Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Al-A'raaf
Tafseer Al Qurtubi · The Heights · 206 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ وهي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: "وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ" إِلَى قَوْلِهِ:" وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ [[راجع ص ٣٠٤. فما بعد.]] ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ. صححه أبو محمد عبد الحق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿المص﴾ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٥٤.]] وموضعه رفع بالابتداء. و "كِتابٌ" خَبَرُهُ. كَأَنَّهُ قَالَ: "المص" حُرُوفُ "كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ" وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ هَذَا كِتَابٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ فيه مسألتان: الْأَوْلَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَرَجٌ﴾ أَيْ ضِيقٌ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِالْإِبْلَاغِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَثْلَغُوا [[كذا في الأصول. والذي في صحيح مسلم: إذا يثلغوا رأسي. راجع صحيح مسلم. كتاب الجنة، باب الصفات التي يصرف بها أهل الجنه وأهل النار. والثلغ: الشدخ. وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ. وفى النهاية: إذن يثلغوا رأسي كما تثلغ الخبزة.]] (رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً) الْحَدِيثَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. قَالَ إِلْكِيَا: فَظَاهِرُهُ النَّهْيُ، وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْهُ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ أَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ سِوَى الإنذار به من شي من إيمانهم أَوْ كُفْرِهِمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [[راجع ج ١٠ ص ٣٥٣ وص ٦٣.]] "الْآيَةَ. وَقَالَ:" لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [[راجع ج ١٣ ص ٨٩.]] ". وَمَذْهَبُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ أَنَّ الْحَرَجَ هُنَا الشَّكُّ، وَلَيْسَ هَذَا شَكَّ الْكُفْرِ إِنَّمَا هُوَ شَكُّ الضِّيقِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [[راجع ج ١٠ ص ٣٥٣ وص ٦٣.]] ". وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ. وَفِيهِ بُعْدٌ. وَالْهَاءُ فِي "مِنْهُ" لِلْقُرْآنِ. وَقِيلَ: لِلْإِنْذَارِ، أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ لِتُنْذِرَ بِهِ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ. فَالْكَلَامُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. وَقِيلَ لِلتَّكْذِيبِ الَّذِي يُعْطِيهِ قُوَّةُ الْكَلَامِ أَيْ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ضِيقٌ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذِكْرى ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَنَصْبٍ وَخَفْضٍ. فَالرَّفْعُ مِنْ وَجْهَيْنِ، قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هِيَ رَفْعٌ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: عَطْفٌ عَلَى "كِتابٌ" وَالنَّصْبُ مِنْ وَجْهَيْنِ، عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ وَذَكِّرْ بِهِ ذِكْرَى، قال الْبَصْرِيُّونَ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: عَطْفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي" أَنْزَلْناهُ [[كذا في الأصول. وفى السمين: إنها حال من الضمير في أنزل. وقال: هذا سهو.]] ". وَالْخَفْضُ حَمْلًا عَلَى مَوْضِعِ "لِتُنْذِرَ بِهِ" وَالْإِنْذَارُ لِلْكَافِرِينَ، وَالذِّكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ وهي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: "وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ" إِلَى قَوْلِهِ:" وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ [[راجع ص ٣٠٤. فما بعد.]] ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ. صححه أبو محمد عبد الحق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿المص﴾ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ١٥٤.]] وموضعه رفع بالابتداء. و "كِتابٌ" خَبَرُهُ. كَأَنَّهُ قَالَ: "المص" حُرُوفُ "كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ" وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ هَذَا كِتَابٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ فيه مسألتان: الْأَوْلَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَرَجٌ﴾ أَيْ ضِيقٌ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِالْإِبْلَاغِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَثْلَغُوا [[كذا في الأصول. والذي في صحيح مسلم: إذا يثلغوا رأسي. راجع صحيح مسلم. كتاب الجنة، باب الصفات التي يصرف بها أهل الجنه وأهل النار. والثلغ: الشدخ. وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ. وفى النهاية: إذن يثلغوا رأسي كما تثلغ الخبزة.]] (رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً) الْحَدِيثَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. قَالَ إِلْكِيَا: فَظَاهِرُهُ النَّهْيُ، وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْهُ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ أَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ سِوَى الإنذار به من شي من إيمانهم أَوْ كُفْرِهِمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [[راجع ج ١٠ ص ٣٥٣ وص ٦٣.]] "الْآيَةَ. وَقَالَ:" لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [[راجع ج ١٣ ص ٨٩.]] ". وَمَذْهَبُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ أَنَّ الْحَرَجَ هُنَا الشَّكُّ، وَلَيْسَ هَذَا شَكَّ الْكُفْرِ إِنَّمَا هُوَ شَكُّ الضِّيقِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [[راجع ج ١٠ ص ٣٥٣ وص ٦٣.]] ". وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ. وَفِيهِ بُعْدٌ. وَالْهَاءُ فِي "مِنْهُ" لِلْقُرْآنِ. وَقِيلَ: لِلْإِنْذَارِ، أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ لِتُنْذِرَ بِهِ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ. فَالْكَلَامُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. وَقِيلَ لِلتَّكْذِيبِ الَّذِي يُعْطِيهِ قُوَّةُ الْكَلَامِ أَيْ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ضِيقٌ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذِكْرى ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَنَصْبٍ وَخَفْضٍ. فَالرَّفْعُ مِنْ وَجْهَيْنِ، قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هِيَ رَفْعٌ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: عَطْفٌ عَلَى "كِتابٌ" وَالنَّصْبُ مِنْ وَجْهَيْنِ، عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ وَذَكِّرْ بِهِ ذِكْرَى، قال الْبَصْرِيُّونَ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: عَطْفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي" أَنْزَلْناهُ [[كذا في الأصول. وفى السمين: إنها حال من الضمير في أنزل. وقال: هذا سهو.]] ". وَالْخَفْضُ حَمْلًا عَلَى مَوْضِعِ "لِتُنْذِرَ بِهِ" وَالْإِنْذَارُ لِلْكَافِرِينَ، وَالذِّكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ.
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [[راجع ج ١٨ ص ١٧.]] ". وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هَذَا أَمْرٌ يَعُمُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأُمَّتَهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمْرٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ دُونَهُ. أَيِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنَ، وَأَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَامْتَثِلُوا أَمْرَهُ، وَاجْتَنِبُوا نَهْيَهُ. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ الْآرَاءِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ.
الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ "مِنْ دُونِهِ" مِنْ غَيْرِهِ. وَالْهَاءُ تَعُودُ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَالْمَعْنَى: لَا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلَا تَتَّخِذُوا مَنْ عَدَلَ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَلِيًّا. وَكُلُّ مَنْ رَضِيَ مَذْهَبًا فَأَهْلُ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ أَوْلِيَاؤُهُ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَرَأَ "وَلَا تَبْتَغُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ" أَيْ وَلَا تَطْلُبُوا. وَلَمْ يَنْصَرِفْ "أَوْلِياءَ" لِأَنَّ فِيهِ أَلِفَ التَّأْنِيثِ. وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى "مَا" مِنْ قَوْلِهِ: "اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ".
(قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) "مَا" زَائِدَةٌ. وقيل: تكون مع الفعل مصدرا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ "كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، كَمَا أَنَّ "رُبَّ" لِلتَّقْلِيلِ. وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "أَهْلَكْنَا" الْخَبَرُ أَيْ وَكَثِيرٌ مِنَ الْقُرَى- وَهِيَ مَوَاضِعُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ- أَهْلَكْنَاهَا. وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ بَعْدَهَا، وَلَا يُقَدَّرُ قَبْلَهَا، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ. وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْلُهُ:" وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [[راجع ج ١٠ ص ٢٣٥ وص ١٧٤.]] "وَلَوْلَا اشْتِغَالُ" أَهْلَكْنا "بِالضَّمِيرِ لَانْتَصَبَ بِهِ مَوْضِعُ" كَمْ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "أَهْلَكْنَا" صِفَةً لِلْقَرْيَةِ، وَ "كَمْ" فِي الْمَعْنَى هِيَ الْقَرْيَةُ، فَإِذَا وَصَفْتَ الْقَرْيَةَ فَكَأَنَّكَ قَدْ وَصَفْتَ كَمْ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لَا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَى "كَمْ". عَلَى الْمَعْنَى، إِذْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي الْمَعْنَى. فَلَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ "كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ بَعْدَهَا. "فَجاءَها بَأْسُنا" فِيهِ إِشْكَالٌ لِلْعَطْفِ بِالْفَاءِ. فَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ. وَقِيلَ: أَيْ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا، كَقَوْلِهِ:" فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [[راجع ج ١٧ ص ١٠٣.]] ". وَقِيلَ: إن الْهَلَاكَ. وَاقِعٌ بِبَعْضِ الْقَوْمِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَا بَعْضَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا فَأَهْلَكْنَا الْجَمِيعَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فِي حُكْمِنَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا. وَقِيلَ: أَهْلَكْنَاهَا بِإِرْسَالِنَا مَلَائِكَةَ الْعَذَابِ إِلَيْهَا، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا وَهُوَ الِاسْتِئْصَالُ. وَالْبَأْسُ، الْعَذَابُ الْآتِي عَلَى النَّفْسِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَهْلَكْنَاهَا فَكَانَ إِهْلَاكُنَا إِيَّاهُمْ فِي وَقْتِ كَذَا، فَمَجِيءُ الْبَأْسِ عَلَى هَذَا هُوَ الْإِهْلَاكُ. وَقِيلَ: الْبَأْسُ غَيْرُ الْإِهْلَاكِ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَيْضًا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ وَاحِدًا أَوْ كَالْوَاحِدِ قَدَّمْتَ أَيُّهُمَا شِئْتَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ جَاءَهَا بَأْسُنَا فَأَهْلَكْنَاهَا، مِثْلُ دَنَا فَقَرُبَ، وَقَرُبَ فَدَنَا، وَشَتَمَنِي فَأَسَاءَ، وَأَسَاءَ فَشَتَمَنِي، لأن الإساءة والشتم شي وَاحِدٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [[راجع ج ١٧ ص ١٢٥.]] ". الْمَعْنَى- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- انْشَقَّ الْقَمَرُ فَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. "بَياتاً" أَيْ لَيْلًا، وَمِنْهُ الْبَيْتُ، لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ. يُقَالُ: بَاتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبياتا. أوهم قائلون أي "أَوْ هُمْ قائِلُونَ" أَيْ أَوْ وَهُمْ قَائِلُونَ، فَاسْتَثْقَلُوا فَحَذَفُوا الْوَاوَ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا خَطَأٌ، إِذَا عَادَ الذِّكْرُ اسْتُغْنِيَ عَنِ الْوَاوِ، تَقُولُ: جَاءَنِي زَيْدٌ رَاكِبًا أَوْ هُوَ مَاشٍ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْوَاوِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَلَمْ يَقُلْ بَيَاتًا أَوْ وَهُمْ قَائِلُونَ لِأَنَّ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرًا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْوَاوِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّفْصِيلِ، كَقَوْلِكَ: لَأُكْرِمَنَّكَ مُنْصِفًا لِي أَوْ ظَالِمًا. وَهَذِهِ الْوَاوُ تُسَمَّى عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ وَاوُ الْوَقْتِ. وَ "قائِلُونَ" مِنَ الْقَائِلَةِ وَهِيَ الْقَيْلُولَةُ، وَهِيَ نَوْمُ نِصْفِ النَّهَارِ وَقِيلَ: الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفُ النَّهَارِ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْمٌ. وَالْمَعْنَى جَاءَهُمْ عَذَابُنَا وَهُمْ غَافِلُونَ إِمَّا لَيْلًا وَإِمَّا نَهَارًا. وَالدَّعْوَى الدُّعَاءُ، وَمِنْهُ قَوْلُ:" وَآخِرُ دَعْواهُمْ [[راجع ج ٨ ص ٣١٣.]] ". وَحَكَى النَّحْوِيُّونَ: اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوَى مَنْ دَعَاكَ. وَقَدْ تَكُونُ الدَّعْوَى بِمَعْنَى الِادِّعَاءِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَمْ يُخْلِصُوا عِنْدَ الْإِهْلَاكِ إِلَّا عَلَى الإقرار بأنهم كانوا ظالمين. "دَعْواهُمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ كَانَ، وَاسْمُهَا "إِلَّا أَنْ قالُوا". نَظِيرُهُ (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا [[راجع ج ١٣ ص ٢١٩.]] وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى رَفْعًا، وَ "أَنْ قالُوا" نَصْبًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا [[راجع ج ٢ ص ٢٣٧.]] "بِرَفْعِ" الْبِرَّ "وَقَوْلِهِ:" ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا [[راجع ج ١٤ ص ٩ وص ١٢٩.]] "برفع" عاقبة".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ "كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، كَمَا أَنَّ "رُبَّ" لِلتَّقْلِيلِ. وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "أَهْلَكْنَا" الْخَبَرُ أَيْ وَكَثِيرٌ مِنَ الْقُرَى- وَهِيَ مَوَاضِعُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ- أَهْلَكْنَاهَا. وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ بَعْدَهَا، وَلَا يُقَدَّرُ قَبْلَهَا، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ. وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْلُهُ:" وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [[راجع ج ١٠ ص ٢٣٥ وص ١٧٤.]] "وَلَوْلَا اشْتِغَالُ" أَهْلَكْنا "بِالضَّمِيرِ لَانْتَصَبَ بِهِ مَوْضِعُ" كَمْ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "أَهْلَكْنَا" صِفَةً لِلْقَرْيَةِ، وَ "كَمْ" فِي الْمَعْنَى هِيَ الْقَرْيَةُ، فَإِذَا وَصَفْتَ الْقَرْيَةَ فَكَأَنَّكَ قَدْ وَصَفْتَ كَمْ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لَا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَى "كَمْ". عَلَى الْمَعْنَى، إِذْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي الْمَعْنَى. فَلَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ "كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ بَعْدَهَا. "فَجاءَها بَأْسُنا" فِيهِ إِشْكَالٌ لِلْعَطْفِ بِالْفَاءِ. فَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ. وَقِيلَ: أَيْ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا، كَقَوْلِهِ:" فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [[راجع ج ١٧ ص ١٠٣.]] ". وَقِيلَ: إن الْهَلَاكَ. وَاقِعٌ بِبَعْضِ الْقَوْمِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَا بَعْضَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا فَأَهْلَكْنَا الْجَمِيعَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فِي حُكْمِنَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا. وَقِيلَ: أَهْلَكْنَاهَا بِإِرْسَالِنَا مَلَائِكَةَ الْعَذَابِ إِلَيْهَا، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا وَهُوَ الِاسْتِئْصَالُ. وَالْبَأْسُ، الْعَذَابُ الْآتِي عَلَى النَّفْسِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَهْلَكْنَاهَا فَكَانَ إِهْلَاكُنَا إِيَّاهُمْ فِي وَقْتِ كَذَا، فَمَجِيءُ الْبَأْسِ عَلَى هَذَا هُوَ الْإِهْلَاكُ. وَقِيلَ: الْبَأْسُ غَيْرُ الْإِهْلَاكِ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَيْضًا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ وَاحِدًا أَوْ كَالْوَاحِدِ قَدَّمْتَ أَيُّهُمَا شِئْتَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ جَاءَهَا بَأْسُنَا فَأَهْلَكْنَاهَا، مِثْلُ دَنَا فَقَرُبَ، وَقَرُبَ فَدَنَا، وَشَتَمَنِي فَأَسَاءَ، وَأَسَاءَ فَشَتَمَنِي، لأن الإساءة والشتم شي وَاحِدٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:" اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [[راجع ج ١٧ ص ١٢٥.]] ". الْمَعْنَى- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- انْشَقَّ الْقَمَرُ فَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. "بَياتاً" أَيْ لَيْلًا، وَمِنْهُ الْبَيْتُ، لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ. يُقَالُ: بَاتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبياتا. أوهم قائلون أي "أَوْ هُمْ قائِلُونَ" أَيْ أَوْ وَهُمْ قَائِلُونَ، فَاسْتَثْقَلُوا فَحَذَفُوا الْوَاوَ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا خَطَأٌ، إِذَا عَادَ الذِّكْرُ اسْتُغْنِيَ عَنِ الْوَاوِ، تَقُولُ: جَاءَنِي زَيْدٌ رَاكِبًا أَوْ هُوَ مَاشٍ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْوَاوِ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَلَمْ يَقُلْ بَيَاتًا أَوْ وَهُمْ قَائِلُونَ لِأَنَّ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرًا يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الْوَاوِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّفْصِيلِ، كَقَوْلِكَ: لَأُكْرِمَنَّكَ مُنْصِفًا لِي أَوْ ظَالِمًا. وَهَذِهِ الْوَاوُ تُسَمَّى عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ وَاوُ الْوَقْتِ. وَ "قائِلُونَ" مِنَ الْقَائِلَةِ وَهِيَ الْقَيْلُولَةُ، وَهِيَ نَوْمُ نِصْفِ النَّهَارِ وَقِيلَ: الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفُ النَّهَارِ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْمٌ. وَالْمَعْنَى جَاءَهُمْ عَذَابُنَا وَهُمْ غَافِلُونَ إِمَّا لَيْلًا وَإِمَّا نَهَارًا. وَالدَّعْوَى الدُّعَاءُ، وَمِنْهُ قَوْلُ:" وَآخِرُ دَعْواهُمْ [[راجع ج ٨ ص ٣١٣.]] ". وَحَكَى النَّحْوِيُّونَ: اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوَى مَنْ دَعَاكَ. وَقَدْ تَكُونُ الدَّعْوَى بِمَعْنَى الِادِّعَاءِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَمْ يُخْلِصُوا عِنْدَ الْإِهْلَاكِ إِلَّا عَلَى الإقرار بأنهم كانوا ظالمين. "دَعْواهُمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ كَانَ، وَاسْمُهَا "إِلَّا أَنْ قالُوا". نَظِيرُهُ (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا [[راجع ج ١٣ ص ٢١٩.]] وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى رَفْعًا، وَ "أَنْ قالُوا" نَصْبًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا [[راجع ج ٢ ص ٢٣٧.]] "بِرَفْعِ" الْبِرَّ "وَقَوْلِهِ:" ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا [[راجع ج ١٤ ص ٩ وص ١٢٩.]] "برفع" عاقبة".
قوله تعالى: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ يُحَاسَبُونَ. وَفِي التَّنْزِيلِ" ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا [[راجع ج ٢٠ ص ٣٧.]] حِسابَهُمْ". وفي سورة القصص" وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [[راجع ج ١٣ ص ٣١٥.]] "يَعْنِي إِذَا اسْتَقَرُّوا فِي الْعَذَابِ. وَالْآخِرَةُ مَوَاطِنُ: مَوْطِنٌ يُسْأَلُونَ فِيهِ لِلْحِسَابِ. وَمَوْطِنٌ لَا يُسْأَلُونَ فِيهِ. وَسُؤَالُهُمْ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ وَإِفْضَاحٌ. وَسُؤَالُ الرُّسُلِ سُؤَالُ اسْتِشْهَادٍ بِهِمْ وَإِفْصَاحٍ، أَيْ عَنْ جَوَابِ الْقَوْمِ لَهُمْ. وَهُوَ مَعْنَى قوله:" لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [[راجع ج ١٤ ص ٩ وص ١٢٩.]] "عَلَى مَا يَأْتِي. وَقِيلَ: المعنى" فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ "أي الأنبياء" وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ "أَيِ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ. وَاللَّامُ في" فَلَنَسْئَلَنَّ" لام القسم وحقيقتها التوكيد. كذا (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ [[عبارة الطبري:" ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم.]].
(وَما كُنَّا غائِبِينَ) أَيْ كُنَّا شَاهِدِينَ لِأَعْمَالِهِمْ. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عالم بعلم.
قوله تعالى: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ يُحَاسَبُونَ. وَفِي التَّنْزِيلِ" ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا [[راجع ج ٢٠ ص ٣٧.]] حِسابَهُمْ". وفي سورة القصص" وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [[راجع ج ١٣ ص ٣١٥.]] "يَعْنِي إِذَا اسْتَقَرُّوا فِي الْعَذَابِ. وَالْآخِرَةُ مَوَاطِنُ: مَوْطِنٌ يُسْأَلُونَ فِيهِ لِلْحِسَابِ. وَمَوْطِنٌ لَا يُسْأَلُونَ فِيهِ. وَسُؤَالُهُمْ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ وَإِفْضَاحٌ. وَسُؤَالُ الرُّسُلِ سُؤَالُ اسْتِشْهَادٍ بِهِمْ وَإِفْصَاحٍ، أَيْ عَنْ جَوَابِ الْقَوْمِ لَهُمْ. وَهُوَ مَعْنَى قوله:" لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [[راجع ج ١٤ ص ٩ وص ١٢٩.]] "عَلَى مَا يَأْتِي. وَقِيلَ: المعنى" فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ "أي الأنبياء" وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ "أَيِ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ. وَاللَّامُ في" فَلَنَسْئَلَنَّ" لام القسم وحقيقتها التوكيد. كذا (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ [[عبارة الطبري:" ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم.]].
(وَما كُنَّا غائِبِينَ) أَيْ كُنَّا شَاهِدِينَ لِأَعْمَالِهِمْ. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عالم بعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "الْحَقُّ" نَعْتَهُ، وَالْخَبَرُ "يَوْمَئِذٍ". وَيَجُوزُ نَصْبُ "الْحَقِّ" عَلَى الْمَصْدَرِ. وَالْمُرَادُ بِالْوَزْنِ وَزْنُ أعمال العباد بِالْمِيزَانِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تُوزَنُ صَحَائِفُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ عَلَى مَا يَأْتِي. وَقِيلَ: الْمِيزَانُ الْكِتَابُ الَّذِي فِيهِ أَعْمَالُ الْخَلْقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمِيزَانُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ بِأَعْيَانِهَا. وَعَنْهُ أَيْضًا وَالضَّحَّاكِ وَالْأَعْمَشِ: الْوَزْنُ وَالْمِيزَانُ بِمَعْنَى الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ، وَذِكْرُ الْوَزْنِ ضَرْبُ مَثَلٍ، كَمَا تَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ فِي وَزْنِ هَذَا وَفِي وِزَانِهِ، أَيْ يُعَادِلُهُ وَيُسَاوِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَزْنٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا سَائِغٌ مِنْ جِهَةِ اللِّسَانِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ مَا جَاءَ فِي الْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ مِنْ ذِكْرِ الْمِيزَانِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَقَدْ أَحْسَنَ فِيمَا قَالَ، إِذْ لَوْ حُمِلَ الْمِيزَانُ عَلَى هذا فليحمل الصراط على الذين الْحَقِّ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ عَلَى مَا يَرِدُ عَلَى الْأَرْوَاحِ دُونَ الْأَجْسَادِ، وَالشَّيَاطِينُ وَالْجِنُّ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى الْقُوَى الْمَحْمُودَةِ. وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى الْأَخْذِ بِهَذِهِ الظَّوَاهِرِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ. وَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ التَّأْوِيلِ وَجَبَ الْأَخْذُ بِالظَّاهِرِ، وَصَارَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ نُصُوصًا. قَالَ ابْنُ فُورَكَ: وَقَدْ أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ [[في ز: الإمامية.]] الْمِيزَانَ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَاضَ يَسْتَحِيلُ وَزْنُهَا، إِذْ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا. وَمِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْلِبُ الْأَعْرَاضَ أَجْسَامًا فَيَزِنُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَنَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَوَازِينَ تَثْقُلُ بِالْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَالُ مَكْتُوبَةٌ، وَبِهَا تَخِفُّ. وَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ مَا يُحَقِّقُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ رُوِيَ (أَنَّ مِيزَانَ بَعْضِ بَنِي آدَمَ كَادَ يَخِفُّ بِالْحَسَنَاتِ فَيُوضَعُ فِيهِ رَقٌّ مَكْتُوبٌ فِيهِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَيَثْقُلُ). فَقَدْ علم أن لك يَرْجِعُ إِلَى وَزْنِ مَا كُتِبَ فِيهِ الْأَعْمَالُ لَا نَفْسَ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُخَفِّفُ الْمِيزَانَ إِذَا أَرَادَ، وَيُثَقِّلُهُ إِذَا أَرَادَ بِمَا يُوضَعُ فِي كِفَّتَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَالُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّجْوَى [[يريد مناجاة الله تعالى للعبد يوم القيامة.]]؟ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقْرِرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا على الله (. فقوله:) فيعطى صحيفة حسناته) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ تُكْتَبُ فِي الصُّحُفِ وَتُوزَنُ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ فَيُنْشَرُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَظْلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ لَا ثُمَّ يَقُولُ أَلَكَ عُذْرٌ أَلَكَ حَسَنَةٌ فَيَهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ (. زَادَ التِّرْمِذِيُّ (فَلَا يَثْقُلُ مع اسم الله شي) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَابِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي" الْكَهْفِ [[راجع ج ١١ ص ٦٦ وص ٢٩٣.]] وَالْأَنْبِيَاءِ [[راجع ج ١٣ ص ١١٨ وص ١٢٢.]] " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ "مَوازِينُهُ" جَمْعُ مِيزَانٍ، وَأَصْلُهُ مِوْزَانٌ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَوَازِينُ لِلْعَامِلِ الْوَاحِدِ يُوزَنُ بِكُلِ مِيزَانٍ مِنْهَا صِنْفٌ مِنْ أَعْمَالِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِيزَانًا وَاحِدًا عُبِّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، كَمَا تَقُولُ: خَرَجَ فُلَانٌ إِلَى مَكَّةَ عَلَى الْبِغَالِ، وَخَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي السُّفُنِ. وَفِي التَّنْزِيلِ: "كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ"." كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [[راجع ج ١٣ ص ١١٨ وص ١٢٢.]] ". وَإِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ وَاحِدٌ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. وَقِيلَ: الْمَوَازِينُ جَمْعُ مَوْزُونٍ، لَا جَمْعُ مِيزَانٍ. أَرَادَ بِالْمَوَازِينِ الْأَعْمَالَ الْمَوْزُونَةَ. "وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ" مثله. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: تُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي مِيزَانٍ له لسان كفتان، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُؤْتَى بِعَمَلِهِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَيُوضَعُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ فَتَثْقُلُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" وَيُؤْتَى بِعَمَلِ الْكَافِرِ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ فَيُوضَعُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ فَيَخِفُّ وَزْنُهُ حَتَّى يَقَعَ فِي النَّارِ. وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ قَرِيبٌ مِمَّا قِيلَ: يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ جَوْهَرًا فَيَقَعُ الْوَزْنُ عَلَى تِلْكَ الْجَوَاهِرِ. وَرَدَّهُ ابْنُ فُورَكَ وَغَيْرُهُ. وَفِي الْخَبَرِ (إِذَا خَفَّتْ حَسَنَاتُ المؤمن أخرج رسول الله صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَاقَةً كَالْأُنْمُلَةِ فَيُلْقِيهَا فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ الْيُمْنَى الَّتِي فِيهَا حَسَنَاتُهُ فَتَرْجَحُ الْحَسَنَاتُ فَيَقُولُ ذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ وَمَا أَحْسَنَ خَلْقَكَ فَمَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ أَنَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّكَ وَهَذِهِ صَلَوَاتُكَ الَّتِي كُنْتَ تُصَلِّي عَلَيَّ قَدْ وَفَّيْتُكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهَا (. ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَذَكَرَ أَنَّ الْبِطَاقَةَ (بِكَسْرِ الْبَاءِ) رُقْعَةٌ فِيهَا رَقْمُ الْمَتَاعِ بِلُغَةِ. أَهْلِ مِصْرَ. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: الْبِطَاقَةُ الرُّقْعَةُ، وَأَهْلُ مِصْرَ يَقُولُونَ لِلرُّقْعَةِ بِطَاقَةٌ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَاحِبُ الْمَوَازِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا جِبْرِيلُ زِنْ بَيْنَهُمْ فَرُدَّ مِنْ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ). قَالَ: وَلَيْسَ ثَمَّ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ، فَإِنْ كَانَ لِلظَّالِمِ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَرُدَّ عَلَى الْمَظْلُومِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ فَتُحْمَلُ عَلَى الظَّالِمِ، فَيَرْجِعُ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ مِثْلُ الْجِبَالِ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا آدَمُ ابْرُزْ إِلَى جَانِبِ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ الْمِيزَانِ وَانْظُرْ مَا يُرْفَعُ إِلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِ بَنِيكَ فَمَنْ رَجَحَ خَيْرُهُ عَلَى شَرِّهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ رَجَحَ شَرُّهُ عَلَى خَيْرِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ فَلَهُ النَّارُ حَتَّى تعلم أني لا أعذب إلا ظالما).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "الْحَقُّ" نَعْتَهُ، وَالْخَبَرُ "يَوْمَئِذٍ". وَيَجُوزُ نَصْبُ "الْحَقِّ" عَلَى الْمَصْدَرِ. وَالْمُرَادُ بِالْوَزْنِ وَزْنُ أعمال العباد بِالْمِيزَانِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تُوزَنُ صَحَائِفُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ عَلَى مَا يَأْتِي. وَقِيلَ: الْمِيزَانُ الْكِتَابُ الَّذِي فِيهِ أَعْمَالُ الْخَلْقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمِيزَانُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ بِأَعْيَانِهَا. وَعَنْهُ أَيْضًا وَالضَّحَّاكِ وَالْأَعْمَشِ: الْوَزْنُ وَالْمِيزَانُ بِمَعْنَى الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ، وَذِكْرُ الْوَزْنِ ضَرْبُ مَثَلٍ، كَمَا تَقُولُ: هَذَا الْكَلَامُ فِي وَزْنِ هَذَا وَفِي وِزَانِهِ، أَيْ يُعَادِلُهُ وَيُسَاوِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَزْنٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا سَائِغٌ مِنْ جِهَةِ اللِّسَانِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ مَا جَاءَ فِي الْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ مِنْ ذِكْرِ الْمِيزَانِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَقَدْ أَحْسَنَ فِيمَا قَالَ، إِذْ لَوْ حُمِلَ الْمِيزَانُ عَلَى هذا فليحمل الصراط على الذين الْحَقِّ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ عَلَى مَا يَرِدُ عَلَى الْأَرْوَاحِ دُونَ الْأَجْسَادِ، وَالشَّيَاطِينُ وَالْجِنُّ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى الْقُوَى الْمَحْمُودَةِ. وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى الْأَخْذِ بِهَذِهِ الظَّوَاهِرِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ. وَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ التَّأْوِيلِ وَجَبَ الْأَخْذُ بِالظَّاهِرِ، وَصَارَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ نُصُوصًا. قَالَ ابْنُ فُورَكَ: وَقَدْ أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ [[في ز: الإمامية.]] الْمِيزَانَ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَاضَ يَسْتَحِيلُ وَزْنُهَا، إِذْ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا. وَمِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْلِبُ الْأَعْرَاضَ أَجْسَامًا فَيَزِنُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَنَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَوَازِينَ تَثْقُلُ بِالْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَالُ مَكْتُوبَةٌ، وَبِهَا تَخِفُّ. وَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ مَا يُحَقِّقُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ رُوِيَ (أَنَّ مِيزَانَ بَعْضِ بَنِي آدَمَ كَادَ يَخِفُّ بِالْحَسَنَاتِ فَيُوضَعُ فِيهِ رَقٌّ مَكْتُوبٌ فِيهِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَيَثْقُلُ). فَقَدْ علم أن لك يَرْجِعُ إِلَى وَزْنِ مَا كُتِبَ فِيهِ الْأَعْمَالُ لَا نَفْسَ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُخَفِّفُ الْمِيزَانَ إِذَا أَرَادَ، وَيُثَقِّلُهُ إِذَا أَرَادَ بِمَا يُوضَعُ فِي كِفَّتَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَالُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّجْوَى [[يريد مناجاة الله تعالى للعبد يوم القيامة.]]؟ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقْرِرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا على الله (. فقوله:) فيعطى صحيفة حسناته) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ تُكْتَبُ فِي الصُّحُفِ وَتُوزَنُ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ فَيُنْشَرُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَظْلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ لَا ثُمَّ يَقُولُ أَلَكَ عُذْرٌ أَلَكَ حَسَنَةٌ فَيَهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ (. زَادَ التِّرْمِذِيُّ (فَلَا يَثْقُلُ مع اسم الله شي) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَابِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي" الْكَهْفِ [[راجع ج ١١ ص ٦٦ وص ٢٩٣.]] وَالْأَنْبِيَاءِ [[راجع ج ١٣ ص ١١٨ وص ١٢٢.]] " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ "مَوازِينُهُ" جَمْعُ مِيزَانٍ، وَأَصْلُهُ مِوْزَانٌ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَوَازِينُ لِلْعَامِلِ الْوَاحِدِ يُوزَنُ بِكُلِ مِيزَانٍ مِنْهَا صِنْفٌ مِنْ أَعْمَالِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِيزَانًا وَاحِدًا عُبِّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، كَمَا تَقُولُ: خَرَجَ فُلَانٌ إِلَى مَكَّةَ عَلَى الْبِغَالِ، وَخَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي السُّفُنِ. وَفِي التَّنْزِيلِ: "كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ"." كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [[راجع ج ١٣ ص ١١٨ وص ١٢٢.]] ". وَإِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ وَاحِدٌ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. وَقِيلَ: الْمَوَازِينُ جَمْعُ مَوْزُونٍ، لَا جَمْعُ مِيزَانٍ. أَرَادَ بِالْمَوَازِينِ الْأَعْمَالَ الْمَوْزُونَةَ. "وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ" مثله. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: تُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي مِيزَانٍ له لسان كفتان، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُؤْتَى بِعَمَلِهِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَيُوضَعُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ فَتَثْقُلُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" وَيُؤْتَى بِعَمَلِ الْكَافِرِ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ فَيُوضَعُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ فَيَخِفُّ وَزْنُهُ حَتَّى يَقَعَ فِي النَّارِ. وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ قَرِيبٌ مِمَّا قِيلَ: يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ جَوْهَرًا فَيَقَعُ الْوَزْنُ عَلَى تِلْكَ الْجَوَاهِرِ. وَرَدَّهُ ابْنُ فُورَكَ وَغَيْرُهُ. وَفِي الْخَبَرِ (إِذَا خَفَّتْ حَسَنَاتُ المؤمن أخرج رسول الله صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَاقَةً كَالْأُنْمُلَةِ فَيُلْقِيهَا فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ الْيُمْنَى الَّتِي فِيهَا حَسَنَاتُهُ فَتَرْجَحُ الْحَسَنَاتُ فَيَقُولُ ذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ وَمَا أَحْسَنَ خَلْقَكَ فَمَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ أَنَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّكَ وَهَذِهِ صَلَوَاتُكَ الَّتِي كُنْتَ تُصَلِّي عَلَيَّ قَدْ وَفَّيْتُكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهَا (. ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَذَكَرَ أَنَّ الْبِطَاقَةَ (بِكَسْرِ الْبَاءِ) رُقْعَةٌ فِيهَا رَقْمُ الْمَتَاعِ بِلُغَةِ. أَهْلِ مِصْرَ. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: الْبِطَاقَةُ الرُّقْعَةُ، وَأَهْلُ مِصْرَ يَقُولُونَ لِلرُّقْعَةِ بِطَاقَةٌ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَاحِبُ الْمَوَازِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا جِبْرِيلُ زِنْ بَيْنَهُمْ فَرُدَّ مِنْ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ). قَالَ: وَلَيْسَ ثَمَّ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ، فَإِنْ كَانَ لِلظَّالِمِ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَرُدَّ عَلَى الْمَظْلُومِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ فَتُحْمَلُ عَلَى الظَّالِمِ، فَيَرْجِعُ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ مِثْلُ الْجِبَالِ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا آدَمُ ابْرُزْ إِلَى جَانِبِ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ الْمِيزَانِ وَانْظُرْ مَا يُرْفَعُ إِلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِ بَنِيكَ فَمَنْ رَجَحَ خَيْرُهُ عَلَى شَرِّهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ رَجَحَ شَرُّهُ عَلَى خَيْرِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ فَلَهُ النَّارُ حَتَّى تعلم أني لا أعذب إلا ظالما).
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (١٠) أَيْ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ قَرَارًا وَمِهَادًا، وَهَيَّأْنَا لَكُمْ فِيهَا أَسْبَابَ الْمَعِيشَةِ. وَالْمَعَايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، أَيْ مَا يُتَعَيَّشُ بِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَمَا تَكُونُ بِهِ الْحَيَاةُ. يُقَالُ: عَاشَ يَعِيشُ عَيْشًا وَمَعَاشًا وَمَعِيشًا وَمَعِيشَةً وَعِيشَةً. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعِيشَةُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْعَيْشِ. وَمَعِيشَةٌ فِي قَوْلِ الْأَخْفَشِ وَكَثِيرٍ من النحويين مفعلة. وقرا الأعرج: "معايش" بِالْهَمْزِ. وَكَذَا رَوَى خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نَافِعٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْهَمْزُ لَحْنٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ مَعِيشَةٌ، أَصْلُهَا مَعِيشَةٌ، فَزِيدَتْ أَلِفُ الْوَصْلِ وَهِيَ سَاكِنَةٌ وَالْيَاءُ سَاكِنَةٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيكٍ إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى الْحَذْفِ، وَالْأَلِفُ لَا تُحَرَّكُ فَحُرِّكَتِ الْيَاءُ بِمَا كَانَ يَجِبُ لَهَا فِي الْوَاحِدِ. وَنَظِيرُهُ من الواو مناور وَمَنَاوِرُ، وَمَقَامٌ وَمَقَاوِمُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنِّي لَقَوَّامٌ مَقَاوِمَ لَمْ يَكُنْ ... جَرِيرٌ وَلَا مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُهَا
وَكَذَا مُصِيبَةٌ وَمَصَاوِبُ. هَذَا الْجَيِّدُ، وَلُغَةٌ شَاذَّةٌ مَصَائِبُ. قَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّمَا جَازَ مَصَائِبُ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ مُعْتَلَّةٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا خَطَأٌ يَلْزَمُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ مَقَائِمُ. وَلَكِنَّ الْقَوْلَ أَنَّهُ مِثْلُ وِسَادَةٍ وَإِسَادَةٍ. وَقِيلَ: لَمْ يَجُزِ الْهَمْزُ فِي مَعَايِشَ لِأَنَّ الْمَعِيشَةَ مَفْعَلَةٌ، فَالْيَاءُ أَصْلِيَّةٌ، وَإِنَّمَا يُهْمَزُ إِذَا كَانَتِ الْيَاءُ زَائِدَةً مِثْلَ مَدِينَةٍ وَمَدَائِنُ، وَصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفُ، وَكَرِيمَةٍ وكرائم، ووظيفة ووظائف، وشبهه.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ لَمَّا ذَكَرَ نِعَمَهُ ذَكَرَ ابْتِدَاءَ خَلْقِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْخَلْقِ [[راجع ج ١ ص ٢٢٦، ٢٥١.]] فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. "ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ" أَيْ خَلَقْنَاكُمْ نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ، ثُمَّ إِنَّا نُخْبِرُكُمْ أَنَّا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمَا: الْمَعْنَى خَلَقْنَا آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْرِهِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "ثُمَّ" بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى "وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ" يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ، عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. وَقِيلَ: "وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ" يَعْنِي آدَمَ، ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَرِ. "ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ" رَاجِعٌ إِلَيْهِ أَيْضًا. كَمَا يُقَالُ: نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ، أَيْ قَتَلْنَا سَيِّدَكُمْ. "ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ" وَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيمَ وَلَا تَأْخِيرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ، يُرِيدُ آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَآدَمُ مِنَ التُّرَابِ وَحَوَّاءُ مِنْ ضِلَعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ، ثُمَّ وَقَعَ التَّصْوِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَالْمَعْنَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَبَوَيْكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاهُمَا، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى خَلَقْنَاكُمْ في ظهر آدم ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ حِينَ أَخَذْنَا عَلَيْكُمُ الْمِيثَاقَ. هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ. يَذْهَبُ مُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّهُ خَلَقَهُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ حِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ، ثُمَّ كَانَ السُّجُودُ بَعْدُ. وَيُقَوِّي هَذَا" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ [[راجع ص ٣١٣ من هذا الجزء.]] ذُرِّيَّتَهُمْ". وَالْحَدِيثُ (أَنَّهُ أَخْرَجَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ). وَقِيلَ: "ثُمَّ" لِلْإِخْبَارِ، أَيْ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ يَعْنِي فِي ظَهْرِ آدَمَ ﷺ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ أَيْ فِي الْأَرْحَامِ. قَالَ النَّحَّاسُ: هَذَا صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: كُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُحْتَمَلٌ، وَالصَّحِيحُ مِنْهَا مَا يُعَضِّدُهُ التَّنْزِيلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [[راجع ج ١٢ ص ١٠٨.]] "يَعْنِي آدَمَ. وَقَالَ:" وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
[[راجع ج د ص ١.]] ". ثُمَّ قَالَ: "جَعَلْناهُ" أَيْ جَعَلْنَا نَسْلَهُ وَذُرِّيَّتَهُ "نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ" الْآيَةَ [[راجع ج ١٢ ص ١٠٨.]]. فَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ ثم صور وأكوم بِالسُّجُودِ، وَذُرِّيَّتُهُ صُوِّرُوا فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ بَعْدَ أَنْ خُلِقُوا فِيهَا وَفِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ [[راجع ج ٦ ص ٣٨٨.]] أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مَخْلُوقٌ مِنْ نُطْفَةٍ وَتُرْبَةٍ، فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ هُنَا: "خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ" وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَشْرِ:" هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [[راجع ج ١٨ ص ٤٨.]] ". فَذَكَرَ التَّصْوِيرَ بَعْدَ الْبَرْءِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: مَعْنَى "وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ" أَيْ خَلْقنَا الْأَرْوَاحَ أَوَّلًا ثُمَّ صَوَّرْنَا الْأَشْبَاحَ آخِرًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. وَقِيلَ: مِنَ الْجِنْسِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَمْ لَا. كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ في البقرة [[راجع ج ١ ص ٢٩.]].
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ "مَا" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، أَيْ أي شي مَنَعَكَ. وَهَذَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ. أَلَّا تَسْجُدَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ مِنْ أَنْ تَسْجُدَ. وَ "لَا" زَائِدَةٌ. وَفِي ص" مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٢٨ وص ٢٢٧.]] " وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلُ فَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ... نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الْجُودَ نَائِلُهُ
أَرَادَ أَبَى جُودَهُ الْبُخْلُ، فَزَادَ "لَا". وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ، فَإِنَّ الْمَنْعَ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ الْقَوْلِ وَالدُّعَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ لَكَ أَلَّا تَسْجُدَ؟ أَوْ مَنْ دَعَاكَ إِلَى أَلَّا تَسْجُدَ؟ كَمَا تَقُولُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ أَلَّا تَفْعَلَ كَذَا. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ الطَّاعَةِ وَأَحْوَجَكَ إِلَى أَلَّا تَسْجُدَ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: الَّذِي أَحْوَجَهُ إِلَى تَرْكِ السُّجُودِ هُوَ الْكِبْرُ وَالْحَسَدُ، وَكَانَ أَضْمَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ إِذَا أُمِرَ بِذَلِكَ. وَكَانَ أَمَرَهُ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:" إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٢٨ وص ٢٢٧.]] ". فَكَأَنَّهُ دَخَلَهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْ قَوْلِهِ "فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ". فَإِنَّ فِي الْوُقُوعِ تَوْضِيعَ الْوَاقِعِ وَتَشْرِيفًا لِمَنْ وَقَعَ لَهُ، فَأَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَلَّا يَسْجُدَ إِذَا أَمَرَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَلَمَّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ وَقَعَتِ الْمَلَائِكَةُ سُجَّدًا، وَبَقِيَ هُوَ قَائِمًا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَأَظْهَرَ بِقِيَامِهِ وَتَرْكِ السُّجُودِ مَا فِي ضَمِيرِهِ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ" أَيْ مَا مَنَعَكَ مِنَ الِانْقِيَادِ لِأَمْرِي، فَأَخْرَجَ سِرَّ ضَمِيرِهِ فَقَالَ: "أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ". الثَّانِيَةُ- قوله تعالى: (إِذْ أَمَرْتُكَ) يدل علما يَقُولُهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ بِمُطْلَقِهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، لِأَنَّ الذَّمَّ عُلِّقَ عَلَى تَرْكِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: "اسْجُدُوا لِآدَمَ" وَهَذَا بَيِّنٌ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ أَيْ مَنَعَنِي مِنَ السُّجُودِ فَضْلِي عَلَيْهِ، فَهَذَا مِنْ إِبْلِيسَ جَوَابٌ عَلَى الْمَعْنَى. كَمَا تَقُولُ: لمن هذه الدار؟ فيقول المخاطب: مالكها زَيْدٌ. فَلَيْسَ هَذَا عَيْنَ الْجَوَابِ، بَلْ هُوَ كَلَامٌ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْجَوَابِ.
(خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) فَرَأَى أَنَّ النَّارَ أَشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، لِعُلُوِّهَا وَصُعُودِهَا وَخِفَّتِهَا، وَلِأَنَّهَا جَوْهَرٌ مُضِيءٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ فَأَخْطَأَ الْقِيَاسَ. فمن قاس الدين برأيه قرنه مَعَ إِبْلِيسَ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَمَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ. وَقَالَتِ الْحُكَمَاءُ: أَخْطَأَ عَدُوُّ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ فَضَّلَ النَّارَ عَلَى الطِّينِ، وَإِنْ كَانَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَيْثُ هِيَ جَمَادٌ مَخْلُوقٌ. فَإِنَّ الطِّينَ أَفْضَلُ مِنَ النَّارِ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا- أَنَّ مِنْ جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزَانَةَ وَالسُّكُونَ، وَالْوَقَارَ وَالْأَنَاةَ، وَالْحِلْمَ، وَالْحَيَاءَ، وَالصَّبْرَ. وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ السَّعَادَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالتَّضَرُّعِ، فَأَوْرَثَهُ الْمَغْفِرَةَ وَالِاجْتِبَاءَ وَالْهِدَايَةَ. وَمِنْ جَوْهَرِ النَّارِ الْخِفَّةُ، وَالطَّيْشُ، وَالْحِدَّةُ، وَالِارْتِفَاعُ، وَالِاضْطِرَابُ. وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِإِبْلِيسَ بَعْدَ الشَّقَاوَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى الِاسْتِكْبَارِ وَالْإِصْرَارِ، فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء، قال الْقَفَّالُ. الثَّانِي- أَنَّ الْخَبَرَ نَاطِقٌ بِأَنَّ تُرَابَ الْجَنَّةِ مِسْكٌ أَذْفَرُ، وَلَمْ يَنْطِقِ الْخَبَرُ بِأَنَّ فِي الْجَنَّةِ نَارًا وَأَنَّ فِي النَّارِ تُرَابًا. الثَّالِثُ- أَنَّ النَّارَ سَبَبُ الْعَذَابِ، وَهِيَ عَذَابُ اللَّهِ لِأَعْدَائِهِ، وَلَيْسَ التُّرَابُ سَبَبًا لِلْعَذَابِ. الرَّابِعُ- أَنَّ الطِّينَ مُسْتَغْنٍ عَنِ النَّارِ، وَالنَّارَ مُحْتَاجَةٌ إلى المكان ومكانها التراب. قلت- ومحتمل قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ أَنَّ التُّرَابَ مَسْجِدٌ وَطَهُورٌ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ. وَالنَّارُ تَخْوِيفٌ وَعَذَابٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ [[راجع ج ١٥ ص ٢٤٣.]] ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الطَّاعَةُ أَوْلَى بِإِبْلِيسَ مِنَ الْقِيَاسِ فَعَصَى رَبَّهُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَاسَ بِرَأْيِهِ. وَالْقِيَاسُ فِي مُخَالَفَةِ النَّصِّ مَرْدُودٌ. الرَّابِعَةُ- وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْقِيَاسِ إِلَى قَائِلٍ بِهِ، وَرَادٍّ لَهُ، فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِهِ فَهُمُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَجُمْهُورُ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَنَّ التَّعَبُّدَ بِهِ جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ شَرْعًا، وهو الصحيح.
وذهب القفال من الشافعية وأبو الحسين الْبَصْرِيِّ إِلَى وُجُوبِ التَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا. وَذَهَبَ النَّظَّامُ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ التَّعَبُّدُ بِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَرَدَّهُ بَعْضُ أَهْلُ الظَّاهِرِ. وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي (كِتَابِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ): الْمَعْنَى لَا عِصْمَةَ لِأَحَدٍ إِلَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ أَوْ فِي إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ إِذَا وُجِدَ فِيهَا الْحُكْمُ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَالْقِيَاسُ. وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَى هَذَا (بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ قَدْ بين الله حكمها لِيُفْهِمَ السَّائِلَ). وَتَرْجَمَ بَعْدَ هَذَا (بَابُ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ وَكَيْفَ مَعْنَى الدَّلَالَةِ وَتَفْسِيرِهَا). وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الِاجْتِهَادُ وَالِاسْتِنْبَاطُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ هُوَ الْحَقُّ الْوَاجِبُ، وَالْفَرْضُ اللَّازِمُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَنْ جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الْمَالِكِيُّ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى الْقِيَاسِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى قِيَاسِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فِي الزَّكَاةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَقِيلُونِي بَيْعَتِي. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَا نُقِيلُكَ وَلَا نَسْتَقِيلُكَ، رَضِيَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاكَ لِدُنْيَانَا؟ فَقَاسَ الْإِمَامَةَ عَلَى الصَّلَاةِ. وَقَاسَ الصِّدِّيقُ الزَّكَاةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُفَرِّقُ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ. وَصَرَّحَ عَلِيٌّ بِالْقِيَاسِ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَحَدُّهُ حَدُ الْقَاذِفِ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ كتابا فيه: الْفَهْمَ فِيمَا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اعْرِفِ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ، ثُمَّ قِسِ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَاعْمِدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى. الْحَدِيثُ بِطُولِهِ ذَكَرَهُ الدَّارقُطْنِيُّ. وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِعُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ [[من ع.]] عَنْهُمَا) فِي حَدِيثِ الْوَبَاءِ، حِينَ رَجَعَ عُمَرُ مِنْ سَرْغَ [[موضع قرب الشام بين المغيثة وتبوك.]]: نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ! نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَرَأَيْتَ [[راجع الموطأ: "باب ما جاء في الطاعون".]] ... فَقَايَسَهُ وَنَاظَرَهُ بِمَا يُشْبِهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ بِمَحْضَرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَحَسْبُكَ. وَأَمَّا الْآثَارُ وَآيُ الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَكَثِيرٌ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَعِصْمَةٌ مِنْ عِصَمِ الْمُسْلِمِينَ، يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ، وَيَفْزَعُ إِلَيْهِ الْعُلَمَاءُ العاملون، فيستنبطون
بِهِ الْأَحْكَامَ. وَهَذَا قَوْلُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَنْ شَذَّ عَنْهَا. وَأَمَّا الرَّأْيُ الْمَذْمُومُ وَالْقِيَاسُ الْمُتَكَلَّفُ [[في ع: المشكل.]] الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ المذكورة، لأن ذلك ظن و [[في ع: وغرور. وفى ب: نغز. وهو الإغراء.]] نزغ مِنَ الشَّيْطَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [[راجع ج ١٠ ص ٢٥٧.]] ". وَكُلُّ مَا يُورِدُهُ الْمُخَالِفُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ فِي ذَمِّ الْقِيَاسِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقِيَاسِ الْمَذْمُومِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ مَعْلُومٌ. وَتَتْمِيمُ هَذَا الْبَابِ في كتب الأصول.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها﴾ أَيْ مِنَ السَّمَاءِ.
(فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا لِأَنَّ أَهْلَهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُتَوَاضِعُونَ.) فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) أَيْ مِنَ الْأَذَلِّينَ. وَدَلَّ هَذَا أَنَّ مَنْ عَصَى مَوْلَاهُ فَهُوَ ذَلِيلٌ. وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ وَالْبَجَلِيُّ: "فَاهْبِطْ مِنْها" أَيْ مِنْ صُورَتِكَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، لِأَنَّهُ افْتَخَرَ بِأَنَّهُ مِنَ النَّارِ فَشُوِّهَتْ صُورَتُهُ بِالْإِظْلَامِ وَزَوَالِ إِشْرَاقِهِ. وَقِيلَ: "فَاهْبِطْ مِنْها" أَيِ انْتَقِلْ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى جَزَائِرِ الْبِحَارِ، كَمَا يُقَالُ: هَبَطْنَا أَرْضَ كَذَا أَيِ انْتَقَلْنَا إِلَيْهَا مِنْ مَكَانٍ آخَرَ، فَكَأَنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى جَزَائِرِ الْبِحَارِ فَسُلْطَانُهُ فِيهَا، فَلَا يَدْخُلُ الْأَرْضَ إِلَّا كَهَيْئَةِ السَّارِقِ [[في ب: الساري بالياء.]] يَخَافُ فِيهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وقد تقدم في البقرة [[راجع ج ١ ص ٣٢٧.]].
سَأَلَ النَّظِرَةَ وَالْإِمْهَالَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ. طَلَبَ أَلَّا يَمُوتَ لِأَنَّ يَوْمَ الْبَعْثِ لَا مَوْتَ بَعْدَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وغيرها: أَنْظَرَهُ إِلَى النَّفْخَةِ الْأُولَى حَيْثُ يَمُوتُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ. وَكَانَ طَلَبَ الْإِنْظَارِ إِلَى النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأَبَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَقَالَ: "إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" وَلَمْ يتقدم مَنْ يُبْعَثُ، لِأَنَّ الْقِصَّةَ فِي آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، فدلت القرينة على أنهم هم المبعوثون.
سَأَلَ النَّظِرَةَ وَالْإِمْهَالَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ. طَلَبَ أَلَّا يَمُوتَ لِأَنَّ يَوْمَ الْبَعْثِ لَا مَوْتَ بَعْدَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وغيرها: أَنْظَرَهُ إِلَى النَّفْخَةِ الْأُولَى حَيْثُ يَمُوتُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ. وَكَانَ طَلَبَ الْإِنْظَارِ إِلَى النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأَبَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَقَالَ: "إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" وَلَمْ يتقدم مَنْ يُبْعَثُ، لِأَنَّ الْقِصَّةَ فِي آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، فدلت القرينة على أنهم هم المبعوثون.
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ الْإِغْوَاءُ إِيقَاعُ الْغَيِّ فِي الْقَلْبِ، أَيْ فَبِمَا أَوْقَعْتَ فِي قَلْبِي مِنَ الْغَيِّ وَالْعِنَادِ وَالِاسْتِكْبَارِ. وَهَذَا لِأَنَّ كُفْرَ إِبْلِيسَ لَيْسَ كُفْرَ جَهْلٍ، بَلْ هُوَ كُفْرُ عِنَادٍ وَاسْتِكْبَارٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٢٩٥.]]. قِيلَ: مَعْنَى الْكَلَامِ الْقَسَمُ، أَيْ فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِكَ، أَوْ فِي صِرَاطِكَ، فَحُذِفَ. دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ فِي (ص):" فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٢٨.]] "كأن إِبْلِيسَ أَعْظَمَ قَدْرَ إِغْوَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَى الْعِبَادِ، فَأَقْسَمَ بِهِ إِعْظَامًا لِقَدْرِهِ عِنْدَهُ. وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَلِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى مَعَ، وَالْمَعْنَى فَمَعَ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ. وَقِيلَ: هُوَ استفهام، كأنه سأل بأي شي أَغْوَاهُ؟. وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ: فَبِمَ أَغْوَيْتِنِي؟. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَبِمَا أَهْلَكْتِنِي بِلَعْنِكَ إِيَّايَ. وَالْإِغْوَاءُ الْإِهْلَاكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [[راجع ج ١١ ص ١٢٥.]] " أَيْ هَلَاكًا. وَقِيلَ: فَبِمَا أَضْلَلْتَنِي. وَالْإِغْوَاءُ: الْإِضْلَالُ وَالْإِبْعَادُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: خَيَّبْتَنِي مِنْ رَحْمَتِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ [[هذا عجز بيت للرقش، وصدره كما في اللسان مادة غوى:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره]]:
وَمَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمُ عَلَى الْغَيِّ لَائِمًا أَيْ مَنْ يَخِبْ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ غَوَى الرَّجُلُ يَغْوِي [[من ج.]] غَيًّا إِذَا فَسَدَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، أَوْ فَسَدَ هُوَ فِي نَفْسِهِ. وَهُوَ أحد معاني قول تَعَالَى:" وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [[راجع ج ١١ ص ٢٥٥.]] "أَيْ فَسَدَ عَيْشُهُ فِي الْجَنَّةِ. وَيُقَالُ: غَوَى الْفَصِيلُ إِذَا لَمْ يَدْرِ لَبَنَ أُمِّهِ. الثَّانِيَةُ- مَذْهَبُ أَهْلِ السنة أي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَلَّهُ وَخَلَقَ فِيهِ الْكُفْرَ، وَلِذَلِكَ نَسَبَ الْإِغْوَاءَ فِي هَذَا إِلَى اللَّهِ تعالى وهو الحقيقة، فلا شي فِي الْوُجُودِ إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ، صَادِرٌ عَنْ إِرَادَتِهِ تَعَالَى. وَخَالَفَ الْإِمَامِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَغَيْرُهُمَا شَيْخَهُمْ إِبْلِيسَ الَّذِي طَاوَعُوهُ فِي كُلِّ مَا زَيَّنَهُ لَهُمْ، وَلَمْ يُطَاوِعُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَقُولُونَ: أَخْطَأَ إِبْلِيسُ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلْخَطَأِ حَيْثُ نَسَبَ الْغَوَايَةَ إِلَى رَبِّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: وَإِبْلِيسُ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْخَطَأِ فَمَا تَصْنَعُونَ فِي نَبِيٍّ مُكَرَّمٍ مَعْصُومٍ، وهو ونوح عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ لِقَوْمِهِ:" وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [[راجع ج ٩ ص ٢٨.]] "وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ طَاوُسًا جَاءَهُ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْقَدَرِ، وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ طَاوُسٌ: تَقُومُ أَوْ تُقَامُ؟ فَقِيلَ لِطَاوُسٍ: تَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ فَقِيهٍ! فَقَالَ: إِبْلِيسُ أَفْقَهُ مِنْهُ، يَقُولُ إِبْلِيسُ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي. وَيَقُولُ هَذَا: أَنَا أَغْوِي نَفْسِي. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) "أَيْ بِالصَّدِّ عَنْهُ، وَتَزْيِينِ الْبَاطِلِ حَتَّى يَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ، أَوْ يَضِلُّوا كَمَا ضَلَّ، أَوْ يَخِيبُوا كَمَا خُيِّبَ، حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة ف" أَغْوَيْتَنِي". وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْجَنَّةِ. وَ "صِراطَكَ" مَنْصُوبٌ عَلَى حَذْفِ "عَلَى" أَوْ "فِي" مِنْ قَوْلِهِ: "صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ"، كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ "ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ". وَأَنْشَدَ:
لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عسل الطريق الثعلب [[البيت لساعدة بن جوية. يريد في الطريق. وصف في البيت رمحا لين الهز فشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره. والعسل العسلان (بالتحريك): سير سريع في اضطراب. واللدن: الناعم اللين.
(عن شرح الشواهد).]] ومن أحسن ما قيل في تأويل (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) أَيْ لَأَصُدَّنَّهُمْ [[في ج: لأضلنهم.]] عَنِ الْحَقِّ، وَأُرَغِّبَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأُشَكِّكُهُمْ فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا غَايَةٌ فِي الضَّلَالَةِ. كَمَا قَالَ:" وَلَأُضِلَّنَّهُمْ [[راجع ج ٥ ص ٣٨٩.]] "حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ:" مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ "مِنْ دُنْيَاهُمْ." وَمِنْ خَلْفِهِمْ "مِنْ آخِرَتِهِمْ." وَعَنْ أَيْمانِهِمْ "يَعْنِي حَسَنَاتِهِمْ." وَعَنْ شَمائِلِهِمْ "يَعْنِي سَيِّئَاتِهِمْ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ وَشَرْحُهُ: أَنَّ مَعْنَى" ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
" مِنْ دُنْيَاهُمْ، حَتَّى يُكَذِّبُوا بِمَا فِيهَا [[راجع ج ١٥ ص ٧٣.]] مِنَ الْآيَاتِ وَأَخْبَارُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ "وَمِنْ خَلْفِهِمْ" مِنْ آخِرَتِهِمْ حَتَّى يُكَذِّبُوا بِهَا. "وَعَنْ أَيْمانِهِمْ" مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَأُمُورِ دِينِهِمْ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: "إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ". "وَعَنْ شَمائِلِهِمْ" يَعْنِي سَيِّئَاتِهِمْ، أَيْ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، لِأَنَّهُ يُزَيِّنُهَا لَهُمْ.
(وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) أَيْ مُوَحِّدِينَ طَائِعِينَ مظهرين الشكر.
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ الْإِغْوَاءُ إِيقَاعُ الْغَيِّ فِي الْقَلْبِ، أَيْ فَبِمَا أَوْقَعْتَ فِي قَلْبِي مِنَ الْغَيِّ وَالْعِنَادِ وَالِاسْتِكْبَارِ. وَهَذَا لِأَنَّ كُفْرَ إِبْلِيسَ لَيْسَ كُفْرَ جَهْلٍ، بَلْ هُوَ كُفْرُ عِنَادٍ وَاسْتِكْبَارٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٢٩٥.]]. قِيلَ: مَعْنَى الْكَلَامِ الْقَسَمُ، أَيْ فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِكَ، أَوْ فِي صِرَاطِكَ، فَحُذِفَ. دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ فِي (ص):" فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [[راجع ج ١٥ ص ٢٢٨.]] "كأن إِبْلِيسَ أَعْظَمَ قَدْرَ إِغْوَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَى الْعِبَادِ، فَأَقْسَمَ بِهِ إِعْظَامًا لِقَدْرِهِ عِنْدَهُ. وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَلِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى مَعَ، وَالْمَعْنَى فَمَعَ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ. وَقِيلَ: هُوَ استفهام، كأنه سأل بأي شي أَغْوَاهُ؟. وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ: فَبِمَ أَغْوَيْتِنِي؟. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَبِمَا أَهْلَكْتِنِي بِلَعْنِكَ إِيَّايَ. وَالْإِغْوَاءُ الْإِهْلَاكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [[راجع ج ١١ ص ١٢٥.]] " أَيْ هَلَاكًا. وَقِيلَ: فَبِمَا أَضْلَلْتَنِي. وَالْإِغْوَاءُ: الْإِضْلَالُ وَالْإِبْعَادُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: خَيَّبْتَنِي مِنْ رَحْمَتِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ [[هذا عجز بيت للرقش، وصدره كما في اللسان مادة غوى:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره]]:
وَمَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمُ عَلَى الْغَيِّ لَائِمًا أَيْ مَنْ يَخِبْ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ غَوَى الرَّجُلُ يَغْوِي [[من ج.]] غَيًّا إِذَا فَسَدَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، أَوْ فَسَدَ هُوَ فِي نَفْسِهِ. وَهُوَ أحد معاني قول تَعَالَى:" وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [[راجع ج ١١ ص ٢٥٥.]] "أَيْ فَسَدَ عَيْشُهُ فِي الْجَنَّةِ. وَيُقَالُ: غَوَى الْفَصِيلُ إِذَا لَمْ يَدْرِ لَبَنَ أُمِّهِ. الثَّانِيَةُ- مَذْهَبُ أَهْلِ السنة أي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَلَّهُ وَخَلَقَ فِيهِ الْكُفْرَ، وَلِذَلِكَ نَسَبَ الْإِغْوَاءَ فِي هَذَا إِلَى اللَّهِ تعالى وهو الحقيقة، فلا شي فِي الْوُجُودِ إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ، صَادِرٌ عَنْ إِرَادَتِهِ تَعَالَى. وَخَالَفَ الْإِمَامِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَغَيْرُهُمَا شَيْخَهُمْ إِبْلِيسَ الَّذِي طَاوَعُوهُ فِي كُلِّ مَا زَيَّنَهُ لَهُمْ، وَلَمْ يُطَاوِعُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَقُولُونَ: أَخْطَأَ إِبْلِيسُ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلْخَطَأِ حَيْثُ نَسَبَ الْغَوَايَةَ إِلَى رَبِّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: وَإِبْلِيسُ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْخَطَأِ فَمَا تَصْنَعُونَ فِي نَبِيٍّ مُكَرَّمٍ مَعْصُومٍ، وهو ونوح عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ لِقَوْمِهِ:" وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [[راجع ج ٩ ص ٢٨.]] "وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ طَاوُسًا جَاءَهُ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْقَدَرِ، وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْكِبَارِ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ طَاوُسٌ: تَقُومُ أَوْ تُقَامُ؟ فَقِيلَ لِطَاوُسٍ: تَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ فَقِيهٍ! فَقَالَ: إِبْلِيسُ أَفْقَهُ مِنْهُ، يَقُولُ إِبْلِيسُ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي. وَيَقُولُ هَذَا: أَنَا أَغْوِي نَفْسِي. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) "أَيْ بِالصَّدِّ عَنْهُ، وَتَزْيِينِ الْبَاطِلِ حَتَّى يَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ، أَوْ يَضِلُّوا كَمَا ضَلَّ، أَوْ يَخِيبُوا كَمَا خُيِّبَ، حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة ف" أَغْوَيْتَنِي". وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْجَنَّةِ. وَ "صِراطَكَ" مَنْصُوبٌ عَلَى حَذْفِ "عَلَى" أَوْ "فِي" مِنْ قَوْلِهِ: "صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ"، كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ "ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ". وَأَنْشَدَ:
لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عسل الطريق الثعلب [[البيت لساعدة بن جوية. يريد في الطريق. وصف في البيت رمحا لين الهز فشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره. والعسل العسلان (بالتحريك): سير سريع في اضطراب. واللدن: الناعم اللين.
(عن شرح الشواهد).]] ومن أحسن ما قيل في تأويل (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) أَيْ لَأَصُدَّنَّهُمْ [[في ج: لأضلنهم.]] عَنِ الْحَقِّ، وَأُرَغِّبَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأُشَكِّكُهُمْ فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا غَايَةٌ فِي الضَّلَالَةِ. كَمَا قَالَ:" وَلَأُضِلَّنَّهُمْ [[راجع ج ٥ ص ٣٨٩.]] "حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ:" مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ "مِنْ دُنْيَاهُمْ." وَمِنْ خَلْفِهِمْ "مِنْ آخِرَتِهِمْ." وَعَنْ أَيْمانِهِمْ "يَعْنِي حَسَنَاتِهِمْ." وَعَنْ شَمائِلِهِمْ "يَعْنِي سَيِّئَاتِهِمْ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ وَشَرْحُهُ: أَنَّ مَعْنَى" ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
" مِنْ دُنْيَاهُمْ، حَتَّى يُكَذِّبُوا بِمَا فِيهَا [[راجع ج ١٥ ص ٧٣.]] مِنَ الْآيَاتِ وَأَخْبَارُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ "وَمِنْ خَلْفِهِمْ" مِنْ آخِرَتِهِمْ حَتَّى يُكَذِّبُوا بِهَا. "وَعَنْ أَيْمانِهِمْ" مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَأُمُورِ دِينِهِمْ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: "إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ". "وَعَنْ شَمائِلِهِمْ" يَعْنِي سَيِّئَاتِهِمْ، أَيْ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، لِأَنَّهُ يُزَيِّنُهَا لَهُمْ.
(وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) أَيْ مُوَحِّدِينَ طَائِعِينَ مظهرين الشكر.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنْها﴾ أَيْ من الجنة.
(مَذْؤُماً مَدْحُوراً) "مَذْؤُماً" أَيْ مَذْمُومًا. وَالذَّأْمُ: الْعَيْبُ، بِتَخْفِيفِ [[في ج: مما قبلها.]] الْمِيمِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَذْءُومًا وَمَذْمُومًا سَوَاءٌ، يُقَالُ: ذَأَمْتُهُ وذممته وذمته بمعنى واحد. وقرا الأعمش "مَذْؤُماً". وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ الْهَمْزَةَ [[لا حاجة لهذا القيد: فإن الهمز كاف للفرق بيته وبين الذم.]]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَذْءُومُ الْمَنْفِيُّ. وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ. وَالْمَدْحُورُ: الْمُبْعَدُ الْمَطْرُودُ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ. وَأَصْلُهُ الدَّفْعُ.
(لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ، وَالْجَوَابُ "لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ". وَقِيلَ: "لَمَنْ تَبِعَكَ" لَامُ تَوْكِيدٍ. "لَأَمْلَأَنَّ" لَامُ قَسَمٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ حذف اللام الأولى، ولا يجوز حَذْفُ الثَّانِيَةِ. وَفِي الْكَلَامِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْمُجَازَاةِ، أَيْ مَنْ تَبِعَكَ عَذَّبْتُهُ. وَلَوْ قُلْتَ: مَنْ تَبِعَكَ أُعَذِّبُهُ لَمْ يَجُزْ، إِلَّا أَنْ تُرِيدَ لَأُعَذِّبُهُ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ "لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ" بِكَسْرِ اللَّامِ. وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَتَقْدِيرُهُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- مِنْ أَجْلِ مَنْ تَبِعَكَ. كَمَا يُقَالُ: أَكْرَمْتُ فُلَانًا لَكَ. وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْنَى: الدَّحْرُ لِمَنْ تَبِعَكَ. وَمَعْنَى "مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ" أَيْ مِنْكُمْ وَمِنْ بَنِي آدَمَ، لِأَنَّ ذِكْرَهُمْ قَدْ جَرَى إِذْ قَالَ: "وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ" خَاطَبَ وَلَدَ آدَمَ.
قَالَ لِآدَمَ بَعْدَ إِخْرَاجِ إِبْلِيسَ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنَ السَّمَاءِ: اسْكُنْ أَنْتَ وَحَوَّاءُ الْجَنَّةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٢٩٨. وص ٢٠٤.]] مَعْنَى الْإِسْكَانِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ هُنَاكَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ أَيْ إِلَيْهِمَا. قِيلَ: دَاخِلَ الْجَنَّةِ بِإِدْخَالِ الْحَيَّةِ إِيَّاهُ وَقِيلَ: مِنْ خَارِجٍ بِالسَّلْطَنَةِ [[في ج: بالشيطة.]] الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي الْبَقَرَةِ. وَالْوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الْخَفِيُّ. وَالْوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ يُقَالُ: وَسْوَسَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَسْوَسَةً وَوِسْوَاسًا (بِكَسْرِ الْوَاوِ). وَالْوَسْوَاسُ (بِالْفَتْحِ): اسْمٌ مِثْلُ الزَّلْزَالِ. وَيُقَالُ لِهَمْسِ الصَّائِدِ وَالْكِلَابِ وَأَصْوَاتِ الْحَلْيِ: وَسْوَاسٌ. قَالَ الأعشى: تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وَسْوَاسًا إِذَا انْصَرَفَتْ ... كَمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ [[العشرق كزبرج: شجر قدر ذراع له حب صغار إذا جف صوت بمر الريح.]]
وَالْوَسْوَاسُ: اسْمُ الشَّيْطَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [[راجع ج ٢٠ ص ٢٦١.]]).
(لِيُبْدِيَ لَهُما) أَيْ لِيُظْهِرَ لَهُمَا. وَاللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ كَمَا قَالَ (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [[راجع ج ١٣ ص ٢٥٢.]]) وَقِيلَ: لام كي و (وُورِيَ) أَيْ سُتِرَ وَغُطِّيَ عَنْهُمَا. وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ القرآن أورى مثل أقتت ومن سوءاتهما من (عوراتها [[من ج وك وى.]]) وَسُمِّيَ الْفَرْجُ عَوْرَةً لِأَنَّ إِظْهَارَهُ يَسُوءُ صَاحِبَهُ. وَدَلَّ هَذَا عَلَى قُبْحِ كَشْفِهَا فَقِيلَ: إِنَّمَا بدت سوءاتهما لَهُمَا لَا لِغَيْرِهِمَا كَانَ عَلَيْهِمَا نُورٌ [[النور بفتح النون: الزهر.]] لَا تُرَى عَوْرَاتُهُمَا فَزَالَ النُّورُ. وَقِيلَ: ثَوْبٌ فَتَهَافَتَ [[تهافت: تساقط.]]، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ) (أَنْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِمَعْنَى إِلَّا، كَرَاهِيَةَ أَنْ فحذف المضاف. هذا قول البصرين. وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ: لِئَلَّا تَكُونَا. وَقِيلَ: أَيْ إِلَّا أَلَّا تَكُونَا مَلَكَيْنِ تَعْلَمَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَقِيلَ طَمِعَ آدَمُ فِي الْخُلُودِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَمُوتُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَضْلَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَمِنْهَا هَذَا وَهُوَ (إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ). وَمِنْهُ (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [[راجع ج ٩ ص ٢٥.]]). ومنهَ- لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
[[راجع ج ٦ ص ٢٦.]] وَقَالَ الْحَسَنُ: فَضَّلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالصُّوَرِ. وَالْأَجْنِحَةِ وَالْكَرَامَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَضَّلَهُمْ جَلَّ وَعَزَّ بِالطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، فَلِهَذَا يَقَعُ التَّفْضِيلُ في كل شي. وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ. لَا حُجَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ فِي أَلَّا يَكُونَ لَهُمَا شَهْوَةٌ فِي طَعَامٍ. وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالزَّجَّاجِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ تَفْضِيلُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٢٨٩.]]. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فُضِّلُوا عَلَى الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ، غَيْرَ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمَلَكَ الْمَوْتِ، لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ رُسُلِ اللَّهِ. وَتَمَسَّكَ كُلُّ فَرِيقٍ بِظَوَاهِرَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَالْفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ "مَلِكَيْنِ" بِكَسْرِ اللَّامِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي [[من ب وع وز.]] كَثِيرٍ وَالضَّحَّاكِ. وأنكر أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ كَسْرَ اللَّامِ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ ﷺ. مَلِكٌ فَيَصِيرَا مَلِكَيْنِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَجُوزُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِسْكَانُ اللَّامِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى لِخِفَّةِ الْفَتْحَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَاهُمَا الْمَلْعُونُ مِنْ جِهَةِ الْمُلْكِ، وَلِهَذَا قَالَ:" هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلى [[راجع ج ١١ ص ٢٥٤.]] ". وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ احْتِجَاجَ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِقَوْلِهِ: "وَمُلْكٍ لَا يَبْلى " حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، وَلَكِنَّ النَّاسَ عَلَى تَرْكِهَا فلهذا تركناها. قال النحاس: "إلا أن تكون مُلْكَيْنِ" قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ. وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ هَذَا الْكَلَامَ، وَجُعِلَ مِنَ الْخَطَأِ الْفَاحِشِ. وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَهَّمَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مُلْكِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ غَايَةُ الطَّالِبِينَ. وَإِنَّمَا مَعْنَى "وَمُلْكٍ لَا يَبْلى " الْمُقَامُ فِي مُلْكِ الْجَنَّةِ، وَالْخُلُودُ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقاسَمَهُما﴾ أَيْ حَلَفَ لَهُمَا. يُقَالُ: أَقْسَمَ إِقْسَامًا، أَيْ حَلَفَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمْ ... أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا [[السلوى: العسل. وشار العسل: اجتناه واخذه من موضعه.]]
وَجَاءَ "فَاعَلْتَ" مِنْ وَاحِدٍ. وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَائِدَةِ.
(إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) لَيْسَ "لَكُما" دَاخِلًا فِي الصِّلَةِ. وَالتَّقْدِيرُ: إِنِّي نَاصِحٌ لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، قَالَهُ هِشَامٌ النَّحْوِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْبَقَرَةِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ: اتَّبِعَانِي أُرْشِدْكُمَا، ذَكَرَهُ قَتَادَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أَوْقَعَهُمَا فِي الْهَلَاكِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَرَّهُمَا بِالْيَمِينِ. وَكَانَ يَظُنُّ آدَمُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ بِاللَّهِ كَاذِبًا، فغررهما بِوَسْوَسَتِهِ وَقَسَمِهِ لَهُمَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَهُمَا حَتَّى خَدَعَهُمَا. وَقَدْ يُخْدَعُ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ. كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: مَنْ خَادَعَنَا بِاللَّهِ خدعنا. وفي الحديث عنه صلى: (الْمُؤْمِنُ غِرٌّ [[الغر: الذي لا يفطن للشر. والخلب (بكسر الخاء وفتحها): ضد الغر، وهو الخدع المفسد. الرواية الثابتة عن أبى هريرة: والمنافق خب لئيم بدل الفاجر.]] كَرِيمٌ وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ). وَأَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ:
إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا تَشَاءُ خَدَعْتَهُ ... وَتَرَى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لَا يُخْدَعُ
"فَدَلَّاهُما" يُقَالُ: أَدْلَى دلوه: أرسلها. ودلاها: أخرجها. وقيل: "فَدَلَّاهُما" أَيْ دَلَّلَهُمَا، مِنَ الدَّالَّةِ وَهِيَ الْجُرْأَةُ أَيْ جَرَّأَهُمَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَخَرَجَا مِنَ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ﴾ أَيْ أَكَلَا مِنْهَا. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٠٤.]]، وَكَيْفَ أَكَلَ آدَمُ مِنْهَا. "بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما" أَكَلَتْ حَوَّاءُ أولا فلم يصبها شي، فَلَمَّا أَكَلَ آدَمُ حَلَّتِ الْعُقُوبَةُ، لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٠٤.]] ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَقَلَّصَ النُّورُ الَّذِي كَانَ لِبَاسَهُمَا فَصَارَ أَظْفَارًا فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ. الثَّانِيَةُ- "وَطَفِقا" وَيَجُوزُ إِسْكَانُ [[كذا في الأصول. والمتبادر أنه يريد المصدر على لغة ضرب ضربا لأن طفق كفرح.]] الْفَاءِ. وَحَكَى الْأَخْفَشُ طَفِقَ يَطْفِقُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ. يُقَالُ: طَفِقَ، أَيْ أَخَذَ فِي الْفِعْلِ. "يَخْصِفانِ" وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَشَدِّ الصَّادِ. وَالْأَصْلُ "يَخْتَصِفَانِ" فَأُدْغِمَ، وَكُسِرَ الْخَاءُ وشد الصاد. والأصل يخصفان فَأُدْغِمَ وَكُسِرَ الْخَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَقَرَأَ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْخَاءِ، أَلْقَيَا حَرَكَةَ التَّاءِ عَلَيْهَا. وَيَجُوزُ "يُخَصِّفَانِ" بِضَمِّ الْيَاءِ، مِنْ خَصَّفَ يُخَصِّفُ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ "يُخْصِفَانِ" مِنْ أَخْصَفَ. وَكِلَاهُمَا مَنْقُولٌ بِالْهَمْزَةِ أَوِ التَّضْعِيفِ وَالْمَعْنَى: يَقْطَعَانِ الْوَرَقَ وَيَلْزَقَانِهِ لِيَسْتَتِرَا بِهِ، وَمِنْهُ خَصْفُ النَّعْلِ. وَالْخَصَّافُ الَّذِي يُرَقِّعُهَا. وَالْمِخْصَفُ الْمِثْقَبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ وَرَقُ التِّينِ. وَيُرْوَى أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَدَتْ سَوْأَتُهُ وَظَهَرَتْ عَوْرَتُهُ طَافَ عَلَى أَشْجَارِ الْجَنَّةِ يَسُلُّ [[في ك: يسأل.]] مِنْهَا وَرَقَةً يُغَطِّي بِهَا عَوْرَتَهُ، فَزَجَرَتْهُ أَشْجَارُ الْجَنَّةِ حَتَّى رَحِمَتْهُ شجرة التين فأعطته ورقة. "وَطَفِقا" يَعْنِي آدَمَ وَحَوَّاءَ "يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ" فَكَافَأَ اللَّهُ التِّينَ بِأَنْ سَوَّى ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ فِي الْحَلَاوَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَأَعْطَاهُ ثَمَرَتَيْنِ فِي عام واحد مرتين. الثانية- وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى قُبْحِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا السَّتْرَ، وَلِذَلِكَ ابْتَدَرَا إِلَى سَتْرِهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْمَرَا بِذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا قِيلَ لَهُمَا: "وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ". وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَتِرَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ سُتْرَةٌ ظَاهِرَةٌ يُمْكِنُهُ التَّسَتُّرُ بِهَا، كَمَا فَعَلَ آدَمُ فِي الْجَنَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ [[في ع وز وك: الثالثة قوله تعالى: "وَناداهُما" الآية.]] تَعَالَى: (وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) أَيْ قَالَ لَهُمَا: أَلَمْ أَنْهَكُمَا. قَالَا رَبَّنا نِدَاءٌ مُضَافٌ. وَالْأَصْلُ يَا رَبَّنَا. وَقِيلَ. إِنَّ فِي حَذْفِ "يَا" مَعْنَى التَّعْظِيمِ. فَاعْتَرَفَا بِالْخَطِيئَةِ وَتَابَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ [[من ع.]]). وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٢٤. وص ٣١٩.]]) وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (قالَ اهْبِطُوا) تقدم أيضا إلى آخر الآية.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أَوْقَعَهُمَا فِي الْهَلَاكِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَرَّهُمَا بِالْيَمِينِ. وَكَانَ يَظُنُّ آدَمُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ بِاللَّهِ كَاذِبًا، فغررهما بِوَسْوَسَتِهِ وَقَسَمِهِ لَهُمَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَهُمَا حَتَّى خَدَعَهُمَا. وَقَدْ يُخْدَعُ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ. كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: مَنْ خَادَعَنَا بِاللَّهِ خدعنا. وفي الحديث عنه صلى: (الْمُؤْمِنُ غِرٌّ [[الغر: الذي لا يفطن للشر. والخلب (بكسر الخاء وفتحها): ضد الغر، وهو الخدع المفسد. الرواية الثابتة عن أبى هريرة: والمنافق خب لئيم بدل الفاجر.]] كَرِيمٌ وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ). وَأَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ:
إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا تَشَاءُ خَدَعْتَهُ ... وَتَرَى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لَا يُخْدَعُ
"فَدَلَّاهُما" يُقَالُ: أَدْلَى دلوه: أرسلها. ودلاها: أخرجها. وقيل: "فَدَلَّاهُما" أَيْ دَلَّلَهُمَا، مِنَ الدَّالَّةِ وَهِيَ الْجُرْأَةُ أَيْ جَرَّأَهُمَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَخَرَجَا مِنَ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ﴾ أَيْ أَكَلَا مِنْهَا. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٠٤.]]، وَكَيْفَ أَكَلَ آدَمُ مِنْهَا. "بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما" أَكَلَتْ حَوَّاءُ أولا فلم يصبها شي، فَلَمَّا أَكَلَ آدَمُ حَلَّتِ الْعُقُوبَةُ، لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٠٤.]] ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَقَلَّصَ النُّورُ الَّذِي كَانَ لِبَاسَهُمَا فَصَارَ أَظْفَارًا فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ. الثَّانِيَةُ- "وَطَفِقا" وَيَجُوزُ إِسْكَانُ [[كذا في الأصول. والمتبادر أنه يريد المصدر على لغة ضرب ضربا لأن طفق كفرح.]] الْفَاءِ. وَحَكَى الْأَخْفَشُ طَفِقَ يَطْفِقُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ. يُقَالُ: طَفِقَ، أَيْ أَخَذَ فِي الْفِعْلِ. "يَخْصِفانِ" وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَشَدِّ الصَّادِ. وَالْأَصْلُ "يَخْتَصِفَانِ" فَأُدْغِمَ، وَكُسِرَ الْخَاءُ وشد الصاد. والأصل يخصفان فَأُدْغِمَ وَكُسِرَ الْخَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَقَرَأَ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْخَاءِ، أَلْقَيَا حَرَكَةَ التَّاءِ عَلَيْهَا. وَيَجُوزُ "يُخَصِّفَانِ" بِضَمِّ الْيَاءِ، مِنْ خَصَّفَ يُخَصِّفُ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ "يُخْصِفَانِ" مِنْ أَخْصَفَ. وَكِلَاهُمَا مَنْقُولٌ بِالْهَمْزَةِ أَوِ التَّضْعِيفِ وَالْمَعْنَى: يَقْطَعَانِ الْوَرَقَ وَيَلْزَقَانِهِ لِيَسْتَتِرَا بِهِ، وَمِنْهُ خَصْفُ النَّعْلِ. وَالْخَصَّافُ الَّذِي يُرَقِّعُهَا. وَالْمِخْصَفُ الْمِثْقَبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ وَرَقُ التِّينِ. وَيُرْوَى أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَدَتْ سَوْأَتُهُ وَظَهَرَتْ عَوْرَتُهُ طَافَ عَلَى أَشْجَارِ الْجَنَّةِ يَسُلُّ [[في ك: يسأل.]] مِنْهَا وَرَقَةً يُغَطِّي بِهَا عَوْرَتَهُ، فَزَجَرَتْهُ أَشْجَارُ الْجَنَّةِ حَتَّى رَحِمَتْهُ شجرة التين فأعطته ورقة. "وَطَفِقا" يَعْنِي آدَمَ وَحَوَّاءَ "يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ" فَكَافَأَ اللَّهُ التِّينَ بِأَنْ سَوَّى ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ فِي الْحَلَاوَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَأَعْطَاهُ ثَمَرَتَيْنِ فِي عام واحد مرتين. الثانية- وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى قُبْحِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا السَّتْرَ، وَلِذَلِكَ ابْتَدَرَا إِلَى سَتْرِهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْمَرَا بِذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا قِيلَ لَهُمَا: "وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ". وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَتِرَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ سُتْرَةٌ ظَاهِرَةٌ يُمْكِنُهُ التَّسَتُّرُ بِهَا، كَمَا فَعَلَ آدَمُ فِي الْجَنَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ [[في ع وز وك: الثالثة قوله تعالى: "وَناداهُما" الآية.]] تَعَالَى: (وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) أَيْ قَالَ لَهُمَا: أَلَمْ أَنْهَكُمَا. قَالَا رَبَّنا نِدَاءٌ مُضَافٌ. وَالْأَصْلُ يَا رَبَّنَا. وَقِيلَ. إِنَّ فِي حَذْفِ "يَا" مَعْنَى التَّعْظِيمِ. فَاعْتَرَفَا بِالْخَطِيئَةِ وَتَابَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ [[من ع.]]). وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٢٤. وص ٣١٩.]]) وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (قالَ اهْبِطُوا) تقدم أيضا إلى آخر الآية.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أَوْقَعَهُمَا فِي الْهَلَاكِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَرَّهُمَا بِالْيَمِينِ. وَكَانَ يَظُنُّ آدَمُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ بِاللَّهِ كَاذِبًا، فغررهما بِوَسْوَسَتِهِ وَقَسَمِهِ لَهُمَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَهُمَا حَتَّى خَدَعَهُمَا. وَقَدْ يُخْدَعُ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ. كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: مَنْ خَادَعَنَا بِاللَّهِ خدعنا. وفي الحديث عنه صلى: (الْمُؤْمِنُ غِرٌّ [[الغر: الذي لا يفطن للشر. والخلب (بكسر الخاء وفتحها): ضد الغر، وهو الخدع المفسد. الرواية الثابتة عن أبى هريرة: والمنافق خب لئيم بدل الفاجر.]] كَرِيمٌ وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ). وَأَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ:
إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا تَشَاءُ خَدَعْتَهُ ... وَتَرَى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لَا يُخْدَعُ
"فَدَلَّاهُما" يُقَالُ: أَدْلَى دلوه: أرسلها. ودلاها: أخرجها. وقيل: "فَدَلَّاهُما" أَيْ دَلَّلَهُمَا، مِنَ الدَّالَّةِ وَهِيَ الْجُرْأَةُ أَيْ جَرَّأَهُمَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَخَرَجَا مِنَ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ﴾ أَيْ أَكَلَا مِنْهَا. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٠٤.]]، وَكَيْفَ أَكَلَ آدَمُ مِنْهَا. "بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما" أَكَلَتْ حَوَّاءُ أولا فلم يصبها شي، فَلَمَّا أَكَلَ آدَمُ حَلَّتِ الْعُقُوبَةُ، لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٠٤.]] ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَقَلَّصَ النُّورُ الَّذِي كَانَ لِبَاسَهُمَا فَصَارَ أَظْفَارًا فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ. الثَّانِيَةُ- "وَطَفِقا" وَيَجُوزُ إِسْكَانُ [[كذا في الأصول. والمتبادر أنه يريد المصدر على لغة ضرب ضربا لأن طفق كفرح.]] الْفَاءِ. وَحَكَى الْأَخْفَشُ طَفِقَ يَطْفِقُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ. يُقَالُ: طَفِقَ، أَيْ أَخَذَ فِي الْفِعْلِ. "يَخْصِفانِ" وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَشَدِّ الصَّادِ. وَالْأَصْلُ "يَخْتَصِفَانِ" فَأُدْغِمَ، وَكُسِرَ الْخَاءُ وشد الصاد. والأصل يخصفان فَأُدْغِمَ وَكُسِرَ الْخَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وَقَرَأَ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْخَاءِ، أَلْقَيَا حَرَكَةَ التَّاءِ عَلَيْهَا. وَيَجُوزُ "يُخَصِّفَانِ" بِضَمِّ الْيَاءِ، مِنْ خَصَّفَ يُخَصِّفُ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ "يُخْصِفَانِ" مِنْ أَخْصَفَ. وَكِلَاهُمَا مَنْقُولٌ بِالْهَمْزَةِ أَوِ التَّضْعِيفِ وَالْمَعْنَى: يَقْطَعَانِ الْوَرَقَ وَيَلْزَقَانِهِ لِيَسْتَتِرَا بِهِ، وَمِنْهُ خَصْفُ النَّعْلِ. وَالْخَصَّافُ الَّذِي يُرَقِّعُهَا. وَالْمِخْصَفُ الْمِثْقَبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ وَرَقُ التِّينِ. وَيُرْوَى أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَدَتْ سَوْأَتُهُ وَظَهَرَتْ عَوْرَتُهُ طَافَ عَلَى أَشْجَارِ الْجَنَّةِ يَسُلُّ [[في ك: يسأل.]] مِنْهَا وَرَقَةً يُغَطِّي بِهَا عَوْرَتَهُ، فَزَجَرَتْهُ أَشْجَارُ الْجَنَّةِ حَتَّى رَحِمَتْهُ شجرة التين فأعطته ورقة. "وَطَفِقا" يَعْنِي آدَمَ وَحَوَّاءَ "يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ" فَكَافَأَ اللَّهُ التِّينَ بِأَنْ سَوَّى ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ فِي الْحَلَاوَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَأَعْطَاهُ ثَمَرَتَيْنِ فِي عام واحد مرتين. الثانية- وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى قُبْحِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا السَّتْرَ، وَلِذَلِكَ ابْتَدَرَا إِلَى سَتْرِهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْمَرَا بِذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا قِيلَ لَهُمَا: "وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ". وَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَتِرَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ سُتْرَةٌ ظَاهِرَةٌ يُمْكِنُهُ التَّسَتُّرُ بِهَا، كَمَا فَعَلَ آدَمُ فِي الْجَنَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ [[في ع وز وك: الثالثة قوله تعالى: "وَناداهُما" الآية.]] تَعَالَى: (وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) أَيْ قَالَ لَهُمَا: أَلَمْ أَنْهَكُمَا. قَالَا رَبَّنا نِدَاءٌ مُضَافٌ. وَالْأَصْلُ يَا رَبَّنَا. وَقِيلَ. إِنَّ فِي حَذْفِ "يَا" مَعْنَى التَّعْظِيمِ. فَاعْتَرَفَا بِالْخَطِيئَةِ وَتَابَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ [[من ع.]]). وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ [[راجع ج ١ ص ٣٢٤. وص ٣١٩.]]) وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (قالَ اهْبِطُوا) تقدم أيضا إلى آخر الآية.
الضَّمَائِرُ كُلُّهَا لِلْأَرْضِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ فِي "قالَ"، وَلَوْ ذَكَرَهَا لَجَازَ [[أي في مثل هذا التركيب في غير القرآن.]] أَيْضًا. وَهُوَ كَقَوْلِكَ: قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو كَذَا قَالَ لَهُ كَذَا.
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ: "يُوارِي سَوْآتِكُمْ". وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، بَلْ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْإِنْعَامِ فَقَطْ. قُلْتُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِنْعَامِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى [[من ع.]]) جَعَلَ لِذُرِّيَّتِهِ مَا يَسْتُرُونَ بِهِ عَوْرَاتِهِمْ، وَدَلَّ عَلَى الْأَمْرِ بِالسَّتْرِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَوْرَةِ مَا هِيَ؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: هِيَ مِنَ الرَّجُلِ الْفَرْجُ نَفْسُهُ، الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ دُونَ غَيْرِهِمَا. وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَابْنِ أَبِي عَبْلَةَ [[في وز: وابن عطية.]] وَالطَّبَرِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ"، "بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما"، "لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما". وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ:" فَأَجْرَى [[أي أجرى دابته.]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ- وَفِيهِ- ثُمَّ حَسِرَ [[أي أقوى وأحسن سندا من حديث جرهد.]] الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ". وَقَالَ مَالِكٌ: السُّرَّةُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْشِفَ فَخِذَهُ بِحَضْرَةِ زَوْجَتِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَتِ السُّرَّةُ وَلَا الرُّكْبَتَانِ مِنَ الْعَوْرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي السُّرَّةِ قَوْلَيْنِ. وَحُجَّةُ مَالِكٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِجَرْهَدٍ: (غَطِّ فَخِذكَ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ). خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَقَالَ: حَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ [[أي أقوى وأحسن سندا من حديث جرهد]]، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ اختلافهم. وحديث جرهد هذا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَبَّلَ سُرَّةَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَقَالَ: أُقَبِّلُ مِنْكَ مَا كَانَ رسول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ مِنْكَ. فَلَوْ كَانَتِ السُّرَّةُ عَوْرَةً مَا قَبَّلَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَا مَكَّنَهُ الْحَسَنُ مِنْهَا. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ فَعَوْرَةٌ كُلُّهَا إِلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ. عَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ العلم. وقد قال النبي صلى: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلْيَنْظُرْ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا). وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ كَشْفُهُ فِي الْإِحْرَامِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هشام: كشيء مِنَ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ حَتَّى ظُفْرَهَا. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نَحْوُهُ. وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُهُ- يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ- يُسْأَلُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ كَيْفَ تُصَلِّي؟ فَقَالَ: تُغَطِّي رَأْسَهَا وَقَدَمَيْهَا، لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ، وَتُصَلِّي كَمَا تُصَلِّي الْحُرَّةُ. وَأَمَّا الْأَمَةُ فَالْعَوْرَةُ مِنْهَا ما تحت ثديها، وَلَهَا أَنْ تُبْدِيَ رَأْسَهَا وَمِعْصَمَيْهَا. وَقِيلَ: حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ لَهَا كَشْفُ رَأْسِهَا وَصَدْرِهَا. وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ الْإِمَاءَ عَلَى تَغْطِيَتِهِنَّ رُءُوسَهُنَّ وَيَقُولُ: لَا تَشَبَّهْنَ بِالْحَرَائِرِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنِ انْكَشَفَ فَخِذُهَا أَعَادَتِ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: كُلُّ شي مِنَ الْأَمَةِ عَوْرَةٌ حَتَّى ظُفْرَهَا. وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ وَيَدَاهَا وَوَجْهُهَا مَكْشُوفٌ ذَلِكَ كُلُّهُ، تُبَاشِرُ الْأَرْضَ بِهِ. فَالْأَمَةُ أَوْلَى، وَأُمُّ الْوَلَدِ أَغْلَظُ حَالًا مِنَ الْأَمَةِ. وَالصَّبِيُّ الصَّغِيرُ لَا حُرْمَةَ لِعَوْرَتِهِ. فَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى حَدٍّ تَأْخُذُهَا الْعَيْنُ وَتُشْتَهَى سَتَرَتْ عَوْرَتَهَا. وَحُجَّةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قول تَعَالَى:" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [[راجع ج ١٤ ص ٢٤١.]] ". وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ: مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فقالت: تصلي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ السَّابِغِ الَّذِي يُغَيِّبُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا. وَالَّذِينَ أَوْقَفُوهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أُمِّهِ [[في ب: عن أبيه. وقد روى عن أبيه وأمه.]] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَ حَدِيثِهِ. وَالْإِجْمَاعُ فِي هَذَا الْبَابِ أَقْوَى مِنَ الْخَبَرِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً﴾ يَعْنِي الْمَطَرَ الَّذِي يُنْبِتُ الْقُطْنَ وَالْكَتَّانَ، وَيُقِيمُ الْبَهَائِمَ [[كذا في الأصول. ولعل الصواب: التي.]] الَّذِي مِنْهَا الْأَصْوَافُ وَالْأَوْبَارُ وَالْأَشْعَارُ، فَهُوَ مَجَازٌ مِثْلُ" وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [[راجع ج ١٥ ص ٢٣٤.]] "عَلَى مَا يَأْتِي. وَقِيلَ: هَذَا الْإِنْزَالُ إنزال شي اللِّبَاسِ مَعَ آدَمَ وَحَوَّاءَ، لِيَكُونَ مِثَالًا لِغَيْرِهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:" أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ" (أَيْ [[من ك.]]) خَلَقْنَا لَكُمْ، كَقَوْلِهِ: "وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ" أَيْ خَلَقَ. عَلَى مَا يَأْتِي. وَقِيلَ: أَلْهَمْنَاكُمْ كَيْفِيَّةَ صَنْعَتِهِ. الثَّالِثَة- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرِيشاً﴾ قَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْحَسَنُ وَعَاصِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ، وَأَبُو عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ "وَرِيَاشًا". وَلَمْ يَحْكِهِ أَبُو عُبَيْدٍ [[في ك: أبو عبد الرحمن.]] إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ، وَلَمْ يُفَسِّرْ مَعْنَاهُ. وَهُوَ جَمْعُ رِيشٍ. وَهُوَ مَا كَانَ مِنَ الْمَالِ وَاللِّبَاسِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: رِيشٌ وَرِيَاشٌ، كَمَا يُقَالُ: لِبْسٌ وَلِبَاسٌ. وَرِيشُ الطَّائِرِ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وَقِيلَ: هُوَ الْخِصْبُ وَرَفَاهِيَةُ الْعَيْشِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الرِّيشَ مَا سَتَرَ مِنْ لِبَاسٍ أَوْ مَعِيشَةٍ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
فَرِيشِي مِنْكُمْ وَهَوَايَ مَعْكُمْ ... وإن كانت زياتكم لِمَامًا
وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: وهت لَهُ دَابَّةً بِرِيشِهَا، أَيْ بِكِسْوَتِهَا وَمَا عَلَيْهَا من اللباس. الرابعة- قوله تعالى: (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) بَيَّنَ أَنَّ التَّقْوَى خَيْرُ لِبَاسٍ، كَمَا قَالَ:
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيَابًا مِنَ التُّقَى ... تقلب عيانا وَإِنْ كَانَ كَاسِيًا
وَخَيْرُ لِبَاسِ الْمَرْءِ طَاعَةُ رَبِّهِ ... وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا
وَرَوَى قَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ عَوْفٍ عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: "لِباسُ التَّقْوى " الْحَيَاءُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لِباسُ التَّقْوى " هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ. وعنه أيضا: السمت الحسن فِي الْوَجْهِ. وَقِيلَ: مَا عَلَّمَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهَدَى بِهِ. وَقِيلَ: "لِباسُ التَّقْوى " لُبْسُ الصُّوفِ وَالْخَشِنِ مِنَ الثِّيَابِ، مِمَّا يُتَوَاضَعُ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيُتَعَبَّدُ لَهُ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "لِباسُ التَّقْوى " الدِّرْعُ وَالْمِغْفَرُ، وَالسَّاعِدَانِ، وَالسَّاقَانِ، يُتَّقَى بِهِمَا فِي الْحَرْبِ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: هُوَ الْخَشْيَةُ لِلَّهِ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِشْعَارُ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ. قُلْتُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُرْوَةَ. وَقَوْلُ زَيْدِ بن علي حسن، فإنه خض عَلَى الْجِهَادِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ. وَهَذَا فِيهِ تَكْرَارٌ، إِذْ قَالَ أَوَّلًا: "قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ". وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لُبْسُ الْخَشِنِ مِنَ الثِّيَابِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ الرَّعُونَاتِ فَدَعْوَى، فَقَدْ كَانَ الْفُضَلَاءُ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَلْبَسُونَ الرَّفِيعَ مِنَ الثِّيَابِ مَعَ حُصُولِ التَّقْوَى، عَلَى مَا يَأْتِي مُبَيَّنًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكِسَائِيُّ "لِبَاسَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى "لِباساً" الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: انْتَصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أَيْ وَأَنْزَلْنَا لِبَاسَ التَّقْوَى. وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَ "ذلِكَ" نَعْتُهُ وَ "خَيْرٌ" خَبَرُ الِابْتِدَاءِ. وَالْمَعْنَى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى الْمُشَارُ إِلَيْهِ، الَّذِي عَلِمْتُمُوهُ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ لِبَاسِ الثِّيَابِ الَّتِي تُوَارِي سَوْآتِكُمْ، وَمِنَ الرِّيَاشِ الَّذِي أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ، فَالْبَسُوهُ. وَقِيلَ: ارْتَفَعَ بِإِضْمَارِ هُوَ، أَيْ وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، أَيْ هُوَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ. وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلِبَاسُ التَّقْوَى هُوَ خَيْرٌ، فَ "ذلِكَ" بِمَعْنَى هُوَ. وَالْإِعْرَابُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "وَلِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ" وَلَمْ يَقْرَأْ "ذلِكَ". وَهُوَ خِلَافُ الْمُصْحَفِ.
(ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) أَيْ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا. وَ "ذلِكَ" رَفْعٌ عَلَى الصِّفَةِ، أَوْ عَلَى الْبَدَلِ، أَوْ عطف بيان.
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ أَيْ لَا يَصْرِفَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ عَنِ الدِّينِ، كَمَا فَتَنَ أَبَوَيْكُمْ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْجَنَّةِ. "أَبٌ" لِلْمُذَكَّرِ، وَ "أَبَةٌ" لِلْمُؤَنَّثِ. فَعَلَى هَذَا قِيلَ: أَبَوَانِ (ينزع عنهما لباسهما) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. وَيَكُونُ مُسْتَأْنَفًا فَيُوقَفُ عَلَى "مِنَ الْجَنَّةِ". "لِيُرِيَهُما" نُصِبَ بِلَامِ كي.
(إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ) الأصل يرءاكم ثم خففت الهمزة. وقبيله عطف على المضمر وهو توكيد ليحسن العطف كقوله: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) وهذا يدل على أنه يقبح رأيتك وعمرو، وأن المضمر كالمظهر وَفِي هَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، لِقَوْلِهِ: (يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما). قَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّمَا فِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ زَوَالِ النِّعْمَةِ، كَمَا نَزَلَ بِآدَمَ. هَذَا أَنْ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ شَرْعَ آدَمَ يَلْزَمُنَا، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ "قَبِيلُهُ" جُنُودُهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ. ابْنُ زَيْدٍ: "قَبِيلُهُ" نَسْلُهُ. وَقِيلَ: جِيلُهُ. مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ لَا يُرَوْنَ، لِقَوْلِهِ "مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ" قِيلَ: جَائِزٌ أَنْ يُرَوْا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَشَفَ أَجْسَامَهُمْ حَتَّى تُرَى. قَالَ النَّحَّاسُ: "مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ لَا يُرَوْنَ إِلَّا فِي وَقْتِ نَبِيٍّ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ. وَذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا فِي وَقْتِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ بَنِي آدَمَ لَا يَرَوْنَ الشَّيَاطِينَ الْيَوْمَ. وَفِي الْخَبَرِ (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ). وَقَالَ تَعَالَى:" الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [[راجع ج ٢٠ ص ٢٦٣.]] ". وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةً وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةً- أَيْ بِالْقَلْبِ- فَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بالشر وتكذيب بالحق (. وقد تقدم فِي الْبَقَرَةِ [[راجع ج ٣ ص ٣٢٩. وص ٢٦٩.]]. وَقَدْ جَاءَ فِي رُؤْيَتِهِمْ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ. وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، وَذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ أَخَذَ الْجِنِّيَّ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُ التَّمْرَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: (مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) - فِي الْعِفْرِيتِ الَّذِي تَفَلَّتَ [[أي تعرض بغتة.]] عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي فِي "ص" إِنْ [[في قوله تعالى: "قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي ... " ج ١٥ ص ٢٠٤.]] شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) أَيْ زِيَادَةً فِي عُقُوبَتِهِمْ وَسَوَّيْنَا بَيْنَهُمْ فِي الذَّهَابِ عن الحق.
الفاحشة هنا في قول كثر الْمُفَسِّرِينَ طَوَافُهُمْ بِالْبَيْتِ عُرَاةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ. وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِتَقْلِيدِهِمْ أَسْلَافَهُمْ، وَبِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: "وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها" قَالُوا: لَوْ كَرِهَ اللَّهُ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَنَقَلَنَا عَنْهُ.
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) بَيَّنَ أَنَّهُمْ مُتَحَكِّمُونَ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِمَا ادَّعَوْا. وَقَدْ مَضَى ذَمُّ التَّقْلِيدِ وَذَمُّ كَثِيرٍ من جهالاتهم. وهذا منها.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: القسط العدل، أي أمر: العدل فَأَطِيعُوهُ. فَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ.
(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ) أَيْ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِلَى الْقِبْلَةِ.
(عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) أَيْ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كُنْتُمْ.
(وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ) الدِّينَ أَيْ وَحِّدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ.
(كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) نَظِيرُهُ" وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [[راجع ص ٤٢ من هذا الجزء.]] " وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ تَعُودُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ، أَيْ كَمَا خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يُعِيدُكُمْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ أَيْ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ.
(فَرِيقاً هَدى) "فَرِيقاً" نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمُضْمَرِ فِي "تَعُودُونَ" أَيْ تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ: سُعَدَاءَ، وَأَشْقِيَاءَ. يُقَوِّي هَذَا قِرَاءَةُ أُبَيٍّ "تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ"، عَنِ الْكِسَائِيِّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ [[من البحر.]] كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ" قَالَ: مَنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَهُ لِلضَّلَالَةِ صَيَّرَهُ إِلَى الضَّلَالَةِ، وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الْهُدَى. وَمَنِ ابْتَدَأَ اللَّهَ خَلْقَهُ عَلَى الْهُدَى صَيَّرَهُ إِلَى الْهُدَى، وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الضَّلَالَةِ. ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَ إِبْلِيسَ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَعَمِلَ بِأَعْمَالِ السَّعَادَةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى مَا ابْتَدَأَ عَلَيْهِ خَلْقَهُ. قَالَ: "وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ" وَفِي هَذَا رَدٌّ وَاضِحٌ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ تَابِعْهُمْ. وَقِيلَ: "فَرِيقاً" نُصِبَ بِ "هَدى "، "وَفَرِيقاً" الثَّانِي نُصِبَ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ وَأَضَلَّ فَرِيقًا. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا ... أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إِنْ نَفَرَا
وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا [[البيتان للربيع بن ضبع الفزاري. وصف فيهما انتهاء شبيبته وذهاب قوته.]]
قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا [[أي في مثل هذا التركيب في غير كلام الله.]] لَجَازَ.
(إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقرأ عيسى بن عمر: "أنهم" بالهمزة، يعني لأنهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: القسط العدل، أي أمر: العدل فَأَطِيعُوهُ. فَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ.
(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ) أَيْ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِلَى الْقِبْلَةِ.
(عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) أَيْ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كُنْتُمْ.
(وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ) الدِّينَ أَيْ وَحِّدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ.
(كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) نَظِيرُهُ" وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [[راجع ص ٤٢ من هذا الجزء.]] " وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ تَعُودُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ، أَيْ كَمَا خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يُعِيدُكُمْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ أَيْ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ.
(فَرِيقاً هَدى) "فَرِيقاً" نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمُضْمَرِ فِي "تَعُودُونَ" أَيْ تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ: سُعَدَاءَ، وَأَشْقِيَاءَ. يُقَوِّي هَذَا قِرَاءَةُ أُبَيٍّ "تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ"، عَنِ الْكِسَائِيِّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ [[من البحر.]] كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ" قَالَ: مَنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَهُ لِلضَّلَالَةِ صَيَّرَهُ إِلَى الضَّلَالَةِ، وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الْهُدَى. وَمَنِ ابْتَدَأَ اللَّهَ خَلْقَهُ عَلَى الْهُدَى صَيَّرَهُ إِلَى الْهُدَى، وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الضَّلَالَةِ. ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَ إِبْلِيسَ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَعَمِلَ بِأَعْمَالِ السَّعَادَةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى مَا ابْتَدَأَ عَلَيْهِ خَلْقَهُ. قَالَ: "وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ" وَفِي هَذَا رَدٌّ وَاضِحٌ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ تَابِعْهُمْ. وَقِيلَ: "فَرِيقاً" نُصِبَ بِ "هَدى "، "وَفَرِيقاً" الثَّانِي نُصِبَ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ وَأَضَلَّ فَرِيقًا. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا ... أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إِنْ نَفَرَا
وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا [[البيتان للربيع بن ضبع الفزاري. وصف فيهما انتهاء شبيبته وذهاب قوته.]]
قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا [[أي في مثل هذا التركيب في غير كلام الله.]] لَجَازَ.
(إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقرأ عيسى بن عمر: "أنهم" بالهمزة، يعني لأنهم.