Islam · Tafsir · Tafseer Al Qurtubi
Surah Abasa
Tafseer Al Qurtubi · He frowned · 42 ayat · ayat 31–42 · Quran text →
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ﴾ لَمَّا ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ابْتِدَاءَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ذَكَرَ مَا يَسَّرَ مِنْ رِزْقِهِ، أَيْ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعَامَهُ. وَهَذَا النَّظَرُ نَظَرُ الْقَلْبِ بِالْفِكْرِ، أَيْ لِيَتَدَبَّرْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعَامَهُ الَّذِي هُوَ قِوَامُ حَيَاتِهِ، وَكَيْفَ هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَ الْمَعَاشِ، لِيَسْتَعِدَّ بِهَا لِلْمَعَادِ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ قَالَا: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَيْ إِلَى مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: [يَا ضَحَّاكُ مَا طَعَامُكَ [قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اللَّحْمُ وَاللَّبَنُ، قَالَ: [ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى مَاذَا [قُلْتُ إِلَى مَا قَدْ عَلِمْتَهُ، قَالَ: [فَإِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَا يَخْرُجُ مِنَ ابْنِ آدَمَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا [. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: [إِنَّ مَطْعَمَ ابْنِ آدَمَ جُعِلَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا وَإِنْ قَزَحَهُ [[قزحه: أي تبله من القزح وهو التابل الذي يطرح في القدر كالكمون والكزبرة ونحو ذلك. والمعنى: إن المطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته وتطييبه فإنه عائد إلى حال يكره ويستقذر فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها ونظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار النهاية.]] وَمَلَّحَهُ فَانْظُرْ إِلَى مَا يَصِيرُ [. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَيَنْظُرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، قَالَ: يَأْتِيهِ الْمَلَكُ فَيَقُولُ انْظُرْ مَا بَخِلْتَ بِهِ إِلَى مَا صار؟ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا﴾ قِرَاءَةُ العامة "إناء" بِالْكَسْرِ، عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (أَنَّا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، فَ- أَنَّا فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى التَّرْجَمَةِ عَنِ الطَّعَامِ، فَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ إِلَى أَنَّا صَبَبْنَا فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى طَعامِهِ مِنْ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ رَفَعْتَ أَنَّا بِإِضْمَارِ هُوَ أَنَّا صَبَبْنَا، لِأَنَّهَا فِي حَالِ رَفْعِهَا مُتَرْجِمَةٌ عَنِ الطَّعَامِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: لِأَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ، فَأَخْرَجْنَا بِهِ الطَّعَامَ، أَيْ كَذَلِكَ كَانَ. وَقَرَأَ الْحُسَيْنُ [[في ب، ز: قرأ بعض القراء.]] بْنُ عَلِيٍّ "أني" ممال، بِمَعْنَى كَيْفَ؟ فَمَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَالَ: الْوَقْفُ عَلَى طَعامِهِ تَامٌّ. وَيُقَالُ: مَعْنَى "أَنَّى" أَيْنَ، إِلَّا أَنَّ فِيهَا كِنَايَةً عَنِ الْوُجُوهِ، وَتَأْوِيلُهَا: مِنْ أَيِّ وَجْهٍ صَبَبْنَا الْمَاءَ، قَالَ الْكُمَيْتُ:
أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ آبَكَ [[آبك: أتاك. الريب: صروغ الدهر.]] الطَّرَبُ ... مِنْ حَيْثُ لَا صَبْوَةٌ وَلَا رِيَبُ
صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا: يَعْنِي الْغَيْثَ وَالْأَمْطَارَ.
(ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا): أَيْ بِالنَّبَاتِ (فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا) أَيْ قَمْحًا وَشَعِيرًا [[السلت (بالضم): ضرب من الشعير.]] وَسُلْتًا وَسَائِرَ مَا يُحْصَدُ وَيُدَّخَرُ (وَعِنَباً وَقَضْباً) وَهُوَ الْقَتُّ وَالْعَلَفَ، عَنِ الْحَسَنِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقْضَبُ أَيْ يُقْطَعُ بَعْدَ ظُهُورِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قَالَ الْقُتَبِيُّ وَثَعْلَبٌ: وَأَهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ الْقَتَّ الْقَضْبَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الرُّطَبُ لِأَنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ: وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ الْعِنَبُ قَبْلَهُ. وَعَنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ الْفِصْفِصَةُ وَهُوَ الْقَتُّ الرُّطَبُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْقَضْبُ الْفِصْفِصَةُ الرَّطْبَةُ. وَقِيلَ: بِالسِّينِ، فَإِذَا يَبِسَتْ فَهُوَ قَتٌّ. قَالَ: وَالْقَضْبُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلَى مَا يُقْضَبُ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ، لِيُتَّخَذَ مِنْهَا سِهَامٌ أَوْ قِسِيٌّ. وَيُقَالُ: قَضْبًا، يَعْنِي جَمِيعَ مَا يُقْضَبُ، مِثْلَ الْقَتِّ وَالْكُرَّاثِ وَسَائِرِ الْبُقُولِ الَّتِي تُقْطَعُ فَيَنْبُتُ أَصْلُهَا. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالْقَضْبَةُ وَالْقَضْبُ الرَّطْبَةُ، وَهِيَ الْإِسْفِسْتُ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَالْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهِ مَقْضَبَةٌ. وَزَيْتُوناً وَهِيَ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ وَنَخْلًا يعني النخيل وَحَدائِقَ أي بساتين واحدها حديقة. قال الكلبي: وكل شي أُحِيطَ عَلَيْهِ مِنْ نَخِيلٍ أَوْ شَجَرٍ فَهُوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يُحَطْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِحَدِيقَةٍ. غُلْباً عِظَامًا شَجَرُهَا، يُقَالُ: شَجَرَةٌ غَلْبَاءُ، وَيُقَالُ لِلْأَسَدِ: الْأَغْلَبُ، لِأَنَّهُ مُصْمَتُ الْعُنُقِ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَّا جَمِيعًا، قَالَ الْعَجَّاجُ:
مَا زِلْتُ يَوْمَ الْبَيْنَ أَلْوِي صُلْبِي ... وَالرَّأْسَ حَتَّى صِرْتُ مِثْلَ الْأَغْلَبِ
وَرَجُلٌ أَغْلَبٌ بَيِّنُ الْغَلَبِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ. وَالْأَصْلُ فِي الْوَصْفِ بِالْغَلَبِ: الرِّقَابُ فاستعير، قال قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبٍ:
يَمْشِي بِهَا غُلْبَ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ ... بُزْلٌ كُسَيْنَ مِنَ الْكَحِيلِ جِلَالَا [[الكحيل: نوع من القطران تطلى به الإبل للجرب ولا يستعمل إلا مصغرا. وجل الدابة: الذي تلبسه لتصان به والجمع جلال وإجلال.]]
وَحَدِيقَةٌ غَلْبَاءُ: مُلْتَفَّةٌ وَحَدَائِقُ غُلْبٌ. وَاغْلَوْلَبَ الْعُشْبُ: بَلَغَ وَالْتَفَّ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغُلْبُ: جَمْعُ أَغْلَبَ وَغَلْبَاءَ وَهِيَ الْغِلَاظُ. وَعَنْهُ أَيْضًا الطِّوَالُ. قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: الْغُلْبُ: النَّخْلُ الْكِرَامُ. وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا وَعِكْرِمَةَ: عِظَامُ الْأَوْسَاطِ وَالْجُذُوعِ. مُجَاهِدٌ: مُلْتَفَّةٌ. وَفاكِهَةً أَيْ مَا تَأْكُلُهُ النَّاسُ مِنْ ثِمَارِ الْأَشْجَارِ كَالتِّينِ وَالْخَوْخِ وَغَيْرِهِمَا وَأَبًّا هُوَ مَا تَأْكُلُهُ الْبَهَائِمُ مِنَ الْعُشْبِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: الْأَبُّ: كُلُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا لَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ، مَا يَأْكُلُهُ الْآدَمِيُّونَ هُوَ الْحَصِيدُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ:
لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُهَا الصَّبَا ... بِهَا يُنْبِتُ اللَّهُ الْحَصِيدَةَ وَالْأَبَّا
وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ أَبًّا، لِأَنَّهُ يَؤُبُّ أَيْ يَؤُمُّ وَيُنْتَجَعُ. وَالْأَبُ وَالْأُمُّ: أَخَوَانِ، قَالَ:
جِذْمُنَا قَيْسٌ وَنَجْدٌ دَارُنَا ... وَلَنَا الْأَبُّ بِهِ وَالْمَكْرَعُ»
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: والأب: كل شي يُنْبَتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِينٍ: هُوَ النَّبَاتُ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَبُّ: مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِمَّا يأكل الناس والانعام.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَابْنِ أَبِي طَلْحَةَ: الْأَبُّ: الثِّمَارُ الرَّطْبَةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ التِّينُ خَاصَّةً. وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَمَا لَهُمْ مَرْتَعٌ لِلَسَّوَا [[السوام والسائمة: المال الراعي من الإبل والغنم وغيرهما.]] ... مِ وَالْأَبُّ عِنْدَهُمْ يُقْدَرُ
الْكَلْبِيُّ: هُوَ كُلُّ نَبَاتٍ سِوَى الْفَاكِهَةِ. وَقِيلَ: الْفَاكِهَةُ: رَطْبُ الثِّمَارِ، وَالْأَبُّ يَابِسُهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ تَفْسِيرِ الْفَاكِهَةِ وَالْأَبِّ فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ: فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ. وَقَالَ أَنَسٌ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: كُلُّ هَذَا قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ رَفَعَ عَصًا كَانَتْ بِيَدِهِ وَقَالَ: هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ التَّكَلُّفُ، وَمَا عَلَيْكَ يَا بْنَ أُمِّ عُمَرَ أَلَّا تَدْرِيَ مَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: اتَّبِعُوا مَا بُيِّنَ لَكُمْ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَمَا لَا فَدَعُوهُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: [خُلِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ، وَرُزِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ، فَاسْجُدُوا لِلَّهِ عَلَى سَبْعٍ [. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: [خُلِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ [يَعْنِي مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ [الحج: ٥] الْآيَةَ، وَالرِّزْقُ مِنْ سَبْعٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً إِلَى قَوْلِهِ: وَفاكِهَةً ثُمَّ قَالَ: وَأَبًّا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرِزْقٍ لِابْنِ آدَمَ، وَأَنَّهُ مِمَّا تَخْتَصُّ بِهِ الْبَهَائِمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَتاعاً لَكُمْ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُؤَكِّدِ، لِأَنَّ إِنْبَاتَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِمْتَاعٌ لِجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ. وَهَذَا ضَرْبُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِبَعْثِ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ، كَنَبَاتِ الزَّرْعِ بَعْدَ دُثُورِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَيَتَضَمَّنُ امْتِنَانًا عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ، وَقَدْ مَضَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ﴾ لَمَّا ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ابْتِدَاءَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ذَكَرَ مَا يَسَّرَ مِنْ رِزْقِهِ، أَيْ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعَامَهُ. وَهَذَا النَّظَرُ نَظَرُ الْقَلْبِ بِالْفِكْرِ، أَيْ لِيَتَدَبَّرْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعَامَهُ الَّذِي هُوَ قِوَامُ حَيَاتِهِ، وَكَيْفَ هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَ الْمَعَاشِ، لِيَسْتَعِدَّ بِهَا لِلْمَعَادِ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ قَالَا: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَيْ إِلَى مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: [يَا ضَحَّاكُ مَا طَعَامُكَ [قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اللَّحْمُ وَاللَّبَنُ، قَالَ: [ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى مَاذَا [قُلْتُ إِلَى مَا قَدْ عَلِمْتَهُ، قَالَ: [فَإِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَا يَخْرُجُ مِنَ ابْنِ آدَمَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا [. وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: [إِنَّ مَطْعَمَ ابْنِ آدَمَ جُعِلَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا وَإِنْ قَزَحَهُ [[قزحه: أي تبله من القزح وهو التابل الذي يطرح في القدر كالكمون والكزبرة ونحو ذلك. والمعنى: إن المطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته وتطييبه فإنه عائد إلى حال يكره ويستقذر فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها ونظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار النهاية.]] وَمَلَّحَهُ فَانْظُرْ إِلَى مَا يَصِيرُ [. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَيَنْظُرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، قَالَ: يَأْتِيهِ الْمَلَكُ فَيَقُولُ انْظُرْ مَا بَخِلْتَ بِهِ إِلَى مَا صار؟ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا﴾ قِرَاءَةُ العامة "إناء" بِالْكَسْرِ، عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (أَنَّا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، فَ- أَنَّا فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى التَّرْجَمَةِ عَنِ الطَّعَامِ، فَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ إِلَى أَنَّا صَبَبْنَا فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى طَعامِهِ مِنْ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ رَفَعْتَ أَنَّا بِإِضْمَارِ هُوَ أَنَّا صَبَبْنَا، لِأَنَّهَا فِي حَالِ رَفْعِهَا مُتَرْجِمَةٌ عَنِ الطَّعَامِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: لِأَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ، فَأَخْرَجْنَا بِهِ الطَّعَامَ، أَيْ كَذَلِكَ كَانَ. وَقَرَأَ الْحُسَيْنُ [[في ب، ز: قرأ بعض القراء.]] بْنُ عَلِيٍّ "أني" ممال، بِمَعْنَى كَيْفَ؟ فَمَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَالَ: الْوَقْفُ عَلَى طَعامِهِ تَامٌّ. وَيُقَالُ: مَعْنَى "أَنَّى" أَيْنَ، إِلَّا أَنَّ فِيهَا كِنَايَةً عَنِ الْوُجُوهِ، وَتَأْوِيلُهَا: مِنْ أَيِّ وَجْهٍ صَبَبْنَا الْمَاءَ، قَالَ الْكُمَيْتُ:
أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ آبَكَ [[آبك: أتاك. الريب: صروغ الدهر.]] الطَّرَبُ ... مِنْ حَيْثُ لَا صَبْوَةٌ وَلَا رِيَبُ
صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا: يَعْنِي الْغَيْثَ وَالْأَمْطَارَ.
(ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا): أَيْ بِالنَّبَاتِ (فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا) أَيْ قَمْحًا وَشَعِيرًا [[السلت (بالضم): ضرب من الشعير.]] وَسُلْتًا وَسَائِرَ مَا يُحْصَدُ وَيُدَّخَرُ (وَعِنَباً وَقَضْباً) وَهُوَ الْقَتُّ وَالْعَلَفَ، عَنِ الْحَسَنِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقْضَبُ أَيْ يُقْطَعُ بَعْدَ ظُهُورِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قَالَ الْقُتَبِيُّ وَثَعْلَبٌ: وَأَهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ الْقَتَّ الْقَضْبَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الرُّطَبُ لِأَنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ: وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ الْعِنَبُ قَبْلَهُ. وَعَنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ الْفِصْفِصَةُ وَهُوَ الْقَتُّ الرُّطَبُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْقَضْبُ الْفِصْفِصَةُ الرَّطْبَةُ. وَقِيلَ: بِالسِّينِ، فَإِذَا يَبِسَتْ فَهُوَ قَتٌّ. قَالَ: وَالْقَضْبُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلَى مَا يُقْضَبُ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ، لِيُتَّخَذَ مِنْهَا سِهَامٌ أَوْ قِسِيٌّ. وَيُقَالُ: قَضْبًا، يَعْنِي جَمِيعَ مَا يُقْضَبُ، مِثْلَ الْقَتِّ وَالْكُرَّاثِ وَسَائِرِ الْبُقُولِ الَّتِي تُقْطَعُ فَيَنْبُتُ أَصْلُهَا. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالْقَضْبَةُ وَالْقَضْبُ الرَّطْبَةُ، وَهِيَ الْإِسْفِسْتُ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَالْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهِ مَقْضَبَةٌ. وَزَيْتُوناً وَهِيَ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ وَنَخْلًا يعني النخيل وَحَدائِقَ أي بساتين واحدها حديقة. قال الكلبي: وكل شي أُحِيطَ عَلَيْهِ مِنْ نَخِيلٍ أَوْ شَجَرٍ فَهُوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يُحَطْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِحَدِيقَةٍ. غُلْباً عِظَامًا شَجَرُهَا، يُقَالُ: شَجَرَةٌ غَلْبَاءُ، وَيُقَالُ لِلْأَسَدِ: الْأَغْلَبُ، لِأَنَّهُ مُصْمَتُ الْعُنُقِ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَّا جَمِيعًا، قَالَ الْعَجَّاجُ:
مَا زِلْتُ يَوْمَ الْبَيْنَ أَلْوِي صُلْبِي ... وَالرَّأْسَ حَتَّى صِرْتُ مِثْلَ الْأَغْلَبِ
وَرَجُلٌ أَغْلَبٌ بَيِّنُ الْغَلَبِ إِذَا كَانَ غَلِيظَ الرَّقَبَةِ. وَالْأَصْلُ فِي الْوَصْفِ بِالْغَلَبِ: الرِّقَابُ فاستعير، قال قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبٍ:
يَمْشِي بِهَا غُلْبَ الرِّقَابِ كَأَنَّهُمْ ... بُزْلٌ كُسَيْنَ مِنَ الْكَحِيلِ جِلَالَا [[الكحيل: نوع من القطران تطلى به الإبل للجرب ولا يستعمل إلا مصغرا. وجل الدابة: الذي تلبسه لتصان به والجمع جلال وإجلال.]]
وَحَدِيقَةٌ غَلْبَاءُ: مُلْتَفَّةٌ وَحَدَائِقُ غُلْبٌ. وَاغْلَوْلَبَ الْعُشْبُ: بَلَغَ وَالْتَفَّ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغُلْبُ: جَمْعُ أَغْلَبَ وَغَلْبَاءَ وَهِيَ الْغِلَاظُ. وَعَنْهُ أَيْضًا الطِّوَالُ. قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: الْغُلْبُ: النَّخْلُ الْكِرَامُ. وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا وَعِكْرِمَةَ: عِظَامُ الْأَوْسَاطِ وَالْجُذُوعِ. مُجَاهِدٌ: مُلْتَفَّةٌ. وَفاكِهَةً أَيْ مَا تَأْكُلُهُ النَّاسُ مِنْ ثِمَارِ الْأَشْجَارِ كَالتِّينِ وَالْخَوْخِ وَغَيْرِهِمَا وَأَبًّا هُوَ مَا تَأْكُلُهُ الْبَهَائِمُ مِنَ الْعُشْبِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: الْأَبُّ: كُلُّ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، مِمَّا لَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ، مَا يَأْكُلُهُ الْآدَمِيُّونَ هُوَ الْحَصِيدُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ:
لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُهَا الصَّبَا ... بِهَا يُنْبِتُ اللَّهُ الْحَصِيدَةَ وَالْأَبَّا
وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ أَبًّا، لِأَنَّهُ يَؤُبُّ أَيْ يَؤُمُّ وَيُنْتَجَعُ. وَالْأَبُ وَالْأُمُّ: أَخَوَانِ، قَالَ:
جِذْمُنَا قَيْسٌ وَنَجْدٌ دَارُنَا ... وَلَنَا الْأَبُّ بِهِ وَالْمَكْرَعُ»
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: والأب: كل شي يُنْبَتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِينٍ: هُوَ النَّبَاتُ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَبُّ: مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِمَّا يأكل الناس والانعام.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَابْنِ أَبِي طَلْحَةَ: الْأَبُّ: الثِّمَارُ الرَّطْبَةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ التِّينُ خَاصَّةً. وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَمَا لَهُمْ مَرْتَعٌ لِلَسَّوَا [[السوام والسائمة: المال الراعي من الإبل والغنم وغيرهما.]] ... مِ وَالْأَبُّ عِنْدَهُمْ يُقْدَرُ
الْكَلْبِيُّ: هُوَ كُلُّ نَبَاتٍ سِوَى الْفَاكِهَةِ. وَقِيلَ: الْفَاكِهَةُ: رَطْبُ الثِّمَارِ، وَالْأَبُّ يَابِسُهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ تَفْسِيرِ الْفَاكِهَةِ وَالْأَبِّ فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ: فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ. وَقَالَ أَنَسٌ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: كُلُّ هَذَا قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ رَفَعَ عَصًا كَانَتْ بِيَدِهِ وَقَالَ: هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ التَّكَلُّفُ، وَمَا عَلَيْكَ يَا بْنَ أُمِّ عُمَرَ أَلَّا تَدْرِيَ مَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: اتَّبِعُوا مَا بُيِّنَ لَكُمْ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَمَا لَا فَدَعُوهُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: [خُلِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ، وَرُزِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ، فَاسْجُدُوا لِلَّهِ عَلَى سَبْعٍ [. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: [خُلِقْتُمْ مِنْ سَبْعٍ [يَعْنِي مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ [الحج: ٥] الْآيَةَ، وَالرِّزْقُ مِنْ سَبْعٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً إِلَى قَوْلِهِ: وَفاكِهَةً ثُمَّ قَالَ: وَأَبًّا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرِزْقٍ لِابْنِ آدَمَ، وَأَنَّهُ مِمَّا تَخْتَصُّ بِهِ الْبَهَائِمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَتاعاً لَكُمْ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُؤَكِّدِ، لِأَنَّ إِنْبَاتَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِمْتَاعٌ لِجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ. وَهَذَا ضَرْبُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِبَعْثِ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ، كَنَبَاتِ الزَّرْعِ بَعْدَ دُثُورِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَيَتَضَمَّنُ امْتِنَانًا عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ، وَقَدْ مَضَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ لَمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَاشِ ذَكَرَ أَمْرَ الْمَعَادِ، لِيَتَزَوَّدُوا لَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَبِالْإِنْفَاقِ مِمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَالصَّاخَّةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَكُونُ عَنْهَا الْقِيَامَةُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ: أَيْ تَصُمُّهَا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يُدْعَى بِهِ لِلْأَحْيَاءِ. وَذَكَرَ نَاسٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: تُصِيخُ لَهَا الْأَسْمَاعُ، مِنْ قَوْلِكَ: أَصَاخَ إِلَى كَذَا: أَيِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: [مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ [. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يُصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ ... إِصَاخَةَ الْمُنْشِدِ لِلْمُنْشِدِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلْقُدَمَاءِ، فَأَمَّا اللُّغَةُ فَمُقْتَضَاهَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الصَّاخَّةُ: صَيْحَةٌ تَصُخُّ الْآذَانَ (صَخًّا)؟ أَيْ تَصُمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ فِي اللُّغَةِ: الصَّكُّ الشَّدِيدُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صَخَّهُ بِالْحَجَرِ: إِذَا صَكَّهُ قَالَ الرَّاجِزُ:
يَا جَارَتِي هَلْ لَكِ أَنْ تُجَالِدِي ... جَلَادَةَ كَالصَّكِّ بِالْجَلَامِدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْعَرَبِ: صَخَّتْهُمُ الصَّاخَّةُ وَبَاتَّتْهُمُ الْبَائِتَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ. الطَّبَرِيُّ: وَأَحْسَبُهُ مِنْ صَخَّ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَصْمَاهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [[لم نجد كلام ابن العربي هذا في النسخة المطبوعة بمطبعة السعادة من كتابه (أحكام القرآن).]]: الصَّاخَّةُ الَّتِي تُورِثُ الصَّمَمَ، وَإِنَّهَا لَمُسْمِعَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْفَصَاحَةِ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ حَدِيثِي الْأَسْنَانَ حَدِيثِي الْأَزْمَانِ:
أَصَمَّ بِكَ، النَّاعِي وَإِنْ كان اسمعا
وقال آخر:
أضمني سِرُّهُمْ أَيَّامَ فُرْقَتِهِمْ ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا
لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ لَمُسْمِعَةٌ تُصِمُّ عَنِ الدُّنْيَا، وَتُسْمِعُ أُمُورَ الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أَيْ يهرب، أي تجئ الصَّاخَّةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَهْرُبُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ، أَيْ مِنْ مُوَالَاةِ أَخِيهِ وَمُكَالَمَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، لِاشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ بَعْدَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أَيْ يُشْغِلُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفِرُّ حَذَرًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمْ إِيَّاهُ، لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّبِعَاتِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يَرَوْا مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ. وَقِيلَ: لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [الدخان: ٤١]. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَبْهَرِيُّ: يَفِرُّ مِنْهُمْ لِمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، إِلَى مَنْ يَمْلِكُ كَشْفَ تِلْكَ الْكُرُوبِ وَالْهُمُومِ عَنْهُ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَا اعْتَمَدَ شَيْئًا سِوَى رَبِّهِ تَعَالَى.
(وَصاحِبَتِهِ) أَيْ زَوْجَتِهِ.
(وَبَنِيهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ. وَذَكَرَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَفِرُّ قَابِيلُ مِنْ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَيَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمِّهِ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ، وَنُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ ابْنِهِ، وَلُوطٌ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَآدَمُ مِنْ سَوْأَةِ بَنِيهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ، أَبِيهِ: إِبْرَاهِيمُ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ ابْنِهِ نُوحٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يَفِرُّ مِنَ امْرَأَتِهِ لُوطٌ. قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَارُ التَّبَرُّؤِ.
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: [يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ]. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: [يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا] فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا، أَوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: [يَا فُلَانَةُ] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ حَالٌ يَشْغَلُهُ عَنِ الْأَقْرِبَاءِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ "يَعْنِيهِ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، أَيْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِيهِ: يَصْرِفُهُ وَيَصُدُّهُ عَنْ قَرَابَتِهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اعْنِ عَنِّي وَجْهَكَ: أَيِ اصْرِفْهُ وَاعْنِ عَنِ السَّفِيهِ، قَالَ خُفَافٌ:
سَيَعْنِيكَ حَرْبُ بَنِي مَالِكٍ ... عَنِ الْفُحْشِ وَالْجَهْلِ فِي الْمَحْفِلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ، وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ. ضاحِكَةٌ أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ. مُسْتَبْشِرَةٌ: أَيْ بِمَا آتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسْفِرَةٌ مِنْ طُولِ مَا اغْبَرَّتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. الضَّحَّاكُ: مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: [مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ [يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ وَدُخَانٌ تَرْهَقُها أَيْ تَغْشَاهَا قَتَرَةٌ أَيْ كُسُوفٌ وَسَوَادٌ. كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ. وَالْقَتَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْغُبَارُ، جَمْعُ الْقَتَرَةِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنْشَدَ الْفَرَزْدَقُ:
مُتَوَّجٌ بِرِدَاءِ الْمُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّايَاتِ وَالْقَتَرَا
وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْبَهَائِمَ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُوِّلَ ذَلِكَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، الْقَتَرَةُ: مَا ارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْغَبَرَةُ: مَا انْحَطَّتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْغُبَارُ وَالْغَبَرَةُ: وَاحِدٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ جَمَعُ كَافِرٍ الْفَجَرَةُ جَمْعُ فَاجِرٍ، وَهُوَ الْكَاذِبُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْفَاسِقُ، [يُقَالُ [: فَجَرَ فُجُورًا: أَيْ فَسَقَ، وَفَجَرَ: أَيْ كَذَبَ. وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ، وَالْفَاجِرُ: الْمَائِلُ. وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. وَالْحَمْدُ لله وحده.