يُقَلَّدُ به الكلاء كَمَا يُقَلَّدُ الْقَتُّ إِذَا جُعِلَ حِبَالًا، أَيْ يقتل وَالْجَمْعُ الْمَقَالِيدُ، وَأَقْلَدَ الْبَحْرُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ أَيْ غَرَّقَهُمْ كَأَنَّهُ أَغْلَقَ عَلَيْهِمْ، وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيُّ عن ابن عمر أن عثمان بن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴾لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا حول ولا قوة إل بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَزَادَ مَنْ قَالَهَا إِذَا أَصْبَحَ أَوْ أَمْسَى عَشْرَ مَرَّاتٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ سِتَّ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا يُحْرَسُ مِنْ إِبْلِيسَ، وَالثَّانِيَةُ يَحْضُرُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَالثَّالِثَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا مِنَ الْأَجْرِ، وَالرَّابِعَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ، وَالْخَامِسَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ.، وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ، وَلَهُ أَيْضًا مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقُبِلَتْ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ. فَإِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ مَاتَ شَهِيدًا، وَرَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ الْمَقَالِيدِ فَقَالَ: "يَا عَلِيُّ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ الْمَقَالِيدُ هُوَ أَنْ تَقُولَ عَشْرًا إِذَا أَصْبَحْتَ وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَيْتَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ واستغفر الله ولا قولة إِلَّا بِاللَّهِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" مَنْ قَالَهَا عَشْرًا إِذَا أَصْبَحَ، وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَى أَعْطَاهُ اللَّهُ خِصَالًا سِتًّا أَوَّلُهَا يَحْرُسُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، وَالثَّانِيَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا فِي الْجَنَّةِ هُوَ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِهِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، وَالثَّالِثَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا الْأَبْرَارُ، وَالرَّابِعَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَالْخَامِسَةُ يَشْهَدُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ يَكْتُبُونَهَا لَهُ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَيَشْهَدُونَ لَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ، وَكَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقَبِلَ اللَّهُ حَجَّتَهُ وَعُمْرَتَهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ أَوْ شَهْرِهِ طُبِعَ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ وَقِيلَ: الْمَقَالِيدُ الطَّاعَةُ يُقَالُ أَلْقَى إِلَى فُلَانٍ بِالْمَقَالِيدِ أَيْ أَطَاعَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ لَهُ طَاعَةُ مَنْ فِي السموات وَالْأَرْضِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أَيْ بِالْقُرْآنِ وَالْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ.
(أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) تقدم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (وَذَلِكَ حِينَ دَعَوُا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَقَالُوا هُوَ دِينُ آبَائِكَ، وَ "غَيْرَ" نصب ب "أعبده" عَلَى تَقْدِيرِ أَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ فِيمَا تَأْمُرُونَنِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِ "تَأْمُرُونِّي" عَلَى حَذْفِ حرف الجز، التقدير: أتأمروني بغير الله أن أعبد، لِأَنَّ أَنْ مُقَدَّرَةٌ وَأَنْ وَالْفِعْلُ مَصْدَرٌ، وَهِيَ بدل من غير، التقدير: أتأمروني بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ "تَأْمُرُونِّي" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "تَأْمُرُونَنِي، بِنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ. الْبَاقُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ، وَقَرَأَ نَافِعٌ عَلَى حَذْفِ النُّونِ الثَّانِيَةِ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْمَحْذُوفَةُ الثَّانِيَةَ، لِأَنَّ التَّكْرِيرَ وَالتَّثْقِيلَ يَقَعُ بِهَا، وَأَيْضًا حَذْفُ الْأُولَى لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهَا دَلَالَةُ الرَّفْعِ، وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٩ طبعه أولى أو ثانية.]] بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَتُحاجُّونِّي". "أَعْبُدُ" أَيْ أَنْ أَعْبُدَ فَلَمَّا حَذَفَ "أَنْ" رَفَعَ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَّا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى [[البيت من معلقة طرفة وتمامه:
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
.]]
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الوجه قراءة من قرأ "أعبد" بالنصب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي مما أحاط بِهِمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "تَرَى" غَيْرُ عَامِلٍ فِي قَوْلِهِ: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ: إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ إِنْ كَانَ "تَرَى" مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ كَانَ مِنْ رُؤْيَةِ القلب، (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى الكبر فقال عليه السلام: "سفه الحق وغمص النَّاسِ" أَيِ احْتِقَارُهُمْ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٩٦ طبعه ثانية أو ثالثة.]] وَغَيْرِهَا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالذَّرِّ يَلْحَقُهُمُ الصَّغَارُ حَتَّى يُؤْتَى بِهِمْ إِلَى سِجْنِ جَهَنَّمَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقرى "وَيُنْجِي" أَيْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي.
(بِمَفازَتِهِمْ) عَلَى التَّوْحِيدِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ "بِمَفَازَاتِهِمْ" وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ بِسَعَادَاتِهِمْ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "يَحْشُرُ اللَّهُ مَعَ كُلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ فَيَكُونُ عَمَلُ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَطْيَبِ رِيحٍ فَكُلَّمَا كَانَ رُعْبٌ أَوْ خَوْفٌ قَالَ لَهُ لَا تُرَعْ فَمَا أَنْتَ بِالْمُرَادِ بِهِ وَلَا أَنْتَ بِالْمَعْنِيِّ بِهِ فَإِذَا كَثُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ فَمَا أَحْسَنَكَ فَمَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَمَا تَعْرِفُنِي أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ حَمَلْتَنِي عَلَى ثِقَلِي فَوَاللَّهِ لَأَحْمِلَنَّكَ وَلَأَدْفَعَنَّ عَنْكَ فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ" وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ".
(اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أَيْ حَافِظٌ وَقَائِمٌ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاحِدُهَا مِقْلِيدٌ. وَقِيلَ: مِقْلَادٌ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إِقْلِيدٌ وَالْمَقَالِيدُ الْمَفَاتِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ السدى: خزائن السموات والأرض، وقال غيره: خزائن السموات الْمَطَرُ وَخَزَائِنُ الْأَرْضِ النَّبَاتُ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى أَقَالِيدُ وَعَلَيْهَا يَكُونُ وَاحِدَهَا إِقْلِيدٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْإِقْلِيدُ الْمِفْتَاحُ، وَالْمِقْلَدُ مِفْتَاحٌ كَالْمِنْجَلِ رُبَّمَا يُقَلَّدُ به الكلاء كَمَا يُقَلَّدُ الْقَتُّ إِذَا جُعِلَ حِبَالًا، أَيْ يقتل وَالْجَمْعُ الْمَقَالِيدُ، وَأَقْلَدَ الْبَحْرُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ أَيْ غَرَّقَهُمْ كَأَنَّهُ أَغْلَقَ عَلَيْهِمْ، وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيُّ عن ابن عمر أن عثمان بن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴾لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا حول ولا قوة إل بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَزَادَ مَنْ قَالَهَا إِذَا أَصْبَحَ أَوْ أَمْسَى عَشْرَ مَرَّاتٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ سِتَّ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا يُحْرَسُ مِنْ إِبْلِيسَ، وَالثَّانِيَةُ يَحْضُرُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَالثَّالِثَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا مِنَ الْأَجْرِ، وَالرَّابِعَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ، وَالْخَامِسَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ.، وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ، وَلَهُ أَيْضًا مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقُبِلَتْ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ. فَإِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ مَاتَ شَهِيدًا، وَرَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ الْمَقَالِيدِ فَقَالَ: "يَا عَلِيُّ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ الْمَقَالِيدُ هُوَ أَنْ تَقُولَ عَشْرًا إِذَا أَصْبَحْتَ وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَيْتَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ واستغفر الله ولا قولة إِلَّا بِاللَّهِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" مَنْ قَالَهَا عَشْرًا إِذَا أَصْبَحَ، وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَى أَعْطَاهُ اللَّهُ خِصَالًا سِتًّا أَوَّلُهَا يَحْرُسُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، وَالثَّانِيَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا فِي الْجَنَّةِ هُوَ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِهِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، وَالثَّالِثَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا الْأَبْرَارُ، وَالرَّابِعَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَالْخَامِسَةُ يَشْهَدُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ يَكْتُبُونَهَا لَهُ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَيَشْهَدُونَ لَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ، وَكَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقَبِلَ اللَّهُ حَجَّتَهُ وَعُمْرَتَهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ أَوْ شَهْرِهِ طُبِعَ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ وَقِيلَ: الْمَقَالِيدُ الطَّاعَةُ يُقَالُ أَلْقَى إِلَى فُلَانٍ بِالْمَقَالِيدِ أَيْ أَطَاعَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ لَهُ طَاعَةُ مَنْ فِي السموات وَالْأَرْضِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أَيْ بِالْقُرْآنِ وَالْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ.
(أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) تقدم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (وَذَلِكَ حِينَ دَعَوُا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَقَالُوا هُوَ دِينُ آبَائِكَ، وَ "غَيْرَ" نصب ب "أعبده" عَلَى تَقْدِيرِ أَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ فِيمَا تَأْمُرُونَنِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِ "تَأْمُرُونِّي" عَلَى حَذْفِ حرف الجز، التقدير: أتأمروني بغير الله أن أعبد، لِأَنَّ أَنْ مُقَدَّرَةٌ وَأَنْ وَالْفِعْلُ مَصْدَرٌ، وَهِيَ بدل من غير، التقدير: أتأمروني بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ "تَأْمُرُونِّي" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "تَأْمُرُونَنِي، بِنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ. الْبَاقُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ، وَقَرَأَ نَافِعٌ عَلَى حَذْفِ النُّونِ الثَّانِيَةِ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْمَحْذُوفَةُ الثَّانِيَةَ، لِأَنَّ التَّكْرِيرَ وَالتَّثْقِيلَ يَقَعُ بِهَا، وَأَيْضًا حَذْفُ الْأُولَى لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهَا دَلَالَةُ الرَّفْعِ، وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٩ طبعه أولى أو ثانية.]] بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَتُحاجُّونِّي". "أَعْبُدُ" أَيْ أَنْ أَعْبُدَ فَلَمَّا حَذَفَ "أَنْ" رَفَعَ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَّا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى [[البيت من معلقة طرفة وتمامه:
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
.]]
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الوجه قراءة من قرأ "أعبد" بالنصب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي مما أحاط بِهِمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "تَرَى" غَيْرُ عَامِلٍ فِي قَوْلِهِ: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ: إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ إِنْ كَانَ "تَرَى" مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ كَانَ مِنْ رُؤْيَةِ القلب، (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى الكبر فقال عليه السلام: "سفه الحق وغمص النَّاسِ" أَيِ احْتِقَارُهُمْ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٩٦ طبعه ثانية أو ثالثة.]] وَغَيْرِهَا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالذَّرِّ يَلْحَقُهُمُ الصَّغَارُ حَتَّى يُؤْتَى بِهِمْ إِلَى سِجْنِ جَهَنَّمَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقرى "وَيُنْجِي" أَيْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي.
(بِمَفازَتِهِمْ) عَلَى التَّوْحِيدِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ "بِمَفَازَاتِهِمْ" وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ بِسَعَادَاتِهِمْ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "يَحْشُرُ اللَّهُ مَعَ كُلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ فَيَكُونُ عَمَلُ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَطْيَبِ رِيحٍ فَكُلَّمَا كَانَ رُعْبٌ أَوْ خَوْفٌ قَالَ لَهُ لَا تُرَعْ فَمَا أَنْتَ بِالْمُرَادِ بِهِ وَلَا أَنْتَ بِالْمَعْنِيِّ بِهِ فَإِذَا كَثُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ فَمَا أَحْسَنَكَ فَمَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَمَا تَعْرِفُنِي أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ حَمَلْتَنِي عَلَى ثِقَلِي فَوَاللَّهِ لَأَحْمِلَنَّكَ وَلَأَدْفَعَنَّ عَنْكَ فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ" وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ".
(اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أَيْ حَافِظٌ وَقَائِمٌ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاحِدُهَا مِقْلِيدٌ. وَقِيلَ: مِقْلَادٌ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إِقْلِيدٌ وَالْمَقَالِيدُ الْمَفَاتِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ السدى: خزائن السموات والأرض، وقال غيره: خزائن السموات الْمَطَرُ وَخَزَائِنُ الْأَرْضِ النَّبَاتُ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى أَقَالِيدُ وَعَلَيْهَا يَكُونُ وَاحِدَهَا إِقْلِيدٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْإِقْلِيدُ الْمِفْتَاحُ، وَالْمِقْلَدُ مِفْتَاحٌ كَالْمِنْجَلِ رُبَّمَا يُقَلَّدُ به الكلاء كَمَا يُقَلَّدُ الْقَتُّ إِذَا جُعِلَ حِبَالًا، أَيْ يقتل وَالْجَمْعُ الْمَقَالِيدُ، وَأَقْلَدَ الْبَحْرُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ أَيْ غَرَّقَهُمْ كَأَنَّهُ أَغْلَقَ عَلَيْهِمْ، وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيُّ عن ابن عمر أن عثمان بن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴾لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا حول ولا قوة إل بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَزَادَ مَنْ قَالَهَا إِذَا أَصْبَحَ أَوْ أَمْسَى عَشْرَ مَرَّاتٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ سِتَّ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا يُحْرَسُ مِنْ إِبْلِيسَ، وَالثَّانِيَةُ يَحْضُرُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَالثَّالِثَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا مِنَ الْأَجْرِ، وَالرَّابِعَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ، وَالْخَامِسَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ.، وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ، وَلَهُ أَيْضًا مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقُبِلَتْ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ. فَإِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ مَاتَ شَهِيدًا، وَرَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ الْمَقَالِيدِ فَقَالَ: "يَا عَلِيُّ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ الْمَقَالِيدُ هُوَ أَنْ تَقُولَ عَشْرًا إِذَا أَصْبَحْتَ وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَيْتَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ واستغفر الله ولا قولة إِلَّا بِاللَّهِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" مَنْ قَالَهَا عَشْرًا إِذَا أَصْبَحَ، وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَى أَعْطَاهُ اللَّهُ خِصَالًا سِتًّا أَوَّلُهَا يَحْرُسُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، وَالثَّانِيَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا فِي الْجَنَّةِ هُوَ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِهِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، وَالثَّالِثَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا الْأَبْرَارُ، وَالرَّابِعَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَالْخَامِسَةُ يَشْهَدُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ يَكْتُبُونَهَا لَهُ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَيَشْهَدُونَ لَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ، وَكَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقَبِلَ اللَّهُ حَجَّتَهُ وَعُمْرَتَهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ أَوْ شَهْرِهِ طُبِعَ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ وَقِيلَ: الْمَقَالِيدُ الطَّاعَةُ يُقَالُ أَلْقَى إِلَى فُلَانٍ بِالْمَقَالِيدِ أَيْ أَطَاعَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ لَهُ طَاعَةُ مَنْ فِي السموات وَالْأَرْضِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أَيْ بِالْقُرْآنِ وَالْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ.
(أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) تقدم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (وَذَلِكَ حِينَ دَعَوُا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَقَالُوا هُوَ دِينُ آبَائِكَ، وَ "غَيْرَ" نصب ب "أعبده" عَلَى تَقْدِيرِ أَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ فِيمَا تَأْمُرُونَنِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِ "تَأْمُرُونِّي" عَلَى حَذْفِ حرف الجز، التقدير: أتأمروني بغير الله أن أعبد، لِأَنَّ أَنْ مُقَدَّرَةٌ وَأَنْ وَالْفِعْلُ مَصْدَرٌ، وَهِيَ بدل من غير، التقدير: أتأمروني بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ "تَأْمُرُونِّي" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "تَأْمُرُونَنِي، بِنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ. الْبَاقُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ، وَقَرَأَ نَافِعٌ عَلَى حَذْفِ النُّونِ الثَّانِيَةِ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْمَحْذُوفَةُ الثَّانِيَةَ، لِأَنَّ التَّكْرِيرَ وَالتَّثْقِيلَ يَقَعُ بِهَا، وَأَيْضًا حَذْفُ الْأُولَى لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهَا دَلَالَةُ الرَّفْعِ، وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٩ طبعه أولى أو ثانية.]] بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَتُحاجُّونِّي". "أَعْبُدُ" أَيْ أَنْ أَعْبُدَ فَلَمَّا حَذَفَ "أَنْ" رَفَعَ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَّا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى [[البيت من معلقة طرفة وتمامه:
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
.]]
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الوجه قراءة من قرأ "أعبد" بالنصب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي مما أحاط بِهِمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "تَرَى" غَيْرُ عَامِلٍ فِي قَوْلِهِ: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ: إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ إِنْ كَانَ "تَرَى" مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ كَانَ مِنْ رُؤْيَةِ القلب، (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى الكبر فقال عليه السلام: "سفه الحق وغمص النَّاسِ" أَيِ احْتِقَارُهُمْ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢٩٦ طبعه ثانية أو ثالثة.]] وَغَيْرِهَا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالذَّرِّ يَلْحَقُهُمُ الصَّغَارُ حَتَّى يُؤْتَى بِهِمْ إِلَى سِجْنِ جَهَنَّمَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقرى "وَيُنْجِي" أَيْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي.
(بِمَفازَتِهِمْ) عَلَى التَّوْحِيدِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ "بِمَفَازَاتِهِمْ" وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ بِسَعَادَاتِهِمْ. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "يَحْشُرُ اللَّهُ مَعَ كُلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ فَيَكُونُ عَمَلُ الْمُؤْمِنِ مَعَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَطْيَبِ رِيحٍ فَكُلَّمَا كَانَ رُعْبٌ أَوْ خَوْفٌ قَالَ لَهُ لَا تُرَعْ فَمَا أَنْتَ بِالْمُرَادِ بِهِ وَلَا أَنْتَ بِالْمَعْنِيِّ بِهِ فَإِذَا كَثُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ فَمَا أَحْسَنَكَ فَمَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَمَا تَعْرِفُنِي أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ حَمَلْتَنِي عَلَى ثِقَلِي فَوَاللَّهِ لَأَحْمِلَنَّكَ وَلَأَدْفَعَنَّ عَنْكَ فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ" وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ".
(اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أَيْ حَافِظٌ وَقَائِمٌ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاحِدُهَا مِقْلِيدٌ. وَقِيلَ: مِقْلَادٌ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إِقْلِيدٌ وَالْمَقَالِيدُ الْمَفَاتِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ السدى: خزائن السموات والأرض، وقال غيره: خزائن السموات الْمَطَرُ وَخَزَائِنُ الْأَرْضِ النَّبَاتُ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى أَقَالِيدُ وَعَلَيْهَا يَكُونُ وَاحِدَهَا إِقْلِيدٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْإِقْلِيدُ الْمِفْتَاحُ، وَالْمِقْلَدُ مِفْتَاحٌ كَالْمِنْجَلِ رُبَّمَا يُقَلَّدُ به الكلاء كَمَا يُقَلَّدُ الْقَتُّ إِذَا جُعِلَ حِبَالًا، أَيْ يقتل وَالْجَمْعُ الْمَقَالِيدُ، وَأَقْلَدَ الْبَحْرُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ أَيْ غَرَّقَهُمْ كَأَنَّهُ أَغْلَقَ عَلَيْهِمْ، وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيُّ عن ابن عمر أن عثمان بن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴾لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا حول ولا قوة إل بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَزَادَ مَنْ قَالَهَا إِذَا أَصْبَحَ أَوْ أَمْسَى عَشْرَ مَرَّاتٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ سِتَّ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا يُحْرَسُ مِنْ إِبْلِيسَ، وَالثَّانِيَةُ يَحْضُرُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَالثَّالِثَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا مِنَ الْأَجْرِ، وَالرَّابِعَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ، وَالْخَامِسَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ.، وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ، وَلَهُ أَيْضًا مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقُبِلَتْ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ. فَإِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ مَاتَ شَهِيدًا، وَرَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ الْمَقَالِيدِ فَقَالَ: "يَا عَلِيُّ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ الْمَقَالِيدُ هُوَ أَنْ تَقُولَ عَشْرًا إِذَا أَصْبَحْتَ وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَيْتَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ واستغفر الله ولا قولة إِلَّا بِاللَّهِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ وَالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ" مَنْ قَالَهَا عَشْرًا إِذَا أَصْبَحَ، وَعَشْرًا إِذَا أَمْسَى أَعْطَاهُ اللَّهُ خِصَالًا سِتًّا أَوَّلُهَا يَحْرُسُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنُودِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، وَالثَّانِيَةُ يُعْطَى قِنْطَارًا فِي الْجَنَّةِ هُوَ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِهِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، وَالثَّالِثَةُ تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا الْأَبْرَارُ، وَالرَّابِعَةُ يُزَوِّجُهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَالْخَامِسَةُ يَشْهَدُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ يَكْتُبُونَهَا لَهُ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَيَشْهَدُونَ لَهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّادِسَةُ يَكُونُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ، وَكَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فَقَبِلَ اللَّهُ حَجَّتَهُ وَعُمْرَتَهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ أَوْ شَهْرِهِ طُبِعَ بِطَابَعِ الشُّهَدَاءِ وَقِيلَ: الْمَقَالِيدُ الطَّاعَةُ يُقَالُ أَلْقَى إِلَى فُلَانٍ بِالْمَقَالِيدِ أَيْ أَطَاعَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ لَهُ طَاعَةُ مَنْ فِي السموات وَالْأَرْضِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أَيْ بِالْقُرْآنِ وَالْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ.
(أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) تقدم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (وَذَلِكَ حِينَ دَعَوُا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَقَالُوا هُوَ دِينُ آبَائِكَ، وَ "غَيْرَ" نصب ب "أعبده" عَلَى تَقْدِيرِ أَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ فِيمَا تَأْمُرُونَنِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِ "تَأْمُرُونِّي" عَلَى حَذْفِ حرف الجز، التقدير: أتأمروني بغير الله أن أعبد، لِأَنَّ أَنْ مُقَدَّرَةٌ وَأَنْ وَالْفِعْلُ مَصْدَرٌ، وَهِيَ بدل من غير، التقدير: أتأمروني بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ "تَأْمُرُونِّي" بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "تَأْمُرُونَنِي، بِنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ. الْبَاقُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ، وَقَرَأَ نَافِعٌ عَلَى حَذْفِ النُّونِ الثَّانِيَةِ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْمَحْذُوفَةُ الثَّانِيَةَ، لِأَنَّ التَّكْرِيرَ وَالتَّثْقِيلَ يَقَعُ بِهَا، وَأَيْضًا حَذْفُ الْأُولَى لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهَا دَلَالَةُ الرَّفْعِ، وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٢٩ طبعه أولى أو ثانية.]] بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "أَتُحاجُّونِّي". "أَعْبُدُ" أَيْ أَنْ أَعْبُدَ فَلَمَّا حَذَفَ "أَنْ" رَفَعَ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَّا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى [[البيت من معلقة طرفة وتمامه:
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
.]]
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الوجه قراءة من قرأ "أعبد" بالنصب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ قِيلَ: إِنَّ فِي الْكَلَامِ تقديما وتأخيرا، والقدير: لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ وَأُوحِيَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى بَابِهِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: أَيْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّوْحِيدُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ قَالَ: "لَئِنْ أَشْرَكْتَ" يَا مُحَمَّدُ (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وَهُوَ خطاب للنبي ﷺ خَاصَّةً، وَقِيلَ: الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، إِذْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُشْرِكُ وَلَا يَقَعُ مِنْهُ إِشْرَاكٌ، وإلا حباط الْإِبْطَالُ وَالْفَسَادُ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: فَمَنِ ارْتَدَّ لَمْ تَنْفَعْهُ طَاعَاتُهُ السَّابِقَةُ وَلَكِنَّ إِحْبَاطَ الرِّدَّةِ الْعَمَلَ مَشْرُوطٌ بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا قَالَ: "مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ" فالمطلق ها هنا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلِهَذَا قُلْنَا مَنْ حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ. قُلْتُ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ مَالِكٍ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٤٨ طبعه أولى أو ثانية.]] بَيَانُ هَذَا مُسْتَوْفًى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ النَّحَّاسُ: فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَفْظُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْصُوبٌ بِ أَعْبُدُ" قَالَ: وَلَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَقَالَ الْفَرَّاءُ يَكُونُ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَحَكَاهُ الْمَهْدَوِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ، فَأَمَّا الْفَاءُ فَقَالَ: الزَّجَّاجُ: إِنَّهَا لِلْمُجَازَاةِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ زَائِدَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاعْبُدْ: أَيْ فَوَحِّدْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ اللَّهَ: فَأَطِعْ (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لِنِعَمِهِ بخلاف المشركين
:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ قِيلَ: إِنَّ فِي الْكَلَامِ تقديما وتأخيرا، والقدير: لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ وَأُوحِيَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى بَابِهِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: أَيْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّوْحِيدُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ قَالَ: "لَئِنْ أَشْرَكْتَ" يَا مُحَمَّدُ (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وَهُوَ خطاب للنبي ﷺ خَاصَّةً، وَقِيلَ: الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، إِذْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُشْرِكُ وَلَا يَقَعُ مِنْهُ إِشْرَاكٌ، وإلا حباط الْإِبْطَالُ وَالْفَسَادُ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: فَمَنِ ارْتَدَّ لَمْ تَنْفَعْهُ طَاعَاتُهُ السَّابِقَةُ وَلَكِنَّ إِحْبَاطَ الرِّدَّةِ الْعَمَلَ مَشْرُوطٌ بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا قَالَ: "مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ" فالمطلق ها هنا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلِهَذَا قُلْنَا مَنْ حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ. قُلْتُ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ مَالِكٍ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٣ ص ٤٨ طبعه أولى أو ثانية.]] بَيَانُ هَذَا مُسْتَوْفًى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ النَّحَّاسُ: فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَفْظُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْصُوبٌ بِ أَعْبُدُ" قَالَ: وَلَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَقَالَ الْفَرَّاءُ يَكُونُ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَحَكَاهُ الْمَهْدَوِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ، فَأَمَّا الْفَاءُ فَقَالَ: الزَّجَّاجُ: إِنَّهَا لِلْمُجَازَاةِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ زَائِدَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاعْبُدْ: أَيْ فَوَحِّدْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ اللَّهَ: فَأَطِعْ (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لِنِعَمِهِ بخلاف المشركين
:
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ مِنْ قَوْلِكَ فُلَانٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا وَمَا عظموه حق عظمته إذ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ وَهُوَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَمَالِكُهَا، ثم أخبر عن قدرته وعظمته فقال: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ). ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ ذلك بجارحة فَقَالَ: (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ). وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يا محمد إن الله يمسك السموات عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: "وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: "وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" قَالَتْ: قُلْتُ فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ" فِي رِوَايَةٍ "عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ" قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ: "وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ" وَيَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ "عِبَارَةٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِجَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، يُقَالُ مَا فُلَانٌ إِلَّا فِي قَبْضَتِي، بِمَعْنَى مَا فُلَانٌ إِلَّا فِي قُدْرَتِي، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ الْأَشْيَاءُ فِي قَبْضَتِهِ يُرِيدُونَ فِي مِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى الْقَبْضُ وَالطَّيُّ إِفْنَاءُ الشَّيْءِ وَإِذْهَابُهُ فَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ "يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا ذَاهِبَةٌ فَانِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ شَاهِدَانِ قَوْلُهُ:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً "وَلِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعَ تَفْخِيمٍ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلْمُبَالَغَةِ، وَقَوْلُهُ:" وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ "لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ طَيًّا بِعِلَاجٍ وَانْتِصَابٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْفَنَاءُ وَالذَّهَابُ، يُقَالُ: قَدِ انْطَوَى عَنَّا مَا كُنَّا فِيهِ وَجَاءَنَا غَيْرُهُ، وَانْطَوَى عَنَّا دَهْرٌ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ وَالذَّهَابِ، وَالْيَمِينُ في كلام العرب قد تون بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْمِلْكِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ﴾يُرِيدُ بن الْمِلْكَ، وَقَالَ:" لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ" أَيْ بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ أَيْ لَأَخَذْنَا قُوَّتَهُ وَقُدْرَتَهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ والمبرد: اليمين القوة والقدرة، وأنشداء:
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ باليمين [[قائله الحطيئة، وقيل هو للشماخ.]]
وَقَالَ آخَرُ: وَلَمَّا رَأَيْتُ
الشَّمْسَ أَشْرَقَ نُورُهَا ... تَنَاوَلْتُ مِنْهَا حَاجَتِي بِيَمِينِ
[[كذا في الأصول ولم نعثر على هذين البيتين فيما لدينا من المراجع.]] قَتَلْتُ شُنَيْفًا ثُمَّ فَارَانَ بَعْدَهُ ... وَكَانَ عَلَى الْآيَاتِ غَيْرَ أَمِينِ
وَإِنَّمَا خُصَّ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَتْ قدرته شاملة لكل شي أَيْضًا، لِأَنَّ الدَّعَاوَى تَنْقَطِعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، كَمَا قَالَ: "وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ" وَقَالَ: "مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ فِي "الْفَاتِحَةِ" [[راجع ج ١ ص ١٤٢ طبعه ثانية أو ثالثة.]] وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: "ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ" وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْبَابَ فِي "التَّذْكِرَةِ" بَيَانًا، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى ذِكْرِ الشِّمَالِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَوْلُهُ: "ثُمَّ يَطْوِي الْأَرْضَ بِشِمَالِهِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ بَيَّنَ مَا يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِ الْأَرْضِ وَطَيِّ السَّمَاءِ وَهُوَ النَّفْخُ فِي الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا هُمَا نَفْخَتَانِ، يَمُوتُ الْخَلْقُ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا وَيَحْيَوْنَ فِي الثَّانِيَةِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي "النَّمْلِ" [[راجع ج ١٣ ص ٢٣٩ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]] وَ "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ط ص ٢٠ طبعه أولى أو ثانية.]] أَيْضًا، وَالَّذِي يَنْفُخُ فِي الصُّوَرِ هُوَ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ جِبْرِيلُ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ صَاحِبَيِ الصُّوَرِ بِأَيْدِيهِمَا- أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا- قَرْنَانِ يُلَاحِظَانِ النَّظَرَ مَتَى يُؤْمَرَانِ" خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي السُّنَنِ، وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاحِبَ الصُّوَرِ، وَقَالَ: "عَنْ يَمِينِهِ جَبْرَائِيلُ وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِيلُ" وَاخْتُلِفَ فِي الْمُسْتَثْنَى مَنْ هُمْ؟ فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ مُتَقَلِّدِينَ أَسْيَافَهُمْ حَوْلَ الْعَرْشِ. رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا ذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَا ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، وَقِيلَ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ" فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى؟ قَالَ: هُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وإسرافيل وملك الموت فيقول الله لِمَلَكِ الْمَوْتِ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِي وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ بَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعَبْدُكَ الضَّعِيفُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى خُذْ نَفْسَ إِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ فَيَخِرَّانِ مَيِّتَيْنِ كَالطَّوْدَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ فَيَقُولُ مُتْ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ فَيَمُوتُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِجِبْرِيلَ يَا جِبْرِيلُ مَنْ بَقِيَ فَيَقُولُ تَبَارَكْتَ وتعاليت يا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَجْهُكَ الْبَاقِي الدَّائِمُ وَجِبْرِيلُ الْمَيِّتُ الْفَانِي فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا جِبْرِيلُ لأبد مِنْ مَوْتِكَ فَيَقَعُ سَاجِدًا يَخْفِقُ بِجَنَاحَيْهِ يَقُولُ سبحانك ربى تبارك وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام "فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:" إِنَّ فَضْلَ خَلْقِهِ عَلَى خَلْقِ مِيكَائِيلَ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ عَلَى الظَّرِبِ [[الظرب ككتف الجبل الصغير والجمع ظراب، وقد يجمع في القلة على أظرب.]] مِنَ الظِّرَابِ "ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ، وَذَكَرَهُ النَّحَّاسُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ:" فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ "قال: جبرئيل وَمِيكَائِيلُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَمَلَكُ الْمَوْتِ وَإِسْرَافِيلُ" وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: "إِنَّ آخِرَهُمْ مَوْتًا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ" وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الشُّهَدَاءِ أَصَحُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "النَّمْلِ" [[راجع ج ١٣ ص ٢٤١ طبعه أولى أو ثانية.]]، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ رِضْوَانُ وَالْحُورُ وَمَالِكٌ وَالزَّبَانِيَةُ. وَقِيلَ: عَقَارِبُ أَهْلِ النَّارِ وَحَيَّاتُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الله الواحد القهار وما يدع أحد مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا أَذَاقَهُ الْمَوْتَ. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه، وقيل: الاستثناء فِي قَوْلِهِ: "إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ" يَرْجِعُ إِلَى مَنْ مَاتَ قَبْلَ النَّفْخَةِ الْأُولَى، أَيْ فيموت من في السموات وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ سَبَقَ مَوْتُهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ مَاتُوا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَابْنِ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ من اليهود بسوق الْمَدِينَةِ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَدَهُ فَلَطَمَهُ، قَالَ: تَقُولُ هَذَا وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ "فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ وَمَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يونس بن متى كَذَبَ" وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَمَنْ حَمَلَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى مُوسَى وَالشُّهَدَاءِ فَهَؤُلَاءِ قَدْ مَاتُوا غَيْرَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الصعقة بزوال العقل دون زَوَالَ الْحَيَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِالْمَوْتِ، وَلَا يبعد أن تكون الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، وَالْأَمْرُ فِي وُقُوعِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى خَبَرٍ صِدْقٍ قُلْتُ: جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ:" لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ [[باطش بجانب العرش: أي متعلق به بقوة.]] فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ" خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وَنَحْوَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَالْإِفَاقَةُ إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ غَشْيَةٍ وَزَوَالِ عَقْلٍ لَا عَنْ مَوْتٍ بِرَدِّ الْحَيَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أَيْ فَإِذَا الْأَمْوَاتُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ أَحْيَاءٌ بُعِثُوا مِنْ قُبُورِهِمْ، وَأُعِيدَتْ إِلَيْهِمْ أَبْدَانُهُمْ وَأَرْوَاحُهُمْ، فَقَامُوا يَنْظُرُونَ مَاذَا يُؤْمَرُونَ وَقِيلَ: قِيَامٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ يَنْظُرُونَ إِلَى الْبَعْثِ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، وَقِيلَ: هَذَا النَّظَرُ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ، أَيْ يَنْتَظِرُونَ مَا يُفْعَلُ بِهِمْ، وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ قِيَامًا بِالنَّصْبِ، كَمَا تَقُولُ: خَرَجْتُ فإذا زيد جالسا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ مِنْ قَوْلِكَ فُلَانٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا وَمَا عظموه حق عظمته إذ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ وَهُوَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَمَالِكُهَا، ثم أخبر عن قدرته وعظمته فقال: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ). ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ ذلك بجارحة فَقَالَ: (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ). وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يا محمد إن الله يمسك السموات عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: "وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: "وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" قَالَتْ: قُلْتُ فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ" فِي رِوَايَةٍ "عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ" قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ: "وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ" وَيَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ "عِبَارَةٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِجَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، يُقَالُ مَا فُلَانٌ إِلَّا فِي قَبْضَتِي، بِمَعْنَى مَا فُلَانٌ إِلَّا فِي قُدْرَتِي، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ الْأَشْيَاءُ فِي قَبْضَتِهِ يُرِيدُونَ فِي مِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى الْقَبْضُ وَالطَّيُّ إِفْنَاءُ الشَّيْءِ وَإِذْهَابُهُ فَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ "يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا ذَاهِبَةٌ فَانِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ شَاهِدَانِ قَوْلُهُ:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً "وَلِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعَ تَفْخِيمٍ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلْمُبَالَغَةِ، وَقَوْلُهُ:" وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ "لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ طَيًّا بِعِلَاجٍ وَانْتِصَابٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْفَنَاءُ وَالذَّهَابُ، يُقَالُ: قَدِ انْطَوَى عَنَّا مَا كُنَّا فِيهِ وَجَاءَنَا غَيْرُهُ، وَانْطَوَى عَنَّا دَهْرٌ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ وَالذَّهَابِ، وَالْيَمِينُ في كلام العرب قد تون بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْمِلْكِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ﴾يُرِيدُ بن الْمِلْكَ، وَقَالَ:" لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ" أَيْ بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ أَيْ لَأَخَذْنَا قُوَّتَهُ وَقُدْرَتَهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ والمبرد: اليمين القوة والقدرة، وأنشداء:
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ باليمين [[قائله الحطيئة، وقيل هو للشماخ.]]
وَقَالَ آخَرُ: وَلَمَّا رَأَيْتُ
الشَّمْسَ أَشْرَقَ نُورُهَا ... تَنَاوَلْتُ مِنْهَا حَاجَتِي بِيَمِينِ
[[كذا في الأصول ولم نعثر على هذين البيتين فيما لدينا من المراجع.]] قَتَلْتُ شُنَيْفًا ثُمَّ فَارَانَ بَعْدَهُ ... وَكَانَ عَلَى الْآيَاتِ غَيْرَ أَمِينِ
وَإِنَّمَا خُصَّ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَتْ قدرته شاملة لكل شي أَيْضًا، لِأَنَّ الدَّعَاوَى تَنْقَطِعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، كَمَا قَالَ: "وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ" وَقَالَ: "مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ فِي "الْفَاتِحَةِ" [[راجع ج ١ ص ١٤٢ طبعه ثانية أو ثالثة.]] وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: "ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ" وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْبَابَ فِي "التَّذْكِرَةِ" بَيَانًا، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى ذِكْرِ الشِّمَالِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَوْلُهُ: "ثُمَّ يَطْوِي الْأَرْضَ بِشِمَالِهِ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ بَيَّنَ مَا يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِ الْأَرْضِ وَطَيِّ السَّمَاءِ وَهُوَ النَّفْخُ فِي الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا هُمَا نَفْخَتَانِ، يَمُوتُ الْخَلْقُ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا وَيَحْيَوْنَ فِي الثَّانِيَةِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي "النَّمْلِ" [[راجع ج ١٣ ص ٢٣٩ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.]] وَ "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ط ص ٢٠ طبعه أولى أو ثانية.]] أَيْضًا، وَالَّذِي يَنْفُخُ فِي الصُّوَرِ هُوَ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَكُونُ مَعَهُ جِبْرِيلُ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ صَاحِبَيِ الصُّوَرِ بِأَيْدِيهِمَا- أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا- قَرْنَانِ يُلَاحِظَانِ النَّظَرَ مَتَى يُؤْمَرَانِ" خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي السُّنَنِ، وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاحِبَ الصُّوَرِ، وَقَالَ: "عَنْ يَمِينِهِ جَبْرَائِيلُ وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِيلُ" وَاخْتُلِفَ فِي الْمُسْتَثْنَى مَنْ هُمْ؟ فَقِيلَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ مُتَقَلِّدِينَ أَسْيَافَهُمْ حَوْلَ الْعَرْشِ. رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا ذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَا ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ، وَقِيلَ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ" فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ هُمُ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى؟ قَالَ: هُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وإسرافيل وملك الموت فيقول الله لِمَلَكِ الْمَوْتِ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِي وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ بَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعَبْدُكَ الضَّعِيفُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى خُذْ نَفْسَ إِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ فَيَخِرَّانِ مَيِّتَيْنِ كَالطَّوْدَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ فَيَقُولُ مُتْ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ فَيَمُوتُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِجِبْرِيلَ يَا جِبْرِيلُ مَنْ بَقِيَ فَيَقُولُ تَبَارَكْتَ وتعاليت يا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَجْهُكَ الْبَاقِي الدَّائِمُ وَجِبْرِيلُ الْمَيِّتُ الْفَانِي فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا جِبْرِيلُ لأبد مِنْ مَوْتِكَ فَيَقَعُ سَاجِدًا يَخْفِقُ بِجَنَاحَيْهِ يَقُولُ سبحانك ربى تبارك وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام "فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:" إِنَّ فَضْلَ خَلْقِهِ عَلَى خَلْقِ مِيكَائِيلَ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ عَلَى الظَّرِبِ [[الظرب ككتف الجبل الصغير والجمع ظراب، وقد يجمع في القلة على أظرب.]] مِنَ الظِّرَابِ "ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ، وَذَكَرَهُ النَّحَّاسُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ:" فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ "قال: جبرئيل وَمِيكَائِيلُ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَمَلَكُ الْمَوْتِ وَإِسْرَافِيلُ" وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: "إِنَّ آخِرَهُمْ مَوْتًا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ" وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الشُّهَدَاءِ أَصَحُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي "النَّمْلِ" [[راجع ج ١٣ ص ٢٤١ طبعه أولى أو ثانية.]]، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ رِضْوَانُ وَالْحُورُ وَمَالِكٌ وَالزَّبَانِيَةُ. وَقِيلَ: عَقَارِبُ أَهْلِ النَّارِ وَحَيَّاتُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الله الواحد القهار وما يدع أحد مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا أَذَاقَهُ الْمَوْتَ. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه، وقيل: الاستثناء فِي قَوْلِهِ: "إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ" يَرْجِعُ إِلَى مَنْ مَاتَ قَبْلَ النَّفْخَةِ الْأُولَى، أَيْ فيموت من في السموات وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ سَبَقَ مَوْتُهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ مَاتُوا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَابْنِ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ من اليهود بسوق الْمَدِينَةِ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَدَهُ فَلَطَمَهُ، قَالَ: تَقُولُ هَذَا وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ "فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ وَمَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يونس بن متى كَذَبَ" وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَمَنْ حَمَلَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى مُوسَى وَالشُّهَدَاءِ فَهَؤُلَاءِ قَدْ مَاتُوا غَيْرَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الصعقة بزوال العقل دون زَوَالَ الْحَيَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِالْمَوْتِ، وَلَا يبعد أن تكون الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُجَوِّزُهُ الْعَقْلُ، وَالْأَمْرُ فِي وُقُوعِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى خَبَرٍ صِدْقٍ قُلْتُ: جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ:" لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ [[باطش بجانب العرش: أي متعلق به بقوة.]] فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ" خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وَنَحْوَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَالْإِفَاقَةُ إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ غَشْيَةٍ وَزَوَالِ عَقْلٍ لَا عَنْ مَوْتٍ بِرَدِّ الْحَيَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أَيْ فَإِذَا الْأَمْوَاتُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ أَحْيَاءٌ بُعِثُوا مِنْ قُبُورِهِمْ، وَأُعِيدَتْ إِلَيْهِمْ أَبْدَانُهُمْ وَأَرْوَاحُهُمْ، فَقَامُوا يَنْظُرُونَ مَاذَا يُؤْمَرُونَ وَقِيلَ: قِيَامٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ يَنْظُرُونَ إِلَى الْبَعْثِ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، وَقِيلَ: هَذَا النَّظَرُ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ، أَيْ يَنْتَظِرُونَ مَا يُفْعَلُ بِهِمْ، وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ قِيَامًا بِالنَّصْبِ، كَمَا تَقُولُ: خَرَجْتُ فإذا زيد جالسا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ إِشْرَاقُهَا إِضَاءَتُهَا، يُقَالُ: أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ إِذَا أَضَاءَتْ وَشَرَقَتْ إِذَا طَلَعَتْ. وَمَعْنَى "بِنُورِ رَبِّها" بِعَدْلِ رَبِّهَا، قَالَهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِحُكْمِ رَبِّهَا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ: أَيْ أَنَارَتْ وَأَضَاءَتْ بِعَدْلِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ بِالْحَقِّ بَيْنَ عِبَادِهِ. وَالظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ وَالْعَدْلُ نُورٌ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلْبِسُهُ وَجْهَ الْأَرْضِ فَتُشْرِقُ الْأَرْضُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النُّورُ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا لَيْسَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، بَلْ هُوَ نُورٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فَيُضِيءُ بِهِ الْأَرْضَ، وَرُوِيَ أَنَّ الْأَرْضَ يَوْمَئِذٍ مِنْ فِضَّةٍ تُشْرِقُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ يَأْتِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَشْرَقَتْ بِنُورٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَضَافَ النُّورَ إِلَيْهِ عَلَى حَدِّ إِضَافَةِ الْمِلْكِ إِلَى الْمَالِكِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ، لِأَنَّهُ نَهَارٌ لَا لَيْلَ مَعَهُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ" عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهِيَ قِرَاءَةٌ على التفسير، وقد ضل قوم هاهنا فتوهما أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ جِنْسِ النُّورِ وَالضِّيَاءِ الْمَحْسُوسِ، وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ (مُشَابَهَةِ) [[في الأصول: مباينة المحسوسات وهو تحريف.]] الْمَحْسُوسَاتِ، بل هو منور السموات وَالْأَرْضِ، فَمِنْهُ كُلُّ نُورٍ خَلْقًا وَإِنْشَاءً. وَقَالَ أبو جعفر النحاس: وقوله عز وجل: وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها" يُبَيِّنُ هَذَا الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ صِحَاحٍ "تَنْظُرُونَ إِلَى الله عز وجل لا تضامون في رؤيت" وَهُوَ يُرْوَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: لَا تُضَامُونَ وَلَا تُضَارُونَ وَلَا تُضَامُّونَ وَلَا تُضَارُّونَ، فَمَعْنَى "لَا تُضَامُونَ" لَا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ كَمَا يَلْحَقُكُمْ فِي الدُّنْيَا فِي النَّظَرِ إِلَى الْمُلُوكِ. وَ "لَا تُضَارُونَ" لَا يَلْحَقُكُمْ ضَيْرٌ. وَ "لَا تُضَامُّونَ" لَا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ لِيَسْأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ. وَ (لَا تُضَارُّونَ) لَا يُخَالِفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. يُقَالُ: ضَارَّهُ مُضَارَّةً وَضِرَارًا أَيْ خالفه. "قوله تعالى:" وَوُضِعَ الْكِتابُ "قال لابن عَبَّاسٍ: يُرِيدُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُرِيدُ الْكِتَابَ وَالصُّحُفَ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله." وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ "أي جئ بِهِمْ فَسَأَلَهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ." وَالشُّهَداءِ "الذين شهدوا على الأمم من أمة مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ" [البقرة: ١٤٣ وقيل: المراد بالشهداء الذي اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَشْهَدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ ذَبَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْحَفَظَةُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] فَالسَّائِقُ يَسُوقُهَا إِلَى الْحِسَابِ وَالشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْإِنْسَانِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي [ق [[آية ٢١ من السورة المذكورة.]]]. "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ" أَيْ بِالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ. "وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ. "وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عملت" من خير أو شر. "وهم أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ" فِي الدُّنْيَا وَلَا حَاجَةَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى كِتَابٍ وَلَا إِلَى شاهد، ومع ذلك فتشهد الكتب، إلزاما للحجة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ إِشْرَاقُهَا إِضَاءَتُهَا، يُقَالُ: أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ إِذَا أَضَاءَتْ وَشَرَقَتْ إِذَا طَلَعَتْ. وَمَعْنَى "بِنُورِ رَبِّها" بِعَدْلِ رَبِّهَا، قَالَهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِحُكْمِ رَبِّهَا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ: أَيْ أَنَارَتْ وَأَضَاءَتْ بِعَدْلِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ بِالْحَقِّ بَيْنَ عِبَادِهِ. وَالظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ وَالْعَدْلُ نُورٌ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلْبِسُهُ وَجْهَ الْأَرْضِ فَتُشْرِقُ الْأَرْضُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النُّورُ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا لَيْسَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، بَلْ هُوَ نُورٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فَيُضِيءُ بِهِ الْأَرْضَ، وَرُوِيَ أَنَّ الْأَرْضَ يَوْمَئِذٍ مِنْ فِضَّةٍ تُشْرِقُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ يَأْتِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَشْرَقَتْ بِنُورٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَضَافَ النُّورَ إِلَيْهِ عَلَى حَدِّ إِضَافَةِ الْمِلْكِ إِلَى الْمَالِكِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ، لِأَنَّهُ نَهَارٌ لَا لَيْلَ مَعَهُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ" عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهِيَ قِرَاءَةٌ على التفسير، وقد ضل قوم هاهنا فتوهما أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ جِنْسِ النُّورِ وَالضِّيَاءِ الْمَحْسُوسِ، وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ (مُشَابَهَةِ) [[في الأصول: مباينة المحسوسات وهو تحريف.]] الْمَحْسُوسَاتِ، بل هو منور السموات وَالْأَرْضِ، فَمِنْهُ كُلُّ نُورٍ خَلْقًا وَإِنْشَاءً. وَقَالَ أبو جعفر النحاس: وقوله عز وجل: وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها" يُبَيِّنُ هَذَا الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ صِحَاحٍ "تَنْظُرُونَ إِلَى الله عز وجل لا تضامون في رؤيت" وَهُوَ يُرْوَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: لَا تُضَامُونَ وَلَا تُضَارُونَ وَلَا تُضَامُّونَ وَلَا تُضَارُّونَ، فَمَعْنَى "لَا تُضَامُونَ" لَا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ كَمَا يَلْحَقُكُمْ فِي الدُّنْيَا فِي النَّظَرِ إِلَى الْمُلُوكِ. وَ "لَا تُضَارُونَ" لَا يَلْحَقُكُمْ ضَيْرٌ. وَ "لَا تُضَامُّونَ" لَا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ لِيَسْأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ. وَ (لَا تُضَارُّونَ) لَا يُخَالِفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. يُقَالُ: ضَارَّهُ مُضَارَّةً وَضِرَارًا أَيْ خالفه. "قوله تعالى:" وَوُضِعَ الْكِتابُ "قال لابن عَبَّاسٍ: يُرِيدُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُرِيدُ الْكِتَابَ وَالصُّحُفَ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله." وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ "أي جئ بِهِمْ فَسَأَلَهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ." وَالشُّهَداءِ "الذين شهدوا على الأمم من أمة مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ" [البقرة: ١٤٣ وقيل: المراد بالشهداء الذي اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَشْهَدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ ذَبَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْحَفَظَةُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] فَالسَّائِقُ يَسُوقُهَا إِلَى الْحِسَابِ وَالشَّهِيدُ يَشْهَدُ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْإِنْسَانِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي [ق [[آية ٢١ من السورة المذكورة.]]]. "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ" أَيْ بِالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ. "وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ. "وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عملت" من خير أو شر. "وهم أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ" فِي الدُّنْيَا وَلَا حَاجَةَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى كِتَابٍ وَلَا إِلَى شاهد، ومع ذلك فتشهد الكتب، إلزاما للحجة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ هَذَا بَيَانُ تَوْفِيَةِ كُلِّ نَفْسٍ عَمَلَهَا، فَيُسَاقُ الْكَافِرُ إِلَى النَّارِ وَالْمُؤْمِنُ إِلَى الْجَنَّةِ. وَالزُّمَرُ: الْجَمَاعَاتُ وَاحِدَتُهَا زُمْرَةٌ كَظُلْمَةٍ وَغُرْفَةٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: "زُمَراً" جَمَاعَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَتَرَى النَّاسَ إِلَى مَنْزِلِهِ ... وزمرا تنتابه بعد زمر
وقال آخر:
حتى أحزأت ... وزمر بعد زمر وَقِيلَ: دَفْعًا وَزَجْرًا بِصَوْتٍ كَصَوْتِ الْمِزْمَارِ. "حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها" جَوَابُ إِذَا، وَهِيَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْحِجْرِ" [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. "وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها" وَاحِدُهُمْ خَازِنٌ نَحْوَ سَدَنَةٌ وَسَادِنٌ، "يَقُولُونَ لَهُمْ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا." أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ "يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ" أَيِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ. "وَيُنْذِرُونَكُمْ" أَيْ يُخَوِّفُونَكُمْ "لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قالُوا بَلى " أَيْ قَدْ جَاءَتْنَا، وَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ "وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ" وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. "قيل ادخلوا أبواب جهنم" أَيْ يُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوا جَهَنَّمَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي أَبْوَابِهَا. قَالَ وَهْبٌ: تَسْتَقْبِلُهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِمَقَامِعَ مِنْ نَارٍ فَيَدْفَعُونَهُمْ بِمَقَامِعِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيَقَعُ فِي الدَّفْعَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى النَّارِ بِعَدَدِ رَبِيعَةَ ومضر. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تقدم بيانه [[راجع ج ١٠ ص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ هَذَا بَيَانُ تَوْفِيَةِ كُلِّ نَفْسٍ عَمَلَهَا، فَيُسَاقُ الْكَافِرُ إِلَى النَّارِ وَالْمُؤْمِنُ إِلَى الْجَنَّةِ. وَالزُّمَرُ: الْجَمَاعَاتُ وَاحِدَتُهَا زُمْرَةٌ كَظُلْمَةٍ وَغُرْفَةٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: "زُمَراً" جَمَاعَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَتَرَى النَّاسَ إِلَى مَنْزِلِهِ ... وزمرا تنتابه بعد زمر
وقال آخر:
حتى أحزأت ... وزمر بعد زمر وَقِيلَ: دَفْعًا وَزَجْرًا بِصَوْتٍ كَصَوْتِ الْمِزْمَارِ. "حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها" جَوَابُ إِذَا، وَهِيَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْحِجْرِ" [[راجع ج ١٠ ص ٣٠ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]]. "وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها" وَاحِدُهُمْ خَازِنٌ نَحْوَ سَدَنَةٌ وَسَادِنٌ، "يَقُولُونَ لَهُمْ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا." أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ "يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ" أَيِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ. "وَيُنْذِرُونَكُمْ" أَيْ يُخَوِّفُونَكُمْ "لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قالُوا بَلى " أَيْ قَدْ جَاءَتْنَا، وَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ "وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ" وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. "قيل ادخلوا أبواب جهنم" أَيْ يُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوا جَهَنَّمَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي أَبْوَابِهَا. قَالَ وَهْبٌ: تَسْتَقْبِلُهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِمَقَامِعَ مِنْ نَارٍ فَيَدْفَعُونَهُمْ بِمَقَامِعِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيَقَعُ فِي الدَّفْعَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى النَّارِ بِعَدَدِ رَبِيعَةَ ومضر. "فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ" تقدم بيانه [[راجع ج ١٠ ص ١٠٠ طبعه أولى أو ثانيه.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ يَعْنِي مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ. وَقَالَ فِي حَقِّ الْفَرِيقَيْنِ "وَسِيقَ" بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَسَوْقُ أَهْلِ النَّارِ طَرْدُهُمْ إِلَيْهَا بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين عَلَى السُّلْطَانِ إِذَا سِيقُوا إِلَى حَبْسٍ أَوْ قَتْلٍ، وَسَوْقُ أَهْلِ الْجِنَانِ سَوْقُ مَرَاكِبِهِمْ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالرِّضْوَانِ، لِأَنَّهُ لَا يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَّا رَاكِبِينَ كَمَا يُفْعَلُ بِمَنْ يُشَرَّفُ وَيُكَرَّمُ مِنَ الْوَافِدِينَ عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ، فَشَتَّانَ مَا بين السوقين. "حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" قِيلَ: الْوَاوُ هُنَا لِلْعَطْفِ عَطْفٍ عَلَى جُمْلَةٍ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَيْ سُعِدُوا وَفُتِحَتْ، وَحَذْفُ الْجَوَابِ بَلِيغٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَنْشَدَ [[البين لامرى القيس. "وتموت جميعه" بمعنى أنه مريض فنفسه لا تخرج بمرة ولكنها تموت شيئا بعد شي وهو معنى تساط أنفسا.]]:
فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ... - وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا
فَحَذَفَ جَوَابَ لَوْ وَالتَّقْدِيرُ لَكَانَ أَرْوَحَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "حَتَّى إِذا جاؤُها" دَخَلُوهَا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ. قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ زِيَادَةَ الْوَاوِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَبْوَابَ فُتِحَتْ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا لِكَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّقْدِيرُ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَأَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وَحَذْفُ الْوَاوِ فِي قِصَّةِ أَهْلِ النَّارِ، لِأَنَّهُمْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ وَفُتِحَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ إِذْلَالًا وَتَرْوِيعًا لَهُمْ. ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ وَحَكَى مَعْنَاهُ النَّحَّاسُ قَبْلَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي إِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي الثَّانِي وَحَذْفِهَا مِنَ الْأَوَّلِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلٍ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَهْلِ النار: "حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً وَلَمَّا قَالَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ: "حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ أَنْ يَجِيئُوهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا وَاوُ الثَّمَانِيَةِ. وَذَلِكَ مِنْ عَادَةِ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ مِنَ الْوَاحِدِ فَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وَثَمَانِيَّةٌ، فَإِذَا بَلَغُوا السَّبْعَةَ قَالُوا وَثَمَانِيَّةٌ. قاله أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] ثُمَّ قَالَ فِي الثَّامِنِ: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] وقال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] وقال ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ [التحريم: ٥] وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي "بَرَاءَةَ" [[راجع ج ٨ ص ٢٧١ طبعه أولى أو ثانيه.]] مستوفى وفي "الكهف" [[راجع ج ١٠ ص ٣٨٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] أيضا.
قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ، وَذَكَرُوا حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ- أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ [[يبلغ الوضوء: يوصل الوضوء الى مواضعه، الى مواضعه فالوضوء. فيه مفتوح الواو. ومعنى يسبع الوضوء يكمله على الوجه المسنون، فالوضوء فيه مضموم الواو.
(هامش مسلم).]] - ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ "خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عُمَرَ هَذَا وَقَالَ فِيهِ:" فُتِحَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "بِزِيَادَةٍ مِنْ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر بابا، وذكر نا هُنَاكَ عِظَمَ أَبْوَابِهَا وَسَعَتَهَا حَسَبَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ ذَلِكَ، فَمَنْ أَرَادَهُ وَقَفَ عَلَيْهِ هُنَاكَ." وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها "قِيلَ: الْوَاوُ مُلْغَاةٌ تَقْدِيرُهُ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا" قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ "أَيْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: بِطَاعَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. حَكَاهُ النَّقَّاشُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا قَطَعُوا جِسْرَ جَهَنَّمَ حُبِسُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إِذَا هُذِّبُوا وَطُيِّبُوا قَالَ لَهُمْ رِضْوَانُ وَأَصْحَابُهُ:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ "بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ" طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ". قُلْتُ: خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْقَنْطَرَةِ هَذَا فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا". وَحَكَى النَّقَّاشُ: إِنَّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَنْبُعُ مِنْ سَاقِهَا عَيْنَانِ يَشْرَبُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا فَتُطَهِّرُ أَجْوَافَهُمْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ مِنَ الْأُخْرَى فَتَطِيبُ أَبْشَارُهُمْ فَعِنْدَهَا يَقُولُ لَهُمْ خَزَنَتُهَا: "سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ" وَهَذَا يُرْوَى مَعْنَاهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. "وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ" أي إذا دخلوا الجنة قالوا هذا. "وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ" أَيْ أَرْضُ الْجَنَّةِ قِيلَ: إِنَّهُمْ وَرِثُوا الْأَرْضَ الَّتِي كَانَتْ تَكُونُ لِأَهْلِ النَّارِ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَأَبُو صَالِحٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَقِيلَ: إِنَّهَا أَرْضُ الدُّنْيَا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. "فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ" قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَيْ نِعْمَ الثَّوَابُ هَذَا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ نِعْمَ ثَوَابُ الْمُحْسِنِينَ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ﴾ يَا مُحَمَّدُ "حَافِّينَ" أَيْ مُحْدِقِينَ "مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ" فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ "يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ" مُتَلَذِّذِينَ بِذَلِكَ لَا مُتَعَبِّدِينَ بِهِ أَيْ يُصَلُّونَ حَوْلَ الْعَرْشِ شُكْرًا لِرَبِّهِمْ. والحافون أخذ من حنافات الشَّيْءِ وَنَوَاحِيهِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: وَاحِدُهُمْ حَافٌّ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا وَاحِدَ لَهُ إِذْ لَا يَقَعُ لَهُمُ الِاسْمُ إِلَّا مُجْتَمِعِينَ. وَدَخَلَتْ "مِنْ" عَلَى "حَوْلِ" لِأَنَّهُ ظَرْفٌ وَالْفِعْلُ يَتَعَدَّى إِلَى الظَّرْفِ بِحَرْفٍ وَبِغَيْرِ حَرْفٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "مِنْ" زَائِدَةٌ أَيْ حَافِّينَ حَوْلَ الْعَرْشِ. وَهُوَ كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، فَمِنْ تَوْكِيدٌ. الثَّعْلَبِيُّ: وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ الْبَاءَ أَحْيَانًا فِي التَّسْبِيحِ وَتَحْذِفُهَا أَحْيَانًا، فيقولون: سبح بحمد ربك وسبح حمد الله قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى" وَقَالَ "فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ". "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ" بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقِيلَ: قُضِيَ بين النبيين الذين جئ بِهِمْ مَعَ الشُّهَدَاءِ وَبَيْنَ أُمَمِهِمْ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ. "وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" أَيْ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَثَابَنَا مِنْ نِعَمِهِ وَإِحْسَانِهِ وَنَصَرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: افْتَتَحَ اللَّهُ أَوَّلَ الخلق بالحمد لله فَقَالَ: "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" فَلَزِمَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَالْأَخْذُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ أَمْرٍ بِحَمْدِهِ وَخَاتِمَتِهِ بِحَمْدِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَمْدُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى عَدْلِهِ وَقَضَائِهِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ آخِرَ سُورَةِ "الزُّمَرِ" فَتَحَرَّكَ الْمِنْبَرُ مَرَّتَيْنِ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ "الزمر"
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ يَعْنِي مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ. وَقَالَ فِي حَقِّ الْفَرِيقَيْنِ "وَسِيقَ" بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَسَوْقُ أَهْلِ النَّارِ طَرْدُهُمْ إِلَيْهَا بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين عَلَى السُّلْطَانِ إِذَا سِيقُوا إِلَى حَبْسٍ أَوْ قَتْلٍ، وَسَوْقُ أَهْلِ الْجِنَانِ سَوْقُ مَرَاكِبِهِمْ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالرِّضْوَانِ، لِأَنَّهُ لَا يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَّا رَاكِبِينَ كَمَا يُفْعَلُ بِمَنْ يُشَرَّفُ وَيُكَرَّمُ مِنَ الْوَافِدِينَ عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ، فَشَتَّانَ مَا بين السوقين. "حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" قِيلَ: الْوَاوُ هُنَا لِلْعَطْفِ عَطْفٍ عَلَى جُمْلَةٍ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَيْ سُعِدُوا وَفُتِحَتْ، وَحَذْفُ الْجَوَابِ بَلِيغٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَنْشَدَ [[البين لامرى القيس. "وتموت جميعه" بمعنى أنه مريض فنفسه لا تخرج بمرة ولكنها تموت شيئا بعد شي وهو معنى تساط أنفسا.]]:
فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ... - وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا
فَحَذَفَ جَوَابَ لَوْ وَالتَّقْدِيرُ لَكَانَ أَرْوَحَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "حَتَّى إِذا جاؤُها" دَخَلُوهَا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ. قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ زِيَادَةَ الْوَاوِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَبْوَابَ فُتِحَتْ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا لِكَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّقْدِيرُ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَأَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وَحَذْفُ الْوَاوِ فِي قِصَّةِ أَهْلِ النَّارِ، لِأَنَّهُمْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ وَفُتِحَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ إِذْلَالًا وَتَرْوِيعًا لَهُمْ. ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ وَحَكَى مَعْنَاهُ النَّحَّاسُ قَبْلَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي إِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي الثَّانِي وَحَذْفِهَا مِنَ الْأَوَّلِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلٍ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَهْلِ النار: "حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً وَلَمَّا قَالَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ: "حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ أَنْ يَجِيئُوهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا وَاوُ الثَّمَانِيَةِ. وَذَلِكَ مِنْ عَادَةِ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ مِنَ الْوَاحِدِ فَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وَثَمَانِيَّةٌ، فَإِذَا بَلَغُوا السَّبْعَةَ قَالُوا وَثَمَانِيَّةٌ. قاله أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] ثُمَّ قَالَ فِي الثَّامِنِ: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] وقال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] وقال ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ [التحريم: ٥] وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي "بَرَاءَةَ" [[راجع ج ٨ ص ٢٧١ طبعه أولى أو ثانيه.]] مستوفى وفي "الكهف" [[راجع ج ١٠ ص ٣٨٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] أيضا.
قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ، وَذَكَرُوا حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ- أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ [[يبلغ الوضوء: يوصل الوضوء الى مواضعه، الى مواضعه فالوضوء. فيه مفتوح الواو. ومعنى يسبع الوضوء يكمله على الوجه المسنون، فالوضوء فيه مضموم الواو.
(هامش مسلم).]] - ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ "خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عُمَرَ هَذَا وَقَالَ فِيهِ:" فُتِحَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "بِزِيَادَةٍ مِنْ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر بابا، وذكر نا هُنَاكَ عِظَمَ أَبْوَابِهَا وَسَعَتَهَا حَسَبَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ ذَلِكَ، فَمَنْ أَرَادَهُ وَقَفَ عَلَيْهِ هُنَاكَ." وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها "قِيلَ: الْوَاوُ مُلْغَاةٌ تَقْدِيرُهُ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا" قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ "أَيْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: بِطَاعَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. حَكَاهُ النَّقَّاشُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا قَطَعُوا جِسْرَ جَهَنَّمَ حُبِسُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إِذَا هُذِّبُوا وَطُيِّبُوا قَالَ لَهُمْ رِضْوَانُ وَأَصْحَابُهُ:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ "بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ" طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ". قُلْتُ: خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْقَنْطَرَةِ هَذَا فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا". وَحَكَى النَّقَّاشُ: إِنَّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَنْبُعُ مِنْ سَاقِهَا عَيْنَانِ يَشْرَبُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا فَتُطَهِّرُ أَجْوَافَهُمْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ مِنَ الْأُخْرَى فَتَطِيبُ أَبْشَارُهُمْ فَعِنْدَهَا يَقُولُ لَهُمْ خَزَنَتُهَا: "سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ" وَهَذَا يُرْوَى مَعْنَاهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. "وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ" أي إذا دخلوا الجنة قالوا هذا. "وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ" أَيْ أَرْضُ الْجَنَّةِ قِيلَ: إِنَّهُمْ وَرِثُوا الْأَرْضَ الَّتِي كَانَتْ تَكُونُ لِأَهْلِ النَّارِ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَأَبُو صَالِحٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَقِيلَ: إِنَّهَا أَرْضُ الدُّنْيَا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. "فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ" قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَيْ نِعْمَ الثَّوَابُ هَذَا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ نِعْمَ ثَوَابُ الْمُحْسِنِينَ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ﴾ يَا مُحَمَّدُ "حَافِّينَ" أَيْ مُحْدِقِينَ "مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ" فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ "يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ" مُتَلَذِّذِينَ بِذَلِكَ لَا مُتَعَبِّدِينَ بِهِ أَيْ يُصَلُّونَ حَوْلَ الْعَرْشِ شُكْرًا لِرَبِّهِمْ. والحافون أخذ من حنافات الشَّيْءِ وَنَوَاحِيهِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: وَاحِدُهُمْ حَافٌّ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا وَاحِدَ لَهُ إِذْ لَا يَقَعُ لَهُمُ الِاسْمُ إِلَّا مُجْتَمِعِينَ. وَدَخَلَتْ "مِنْ" عَلَى "حَوْلِ" لِأَنَّهُ ظَرْفٌ وَالْفِعْلُ يَتَعَدَّى إِلَى الظَّرْفِ بِحَرْفٍ وَبِغَيْرِ حَرْفٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "مِنْ" زَائِدَةٌ أَيْ حَافِّينَ حَوْلَ الْعَرْشِ. وَهُوَ كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، فَمِنْ تَوْكِيدٌ. الثَّعْلَبِيُّ: وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ الْبَاءَ أَحْيَانًا فِي التَّسْبِيحِ وَتَحْذِفُهَا أَحْيَانًا، فيقولون: سبح بحمد ربك وسبح حمد الله قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى" وَقَالَ "فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ". "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ" بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقِيلَ: قُضِيَ بين النبيين الذين جئ بِهِمْ مَعَ الشُّهَدَاءِ وَبَيْنَ أُمَمِهِمْ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ. "وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" أَيْ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَثَابَنَا مِنْ نِعَمِهِ وَإِحْسَانِهِ وَنَصَرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: افْتَتَحَ اللَّهُ أَوَّلَ الخلق بالحمد لله فَقَالَ: "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" فَلَزِمَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَالْأَخْذُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ أَمْرٍ بِحَمْدِهِ وَخَاتِمَتِهِ بِحَمْدِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَمْدُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى عَدْلِهِ وَقَضَائِهِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ آخِرَ سُورَةِ "الزُّمَرِ" فَتَحَرَّكَ الْمِنْبَرُ مَرَّتَيْنِ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ "الزمر"
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ يَعْنِي مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ. وَقَالَ فِي حَقِّ الْفَرِيقَيْنِ "وَسِيقَ" بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَسَوْقُ أَهْلِ النَّارِ طَرْدُهُمْ إِلَيْهَا بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين عَلَى السُّلْطَانِ إِذَا سِيقُوا إِلَى حَبْسٍ أَوْ قَتْلٍ، وَسَوْقُ أَهْلِ الْجِنَانِ سَوْقُ مَرَاكِبِهِمْ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالرِّضْوَانِ، لِأَنَّهُ لَا يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَّا رَاكِبِينَ كَمَا يُفْعَلُ بِمَنْ يُشَرَّفُ وَيُكَرَّمُ مِنَ الْوَافِدِينَ عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ، فَشَتَّانَ مَا بين السوقين. "حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" قِيلَ: الْوَاوُ هُنَا لِلْعَطْفِ عَطْفٍ عَلَى جُمْلَةٍ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَيْ سُعِدُوا وَفُتِحَتْ، وَحَذْفُ الْجَوَابِ بَلِيغٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَنْشَدَ [[البين لامرى القيس. "وتموت جميعه" بمعنى أنه مريض فنفسه لا تخرج بمرة ولكنها تموت شيئا بعد شي وهو معنى تساط أنفسا.]]:
فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ... - وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا
فَحَذَفَ جَوَابَ لَوْ وَالتَّقْدِيرُ لَكَانَ أَرْوَحَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "حَتَّى إِذا جاؤُها" دَخَلُوهَا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ. قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ زِيَادَةَ الْوَاوِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَبْوَابَ فُتِحَتْ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا لِكَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّقْدِيرُ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَأَبْوَابُهَا مُفَتَّحَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] وَحَذْفُ الْوَاوِ فِي قِصَّةِ أَهْلِ النَّارِ، لِأَنَّهُمْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ وَفُتِحَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ إِذْلَالًا وَتَرْوِيعًا لَهُمْ. ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ وَحَكَى مَعْنَاهُ النَّحَّاسُ قَبْلَهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي إِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي الثَّانِي وَحَذْفِهَا مِنَ الْأَوَّلِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلٍ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَهْلِ النار: "حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً وَلَمَّا قَالَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ: "حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" دَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ أَنْ يَجِيئُوهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا وَاوُ الثَّمَانِيَةِ. وَذَلِكَ مِنْ عَادَةِ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ مِنَ الْوَاحِدِ فَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وَثَمَانِيَّةٌ، فَإِذَا بَلَغُوا السَّبْعَةَ قَالُوا وَثَمَانِيَّةٌ. قاله أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] ثُمَّ قَالَ فِي الثَّامِنِ: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] وقال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] وقال ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ [التحريم: ٥] وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي "بَرَاءَةَ" [[راجع ج ٨ ص ٢٧١ طبعه أولى أو ثانيه.]] مستوفى وفي "الكهف" [[راجع ج ١٠ ص ٣٨٢ وما بعدها طبعه أولى أو ثانيه.]] أيضا.
قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ، وَذَكَرُوا حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ- أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ [[يبلغ الوضوء: يوصل الوضوء الى مواضعه، الى مواضعه فالوضوء. فيه مفتوح الواو. ومعنى يسبع الوضوء يكمله على الوجه المسنون، فالوضوء فيه مضموم الواو.
(هامش مسلم).]] - ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ "خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عُمَرَ هَذَا وَقَالَ فِيهِ:" فُتِحَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "بِزِيَادَةٍ مِنْ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر بابا، وذكر نا هُنَاكَ عِظَمَ أَبْوَابِهَا وَسَعَتَهَا حَسَبَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ ذَلِكَ، فَمَنْ أَرَادَهُ وَقَفَ عَلَيْهِ هُنَاكَ." وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها "قِيلَ: الْوَاوُ مُلْغَاةٌ تَقْدِيرُهُ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا" قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ "أَيْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: بِطَاعَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. حَكَاهُ النَّقَّاشُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا قَطَعُوا جِسْرَ جَهَنَّمَ حُبِسُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إِذَا هُذِّبُوا وَطُيِّبُوا قَالَ لَهُمْ رِضْوَانُ وَأَصْحَابُهُ:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ "بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ" طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ". قُلْتُ: خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْقَنْطَرَةِ هَذَا فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا". وَحَكَى النَّقَّاشُ: إِنَّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَنْبُعُ مِنْ سَاقِهَا عَيْنَانِ يَشْرَبُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا فَتُطَهِّرُ أَجْوَافَهُمْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: ٢١] ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ مِنَ الْأُخْرَى فَتَطِيبُ أَبْشَارُهُمْ فَعِنْدَهَا يَقُولُ لَهُمْ خَزَنَتُهَا: "سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ" وَهَذَا يُرْوَى مَعْنَاهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. "وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ" أي إذا دخلوا الجنة قالوا هذا. "وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ" أَيْ أَرْضُ الْجَنَّةِ قِيلَ: إِنَّهُمْ وَرِثُوا الْأَرْضَ الَّتِي كَانَتْ تَكُونُ لِأَهْلِ النَّارِ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَأَبُو صَالِحٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَقِيلَ: إِنَّهَا أَرْضُ الدُّنْيَا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. "فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ" قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَيْ نِعْمَ الثَّوَابُ هَذَا. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ نِعْمَ ثَوَابُ الْمُحْسِنِينَ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ﴾ يَا مُحَمَّدُ "حَافِّينَ" أَيْ مُحْدِقِينَ "مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ" فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ "يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ" مُتَلَذِّذِينَ بِذَلِكَ لَا مُتَعَبِّدِينَ بِهِ أَيْ يُصَلُّونَ حَوْلَ الْعَرْشِ شُكْرًا لِرَبِّهِمْ. والحافون أخذ من حنافات الشَّيْءِ وَنَوَاحِيهِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: وَاحِدُهُمْ حَافٌّ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا وَاحِدَ لَهُ إِذْ لَا يَقَعُ لَهُمُ الِاسْمُ إِلَّا مُجْتَمِعِينَ. وَدَخَلَتْ "مِنْ" عَلَى "حَوْلِ" لِأَنَّهُ ظَرْفٌ وَالْفِعْلُ يَتَعَدَّى إِلَى الظَّرْفِ بِحَرْفٍ وَبِغَيْرِ حَرْفٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "مِنْ" زَائِدَةٌ أَيْ حَافِّينَ حَوْلَ الْعَرْشِ. وَهُوَ كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، فَمِنْ تَوْكِيدٌ. الثَّعْلَبِيُّ: وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ الْبَاءَ أَحْيَانًا فِي التَّسْبِيحِ وَتَحْذِفُهَا أَحْيَانًا، فيقولون: سبح بحمد ربك وسبح حمد الله قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى" وَقَالَ "فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ". "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ" بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقِيلَ: قُضِيَ بين النبيين الذين جئ بِهِمْ مَعَ الشُّهَدَاءِ وَبَيْنَ أُمَمِهِمْ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ. "وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" أَيْ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَثَابَنَا مِنْ نِعَمِهِ وَإِحْسَانِهِ وَنَصَرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: افْتَتَحَ اللَّهُ أَوَّلَ الخلق بالحمد لله فَقَالَ: "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" فَلَزِمَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَالْأَخْذُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ أَمْرٍ بِحَمْدِهِ وَخَاتِمَتِهِ بِحَمْدِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَمْدُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى عَدْلِهِ وَقَضَائِهِ. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ آخِرَ سُورَةِ "الزُّمَرِ" فَتَحَرَّكَ الْمِنْبَرُ مَرَّتَيْنِ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ "الزمر"