Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Al-Insaan
Tafseer Al Qurtubi · Man · 31 ayat · ayat 31–31 · Quran text →
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ هذِهِ أَيِ السُّورَةُ تَذْكِرَةٌ أَيْ مَوْعِظَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أَيْ طَرِيقًا مُوَصِّلًا إِلَى طَاعَتِهِ وَطَلَبِ مَرْضَاتِهِ. وَقِيلَ: سَبِيلًا أَيْ وَسِيلَةً. وَقِيلَ وِجْهَةً وَطَرِيقًا إِلَى الجنة [[في ب، ز، ط: إلى الخير.]]. والمعنى واحد. وَما تَشاؤُنَ أَيِ الطَّاعَةَ وَالِاسْتِقَامَةَ وَاتِّخَاذَ السَّبِيلِ إِلَى اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَمْرَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ لَيْسَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَا تَنْفُذُ مَشِيئَةُ أَحَدٍ وَلَا تَتَقَدَّمُ، إِلَّا أَنْ تَتَقَدَّمَ مَشِيئَتُهُ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو "وَمَا يشاءون" بِالْيَاءِ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ عَنْهُمْ. وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى مَعْنَى الْمُخَاطَبَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ بِالثَّانِيَةِ. وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ، بَلْ هُوَ تَبْيِينٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يكون إلا بمشيئته. قال الفراء: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أن الامر ليس إليهم فقال: وَما تَشاؤُنَ ذَلِكَ السَّبِيلَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لَكُمْ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بِأَعْمَالِكُمْ حَكِيماً فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ لَكُمْ. وَقَدْ مَضَى فِي غَيْرِ موضع.
يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ أَيْ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ رَاحِمًا لَهُ وَالظَّالِمِينَ أَيْ وَيُعَذِّبُ الظَّالِمِينَ فَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ يُعَذِّبُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: نَصَبَ الظَّالِمِينَ لان قبله منصوب، أَيْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَيُعَذِّبُ الظَّالِمِينَ أَيِ الْمُشْرِكِينَ وَيَكُونُ أَعَدَّ لَهُمْ تَفْسِيرًا لِهَذَا الْمُضْمَرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا ... أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إِنْ نَفَرَا
وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا
أَيْ أَخْشَى الذِّئْبَ أَخْشَاهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالِاخْتِيَارُ النَّصْبُ وَإِنْ جَازَ الرَّفْعُ، تَقُولُ: أَعْطَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا أَعْدَدْتُ لَهُ بِرًّا، فَيُخْتَارُ النَّصْبُ، أَيْ وَبَرَرْتُ عَمْرًا أَوْ أَبَرُّ عَمْرًا. وَقَوْلُهُ فِي "حم عسق": يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ [الشورى: ٨] ارْتَفَعَ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيُنْصَبُ فِي الْمَعْنَى، فَلَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ على المنصوب قبله فارتفع بالابتداء. وها هنا قَوْلُهُ: أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً يَدُلُّ عَلَى وَيُعَذِّبُ، فَجَازَ النَّصْبُ. وَقَرَأَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ (وَالظَّالِمُونَ) رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ أَعَدَّ لَهُمْ. عَذاباً أَلِيماً أَيْ مُؤْلِمًا مُوجِعًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ١٩٨]] وَغَيْرِهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. خُتِمَتِ السُّورَةُ.