Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi
Surah Yusuf
Tafseer Al-Baghawi · Joseph · 111 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
سُورَةِ يُوسُفَ
(سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكِّيَّةٌ [[قال ابن عباس وقتادة: مكية، إلا ثلاث آيات من أولها، ونقل القرطبي عنهما: إلا أربع آيات. انظر: البحر المحيط: ٥ / ٢٧٧، القرطبي: ٩ / ١١٨.]]) ﷽
* *
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أَيِ: الْبَيِّنُ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ، وَحُدُودُهُ وَأَحْكَامُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: مُبِينٌ -وَاللَّهِ-بَرَكَتُهُ وَهُدَاهُ وَرُشْدُهُ، فَهَذَا مِنْ بَانَ أَيْ: ظَهَرَ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مُبَيِّنٌ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْحَلَّالَ مِنَ الْحَرَامِ، فَهَذَا مِنْ أَبَانَ بِمَعْنَى أَظْهَرَ.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ يَعْنِي: الْكِتَابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ، لِكَيْ تَعْلَمُوا مَعَانِيَهُ، وَتَفْهَمُوا مَا فِيهِ.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: نَقْرَأُ عَلَيْكَ ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وَالْقَاصُّ هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ [[في "ب": يتتبع.]] الْآثَارَ وَيَأْتِي بِالْخَبَرِ عَلَى وَجْهِهِ.
مَعْنَاهُ: نُبَيِّنُ لَكَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ أَحْسَنَ الْبَيَانِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ: قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَاصَّةً، سَمَّاهَا أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ وَالنُّكَتِ وَالْفَوَائِدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، مِنْ سِيَرِ الْمُلُوكِ وَالْمَمَالِيكِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَمَكْرِ النِّسَاءِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْأَعْدَاءِ، وَحُسْنِ التَّجَاوُزِ عَنْهُمْ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ.
قَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ: سُورَةُ يُوسُفَ وَسُورَةُ مَرْيَمَ يَتَفَكَّهُ بِهِمَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: لَا يَسْمَعُ [[في "ب": يتتبع.]] سُورَةَ يُوسُفَ مَحْزُونٌ إِلَّا اسْتَرَاحَ إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ "مَا" الْمَصْدَرُ، أَيْ: بِإِيحَائِنَا إِلَيْكَ، ﴿هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ﴾ وَقَدْ كُنْتَ، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أَيْ: [قَبْلَ وَحْيِنَا] [[ساقط من "أ".]] ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ لَمِنَ السَّاهِينَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَا تَعْلَمُهَا.
قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ ذَكَّرْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[أخرجه الطبري: ١٥ / ٥٥، وصححه ابن حبان ص (٤٣٢) من موارد الظمآن، والحاكم: ٢ / ٣٤٥ ووافقه الذهبي، ومن طريقه أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (٣١١) . وأخرجه أيضا: إسحاق بن راهويه، والبزار، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٤٩٦، المطالب العالية: ٣ / ٣٤٣.]] أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: ١٦] .
سُورَةِ يُوسُفَ
(سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكِّيَّةٌ [[قال ابن عباس وقتادة: مكية، إلا ثلاث آيات من أولها، ونقل القرطبي عنهما: إلا أربع آيات. انظر: البحر المحيط: ٥ / ٢٧٧، القرطبي: ٩ / ١١٨.]]) ﷽
* *
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أَيِ: الْبَيِّنُ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ، وَحُدُودُهُ وَأَحْكَامُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: مُبِينٌ -وَاللَّهِ-بَرَكَتُهُ وَهُدَاهُ وَرُشْدُهُ، فَهَذَا مِنْ بَانَ أَيْ: ظَهَرَ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مُبَيِّنٌ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْحَلَّالَ مِنَ الْحَرَامِ، فَهَذَا مِنْ أَبَانَ بِمَعْنَى أَظْهَرَ.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ يَعْنِي: الْكِتَابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ، لِكَيْ تَعْلَمُوا مَعَانِيَهُ، وَتَفْهَمُوا مَا فِيهِ.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: نَقْرَأُ عَلَيْكَ ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وَالْقَاصُّ هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ [[في "ب": يتتبع.]] الْآثَارَ وَيَأْتِي بِالْخَبَرِ عَلَى وَجْهِهِ.
مَعْنَاهُ: نُبَيِّنُ لَكَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ أَحْسَنَ الْبَيَانِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ: قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَاصَّةً، سَمَّاهَا أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ وَالنُّكَتِ وَالْفَوَائِدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، مِنْ سِيَرِ الْمُلُوكِ وَالْمَمَالِيكِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَمَكْرِ النِّسَاءِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْأَعْدَاءِ، وَحُسْنِ التَّجَاوُزِ عَنْهُمْ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ.
قَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ: سُورَةُ يُوسُفَ وَسُورَةُ مَرْيَمَ يَتَفَكَّهُ بِهِمَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: لَا يَسْمَعُ [[في "ب": يتتبع.]] سُورَةَ يُوسُفَ مَحْزُونٌ إِلَّا اسْتَرَاحَ إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ "مَا" الْمَصْدَرُ، أَيْ: بِإِيحَائِنَا إِلَيْكَ، ﴿هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ﴾ وَقَدْ كُنْتَ، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أَيْ: [قَبْلَ وَحْيِنَا] [[ساقط من "أ".]] ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ لَمِنَ السَّاهِينَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَا تَعْلَمُهَا.
قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ ذَكَّرْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[أخرجه الطبري: ١٥ / ٥٥، وصححه ابن حبان ص (٤٣٢) من موارد الظمآن، والحاكم: ٢ / ٣٤٥ ووافقه الذهبي، ومن طريقه أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (٣١١) . وأخرجه أيضا: إسحاق بن راهويه، والبزار، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٤٩٦، المطالب العالية: ٣ / ٣٤٣.]] أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: ١٦] .
سُورَةِ يُوسُفَ
(سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكِّيَّةٌ [[قال ابن عباس وقتادة: مكية، إلا ثلاث آيات من أولها، ونقل القرطبي عنهما: إلا أربع آيات. انظر: البحر المحيط: ٥ / ٢٧٧، القرطبي: ٩ / ١١٨.]]) ﷽
* *
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أَيِ: الْبَيِّنُ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ، وَحُدُودُهُ وَأَحْكَامُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: مُبِينٌ -وَاللَّهِ-بَرَكَتُهُ وَهُدَاهُ وَرُشْدُهُ، فَهَذَا مِنْ بَانَ أَيْ: ظَهَرَ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مُبَيِّنٌ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْحَلَّالَ مِنَ الْحَرَامِ، فَهَذَا مِنْ أَبَانَ بِمَعْنَى أَظْهَرَ.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ يَعْنِي: الْكِتَابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ، لِكَيْ تَعْلَمُوا مَعَانِيَهُ، وَتَفْهَمُوا مَا فِيهِ.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: نَقْرَأُ عَلَيْكَ ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وَالْقَاصُّ هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ [[في "ب": يتتبع.]] الْآثَارَ وَيَأْتِي بِالْخَبَرِ عَلَى وَجْهِهِ.
مَعْنَاهُ: نُبَيِّنُ لَكَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ أَحْسَنَ الْبَيَانِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ: قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَاصَّةً، سَمَّاهَا أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ وَالنُّكَتِ وَالْفَوَائِدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، مِنْ سِيَرِ الْمُلُوكِ وَالْمَمَالِيكِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَمَكْرِ النِّسَاءِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْأَعْدَاءِ، وَحُسْنِ التَّجَاوُزِ عَنْهُمْ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ.
قَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ: سُورَةُ يُوسُفَ وَسُورَةُ مَرْيَمَ يَتَفَكَّهُ بِهِمَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: لَا يَسْمَعُ [[في "ب": يتتبع.]] سُورَةَ يُوسُفَ مَحْزُونٌ إِلَّا اسْتَرَاحَ إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ "مَا" الْمَصْدَرُ، أَيْ: بِإِيحَائِنَا إِلَيْكَ، ﴿هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ﴾ وَقَدْ كُنْتَ، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أَيْ: [قَبْلَ وَحْيِنَا] [[ساقط من "أ".]] ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ لَمِنَ السَّاهِينَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَا تَعْلَمُهَا.
قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ ذَكَّرْتَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[أخرجه الطبري: ١٥ / ٥٥، وصححه ابن حبان ص (٤٣٢) من موارد الظمآن، والحاكم: ٢ / ٣٤٥ ووافقه الذهبي، ومن طريقه أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (٣١١) . وأخرجه أيضا: إسحاق بن راهويه، والبزار، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٤٩٦، المطالب العالية: ٣ / ٣٤٣.]] أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: ١٦] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ أَيْ: وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ، وَيُوسُفُ اسْمٌ عِبْرِيٌّ [عُرِّبَ] [[ساقط من "ب".]] ، وَلِذَلِكَ لَا يَجْرِي [عَلَيْهِ الْإِعْرَابُ] وَقِيلَ هُوَ عَرَبِيٌّ [[ساقط من "ب".]] .
سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَقْطَعُ عَنْ يُوسُفَ؟ فَقَالَ: الْأَسَفُ فِي اللُّغَةِ: الْحُزْنُ، وَالْأَسِيفُ: الْعَبْدُ، وَاجْتَمَعَا فِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسُمِّيَ بِهِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ [[أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء - باب قول الله تعالى: "لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين": ٦ / ٤١٩، وفي تفسير سورة يوسف، باب "ويتم نعمته عليك": ٨ / ٣٦١، وفي المناقب أيضا: ورواه مسلم مختصرا، وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٣ / ١٢٦. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: ٤ / ١٥٢.]] .
﴿يَا أَبَتِ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ ﴿يَا أَبَتَ﴾ بِفَتْحِ التَّاءِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ عَلَى تَقْدِيرِ: يَا أَبَتَاهُ.
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: ﴿يَا أَبَتِ﴾ بِكَسْرِ التَّاءِ لِأَنَّ أَصْلَهُ: يَا أَبَتْ، وَالْجَزْمُ يُحَرَّكُ إِلَى الْكَسْرِ.
﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ أَيْ نَجْمًا مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَنَصْبُ الْكَوَاكِبِ عَلَى التَّفْسِيرِ.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ وَلَمْ يُقِلْ رَأَيْتُهَا إِلَيَّ سَاجِدَةً، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ مِنْ كِنَايَاتِ مَنْ يَعْقِلُ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهَا بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِلُ عَبَّرَ عَنْهَا بِكِنَايَةِ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] .
وَكَانَ النُّجُومُ فِي التَّأْوِيلِ أَخَوَاتِهِ [[في "ب": إخوته.]] ، وَكَانُوا أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا يُسْتَضَاءُ بِهِمْ كَمَا يُسْتَضَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالشَّمْسُ أَبُوهُ، وَالْقَمَرُ أُمُّهُ. قَالَهُ قَتَادَةُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْقَمَرُ خَالَتُهُ، لِأَنَّ أُمَّهُ رَاحِيلَ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقَمَرُ أَبُوهُ وَالشَّمْسُ أُمُّهُ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ مُؤَنَّثَةٌ وَالْقَمَرَ مُذَكَّرٌ.
وَكَانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً حِينَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا.
وَقِيلَ: رَآهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَلَمَّا قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ.
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَحْيٌ فَعَلِمَ يَعْقُوبُ أَنَّ الْإِخْوَةَ إِذَا سَمِعُوهَا حَسَدُوهُ فَأَمَرَهُ بِالْكِتْمَانِ، ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فَيَحْتَالُوا فِي إِهْلَاكِكَ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهَا فَيَحْسُدُونَكَ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ "لَكَ" صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] . وَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ نَصَحْتُكَ وَنَصَحْتُ لَكَ، وَشَكَرْتُكَ وَشَكَرْتُ لَكَ.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أَيْ: يُزَيِّنُّ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى الْكَيْدِ، لِعَدَاوَتِهِ الْقَدِيمَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا تَهُمُّنِي حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمَرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، [وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ] [[ساقط من "أ".]] ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهِ أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّ" [[أخرجه البخاري في التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة: ١٢ / ٣٧٣، ومسلم في أول كتاب الرؤيا، برقم (٢٢٦١) : ٤ / ١٧٧٢، والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٢٠٦.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عَدَسٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ أَوْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ"، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: "لَا تُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا حَبِيبًا أَوْ لَبِيبًا" [[أخرجه أبو داود في الأدب، باب الرؤيا: ٧ / ٢٩٨-٢٩٩، والترمذي في الرؤيا، باب ما جاء في تعبير الرؤيا: ٦ / ٥٥٨-٥٥٩، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وابن ماجه في تعبير الرؤيا، باب "الرؤيا إذا عبرت وقعت ... " برقم (٣٩١٤) : ٢ / ١٢٨٨، وصححه الحاكم: ٤ / ٣٩٠، ووافقه الذهبي، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ٤ / ١٠، والمصنف في شرح السنة وقال: هذا حديث حسن: ١٢ / ٢١٣. وقوله "على رجل طائر" مثل، ومعناه: أنها لا تستقر قرارها ما لم تعبر. وأما تحديثه بها الحبيب فلأنه لا يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب، واللبيب يخبرك بحقيقتها أو بأقرب ما يعلم منها.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يَصْطَفِيكَ رَبُّكَ يَقُولُهُ يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ، أَيْ: كَمَا رَفَعَ مَنْزِلَتَكَ بِهَذِهِ الرُّؤْيَا، فَكَذَلِكَ يَصْطَفِيكَ رَبُّكَ، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ يُرِيدُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا، سُمِّيَ تأويلا لأنه يؤول أَمْرُهُ إِلَى مَا رَأَى فِي مَنَامِهِ، والتأويل ما يؤول إِلَى عَاقِبَةِ الْأَمْرِ، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ يَعْنِي: بِالنُّبُوَّةِ، ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أَيْ: عَلَى أَوْلَادِهِ فَإِنَّ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ كَانُوا أَنْبِيَاءَ، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ فَجَعَلَهُمَا نَبِيَّيْنَ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلَّةُ.
وَقِيلَ: إِنْجَاؤُهُ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى إِسْحَاقَ إِنْجَاؤُهُ مِنَ الذَّبْحِ [[هذا على القول بأن الذبيح هو إسحاق عليه السلام، والصحيح الثابت خلافه، ولذلك نضع هنا كلمة ضافية لابن القيم وشيخه ابن تيمية رحمهما الله، فيها إبطال القول بأن الذبيح مو إسحاق. قال ابن القيم في "زاد المعاد": (١ / ٧١-٧٥) : "وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم، لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله. وكيف يسوغ أن يُقال: إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة: إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: (لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) (هود - ٧٠، ٧١) فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها ولد، ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب عليه السلام داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، وهذا ظاهر الكلام وسياقه. فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان "يعقوب" مجرورا عطفا على إسحاق، فكانت القراءة "ومن وراء إسحاقَ يعقوبَ" أي: ويعقوب من وراء إسحاق. قيل: لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرا به، لأن البشارة قول مخصوص، وهي أول خبر سار صادق. وقوله تعالى: "ومن وراء إسحاق يعقوب" جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارة، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية. ولما كانت البشارة قولا، كان موضع هذه الجملة نصبا على الحكاية بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها: من وراء إسحاق يعقوب، والقائل إذا قال: بشرت فلانا بقدوم أخيه وثَقَلِه في أَثَره، لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعأ. هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه البتة، ثم يضعف الجر أمر آخر، وهو ضعف قولك: مررت بزيد ومن بعده عمرو، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجر، فلا يفصل بينه وبين المجرور، كما لا يفصل بين حرف الجار والمجرور. ويدل عليه أيضا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة (الصافات) قال: "فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم، وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين" (الصافات: ١٠٣ - ١١١) ثم قال تعالى: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين﴾ [الصافات: ١١٢] . فهذه بشارة من الله تعالى له شكرا على صبره على ما أمر به، وهذا ظاهر جدا في أن المبشَّر به غير الأول، بل هو كالنص فيه. فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته، أي: لما صبر الأب على ما أمر به، وأسلم الولد لأمر الله، جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة. قيل: البشارة وقعت على المجموع: على ذاته ووجوده، وأن يكون نبيا، ولهذا نصب "نبيا" على الحال المقدر، أي: مقدرا نبوته، فلا يمكن إخراج البشارة أن تقع على الأصل، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفضلة، هذا مُحال من الكلام، بل إذا وقعت البشارة على نبوته، فوقوعها على وجوده أولى وأحرى. وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم، لكانت القرابين والنحر بالشام، لا بمكة. وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليما. لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه. ولما ذكر إسحاق سماه عليما، فقال تعالى: "هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما. قال سلام قوم منكرون" (الذاريات- ٢٤، ٢٥) إلى أن قال: "قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم" [الذاريات: ٢٨] وهذا إسحاق بلا ريب، لأنه من امرأته، وهي المبشرة به، وأما إسماعيل، فمن السرية. وأيضا فإنهما بشرا به على الكبير واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل، فإنه ولد قبل ذلك. وأيضا فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد، ووهبه له، تعلقت شعبة من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد، جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل، فأمره بذبح المحبوب، فلما أقدم على ذبحه، وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد، خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه، فقد حصل المقصود، فنسخ الأمر، وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا، وحصل مراد الرب. ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود، ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول، بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي الأمر بذبحه، وهذا في غاية الظهور. وأيضأ فإن سارة امرأة الخليل ﷺ غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة، فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه، اشتدت غيرة "سارة"، فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها "هاجر" وابنها، ويسكنها في أرض مكة لتبرد عن "سارة" حرارة الغيرة، وهذا من رحمته تعالى ورأفته، فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها، ويدع ابن الجارية بحاله، هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية، بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بعد هذا بذبح ولد السرية، فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها، وتتبدل قسوة الغيرة رحمة، ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتا هذه وابنها منهم، وليرى عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر "هاجر" وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه، من جل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه أن يمن عليه بعد استضعافه وذله وانكساره. قال تعالى: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" [القصص: ٥] وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وانظر: "الإسرائيليات والموضوعات" للشيخ محمد أبو شهبة ص (٣٥٣-٣٦٣) .]] .
وَقِيلَ: بإخراج يعقوب ١٧٩/ب وَالْأَسْبَاطِ مِنْ صُلْبِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ هَذِهِ وَبَيْنَ تَحْقِيقِهَا بِمَصِيرِ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ إِلَيْهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ بَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ سَنَةً. فَلَمَّا بَلَغَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا إِخْوَةَ يُوسُفَ حَسَدُوهُ وَقَالُوا: مَا رَضِيَ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ إِخْوَتُهُ حَتَّى يَسْجُدَ لَهُ أَبَوَاهُ فَبَغَوْهُ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ أَيْ: فِي خَبَرِهِ وَخَبَرِ إِخْوَتِهِ. وَأَسْمَاؤُهُمْ: رُوبِيلُ، وَهُوَ أَكْبَرُهُمْ، وشَمْعُونُ، وَلَاوِي، وَيَهُوذَا، وَزبَالُونُ، وَقِيلَ: زَبْلُونُ، وَآشِرُ، وَأُمُّهُمْ لِيَا بِنْتُ لَيَانَ وَهِيَ ابْنَةُ خَالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَوُلِدَ لَهُ مِنْ سُرِّيَّتَيْنِ لَهُ، اسْمُ إِحْدَاهُمَا زَلْفَةُ وَالْأُخْرَى يلهمة [[في "ب" لمهمة.]] أَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ: دَانٍ، وَنَفْتَالِي، وَقِيلَ: نَفْتُولِي، وَجَادُ، وَأَشِيرُ. ثُمَّ تُوُفِّيَتْ لِيَا فَتَزَوَّجَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُخْتَهَا رَاحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ. [وَقِيلَ: وَابْنَ يَامِينَ] [[ساقط من "ب". وقال ابن الجوزي في زاد المسير: ٤ / ١٨٣: وإنما قيل له: ابن يامين، لأن أمه ماتت نفساء، ويامين بمعنى الوجع.]] ، فَكَانَ بَنُو يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.
﴿آيَاتٌ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ " آيَةٌ " عَلَى التَّوْحِيدِ، أَيْ: عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَقِيلَ: عَجَبٌ.
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: ﴿آيَاتٌ﴾ عَلَى الْجَمْعِ.
﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقِيلَ: سَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ انْتِقَالِ وَلَدِ يَعْقُوبَ مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مِصْرَ. فَذَكَرَ لَهُمْ قِصَّةَ يُوسُفَ، فَوَجَدُوهَا مُوَافِقَةً لِمَا فِي التَّوْرَاةِ [فَتَعَجَّبُوا مِنْهَا] [[في "ب": فعجبوا منه.]] . فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [أَيْ: دَلَالَةٌ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقِيلَ: آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ وَلِمَنْ لَمْ يَسْأَلْ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] ] [[ساقط من "ب".]] .
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ، فَإِنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى حَسَدِ إِخْوَةِ يُوسُفَ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ فِي الْحَسَدِ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى رُؤْيَاهُ، وَمَا حَقَّقَ اللَّهُ مِنْهَا، وَتَشْتَمِلُ عَلَى صَبْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَعَلَى الرِّقِّ وَفِي السِّجْنِ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنَ الْمُلْكِ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى حُزْنِ يَعْقُوبَ وَصَبْرِهِ وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمُرَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ اللَّامُ فِيهِ جَوَابُ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لَيُوسُفُ، ﴿وَأَخُوهُ﴾ بِنْيَامِينُ، ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ كَانَ يُوسُفُ وَأَخُوهُ بِنْيَامِينُ مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَكَانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَدِيدَ الْحُبِّ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ إِخْوَتُهُ يَرَوْنَ مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهِ مَا لَا يَرَوْنَهُ مَعَ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ [[قال ابن عطية: ٧ / ٤٤٠: "وكان حب يعقوب ليوسف عليه السلام وبنيامين لصغرهما وموت أمهما، وهذا من "حب الصغير فطرة البشر". وقد قيل لابنة الحسن: أي بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يفيق".]] ، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جَمَاعَةٌ وَكَانُوا عَشَرَةً.
قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعُصْبَةُ هِيَ الْعَشَرَةُ فَمَا زَادَ.
وَقِيلَ: الْعُصْبَةُ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ.
وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ.
وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ.
وَقِيلَ: جَمَاعَةٌ يَتَعَصَّبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا كَالنَّفَرِ وَالرَّهْطِ.
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ خَطَإٍ بَيِّنٍ فِي إِيثَارِهِ يُوسُفَ وَأَخَاهُ عَلَيْنَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الضَّلَالِ عَنِ الدِّينِ، وَلَوْ أَرَادُوهُ لَكَفَرُوا بِهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ: الْخَطَأُ فِي تَدْبِيرِ أَمْرِ الدُّنْيَا، يَقُولُونَ: نَحْنُ أَنْفَعُ لَهُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَإِصْلَاحِ أَمْرِ مَعَاشِهِ وَرَعْيِ مَوَاشِيهِ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِالْمَحَبَّةِ مِنْهُ، فَهُوَ مُخْطِئٌ فِي صَرْفِ مَحَبَّتِهِ إِلَيْهِ.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ اخْتَلَفُوا فِي قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ؛ فَقَالَ وَهْبٌ: قَالَهُ شَمْعُونُ. وَقَالَ كَعْبٌ: قَالَهُ دَانُ.
﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أَيْ: إِلَى أَرْضٍ يَبْعُدُ [[في "أ": بعيد.]] عَنْ أَبِيهِ. وَقِيلَ: فِي أَرْضٍ تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ.
﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ يَخْلُصْ لَكُمْ وَيَصْفُ لَكُمْ.
﴿وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ عَنْ [[في "ب": من.]] شَغْلِهِ بِيُوسُفَ، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ مِنْ بَعْدِ قَتْلِ يُوسُفَ، ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ تَائِبِينَ، أَيْ: تُوبُوا بَعْدَمَا فَعَلْتُمْ هَذَا يَعْفُ اللَّهُ عَنْكُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَصْلُحْ أَمْرُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَبِيكُمْ.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ وَهُوَ يَهُوذَا، وَقَالَ [قَتَادَةُ] [[في "ب": مقاتل قاله.]] : رُوبِيلُ، وَكَانَ ابْنَ خَالَةِ يُوسُفَ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ سِنًّا وَأَحْسَنَهُمْ رَأْيًا فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَنَّهُ يَهُوذَا، نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ، وَقَالَ: الْقَتْلُ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةٌ.
﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَنَافِعٌ: "غَيَابَاتِ الْجُبِّ" عَلَى الْجَمْعِ فِي الْحَرْفَيْنِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "غَيَابَةِ الْجُبِّ" عَلَى الْوَاحِدِ، أَيْ: فِي أَسْفَلِ الْجُبِّ وَظُلْمَتِهِ. وَالْغَيَابَةُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سَتَرَ عَنْكَ الشَّيْءَ وَغَيَّبَهُ. وَالْجُبُّ: الْبِئْرُ غَيْرُ الْمَطْوِيَّةِ لِأَنَّهُ جُبَّ، أَيْ: قُطِعَ وَلَمْ يُطْوَ.
﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ يَأْخُذْهُ، وَالِالْتِقَاطُ: أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُهُ [[في "ب": يحس به.]] ، ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أَيْ: بَعْضُ الْمُسَافِرِينَ، فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَتَسْتَرِيحُوا مِنْهُ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أَيْ: إِنْ عَزَمْتُمْ عَلَى فِعْلِكُمْ، وَهُمْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ بَالِغِينَ، وَلَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ بَعْدُ.
وَقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا بَالِغِينَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا: "وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ" [[قال السدي ومقاتل بن سليمان: إنهم أرادوا صلاح الحال عند أبيهم، وهذا يشبه أن يكون قصدهم في تلك الحال، ولم يكونوا حينئذ أنبياء. وقال الجمهور: "صالحين" معناه بالتوبة، وهو الأظهر من اللفظ، وحالهم أيضا تعطيه، لأنهم مؤمنون بنوا على عظيمة وعلّلوا أنفسم بالتوبة. انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٤ / ٤٤٣. ومال الحافظ ابن كثير إلى الرأي الأول، فقال في التفسير: (٢ / ٤٧٠-٤٧١) : "اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك. ومن الناس من يزعم أنهم أُوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل. ولم يذكروا سوى قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم. والله أعلم".]] .
" وقالوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا " وَالصَّغِيرُ لَا ذَنْبَ لَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: اشْتَمَلَ فِعْلُهُمْ عَلَى جَرَائِمَ مَنْ قَطْعِ الرَّحِمِ، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَقِلَّةِ الرَّأْفَةِ بِالصَّغِيرِ، الَّذِي لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالْغَدْرِ بِالْأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الْعَهْدِ وَالْكَذِبِ مَعَ أَبِيهِمْ. وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى لَا يَيْئَسَ أَحَدٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ بَعْضُ [أَهْلِ الْعِلْمِ] [[في "ب": بعضهم.]] إِنَّهُمْ عَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ وَعَصَمَهُمُ اللَّهُ رَحْمَةً بِهِمْ، وَلَوْ فَعَلُوا لَهَلَكُوا أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ أَنْبَأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى [[هذا على القول بأن الله نبأهم فيما بعد، وهو ما قال عنه ابن كثير: فيه نظر.]] .
وَسُئِلَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كَيْفَ قَالُوا "نَرْتَعُ وَنَلْعَبُ" وَهُمْ أَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَبَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِهِ بِضَرْبٍ مِنَ الْحِيَلِ.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ اخْتَلَفُوا فِي قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ؛ فَقَالَ وَهْبٌ: قَالَهُ شَمْعُونُ. وَقَالَ كَعْبٌ: قَالَهُ دَانُ.
﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أَيْ: إِلَى أَرْضٍ يَبْعُدُ [[في "أ": بعيد.]] عَنْ أَبِيهِ. وَقِيلَ: فِي أَرْضٍ تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ.
﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ يَخْلُصْ لَكُمْ وَيَصْفُ لَكُمْ.
﴿وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ عَنْ [[في "ب": من.]] شَغْلِهِ بِيُوسُفَ، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ مِنْ بَعْدِ قَتْلِ يُوسُفَ، ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ تَائِبِينَ، أَيْ: تُوبُوا بَعْدَمَا فَعَلْتُمْ هَذَا يَعْفُ اللَّهُ عَنْكُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَصْلُحْ أَمْرُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَبِيكُمْ.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ وَهُوَ يَهُوذَا، وَقَالَ [قَتَادَةُ] [[في "ب": مقاتل قاله.]] : رُوبِيلُ، وَكَانَ ابْنَ خَالَةِ يُوسُفَ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ سِنًّا وَأَحْسَنَهُمْ رَأْيًا فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَنَّهُ يَهُوذَا، نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ، وَقَالَ: الْقَتْلُ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةٌ.
﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَنَافِعٌ: "غَيَابَاتِ الْجُبِّ" عَلَى الْجَمْعِ فِي الْحَرْفَيْنِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "غَيَابَةِ الْجُبِّ" عَلَى الْوَاحِدِ، أَيْ: فِي أَسْفَلِ الْجُبِّ وَظُلْمَتِهِ. وَالْغَيَابَةُ: كُلُّ مَوْضِعٍ سَتَرَ عَنْكَ الشَّيْءَ وَغَيَّبَهُ. وَالْجُبُّ: الْبِئْرُ غَيْرُ الْمَطْوِيَّةِ لِأَنَّهُ جُبَّ، أَيْ: قُطِعَ وَلَمْ يُطْوَ.
﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ يَأْخُذْهُ، وَالِالْتِقَاطُ: أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُهُ [[في "ب": يحس به.]] ، ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أَيْ: بَعْضُ الْمُسَافِرِينَ، فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَتَسْتَرِيحُوا مِنْهُ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أَيْ: إِنْ عَزَمْتُمْ عَلَى فِعْلِكُمْ، وَهُمْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ بَالِغِينَ، وَلَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ بَعْدُ.
وَقِيلَ: لَمْ يَكُونُوا بَالِغِينَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا: "وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ" [[قال السدي ومقاتل بن سليمان: إنهم أرادوا صلاح الحال عند أبيهم، وهذا يشبه أن يكون قصدهم في تلك الحال، ولم يكونوا حينئذ أنبياء. وقال الجمهور: "صالحين" معناه بالتوبة، وهو الأظهر من اللفظ، وحالهم أيضا تعطيه، لأنهم مؤمنون بنوا على عظيمة وعلّلوا أنفسم بالتوبة. انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٤ / ٤٤٣. ومال الحافظ ابن كثير إلى الرأي الأول، فقال في التفسير: (٢ / ٤٧٠-٤٧١) : "اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك. ومن الناس من يزعم أنهم أُوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل. ولم يذكروا سوى قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم. والله أعلم".]] .
" وقالوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا " وَالصَّغِيرُ لَا ذَنْبَ لَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: اشْتَمَلَ فِعْلُهُمْ عَلَى جَرَائِمَ مَنْ قَطْعِ الرَّحِمِ، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَقِلَّةِ الرَّأْفَةِ بِالصَّغِيرِ، الَّذِي لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالْغَدْرِ بِالْأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الْعَهْدِ وَالْكَذِبِ مَعَ أَبِيهِمْ. وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى لَا يَيْئَسَ أَحَدٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ بَعْضُ [أَهْلِ الْعِلْمِ] [[في "ب": بعضهم.]] إِنَّهُمْ عَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ وَعَصَمَهُمُ اللَّهُ رَحْمَةً بِهِمْ، وَلَوْ فَعَلُوا لَهَلَكُوا أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ أَنْبَأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى [[هذا على القول بأن الله نبأهم فيما بعد، وهو ما قال عنه ابن كثير: فيه نظر.]] .
وَسُئِلَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كَيْفَ قَالُوا "نَرْتَعُ وَنَلْعَبُ" وَهُمْ أَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَبَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِهِ بِضَرْبٍ مِنَ الْحِيَلِ.
﴿قَالُوا﴾ لِيَعْقُوبَ، ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: ﴿تَأْمَنَّا﴾ بِلَا إِشْمَامٍ [[في "ب": شمة.]] ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ نَافِعٍ [وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: ﴿تَأْمَنَّا﴾ بِإِشْمَامِ الضَّمَّةِ فِي النُّونِ الْأُولَى الْمُدْغَمَةِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الضَّمَّةِ، مِنْ غَيْرِ إِمْحَاضٍ، لِيُعْلَمَ أَنَّ أَصْلَهُ: لَا تَأْمَنُنَا بِنُونَيْنِ عَلَى تَفْعَلُنَا، فَأُدْغِمَتِ النُّونُ الْأُولَى في الثانية] [[ساقط من "ب".]] ، بدؤوا بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ إِرْسَالِهِ مَعَهُمْ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّكَ لَا تُرْسِلُهُ مَعَنَا أَتَخَافُنَا عَلَيْهِ؟.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَبِيهِمْ: "أَرْسِلْهُ مَعَنَا" فَقَالَ أَبُوهُمْ: "إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ" فَحِينَئِذٍ قَالُوا: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ النُّصْحُ هَا هُنَا هُوَ: الْقِيَامُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَقِيلَ: الْبِرُّ وَالْعَطْفُ، مَعْنَاهُ: إِنَّا عَاطِفُونَ عَلَيْهِ، قَائِمُونَ بِمَصْلَحَتِهِ، نَحْفَظُهُ حَتَّى نَرُدَّهُ إِلَيْكَ.
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ إِلَى الصَّحْرَاءِ، ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، بِالنُّونِ فِيهِمَا وَجَزْمِ الْعَيْنِ مِنْ "نَرْتَعْ" وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ فِيهِمَا وَجَزْمِ الْعَيْنِ مِنْ "يَرْتَعْ" يَعْنِي يُوسُفَ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: "نَرْتَعْ" بِالنُّونِ "وَيَلْعَبْ" بِالْيَاءِ.
وَالرَّتْعُ هُوَ: الِاتِّسَاعُ فِي الْمَلَاذِ. يُقَالُ: رَتَعَ فُلَانٌ فِي مَالِهِ إِذَا أَنْفَقَهُ فِي شَهَوَاتِهِ، يُرِيدُ وَنَتَنَعَّمُ وَنَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَلْهُو وَنَنْشَطُ.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ: ﴿يَرْتَعْ﴾ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ [يَفْتَعِلُ] [[في "أ": تفعيل.]] مِنَ الرَّعْيِ.
ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ قَرَأَ بِالنُّونِ فِيهِمَا أَيْ: نَتَحَارَسُ وَيَحْفَظُ بَعْضُنَا بَعْضًا.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ، أَيْ: يَرْعَى الْمَاشِيَةَ كَمَا نَرْعَى نَحْنُ.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١٨٠/أ
﴿قَالَ﴾ لَهُمْ يَعْقُوبُ، ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أَيْ: يُحْزِنُنِي ذَهَابُكُمْ بِهِ، وَالْحُزْنُ هَا هُنَا: أَلَمُ الْقَلْبِ بِفِرَاقِ الْمَحْبُوبِ، ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ ذِئْبًا شَدَّ عَلَى يُوسُفَ، فَكَانَ يَخَافُ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ [[ضعف ابن عطية هذا القول، لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحيا، فإما أن يخرج على وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب لمعرفته بالعبارة مثل هذا المرئي، فكان يتشكاه بعينه، اللهم إلا أن يكون قوله "أخاف أن يأكله الذئب" بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من أمر الذئب، وهذا بعيد. وكذلك يقول الربيع بن ضبع الفزاري: والذئبَ أخشاه إن مَرَرْتُ به ... وَحْدِي وأَخْشَى الريحَ والمطرا
إنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي. ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه السلام لصغر سن يوسف، أي: أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه. وكذلك خصصه الربيع في البيت السابق لحقارته وضعفه في الحيوان. انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٠-٤٥١، البحر المحيط: ٥ / ٢٨٦.]] .
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عَشَرَةٌ، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ عَجَزَةٌ ضُعَفَاءُ.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ أَيْ: عَزَمُوا، ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ يُلْقُوهُ، ﴿فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾
هَذِهِ الْوَاوُ زَائِدَةٌ [[هذا على رأي الكوفيين من النحاة، يزاد عندهم بعد "لما" و"حتى" -"إذا" وعلى ذلك خرَّجوا قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه) أي: ناديناه. قال أبو حيان: وهو قول مردود لأنه ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى. وقال البصريون: ليس في الآية زيادة، لأن جواب "لما" محذوف تقديره: "فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم" وقدره بعضهم: "جعلوه فيها" قال أبو حيان: وهذا أولى، إذ يدل عليه قوله: "وأجمعوا أن يجعلوه". انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٢، البحر المحيط: ٥ / ٢٨٧.]] ، تَقْدِيرُهُ: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣] أَيْ: نَادَيْنَاهُ، ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يَعْنِي: أَوْحَيْنَا إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَتُصَدَّقَنَّ رُؤْيَاكَ وَلَتُخْبِرَنَّ إِخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِوَحْيِ اللَّهِ وَإِعْلَامِهِ إِيَّاهُ ذَلِكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَوْمَ تُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ يُوسُفُ، وَذَلِكَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ.
وَذَكَرَ وَهْبٌ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُمْ أَخَذُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِغَايَةِ الْإِكْرَامِ وَجَعَلُوا يَحْمِلُونَهُ، فَلَمَّا بَرَزُوا إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَلْقَوْهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْتَغَاثَ بِالْآخَرِ فَضَرَبَهُ الْآخَرُ، فَجَعَلَ لَا يَرَى مِنْهُمْ رَحِيمًا فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ وَهُوَ يَصِيحُ: يَا أَبَتَاهُ لَوْ تَعْلَمُ مَا يَصْنَعُ بِابْنِكَ بَنُو الْإِمَاءِ، فَلَمَّا كَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ قَالَ لَهُمْ يَهُوذَا: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْجُبِّ لِيَطْرَحُوهُ فِيهِ، وَكَانَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً -وَقِيلَ: ثَمَانِي عشرة سنة-فجاؤوا بِهِ إِلَى بِئْرٍ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَاسِعَةِ الْأَسْفَلِ ضَيِّقَةِ الرَّأْسِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ كَعْبٌ: بَيْنَ مَدْيَنَ وَمِصْرَ. وَقَالَ وَهْبٌ: بِأَرْضِ الْأُرْدُنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ بِئْرُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَعَلُوا يُدْلُونَهُ فِي الْبِئْرِ فَيَتَعَلَّقُ بِشَفِيرِ الْبِئْرِ فَرَبَطُوا يَدَيْهِ وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ رُدُّوا عَلَيَّ الْقَمِيصَ أَتَوَارَى بِهِ فِي الْجُبِّ، فَقَالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ تُوَارِيكَ [[في "ب": تؤنسك.]] ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئًا، فَأَلْقَوْهُ فِيهَا.
وَقِيلَ: جَعَلُوهُ فِي دَلْوٍ وَأَرْسَلُوهُ فِيهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَهَا أَلْقَوْهُ إِرَادَةَ أَنْ يَمُوتَ فَكَانَ فِي الْبِئْرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ أَوَى إِلَى صَخْرَةٍ فِيهَا فَقَامَ عَلَيْهَا.
إِنَّهُمْ لَمَّا أَلْقَوْهُ فِيهَا جَعَلَ يَبْكِي فَنَادَوْهُ فَظَنَّ أَنَّ رَحْمَةً أَدْرَكَتْهُمْ فَأَجَابَهُمْ فَأَرَادُوا أَنْ يَرْضِخُوهُ بِصَخْرَةٍ فَيَقْتُلُوهُ، فَمَنَعَهُمْ يَهُوذَا وَكَانَ يَهُوذَا يَأْتِيهِ بِالطَّعَامِ، وَبَقِيَ فِيهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ [[قال أبو حيان في أمثال هذه الروايات عن وهب وكعب وغيرهما: "وذكر المفسرون أشياء كثيرة تتضمن كيفية إلقائه في غيابة الجب، ومحاورته لهم بما يلين الصخر، وهم لا يزدادون إلا قساوة. ولم يتعرض القرآن الكريم ولا الحديث الصحيح لشيء منها فيوقف عليها في كتب التفسير". انظر: البحر المحيط: ٥ / ٢٨٧.]] .
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذَا وَبَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُؤْنِسُهُ وَيُبَشِّرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا فَعَلُوهُ وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [[قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الوحي حينئذ إلى يوسف برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو نوم، وكل ذلك قد قيل. وقال الحسن: أعطاه الله النبوة في الجب. وهذا بعيد. انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٣.]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ثُمَّ إِنَّهُمْ ذَبَحُوا سَخْلَةً وَجَعَلُوا دَمَهَا عَلَى قَمِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ إِلَى الصَّحْرَاءِ، ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، بِالنُّونِ فِيهِمَا وَجَزْمِ الْعَيْنِ مِنْ "نَرْتَعْ" وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ فِيهِمَا وَجَزْمِ الْعَيْنِ مِنْ "يَرْتَعْ" يَعْنِي يُوسُفَ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: "نَرْتَعْ" بِالنُّونِ "وَيَلْعَبْ" بِالْيَاءِ.
وَالرَّتْعُ هُوَ: الِاتِّسَاعُ فِي الْمَلَاذِ. يُقَالُ: رَتَعَ فُلَانٌ فِي مَالِهِ إِذَا أَنْفَقَهُ فِي شَهَوَاتِهِ، يُرِيدُ وَنَتَنَعَّمُ وَنَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَلْهُو وَنَنْشَطُ.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ: ﴿يَرْتَعْ﴾ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ [يَفْتَعِلُ] [[في "أ": تفعيل.]] مِنَ الرَّعْيِ.
ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ قَرَأَ بِالنُّونِ فِيهِمَا أَيْ: نَتَحَارَسُ وَيَحْفَظُ بَعْضُنَا بَعْضًا.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ، أَيْ: يَرْعَى الْمَاشِيَةَ كَمَا نَرْعَى نَحْنُ.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١٨٠/أ
﴿قَالَ﴾ لَهُمْ يَعْقُوبُ، ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أَيْ: يُحْزِنُنِي ذَهَابُكُمْ بِهِ، وَالْحُزْنُ هَا هُنَا: أَلَمُ الْقَلْبِ بِفِرَاقِ الْمَحْبُوبِ، ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ ذِئْبًا شَدَّ عَلَى يُوسُفَ، فَكَانَ يَخَافُ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ [[ضعف ابن عطية هذا القول، لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحيا، فإما أن يخرج على وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب لمعرفته بالعبارة مثل هذا المرئي، فكان يتشكاه بعينه، اللهم إلا أن يكون قوله "أخاف أن يأكله الذئب" بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من أمر الذئب، وهذا بعيد. وكذلك يقول الربيع بن ضبع الفزاري: والذئبَ أخشاه إن مَرَرْتُ به ... وَحْدِي وأَخْشَى الريحَ والمطرا
إنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي. ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه السلام لصغر سن يوسف، أي: أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه. وكذلك خصصه الربيع في البيت السابق لحقارته وضعفه في الحيوان. انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٠-٤٥١، البحر المحيط: ٥ / ٢٨٦.]] .
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عَشَرَةٌ، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ عَجَزَةٌ ضُعَفَاءُ.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ أَيْ: عَزَمُوا، ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ يُلْقُوهُ، ﴿فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾
هَذِهِ الْوَاوُ زَائِدَةٌ [[هذا على رأي الكوفيين من النحاة، يزاد عندهم بعد "لما" و"حتى" -"إذا" وعلى ذلك خرَّجوا قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه) أي: ناديناه. قال أبو حيان: وهو قول مردود لأنه ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى. وقال البصريون: ليس في الآية زيادة، لأن جواب "لما" محذوف تقديره: "فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم" وقدره بعضهم: "جعلوه فيها" قال أبو حيان: وهذا أولى، إذ يدل عليه قوله: "وأجمعوا أن يجعلوه". انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٢، البحر المحيط: ٥ / ٢٨٧.]] ، تَقْدِيرُهُ: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣] أَيْ: نَادَيْنَاهُ، ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يَعْنِي: أَوْحَيْنَا إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَتُصَدَّقَنَّ رُؤْيَاكَ وَلَتُخْبِرَنَّ إِخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِوَحْيِ اللَّهِ وَإِعْلَامِهِ إِيَّاهُ ذَلِكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَوْمَ تُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ يُوسُفُ، وَذَلِكَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ.
وَذَكَرَ وَهْبٌ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُمْ أَخَذُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِغَايَةِ الْإِكْرَامِ وَجَعَلُوا يَحْمِلُونَهُ، فَلَمَّا بَرَزُوا إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَلْقَوْهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْتَغَاثَ بِالْآخَرِ فَضَرَبَهُ الْآخَرُ، فَجَعَلَ لَا يَرَى مِنْهُمْ رَحِيمًا فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ وَهُوَ يَصِيحُ: يَا أَبَتَاهُ لَوْ تَعْلَمُ مَا يَصْنَعُ بِابْنِكَ بَنُو الْإِمَاءِ، فَلَمَّا كَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ قَالَ لَهُمْ يَهُوذَا: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْجُبِّ لِيَطْرَحُوهُ فِيهِ، وَكَانَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً -وَقِيلَ: ثَمَانِي عشرة سنة-فجاؤوا بِهِ إِلَى بِئْرٍ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَاسِعَةِ الْأَسْفَلِ ضَيِّقَةِ الرَّأْسِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ كَعْبٌ: بَيْنَ مَدْيَنَ وَمِصْرَ. وَقَالَ وَهْبٌ: بِأَرْضِ الْأُرْدُنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ بِئْرُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَعَلُوا يُدْلُونَهُ فِي الْبِئْرِ فَيَتَعَلَّقُ بِشَفِيرِ الْبِئْرِ فَرَبَطُوا يَدَيْهِ وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ رُدُّوا عَلَيَّ الْقَمِيصَ أَتَوَارَى بِهِ فِي الْجُبِّ، فَقَالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ تُوَارِيكَ [[في "ب": تؤنسك.]] ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئًا، فَأَلْقَوْهُ فِيهَا.
وَقِيلَ: جَعَلُوهُ فِي دَلْوٍ وَأَرْسَلُوهُ فِيهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَهَا أَلْقَوْهُ إِرَادَةَ أَنْ يَمُوتَ فَكَانَ فِي الْبِئْرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ أَوَى إِلَى صَخْرَةٍ فِيهَا فَقَامَ عَلَيْهَا.
إِنَّهُمْ لَمَّا أَلْقَوْهُ فِيهَا جَعَلَ يَبْكِي فَنَادَوْهُ فَظَنَّ أَنَّ رَحْمَةً أَدْرَكَتْهُمْ فَأَجَابَهُمْ فَأَرَادُوا أَنْ يَرْضِخُوهُ بِصَخْرَةٍ فَيَقْتُلُوهُ، فَمَنَعَهُمْ يَهُوذَا وَكَانَ يَهُوذَا يَأْتِيهِ بِالطَّعَامِ، وَبَقِيَ فِيهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ [[قال أبو حيان في أمثال هذه الروايات عن وهب وكعب وغيرهما: "وذكر المفسرون أشياء كثيرة تتضمن كيفية إلقائه في غيابة الجب، ومحاورته لهم بما يلين الصخر، وهم لا يزدادون إلا قساوة. ولم يتعرض القرآن الكريم ولا الحديث الصحيح لشيء منها فيوقف عليها في كتب التفسير". انظر: البحر المحيط: ٥ / ٢٨٧.]] .
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذَا وَبَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُؤْنِسُهُ وَيُبَشِّرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا فَعَلُوهُ وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [[قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الوحي حينئذ إلى يوسف برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو نوم، وكل ذلك قد قيل. وقال الحسن: أعطاه الله النبوة في الجب. وهذا بعيد. انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٣.]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ثُمَّ إِنَّهُمْ ذَبَحُوا سَخْلَةً وَجَعَلُوا دَمَهَا عَلَى قَمِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ إِلَى الصَّحْرَاءِ، ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، بِالنُّونِ فِيهِمَا وَجَزْمِ الْعَيْنِ مِنْ "نَرْتَعْ" وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ فِيهِمَا وَجَزْمِ الْعَيْنِ مِنْ "يَرْتَعْ" يَعْنِي يُوسُفَ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: "نَرْتَعْ" بِالنُّونِ "وَيَلْعَبْ" بِالْيَاءِ.
وَالرَّتْعُ هُوَ: الِاتِّسَاعُ فِي الْمَلَاذِ. يُقَالُ: رَتَعَ فُلَانٌ فِي مَالِهِ إِذَا أَنْفَقَهُ فِي شَهَوَاتِهِ، يُرِيدُ وَنَتَنَعَّمُ وَنَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَلْهُو وَنَنْشَطُ.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ: ﴿يَرْتَعْ﴾ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ [يَفْتَعِلُ] [[في "أ": تفعيل.]] مِنَ الرَّعْيِ.
ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ قَرَأَ بِالنُّونِ فِيهِمَا أَيْ: نَتَحَارَسُ وَيَحْفَظُ بَعْضُنَا بَعْضًا.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ، أَيْ: يَرْعَى الْمَاشِيَةَ كَمَا نَرْعَى نَحْنُ.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١٨٠/أ
﴿قَالَ﴾ لَهُمْ يَعْقُوبُ، ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أَيْ: يُحْزِنُنِي ذَهَابُكُمْ بِهِ، وَالْحُزْنُ هَا هُنَا: أَلَمُ الْقَلْبِ بِفِرَاقِ الْمَحْبُوبِ، ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ ذِئْبًا شَدَّ عَلَى يُوسُفَ، فَكَانَ يَخَافُ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ [[ضعف ابن عطية هذا القول، لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحيا، فإما أن يخرج على وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب لمعرفته بالعبارة مثل هذا المرئي، فكان يتشكاه بعينه، اللهم إلا أن يكون قوله "أخاف أن يأكله الذئب" بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من أمر الذئب، وهذا بعيد. وكذلك يقول الربيع بن ضبع الفزاري: والذئبَ أخشاه إن مَرَرْتُ به ... وَحْدِي وأَخْشَى الريحَ والمطرا
إنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي. ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه السلام لصغر سن يوسف، أي: أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه. وكذلك خصصه الربيع في البيت السابق لحقارته وضعفه في الحيوان. انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٠-٤٥١، البحر المحيط: ٥ / ٢٨٦.]] .
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عَشَرَةٌ، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ عَجَزَةٌ ضُعَفَاءُ.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ أَيْ: عَزَمُوا، ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ يُلْقُوهُ، ﴿فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾
هَذِهِ الْوَاوُ زَائِدَةٌ [[هذا على رأي الكوفيين من النحاة، يزاد عندهم بعد "لما" و"حتى" -"إذا" وعلى ذلك خرَّجوا قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه) أي: ناديناه. قال أبو حيان: وهو قول مردود لأنه ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى. وقال البصريون: ليس في الآية زيادة، لأن جواب "لما" محذوف تقديره: "فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم" وقدره بعضهم: "جعلوه فيها" قال أبو حيان: وهذا أولى، إذ يدل عليه قوله: "وأجمعوا أن يجعلوه". انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٢، البحر المحيط: ٥ / ٢٨٧.]] ، تَقْدِيرُهُ: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣] أَيْ: نَادَيْنَاهُ، ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يَعْنِي: أَوْحَيْنَا إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَتُصَدَّقَنَّ رُؤْيَاكَ وَلَتُخْبِرَنَّ إِخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِوَحْيِ اللَّهِ وَإِعْلَامِهِ إِيَّاهُ ذَلِكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَوْمَ تُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ يُوسُفُ، وَذَلِكَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ.
وَذَكَرَ وَهْبٌ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُمْ أَخَذُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِغَايَةِ الْإِكْرَامِ وَجَعَلُوا يَحْمِلُونَهُ، فَلَمَّا بَرَزُوا إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَلْقَوْهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْتَغَاثَ بِالْآخَرِ فَضَرَبَهُ الْآخَرُ، فَجَعَلَ لَا يَرَى مِنْهُمْ رَحِيمًا فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ وَهُوَ يَصِيحُ: يَا أَبَتَاهُ لَوْ تَعْلَمُ مَا يَصْنَعُ بِابْنِكَ بَنُو الْإِمَاءِ، فَلَمَّا كَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ قَالَ لَهُمْ يَهُوذَا: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْجُبِّ لِيَطْرَحُوهُ فِيهِ، وَكَانَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً -وَقِيلَ: ثَمَانِي عشرة سنة-فجاؤوا بِهِ إِلَى بِئْرٍ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَاسِعَةِ الْأَسْفَلِ ضَيِّقَةِ الرَّأْسِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ كَعْبٌ: بَيْنَ مَدْيَنَ وَمِصْرَ. وَقَالَ وَهْبٌ: بِأَرْضِ الْأُرْدُنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ بِئْرُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَعَلُوا يُدْلُونَهُ فِي الْبِئْرِ فَيَتَعَلَّقُ بِشَفِيرِ الْبِئْرِ فَرَبَطُوا يَدَيْهِ وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ رُدُّوا عَلَيَّ الْقَمِيصَ أَتَوَارَى بِهِ فِي الْجُبِّ، فَقَالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ تُوَارِيكَ [[في "ب": تؤنسك.]] ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئًا، فَأَلْقَوْهُ فِيهَا.
وَقِيلَ: جَعَلُوهُ فِي دَلْوٍ وَأَرْسَلُوهُ فِيهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَهَا أَلْقَوْهُ إِرَادَةَ أَنْ يَمُوتَ فَكَانَ فِي الْبِئْرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ أَوَى إِلَى صَخْرَةٍ فِيهَا فَقَامَ عَلَيْهَا.
إِنَّهُمْ لَمَّا أَلْقَوْهُ فِيهَا جَعَلَ يَبْكِي فَنَادَوْهُ فَظَنَّ أَنَّ رَحْمَةً أَدْرَكَتْهُمْ فَأَجَابَهُمْ فَأَرَادُوا أَنْ يَرْضِخُوهُ بِصَخْرَةٍ فَيَقْتُلُوهُ، فَمَنَعَهُمْ يَهُوذَا وَكَانَ يَهُوذَا يَأْتِيهِ بِالطَّعَامِ، وَبَقِيَ فِيهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ [[قال أبو حيان في أمثال هذه الروايات عن وهب وكعب وغيرهما: "وذكر المفسرون أشياء كثيرة تتضمن كيفية إلقائه في غيابة الجب، ومحاورته لهم بما يلين الصخر، وهم لا يزدادون إلا قساوة. ولم يتعرض القرآن الكريم ولا الحديث الصحيح لشيء منها فيوقف عليها في كتب التفسير". انظر: البحر المحيط: ٥ / ٢٨٧.]] .
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذَا وَبَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُؤْنِسُهُ وَيُبَشِّرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا فَعَلُوهُ وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [[قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الوحي حينئذ إلى يوسف برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو نوم، وكل ذلك قد قيل. وقال الحسن: أعطاه الله النبوة في الجب. وهذا بعيد. انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٣.]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ثُمَّ إِنَّهُمْ ذَبَحُوا سَخْلَةً وَجَعَلُوا دَمَهَا عَلَى قَمِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ إِلَى الصَّحْرَاءِ، ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، بِالنُّونِ فِيهِمَا وَجَزْمِ الْعَيْنِ مِنْ "نَرْتَعْ" وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ فِيهِمَا وَجَزْمِ الْعَيْنِ مِنْ "يَرْتَعْ" يَعْنِي يُوسُفَ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: "نَرْتَعْ" بِالنُّونِ "وَيَلْعَبْ" بِالْيَاءِ.
وَالرَّتْعُ هُوَ: الِاتِّسَاعُ فِي الْمَلَاذِ. يُقَالُ: رَتَعَ فُلَانٌ فِي مَالِهِ إِذَا أَنْفَقَهُ فِي شَهَوَاتِهِ، يُرِيدُ وَنَتَنَعَّمُ وَنَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَلْهُو وَنَنْشَطُ.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ: ﴿يَرْتَعْ﴾ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ [يَفْتَعِلُ] [[في "أ": تفعيل.]] مِنَ الرَّعْيِ.
ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ قَرَأَ بِالنُّونِ فِيهِمَا أَيْ: نَتَحَارَسُ وَيَحْفَظُ بَعْضُنَا بَعْضًا.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ، أَيْ: يَرْعَى الْمَاشِيَةَ كَمَا نَرْعَى نَحْنُ.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١٨٠/أ
﴿قَالَ﴾ لَهُمْ يَعْقُوبُ، ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أَيْ: يُحْزِنُنِي ذَهَابُكُمْ بِهِ، وَالْحُزْنُ هَا هُنَا: أَلَمُ الْقَلْبِ بِفِرَاقِ الْمَحْبُوبِ، ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ ذِئْبًا شَدَّ عَلَى يُوسُفَ، فَكَانَ يَخَافُ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ [[ضعف ابن عطية هذا القول، لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحيا، فإما أن يخرج على وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب لمعرفته بالعبارة مثل هذا المرئي، فكان يتشكاه بعينه، اللهم إلا أن يكون قوله "أخاف أن يأكله الذئب" بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من أمر الذئب، وهذا بعيد. وكذلك يقول الربيع بن ضبع الفزاري: والذئبَ أخشاه إن مَرَرْتُ به ... وَحْدِي وأَخْشَى الريحَ والمطرا
إنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي. ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه السلام لصغر سن يوسف، أي: أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه. وكذلك خصصه الربيع في البيت السابق لحقارته وضعفه في الحيوان. انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٠-٤٥١، البحر المحيط: ٥ / ٢٨٦.]] .
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عَشَرَةٌ، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ عَجَزَةٌ ضُعَفَاءُ.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ أَيْ: عَزَمُوا، ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ يُلْقُوهُ، ﴿فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾
هَذِهِ الْوَاوُ زَائِدَةٌ [[هذا على رأي الكوفيين من النحاة، يزاد عندهم بعد "لما" و"حتى" -"إذا" وعلى ذلك خرَّجوا قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه) أي: ناديناه. قال أبو حيان: وهو قول مردود لأنه ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى. وقال البصريون: ليس في الآية زيادة، لأن جواب "لما" محذوف تقديره: "فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم" وقدره بعضهم: "جعلوه فيها" قال أبو حيان: وهذا أولى، إذ يدل عليه قوله: "وأجمعوا أن يجعلوه". انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٢، البحر المحيط: ٥ / ٢٨٧.]] ، تَقْدِيرُهُ: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣] أَيْ: نَادَيْنَاهُ، ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يَعْنِي: أَوْحَيْنَا إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَتُصَدَّقَنَّ رُؤْيَاكَ وَلَتُخْبِرَنَّ إِخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِوَحْيِ اللَّهِ وَإِعْلَامِهِ إِيَّاهُ ذَلِكَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَوْمَ تُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ يُوسُفُ، وَذَلِكَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ.
وَذَكَرَ وَهْبٌ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُمْ أَخَذُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِغَايَةِ الْإِكْرَامِ وَجَعَلُوا يَحْمِلُونَهُ، فَلَمَّا بَرَزُوا إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَلْقَوْهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْتَغَاثَ بِالْآخَرِ فَضَرَبَهُ الْآخَرُ، فَجَعَلَ لَا يَرَى مِنْهُمْ رَحِيمًا فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ وَهُوَ يَصِيحُ: يَا أَبَتَاهُ لَوْ تَعْلَمُ مَا يَصْنَعُ بِابْنِكَ بَنُو الْإِمَاءِ، فَلَمَّا كَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ قَالَ لَهُمْ يَهُوذَا: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْجُبِّ لِيَطْرَحُوهُ فِيهِ، وَكَانَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً -وَقِيلَ: ثَمَانِي عشرة سنة-فجاؤوا بِهِ إِلَى بِئْرٍ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَاسِعَةِ الْأَسْفَلِ ضَيِّقَةِ الرَّأْسِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ كَعْبٌ: بَيْنَ مَدْيَنَ وَمِصْرَ. وَقَالَ وَهْبٌ: بِأَرْضِ الْأُرْدُنِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ بِئْرُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَعَلُوا يُدْلُونَهُ فِي الْبِئْرِ فَيَتَعَلَّقُ بِشَفِيرِ الْبِئْرِ فَرَبَطُوا يَدَيْهِ وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ رُدُّوا عَلَيَّ الْقَمِيصَ أَتَوَارَى بِهِ فِي الْجُبِّ، فَقَالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ تُوَارِيكَ [[في "ب": تؤنسك.]] ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئًا، فَأَلْقَوْهُ فِيهَا.
وَقِيلَ: جَعَلُوهُ فِي دَلْوٍ وَأَرْسَلُوهُ فِيهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَهَا أَلْقَوْهُ إِرَادَةَ أَنْ يَمُوتَ فَكَانَ فِي الْبِئْرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ أَوَى إِلَى صَخْرَةٍ فِيهَا فَقَامَ عَلَيْهَا.
إِنَّهُمْ لَمَّا أَلْقَوْهُ فِيهَا جَعَلَ يَبْكِي فَنَادَوْهُ فَظَنَّ أَنَّ رَحْمَةً أَدْرَكَتْهُمْ فَأَجَابَهُمْ فَأَرَادُوا أَنْ يَرْضِخُوهُ بِصَخْرَةٍ فَيَقْتُلُوهُ، فَمَنَعَهُمْ يَهُوذَا وَكَانَ يَهُوذَا يَأْتِيهِ بِالطَّعَامِ، وَبَقِيَ فِيهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ [[قال أبو حيان في أمثال هذه الروايات عن وهب وكعب وغيرهما: "وذكر المفسرون أشياء كثيرة تتضمن كيفية إلقائه في غيابة الجب، ومحاورته لهم بما يلين الصخر، وهم لا يزدادون إلا قساوة. ولم يتعرض القرآن الكريم ولا الحديث الصحيح لشيء منها فيوقف عليها في كتب التفسير". انظر: البحر المحيط: ٥ / ٢٨٧.]] .
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذَا وَبَعَثَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُؤْنِسُهُ وَيُبَشِّرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا فَعَلُوهُ وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [[قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الوحي حينئذ إلى يوسف برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو نوم، وكل ذلك قد قيل. وقال الحسن: أعطاه الله النبوة في الجب. وهذا بعيد. انظر: المحرر الوجيز: ٤ / ٤٥٣.]] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ثُمَّ إِنَّهُمْ ذَبَحُوا سَخْلَةً وَجَعَلُوا دَمَهَا عَلَى قَمِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ قَالَ أهل المعاني: جاؤوا فِي ظُلْمَةِ الْعِشَاءِ لِيَكُونُوا أَجْرَأَ عَلَى الِاعْتِذَارِ بِالْكَذِبِ. وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَمِعَ صِيَاحَهُمْ وَعَوِيلَهُمْ فَخَرَجَ وَقَالَ: مَا لَكُمْ يَا بَنِيَّ هَلْ أَصَابَكُمْ فِي غَنَمِكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَمَا أَصَابَكُمْ وَأَيْنَ يُوسُفُ؟؟.
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أَيْ: نَتَرَامَى وَنَنْتَضِلُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَشْتَدُّ عَلَى أَقْدَامِنَا.
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أَيْ: عِنْدَ ثِيَابِنَا وَأَقْمِشَتِنَا.
﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ بِمُصَدِّقٍ لَنَا، ﴿وَلَوْ كُنَّا﴾ وَإِنْ كُنَّا ﴿صَادِقِينَ﴾ .
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لِيَعْقُوبَ أَنْتَ لَا تُصَدِّقُ الصَّادِقَ؟.
قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّكَ تَتَّهِمُنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ لِأَنَّكَ خِفْتَنَا فِي الِابْتِدَاءِ وَاتَّهَمْتَنَا فِي حَقِّهِ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُصَدِّقُنَا لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لَنَا عَلَى صِدْقِنَا وَإِنْ كُنَّا صَادِقِينَ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أَيْ: بِدَمٍ هُوَ كَذِبٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَمَ يُوسُفَ. وَقِيلَ: بِدَمٍ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَوَضَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الِاسْمِ.
وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْقَمِيصَ بِالدَّمِ وَلَمْ يَشُقُّوهُ، فَقَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَلَمْ يَشُقَّ قَمِيصَهُ؟ فَاتَّهَمَهُمْ.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ، ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مَعْنَاهُ: فَأَمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أَوْ فِعْلِي صَبْرٌ جَمِيلٌ.
وَقِيلَ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أَخْتَارُهُ.
وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ الَّذِي لَا شَكْوَى فِيهِ وَلَا جَزَعَ.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أَيْ: أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَى الصَّبْرِ، عَلَى مَا تَكْذِبُونَ.
وَفِي القصة: أنهم جاؤوا بِذِئْبٍ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي أَكَلَهُ. فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: يَا ذِئْبُ أَنْتَ أَكَلْتَ وَلَدِي وَثَمَرَةَ فُؤَادِي؟ فَأَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ وَجْهَ ابْنِكَ قَطُّ.
قَالَ: كَيْفَ وَقَعْتَ بِأَرْضِ كَنْعَانَ؟.
قَالَ: جِئْتُ لِصِلَةِ قَرَابَةٍ [فَصَادَنِي هَؤُلَاءِ] [[ساقط من "ب".]] فَمَكَثَ يُوسُفُ فِي الْبِئْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ [[هذا كله مما لم يرد فيه نص في كتاب الله ولا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ، وهو من الأمور الغيبية، ولا يتوقف فهم الآية على شيء من هذه الروايات المأخوذة بجملتها من الإسرائيليات حتى ولو كان لبعضها إسناد إلى بعض المفسرين من التابعين رحمهم الله.]] .
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ قَالَ أهل المعاني: جاؤوا فِي ظُلْمَةِ الْعِشَاءِ لِيَكُونُوا أَجْرَأَ عَلَى الِاعْتِذَارِ بِالْكَذِبِ. وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَمِعَ صِيَاحَهُمْ وَعَوِيلَهُمْ فَخَرَجَ وَقَالَ: مَا لَكُمْ يَا بَنِيَّ هَلْ أَصَابَكُمْ فِي غَنَمِكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَمَا أَصَابَكُمْ وَأَيْنَ يُوسُفُ؟؟.
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أَيْ: نَتَرَامَى وَنَنْتَضِلُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَشْتَدُّ عَلَى أَقْدَامِنَا.
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أَيْ: عِنْدَ ثِيَابِنَا وَأَقْمِشَتِنَا.
﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ بِمُصَدِّقٍ لَنَا، ﴿وَلَوْ كُنَّا﴾ وَإِنْ كُنَّا ﴿صَادِقِينَ﴾ .
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لِيَعْقُوبَ أَنْتَ لَا تُصَدِّقُ الصَّادِقَ؟.
قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّكَ تَتَّهِمُنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ لِأَنَّكَ خِفْتَنَا فِي الِابْتِدَاءِ وَاتَّهَمْتَنَا فِي حَقِّهِ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُصَدِّقُنَا لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لَنَا عَلَى صِدْقِنَا وَإِنْ كُنَّا صَادِقِينَ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أَيْ: بِدَمٍ هُوَ كَذِبٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَمَ يُوسُفَ. وَقِيلَ: بِدَمٍ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَوَضَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الِاسْمِ.
وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْقَمِيصَ بِالدَّمِ وَلَمْ يَشُقُّوهُ، فَقَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَلَمْ يَشُقَّ قَمِيصَهُ؟ فَاتَّهَمَهُمْ.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ، ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مَعْنَاهُ: فَأَمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أَوْ فِعْلِي صَبْرٌ جَمِيلٌ.
وَقِيلَ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أَخْتَارُهُ.
وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ الَّذِي لَا شَكْوَى فِيهِ وَلَا جَزَعَ.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أَيْ: أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَى الصَّبْرِ، عَلَى مَا تَكْذِبُونَ.
وَفِي القصة: أنهم جاؤوا بِذِئْبٍ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي أَكَلَهُ. فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: يَا ذِئْبُ أَنْتَ أَكَلْتَ وَلَدِي وَثَمَرَةَ فُؤَادِي؟ فَأَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ وَجْهَ ابْنِكَ قَطُّ.
قَالَ: كَيْفَ وَقَعْتَ بِأَرْضِ كَنْعَانَ؟.
قَالَ: جِئْتُ لِصِلَةِ قَرَابَةٍ [فَصَادَنِي هَؤُلَاءِ] [[ساقط من "ب".]] فَمَكَثَ يُوسُفُ فِي الْبِئْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ [[هذا كله مما لم يرد فيه نص في كتاب الله ولا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ، وهو من الأمور الغيبية، ولا يتوقف فهم الآية على شيء من هذه الروايات المأخوذة بجملتها من الإسرائيليات حتى ولو كان لبعضها إسناد إلى بعض المفسرين من التابعين رحمهم الله.]] .
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ قَالَ أهل المعاني: جاؤوا فِي ظُلْمَةِ الْعِشَاءِ لِيَكُونُوا أَجْرَأَ عَلَى الِاعْتِذَارِ بِالْكَذِبِ. وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَمِعَ صِيَاحَهُمْ وَعَوِيلَهُمْ فَخَرَجَ وَقَالَ: مَا لَكُمْ يَا بَنِيَّ هَلْ أَصَابَكُمْ فِي غَنَمِكُمْ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَمَا أَصَابَكُمْ وَأَيْنَ يُوسُفُ؟؟.
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أَيْ: نَتَرَامَى وَنَنْتَضِلُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَشْتَدُّ عَلَى أَقْدَامِنَا.
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أَيْ: عِنْدَ ثِيَابِنَا وَأَقْمِشَتِنَا.
﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ بِمُصَدِّقٍ لَنَا، ﴿وَلَوْ كُنَّا﴾ وَإِنْ كُنَّا ﴿صَادِقِينَ﴾ .
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالُوا لِيَعْقُوبَ أَنْتَ لَا تُصَدِّقُ الصَّادِقَ؟.
قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّكَ تَتَّهِمُنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ لِأَنَّكَ خِفْتَنَا فِي الِابْتِدَاءِ وَاتَّهَمْتَنَا فِي حَقِّهِ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُصَدِّقُنَا لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لَنَا عَلَى صِدْقِنَا وَإِنْ كُنَّا صَادِقِينَ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أَيْ: بِدَمٍ هُوَ كَذِبٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَمَ يُوسُفَ. وَقِيلَ: بِدَمٍ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَوَضَعَ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الِاسْمِ.
وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّهُمْ لَطَّخُوا الْقَمِيصَ بِالدَّمِ وَلَمْ يَشُقُّوهُ، فَقَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كَيْفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَلَمْ يَشُقَّ قَمِيصَهُ؟ فَاتَّهَمَهُمْ.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ، ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مَعْنَاهُ: فَأَمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أَوْ فِعْلِي صَبْرٌ جَمِيلٌ.
وَقِيلَ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أَخْتَارُهُ.
وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ الَّذِي لَا شَكْوَى فِيهِ وَلَا جَزَعَ.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أَيْ: أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَى الصَّبْرِ، عَلَى مَا تَكْذِبُونَ.
وَفِي القصة: أنهم جاؤوا بِذِئْبٍ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي أَكَلَهُ. فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: يَا ذِئْبُ أَنْتَ أَكَلْتَ وَلَدِي وَثَمَرَةَ فُؤَادِي؟ فَأَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ وَجْهَ ابْنِكَ قَطُّ.
قَالَ: كَيْفَ وَقَعْتَ بِأَرْضِ كَنْعَانَ؟.
قَالَ: جِئْتُ لِصِلَةِ قَرَابَةٍ [فَصَادَنِي هَؤُلَاءِ] [[ساقط من "ب".]] فَمَكَثَ يُوسُفُ فِي الْبِئْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ [[هذا كله مما لم يرد فيه نص في كتاب الله ولا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ، وهو من الأمور الغيبية، ولا يتوقف فهم الآية على شيء من هذه الروايات المأخوذة بجملتها من الإسرائيليات حتى ولو كان لبعضها إسناد إلى بعض المفسرين من التابعين رحمهم الله.]] .
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ وَهُمُ الْقَوْمُ الْمُسَافِرُونَ، سُمُّوا سَيَّارَةً لِأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ فِي الْأَرْضِ، كَانَتْ رُفْقَةً مِنْ مَدْيَنَ تريد مصر، فأخطؤوا الطَّرِيقَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الْجُبِّ، وَكَانَ الْجُبُّ فِي [قَفْرٍ بَعِيدٍ] [[في "أ": في قفرة بعيدا.]] مِنَ الْعُمْرَانِ لِلرُّعَاةِ وَالْمَارَّةِ، وَكَانَ مَاؤُهُ مَالِحًا [[في "ب": ملحا.]] فَعَذُبَ حِينَ أُلْقِيَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا أَرْسَلُوا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ [[في "ب": دعر. بالدال المهملة.]] ، [لِطَلَبِ الْمَاءِ] [[زيادة من "ب".]] فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ وَالْوَارِدُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الرُّفْقَةَ إِلَى الْمَاءِ فَيُهَيِّئُ الْأَرْشِيَةَ وَالدِّلَاءَ.
﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ أَيْ: أَرْسَلَهَا فِي الْبِئْرِ، يُقَالُ: أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ إِذَا أَرْسَلْتُهَا فِي الْبِئْرِ، وَدَلَوْتُهَا إِذَا أَخْرَجْتَهَا، فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالْحَبْلِ فَلَمَّا خَرَجَ إِذَا هُوَ بِغُلَامٍ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الْحُسْنِ" [[قطعة من حديث الإسراء، أخرجه مسلم في الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ برقم (١٦٢) : ١ / ١٤٥-١٤٧ وفيه: " ... فإذا أنا بيوسف ﷺ إذا هو قد أعطي شطر الحسن". والحديث أخرجه بلفظ المصنف: ابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم، والواحدي في التفسير، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: ٣ / ٤٧٠، كشف الخفا ومزيل الإلباس: ١ / ١٦٠-١٦١، مجمع الزوائد: ٨ / ٢٠٣، المطالب العالية: ٣ / ٢٧٣، الدر المنثور: ٤ / ٥٣١.]] .
وَيُقَالُ: إِنَّهُ وَرِثَ ذَلِكَ الْجَمَالَ مِنْ جَدَّتِهِ سَارَةَ، وَكَانَتْ قَدْ أُعْطِيَتْ سُدُسَ الْحُسْنِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ذَهَبَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ بِثُلُثَيِ الْحَسَنِ [[قال الألباني: منكر باطل بهذا اللفظ، لمخالفته للحديث الصحيح، ولأن إسناده واهٍ جدا. وانظر: المراجع السابقة.]] .
فَلَمَّا رَآهُ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ، ﴿قَالَ يَا بُشْرَى﴾ قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ هَكَذَا بِالْأَلْفِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، بَشَّرَ الْمُسْتَقِي أَصْحَابَهُ يَقُولُ [[في "ب": فقال.]] : أَبْشِرُوا. وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: يَا بُشْرَى، بِغَيْرِ إِضَافَةٍ، يُرِيدُ نَادَى الْمُسْتَقِي رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ اسْمُهُ بُشْرَى.
﴿هَذَا غُلَامٌ﴾ وَرَوَى ابْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ جُدْرَانَ الْبِئْرِ كَانَتْ تَبْكِي عَلَى يُوسُفَ حِينَ أُخْرِجَ مِنْهَا.
﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ أَخْفَوْهُ، ﴿بِضَاعَةً﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَسَرَّهُ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ وَأَصْحَابُهُ مِنَ التُّجَّارِ الَّذِينَ مَعَهُمْ وَقَالُوا: هُوَ بِضَاعَةٌ اسْتَبْضَعَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْمَاءِ إِلَى مِصْرَ خِيفَةَ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُمْ فِيهِ الْمُشَارَكَةَ.
وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ إِخْوَةَ يوسف أسروا ١٨٠/ب شَأْنَ يُوسُفَ وَقَالُوا هَذَا عَبْدٌ لَنَا [أَبِقَ] [[ساقط من "ب".]] .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ فَأَتَى يَهُوذَا يُوسُفَ بِالطَّعَامِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي الْبِئْرِ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ إِخْوَتَهُ، فَطَلَبُوهُ فَإِذَا هُمْ بِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ نُزُولًا فَأَتَوْهُمْ فَإِذَا هُمْ بِيُوسُفَ، فَقَالُوا هَذَا عَبْدٌ آبِقٌ مِنَّا. وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ هَدَّدُوا يُوسُفَ حَتَّى لَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ. وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَشَرَوْهُ﴾ أَيْ: بَاعُوهُ، ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلٌ، وَالسُّدِّيُّ: حَرَامٌ لِأَنَّ ثَمَنَ الْحُرِّ حَرَامٌ، وَسُمِّيَ الْحَرَامُ بَخْسًا لِأَنَّهُ مَبْخُوسُ الْبَرَكَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ: بَخْسٍ أَيْ زُيُوفٍ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ: بِثَمَنٍ قَلِيلٍ.
﴿دَرَاهِمَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الثَّمَنِ، ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ ذَكَّرَ الْعَدَدَ عِبَارَةٌ عَنْ قِلَّتِهَا.
وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ مَعْدُودَةً لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يَزِنُونَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَهَا عَدًّا، فَإِذَا بَلَغَتْ أُوقِيَّةً وَزَنُوهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وقَتَادَةُ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، فَاقْتَسَمُوهَا دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اثْنَانِ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا [[قال الإمام أبو جعفر الطبري في التفسير: (١٦ / ١٥-١٦) : "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول ﷺ. وقد يحتمل أن يكون كان عشرين، ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر. وأي ذلك كان، فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضر فيه. والإيمان بظاهر التنزيل فرض. وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه".]] .
﴿وَكَانُوا﴾ يَعْنِي: إِخْوَةَ يُوسُفَ، ﴿فِيهِ﴾ أَيْ: فِي يُوسُفَ ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: كَانُوا فِي الثَّمَنِ مِنَ الزَّاهِدِينَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ، إِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمْ تَبْعِيدَ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ.
ثُمَّ انْطَلَقَ مَالِكُ بْنُ ذُعْرٍ وَأَصْحَابُهُ بِيُوسُفَ، فَتَبِعَهُمْ إِخْوَتُهُ يَقُولُونَ: اسْتَوْثِقُوا مِنْهُ لَا يَأْبَقْ، قَالَ: فَذَهَبُوا بِهِ حَتَّى قَدِمُوا مِصْرَ، وَعَرَضَهُ مَالِكٌ عَلَى الْبَيْعِ فَاشْتَرَاهُ قِطْفِيرُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: إِظْفِيرُ صَاحِبُ أَمْرِ الْمَلِكِ، وَكَانَ عَلَى خَزَائِنِ مِصْرَ يُسَمَّى الْعَزِيزَ، وَكَانَ الْمَلِكُ يَوْمَئِذٍ بِمِصْرَ وَنَوَاحِيهَا الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ شِرْوَانَ مِنَ الْعَمَالِقَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْمَلِكَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى آمَنَ وَاتَّبَعَ يُوسُفَ عَلَى دِينِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَيُوسُفُ حَيٌّ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا دَخَلُوا مِصْرَ تَلَقَّى قِطْفِيرُ مَالِكَ بْنَ ذُعْرٍ فَابْتَاعَ مِنْهُ يُوسُفَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَزَوْجِ نَعْلٍ وَثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ.
وَقَالَ وَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قَدِمَتِ السَّيَّارَةُ بِيُوسُفَ مِصْرَ فَدَخَلُوا بِهِ السُّوقَ يَعْرِضُونَهُ لِلْبَيْعِ، فَتَرَافَعَ النَّاسُ فِي ثَمَنِهِ حَتَّى بَلَغَ ثَمَنُهُ وَزْنَهُ ذَهَبًا وَوَزْنَهُ فِضَّةً وَوَزْنَهُ مِسْكًا وَحَرِيرًا، وَكَانَ وَزْنُهُ أَرْبَعَمِائَةِ رِطْلٍ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَابْتَاعَهُ قِطْفِيرُ مِنْ مَالِكِ بْنِ ذُعْرٍ بِهَذَا الثَّمَنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ وَاسْمُهَا: رَاعِيلُ، وَقِيلَ: زُلَيْخَا، ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أَيْ: مَنْزِلَهُ وَمُقَامَهُ، وَالْمَثْوَى: مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ.
وَقِيلَ: أَكْرِمِيهِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمُقَامِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: مَنْزِلَتَهُ.
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ أَيْ: نَبِيعَهُ بِالرِّبْحِ إِنْ أَرَدْنَا الْبَيْعَ، أَوْ يَكْفِيَنَا إِذَا بَلَغَ بَعْضَ أُمُورِنَا.
﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أَيْ: نَتَبَنَّاهُ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَفْرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: الْعَزِيزُ فِي يُوسُفَ، حَيْثُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا، وَابْنَةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَتْ لِأَبِيهَا فِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَيْثُ اسْتَخْلَفَهُ [[صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي، المستدرك: ٢ / ٣٤٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (١٠ / ٢٦٨) : "رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح إن كان محمد بن كثير هو العبدي، وإن كان الثقفي فقد وثق على ضعف كثير فيه".]] .
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [أَيْ: فِي أَرْضِ مِصْرَ] [[ساقط من "ب".]] أَيْ: كَمَا أَنْقَذْنَا يُوسُفُ مِنَ الْقَتْلِ وَأَخْرَجْنَاهُ مِنَ الْجُبِّ، كَذَلِكَ [مَكَّنَا لَهُ] [[في "ب": مكناه.]] فِي الْأَرْضِ فَجَعَلْنَاهُ عَلَى خَزَائِنِهَا.
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أَيْ: [مَكَّنَّا لَهُ] [[في "ب": مكناه.]] فِي الْأَرْضِ لِكَيْ نُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَا.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ قِيلَ: الْهَاءُ فِي أَمْرِهِ كِنَايَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وَلَا يَرُدُّ حُكْمَهُ رَادٌّ.
وَقِيلَ: هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ مُسْتَوْلٍ عَلَى أَمْرِ يُوسُفَ بِالتَّدْبِيرِ [وَالْحِيَاطَةِ] [[في "ب": والإحاطة.]] لَا يَكِلُهُ إِلَى أَحَدٍ حَتَّى يَبْلُغَ مُنْتَهَى عِلْمِهِ فِيهِ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مَا اللَّهُ بِهِ صَانِعٌ.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ مُنْتَهَى شَبَابِهِ وَشِدَّتِهِ وَقُوَّتِهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: عِشْرِينَ سَنَةً.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْأَشَدُّ مَا بَيْنَ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَسُئِلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الْأَشُدِّ قَالَ: هُوَ الْحُلُمُ [[قال الإمام الطبري: (١٦ / ٢٣) "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى يوسف لما بلغ أشده حكما وعلما =والأشد: هو انتهاء قوته وشبابه= وجائز أن يكون آتاه ذلك وهو ابن ثماني عشرة سنة، وجائز أن يكون آتاه وهو ابن عشرين سنة، وجائز أن يكون آتاه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة - ولا دلالة له في كتاب الله، ولا أثر عن رسول الله ﷺ، ولا في إجماع الأمة، على أي ذلك كان. وإذا لم يكن ذلك موجودا من الوجه الذي ذكرت، فالصواب أن يقال فيه كما قال الله عز وجل، حتى تثبت حجة بصحة ما قيل في ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له، فيسلم لها حينئذ".]] .
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فَالْحُكْمُ: النُّبُوَّةُ، وَالْعِلْمُ: الْفِقْهُ فِي الدِّينِ.
وَقِيلَ: حَكَمًا يَعْنِي: إِصَابَةً فِي الْقَوْلِ: وَعِلْمًا: بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا.
وَقِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَكِيمِ وَالْعَالِمِ، أَنَّ الْعَالِمَ: هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ، وَالْحَكِيمَ: الَّذِي يَعْمَلُ بِمَا يُوجِبُهُ الْعِلْمُ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُؤْمِنِينَ. وَعَنْهُ أَيْضًا: الْمُهْتَدِينَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الصَّابِرِينَ عَلَى النَّوَائِبِ كَمَا صَبَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ يَعْنِي: امْرَأَةَ الْعَزِيزِ. وَالْمُرَاوَدَةُ: طَلَبُ الْفِعْلِ، وَالْمُرَادُ هَا هُنَا أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا لِيُوَاقِعَهَا، ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ أَيْ: أَطْبَقَتْهَا، وَكَانَتْ سَبْعَةً، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أَيْ: هَلُمَّ وَأَقْبِلْ.
قَرَأَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالتَّاءِ.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: ﴿هِيتَ﴾ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ التَّاءِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: ﴿هَيْتُ﴾ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّ التَّاءِ.
وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وقَتَادَةُ: ﴿هِئْتُ لَكَ﴾ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَضَمِّ التَّاءِ مَهْمُوزًا، يَعْنِي: تَهَيَّأْتُ لَكَ، وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ، وَقَالَا لَمْ يُحْكَ هَذَا عَنِ الْعَرَبِ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَقْرَأَنِي النَّبِيُّ ﷺ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [[أخرجه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٣٤٦ وصححه على شرط الشيخين. وانظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٠-٣١ مع تعليق الشيخ محمود شاكر.]] .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ [[في "ب" أبو عبيد. وانظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١ / ٣٠٥.]] كَانَ الْكِسَائِيُّ يَقُولُ: هِيَ لُغَةٌ لِأَهْلِ حَوْرَانَ رُفِعَتْ إِلَى الْحِجَازِ مَعْنَاهَا [إِلَيَّ] [[زيادة من "ب".]] تَعَالَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ أَيْضًا بِالْحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: هِيَ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَهِيَ كَلِمَةُ حَثٍّ وَإِقْبَالٍ عَلَى الشَّيْءِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تُثَنِّي ﴿هَيْتَ﴾ وَلَا تَجْمَعُ وَلَا تُؤَنِّثُ، وَإِنَّهَا بِصُورَةٍ [[في "أ": بصوت.]] وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ حَالٍ.
﴿قَالَ﴾ يُوسُفَ لَهَا عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أَيْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَأَعْتَصِمُ بِاللَّهِ مِمَّا دَعَوْتِنِي إِلَيْهِ، ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يُرِيدُ أَنَّ زَوْجَكِ قِطْفِيرَ [[في تفسير الطبري: (إطفير) .]] سَيِّدِي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أَيْ: أَكْرَمَ مَنْزِلِي. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقِيلَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، يُرِيدُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ، أَيْ: آوَانِي، وَمِنْ بَلَاءِ الْجُبِّ عَافَانِي.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ يَعْنِي: إِنْ فَعَلْتُ هَذَا فَخُنْتُهُ فِي أَهْلِهِ بَعْدَ مَا أَكْرَمَ مَثْوَايَ فَأَنَا ظَالِمٌ، وَلَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ.
وَقِيلَ: لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ: أَيْ لَا يَسْعَدُ الزُّنَاةُ.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ وَالْهَمُّ هُوَ: الْمُقَارَبَةُ مِنَ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فِيهِ. فَهَمُّهَا: عَزْمُهَا على المعصية والزنى.
وَأَمَّا هَمُّهُ: فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: حَلَّ الْهِمْيَانَ وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الْخَائِنِ [[أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس موقوفا. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٥٢١. وسيأتي التعليق على هذه الروايات قريبا.]] .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَلَّ سَرَاوِيلَهُ وَجَعَلَ يُعَالِجُ ثِيَابَهُ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِثْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ [[ساق السيوطي الروايات عنهم في الدر المنثور: ٤ / ٥٢١-٥٢٢.]] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: جَرَى الشَّيْطَانُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ إِلَى جِيدِ يوسف وباليد ١٨١/أالْأُخْرَى إِلَى جِيدِ الْمَرْأَةِ حَتَّى جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ: وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ هَذَا الْقَوْلَ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ مُتَقَدِّمُو هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِاللَّهِ أَنْ يَقُولُوا فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا أَرَادَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ مُرَاوَدَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ نَفْسِهِ جَعَلَتْ تَذْكُرُ لَهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ، وَتُشَوِّقُهُ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَتْ: يَا يُوسُفُ مَا أَحْسَنَ شَعْرَكَ!.
قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَا يَنْتَثِرُ مِنْ جَسَدِي.
قَالَتْ: مَا أَحْسَنَ عَيْنَيْكَ! قَالَ: هِيَ أَوَّلُ مَا تَسِيلُ عَلَى وَجْهِي فِي قَبْرِي.
قَالَتْ: مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ!
قَالَ: هُوَ لِلتُّرَابِ يَأْكُلُهُ [[انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٤.]] .
وَقِيلَ: إِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ فَرَاشَ الْحَرِيرِ مَبْسُوطٌ، فَقُمْ فَاقْضِ حَاجَتِي.
قَالَ: إذًا يَذْهَبُ نَصِيبِي مِنَ الْجَنَّةِ.
فَلَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ وَتَدْعُوهُ إِلَى اللَّذَّةِ، وَهُوَ شَابٌّ يَجِدُ مِنْ شَبَقِ الشَّبَابِ مَا يَجِدُهُ الرَّجُلُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، حَتَّى لَانَ لَهَا مِمَّا يَرَى مِنْ كَلَفِهَا، وَهَمَّ بِهَا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَدَارَكَ عَبْدَهُ وَنَبِيَّهُ بِالْبُرْهَانِ الَّذِي ذَكَرَهُ [[أخرجه الطبري في الموضع السابق.]] .
وَزَعْمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ [[وأبدى ابن عطية وجها أن هذا لم يكن في حال النبوة، فقال في "المحرر الوجيز": (٧ / ٤٧٧-٤٧٨) : "والذي أقول في هذه الآية: إن كون يوسف نبيا في وقت هذه النازلة: لم يصح، ولا تظاهرت به رواية. وإذا كان ذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما، ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته، وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة، وإن فرضناه نبيا -في ذلك الوقت- فلا يجوز عليه -عندي- إلا الهم الذي هو الخاطر، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تَكَّةٍ ونحو ذلك؛ لأن العصمة مع النبوة. وما روي من أنه قيل له: "تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء" فإنما معناه: العدة بالنبوة فيما بعد. وللهم بالشيء مرتبتان: فالأولى: تجوز عليه مع النبوة، والثانية الكبرى: لا تقع إلا مع غير نبي، لأن استصحاب خاطر المعصية والتلذذ بها معصية في نفسها تكتب ... ". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "دقائق التفسير": (٣ / ٢٧٢-٢٧٣) : "الهم: اسم جنس تحته نوعان، كما قال الإمام أحمد: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: إن العبد إذا هم بسيئة لم تكتب عليه، وإذا تركها لله كتبت له حسنة ... ويوسف هم هما تركه لله، لذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه ... وأما ما ينقل من أنه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة، وأنه رأى صورة يعقوب عاضا على يده، وأمثال ذلك، فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله، وما لم يكن كذلك فهو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبا على الأنبياء وقدحا فيهم، وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله. لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا ﷺ حرفا واحدا".]] ، وَقَالَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، أَيْ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا، وَلَكِنَّهُ رَأَى الْبُرْهَانَ فَلَمْ يَهُمَّ.
وَأَنْكَرَهُ النُّحَاةُ وَقَالُوا: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تُؤَخِّرُ ﴿لَوْلَا﴾ عَنِ الْفِعْلِ، فَلَا تَقُولُ: لَقَدْ قُمْتُ [[في "ب": همت.]] لَوْلَا زَيْدٌ، [وَهُوَ يُرِيدُ لَوْلَا زَيْدٌ لَقُمْتُ] [[ساقطة من "ب".]] .
وَقِيلَ: هَمَّتْ بِيُوسُفَ أَنْ يَفْتَرِشَهَا، وَهَمَّ بِهَا يُوسُفُ أَيْ: تَمَنَّى أَنْ تَكُونَ لَهُ زَوْجَةً.
وَهَذَا التَّأْوِيلُ وَأَمْثَالُهُ غَيْرُ مُرْضِيَةٍ لِمُخَالَفَتِهَا أَقَاوِيلَ الْقُدَمَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الدِّينُ وَالْعِلْمُ [[قال العلامة الشنقيطي في تفسيره "أضواء البيان: تفسير القرآن بالقرآن" (٣ / ٦٠-٦٢) : "والجواب الثاني- وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف لم يقع منه هم أصلا، بل هو منفي عنه لوجود البرهان. وهذا الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: "فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين": أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول: دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب، لأن جواب الشروط وجواب "لولا" لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلا عليه كالآية المذكورة. وكقوله: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم. وعلى هذا القول: معنى الآية، وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، أي: لولا أن رآه هم بها. فما قبل "لولا" هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة. ونظير ذلك قوله تعالى: "إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها"، فما قبل "لولا" دليل الجواب، أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب "لولا" وتقديم الجواب في سائر الشروط: وعلى هذا القول يكون جواب "لولا" في قوله: "لولا أن رأى برهان ربه"، هو ما قبله من قوله: "وهم بها". وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري". وقال الشيخ أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" (٥ / ٢٩٤-٢٩٥) ما نصه: "طوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّيْن، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد فارقت لولا أن عصمك الله، ولا تقول: إن جواب "لولا" متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري وأبو العباس المبرد، بل نقول: إن جواب "لولا" محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما تقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت، فيقدرونه: إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، فكان موجد الهمِّ على تقدير انتفاء رؤية البرهان، ولكنه وجد رؤية البرهان، فانتفى الهمُّ". وبعد أن رد على الزجاج اعتراضا لغويا، قال: "وأما أقوال السلف -والتي ساق بعضها الإمام البغوي هنا- فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا مع كونها قادحة في فساق المسلمين فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة. والذى روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب لأنهم قدَّروا جواب "لولا" محذوفا ولا يدل عليه دليل، لأنهم لم يقدروا "لهمَّ بها"، ولا يدل كلام العرب على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط، لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يُحذف الشيء لغير دليل عليه". ثم يقول أبو حيان: "وقد طهرنا كتابنا هذا -أي: تفسيره البحر المحيط- عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب ومساق الآيات التي وردت في هذه السورة مما يدل على العصمة وبراءة يوسف عليه السلام من كل ما يشين" وانظر: "الإسرائيليات والموضوعات" لمحمد محمد أبو شهبة ص (٣٠٧-٣١٩) ، تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: (١٢ / ٢٨٠-٢٨٦) .]] .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي فَعَلَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَالصَّغَائِرُ تَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ [[انظر فيما سبق ص (٢١٨) هامش (٥) .]] .
رُوِيَ أَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ حِينَ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ وَأَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ، قَالَ يُوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: وَلَا حِينَ هَمَمْتَ بِهَا يَا يُوسُفُ؟ فَقَالَ يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الْآيَةَ [[ليس هذا من كلام يوسف عليه السلام، بل هو من كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة، لا يرتاب فيها من تدبر القرآن، حيث قال تعالى: "وقال الملك ائتوني به، فلما جاءه الرسول، قال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، إن ربي بكيدهن عليم. قال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء. قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم". فهذا كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه. ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" أي: لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال شهوده راودته. فحينئذ "قال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين". وقد قال كثير من المفسرين: إن هذا من كلام يوسف، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول، وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدل على نقيضه. انظر: "دقائق التفسير" لشيخ الإسلام ابن تيمية: (٣ / ٢٧٣) .]] .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ ذُنُوبَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي الْقُرْآنِ لِيُعَيِّرَهُمْ، وَلَكِنْ ذَكَرَهَا لِيُبَيِّنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وَلِئَلَّا يَيْئَسَ أَحَدٌ مِنْ رَحْمَتِهِ [[ويوسف عليه السلام لم يذكر الله تعالى عنه أنه ارتكب ذنبا، وهو سبحانه لا يذكر لنبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه، ولم يذكر عن يوسف استغفارا من تلك الكلمة، كما لم يذكر عنه استغفارا من مقدمات الفاحشة، فعلم أنه لم يفعل ذنبا في هذا ولا هذا، بل إن ما فعله كان من الحسنات المبرورة والمساعي المشكورة. انظر: دقائق التفسير": (٣ / ٢٦٢، ٢٨٠) .]] .
وَقِيلَ: إِنَّهُ ابْتَلَاهُمْ بِالذُّنُوبِ لِيَتَفَرَّدَ بِالطَّهَارَةِ وَالْعِزَّةِ، وَيَلْقَاهُ جَمِيعُ الْخُلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى انْكِسَارِ الْمَعْصِيَةِ.
وَقِيلَ: لِيَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الذُّنُوبِ فِي رَجَاءِ الرَّحْمَةِ وَتَرْكِ الْإِيَاسِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالْعَفْوِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَقَائِقِ: الْهَمُّ هَمَّانِ: هَمُّ ثَابِتٌ، وَهُوَ إِذَا كَانَ مَعَهُ عَزْمٌ وَعَقْدٌ وَرِضًا، مِثْلُ هَمِّ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَالْعَبْدُ مَأْخُوذٌ بِهِ، وَهَمٌّ عَارِضٌ وَهُوَ الْخَطْرَةُ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ وَلَا عَزْمٍ، مِثْلُ هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَالْعَبْدُ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَعْمَلْ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ، مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا" [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب (يريدون أن يبدلوا كلام الله) : ٨ / ١٩٨، وفي الرقاق: باب من همَّ بحسنة عن ابن عباس، ٧ / ١٧٨، ومسلم في الإيمان، باب إذا همَّ العبد بحسنة كتبت، وإذا همَّ بسيئة لم تكتب، برقم (٢٠٥) : ١ / ١١٧، من طريق عبد الرزاق بسنده لصحيفة همام بن منبه، انظر: المصنف لعبد الرزاق، كتاب الجامع: ١١ / ٢٨٧، ومن طريقه أخرجها البغوي في شرح السنة: ١٤ / ٣٣٧، ٣٣٨. وراجع: صحيفة همام بن منبه بتحقيق الدكتور رفعت فوزي ص (١٨٨-١٨٩) .]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْبُرْهَانِ: قَالَ قَتَادَةُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ رَأَى صُورَةَ يَعْقُوبَ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: يَا يُوسُفُ تَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهَاءِ وَأَنْتَ مَكْتُوبٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ!.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: انْفَرَجَ لَهُ سَقْفُ الْبَيْتِ فَرَأَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاضًّا عَلَى أُصْبُعِهِ [[انظر الروايات عنهم في: الدر المنثور: ٤ / ٥٢١-٥٢٣.]] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ أَنَامِلِهِ [[إذا خرجت منه الشهوة فإنه لا فضل له في ترك الهم بها، لو أنه حصل منه.]] .
وَقَالَ السُّدِّيُّ: نُودِيَ يَا يُوسُفُ تُوَاقِعُهَا! إِنَّمَا مَثَلُكَ مَا لَمْ تُوَاقِعْهَا مَثَلُ الطَّيْرِ فِي جَوْفِ السَّمَاءِ لَا يُطَاقُ، وَمَثَلُكَ إِنْ تُوَاقِعْهَا مَثَلُهُ إِذَا مَاتَ وَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَثَلُكَ مَا لَمْ تُوَاقِعْهَا مَثَلُ الثَّوْرِ الصَّعْبِ الَّذِي لَا يُطَاقُ، وَمَثَلُكَ إِنْ وَاقَعْتَهَا مَثَلُ الثَّوْرِ يَمُوتُ فَيَدْخُلُ النَّمْلُ فِي أَصْلِ قَرْنَيْهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ قَالَ: حَلَّ سَرَاوِيلَهُ وَقَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ، فَإِذَا بِكَفٍّ قَدْ بَدَتْ بَيْنَهُمَا بِلَا مِعْصَمٍ وَلَا عَضُدٍ مَكْتُوبٍ عَلَيْهَا ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١١] ، فَقَامَ هَارِبًا وَقَامَتْ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُمَا الرُّعْبُ عَادَتْ وَعَادَ فَظَهَرَتْ تِلْكَ الْكَفُّ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا: ﴿ولا تقربوا الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] فَقَامَ هَارِبًا وَقَامَتْ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُمَا الرُّعْبُ عَادَتْ وَعَادَ، فَظَهَرَ، وَرَأَى تِلْكَ الْكَفَّ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فَقَامَ هَارِبًا وَقَامَتْ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُمَا الرُّعْبُ عَادَتْ وَعَادَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَدْرِكْ عَبْدِي قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ الْخَطِيئَةَ، فَانْحَطَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاضًّا عَلَى أُصْبُعِهِ، يَقُولُ: يَا يُوسُفُ تَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهَاءِ وَأَنْتَ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْأَنْبِيَاءِ [[وهل نزلت هذه الآيات الكريمة على أحد قبل نبينا محمد ﷺ؟.]] .
وَرُوِيَ أَنَّهُ مَسَحَهُ بِجَنَاحِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ أَنَامِلِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعَّبٍ الْقُرَظِيُّ: رَفَعَ يُوسُفُ رَأْسَهُ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ حِينَ هَمَّ بِهَا فَرَأَى كِتَابًا فِي حَائِطِ الْبَيْتِ: "لا تقربوا الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا".
وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الْبُرْهَانِ أَنَّهُ رَأَى مِثَالَ الْمَلِكِ [[انظر تخريج هذه الروايات في: الدر المنثور: ٤ / ٥٢١-٥٢٤.]] .
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْبُرْهَانُ النُّبُوَّةُ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي صَدْرِهِ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ [[وقريب من هذا القول قول من قال: إن البرهان أنه علم ما أحلَّ الله مما حرم الله، فرأى تحريم الزنى، روي عن محمد بن كعب القرظي. قال ابن قتيبة: رأى حجة الله عليه وهي البرهان. قال ابن الجوزي: في "زاد المسير": (٤ / ٢٠٩) : "وهذا هو القول الصحيح وما تقدَّمه فليس بشيء، وإنما هي أحاديث من أعمال القصاص، وقد أشرت إلى فسادها في كتاب "المغني في التفسير". وكيف يُظَنُّ بنبي لله كريم أنه يخوّف ويرعّب ويضطر إلى ترك هذه المعصية وهو مُصِرٌّ؟! وهذا غاية القبح.]] .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: كَانَ فِي الْبَيْتِ صَنَمٌ فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ وَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، فَقَالَ لَهَا يُوسُفُ:لِمَ فَعَلْتِ هَذَا؟.
فَقَالَتِ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ أَنْ يَرَانِي عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
فَقَالَ يُوسُفُ: أَتَسْتَحِينَ مِمَّا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَفْقَهُ؟ فَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَسْتَحِيَ مِنْ رَبِّي، وَهَرَبَ [[قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره: (١٦ / ٤٩) بعد أن ساق تلك الروايات المختلفة المضطربة: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن همِّ يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه، لولا أن رأى يوسف برهان ربه، وذلك آية من آيات الله زجرته عن ركوب ما همَّ به يوسف من الفاحشة = وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب، وجائز أن تكون صورة الملك، وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنى = ولا حجة للعذر قاطعة بأيّ ذلك كان من أيّ. والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى، والإيمان به، وترك ما عدا ذلك إلى عالمه". وقال الشيخ الشنقيطي في "أضواء البيان": (٣ / ٦٨) : "وهذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء منقسمة إلى قسمين: قسم لم يثبت نقله عمن نقل عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه. وقسم ثبت عن بعض من ذكر. ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك، فالظاهر الغالب على الظن، المزاحم لليقين: أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه ﷺ. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي امرأة كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها، اعتمادا على مثل هذه الروايات مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب، كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها، لأن ذلك -على فرض صحته- فيه أكبر زاجر لعوام الفساق، فما ظنك بخيار الأنبياء! مع أننا قدمنا دلالة القرآن على براءته من جهات متعددة، وأوضحنا أن الحقيقة لا تتعدى أحد أمرين: إما أن يكون لم يقع منه هم بها أصلا، بناء على تعليق همه على عدم رؤية البرهان، وقد رأى البرهان. وإما أن يكون همه الميل الطبيعي المزموم بالتقوى. والعلم عند الله تعالى".]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ جَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَوَاقَعَ الْمَعْصِيَةَ.
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ فَالسُّوءُ: الْإِثْمُ. وَقِيلَ: السُّوءُ القبيح. والفحشاء: الزنى.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بِفَتْحِ اللَّامِ حَيْثُ كَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ ذِكْرُ الدِّينِ، زَادَ الْكُوفِيُّونَ " مُخْلَصًا " فِي سُورَةِ مَرْيَمَ ففتحوا.
ومعنى ١٨١/ب ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ الْمُخْتَارِينَ لِلنُّبُوَّةِ، دَلِيلُهُ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ [ص: ١٤٦] .
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيِ: الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ وَذَلِكَ أَنْ يُوسُفَ لَمَّا رَأَى الْبُرْهَانَ قَامَ مُبَادِرًا إِلَى بَابِ الْبَيْتِ هَارِبًا، وَتَبِعَتْهُ الْمَرْأَةُ لِتَمْسِكَ الْبَابَ حَتَّى لَا يَخْرُجَ يُوسُفُ، فَسَبَقَ يُوسُفُ، وَأَدْرَكَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَتَعَلَّقَتْ بِقَمِيصِهِ مِنْ خَلْفِهِ، فَجَذَبَتْهُ إِلَيْهَا حَتَّى لَا يَخْرُجَ.
﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ أَيْ: فَشَقَّتْهُ ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ أَيْ: مِنْ خَلْفٍ، فَلَمَّا خَرَجَا لَقِيَا الْعَزِيزَ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أَيْ: وَجَدَا زَوْجَ الْمَرْأَةِ قِطْفِيرَ عِنْدَ الْبَابِ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَمٍّ لِرَاعِيلَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ هَابَتْهُ و ﴿قَالَتْ﴾ سَابِقَةً بِالْقَوْلِ لِزَوْجِهَا ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ يعني: الزنى، ثُمَّ خَافَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَالَتْ: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ أَيْ: يُحْبَسَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: ضَرْبٌ بِالسِّيَاطِ، فَلَمَّا سَمِعَ يُوسُفُ مَقَالَتَهَا.
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ يَعْنِي: طَلَبَتْ مِنِّي الْفَاحِشَةَ فَأَبَيْتُ وَفَرَرْتُ.
وَقِيلَ: مَا كَانَ يُرِيدُ يُوسُفُ أَنْ يَذْكُرَهُ، فَلَمَّا قَالَتِ الْمَرْأَةُ: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا؟ ذَكَرَهُ، فَقَالَ: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ وَحَكَمَ حَاكِمٌ، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الشَّاهِدِ:
فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ: كَانَ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ، أَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[أخرجه عنهما: ابن جرير وأبو الشيخ وابن أبي شيبة وابن المنذر. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٥٢٦.]] ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: ابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ" [[رواه ابن جرير في التفسير عن ابن عباس: (١٦ / ٥٥) ، والإمام أحمد في المسند مطولا برقم (٢٨٢٢-٢٨٢٥) -طبعة الحلبي- ولم يرفعه وابن حبان في صحيحه ص (٤٠) من موارد الظمآن. وقال الهيثمي في "المجمع": (١ / ٦٥) : "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط -وفيه عطاء بن السائب- وهو ثقة، ولكنه اختلط". وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ٢ / ٤٩٧، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعزاه السيوطي للبيهقي في الدلائل، وزاد ابن حجر نسبته لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبيهقي في الشعب انظر: "الكافي الشاف" ص (٨٩) ، وصححه الشيخ محمود شاكر في تعليقه على الطبري، في الموضع السابق. وانظر: فتح الباري لابن حجر: ٦ / ٤٨٠.]] .
وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ الصَّبِيُّ ابْنَ خَالِ الْمَرْأَةِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا حَكِيمًا ذَا رَأْيٍ [[انظر: الدر المنثور ٤ / ٥٢٦.]] .
قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ ابْنُ عَمِّ رَاعِيلَ [[قال الطبري في التفسير: (٢ / ٥٩) : "والصواب من القول في ذلك، قول من قال: كان صبيا في المهد للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ، أنه ذكر من تكلم في المهد، فذكر أن أحدهم صاحب يوسف".]] ، فَحَكَمَ فَقَالَ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أَيْ: مِنْ قُدَّامٍ، ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ .
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ وَذَلِكَ أَنْ يُوسُفَ لَمَّا رَأَى الْبُرْهَانَ قَامَ مُبَادِرًا إِلَى بَابِ الْبَيْتِ هَارِبًا، وَتَبِعَتْهُ الْمَرْأَةُ لِتَمْسِكَ الْبَابَ حَتَّى لَا يَخْرُجَ يُوسُفُ، فَسَبَقَ يُوسُفُ، وَأَدْرَكَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَتَعَلَّقَتْ بِقَمِيصِهِ مِنْ خَلْفِهِ، فَجَذَبَتْهُ إِلَيْهَا حَتَّى لَا يَخْرُجَ.
﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ أَيْ: فَشَقَّتْهُ ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ أَيْ: مِنْ خَلْفٍ، فَلَمَّا خَرَجَا لَقِيَا الْعَزِيزَ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أَيْ: وَجَدَا زَوْجَ الْمَرْأَةِ قِطْفِيرَ عِنْدَ الْبَابِ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَمٍّ لِرَاعِيلَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ هَابَتْهُ و ﴿قَالَتْ﴾ سَابِقَةً بِالْقَوْلِ لِزَوْجِهَا ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ يعني: الزنى، ثُمَّ خَافَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَالَتْ: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ أَيْ: يُحْبَسَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: ضَرْبٌ بِالسِّيَاطِ، فَلَمَّا سَمِعَ يُوسُفُ مَقَالَتَهَا.
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ يَعْنِي: طَلَبَتْ مِنِّي الْفَاحِشَةَ فَأَبَيْتُ وَفَرَرْتُ.
وَقِيلَ: مَا كَانَ يُرِيدُ يُوسُفُ أَنْ يَذْكُرَهُ، فَلَمَّا قَالَتِ الْمَرْأَةُ: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا؟ ذَكَرَهُ، فَقَالَ: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ وَحَكَمَ حَاكِمٌ، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الشَّاهِدِ:
فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ: كَانَ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ، أَنْطَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[أخرجه عنهما: ابن جرير وأبو الشيخ وابن أبي شيبة وابن المنذر. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٥٢٦.]] ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: ابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ" [[رواه ابن جرير في التفسير عن ابن عباس: (١٦ / ٥٥) ، والإمام أحمد في المسند مطولا برقم (٢٨٢٢-٢٨٢٥) -طبعة الحلبي- ولم يرفعه وابن حبان في صحيحه ص (٤٠) من موارد الظمآن. وقال الهيثمي في "المجمع": (١ / ٦٥) : "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط -وفيه عطاء بن السائب- وهو ثقة، ولكنه اختلط". وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ٢ / ٤٩٧، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعزاه السيوطي للبيهقي في الدلائل، وزاد ابن حجر نسبته لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبيهقي في الشعب انظر: "الكافي الشاف" ص (٨٩) ، وصححه الشيخ محمود شاكر في تعليقه على الطبري، في الموضع السابق. وانظر: فتح الباري لابن حجر: ٦ / ٤٨٠.]] .
وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ الصَّبِيُّ ابْنَ خَالِ الْمَرْأَةِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا حَكِيمًا ذَا رَأْيٍ [[انظر: الدر المنثور ٤ / ٥٢٦.]] .
قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ ابْنُ عَمِّ رَاعِيلَ [[قال الطبري في التفسير: (٢ / ٥٩) : "والصواب من القول في ذلك، قول من قال: كان صبيا في المهد للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ، أنه ذكر من تكلم في المهد، فذكر أن أحدهم صاحب يوسف".]] ، فَحَكَمَ فَقَالَ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أَيْ: مِنْ قُدَّامٍ، ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ .
﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ قِطْفِيرُ، ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ عَرَفَ خِيَانَةَ امْرَأَتِهِ وَبَرَاءَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿قَالَ﴾ لَهَا ﴿إِنَّهُ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الصَّنِيعَ، ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ ثُمَّ أَقْبَلُ قِطْفِيرُ عَلَى يُوسُفَ فَقَالَ:
﴿يُوسُفُ﴾ أَيْ: يَا يُوسُفُ، ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أَيْ: عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ حَتَّى لَا يَشِيعَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَكْتَرِثْ لَهُ، فَقَدْ بَانَ عُذْرُكَ وَبَرَاءَتُكَ.
ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أَيْ: تُوبِي إِلَى اللَّهِ، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ لِيُوسُفَ وَلِرَاعِيلَ.
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ ، أَيْ سَلِي زَوْجَكِ أَنْ لَا يُعَاقِبَكِ وَيَصْفَحَ عَنْكِ ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ مِنَ الْمُذْنِبِينَ، حَتَّى رَاوَدْتِ شَابًّا عَنْ نَفْسِهِ وَخُنْتِ زَوْجَكِ، فَلَمَّا اسْتَعْصَمَ كَذَبْتِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: "مِنَ الْخَاطِئِينَ" وَلَمْ يَقُلْ: مِنَ الْخَاطِئَاتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْخَبَرَ عَنِ النِّسَاءِ بَلْ قَصْدَ بِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، تَقْدِيرُهُ: مِنَ الْقَوْمِ الْخَاطِئِينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] .
﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ قِطْفِيرُ، ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ عَرَفَ خِيَانَةَ امْرَأَتِهِ وَبَرَاءَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿قَالَ﴾ لَهَا ﴿إِنَّهُ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الصَّنِيعَ، ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ ثُمَّ أَقْبَلُ قِطْفِيرُ عَلَى يُوسُفَ فَقَالَ:
﴿يُوسُفُ﴾ أَيْ: يَا يُوسُفُ، ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أَيْ: عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ حَتَّى لَا يَشِيعَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَكْتَرِثْ لَهُ، فَقَدْ بَانَ عُذْرُكَ وَبَرَاءَتُكَ.
ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أَيْ: تُوبِي إِلَى اللَّهِ، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ لِيُوسُفَ وَلِرَاعِيلَ.
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ ، أَيْ سَلِي زَوْجَكِ أَنْ لَا يُعَاقِبَكِ وَيَصْفَحَ عَنْكِ ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ مِنَ الْمُذْنِبِينَ، حَتَّى رَاوَدْتِ شَابًّا عَنْ نَفْسِهِ وَخُنْتِ زَوْجَكِ، فَلَمَّا اسْتَعْصَمَ كَذَبْتِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: "مِنَ الْخَاطِئِينَ" وَلَمْ يَقُلْ: مِنَ الْخَاطِئَاتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْخَبَرَ عَنِ النِّسَاءِ بَلْ قَصْدَ بِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، تَقْدِيرُهُ: مِنَ الْقَوْمِ الْخَاطِئِينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] .
﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ قِطْفِيرُ، ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ عَرَفَ خِيَانَةَ امْرَأَتِهِ وَبَرَاءَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿قَالَ﴾ لَهَا ﴿إِنَّهُ﴾ أَيْ: إِنَّ هَذَا الصَّنِيعَ، ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ ثُمَّ أَقْبَلُ قِطْفِيرُ عَلَى يُوسُفَ فَقَالَ:
﴿يُوسُفُ﴾ أَيْ: يَا يُوسُفُ، ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أَيْ: عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ حَتَّى لَا يَشِيعَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَكْتَرِثْ لَهُ، فَقَدْ بَانَ عُذْرُكَ وَبَرَاءَتُكَ.
ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أَيْ: تُوبِي إِلَى اللَّهِ، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّاهِدِ لِيُوسُفَ وَلِرَاعِيلَ.
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ ، أَيْ سَلِي زَوْجَكِ أَنْ لَا يُعَاقِبَكِ وَيَصْفَحَ عَنْكِ ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ مِنَ الْمُذْنِبِينَ، حَتَّى رَاوَدْتِ شَابًّا عَنْ نَفْسِهِ وَخُنْتِ زَوْجَكِ، فَلَمَّا اسْتَعْصَمَ كَذَبْتِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: "مِنَ الْخَاطِئِينَ" وَلَمْ يَقُلْ: مِنَ الْخَاطِئَاتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْخَبَرَ عَنِ النِّسَاءِ بَلْ قَصْدَ بِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، تَقْدِيرُهُ: مِنَ الْقَوْمِ الْخَاطِئِينَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الْآيَةَ.
يَقُولُ: شَاعَ أَمْرُ يُوسُفَ وَالْمَرْأَةِ فِي الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ. وَقِيلَ: مَدِينَةُ عَيْنِ الشَّمْسِ، وَتَحَدَّثَ النِّسَاءُ بِذَلِكَ وَقُلْنَ -وَهُنَّ خَمْسُ نِسْوَةٍ: امْرَأَةُ حَاجِبِ [[في "ب": صاحب.]] الْمَلِكِ، وَامْرَأَةُ صَاحِبِ الدَّوَابِّ، وَامْرَأَةُ الْخَبَّازِ، وَامْرَأَةُ السَّاقِي، وَامْرَأَةُ صَاحِبِ السَّجْنِ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
وَقِيلَ: هُنَّ نِسْوَةٌ مِنْ أَشْرَافِ مِصْرَ-:
﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ أَيْ: عَبْدَهَا الْكَنْعَانِيَّ، ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ أَيْ: تَطْلُبُ مِنْ عَبْدِهَا الْفَاحِشَةَ، ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أَيْ: عَلِقَهَا حُبًّا.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: حَجَبَ حُبُّهُ قَلْبَهَا حَتَّى لَا تَعْقِلَ سِوَاهُ.
وَقِيلَ: أَحَبَّتْهُ حَتَّى دَخَلَ حُبُّهُ شَغَافَ قَلْبِهَا، أَيْ: دَاخِلَ قَلْبِهَا.
قَالَ السُّدِّيُّ: الشَّغَافُ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ عَلَى الْقَلْبِ، يَقُولُ: دَخَلَ الْحُبُّ الْجِلْدَ حَتَّى أَصَابَ الْقَلْبَ.
وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ وَالْأَعْرَجُ [[في "ب": الأعمش.]] ﴿شَعَفَهَا﴾ بِالْعَيْنِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، مَعْنَاهُ: ذَهَبَ الْحُبُّ بِهَا كُلَّ مَذْهَبٍ. وَمِنْهُ شَعَفُ الجبال وهو رؤوسها.
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ: خَطَإٍ ظَاهِرٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّهَا تَرَكَتْ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَمْثَالُهَا مِنَ الْعَفَافِ وَالسِّتْرِ.
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ رَاعِيلُ، ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِقَوْلِهِنَّ وَحَدِيثِهِنَّ، قَالَهُ قَتَادَةُ والسدي.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ إِنَّمَا قُلْنَ ذَلِكَ مَكْرًا بِهَا لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ، وَكَانَ يُوصَفُ لَهُنَّ حُسْنُهُ وَجَمَالُهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا أَفْشَتْ إِلَيْهِنَّ سَرَّهَا وَاسْتَكْتَمَتْهُنَّ فَأَفْشَيْنَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مَكْرًا.
﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ قَالَ وَهْبٌ: اتَّخَذَتْ مَأْدُبَةً، وَدَعَتْ أَرْبَعِينَ امْرَأَةً، مِنْهُنَّ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي عَيَّرْنَهَا.
﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أَيْ: أَعَدَّتْ، ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أَيْ: مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: مُتَّكَأً أَيْ: طَعَامًا، سَمَّاهُ مُتَّكَأً لِأَنَّ أَهْلَ الطَّعَامِ إِذَا جَلَسُوا يَتَّكِئُونَ عَلَى الْوَسَائِدِ، فَسَمَّى الطَّعَامَ مُتَّكَأً عَلَى الِاسْتِعَارَةِ. يُقَالُ: اتَّكَأْنَا عِنْدَ فُلَانٍ أَيْ: طَعِمْنَا [[في "أ": أطعمنا.]] . وَيُقَالُ: الْمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِلشُّرْبِ أَوِ الْحَدِيثِ أَوِ الطَّعَامِ [[في "أ": لشراب أو لحديث أو لطعام.]] ، وَيُقْرَأُ فِي الشَّوَاذِّ مَتْكَأً بِسُكُونِ التَّاءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: [هُوَ الْأُتْرُجُّ. وَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ. وَقِيلَ] [[ساقط من "أ".]] هُوَ الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشَةِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ الرَّبَاوَرْدُ [[في "ب": الزماورد.]] .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ كُلُّ شَيْءٍ يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: كُلُّ مَا يُجَزُّ بِالسِّكِّينِ فَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ مُتْكٌ، وَالْمُتْكُ وَالْبُتْكُ بِالْمِيمِ وَالْبَاءِ: الْقَطْعُ، فَزَيَّنَتْ [الْمَأْدُبَةَ بِأَلْوَانِ] [[في "ب": بيتا بأنواع.]] الْفَوَاكِهِ وَالْأَطْعِمَةِ، وَوَضَعَتِ الْوَسَائِدَ وَدَعَتِ النِّسْوَةَ.
﴿وَآتَتْ﴾ وَأَعْطَتْ، ﴿كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ فَكُنَّ يَأْكُلْنَ اللَّحْمَ حَزَّا بِالسِّكِّينِ.
﴿وَقَالَتْ﴾ لِيُوسُفَ، ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ أَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ.
قَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ يُوسُفَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" [[قال ابن حجر في "الكافي الشاف" ص (٨٩) : "رواه الثعلبي من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد. وأخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل، وابن مردويه من هذا الوجه مطولا، وأبو هارون العبدي ضعيف".]] .
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ: كَانَ يُوسُفُ إِذَا سَارَ فِي أَزِقَّةِ مِصْرَ يُرَى تَلَأْلُؤُ وَجْهِهِ عَلَى الْجُدْرَانِ.
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أَعْظَمْنَهُ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هَالَهُنَّ أَمْرُهُ وَبُهِتْنَ. وَقِيلَ: أَكْبَرْنَهُ أَيْ: حِضْنَ لِأَجْلِهِ مِنْ جَمَالِهِ [[وضعف هذا التفسير أيضا: الطبري: ١٦ / ٧٦-٧٧، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٧ / ٤٩٥-٤٩٦.]] . وَلَا يَصِحُّ.
﴿وَقَطَّعْنَ﴾ أَيْ: حَزَّزْنَ بِالسَّكَاكِينِ الَّتِي مَعَهُنَّ، ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ وَهُنَّ يَحْسَبْنَ أَنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الْأُتْرُجَّ، وَلَمْ يَجِدْنَ الْأَلَمَ لِشُغْلِ قُلُوبِهِنَّ بِيُوسُفَ.
قال مجاهد: ١٨٢/أفَمَا أَحْسَسْنَ إِلَّا بِالدَّمِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ [[في "ب": مجاهد.]] : أَبَنَّ أَيْدِيَهُنَّ حَتَّى أَلْقَيْنَهَا.
وَالْأَصَحُّ كَانَ قَطْعًا بِلَا إِبَانَةٍ.
وَقَالَ وَهْبٌ: مَاتَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُنَّ [[قال الطبري في التفسير: ١٦ / ٧٩: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطعن أيديهن وهنّ لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك قطعا بإبانة =وجائز أن يكون قطع حز وخدش= ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنزيل".]] .
﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ أَيْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا بَشَرًا. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: حَاشَى لِلَّهِ، بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ، عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِحَذْفِ الْيَاءِ لِكَثْرَةِ وُرُودِهَا عَلَى الْأَلْسُنِ، وَاتِّبَاعًا لِلْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ نُصِبَ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، أَيْ: لَيْسَ هَذَا بِبَشَرٍ، ﴿إِنْ هَذَا﴾ أَيْ: مَا هَذَا، ﴿إِلَّا مَلَكٌ﴾ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، ﴿كَرِيمٌ﴾ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.