John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi

Surah Ash-Shura

Tafseer Al Qurtubi · Consultation · 53 ayat · ayat 31–53 · Quran text →

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ "بِمَا كَسَبَتْ" بِغَيْرِ فَاءٍ. الْبَاقُونَ "فَبِما" بِالْفَاءِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ لِلزِّيَادَةِ فِي الْحَرْفِ وَالْأَجْرِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: إِنْ قَدَّرْتَ أَنَّ "مَا" الْمَوْصُولَةُ جَازَ حَذْفُ الْفَاءِ وَإِثْبَاتُهَا، وَالْإِثْبَاتُ أَحْسَنُ. وَإِنْ قَدَّرْتَهَا الَّتِي لِلشَّرْطِ لَمْ يَجُزِ الْحَذْفُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَأَجَازَهُ الْأَخْفَشُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾[[آية ١٢١ سورة الانعام.]] [الانعام: ١٢١]. وَالْمُصِيبَةُ هُنَا الْحُدُودُ عَلَى الْمَعَاصِي، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا تَعَلَّمَ رَجُلٌ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" ثُمَّ قَالَ: وَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّمَا هَذَا عَلَى التَّرْكِ، فَأَمَّا الَّذِي هُوَ دَائِبٌ فِي تِلَاوَتِهِ حَرِيصٌ عَلَى حِفْظِهِ إِلَّا أَنَّ النِّسْيَانَ يغلبه فليس من ذلك في شي. وَمِمَّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْسَى الشَّيْءَ مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى يَذْكُرَهُ، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثِ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: سَمِعَ قِرَاءَةَ رجل في المسجد فقال: (ماله رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَاتٍ كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا). وَقِيلَ: "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْمَعْنَى الَّذِي أَصَابَكُمْ فِيمَا مَضَى بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ الْآيَةُ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَإِذَا كَانَ يُكَفِّرُ عَنِّي بِالْمَصَائِبِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ فَمَا يَبْقَى بَعْدَ كَفَّارَتِهِ وَعَفْوِهِ! وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَدَّثَنَا بِهَا النَّبِيُّ ﷺ: "وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" الْآيَةَ: (يَا عَلِيُّ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضٍ أَوْ عُقُوبَةٍ أَوْ بَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَيْكُمُ الْعُقُوبَةَ فِي الآخرة وما عفا عنه فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يُعَاقِبَ بِهِ بَعْدَ عَفْوِهِ (. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:) مَا مِنَ اخْتِلَاجِ عِرْقٍ وَلَا خَدْشِ عُودٍ وَلَا نَكْبَةِ حَجَرٍ إِلَّا بِذَنْبٍ وَلَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ (. وَقَالَ الْحَسَنُ: دَخَلْنَا عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَقَالَ رَجُلٌ: لَا بُدَّ أَنْ أَسْأَلَكَ عَمَّا أَرَى بِكَ مِنَ الْوَجَعِ، فَقَالَ عِمْرَانُ: يَا أَخِي لَا تَفْعَلْ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ الْوَجَعَ وَمَنْ أَحَبَّهُ كَانَ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ" فَهَذَا مِمَّا كَسَبَتْ يَدِي، وَعَفْوُ رَبِّي عَمَّا بَقِيَ أَكْثَرُ [[في ح وه: أكبر]]. وَقَالَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ: رَأَيْتُ عَلَى ظَهْرِ كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةً فَقُلْتُ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ لَمَّا رَكِبَهُ الدَّيْنُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ هَذَا الْغَمَّ، هَذَا بِذَنْبٍ أَصَبْتُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ [[ضبط كسكارى (بالفتح) أو أحد الحواريين (شرح القاموس).]] قِيلَ لِأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ: مَا بَالُ الْعُقَلَاءِ أَزَالُوا اللَّوْمَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ابْتَلَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ". وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَا مِنْ نَكْبَةٍ أصابت عبد افما فَوْقَهَا إِلَّا بِذَنْبٍ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَهُ لَهُ إِلَّا بِهَا أَوْ لِيَنَالَ دَرَجَةً لَمْ يَكُنْ يُوصِلُهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِهَا. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِمُوسَى: يَا مُوسَى، سَلِ اللَّهَ لِي فِي حَاجَةٍ يَقْضِيهَا لِي هُوَ أَعْلَمُ بِهَا، فَفَعَلَ مُوسَى، فَلَمَّا نَزَلَ إِذْ هُوَ بِالرَّجُلِ قَدْ مَزَّقَ السَّبْعُ لَحْمَهُ وَقَتَلَهُ، فَقَالَ مُوسَى: مَا بَالُ هَذَا يَا رَبِّ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: (يَا مُوسَى إِنَّهُ سَأَلَنِي دَرَجَةً عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ فأصبته بما ترى لا جعلها وَسِيلَةً لَهُ فِي نَيْلِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ (. فَكَانَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ إِذَا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُنِيلَهُ تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِلَا بَلْوَى! وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. قُلْتُ: وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ [[ج ٥ ص ٣٦٩]]. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَعُقُوبَتُهُ مُؤَخَّرَةٌ إِلَى الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَهُمْ شَرٌّ قَالُوا: هَذَا بِشُؤْمِ مُحَمَّدٍ، فرد عليهم وقال بل ذلك بِشُؤْمِ كُفْرِكُمْ. وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ وَأَشْهَرُ. وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: إِنَّهُ كَانَ يُقَالُ سَاعَاتُ الْأَذَى يُذْهِبْنَ سَاعَاتِ الْخَطَايَا. ثُمَّ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا خَاصَّةٌ فِي الْبَالِغِينَ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَفِي الْأَطْفَالِ أَنْ تَكُونَ مَثُوبَةً لَهُمْ. الثَّانِي- أَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَامَّةٌ لِلْبَالِغِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ والأطفال في غيرهم من والد ووالدة. "وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ" أَيْ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَاصِي أَلَّا يَكُونَ عَلَيْهَا حُدُودٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْحَسَنِ. وَقِيلَ: أَيْ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعُصَاةِ أَلَّا يَعْجَلَ عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ. "وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ" أَيْ بِفَائِتِينَ اللَّهَ، أَيْ لَنْ تُعْجِزُوهُ وَلَنْ تَفُوتُوهُ "وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" تَقَدَّمَ في غير موضع [[راجع ج ٢ ص ٦٩ طبعه ثانية.]].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ أَيْ وَمِنْ عَلَامَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ السُّفُنُ الْجَارِيَةُ فِي الْبَحْرِ كَأَنَّهَا مِنْ عِظَمِهَا أَعْلَامٌ. وَالْأَعْلَامُ: الْجِبَالُ، وَوَاحِدُ الْجَوَارِي جَارِيَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ" [[آية ١١ [سورة الحاقة]]] [الحاقة: ١١]. سُمِّيَتْ جَارِيَةً لِأَنَّهَا تَجْرِي فِي الْمَاءِ. وَالْجَارِيَةُ: هِيَ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا يَجْرِي فِيهَا مَاءُ الشَّبَابِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَعْلَامُ الْقُصُورُ، وَاحِدُهَا عَلَمٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْهُ أَنَّهَا الْجِبَالُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ عَلَمٌ. قَالَتِ الْخَنْسَاءُ تَرْثِي أَخَاهَا صَخْرًا:

وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ

"إِنْ يَشَأْ يسكن الرياح" كَذَا قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ "الرِّيَاحَ" بِالْجَمْعِ. "فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ" أَيْ فَتَبْقَى السُّفُنُ سَوَاكِنَ عَلَى ظَهْرِ الْبَحْرِ لَا تَجْرِي. رَكَدَ الْمَاءُ رُكُودًا سَكَنَ. وَكَذَلِكَ الرِّيحُ وَالسَّفِينَةُ، وَالشَّمْسُ إِذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ. وَكُلُّ ثَابِتٍ فِي مَكَانٍ فهو راكد. وركد الْمِيزَانُ اسْتَوَى. وَرَكَدَ الْقَوْمُ هَدَءُوا. وَالْمَرَاكِدُ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَرْكُدُ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَغَيْرُهُ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ "فَيَظْلِلْنَ" بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى عَلَى أَنْ يَكُونَ لُغَةً، مِثْلُ ضَلَلْتُ [[في الأصول: "ظللت أظل" بالظاء المعجمة. والتصويب عن الكشاف.]] أَضِلُّ. وَفَتَحَ اللَّامَ وَهِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ. "إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ" أَيْ دَلَالَاتٍ وَعَلَامَاتٍ "لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" أَيْ صَبَّارٍ عَلَى الْبَلْوَى شَكُورٍ عَلَى النَّعْمَاءِ. قَالَ قُطْرُبٌ: نِعْمَ الْعَبْدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ، الَّذِي إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَكَمْ مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكر، وكم من مبتلى غير صابر.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ أَيْ وَمِنْ عَلَامَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ السُّفُنُ الْجَارِيَةُ فِي الْبَحْرِ كَأَنَّهَا مِنْ عِظَمِهَا أَعْلَامٌ. وَالْأَعْلَامُ: الْجِبَالُ، وَوَاحِدُ الْجَوَارِي جَارِيَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ" [[آية ١١ [سورة الحاقة]]] [الحاقة: ١١]. سُمِّيَتْ جَارِيَةً لِأَنَّهَا تَجْرِي فِي الْمَاءِ. وَالْجَارِيَةُ: هِيَ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا يَجْرِي فِيهَا مَاءُ الشَّبَابِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَعْلَامُ الْقُصُورُ، وَاحِدُهَا عَلَمٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْهُ أَنَّهَا الْجِبَالُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ عَلَمٌ. قَالَتِ الْخَنْسَاءُ تَرْثِي أَخَاهَا صَخْرًا:

وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ

"إِنْ يَشَأْ يسكن الرياح" كَذَا قَرَأَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ "الرِّيَاحَ" بِالْجَمْعِ. "فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ" أَيْ فَتَبْقَى السُّفُنُ سَوَاكِنَ عَلَى ظَهْرِ الْبَحْرِ لَا تَجْرِي. رَكَدَ الْمَاءُ رُكُودًا سَكَنَ. وَكَذَلِكَ الرِّيحُ وَالسَّفِينَةُ، وَالشَّمْسُ إِذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ. وَكُلُّ ثَابِتٍ فِي مَكَانٍ فهو راكد. وركد الْمِيزَانُ اسْتَوَى. وَرَكَدَ الْقَوْمُ هَدَءُوا. وَالْمَرَاكِدُ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَرْكُدُ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَغَيْرُهُ. وَقَرَأَ قَتَادَةُ "فَيَظْلِلْنَ" بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى عَلَى أَنْ يَكُونَ لُغَةً، مِثْلُ ضَلَلْتُ [[في الأصول: "ظللت أظل" بالظاء المعجمة. والتصويب عن الكشاف.]] أَضِلُّ. وَفَتَحَ اللَّامَ وَهِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ. "إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ" أَيْ دَلَالَاتٍ وَعَلَامَاتٍ "لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" أَيْ صَبَّارٍ عَلَى الْبَلْوَى شَكُورٍ عَلَى النَّعْمَاءِ. قَالَ قُطْرُبٌ: نِعْمَ الْعَبْدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ، الَّذِي إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَكَمْ مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرِ شاكر، وكم من مبتلى غير صابر.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ أَيْ وَإِنْ يَشَأْ يَجْعَلْ الرِّيَاحَ عَوَاصِفَ فَيُوبِقِ السُّفُنَ، أَيْ يُغْرِقْهُنَّ بِذُنُوبِ أَهْلِهَا. وَقِيلَ: يُوبِقْ أَهْلَ السُّفُنِ. "وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ" مِنْ أَهْلِهَا فَلَا يُغْرِقُهُمْ مَعَهَا، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقِيلَ: "وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ" أَيْ وَيَتَجَاوَزُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذنوب فينجيهم الله من الهلاك. قال القشري: وَالْقِرَاءَةُ الْفَاشِيَةُ "وَيَعْفُ" بِالْجَزْمِ، وَفِيهَا إِشْكَالٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: إِنْ يَشَأْ يُسْكِنُ الرِّيحَ فَتَبْقَى تِلْكَ السُّفُنُ رَوَاكِدَ وَيُهْلِكُهَا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا، فَلَا يَحْسُنُ عَطْفُ "يَعْفُ" عَلَى هَذَا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ [[في ح: لأنه إن يشأ يعف.]] الْمَعْنَى: إِنْ يَشَأْ يَعْفُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى ذَلِكَ بَلِ الْمَعْنَى الْإِخْبَارُ عَنِ الْعَفْوِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْمَشِيئَةِ، فَهُوَ إِذًا عَطْفٌ عَلَى الْمَجْزُومِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَقَدْ قرأ قوم "وَيَعْفُ" بِالرَّفْعِ، وَهِيَ جَيِّدَةٌ فِي الْمَعْنَى. "وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ" يَعْنِي الْكُفَّارَ، أَيْ إِذَا تَوَسَّطُوا الْبَحْرَ وَغَشِيَتْهُمُ الرِّيَاحُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ أَوْ بَقِيَتِ السُّفُنُ رَوَاكِدَ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ لَهُمْ سِوَى اللَّهِ، وَلَا دَافِعَ لَهُمْ إِنْ أَرَادَ اللَّهُ إِهْلَاكَهُمْ فَيُخْلِصُونَ لَهُ الْعِبَادَةَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ [[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وج ١٣ ص ٣ (٢٢٣)]]، وَمَضَى الْقَوْلُ فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٩٥ طبعه ثانية.]] وَغَيْرِهَا بِمَا يُغْنِي عن إعادته. وقرا نافع وابن عامر "وَيَعْلَمَ" بِالرَّفْعِ، الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ. فَالرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ بَعْدَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ:" وَيُخْزِهِمْ [[آية ﴿١٤)]] وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ [التوبة: ١٥] رَفْعًا. وَنَظِيرُهُ فِي الْكَلَامِ: إِنْ تَأْتِنِي آتِكَ وَيَنْطَلِقُ عَبْدُ اللَّهِ. أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ. وَالنَّصْبُ عَلَى الصَّرْفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾[[آية ١٤٢ سورة آل عمران.]] [آل عمران: ١٤٢] صُرِفَ مِنْ حَالِ الْجَزْمِ إِلَى النَّصْبِ اسْتِخْفَافًا كَرَاهِيَةً لِتَوَالِي الْجَزْمِ، كَقَوْلِ النَّابِغَةِ:

فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ ... رَبِيعُ النَّاسِ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ [[أبو قابوس: كنيته النعمان بن المنذر، يريد أنه كان كالربيع في الخصب لمجتديه، وكالشهر الحرام لجاره، أي لا يوصل إلى من أجاره. والمعنى: إن يمت النعمان يذهب خير الدنيا لأنها كانت تعمر به وبجوده وعدله ونفعه للناس، ومن كان في ذمته وسلطانه فهو آمن على نفسه محقون الدم كما يأمن الناس في الشهر الحرام على أموالهم ودمائهم.]]

وَيُمْسِكُ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ [[ذناب كل شي: عقبه ومؤخره. واجب الظهر مقطوع السنام. يقول: إن مات بقينا في طرف عيش قد مضى صدره ومعظمه وختره، وقد بقي منه ذنبه.]]

وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: وَلَوْ جَزَمَ "وَيَعْلَمَ" جَازَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: نُصِبَ عَلَى إِضْمَارِ "أَنْ" لِأَنَّ قَبْلَهَا جَزْمًا، تَقُولُ: مَا تَصْنَعُ أَصْنَعُ مِثْلَهُ وَأُكْرِمُكَ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: وَأُكْرِمْكَ بِالْجَزْمِ. وَفِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ "وَلِيَعْلَمَ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّصْبَ بِمَعْنَى: وَلِيَعْلَمَ أَوْ لِأَنْ يَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَالْمُبَرِّدُ: النَّصْبُ بِإِضْمَارِ "أَنْ" عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الْأَوَّلَ فِي تَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ، أَيْ وَيَكُونُ مِنْهُ عَفْوٌ وَأَنْ يَعْلَمَ، فَلَمَّا حَمَلَهُ. عَلَى الِاسْمِ أَضْمَرَ أَنْ، كَمَا تَقُولُ: إِنْ تَأْتِنِي وَتُعْطِينِي أُكْرِمُكَ، فَتَنْصِبُ تُعْطِينِي، أَيْ إِنْ يَكُنْ مِنْكَ إِتْيَانٌ وَأَنْ تُعْطِيَنِي. وَمَعْنَى "مِنْ مَحِيصٍ" أَيْ مِنْ فِرَارٍ وَمَهْرَبٍ، قَالَهُ قُطْرُبٌ. السُّدِّيُّ: مِنْ مَلْجَأٍ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَاصَ بِهِ الْبَعِيرُ حَيْصَةً إِذَا رَمَى بِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يحيص عن الحق أي يميل عنه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ أَيْ وَإِنْ يَشَأْ يَجْعَلْ الرِّيَاحَ عَوَاصِفَ فَيُوبِقِ السُّفُنَ، أَيْ يُغْرِقْهُنَّ بِذُنُوبِ أَهْلِهَا. وَقِيلَ: يُوبِقْ أَهْلَ السُّفُنِ. "وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ" مِنْ أَهْلِهَا فَلَا يُغْرِقُهُمْ مَعَهَا، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقِيلَ: "وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ" أَيْ وَيَتَجَاوَزُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الذنوب فينجيهم الله من الهلاك. قال القشري: وَالْقِرَاءَةُ الْفَاشِيَةُ "وَيَعْفُ" بِالْجَزْمِ، وَفِيهَا إِشْكَالٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: إِنْ يَشَأْ يُسْكِنُ الرِّيحَ فَتَبْقَى تِلْكَ السُّفُنُ رَوَاكِدَ وَيُهْلِكُهَا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا، فَلَا يَحْسُنُ عَطْفُ "يَعْفُ" عَلَى هَذَا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ [[في ح: لأنه إن يشأ يعف.]] الْمَعْنَى: إِنْ يَشَأْ يَعْفُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى ذَلِكَ بَلِ الْمَعْنَى الْإِخْبَارُ عَنِ الْعَفْوِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْمَشِيئَةِ، فَهُوَ إِذًا عَطْفٌ عَلَى الْمَجْزُومِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَقَدْ قرأ قوم "وَيَعْفُ" بِالرَّفْعِ، وَهِيَ جَيِّدَةٌ فِي الْمَعْنَى. "وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ" يَعْنِي الْكُفَّارَ، أَيْ إِذَا تَوَسَّطُوا الْبَحْرَ وَغَشِيَتْهُمُ الرِّيَاحُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ أَوْ بَقِيَتِ السُّفُنُ رَوَاكِدَ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ لَهُمْ سِوَى اللَّهِ، وَلَا دَافِعَ لَهُمْ إِنْ أَرَادَ اللَّهُ إِهْلَاكَهُمْ فَيُخْلِصُونَ لَهُ الْعِبَادَةَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ [[راجع ج ٨ ص ٣٢٥ وج ١٣ ص ٣ (٢٢٣)]]، وَمَضَى الْقَوْلُ فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص ١٩٥ طبعه ثانية.]] وَغَيْرِهَا بِمَا يُغْنِي عن إعادته. وقرا نافع وابن عامر "وَيَعْلَمَ" بِالرَّفْعِ، الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ. فَالرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ بَعْدَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ:" وَيُخْزِهِمْ [[آية ﴿١٤)]] وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ [التوبة: ١٥] رَفْعًا. وَنَظِيرُهُ فِي الْكَلَامِ: إِنْ تَأْتِنِي آتِكَ وَيَنْطَلِقُ عَبْدُ اللَّهِ. أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ. وَالنَّصْبُ عَلَى الصَّرْفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾[[آية ١٤٢ سورة آل عمران.]] [آل عمران: ١٤٢] صُرِفَ مِنْ حَالِ الْجَزْمِ إِلَى النَّصْبِ اسْتِخْفَافًا كَرَاهِيَةً لِتَوَالِي الْجَزْمِ، كَقَوْلِ النَّابِغَةِ:

فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ ... رَبِيعُ النَّاسِ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ [[أبو قابوس: كنيته النعمان بن المنذر، يريد أنه كان كالربيع في الخصب لمجتديه، وكالشهر الحرام لجاره، أي لا يوصل إلى من أجاره. والمعنى: إن يمت النعمان يذهب خير الدنيا لأنها كانت تعمر به وبجوده وعدله ونفعه للناس، ومن كان في ذمته وسلطانه فهو آمن على نفسه محقون الدم كما يأمن الناس في الشهر الحرام على أموالهم ودمائهم.]]

وَيُمْسِكُ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ [[ذناب كل شي: عقبه ومؤخره. واجب الظهر مقطوع السنام. يقول: إن مات بقينا في طرف عيش قد مضى صدره ومعظمه وختره، وقد بقي منه ذنبه.]]

وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: وَلَوْ جَزَمَ "وَيَعْلَمَ" جَازَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: نُصِبَ عَلَى إِضْمَارِ "أَنْ" لِأَنَّ قَبْلَهَا جَزْمًا، تَقُولُ: مَا تَصْنَعُ أَصْنَعُ مِثْلَهُ وَأُكْرِمُكَ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: وَأُكْرِمْكَ بِالْجَزْمِ. وَفِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ "وَلِيَعْلَمَ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّصْبَ بِمَعْنَى: وَلِيَعْلَمَ أَوْ لِأَنْ يَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَالْمُبَرِّدُ: النَّصْبُ بِإِضْمَارِ "أَنْ" عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الْأَوَّلَ فِي تَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ، أَيْ وَيَكُونُ مِنْهُ عَفْوٌ وَأَنْ يَعْلَمَ، فَلَمَّا حَمَلَهُ. عَلَى الِاسْمِ أَضْمَرَ أَنْ، كَمَا تَقُولُ: إِنْ تَأْتِنِي وَتُعْطِينِي أُكْرِمُكَ، فَتَنْصِبُ تُعْطِينِي، أَيْ إِنْ يَكُنْ مِنْكَ إِتْيَانٌ وَأَنْ تُعْطِيَنِي. وَمَعْنَى "مِنْ مَحِيصٍ" أَيْ مِنْ فِرَارٍ وَمَهْرَبٍ، قَالَهُ قُطْرُبٌ. السُّدِّيُّ: مِنْ مَلْجَأٍ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَاصَ بِهِ الْبَعِيرُ حَيْصَةً إِذَا رَمَى بِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يحيص عن الحق أي يميل عنه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يُرِيدُ من الغنى والسعة في الدنيا. "فَمَتاعُ" أَيْ فَإِنَّمَا هُوَ مَتَاعٌ فِي أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ تَنْقَضِي وَتَذْهَبُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَفَاخَرَ بِهِ. وَالْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ. "وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى " يُرِيدُ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ "لِلَّذِينَ آمَنُوا" صَدَقُوا وَوَحَّدُوا "وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ أَنْفَقَ جَمِيعَ مَالِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَلَامَهُ النَّاسُ. وَجَاءَ فِي الحديث أنه: أنفق ثمانين ألفا.

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ الَّذِينَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ مَعْطُوفٍ عَلَى قَوْلِهِ: "خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا" أي وهو للذين يجتنبون "كَبائِرَ الْإِثْمِ" وقد مَضَى الْقَوْلُ فِي الْكَبَائِرِ فِي "النِّسَاءِ" [[آية ٣١ ج ٥ ص ١٥٨ وما بعدها.]]. وَقَرَأَ حمزة والكسائي "كَبائِرَ الْإِثْمِ" وَالْوَاحِدُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ عِنْدَ الْإِضَافَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها﴾[[آية ٣٤ سورة إبراهيم. و١٨ سورة النحل.]] [النحل: ١٨]، وَكَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا). الْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ هُنَا وَفِي "النَّجْمِ" [[آية ٣٢]]. "وَالْفَواحِشَ" قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الزِّنَى. وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: كَبِيرُ الْإِثْمِ الشِّرْكُ. وَقَالَ قَوْمٌ: كَبَائِرُ الْإِثْمِ مَا تَقَعُ عَلَى الصَّغَائِرِ مَغْفُورَةٌ عِنْدَ اجْتِنَابِهَا. وَالْفَوَاحِشُ دَاخِلَةٌ فِي الْكَبَائِرِ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ أَفْحَشَ وَأَشْنَعَ كَالْقَتْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجُرْحِ، وَالزِّنَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُرَاوَدَةِ. وَقِيلَ: الْفَوَاحِشُ وَالْكَبَائِرُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَكَرَّرَ لِتَعَدُّدِ اللَّفْظِ، أَيْ يَجْتَنِبُونَ الْمَعَاصِيَ لِأَنَّهَا كَبَائِرُ وَفَوَاحِشُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْفَوَاحِشُ مُوجِبَاتُ الْحُدُودِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي يتجاوزون ويحملون عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ. قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عُمَرَ حِينَ شُتِمَ بِمَكَّةَ. وَقِيلَ: فِي أَبِي بَكْرٍ حِينَ لامه الناس على انفاق مال كُلِّهِ وَحِينَ شُتِمَ فَحَلُمَ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: اجْتَمَعَ لِأَبِي بَكْرٍ مَالٌ مَرَّةً، فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ، فَلَامَهُ الْمُسْلِمُونَ وَخَطَّأَهُ الْكَافِرُونَ فَنَزَلَتْ: "فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ- إِلَى قَوْلِهِ- وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَتَمَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَهَذِهِ مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، يُشْفِقُونَ عَلَى ظَالِمِهِمْ وَيَصْفَحُونَ لِمَنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَفْوَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾[[آية ١٣٤ راجع ج ٤ ص ٢٠٦]] [آل عمران: ١٣٤]. وَهُوَ أَنْ يَتَنَاوَلَكَ الرَّجُلُ فَتَكْظِمَ غَيْظَكَ عَنْهُ. وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:

إِنِّي عَفَوْتُ لِظَالِمِي ظُلْمِي ... وَوَهَبْتُ ذاك له على علمي

ما زال يَظْلِمُنِي وَأَرْحَمُهُ ... حَتَّى بَكَيْتُ لَهُ مِنَ الظُّلْمِ

فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ قال عبد الرحمن ابن زَيْدٍ: هُمُ الْأَنْصَارُ بِالْمَدِينَةِ، اسْتَجَابُوا إِلَى الْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ حِينَ أَنْفَذَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْهُمْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. "وَأَقامُوا الصَّلاةَ" أَيْ أَدَّوْهَا لمواقيتها بشروطها وهيئاتها. الثانية- قوله تعالى: "وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ" أَيْ يَتَشَاوَرُونَ فِي الْأُمُورِ. وَالشُّورَى مَصْدَرُ شَاوَرْتُهُ، مِثْلُ الْبُشْرَى وَالذِّكْرَى وَنَحْوَهُ. فَكَانَتِ الْأَنْصَارُ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ إِذَا أَرَادُوا أَمْرًا تَشَاوَرُوا فِيهِ ثُمَّ عَمِلُوا عَلَيْهِ، فَمَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، قَالَهُ النَّقَّاشُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ إِنَّهُمْ لِانْقِيَادِهِمْ إِلَى الرَّأْيِ فِي أُمُورِهِمْ مُتَّفِقُونَ لَا يَخْتَلِفُونَ، فَمُدِحُوا بِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ. قَالَ الْحَسَنُ: مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا هُدُوا لِأَرْشَدِ أُمُورِهِمْ. وقال الضَّحَّاكُ: هُوَ تَشَاوُرُهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَوَرَدَ [[في ح ك: وورود النقباء]] النُّقَبَاءُ إِلَيْهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ فِي دَارِ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَالنُّصْرَةِ لَهُ. وَقِيلَ تَشَاوُرُهُمْ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُمْ، فَلَا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ دُونَ بَعْضٍ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الشُّورَى أُلْفَةٌ لِلْجَمَاعَةِ وَمِسْبَارٌ لِلْعُقُولِ وَسَبَبٌ إِلَى الصَّوَابِ، وَمَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلَّا هُدُوا. وَقَدْ قَالَ الْحَكِيمُ:

إِذَا بَلَغَ الرَّأْيُ الْمَشُورَةَ فَاسْتَعِنْ ... بِرَأْيِ لبيب أو مشورة حَازِمٍ [[البيتان لبشار بن برد. والخوافي: ريشات إذا ضم الطائر جناحيه خفيت. والقوادم: عشر ريشات في مقدم الجناح وهي كبائر الريش.]]

وَلَا تَجْعَلِ الشُّورَى عَلَيْكَ غَضَاضَةً ... فَإِنَّ الْخَوَافِيَ قُوَّةٌ [[في الأصول "نافع".]] لِلْقَوَادِمِ

فَمَدَحَ اللَّهُ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْأُمُورِ بِمَدْحِ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا يَمْتَثِلُونَ ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُشَاوِرُ أَصْحَابَهُ فِي الْآرَاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَصَالِحَ الْحُرُوبِ، وَذَلِكَ فِي الْآرَاءِ كَثِيرٌ. وَلَمْ يَكُنْ يُشَاوِرُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْسَامِ مِنَ الْفَرْضِ وَالنَّدْبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ وَالْحَرَامِ. فَأَمَّا الصَّحَابَةُ بَعْدَ اسْتِئْثَارِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ عَلَيْنَا فَكَانُوا يَتَشَاوَرُونَ فِي الْأَحْكَامِ وَيَسْتَنْبِطُونَهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأَوَّلُ مَا تَشَاوَرَ فِيهِ الصَّحَابَةُ الْخِلَافَةُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا حَتَّى كَانَ فِيهَا بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَنْصَارِ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ [[راجع ج ٤ ص ٢٢٤]]. وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَرْضَى لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا وَتَشَاوَرُوا فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ فَاسْتَقَرَّ رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْقِتَالِ. وَتَشَاوَرُوا فِي الْجَدِّ وَمِيرَاثِهِ، وَفِي حَدِّ الْخَمْرِ وَعَدَدِهِ. وَتَشَاوَرُوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحُرُوبِ، حَتَّى شَاوَرَ عُمَرُ الْهُرْمُزَانَ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ مُسْلِمًا فِي الْمَغَازِي، فَقَالَ لَهُ الْهُرْمُزَانُ: مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رِيشٌ وَلَهُ جَنَاحَانِ وَرِجْلَانِ فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ وَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الْآخَرُ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ وَإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الرِّجْلَانِ وَالْجَنَاحَانِ. وَالرَّأْسُ كِسْرَى وَالْجَنَاحُ الْوَاحِدُ قَيْصَرُ وَالْآخَرُ فَارِسُ، فَمُرِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ: مَا أَخْطَأْتُ قَطُّ! إِذَا حَزَبَنِي أَمْرٌ شَاوَرْتُ قَوْمِي فَفَعَلْتُ الَّذِي يَرَوْنَ، فَإِنْ أَصَبْتُ فَهُمُ المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون.

الثَّالِثَةُ- قَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" مَا تَضَمَّنَتْهُ الشُّورَى مِنَ الْأَحْكَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ"»

[آل عمران: ١٥٩]. وَالْمَشُورَةُ بَرَكَةٌ. وَالْمَشْوَرَةُ: الشُّورَى، وَكَذَلِكَ الْمَشُورَةُ (بِضَمِّ الشِّينِ)، تَقُولُ مِنْهُ: شَاوَرْتُهُ فِي الْأَمْرِ وَاسْتَشَرْتُهُ بِمَعْنًى. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ من ظهرها (. قال حديث غريب. "مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ" أَيْ وَمِمَّا أَعْطَيْنَاهُمْ يَتَصَدَّقُونَ. وَقَدْ تقدم في "البقرة" [[راجع ج ١ ص ١٧٨ وما بعدها.]].

فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ أَيْ أَصَابَهُمْ بَغْيُ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَغَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَآذَوْهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ مَكَّةَ، فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ وَمَكَّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: [الحج: ٤٠ - ٣٩] " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا [[آية ٣٩ راجع ج ١٢ ص (٦٧)]] ... "الْآيَاتِ كُلَّهَا. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي بَغْيِ كُلِّ بَاغٍ مِنْ كَافِرٍ وَغَيْرِهِ، أَيْ إِذَا نَالَهُمْ ظُلْمٌ مِنْ ظَالِمٍ لَمْ يَسْتَسْلِمُوا لِظُلْمِهِ. وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الِانْتِصَارَ فِي الْبَغْيِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَذَكَرَ الْعَفْوَ عَنِ الْجُرْمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى حَالَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ الْبَاغِي مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ، وَقِحًا فِي الْجُمْهُورِ، مُؤْذِيًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَيَكُونُ الِانْتِقَامُ مِنْهُ أَفْضَلَ. وَفِي مِثْلِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ. الثَّانِيَةُ- أَنْ تَكُونَ الْفَلْتَةُ، أَوْ يَقَعُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَرِفُ بِالزَّلَّةِ وَيَسْأَلُ الْمَغْفِرَةَ، فَالْعَفْوُ ها هنا أَفْضَلُ، وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتْ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾[[آية ٢٣٧ سورة البقرة.]] [البقرة: ٢٣٧]. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾[[آية ٤٥ سورة المائدة.]] [المائدة: ٤٥]. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾[[آية ٢٢ سورة النور.]] [النور: ٢٢] قُلْتُ: هَذَا حَسَنٌ، وَهَكَذَا ذَكَرَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ الِانْتِصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَفْضَلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَنَهُ إِلَى ذِكْرِ الِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ، فَهَذَا فِيمَنْ تَعَدَّى وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ. وَالْمَوْضِعُ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِالْعَفْوِ إِذَا كَانَ الْجَانِي نَادِمًا مُقْلِعًا. وَقَدْ قَالَ عُقَيْبَ هَذِهِ الْآيَةِ: "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ". وَيَقْتَضِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ الِانْتِصَارِ لَا الْأَمْرُ بِهِ، وَقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ". وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغُفْرَانِ عَنْ غَيْرِ الْمُصِرِّ، فَأَمَّا الْمُصِرُّ عَلَى الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ فَالْأَفْضَلُ الِانْتِصَارُ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقِيلَ: أَيْ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ تَنَاصَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى يُزِيلُوهُ عَنْهُمْ وَيَدْفَعُوهُ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْعُمُومِ على ما ذكرنا.

الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ قَالَ الْعُلَمَاءُ: جَعَلَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُونَ عَنِ الظَّالِمِ فَبَدَأَ بِذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ "وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ".] الشورى: ٣٧]. وَصِنْفٌ يَنْتَصِرُونَ مِنْ ظَالِمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ حَدَّ الِانْتِصَارِ بِقَوْلِهِ: "وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" فَيَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدِيَ. قَالَ مُقَاتِلٌ وَهِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ: هَذَا فِي الْمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الْجَارِحِ بِالْقِصَاصِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَبٍّ أَوْ شَتْمٍ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: لَيْسَ بِمَكَّةَ مِثْلُ هِشَامٍ. وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ مَنْ خَانَهُ مِثْلَ مَا خَانَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، وَاسْتَشْهَدَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ: (خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ) فَأَجَازَ لَهَا أَخَذَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَابَلَةِ فِي الْجِرَاحِ. وَإِذَا قَالَ: أَخْزَاهُ اللَّهُ أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ. وَلَا يُقَابَلُ الْقَذْفُ بِقَذْفٍ وَلَا الْكَذِبُ بِكَذِبٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّمَا مَدَحَ اللَّهُ مَنِ انْتَصَرَ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَاءٍ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ مَا فُعِلَ بِهِ، يَعْنِي كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ. وَسُمِّيَ الْجَزَاءُ سَيِّئَةً لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهَا، فَالْأَوَّلُ سَاءَ هَذَا فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ، وَهَذَا الِاقْتِصَاصُ يَسُوءُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلُّهُ فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ تَرَكَ الْقِصَاصَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظَّالِمِ بِالْعَفْوِ "فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" أَيْ إِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: فَكَانَ الْعَفْوُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٠٧]] فِي هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيُّكُمْ أَهْلُ الْفَضْلِ؟ فَيَقُومُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا إِلَى الْجَنَّةِ فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ؟ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، قَالُوا قَبْلَ الْحِسَابِ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالُوا مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا أَهْلُ الْفَضْلِ، قَالُوا وَمَا كَانَ فَضْلُكُمْ؟ قَالُوا كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيئ إِلَيْنَا عَفَوْنَا، قَالُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" أَيْ مَنْ بَدَأَ بِالظُّلْمِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقِيلَ: لَا يُحِبُّ مَنْ يَتَعَدَّى فِي الِاقْتِصَاصِ وَيُجَاوِزُ الْحَدَّ، قَالَهُ ابْنُ عِيسَى. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أَيِ الْمُسْلِمُ إِذَا انْتَصَرَ مِنَ الْكَافِرِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى لَوْمِهِ، بَلْ يُحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْكَافِرِ. وَلَا لَوْمَ إِنِ انْتَصَرَ الظَّالِمُ [[في ل: انتصر المظلوم وفي هـ انتصر ظالم من مسلم.]] مِنَ الْمُسْلِمِ، فَالِانْتِصَارُ مِنَ الْكَافِرِ حَتْمٌ، وَمِنَ الْمُسْلِمِ مباح، والعفو مندوب. الخامسة- في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا- أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا فِي بَدَنٍ يَسْتَحِقُّهُ آدَمِيٌّ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إِنِ اسْتَوْفَاهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ وَثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ، لَكِنْ يَزْجُرُهُ الْإِمَامُ فِي تَفَوُّتِهِ بِالْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى سَفْكِ الدَّمِ. وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ غَيْرَ ثَابِتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حَرَجٌ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُطَالَبٌ وَبِفِعْلِهِ مُؤَاخَذٌ [[في ز ل: مطالب بفعله مؤاخذ به.]] وَمُعَاقَبٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي- أَنْ يَكُونَ حَدُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ لِآدَمِيٍّ فِيهِ كَحَدِّ الزِّنَى وَقَطْعِ السَّرِقَةِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ أُخِذَ بِهِ وَعُوقِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ قَطْعًا فِي سَرِقَةٍ سَقَطَ بِهِ الْحَدُّ لِزَوَالِ الْعُضْوِ الْمُسْتَحَقِّ قَطْعُهُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَقٌّ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ أَدَبٌ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْحَدُّ لِتَعَدِّيهِ مَعَ بَقَاءِ مَحِلِّهِ فَكَانَ مَأْخُوذًا بِحُكْمِهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ- أَنْ يَكُونَ حَقًّا فِي مَالٍ، فَيَجُوزُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُغَالِبَ عَلَى حَقِّهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ هُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِسْرَارُ بِأَخْذِهِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِالْمُطَالَبَةِ لِجُحُودِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ فَفِي جَوَازِ اسْتِسْرَارِهِ بِأَخْذِهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا- جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. الثَّانِي- الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ أَيْ بِعُدْوَانِهِمْ عَلَيْهِمْ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم.

"ويبغون في الأرض بغير الحق" أَيْ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَغْيُهُمْ عَمَلُهُمْ بِالْمَعَاصِي. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: هُوَ مَا يَرْجُوهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الْإِسْلَامِ دِينًا. وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً. وَقَوْلُ قَتَادَةَ: إِنَّهُ عَامٌّ، وَكَذَا يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. السَّابِعَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي "بَرَاءَةٌ" وَهِيَ قَوْلُهُ" مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [[راجع ج ٨ ص ٢٢٧.]] [التوبة: ٩١]، فَكَمَا نَفَى اللَّهُ السَّبِيلَ عَمَّنْ أَحْسَنَ فَكَذَلِكَ نفاها [[في ابن العربي: أثبتها.]] على من ظلم، واستوفى ببان الْقِسْمَيْنِ. الثَّامِنَةُ- وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي السُّلْطَانِ يَضَعُ على أهل بلد مالا معلوما بأخذهم بِهِ وَيُؤَدُّونَهُ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ، وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أَخَذَ سَائِرَ أَهْلِ الْبَلَدِ بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ. فَقِيلَ لَا، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقِيلَ: نَعَمْ، لَهُ ذَلِكَ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ ثُمَّ الْمَالِكِيُّ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي السَّاعِي يَأْخُذُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِ الْخُلَطَاءِ شَاةً وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا نِصَابٌ إِنَّهَا مَظْلَمَةٌ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ لَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَلَسْتُ آخُذُ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ، لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا أُسْوَةَ فِيهِ، وَلَا يُلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يُولِجَ نَفْسَهُ فِي ظُلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يُضَاعَفَ الظُّلْمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ". التاسعة- واختلف الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْلِيلِ، فَكَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يُحَلِّلُ أَحَدًا مِنْ عِرْضٍ وَلَا مَالٍ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يُحَلِّلَانِ مِنَ الْعِرْضِ وَالْمَالِ. وَرَأَى مَالِكٌ التَّحْلِيلُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الْعِرْضِ. رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وهب عن مالك وسيل عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "لَا أُحَلِّلُ أَحَدًا" فَقَالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلَكُ وَلَا وَفَاءَ لَهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَلِّلَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدِي، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ" الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٤٤.]] أَحْسَنَهُ" [الزمر: ١٨]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، هُوَ عِنْدِي مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" وَيَقُولُ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَلَا أَرَى أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فِي حِلٍّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لَا يُحَلِّلُهُ بِحَالٍ، قَالَهُ سعيد ابن الْمُسَيَّبِ. الثَّانِي- يُحَلِّلُهُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. الثَّالِثُ- إِنْ كَانَ مَالًا حَلَّلَهُ وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلْهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَلَّا يُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيَكُونُ كَالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّهِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ كَمَا يُسْقِطُ دَمَهُ وَعِرْضَهُ. وَوَجْهُ الثَّالِثِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَلَبَ عَلَى أَدَاءِ حَقِّكَ فَمِنَ الرِّفْقِ بِهِ أَنْ يَتَحَلَّلَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَمِنَ الْحَقِّ أَلَّا تَتْرُكَهُ لِئَلَّا تَغْتَرَّ الظَّلَمَةُ [[في بعض الأصول: "ويستسرون" وفي البعض الآخر: "ويستشرون".]] وَيَسْتَرْسِلُوا فِي أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدِيثُ أَبِي الْيُسْرِ الطَّوِيلِ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِغَرِيمِهِ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبُكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفُكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا. قَالَ قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ اللَّهِ [[قال النووي "الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد، والهاء فيهما مكسورة. قال القاضي: ورويناه بفتحهما معا، وأكثر أهل العربية لا يجيزون إلا الكسر".]]، قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَةٍ فَمَحَاهَا فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا فِي الْحَيِّ الَّذِي يُرْجَى لَهُ الْأَدَاءُ لِسَلَامَةِ الذِّمَّةِ وَرَجَاءِ التَّمَحُّلِ [[في ابن العربي: "التحلل" وقد كتب على هامش نسخة من الأصل بخط الناسخ: "يقال تمحل أي احتال فهو متمحل قاله الجوهري".] []]، فَكَيْفَ بِالْمَيِّتِ الَّذِي لَا مُحَالَلَةَ لَهُ وَلَا ذِمَّةَ مَعَهُ. الْعَاشِرَةُ- قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ مَنْ ظُلِمَ وَأُخِذَ لَهُ مَالٌ فَإِنَّمَا لَهُ ثَوَابُ مَا احتبس عنه إلى موته، ثم يوجع الثَّوَابُ إِلَى وَرَثَتِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِهِمْ، لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ بَعْدَهُ لِلْوَارِثِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّاوُدِيُّ الْمَالِكِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِنْ مَاتَ الظَّالِمُ قَبْلَ مَنْ ظَلَمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَوْ تَرَكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَارِثُهُ فِيهِ بِظُلْمٍ لَمْ تَنْتَقِلْ تَبَاعَةُ الْمَظْلُومِ إِلَى وَرَثَةِ الظَّالِمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلظَّالِمِ مَا يَسْتَوْجِبُهُ وَرَثَةُ الْمَظْلُومِ.

(هامش) الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أي صبر على الأذى و "غَفَرَ" أَيْ تَرَكَ الِانْتِصَارَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا فِيمَنْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ. وَيُحْكَى أَنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَانَ الْمَسْبُوبُ يَكْظِمُ وَيَعْرَقُ فَيَمْسَحُ الْعَرَقَ، ثُمَّ قَامَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: عَقَلَهَا وَاللَّهِ! وَفَهِمَهَا إِذْ ضَيَّعَهَا الْجَاهِلُونَ. وَبِالْجُمْلَةِ الْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَدْ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَرْجِعُ تَرْكُ الْعَفْوِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ إِذَا احْتِيجَ إِلَى كَفِّ زِيَادَةِ الْبَغْيِ وَقَطْعِ مَادَّةِ الْأَذَى، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ زَيْنَبَ أَسْمَعَتْ [[في ل ز: شتمت.]] عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِحَضْرَتِهِ فَكَانَ يَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: (دُونَكِ فَانْتَصِرِي) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ. وَقِيلَ: "صَبْرٌ" عَنِ الْمَعَاصِي وَسَتْرٌ عَلَى الْمَسَاوِئِ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" أَيْ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا. وَقِيلَ مِنْ عَزَائِمَ الصَّوَابِ الَّتِي وُفِّقَ لَهَا. وَذَكَرَ الْكَلْبِيُّ وَالْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قَبْلَهَا، وَقَدْ شَتَمَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْسَكَ. وَهِيَ الْمَدَنِيَّاتُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا وَجَمِيعَ الْمُهَاجِرِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. "فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" يُرِيدُ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَأَبَا جَهْلٍ وَالْأَسْوَدَ، وَكُلَّ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. "وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ" يُرِيدُ بِالظُّلْمِ وَالْكُفْرِ. "أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" يُرِيدُ وَجِيعٌ. "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ" يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَجَمِيعَ أَهْلِ بَدْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" حَيْثُ قَبِلُوا الفداء وصبروا على الأذى.

فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ أَيْ أَصَابَهُمْ بَغْيُ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَغَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَآذَوْهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ مَكَّةَ، فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ وَمَكَّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: [الحج: ٤٠ - ٣٩] " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا [[آية ٣٩ راجع ج ١٢ ص (٦٧)]] ... "الْآيَاتِ كُلَّهَا. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي بَغْيِ كُلِّ بَاغٍ مِنْ كَافِرٍ وَغَيْرِهِ، أَيْ إِذَا نَالَهُمْ ظُلْمٌ مِنْ ظَالِمٍ لَمْ يَسْتَسْلِمُوا لِظُلْمِهِ. وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الِانْتِصَارَ فِي الْبَغْيِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَذَكَرَ الْعَفْوَ عَنِ الْجُرْمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى حَالَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ الْبَاغِي مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ، وَقِحًا فِي الْجُمْهُورِ، مُؤْذِيًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَيَكُونُ الِانْتِقَامُ مِنْهُ أَفْضَلَ. وَفِي مِثْلِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ. الثَّانِيَةُ- أَنْ تَكُونَ الْفَلْتَةُ، أَوْ يَقَعُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَرِفُ بِالزَّلَّةِ وَيَسْأَلُ الْمَغْفِرَةَ، فَالْعَفْوُ ها هنا أَفْضَلُ، وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتْ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾[[آية ٢٣٧ سورة البقرة.]] [البقرة: ٢٣٧]. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾[[آية ٤٥ سورة المائدة.]] [المائدة: ٤٥]. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾[[آية ٢٢ سورة النور.]] [النور: ٢٢] قُلْتُ: هَذَا حَسَنٌ، وَهَكَذَا ذَكَرَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ الِانْتِصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَفْضَلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَنَهُ إِلَى ذِكْرِ الِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ، فَهَذَا فِيمَنْ تَعَدَّى وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ. وَالْمَوْضِعُ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِالْعَفْوِ إِذَا كَانَ الْجَانِي نَادِمًا مُقْلِعًا. وَقَدْ قَالَ عُقَيْبَ هَذِهِ الْآيَةِ: "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ". وَيَقْتَضِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ الِانْتِصَارِ لَا الْأَمْرُ بِهِ، وَقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ". وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغُفْرَانِ عَنْ غَيْرِ الْمُصِرِّ، فَأَمَّا الْمُصِرُّ عَلَى الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ فَالْأَفْضَلُ الِانْتِصَارُ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقِيلَ: أَيْ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ تَنَاصَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى يُزِيلُوهُ عَنْهُمْ وَيَدْفَعُوهُ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْعُمُومِ على ما ذكرنا.

الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ قَالَ الْعُلَمَاءُ: جَعَلَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُونَ عَنِ الظَّالِمِ فَبَدَأَ بِذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ "وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ".] الشورى: ٣٧]. وَصِنْفٌ يَنْتَصِرُونَ مِنْ ظَالِمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ حَدَّ الِانْتِصَارِ بِقَوْلِهِ: "وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" فَيَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدِيَ. قَالَ مُقَاتِلٌ وَهِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ: هَذَا فِي الْمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الْجَارِحِ بِالْقِصَاصِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَبٍّ أَوْ شَتْمٍ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: لَيْسَ بِمَكَّةَ مِثْلُ هِشَامٍ. وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ مَنْ خَانَهُ مِثْلَ مَا خَانَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، وَاسْتَشْهَدَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ: (خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ) فَأَجَازَ لَهَا أَخَذَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَابَلَةِ فِي الْجِرَاحِ. وَإِذَا قَالَ: أَخْزَاهُ اللَّهُ أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ. وَلَا يُقَابَلُ الْقَذْفُ بِقَذْفٍ وَلَا الْكَذِبُ بِكَذِبٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّمَا مَدَحَ اللَّهُ مَنِ انْتَصَرَ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَاءٍ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ مَا فُعِلَ بِهِ، يَعْنِي كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ. وَسُمِّيَ الْجَزَاءُ سَيِّئَةً لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهَا، فَالْأَوَّلُ سَاءَ هَذَا فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ، وَهَذَا الِاقْتِصَاصُ يَسُوءُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلُّهُ فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ تَرَكَ الْقِصَاصَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظَّالِمِ بِالْعَفْوِ "فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" أَيْ إِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: فَكَانَ الْعَفْوُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٠٧]] فِي هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيُّكُمْ أَهْلُ الْفَضْلِ؟ فَيَقُومُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا إِلَى الْجَنَّةِ فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ؟ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، قَالُوا قَبْلَ الْحِسَابِ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالُوا مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا أَهْلُ الْفَضْلِ، قَالُوا وَمَا كَانَ فَضْلُكُمْ؟ قَالُوا كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيئ إِلَيْنَا عَفَوْنَا، قَالُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" أَيْ مَنْ بَدَأَ بِالظُّلْمِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقِيلَ: لَا يُحِبُّ مَنْ يَتَعَدَّى فِي الِاقْتِصَاصِ وَيُجَاوِزُ الْحَدَّ، قَالَهُ ابْنُ عِيسَى. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أَيِ الْمُسْلِمُ إِذَا انْتَصَرَ مِنَ الْكَافِرِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى لَوْمِهِ، بَلْ يُحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْكَافِرِ. وَلَا لَوْمَ إِنِ انْتَصَرَ الظَّالِمُ [[في ل: انتصر المظلوم وفي هـ انتصر ظالم من مسلم.]] مِنَ الْمُسْلِمِ، فَالِانْتِصَارُ مِنَ الْكَافِرِ حَتْمٌ، وَمِنَ الْمُسْلِمِ مباح، والعفو مندوب. الخامسة- في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا- أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا فِي بَدَنٍ يَسْتَحِقُّهُ آدَمِيٌّ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إِنِ اسْتَوْفَاهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ وَثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ، لَكِنْ يَزْجُرُهُ الْإِمَامُ فِي تَفَوُّتِهِ بِالْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى سَفْكِ الدَّمِ. وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ غَيْرَ ثَابِتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حَرَجٌ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُطَالَبٌ وَبِفِعْلِهِ مُؤَاخَذٌ [[في ز ل: مطالب بفعله مؤاخذ به.]] وَمُعَاقَبٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي- أَنْ يَكُونَ حَدُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ لِآدَمِيٍّ فِيهِ كَحَدِّ الزِّنَى وَقَطْعِ السَّرِقَةِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ أُخِذَ بِهِ وَعُوقِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ قَطْعًا فِي سَرِقَةٍ سَقَطَ بِهِ الْحَدُّ لِزَوَالِ الْعُضْوِ الْمُسْتَحَقِّ قَطْعُهُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَقٌّ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ أَدَبٌ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْحَدُّ لِتَعَدِّيهِ مَعَ بَقَاءِ مَحِلِّهِ فَكَانَ مَأْخُوذًا بِحُكْمِهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ- أَنْ يَكُونَ حَقًّا فِي مَالٍ، فَيَجُوزُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُغَالِبَ عَلَى حَقِّهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ هُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِسْرَارُ بِأَخْذِهِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِالْمُطَالَبَةِ لِجُحُودِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ فَفِي جَوَازِ اسْتِسْرَارِهِ بِأَخْذِهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا- جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. الثَّانِي- الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ أَيْ بِعُدْوَانِهِمْ عَلَيْهِمْ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم.

"ويبغون في الأرض بغير الحق" أَيْ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَغْيُهُمْ عَمَلُهُمْ بِالْمَعَاصِي. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: هُوَ مَا يَرْجُوهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الْإِسْلَامِ دِينًا. وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً. وَقَوْلُ قَتَادَةَ: إِنَّهُ عَامٌّ، وَكَذَا يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. السَّابِعَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي "بَرَاءَةٌ" وَهِيَ قَوْلُهُ" مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [[راجع ج ٨ ص ٢٢٧.]] [التوبة: ٩١]، فَكَمَا نَفَى اللَّهُ السَّبِيلَ عَمَّنْ أَحْسَنَ فَكَذَلِكَ نفاها [[في ابن العربي: أثبتها.]] على من ظلم، واستوفى ببان الْقِسْمَيْنِ. الثَّامِنَةُ- وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي السُّلْطَانِ يَضَعُ على أهل بلد مالا معلوما بأخذهم بِهِ وَيُؤَدُّونَهُ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ، وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أَخَذَ سَائِرَ أَهْلِ الْبَلَدِ بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ. فَقِيلَ لَا، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقِيلَ: نَعَمْ، لَهُ ذَلِكَ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ ثُمَّ الْمَالِكِيُّ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي السَّاعِي يَأْخُذُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِ الْخُلَطَاءِ شَاةً وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا نِصَابٌ إِنَّهَا مَظْلَمَةٌ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ لَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَلَسْتُ آخُذُ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ، لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا أُسْوَةَ فِيهِ، وَلَا يُلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يُولِجَ نَفْسَهُ فِي ظُلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يُضَاعَفَ الظُّلْمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ". التاسعة- واختلف الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْلِيلِ، فَكَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يُحَلِّلُ أَحَدًا مِنْ عِرْضٍ وَلَا مَالٍ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يُحَلِّلَانِ مِنَ الْعِرْضِ وَالْمَالِ. وَرَأَى مَالِكٌ التَّحْلِيلُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الْعِرْضِ. رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وهب عن مالك وسيل عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "لَا أُحَلِّلُ أَحَدًا" فَقَالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلَكُ وَلَا وَفَاءَ لَهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَلِّلَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدِي، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ" الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٤٤.]] أَحْسَنَهُ" [الزمر: ١٨]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، هُوَ عِنْدِي مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" وَيَقُولُ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَلَا أَرَى أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فِي حِلٍّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لَا يُحَلِّلُهُ بِحَالٍ، قَالَهُ سعيد ابن الْمُسَيَّبِ. الثَّانِي- يُحَلِّلُهُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. الثَّالِثُ- إِنْ كَانَ مَالًا حَلَّلَهُ وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلْهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَلَّا يُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيَكُونُ كَالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّهِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ كَمَا يُسْقِطُ دَمَهُ وَعِرْضَهُ. وَوَجْهُ الثَّالِثِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَلَبَ عَلَى أَدَاءِ حَقِّكَ فَمِنَ الرِّفْقِ بِهِ أَنْ يَتَحَلَّلَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَمِنَ الْحَقِّ أَلَّا تَتْرُكَهُ لِئَلَّا تَغْتَرَّ الظَّلَمَةُ [[في بعض الأصول: "ويستسرون" وفي البعض الآخر: "ويستشرون".]] وَيَسْتَرْسِلُوا فِي أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدِيثُ أَبِي الْيُسْرِ الطَّوِيلِ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِغَرِيمِهِ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبُكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفُكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا. قَالَ قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ اللَّهِ [[قال النووي "الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد، والهاء فيهما مكسورة. قال القاضي: ورويناه بفتحهما معا، وأكثر أهل العربية لا يجيزون إلا الكسر".]]، قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَةٍ فَمَحَاهَا فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا فِي الْحَيِّ الَّذِي يُرْجَى لَهُ الْأَدَاءُ لِسَلَامَةِ الذِّمَّةِ وَرَجَاءِ التَّمَحُّلِ [[في ابن العربي: "التحلل" وقد كتب على هامش نسخة من الأصل بخط الناسخ: "يقال تمحل أي احتال فهو متمحل قاله الجوهري".] []]، فَكَيْفَ بِالْمَيِّتِ الَّذِي لَا مُحَالَلَةَ لَهُ وَلَا ذِمَّةَ مَعَهُ. الْعَاشِرَةُ- قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ مَنْ ظُلِمَ وَأُخِذَ لَهُ مَالٌ فَإِنَّمَا لَهُ ثَوَابُ مَا احتبس عنه إلى موته، ثم يوجع الثَّوَابُ إِلَى وَرَثَتِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِهِمْ، لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ بَعْدَهُ لِلْوَارِثِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّاوُدِيُّ الْمَالِكِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِنْ مَاتَ الظَّالِمُ قَبْلَ مَنْ ظَلَمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَوْ تَرَكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَارِثُهُ فِيهِ بِظُلْمٍ لَمْ تَنْتَقِلْ تَبَاعَةُ الْمَظْلُومِ إِلَى وَرَثَةِ الظَّالِمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلظَّالِمِ مَا يَسْتَوْجِبُهُ وَرَثَةُ الْمَظْلُومِ.

(هامش) الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أي صبر على الأذى و "غَفَرَ" أَيْ تَرَكَ الِانْتِصَارَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا فِيمَنْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ. وَيُحْكَى أَنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَانَ الْمَسْبُوبُ يَكْظِمُ وَيَعْرَقُ فَيَمْسَحُ الْعَرَقَ، ثُمَّ قَامَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: عَقَلَهَا وَاللَّهِ! وَفَهِمَهَا إِذْ ضَيَّعَهَا الْجَاهِلُونَ. وَبِالْجُمْلَةِ الْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَدْ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَرْجِعُ تَرْكُ الْعَفْوِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ إِذَا احْتِيجَ إِلَى كَفِّ زِيَادَةِ الْبَغْيِ وَقَطْعِ مَادَّةِ الْأَذَى، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ زَيْنَبَ أَسْمَعَتْ [[في ل ز: شتمت.]] عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِحَضْرَتِهِ فَكَانَ يَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: (دُونَكِ فَانْتَصِرِي) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ. وَقِيلَ: "صَبْرٌ" عَنِ الْمَعَاصِي وَسَتْرٌ عَلَى الْمَسَاوِئِ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" أَيْ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا. وَقِيلَ مِنْ عَزَائِمَ الصَّوَابِ الَّتِي وُفِّقَ لَهَا. وَذَكَرَ الْكَلْبِيُّ وَالْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قَبْلَهَا، وَقَدْ شَتَمَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْسَكَ. وَهِيَ الْمَدَنِيَّاتُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا وَجَمِيعَ الْمُهَاجِرِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. "فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" يُرِيدُ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَأَبَا جَهْلٍ وَالْأَسْوَدَ، وَكُلَّ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. "وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ" يُرِيدُ بِالظُّلْمِ وَالْكُفْرِ. "أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" يُرِيدُ وَجِيعٌ. "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ" يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَجَمِيعَ أَهْلِ بَدْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" حَيْثُ قَبِلُوا الفداء وصبروا على الأذى.

فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ أَيْ أَصَابَهُمْ بَغْيُ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَغَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَآذَوْهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ مَكَّةَ، فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ وَمَكَّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: [الحج: ٤٠ - ٣٩] " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا [[آية ٣٩ راجع ج ١٢ ص (٦٧)]] ... "الْآيَاتِ كُلَّهَا. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي بَغْيِ كُلِّ بَاغٍ مِنْ كَافِرٍ وَغَيْرِهِ، أَيْ إِذَا نَالَهُمْ ظُلْمٌ مِنْ ظَالِمٍ لَمْ يَسْتَسْلِمُوا لِظُلْمِهِ. وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الِانْتِصَارَ فِي الْبَغْيِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَذَكَرَ الْعَفْوَ عَنِ الْجُرْمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى حَالَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ الْبَاغِي مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ، وَقِحًا فِي الْجُمْهُورِ، مُؤْذِيًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَيَكُونُ الِانْتِقَامُ مِنْهُ أَفْضَلَ. وَفِي مِثْلِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ. الثَّانِيَةُ- أَنْ تَكُونَ الْفَلْتَةُ، أَوْ يَقَعُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَرِفُ بِالزَّلَّةِ وَيَسْأَلُ الْمَغْفِرَةَ، فَالْعَفْوُ ها هنا أَفْضَلُ، وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتْ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾[[آية ٢٣٧ سورة البقرة.]] [البقرة: ٢٣٧]. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾[[آية ٤٥ سورة المائدة.]] [المائدة: ٤٥]. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾[[آية ٢٢ سورة النور.]] [النور: ٢٢] قُلْتُ: هَذَا حَسَنٌ، وَهَكَذَا ذَكَرَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ الِانْتِصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَفْضَلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَنَهُ إِلَى ذِكْرِ الِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ، فَهَذَا فِيمَنْ تَعَدَّى وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ. وَالْمَوْضِعُ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِالْعَفْوِ إِذَا كَانَ الْجَانِي نَادِمًا مُقْلِعًا. وَقَدْ قَالَ عُقَيْبَ هَذِهِ الْآيَةِ: "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ". وَيَقْتَضِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ الِانْتِصَارِ لَا الْأَمْرُ بِهِ، وَقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ". وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغُفْرَانِ عَنْ غَيْرِ الْمُصِرِّ، فَأَمَّا الْمُصِرُّ عَلَى الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ فَالْأَفْضَلُ الِانْتِصَارُ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقِيلَ: أَيْ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ تَنَاصَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى يُزِيلُوهُ عَنْهُمْ وَيَدْفَعُوهُ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْعُمُومِ على ما ذكرنا.

الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ قَالَ الْعُلَمَاءُ: جَعَلَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُونَ عَنِ الظَّالِمِ فَبَدَأَ بِذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ "وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ".] الشورى: ٣٧]. وَصِنْفٌ يَنْتَصِرُونَ مِنْ ظَالِمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ حَدَّ الِانْتِصَارِ بِقَوْلِهِ: "وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" فَيَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدِيَ. قَالَ مُقَاتِلٌ وَهِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ: هَذَا فِي الْمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الْجَارِحِ بِالْقِصَاصِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَبٍّ أَوْ شَتْمٍ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: لَيْسَ بِمَكَّةَ مِثْلُ هِشَامٍ. وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ مَنْ خَانَهُ مِثْلَ مَا خَانَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، وَاسْتَشْهَدَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ: (خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ) فَأَجَازَ لَهَا أَخَذَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَابَلَةِ فِي الْجِرَاحِ. وَإِذَا قَالَ: أَخْزَاهُ اللَّهُ أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ. وَلَا يُقَابَلُ الْقَذْفُ بِقَذْفٍ وَلَا الْكَذِبُ بِكَذِبٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّمَا مَدَحَ اللَّهُ مَنِ انْتَصَرَ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَاءٍ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ مَا فُعِلَ بِهِ، يَعْنِي كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ. وَسُمِّيَ الْجَزَاءُ سَيِّئَةً لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهَا، فَالْأَوَّلُ سَاءَ هَذَا فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ، وَهَذَا الِاقْتِصَاصُ يَسُوءُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلُّهُ فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ تَرَكَ الْقِصَاصَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظَّالِمِ بِالْعَفْوِ "فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" أَيْ إِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: فَكَانَ الْعَفْوُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٠٧]] فِي هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيُّكُمْ أَهْلُ الْفَضْلِ؟ فَيَقُومُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا إِلَى الْجَنَّةِ فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ؟ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، قَالُوا قَبْلَ الْحِسَابِ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالُوا مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا أَهْلُ الْفَضْلِ، قَالُوا وَمَا كَانَ فَضْلُكُمْ؟ قَالُوا كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيئ إِلَيْنَا عَفَوْنَا، قَالُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" أَيْ مَنْ بَدَأَ بِالظُّلْمِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقِيلَ: لَا يُحِبُّ مَنْ يَتَعَدَّى فِي الِاقْتِصَاصِ وَيُجَاوِزُ الْحَدَّ، قَالَهُ ابْنُ عِيسَى. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أَيِ الْمُسْلِمُ إِذَا انْتَصَرَ مِنَ الْكَافِرِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى لَوْمِهِ، بَلْ يُحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْكَافِرِ. وَلَا لَوْمَ إِنِ انْتَصَرَ الظَّالِمُ [[في ل: انتصر المظلوم وفي هـ انتصر ظالم من مسلم.]] مِنَ الْمُسْلِمِ، فَالِانْتِصَارُ مِنَ الْكَافِرِ حَتْمٌ، وَمِنَ الْمُسْلِمِ مباح، والعفو مندوب. الخامسة- في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا- أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا فِي بَدَنٍ يَسْتَحِقُّهُ آدَمِيٌّ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إِنِ اسْتَوْفَاهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ وَثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ، لَكِنْ يَزْجُرُهُ الْإِمَامُ فِي تَفَوُّتِهِ بِالْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى سَفْكِ الدَّمِ. وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ غَيْرَ ثَابِتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حَرَجٌ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُطَالَبٌ وَبِفِعْلِهِ مُؤَاخَذٌ [[في ز ل: مطالب بفعله مؤاخذ به.]] وَمُعَاقَبٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي- أَنْ يَكُونَ حَدُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ لِآدَمِيٍّ فِيهِ كَحَدِّ الزِّنَى وَقَطْعِ السَّرِقَةِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ أُخِذَ بِهِ وَعُوقِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ قَطْعًا فِي سَرِقَةٍ سَقَطَ بِهِ الْحَدُّ لِزَوَالِ الْعُضْوِ الْمُسْتَحَقِّ قَطْعُهُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَقٌّ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ أَدَبٌ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْحَدُّ لِتَعَدِّيهِ مَعَ بَقَاءِ مَحِلِّهِ فَكَانَ مَأْخُوذًا بِحُكْمِهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ- أَنْ يَكُونَ حَقًّا فِي مَالٍ، فَيَجُوزُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُغَالِبَ عَلَى حَقِّهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ هُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِسْرَارُ بِأَخْذِهِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِالْمُطَالَبَةِ لِجُحُودِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ فَفِي جَوَازِ اسْتِسْرَارِهِ بِأَخْذِهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا- جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. الثَّانِي- الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ أَيْ بِعُدْوَانِهِمْ عَلَيْهِمْ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم.

"ويبغون في الأرض بغير الحق" أَيْ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَغْيُهُمْ عَمَلُهُمْ بِالْمَعَاصِي. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: هُوَ مَا يَرْجُوهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الْإِسْلَامِ دِينًا. وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً. وَقَوْلُ قَتَادَةَ: إِنَّهُ عَامٌّ، وَكَذَا يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. السَّابِعَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي "بَرَاءَةٌ" وَهِيَ قَوْلُهُ" مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [[راجع ج ٨ ص ٢٢٧.]] [التوبة: ٩١]، فَكَمَا نَفَى اللَّهُ السَّبِيلَ عَمَّنْ أَحْسَنَ فَكَذَلِكَ نفاها [[في ابن العربي: أثبتها.]] على من ظلم، واستوفى ببان الْقِسْمَيْنِ. الثَّامِنَةُ- وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي السُّلْطَانِ يَضَعُ على أهل بلد مالا معلوما بأخذهم بِهِ وَيُؤَدُّونَهُ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ، وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أَخَذَ سَائِرَ أَهْلِ الْبَلَدِ بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ. فَقِيلَ لَا، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقِيلَ: نَعَمْ، لَهُ ذَلِكَ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ ثُمَّ الْمَالِكِيُّ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي السَّاعِي يَأْخُذُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِ الْخُلَطَاءِ شَاةً وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا نِصَابٌ إِنَّهَا مَظْلَمَةٌ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ لَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَلَسْتُ آخُذُ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ، لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا أُسْوَةَ فِيهِ، وَلَا يُلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يُولِجَ نَفْسَهُ فِي ظُلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يُضَاعَفَ الظُّلْمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ". التاسعة- واختلف الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْلِيلِ، فَكَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يُحَلِّلُ أَحَدًا مِنْ عِرْضٍ وَلَا مَالٍ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يُحَلِّلَانِ مِنَ الْعِرْضِ وَالْمَالِ. وَرَأَى مَالِكٌ التَّحْلِيلُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الْعِرْضِ. رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وهب عن مالك وسيل عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "لَا أُحَلِّلُ أَحَدًا" فَقَالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلَكُ وَلَا وَفَاءَ لَهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَلِّلَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدِي، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ" الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٤٤.]] أَحْسَنَهُ" [الزمر: ١٨]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، هُوَ عِنْدِي مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" وَيَقُولُ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَلَا أَرَى أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فِي حِلٍّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لَا يُحَلِّلُهُ بِحَالٍ، قَالَهُ سعيد ابن الْمُسَيَّبِ. الثَّانِي- يُحَلِّلُهُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. الثَّالِثُ- إِنْ كَانَ مَالًا حَلَّلَهُ وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلْهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَلَّا يُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيَكُونُ كَالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّهِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ كَمَا يُسْقِطُ دَمَهُ وَعِرْضَهُ. وَوَجْهُ الثَّالِثِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَلَبَ عَلَى أَدَاءِ حَقِّكَ فَمِنَ الرِّفْقِ بِهِ أَنْ يَتَحَلَّلَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَمِنَ الْحَقِّ أَلَّا تَتْرُكَهُ لِئَلَّا تَغْتَرَّ الظَّلَمَةُ [[في بعض الأصول: "ويستسرون" وفي البعض الآخر: "ويستشرون".]] وَيَسْتَرْسِلُوا فِي أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدِيثُ أَبِي الْيُسْرِ الطَّوِيلِ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِغَرِيمِهِ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبُكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفُكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا. قَالَ قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ اللَّهِ [[قال النووي "الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد، والهاء فيهما مكسورة. قال القاضي: ورويناه بفتحهما معا، وأكثر أهل العربية لا يجيزون إلا الكسر".]]، قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَةٍ فَمَحَاهَا فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا فِي الْحَيِّ الَّذِي يُرْجَى لَهُ الْأَدَاءُ لِسَلَامَةِ الذِّمَّةِ وَرَجَاءِ التَّمَحُّلِ [[في ابن العربي: "التحلل" وقد كتب على هامش نسخة من الأصل بخط الناسخ: "يقال تمحل أي احتال فهو متمحل قاله الجوهري".] []]، فَكَيْفَ بِالْمَيِّتِ الَّذِي لَا مُحَالَلَةَ لَهُ وَلَا ذِمَّةَ مَعَهُ. الْعَاشِرَةُ- قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ مَنْ ظُلِمَ وَأُخِذَ لَهُ مَالٌ فَإِنَّمَا لَهُ ثَوَابُ مَا احتبس عنه إلى موته، ثم يوجع الثَّوَابُ إِلَى وَرَثَتِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِهِمْ، لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ بَعْدَهُ لِلْوَارِثِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّاوُدِيُّ الْمَالِكِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِنْ مَاتَ الظَّالِمُ قَبْلَ مَنْ ظَلَمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَوْ تَرَكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَارِثُهُ فِيهِ بِظُلْمٍ لَمْ تَنْتَقِلْ تَبَاعَةُ الْمَظْلُومِ إِلَى وَرَثَةِ الظَّالِمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلظَّالِمِ مَا يَسْتَوْجِبُهُ وَرَثَةُ الْمَظْلُومِ.

(هامش) الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أي صبر على الأذى و "غَفَرَ" أَيْ تَرَكَ الِانْتِصَارَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا فِيمَنْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ. وَيُحْكَى أَنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَانَ الْمَسْبُوبُ يَكْظِمُ وَيَعْرَقُ فَيَمْسَحُ الْعَرَقَ، ثُمَّ قَامَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: عَقَلَهَا وَاللَّهِ! وَفَهِمَهَا إِذْ ضَيَّعَهَا الْجَاهِلُونَ. وَبِالْجُمْلَةِ الْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَدْ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَرْجِعُ تَرْكُ الْعَفْوِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ إِذَا احْتِيجَ إِلَى كَفِّ زِيَادَةِ الْبَغْيِ وَقَطْعِ مَادَّةِ الْأَذَى، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ زَيْنَبَ أَسْمَعَتْ [[في ل ز: شتمت.]] عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِحَضْرَتِهِ فَكَانَ يَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: (دُونَكِ فَانْتَصِرِي) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ. وَقِيلَ: "صَبْرٌ" عَنِ الْمَعَاصِي وَسَتْرٌ عَلَى الْمَسَاوِئِ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" أَيْ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا. وَقِيلَ مِنْ عَزَائِمَ الصَّوَابِ الَّتِي وُفِّقَ لَهَا. وَذَكَرَ الْكَلْبِيُّ وَالْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قَبْلَهَا، وَقَدْ شَتَمَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْسَكَ. وَهِيَ الْمَدَنِيَّاتُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا وَجَمِيعَ الْمُهَاجِرِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. "فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" يُرِيدُ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَأَبَا جَهْلٍ وَالْأَسْوَدَ، وَكُلَّ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. "وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ" يُرِيدُ بِالظُّلْمِ وَالْكُفْرِ. "أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" يُرِيدُ وَجِيعٌ. "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ" يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَجَمِيعَ أَهْلِ بَدْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" حَيْثُ قَبِلُوا الفداء وصبروا على الأذى.

فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ أَيْ أَصَابَهُمْ بَغْيُ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَغَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَآذَوْهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ مَكَّةَ، فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ وَمَكَّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: [الحج: ٤٠ - ٣٩] " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا [[آية ٣٩ راجع ج ١٢ ص (٦٧)]] ... "الْآيَاتِ كُلَّهَا. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي بَغْيِ كُلِّ بَاغٍ مِنْ كَافِرٍ وَغَيْرِهِ، أَيْ إِذَا نَالَهُمْ ظُلْمٌ مِنْ ظَالِمٍ لَمْ يَسْتَسْلِمُوا لِظُلْمِهِ. وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الِانْتِصَارَ فِي الْبَغْيِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَذَكَرَ الْعَفْوَ عَنِ الْجُرْمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى حَالَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ الْبَاغِي مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ، وَقِحًا فِي الْجُمْهُورِ، مُؤْذِيًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَيَكُونُ الِانْتِقَامُ مِنْهُ أَفْضَلَ. وَفِي مِثْلِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ. الثَّانِيَةُ- أَنْ تَكُونَ الْفَلْتَةُ، أَوْ يَقَعُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَرِفُ بِالزَّلَّةِ وَيَسْأَلُ الْمَغْفِرَةَ، فَالْعَفْوُ ها هنا أَفْضَلُ، وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتْ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾[[آية ٢٣٧ سورة البقرة.]] [البقرة: ٢٣٧]. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾[[آية ٤٥ سورة المائدة.]] [المائدة: ٤٥]. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾[[آية ٢٢ سورة النور.]] [النور: ٢٢] قُلْتُ: هَذَا حَسَنٌ، وَهَكَذَا ذَكَرَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ الِانْتِصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَفْضَلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَنَهُ إِلَى ذِكْرِ الِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ، فَهَذَا فِيمَنْ تَعَدَّى وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ. وَالْمَوْضِعُ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِالْعَفْوِ إِذَا كَانَ الْجَانِي نَادِمًا مُقْلِعًا. وَقَدْ قَالَ عُقَيْبَ هَذِهِ الْآيَةِ: "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ". وَيَقْتَضِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ الِانْتِصَارِ لَا الْأَمْرُ بِهِ، وَقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ". وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغُفْرَانِ عَنْ غَيْرِ الْمُصِرِّ، فَأَمَّا الْمُصِرُّ عَلَى الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ فَالْأَفْضَلُ الِانْتِصَارُ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقِيلَ: أَيْ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ تَنَاصَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى يُزِيلُوهُ عَنْهُمْ وَيَدْفَعُوهُ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْعُمُومِ على ما ذكرنا.

الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ قَالَ الْعُلَمَاءُ: جَعَلَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُونَ عَنِ الظَّالِمِ فَبَدَأَ بِذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ "وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ".] الشورى: ٣٧]. وَصِنْفٌ يَنْتَصِرُونَ مِنْ ظَالِمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ حَدَّ الِانْتِصَارِ بِقَوْلِهِ: "وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" فَيَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدِيَ. قَالَ مُقَاتِلٌ وَهِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ: هَذَا فِي الْمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الْجَارِحِ بِالْقِصَاصِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَبٍّ أَوْ شَتْمٍ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: لَيْسَ بِمَكَّةَ مِثْلُ هِشَامٍ. وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ مَنْ خَانَهُ مِثْلَ مَا خَانَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، وَاسْتَشْهَدَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ: (خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ) فَأَجَازَ لَهَا أَخَذَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَابَلَةِ فِي الْجِرَاحِ. وَإِذَا قَالَ: أَخْزَاهُ اللَّهُ أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ. وَلَا يُقَابَلُ الْقَذْفُ بِقَذْفٍ وَلَا الْكَذِبُ بِكَذِبٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّمَا مَدَحَ اللَّهُ مَنِ انْتَصَرَ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَاءٍ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ مَا فُعِلَ بِهِ، يَعْنِي كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ. وَسُمِّيَ الْجَزَاءُ سَيِّئَةً لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهَا، فَالْأَوَّلُ سَاءَ هَذَا فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ، وَهَذَا الِاقْتِصَاصُ يَسُوءُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلُّهُ فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ تَرَكَ الْقِصَاصَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظَّالِمِ بِالْعَفْوِ "فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" أَيْ إِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: فَكَانَ الْعَفْوُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٠٧]] فِي هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيُّكُمْ أَهْلُ الْفَضْلِ؟ فَيَقُومُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا إِلَى الْجَنَّةِ فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ؟ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، قَالُوا قَبْلَ الْحِسَابِ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالُوا مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا أَهْلُ الْفَضْلِ، قَالُوا وَمَا كَانَ فَضْلُكُمْ؟ قَالُوا كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيئ إِلَيْنَا عَفَوْنَا، قَالُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" أَيْ مَنْ بَدَأَ بِالظُّلْمِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقِيلَ: لَا يُحِبُّ مَنْ يَتَعَدَّى فِي الِاقْتِصَاصِ وَيُجَاوِزُ الْحَدَّ، قَالَهُ ابْنُ عِيسَى. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أَيِ الْمُسْلِمُ إِذَا انْتَصَرَ مِنَ الْكَافِرِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى لَوْمِهِ، بَلْ يُحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْكَافِرِ. وَلَا لَوْمَ إِنِ انْتَصَرَ الظَّالِمُ [[في ل: انتصر المظلوم وفي هـ انتصر ظالم من مسلم.]] مِنَ الْمُسْلِمِ، فَالِانْتِصَارُ مِنَ الْكَافِرِ حَتْمٌ، وَمِنَ الْمُسْلِمِ مباح، والعفو مندوب. الخامسة- في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا- أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا فِي بَدَنٍ يَسْتَحِقُّهُ آدَمِيٌّ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إِنِ اسْتَوْفَاهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ وَثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ، لَكِنْ يَزْجُرُهُ الْإِمَامُ فِي تَفَوُّتِهِ بِالْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى سَفْكِ الدَّمِ. وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ غَيْرَ ثَابِتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حَرَجٌ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُطَالَبٌ وَبِفِعْلِهِ مُؤَاخَذٌ [[في ز ل: مطالب بفعله مؤاخذ به.]] وَمُعَاقَبٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي- أَنْ يَكُونَ حَدُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ لِآدَمِيٍّ فِيهِ كَحَدِّ الزِّنَى وَقَطْعِ السَّرِقَةِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ أُخِذَ بِهِ وَعُوقِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ قَطْعًا فِي سَرِقَةٍ سَقَطَ بِهِ الْحَدُّ لِزَوَالِ الْعُضْوِ الْمُسْتَحَقِّ قَطْعُهُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَقٌّ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ أَدَبٌ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْحَدُّ لِتَعَدِّيهِ مَعَ بَقَاءِ مَحِلِّهِ فَكَانَ مَأْخُوذًا بِحُكْمِهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ- أَنْ يَكُونَ حَقًّا فِي مَالٍ، فَيَجُوزُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُغَالِبَ عَلَى حَقِّهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ هُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِسْرَارُ بِأَخْذِهِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِالْمُطَالَبَةِ لِجُحُودِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ فَفِي جَوَازِ اسْتِسْرَارِهِ بِأَخْذِهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا- جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. الثَّانِي- الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ أَيْ بِعُدْوَانِهِمْ عَلَيْهِمْ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم.

"ويبغون في الأرض بغير الحق" أَيْ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَغْيُهُمْ عَمَلُهُمْ بِالْمَعَاصِي. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: هُوَ مَا يَرْجُوهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الْإِسْلَامِ دِينًا. وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً. وَقَوْلُ قَتَادَةَ: إِنَّهُ عَامٌّ، وَكَذَا يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. السَّابِعَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي "بَرَاءَةٌ" وَهِيَ قَوْلُهُ" مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [[راجع ج ٨ ص ٢٢٧.]] [التوبة: ٩١]، فَكَمَا نَفَى اللَّهُ السَّبِيلَ عَمَّنْ أَحْسَنَ فَكَذَلِكَ نفاها [[في ابن العربي: أثبتها.]] على من ظلم، واستوفى ببان الْقِسْمَيْنِ. الثَّامِنَةُ- وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي السُّلْطَانِ يَضَعُ على أهل بلد مالا معلوما بأخذهم بِهِ وَيُؤَدُّونَهُ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ، وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أَخَذَ سَائِرَ أَهْلِ الْبَلَدِ بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ. فَقِيلَ لَا، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقِيلَ: نَعَمْ، لَهُ ذَلِكَ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ ثُمَّ الْمَالِكِيُّ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي السَّاعِي يَأْخُذُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِ الْخُلَطَاءِ شَاةً وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا نِصَابٌ إِنَّهَا مَظْلَمَةٌ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ لَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَلَسْتُ آخُذُ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ، لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا أُسْوَةَ فِيهِ، وَلَا يُلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يُولِجَ نَفْسَهُ فِي ظُلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يُضَاعَفَ الظُّلْمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ". التاسعة- واختلف الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْلِيلِ، فَكَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يُحَلِّلُ أَحَدًا مِنْ عِرْضٍ وَلَا مَالٍ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يُحَلِّلَانِ مِنَ الْعِرْضِ وَالْمَالِ. وَرَأَى مَالِكٌ التَّحْلِيلُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الْعِرْضِ. رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وهب عن مالك وسيل عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "لَا أُحَلِّلُ أَحَدًا" فَقَالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلَكُ وَلَا وَفَاءَ لَهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَلِّلَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدِي، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ" الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٤٤.]] أَحْسَنَهُ" [الزمر: ١٨]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، هُوَ عِنْدِي مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" وَيَقُولُ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَلَا أَرَى أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فِي حِلٍّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لَا يُحَلِّلُهُ بِحَالٍ، قَالَهُ سعيد ابن الْمُسَيَّبِ. الثَّانِي- يُحَلِّلُهُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. الثَّالِثُ- إِنْ كَانَ مَالًا حَلَّلَهُ وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلْهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَلَّا يُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيَكُونُ كَالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّهِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ كَمَا يُسْقِطُ دَمَهُ وَعِرْضَهُ. وَوَجْهُ الثَّالِثِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَلَبَ عَلَى أَدَاءِ حَقِّكَ فَمِنَ الرِّفْقِ بِهِ أَنْ يَتَحَلَّلَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَمِنَ الْحَقِّ أَلَّا تَتْرُكَهُ لِئَلَّا تَغْتَرَّ الظَّلَمَةُ [[في بعض الأصول: "ويستسرون" وفي البعض الآخر: "ويستشرون".]] وَيَسْتَرْسِلُوا فِي أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدِيثُ أَبِي الْيُسْرِ الطَّوِيلِ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِغَرِيمِهِ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبُكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفُكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا. قَالَ قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ اللَّهِ [[قال النووي "الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد، والهاء فيهما مكسورة. قال القاضي: ورويناه بفتحهما معا، وأكثر أهل العربية لا يجيزون إلا الكسر".]]، قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَةٍ فَمَحَاهَا فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا فِي الْحَيِّ الَّذِي يُرْجَى لَهُ الْأَدَاءُ لِسَلَامَةِ الذِّمَّةِ وَرَجَاءِ التَّمَحُّلِ [[في ابن العربي: "التحلل" وقد كتب على هامش نسخة من الأصل بخط الناسخ: "يقال تمحل أي احتال فهو متمحل قاله الجوهري".] []]، فَكَيْفَ بِالْمَيِّتِ الَّذِي لَا مُحَالَلَةَ لَهُ وَلَا ذِمَّةَ مَعَهُ. الْعَاشِرَةُ- قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ مَنْ ظُلِمَ وَأُخِذَ لَهُ مَالٌ فَإِنَّمَا لَهُ ثَوَابُ مَا احتبس عنه إلى موته، ثم يوجع الثَّوَابُ إِلَى وَرَثَتِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِهِمْ، لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ بَعْدَهُ لِلْوَارِثِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّاوُدِيُّ الْمَالِكِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِنْ مَاتَ الظَّالِمُ قَبْلَ مَنْ ظَلَمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَوْ تَرَكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَارِثُهُ فِيهِ بِظُلْمٍ لَمْ تَنْتَقِلْ تَبَاعَةُ الْمَظْلُومِ إِلَى وَرَثَةِ الظَّالِمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلظَّالِمِ مَا يَسْتَوْجِبُهُ وَرَثَةُ الْمَظْلُومِ.

(هامش) الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أي صبر على الأذى و "غَفَرَ" أَيْ تَرَكَ الِانْتِصَارَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا فِيمَنْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ. وَيُحْكَى أَنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَانَ الْمَسْبُوبُ يَكْظِمُ وَيَعْرَقُ فَيَمْسَحُ الْعَرَقَ، ثُمَّ قَامَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: عَقَلَهَا وَاللَّهِ! وَفَهِمَهَا إِذْ ضَيَّعَهَا الْجَاهِلُونَ. وَبِالْجُمْلَةِ الْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَدْ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَرْجِعُ تَرْكُ الْعَفْوِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ إِذَا احْتِيجَ إِلَى كَفِّ زِيَادَةِ الْبَغْيِ وَقَطْعِ مَادَّةِ الْأَذَى، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ زَيْنَبَ أَسْمَعَتْ [[في ل ز: شتمت.]] عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِحَضْرَتِهِ فَكَانَ يَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: (دُونَكِ فَانْتَصِرِي) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ. وَقِيلَ: "صَبْرٌ" عَنِ الْمَعَاصِي وَسَتْرٌ عَلَى الْمَسَاوِئِ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" أَيْ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا. وَقِيلَ مِنْ عَزَائِمَ الصَّوَابِ الَّتِي وُفِّقَ لَهَا. وَذَكَرَ الْكَلْبِيُّ وَالْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قَبْلَهَا، وَقَدْ شَتَمَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْسَكَ. وَهِيَ الْمَدَنِيَّاتُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا وَجَمِيعَ الْمُهَاجِرِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. "فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" يُرِيدُ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَأَبَا جَهْلٍ وَالْأَسْوَدَ، وَكُلَّ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. "وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ" يُرِيدُ بِالظُّلْمِ وَالْكُفْرِ. "أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" يُرِيدُ وَجِيعٌ. "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ" يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَجَمِيعَ أَهْلِ بَدْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" حَيْثُ قَبِلُوا الفداء وصبروا على الأذى.

فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ أَيْ أَصَابَهُمْ بَغْيُ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَغَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَآذَوْهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ مَكَّةَ، فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ وَمَكَّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: [الحج: ٤٠ - ٣٩] " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا [[آية ٣٩ راجع ج ١٢ ص (٦٧)]] ... "الْآيَاتِ كُلَّهَا. وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي بَغْيِ كُلِّ بَاغٍ مِنْ كَافِرٍ وَغَيْرِهِ، أَيْ إِذَا نَالَهُمْ ظُلْمٌ مِنْ ظَالِمٍ لَمْ يَسْتَسْلِمُوا لِظُلْمِهِ. وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ذَكَرَ اللَّهُ الِانْتِصَارَ فِي الْبَغْيِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَذَكَرَ الْعَفْوَ عَنِ الْجُرْمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى حَالَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ الْبَاغِي مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ، وَقِحًا فِي الْجُمْهُورِ، مُؤْذِيًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَيَكُونُ الِانْتِقَامُ مِنْهُ أَفْضَلَ. وَفِي مِثْلِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ. الثَّانِيَةُ- أَنْ تَكُونَ الْفَلْتَةُ، أَوْ يَقَعُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَرِفُ بِالزَّلَّةِ وَيَسْأَلُ الْمَغْفِرَةَ، فَالْعَفْوُ ها هنا أَفْضَلُ، وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتْ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾[[آية ٢٣٧ سورة البقرة.]] [البقرة: ٢٣٧]. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾[[آية ٤٥ سورة المائدة.]] [المائدة: ٤٥]. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾[[آية ٢٢ سورة النور.]] [النور: ٢٢] قُلْتُ: هَذَا حَسَنٌ، وَهَكَذَا ذَكَرَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ الِانْتِصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَفْضَلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَنَهُ إِلَى ذِكْرِ الِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ فَتَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الْفُسَّاقُ، فَهَذَا فِيمَنْ تَعَدَّى وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ. وَالْمَوْضِعُ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِالْعَفْوِ إِذَا كَانَ الْجَانِي نَادِمًا مُقْلِعًا. وَقَدْ قَالَ عُقَيْبَ هَذِهِ الْآيَةِ: "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ". وَيَقْتَضِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ الِانْتِصَارِ لَا الْأَمْرُ بِهِ، وَقَدْ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ". وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغُفْرَانِ عَنْ غَيْرِ الْمُصِرِّ، فَأَمَّا الْمُصِرُّ عَلَى الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ فَالْأَفْضَلُ الِانْتِصَارُ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقِيلَ: أَيْ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ تَنَاصَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى يُزِيلُوهُ عَنْهُمْ وَيَدْفَعُوهُ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْعُمُومِ على ما ذكرنا.

الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ قَالَ الْعُلَمَاءُ: جَعَلَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُونَ عَنِ الظَّالِمِ فَبَدَأَ بِذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ "وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ".] الشورى: ٣٧]. وَصِنْفٌ يَنْتَصِرُونَ مِنْ ظَالِمِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ حَدَّ الِانْتِصَارِ بِقَوْلِهِ: "وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" فَيَنْتَصِرُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدِيَ. قَالَ مُقَاتِلٌ وَهِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ: هَذَا فِي الْمَجْرُوحِ يَنْتَقِمُ مِنَ الْجَارِحِ بِالْقِصَاصِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَبٍّ أَوْ شَتْمٍ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: لَيْسَ بِمَكَّةَ مِثْلُ هِشَامٍ. وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ مَنْ خَانَهُ مِثْلَ مَا خَانَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، وَاسْتَشْهَدَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ: (خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ) فَأَجَازَ لَهَا أَخَذَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَابَلَةِ فِي الْجِرَاحِ. وَإِذَا قَالَ: أَخْزَاهُ اللَّهُ أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ. وَلَا يُقَابَلُ الْقَذْفُ بِقَذْفٍ وَلَا الْكَذِبُ بِكَذِبٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّمَا مَدَحَ اللَّهُ مَنِ انْتَصَرَ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَاءٍ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ مَا فُعِلَ بِهِ، يَعْنِي كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ. وَسُمِّيَ الْجَزَاءُ سَيِّئَةً لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهَا، فَالْأَوَّلُ سَاءَ هَذَا فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ، وَهَذَا الِاقْتِصَاصُ يَسُوءُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلُّهُ فِي "الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى [[راجع ج ٢ ص (٣٣٥)]]. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ تَرَكَ الْقِصَاصَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظَّالِمِ بِالْعَفْوِ "فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" أَيْ إِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: فَكَانَ الْعَفْوُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَقَدْ مَضَى فِي "آلِ عِمْرَانَ" [[راجع ج ٤ ص ٢٠٧]] فِي هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيُّكُمْ أَهْلُ الْفَضْلِ؟ فَيَقُومُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا إِلَى الْجَنَّةِ فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ؟ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، قَالُوا قَبْلَ الْحِسَابِ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالُوا مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا أَهْلُ الْفَضْلِ، قَالُوا وَمَا كَانَ فَضْلُكُمْ؟ قَالُوا كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيئ إِلَيْنَا عَفَوْنَا، قَالُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" أَيْ مَنْ بَدَأَ بِالظُّلْمِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقِيلَ: لَا يُحِبُّ مَنْ يَتَعَدَّى فِي الِاقْتِصَاصِ وَيُجَاوِزُ الْحَدَّ، قَالَهُ ابْنُ عِيسَى. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أَيِ الْمُسْلِمُ إِذَا انْتَصَرَ مِنَ الْكَافِرِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى لَوْمِهِ، بَلْ يُحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْكَافِرِ. وَلَا لَوْمَ إِنِ انْتَصَرَ الظَّالِمُ [[في ل: انتصر المظلوم وفي هـ انتصر ظالم من مسلم.]] مِنَ الْمُسْلِمِ، فَالِانْتِصَارُ مِنَ الْكَافِرِ حَتْمٌ، وَمِنَ الْمُسْلِمِ مباح، والعفو مندوب. الخامسة- في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا- أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا فِي بَدَنٍ يَسْتَحِقُّهُ آدَمِيٌّ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ إِنِ اسْتَوْفَاهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ وَثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ، لَكِنْ يَزْجُرُهُ الْإِمَامُ فِي تَفَوُّتِهِ بِالْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى سَفْكِ الدَّمِ. وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ غَيْرَ ثَابِتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حَرَجٌ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُطَالَبٌ وَبِفِعْلِهِ مُؤَاخَذٌ [[في ز ل: مطالب بفعله مؤاخذ به.]] وَمُعَاقَبٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي- أَنْ يَكُونَ حَدُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ لِآدَمِيٍّ فِيهِ كَحَدِّ الزِّنَى وَقَطْعِ السَّرِقَةِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ أُخِذَ بِهِ وَعُوقِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ قَطْعًا فِي سَرِقَةٍ سَقَطَ بِهِ الْحَدُّ لِزَوَالِ الْعُضْوِ الْمُسْتَحَقِّ قَطْعُهُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَقٌّ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ أَدَبٌ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الْحَدُّ لِتَعَدِّيهِ مَعَ بَقَاءِ مَحِلِّهِ فَكَانَ مَأْخُوذًا بِحُكْمِهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ- أَنْ يَكُونَ حَقًّا فِي مَالٍ، فَيَجُوزُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُغَالِبَ عَلَى حَقِّهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ هُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ نَظَرَ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِسْرَارُ بِأَخْذِهِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِالْمُطَالَبَةِ لِجُحُودِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ فَفِي جَوَازِ اسْتِسْرَارِهِ بِأَخْذِهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا- جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. الثَّانِي- الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ أَيْ بِعُدْوَانِهِمْ عَلَيْهِمْ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم.

"ويبغون في الأرض بغير الحق" أَيْ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بَغْيُهُمْ عَمَلُهُمْ بِالْمَعَاصِي. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: هُوَ مَا يَرْجُوهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الْإِسْلَامِ دِينًا. وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً. وَقَوْلُ قَتَادَةَ: إِنَّهُ عَامٌّ، وَكَذَا يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. السَّابِعَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي "بَرَاءَةٌ" وَهِيَ قَوْلُهُ" مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [[راجع ج ٨ ص ٢٢٧.]] [التوبة: ٩١]، فَكَمَا نَفَى اللَّهُ السَّبِيلَ عَمَّنْ أَحْسَنَ فَكَذَلِكَ نفاها [[في ابن العربي: أثبتها.]] على من ظلم، واستوفى ببان الْقِسْمَيْنِ. الثَّامِنَةُ- وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي السُّلْطَانِ يَضَعُ على أهل بلد مالا معلوما بأخذهم بِهِ وَيُؤَدُّونَهُ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ، وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أَخَذَ سَائِرَ أَهْلِ الْبَلَدِ بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ. فَقِيلَ لَا، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقِيلَ: نَعَمْ، لَهُ ذَلِكَ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ ثُمَّ الْمَالِكِيُّ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي السَّاعِي يَأْخُذُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِ الْخُلَطَاءِ شَاةً وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا نِصَابٌ إِنَّهَا مَظْلَمَةٌ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ لَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَلَسْتُ آخُذُ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ، لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا أُسْوَةَ فِيهِ، وَلَا يُلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يُولِجَ نَفْسَهُ فِي ظُلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يُضَاعَفَ الظُّلْمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ". التاسعة- واختلف الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْلِيلِ، فَكَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يُحَلِّلُ أَحَدًا مِنْ عِرْضٍ وَلَا مَالٍ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يُحَلِّلَانِ مِنَ الْعِرْضِ وَالْمَالِ. وَرَأَى مَالِكٌ التَّحْلِيلُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الْعِرْضِ. رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وهب عن مالك وسيل عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "لَا أُحَلِّلُ أَحَدًا" فَقَالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلَكُ وَلَا وَفَاءَ لَهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَلِّلَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدِي، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ" الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٤٤.]] أَحْسَنَهُ" [الزمر: ١٨]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، هُوَ عِنْدِي مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" وَيَقُولُ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَلَا أَرَى أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فِي حِلٍّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لَا يُحَلِّلُهُ بِحَالٍ، قَالَهُ سعيد ابن الْمُسَيَّبِ. الثَّانِي- يُحَلِّلُهُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. الثَّالِثُ- إِنْ كَانَ مَالًا حَلَّلَهُ وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلْهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَلَّا يُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيَكُونُ كَالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّهِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ كَمَا يُسْقِطُ دَمَهُ وَعِرْضَهُ. وَوَجْهُ الثَّالِثِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَلَبَ عَلَى أَدَاءِ حَقِّكَ فَمِنَ الرِّفْقِ بِهِ أَنْ يَتَحَلَّلَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَمِنَ الْحَقِّ أَلَّا تَتْرُكَهُ لِئَلَّا تَغْتَرَّ الظَّلَمَةُ [[في بعض الأصول: "ويستسرون" وفي البعض الآخر: "ويستشرون".]] وَيَسْتَرْسِلُوا فِي أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدِيثُ أَبِي الْيُسْرِ الطَّوِيلِ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِغَرِيمِهِ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبُكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفُكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا. قَالَ قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ اللَّهِ [[قال النووي "الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد، والهاء فيهما مكسورة. قال القاضي: ورويناه بفتحهما معا، وأكثر أهل العربية لا يجيزون إلا الكسر".]]، قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَةٍ فَمَحَاهَا فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ ... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا فِي الْحَيِّ الَّذِي يُرْجَى لَهُ الْأَدَاءُ لِسَلَامَةِ الذِّمَّةِ وَرَجَاءِ التَّمَحُّلِ [[في ابن العربي: "التحلل" وقد كتب على هامش نسخة من الأصل بخط الناسخ: "يقال تمحل أي احتال فهو متمحل قاله الجوهري".] []]، فَكَيْفَ بِالْمَيِّتِ الَّذِي لَا مُحَالَلَةَ لَهُ وَلَا ذِمَّةَ مَعَهُ. الْعَاشِرَةُ- قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ مَنْ ظُلِمَ وَأُخِذَ لَهُ مَالٌ فَإِنَّمَا لَهُ ثَوَابُ مَا احتبس عنه إلى موته، ثم يوجع الثَّوَابُ إِلَى وَرَثَتِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِهِمْ، لِأَنَّ الْمَالَ يَصِيرُ بَعْدَهُ لِلْوَارِثِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّاوُدِيُّ الْمَالِكِيُّ: هَذَا صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِنْ مَاتَ الظَّالِمُ قَبْلَ مَنْ ظَلَمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَوْ تَرَكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَارِثُهُ فِيهِ بِظُلْمٍ لَمْ تَنْتَقِلْ تَبَاعَةُ الْمَظْلُومِ إِلَى وَرَثَةِ الظَّالِمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلظَّالِمِ مَا يَسْتَوْجِبُهُ وَرَثَةُ الْمَظْلُومِ.

(هامش) الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أي صبر على الأذى و "غَفَرَ" أَيْ تَرَكَ الِانْتِصَارَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا فِيمَنْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ. وَيُحْكَى أَنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَانَ الْمَسْبُوبُ يَكْظِمُ وَيَعْرَقُ فَيَمْسَحُ الْعَرَقَ، ثُمَّ قَامَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: عَقَلَهَا وَاللَّهِ! وَفَهِمَهَا إِذْ ضَيَّعَهَا الْجَاهِلُونَ. وَبِالْجُمْلَةِ الْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَدْ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَرْجِعُ تَرْكُ الْعَفْوِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ إِذَا احْتِيجَ إِلَى كَفِّ زِيَادَةِ الْبَغْيِ وَقَطْعِ مَادَّةِ الْأَذَى، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ زَيْنَبَ أَسْمَعَتْ [[في ل ز: شتمت.]] عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِحَضْرَتِهِ فَكَانَ يَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: (دُونَكِ فَانْتَصِرِي) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ. وَقِيلَ: "صَبْرٌ" عَنِ الْمَعَاصِي وَسَتْرٌ عَلَى الْمَسَاوِئِ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" أَيْ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا. وَقِيلَ مِنْ عَزَائِمَ الصَّوَابِ الَّتِي وُفِّقَ لَهَا. وَذَكَرَ الْكَلْبِيُّ وَالْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ ثَلَاثِ آيَاتٍ قَبْلَهَا، وَقَدْ شَتَمَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْسَكَ. وَهِيَ الْمَدَنِيَّاتُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا وَجَمِيعَ الْمُهَاجِرِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. "فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ" يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعُبَيْدَةَ وَعَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ" يُرِيدُ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَأَبَا جَهْلٍ وَالْأَسْوَدَ، وَكُلَّ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. "وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ" يُرِيدُ بِالظُّلْمِ وَالْكُفْرِ. "أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ" يُرِيدُ وَجِيعٌ. "وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ" يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَجَمِيعَ أَهْلِ بَدْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. "إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" حَيْثُ قَبِلُوا الفداء وصبروا على الأذى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أَيْ يَخْذُلُهُ "فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ" هَذَا فِيمَنْ أَعْرَضَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْمَوَدَّةِ فِي الْقُرْبَى، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ فِي الْبَعْثِ وَأَنَّ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلٌ أَيْ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا يَهْدِيهِ هَادٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ أَيِ الْكَافِرِينَ. "لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ" يَعْنِي جَهَنَّمَ. وَقِيلَ رَأَوُا الْعَذَابَ عِنْدَ الْمَوْتِ. "يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ" يَطْلُبُونَ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الدُّنْيَا لِيَعْمَلُوا بطاعة الله فلا يجابون إلى ذلك.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أَيْ عَلَى النَّارِ لِأَنَّهَا عَذَابُهُمْ، فَكَنَّى عَنِ الْعَذَابِ الْمَذْكُورِ بِحَرْفِ التَّأْنِيثِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ هُوَ النَّارُ، وَإِنْ شِئْتَ جَهَنَّمُ، وَلَوْ رَاعَى اللَّفْظَ لَقَالَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قِيلَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ جَمِيعًا يُعْرَضُونَ عَلَى جَهَنَّمَ عِنْدَ انْطِلَاقِهِمْ إِلَيْهَا، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ. وَقِيلَ: آلُ فِرْعَوْنَ خُصُوصًا، تُحْبَسُ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ، فَهُوَ عَرْضُهُمْ عَلَيْهَا، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ عَامَّةُ الْمُشْرِكِينَ، تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ذُنُوبُهُمْ فِي قُبُورِهِمْ، وَيُعْرَضُونَ عَلَى الْعَذَابِ فِي قُبُورِهِمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي الْحَجَّاجِ. "خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ" ذَهَبَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ إِلَى الْوَقْفِ عَلَى "خاشِعِينَ". وَقَوْلُهُ: "مِنَ الذُّلِّ" مُتَعَلِّقٌ بِ "يَنْظُرُونَ". وَقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ ب "خاشِعِينَ". وَالْخُشُوعُ الِانْكِسَارُ وَالتَّوَاضُعُ. وَمَعْنَى "يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ" أَيْ لَا يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ لِلنَّظَرِ رَفْعًا تاما، لأنهم ناكسو الرؤوس. وَالْعَرَبُ تَصِفُ الذَّلِيلَ بِغَضِّ الطَّرْفِ، كَمَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي ضِدِّهِ حَدِيدَ النَّظَرِ إِذَا لَمْ يُتَّهَمْ بِرِيبَةٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْهَا غَضَاضَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ" أَيْ ذَلِيلٍ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ لِأَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ عُمْيًا، وَعَيْنُ الْقَلْبِ طَرْفٌ خَفِيٌّ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالْقُرَظِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُسَارِقُونَ النَّظَرَ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَنْظُرُونَ مِنْ عَيْنٍ ضَعِيفَةِ النَّظَرِ. وَقَالَ يُونُسُ: "مِنْ" بِمَعْنَى الْبَاءِ، أَيْ يَنْظُرُونَ بِطَرْفٍ خَفِيٍّ، أَيْ ضَعِيفٍ مِنَ الذُّلِّ وَالْخَوْفِ، وَنَحْوِهُ عَنِ الْأَخْفَشِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِطَرْفٍ ذَابِلٍ ذَلِيلٍ. وَقِيلَ: أَيْ يَفْزَعُونَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَيْهَا بِجَمِيعِ أَبْصَارِهِمْ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ أَصْنَافِ الْعَذَابِ. "وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ" أَيْ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْجَنَّةِ لَمَّا عَايَنُوا مَا حَلَّ بِالْكَفَّارِ إِنَّ الْخُسْرَانَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا صَارَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لِأَنَّهُمْ فِي الْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ، وَخَسِرُوا أَهْلِيهِمْ لِأَنَّ الْأَهْلَ إِنْ كَانُوا فِي النَّارِ فَلَا انْتِفَاعَ بِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي الْجَنَّةِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ. وَقِيلَ: خُسْرَانُ الْأَهْلِ أَنَّهُمْ لَوْ آمَنُوا لَكَانَ لَهُمْ أَهْلٌ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا لَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ [[في ز ل: فإذا مات الرجل ودخل النار.]] فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ١٢ ص ١٠٨]]. وَفِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَا مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ إِلَّا زَوَّجَهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَسَبْعِينَ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَمَا مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلَّا وَلَهَا قُبُلٌ شَهِيٌّ وَلَهُ ذَكَرٌ لَا يَنْثَنِي (. قَالَ هِشَامُ ابن خَالِدٍ:) مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) يَعْنِي رِجَالًا أُدْخِلُوا النَّارَ فَوَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ نِسَاءَهُمْ كَمَا وُرِّثَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ. "أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ" أَيْ دَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءٌ مِنَ اللَّهِ تعالى

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ أَيْ أَعْوَانًا وَنُصَرَاءَ "يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ" أَيْ مِنْ عَذَابِهِ "وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ" أَيْ طَرِيقٍ يَصِلُ بِهِ إِلَى الْحَقِّ فِي الدُّنْيَا وَالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِ طَرِيقُ النجاة.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أَيْ أَجِيبُوهُ إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَالطَّاعَةِ. اسْتَجَابَ وَأَجَابَ بِمَعْنًى، وَقَدْ تَقَدَّمَ. "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ" يُرِيدُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَيْ لَا يَرُدُّهُ أحد بعد ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ وَجَعَلَهُ أَجَلًا وَوَقْتًا. "مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ" أَيْ مِنْ مَلْجَأٍ يُنْجِيكُمْ مِنَ الْعَذَابِ. "وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ" أَيْ مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُكُمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: النَّكِيرُ بِمَعْنَى الْمُنْكَرِ، كَالْأَلِيمِ بِمَعْنَى الْمُؤْلِمِ، أَيْ لَا تَجِدُونَ يَوْمئِذٍ مُنْكِرًا لِمَا يَنْزِلُ بِكُمْ مِنَ الْعَذَابِ، حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَالَهُ الْكَلْبِيُّ. الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُنْكِرُوا الذُّنُوبَ الَّتِي يُوقَفُونَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: "مِنْ نَكِيرٍ" أَيْ إِنْكَارِ مَا يَنْزِلُ بِكُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَالنَّكِيرُ وَالْإِنْكَارُ تَغْيِيرُ المنكر.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ "فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً" أَيْ حَافِظًا لِأَعْمَالِهِمْ حَتَّى تُحَاسِبَهُمْ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: مُوَكَّلًا بِهِمْ لَا تُفَارِقُهُمْ دُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا، أَيْ لَيْسَ لَكَ إِكْرَاهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ. "إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ" وَقِيلَ: نُسِخَ هَذَا بِآيَةِ الْقِتَالِ. "وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ" الْكَافِرَ. "مِنَّا رَحْمَةً" رَخَاءً وَصِحَّةً. "فَرِحَ بِها" بَطِرَ بِهَا. "وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ" بَلَاءٌ وَشِدَّةٌ. "بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ" أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النِّعْمَةِ فَيُعَدِّدُ الْمَصَائِبَ وينسى النعم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ﴾ فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. "يَخْلُقُ مَا يَشاءُ" مِنَ الْخَلْقِ. "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو مَالِكٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَالضِّحَاكُ: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا لَا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، وَيَهَبُ لِمَنْ يشاء ذكورا لا إناثا مَعَهُمْ، وَأَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ لِأَنَّهُمْ أَشْرَفُ فَمَيَّزَهُمْ بِسِمَةِ التَّعْرِيفِ. وَقَالَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ: إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَبْكِيرَهَا بِالْأُنْثَى قَبْلَ الذَّكَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" فَبَدَأَ بِالْإِنَاثِ. "أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً" قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ أَنْ تَلِدَ الْمَرْأَةُ غُلَامًا ثُمَّ تَلِدُ جَارِيَةً، ثُمَّ تَلِدُ غُلَامًا ثُمَّ تَلِدُ جَارِيَةً. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ أَنْ تَلِدَ تَوْأَمًا، غُلَامًا وَجَارِيَةً، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا. قَالَ الْقُتَبِيُّ: التَّزْوِيجُ ها هنا هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: زَوَّجْتُ إِبِلِي إِذَا جَمَعْتُ بَيْنَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ. "وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً" أَيْ لَا يُولَدُ لَهُ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ، وَامْرَأَةٌ عَقِيمٌ. وَعَقِمَتِ الْمَرْأَةُ تَعْقَمُ عَقْمًا، مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ. وَعَقُمَتْ تَعْقُمُ، مِثْلُ عَظُمَ يَعْظُمُ. وَأَصْلُهُ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ الْمُلْكُ الْعَقِيمُ، أَيْ تُقْطَعُ فِيهِ الْأَرْحَامُ بِالْقَتْلِ وَالْعُقُوقِ خَوْفًا عَلَى الْمُلْكِ. وَرِيحٌ عَقِيمٌ، أَيْ لَا تَلْقَحُ سَحَابًا وَلَا شَجَرًا. وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ عَقِيمٌ، لِأَنَّهُ لَا يَوْمَ بَعْدَهُ. وَيُقَالُ: نِسَاءٌ عُقُمٌ وَعُقْمٌ، قَالَ الشاعر [[في لسان العرب: "قال أبو دهبل يمدح عبد الله بن الأزرق المخزومي. وقيل هو للحزين الليثي".]]:

عُقِمَ النِّسَاءُ فَمَا يَلِدْنَ شَبِيهَهُ ... إِنَّ النِّسَاءَ بمثله عقم

وَحَكَى النَّقَّاشُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْأَنْبِيَاءِ خُصُوصًا وَإِنْ عَمَّ حُكْمُهَا. وُهِبَ لِلُوطٍ الْإِنَاثُ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، وَوُهِبَ لِإِبْرَاهِيمَ الذُّكُورُ لَيْسَ مَعَهُمْ أُنْثَى، وَوُهِبَ لِإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَجُعِلَ عِيسَى وَيَحْيَى عَقِيمَيْنِ، وَنَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ. قَالَ إِسْحَاقُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً" يَعْنِي لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمْ يُولَدْ لَهُ ذَكَرٌ وَإِنَّمَا وُلِدَ لَهُ ابْنَتَانِ. "وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُولَدْ لَهُ أُنْثَى بَلْ وُلِدَ لَهُ ثَمَانِيَةُ ذُكُورٍ. "أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً" يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وُلِدَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ وَأَرْبَعُ بَنَاتٍ. "وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً" يَعْنِي يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، لَمْ يَذْكُرْ عِيسَى. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً" يَعْنِي لُوطًا كَانَ لَهُ بَنَاتٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ. "وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ، كَانَ لَهُ بَنُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِنْتٌ. وَقَوْلُهُ "أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً" يَعْنِي آدَمَ، كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لَهُ فِي كُلِّ بَطْنٍ تَوْأَمَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَيُزَوِّجُ الذَّكَرَ مِنْ هَذَا الْبَطْنِ مِنَ الْأُنْثَى مِنَ الْبَطْنِ الْآخَرِ، حَتَّى أَحْكَمَ اللَّهُ التَّحْرِيمَ فِي شَرْعِ نُوحٍ ﷺ. وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَانَ لَهُ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ مِنَ الْأَوْلَادِ: الْقَاسِمُ وَالطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ وَعَبْدُ اللَّهِ [[القول الأصح أن الذكور ثلاثة: القاسم وعبد الله (ويسمى بالطيب والطاهر) وابراهيم. راجع شرح المواهب اللدنية.]] وَزَيْنَبُ وَأُمُّ كُلْثُومَ وَرُقَيَّةُ وَفَاطِمَةُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَإِبْرَاهِيمُ وَهُوَ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ. وَكَذَلِكَ قَسَمَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْمَحْدُودِ بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ وَمَشِيئَتِهِ النَّافِذَةِ، لِيَبْقَى النَّسْلُ، وَيَتَمَادَى الْخَلْقُ، وَيَنْفُذَ الْوَعْدُ، وَيَحِقَّ الْأَمْرُ، وَتَعْمُرَ الدُّنْيَا، وَتَأْخُذَ الْجَنَّةُ وَجَهَنَّمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مَا يَمْلَؤُهَا وَيَبْقَى. فَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ النَّارَ لَنْ تَمْتَلِئَ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ [[قال القسطلاني: "أي يذللها تذليل من يوضع تحت الرجل، والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها كقولها للنادم: سقط في يده".]]، فَتَقُولُ قَطْ قَطْ [[قوله: "قط قط" بكسر الطاء وسكونها فيهما، ويجوز التنوين مع الكسر والمعنى: حسبي حسبي قد اكتفيت.]]. وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيَبْقَى مِنْهَا فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ.) الثَّانِيَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لِعُمُومِ قُدْرَتِهِ وَشَدِيدِ قُوَّتِهِ يَخْلُقُ الْخَلْقَ ابتداء من غير شي، وَبِعَظِيمِ لُطْفِهِ وَبَالِغِ حِكْمَتِهِ يَخْلُقُ شَيْئًا مِنْ شيء لا عن حاجة، فانه قدوس عَنِ الْحَاجَاتِ سَلَامٌ عَنِ الْآفَاتِ، كَمَا قَالَ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ، فَخَلَقَ آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ وَخَلَقَ النَّشْأَةَ مِنْ بَيْنِهِمَا منهما مرتبا على الوطي كَائِنًا عَنِ الْحَمْلِ مَوْجُودًا فِي الْجَنِينِ بِالْوَضْعِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل أنثى [[روى بالمد وتخفيف النون وبالقصر وتشديد النون.]]). وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا (إِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ وَإِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ (. قُلْتُ: وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ لَا لَفْظُهُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ وَأَبْصَرَتِ الْمَاءَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ) فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: تَرِبَتْ يَدَاكِ وَأَلَّتْ [[قوله: "تربت يداك". معناه: ما أصبت! وهو في الأصل بمعنى صار في يدك التراب ولا أصبت خيرا أي افتقرت، لكن لا يريدون به الدعاء على المخاطب، كما يقولون: قاتله الله، إلى غير ذلك. قوله "وألت": أي صاحت لما أصابها من شدة هذا الكلام. وروى بضم الهمزة مع التشديد، أي طعنت بالأدلة وهي الحربة. قال ابن الأثير: وفية بعد، لأنه لا يلائم لفظ الحديث.]]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (دَعِيهَا وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ. إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ (. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعُلُوَّ يَقْتَضِي الشَّبَهَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: (مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثى بِإِذْنِ اللَّهِ ...

(الْحَدِيثَ. فَجَعَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا الْعُلُوَّ يَقْتَضِي الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ، فَعَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثَيْنِ يَلْزَمُ اقْتِرَانُ الشَّبَهِ لِلْأَعْمَامِ وَالذُّكُورَةِ إِنْ عَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ إِنْ عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ اقْتِرَانُ الشَّبَهِ لِلْأَخْوَالِ وَالْأُنُوثَةِ، لِأَنَّهُمَا مَعْلُولًا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلِ الْوُجُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، لِأَنَّا نَجِدُ الشَّبَهَ لِلْأَخْوَالِ وَالذُّكُورَةِ وَالشَّبَهَ لِلْأَعْمَامِ وَالْأُنُوثَةِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ. وَالَّذِي يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ فَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ الْعُلُوَّ مَعْنَاهُ سَبَقَ الماء إلى الرحم، ووجهه أَنَّ الْعُلُوَّ لِمَا كَانَ مَعْنَاهُ الْغَلَبَةَ مِنْ قَوْلِهِمْ سَابَقَنِي فُلَانٌ فَسَبَقْتُهُ أَيْ غَلَبْتُهُ، وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أَيْ بِمَغْلُوبِينَ قِيلَ [[في ل هـ: قيل غلبه.]] عَلَيْهِ: عَلَا. وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المرأة ماء الرجل أنثى). وَقَدْ بَنَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِنَاءً فَقَالَ: إِنَّ لِلْمَاءَيْنِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا، الثَّانِي أَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَوَّلًا، الثَّالِثُ أَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا وَيَكُونُ أَكْثَرَ، الرَّابِعُ أَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَوَّلًا وَيَكُونُ أَكْثَرَ. وَيَتِمُّ التَّقْسِيمُ بِأَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا ثُمَّ يَخْرُجُ مَاءُ الْمَرْأَةِ بَعْدَهُ وَيَكُونُ أَكْثَرَ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِذَا خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا وَكَانَ أَكْثَرَ جَاءَ الْوَلَدُ ذَكَرًا بِحُكْمِ السَّبْقِ وَأَشْبَهَ الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ بِحُكْمِ الْكَثْرَةِ. وَإِنْ خَرَجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَوَّلًا وَكَانَ أَكْثَرَ جَاءَ الْوَلَدُ أُنْثَى بِحُكْمِ السَّبْقِ وَأَشْبَهَ أَخْوَالَهُ بِحُكْمِ الْغَلَبَةِ. وَإِنْ خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا لَكِنْ لَمَّا خَرَجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ بَعْدَهُ كَانَ أَكْثَرَ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا بِحُكْمِ السَّبْقِ وَأَشْبَهَ أَخْوَالَهُ بِحُكْمِ غَلَبَةِ مَاءِ الْمَرْأَةِ. وَإِنْ سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ لَكِنْ لَمَّا خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ أَعْلَى مِنْ مَاءِ الْمَرْأَةِ كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى بِحُكْمِ سَبْقِ مَاءِ الْمَرْأَةِ وَأَشْبَهَ أَعْمَامَهُ بِحُكْمِ غَلَبَةِ مَاءِ الرَّجُلِ. قَالَ: وَبِانْتِظَامِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ يَسْتَتِبُّ الْكَلَامُ وَيَرْتَفِعُ التَّعَارُضُ عَنِ الْأَحَادِيثِ، فَسُبْحَانَ الْخَالِقِ الْعَلِيمِ. الثَّالِثَةُ- قَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَانَتِ الْخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً ذَكَرًا وَأُنْثَى إِلَى أَنْ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى الْخُنْثَى فَأُتِيَ بِهِ فَرِيضَ الْعَرَبِ وَمُعَمِّرَهَا [[في ابن العربي: "ومعتمدها". ويقال أنه عاش ثلاثمائة عام.]] عَامِرَ بْنَ الظَّرِبِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فِيهِ وَأَرْجَأَهُمْ عَنْهُ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ تَنَكَّرَ مَوْضِعَهُ، وَأَقَضَّ عَلَيْهِ مَضْجَعَهُ، وجعل يتقلى وَيَتَقَلَّبُ، وَتَجِيءُ بِهِ الْأَفْكَارُ وَتَذْهَبُ، إِلَى أَنْ أَنْكَرَتْ خَادِمُهُ حَالَهُ فَقَالَتْ: مَا بِكَ؟ قَالَ لَهَا: سَهِرْتُ لِأَمْرٍ قَصَدْتُ بِهِ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَقَالَتْ مَا هُوَ؟ قَالَ لَهَا: رَجُلٌ لَهُ ذَكَرٌ وَفَرْجٌ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ فِي الْمِيرَاثِ؟ قَالَتْ لَهُ الْأَمَةُ: وَرِّثْهُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَهَا وَأَصْبَحَ فَعَرَضَهَا عَلَيْهِمْ وَانْقَلَبُوا بِهَا رَاضِينَ. وَجَاءَ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ تَنْزِلْ إِلَّا فِي عَهْدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَضَى فِيهَا. وَقَدْ رَوَى الْفَرْضِيُّونَ عَنِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَوْلُودٍ لَهُ قُبُلٌ وَذَكَرٌ مِنْ أَيْنَ يُوَرَّثُ؟ قَالَ: مِنْ حَيْثُ يَبُولُ. وروي أَنَّهُ أُتِيَ بِخُنْثَى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: (وَرِّثُوهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَبُولُ). وَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ، وَنَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَحَكَاهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا دَلَالَةَ فِي الْبَوْلِ، فَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْهُمَا جَمِيعًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُحْكَمُ بِالْأَكْثَرِ. وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ: أَتَكِيلُهُ! وَلَمْ يَجْعَلْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِلْكَثْرَةِ حُكْمًا. وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا قَالَا: تُعَدُّ أَضْلَاعُهُ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَزِيدُ عَلَى الرَّجُلِ بِضِلْعٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٦٥ فما بعدها.]] مُجَوَّدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. الرَّابِعَةُ- قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ مِنْ رُءُوسِ الْعَوَامِّ وُجُودَ الْخُنْثَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ الْخَلْقَ إِلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى. قُلْنَا: هَذَا جَهْلٌ بِاللُّغَةِ، وَغَبَاوَةٌ عَنْ مَقْطَعِ الْفَصَاحَةِ، وَقُصُورٌ عَنْ مَعْرِفَةِ سَعَةِ الْقُدْرَةِ. أَمَّا قُدْرَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، وَأَمَّا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَلَا يَنْفِي وُجُودَ الْخُنْثَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ". فَهَذَا عُمُومُ مَدْحٍ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ تَقْتَضِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً" فَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْغَالِبِ فِي الْمَوْجُودَاتِ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ [[لفظة ذكر ساقطة من ح ز ل.]] النَّادِرِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَالْوُجُودُ يَشْهَدُ لَهُ وَالْعِيَانُ يُكَذِّبُ مُنْكِرَهُ، وَقَدْ كَانَ يَقْرَأُ مَعَنَا بِرِبَاطِ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى الْإِمَامِ الشَّهِيدِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ خُنْثَى لَيْسَ لَهُ لِحْيَةٌ وَلَهُ ثَدْيَانِ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ، فَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِهِ، وَمَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ عَقَلَنِي الْحَيَاءُ عَنْ سُؤَالِهِ، وبودي اليوم لو كاشفته عن حاله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ﴾ فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. "يَخْلُقُ مَا يَشاءُ" مِنَ الْخَلْقِ. "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو مَالِكٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَالضِّحَاكُ: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا لَا ذُكُورَ مَعَهُنَّ، وَيَهَبُ لِمَنْ يشاء ذكورا لا إناثا مَعَهُمْ، وَأَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ لِأَنَّهُمْ أَشْرَفُ فَمَيَّزَهُمْ بِسِمَةِ التَّعْرِيفِ. وَقَالَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ: إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَبْكِيرَهَا بِالْأُنْثَى قَبْلَ الذَّكَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" فَبَدَأَ بِالْإِنَاثِ. "أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً" قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ أَنْ تَلِدَ الْمَرْأَةُ غُلَامًا ثُمَّ تَلِدُ جَارِيَةً، ثُمَّ تَلِدُ غُلَامًا ثُمَّ تَلِدُ جَارِيَةً. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ أَنْ تَلِدَ تَوْأَمًا، غُلَامًا وَجَارِيَةً، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا. قَالَ الْقُتَبِيُّ: التَّزْوِيجُ ها هنا هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: زَوَّجْتُ إِبِلِي إِذَا جَمَعْتُ بَيْنَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ. "وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً" أَيْ لَا يُولَدُ لَهُ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ، وَامْرَأَةٌ عَقِيمٌ. وَعَقِمَتِ الْمَرْأَةُ تَعْقَمُ عَقْمًا، مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ. وَعَقُمَتْ تَعْقُمُ، مِثْلُ عَظُمَ يَعْظُمُ. وَأَصْلُهُ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ الْمُلْكُ الْعَقِيمُ، أَيْ تُقْطَعُ فِيهِ الْأَرْحَامُ بِالْقَتْلِ وَالْعُقُوقِ خَوْفًا عَلَى الْمُلْكِ. وَرِيحٌ عَقِيمٌ، أَيْ لَا تَلْقَحُ سَحَابًا وَلَا شَجَرًا. وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ عَقِيمٌ، لِأَنَّهُ لَا يَوْمَ بَعْدَهُ. وَيُقَالُ: نِسَاءٌ عُقُمٌ وَعُقْمٌ، قَالَ الشاعر [[في لسان العرب: "قال أبو دهبل يمدح عبد الله بن الأزرق المخزومي. وقيل هو للحزين الليثي".]]:

عُقِمَ النِّسَاءُ فَمَا يَلِدْنَ شَبِيهَهُ ... إِنَّ النِّسَاءَ بمثله عقم

وَحَكَى النَّقَّاشُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْأَنْبِيَاءِ خُصُوصًا وَإِنْ عَمَّ حُكْمُهَا. وُهِبَ لِلُوطٍ الْإِنَاثُ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، وَوُهِبَ لِإِبْرَاهِيمَ الذُّكُورُ لَيْسَ مَعَهُمْ أُنْثَى، وَوُهِبَ لِإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَجُعِلَ عِيسَى وَيَحْيَى عَقِيمَيْنِ، وَنَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ. قَالَ إِسْحَاقُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ عَمَّتْ. "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً" يَعْنِي لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمْ يُولَدْ لَهُ ذَكَرٌ وَإِنَّمَا وُلِدَ لَهُ ابْنَتَانِ. "وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُولَدْ لَهُ أُنْثَى بَلْ وُلِدَ لَهُ ثَمَانِيَةُ ذُكُورٍ. "أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً" يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وُلِدَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ وَأَرْبَعُ بَنَاتٍ. "وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً" يَعْنِي يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، لَمْ يَذْكُرْ عِيسَى. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً" يَعْنِي لُوطًا كَانَ لَهُ بَنَاتٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ. "وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ" يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ، كَانَ لَهُ بَنُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِنْتٌ. وَقَوْلُهُ "أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً" يَعْنِي آدَمَ، كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لَهُ فِي كُلِّ بَطْنٍ تَوْأَمَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَيُزَوِّجُ الذَّكَرَ مِنْ هَذَا الْبَطْنِ مِنَ الْأُنْثَى مِنَ الْبَطْنِ الْآخَرِ، حَتَّى أَحْكَمَ اللَّهُ التَّحْرِيمَ فِي شَرْعِ نُوحٍ ﷺ. وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَانَ لَهُ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ مِنَ الْأَوْلَادِ: الْقَاسِمُ وَالطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ وَعَبْدُ اللَّهِ [[القول الأصح أن الذكور ثلاثة: القاسم وعبد الله (ويسمى بالطيب والطاهر) وابراهيم. راجع شرح المواهب اللدنية.]] وَزَيْنَبُ وَأُمُّ كُلْثُومَ وَرُقَيَّةُ وَفَاطِمَةُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَإِبْرَاهِيمُ وَهُوَ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ. وَكَذَلِكَ قَسَمَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْمَحْدُودِ بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ وَمَشِيئَتِهِ النَّافِذَةِ، لِيَبْقَى النَّسْلُ، وَيَتَمَادَى الْخَلْقُ، وَيَنْفُذَ الْوَعْدُ، وَيَحِقَّ الْأَمْرُ، وَتَعْمُرَ الدُّنْيَا، وَتَأْخُذَ الْجَنَّةُ وَجَهَنَّمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مَا يَمْلَؤُهَا وَيَبْقَى. فَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ النَّارَ لَنْ تَمْتَلِئَ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ [[قال القسطلاني: "أي يذللها تذليل من يوضع تحت الرجل، والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها كقولها للنادم: سقط في يده".]]، فَتَقُولُ قَطْ قَطْ [[قوله: "قط قط" بكسر الطاء وسكونها فيهما، ويجوز التنوين مع الكسر والمعنى: حسبي حسبي قد اكتفيت.]]. وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيَبْقَى مِنْهَا فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ.) الثَّانِيَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لِعُمُومِ قُدْرَتِهِ وَشَدِيدِ قُوَّتِهِ يَخْلُقُ الْخَلْقَ ابتداء من غير شي، وَبِعَظِيمِ لُطْفِهِ وَبَالِغِ حِكْمَتِهِ يَخْلُقُ شَيْئًا مِنْ شيء لا عن حاجة، فانه قدوس عَنِ الْحَاجَاتِ سَلَامٌ عَنِ الْآفَاتِ، كَمَا قَالَ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ، فَخَلَقَ آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ وَخَلَقَ النَّشْأَةَ مِنْ بَيْنِهِمَا منهما مرتبا على الوطي كَائِنًا عَنِ الْحَمْلِ مَوْجُودًا فِي الْجَنِينِ بِالْوَضْعِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل أنثى [[روى بالمد وتخفيف النون وبالقصر وتشديد النون.]]). وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا (إِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ وَإِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ (. قُلْتُ: وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ لَا لَفْظُهُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ وَأَبْصَرَتِ الْمَاءَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ) فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: تَرِبَتْ يَدَاكِ وَأَلَّتْ [[قوله: "تربت يداك". معناه: ما أصبت! وهو في الأصل بمعنى صار في يدك التراب ولا أصبت خيرا أي افتقرت، لكن لا يريدون به الدعاء على المخاطب، كما يقولون: قاتله الله، إلى غير ذلك. قوله "وألت": أي صاحت لما أصابها من شدة هذا الكلام. وروى بضم الهمزة مع التشديد، أي طعنت بالأدلة وهي الحربة. قال ابن الأثير: وفية بعد، لأنه لا يلائم لفظ الحديث.]]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (دَعِيهَا وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ. إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ (. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعُلُوَّ يَقْتَضِي الشَّبَهَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: (مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثى بِإِذْنِ اللَّهِ ...

(الْحَدِيثَ. فَجَعَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا الْعُلُوَّ يَقْتَضِي الذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ، فَعَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثَيْنِ يَلْزَمُ اقْتِرَانُ الشَّبَهِ لِلْأَعْمَامِ وَالذُّكُورَةِ إِنْ عَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ إِنْ عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ اقْتِرَانُ الشَّبَهِ لِلْأَخْوَالِ وَالْأُنُوثَةِ، لِأَنَّهُمَا مَعْلُولًا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلِ الْوُجُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، لِأَنَّا نَجِدُ الشَّبَهَ لِلْأَخْوَالِ وَالذُّكُورَةِ وَالشَّبَهَ لِلْأَعْمَامِ وَالْأُنُوثَةِ فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ. وَالَّذِي يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ فَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ الْعُلُوَّ مَعْنَاهُ سَبَقَ الماء إلى الرحم، ووجهه أَنَّ الْعُلُوَّ لِمَا كَانَ مَعْنَاهُ الْغَلَبَةَ مِنْ قَوْلِهِمْ سَابَقَنِي فُلَانٌ فَسَبَقْتُهُ أَيْ غَلَبْتُهُ، وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أَيْ بِمَغْلُوبِينَ قِيلَ [[في ل هـ: قيل غلبه.]] عَلَيْهِ: عَلَا. وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ المرأة ماء الرجل أنثى). وَقَدْ بَنَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِنَاءً فَقَالَ: إِنَّ لِلْمَاءَيْنِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا، الثَّانِي أَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَوَّلًا، الثَّالِثُ أَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا وَيَكُونُ أَكْثَرَ، الرَّابِعُ أَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَوَّلًا وَيَكُونُ أَكْثَرَ. وَيَتِمُّ التَّقْسِيمُ بِأَنْ يَخْرُجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا ثُمَّ يَخْرُجُ مَاءُ الْمَرْأَةِ بَعْدَهُ وَيَكُونُ أَكْثَرَ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِذَا خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا وَكَانَ أَكْثَرَ جَاءَ الْوَلَدُ ذَكَرًا بِحُكْمِ السَّبْقِ وَأَشْبَهَ الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ بِحُكْمِ الْكَثْرَةِ. وَإِنْ خَرَجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَوَّلًا وَكَانَ أَكْثَرَ جَاءَ الْوَلَدُ أُنْثَى بِحُكْمِ السَّبْقِ وَأَشْبَهَ أَخْوَالَهُ بِحُكْمِ الْغَلَبَةِ. وَإِنْ خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ أَوَّلًا لَكِنْ لَمَّا خَرَجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ بَعْدَهُ كَانَ أَكْثَرَ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا بِحُكْمِ السَّبْقِ وَأَشْبَهَ أَخْوَالَهُ بِحُكْمِ غَلَبَةِ مَاءِ الْمَرْأَةِ. وَإِنْ سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ لَكِنْ لَمَّا خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ أَعْلَى مِنْ مَاءِ الْمَرْأَةِ كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى بِحُكْمِ سَبْقِ مَاءِ الْمَرْأَةِ وَأَشْبَهَ أَعْمَامَهُ بِحُكْمِ غَلَبَةِ مَاءِ الرَّجُلِ. قَالَ: وَبِانْتِظَامِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ يَسْتَتِبُّ الْكَلَامُ وَيَرْتَفِعُ التَّعَارُضُ عَنِ الْأَحَادِيثِ، فَسُبْحَانَ الْخَالِقِ الْعَلِيمِ. الثَّالِثَةُ- قَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَانَتِ الْخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً ذَكَرًا وَأُنْثَى إِلَى أَنْ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى الْخُنْثَى فَأُتِيَ بِهِ فَرِيضَ الْعَرَبِ وَمُعَمِّرَهَا [[في ابن العربي: "ومعتمدها". ويقال أنه عاش ثلاثمائة عام.]] عَامِرَ بْنَ الظَّرِبِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فِيهِ وَأَرْجَأَهُمْ عَنْهُ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ تَنَكَّرَ مَوْضِعَهُ، وَأَقَضَّ عَلَيْهِ مَضْجَعَهُ، وجعل يتقلى وَيَتَقَلَّبُ، وَتَجِيءُ بِهِ الْأَفْكَارُ وَتَذْهَبُ، إِلَى أَنْ أَنْكَرَتْ خَادِمُهُ حَالَهُ فَقَالَتْ: مَا بِكَ؟ قَالَ لَهَا: سَهِرْتُ لِأَمْرٍ قَصَدْتُ بِهِ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَقَالَتْ مَا هُوَ؟ قَالَ لَهَا: رَجُلٌ لَهُ ذَكَرٌ وَفَرْجٌ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ فِي الْمِيرَاثِ؟ قَالَتْ لَهُ الْأَمَةُ: وَرِّثْهُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ، فَعَقَلَهَا وَأَصْبَحَ فَعَرَضَهَا عَلَيْهِمْ وَانْقَلَبُوا بِهَا رَاضِينَ. وَجَاءَ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ تَنْزِلْ إِلَّا فِي عَهْدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَضَى فِيهَا. وَقَدْ رَوَى الْفَرْضِيُّونَ عَنِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَوْلُودٍ لَهُ قُبُلٌ وَذَكَرٌ مِنْ أَيْنَ يُوَرَّثُ؟ قَالَ: مِنْ حَيْثُ يَبُولُ. وروي أَنَّهُ أُتِيَ بِخُنْثَى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: (وَرِّثُوهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَبُولُ). وَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ، وَنَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَحَكَاهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا دَلَالَةَ فِي الْبَوْلِ، فَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْهُمَا جَمِيعًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُحْكَمُ بِالْأَكْثَرِ. وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ: أَتَكِيلُهُ! وَلَمْ يَجْعَلْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِلْكَثْرَةِ حُكْمًا. وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا قَالَا: تُعَدُّ أَضْلَاعُهُ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَزِيدُ عَلَى الرَّجُلِ بِضِلْعٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ فِي "النِّسَاءِ" [[راجع ج ٥ ص ٦٥ فما بعدها.]] مُجَوَّدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. الرَّابِعَةُ- قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ مِنْ رُءُوسِ الْعَوَامِّ وُجُودَ الْخُنْثَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ الْخَلْقَ إِلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى. قُلْنَا: هَذَا جَهْلٌ بِاللُّغَةِ، وَغَبَاوَةٌ عَنْ مَقْطَعِ الْفَصَاحَةِ، وَقُصُورٌ عَنْ مَعْرِفَةِ سَعَةِ الْقُدْرَةِ. أَمَّا قُدْرَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، وَأَمَّا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَلَا يَنْفِي وُجُودَ الْخُنْثَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ". فَهَذَا عُمُومُ مَدْحٍ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ تَقْتَضِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ "يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً" فَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْغَالِبِ فِي الْمَوْجُودَاتِ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ [[لفظة ذكر ساقطة من ح ز ل.]] النَّادِرِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَالْوُجُودُ يَشْهَدُ لَهُ وَالْعِيَانُ يُكَذِّبُ مُنْكِرَهُ، وَقَدْ كَانَ يَقْرَأُ مَعَنَا بِرِبَاطِ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى الْإِمَامِ الشَّهِيدِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ خُنْثَى لَيْسَ لَهُ لِحْيَةٌ وَلَهُ ثَدْيَانِ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ، فَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِهِ، وَمَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ عَقَلَنِي الْحَيَاءُ عَنْ سُؤَالِهِ، وبودي اليوم لو كاشفته عن حاله.

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى "وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً" سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَلَا تُكَلِّمُ اللَّهَ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَمَا كَلَّمَهُ مُوسَى وَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِنَّا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنَّ مُوسَى لَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ) فَنَزَلَ قَوْلُهُ "وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً"، ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ وَالْوَاحِدِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ. "وَحْياً" قَالَ مُجَاهِدٌ: نَفَثَ يَنْفُثُ فِي قَلْبِهِ فَيَكُونُ إِلْهَامًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: (إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي [[الروع (بالضم): القلب والعقل. والروع (بالفتح): الفزع.]] إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ، رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ. خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ). "أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ" كَمَا كَلَّمَ مُوسَى. "أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا" كَإِرْسَالِهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: "إِلَّا وَحْياً" رُؤْيَا يَرَاهَا فِي مَنَامِهِ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ زُهَيْرٍ. "أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ" كَمَا كَلَّمَ مُوسَى. "أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا" قَالَ زُهَيْرٌ هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. "فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ" وَهَذَا الْوَحْيُ مِنَ الرُّسُلِ خِطَابٌ مِنْهُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ يَسْمَعُونَهُ نُطْقًا وَيَرَوْنَهُ عِيَانًا. وَهَكَذَا كَانَتْ حَالُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا نَزَلَ بِالْوَحْيِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ فَلَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ إِلَّا مُحَمَّدٌ وَعِيسَى وَمُوسَى وَزَكَرِيَّا عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. فَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَكَانَ وَحْيًا إِلْهَامًا فِي الْمَنَامِ. وَقِيلَ "إِلَّا وَحْياً" بِإِرْسَالِ جِبْرِيلَ "أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ" كَمَا كَلَّمَ مُوسَى. "أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا" إِلَى النَّاسِ كَافَّةً. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ "أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ" بِرَفْعِ الْفِعْلَيْنِ. الْبَاقُونَ بِنَصْبِهِمَا. فَالرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَيْ وَهُوَ يُرْسِلُ. وَقِيلَ: "يُرْسِلُ" بِالرَّفْعِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ إِلَّا مُوحِيًا أَوْ مُرْسَلًا. وَمَنْ نَصَبَ عَطَفُوهُ عَلَى مَحَلِّ الْوَحْيِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُوحِيَ أَوْ يُرْسِلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْجَارِّ مِنْ أَنِ الْمُضْمَرَةِ. وَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، التَّقْدِيرُ أَوْ بِأَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْطِفَ "أَوْ يُرْسِلَ" بِالنَّصْبِ عَلَى "أَنْ يُكَلِّمَهُ" لِفَسَادِ الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ يَصِيرُ: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُرْسِلَهُ أَوْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولًا، وَهُوَ قَدْ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مِنَ الْبَشَرِ وأرسل إليهم.

الثَّانِيَةُ- احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ رَأَى فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَ رَجُلًا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا أَنَّهُ حَانِثٌ، لِأَنَّ الْمُرْسَلَ قَدْ سُمِّيَ فِيهَا مُكَلِّمًا لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْحَالِفُ الْمُوَاجَهَةَ بِالْخِطَابِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَلَّا يُكَلِّمَ فُلَانًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا، فَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الرَّسُولُ لَيْسَ بِكَلَامٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَبِينُ أَنْ يَحْنَثَ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: وَالْحُكْمُ فِي الْكِتَابِ يَحْنَثُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ فِي الْكِتَابِ وَالرَّسُولِ. وَقَالَ مَرَّةً: الرَّسُولُ أَسْهَلُ مِنَ الْكِتَابِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْكَلَامُ سِوَى الْخَطِّ وَالْإِشَارَةِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَحْنَثُ فِي الْكِتَابِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَحْنَثُ فِي الْكِتَابِ وَالرَّسُولِ. قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَمَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَ رَجُلًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا، أَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ فَقَدْ حَنِثَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَ مَالِكٍ. وَإِنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَحْنَثْ. قُلْتُ: يَحْنَثُ فِي الرَّسُولِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُشَافَهَةَ، لِلْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّلِ "سُورَةِ مَرْيَمَ" [[راجع ج ١١ ص ٨٦]] هَذَا الْمَعْنَى عن علمائنا مستوفى، والحمد لله.

فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أَيْ وَكَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ "رُوحاً" أَيْ نُبُوَّةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا. السُّدِّيُّ: وَحْيًا. الْكَلْبِيُّ: كِتَابًا. الرَّبِيعُ: هُوَ جبريل. الضحاك: هو القرآن. وهو قول مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ. وَسَمَّاهُ رُوحًا لِأَنَّ فِيهِ حَيَاةً مِنْ مَوْتِ الْجَهْلِ. وَجَعَلَهُ مِنْ أَمْرِهِ بِمَعْنَى أَنْزَلَهُ كَمَا شَاءَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنَ النَّظْمِ الْمُعْجِزِ وَالتَّأْلِيفِ الْمُعْجِبِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يحمل قوله "وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ"»

[الاسراء: ٨٥] عَلَى الْقُرْآنِ أَيْضًا ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الاسراء: ٨٥] أي يسئلونك مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الْقُرْآنُ، قُلْ إِنَّهُ من أمر الله أنزله عَلَيَّ مُعْجِزًا، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، مَاذَا زَرَعَ الْقُرْآنُ فِي قُلُوبِكُمْ؟ فَإِنَّ الْقُرْآنَ رَبِيعُ الْقُلُوبِ كَمَا أَنَّ الْغَيْثَ رَبِيعُ الْأَرْضِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ﴾ أَيْ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى الْإِيمَانِ. وَظَاهِرُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْلَ الْإِيحَاءِ مُتَّصِفًا بِالْإِيمَانِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَهُوَ مِنْ مُجَوَّزَاتِ [[في ل: معجزات وفي ن: تجوزات]] الْعُقُولِ، وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُعْظَمُ أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَفِيهِ تَحَكُّمٌ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِتَوْقِيفٍ مَقْطُوعٍ بِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ: وَأَمَّا عِصْمَتُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَنِّ [[كذا في الأصل]] قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَالتَّشَكُّكِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ مُنْذُ وُلِدُوا، وَنَشْأَتِهِمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، بَلْ عَلَى إِشْرَاقِ أَنْوَارِ الْمَعَارِفِ وَنَفَحَاتِ أَلْطَافِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ مُنْذُ صِبَاهُمْ إِلَى مَبْعَثِهِمْ حَقَّقَ ذَلِكَ، كَمَا عُرِفَ مِنْ حَالِ مُوسَى وَعِيسَى وَيَحْيَى وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾[[راجع ج ١١ ص ٨٧ و٩٤.]] [مريم: ١٢] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أُعْطِيَ يَحْيَى الْعِلْمَ بِكِتَابِ اللَّهِ فِي حَالِ صِبَاهُ. قَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَانُ: لِمَ لَا تَلْعَبُ! فَقَالَ: أَلِلَّعِبِ خُلِقْتُ! وَقِيلَ فِي قوله ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾[[راجع ج ٤ ص ٧٦.]] [آل عمران: ٣٩] صَدَّقَ يَحْيَى بِعِيسَى وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ، فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ وَقِيلَ: صَدَّقَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ إِنِّي أَجِدُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ تَحِيَّةً لَهُ. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَى كَلَامِ عِيسَى لِأُمِّهِ عند ولادتها إياه بقوله ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾[[راجع ج ١١ ص ٨٧ و٩٤.]] [مريم: ٢٤] على قراءة من قرأ "مِنْ تَحْتِها"، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُنَادِي عِيسَى وَنُصَّ عَلَى كَلَامِهِ فِي مَهْدِهِ فَقَالَ" إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي [[آية ٧٩ سورة الأنبياء.]] نَبِيًّا" [مريم: ٣٠]. وَقَالَ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾[[آية ٧٩ سورة الأنبياء.]] [الأنبياء: ٧٩] وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ حُكْمِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ صَبِيٌّ يَلْعَبُ فِي قِصَّةِ الْمَرْجُومَةِ وَفِي قِصَّةِ الصَّبِيِّ مَا اقْتَدَى بِهِ أَبُوهُ دَاوُدُ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ عُمْرَهُ كَانَ حِينَ أُوتِيَ الْمُلْكَ اثْنَيْ عشر عاما. وكذلك قصة موسى مَعَ فِرْعَوْنَ وَأَخْذُهُ بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ طِفْلٌ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾[[آية ٧٩ سورة الأنبياء.]] [الأنبياء: ٥١]: أَيْ هَدَيْنَاهُ صَغِيرًا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: اصْطَفَاهُ قَبْلَ إِبْدَاءِ خَلْقِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا يَأْمُرُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعْرِفَهُ بِقَلْبِهِ وَيَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، وَلَمْ يَقُلْ أَفْعَلُ، فَذَلِكَ رُشْدُهُ. وَقِيلَ: إِنَّ إِلْقَاءَ إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ وَمِحْنَتَهُ كَانَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. وَإِنَّ ابْتِلَاءَ إِسْحَاقَ بِالذَّبْحِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. وَإِنَّ اسْتِدْلَالَ إِبْرَاهِيمَ بِالْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ كَانَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً [[في الأصول: "خمسة عشر شهرا" راجع ج ٧ ص ٢٥.]]. وَقِيلَ أُوحِيَ إِلَى يُوسُفَ وَهُوَ صبي عند ما هَمَّ إِخْوَتُهُ بِإِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ [[آية ٥ سورة يوسف.]] هذا" [يوسف: ١٥] الْآيَةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ. وَقَدْ حَكَى أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أُخْبِرَتْ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ وُلِدَ حِينَ وُلِدَ بَاسِطًا يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ ﷺ: (لَمَّا نَشَأَتُ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَانُ وَبُغِّضَ إِلَيَّ الشِّعْرُ وَلَمْ أَهُمَّ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ فَعَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمَا ثُمَّ لَمْ أَعُدْ (. ثُمَّ يَتَمَكَّنُ الْأَمْرُ لَهُمْ، وَتَتَرَادَفُ نَفَحَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَتُشْرِقُ أَنْوَارُ الْمَعَارِفِ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَصِلُوا الْغَايَةَ وَيَبْلُغُوا بِاصْطِفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ فِي تَحْصِيلِ الْخِصَالِ الشَّرِيفَةِ النِّهَايَةَ دُونَ مُمَارَسَةٍ وَلَا رِيَاضَةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾[[آية ١٤ سورة القصص.]] [يوسف: ٢٢]. قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يَنْقِلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ أَنَّ أَحَدًا نُبِّئَ وَاصْطُفِيَ مِمَّنْ عُرِفَ بِكُفْرٍ وَإِشْرَاكٍ قَبْلَ ذَلِكَ. وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْبَابِ النَّقْلُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْقُلُوبَ تَنْفُرُ عمن كانت هذه سبيله.

قَالَ الْقَاضِي: وَأَنَا أَقُولُ إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ رَمَتْ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكُلِّ مَا افْتَرَتْهُ، وَعَيَّرَ كُفَّارُ الْأُمَمِ أَنْبِيَاءَهَا بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْهُ، مِمَّا نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَوْ نَقَلَتْهُ إِلَيْنَا الرُّوَاةُ، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرَفْضِهِ آلِهَتَهُمْ وَتَقْرِيعِهِ بِذَمِّهِ بِتَرْكِ مَا كَانَ قَدْ جَامَعَهُمْ عَلَيْهِ. ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، ويتلونه فِي مَعْبُودِهِ مُحْتَجِّينَ، وَلَكَانَ تَوْبِيخُهُمْ لَهُ بِنَهْيِهِمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ قَبْلُ أَفْظَعَ وَأَقْطَعَ فِي الْحُجَّةِ مِنْ تَوْبِيخِهِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ تَرْكِهِ آلِهَتَهُمْ وَمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ، فَفِي إِطْبَاقِهِمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إِلَيْهِ، إِذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَمَا سَكَتُوا عَنْهُ كَمَا لَمْ يَسْكُتُوا عَنْ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾[[راجع ج ٢ ص ١٤٧]] [البقرة: ١٤٢] كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ. الثَّالِثَةُ- وَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي نَبِيِّنَا ﷺ، هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِدِينٍ قَبْلَ الْوَحْيِ أَمْ لَا، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَأَحَالَهُ عَقْلًا. قَالُوا: لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا مَنْ عُرِفَ تَابِعًا، وَبَنَوْا هَذَا عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى بِالْوَقْفِ فِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَرْكِ قَطْعِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ، إِذْ لَمْ يُحِلِ الْوَجْهَيْنِ مِنْهُمَا الْعَقْلُ وَلَا اسْتَبَانَ عِنْدَهَا [[في الأصول: "عندهما".]] فِي أَحَدِهِمَا طَرِيقُ النَّقْلِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْمَعَالِي. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ: إِنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ وَعَامِلًا بِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي التَّعْيِينِ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ عِيسَى فَإِنَّهُ نَاسِخٌ لِجَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ قَبْلَهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَى دِينٍ مَنْسُوخٍ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِهِ وَهُوَ أَبُو الْأَنْبِيَاءِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ مُوسَى، لِأَنَّهُ أَقْدَمُ الْأَدْيَانِ. وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِينٍ وَلَكِنْ عَيْنُ الدِّينِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ عِنْدَنَا. وَقَدْ أَبْطَلَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا أَئِمَّتُنَا، إِذْ هِيَ أَقْوَالٌ مُتَعَارِضَةٌ وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ مَنْسُوبًا إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نِسْبَةً تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْ أُمَّتِهِ وَمُخَاطَبًا بِكُلِّ شَرِيعَتِهِ، بَلْ شَرِيعَتُهُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا مُفْتَتَحَةٌ مِنْ عِنْدِ الله الحاكم عز وجل وأنه ﷺ كَانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا سَجَدَ لِصَنَمٍ، وَلَا أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَلَا زَنَى وَلَا شَرِبَ الْخَمْرَ، وَلَا شَهِدَ السَّامِرَ [[الموضع الذي يجتمعون للسمر فيه.]] وَلَا حَضَرَ حِلْفَ الْمَطَرِ [[كذا في الأصول.]] وَلَا حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ [[في الأصول: "المطيب". قال ابن الأثير: "أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلوات الله عليه: (لا حلف في الإسلام). وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذلك الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ: (وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسلام إلا شدة) يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام. والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام". ويلاحظ أنه قال ﷺ: (شهدت غلاما مع عمومتي حلف المطيبين). اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية وجعلوا طيبا في جفنة وغمسوا أيديهم فيه وتحالفوا على التناصر والأخذ من المظلوم للظالم، فسموا المطيبين. وقال عليه السلام: (شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حلفا لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت). قال ابن الأثير: يعني حلف الفضول.

(راجع نهاية ابن الأثير مادة حلف. طيب. فضل).]]، بَلْ نَزَّهَهُ اللَّهُ وَصَانَهُ عَنْ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدِيثًا بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ، فَسَمِعَ مَلَكَيْنِ خَلْفَهُ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ حَتَّى تَقُومَ خَلْفَهُ، فَقَالَ الْآخَرُ: كَيْفَ أَقُومُ خَلْفَهُ وَعَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ فَلَمْ يَشْهَدهُمْ بَعْدُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ جِدًّا وَقَالَ: هَذَا مَوْضُوعٌ أَوْ شَبِيهٌ بِالْمَوْضُوعِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّ عُثْمَانَ وَهِمَ فِي إِسْنَادِهِ، وَالْحَدِيثُ بِالْجُمْلَةِ مُنْكَرٌ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى إِسْنَادِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَالْمَعْرُوفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِهِ: (بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَصْنَامُ) وَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ بَحِيرَا حِينَ اسْتَحْلَفَ النَّبِيَّ ﷺ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِذْ لَقِيَهُ بِالشَّامِ فِي سَفْرَتِهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ صَبِيٌّ، وَرَأَى فِيهِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فَاخْتَبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (لَا تَسْأَلْنِي بِهِمَا فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا) فَقَالَ لَهُ بَحِيرَا: فَبِاللَّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتِنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، فَقَالَ: (سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ). وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ مِنْ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُ لَهُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ يُخَالِفُ الْمُشْرِكِينَ فِي وُقُوفِهِمْ بِمُزْدَلِفَةَ فِي الْحَجِّ، وَكَانَ يَقِفُ هُوَ بِعَرَفَةَ، لِأَنَّهُ كان مَوْقِفَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾[[آية ١٣٥ سورة البقرة.]] [البقرة: ١٣٥] وقال: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾[[آية ١٢٣ سورة النحل.]] [النحل: ١٢] وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾[[آية ١٣ من هذه السورة.]] [الشورى: ١٣] الْآيَةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ. فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ مِنَ التَّوْحِيدِ وَإِقَامَةِ الدِّينِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. الرَّابِعَةُ- إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ﴾. فَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَعْنَى الْإِيمَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ شَرَائِعُ الْإِيمَانِ وَمَعَالِمُهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقِيلَ: تَفَاصِيلُ هَذَا الشَّرْعِ، أَيْ كُنْتَ غَافِلًا عَنْ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ. وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْإِيمَانِ عَلَى تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ: وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الْوَحْيِ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَلَا كَيْفَ تَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى الْإِيمَانِ، وَنَحْوَهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ. وَقَالَ بَكْرٌ الْقَاضِي: وَلَا الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ الْفَرَائِضُ وَالْأَحْكَامُ. قَالَ: وَكَانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِهِ ثُمَّ نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيهَا قَبْلُ، فَزَادَ بِالتَّكْلِيفِ إِيمَانًا. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ مُتَقَارِبَةٌ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: عَنَى بِالْإِيمَانِ الصَّلَاةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾[[آية ١٣٥ سورة البقرة.]] [البقرة: ١٤٣] أَيْ صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا وَالْمُرَادُ الْخُصُوصُ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: أَيْ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا أَهْلَ الْإِيمَانِ. وَهُوَ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ مَنِ الَّذِي يُؤْمِنُ؟ أَبُو طَالِبٍ أَوِ الْعَبَّاسُ أَوْ غَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي شَيْئًا إِذْ كُنْتَ فِي الْمَهْدِ وَقَبْلَ الْبُلُوغِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ نَحْوَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى قَالَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ لَوْلَا الرِّسَالَةُ، وَلَا الْإِيمَانُ لَوْلَا الْبُلُوغُ. وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ لَوْلَا إِنْعَامُنَا عَلَيْكَ، وَلَا الْإِيمَانُ لَوْلَا هِدَايَتُنَا لَكَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ. وَفِي هَذَا الْإِيمَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَهَذَا يَعْرِفُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَقَبْلَ نُبُوَّتِهِ. وَالثَّانِي- أَنَّهُ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ إلا بعد النبوة.

قلت: أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِينِ نَشَأَ إِلَى حِينِ بُلُوغِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: "مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ" أَيْ كُنْتَ مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ وَلَا الْإِيمَانَ، حَتَّى تَكُونَ قَدْ أَخَذْتَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ عَمَّنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾[[آية ٤٨ سورة العنكبوت.]] [العنكبوت: ٤٨] رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. "وَلكِنْ جَعَلْناهُ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْإِيمَانَ. السُّدِّيُّ: الْقُرْآنُ. وَقِيلَ الْوَحْيُ، أَيْ جَعَلْنَا هَذَا الْوَحْيَ "نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ" أَيْ مَنْ نَخْتَارُهُ لِلنُّبُوَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾[[آية ١٠٥ سورة البقرة.]] [آل عمران: ٧٤]. ووحد الكناية لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي كَثْرَةِ أَسْمَائِهِ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ فِي الِاسْمِ الْوَاحِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: إِقْبَالُكَ وَإِدْبَارُكَ يُعْجِبُنِي، فَتَوَحَّدَ، وَهُمَا اثْنَانِ. "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي" أَيْ تَدْعُو وَتُرْشِدُ "إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" دِينٍ قَوِيمٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: إِلَى كِتَابٍ مُسْتَقِيمٍ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَحَوْشَبٌ "وَإِنَّكَ لَتُهْدَى" غَيْرَ مُسَمَّى الْفَاعِلِ، أَيْ لَتُدْعَى. الْبَاقُونَ "لَتَهْدِي" مُسَمِّي الْفَاعِلِ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ "وَإِنَّكَ لَتَدْعُو". قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يُقْرَأُ بِهِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسَّوَادِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ مَا كَانَ مِثْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَائِلِهِ عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ، كَمَا قَالَ "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي" أَيْ لَتَدْعُو. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" قَالَ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾[[راجع ج ٩ ص ٢٨٥.]] [الرعد: ٧] . "صِراطِ اللَّهِ" بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ بَدَلُ الْمَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: هُوَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ الْإِسْلَامُ. وَرَوَاهُ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. "الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ" ملكا وعبد اوخلقا. "أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ" وَعِيدٌ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ. قَالَ سَهْلُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ: احْتَرَقَ مُصْحَفٌ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا قَوْلُهُ "أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ" وَغَرَقَ مُصْحَفٌ فَامَّحَى كُلُّهُ إِلَّا قَوْلُهُ "أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ". والحمد لله وحده.

فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أَيْ وَكَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ "رُوحاً" أَيْ نُبُوَّةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا. السُّدِّيُّ: وَحْيًا. الْكَلْبِيُّ: كِتَابًا. الرَّبِيعُ: هُوَ جبريل. الضحاك: هو القرآن. وهو قول مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ. وَسَمَّاهُ رُوحًا لِأَنَّ فِيهِ حَيَاةً مِنْ مَوْتِ الْجَهْلِ. وَجَعَلَهُ مِنْ أَمْرِهِ بِمَعْنَى أَنْزَلَهُ كَمَا شَاءَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنَ النَّظْمِ الْمُعْجِزِ وَالتَّأْلِيفِ الْمُعْجِبِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يحمل قوله "وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ"»

[الاسراء: ٨٥] عَلَى الْقُرْآنِ أَيْضًا ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الاسراء: ٨٥] أي يسئلونك مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الْقُرْآنُ، قُلْ إِنَّهُ من أمر الله أنزله عَلَيَّ مُعْجِزًا، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، مَاذَا زَرَعَ الْقُرْآنُ فِي قُلُوبِكُمْ؟ فَإِنَّ الْقُرْآنَ رَبِيعُ الْقُلُوبِ كَمَا أَنَّ الْغَيْثَ رَبِيعُ الْأَرْضِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ﴾ أَيْ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى الْإِيمَانِ. وَظَاهِرُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْلَ الْإِيحَاءِ مُتَّصِفًا بِالْإِيمَانِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَهُوَ مِنْ مُجَوَّزَاتِ [[في ل: معجزات وفي ن: تجوزات]] الْعُقُولِ، وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُعْظَمُ أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَفِيهِ تَحَكُّمٌ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِتَوْقِيفٍ مَقْطُوعٍ بِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ: وَأَمَّا عِصْمَتُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَنِّ [[كذا في الأصل]] قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَالتَّشَكُّكِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ مُنْذُ وُلِدُوا، وَنَشْأَتِهِمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، بَلْ عَلَى إِشْرَاقِ أَنْوَارِ الْمَعَارِفِ وَنَفَحَاتِ أَلْطَافِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ مُنْذُ صِبَاهُمْ إِلَى مَبْعَثِهِمْ حَقَّقَ ذَلِكَ، كَمَا عُرِفَ مِنْ حَالِ مُوسَى وَعِيسَى وَيَحْيَى وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾[[راجع ج ١١ ص ٨٧ و٩٤.]] [مريم: ١٢] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أُعْطِيَ يَحْيَى الْعِلْمَ بِكِتَابِ اللَّهِ فِي حَالِ صِبَاهُ. قَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَانُ: لِمَ لَا تَلْعَبُ! فَقَالَ: أَلِلَّعِبِ خُلِقْتُ! وَقِيلَ فِي قوله ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾[[راجع ج ٤ ص ٧٦.]] [آل عمران: ٣٩] صَدَّقَ يَحْيَى بِعِيسَى وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ، فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ وَقِيلَ: صَدَّقَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ إِنِّي أَجِدُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ تَحِيَّةً لَهُ. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَى كَلَامِ عِيسَى لِأُمِّهِ عند ولادتها إياه بقوله ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾[[راجع ج ١١ ص ٨٧ و٩٤.]] [مريم: ٢٤] على قراءة من قرأ "مِنْ تَحْتِها"، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُنَادِي عِيسَى وَنُصَّ عَلَى كَلَامِهِ فِي مَهْدِهِ فَقَالَ" إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي [[آية ٧٩ سورة الأنبياء.]] نَبِيًّا" [مريم: ٣٠]. وَقَالَ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾[[آية ٧٩ سورة الأنبياء.]] [الأنبياء: ٧٩] وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ حُكْمِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ صَبِيٌّ يَلْعَبُ فِي قِصَّةِ الْمَرْجُومَةِ وَفِي قِصَّةِ الصَّبِيِّ مَا اقْتَدَى بِهِ أَبُوهُ دَاوُدُ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ عُمْرَهُ كَانَ حِينَ أُوتِيَ الْمُلْكَ اثْنَيْ عشر عاما. وكذلك قصة موسى مَعَ فِرْعَوْنَ وَأَخْذُهُ بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ طِفْلٌ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾[[آية ٧٩ سورة الأنبياء.]] [الأنبياء: ٥١]: أَيْ هَدَيْنَاهُ صَغِيرًا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: اصْطَفَاهُ قَبْلَ إِبْدَاءِ خَلْقِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا يَأْمُرُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعْرِفَهُ بِقَلْبِهِ وَيَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، وَلَمْ يَقُلْ أَفْعَلُ، فَذَلِكَ رُشْدُهُ. وَقِيلَ: إِنَّ إِلْقَاءَ إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ وَمِحْنَتَهُ كَانَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. وَإِنَّ ابْتِلَاءَ إِسْحَاقَ بِالذَّبْحِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. وَإِنَّ اسْتِدْلَالَ إِبْرَاهِيمَ بِالْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ كَانَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً [[في الأصول: "خمسة عشر شهرا" راجع ج ٧ ص ٢٥.]]. وَقِيلَ أُوحِيَ إِلَى يُوسُفَ وَهُوَ صبي عند ما هَمَّ إِخْوَتُهُ بِإِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ [[آية ٥ سورة يوسف.]] هذا" [يوسف: ١٥] الْآيَةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ. وَقَدْ حَكَى أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أُخْبِرَتْ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ وُلِدَ حِينَ وُلِدَ بَاسِطًا يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ ﷺ: (لَمَّا نَشَأَتُ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَانُ وَبُغِّضَ إِلَيَّ الشِّعْرُ وَلَمْ أَهُمَّ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ فَعَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمَا ثُمَّ لَمْ أَعُدْ (. ثُمَّ يَتَمَكَّنُ الْأَمْرُ لَهُمْ، وَتَتَرَادَفُ نَفَحَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَتُشْرِقُ أَنْوَارُ الْمَعَارِفِ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَصِلُوا الْغَايَةَ وَيَبْلُغُوا بِاصْطِفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ فِي تَحْصِيلِ الْخِصَالِ الشَّرِيفَةِ النِّهَايَةَ دُونَ مُمَارَسَةٍ وَلَا رِيَاضَةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾[[آية ١٤ سورة القصص.]] [يوسف: ٢٢]. قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يَنْقِلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ أَنَّ أَحَدًا نُبِّئَ وَاصْطُفِيَ مِمَّنْ عُرِفَ بِكُفْرٍ وَإِشْرَاكٍ قَبْلَ ذَلِكَ. وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْبَابِ النَّقْلُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْقُلُوبَ تَنْفُرُ عمن كانت هذه سبيله.

قَالَ الْقَاضِي: وَأَنَا أَقُولُ إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ رَمَتْ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكُلِّ مَا افْتَرَتْهُ، وَعَيَّرَ كُفَّارُ الْأُمَمِ أَنْبِيَاءَهَا بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْهُ، مِمَّا نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَوْ نَقَلَتْهُ إِلَيْنَا الرُّوَاةُ، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرَفْضِهِ آلِهَتَهُمْ وَتَقْرِيعِهِ بِذَمِّهِ بِتَرْكِ مَا كَانَ قَدْ جَامَعَهُمْ عَلَيْهِ. ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، ويتلونه فِي مَعْبُودِهِ مُحْتَجِّينَ، وَلَكَانَ تَوْبِيخُهُمْ لَهُ بِنَهْيِهِمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ قَبْلُ أَفْظَعَ وَأَقْطَعَ فِي الْحُجَّةِ مِنْ تَوْبِيخِهِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ تَرْكِهِ آلِهَتَهُمْ وَمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ، فَفِي إِطْبَاقِهِمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إِلَيْهِ، إِذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَمَا سَكَتُوا عَنْهُ كَمَا لَمْ يَسْكُتُوا عَنْ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾[[راجع ج ٢ ص ١٤٧]] [البقرة: ١٤٢] كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ. الثَّالِثَةُ- وَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي نَبِيِّنَا ﷺ، هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِدِينٍ قَبْلَ الْوَحْيِ أَمْ لَا، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَأَحَالَهُ عَقْلًا. قَالُوا: لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا مَنْ عُرِفَ تَابِعًا، وَبَنَوْا هَذَا عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى بِالْوَقْفِ فِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَرْكِ قَطْعِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ، إِذْ لَمْ يُحِلِ الْوَجْهَيْنِ مِنْهُمَا الْعَقْلُ وَلَا اسْتَبَانَ عِنْدَهَا [[في الأصول: "عندهما".]] فِي أَحَدِهِمَا طَرِيقُ النَّقْلِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْمَعَالِي. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ: إِنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ وَعَامِلًا بِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي التَّعْيِينِ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ عِيسَى فَإِنَّهُ نَاسِخٌ لِجَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ قَبْلَهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَى دِينٍ مَنْسُوخٍ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِهِ وَهُوَ أَبُو الْأَنْبِيَاءِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ مُوسَى، لِأَنَّهُ أَقْدَمُ الْأَدْيَانِ. وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِينٍ وَلَكِنْ عَيْنُ الدِّينِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ عِنْدَنَا. وَقَدْ أَبْطَلَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا أَئِمَّتُنَا، إِذْ هِيَ أَقْوَالٌ مُتَعَارِضَةٌ وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ مَنْسُوبًا إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نِسْبَةً تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْ أُمَّتِهِ وَمُخَاطَبًا بِكُلِّ شَرِيعَتِهِ، بَلْ شَرِيعَتُهُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا مُفْتَتَحَةٌ مِنْ عِنْدِ الله الحاكم عز وجل وأنه ﷺ كَانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا سَجَدَ لِصَنَمٍ، وَلَا أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَلَا زَنَى وَلَا شَرِبَ الْخَمْرَ، وَلَا شَهِدَ السَّامِرَ [[الموضع الذي يجتمعون للسمر فيه.]] وَلَا حَضَرَ حِلْفَ الْمَطَرِ [[كذا في الأصول.]] وَلَا حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ [[في الأصول: "المطيب". قال ابن الأثير: "أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلوات الله عليه: (لا حلف في الإسلام). وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذلك الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ: (وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسلام إلا شدة) يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام. والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام". ويلاحظ أنه قال ﷺ: (شهدت غلاما مع عمومتي حلف المطيبين). اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية وجعلوا طيبا في جفنة وغمسوا أيديهم فيه وتحالفوا على التناصر والأخذ من المظلوم للظالم، فسموا المطيبين. وقال عليه السلام: (شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حلفا لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت). قال ابن الأثير: يعني حلف الفضول.

(راجع نهاية ابن الأثير مادة حلف. طيب. فضل).]]، بَلْ نَزَّهَهُ اللَّهُ وَصَانَهُ عَنْ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدِيثًا بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ، فَسَمِعَ مَلَكَيْنِ خَلْفَهُ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ حَتَّى تَقُومَ خَلْفَهُ، فَقَالَ الْآخَرُ: كَيْفَ أَقُومُ خَلْفَهُ وَعَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ فَلَمْ يَشْهَدهُمْ بَعْدُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ جِدًّا وَقَالَ: هَذَا مَوْضُوعٌ أَوْ شَبِيهٌ بِالْمَوْضُوعِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّ عُثْمَانَ وَهِمَ فِي إِسْنَادِهِ، وَالْحَدِيثُ بِالْجُمْلَةِ مُنْكَرٌ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى إِسْنَادِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَالْمَعْرُوفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِهِ: (بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَصْنَامُ) وَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ بَحِيرَا حِينَ اسْتَحْلَفَ النَّبِيَّ ﷺ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِذْ لَقِيَهُ بِالشَّامِ فِي سَفْرَتِهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ صَبِيٌّ، وَرَأَى فِيهِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فَاخْتَبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (لَا تَسْأَلْنِي بِهِمَا فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا) فَقَالَ لَهُ بَحِيرَا: فَبِاللَّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتِنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، فَقَالَ: (سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ). وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ مِنْ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُ لَهُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ يُخَالِفُ الْمُشْرِكِينَ فِي وُقُوفِهِمْ بِمُزْدَلِفَةَ فِي الْحَجِّ، وَكَانَ يَقِفُ هُوَ بِعَرَفَةَ، لِأَنَّهُ كان مَوْقِفَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾[[آية ١٣٥ سورة البقرة.]] [البقرة: ١٣٥] وقال: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾[[آية ١٢٣ سورة النحل.]] [النحل: ١٢] وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾[[آية ١٣ من هذه السورة.]] [الشورى: ١٣] الْآيَةَ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ. فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ مِنَ التَّوْحِيدِ وَإِقَامَةِ الدِّينِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. الرَّابِعَةُ- إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ﴾. فَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَعْنَى الْإِيمَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ شَرَائِعُ الْإِيمَانِ وَمَعَالِمُهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقِيلَ: تَفَاصِيلُ هَذَا الشَّرْعِ، أَيْ كُنْتَ غَافِلًا عَنْ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ. وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْإِيمَانِ عَلَى تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ: وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الْوَحْيِ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَلَا كَيْفَ تَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى الْإِيمَانِ، وَنَحْوَهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ. وَقَالَ بَكْرٌ الْقَاضِي: وَلَا الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ الْفَرَائِضُ وَالْأَحْكَامُ. قَالَ: وَكَانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِهِ ثُمَّ نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيهَا قَبْلُ، فَزَادَ بِالتَّكْلِيفِ إِيمَانًا. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ مُتَقَارِبَةٌ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: عَنَى بِالْإِيمَانِ الصَّلَاةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾[[آية ١٣٥ سورة البقرة.]] [البقرة: ١٤٣] أَيْ صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا وَالْمُرَادُ الْخُصُوصُ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: أَيْ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا أَهْلَ الْإِيمَانِ. وَهُوَ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ مَنِ الَّذِي يُؤْمِنُ؟ أَبُو طَالِبٍ أَوِ الْعَبَّاسُ أَوْ غَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي شَيْئًا إِذْ كُنْتَ فِي الْمَهْدِ وَقَبْلَ الْبُلُوغِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ نَحْوَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى قَالَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ لَوْلَا الرِّسَالَةُ، وَلَا الْإِيمَانُ لَوْلَا الْبُلُوغُ. وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ لَوْلَا إِنْعَامُنَا عَلَيْكَ، وَلَا الْإِيمَانُ لَوْلَا هِدَايَتُنَا لَكَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ. وَفِي هَذَا الْإِيمَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَهَذَا يَعْرِفُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَقَبْلَ نُبُوَّتِهِ. وَالثَّانِي- أَنَّهُ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ إلا بعد النبوة.

قلت: أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِينِ نَشَأَ إِلَى حِينِ بُلُوغِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: "مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ" أَيْ كُنْتَ مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ وَلَا الْإِيمَانَ، حَتَّى تَكُونَ قَدْ أَخَذْتَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ عَمَّنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾[[آية ٤٨ سورة العنكبوت.]] [العنكبوت: ٤٨] رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. "وَلكِنْ جَعَلْناهُ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْإِيمَانَ. السُّدِّيُّ: الْقُرْآنُ. وَقِيلَ الْوَحْيُ، أَيْ جَعَلْنَا هَذَا الْوَحْيَ "نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ" أَيْ مَنْ نَخْتَارُهُ لِلنُّبُوَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾[[آية ١٠٥ سورة البقرة.]] [آل عمران: ٧٤]. ووحد الكناية لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي كَثْرَةِ أَسْمَائِهِ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ فِي الِاسْمِ الْوَاحِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: إِقْبَالُكَ وَإِدْبَارُكَ يُعْجِبُنِي، فَتَوَحَّدَ، وَهُمَا اثْنَانِ. "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي" أَيْ تَدْعُو وَتُرْشِدُ "إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" دِينٍ قَوِيمٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: إِلَى كِتَابٍ مُسْتَقِيمٍ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ وَحَوْشَبٌ "وَإِنَّكَ لَتُهْدَى" غَيْرَ مُسَمَّى الْفَاعِلِ، أَيْ لَتُدْعَى. الْبَاقُونَ "لَتَهْدِي" مُسَمِّي الْفَاعِلِ. وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ "وَإِنَّكَ لَتَدْعُو". قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا لَا يُقْرَأُ بِهِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسَّوَادِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ مَا كَانَ مِثْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَائِلِهِ عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ، كَمَا قَالَ "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي" أَيْ لَتَدْعُو. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" قَالَ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾[[راجع ج ٩ ص ٢٨٥.]] [الرعد: ٧] . "صِراطِ اللَّهِ" بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ بَدَلُ الْمَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: هُوَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ الْإِسْلَامُ. وَرَوَاهُ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. "الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ" ملكا وعبد اوخلقا. "أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ" وَعِيدٌ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ. قَالَ سَهْلُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ: احْتَرَقَ مُصْحَفٌ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا قَوْلُهُ "أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ" وَغَرَقَ مُصْحَفٌ فَامَّحَى كُلُّهُ إِلَّا قَوْلُهُ "أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ". والحمد لله وحده.

Source. Tafseer Al Qurtubi, Qurtubi — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/23. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com