Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi
Surah Yusuf
Tafseer Al-Baghawi · Joseph · 111 ayat · ayat 61–90 · Quran text →
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أَيْ: حَمَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعِيرًا بِعُدَّتِهِمْ، ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ يعني ينيامين، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أَيْ: أُتِمُّهُ وَلَا أَبْخَسُ النَّاسَ شَيْئًا، فَأَزِيدُكُمْ حِمْلَ بِعِيرٍ لِأَجْلِ أَخِيكُمْ، وَأُكْرِمُ مَنْزِلَتَكُمْ وَأُحْسِنُ إِلَيْكُمْ، ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ خَيْرُ الْمُضِيفِينَ. وَكَانَ قَدْ أَحْسَنَ ضِيَافَتَهُمْ.
﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي طَعَامٌ أَكِيلُهُ لَكُمْ ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أَيْ: لَا تَقْرَبُوا دَارِي [وَبِلَادِي] [[ساقط من "أ".]] بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ جَزْمٌ عَلَى النَّهْيِ.
﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أَيْ: نَطْلُبُهُ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُرْسِلَهُ مَعَنَا، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ مَا أَمَرْتَنَا بِهِ.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ بِالْأَلِفِ وَالنُّونِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: [[في "أ": الآخرون.]] " لِفِتْيَتِهِ " بِالتَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلْفٍ يُرِيدُ لِغِلْمَانِهِ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الصِّبْيَانِ وَالصِّبْيَةِ، ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثَمَنَ طَعَامِهِمْ وَكَانَتْ دَرَاهِمَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ النِّعَالَ وَالْأُدْمَ.
وَقِيلَ: كَانَتْ ثَمَانِيَةَ جُرْبٍ مِنْ سَوِيقِ الْمُقْلِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أَوْعِيَتِهِمْ، وَهِيَ جَمْعُ رَحْلٍ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا﴾ انْصَرَفُوا، ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي فَعَلَهُ يُوسُفُ مِنْ أَجْلِهِ، قِيلَ: أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَرَمَهُ فِي رَدِّ الْبِضَاعَةِ وَتَقْدِيمِ الضَّمَانِ فِي الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، لِيَكُونَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الْعَوْدِ، لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا، أَيْ: كَرَامَتَهُمْ عَلَيْنَا.
وَقِيلَ: رَأَى لُؤْمًا أَخْذَ ثَمَنِ الطَّعَامِ مِنْ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ تَكَرُّمًا.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: تَخَوَّفَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَ أَبِيهِ مِنَ الْوَرِقِ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ دِيَانَتَهُمْ تَحْمِلُهُمْ عَلَى رَدِّ الْبِضَاعَةِ نَفْيًا لِلْغَلَطِ وَلَا يَسْتَحِلُّونَ إِمْسَاكَهَا.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أَيْ: حَمَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعِيرًا بِعُدَّتِهِمْ، ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ يعني ينيامين، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أَيْ: أُتِمُّهُ وَلَا أَبْخَسُ النَّاسَ شَيْئًا، فَأَزِيدُكُمْ حِمْلَ بِعِيرٍ لِأَجْلِ أَخِيكُمْ، وَأُكْرِمُ مَنْزِلَتَكُمْ وَأُحْسِنُ إِلَيْكُمْ، ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ خَيْرُ الْمُضِيفِينَ. وَكَانَ قَدْ أَحْسَنَ ضِيَافَتَهُمْ.
﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي طَعَامٌ أَكِيلُهُ لَكُمْ ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أَيْ: لَا تَقْرَبُوا دَارِي [وَبِلَادِي] [[ساقط من "أ".]] بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ جَزْمٌ عَلَى النَّهْيِ.
﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ أَيْ: نَطْلُبُهُ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُرْسِلَهُ مَعَنَا، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ مَا أَمَرْتَنَا بِهِ.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ بِالْأَلِفِ وَالنُّونِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: [[في "أ": الآخرون.]] " لِفِتْيَتِهِ " بِالتَّاءِ مِنْ غَيْرِ أَلْفٍ يُرِيدُ لِغِلْمَانِهِ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الصِّبْيَانِ وَالصِّبْيَةِ، ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثَمَنَ طَعَامِهِمْ وَكَانَتْ دَرَاهِمَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ النِّعَالَ وَالْأُدْمَ.
وَقِيلَ: كَانَتْ ثَمَانِيَةَ جُرْبٍ مِنْ سَوِيقِ الْمُقْلِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أَوْعِيَتِهِمْ، وَهِيَ جَمْعُ رَحْلٍ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا﴾ انْصَرَفُوا، ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي فَعَلَهُ يُوسُفُ مِنْ أَجْلِهِ، قِيلَ: أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَرَمَهُ فِي رَدِّ الْبِضَاعَةِ وَتَقْدِيمِ الضَّمَانِ فِي الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، لِيَكُونَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الْعَوْدِ، لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا، أَيْ: كَرَامَتَهُمْ عَلَيْنَا.
وَقِيلَ: رَأَى لُؤْمًا أَخْذَ ثَمَنِ الطَّعَامِ مِنْ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ تَكَرُّمًا.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: تَخَوَّفَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَ أَبِيهِ مِنَ الْوَرِقِ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى.
وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ دِيَانَتَهُمْ تَحْمِلُهُمْ عَلَى رَدِّ الْبِضَاعَةِ نَفْيًا لِلْغَلَطِ وَلَا يَسْتَحِلُّونَ إِمْسَاكَهَا.
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا﴾ إِنَّا قَدِمْنَا عَلَى خَيْرِ رَجُلٍ، أَنْزَلَنَا وَأَكْرَمَنَا كَرَامَةً لَوْ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَا أَكْرَمَنَا كَرَامَتَهُ، فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: إِذَا أَتَيْتُمْ مَلِكَ مِصْرَ فَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُولُوا لَهُ: إِنَّ أَبَانَا يُصَلِّي عَلَيْكَ وَيَدْعُو لَكَ بِمَا أَوْلَيْتَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ شَمْعُونُ؟ قَالُوا: ارْتَهَنَهُ مَلِكُ مِصْرَ، وَأَخْبَرُوهُ بِالْقِصَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: وَلِمَ أَخْبَرْتُمُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّهُ أَخَذَنَا وَقَالَ أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ -حَيْثُ كَلَّمْنَاهُ بِلِسَانِ الْعِبْرَانِيَّةِ-وَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَقَالُوا يَا أَبَانَا:
﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ [قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يُمْنَعُ مِنَّا الْكَيْلُ] [[ساقط من "ب".]] إِنْ لَمْ تَحْمِلْ أَخَانَا مَعَنَا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَعْطَى بِاسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ حِمْلًا وَمَنْعَ مِنَّا الْكَيْلَ لِبِنْيَامِينَ، وَالْمُرَادُ بِالْكَيْلِ: الطَّعَامُ، لِأَنَّهُ يُكَالُ.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بِنْيَامِينَ، ﴿نَكْتَلْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ﴿يَكْتَلْ﴾ بِالْيَاءِ، يَعْنِي: يَكْتَلْ لِنَفْسِهِ كَمَا نَحْنُ نَكْتَالُ، [وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: ﴿نَكْتَلْ﴾ بِالنُّونِ، يَعْنِي: نَكْتَلْ نَحْنُ] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] وَهُوَ الطَّعَامُ. وَقِيلَ: نَكْتَلْ لَهُ، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يُوسُفَ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: كَيْفَ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ وَقَدْ فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ مَا فَعَلْتُمْ؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: ﴿حَافِظًا﴾ بِالْأَلْفِ عَلَى التَّفْسِيرِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ خَيْرٌ رَجُلًا وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: ﴿حِفْظًا﴾ بِغَيْرِ أَلْفٍ عَلَى الْمَصْدَرِ، يَعْنِي: خَيْرُكُمْ حِفْظًا، يَقُولُ: حِفْظُهُ خَيْرٌ مِنْ حِفْظِكُمْ.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا﴾ إِنَّا قَدِمْنَا عَلَى خَيْرِ رَجُلٍ، أَنْزَلَنَا وَأَكْرَمَنَا كَرَامَةً لَوْ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَا أَكْرَمَنَا كَرَامَتَهُ، فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: إِذَا أَتَيْتُمْ مَلِكَ مِصْرَ فَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُولُوا لَهُ: إِنَّ أَبَانَا يُصَلِّي عَلَيْكَ وَيَدْعُو لَكَ بِمَا أَوْلَيْتَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ شَمْعُونُ؟ قَالُوا: ارْتَهَنَهُ مَلِكُ مِصْرَ، وَأَخْبَرُوهُ بِالْقِصَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: وَلِمَ أَخْبَرْتُمُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّهُ أَخَذَنَا وَقَالَ أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ -حَيْثُ كَلَّمْنَاهُ بِلِسَانِ الْعِبْرَانِيَّةِ-وَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَقَالُوا يَا أَبَانَا:
﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ [قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يُمْنَعُ مِنَّا الْكَيْلُ] [[ساقط من "ب".]] إِنْ لَمْ تَحْمِلْ أَخَانَا مَعَنَا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَعْطَى بِاسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ حِمْلًا وَمَنْعَ مِنَّا الْكَيْلَ لِبِنْيَامِينَ، وَالْمُرَادُ بِالْكَيْلِ: الطَّعَامُ، لِأَنَّهُ يُكَالُ.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بِنْيَامِينَ، ﴿نَكْتَلْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ﴿يَكْتَلْ﴾ بِالْيَاءِ، يَعْنِي: يَكْتَلْ لِنَفْسِهِ كَمَا نَحْنُ نَكْتَالُ، [وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: ﴿نَكْتَلْ﴾ بِالنُّونِ، يَعْنِي: نَكْتَلْ نَحْنُ] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] وَهُوَ الطَّعَامُ. وَقِيلَ: نَكْتَلْ لَهُ، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يُوسُفَ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: كَيْفَ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ وَقَدْ فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ مَا فَعَلْتُمْ؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: ﴿حَافِظًا﴾ بِالْأَلْفِ عَلَى التَّفْسِيرِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ خَيْرٌ رَجُلًا وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: ﴿حِفْظًا﴾ بِغَيْرِ أَلْفٍ عَلَى الْمَصْدَرِ، يَعْنِي: خَيْرُكُمْ حِفْظًا، يَقُولُ: حِفْظُهُ خَيْرٌ مِنْ حِفْظِكُمْ.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ الَّذِي حَمَلُوهُ مِنْ مِصْرَ، ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثَمَنَ الطَّعَامِ، ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أَيْ: مَاذَا نَبْغِي وَأَيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِحْسَانَ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ، وَحَثُّوهُ عَلَى إِرْسَالِ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا الْمَتَاعَ وَوَجَدُوا الْبِضَاعَةَ، ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ أَيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ بِالْكَلَامِ، فَهَذَا هُوَ الْعِيَانُ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَامِ، أَوْفَى لَنَا الْكَيْلَ وَرَدَّ عَلَيْنَا الثَّمَنَ. أَرَادُوا تَطْيِيبَ نَفْسِ أَبِيهِمْ، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أَيْ: نَشْتَرِي لَهُمُ الطَّعَامَ فَنَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ. يُقَالُ: مَارَ أَهْلَهُ يَمِيرُ مَيْرًا: إِذَا حَمَلَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ مِنْ بَلَدٍ [إِلَى بَلَدٍ آخَرَ] [[ساقط من "ب".]] . وَمِثْلُهُ: امْتَارَ يَمْتَارُ امْتِيَارًا.
﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بِنْيَامِينَ، أَيْ: مِمَّا تَخَافُ عَلَيْهِ.
﴿وَنَزْدَادُ﴾ عَلَى أَحْمَالِنَا، ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أَيْ: حِمْلَ بَعِيرٍ يُكَالُ لَنَا مِنْ أَجْلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُعْطِي بِاسْمِ كُلِّ رَجُلٍ حِمْلَ بَعِيرٍ، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [أَيْ: مَا حَمَلْنَاهُ قَلِيلٌ لَا يَكْفِينَا وَأَهْلَنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ] [[ساقط من "ب".]] لَا مُؤْنَةَ فِيهِ وَلَا مَشَقَّةَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْبَعِيرُ هَا هُنَا هُوَ الْحِمَارُ. كَيْلَ بَعِيرٍ، أَيْ: حِمْلَ حِمَارٍ، وَهِيَ لُغَةٌ، يُقَالُ لِلْحِمَارِ: بَعِيرٌ. وَهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ حُمُرٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَنَّهُ الْبَعِيرُ الْمَعْرُوفُ.
﴿قَالَ﴾ لَهُمْ يَعْقُوبُ، ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ﴾ تُعْطُونِي ﴿مَوْثِقًا﴾ مِيثَاقًا وَعَهْدًا، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ وَالْعَهْدُ الْمُوَثَّقُ: الْمُؤَكَّدُ بِالْقَسَمِ. وَقِيلَ: هُوَ الْمُؤَكَّدُ [بِإِشْهَادِ اللَّهِ] [[في "ب": بالشهادة.]] عَلَى نَفْسِهِ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ وَأَدْخَلَ اللَّامَ فِيهِ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ الْيَمِينُ، ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ إِلَّا أَنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِلَّا أَنْ تَغْلِبُوا حَتَّى لَا تُطِيقُوا ذَلِكَ.
وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ الْإِخْوَةَ ضَاقَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ وَجَهِدُوا أَشَدَّ الْجُهْدِ، فَلَمْ يَجِدْ يَعْقُوبُ بُدًّا مِنْ إِرْسَالِ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ.
﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ ١٨٤/ب أَعْطَوْهُ عُهُودَهُمْ [[في "ب": عهدهم.]] ، ﴿قَالَ﴾ يَعْنِي: يَعْقُوبَ ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ شَاهِدٌ. وَقِيلَ: حَافَظٌ. قَالَ كَعْبٌ: لَمَّا قَالَ يَعْقُوبُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لِأَرُدَّنَّ عَلَيْكَ كِلَيْهِمَا بَعْدَمَا تَوَكَّلْتَ عَلَيَّ.
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ الَّذِي حَمَلُوهُ مِنْ مِصْرَ، ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثَمَنَ الطَّعَامِ، ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أَيْ: مَاذَا نَبْغِي وَأَيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِحْسَانَ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ، وَحَثُّوهُ عَلَى إِرْسَالِ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا الْمَتَاعَ وَوَجَدُوا الْبِضَاعَةَ، ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ أَيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ بِالْكَلَامِ، فَهَذَا هُوَ الْعِيَانُ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْإِكْرَامِ، أَوْفَى لَنَا الْكَيْلَ وَرَدَّ عَلَيْنَا الثَّمَنَ. أَرَادُوا تَطْيِيبَ نَفْسِ أَبِيهِمْ، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أَيْ: نَشْتَرِي لَهُمُ الطَّعَامَ فَنَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ. يُقَالُ: مَارَ أَهْلَهُ يَمِيرُ مَيْرًا: إِذَا حَمَلَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ مِنْ بَلَدٍ [إِلَى بَلَدٍ آخَرَ] [[ساقط من "ب".]] . وَمِثْلُهُ: امْتَارَ يَمْتَارُ امْتِيَارًا.
﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بِنْيَامِينَ، أَيْ: مِمَّا تَخَافُ عَلَيْهِ.
﴿وَنَزْدَادُ﴾ عَلَى أَحْمَالِنَا، ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أَيْ: حِمْلَ بَعِيرٍ يُكَالُ لَنَا مِنْ أَجْلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُعْطِي بِاسْمِ كُلِّ رَجُلٍ حِمْلَ بَعِيرٍ، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [أَيْ: مَا حَمَلْنَاهُ قَلِيلٌ لَا يَكْفِينَا وَأَهْلَنَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ] [[ساقط من "ب".]] لَا مُؤْنَةَ فِيهِ وَلَا مَشَقَّةَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْبَعِيرُ هَا هُنَا هُوَ الْحِمَارُ. كَيْلَ بَعِيرٍ، أَيْ: حِمْلَ حِمَارٍ، وَهِيَ لُغَةٌ، يُقَالُ لِلْحِمَارِ: بَعِيرٌ. وَهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ حُمُرٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَنَّهُ الْبَعِيرُ الْمَعْرُوفُ.
﴿قَالَ﴾ لَهُمْ يَعْقُوبُ، ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ﴾ تُعْطُونِي ﴿مَوْثِقًا﴾ مِيثَاقًا وَعَهْدًا، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ وَالْعَهْدُ الْمُوَثَّقُ: الْمُؤَكَّدُ بِالْقَسَمِ. وَقِيلَ: هُوَ الْمُؤَكَّدُ [بِإِشْهَادِ اللَّهِ] [[في "ب": بالشهادة.]] عَلَى نَفْسِهِ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ وَأَدْخَلَ اللَّامَ فِيهِ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ الْيَمِينُ، ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ إِلَّا أَنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِلَّا أَنْ تَغْلِبُوا حَتَّى لَا تُطِيقُوا ذَلِكَ.
وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ الْإِخْوَةَ ضَاقَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ وَجَهِدُوا أَشَدَّ الْجُهْدِ، فَلَمْ يَجِدْ يَعْقُوبُ بُدًّا مِنْ إِرْسَالِ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ.
﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ ١٨٤/ب أَعْطَوْهُ عُهُودَهُمْ [[في "ب": عهدهم.]] ، ﴿قَالَ﴾ يَعْنِي: يَعْقُوبَ ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ شَاهِدٌ. وَقِيلَ: حَافَظٌ. قَالَ كَعْبٌ: لَمَّا قَالَ يَعْقُوبُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لِأَرُدَّنَّ عَلَيْكَ كِلَيْهِمَا بَعْدَمَا تَوَكَّلْتَ عَلَيَّ.
﴿وَقَالَ﴾ لَهُمْ يَعْقُوبُ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِهِ، ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُعْطُوا جَمَالًا وَقُوَّةً وَامْتِدَادَ قَامَةٍ، وَكَانُوا وَلَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي دُخُولِهِمْ لِئَلَّا يُصَابُوا بِالْعَيْنِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ [[انظر تفصيلا في تفسير القرطبي: ٩ / ٢٢٦-٢٢٨.]] ، وَجَاءَ فِي الْأَثَرِ: "إِنَّ الْعَيْنَ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ" [[حديث ضعيف أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧ / ٩٠) عن جابر رضي الله عنه، وابن عدي في الكامل عن أبي ذر: ٦ / ٢٤٠٣، وابن حبان في المجروحين: ٢ / ١٠٧ وقد ضعفه السخاوي في المقاصد الحسنة وقد أشار إليه الذهبي فقال: إنه منكر وحسنه الشيخ الألباني في الصحيحة ٣ / ٢٥٠، وانظر: كشف الخفاء: ٢ / ٩٩-١٠٠.]] .
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَرَوْا يُوسُفَ فِي التَّفَرُّقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مَعْنَاهُ: إِنْ كَانَ اللَّهُ قَضَى فِيكُمْ قَضَاءً فَيُصِيبُكُمْ مُجْتَمِعِينَ كُنْتُمْ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، فَإِنَّ الْمَقْدُورَ كَائِنٌ وَالْحَذَرَ لَا يَنْفَعُ مِنَ الْقَدَرِ، ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ مَا الْحُكْمُ، ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ هَذَا تَفْوِيضُ يَعْقُوبَ أُمُورَهُ إِلَى اللَّهِ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعْتَمَدْتُ، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ .
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَبْوَابِ الْمُتَفَرِّقَةِ. وَقِيلَ: كَانَتِ الْمَدِينَةُ مَدِينَةَ الْفَرْمَاءِ وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، فَدَخَلُوهَا مِنْ أَبْوَابِهَا، ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ يَدْفَعُ ﴿عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ صَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْقُوبَ فِيمَا قَالَ، ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ مُرَادًا، ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ إِشْفَاقَ الْآبَاءِ عَلَى أَبْنَائِهِمْ وَجَرَى الْأَمْرُ عَلَيْهِ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ يَعْنِي: يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ يَعْنِي: كَانَ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ عَنْ عِلْمٍ لَا عَنْ جَهْلٍ، ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أَيْ: لِتَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لِعَامِلٍ بِمَا عَلِمَ.
قَالَ سُفْيَانُ: مَنْ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَعْلَمُ لَا يَكُونُ عَالِمًا. وَقِيلَ: وَإِنَّهُ لَذُو حِفْظٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مَا يَعْلَمُ يَعْقُوبُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ إِصَابَةِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَعْلَمُ الْمُشْرِكُونَ مَا أَلْهَمَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ.
﴿وَقَالَ﴾ لَهُمْ يَعْقُوبُ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِهِ، ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُعْطُوا جَمَالًا وَقُوَّةً وَامْتِدَادَ قَامَةٍ، وَكَانُوا وَلَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي دُخُولِهِمْ لِئَلَّا يُصَابُوا بِالْعَيْنِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ [[انظر تفصيلا في تفسير القرطبي: ٩ / ٢٢٦-٢٢٨.]] ، وَجَاءَ فِي الْأَثَرِ: "إِنَّ الْعَيْنَ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ" [[حديث ضعيف أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧ / ٩٠) عن جابر رضي الله عنه، وابن عدي في الكامل عن أبي ذر: ٦ / ٢٤٠٣، وابن حبان في المجروحين: ٢ / ١٠٧ وقد ضعفه السخاوي في المقاصد الحسنة وقد أشار إليه الذهبي فقال: إنه منكر وحسنه الشيخ الألباني في الصحيحة ٣ / ٢٥٠، وانظر: كشف الخفاء: ٢ / ٩٩-١٠٠.]] .
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَرَوْا يُوسُفَ فِي التَّفَرُّقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مَعْنَاهُ: إِنْ كَانَ اللَّهُ قَضَى فِيكُمْ قَضَاءً فَيُصِيبُكُمْ مُجْتَمِعِينَ كُنْتُمْ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، فَإِنَّ الْمَقْدُورَ كَائِنٌ وَالْحَذَرَ لَا يَنْفَعُ مِنَ الْقَدَرِ، ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ مَا الْحُكْمُ، ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ هَذَا تَفْوِيضُ يَعْقُوبَ أُمُورَهُ إِلَى اللَّهِ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعْتَمَدْتُ، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ .
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَبْوَابِ الْمُتَفَرِّقَةِ. وَقِيلَ: كَانَتِ الْمَدِينَةُ مَدِينَةَ الْفَرْمَاءِ وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، فَدَخَلُوهَا مِنْ أَبْوَابِهَا، ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ يَدْفَعُ ﴿عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ صَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْقُوبَ فِيمَا قَالَ، ﴿إِلَّا حَاجَةً﴾ مُرَادًا، ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ إِشْفَاقَ الْآبَاءِ عَلَى أَبْنَائِهِمْ وَجَرَى الْأَمْرُ عَلَيْهِ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ يَعْنِي: يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ يَعْنِي: كَانَ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ عَنْ عِلْمٍ لَا عَنْ جَهْلٍ، ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أَيْ: لِتَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لِعَامِلٍ بِمَا عَلِمَ.
قَالَ سُفْيَانُ: مَنْ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَعْلَمُ لَا يَكُونُ عَالِمًا. وَقِيلَ: وَإِنَّهُ لَذُو حِفْظٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مَا يَعْلَمُ يَعْقُوبُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ إِصَابَةِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَعْلَمُ الْمُشْرِكُونَ مَا أَلْهَمَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ قَالُوا: هَذَا أَخُونَا الَّذِي أَمَرْتَنَا أَنْ نَأْتِيَكَ بِهِ قَدْ جِئْنَاكَ بِهِ، فَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَصَبْتُمْ، وَسَتَجِدُونَ جَزَاءَ ذَلِكَ عِنْدِي، ثُمَّ أَنْزَلَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ [[في "ب" فأكرم مثواهم.]] ، ثُمَّ أَضَافَهُمُ وَأَجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى مَائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحِيدًا، فَبَكَى وَقَالَ: لَوْ كَانَ أَخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأَجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقَالَ يُوسُفُ: لَقَدْ بَقِيَ أَخُوكُمْ هَذَا وَحِيدًا، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ، فَجَعَلَ يُواكِلُهُ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَ لَهُمْ [بِمِثْلِ ذَلِكَ] [[في "ب": بمثل. والمثل هي: الفرش، واحدها مثال.]] وَقَالَ: لِيَنَمْ كُلُّ أَخَوَيْنِ مِنْكُمْ عَلَى مِثَالٍ، فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحَدَهُ، فَقَالَ يُوسُفُ: هَذَا يَنَامُ مَعِي عَلَى فِرَاشِي، فَنَامَ مَعَهُ، فَجَعَلَ يُوسُفُ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ وَيَشُمُّ رِيحَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، وَجَعَلَ رُوبِينُ يَقُولُ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَرَى هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ مَعَهُ ثَانٍ فَسَأَضُمُّهُ إِلَيَّ فَيَكُونُ مَنْزِلُهُ مَعِي، ثُمَّ أَنْزَلَهُمْ مُنْزِلًا وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الطَّعَامَ، وَأَنْزَلَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ مَعَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أَيْ: ضَمَّ إِلَيْهِ أَخَاهُ فَلَمَّا خَلَا بِهِ قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: بِنْيَامِينُ، قَالَ: وَمَا بِنْيَامِينُ؟ قَالَ: ابْنُ الْمُثْكِلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ هَلَكَتْ أُمُّهُ. قَالَ: وَمَا اسْمُ أُمِّكَ؟ قَالَ: رَاحِيلُ بِنْتُ لَاوِي، فَقَالَ: فَهَلْ لَكَ مِنْ وَلَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ عَشَرَةُ بَنِينَ، [قَالَ: فَهَلْ لَكَ مِنْ أَخٍ لِأُمِّكَ، قَالَ: كَانَ لِي أَخٌ فَهَلَكَ، قَالَ يُوسُفُ] [[ما بين القوسين من المطبوع، وهي زيادة تناسب السياق.]] أَتُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَخَاكَ بَدَلَ أَخِيكَ الْهَالِكِ، فَقَالَ بِنْيَامِينُ: وَمَنْ يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ وَلَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ وَلَا رَاحِيلُ، فَبَكَى يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَامَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ [[هذه التفصيلات في لقاء يوسف لأخيه أخرجها الطبري في التاريخ: ١ / ٣٥٢ ولم يقم عليها دليل، وظاهر الآيات أنه اختلى بأخيه وأطلعه على شأن ما جرى له وعرفه أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززا مكرما معظما. انظر: ابن كثير: ٢ / ٤٨٦.]] ، وَقَالَ لَهُ: ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أَيْ: لَا تَحْزَنْ، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِشَيْءٍ فَعَلُوهُ بِنَا فِيمَا مَضَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَلَا تُعْلِمْهُمْ شَيْئًا مِمَّا أَعْلَمْتُكُ، ثُمَّ أَوْفَى يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ الْكَيْلَ، وَحَمَّلَ لَهُمْ بَعِيرًا بَعِيرًا، وَلِبِنْيَامِينَ بَعِيرًا بِاسْمِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَايَةِ الْمَلِكِ فَجُعِلَتْ فِي رَحْلِ بِنْيَامِينَ.
قَالَ السُّدِّيُّ: جُعِلَتِ السِّقَايَةُ فِي رَحْلِ أَخِيهِ، وَالْأَخُ لَا يَشْعُرُ.
وَقَالَ كَعْبٌ: لَمَّا قَالَ لَهُ يُوسُفُ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ، قَالَ بِنْيَامِينُ: أَنَا لَا أُفَارِقُكَ، فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ: قَدْ عَلِمْتُ اغْتِمَامَ وَالِدِي بِي وَإِذَا حَبَسْتُكَ ازْدَادَ غَمُّهُ وَلَا يُمْكِنُنِي هَذَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ أُشْهِرَكَ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ وَأَنْسِبَكَ إِلَى مَا لَا يُحْمَدُ [[في "ب": يحمل.]] ، قَالَ: لَا أُبَالِي، فَافْعَلْ، مَا بَدَا لَكَ، فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ، قَالَ: فَإِنِّي أَدُسُّ صَاعِي فِي رَحْلِكَ ثُمَّ أُنَادِي عَلَيْكُمْ بِالسَّرِقَةِ، لِيُهَيَّأَ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ. قَالَ: فَافْعَلْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ وَهِيَ الْمَشْرَبَةُ الَّتِي كَانَ الْمَلِكُ يَشْرَبُ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ مِنْ زَبَرْجَدٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ. وَقِيلَ: مِنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَتْ مَشْرَبَةً مِنْ فِضَّةٍ مُرَصَّعَةً بِالْجَوَاهِرِ، جَعَلَهَا يُوسُفُ مِكْيَالًا لِئَلَّا يُكَالَ بِغَيْرِهَا، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا.
وَالسِّقَايَةُ وَالصُّوَاعُ وَاحِدٌ، وَجُعِلَتْ فِي وِعَاءِ طَعَامِ بِنْيَامِينَ، ثُمَّ ارْتَحَلُوا وَأَمْهَلَهُمْ يُوسُفُ حَتَّى انْطَلَقُوا وَذَهَبُوا مَنْزِلًا.
وَقِيلَ: حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْعِمَارَةِ، ثُمَّ بَعَثَ خَلْفَهُمْ مَنِ اسْتَوْقَفَهُمْ وَحَبَسَهُمْ.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نَادَى مُنَادٍ، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ وَهِيَ الْقَافِلَةُ الَّتِي فِيهَا الْأَحْمَالُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَتِ الْعِيرُ حَمِيرًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانُوا أَصْحَابَ إِبِلٍ.
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قِفُوا. قِيلَ: قَالُوهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ بِأَمْرِهِ، وَكَانَ هَفْوَةً مِنْهُ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُمْ سَرَقُوا يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ، قَالَ لَهُمْ: أَلَمْ نُكْرِمْ ضِيَافَتَكُمْ وَنَحْسُنْ مَنْزِلَتَكُمْ، وَنُوَفِّكُمْ كَيْلَكُمْ، وَنَفْعَلْ بِكُمْ مَا لَمْ نَفْعَلْ بِغَيْرِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: سِقَايَةُ الْمَلِكِ فَقَدْنَاهَا، وَلَا نَتَّهِمُ عَلَيْهَا غَيْرَكُمْ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ عَطَفُوا عَلَى الْمُؤَذِّنِ وَأَصْحَابِهِ، ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ مَا الَّذِي ضَلَّ عَنْكُمْ. وَالْفُقْدَانُ: ضِدُّ الْوَجْدِ.
﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ مِنَ الطَّعَامِ، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ كَفِيلٌ، يَقُولُهُ الْمُؤَذِّنُ.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ وَهِيَ الْمَشْرَبَةُ الَّتِي كَانَ الْمَلِكُ يَشْرَبُ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ مِنْ زَبَرْجَدٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ. وَقِيلَ: مِنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَتْ مَشْرَبَةً مِنْ فِضَّةٍ مُرَصَّعَةً بِالْجَوَاهِرِ، جَعَلَهَا يُوسُفُ مِكْيَالًا لِئَلَّا يُكَالَ بِغَيْرِهَا، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا.
وَالسِّقَايَةُ وَالصُّوَاعُ وَاحِدٌ، وَجُعِلَتْ فِي وِعَاءِ طَعَامِ بِنْيَامِينَ، ثُمَّ ارْتَحَلُوا وَأَمْهَلَهُمْ يُوسُفُ حَتَّى انْطَلَقُوا وَذَهَبُوا مَنْزِلًا.
وَقِيلَ: حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْعِمَارَةِ، ثُمَّ بَعَثَ خَلْفَهُمْ مَنِ اسْتَوْقَفَهُمْ وَحَبَسَهُمْ.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نَادَى مُنَادٍ، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ وَهِيَ الْقَافِلَةُ الَّتِي فِيهَا الْأَحْمَالُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَتِ الْعِيرُ حَمِيرًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانُوا أَصْحَابَ إِبِلٍ.
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قِفُوا. قِيلَ: قَالُوهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ بِأَمْرِهِ، وَكَانَ هَفْوَةً مِنْهُ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُمْ سَرَقُوا يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ، قَالَ لَهُمْ: أَلَمْ نُكْرِمْ ضِيَافَتَكُمْ وَنَحْسُنْ مَنْزِلَتَكُمْ، وَنُوَفِّكُمْ كَيْلَكُمْ، وَنَفْعَلْ بِكُمْ مَا لَمْ نَفْعَلْ بِغَيْرِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: سِقَايَةُ الْمَلِكِ فَقَدْنَاهَا، وَلَا نَتَّهِمُ عَلَيْهَا غَيْرَكُمْ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ عَطَفُوا عَلَى الْمُؤَذِّنِ وَأَصْحَابِهِ، ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ مَا الَّذِي ضَلَّ عَنْكُمْ. وَالْفُقْدَانُ: ضِدُّ الْوَجْدِ.
﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ مِنَ الطَّعَامِ، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ كَفِيلٌ، يَقُولُهُ الْمُؤَذِّنُ.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ وَهِيَ الْمَشْرَبَةُ الَّتِي كَانَ الْمَلِكُ يَشْرَبُ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ مِنْ زَبَرْجَدٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ. وَقِيلَ: مِنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَتْ مَشْرَبَةً مِنْ فِضَّةٍ مُرَصَّعَةً بِالْجَوَاهِرِ، جَعَلَهَا يُوسُفُ مِكْيَالًا لِئَلَّا يُكَالَ بِغَيْرِهَا، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا.
وَالسِّقَايَةُ وَالصُّوَاعُ وَاحِدٌ، وَجُعِلَتْ فِي وِعَاءِ طَعَامِ بِنْيَامِينَ، ثُمَّ ارْتَحَلُوا وَأَمْهَلَهُمْ يُوسُفُ حَتَّى انْطَلَقُوا وَذَهَبُوا مَنْزِلًا.
وَقِيلَ: حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْعِمَارَةِ، ثُمَّ بَعَثَ خَلْفَهُمْ مَنِ اسْتَوْقَفَهُمْ وَحَبَسَهُمْ.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نَادَى مُنَادٍ، ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ وَهِيَ الْقَافِلَةُ الَّتِي فِيهَا الْأَحْمَالُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَتِ الْعِيرُ حَمِيرًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانُوا أَصْحَابَ إِبِلٍ.
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قِفُوا. قِيلَ: قَالُوهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ. وَقِيلَ: قَالُوهُ بِأَمْرِهِ، وَكَانَ هَفْوَةً مِنْهُ. وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُمْ سَرَقُوا يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ، قَالَ لَهُمْ: أَلَمْ نُكْرِمْ ضِيَافَتَكُمْ وَنَحْسُنْ مَنْزِلَتَكُمْ، وَنُوَفِّكُمْ كَيْلَكُمْ، وَنَفْعَلْ بِكُمْ مَا لَمْ نَفْعَلْ بِغَيْرِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: سِقَايَةُ الْمَلِكِ فَقَدْنَاهَا، وَلَا نَتَّهِمُ عَلَيْهَا غَيْرَكُمْ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ عَطَفُوا عَلَى الْمُؤَذِّنِ وَأَصْحَابِهِ، ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ مَا الَّذِي ضَلَّ عَنْكُمْ. وَالْفُقْدَانُ: ضِدُّ الْوَجْدِ.
﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ مِنَ الطَّعَامِ، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ كَفِيلٌ، يَقُولُهُ الْمُؤَذِّنُ.
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي: إِخْوَةُ يُوسُفَ، ﴿تَاللَّهَ﴾ أَيْ: وَاللَّهِ، وَخُصَّتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِأَنْ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ فِيهَا بِالتَّاءِ فِي الْيَمِينِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ لِنَسْرِقَ فِي أَرْضِ مِصْرَ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا ذَلِكَ؟.
قِيلَ: قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّا مُنْذُ قَطَعْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لَمْ نَرْزَأْ أَحَدًا شَيْئًا فَاسْأَلُوا عَنَّا مَنْ مَرَرْنَا بِهِ: هَلْ ضَرَرْنَا أَحَدًا؟
وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ رَدُّوا الْبِضَاعَةَ الَّتِي جُعِلَتْ فِي رِحَالِهِمْ،قَالُوا: فَلَوْ كُنَّا سَارِقِينَ مَا رَدَدْنَاهَا.
وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَكَانُوا إِذَا دَخَلُوا مِصْرَ كَمَّمُوا أَفْوَاهَ دَوَابِّهِمْ كَيْلَا تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ حُرُوثِ النَّاسِ.
﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ .
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَادِيَ وَأَصْحَابَهُ ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أَيْ: جَزَاءُ السَّارِقِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ فِي قَوْلِكُمْ "وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ".
﴿قَالُوا﴾ [يَعْنِي: إِخْوَةَ يُوسُفَ] [[زيادة من "ب".]] ، ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أَيْ: فَالسَّارِقُ جَزَاؤُهُ أَنْ يُسَلَّمَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ إِلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيَسْتَرِقَّهُ سَنَةً، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةَ آلِ يَعْقُوبَ فِي حُكْمِ السَّارِقِ، وَكَانَ حُكْمُ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يضرب السارق ١٨٥/أوَيُغَرَّمَ ضِعْفَيْ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَأَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَحْبِسَ أَخَاهُ عِنْدَهُ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ حَبْسِهِ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِهِمْ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الْفَاعِلِينِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ سَرِقَةِ مَالِ الْغَيْرِ.
فَقَالَ الرَّسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَمْتِعَتِكُمْ.
فَأَخَذَ فِي تَفْتِيشِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى يُوسُفَ فَأَمَرَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ لِإِزَالَةِ التُّهْمَةِ، ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فَكَانَ يُفَتِّشُ أَوْعِيَتَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَفْتَحُ مَتَاعًا وَلَا يَنْظُرُ فِي وِعَاءٍ إِلَّا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَأَثُّمًا مِمَّا قَذَفَهُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا رَحْلُ بِنْيَامِينَ، قَالَ: مَا أَظُنُّ هَذَا أَخَذَهُ، فَقَالَ إِخْوَتُهُ: وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُ حَتَّى تَنْظُرَ فِي رَحْلِهِ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِكَ وَلِأَنْفُسِنَا، فَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُ اسْتَخْرَجُوهُ مِنْهُ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وَإِنَّمَا أَنَّثَ الْكِنَايَةَ فِي قَوْلِهِ "ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا" وَالصُّوَاعُ مُذَكَّرٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ"؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْكِنَايَةَ هَا هُنَا إِلَى السِّقَايَةِ.
وَقِيلَ: الصُّوَاعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. فَلَمَّا أَخْرَجَ الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِ بِنْيَامِينَ نكس إخوته رؤوسهم مِنَ الْحَيَاءِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى بِنْيَامِينَ وَقَالُوا: مَا الَّذِي صَنَعْتَ فَضَحْتَنَا وَسَوَّدَتْ وُجُوهَنَا يَا بَنِي رَاحِيلَ؟ مَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمُ الْبَلَاءُ، مَتَى أَخَذْتَ هَذَا الصُّوَاعَ؟ فَقَالَ بِنْيَامِينُ: بَلْ بَنُو رَاحِيلَ لَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ ذَهَبْتُمْ بِأَخِي فَأَهْلَكْتُمُوهُ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَوَضَعَ هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي الَّذِي وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخَذُوا بِنْيَامِينَ رَقِيقًا [[انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٢٠٠، تاريخ الطبري: ١ / ٣٥٥.]] .
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخْذَ بِرَقَبَتِهِ وَرَدَّهُ إِلَى يُوسُفَ كَمَا يُرَدُّ [[في "أ": يرق.]] السُّرَّاقُ.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وَالْكَيْدُ هَا هُنَا جَزَاءُ الْكَيْدِ، يَعْنِي: كَمَا فَعَلُوا فِي الِابْتِدَاءِ بِيُوسُفَ مِنَ الْكَيْدِ فَعَلْنَا بِهِمْ. وَقَدْ قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُوسُفَ: "فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا"، فَكِدْنَا لِيُوسُفَ فِي أَمْرِهِمْ.
وَالْكَيْدُ مِنَ الْخُلُقِ: الْحِيلَةُ، وَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّدْبِيرُ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: كِدْنَا: أَلْهَمْنَا. وَقِيلَ: دَبَّرْنَا. وَقِيلَ: أَرَدْنَا. وَمَعْنَاهُ: صَنَعْنَا لِيُوسُفَ حَتَّى ضَمَّ أَخَاهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَتِهِ.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ فَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أَيْ: فِي حُكْمِهِ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي سُلْطَانِهِ.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ حَبْسِ أَخِيهِ فِي حُكْمِ الْمَلِكِ لَوْلَا مَا كِدْنَا لَهُ بِلُطْفِنَا حَتَّى وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَا أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْإِخْوَةِ أَنَّ جَزَاءَ السَّارِقِ الِاسْتِرْقَاقُ، فَحَصَلَ مُرَادُ يُوسُفَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بِالْعِلْمِ كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَةَ يُوسُفَ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: " يَرْفَعُ " وَ" يَشَاءُ " بِالْيَاءِ فِيهِمَا [وَإِضَافَةُ دَرَجَاتٍ إِلَى ﴿مَنْ﴾ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَالْوَجْهُ أَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا مُسْنَدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ: يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجَاتِ مِنْ يَشَاءُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ فِيهِمَا إِلَّا أن الكوفيين قرؤوا: " دَرَجَاتٍ " بِالتَّنْوِينِ، وَمَنْ سِوَاهُمْ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: نَرْفَعُ بِهِ نَحْنُ، وَالرَّافِعُ أَيْضًا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] .
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ عَالَمٌ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ.
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي: إِخْوَةُ يُوسُفَ، ﴿تَاللَّهَ﴾ أَيْ: وَاللَّهِ، وَخُصَّتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِأَنْ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ فِيهَا بِالتَّاءِ فِي الْيَمِينِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ لِنَسْرِقَ فِي أَرْضِ مِصْرَ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا ذَلِكَ؟.
قِيلَ: قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّا مُنْذُ قَطَعْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لَمْ نَرْزَأْ أَحَدًا شَيْئًا فَاسْأَلُوا عَنَّا مَنْ مَرَرْنَا بِهِ: هَلْ ضَرَرْنَا أَحَدًا؟
وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ رَدُّوا الْبِضَاعَةَ الَّتِي جُعِلَتْ فِي رِحَالِهِمْ،قَالُوا: فَلَوْ كُنَّا سَارِقِينَ مَا رَدَدْنَاهَا.
وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَكَانُوا إِذَا دَخَلُوا مِصْرَ كَمَّمُوا أَفْوَاهَ دَوَابِّهِمْ كَيْلَا تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ حُرُوثِ النَّاسِ.
﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ .
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَادِيَ وَأَصْحَابَهُ ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أَيْ: جَزَاءُ السَّارِقِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ فِي قَوْلِكُمْ "وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ".
﴿قَالُوا﴾ [يَعْنِي: إِخْوَةَ يُوسُفَ] [[زيادة من "ب".]] ، ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أَيْ: فَالسَّارِقُ جَزَاؤُهُ أَنْ يُسَلَّمَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ إِلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيَسْتَرِقَّهُ سَنَةً، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةَ آلِ يَعْقُوبَ فِي حُكْمِ السَّارِقِ، وَكَانَ حُكْمُ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يضرب السارق ١٨٥/أوَيُغَرَّمَ ضِعْفَيْ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَأَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَحْبِسَ أَخَاهُ عِنْدَهُ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ حَبْسِهِ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِهِمْ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الْفَاعِلِينِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ سَرِقَةِ مَالِ الْغَيْرِ.
فَقَالَ الرَّسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَمْتِعَتِكُمْ.
فَأَخَذَ فِي تَفْتِيشِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى يُوسُفَ فَأَمَرَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ لِإِزَالَةِ التُّهْمَةِ، ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فَكَانَ يُفَتِّشُ أَوْعِيَتَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَفْتَحُ مَتَاعًا وَلَا يَنْظُرُ فِي وِعَاءٍ إِلَّا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَأَثُّمًا مِمَّا قَذَفَهُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا رَحْلُ بِنْيَامِينَ، قَالَ: مَا أَظُنُّ هَذَا أَخَذَهُ، فَقَالَ إِخْوَتُهُ: وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُ حَتَّى تَنْظُرَ فِي رَحْلِهِ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِكَ وَلِأَنْفُسِنَا، فَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُ اسْتَخْرَجُوهُ مِنْهُ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وَإِنَّمَا أَنَّثَ الْكِنَايَةَ فِي قَوْلِهِ "ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا" وَالصُّوَاعُ مُذَكَّرٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ"؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْكِنَايَةَ هَا هُنَا إِلَى السِّقَايَةِ.
وَقِيلَ: الصُّوَاعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. فَلَمَّا أَخْرَجَ الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِ بِنْيَامِينَ نكس إخوته رؤوسهم مِنَ الْحَيَاءِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى بِنْيَامِينَ وَقَالُوا: مَا الَّذِي صَنَعْتَ فَضَحْتَنَا وَسَوَّدَتْ وُجُوهَنَا يَا بَنِي رَاحِيلَ؟ مَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمُ الْبَلَاءُ، مَتَى أَخَذْتَ هَذَا الصُّوَاعَ؟ فَقَالَ بِنْيَامِينُ: بَلْ بَنُو رَاحِيلَ لَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ ذَهَبْتُمْ بِأَخِي فَأَهْلَكْتُمُوهُ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَوَضَعَ هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي الَّذِي وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخَذُوا بِنْيَامِينَ رَقِيقًا [[انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٢٠٠، تاريخ الطبري: ١ / ٣٥٥.]] .
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخْذَ بِرَقَبَتِهِ وَرَدَّهُ إِلَى يُوسُفَ كَمَا يُرَدُّ [[في "أ": يرق.]] السُّرَّاقُ.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وَالْكَيْدُ هَا هُنَا جَزَاءُ الْكَيْدِ، يَعْنِي: كَمَا فَعَلُوا فِي الِابْتِدَاءِ بِيُوسُفَ مِنَ الْكَيْدِ فَعَلْنَا بِهِمْ. وَقَدْ قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُوسُفَ: "فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا"، فَكِدْنَا لِيُوسُفَ فِي أَمْرِهِمْ.
وَالْكَيْدُ مِنَ الْخُلُقِ: الْحِيلَةُ، وَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّدْبِيرُ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: كِدْنَا: أَلْهَمْنَا. وَقِيلَ: دَبَّرْنَا. وَقِيلَ: أَرَدْنَا. وَمَعْنَاهُ: صَنَعْنَا لِيُوسُفَ حَتَّى ضَمَّ أَخَاهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَتِهِ.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ فَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أَيْ: فِي حُكْمِهِ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي سُلْطَانِهِ.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ حَبْسِ أَخِيهِ فِي حُكْمِ الْمَلِكِ لَوْلَا مَا كِدْنَا لَهُ بِلُطْفِنَا حَتَّى وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَا أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْإِخْوَةِ أَنَّ جَزَاءَ السَّارِقِ الِاسْتِرْقَاقُ، فَحَصَلَ مُرَادُ يُوسُفَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بِالْعِلْمِ كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَةَ يُوسُفَ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: " يَرْفَعُ " وَ" يَشَاءُ " بِالْيَاءِ فِيهِمَا [وَإِضَافَةُ دَرَجَاتٍ إِلَى ﴿مَنْ﴾ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَالْوَجْهُ أَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا مُسْنَدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ: يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجَاتِ مِنْ يَشَاءُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ فِيهِمَا إِلَّا أن الكوفيين قرؤوا: " دَرَجَاتٍ " بِالتَّنْوِينِ، وَمَنْ سِوَاهُمْ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: نَرْفَعُ بِهِ نَحْنُ، وَالرَّافِعُ أَيْضًا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] .
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ عَالَمٌ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ.
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي: إِخْوَةُ يُوسُفَ، ﴿تَاللَّهَ﴾ أَيْ: وَاللَّهِ، وَخُصَّتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِأَنْ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ فِيهَا بِالتَّاءِ فِي الْيَمِينِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ لِنَسْرِقَ فِي أَرْضِ مِصْرَ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا ذَلِكَ؟.
قِيلَ: قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّا مُنْذُ قَطَعْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لَمْ نَرْزَأْ أَحَدًا شَيْئًا فَاسْأَلُوا عَنَّا مَنْ مَرَرْنَا بِهِ: هَلْ ضَرَرْنَا أَحَدًا؟
وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ رَدُّوا الْبِضَاعَةَ الَّتِي جُعِلَتْ فِي رِحَالِهِمْ،قَالُوا: فَلَوْ كُنَّا سَارِقِينَ مَا رَدَدْنَاهَا.
وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَكَانُوا إِذَا دَخَلُوا مِصْرَ كَمَّمُوا أَفْوَاهَ دَوَابِّهِمْ كَيْلَا تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ حُرُوثِ النَّاسِ.
﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ .
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَادِيَ وَأَصْحَابَهُ ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أَيْ: جَزَاءُ السَّارِقِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ فِي قَوْلِكُمْ "وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ".
﴿قَالُوا﴾ [يَعْنِي: إِخْوَةَ يُوسُفَ] [[زيادة من "ب".]] ، ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أَيْ: فَالسَّارِقُ جَزَاؤُهُ أَنْ يُسَلَّمَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ إِلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيَسْتَرِقَّهُ سَنَةً، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةَ آلِ يَعْقُوبَ فِي حُكْمِ السَّارِقِ، وَكَانَ حُكْمُ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يضرب السارق ١٨٥/أوَيُغَرَّمَ ضِعْفَيْ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَأَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَحْبِسَ أَخَاهُ عِنْدَهُ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ حَبْسِهِ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِهِمْ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الْفَاعِلِينِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ سَرِقَةِ مَالِ الْغَيْرِ.
فَقَالَ الرَّسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَمْتِعَتِكُمْ.
فَأَخَذَ فِي تَفْتِيشِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى يُوسُفَ فَأَمَرَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ لِإِزَالَةِ التُّهْمَةِ، ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فَكَانَ يُفَتِّشُ أَوْعِيَتَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَفْتَحُ مَتَاعًا وَلَا يَنْظُرُ فِي وِعَاءٍ إِلَّا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَأَثُّمًا مِمَّا قَذَفَهُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا رَحْلُ بِنْيَامِينَ، قَالَ: مَا أَظُنُّ هَذَا أَخَذَهُ، فَقَالَ إِخْوَتُهُ: وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُ حَتَّى تَنْظُرَ فِي رَحْلِهِ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِكَ وَلِأَنْفُسِنَا، فَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُ اسْتَخْرَجُوهُ مِنْهُ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وَإِنَّمَا أَنَّثَ الْكِنَايَةَ فِي قَوْلِهِ "ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا" وَالصُّوَاعُ مُذَكَّرٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ"؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْكِنَايَةَ هَا هُنَا إِلَى السِّقَايَةِ.
وَقِيلَ: الصُّوَاعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. فَلَمَّا أَخْرَجَ الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِ بِنْيَامِينَ نكس إخوته رؤوسهم مِنَ الْحَيَاءِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى بِنْيَامِينَ وَقَالُوا: مَا الَّذِي صَنَعْتَ فَضَحْتَنَا وَسَوَّدَتْ وُجُوهَنَا يَا بَنِي رَاحِيلَ؟ مَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمُ الْبَلَاءُ، مَتَى أَخَذْتَ هَذَا الصُّوَاعَ؟ فَقَالَ بِنْيَامِينُ: بَلْ بَنُو رَاحِيلَ لَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ ذَهَبْتُمْ بِأَخِي فَأَهْلَكْتُمُوهُ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَوَضَعَ هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي الَّذِي وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخَذُوا بِنْيَامِينَ رَقِيقًا [[انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٢٠٠، تاريخ الطبري: ١ / ٣٥٥.]] .
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخْذَ بِرَقَبَتِهِ وَرَدَّهُ إِلَى يُوسُفَ كَمَا يُرَدُّ [[في "أ": يرق.]] السُّرَّاقُ.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وَالْكَيْدُ هَا هُنَا جَزَاءُ الْكَيْدِ، يَعْنِي: كَمَا فَعَلُوا فِي الِابْتِدَاءِ بِيُوسُفَ مِنَ الْكَيْدِ فَعَلْنَا بِهِمْ. وَقَدْ قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُوسُفَ: "فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا"، فَكِدْنَا لِيُوسُفَ فِي أَمْرِهِمْ.
وَالْكَيْدُ مِنَ الْخُلُقِ: الْحِيلَةُ، وَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّدْبِيرُ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: كِدْنَا: أَلْهَمْنَا. وَقِيلَ: دَبَّرْنَا. وَقِيلَ: أَرَدْنَا. وَمَعْنَاهُ: صَنَعْنَا لِيُوسُفَ حَتَّى ضَمَّ أَخَاهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَتِهِ.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ فَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أَيْ: فِي حُكْمِهِ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي سُلْطَانِهِ.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ حَبْسِ أَخِيهِ فِي حُكْمِ الْمَلِكِ لَوْلَا مَا كِدْنَا لَهُ بِلُطْفِنَا حَتَّى وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَا أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْإِخْوَةِ أَنَّ جَزَاءَ السَّارِقِ الِاسْتِرْقَاقُ، فَحَصَلَ مُرَادُ يُوسُفَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بِالْعِلْمِ كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَةَ يُوسُفَ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: " يَرْفَعُ " وَ" يَشَاءُ " بِالْيَاءِ فِيهِمَا [وَإِضَافَةُ دَرَجَاتٍ إِلَى ﴿مَنْ﴾ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَالْوَجْهُ أَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا مُسْنَدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ: يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجَاتِ مِنْ يَشَاءُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ فِيهِمَا إِلَّا أن الكوفيين قرؤوا: " دَرَجَاتٍ " بِالتَّنْوِينِ، وَمَنْ سِوَاهُمْ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: نَرْفَعُ بِهِ نَحْنُ، وَالرَّافِعُ أَيْضًا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] .
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ عَالَمٌ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ.
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي: إِخْوَةُ يُوسُفَ، ﴿تَاللَّهَ﴾ أَيْ: وَاللَّهِ، وَخُصَّتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِأَنْ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ فِيهَا بِالتَّاءِ فِي الْيَمِينِ دُونَ سَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ لِنَسْرِقَ فِي أَرْضِ مِصْرَ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا ذَلِكَ؟.
قِيلَ: قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّا مُنْذُ قَطَعْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لَمْ نَرْزَأْ أَحَدًا شَيْئًا فَاسْأَلُوا عَنَّا مَنْ مَرَرْنَا بِهِ: هَلْ ضَرَرْنَا أَحَدًا؟
وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ رَدُّوا الْبِضَاعَةَ الَّتِي جُعِلَتْ فِي رِحَالِهِمْ،قَالُوا: فَلَوْ كُنَّا سَارِقِينَ مَا رَدَدْنَاهَا.
وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَكَانُوا إِذَا دَخَلُوا مِصْرَ كَمَّمُوا أَفْوَاهَ دَوَابِّهِمْ كَيْلَا تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ حُرُوثِ النَّاسِ.
﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ .
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَادِيَ وَأَصْحَابَهُ ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أَيْ: جَزَاءُ السَّارِقِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ فِي قَوْلِكُمْ "وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ".
﴿قَالُوا﴾ [يَعْنِي: إِخْوَةَ يُوسُفَ] [[زيادة من "ب".]] ، ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أَيْ: فَالسَّارِقُ جَزَاؤُهُ أَنْ يُسَلَّمَ السَّارِقُ بِسَرِقَتِهِ إِلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَيَسْتَرِقَّهُ سَنَةً، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةَ آلِ يَعْقُوبَ فِي حُكْمِ السَّارِقِ، وَكَانَ حُكْمُ مَلِكِ مِصْرَ أَنْ يضرب السارق ١٨٥/أوَيُغَرَّمَ ضِعْفَيْ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَأَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَحْبِسَ أَخَاهُ عِنْدَهُ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ حَبْسِهِ عِنْدَهُ عَلَى حُكْمِهِمْ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الْفَاعِلِينِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْلُهُ مِنْ سَرِقَةِ مَالِ الْغَيْرِ.
فَقَالَ الرَّسُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ أَمْتِعَتِكُمْ.
فَأَخَذَ فِي تَفْتِيشِهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى يُوسُفَ فَأَمَرَ بِتَفْتِيشِ أَوْعِيَتِهِمْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ لِإِزَالَةِ التُّهْمَةِ، ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فَكَانَ يُفَتِّشُ أَوْعِيَتَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَفْتَحُ مَتَاعًا وَلَا يَنْظُرُ فِي وِعَاءٍ إِلَّا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَأَثُّمًا مِمَّا قَذَفَهُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا رَحْلُ بِنْيَامِينَ، قَالَ: مَا أَظُنُّ هَذَا أَخَذَهُ، فَقَالَ إِخْوَتُهُ: وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُ حَتَّى تَنْظُرَ فِي رَحْلِهِ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِكَ وَلِأَنْفُسِنَا، فَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُ اسْتَخْرَجُوهُ مِنْهُ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وَإِنَّمَا أَنَّثَ الْكِنَايَةَ فِي قَوْلِهِ "ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا" وَالصُّوَاعُ مُذَكَّرٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ"؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْكِنَايَةَ هَا هُنَا إِلَى السِّقَايَةِ.
وَقِيلَ: الصُّوَاعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. فَلَمَّا أَخْرَجَ الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِ بِنْيَامِينَ نكس إخوته رؤوسهم مِنَ الْحَيَاءِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى بِنْيَامِينَ وَقَالُوا: مَا الَّذِي صَنَعْتَ فَضَحْتَنَا وَسَوَّدَتْ وُجُوهَنَا يَا بَنِي رَاحِيلَ؟ مَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمُ الْبَلَاءُ، مَتَى أَخَذْتَ هَذَا الصُّوَاعَ؟ فَقَالَ بِنْيَامِينُ: بَلْ بَنُو رَاحِيلَ لَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ ذَهَبْتُمْ بِأَخِي فَأَهْلَكْتُمُوهُ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَوَضَعَ هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي الَّذِي وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخَذُوا بِنْيَامِينَ رَقِيقًا [[انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٢٠٠، تاريخ الطبري: ١ / ٣٥٥.]] .
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخْذَ بِرَقَبَتِهِ وَرَدَّهُ إِلَى يُوسُفَ كَمَا يُرَدُّ [[في "أ": يرق.]] السُّرَّاقُ.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وَالْكَيْدُ هَا هُنَا جَزَاءُ الْكَيْدِ، يَعْنِي: كَمَا فَعَلُوا فِي الِابْتِدَاءِ بِيُوسُفَ مِنَ الْكَيْدِ فَعَلْنَا بِهِمْ. وَقَدْ قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيُوسُفَ: "فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا"، فَكِدْنَا لِيُوسُفَ فِي أَمْرِهِمْ.
وَالْكَيْدُ مِنَ الْخُلُقِ: الْحِيلَةُ، وَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّدْبِيرُ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: كِدْنَا: أَلْهَمْنَا. وَقِيلَ: دَبَّرْنَا. وَقِيلَ: أَرَدْنَا. وَمَعْنَاهُ: صَنَعْنَا لِيُوسُفَ حَتَّى ضَمَّ أَخَاهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِخْوَتِهِ.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ فَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أَيْ: فِي حُكْمِهِ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي سُلْطَانِهِ.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: إِنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ حَبْسِ أَخِيهِ فِي حُكْمِ الْمَلِكِ لَوْلَا مَا كِدْنَا لَهُ بِلُطْفِنَا حَتَّى وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَا أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْإِخْوَةِ أَنَّ جَزَاءَ السَّارِقِ الِاسْتِرْقَاقُ، فَحَصَلَ مُرَادُ يُوسُفَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بِالْعِلْمِ كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَةَ يُوسُفَ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: " يَرْفَعُ " وَ" يَشَاءُ " بِالْيَاءِ فِيهِمَا [وَإِضَافَةُ دَرَجَاتٍ إِلَى ﴿مَنْ﴾ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَالْوَجْهُ أَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا مُسْنَدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ: يَرْفَعُ اللَّهُ دَرَجَاتِ مِنْ يَشَاءُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ فِيهِمَا إِلَّا أن الكوفيين قرؤوا: " دَرَجَاتٍ " بِالتَّنْوِينِ، وَمَنْ سِوَاهُمْ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: نَرْفَعُ بِهِ نَحْنُ، وَالرَّافِعُ أَيْضًا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] .
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ عَالَمٌ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ عَالَمٍ.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يُرِيدُونَ أخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ، يَعْنِي: يُوسُفَ. وَاخْتَلَفُوا فِي السَّرِقَةِ الَّتِي وَصَفُوا بِهَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: كَانَ لِجَدِّهِ، أَبِي أُمِّهِ، صَنَمٌ يَعْبُدُهُ، فَأَخَذَهُ سِرًّا، أَوْ كَسَرَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ لِئَلَّا يُعْبَدَ [[أخرجه عنهما ابن جرير في التفسير: ١٦ / ١٩٥، وانظر: الدر المنثور: ٤ / ٥٦٤.]] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ يُوسُفَ جَاءَهُ سَائِلٌ يَوْمًا، فَأَخَذَ بَيْضَةً مِنَ الْبَيْتِ فَنَاوَلَهَا لِلسَّائِلِ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أَخَذَ دَجَاجَةً مِنَ الطَّيْرِ الَّتِي كَانَتْ فِي بَيْتِ يَعْقُوبَ فَأَعْطَاهَا سَائِلًا. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ يُخَبِّئُ الطَّعَامَ مِنَ الْمَائِدَةِ لِلْفُقَرَاءِ [[انظر: الدر المنثور: ٤ / ٥٦٤.]] .
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ يُوسُفَ كَانَ عِنْدَ عَمَّتِهِ ابْنَةِ إِسْحَاقَ، بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ رَاحِيلَ، فَحَضَنَتْهُ عَمَّتُهُ وَأَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ وَقَعَتْ مَحَبَّةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ، فَأَتَاهَا وَقَالَ: يَا أُخْتَاهْ سَلِّمِي إِلَيَّ يُوسُفَ، فَوَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَغِيبَ عَنِّي سَاعَةً. قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِتَارِكِهِ، فَقَالَتْ: دَعْهُ عِنْدِي أَيَّامًا أَنْظُرْ إِلَيْهِ لَعَلَّ ذَلِكَ يُسَلِّينِي عَنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَعَمَدَتْ إِلَى مِنْطَقَةٍ لِإِسْحَاقَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَهَا بِالْكِبَرِ، فَكَانَتْ عِنْدَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ أَكْبَرَ وَلَدِ إِسْحَاقَ، فَحَزَمَتِ الْمِنْطَقَةَ عَلَى يُوسُفَ تَحْتَ ثِيَابِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ قَالَتْ: لَقَدْ فَقَدْتُ مِنْطَقَةَ إِسْحَاقَ اكْشِفُوا أَهْلَ الْبَيْتِ فَكَشَفُوا فَوَجَدُوهَا مَعَ يُوسُفَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَسَلَمٌ لِي، فَقَالَ يَعْقُوبُ: إِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ سَلَمٌ لَكَ [[السلم (بفتحتين) : انقياد المذعن المستخذي، كالأسير الذي لا يمتنع ممن أمره، يقال: "أخذه سلما" إذا أسره من غير حرب، فجاء به منقادا لا يمتنع. انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري: ١٦ / ١٩٦.]] ، فَأَمْسَكَتْهُ حَتَّى مَاتَتْ، فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [[أخرجه الطبري: ١٦ / ١٩٦-١٩٧ وعزاه السيوطي لابن إسحاق وابن جرير وابن حاتم. (الدر المنثور: ٤ / ٥٦٣) . هذا، ولم يرد نص ثابت عن النبي ﷺ في تعيين المراد بالسرقة التي وصفوه بها، والله أعلم بالذي كان.]] .
﴿فَأَسَرَّهَا﴾ أَضْمَرَهَا ﴿يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ وَإِنَّمَا أَتَتِ الْكِنَايَةُ لِأَنَّهُ عَنِيَ بِهَا الْكَلِمَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [ذَكَرَهَا سِرًّا فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهَا، يُرِيدُ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] أَيْ: مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ رَمَيْتُمُوهُ بِالسَّرِقَةِ فِي صَنِيعِكُمْ بِيُوسُفَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ يُوسُفَ سَرِقَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَخِيَانَتُكُمْ [[في "ب": جنايتكم.]] حَقِيقَةٌ، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ تَقُولُونَ.
﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ غَضِبُوا غَضَبًا شَدِيدًا لِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَانَ بَنُو يَعْقُوبَ إِذَا غَضِبُوا لَمْ يُطَاقُوا، وَكَانَ رُوبِيلُ إِذَا غَضِبَ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ، وَإِذَا صَاحَ أَلْقَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ حَامِلٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ وَلَدَهَا، وَكَانَ مَعَ هَذَا إِذَا مَسَّهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ سَكَنَ غَضَبُهُ.
وَقِيلَ: كَانَ هَذَا صِفَةُ شَمْعُونَ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: كَمْ عَدَدُ الْأَسْوَاقِ بِمِصْرَ؟ فَقَالُوا عَشَرَةٌ، فَقَالَ: اكْفُونِي أَنْتُمُ الْأَسْوَاقَ وَأَنَا أَكْفِيكُمُ الْمَلِكَ، أَوِ اكْفُونِي أَنْتُمُ الْمَلِكَ وَأَنَا أَكْفِيكُمُ الْأَسْوَاقَ، فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ فَقَالَ رُوبِيلُ: لَتَرُدَّنَ عَلَيْنَا أَخَانَا أَوْ لَأَصِيحَنَّ صَيْحَةً لَا تُبْقِي بمصر امرأة حامل إِلَّا أَلْقَتْ وَلَدَهَا وَقَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِ رُوبِيلَ فَخَرَجَتْ مِنْ ثِيَابِهِ، فَقَالَ يُوسُفُ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ: قُمْ إِلَى جَنْبِ رُوبِيلَ فَمُسَّهُ. وَرُوِيَ: خُذْ بِيَدِهِ فَأْتِنِي بِهِ، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَمَسَّهُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ. فَقَالَ رُوبِيلُ: إِنَّ هَا هُنَا لَبَزْرًا مِنْ بَزْرِ [[البزر (بفتح فسكون) : الولد، يقال: ما أكثر بزره! أي: ولده.]] يَعْقُوبَ، فَقَالَ يُوسُفُ: مَنْ يَعْقُوبُ؟.
وَرُوِيَ أَنَّهُ غَضِبَ ثَانِيًا فَقَامَ إِلَيْهِ يُوسُفُ فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ وَأَخَذَ بِتَلَابِيبِهِ، فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَقَالَ: أَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعِبْرَانِيِّينَ تَظُنُّونَ أَنْ لَا أَحَدَ أَشَدُّ مِنْكُمْ؟
فَلَمَّا صَارَ أَمْرُهُمْ إِلَى هَذَا وَرَأَوْا أَنْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى تَخْلِيصِهِ خَضَعُوا وَذَلُّوا، وَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا يُحِبُّهُ، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ بَدَلًا مِنْهُ، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فِي أَفْعَالِكِ [[أخرجه الطبري مطولا في تاريخه: ١ / ٣٥٥-٣٥٦، ومختصرا في التفسير: ١٦ / ٢٠٠-٢٠١.]] . وَقِيلَ: مِنَ الْمُحْسِنِينَ إِلَيْنَا فِي تَوْفِيَةِ الْكَيْلِ وَحُسْنِ الضِّيَافَةِ وَرَدِّ الْبِضَاعَةِ. وَقِيلَ: يَعْنُونَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُنْتُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
﴿قَالَ﴾ يُوسُفُ، ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أَعُوذُ بِاللَّهِ، ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا مَنْ سَرَقَ تَحْرُّزًا مِنَ الْكَذِبِ، ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ إِنْ أَخَذْنَا بَرِيئًا بِمُجْرِمٍ.
﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ غَضِبُوا غَضَبًا شَدِيدًا لِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَانَ بَنُو يَعْقُوبَ إِذَا غَضِبُوا لَمْ يُطَاقُوا، وَكَانَ رُوبِيلُ إِذَا غَضِبَ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ، وَإِذَا صَاحَ أَلْقَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ حَامِلٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ وَلَدَهَا، وَكَانَ مَعَ هَذَا إِذَا مَسَّهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ سَكَنَ غَضَبُهُ.
وَقِيلَ: كَانَ هَذَا صِفَةُ شَمْعُونَ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: كَمْ عَدَدُ الْأَسْوَاقِ بِمِصْرَ؟ فَقَالُوا عَشَرَةٌ، فَقَالَ: اكْفُونِي أَنْتُمُ الْأَسْوَاقَ وَأَنَا أَكْفِيكُمُ الْمَلِكَ، أَوِ اكْفُونِي أَنْتُمُ الْمَلِكَ وَأَنَا أَكْفِيكُمُ الْأَسْوَاقَ، فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ فَقَالَ رُوبِيلُ: لَتَرُدَّنَ عَلَيْنَا أَخَانَا أَوْ لَأَصِيحَنَّ صَيْحَةً لَا تُبْقِي بمصر امرأة حامل إِلَّا أَلْقَتْ وَلَدَهَا وَقَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِ رُوبِيلَ فَخَرَجَتْ مِنْ ثِيَابِهِ، فَقَالَ يُوسُفُ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ: قُمْ إِلَى جَنْبِ رُوبِيلَ فَمُسَّهُ. وَرُوِيَ: خُذْ بِيَدِهِ فَأْتِنِي بِهِ، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَمَسَّهُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ. فَقَالَ رُوبِيلُ: إِنَّ هَا هُنَا لَبَزْرًا مِنْ بَزْرِ [[البزر (بفتح فسكون) : الولد، يقال: ما أكثر بزره! أي: ولده.]] يَعْقُوبَ، فَقَالَ يُوسُفُ: مَنْ يَعْقُوبُ؟.
وَرُوِيَ أَنَّهُ غَضِبَ ثَانِيًا فَقَامَ إِلَيْهِ يُوسُفُ فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ وَأَخَذَ بِتَلَابِيبِهِ، فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَقَالَ: أَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعِبْرَانِيِّينَ تَظُنُّونَ أَنْ لَا أَحَدَ أَشَدُّ مِنْكُمْ؟
فَلَمَّا صَارَ أَمْرُهُمْ إِلَى هَذَا وَرَأَوْا أَنْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى تَخْلِيصِهِ خَضَعُوا وَذَلُّوا، وَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا يُحِبُّهُ، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ بَدَلًا مِنْهُ، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فِي أَفْعَالِكِ [[أخرجه الطبري مطولا في تاريخه: ١ / ٣٥٥-٣٥٦، ومختصرا في التفسير: ١٦ / ٢٠٠-٢٠١.]] . وَقِيلَ: مِنَ الْمُحْسِنِينَ إِلَيْنَا فِي تَوْفِيَةِ الْكَيْلِ وَحُسْنِ الضِّيَافَةِ وَرَدِّ الْبِضَاعَةِ. وَقِيلَ: يَعْنُونَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُنْتُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
﴿قَالَ﴾ يُوسُفُ، ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أَعُوذُ بِاللَّهِ، ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا مَنْ سَرَقَ تَحْرُّزًا مِنَ الْكَذِبِ، ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ إِنْ أَخَذْنَا بَرِيئًا بِمُجْرِمٍ.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ﴾ أَيْ: أَيِسُوا مِنْ يُوسُفَ أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: اسْتَيْئَسُوا اسْتَيْقَنُوا أَنَّ الْأَخَ لَا يُرَدُّ إِلَيْهِمْ.
﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أَيْ: خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ يَتَنَاجَوْنَ وَيَتَشَاوَرُونَ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ.
وَالنَّجِيُّ يَصْلُحُ لِلْجَمَاعَةِ كَمَا قَالَ هَا هُنَا، وَيَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] ١٨٥/ب وَإِنَّمَا جَازَ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلَ نَعْتًا كَالْعَدْلِ وَالزُّورِ، وَمِثْلُهُ النَّجْوَى يَكُونُ اسْمًا وَمَصْدَرًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] ، أَيْ: مُتَنَاجُونَ. وَقَالَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] ، وَقَالَ فِي الْمَصْدَرِ ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] .
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ يَعْنِي: فِي الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ لَا فِي السِّنِّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ يَهُوذَا وَهُوَ أَعْقَلُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَمْعُونُ، وَكَانَتْ لَهُ الرِّئَاسَةُ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ رُوبِيلُ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ فِي السِّنِّ، وَهُوَ الَّذِي نَهَى الْإِخْوَةَ عَنْ قَتْلِ يُوسُفَ [[ذكر هذه الروايات: السيوطي في الدر المنثور: ٤ / ٥٦٥، والطبري في التفسير: ١٦ / ٢٠٦-٢٠٨، وقال مرجحا إنه "روبيل": "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: عني بقوله "قال كبيرهم" روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنا. ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم: "فلان كبير القوم" مطلقا بغير وصل، إلا أحد معنيين: إما في الرياسة عليهم والسؤدد، وإما في السن. فأما في العقل؛ فإنهم إذا أرادوا ذلك وصوله فقالوا: "هو كبيرهم في العقل". فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك، فلا يفهم إلا ما ذكرت. وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون =وإن كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به= على إخوته رياسة وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله: "قال كبيرهم". فإذا كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا الوجه الآخر، وهو الكبر في السن. وقد قال الذين ذكرنا جميعا: "روبيل كان أكبرهم سنا" فصح بذلك القول الذي اخترناه".]] .
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا﴾ عَهْدًا.
﴿مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ﴾ قَصَّرْتُمْ ﴿فِي يُوسُفَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ " مَا "؛ قِيلَ: هُوَ نَصْبٌ بِإِيقَاعِ الْعَلَمِ عَلَيْهِ، يَعْنِي: أَلَمْ تَعْلَمُوا مِنْ قَبْلِ تَفْرِيطِكُمْ فِي يُوسُفَ.
[وَقِيلَ: وَهُوَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ هَذَا تَفْرِيطُكُمْ فِي يُوسُفَ] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] وَقِيلَ: ﴿مَا﴾ صِلَةٌ. أَيْ: وَمِنْ قَبْلِ هَذَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ.
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ الَّتِي أَنَا بِهَا وَهِيَ أَرْضُ مِصْرَ ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَيَدْعُونِي، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِرَدِّ أَخِي إِلَيَّ، أَوْ بِخُرُوجِي وَتَرْكِ أَخِي. وَقِيلَ: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ فَأُقَاتِلُهُمْ وَأَسْتَرِدُّ أَخِي.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أَعْدَلُ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ النَّاسِ.
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يَقُولُ الْأَخُ الْمُحْتَبِسُ [بِمِصْرَ] [[ساقط من "أ".]] لِإِخْوَتِهِ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ، ﴿فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ﴾ بِنْيَامِينَ، ﴿سَرَقَ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ "سُرِّقَ" بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا، يَعْنِي: نُسِبَ إِلَى السَّرِقَةِ، كَمَا يُقَالُ: خَوَّنْتُهُ أَيْ نَسَبْتُهُ إِلَى الْخِيَانَةِ.
﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يَعْنِي: مَا قُلْنَا هَذَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا] [[ساقط من "ب".]] فَإِنَّا رَأَيْنَا إِخْرَاجَ الصَّاعِ مِنْ مَتَاعِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَمَا شَهِدْنَا، أَيْ: مَا كَانَتْ مِنَّا شَهَادَةٌ فِي عُمْرِنَا عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنَّا إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ صَنِيعِ ابْنِكَ بِزَعْمِهِمْ.
وَقِيلَ: قَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا يَدْرِي هَذَا الرَّجُلُ أَنَّ السَّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ إِلَّا بِقَوْلِكُمْ، فَقَالُوا: مَا شَهِدْنَا عِنْدَ يُوسُفَ بِأَنَّ السَّارِقَ يُسْتَرَقُّ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا، وَكَانَ الْحُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ؛ يَعْقُوبَ وَبَنِيهِ.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مَا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَكَ سَيَسْرِقُ وَيَصِيرُ أَمْرُنَا إِلَى هَذَا وَلَوْ عَلِمْنَا ذَلِكَ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا مِمَّا لَنَا إِلَى حِفْظِهِ مِنْهُ سَبِيلٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا كُنَّا لِلَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَمَجِيئِهِ وَذَهَابِهِ حَافِظِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ فَلَعَلَّهَا دُسَّتْ بِاللَّيْلِ فِي رَحْلِهِ.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَهِيَ مِصْرُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ كَانُوا ارْتَحَلُوا مِنْهَا إِلَى مِصْرَ.
﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أَيِ: الْقَافِلَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا. وَكَانَ صَحِبَهُمْ قَوْمٌ مِنْ كَنْعَانَ مِنْ جِيرَانِ يَعْقُوبَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَرَفَ الْأَخُ الْمُحْتَبِسُ بِمِصْرَ أَنَّ إِخْوَتَهُ أَهْلَ تُهْمَةٍ عِنْدَ أَبِيهِمْ لِمَا كَانُوا صَنَعُوا فِي أَمْرِ يُوسُفَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا هَذَا لِأَبِيهِمْ.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ يُوسُفُ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هَذَا بِأَبِيهِ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَكَانِهِ، وَحَبَسَ أَخَاهُ مَعَ عِلْمِهِ بِشِدَّةِ وَجْدِ أَبِيهِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَعْنَى الْعُقُوقِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَقِلَّةِ الشَّفَقَةِ؟. قِيلَ: قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَمِلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَمَرَهُ بِذَلِكَ، لِيَزِيدَ فِي بَلَاءِ يَعْقُوبَ، فَيُضَاعِفَ لَهُ الْأَجْرَ، وَيُلْحِقَهُ فِي الدَّرَجَةِ بِآبَائِهِ الْمَاضِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ نَفْسَهُ لِإِخْوَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُدَبِّرُوا فِي أَمْرِهِ تَدْبِيرًا فَيَكْتُمُوهُ عَنْ أَبِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾ زَيَّنَتْ، ﴿أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ وَفِيهِ اخْتِصَارٌ مَعْنَاهُ: فَرَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ وَذَكَرُوا لِأَبِيهِمْ مَا قَالَ كَبِيرُهُمْ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ ، أَيْ: حُمِلَ أَخِيكُمْ إِلَى مِصْرَ لِطَلَبِ نَفْعٍ عَاجِلٍ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: يُوسُفَ، وَبِنْيَامِينَ، وَأَخَاهُمُ الْمُقِيمَ بِمِصْرَ.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بِحُزْنِي وَوَجْدِي عَلَى فَقْدِهِمْ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ بِنْيَامِينَ تَتَامَّ حُزْنُهُ وَبَلَغَ جَهْدَهُ، وَتَهَيَّجَ حُزْنُهُ عَلَى يُوسُفَ فأعرض عنهم، ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى﴾ يَا حُزْنَاهْ، ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ وَالْأَسَفُ أَشَدُّ الْحُزْنِ، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ عَمِيَ بَصَرُهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ يُبْصِرْ بِهِمَا سِتَّ سِنِينَ، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أَيْ: مَكْظُومٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الْحُزْنِ مُمْسِكٌ عَلَيْهِ لَا يَبُثُّهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُرَدِّدُ حُزْنَهُ فِي جَوْفِهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ مِنْ حِجْرِ أَبِيهِ إِلَى يَوْمِ الْتَقَى مَعَهُ ثَمَانُونَ عَامًا، لَا تَجِفُّ عَيْنَا يَعْقُوبَ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ يَعْقُوبَ.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَهِيَ مِصْرُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ كَانُوا ارْتَحَلُوا مِنْهَا إِلَى مِصْرَ.
﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أَيِ: الْقَافِلَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا. وَكَانَ صَحِبَهُمْ قَوْمٌ مِنْ كَنْعَانَ مِنْ جِيرَانِ يَعْقُوبَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَرَفَ الْأَخُ الْمُحْتَبِسُ بِمِصْرَ أَنَّ إِخْوَتَهُ أَهْلَ تُهْمَةٍ عِنْدَ أَبِيهِمْ لِمَا كَانُوا صَنَعُوا فِي أَمْرِ يُوسُفَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا هَذَا لِأَبِيهِمْ.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ يُوسُفُ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هَذَا بِأَبِيهِ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَكَانِهِ، وَحَبَسَ أَخَاهُ مَعَ عِلْمِهِ بِشِدَّةِ وَجْدِ أَبِيهِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَعْنَى الْعُقُوقِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَقِلَّةِ الشَّفَقَةِ؟. قِيلَ: قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَمِلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَمَرَهُ بِذَلِكَ، لِيَزِيدَ فِي بَلَاءِ يَعْقُوبَ، فَيُضَاعِفَ لَهُ الْأَجْرَ، وَيُلْحِقَهُ فِي الدَّرَجَةِ بِآبَائِهِ الْمَاضِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ نَفْسَهُ لِإِخْوَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُدَبِّرُوا فِي أَمْرِهِ تَدْبِيرًا فَيَكْتُمُوهُ عَنْ أَبِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾ زَيَّنَتْ، ﴿أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ وَفِيهِ اخْتِصَارٌ مَعْنَاهُ: فَرَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ وَذَكَرُوا لِأَبِيهِمْ مَا قَالَ كَبِيرُهُمْ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ ، أَيْ: حُمِلَ أَخِيكُمْ إِلَى مِصْرَ لِطَلَبِ نَفْعٍ عَاجِلٍ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: يُوسُفَ، وَبِنْيَامِينَ، وَأَخَاهُمُ الْمُقِيمَ بِمِصْرَ.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بِحُزْنِي وَوَجْدِي عَلَى فَقْدِهِمْ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ بِنْيَامِينَ تَتَامَّ حُزْنُهُ وَبَلَغَ جَهْدَهُ، وَتَهَيَّجَ حُزْنُهُ عَلَى يُوسُفَ فأعرض عنهم، ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى﴾ يَا حُزْنَاهْ، ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ وَالْأَسَفُ أَشَدُّ الْحُزْنِ، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ عَمِيَ بَصَرُهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ يُبْصِرْ بِهِمَا سِتَّ سِنِينَ، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أَيْ: مَكْظُومٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الْحُزْنِ مُمْسِكٌ عَلَيْهِ لَا يَبُثُّهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُرَدِّدُ حُزْنَهُ فِي جَوْفِهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ مِنْ حِجْرِ أَبِيهِ إِلَى يَوْمِ الْتَقَى مَعَهُ ثَمَانُونَ عَامًا، لَا تَجِفُّ عَيْنَا يَعْقُوبَ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ يَعْقُوبَ.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَهِيَ مِصْرُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ كَانُوا ارْتَحَلُوا مِنْهَا إِلَى مِصْرَ.
﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أَيِ: الْقَافِلَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا. وَكَانَ صَحِبَهُمْ قَوْمٌ مِنْ كَنْعَانَ مِنْ جِيرَانِ يَعْقُوبَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَرَفَ الْأَخُ الْمُحْتَبِسُ بِمِصْرَ أَنَّ إِخْوَتَهُ أَهْلَ تُهْمَةٍ عِنْدَ أَبِيهِمْ لِمَا كَانُوا صَنَعُوا فِي أَمْرِ يُوسُفَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا هَذَا لِأَبِيهِمْ.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ يُوسُفُ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هَذَا بِأَبِيهِ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَكَانِهِ، وَحَبَسَ أَخَاهُ مَعَ عِلْمِهِ بِشِدَّةِ وَجْدِ أَبِيهِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَعْنَى الْعُقُوقِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَقِلَّةِ الشَّفَقَةِ؟. قِيلَ: قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَمِلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَمَرَهُ بِذَلِكَ، لِيَزِيدَ فِي بَلَاءِ يَعْقُوبَ، فَيُضَاعِفَ لَهُ الْأَجْرَ، وَيُلْحِقَهُ فِي الدَّرَجَةِ بِآبَائِهِ الْمَاضِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ نَفْسَهُ لِإِخْوَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُدَبِّرُوا فِي أَمْرِهِ تَدْبِيرًا فَيَكْتُمُوهُ عَنْ أَبِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾ زَيَّنَتْ، ﴿أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ وَفِيهِ اخْتِصَارٌ مَعْنَاهُ: فَرَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ وَذَكَرُوا لِأَبِيهِمْ مَا قَالَ كَبِيرُهُمْ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ ، أَيْ: حُمِلَ أَخِيكُمْ إِلَى مِصْرَ لِطَلَبِ نَفْعٍ عَاجِلٍ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: يُوسُفَ، وَبِنْيَامِينَ، وَأَخَاهُمُ الْمُقِيمَ بِمِصْرَ.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بِحُزْنِي وَوَجْدِي عَلَى فَقْدِهِمْ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ بِنْيَامِينَ تَتَامَّ حُزْنُهُ وَبَلَغَ جَهْدَهُ، وَتَهَيَّجَ حُزْنُهُ عَلَى يُوسُفَ فأعرض عنهم، ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى﴾ يَا حُزْنَاهْ، ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ وَالْأَسَفُ أَشَدُّ الْحُزْنِ، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ عَمِيَ بَصَرُهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ يُبْصِرْ بِهِمَا سِتَّ سِنِينَ، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أَيْ: مَكْظُومٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الْحُزْنِ مُمْسِكٌ عَلَيْهِ لَا يَبُثُّهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُرَدِّدُ حُزْنَهُ فِي جَوْفِهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ مِنْ حِجْرِ أَبِيهِ إِلَى يَوْمِ الْتَقَى مَعَهُ ثَمَانُونَ عَامًا، لَا تَجِفُّ عَيْنَا يَعْقُوبَ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ يَعْقُوبَ.
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي: أَوْلَادَ يَعْقُوبَ، ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أَيْ: لَا تَزَالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ، لَا تَفْتُرُ مِنْ حُبِّهِ، وَ" لَا " مَحْذُوفَةٌ مِنْ قَوْلِهِ ﴿تَفْتَأُ﴾ يُقَالُ: مَا فَتِئَ يَفْعَلُ كَذَا أَيْ: مَا زَالَ، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَائِمًا ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي [[البيت في ديوان امرئ القيس ص (٣٢) واستشهد به الطبري في: ٤ / ٤٢٥، ١٦ / ٢٢١، وابن قتيبة في المشكل ص (١٧٤) . وفيها: قاعدا بدل قائما.]]
أَيْ: لَا أَبْرَحُ.
﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دفنا [[في "ب": دنفا.]] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَرَضُ مَا دُونَ الْمَوْتِ، يَعْنِي: قَرِيبًا مِنَ الْمَوْتِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاسِدًا لَا عَقْلَ لَكَ.
وَالْحَرَضُ: الَّذِي فَسَدَ جِسْمُهُ وَعَقْلُهُ. وَقِيلَ: ذَائِبًا مِنَ الْهَمِّ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: حَتَّى تَكُونَ دَنِفَ الْجِسْمِ مَخْبُولَ الْعَقْلِ.
وَأَصْلُ الْحَرَضِ: الْفَسَادُ فِي الْجِسْمِ وَالْعَقْلِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْهَرَمِ، أَوِ الْعِشْقِ [[ومنه قول العرجي: إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ... حتى بليت؛ وحتى شفني السقم
يعني بقوله "فأحرضني": أذابني فتركني محرضا.]] ، يُقَالُ: رَجُلٌ حَرَضٌ وَامْرَأَةٌ حَرَضٌ، وَرَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ حَرَضٌ، وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ كَذَلِكَ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ [[فإذا وصف بهذا اللفظ ثُنِّي وجُمِع، وذُكِّر وأُنِّث. ووُحِّد "حرض" بكل حال ولم يدخله التأنيث؛ لأنه مصدر، فإذا أخرج على "فاعل" على تقدير الأسماء لزمه ما يلزم الأسماء من التثنية والجمع والتذكير والتأنيث. انظر: الطبري: ١٦ / ٢٢٢.]] .
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَيِّتِينَ.
﴿قَالَ﴾ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى غِلْظَتَهُمْ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ وَالْبَثُّ: أَشَدُّ الْحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْبِتَهُ أَيْ يُظْهِرَهُ، قَالَ الْحَسَنُ: بَثِّي أَيْ: حَاجَتِي.
وَيُرْوَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَعْقُوبَ جَارٌ لَهُ وَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ مالي أَرَاكَ قَدْ تَهَشَّمْتَ وَفَنِيتَ وَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغَ أَبُوكَ؟ قَالَ: هَشَّمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا يَعْقُوبُ أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ خَطِيئَةٌ أَخْطَأْتُهَا فَاغْفِرْهَا لِي، فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ قَالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٦ / ٢٢٧-٢٢٨ عن طلحة بن مصرّف اليامي موقوفا عليه، (وفي الأصل الإيامي) والمثبت من تهذيب التهذيب، فقد ترجم له وقال: كوفي، فاضل قارئ، من الخامسة.]] .
وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا يَعْقُوبُ مَا الَّذِي أَذْهَبَ بَصَرَكَ وَقَوَّسَ ظَهْرَكَ؟ قَالَ: أَذْهَبَ بَصَرِي بُكَائِي عَلَى يُوسُفَ، وَقَوَّسَ ظَهْرِي حُزْنِي عَلَى أَخِيهِ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَتَشْكُونِي؟ فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَكْشِفُ مَا بِكَ حَتَّى تَدْعُوَنِي.
فَعِنْدَ ذَلِكَ قالإنما أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله، فأوحى اللَّهُ إِلَيْهِ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ لَأَخْرَجْتُهُمَا لَكَ، وَإِنَّمَا وَجَدْتُ عَلَيْكُمْ لِأَنَّكُمْ ذبحتم شاة ١٨٦/أفَقَامَ بِبَابِكُمْ مِسْكِينٌ فَلَمْ تُطْعِمُوهُ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِنَّ أَحَبَّ خَلْقِي إِلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْمَسَاكِينُ، فَاصْنَعْ طَعَامًا وَادْعُ إِلَيْهِ الْمَسَاكِينَ.
فَصَنَعَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُفْطِرِ اللَّيْلَةَ عِنْدَ آلِ يَعْقُوبَ [[أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك: ٢ / ٣٤٨، وقال: "هكذا في سماعي بخط يد حفص بن عمر بن الزبير. وأظن "الزبير" وهما من الراوي، فإنه حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، ابن أخي أنس بن مالك، فإن كان كذلك فالحديث صحيح. ثم قال: وقد أخرج الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم هذا الحديث في التفسير مرسلا. وساقه الهيثمي من رواية أنس ثم قال: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري وهو ضعيف جدا". انظر: مجمع الزوائد: (٧ / ٤٠) . وذكره ابن كثير في التفسير: (٢ / ٤٨٨-٤٨٩) من رواية ابن أبي حاتم: وقال: "هذا حديث غريب فيه نكارة". وزاد السيوطي نسبته لابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٥٧٤.]] .
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا تَغَدَّى أَمَرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ أَرَادَ الْغَدَاءَ فَلْيَأْتِ يَعْقُوبَ، وَإِذَا أَفْطَرَ أَمَرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيَأْتِ يَعْقُوبَ، فَكَانَ يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى مَعَ الْمَسَاكِينِ [[انظر التعليق السابق.]] . وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى يَعْقُوبَ: أَتَدْرِي لِمَ عَاقَبْتُكَ وَحَبَسْتُ عَنْكَ يُوسُفَ ثَمَانِينَ سَنَةً؟ قَالَ: لَا يَا إِلَهِي، قَالَ: لِأَنَّكَ قَدْ شَوَيْتَ عَنَاقًا وَقَتَرْتَ عَلَى جَارِكَ، وَأَكَلْتَ وَلَمْ تُطْعِمْهُ.
وَرُوِيَ: أَنَّ سَبَبَ ابْتِلَاءِ يَعْقُوبَ أَنَّهُ ذَبَحَ عِجَلًا بَيْنَ يَدَيْ أُمِّهِ وَهِيَ تَخُورُ [[انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ٤ / ٢٧٥.]] . وَقَالَ وَهْبٌ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا: أَتَى جِبْرِيلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السِّجْنِ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي أَيُّهَا الصِّدِّيقُ؟ قَالَ: أَرَى صُورَةً طَاهِرَةً وَرِيحًا طَيِّبَةً.
قَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنَا الرُّوحُ الْأَمِينُ.
قَالَ: فَمَا أَدْخَلَكَ مَدْخَلَ الْمُذْنِبِينَ وَأَنْتَ أَطْيَبُ الطَّيِّبِينَ وَرَأْسُ الْمُقَرَّبِينَ [وَأَمِينُ رَبِّ الْعَالَمِينَ] [[ساقط من "ب".]] ?
قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ يَا يُوسُفُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُطَهِّرُ الْبُيُوتَ بِطُهْرِ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي يَدْخُلُونَهَا هِيَ أَطْهَرُ الْأَرَضِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَهَّرَ بِكَ السِّجْنَ وَمَا حَوْلَهُ، يَا طُهْرَ الطَّاهِرَيْنِ وَابْنَ الصَّالِحِينَ الْمُخْلِصِينَ.
قَالَ: وَكَيْفَ لِي بِاسْمِ الصِّدِّيقِينَ وَتَعُدُّنِي مِنَ الْمُخْلَصِينَ الطَّاهِرِينَ، وَقَدْ أُدْخِلْتُ مُدْخَلَ الْمُذْنِبِينَ وَسُمِّيتُ بِاسْمِ الْفَاسِقِينَ؟
قَالَ جِبْرِيلُ: لِأَنَّهُ لَمْ يُفْتَنْ قَلْبُكَ وَلَمْ تُطِعْ سَيِّدَتَكَ فِي مَعْصِيَةِ رَبِّكَ لِذَلِكَ سَمَّاكَ اللَّهُ فِي الصَّدِّيقِينَ، وَعَدَّكَ مِنَ الْمُخْلَصِينَ، وَأَلْحَقَكَ بِآبَائِكَ الصَّالِحِينَ.
قَالَ يُوسُفُ: هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِيَعْقُوبَ أَيُّهَا الرُّوحُ الْأَمِينُ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَهَبَهُ اللَّهُ الصَّبْرَ الْجَمِيلَ وَابْتَلَاهُ بِالْحُزْنِ عَلَيْكَ فَهُوَ كَظِيمٌ.
قَالَ: فَكَمْ قَدْرُ حُزْنِهُ؟
قَالَ: حُزْنُ سَبْعِينَ ثَكْلَى.
قَالَ: فَمَا زَادٌ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ يَا جِبْرِيلُ؟
قَالَ: أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ.
قَالَ: أَفَتُرَانِي لَاقِيهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، فَطَابَتْ نَفْسُ يُوسُفَ، وَقَالَ: مَا أُبَالِي بِمَا لَقِيتُ إِنْ رَأَيْتُهُ [[أخرجه عنهما الطبري في التفسير: ١٦ / ٢٢٩-٢٣١. ووهب يكثر من الروايات الإسرائيلية ورواية السدي ضعيفة.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أَعْلَمُ مِنْ حَيَاةِ يُوسُفَ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
رُوِيَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ زَارَ يَعْقُوبَ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلَكُ الطَّيِّبُ رِيحُهُ، الْحَسَنُ صُورَتُهُ، هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ وَلَدِي فِي الْأَرْوَاحِ؟ قَالَ: لَا فَسَكَنَ يَعْقُوبُ وَطَمِعَ فِي رُؤْيَتِهِ، وَقَالَ: وَأَعْلَمُ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ صَادِقَةٌ وَإِنِّي وَأَنْتُمْ سَنَسْجُدُ لَهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَخْبَرَهُ وَلَدُهُ بِسِيرَةِ الْمَلِكِ أَحَسَّتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ وَطَمِعَ وَقَالَ لَعَلَّهُ يُوسُفُ، فَقَالَ: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ [[انظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٥٣. ورواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي وهو ضعيف جدا. انظر: مجمع الزوائد ٧ / ٤٠.]] .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ: أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ حُبِسَ بِنْيَامِينُ: مِنْ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ [[انظر التعليق رقم (١) ص (٢١٥) .]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ [إِلَى مَلِكِ مِصْرَ] [[ساقط من "ب".]] أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ وُكِّلَ بِنَا الْبَلَاءُ؛ أَمَّا جَدِّي إِبْرَاهِيمُ فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَمَّا أَبِي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلَى قَفَاهُ، فَفَدَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكَانَ لِيَ ابْنٌ وَكَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِي إِلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إِخْوَتُهُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ ثُمَّ أَتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَقَالُوا: قَدْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَذَهَبَتْ عَيْنَايَ [مِنَ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ] [[ساقط من "ب".]] ، ثُمَّ كَانَ لِيَ ابْنٌ وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَكُنْتُ أَتَسَلَّى بِهِ، وَإِنَّكَ حَبَسْتَهُ وَزَعَمْتَ أَنَّهُ سَرَقَ، وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَسْرِقُ وَلَا نَلِدُ سَارِقًا، فَإِنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وَإِلَّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السَّابِعَ مِنْ وَلَدِكَ، فَلَمَّا قَرَأَ يُوسُفُ الْكِتَابَ لَمْ يَتَمَالَكِ الْبُكَاءَ وَعِيلَ صَبْرُهُ، فَأَظْهَرَ نَفْسَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [[أخرجه الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن منبه، وهو ضعيف. انظر: الدر المنثور ٤ / ٥٧٩.]] .
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي: أَوْلَادَ يَعْقُوبَ، ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أَيْ: لَا تَزَالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ، لَا تَفْتُرُ مِنْ حُبِّهِ، وَ" لَا " مَحْذُوفَةٌ مِنْ قَوْلِهِ ﴿تَفْتَأُ﴾ يُقَالُ: مَا فَتِئَ يَفْعَلُ كَذَا أَيْ: مَا زَالَ، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَائِمًا ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي [[البيت في ديوان امرئ القيس ص (٣٢) واستشهد به الطبري في: ٤ / ٤٢٥، ١٦ / ٢٢١، وابن قتيبة في المشكل ص (١٧٤) . وفيها: قاعدا بدل قائما.]]
أَيْ: لَا أَبْرَحُ.
﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دفنا [[في "ب": دنفا.]] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَرَضُ مَا دُونَ الْمَوْتِ، يَعْنِي: قَرِيبًا مِنَ الْمَوْتِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاسِدًا لَا عَقْلَ لَكَ.
وَالْحَرَضُ: الَّذِي فَسَدَ جِسْمُهُ وَعَقْلُهُ. وَقِيلَ: ذَائِبًا مِنَ الْهَمِّ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: حَتَّى تَكُونَ دَنِفَ الْجِسْمِ مَخْبُولَ الْعَقْلِ.
وَأَصْلُ الْحَرَضِ: الْفَسَادُ فِي الْجِسْمِ وَالْعَقْلِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْهَرَمِ، أَوِ الْعِشْقِ [[ومنه قول العرجي: إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ... حتى بليت؛ وحتى شفني السقم
يعني بقوله "فأحرضني": أذابني فتركني محرضا.]] ، يُقَالُ: رَجُلٌ حَرَضٌ وَامْرَأَةٌ حَرَضٌ، وَرَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ حَرَضٌ، وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ كَذَلِكَ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ [[فإذا وصف بهذا اللفظ ثُنِّي وجُمِع، وذُكِّر وأُنِّث. ووُحِّد "حرض" بكل حال ولم يدخله التأنيث؛ لأنه مصدر، فإذا أخرج على "فاعل" على تقدير الأسماء لزمه ما يلزم الأسماء من التثنية والجمع والتذكير والتأنيث. انظر: الطبري: ١٦ / ٢٢٢.]] .
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَيِّتِينَ.
﴿قَالَ﴾ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى غِلْظَتَهُمْ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ وَالْبَثُّ: أَشَدُّ الْحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْبِتَهُ أَيْ يُظْهِرَهُ، قَالَ الْحَسَنُ: بَثِّي أَيْ: حَاجَتِي.
وَيُرْوَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَعْقُوبَ جَارٌ لَهُ وَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ مالي أَرَاكَ قَدْ تَهَشَّمْتَ وَفَنِيتَ وَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغَ أَبُوكَ؟ قَالَ: هَشَّمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا يَعْقُوبُ أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ خَطِيئَةٌ أَخْطَأْتُهَا فَاغْفِرْهَا لِي، فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ قَالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٦ / ٢٢٧-٢٢٨ عن طلحة بن مصرّف اليامي موقوفا عليه، (وفي الأصل الإيامي) والمثبت من تهذيب التهذيب، فقد ترجم له وقال: كوفي، فاضل قارئ، من الخامسة.]] .
وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا يَعْقُوبُ مَا الَّذِي أَذْهَبَ بَصَرَكَ وَقَوَّسَ ظَهْرَكَ؟ قَالَ: أَذْهَبَ بَصَرِي بُكَائِي عَلَى يُوسُفَ، وَقَوَّسَ ظَهْرِي حُزْنِي عَلَى أَخِيهِ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَتَشْكُونِي؟ فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَكْشِفُ مَا بِكَ حَتَّى تَدْعُوَنِي.
فَعِنْدَ ذَلِكَ قالإنما أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله، فأوحى اللَّهُ إِلَيْهِ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ لَأَخْرَجْتُهُمَا لَكَ، وَإِنَّمَا وَجَدْتُ عَلَيْكُمْ لِأَنَّكُمْ ذبحتم شاة ١٨٦/أفَقَامَ بِبَابِكُمْ مِسْكِينٌ فَلَمْ تُطْعِمُوهُ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِنَّ أَحَبَّ خَلْقِي إِلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْمَسَاكِينُ، فَاصْنَعْ طَعَامًا وَادْعُ إِلَيْهِ الْمَسَاكِينَ.
فَصَنَعَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُفْطِرِ اللَّيْلَةَ عِنْدَ آلِ يَعْقُوبَ [[أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك: ٢ / ٣٤٨، وقال: "هكذا في سماعي بخط يد حفص بن عمر بن الزبير. وأظن "الزبير" وهما من الراوي، فإنه حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، ابن أخي أنس بن مالك، فإن كان كذلك فالحديث صحيح. ثم قال: وقد أخرج الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم هذا الحديث في التفسير مرسلا. وساقه الهيثمي من رواية أنس ثم قال: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري وهو ضعيف جدا". انظر: مجمع الزوائد: (٧ / ٤٠) . وذكره ابن كثير في التفسير: (٢ / ٤٨٨-٤٨٩) من رواية ابن أبي حاتم: وقال: "هذا حديث غريب فيه نكارة". وزاد السيوطي نسبته لابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٥٧٤.]] .
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا تَغَدَّى أَمَرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ أَرَادَ الْغَدَاءَ فَلْيَأْتِ يَعْقُوبَ، وَإِذَا أَفْطَرَ أَمَرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيَأْتِ يَعْقُوبَ، فَكَانَ يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى مَعَ الْمَسَاكِينِ [[انظر التعليق السابق.]] . وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى يَعْقُوبَ: أَتَدْرِي لِمَ عَاقَبْتُكَ وَحَبَسْتُ عَنْكَ يُوسُفَ ثَمَانِينَ سَنَةً؟ قَالَ: لَا يَا إِلَهِي، قَالَ: لِأَنَّكَ قَدْ شَوَيْتَ عَنَاقًا وَقَتَرْتَ عَلَى جَارِكَ، وَأَكَلْتَ وَلَمْ تُطْعِمْهُ.
وَرُوِيَ: أَنَّ سَبَبَ ابْتِلَاءِ يَعْقُوبَ أَنَّهُ ذَبَحَ عِجَلًا بَيْنَ يَدَيْ أُمِّهِ وَهِيَ تَخُورُ [[انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ٤ / ٢٧٥.]] . وَقَالَ وَهْبٌ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا: أَتَى جِبْرِيلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السِّجْنِ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي أَيُّهَا الصِّدِّيقُ؟ قَالَ: أَرَى صُورَةً طَاهِرَةً وَرِيحًا طَيِّبَةً.
قَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنَا الرُّوحُ الْأَمِينُ.
قَالَ: فَمَا أَدْخَلَكَ مَدْخَلَ الْمُذْنِبِينَ وَأَنْتَ أَطْيَبُ الطَّيِّبِينَ وَرَأْسُ الْمُقَرَّبِينَ [وَأَمِينُ رَبِّ الْعَالَمِينَ] [[ساقط من "ب".]] ?
قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ يَا يُوسُفُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُطَهِّرُ الْبُيُوتَ بِطُهْرِ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي يَدْخُلُونَهَا هِيَ أَطْهَرُ الْأَرَضِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَهَّرَ بِكَ السِّجْنَ وَمَا حَوْلَهُ، يَا طُهْرَ الطَّاهِرَيْنِ وَابْنَ الصَّالِحِينَ الْمُخْلِصِينَ.
قَالَ: وَكَيْفَ لِي بِاسْمِ الصِّدِّيقِينَ وَتَعُدُّنِي مِنَ الْمُخْلَصِينَ الطَّاهِرِينَ، وَقَدْ أُدْخِلْتُ مُدْخَلَ الْمُذْنِبِينَ وَسُمِّيتُ بِاسْمِ الْفَاسِقِينَ؟
قَالَ جِبْرِيلُ: لِأَنَّهُ لَمْ يُفْتَنْ قَلْبُكَ وَلَمْ تُطِعْ سَيِّدَتَكَ فِي مَعْصِيَةِ رَبِّكَ لِذَلِكَ سَمَّاكَ اللَّهُ فِي الصَّدِّيقِينَ، وَعَدَّكَ مِنَ الْمُخْلَصِينَ، وَأَلْحَقَكَ بِآبَائِكَ الصَّالِحِينَ.
قَالَ يُوسُفُ: هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِيَعْقُوبَ أَيُّهَا الرُّوحُ الْأَمِينُ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَهَبَهُ اللَّهُ الصَّبْرَ الْجَمِيلَ وَابْتَلَاهُ بِالْحُزْنِ عَلَيْكَ فَهُوَ كَظِيمٌ.
قَالَ: فَكَمْ قَدْرُ حُزْنِهُ؟
قَالَ: حُزْنُ سَبْعِينَ ثَكْلَى.
قَالَ: فَمَا زَادٌ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ يَا جِبْرِيلُ؟
قَالَ: أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ.
قَالَ: أَفَتُرَانِي لَاقِيهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، فَطَابَتْ نَفْسُ يُوسُفَ، وَقَالَ: مَا أُبَالِي بِمَا لَقِيتُ إِنْ رَأَيْتُهُ [[أخرجه عنهما الطبري في التفسير: ١٦ / ٢٢٩-٢٣١. ووهب يكثر من الروايات الإسرائيلية ورواية السدي ضعيفة.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أَعْلَمُ مِنْ حَيَاةِ يُوسُفَ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
رُوِيَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ زَارَ يَعْقُوبَ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلَكُ الطَّيِّبُ رِيحُهُ، الْحَسَنُ صُورَتُهُ، هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ وَلَدِي فِي الْأَرْوَاحِ؟ قَالَ: لَا فَسَكَنَ يَعْقُوبُ وَطَمِعَ فِي رُؤْيَتِهِ، وَقَالَ: وَأَعْلَمُ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ صَادِقَةٌ وَإِنِّي وَأَنْتُمْ سَنَسْجُدُ لَهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَخْبَرَهُ وَلَدُهُ بِسِيرَةِ الْمَلِكِ أَحَسَّتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ وَطَمِعَ وَقَالَ لَعَلَّهُ يُوسُفُ، فَقَالَ: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ [[انظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٥٣. ورواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي وهو ضعيف جدا. انظر: مجمع الزوائد ٧ / ٤٠.]] .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ: أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ حُبِسَ بِنْيَامِينُ: مِنْ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ [[انظر التعليق رقم (١) ص (٢١٥) .]] بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ [إِلَى مَلِكِ مِصْرَ] [[ساقط من "ب".]] أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ وُكِّلَ بِنَا الْبَلَاءُ؛ أَمَّا جَدِّي إِبْرَاهِيمُ فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَمَّا أَبِي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلَى قَفَاهُ، فَفَدَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكَانَ لِيَ ابْنٌ وَكَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِي إِلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إِخْوَتُهُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ ثُمَّ أَتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَقَالُوا: قَدْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَذَهَبَتْ عَيْنَايَ [مِنَ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ] [[ساقط من "ب".]] ، ثُمَّ كَانَ لِيَ ابْنٌ وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَكُنْتُ أَتَسَلَّى بِهِ، وَإِنَّكَ حَبَسْتَهُ وَزَعَمْتَ أَنَّهُ سَرَقَ، وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَسْرِقُ وَلَا نَلِدُ سَارِقًا، فَإِنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وَإِلَّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السَّابِعَ مِنْ وَلَدِكَ، فَلَمَّا قَرَأَ يُوسُفُ الْكِتَابَ لَمْ يَتَمَالَكِ الْبُكَاءَ وَعِيلَ صَبْرُهُ، فَأَظْهَرَ نَفْسَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [[أخرجه الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن منبه، وهو ضعيف. انظر: الدر المنثور ٤ / ٥٧٩.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ تَخَبَّرُوا وَاطْلُبُوا الْخَبَرَ، ﴿مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ وَالتَّحَسُّسُ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ لَا يَبْعُدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، إِلَّا أَنَّ التَّحَسُّسَ بِالْحَاءِ فِي الْخَيْرِ وَبِالْجِيمِ فِي الشَّرِّ، والتحسس هُوَ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالْحَاسَّةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ الْتَمِسُوا ﴿وَلَا تَيْئَسُوا﴾ وَلَا تَقْنَطُوا ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مِنْ فَرَجِ اللَّهِ.
﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا رَاجِعِينَ إِلَى مِصْرَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهَا فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أَيِ: الشِّدَّةُ وَالْجُوعُ، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أَيْ: قَلِيلَةٍ رَدِيئَةٍ كَاسِدَةٍ، لَا تُنْفَقُ فِي ثَمَنِ الطَّعَامِ إِلَّا بِتَجَوُّزٍ مِنَ الْبَائِعِ فِيهَا، وَأَصْلُ الْإِزْجَاءِ: السَّوْقُ وَالدَّفْعُ. وَقِيلَ: لِلْبِضَاعَةِ مُزْجَاةٌ لِأَنَّهَا غَيْرُ نَافِقَةٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى دَفْعٍ مَنْ آخِذِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ دَرَاهِمَ رَدِيئَةً زُيُوفًا [[الدراهم التي ظهر فيها غش ورداءة.]] .
وَقِيلَ: كَانَتْ خِلَقَ الْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ [["الخلق": البالي. "الغرائر": جمع غرارة، وهي وعاء من خيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه، وهو أكبر من الجوالق. انظر: المعجم الوسيط: ٢ / ٦٤٨.]] .
وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ مَتَاعِ الْأَعْرَابِ مِنَ الصُّوفِ وَالْأَقِطِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: كَانَتِ الْحَبَّةَ الْخَضْرَاءَ.
وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ سَوِيقِ الْمُقْلِ [[المقل: حمل الدوم: والدوم يشبه النخل.]] .
وَقِيلَ: كَانَتِ الْأُدْمَ وَالنِّعَالَ [[قال الطبري في معنى "وجئنا ببضاعة مزجاة": بدراهم، أو ثمن لا يجوز في ثمن الطعام إلا لمن يتجاوز فيها ... واختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، وإن كانت معاني بيانهم متقاربة". التفسير: ١٦ / ٢٣٤، ٢٣٥.]] .
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أَيْ: أَعْطِنَا مَا كُنْتَ تُعْطِينَا قَبْلُ بِالثَّمَنِ الْجَيِّدِ الْوَافِي.
﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: تَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِمَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَلَا تَنْقُصْنَا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالضَّحَّاكُ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا إِلَيْنَا [[قال الطبري تعقيبا على ما ذكره ابن جريج: وهذا القول وإن كان قولا له وجه، فليس بالقول المختار ... لأن الصدقة في متعارف العرب إنما هي: إعطاء الرجل ذا حاجة بعض أملاكه ابتغاء ثواب الله عليه، وإن كان كل معروف صدقة. فتوجيه تأويل كلام الله إلى الأغلب من معناه في كلام من نزل القرآن بلسانه = أولى وأحرى.]] .
﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي﴾ يُثِيبُ، ﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مُؤْمِنٌ.
وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هَلْ حُرِّمَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [[أخرجه الطبري: ١٦ / ٢٤٢. ورده ابن عطية بحديث (نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة) انظر: المحرر الوجيز: ٨ / ٦٣.]] ، يُرِيدُ أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَتَصَدَّقُ وَإِنَّمَا يَتَصَدَّقُ مَنْ يَبْغِي الثَّوَابَ، قُلِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي أَوْ تَفَضَّلْ عَلَيَّ [[وبمثله قال مجاهد، فقد سئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي؟ فقال: نعم، إنما الصدقة لمن يبغي الثواب. انظر: الطبري: ١٦ / ٢٤٣، الدر المنثور: ٤ / ٥٧٧.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ تَخَبَّرُوا وَاطْلُبُوا الْخَبَرَ، ﴿مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ وَالتَّحَسُّسُ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ لَا يَبْعُدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، إِلَّا أَنَّ التَّحَسُّسَ بِالْحَاءِ فِي الْخَيْرِ وَبِالْجِيمِ فِي الشَّرِّ، والتحسس هُوَ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالْحَاسَّةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ الْتَمِسُوا ﴿وَلَا تَيْئَسُوا﴾ وَلَا تَقْنَطُوا ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أَيْ: مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مِنْ فَرَجِ اللَّهِ.
﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَخَرَجُوا رَاجِعِينَ إِلَى مِصْرَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهَا فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أَيِ: الشِّدَّةُ وَالْجُوعُ، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أَيْ: قَلِيلَةٍ رَدِيئَةٍ كَاسِدَةٍ، لَا تُنْفَقُ فِي ثَمَنِ الطَّعَامِ إِلَّا بِتَجَوُّزٍ مِنَ الْبَائِعِ فِيهَا، وَأَصْلُ الْإِزْجَاءِ: السَّوْقُ وَالدَّفْعُ. وَقِيلَ: لِلْبِضَاعَةِ مُزْجَاةٌ لِأَنَّهَا غَيْرُ نَافِقَةٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى دَفْعٍ مَنْ آخِذِهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ دَرَاهِمَ رَدِيئَةً زُيُوفًا [[الدراهم التي ظهر فيها غش ورداءة.]] .
وَقِيلَ: كَانَتْ خِلَقَ الْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ [["الخلق": البالي. "الغرائر": جمع غرارة، وهي وعاء من خيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه، وهو أكبر من الجوالق. انظر: المعجم الوسيط: ٢ / ٦٤٨.]] .
وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ مَتَاعِ الْأَعْرَابِ مِنَ الصُّوفِ وَالْأَقِطِ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: كَانَتِ الْحَبَّةَ الْخَضْرَاءَ.
وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ سَوِيقِ الْمُقْلِ [[المقل: حمل الدوم: والدوم يشبه النخل.]] .
وَقِيلَ: كَانَتِ الْأُدْمَ وَالنِّعَالَ [[قال الطبري في معنى "وجئنا ببضاعة مزجاة": بدراهم، أو ثمن لا يجوز في ثمن الطعام إلا لمن يتجاوز فيها ... واختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، وإن كانت معاني بيانهم متقاربة". التفسير: ١٦ / ٢٣٤، ٢٣٥.]] .
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أَيْ: أَعْطِنَا مَا كُنْتَ تُعْطِينَا قَبْلُ بِالثَّمَنِ الْجَيِّدِ الْوَافِي.
﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أَيْ: تَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِمَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَلَا تَنْقُصْنَا. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالضَّحَّاكُ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا إِلَيْنَا [[قال الطبري تعقيبا على ما ذكره ابن جريج: وهذا القول وإن كان قولا له وجه، فليس بالقول المختار ... لأن الصدقة في متعارف العرب إنما هي: إعطاء الرجل ذا حاجة بعض أملاكه ابتغاء ثواب الله عليه، وإن كان كل معروف صدقة. فتوجيه تأويل كلام الله إلى الأغلب من معناه في كلام من نزل القرآن بلسانه = أولى وأحرى.]] .
﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي﴾ يُثِيبُ، ﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمْ يَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مُؤْمِنٌ.
وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هَلْ حُرِّمَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [[أخرجه الطبري: ١٦ / ٢٤٢. ورده ابن عطية بحديث (نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة) انظر: المحرر الوجيز: ٨ / ٦٣.]] ، يُرِيدُ أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَتَصَدَّقُ وَإِنَّمَا يَتَصَدَّقُ مَنْ يَبْغِي الثَّوَابَ، قُلِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي أَوْ تَفَضَّلْ عَلَيَّ [[وبمثله قال مجاهد، فقد سئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي؟ فقال: نعم، إنما الصدقة لمن يبغي الثواب. انظر: الطبري: ١٦ / ٢٤٣، الدر المنثور: ٤ / ٥٧٧.]] .
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي حَمَلَ يُوسُفَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، قال ابْنُ إِسْحَاقَ: ذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ لَمَّا كَلَّمُوهُ بِهَذَا الْكَلَامِ أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَارْفَضَّ دَمْعُهُ [[ارفض الدمع وترفض: نزل وسال.]] ، فَبَاحَ بِالَّذِي كَانَ يَكْتُمُ مِنْهُمْ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٦ / ٢٤٣.]] .
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ حَكَى لِإِخْوَتِهِ أَنَّ مَالِكَ بْنَ ذُعْرٍ قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ غُلَامًا فِي بِئْرٍ، مِنْ حَالِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَابْتَعْتُهُ بِكَذَا دِرْهَمًا فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ، نَحْنُ بِعْنَا ذَلِكَ الْغُلَامَ، فَغَاظَ يُوسُفَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَذَهَبُوا بِهِمْ لِيَقْتُلُوهُمْ، فَوَلَّى يَهُوذَا وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ يَعْقُوبُ يَحْزَنُ وَيَبْكِي لِفَقْدِ وَاحِدٍ مِنَّا حَتَّى كُفَّ بَصَرُهُ، فَكَيْفَ إِذَا أَتَاهُ قَتْلُ بَنِيهِ كُلِّهِمْ؟ ثُمَّ قَالُوا لَهُ: إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَابْعَثْ بِأَمْتِعَتِنَا إِلَى أَبِينَا فَإِنَّهُ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ حِينَ رَحِمَهُمْ وَبَكَى، وَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ [[رواه أبو صالح عن ابن عباس: انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ٤ / ٢٧٩.]] .
وَقِيلَ: قَالَهُ حِينَ قَرَأَ كِتَابَ أَبِيهِ إِلَيْهِ فَلَمْ يتمالك البكاء ١٨٦/ب فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَصَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ إِذْ أَنْتُمْ جاهلون بما يؤول إِلَيْهِ أَمْرُ يُوسُفَ؟ وَقِيلَ: مُذْنِبُونَ وَعَاصُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذْ أَنْتُمْ شَبَابٌ وَمَعَكُمْ جَهْلُ الشَّبَابِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ، وَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَى أَخِيهِ، وَهُمْ لَمْ يَسْعَوْا فِي حَبْسِهِ؟ قِيلَ: قَدْ قَالُوا لَهُ فِي الصَّاعِ مَا يَزَالُ لَنَا بَلَاءٌ، وَقِيلَ: مَا رَأَيْنَا مِنْكُمْ يَا بَنِي رَاحِيلَ خَيْرًا. وَقِيلَ: لَمَّا كَانَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ كَانُوا يُؤْذُونَهُ مِنْ بَعْدِ فَقْدِ يُوسُفَ.
﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ: " إِنَّكَ " عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ يُوسُفُ يَتَكَلَّمُ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ فَلَمَّا قَالَ يُوسُفُ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ، كَشَفَ عَنْهُمُ الْغِطَاءَ وَرَفَعَ الْحِجَابَ، فَعَرَفُوهُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ تَبَسَّمَ يُوسُفُ فَرَأَوْا ثَنَايَاهُ كَاللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ فَشَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، فَقَالُوا اسْتِفْهَامًا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى وَضَعَ التَّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، وَكَانَ لَهُ فِي قَرْنِهِ عَلَامَةٌ وَكَانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُهَا وَلِإِسْحَاقَ مِثْلُهَا وَلِسَارَةَ مِثْلُهَا شِبْهُ الشَّامَةِ، فَعَرَفُوهُ فَقَالُوا: أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ.
وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى التَّوَهُّمِ حَتَّى، ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [[راجع في هذه الأقوال: زاد المسير: ١٤ / ٢٨١.]] ، بِنْيَامِينُ، ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَنَا.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَّقِي الزنى وَيَصْبِرُ عَنِ الْعُزُوبَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّقِي الْمَعْصِيَةَ وَيَصْبِرُ عَلَى السِّجْنِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي حَمَلَ يُوسُفَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، قال ابْنُ إِسْحَاقَ: ذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ لَمَّا كَلَّمُوهُ بِهَذَا الْكَلَامِ أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَارْفَضَّ دَمْعُهُ [[ارفض الدمع وترفض: نزل وسال.]] ، فَبَاحَ بِالَّذِي كَانَ يَكْتُمُ مِنْهُمْ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٦ / ٢٤٣.]] .
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ حَكَى لِإِخْوَتِهِ أَنَّ مَالِكَ بْنَ ذُعْرٍ قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ غُلَامًا فِي بِئْرٍ، مِنْ حَالِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَابْتَعْتُهُ بِكَذَا دِرْهَمًا فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ، نَحْنُ بِعْنَا ذَلِكَ الْغُلَامَ، فَغَاظَ يُوسُفَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَذَهَبُوا بِهِمْ لِيَقْتُلُوهُمْ، فَوَلَّى يَهُوذَا وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ يَعْقُوبُ يَحْزَنُ وَيَبْكِي لِفَقْدِ وَاحِدٍ مِنَّا حَتَّى كُفَّ بَصَرُهُ، فَكَيْفَ إِذَا أَتَاهُ قَتْلُ بَنِيهِ كُلِّهِمْ؟ ثُمَّ قَالُوا لَهُ: إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَابْعَثْ بِأَمْتِعَتِنَا إِلَى أَبِينَا فَإِنَّهُ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ حِينَ رَحِمَهُمْ وَبَكَى، وَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ [[رواه أبو صالح عن ابن عباس: انظر: زاد المسير لابن الجوزي: ٤ / ٢٧٩.]] .
وَقِيلَ: قَالَهُ حِينَ قَرَأَ كِتَابَ أَبِيهِ إِلَيْهِ فَلَمْ يتمالك البكاء ١٨٦/ب فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَصَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ إِذْ أَنْتُمْ جاهلون بما يؤول إِلَيْهِ أَمْرُ يُوسُفَ؟ وَقِيلَ: مُذْنِبُونَ وَعَاصُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذْ أَنْتُمْ شَبَابٌ وَمَعَكُمْ جَهْلُ الشَّبَابِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ، وَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَى أَخِيهِ، وَهُمْ لَمْ يَسْعَوْا فِي حَبْسِهِ؟ قِيلَ: قَدْ قَالُوا لَهُ فِي الصَّاعِ مَا يَزَالُ لَنَا بَلَاءٌ، وَقِيلَ: مَا رَأَيْنَا مِنْكُمْ يَا بَنِي رَاحِيلَ خَيْرًا. وَقِيلَ: لَمَّا كَانَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ كَانُوا يُؤْذُونَهُ مِنْ بَعْدِ فَقْدِ يُوسُفَ.
﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ: " إِنَّكَ " عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ يُوسُفُ يَتَكَلَّمُ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ فَلَمَّا قَالَ يُوسُفُ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ، كَشَفَ عَنْهُمُ الْغِطَاءَ وَرَفَعَ الْحِجَابَ، فَعَرَفُوهُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ تَبَسَّمَ يُوسُفُ فَرَأَوْا ثَنَايَاهُ كَاللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ فَشَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، فَقَالُوا اسْتِفْهَامًا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى وَضَعَ التَّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، وَكَانَ لَهُ فِي قَرْنِهِ عَلَامَةٌ وَكَانَ لِيَعْقُوبَ مِثْلُهَا وَلِإِسْحَاقَ مِثْلُهَا وَلِسَارَةَ مِثْلُهَا شِبْهُ الشَّامَةِ، فَعَرَفُوهُ فَقَالُوا: أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ.
وَقِيلَ: قَالُوهُ عَلَى التَّوَهُّمِ حَتَّى، ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [[راجع في هذه الأقوال: زاد المسير: ١٤ / ٢٨١.]] ، بِنْيَامِينُ، ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَنَا.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَّقِي الزنى وَيَصْبِرُ عَنِ الْعُزُوبَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّقِي الْمَعْصِيَةَ وَيَصْبِرُ عَلَى السِّجْنِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .