Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Ash-Shura
Tafseer Al Qurtubi · Consultation · 53 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشُّورَى مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْهَا أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ﴾[[آية ٢٣]] [الشورى: ٢٣] إلى آخرها. وهي ثلاث وخمسون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)
قوله تعالى: "حم. عسق" قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ: سَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ [[في ز: الحسن بن المفضل وفي ل: الحسن بن الفضل.]]: لِمَ قَطَعَ "حم" مِنْ "عسق" وَلَمْ تُقْطَعْ "كهيعص" وَ "المر" وَ "المص"؟ فَقَالَ: لِأَنَّ "حم. عسق" بَيْنَ سُوَرٍ أَوَّلُهَا "حم" فَجَرَتْ مَجْرَى نَظَائِرِهَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، فَكَأَنَّ "حم" مُبْتَدَأٌ وَ "عسق" خَبَرُهُ. وَلِأَنَّهَا عُدَّتْ آيَتَيْنِ، وَعُدَّتْ أَخَوَاتُهَا اللَّوَاتِي كُتِبَتْ جُمْلَةً آيَةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْحُرُوفَ الْمُعْجَمَةَ كُلَّهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أُسُّ الْبَيَانِ وَقَاعِدَةُ الْكَلَامِ، ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ. وَكُتِبَتْ "حم. عسق" مُنْفَصِلًا وَ "كهيعص" مُتَّصِلًا لِأَنَّهُ قِيلَ: حم، أَيْ حُمَّ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَفَصَلُوا بَيْنَ مَا يُقَدَّرُ فِيهِ فِعْلٌ وَبَيْنَ مَا لَا يُقَدَّرُ. ثُمَّ لَوْ فُصِلَ هَذَا وَوُصِلَ ذَا لَجَازَ، حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ "حم. سق" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْرِفُ الْفِتَنَ بِهَا. وَقَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: "حم. عسق"؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَنَا أُنَبِّئُكَ بِهَا، قَدْ عَرَفْتُ لِمَ تَرَكَهَا، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْإِلَهِ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ، يَنْزِلُ عَلَى نَهَرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْمَشْرِقِ، يَبْنِي عَلَيْهِ مَدِينَتَيْنِ يَشُقُّ النَّهَرُ بَيْنَهُمَا شَقًّا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ زَوَالَ مُلْكِهِمْ وَانْقِطَاعَ دَوْلَتِهِمْ، بَعَثَ عَلَى إِحْدَاهُمَا نَارًا لَيْلًا فَتُصْبِحُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، فَتُحْرَقُ كُلُّهَا كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَكَانَهَا، فَتُصْبِحُ صَاحِبَتُهَا مُتَعَجِّبَةً، كَيْفَ قُلِبَتْ! فَمَا هُوَ إِلَّا بَيَاضُ يَوْمِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، ثُمَّ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهَا وَبِهِمْ جَمِيعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "حم. عسق" أَيْ عَزْمَةٌ [[أي حق من حقوقه.]] مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ، وَفِتْنَةٌ وَقَضَاءٌ حم: حُمَّ. "ع": عَدْلًا مِنْهُ، "س": سَيَكُونُ، "ق": وَاقِعٌ فِي هَاتَيْنِ الْمَدِينَتَيْنِ. وَنَظِيرُ هَذَا التَّفْسِيرِ مَا رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (تُبْنَى مَدِينَةٌ بَيْنَ دِجْلَةَ وَدُجَيْلٍ وَقُطْرُبُّلَ [[وروى بفتح أوله وطائه.]] وَالصَّرَاةِ، يَجْتَمِعُ فِيهَا جَبَابِرَةُ الْأَرْضِ تُجْبَى إِلَيْهَا الْخَزَائِنُ يُخْسَفُ بِهَا- وَفِي رِوَايَةٍ بِأَهْلِهَا- فَلَهِيَ أَسْرَعُ ذَهَابًا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْوَتَدِ الْجَيِّدِ فِي الْأَرْضِ الرِّخْوَةِ (. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ "حم. سق" بِغَيْرِ عَيْنٍ. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ. وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الْحَاءُ" حِلْمُهُ [[في بعض النسخ. "حكمه" بالكاف.]]، وَ "الْمِيمُ" مَجْدُهُ، وَ "الْعَيْنُ" عِلْمُهُ، وَ "السِّينُ" سَنَاهُ، وَ "الْقَافُ" قُدْرَتُهُ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِحِلْمِهِ وَمَجْدِهِ وَعُلُوِّهِ وَسَنَاهُ وَقُدْرَتِهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ عَاذَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وسعيد بن جبير: "الحاء" من الرحمن، "والميم" مِنَ الْمَجِيدِ، وَ "الْعَيْنُ" مِنَ الْعَلِيمِ، وَ "السِّينُ" مِنَ الْقُدُّوسِ، وَ "الْقَافُ" مِنَ الْقَاهِرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: إِنَّهُ اسْمُ الْجَبَلِ الْمُحِيطِ بِالدُّنْيَا. وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ وَاللَّفْظُ لِلثَّعْلَبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عرفت الكآبة في وجهه، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْزَنَكَ؟ قَالَ: (أُخْبِرْتُ بِبَلَايَا تَنْزِلُ بِأُمَّتِي مِنْ خَسْفٍ وَقَذْفٍ وَنَارٍ تَحْشُرُهُمْ وَرِيحٍ تَقْذِفُهُمْ فِي الْبَحْرِ وَآيَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ مُتَّصِلَاتٍ بِنُزُولِ عِيسَى وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ (. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: هَذَا فِي شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَ "الْحَاءُ" حَوْضُهُ الْمَوْرُودُ، وَ "الْمِيمُ" مُلْكُهُ الْمَمْدُودُ، وَ "الْعَيْنُ" عِزُّهُ الْمَوْجُودُ، وَ "السِّينُ" سَنَاهُ الْمَشْهُودُ، وَ "الْقَافُ" قِيَامُهُ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَقُرْبُهُ فِي الْكَرَامَةِ»
مِنَ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ صَاحِبِ كِتَابٍ إِلَّا وَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ: "حم. عسق"، فَلِذَلِكَ قَالَ: "يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ" الْمَهْدَوِيُّ: وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ ( "حم. عسق" مَعْنَاهُ أَوْحَيْتُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ). وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَمُجَاهِدٌ "يُوحَى" (بِفَتْحِ الْحَاءِ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مُضْمَرًا، أَيْ يُوحَى إِلَيْكَ الْقُرْآنُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ، وَيَكُونُ اسْمُ اللَّهِ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: يُوحِيهِ اللَّهُ إِلَيْكَ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي بَكْرٍ" يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [[راجع ج ١٢ ص ٢٧٥]] رِجالٌ" [النور: ٣٧ - ٣٦] أي يسبحه رجال. وأنشد سيبويه:
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ بِخُصُومَةٍ ... وَأَشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطوائح [[رواية البيت كما في كتاب سيبويه وخزانة الأدب:
لبيك يَزِيدُ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ
وهذا البيت نسبه سيبويه للحارث بن نهيك. ونسبه صاحب خزانة الأدب لنهشل بن حري في مرثية يزيد.
(راجع الشاهد الخامس والأربعين).]]
فقال: لبيك يَزِيدُ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَبْكِيَهُ، فَالْمَعْنَى يَبْكِيهِ ضَارِعٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُ يُوحِيهِ. أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ إِضْمَارِ مُبْتَدَإٍ أَيِ الْمُوحِي اللَّهُ. أَوْ يَكُونُ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ "الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "يُوحِي إِلَيْكَ" بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَرَفْعِ الِاسْمِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ. "لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" تَقَدَّمَ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ٦٩ طبعه ثانية. وج ٣ ص ٢٧٨.]].
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشُّورَى مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْهَا أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ﴾[[آية ٢٣]] [الشورى: ٢٣] إلى آخرها. وهي ثلاث وخمسون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)
قوله تعالى: "حم. عسق" قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ: سَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ [[في ز: الحسن بن المفضل وفي ل: الحسن بن الفضل.]]: لِمَ قَطَعَ "حم" مِنْ "عسق" وَلَمْ تُقْطَعْ "كهيعص" وَ "المر" وَ "المص"؟ فَقَالَ: لِأَنَّ "حم. عسق" بَيْنَ سُوَرٍ أَوَّلُهَا "حم" فَجَرَتْ مَجْرَى نَظَائِرِهَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، فَكَأَنَّ "حم" مُبْتَدَأٌ وَ "عسق" خَبَرُهُ. وَلِأَنَّهَا عُدَّتْ آيَتَيْنِ، وَعُدَّتْ أَخَوَاتُهَا اللَّوَاتِي كُتِبَتْ جُمْلَةً آيَةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْحُرُوفَ الْمُعْجَمَةَ كُلَّهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أُسُّ الْبَيَانِ وَقَاعِدَةُ الْكَلَامِ، ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ. وَكُتِبَتْ "حم. عسق" مُنْفَصِلًا وَ "كهيعص" مُتَّصِلًا لِأَنَّهُ قِيلَ: حم، أَيْ حُمَّ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَفَصَلُوا بَيْنَ مَا يُقَدَّرُ فِيهِ فِعْلٌ وَبَيْنَ مَا لَا يُقَدَّرُ. ثُمَّ لَوْ فُصِلَ هَذَا وَوُصِلَ ذَا لَجَازَ، حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ "حم. سق" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْرِفُ الْفِتَنَ بِهَا. وَقَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: "حم. عسق"؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَنَا أُنَبِّئُكَ بِهَا، قَدْ عَرَفْتُ لِمَ تَرَكَهَا، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْإِلَهِ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ، يَنْزِلُ عَلَى نَهَرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْمَشْرِقِ، يَبْنِي عَلَيْهِ مَدِينَتَيْنِ يَشُقُّ النَّهَرُ بَيْنَهُمَا شَقًّا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ زَوَالَ مُلْكِهِمْ وَانْقِطَاعَ دَوْلَتِهِمْ، بَعَثَ عَلَى إِحْدَاهُمَا نَارًا لَيْلًا فَتُصْبِحُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، فَتُحْرَقُ كُلُّهَا كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَكَانَهَا، فَتُصْبِحُ صَاحِبَتُهَا مُتَعَجِّبَةً، كَيْفَ قُلِبَتْ! فَمَا هُوَ إِلَّا بَيَاضُ يَوْمِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، ثُمَّ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهَا وَبِهِمْ جَمِيعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "حم. عسق" أَيْ عَزْمَةٌ [[أي حق من حقوقه.]] مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ، وَفِتْنَةٌ وَقَضَاءٌ حم: حُمَّ. "ع": عَدْلًا مِنْهُ، "س": سَيَكُونُ، "ق": وَاقِعٌ فِي هَاتَيْنِ الْمَدِينَتَيْنِ. وَنَظِيرُ هَذَا التَّفْسِيرِ مَا رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (تُبْنَى مَدِينَةٌ بَيْنَ دِجْلَةَ وَدُجَيْلٍ وَقُطْرُبُّلَ [[وروى بفتح أوله وطائه.]] وَالصَّرَاةِ، يَجْتَمِعُ فِيهَا جَبَابِرَةُ الْأَرْضِ تُجْبَى إِلَيْهَا الْخَزَائِنُ يُخْسَفُ بِهَا- وَفِي رِوَايَةٍ بِأَهْلِهَا- فَلَهِيَ أَسْرَعُ ذَهَابًا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْوَتَدِ الْجَيِّدِ فِي الْأَرْضِ الرِّخْوَةِ (. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ "حم. سق" بِغَيْرِ عَيْنٍ. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ. وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الْحَاءُ" حِلْمُهُ [[في بعض النسخ. "حكمه" بالكاف.]]، وَ "الْمِيمُ" مَجْدُهُ، وَ "الْعَيْنُ" عِلْمُهُ، وَ "السِّينُ" سَنَاهُ، وَ "الْقَافُ" قُدْرَتُهُ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِحِلْمِهِ وَمَجْدِهِ وَعُلُوِّهِ وَسَنَاهُ وَقُدْرَتِهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ عَاذَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وسعيد بن جبير: "الحاء" من الرحمن، "والميم" مِنَ الْمَجِيدِ، وَ "الْعَيْنُ" مِنَ الْعَلِيمِ، وَ "السِّينُ" مِنَ الْقُدُّوسِ، وَ "الْقَافُ" مِنَ الْقَاهِرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: إِنَّهُ اسْمُ الْجَبَلِ الْمُحِيطِ بِالدُّنْيَا. وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ وَاللَّفْظُ لِلثَّعْلَبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عرفت الكآبة في وجهه، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْزَنَكَ؟ قَالَ: (أُخْبِرْتُ بِبَلَايَا تَنْزِلُ بِأُمَّتِي مِنْ خَسْفٍ وَقَذْفٍ وَنَارٍ تَحْشُرُهُمْ وَرِيحٍ تَقْذِفُهُمْ فِي الْبَحْرِ وَآيَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ مُتَّصِلَاتٍ بِنُزُولِ عِيسَى وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ (. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: هَذَا فِي شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَ "الْحَاءُ" حَوْضُهُ الْمَوْرُودُ، وَ "الْمِيمُ" مُلْكُهُ الْمَمْدُودُ، وَ "الْعَيْنُ" عِزُّهُ الْمَوْجُودُ، وَ "السِّينُ" سَنَاهُ الْمَشْهُودُ، وَ "الْقَافُ" قِيَامُهُ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَقُرْبُهُ فِي الْكَرَامَةِ»
مِنَ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ صَاحِبِ كِتَابٍ إِلَّا وَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ: "حم. عسق"، فَلِذَلِكَ قَالَ: "يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ" الْمَهْدَوِيُّ: وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ ( "حم. عسق" مَعْنَاهُ أَوْحَيْتُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ). وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَمُجَاهِدٌ "يُوحَى" (بِفَتْحِ الْحَاءِ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مُضْمَرًا، أَيْ يُوحَى إِلَيْكَ الْقُرْآنُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ، وَيَكُونُ اسْمُ اللَّهِ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: يُوحِيهِ اللَّهُ إِلَيْكَ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي بَكْرٍ" يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [[راجع ج ١٢ ص ٢٧٥]] رِجالٌ" [النور: ٣٧ - ٣٦] أي يسبحه رجال. وأنشد سيبويه:
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ بِخُصُومَةٍ ... وَأَشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطوائح [[رواية البيت كما في كتاب سيبويه وخزانة الأدب:
لبيك يَزِيدُ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ
وهذا البيت نسبه سيبويه للحارث بن نهيك. ونسبه صاحب خزانة الأدب لنهشل بن حري في مرثية يزيد.
(راجع الشاهد الخامس والأربعين).]]
فقال: لبيك يَزِيدُ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَبْكِيَهُ، فَالْمَعْنَى يَبْكِيهِ ضَارِعٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُ يُوحِيهِ. أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ إِضْمَارِ مُبْتَدَإٍ أَيِ الْمُوحِي اللَّهُ. أَوْ يَكُونُ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ "الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "يُوحِي إِلَيْكَ" بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَرَفْعِ الِاسْمِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ. "لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" تَقَدَّمَ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ٦٩ طبعه ثانية. وج ٣ ص ٢٧٨.]].
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشُّورَى مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْهَا أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ﴾[[آية ٢٣]] [الشورى: ٢٣] إلى آخرها. وهي ثلاث وخمسون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)
قوله تعالى: "حم. عسق" قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ: سَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ [[في ز: الحسن بن المفضل وفي ل: الحسن بن الفضل.]]: لِمَ قَطَعَ "حم" مِنْ "عسق" وَلَمْ تُقْطَعْ "كهيعص" وَ "المر" وَ "المص"؟ فَقَالَ: لِأَنَّ "حم. عسق" بَيْنَ سُوَرٍ أَوَّلُهَا "حم" فَجَرَتْ مَجْرَى نَظَائِرِهَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، فَكَأَنَّ "حم" مُبْتَدَأٌ وَ "عسق" خَبَرُهُ. وَلِأَنَّهَا عُدَّتْ آيَتَيْنِ، وَعُدَّتْ أَخَوَاتُهَا اللَّوَاتِي كُتِبَتْ جُمْلَةً آيَةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْحُرُوفَ الْمُعْجَمَةَ كُلَّهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أُسُّ الْبَيَانِ وَقَاعِدَةُ الْكَلَامِ، ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ. وَكُتِبَتْ "حم. عسق" مُنْفَصِلًا وَ "كهيعص" مُتَّصِلًا لِأَنَّهُ قِيلَ: حم، أَيْ حُمَّ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَفَصَلُوا بَيْنَ مَا يُقَدَّرُ فِيهِ فِعْلٌ وَبَيْنَ مَا لَا يُقَدَّرُ. ثُمَّ لَوْ فُصِلَ هَذَا وَوُصِلَ ذَا لَجَازَ، حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ "حم. سق" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْرِفُ الْفِتَنَ بِهَا. وَقَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: "حم. عسق"؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَنَا أُنَبِّئُكَ بِهَا، قَدْ عَرَفْتُ لِمَ تَرَكَهَا، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْإِلَهِ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ، يَنْزِلُ عَلَى نَهَرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْمَشْرِقِ، يَبْنِي عَلَيْهِ مَدِينَتَيْنِ يَشُقُّ النَّهَرُ بَيْنَهُمَا شَقًّا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ زَوَالَ مُلْكِهِمْ وَانْقِطَاعَ دَوْلَتِهِمْ، بَعَثَ عَلَى إِحْدَاهُمَا نَارًا لَيْلًا فَتُصْبِحُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، فَتُحْرَقُ كُلُّهَا كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَكَانَهَا، فَتُصْبِحُ صَاحِبَتُهَا مُتَعَجِّبَةً، كَيْفَ قُلِبَتْ! فَمَا هُوَ إِلَّا بَيَاضُ يَوْمِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، ثُمَّ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهَا وَبِهِمْ جَمِيعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "حم. عسق" أَيْ عَزْمَةٌ [[أي حق من حقوقه.]] مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ، وَفِتْنَةٌ وَقَضَاءٌ حم: حُمَّ. "ع": عَدْلًا مِنْهُ، "س": سَيَكُونُ، "ق": وَاقِعٌ فِي هَاتَيْنِ الْمَدِينَتَيْنِ. وَنَظِيرُ هَذَا التَّفْسِيرِ مَا رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (تُبْنَى مَدِينَةٌ بَيْنَ دِجْلَةَ وَدُجَيْلٍ وَقُطْرُبُّلَ [[وروى بفتح أوله وطائه.]] وَالصَّرَاةِ، يَجْتَمِعُ فِيهَا جَبَابِرَةُ الْأَرْضِ تُجْبَى إِلَيْهَا الْخَزَائِنُ يُخْسَفُ بِهَا- وَفِي رِوَايَةٍ بِأَهْلِهَا- فَلَهِيَ أَسْرَعُ ذَهَابًا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْوَتَدِ الْجَيِّدِ فِي الْأَرْضِ الرِّخْوَةِ (. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ "حم. سق" بِغَيْرِ عَيْنٍ. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ. وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الْحَاءُ" حِلْمُهُ [[في بعض النسخ. "حكمه" بالكاف.]]، وَ "الْمِيمُ" مَجْدُهُ، وَ "الْعَيْنُ" عِلْمُهُ، وَ "السِّينُ" سَنَاهُ، وَ "الْقَافُ" قُدْرَتُهُ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِحِلْمِهِ وَمَجْدِهِ وَعُلُوِّهِ وَسَنَاهُ وَقُدْرَتِهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ عَاذَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وسعيد بن جبير: "الحاء" من الرحمن، "والميم" مِنَ الْمَجِيدِ، وَ "الْعَيْنُ" مِنَ الْعَلِيمِ، وَ "السِّينُ" مِنَ الْقُدُّوسِ، وَ "الْقَافُ" مِنَ الْقَاهِرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: إِنَّهُ اسْمُ الْجَبَلِ الْمُحِيطِ بِالدُّنْيَا. وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ وَاللَّفْظُ لِلثَّعْلَبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عرفت الكآبة في وجهه، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْزَنَكَ؟ قَالَ: (أُخْبِرْتُ بِبَلَايَا تَنْزِلُ بِأُمَّتِي مِنْ خَسْفٍ وَقَذْفٍ وَنَارٍ تَحْشُرُهُمْ وَرِيحٍ تَقْذِفُهُمْ فِي الْبَحْرِ وَآيَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ مُتَّصِلَاتٍ بِنُزُولِ عِيسَى وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ (. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: هَذَا فِي شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَ "الْحَاءُ" حَوْضُهُ الْمَوْرُودُ، وَ "الْمِيمُ" مُلْكُهُ الْمَمْدُودُ، وَ "الْعَيْنُ" عِزُّهُ الْمَوْجُودُ، وَ "السِّينُ" سَنَاهُ الْمَشْهُودُ، وَ "الْقَافُ" قِيَامُهُ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَقُرْبُهُ فِي الْكَرَامَةِ»
مِنَ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ صَاحِبِ كِتَابٍ إِلَّا وَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ: "حم. عسق"، فَلِذَلِكَ قَالَ: "يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ" الْمَهْدَوِيُّ: وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ ( "حم. عسق" مَعْنَاهُ أَوْحَيْتُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ). وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَمُجَاهِدٌ "يُوحَى" (بِفَتْحِ الْحَاءِ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مُضْمَرًا، أَيْ يُوحَى إِلَيْكَ الْقُرْآنُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ، وَيَكُونُ اسْمُ اللَّهِ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: يُوحِيهِ اللَّهُ إِلَيْكَ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي بَكْرٍ" يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [[راجع ج ١٢ ص ٢٧٥]] رِجالٌ" [النور: ٣٧ - ٣٦] أي يسبحه رجال. وأنشد سيبويه:
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ بِخُصُومَةٍ ... وَأَشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطوائح [[رواية البيت كما في كتاب سيبويه وخزانة الأدب:
لبيك يَزِيدُ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ
وهذا البيت نسبه سيبويه للحارث بن نهيك. ونسبه صاحب خزانة الأدب لنهشل بن حري في مرثية يزيد.
(راجع الشاهد الخامس والأربعين).]]
فقال: لبيك يَزِيدُ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَبْكِيَهُ، فَالْمَعْنَى يَبْكِيهِ ضَارِعٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُ يُوحِيهِ. أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ إِضْمَارِ مُبْتَدَإٍ أَيِ الْمُوحِي اللَّهُ. أَوْ يَكُونُ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ "الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "يُوحِي إِلَيْكَ" بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَرَفْعِ الِاسْمِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ. "لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" تَقَدَّمَ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ٦٩ طبعه ثانية. وج ٣ ص ٢٧٨.]].
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشُّورَى مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْهَا أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ﴾[[آية ٢٣]] [الشورى: ٢٣] إلى آخرها. وهي ثلاث وخمسون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)
قوله تعالى: "حم. عسق" قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ: سَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ [[في ز: الحسن بن المفضل وفي ل: الحسن بن الفضل.]]: لِمَ قَطَعَ "حم" مِنْ "عسق" وَلَمْ تُقْطَعْ "كهيعص" وَ "المر" وَ "المص"؟ فَقَالَ: لِأَنَّ "حم. عسق" بَيْنَ سُوَرٍ أَوَّلُهَا "حم" فَجَرَتْ مَجْرَى نَظَائِرِهَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، فَكَأَنَّ "حم" مُبْتَدَأٌ وَ "عسق" خَبَرُهُ. وَلِأَنَّهَا عُدَّتْ آيَتَيْنِ، وَعُدَّتْ أَخَوَاتُهَا اللَّوَاتِي كُتِبَتْ جُمْلَةً آيَةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْحُرُوفَ الْمُعْجَمَةَ كُلَّهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أُسُّ الْبَيَانِ وَقَاعِدَةُ الْكَلَامِ، ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ. وَكُتِبَتْ "حم. عسق" مُنْفَصِلًا وَ "كهيعص" مُتَّصِلًا لِأَنَّهُ قِيلَ: حم، أَيْ حُمَّ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَفَصَلُوا بَيْنَ مَا يُقَدَّرُ فِيهِ فِعْلٌ وَبَيْنَ مَا لَا يُقَدَّرُ. ثُمَّ لَوْ فُصِلَ هَذَا وَوُصِلَ ذَا لَجَازَ، حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ "حم. سق" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْرِفُ الْفِتَنَ بِهَا. وَقَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: "حم. عسق"؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: أَنَا أُنَبِّئُكَ بِهَا، قَدْ عَرَفْتُ لِمَ تَرَكَهَا، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْإِلَهِ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ، يَنْزِلُ عَلَى نَهَرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْمَشْرِقِ، يَبْنِي عَلَيْهِ مَدِينَتَيْنِ يَشُقُّ النَّهَرُ بَيْنَهُمَا شَقًّا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ زَوَالَ مُلْكِهِمْ وَانْقِطَاعَ دَوْلَتِهِمْ، بَعَثَ عَلَى إِحْدَاهُمَا نَارًا لَيْلًا فَتُصْبِحُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، فَتُحْرَقُ كُلُّهَا كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَكَانَهَا، فَتُصْبِحُ صَاحِبَتُهَا مُتَعَجِّبَةً، كَيْفَ قُلِبَتْ! فَمَا هُوَ إِلَّا بَيَاضُ يَوْمِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ فِيهَا كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، ثُمَّ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهَا وَبِهِمْ جَمِيعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "حم. عسق" أَيْ عَزْمَةٌ [[أي حق من حقوقه.]] مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ، وَفِتْنَةٌ وَقَضَاءٌ حم: حُمَّ. "ع": عَدْلًا مِنْهُ، "س": سَيَكُونُ، "ق": وَاقِعٌ فِي هَاتَيْنِ الْمَدِينَتَيْنِ. وَنَظِيرُ هَذَا التَّفْسِيرِ مَا رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (تُبْنَى مَدِينَةٌ بَيْنَ دِجْلَةَ وَدُجَيْلٍ وَقُطْرُبُّلَ [[وروى بفتح أوله وطائه.]] وَالصَّرَاةِ، يَجْتَمِعُ فِيهَا جَبَابِرَةُ الْأَرْضِ تُجْبَى إِلَيْهَا الْخَزَائِنُ يُخْسَفُ بِهَا- وَفِي رِوَايَةٍ بِأَهْلِهَا- فَلَهِيَ أَسْرَعُ ذَهَابًا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْوَتَدِ الْجَيِّدِ فِي الْأَرْضِ الرِّخْوَةِ (. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ "حم. سق" بِغَيْرِ عَيْنٍ. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ. وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الْحَاءُ" حِلْمُهُ [[في بعض النسخ. "حكمه" بالكاف.]]، وَ "الْمِيمُ" مَجْدُهُ، وَ "الْعَيْنُ" عِلْمُهُ، وَ "السِّينُ" سَنَاهُ، وَ "الْقَافُ" قُدْرَتُهُ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِحِلْمِهِ وَمَجْدِهِ وَعُلُوِّهِ وَسَنَاهُ وَقُدْرَتِهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ عَاذَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وسعيد بن جبير: "الحاء" من الرحمن، "والميم" مِنَ الْمَجِيدِ، وَ "الْعَيْنُ" مِنَ الْعَلِيمِ، وَ "السِّينُ" مِنَ الْقُدُّوسِ، وَ "الْقَافُ" مِنَ الْقَاهِرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: إِنَّهُ اسْمُ الْجَبَلِ الْمُحِيطِ بِالدُّنْيَا. وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ وَاللَّفْظُ لِلثَّعْلَبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عرفت الكآبة في وجهه، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْزَنَكَ؟ قَالَ: (أُخْبِرْتُ بِبَلَايَا تَنْزِلُ بِأُمَّتِي مِنْ خَسْفٍ وَقَذْفٍ وَنَارٍ تَحْشُرُهُمْ وَرِيحٍ تَقْذِفُهُمْ فِي الْبَحْرِ وَآيَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ مُتَّصِلَاتٍ بِنُزُولِ عِيسَى وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ (. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: هَذَا فِي شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَ "الْحَاءُ" حَوْضُهُ الْمَوْرُودُ، وَ "الْمِيمُ" مُلْكُهُ الْمَمْدُودُ، وَ "الْعَيْنُ" عِزُّهُ الْمَوْجُودُ، وَ "السِّينُ" سَنَاهُ الْمَشْهُودُ، وَ "الْقَافُ" قِيَامُهُ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَقُرْبُهُ فِي الْكَرَامَةِ»
مِنَ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ صَاحِبِ كِتَابٍ إِلَّا وَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ: "حم. عسق"، فَلِذَلِكَ قَالَ: "يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ" الْمَهْدَوِيُّ: وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ ( "حم. عسق" مَعْنَاهُ أَوْحَيْتُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ). وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَمُجَاهِدٌ "يُوحَى" (بِفَتْحِ الْحَاءِ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مُضْمَرًا، أَيْ يُوحَى إِلَيْكَ الْقُرْآنُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ، وَيَكُونُ اسْمُ اللَّهِ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: يُوحِيهِ اللَّهُ إِلَيْكَ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي بَكْرٍ" يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [[راجع ج ١٢ ص ٢٧٥]] رِجالٌ" [النور: ٣٧ - ٣٦] أي يسبحه رجال. وأنشد سيبويه:
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ بِخُصُومَةٍ ... وَأَشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطوائح [[رواية البيت كما في كتاب سيبويه وخزانة الأدب:
لبيك يَزِيدُ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ
وهذا البيت نسبه سيبويه للحارث بن نهيك. ونسبه صاحب خزانة الأدب لنهشل بن حري في مرثية يزيد.
(راجع الشاهد الخامس والأربعين).]]
فقال: لبيك يَزِيدُ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَبْكِيَهُ، فَالْمَعْنَى يَبْكِيهِ ضَارِعٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُ يُوحِيهِ. أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ إِضْمَارِ مُبْتَدَإٍ أَيِ الْمُوحِي اللَّهُ. أَوْ يَكُونُ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ "الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "يُوحِي إِلَيْكَ" بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَرَفْعِ الِاسْمِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ. "لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" تَقَدَّمَ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ٦٩ طبعه ثانية. وج ٣ ص ٢٧٨.]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالتَّاءِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ وَثَّابٍ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ. "يَتَفَطَّرْنَ" قَرَأَ [[في ح ن: قراءة نافع وغيره]] نَافِعٌ وَغَيْرُهُ بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ وَالتَّشْدِيدِ فِي الطَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ والمفضل وأبو عبيد "ينفطرن" من الانفطار، كقول تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾[[راجع ج ١٩ ص ٢٤٢.]] [الانفطار: ١] وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ "مَرْيَمَ" بَيَانُ هَذَا [[راجع ج ١١ ص ١٥٦.]]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ" أَيْ تَكَادُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَنْفَطِرُ فَوْقَ الَّتِي تَلِيهَا، مِنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾[[راجع ج ٢ ص ٨٥.]] [البقرة: ١١٦]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: "يَتَفَطَّرْنَ" أَيْ يَتَشَقَّقْنَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ فَوْقَهُنَّ. وَقِيلَ: "فَوْقِهِنَّ"، فَوْقَ الْأَرَضِينَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ لَوْ كُنَّ مِمَّا يَعْقِلُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ يُنَزِّهُونَهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِي وَصْفِهِ، وَمَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ. وَقِيلَ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ جُرْأَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَيُذْكَرُ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ تَسْبِيحَهُمْ تَعَجُّبٌ مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ تَعَرُّضِهِمْ لِسَخَطِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَسْبِيحُهُمْ خُضُوعٌ لِمَا [[في ك: مما يرون.]] يَرَوْنَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ. وَمَعْنَى "بِحَمْدِ رَبِّهِمْ" بِأَمْرِ رَبِّهِمْ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. "وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ" قَالَ الضَّحَّاكُ: لِمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وقاله السدي. بيانه في سورة المؤمن: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْمَلَائِكَةُ هُنَا حَمَلَةَ الْعَرْشِ. وَقِيلَ: جَمِيعُ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قول الكلبي. وقال وهب ابن مُنَبِّهٍ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: "وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا". قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ، وَهُوَ خَاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْكَلْبِيِّ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا رَأَتِ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتُبِرَا وَبُعِثَا إِلَى الْأَرْضِ لِيَحْكُمَا بينهم، فافتتنا بالزهرة وَهَرَبَا إِلَى إِدْرِيسَ- وَهُوَ جَدُّ أَبِي نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- وَسَأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا، سَبَّحَتِ الْمَلَائِكَةُ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَاسْتَغْفَرَتْ لِبَنِي آدَمَ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْحَصَّارِ: وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ من جهل أن هذه الآية نزلت بِسَبَبِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْمُؤْمِنِ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ مَخْصُوصُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، وَلِلَّهِ مَلَائِكَةٌ أُخَرُ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ. الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِي اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مُقَاتِلٍ. الثَّانِي- أَنَّهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لَهُمْ وَالسَّعَةِ عَلَيْهِمْ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. قُلْتُ: وَهُوَ أَظْهَرُ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تَعُمُّ الْكَافِرَ وَغَيْرَهُ، وَعَلَى قَوْلِ مُقَاتِلٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرُ. وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ خَبَرٌ رَوَاهُ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ فَنَزَلَتْ بِهِ الضَّرَّاءُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: صَوْتٌ مَعْرُوفٌ مِنْ آدَمِيٍّ ضَعِيفٍ، كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّرَّاءِ فَنَزَلَتْ بِهِ الضَّرَّاءُ، فَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ. فَإِذَا كَانَ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ فَنَزَلَتْ بِهِ الضَّرَّاءُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: صَوْتٌ مُنْكَرٌ مِنْ آدَمِيٍّ كَانَ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ فَنَزَلَتْ بِهِ الضَّرَّاءُ، فَلَا يَسْتَغْفِرُونَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ فِي الذَّاكِرِ لِلَّهِ [[في ل: في الذاكرين الله.]] تَعَالَى فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فَهِيَ خَاصَّةٌ بِبَعْضِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَاللَّهُ أعلم. يحتمل أَنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفَارِ طَلَبَ الْحِلْمِ وَالْغُفْرَانِ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾[[راجع ج ١٤ ص ٣٥٦]] [فاطر: ٤١]- إِلَى أَنْ قَالَ- إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً"، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾[[راجع ج ٩ ص ٢٨٥]] [الرعد: ٦]. والمراد الحلم عنهم وألا يعالجهم بِالِانْتِقَامِ، فَيَكُونُ عَامًّا، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: وَجَدْنَا أَنْصَحَ عِبَادِ اللَّهِ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمَلَائِكَةَ، ووجدنا أغش عِبَادِ اللَّهِ لِعِبَادِ اللَّهِ الشَّيَاطِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٩٥]]. "أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" قَالَ بعض العلماء: هيب وعظم عز وجل في الابتداء، وألطف وبشر في الانتهاء.
قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ" يَعْنِي أَصْنَامًا يَعْبُدُونَهَا. "اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ" أَيْ يَحْفَظُ أَعْمَالَهُمْ لِيُجَازِيَهُمْ بِهَا. "وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ" وَهَذِهِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَفِي الْخَبَرِ: (أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ) أَيْ صَوَّتَتْ مِنْ ثِقَلِ سُكَّانِهَا لِكَثْرَتِهِمْ، فَهُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ لَا يَفْتُرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَهَؤُلَاءِ الكفار يشركون به.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ أَيْ وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَإِلَى مَنْ قَبْلِكَ هَذِهِ الْمَعَانِي فَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عربيا بيناه بلغة العرب. وقيل: أَيْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلِسَانِ قَوْمِكَ، كَمَا أَرْسَلْنَا كُلَّ رَسُولٍ بِلِسَانِ قَوْمِهِ. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ [[في ل: تقديم وتأخير لسياق هذه الجملة ولم تخرج عن اللفظ والمعنى]]. "لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى " يَعْنِي مَكَّةَ. قِيلَ لِمَكَّةَ أُمُّ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا. "وَمَنْ حَوْلَها" مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ. "وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ" أَيْ بِيَوْمِ الْجَمْعِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. "لَا رَيْبَ فِيهِ" لَا شَكَّ فِيهِ. "فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ النَّصْبَ عَلَى تَقْدِيرِ: لِتُنْذِرَ فريقا في الجنة وفريقا في السعير.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ، أَهْلُ ضَلَالَةٍ أَوْ أَهْلُ هُدًى. "وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ" قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فِي الْإِسْلَامِ. "وَالظَّالِمُونَ" رُفِعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ "مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" عُطِفَ عَلَى اللَّفْظِ. وَيَجُوزُ "وَلا نَصِيرٍ" بِالرَّفْعِ على الموضع و "مَنْ" زائدة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ أَيْ بَلِ اتَّخَذُوا. "مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ" يَعْنِي أَصْنَامًا. "فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ" أَيْ وَلِيُّكَ يَا مُحَمَّدُ وَوَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَكَ، لا ولي سواه [[ما بين المربعين من ح ل هـ.]]. "وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى " يُرِيدُ عِنْدَ الْبَعْثِ. "وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَقْدِرُ على شي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ حِكَايَةُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ وَمَا خَالَفَكُمْ فِيهِ الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَقُولُوا لَهُمْ حُكْمَهُ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَيْكُمْ، وَقَدْ حَكَمَ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْإِسْلَامُ لَا غَيْرُهُ. وَأُمُورُ الشَّرَائِعِ إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ بَيَانِ اللَّهِ. "ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي" أَيِ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ هُوَ رَبِّي وَحْدَهُ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ: أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ذَلِكُمُ اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى وَيَحْكُمُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ هُوَ رَبِّي. "عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ" اعْتَمَدْتُ. "وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" أَرْجِعُ.
أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلَى النَّعْتِ لِاسْمِ اللَّهِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ فَاطِرُ. وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى النِّدَاءِ، وَالْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْهَاءِ فِي "عَلَيْهِ". وَالْفَاطِرُ: الْمُبْدِعُ وَالْخَالِقُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٦ ص ٣٩٧، ج ٩ ص ٢٧٠ و٣٤٦، ج ١٤ ص ٢٤ وما بعدها. ٣١٩]] .. "جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً" قِيلَ معناه إناثا. وإنما قَالَ: "مِنْ أَنْفُسِكُمْ" لِأَنَّهُ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ. "وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً" يَعْنِي الثَّمَانِيَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ١١٣ طبعه أولى أو ثانية.]] ذُكُورَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَإِنَاثَهَا. "يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" أَيْ يَخْلُقُكُمْ وَيُنْشِئُكُمْ "فِيهِ" أَيْ فِي الرَّحِمِ. وَقِيلَ: فِي الْبَطْنِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَابْنُ كَيْسَانَ: "فِيهِ" بِمَعْنَى بِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى "يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" يُكَثِّركُمْ بِهِ، أَيْ يُكَثِّركُمْ يَجْعَلُكُمْ أَزْوَاجًا، أَيْ حَلَائِلُ، لِأَنَّهُنَّ سَبَبُ النَّسْلِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْهَاءَ فِي "فِيهِ" لِلْجَعْلِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ "جَعَلَ"، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَخْلُقُكُمْ وَيُكَثِّرُكُمْ فِي الْجَعْلِ. ابْنُ قُتَيْبَةَ: "يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" أَيْ فِي الزَّوْجِ، أَيْ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ. وَقَالَ: وَيَكُونُ "فِيهِ" فِي الرَّحِمِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّ الرَّحِمَ مُؤَنَّثَةٌ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ. "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" قِيلَ: إِنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، أَيْ لَيْسَ مثله شي. قَالَ:
وَصَالِيَاتٍ كَكُمَا يُؤْثَفَيْنَ [[الصاليات: الأثافي، وهي الأحجار التي ينصب عليها القدر. ومعنى يؤثفين: ينصبن للقدر.
(راجع خزانة الأدب في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة وكتاب سيبويه).]]
فَأَدْخَلَ عَلَى الْكَافِ كَافًا تَأْكِيدًا لِلتَّشْبِيهِ. وَقِيلَ: الْمِثْلُ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وهو قول ثعلب: ليس كهو شي، نَحْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾[[آية ١٣٧ سورة البقرة.]] [البقرة: ١٣٧]. وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا" قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
وَقَتْلَى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّ ... خِيلِ يَغْشَاهُمْ مَطَرٌ مُنْهَمِرُ
أَيْ كَجُذُوعِ. وَالَّذِي يَعْتَقِدُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ فِي عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَمَلَكُوتِهِ وَحُسْنَى أَسْمَائِهِ وَعَلِيِّ صِفَاتِهِ، لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَلَا يُشْبَّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا جَاءَ مِمَّا أَطْلَقَهُ الشَّرْعُ عَلَى الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، فَلَا تَشَابُهَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الحقيقي، إذ صفات القديم عز وجل بِخِلَافِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ، إِذْ صِفَاتُهُمْ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْأَغْرَاضِ وَالْأَعْرَاضِ، وَهُوَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ لَمْ يَزَلْ بِأَسْمَائِهِ وَبِصِفَاتِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي (الْكِتَابِ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى (، وَكَفَى فِي هَذَا قَوْلُهُ الْحَقُّ: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ". وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ: التَّوْحِيدُ إِثْبَاتُ ذَاتٍ غَيْرِ مُشْبِهَةٍ لِلذَّوَاتِ وَلَا مُعَطَّلَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ. وَزَادَ الْوَاسِطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيَانًا فَقَالَ: لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَاتٌ، وَلَا كَاسْمِهِ اسْمٌ، وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْلٌ، وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَةٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ اللَّفْظِ، وَجَلَّتِ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَدِيثَةٌ، كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ لِلذَّاتِ الْمُحْدَثَةِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ والسنة والجماعة. رضي الله عنهم!
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تَقَدَّمَ فِي "الزُّمَرِ" [[راجع ج ١٥ ص ٢٧٤.]] بَيَانُهُ. النَّحَّاسُ: وَالَّذِي يَمْلِكُ الْمَفَاتِيحَ يَمْلِكُ الْخَزَائِنَ، يُقَالُ لِلْمِفْتَاحِ: إِقْلِيدٌ، وَجَمْعُهُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كَمَحَاسِنَ وَالْوَاحِدُ حَسَنٌ. "يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" تَقَدَّمَ أيضا في غير موضع [[راجع ج ١ ص ٦٢ ١ طبعه ثانية أو ثالثة. وج ٩ ص ٣١٤]].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ أَيِ الَّذِي له مقاليد السموات وَالْأَرْضِ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا شَرَعَ لِقَوْمِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ" وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَطَاعَتُهُ، وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَبِيَوْمِ الْجَزَاءِ، وَبِسَائِرِ مَا يَكُونُ الرَّجُلُ بِإِقَامَتِهِ مُسْلِمًا. وَلَمْ يُرِدِ الشَّرَائِعَ الَّتِي هِيَ مَصَالِحُ الْأُمَمِ على حسب أَحْوَالِهَا، فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ [[راجع ج ٦ ص ٢١١ طبعه أولى أو ثانية.]] فِيهِ. وَمَعْنَى "شَرَعَ" أَيْ نَهَجَ وَأَوْضَحَ وَبَيَّنَ الْمَسَالِكَ. وَقَدْ شَرَعَ لَهُمْ يَشْرَعُ شَرْعًا أَيْ سَنَّ [[في ل: أى بين.]]. وَالشَّارِعُ: الطَّرِيقُ الْأَعْظَمُ. وَقَدْ شُرِعَ الْمَنْزِلُ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ. وَشَرَعْتَ الْإِبِلَ إِذَا أَمْكَنْتَهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ. وَشَرَعْتَ الْأَدِيمَ إِذَا سَلَخْتَهُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: إِذَا شَقَقْتَ مَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ أُمِّ الْحُمَارِسِ الْبَكْرِيَّةِ. وَشَرَعْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ شُرُوعًا أَيْ خُضْتُ. "أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ" "أَنْ" فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، عَلَى تَقْدِيرِ وَالَّذِي وَصَّى بِهِ نُوحًا أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَيُوقَفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى "عِيسى ". وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ، أَيْ شَرَعَ لَكُمْ إِقَامَةَ الدِّينِ. وَقِيلَ: هُوَ جَرٌّ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ فِي "بِهِ"، كَأَنَّهُ قَالَ: بِهِ أَقِيمُوا الدِّينَ. وَلَا يُوقَفُ عَلَى "عِيسى " عَلَى هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "أَنْ" مُفَسِّرَةً، مِثْلَ أَنِ امْشُوا، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَحَلٌّ مِنَ الْإِعْرَابِ. الثَّانِيَةُ- قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الْكَبِيرِ الْمَشْهُورِ: (وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ...
(وَهَذَا صَحِيحٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، كَمَا أَنَّ آدَمَ أَوَّلُ نَبِيٍّ [[في نسخ الأصل: "كما أن آدم أول رسول نبي بغير إشكال، إلا أن آدم" والتصويب عن ابن العربي.]] بِغَيْرِ إِشْكَالٍ، لِأَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا نُبُوَّةٌ [[في ز ك ل هـ: لم يكن معه إلا بنوه.]]، وَلَمْ تُفْرَضْ لَهُ الْفَرَائِضُ وَلَا شُرِعَتْ لَهُ الْمَحَارِمُ، وإنما كان تنبيها على بعض الْأُمُورِ وَاقْتِصَارًا عَلَى ضَرُورَاتِ الْمَعَاشِ، وَأَخْذًا بِوَظَائِفِ الْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ، وَاسْتَقَرَّ الْمَدَى إِلَى نُوحٍ فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، وَوَظَّفَ عَلَيْهِ الْوَاجِبَاتِ وَأَوْضَحَ لَهُ الْآدَابَ فِي الدِّيَانَاتِ، وَلَمْ يزل ذلك يتأكد بالرسل يتناصر [[في ابن العربي: "ويتناشر".]] بِالْأَنْبِيَاءِ- صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةً إِثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتَّى خَتَمَهَا اللَّهُ بِخَيْرِ الْمِلَلِ مِلَّتِنَا عَلَى لِسَانِ أَكْرَمِ الرُّسُلِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَانَ الْمَعْنَى أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَنُوحًا دِينًا وَاحِدًا، يَعْنِي فِي الْأُصُولِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّرِيعَةُ، وَهِيَ التَّوْحِيدُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَالزُّلَفِ إِلَيْهِ بِمَا يَرُدُّ الْقَلْبَ وَالْجَارِحَةَ إِلَيْهِ، وَالصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ والزنى والاذاية لِلْخَلْقِ كَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ، وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحَيَوَانِ كَيْفَمَا دار، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات، فَهَذَا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ دِينًا وَاحِدًا وَمِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ تَخْتَلِفْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَعْدَادُهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أَيِ اجْعَلُوهُ قَائِمًا، يُرِيدُ دَائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ وَلَا اضْطِرَابٍ، فَمِنَ الْخَلْقِ مَنْ وَفَّى بذلك ومنهم من نكث، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه [[راجع ص ٢٨٦ من هذا الجزء.]] [الفتح: ١٠]. وَاخْتَلَفَتِ الشَّرَائِعُ وَرَاءَ هَذَا فِي مَعَانٍ حَسْبَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِمَّا اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ وَأَوْجَبَتِ الْحِكْمَةُ وَضْعَهُ فِي الْأَزْمِنَةِ عَلَى الْأُمَمِ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَصَّاهُ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْإِقْرَارِ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ، فَذَلِكَ دِينُهُ الَّذِي شَرَعَ لَهُمْ، وَقَالَهُ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي تَحْلِيلَ الْحَلَالِ وَتَحْرِيمَ الْحَرَامِ. وَقَالَ الْحَكَمُ: تَحْرِيمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يَجْمَعُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَيَزِيدُ عَلَيْهَا. وَخَصَّ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَرْبَابُ الشَّرَائِعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ عَظُمَ عَلَيْهِمْ. "مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ" مِنَ التَّوْحِيدِ وَرَفْضِ الْأَوْثَانِ. قَالَ قَتَادَةُ: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَضَاقَ بِهَا إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ، فَأَبَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَنْ يَنْصُرَهَا ويعليها ويظهرها على من نَاوَأَهَا. ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ" أَيْ يَخْتَارُ. وَالِاجْتِبَاءُ الِاخْتِيَارُ، أَيْ يَخْتَارُ لِلتَّوْحِيدِ مَنْ يَشَاءُ. "وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ" أَيْ يَسْتَخْلِصُ لِدِينِهِ مَنْ رَجَعَ إِلَيْهِ. "وَما تَفَرَّقُوا" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا. "إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ" مُحَمَّدٌ ﷺ، وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾[[راجع ج ١٤ ص ٣٥٧]] [فاطر: ٤٢] يُرِيدُ نَبِيًّا. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ [[راجع ج ٢ ص ٢٧]]. وَقِيلَ: أُمَمُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِنَّهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمُ اخْتَلَفُوا لَمَّا طَالَ بِهِمُ الْمَدَى [[لفظة المدى ساقطة من ك.]]، فَآمَنَ قَوْمٌ وَكَفَرَ قَوْمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ، دَلِيلُهُ فِي سُورَةِ الْمُنْفَكِّينَ ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٦]] [الْبَيِّنَةُ: ٤]. فَالْمُشْرِكُونَ قَالُوا: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ! وَالْيَهُودُ حسدوه لما بعث، وكذا النصارى. "بَغْياً بَيْنَهُمْ" أَيْ بَغْيًا مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ طلبا للرئاسة، فَلَيْسَ تَفَرُّقُهُمْ لِقُصُورٍ فِي الْبَيَانِ وَالْحُجَجِ، وَلَكِنْ للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا." وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
[[راجع ج ٢٠ ص ١٤٣]] مِنْ رَبِّكَ "فِي تَأْخِيرِ الْعِقَابِ عَنْ هَؤُلَاءِ." إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى "قِيلَ: الْقِيَامَةُ، لقوله تعالى:" بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ"»
[القمر: ٤٦]. وَقِيلَ: إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي قُضِيَ فِيهِ بِعَذَابِهِمْ. "لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" أَيْ بَيْنَ مَنْ آمَنَ وَبَيْنَ مَنْ كَفَرَ بِنُزُولِ الْعَذَابِ. "وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ" يُرِيدُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. "مِنْ بَعْدِهِمْ" أَيْ مِنْ بَعْدِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقِّ. "لَفِي شَكٍّ" مِنَ الَّذِي أَوْصَى بِهِ الْأَنْبِيَاءُ. وَالْكِتَابُ هُنَا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ. وَقِيلَ: "إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ" قريش. "مِنْ بَعْدِهِمْ" من بعد اليهود النصارى. "لَفِي شَكٍّ" مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَى "مِنْ بَعْدِهِمْ" مِنْ قَبْلِهِمْ، يَعْنِي مِنْ قَبْلِ مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَهُمُ الْيَهُودُ والنصارى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ أَيِ الَّذِي له مقاليد السموات وَالْأَرْضِ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا شَرَعَ لِقَوْمِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ" وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَطَاعَتُهُ، وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَبِيَوْمِ الْجَزَاءِ، وَبِسَائِرِ مَا يَكُونُ الرَّجُلُ بِإِقَامَتِهِ مُسْلِمًا. وَلَمْ يُرِدِ الشَّرَائِعَ الَّتِي هِيَ مَصَالِحُ الْأُمَمِ على حسب أَحْوَالِهَا، فَإِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ [[راجع ج ٦ ص ٢١١ طبعه أولى أو ثانية.]] فِيهِ. وَمَعْنَى "شَرَعَ" أَيْ نَهَجَ وَأَوْضَحَ وَبَيَّنَ الْمَسَالِكَ. وَقَدْ شَرَعَ لَهُمْ يَشْرَعُ شَرْعًا أَيْ سَنَّ [[في ل: أى بين.]]. وَالشَّارِعُ: الطَّرِيقُ الْأَعْظَمُ. وَقَدْ شُرِعَ الْمَنْزِلُ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ. وَشَرَعْتَ الْإِبِلَ إِذَا أَمْكَنْتَهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ. وَشَرَعْتَ الْأَدِيمَ إِذَا سَلَخْتَهُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: إِذَا شَقَقْتَ مَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ أُمِّ الْحُمَارِسِ الْبَكْرِيَّةِ. وَشَرَعْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ شُرُوعًا أَيْ خُضْتُ. "أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ" "أَنْ" فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، عَلَى تَقْدِيرِ وَالَّذِي وَصَّى بِهِ نُوحًا أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَيُوقَفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى "عِيسى ". وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ، أَيْ شَرَعَ لَكُمْ إِقَامَةَ الدِّينِ. وَقِيلَ: هُوَ جَرٌّ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ فِي "بِهِ"، كَأَنَّهُ قَالَ: بِهِ أَقِيمُوا الدِّينَ. وَلَا يُوقَفُ عَلَى "عِيسى " عَلَى هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ "أَنْ" مُفَسِّرَةً، مِثْلَ أَنِ امْشُوا، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَحَلٌّ مِنَ الْإِعْرَابِ. الثَّانِيَةُ- قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الْكَبِيرِ الْمَشْهُورِ: (وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ...
(وَهَذَا صَحِيحٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، كَمَا أَنَّ آدَمَ أَوَّلُ نَبِيٍّ [[في نسخ الأصل: "كما أن آدم أول رسول نبي بغير إشكال، إلا أن آدم" والتصويب عن ابن العربي.]] بِغَيْرِ إِشْكَالٍ، لِأَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا نُبُوَّةٌ [[في ز ك ل هـ: لم يكن معه إلا بنوه.]]، وَلَمْ تُفْرَضْ لَهُ الْفَرَائِضُ وَلَا شُرِعَتْ لَهُ الْمَحَارِمُ، وإنما كان تنبيها على بعض الْأُمُورِ وَاقْتِصَارًا عَلَى ضَرُورَاتِ الْمَعَاشِ، وَأَخْذًا بِوَظَائِفِ الْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ، وَاسْتَقَرَّ الْمَدَى إِلَى نُوحٍ فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، وَوَظَّفَ عَلَيْهِ الْوَاجِبَاتِ وَأَوْضَحَ لَهُ الْآدَابَ فِي الدِّيَانَاتِ، وَلَمْ يزل ذلك يتأكد بالرسل يتناصر [[في ابن العربي: "ويتناشر".]] بِالْأَنْبِيَاءِ- صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةً إِثْرَ شَرِيعَةٍ، حَتَّى خَتَمَهَا اللَّهُ بِخَيْرِ الْمِلَلِ مِلَّتِنَا عَلَى لِسَانِ أَكْرَمِ الرُّسُلِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَانَ الْمَعْنَى أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَنُوحًا دِينًا وَاحِدًا، يَعْنِي فِي الْأُصُولِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّرِيعَةُ، وَهِيَ التَّوْحِيدُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَالزُّلَفِ إِلَيْهِ بِمَا يَرُدُّ الْقَلْبَ وَالْجَارِحَةَ إِلَيْهِ، وَالصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ والزنى والاذاية لِلْخَلْقِ كَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ، وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحَيَوَانِ كَيْفَمَا دار، واقتحام الدناءات وما يعود بخرم المروءات، فَهَذَا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ دِينًا وَاحِدًا وَمِلَّةً مُتَّحِدَةً، لَمْ تَخْتَلِفْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَعْدَادُهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أَيِ اجْعَلُوهُ قَائِمًا، يُرِيدُ دَائِمًا مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ وَلَا اضْطِرَابٍ، فَمِنَ الْخَلْقِ مَنْ وَفَّى بذلك ومنهم من نكث، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه [[راجع ص ٢٨٦ من هذا الجزء.]] [الفتح: ١٠]. وَاخْتَلَفَتِ الشَّرَائِعُ وَرَاءَ هَذَا فِي مَعَانٍ حَسْبَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِمَّا اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ وَأَوْجَبَتِ الْحِكْمَةُ وَضْعَهُ فِي الْأَزْمِنَةِ عَلَى الْأُمَمِ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَصَّاهُ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْإِقْرَارِ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ، فَذَلِكَ دِينُهُ الَّذِي شَرَعَ لَهُمْ، وَقَالَهُ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي تَحْلِيلَ الْحَلَالِ وَتَحْرِيمَ الْحَرَامِ. وَقَالَ الْحَكَمُ: تَحْرِيمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يَجْمَعُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَيَزِيدُ عَلَيْهَا. وَخَصَّ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَرْبَابُ الشَّرَائِعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ عَظُمَ عَلَيْهِمْ. "مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ" مِنَ التَّوْحِيدِ وَرَفْضِ الْأَوْثَانِ. قَالَ قَتَادَةُ: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَضَاقَ بِهَا إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ، فَأَبَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَنْ يَنْصُرَهَا ويعليها ويظهرها على من نَاوَأَهَا. ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ" أَيْ يَخْتَارُ. وَالِاجْتِبَاءُ الِاخْتِيَارُ، أَيْ يَخْتَارُ لِلتَّوْحِيدِ مَنْ يَشَاءُ. "وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ" أَيْ يَسْتَخْلِصُ لِدِينِهِ مَنْ رَجَعَ إِلَيْهِ. "وَما تَفَرَّقُوا" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا. "إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ" مُحَمَّدٌ ﷺ، وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾[[راجع ج ١٤ ص ٣٥٧]] [فاطر: ٤٢] يُرِيدُ نَبِيًّا. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ [[راجع ج ٢ ص ٢٧]]. وَقِيلَ: أُمَمُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِنَّهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمُ اخْتَلَفُوا لَمَّا طَالَ بِهِمُ الْمَدَى [[لفظة المدى ساقطة من ك.]]، فَآمَنَ قَوْمٌ وَكَفَرَ قَوْمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ، دَلِيلُهُ فِي سُورَةِ الْمُنْفَكِّينَ ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٦]] [الْبَيِّنَةُ: ٤]. فَالْمُشْرِكُونَ قَالُوا: لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ! وَالْيَهُودُ حسدوه لما بعث، وكذا النصارى. "بَغْياً بَيْنَهُمْ" أَيْ بَغْيًا مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ طلبا للرئاسة، فَلَيْسَ تَفَرُّقُهُمْ لِقُصُورٍ فِي الْبَيَانِ وَالْحُجَجِ، وَلَكِنْ للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا." وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
[[راجع ج ٢٠ ص ١٤٣]] مِنْ رَبِّكَ "فِي تَأْخِيرِ الْعِقَابِ عَنْ هَؤُلَاءِ." إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى "قِيلَ: الْقِيَامَةُ، لقوله تعالى:" بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ"»
[القمر: ٤٦]. وَقِيلَ: إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي قُضِيَ فِيهِ بِعَذَابِهِمْ. "لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" أَيْ بَيْنَ مَنْ آمَنَ وَبَيْنَ مَنْ كَفَرَ بِنُزُولِ الْعَذَابِ. "وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ" يُرِيدُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. "مِنْ بَعْدِهِمْ" أَيْ مِنْ بَعْدِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقِّ. "لَفِي شَكٍّ" مِنَ الَّذِي أَوْصَى بِهِ الْأَنْبِيَاءُ. وَالْكِتَابُ هُنَا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ. وَقِيلَ: "إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ" قريش. "مِنْ بَعْدِهِمْ" من بعد اليهود النصارى. "لَفِي شَكٍّ" مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَى "مِنْ بَعْدِهِمْ" مِنْ قَبْلِهِمْ، يَعْنِي مِنْ قَبْلِ مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَهُمُ الْيَهُودُ والنصارى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ﴾ لَمَّا أَجَازَ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ لِقُرَيْشٍ قِيلَ لَهُ: "فَلِذلِكَ فَادْعُ" أَيْ فَتَبَيَّنْتَ شَكَّهُمْ فَادْعُ إِلَى اللَّهِ، أَيْ إِلَى ذَلِكَ الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَوَصَّاهُمْ بِهِ. فَاللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾[[راجع ج ٢٠ ص ١٤٩.]] [الزلزلة: ٥] أي إليها. و "ذلِكَ" بِمَعْنَى هَذَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ١٥٧ طبعه ثانية أو ثالثة.]]. وَالْمَعْنَى فَلِهَذَا الْقُرْآنِ فَادْعُ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالْمَعْنَى كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ فَلِذَلِكَ فَادْعُ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّامَ عَلَى بَابِهَا، وَالْمَعْنَى: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ إِلَى الْقُرْآنِ فَادْعُ الْخَلْقَ. "وَاسْتَقِمْ" خِطَابٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ قَتَادَةُ: أَيِ اسْتَقِمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: أَيِ اسْتَقِمْ عَلَى الْقُرْآنِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: اسْتَقِمْ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. "وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ" أَيْ لَا تَنْظُرْ إِلَى خِلَافِ مَنْ خَالَفَكَ. "وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ" أَيْ أَنْ أَعْدِلَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾[[آية ٦٦ سورة غافر.]] [غافر: ٦٦]. وَقِيلَ: هِيَ لَامُ كَيْ، أَيْ لِكَيْ أَعْدِلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: لِأُسَوِّيَ بَيْنَكُمْ في الدين فأومن بِكُلِّ كِتَابٍ وَبِكُلِّ رَسُولٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: لِأَعْدِلَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَقِيلَ: هَذَا الْعَدْلُ هُوَ الْعَدْلُ فِي الْأَحْكَامِ. وَقِيلَ فِي التَّبْلِيغِ. "اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ، أَيْ لَنَا دِينُنَا وَلَكُمْ دِينُكُمْ. قال: ثم نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[[آية ٢٩ سورة التوبة.]] [التوبة: ٢٩] الْآيَةَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَعْنَى "لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ" لَا خُصُومَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. وَقِيلَ: لَيْسَ بمنسوخ، لِأَنَّ الْبَرَاهِينَ قَدْ ظَهَرَتْ، وَالْحُجَجَ قَدْ قَامَتْ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعِنَادُ، وَبَعْدَ الْعِنَادِ لَا حُجَّةَ وَلَا جِدَالَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى "لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ" عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ: لَمْ يُؤْمَرْ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَيْكُمْ وَيُقَاتِلَكُمْ، ثُمَّ نُسِخَ هَذَا. كَمَا أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَوَّلَ الْقِبْلَةُ: لَا تُصَلِّ [[في ك ل: لا نصلى وفي ز لا يصلى.]] إِلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ حُوِّلَ النَّاسُ بَعْدُ، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ نُسِخَ ذَلِكَ. "اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا" يُرِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. "وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" أَيْ فَهُوَ يَحْكُمُ بَيْنَنَا إِذَا صِرْنَا إِلَيْهِ، وَيُجَازِي كُلًّا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَقَدْ سَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ دَعْوَتِهِ وَدِينِهِ إِلَى دِينِ قُرَيْشٍ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْوَلِيدُ نِصْفَ مَالِهِ وَيُزَوِّجُهُ شَيْبَةُ بِابْنَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ رَجَعَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. "مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ" قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ بَعْدِ مَا أَسْلَمَ النَّاسُ. قَالَ: وَهَؤُلَاءِ قَدْ تَوَهَّمُوا أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ تَعُودُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمُحَاجَّتُهُمْ قَوْلُهُمْ نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ لِأَنْفُسِهِمُ الْفَضِيلَةَ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَنَّهُمْ أَوْلَادُ الْأَنْبِيَاءِ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾[[راجع ج ١١ ص ١٤٢.]] [مريم: ٧٣] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ" أَيْ لَا ثَبَاتَ لَهَا كَالشَّيْءِ الَّذِي يَزِلُّ عَنْ مَوْضِعِهِ. وَالْهَاءُ فِي "لَهُ" يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا وَحَّدُوا اللَّهَ وَشَهِدُوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لمحمد ﷺ فِي دَعْوَتِهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَنَصَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ. يُقَالُ: دَحَضَتْ حُجَّتُهُ دُحُوضًا بَطَلَتْ. وَأَدْحَضَهَا اللَّهُ. وَالْإِدْحَاضُ: الْإِزْلَاقُ. ومكان دحض ودحض أيضا (بِالتَّحْرِيكِ) أَيْ زَلِقَ. وَدَحَضَتْ رِجْلُهُ تَدْحَضُ دَحْضًا زَلِقَتْ. وَدَحَضَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ زَالَتْ. "وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ" يُرِيدُ فِي الدُّنْيَا. "وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ" يريد في الآخرة عذاب دائم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ وَسَائِرَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ. "بِالْحَقِّ" أَيْ بِالصِّدْقِ. "وَالْمِيزانَ" أَيِ الْعَدْلَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَالْعَدْلُ يُسَمَّى مِيزَانًا، لِأَنَّ الْمِيزَانَ آلَةُ الْإِنْصَافِ وَالْعَدْلِ. وَقِيلَ: الْمِيزَانُ مَا بُيِّنَ فِي الْكُتُبِ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمِيزَانُ الْعَدْلُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى. وَقِيلَ: هُوَ الْجَزَاءُ عَلَى الطَّاعَةِ بِالثَّوَابِ وَعَلَى الْمَعْصِيَةِ بِالْعِقَابِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْمِيزَانُ نَفْسُهُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، أَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ وَعَلَّمَ الْعِبَادَ الْوَزْنَ بِهِ، لِئَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُمْ تَظَالُمٌ وَتَبَاخُسٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[[آية ٢٥ سورة الحديد.]] [الحديد: ٢٥]. قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ. وَمَعْنَى أنزل الميزان. هو إلهامه للخلق أن يعملوه وَيَعْمَلُوا] بِهِ [. وَقِيلَ: الْمِيزَانُ مُحَمَّدٌ ﷺ، يَقْضِي بَيْنَكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ. "وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ" فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِهَا. يَحُضُّهُ عَلَى الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالْعَدْلِ وَالسَّوِيَّةِ، وَالْعَمَلِ بِالشَّرَائِعِ قَبْلَ أَنْ يُفَاجِئَ الْيَوْمَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمُحَاسَبَةُ وَوَزْنُ الْأَعْمَالِ، فَيُوَفِّي لِمَنْ أَوْفَى وَيُطَفِّفُ لِمَنْ طَفَّفَ. فَ "لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ" أَيْ مِنْكَ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي. وَقَالَ: "قَرِيبٌ" وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَةً، لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ لِأَنَّهَا كَالْوَقْتِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَالْمَعْنَى: لَعَلَّ الْبَعْثَ أَوْ لَعَلَّ مَجِيءَ السَّاعَةِ قَرِيبٌ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: "قَرِيبٌ" نَعْتٌ يُنْعَتُ بِهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ بِمَعْنًى وَلَفْظٍ وَاحِدٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[[آية ٥٦ سورة الأعراف. راجع ج ٧ ص ٢٢٧.]] [الأعراف: ٥٦] قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكُنَّا قَرِيبًا وَالدِّيَارُ بَعِيدَةً ... فَلَمَّا وصلنا نصب أعينهم غبنا
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ يَعْنِي عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا غَيْرُ آتِيَةٍ، أَوْ إِيهَامًا لِلضَّعَفَةِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ. "وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها" أَيْ خَائِفُونَ وَجِلُونَ لِاسْتِقْصَارِهِمْ أَنْفُسَهُمْ مَعَ الْجَهْدِ فِي الطَّاعَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾[[آية ٦٠ سورة المؤمنون.]] [المؤمنون: ٦٠]. "وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ" أَيِ الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا. "أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ" أَيْ يَشُكُّونَ وَيُخَاصِمُونَ فِي قِيَامِ السَّاعَةِ. "لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ" أَيْ عَنِ الْحَقِّ وَطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ، إِذْ لَوْ تَذَكَّرُوا لَعَلِمُوا أَنَّ الَّذِي أَنْشَأَهُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ إِلَى أَنْ بَلَغُوا مَا بَلَغُوا، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَفِيٌّ بِهِمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: بَارٌّ بِهِمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: رَفِيقٌ بِهِمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَطِيفٌ بِالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهُمْ جُوعًا بِمَعَاصِيهِمْ. وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: لَطِيفٌ بِهِمْ فِي الْعَرْضِ وَالْمُحَاسَبَةِ. قَالَ:
غَدًا عِنْدَ مَوْلَى الْخَلْقِ لِلْخَلْقِ مَوْقِفٌ ... يُسَائِلُهُمْ فِيهِ الْجَلِيلُ وَيَلْطُفُ
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: يَلْطُفُ بِهِمْ فِي الرِّزْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُ جَعَلَ رِزْقَكَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ. وَالثَّانِي- أَنَّهُ لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذوه. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: لَطِيفٌ بِهِمْ فِي القرآن وتفصيله وتفسيره. وقال الجنيد: لطيف بِأَوْلِيَائِهِ حَتَّى عَرَفُوهُ، وَلَوْ لَطَفَ بِأَعْدَائِهِ لَمَا جَحَدُوهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَتَّانِيُّ: اللَّطِيفُ بِمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا يَئِسَ من الخلق توكل عليه وَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُهُ وَيُقْبِلُ عَلَيْهِ. وَجَاءَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَطَّلِعُ عَلَى الْقُبُورِ الدَّوَارِسِ فيقول عز وجل امَّحَتْ آثَارُهُمْ وَاضْمَحَلَّتْ صُوَرُهُمْ وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ وَأَنَا اللَّطِيفُ وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ خَفِّفُوا عَنْهُمُ الْعَذَابَ فَيُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ (. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
أَمُرُّ بِأَفْنَاءِ الْقُبُورِ كَأَنَّنِي ... أَخُو فِطْنَةٍ وَالثَّوَابُ فِيهِ نَحِيفُ
وَمَنْ شَقَّ فَاهُ اللَّهُ قَدَّرَ رِزْقَهُ ... وَرَبِّي بِمَنْ يَلْجَأُ إِلَيْهِ لَطِيفُ
وَقِيلَ: اللَّطِيفُ الَّذِي يَنْشُرُ مِنْ عِبَادِهِ الْمَنَاقِبَ وَيَسْتُرُ عَلَيْهِمُ الْمَثَالِبَ، وَعَلَى هَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (يَا مَنْ أَظْهَرَ الْجَمِيلَ وَسَتَرَ الْقَبِيحَ). وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الْقَلِيلَ وَيَبْذُلُ الْجَزِيلَ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَجْبُرُ الْكَسِيرَ وَيُيَسِّرُ الْعَسِيرَ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يُخَافُ إِلَّا عَدْلُهُ وَلَا يُرْجَى إِلَّا فَضْلُهُ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَبْذُلُ لِعَبْدِهِ النِّعْمَةَ فَوْقَ الْهِمَّةِ وَيُكَلِّفُهُ الطَّاعَةَ فَوْقَ الطَّاقَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها﴾[[آية ٣٤ سورة إبراهيم.]] [النحل: ١٨] ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾[[آية ٢٠ سورة لقمان.]] [لقمان: ٢٠]، وَقَالَ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾[[آية ٧٨ سورة الحج.]] [الحج: ٧٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾[[آية ٢٨ سورة النساء.]] [النساء: ٢٨]. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُعِينُ عَلَى الْخِدْمَةِ وَيُكْثِرُ الْمِدْحَةَ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يُعَاجِلُ مَنْ عَصَاهُ وَلَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يَرُدُّ سَائِلَهُ وَلَا يُوئِسُ آمِلَهُ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَعْفُو عَمَّنْ يَهْفُو. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَرْحَمُ مَنْ لَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي أَوْقَدَ فِي أَسْرَارِ الْعَارِفِينَ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ سِرَاجًا، وَجَعَلَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ لَهُمْ مِنْهَاجًا، وَأَجْزَلَ لَهُمْ مِنْ سَحَائِبِ بِرِّهِ مَاءً ثَجَّاجًا. وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَنْعَامِ" قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالْجُنَيْدِ أَيْضًا [[راجع ج ٧ ص ٥٧ طبعه أولى أو ثانية.]]. وَقَدْ ذَكَرْنَا جَمِيعَ هَذَا فِي (الْكِتَابِ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى) عِنْدَ اسْمِهِ اللَّطِيفِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. "يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ" وَيَحْرِمُ مَنْ يَشَاءُ. وَفِي تَفْضِيلِ قوم بالمال حكمة، ليحتاج الْبَعْضُ إِلَى الْبَعْضِ، كَمَا قَالَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾[[آية ٣٢ سورة الزخرف.]] [الزخرف: ٣٢]، فَكَانَ هَذَا لُطْفًا بِالْعِبَادِ. وَأَيْضًا لِيَمْتَحِنَ الْغَنِيَّ بِالْفَقِيرِ وَالْفَقِيرَ بِالْغَنِيِّ، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ [[آية ٢٠ سورة الفرقان. راجع ج ١٣ ص (١٨)]]. "وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ"
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ الْحَرْثُ الْعَمَلُ وَالْكَسْبُ. وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: وَاحْرُثْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا وَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا. وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ حَارِثًا. وَالْمَعْنَى: أَيْ مَنْ طَلَبَ بِمَا رَزَقْنَاهُ حَرْثًا لِآخِرَتِهِ، فَأَدَّى حُقُوقَ اللَّهِ وَأَنْفَقَ فِي إِعْزَازِ الدِّينِ، فَإِنَّمَا نُعْطِيهِ ثَوَابَ ذَلِكَ لِلْوَاحِدِ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ فَأَكْثَرَ. "وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا" أَيْ طَلَبَ بِالْمَالِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ رئاسة الدُّنْيَا وَالتَّوَصُّلَ إِلَى الْمَحْظُورَاتِ، فَإِنَّا لَا نَحْرِمُهُ الرِّزْقَ أَصْلًا، وَلَكِنْ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ مَالِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾[[آية ١٨ وما بعدها سورة الاسراء.]] [الاسراء: ١٩ - ١٨]. وَقِيلَ: "نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ" نُوَفِّقُهُ لِلْعِبَادَةِ وَنُسَهِّلُهَا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: حَرْثُ الْآخِرَةِ الطَّاعَةُ، أَيْ من أطاع فله الثواب. وقيل: "نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ" أي نعطيه الدُّنْيَا مَعَ الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي الْغَزْوِ، أَيْ مَنْ أَرَادَ بِغَزْوِهِ الْآخِرَةَ أُوتِيَ الثَّوَابَ، وَمَنْ أَرَادَ بِغَزْوِهِ الْغَنِيمَةَ أُوتِيَ مِنْهَا. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ فِي الْكَافِرِ، يُوَسَّعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا، أَيْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْتَرَّ بِذَلِكَ لِأَنَّ الدُّنْيَا لَا تَبْقَى. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَلَى نِيَّةِ الْآخِرَةِ مَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَا يُعْطِي عَلَى نِيَّةِ الدُّنْيَا إِلَّا الدُّنْيَا. وَقَالَ أَيْضًا: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ زِدْنَاهُ فِي عَمَلِهِ وَأَعْطَيْنَاهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَتَبْنَا لَهُ وَمَنْ آثَرَ دُنْيَاهُ عَلَى آخِرَتِهِ لم نجعل له نصيبا في الآخرة إِلَّا النَّارَ وَلَمْ يُصِبْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا رِزْقًا قَدْ قَسَمْنَاهُ لَهُ لَا بُدَّ أَنْ كَانَ يُؤْتَاهُ مَعَ إِيثَارٍ أَوْ غَيْرِ إِيثَارٍ (. وَرَوَى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ" مَنْ كَانَ مِنَ الْأَبْرَارِ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الصَّالِحِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ "نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ" أَيْ فِي حَسَنَاتِهِ. "وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا" أَيْ مَنْ كَانَ مِنَ الْفُجَّارِ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الْحَسَنِ الدُّنْيَا "نُؤْتِهِ مِنْها" ثُمَّ نسخ ذلك فِي سُبْحَانَ: "مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ" [الاسراء. ١٨]. وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ، لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِإِرَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ). وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ يُبَيِّنُ لَكَ أَنْ لَا نَسْخَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي "هُودٍ" أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَأَنَّ النَّسْخَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَخْبَارِ [[راجع ج ٩ ص ١٤]]. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. مَسْأَلَةٌ: هَذِهِ الْآيَةُ تُبْطِلُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ تَبَرُّدًا أَنَّهُ يُجْزِيهِ عَنْ فَرِيضَةِ الْوُضُوءِ الْمُوَظَّفِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ فَرِيضَةَ الْوُضُوءِ مِنْ حَرْثِ الْآخِرَةِ وَالتَّبَرُّدَ مِنْ حَرْثِ الدُّنْيَا، فَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَا تُجْزِي نِيَّتُهُ عَنْهُ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَهُ ابن العربي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ أَيْ أَلَهُمْ! وَالْمِيمُ صِلَةٌ وَالْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ. وَهَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ [الشورى: ١٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ﴾ [الشورى: ١٧] كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَهَلْ لَهُمْ آلِهَةٌ شَرَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ! وَإِذَا اسْتَحَالَ هَذَا فَاللَّهُ لَمْ يَشْرَعِ الشرك، فمن أين يدينون به. "وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ" يوم القيامة حيث قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٤٦.]] [القمر: ٤٦]. "لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" فِي الدُّنْيَا، فَعَاجَلَ الظَّالِمَ بِالْعُقُوبَةِ وَأَثَابَ الطَّائِعَ. "وَإِنَّ الظَّالِمِينَ" أَيِ الْمُشْرِكِينَ. "لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" فِي الدُّنْيَا الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ وَالْقَهْرُ، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ. وَقَرَأَ ابْنُ هُرْمُزَ "وأن" بفتح الهمزة على العطف على "وَلَوْلا كَلِمَةُ" وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجَوَابِ "لَوْلا" جَائِزٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "إِنَّ" رَفْعًا عَلَى تَقْدِيرِ: وَجَبَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا مِمَّا قَبْلَهُ كَقِرَاءَةِ الْكَسْرِ، فاعلمه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ أَيْ خَائِفِينَ "مِمَّا كَسَبُوا" أَيْ مِنْ جَزَاءِ مَا كَسَبُوا. وَالظَّالِمُونَ ها هنا الْكَافِرُونَ، بِدَلِيلِ التَّقْسِيمِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ. "وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ" أَيْ نَازِلٌ بِهِمْ. "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ" الرَّوْضَةُ: الْمَوْضِعُ النَّزِهُ الْكَثِيرُ الْخُضْرَةِ. وَقَدْ مَضَى فِي "الرُّومِ" [[راجع ج ١٤ ص ١١]]. "لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ" أَيْ مِنَ النَّعِيمِ وَالثَّوَابِ الْجَزِيلِ. "ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ" أَيْ لَا يُوصَفُ وَلَا تَهْتَدِي الْعُقُولُ إِلَى كُنْهِ صِفَتِهِ، لِأَنَّ الْحَقَّ إِذَا قَالَ كَبِيرٌ فَمَنْ ذَا الَّذِي يقدر قدره.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قُرِئَ "يُبَشِّرُ" مِنْ بَشَّرَهُ، "وَيُبْشِرُ" مِنْ أَبْشَرَهُ، "وَيَبْشُرُ" مِنْ بَشَرَهُ، وَفِيهِ حَذْفٌ، أَيْ يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لِيَتَعَجَّلُوا السُّرُورَ وَيَزْدَادُوا مِنْهُ وَجْدًا فِي الطَّاعَةِ. قَوْلُهُ تعالى: "قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " فِيهِ مسألتان: الاولى- قوله تعالى: "قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً" أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ جُعْلًا. "إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " قَالَ الزَّجَّاجُ: "إِلَّا الْمَوَدَّةَ" اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، أَيْ إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي فَتَحْفَظُونِي. وَالْخِطَابُ لِقُرَيْشٍ خَاصَّةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو مَالِكٍ وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: أَكْثَرَ النَّاسُ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَكَتَبْنَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ نَسْأَلُهُ عَنْهَا، فَكَتَبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَوْسَطَ النَّاسِ فِي قُرَيْشٍ، فَلَيْسَ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِهِمْ إِلَّا وَقَدْ وَلَدَهُ، فَقَالَ الله له: "قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي فِي قَرَابَتِي مِنْكُمْ، أَيْ تُرَاعُوا ما بيني وبينكم فتصدقوني. ف "الْقُرْبى " ها هنا قَرَابَةُ الرَّحِمِ، كَأَنَّهُ قَالَ: اتَّبِعُونِي لِلْقَرَابَةِ إِنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي لِلنُّبُوَّةِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ أَرْحَامَهَا فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ قَطَعَتْهُ، فَقَالَ: (صِلُونِي كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ). فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عليه أجرا لكن أذكركم قرابتي، على أنه استثناء ليس من الأول، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتَ! أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ. فَهَذَا قَوْلٌ. وَقِيلَ: الْقُرْبَى قَرَابَةُ الرَّسُولِ ﷺ، أَيْ لَا أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَوَدُّوا قَرَابَتِي وَأَهْلَ بَيْتِي، كَمَا أَمَرَ بِإِعْظَامِهِمْ ذَوِي الْقُرْبَى. وَهَذَا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَالسُّدِّيِّ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: "قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَوَدُّهُمْ؟ قَالَ: (عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَأَبْنَاؤُهُمَا). وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَسَدَ النَّاسِ لِي. فَقَالَ: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَنَا وَأَنْتَ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَأَزْوَاجُنَا عَنْ أَيْمَانِنَا وَشَمَائِلِنَا وَذُرِّيَّتِنَا خَلْفَ أَزْوَاجِنَا (. وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ:) حُرِّمَتِ الْجَنَّةُ عَلَى مَنْ ظَلَمَ أَهْلَ بَيْتِي وَآذَانِي فِي عِتْرَتِي وَمَنِ اصْطَنَعَ صَنِيعَةً إِلَى أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَمْ يُجَازِهِ عَلَيْهَا فَأَنَا أُجَازِيهِ عَلَيْهَا غَدًا إِذَا لَقِيَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ (. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ يَتَوَدَّدُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَتَقَرَّبُوا إليه بطاعته. ف "القربى" عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْقُرْبَةَ. يُقَالُ: قُرْبَةٌ وَقُرْبَى بِمَعْنًى، كَالزُّلْفَةِ وَالزُّلْفَى. وَرَوَى قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى مَا آتَيْتُكُمْ بِهِ أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَوَادُّوا وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ). وَرَوَى مَنْصُورٌ وَعَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ "قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " قَالَ: يَتَوَدَّدُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَتَقَرَّبُونَ مِنْهُ بِطَاعَتِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِمَوَدَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَصِلَةِ رَحِمِهِ، فَلَمَّا هَاجَرَ آوَتْهُ الْأَنْصَارُ وَنَصَرُوهُ، وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُلْحِقَهُ بِإِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حيث قالوا: ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾[[آية ١٠٩ و١٢٧ و١٤٥ و١٦٤ و١٨٠ سورة الشعراء.]] [الشعراء: ١٠٩] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾[[آية ٤٧ سورة سبأ.]] [سبأ: ٤٧] فنسخت بهذه الآية وبقوله: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾[[آية ٨٦ سورة ص.]] [ص: ٨٦]، وَقَوْلِهِ. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾[[آية ٧٢ سورة المؤمنون.]] [المؤمنون: ٧٢]، وقوله: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾[[آية ٤٠ سورة الطور وآية ٤٦ سورة القلم]] [الطور: ٤٠]، قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ. وَرَوَاهُ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَكَفَى قُبْحًا بِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ وَمَوَدَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَنْسُوخٌ، وقد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيدًا. وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ جَعَلَ اللَّهُ زُوَّارَ قَبْرِهِ الْمَلَائِكَةَ وَالرَّحْمَةَ. وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَيِسٌ الْيَوْمَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرَحْ [[أي لم يشم ريحها، يقال: راح يريح، وراح يراح، وأراح يريح. والثلاثة قد روى بها الحديث.]] رَائِحَةَ الْجَنَّةِ. وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلٍ بَيْتِي فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي شَفَاعَتِي (. قُلْتُ: وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا فَقَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (من مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيدًا أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ بِالْجَنَّةِ ثُمَّ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ فِي قَبْرِهِ بَابَانِ إِلَى الْجَنَّةِ. أَلَا وَمَنْ مَاتَ في حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزَارَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ كَافِرًا. أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ (. قَالَ النَّحَّاسُ: وَمَذْهَبُ عِكْرِمَةَ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، قَالَ: كَانُوا يَصِلُونَ أَرْحَامَهُمْ فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ قَطَعُوهُ فَقَالَ: (قُلْ لا أسئلكم عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَوَدُّونِي وَتَحْفَظُونِي لِقَرَابَتِي وَلَا تُكَذِّبُونِي). قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبُخَارِيِّ وَالشَّعْبِيِّ عَنْهُ بِعَيْنِهِ، وَعَلَيْهِ لَا نَسْخَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَقَوْلُ الْحَسَنِ حَسَنٌ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كما حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَسَدُ ابن مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا قَزَعَةُ- وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ [[تقدم أنه قزعة بن سويد، وهو ممن يروى عن ابن أبي نجيح.
(راجع تهذيب التهذيب).]] الْبَصْرِيُّ- قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (لا أسئلكم عَلَى مَا أُنَبِّئُكُمْ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَوَادُّوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْ تَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ). فَهَذَا الْمُبَيَّنُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَالَ هَذَا، وَكَذَا قالت الأنبياء ﷺ قبله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧].
الثَّانِيَةُ- وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانَتْ تَنُوبُهُ نَوَائِبُ وَحُقُوقٌ لَا يَسَعُهَا مَا فِي يَدَيْهِ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هَدَاكُمُ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ ابْنُ أَخِيكُمْ، وَتَنُوبُهُ نَوَائِبُ وَحُقُوقٌ لَا يَسَعُهَا مَا فِي يَدَيْهِ فَنَجْمَعُ لَهُ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَتَوْهُ بِهِ فَنَزَلَتْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: نَزَلَتْ حِينَ تَفَاخَرَتِ الْأَنْصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ نَحْنُ فَعَلْنَا، وَفَخَرَتِ الْمُهَاجِرُونَ بِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَخَطَبَ فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: (أَلَمْ تَكُونُوا أَذِلَّاءَ فَأَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِي. أَلَمْ تَكُونُوا ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي. أَلَمْ تَكُونُوا خَائِفِينَ فَأَمَّنَكُمُ اللَّهُ بِي أَلَا تَرُدُّونَ عَلَيَّ)؟ فَقَالُوا: بِمَ نُجِيبُكَ؟ قَالَ.
(تَقُولُونَ أَلَمْ يَطْرُدْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْنَاكَ. أَلَمْ يُكَذِّبْكَ قَوْمُكَ فَصَدَّقْنَاكَ ... ) فَعَدَّدَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ فَقَالُوا: أَنْفُسُنَا وَأَمْوَالُنَا لك، فنزلت: "قل لا أسئلكم عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى". وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ لَعَلَّ مُحَمَّدًا فِيمَا يَتَعَاطَاهُ يَطْلُبُ أَجْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، لِيَحُثَّهُمْ عَلَى مَوَدَّتِهِ وَمَوَدَّةِ أَقْرِبَائِهِ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْآيَةِ، لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أَيْ يَكْتَسِبُ. وَأَصْلُ الْقَرْفِ الْكَسْبُ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَقْرِفُ لِعِيَالِهِ، أَيْ يَكْسِبُ. وَالِاقْتِرَافُ الِاكْتِسَابُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ قِرْفَةٌ، إِذَا كَانَ مُحْتَالًا. وَقَدْ مَضَى فِي "الْأَنْعَامِ" [[راجع ج ٧ ص ٧٠]] الْقَوْلُ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً" قَالَ الْمَوَدَّةَ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ. "نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً" أَيْ نُضَاعِفْ لَهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرٍ فَصَاعِدًا. "إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ" قَالَ قَتَادَةُ: "غَفُورٌ" لِلذُّنُوبِ "شَكُورٌ" لِلْحَسَنَاتِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: "غَفُورٌ" لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ عليه السلام، "شكور" لحسناتهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ الْمِيمُ صِلَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَيَقُولُونَ افْتَرَى. وَاتَّصَلَ الْكَلَامُ بِمَا قَبْلُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾[[آية ١٥ من هذه السورة.]] [الشورى: ١٥]، وقال ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾[[آية ١٧ من هذه السورة.]] [الشورى: ١٧] قَالَ إِتْمَامًا لِلْبَيَانِ: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً" يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا اخْتَلَقَ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ. "فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ" شَرْطٌ وَجَوَابُهُ "عَلى قَلْبِكَ" قَالَ قَتَادَةُ: يَطْبَعُ عَلَى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ الْقُرْآنَ، فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَوِ افْتَرَى عَلَيْهِ لَفَعَلَ بِمُحَمَّدٍ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ مجاهد ومقاتل: "فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ" يَرْبِطْ عَلَى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ حَتَّى لَا يَدْخُلَ قَلْبَكَ مَشَقَّةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِنْ يَشَأْ يُزِلْ تَمْيِيزَكَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَوْ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ أَنْ تَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لَطُبِعَ عَلَى قَلْبِكَ، قَالَهُ ابْنُ عِيسَى. وَقِيلَ: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قُلُوبِ الْكُفَّارِ وَعَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَعَاجَلَهُمْ بِالْعِقَابِ. فَالْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ الْكُفَّارُ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: "وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ" قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ" تَامٌّ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، مَجَازُهُ: وَاللَّهُ يَمْحُو الْبَاطِلَ، فَحُذِفَ مِنْهُ الْوَاوُ فِي الْمُصْحَفِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. كَمَا حُذِفَتْ مِنْ قَوْلِهِ "سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ"، [[آية ١٨ سورة العلق.]] [العلق: ١٨]، "وَيَدْعُ الْإِنْسانُ"»
[الاسراء: ١١] وَلِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ "يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ". وقال الزجاج: قول: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً" تَمَامٌ، وَقَوْلُهُ: "وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ" احْتِجَاجٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، أَيْ لَوْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ بَاطِلًا لَمَحَاهُ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ فِي الْمُفْتَرِينَ. "وَيُحِقُّ الْحَقَّ" أَيِ الْإِسْلَامَ فَيُثْبِتُهُ [[في أح ز هـ: فبينه.]] "بِكَلِماتِهِ" أَيْ بِمَا أَنْزَلَهُ مِنَ الْقُرْآنِ. "إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ" عَامٌّ، أَيْ بِمَا فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ. وَقِيلَ خَاصٌّ. وَالْمَعْنَى أَنَّكَ لَوْ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ أَنْ تَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لعلمه وطبع على قلبك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تعالى "قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى " قَالَ قَوْمٌ فِي نُفُوسِهِمْ: مَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يَحُثَّنَا عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَنَّهُمْ قَدِ اتَّهَمُوهُ فَأَنْزَلَ: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً" الْآيَةَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَشْهَدُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَنَتُوبُ. فَنَزَلَتْ: "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ. وَالْآيَةُ عَامَّةٌ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي مَعْنَى التَّوْبَةِ وأحكامها [[راجع ج ٥ ص ٩٠ وما بعدها.]]، ومضى هذا اللفظ في "براءة" [[آية ١٠٤ راجع ج ٨ ص (٢٥٠)]] "وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ" أَيْ عَنِ الشِّرْكِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. "وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ" أَيْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَخَلَفٌ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ. الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حاتم، لأنه بين خبرين: الأول وهو "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ" وَالثَّانِي "وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ".
"الَّذِينَ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ وَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، أَيْ يَقْبَلُ عِبَادَةَ مَنْ أَخْلَصَ لَهُ بِقَلْبِهِ وَأَطَاعَ بِبَدَنِهِ. وَقِيلَ: يُعْطِيهِمْ مَسْأَلَتَهُمْ إِذَا دَعَوْهُ. وَقِيلَ: وَيُجِيبُ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِينَ بِعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، يُقَالُ: أَجَابَ وَاسْتَجَابَ بِمَعْنًى، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ٣٠٨ وما بعدها طبعه ثانية.]]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ" يُشَفِّعُهُمْ فِي إِخْوَانِهِمْ. "وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ" قَالَ: يُشَفِّعُهُمْ فِي إِخْوَانِ إِخْوَانِهِمْ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: مَعْنَى "وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا" وَلْيَسْتَدْعِ الَّذِينَ آمَنُوا الْإِجَابَةَ، هَكَذَا حَقِيقَةُ مَعْنَى اسْتَفْعَلَ. فَ "الَّذِينَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. "وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ".
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- فِي نُزُولِهَا، قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ تَمَنَّوْا سَعَةَ الرِّزْقِ. وَقَالَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ: فِينَا نَزَلَتْ، نَظَرْنَا إِلَى أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ فَتَمَنَّيْنَاهَا فَنَزَلَتْ. "لَوْ بَسَطَ" مَعْنَاهُ وَسَّعَ. وَبَسَطَ الشَّيْءَ نَشَرَهُ. وَبِالصَّادِ أَيْضًا. "لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ" طَغَوْا وَعَصَوْا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَغْيُهُمْ طَلَبُهُمْ مَنْزِلَةً بَعْدَ مَنْزِلَةٍ وَدَابَّةً بَعْدَ دَابَّةٍ وَمَرْكَبًا بَعْدَ مَرْكَبٍ وَمَلْبَسًا بَعْدَ مَلْبَسٍ. وَقِيلَ أَرَادَ لَوْ أَعْطَاهُمُ الْكَثِيرَ لَطَلَبُوا مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، لِقَوْلِهِ: (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثًا) وَهَذَا هُوَ الْبَغْيُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: لَوْ جَعَلْنَاهُمْ سَوَاءً فِي الْمَالِ لَمَا انْقَادَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَلَتَعَطَّلَتِ الصَّنَائِعُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالرِّزْقِ الْمَطَرَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الرِّزْقِ، أَيْ لَوْ أَدَامَ الْمَطَرَ لَتَشَاغَلُوا بِهِ عَنِ الدُّعَاءِ، فَيَقْبِضُ تَارَةً لِيَتَضَرَّعُوا وَيَبْسُطُ أُخْرَى لِيَشْكُرُوا. وَقِيلَ: كَانُوا إِذَا أَخْصَبُوا أَغَارَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَلَا يَبْعُدُ حَمْلُ الْبَغْيِ عَلَى هَذَا. الزَّمَخْشَرِيُّ: "لَبَغَوْا" مِنَ الْبَغْيِ وَهُوَ الظُّلْمُ، أَيْ لَبَغَى هَذَا عَلَى ذَاكَ وَذَاكَ عَلَى هَذَا، لِأَنَّ الْغِنَى مَبْطَرَةٌ مَأْشَرَةٌ، وَكَفَى بِقَارُونَ عِبْرَةً. وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَكَثْرَتَهَا). وَلِبَعْضِ الْعَرَبِ:
وَقَدْ جَعَلَ الْوَسْمِيُّ يَنْبُتُ بَيْنَنَا ... وَبَيْنَ بَنِي دُودَانَ نَبْعًا وَشَوْحَطَا [[الوسمي: مطر أول الربيع. والنبع والشوحط: شجر من أشجار الجبال تتخذ منه القسي. وفي النسخ الأصل وبعض كتب التفسير: "... بني رومان". ودودان: أبو قبيلة من أسد.]]
يَعْنِي أَنَّهُمْ أَحْيَوْا فَحَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْبَغْيِ وَالتَّغَابُنِ. أَوْ مِنَ الْبَغْيِ وَهُوَ الْبَذَخُ وَالْكِبْرُ، أَيْ لَتَكَبَّرُوا فِي الْأَرْضِ وَفَعَلُوا مَا يَتْبَعُ الْكِبْرَ مِنَ الْعُلُوِّ فِيهَا وَالْفَسَادِ. "وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشاءُ" أَيْ يُنَزِّلُ أَرْزَاقَهُمْ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ لِكِفَايَتِهِمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: "يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشاءُ" يَجْعَلُ من يشاء غنيا ومن يشاء فقيرا.
الثَّانِيَةُ- قَالَ عُلَمَاؤُنَا: أَفْعَالُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لَا تَخْلُو عَنْ مَصَالِحَ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَى اللَّهِ الِاسْتِصْلَاحُ، فَقَدْ يَعْلَمُ مِنْ حَالِ عَبْدٍ أَنَّهُ لَوْ بَسَطَ عَلَيْهِ قَادَهُ ذَلِكَ إِلَى الْفَسَادِ فَيَزْوِي عَنْهُ الدُّنْيَا، مَصْلَحَةً لَهُ. فَلَيْسَ ضيق الرزق هوانا ولا سعة فَضِيلَةً، وَقَدْ أَعْطَى أَقْوَامًا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْفَسَادِ، وَلَوْ فَعَلَ بِهِمْ خِلَافَ مَا فَعَلَ لَكَانُوا أَقْرَبَ إِلَى الصَّلَاحِ. وَالْأَمْرُ عَلَى الْجُمْلَةِ مُفَوَّضٌ إِلَى [[في ح: والأمر على الجملة إلى مسببه]] مَشِيئَتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ الْتِزَامُ مَذْهَبِ الِاسْتِصْلَاحِ فِي كُلِّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرَوَى أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: (مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَإِنِّي لَأَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي وَإِنِّي لَأَغْضَبُ لَهُمْ كَمَا يَغْضَبُ اللَّيْثُ الْحَرِدُ. وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ. وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي الْمُؤْمِنُ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَمَا يَزَالُ عَبْدِي الْمُؤْمِنُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَلِسَانًا وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا فَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَسْأَلُنِي الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ وَإِنِّي عَلِيمٌ أَنْ لَوْ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ لَدَخَلَهُ الْعُجْبُ فَأَفْسَدَهُ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ. وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى. وَإِنِّي لِأُدَبِّرُ عِبَادِي لِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ فَإِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ (. ثُمَّ قَالَ أَنَسٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي مِنْ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا الْغِنَى، فَلَا تُفْقِرْنِي بِرَحْمَتِكَ.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو عمرو ويعقوب وابن وثاب والأعمش وحمزه وَالْكِسَائِيُّ "يُنْزِلُ" مُخَفَّفًا. الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. وَقَرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ أَيْضًا وَالْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُمَا "قَنِطُوا" بِكَسْرِ النُّونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ هَذَا [[راجع ج: ١ ص ٣٦، ٦٧ وج ١٤ ص ٣٤]]. وَالْغَيْثُ الْمَطَرُ، وَسُمِّيَ الغيث غيثا لأنه يغيث الْخَلْقَ. وَقَدْ غَاثَ الْغَيْثُ الْأَرْضَ أَيْ أَصَابَهَا. وَغَاثَ اللَّهُ الْبِلَادَ يَغِيثُهَا غَيْثًا. وَغِيثَتِ الْأَرْضُ تُغَاثُ غَيْثًا فَهِيَ أَرْضٌ مَغِيثَةٌ وَمَغْيُوثَةٌ. وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: مَرَرْتُ بِبَعْضِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَقَدْ مُطِرُوا فَسَأَلْتُ عَجُوزًا مِنْهُمْ: أَتَاكُمُ الْمَطَرُ؟ فَقَالَتْ: غِثْنَا مَا شِئْنَا غَيْثًا، أَيْ مُطِرْنَا. وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ: قَاتَلَ اللَّهُ أَمَةَ بَنِي فُلَانٍ مَا أَفْصَحَهَا! قُلْتُ لَهَا كَيْفَ كَانَ الْمَطَرُ عِنْدَكُمْ؟ فَقَالَتْ: غِثْنَا مَا شِئْنَا. ذَكَرَ الْأَوَّلَ الثَّعْلَبِيُّ وَالثَّانِي الْجَوْهَرِيُّ. وَرُبَّمَا سُمِّيَ السَّحَابُ وَالنَّبَاتُ غَيْثًا. وَالْقُنُوطُ الْإِيَاسُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَحَطَ الْمَطَرُ وَقَلَّ الْغَيْثُ وَقَنِطَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: مُطِرْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَرَأَ: "وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا". وَالْغَيْثُ مَا كَانَ نَافِعًا فِي وَقْتِهِ، وَالْمَطَرُ قَدْ يَكُونُ نَافِعًا وضارا في وقته وغير وقته، قال الْمَاوَرْدِيُّ. "وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ" قِيلَ الْمَطَرُ، وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَقِيلَ ظُهُورُ الشَّمْسِ بَعْدَ الْمَطَرِ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي حَبْسِ الْمَطَرِ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ حَتَّى قَنَطُوا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْأَعْرَابِيِّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَطَرِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فِي خَبَرِ الِاسْتِسْقَاءِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ، وَاللَّهَ أَعْلَمُ. "وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ" "الْوَلِيُّ" الَّذِي يَنْصُرُ أَوْلِيَاءَهُ. "الْحَمِيدُ" الْمَحْمُودُ بكل لسان.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَيْ عَلَامَاتِهِ الدَّالَّةَ عَلَى قُدْرَتِهِ. "وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ" قَالَ مُجَاهِدٌ: يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ، وَقَدْ قَالَ تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾[[آية ٨ سورة النحل.]] [النحل: ٨]. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَرَادَ مَا بَثَّ فِي الْأَرْضِ دُونَ السَّمَاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾[[راجع ج ١٧ ص ١٦٣]] [الرحمن: ٢٢] وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمِلْحِ دُونَ الْعَذْبِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: تَقْدِيرُهُ وَمَا بَثَّ فِي أَحَدِهِمَا، فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَقَوْلُهُ: "يَخْرُجُ مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ أَحَدِهِمَا. "وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ" أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. "إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ "بِمَا كَسَبَتْ" بِغَيْرِ فَاءٍ. الْبَاقُونَ "فَبِما" بِالْفَاءِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ لِلزِّيَادَةِ فِي الْحَرْفِ وَالْأَجْرِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: إِنْ قَدَّرْتَ أَنَّ "مَا" الْمَوْصُولَةُ جَازَ حَذْفُ الْفَاءِ وَإِثْبَاتُهَا، وَالْإِثْبَاتُ أَحْسَنُ. وَإِنْ قَدَّرْتَهَا الَّتِي لِلشَّرْطِ لَمْ يَجُزِ الْحَذْفُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَأَجَازَهُ الْأَخْفَشُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾[[آية ١٢١ سورة الانعام.]] [الانعام: ١٢١]. وَالْمُصِيبَةُ هُنَا الْحُدُودُ عَلَى الْمَعَاصِي، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا تَعَلَّمَ رَجُلٌ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" ثُمَّ قَالَ: وَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّمَا هَذَا عَلَى التَّرْكِ، فَأَمَّا الَّذِي هُوَ دَائِبٌ فِي تِلَاوَتِهِ حَرِيصٌ عَلَى حِفْظِهِ إِلَّا أَنَّ النِّسْيَانَ يغلبه فليس من ذلك في شي. وَمِمَّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْسَى الشَّيْءَ مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى يَذْكُرَهُ، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثِ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: سَمِعَ قِرَاءَةَ رجل في المسجد فقال: (ماله رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَاتٍ كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا). وَقِيلَ: "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْمَعْنَى الَّذِي أَصَابَكُمْ فِيمَا مَضَى بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ الْآيَةُ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَإِذَا كَانَ يُكَفِّرُ عَنِّي بِالْمَصَائِبِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ فَمَا يَبْقَى بَعْدَ كَفَّارَتِهِ وَعَفْوِهِ! وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَدَّثَنَا بِهَا النَّبِيُّ ﷺ: "وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" الْآيَةَ: (يَا عَلِيُّ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضٍ أَوْ عُقُوبَةٍ أَوْ بَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَيْكُمُ الْعُقُوبَةَ فِي الآخرة وما عفا عنه فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يُعَاقِبَ بِهِ بَعْدَ عَفْوِهِ (. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:) مَا مِنَ اخْتِلَاجِ عِرْقٍ وَلَا خَدْشِ عُودٍ وَلَا نَكْبَةِ حَجَرٍ إِلَّا بِذَنْبٍ وَلَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ (. وَقَالَ الْحَسَنُ: دَخَلْنَا عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَقَالَ رَجُلٌ: لَا بُدَّ أَنْ أَسْأَلَكَ عَمَّا أَرَى بِكَ مِنَ الْوَجَعِ، فَقَالَ عِمْرَانُ: يَا أَخِي لَا تَفْعَلْ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ الْوَجَعَ وَمَنْ أَحَبَّهُ كَانَ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ" فَهَذَا مِمَّا كَسَبَتْ يَدِي، وَعَفْوُ رَبِّي عَمَّا بَقِيَ أَكْثَرُ [[في ح وه: أكبر]]. وَقَالَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ: رَأَيْتُ عَلَى ظَهْرِ كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةً فَقُلْتُ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ لَمَّا رَكِبَهُ الدَّيْنُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ هَذَا الْغَمَّ، هَذَا بِذَنْبٍ أَصَبْتُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ [[ضبط كسكارى (بالفتح) أو أحد الحواريين (شرح القاموس).]] قِيلَ لِأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ: مَا بَالُ الْعُقَلَاءِ أَزَالُوا اللَّوْمَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ابْتَلَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ". وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَا مِنْ نَكْبَةٍ أصابت عبد افما فَوْقَهَا إِلَّا بِذَنْبٍ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَهُ لَهُ إِلَّا بِهَا أَوْ لِيَنَالَ دَرَجَةً لَمْ يَكُنْ يُوصِلُهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِهَا. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِمُوسَى: يَا مُوسَى، سَلِ اللَّهَ لِي فِي حَاجَةٍ يَقْضِيهَا لِي هُوَ أَعْلَمُ بِهَا، فَفَعَلَ مُوسَى، فَلَمَّا نَزَلَ إِذْ هُوَ بِالرَّجُلِ قَدْ مَزَّقَ السَّبْعُ لَحْمَهُ وَقَتَلَهُ، فَقَالَ مُوسَى: مَا بَالُ هَذَا يَا رَبِّ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: (يَا مُوسَى إِنَّهُ سَأَلَنِي دَرَجَةً عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ فأصبته بما ترى لا جعلها وَسِيلَةً لَهُ فِي نَيْلِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ (. فَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ إِذَا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُنِيلَهُ تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِلَا بَلْوَى! وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. قُلْتُ: وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ [[ج ٥ ص ٣٦٩]]. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَعُقُوبَتُهُ مُؤَخَّرَةٌ إِلَى الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَهُمْ شَرٌّ قَالُوا: هَذَا بِشُؤْمِ مُحَمَّدٍ، فرد عليهم وقال بل ذلك بِشُؤْمِ كُفْرِكُمْ. وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ وَأَشْهَرُ. وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: إِنَّهُ كَانَ يُقَالُ سَاعَاتُ الْأَذَى يُذْهِبْنَ سَاعَاتِ الْخَطَايَا. ثُمَّ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا خَاصَّةٌ فِي الْبَالِغِينَ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَفِي الْأَطْفَالِ أَنْ تَكُونَ مَثُوبَةً لَهُمْ. الثَّانِي- أَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَامَّةٌ لِلْبَالِغِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ والأطفال في غيرهم من والد ووالدة. "وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ" أَيْ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَاصِي أَلَّا يَكُونَ عَلَيْهَا حُدُودٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْحَسَنِ. وَقِيلَ: أَيْ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعُصَاةِ أَلَّا يَعْجَلَ عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ. "وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ" أَيْ بِفَائِتِينَ اللَّهَ، أَيْ لَنْ تُعْجِزُوهُ وَلَنْ تَفُوتُوهُ "وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" تَقَدَّمَ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ٦٩ طبعه ثانية.]].