John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi

Surah Ar-Ra'd

Tafseer Al-Baghawi · The Thunder · 43 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

سُورَةِ الرَّعْدِ

مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: "وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا"، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [[أخرج النحاس في "الناسخ والمنسوخ" عن ابن عباس، وسعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير أن سورة الرعد مكية. وبه قال الحسن وعطاء وقتادة. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس، وابن مردويه عن ابن الزبير: أن سورة الرعد نزلت بالمدينة. وبه قال جابر ابن زيد. وروي عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة، ورواه ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة. ومكية السورة شديدة الوضوح: سواء في طبيعة موضوعها، أو طريقة أدائها، أو في جوها العام الذي لا يخطئ تنسمه من يعيش فترة في ظلال القرآن. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٥٩٩، الإتقان: ١ / ٤٠-٤٤، زاد المسير: ٤ / ٢٩٩، في ظلال القرآن: ١٣ / ٢٠٣٩.]] [وَهِيَ ثَلَاثٌ وَأَرْبَعُونَ آيَةً] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] . ﷽

* *

﴿المر﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى [[انظر فيما سبق: ١ / ٥٨، وراجع تفسير الطبري: ١ / ٢٠٥-٢٢٤، ٦ / ١٤٩، ١٢ / ٢٩٤،٢٩٢، ١٥ / ٩، ١٦ / ٣١٩-٣٢٠. طبعة دار المعارف، زاد المسير: ٤ / ٣٠٠.]] ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: تِلْكَ الْأَخْبَارُ الَّتِي قَصَصْتُهَا [عَلَيْكَ] [[ساقط من "ب".]] آيَاتُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يَعْنِي: وَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ، ﴿مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ أَيْ: هُوَ الْحَقُّ فَاعْتَصِمْ بِهِ. فَيَكُونُ مَحَلُّ "الَّذِي" رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْحَقُّ خَبَرَهُ.

وَقِيلَ: مَحَلُّهُ خَفْضٌ، يَعْنِي: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَآيَاتُ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ، ثُمَّ ابْتَدَأَ: "الْحَقَّ"، يَعْنِي: ذَلِكَ الْحَقُّ [[انظر في هذا وشواهده من العربية: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٢١-٣٢٢، البحر المحيط: ٥ / ٣٥٩، المحرر الوجيز: ٨ / ١٠٩-١١٠.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنَ، وَمَعْنَاهُ: هَذِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقُّ.

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ [[وقيل: المراد اليهود والنصارى. والأولى أنه عام يندرج تحته هؤلاء وأولئك. انظر: البحر المحيط: ٥ / ٣٥٩.]] فَرَدَّ قَوْلَهُمْ ثُمَّ بَيَّنَ دَلَائِلَ رُبُوبِيَّتِهِ، فَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ .

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ يَعْنِي: السَّوَارِيَ، وَاحِدُهَا عَمُودٌ، مِثْلُ: أَدِيمٍ وَأُدُمٍ، وَعُمُدٌ أَيْضًا جَمْعُهُ، مِثْلُ: رَسُولٍ وَرُسُلٍ.

وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْعَمَدِ أَصْلًا وَهُوَ الْأَصَحُّ، يَعْنِي: لَيْسَ مِنْ دُونِهَا دِعَامَةٌ تُدَعِّمُهَا وَلَا فَوْقَهَا عَلَاقَةٌ تُمْسِكُهَا.

قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: السَّمَاءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُ الْقُبَّةِ [[وهذا مروي أيضا عن قتادة، ويدل عليه تصريحه تعالى في سورة الحج أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) . فعلى هذا يكون قوله (ترونها) تأكيدا لنفي ذلك. أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها. وهذا هو الأكمل في القدرة. وعلى هذا يكون الضمير في قوله "ترونها" عائدا على "السموات"، وجملة "ترونها" في موضع الحال. انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٢٥، تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٠٠، أضواء البيان: ٣ / ٧٧-٧٨، المحرر الوجيز: ٨ / ١١٠.]]

وَقِيلَ: "تَرَوْنَهَا" رَاجِعَةٌ إِلَى الْعُمُدِ، [مَعْنَاهُ] [[ساقط من "ب".]] لَهَا عُمُدٌ وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهَا [[وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه وعن مجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وقال الطبري تعقيبا على هذين الرأيين: (١٦ / ٣٢٥) : "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله تعالى: "الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها" فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا -جل ثناؤه- ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه".]] وَزُعِمَ: أَنَّ عُمُدَهَا جَبَلٌ قَافٍ، وَهُوَ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا، وَالسَّمَاءُ عَلَيْهِ مِثْلُ الْقُبَّةِ [[التعبير بكلمة "زعم" تشير إلى تضعيف هذا الرأي، لأن زعم مطية الكذب، كما تقول العرب، ولذلك، نثبت هنا كلمة قيمة للحافظ ابن كثير، رحمه الله، في تفسيره لسورة (ق) : (٤ / ٢٢٢) قال: "روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ق جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف، وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب. وعندي: أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افتري في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي ﷺ، وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل، مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" فيما قد يجوزه العقل. فأما ما تحيله العقول ويحكم فيه بالبطلان ويغلب على الظنون كذبه: فليس من هذا القبيل. والله أعلم". ثم قال: "وقد أكثر من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة" ثم أورد أثرا غريبا لا يصح سنده عن ابن عباس، أخرجه ابن أبي حاتم الرازي عن جبل قاف المحيط بالأرض وقال: "وإسناد الأثر فيه انقطاع". هذا، وقد جمع الشيخ أحمد شاكر كلمات ابن كثير في الإسرائيليات في عمدة التفسير: ١ / ١٤-١٩.]] .

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ عَلَا [عَلَيْهِ] [[في "ب": علمه.]] ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ذَلَّلَهُمَا لِمَنَافِعِ خَلْقِهِ فَهُمَا مَقْهُورَانِ، ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ أَيْ: يَجْرِيَانِ عَلَى مَا يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَيْ: إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ فَنَاءُ الدُّنْيَا. [وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ] [[في "ب": وقيل.]] : أَرَادَ بِالْأَجَلِ الْمُسَمَّى دَرَجَاتَهُمَا وَمَنَازِلَهُمَا يَنْتَهِيَانِ إِلَيْهَا لَا يُجَاوِزَانِهَا، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يَقْضِيهِ وَحْدَهُ، ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يُبَيِّنُ الدَّلَالَاتِ، ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ لِكَيْ تُوقِنُوا بِوَعْدِهِ وَتُصَدِّقُوهُ.

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ بَسَطَهَا، ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جِبَالًا ثَابِتَةً، وَاحِدَتُهَا رَاسِيَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَبُو قُبَيْسٍ أَوَّلَ جَبَلٍ وُضِعَ عَلَى الْأَرْضِ [[نقله القرطبي عن ابن عباس وعطاء: ٩ / ٢٨٠.]] ﴿وَأَنْهَارًا﴾ وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا.

﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أَيْ: [صِنْفَيْنِ اثْنَيْنِ] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] أَحْمَرُ وَأَصْفَرُ، وَحُلْوًا وَحَامِضًا، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أَيْ: يُلْبِسُ النَّهَارَ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَيُلْبِسُ اللَّيْلَ بِضَوْءِ النَّهَارِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ. وَالتَّفَكُّرُ [[في "أ": والفكر.]] تَصَرُّفُ الْقَلْبِ فِي طَلَبِ مَعَانِي الْأَشْيَاءِ.

﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ مُتَقَارِبَاتٌ يُقَرَّبُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ: هَذِهِ طِيِّبَةٌ تُنْبِتُ، وَهَذِهِ سَبِخَةٌ لَا تُنْبِتُ، وَهَذِهِ قَلِيلَةُ الرِّيعِ، وَهَذِهِ كَثِيرَةُ الرِّيعِ، ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ بَسَاتِينُ، ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ﴾ رَفَعَهَا كُلَّهَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ، وَيَعْقُوبُ، عَطْفًا عَلَى الْجَنَّاتِ، وَجَرَّهَا الْآخَرُونَ نَسَقًا عَلَى الْأَعْنَابِ. وَالصِّنْوَانُ: جَمْعُ صِنْوٍ، وَهُوَ النَّخَلَاتُ يَجْمَعُهُنَّ أَصْلٌ وَاحِدٌ.

﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ هِيَ النَّخْلَةُ الْمُنْفَرِدَةُ بِأَصْلِهَا. وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ [[انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٣٥-٣٤٠.]] صِنْوَانٌ: مُجْتَمِعٌ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ: مُتَفَرِّقٌ. نَظِيرُهُ مِنَ الْكَلَامِ: قِنْوَانٌ جَمْعُ قِنْوٍ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَبَّاسِ: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ" [[قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه مسلم في الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، برقم (٩٨٣) : ٢ / ٦٧٦-٦٧٧. وانظر فيما سبق: ١ / ١٥٤. تفسير الطبري: ١٦ / ٣٣٨-٣٣٩ مع تعليق محمود شاكر.]] . وَلَا فَرْقَ فِي الصِّنْوَانِ وَالْقِنْوَانِ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ إِلَّا فِي الْإِعْرَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّونَ فِي التَّثْنِيَةِ مَكْسُورَةٌ غَيْرُ مُنَوَّنَةٍ، وَفِي الْجَمْعِ مُنَوَّنَةٌ.

﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ " يُسْقَى " بِالْيَاءِ أَيْ يُسْقَى ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ بَعْدُ "بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ"، وَلَمْ يَقُلْ بَعْضَهُ. وَالْمَاءُ جِسْمٌ رَقِيقٌ مَائِعٌ بِهِ حَيَاةُ كَلِّ نَامٍ.

﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ فِي الثَّمَرِ وَالطَّعْمِ. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " وَيُفَضِّلُ " بِالْيَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الرعد: ٢] .

وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ عَلَى مَعْنَى: وَنَحْنُ نُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ [فِي قَوْلِهِ] : "وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ"، قَالَ: "الْفَارِسِيُّ، وَالدَّقَلُ، وَالْحُلْوُ، وَالْحَامِضُ" [[أخرجه الترمذي في التفسير: ٨ / ٥٤٤ وقال: "هذا حديث حسن غريب، وقد رواه زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش نحو هذا وسيف بن محمد هو أخو عمار بن محمد، وعمار أثبت منه، وهو ابن أخت سفيان الثوري". وأخرجه الطبري في التفسير: ١٦ / ٣٤٤، وعزاه السيوطي في الدر: ٤ / ٦٠٥ أيضا للبزار وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه. و"الفارسي" -من التمر- نوع منه، ولعله عني به (البَرْنِيّ) وهو ضرب من التمر أصفر مدور، عذب الحلاوة وهو أجوده وقالوا: إن لفظ "البرني" فارسي معرب. و"الدقل": أردأ أنواع التمر. انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري: ١٦ / ٣٤٣.]] .

قَالَ مُجَاهِدٌ: كَمَثَلِ بَنِيَ آدَمَ، صَالِحِهِمْ وَخَبِيثِهِمْ، وَأَبُوهُمْ وَاحِدٌ [[الطبري: ١٦ / ٣٤٢.]] .

قَالَ الْحَسَنُ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ، وَيَقُولُ: كَانَتِ الْأَرْضُ طِينَةً وَاحِدَةً فِي يَدِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، فَسَطَحَهَا، فَصَارَتْ قِطَعًا مُتَجَاوِرَةً، فَيُنْزِلُ عَلَيْهَا الْمَطَرَ [[في "ب": الماء.]] مِنَ السَّمَاءِ، فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَتَهَا، وَشَجَرَهَا وَثَمَرَهَا وَنَبَاتَهَا، وَتُخْرِجُ هَذِهِ سَبَخَهَا وَمِلْحَهَا وَخَبِيثَهَا [[في "ب": خبثا.]] وَكُلٌ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، كَذَلِكَ النَّاسُ خُلِقُوا مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ تَذْكِرَةً فَتَرِقُّ قُلُوبٌ فَتَخْشَعُ، وَتَقْسُو قُلُوبٌ فَتَلْهُو.

قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا جَالَسَ الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] . [[الطبري: ١٦ / ٣٤٠.]]

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرْتُ ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .

﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ الْعَجَبُ تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِرُؤْيَةِ الْمُسْتَبْعَدِ فِي الْعَادَةِ، وَالْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعْنَاهُ: إِنَّكَ إِنْ تَعْجَبْ مِنْ إِنْكَارِهِمُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِابْتِدَاءِ الْخَلْقِ [مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ] [[ساقط من "ب".]] فَعَجَبٌ أَمْرُهُمْ.

وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِابْتِدَاءِ الْخَلْقِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْقُلُوبِ أَنَّ الْإِعَادَةَ أَهْوَنُ مِنَ الِابْتِدَاءِ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْعَجَبِ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَإِنَّ تَعْجَبْ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُشْرِكِينَ وَاتِّخَاذِهِمْ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا وَهُمْ قَدْ رَأَوْا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا ضَرَبَ لَهُمْ بِهِ الْأَمْثَالَ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، أَيْ: فَتَعْجَبُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ بَعْدَ الْمَوْتِ، ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أَيْ: نُعَادُ خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا كُنَّا قَبْلَ الْمَوْتِ.

قَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ "أَئِذَا" مُسْتَفْهِمًا "إِنَّا" بِتَرْكِهِ، عَلَى الْخَبَرِ، ضِدَّهُ: أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ. وَكَذَلِكَ فِي "سُبْحَانَ" فِي مَوْضِعَيْنِ، والمؤمنون، وَالم السَّجْدَةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ فيهما وفي ١٨٨/ب الصَّافَّاتِ فِي مَوْضِعَيْنِ هَكَذَا إِلَّا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يُوَافِقُ نَافِعًا فِي أَوَّلِ الصَّافَّاتِ فَيُقَدِّمُ الِاسْتِفْهَامَ وَيَعْقُوبُ لَا يَسْتَفْهِمُ الثَّانِيَةَ ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الِاسْتِعْجَالُ: طَلَبُ تَعْجِيلِ الْأَمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِهِ، وَالسَّيِّئَةُ هَا هُنَا هِيَ: الْعُقُوبَةُ، وَالْحَسَنَةُ: الْعَافِيَةُ. وَذَلِكَ أَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْعُقُوبَةَ بَدَلًا مِنَ الْعَافِيَةِ اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ يَقُولُونَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [الأنفال: ٣٢] .

﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ أَيْ: مَضَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ فِي الْأُمَمِ الَّتِي عَصَتْ رَبَّهَا وَكَذَّبَتْ رُسُلَهَا الْعُقُوبَاتُ. وَالْمَثُلَاتُ جَمْعُ الْمَثُلَةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الثَّاءِ، مِثْلُ: صَدُقَةٍ وَصَدُقَاتٍ [[الصدقات: مهور النساء.]] .

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أَيْ: عَلَامَةٌ وَحُجَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ مُخَوِّفٌ، ﴿وَلِكُلِ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أَيْ: لِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: دَاعٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ أَوْ إِلَى الضَّلَالَةِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْهَادِي مُحَمَّدٌ ﷺ، يَقُولُ: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَأَنْتَ هَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ، أَيْ: دَاعٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْهَادِي هُوَ اللَّهُ تَعَالَى [[ساق الطبري الأقوال في التفسير ثم قال: "وقد بينت معنى "الهداية" وأنه الإمام المتبع الذي يقدم القوم. فإذا كان ذلك كذلك، فجائز أن يكون هو الله الذي يهدي خلقه، ويتبع خلقه هداه، ويأتمون بأمره ونهيه. وجائز أن يكون نبي الله الذي تأتم به أمته. وجائز أن يكون إماما من الأئمة يؤتم به، ويتبع منهاجه وطريقته أصحابه. وجائز أن يكون داعيا من الدعاة إلى خير أو شر. وإن كان ذلك كذلك، فلا قول أولى في ذلك بالصواب من أن يقال كما قال جل ثناؤه: إن محمدا هو المنذر من أرسل إليه بالإنذار، وإن لكل قوم هاديا يهديهم فيتبعونه ويأتمون به". تفسير الطبري: ١٦ / ٣٥٨.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الِاسْتِعْجَالُ: طَلَبُ تَعْجِيلِ الْأَمْرِ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِهِ، وَالسَّيِّئَةُ هَا هُنَا هِيَ: الْعُقُوبَةُ، وَالْحَسَنَةُ: الْعَافِيَةُ. وَذَلِكَ أَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْعُقُوبَةَ بَدَلًا مِنَ الْعَافِيَةِ اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ يَقُولُونَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [الأنفال: ٣٢] .

﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ أَيْ: مَضَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ فِي الْأُمَمِ الَّتِي عَصَتْ رَبَّهَا وَكَذَّبَتْ رُسُلَهَا الْعُقُوبَاتُ. وَالْمَثُلَاتُ جَمْعُ الْمَثُلَةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الثَّاءِ، مِثْلُ: صَدُقَةٍ وَصَدُقَاتٍ [[الصدقات: مهور النساء.]] .

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أَيْ: عَلَامَةٌ وَحُجَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ مُخَوِّفٌ، ﴿وَلِكُلِ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أَيْ: لِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: دَاعٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ أَوْ إِلَى الضَّلَالَةِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْهَادِي مُحَمَّدٌ ﷺ، يَقُولُ: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَأَنْتَ هَادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ، أَيْ: دَاعٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْهَادِي هُوَ اللَّهُ تَعَالَى [[ساق الطبري الأقوال في التفسير ثم قال: "وقد بينت معنى "الهداية" وأنه الإمام المتبع الذي يقدم القوم. فإذا كان ذلك كذلك، فجائز أن يكون هو الله الذي يهدي خلقه، ويتبع خلقه هداه، ويأتمون بأمره ونهيه. وجائز أن يكون نبي الله الذي تأتم به أمته. وجائز أن يكون إماما من الأئمة يؤتم به، ويتبع منهاجه وطريقته أصحابه. وجائز أن يكون داعيا من الدعاة إلى خير أو شر. وإن كان ذلك كذلك، فلا قول أولى في ذلك بالصواب من أن يقال كما قال جل ثناؤه: إن محمدا هو المنذر من أرسل إليه بالإنذار، وإن لكل قوم هاديا يهديهم فيتبعونه ويأتمون به". تفسير الطبري: ١٦ / ٣٥٨.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، سَوِيَّ الْخَلْقِ أَوْ نَاقِصَ الْخَلْقِ، وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ أَيْ مَا تَنْقُصُ ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ .

قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ [[انظر في هذه الأقوال وتخريجها: الدر المنثور: ٤ / ٦٠٨-٦١٠، تفسير الطبري: ١٦ / ٣٥٩-٣٦٥. واقرأ كتاب "خلق الإنسان بين الطب والقرآن" للدكتور محمد علي البار، فصل دورة الأرحام ص (٦٩-٨٢) .]] غَيْضُ الْأَرْحَامِ: الْحَيْضُ عَلَى الْحَمْلِ؛ فَإِذَا حَاضَتِ الْحَامِلُ كَانَ نُقْصَانًا فِي الْوَلَدِ، لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ غِذَاءُ الْوَلَدِ فِي الرَّحِمِ، فَإِذَا أَهْرَقَتِ الدَّمَ يَنْقُصُ الْغِذَاءُ فَيَنْتَقِصُ الْوَلَدُ، وَإِذَا لَمْ تَحِضْ يَزْدَادُ الْوَلَدُ وَيَتِمُّ، فَالنُّقْصَانُ نُقْصَانُ خِلْقَةِ الْوَلَدِ بِخُرُوجِ الدَّمِ، وَالزِّيَادَةُ تَمَامُ خِلْقَتِهِ بِاسْتِمْسَاكِ الدَّمِ.

وَقِيلَ: إِذَا حَاضَتْ يَنْتَقِصُ [[في "ب": ينقص.]] الْغِذَاءُ وَتَزْدَادُ مُدَّةُ الْحَمْلِ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ تِسْعَةَ [[في "ب": بسبعة.]] أَشْهُرٍ ظَاهِرًا، فَإِنْ رَأَتْ [[في "ب": زادت.]] خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَضَعَتْ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَالنُّقْصَانُ فِي الْغِذَاءِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْمُدَّةِ [[هذه الأقوال في تفسير الآية بناء على أن الحامل تحيض، وهو مذهب مالك والشافعي في أحد قوليه. وقال عطاء والشعبي وغيرهما: لا تحيض. وبه قال أبو حنيفة، ودليله الآية. قال ابن عباس في تأويل الآية: إنه حيض الحبالى، وكذلك روي عن عكرمة ومجاهد، وهو قول عائشة، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة؛ والصحابة إذ ذاك متوافرون، ولم ينكر منهم أحد عليها، فصار كالإجماع. وقال أبو حنيفة: لو كانت الحامل تحيض، وكان ما تراه المرأة من الدم حيضا لما صح استبراء الأمة بحيض، وهو إجماع. وروي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض. انظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٨٦. أحكام القرآن للجصاص: ٤ / ٣٩٧-٣٩٩، تفسير ابن عطية: ٨ / ١٣٠-١٣١، أحكام القرآن لابن العربي: ٣ / ١١١٠.]] .

وَقَالَ الْحَسَنُ: غَيْضُهَا: نُقْصَانُهَا مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَالزِّيَادَةُ، زِيَادَتُهَا عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ النُّقْصَانُ: السَّقْطُ، وَالزِّيَادَةُ: تَمَامُ الْخَلْقِ. وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَقَدْ يُولَدُ الْمَوْلُودُ لِهَذِهِ الْمُدَّةِ وَيَعِيشُ [[وذلك منتزع من قوله تعالى: "وحمله وفصاله ثلاثون شهرا" [الأحقاف: ١٥] مع قوله تعالى: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" (البقرة ٢٣٣) فبقي عن مدة الفصال من الثلاثين شهرا لمدة الحمل ستة أشهر. وكلام الأطباء يتفق مع هذا، فالطب يقرر أن أقل الحمل الذي يمكنه العيش بعده ستة أشهر، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: "وأما أقل مدة الحمل: فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة أشهر". انظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٨٨، التبيان في إقسام القرآن لابن القيم ص (٣٣٩) ، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د. محمد علي البار ص (٤٥١-٤٥٢) .]] .

وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِهَا: فَقَالَ قَوْمٌ: أَكْثَرُهَا سَنَتَانِ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ أَكْثَرَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. إِنَّمَا سُمِّيَ هَرَمُ بْنُ حَيَّانَ هَرَمًا لِأَنَّهُ بَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ [[وقد أنكر بعض المالكية وابن حزم أن يكون هناك حمل أكثر من تسعة أشهر، فقال ابن حزم: " ... ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر ولا أقل من ستة أشهر ... فمن ادعى أن حملا وفصالا يكون في أكثر من ثلاثين شهرا، فقد قال بالباطل والمحال ورد كلام الله عز وجل جهارا". وبعد أن ذكر جملة أخبار وقصص تشير إلى أنه قد يكون أكثر من تسعة أشهر، قال: "وكل هذه أخبار مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق ولا يعرف من هو، ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا. وممن روي عنه مثل قولنا: عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، فهو يقول: أيما رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين ثم قعدت فلتجلس تسعة أشهر حتى تستبين حملها، فإن لم يستبن حملها في تسعة أشهر فلتعتد بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر عدة التي قعدت عن المحيض. فهذا عمر لا يرى الحمل أكثر من تسعة أشهر، وهو قول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأبي سليمان، وأصحابنا. قال علي -ابن حزم-: إلا أن الولد قد يموت في بطن أمه فيتمادى بلا غاية حتى تلقيه متقطعا في سنين. فإن صح هذا فإنه حمل صحيح لا تنقضي عدتها إلا بوضعه كله ... ". وهذا الذي انتصر له ابن حزم هو الذي عليه الأطباء فلا يزيد الحمل عندهم عن شهر بعد موعده، وإلا لمات الجنين في بطن أمه. ويعتبرون ما زاد عن ذلك نتيجة خطأ في الحساب، وأما ما يحكى عن مولودين لسنوات بعد الحمل، أو أن الحمل عند امرأة استمر لسنوات ... فهو ما يسمونه "الحمل الكاذب" وهي حالة تصيب النساء اللاتي يبحثن عن الإنجاب دون أن ينجبن فينتفخ البطن بالغازات وتتوقف العادة الشهرية، وتعتقد المرأة بأنها حامل رغم تأكيد جميع الفحوصات المخبرية والطبية بأنها غير حامل. والله أعلم. انظر في هذا كله: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٨٨-٢٨٩، أحكام القرآن لابن العربي: ٣ / ١١٠٩، الدر المنثور: ٤ / ٦٠٩. وقارن بـ: المحلى لابن حزم: ١٠ / ٣١٦-٣١٨، خلق الإنسان بين الطب والقرآن للدكتور محمد علي البار، ص (٤٥٢-٤٥٤) .]] .

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ أَيْ: بِتَقْدِيرٍ وَحَدٍّ لَا يُجَاوِزُهُ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْهُ.

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ﴾ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، ﴿الْمُتَعَالِ﴾ الْمُسْتَعْلِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ أَيْ: يَسْتَوِي فِي عِلْمِ اللَّهِ الْمُسِرُّ بِالْقَوْلِ وَالْجَاهِرُ بِهِ، ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أَيْ: مُسْتَتِرٌ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ أَيْ: ذَاهِبٌ فِي سَرْبِهِ ظَاهِرٌ. وَالسَّرْبُ -بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ-: الطَّرِيقُ [[اختلف أهل العلم بكلام العرب في "السرب": فقال بعضهم: "هو آمن في سربه"، بفتح السين. وقال بعضهم: "هو آمن في سربه" بكسر السين. انظر: الطبري: ١٦ / ٣٦٧.]] .

قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: سَارِبٌ بِالنَّهَارِ: أَيْ مُتَصَرِّفٌ فِي حَوَائِجِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[ساقط من "ب".]] هُوَ صَاحِبُ رِيبَةٍ، مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا خَرَجَ بِالنَّهَارِ أَرَى النَّاسَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِثْمِ [[الطبري: ١٦ / ٣٦٧.]] . وَقِيلَ: مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، أَيْ: ظَاهِرٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ: خَفِيتُ الشَّيْءَ؛ إِذَا أَظْهَرْتَهُ، وَأَخْفَيْتُهُ: إِذَا كَتَمْتَهُ. وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ: أَيْ مُتَوَارٍ دَاخِلٌ فِي سَرْبٍ.

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةٌ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ جَاءَ فِي عَقِبِهَا مَلَائِكَةُ النَّهَارِ، وَإِذَا صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ جَاءَ فِي عَقِبِهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ. وَالتَّعْقِيبُ: الْعَوْدُ بَعْدَ الْبَدْءِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ وَاحِدَهَا مُعَقِّبٌ، وَجَمْعَهُ مُعَقِّبَةٌ، ثُمَّ جَمْعُ الْجَمْعِ مُعَقِّبَاتٌ، كَمَا قِيلَ: أَبْنَاوَاتُ [[في "ب": انثاوات. وصححها الشيخ محمود شاكر في الطبري: سادات سعد، يقال: "سيد" و"سادة" و"سادات.]] سَعْدٍ وَرِجَالَاتُ بَكْرٍ.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ" [[أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر: ٢ / ٣٣، وفي بدء الخلق، ومسلم في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما برقم (٦٣٢) : ١ / ٤٣٩، والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٢٢٦. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (٢ / ٣٤) : "قال القرطبي: الواو في قوله "يتعاقبون" علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بلحارث وهم القائلون: أكلوني البراغيث، ومنه قول الشاعر: "بحوران يعصرن السليط أقاربه" وهي لغة فاشية، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) قال: وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة ولها وجه من القياس واضح..".]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يَعْنِي: مِنْ قُدَّامِ هَذَا الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِبِ بِالنَّهَارِ، وَمِنْ خَلْفِهِ: مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: بِأَمْرِ اللَّهِ، أَيْ: يَحْفَظُونَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ مَا لَمْ يَجِئِ الْمَقْدُورُ، فَإِذَا جَاءَ الْمَقْدُورُ خُلُوًّا عَنْهُ. وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ: أَيْ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْحِفْظِ عَنْهُ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ، يَحْفَظُهُ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ، فَمَا مِنْهُمْ شَيْءٌ يَأْتِيهِ يُرِيدُهُ إِلَّا قَالَ وَرَاءَكَ! إِلَّا شَيْءٌ يَأْذَنُ اللَّهُ فِيهِ فَيُصِيبُهُ.

قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبِكُمْ وَعَوْرَاتِكُمْ لَتَخَطَّفَكُمُ الْجِنُّ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْآيَةُ فِي الْأُمَرَاءِ وَحَرَسِهِمْ يَحْفَظُونَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [[ورجحه الطبري لأن قوله: (له معقبات) أقرب إلى قوله: (ومن هو مستخف بالليل) منه إلى (عالم الغيب) فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره، وأن يكون المعنى بذلك هذا مع دلالة قول الله تعالى: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له) على أنهم المعنيون بذلك. وذلك أنه -جل ثناؤه- ذكر قوما أهل معصية له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومنعة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله. ثم أخبر أن الله -تعالى ذكره- إذا أراد بهم سوءا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم". وأما ابن عطية فرجح التأويل الأول، وقال: وعلى كلا التأويلين ليست الضمائر لمعينين من البشر. انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٧٤، المحرر الوجيز لابن عطية ٨ / ١٣٧.]] .

وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي الْمَلَكَيْنِ الْقَاعِدَيْنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ يَكْتُبَانِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنَى يَحْفَظُونَهُ أَيْ: يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ "لَهُ": رَاجِعَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ يَعْنِي لِمُحَمَّدٍ ﷺ حُرَّاسٌ مِنَ الرَّحْمَنِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [يَعْنِي: مِنْ شَرِّ الْجِنِّ] [[ساقط من "ب".]] وَطَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [[هذا التفسير جاء ضمن حديث ابن عباس الآتي في قصة أربد، انظر التعليق التالي.]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ قِصَّتُهُمَا عَلَى مَا رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَقْبَلَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهُمَا عَامِرِيَّانِ، يُرِيدَانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخْلَا الْمَسْجِدَ فَاسْتَشْرَفَ النَّاسُ لِجَمَالِ عَامِرٍ، وَكَانَ أَعْوَرَ وَكَانَ مِنْ [أجلَّ] [[في "ب": أجمل.]] الناس ١٨٩/أفَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ، فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنْ يَرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ.

فَأَقْبَلَ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَالِي إِنْ أَسْلَمْتُ؟

قَالَ: "لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ".

قَالَ: تَجْعَلُ لِيَ الْأَمْرَ بَعْدَكَ.

قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَجْعَلُهُ حَيْثُ يَشَاءُ.

قَالَ: فَتَجْعَلُنِي عَلَى الْوَبَرِ وَأَنْتَ عَلَى الْمَدَرِ، قَالَ: لَا.

قَالَ: فَمَاذَا تَجْعَلُ لِي؟

قَالَ: أَجْعَلُ لَكَ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ تَغْزُو عَلَيْهَا.

قَالَ: أَوَلَيِسَ ذَلِكَ إِلَيَّ الْيَوْمَ؟ قُمْ مَعِي أُكَلِّمْكَ. فَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

وَكَانَ [عَامِرٌ] [[ساقط من "ب".]] أَوْصَى إِلَى أَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ إِذَا رَأَيْتَنِي أُكَلِّمُهُ فَدُرْ مِنْ خَلْفِهِ فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ، فَجَعَلَ يُخَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُرَاجِعُهُ فَدَارَ أَرْبَدُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَضْرِبَهُ، فَاخْتَرَطَ مِنْ سَيْفِهِ شِبْرًا، ثُمَّ حَبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَلِّهِ، وَجَعَلَ عَامِرٌ يُومِئُ إِلَيْهِ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَى أَرْبَدَ وَمَا صَنَعَ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمَا بِمَا شِئْتَ. فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً فِي يَوْمٍ صَحْوٍ قَائِظٍ فَأَحْرَقَتْهُ، وَوَلَّى عَامِرٌ هَارِبًا وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ دَعَوْتَ رَبَّكَ فَقَتَلَ أَرْبَدَ وَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا جُرْدًا وَفِتْيَانًا مُرْدًا.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَمْنَعُكَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَبْنَاءُ قَيْلَةَ يُرِيدُ: الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ. فَنَزَلَ عَامِرٌ بَيْتَ امْرَأَةٍ سَلُولِيَّةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ضَمَّ عَلَيْهِ سِلَاحَهُ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَجَعَلَ يَرْكُضُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَيَقُولُ: ابْرُزْ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، وَيَقُولُ الشِّعْرَ، وَيَقُولُ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ أَبْصَرْتُ مُحَمَّدًا وَصَاحِبَهُ يَعْنِي مَلَكَ الْمَوْتِ لِأُنَفِذَنَّهُمَا بِرُمْحِي، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَلَطَمَهُ بِجَنَاحِهِ فَأَرْدَاهُ فِي التُّرَابِ وَخَرَجَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فِي الْوَقْتِ غُدَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَعَادَ إِلَى بَيْتِ السَّلُولِيَّةِ وَهُوَ يَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ. ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِهِ فَرَكِبَهُ ثُمَّ أَجْرَاهُ حَتَّى مَاتَ عَلَى ظَهْرِهِ فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَتَلَ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ بِالطَّعْنِ وَأَرْبَدَ بِالصَّاعِقَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَوْلَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَقِّبَاتٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [[انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٧٩-٣٨١، تفسير القرطبي: ٩ / ٢٩٦، أسباب النزول للواحدي ص (٣١٤-٣١٥) ، ابن كثير: ٢ / ٥٠٧. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (٧ / ٤٢) : "رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران: ضعيف". ورواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ضعيفة. قال الطبري: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في تأويل هذه الآية، قول بعيد من تأويل الآية، مع خلافه أقوال من ذكرنا قوله من أهل التأويل. وذلك أنه جعل "الهاء" في قوله: "له معقبات" من ذكر رسول الله ﷺ، ولم يجر له في الآية التي قبلها، ولا في التي قبل الأخرى ذكر، إلا أن يكون أراد أن يردها على قوله: "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد"، "وله معقبات" فإن كان ذلك، فذلك بعيد، لما بينهما من الآيات بغير ذكر الخبر عن رسول الله ﷺ. وإذا كان ذلك كذلك، فكونها عائدة على "من" التي في قوله: "ومن هو مستخف بالليل" أقرب، لأنه قبلها، والخبر بعدها عنه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: سواء منكم -أيها الناس- من أسر القول ومن جهر به عند ربكم، ومن هو مستخف بفسقه وريبته في ظلمة الليل، وسارب يذهب ويجيء في ضوء النهار ممتنعا بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بينه وبين ما يأتي من ذلك، وأن يقيموا حد الله عليه، وذلك قوله: يحفظونه من أمر الله". وكذلك قال ابن عطية في المحرر الوجيز: (٨ / ١٣٧) : "وهذه الآية وإن كانت ألفاظها تنطبق على معنى القصة، فيضعف القول أن النبي ﷺ لم يتقدم له ذكر فيعود الضمير في "له" عليه".]] . [يَعْنِي تِلْكَ الْمُعَقِّبَاتِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ] [[ساقط من "ب".]] . وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.

وَقَالَ لِهَذَيْنَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالنِّعْمَةِ، ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

مِنَ الْحَالِ الْجَمِيلَةِ فَيَعْصُوا رَبَّهُمْ.

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ أَيْ: عَذَابًا وَهَلَاكًا ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ أَيْ: لَا رَادَّ لَهُ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ أي: ملجأ يلجؤون إِلَيْهِ. وَقِيلَ: وَالٍ يَلِي أَمْرَهُمْ وَيَمْنَعُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ.

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ﴾ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، ﴿الْمُتَعَالِ﴾ الْمُسْتَعْلِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ أَيْ: يَسْتَوِي فِي عِلْمِ اللَّهِ الْمُسِرُّ بِالْقَوْلِ وَالْجَاهِرُ بِهِ، ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أَيْ: مُسْتَتِرٌ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ أَيْ: ذَاهِبٌ فِي سَرْبِهِ ظَاهِرٌ. وَالسَّرْبُ -بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ-: الطَّرِيقُ [[اختلف أهل العلم بكلام العرب في "السرب": فقال بعضهم: "هو آمن في سربه"، بفتح السين. وقال بعضهم: "هو آمن في سربه" بكسر السين. انظر: الطبري: ١٦ / ٣٦٧.]] .

قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: سَارِبٌ بِالنَّهَارِ: أَيْ مُتَصَرِّفٌ فِي حَوَائِجِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[ساقط من "ب".]] هُوَ صَاحِبُ رِيبَةٍ، مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا خَرَجَ بِالنَّهَارِ أَرَى النَّاسَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِثْمِ [[الطبري: ١٦ / ٣٦٧.]] . وَقِيلَ: مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، أَيْ: ظَاهِرٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ: خَفِيتُ الشَّيْءَ؛ إِذَا أَظْهَرْتَهُ، وَأَخْفَيْتُهُ: إِذَا كَتَمْتَهُ. وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ: أَيْ مُتَوَارٍ دَاخِلٌ فِي سَرْبٍ.

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةٌ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ جَاءَ فِي عَقِبِهَا مَلَائِكَةُ النَّهَارِ، وَإِذَا صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ جَاءَ فِي عَقِبِهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ. وَالتَّعْقِيبُ: الْعَوْدُ بَعْدَ الْبَدْءِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ وَاحِدَهَا مُعَقِّبٌ، وَجَمْعَهُ مُعَقِّبَةٌ، ثُمَّ جَمْعُ الْجَمْعِ مُعَقِّبَاتٌ، كَمَا قِيلَ: أَبْنَاوَاتُ [[في "ب": انثاوات. وصححها الشيخ محمود شاكر في الطبري: سادات سعد، يقال: "سيد" و"سادة" و"سادات.]] سَعْدٍ وَرِجَالَاتُ بَكْرٍ.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ" [[أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر: ٢ / ٣٣، وفي بدء الخلق، ومسلم في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما برقم (٦٣٢) : ١ / ٤٣٩، والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٢٢٦. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (٢ / ٣٤) : "قال القرطبي: الواو في قوله "يتعاقبون" علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بلحارث وهم القائلون: أكلوني البراغيث، ومنه قول الشاعر: "بحوران يعصرن السليط أقاربه" وهي لغة فاشية، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) قال: وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة ولها وجه من القياس واضح..".]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يَعْنِي: مِنْ قُدَّامِ هَذَا الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِبِ بِالنَّهَارِ، وَمِنْ خَلْفِهِ: مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: بِأَمْرِ اللَّهِ، أَيْ: يَحْفَظُونَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ مَا لَمْ يَجِئِ الْمَقْدُورُ، فَإِذَا جَاءَ الْمَقْدُورُ خُلُوًّا عَنْهُ. وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ: أَيْ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْحِفْظِ عَنْهُ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ، يَحْفَظُهُ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ، فَمَا مِنْهُمْ شَيْءٌ يَأْتِيهِ يُرِيدُهُ إِلَّا قَالَ وَرَاءَكَ! إِلَّا شَيْءٌ يَأْذَنُ اللَّهُ فِيهِ فَيُصِيبُهُ.

قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبِكُمْ وَعَوْرَاتِكُمْ لَتَخَطَّفَكُمُ الْجِنُّ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْآيَةُ فِي الْأُمَرَاءِ وَحَرَسِهِمْ يَحْفَظُونَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [[ورجحه الطبري لأن قوله: (له معقبات) أقرب إلى قوله: (ومن هو مستخف بالليل) منه إلى (عالم الغيب) فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره، وأن يكون المعنى بذلك هذا مع دلالة قول الله تعالى: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له) على أنهم المعنيون بذلك. وذلك أنه -جل ثناؤه- ذكر قوما أهل معصية له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومنعة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله. ثم أخبر أن الله -تعالى ذكره- إذا أراد بهم سوءا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم". وأما ابن عطية فرجح التأويل الأول، وقال: وعلى كلا التأويلين ليست الضمائر لمعينين من البشر. انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٧٤، المحرر الوجيز لابن عطية ٨ / ١٣٧.]] .

وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي الْمَلَكَيْنِ الْقَاعِدَيْنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ يَكْتُبَانِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنَى يَحْفَظُونَهُ أَيْ: يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ "لَهُ": رَاجِعَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ يَعْنِي لِمُحَمَّدٍ ﷺ حُرَّاسٌ مِنَ الرَّحْمَنِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [يَعْنِي: مِنْ شَرِّ الْجِنِّ] [[ساقط من "ب".]] وَطَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [[هذا التفسير جاء ضمن حديث ابن عباس الآتي في قصة أربد، انظر التعليق التالي.]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ قِصَّتُهُمَا عَلَى مَا رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَقْبَلَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهُمَا عَامِرِيَّانِ، يُرِيدَانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخْلَا الْمَسْجِدَ فَاسْتَشْرَفَ النَّاسُ لِجَمَالِ عَامِرٍ، وَكَانَ أَعْوَرَ وَكَانَ مِنْ [أجلَّ] [[في "ب": أجمل.]] الناس ١٨٩/أفَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ، فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنْ يَرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ.

فَأَقْبَلَ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَالِي إِنْ أَسْلَمْتُ؟

قَالَ: "لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ".

قَالَ: تَجْعَلُ لِيَ الْأَمْرَ بَعْدَكَ.

قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَجْعَلُهُ حَيْثُ يَشَاءُ.

قَالَ: فَتَجْعَلُنِي عَلَى الْوَبَرِ وَأَنْتَ عَلَى الْمَدَرِ، قَالَ: لَا.

قَالَ: فَمَاذَا تَجْعَلُ لِي؟

قَالَ: أَجْعَلُ لَكَ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ تَغْزُو عَلَيْهَا.

قَالَ: أَوَلَيِسَ ذَلِكَ إِلَيَّ الْيَوْمَ؟ قُمْ مَعِي أُكَلِّمْكَ. فَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

وَكَانَ [عَامِرٌ] [[ساقط من "ب".]] أَوْصَى إِلَى أَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ إِذَا رَأَيْتَنِي أُكَلِّمُهُ فَدُرْ مِنْ خَلْفِهِ فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ، فَجَعَلَ يُخَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُرَاجِعُهُ فَدَارَ أَرْبَدُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَضْرِبَهُ، فَاخْتَرَطَ مِنْ سَيْفِهِ شِبْرًا، ثُمَّ حَبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَلِّهِ، وَجَعَلَ عَامِرٌ يُومِئُ إِلَيْهِ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَى أَرْبَدَ وَمَا صَنَعَ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمَا بِمَا شِئْتَ. فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً فِي يَوْمٍ صَحْوٍ قَائِظٍ فَأَحْرَقَتْهُ، وَوَلَّى عَامِرٌ هَارِبًا وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ دَعَوْتَ رَبَّكَ فَقَتَلَ أَرْبَدَ وَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا جُرْدًا وَفِتْيَانًا مُرْدًا.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَمْنَعُكَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَبْنَاءُ قَيْلَةَ يُرِيدُ: الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ. فَنَزَلَ عَامِرٌ بَيْتَ امْرَأَةٍ سَلُولِيَّةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ضَمَّ عَلَيْهِ سِلَاحَهُ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَجَعَلَ يَرْكُضُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَيَقُولُ: ابْرُزْ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، وَيَقُولُ الشِّعْرَ، وَيَقُولُ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ أَبْصَرْتُ مُحَمَّدًا وَصَاحِبَهُ يَعْنِي مَلَكَ الْمَوْتِ لِأُنَفِذَنَّهُمَا بِرُمْحِي، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَلَطَمَهُ بِجَنَاحِهِ فَأَرْدَاهُ فِي التُّرَابِ وَخَرَجَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فِي الْوَقْتِ غُدَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَعَادَ إِلَى بَيْتِ السَّلُولِيَّةِ وَهُوَ يَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ. ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِهِ فَرَكِبَهُ ثُمَّ أَجْرَاهُ حَتَّى مَاتَ عَلَى ظَهْرِهِ فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَتَلَ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ بِالطَّعْنِ وَأَرْبَدَ بِالصَّاعِقَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَوْلَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَقِّبَاتٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [[انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٧٩-٣٨١، تفسير القرطبي: ٩ / ٢٩٦، أسباب النزول للواحدي ص (٣١٤-٣١٥) ، ابن كثير: ٢ / ٥٠٧. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (٧ / ٤٢) : "رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران: ضعيف". ورواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ضعيفة. قال الطبري: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في تأويل هذه الآية، قول بعيد من تأويل الآية، مع خلافه أقوال من ذكرنا قوله من أهل التأويل. وذلك أنه جعل "الهاء" في قوله: "له معقبات" من ذكر رسول الله ﷺ، ولم يجر له في الآية التي قبلها، ولا في التي قبل الأخرى ذكر، إلا أن يكون أراد أن يردها على قوله: "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد"، "وله معقبات" فإن كان ذلك، فذلك بعيد، لما بينهما من الآيات بغير ذكر الخبر عن رسول الله ﷺ. وإذا كان ذلك كذلك، فكونها عائدة على "من" التي في قوله: "ومن هو مستخف بالليل" أقرب، لأنه قبلها، والخبر بعدها عنه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: سواء منكم -أيها الناس- من أسر القول ومن جهر به عند ربكم، ومن هو مستخف بفسقه وريبته في ظلمة الليل، وسارب يذهب ويجيء في ضوء النهار ممتنعا بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بينه وبين ما يأتي من ذلك، وأن يقيموا حد الله عليه، وذلك قوله: يحفظونه من أمر الله". وكذلك قال ابن عطية في المحرر الوجيز: (٨ / ١٣٧) : "وهذه الآية وإن كانت ألفاظها تنطبق على معنى القصة، فيضعف القول أن النبي ﷺ لم يتقدم له ذكر فيعود الضمير في "له" عليه".]] . [يَعْنِي تِلْكَ الْمُعَقِّبَاتِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ] [[ساقط من "ب".]] . وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.

وَقَالَ لِهَذَيْنَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالنِّعْمَةِ، ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

مِنَ الْحَالِ الْجَمِيلَةِ فَيَعْصُوا رَبَّهُمْ.

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ أَيْ: عَذَابًا وَهَلَاكًا ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ أَيْ: لَا رَادَّ لَهُ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ أي: ملجأ يلجؤون إِلَيْهِ. وَقِيلَ: وَالٍ يَلِي أَمْرَهُمْ وَيَمْنَعُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ.

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ﴾ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، ﴿الْمُتَعَالِ﴾ الْمُسْتَعْلِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ أَيْ: يَسْتَوِي فِي عِلْمِ اللَّهِ الْمُسِرُّ بِالْقَوْلِ وَالْجَاهِرُ بِهِ، ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أَيْ: مُسْتَتِرٌ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ أَيْ: ذَاهِبٌ فِي سَرْبِهِ ظَاهِرٌ. وَالسَّرْبُ -بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ-: الطَّرِيقُ [[اختلف أهل العلم بكلام العرب في "السرب": فقال بعضهم: "هو آمن في سربه"، بفتح السين. وقال بعضهم: "هو آمن في سربه" بكسر السين. انظر: الطبري: ١٦ / ٣٦٧.]] .

قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: سَارِبٌ بِالنَّهَارِ: أَيْ مُتَصَرِّفٌ فِي حَوَائِجِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] [[ساقط من "ب".]] هُوَ صَاحِبُ رِيبَةٍ، مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا خَرَجَ بِالنَّهَارِ أَرَى النَّاسَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِثْمِ [[الطبري: ١٦ / ٣٦٧.]] . وَقِيلَ: مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، أَيْ: ظَاهِرٌ، مِنْ قَوْلِهِمْ: خَفِيتُ الشَّيْءَ؛ إِذَا أَظْهَرْتَهُ، وَأَخْفَيْتُهُ: إِذَا كَتَمْتَهُ. وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ: أَيْ مُتَوَارٍ دَاخِلٌ فِي سَرْبٍ.

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةٌ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ جَاءَ فِي عَقِبِهَا مَلَائِكَةُ النَّهَارِ، وَإِذَا صَعِدَتْ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ جَاءَ فِي عَقِبِهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ. وَالتَّعْقِيبُ: الْعَوْدُ بَعْدَ الْبَدْءِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ وَاحِدَهَا مُعَقِّبٌ، وَجَمْعَهُ مُعَقِّبَةٌ، ثُمَّ جَمْعُ الْجَمْعِ مُعَقِّبَاتٌ، كَمَا قِيلَ: أَبْنَاوَاتُ [[في "ب": انثاوات. وصححها الشيخ محمود شاكر في الطبري: سادات سعد، يقال: "سيد" و"سادة" و"سادات.]] سَعْدٍ وَرِجَالَاتُ بَكْرٍ.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ، مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ" [[أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر: ٢ / ٣٣، وفي بدء الخلق، ومسلم في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما برقم (٦٣٢) : ١ / ٤٣٩، والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٢٢٦. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (٢ / ٣٤) : "قال القرطبي: الواو في قوله "يتعاقبون" علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بلحارث وهم القائلون: أكلوني البراغيث، ومنه قول الشاعر: "بحوران يعصرن السليط أقاربه" وهي لغة فاشية، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) قال: وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة ولها وجه من القياس واضح..".]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يَعْنِي: مِنْ قُدَّامِ هَذَا الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِبِ بِالنَّهَارِ، وَمِنْ خَلْفِهِ: مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: بِأَمْرِ اللَّهِ، أَيْ: يَحْفَظُونَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ مَا لَمْ يَجِئِ الْمَقْدُورُ، فَإِذَا جَاءَ الْمَقْدُورُ خُلُوًّا عَنْهُ. وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ: أَيْ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْحِفْظِ عَنْهُ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ، يَحْفَظُهُ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ، فَمَا مِنْهُمْ شَيْءٌ يَأْتِيهِ يُرِيدُهُ إِلَّا قَالَ وَرَاءَكَ! إِلَّا شَيْءٌ يَأْذَنُ اللَّهُ فِيهِ فَيُصِيبُهُ.

قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبِكُمْ وَعَوْرَاتِكُمْ لَتَخَطَّفَكُمُ الْجِنُّ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْآيَةُ فِي الْأُمَرَاءِ وَحَرَسِهِمْ يَحْفَظُونَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [[ورجحه الطبري لأن قوله: (له معقبات) أقرب إلى قوله: (ومن هو مستخف بالليل) منه إلى (عالم الغيب) فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره، وأن يكون المعنى بذلك هذا مع دلالة قول الله تعالى: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له) على أنهم المعنيون بذلك. وذلك أنه -جل ثناؤه- ذكر قوما أهل معصية له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومنعة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله. ثم أخبر أن الله -تعالى ذكره- إذا أراد بهم سوءا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم". وأما ابن عطية فرجح التأويل الأول، وقال: وعلى كلا التأويلين ليست الضمائر لمعينين من البشر. انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٧٤، المحرر الوجيز لابن عطية ٨ / ١٣٧.]] .

وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي الْمَلَكَيْنِ الْقَاعِدَيْنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ يَكْتُبَانِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنَى يَحْفَظُونَهُ أَيْ: يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ "لَهُ": رَاجِعَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ يَعْنِي لِمُحَمَّدٍ ﷺ حُرَّاسٌ مِنَ الرَّحْمَنِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [يَعْنِي: مِنْ شَرِّ الْجِنِّ] [[ساقط من "ب".]] وَطَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [[هذا التفسير جاء ضمن حديث ابن عباس الآتي في قصة أربد، انظر التعليق التالي.]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ قِصَّتُهُمَا عَلَى مَا رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَقْبَلَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهُمَا عَامِرِيَّانِ، يُرِيدَانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخْلَا الْمَسْجِدَ فَاسْتَشْرَفَ النَّاسُ لِجَمَالِ عَامِرٍ، وَكَانَ أَعْوَرَ وَكَانَ مِنْ [أجلَّ] [[في "ب": أجمل.]] الناس ١٨٩/أفَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ، فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنْ يَرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ.

فَأَقْبَلَ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَالِي إِنْ أَسْلَمْتُ؟

قَالَ: "لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ".

قَالَ: تَجْعَلُ لِيَ الْأَمْرَ بَعْدَكَ.

قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَجْعَلُهُ حَيْثُ يَشَاءُ.

قَالَ: فَتَجْعَلُنِي عَلَى الْوَبَرِ وَأَنْتَ عَلَى الْمَدَرِ، قَالَ: لَا.

قَالَ: فَمَاذَا تَجْعَلُ لِي؟

قَالَ: أَجْعَلُ لَكَ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ تَغْزُو عَلَيْهَا.

قَالَ: أَوَلَيِسَ ذَلِكَ إِلَيَّ الْيَوْمَ؟ قُمْ مَعِي أُكَلِّمْكَ. فَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

وَكَانَ [عَامِرٌ] [[ساقط من "ب".]] أَوْصَى إِلَى أَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ إِذَا رَأَيْتَنِي أُكَلِّمُهُ فَدُرْ مِنْ خَلْفِهِ فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ، فَجَعَلَ يُخَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُرَاجِعُهُ فَدَارَ أَرْبَدُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَضْرِبَهُ، فَاخْتَرَطَ مِنْ سَيْفِهِ شِبْرًا، ثُمَّ حَبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَلِّهِ، وَجَعَلَ عَامِرٌ يُومِئُ إِلَيْهِ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَأَى أَرْبَدَ وَمَا صَنَعَ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمَا بِمَا شِئْتَ. فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً فِي يَوْمٍ صَحْوٍ قَائِظٍ فَأَحْرَقَتْهُ، وَوَلَّى عَامِرٌ هَارِبًا وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ دَعَوْتَ رَبَّكَ فَقَتَلَ أَرْبَدَ وَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا جُرْدًا وَفِتْيَانًا مُرْدًا.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَمْنَعُكَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَبْنَاءُ قَيْلَةَ يُرِيدُ: الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ. فَنَزَلَ عَامِرٌ بَيْتَ امْرَأَةٍ سَلُولِيَّةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ضَمَّ عَلَيْهِ سِلَاحَهُ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَجَعَلَ يَرْكُضُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَيَقُولُ: ابْرُزْ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، وَيَقُولُ الشِّعْرَ، وَيَقُولُ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ أَبْصَرْتُ مُحَمَّدًا وَصَاحِبَهُ يَعْنِي مَلَكَ الْمَوْتِ لِأُنَفِذَنَّهُمَا بِرُمْحِي، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَلَطَمَهُ بِجَنَاحِهِ فَأَرْدَاهُ فِي التُّرَابِ وَخَرَجَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فِي الْوَقْتِ غُدَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَعَادَ إِلَى بَيْتِ السَّلُولِيَّةِ وَهُوَ يَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ. ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِهِ فَرَكِبَهُ ثُمَّ أَجْرَاهُ حَتَّى مَاتَ عَلَى ظَهْرِهِ فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَتَلَ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ بِالطَّعْنِ وَأَرْبَدَ بِالصَّاعِقَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَوْلَهُ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَقِّبَاتٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [[انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٣٧٩-٣٨١، تفسير القرطبي: ٩ / ٢٩٦، أسباب النزول للواحدي ص (٣١٤-٣١٥) ، ابن كثير: ٢ / ٥٠٧. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (٧ / ٤٢) : "رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران: ضعيف". ورواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ضعيفة. قال الطبري: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في تأويل هذه الآية، قول بعيد من تأويل الآية، مع خلافه أقوال من ذكرنا قوله من أهل التأويل. وذلك أنه جعل "الهاء" في قوله: "له معقبات" من ذكر رسول الله ﷺ، ولم يجر له في الآية التي قبلها، ولا في التي قبل الأخرى ذكر، إلا أن يكون أراد أن يردها على قوله: "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد"، "وله معقبات" فإن كان ذلك، فذلك بعيد، لما بينهما من الآيات بغير ذكر الخبر عن رسول الله ﷺ. وإذا كان ذلك كذلك، فكونها عائدة على "من" التي في قوله: "ومن هو مستخف بالليل" أقرب، لأنه قبلها، والخبر بعدها عنه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: سواء منكم -أيها الناس- من أسر القول ومن جهر به عند ربكم، ومن هو مستخف بفسقه وريبته في ظلمة الليل، وسارب يذهب ويجيء في ضوء النهار ممتنعا بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بينه وبين ما يأتي من ذلك، وأن يقيموا حد الله عليه، وذلك قوله: يحفظونه من أمر الله". وكذلك قال ابن عطية في المحرر الوجيز: (٨ / ١٣٧) : "وهذه الآية وإن كانت ألفاظها تنطبق على معنى القصة، فيضعف القول أن النبي ﷺ لم يتقدم له ذكر فيعود الضمير في "له" عليه".]] . [يَعْنِي تِلْكَ الْمُعَقِّبَاتِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ] [[ساقط من "ب".]] . وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.

وَقَالَ لِهَذَيْنَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالنِّعْمَةِ، ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

مِنَ الْحَالِ الْجَمِيلَةِ فَيَعْصُوا رَبَّهُمْ.

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ أَيْ: عَذَابًا وَهَلَاكًا ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ أَيْ: لَا رَادَّ لَهُ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ أي: ملجأ يلجؤون إِلَيْهِ. وَقِيلَ: وَالٍ يَلِي أَمْرَهُمْ وَيَمْنَعُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قِيلَ: خَوْفًا مِنَ الصَّاعِقَةِ، طَمَعًا فِي نَفْعِ الْمَطَرِ. وَقِيلَ: الْخَوْفُ لِلْمُسَافِرِ، يَخَافُ مِنْهُ الْأَذَى وَالْمَشَقَّةَ وَالطَّمَعُ لِلْمُقِيمِ يَرْجُو مِنْهُ الْبَرَكَةَ وَالْمَنْفَعَةَ.

وَقِيلَ: الْخَوْفُ مِنَ الْمَطَرِ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَإِبَّانِهِ، وَالطَّمَعُ إِذَا كَانَ فِي مَكَانِهِ وَإِبَّانِهِ، وَمِنَ الْبُلْدَانِ مَا إِذَا أُمْطِرُوا وقحطوا وَإِذَا لَمْ يُمْطَرُوا أَخْصَبُوا.

﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ بِالْمَطَرِ. يُقَالُ: أَنْشَأَ اللَّهُ السَّحَابَةَ فَنَشَأَتْ أَيْ: أَبْدَاهَا فَبَدَتْ، وَالسَّحَابُ جَمْعٌ، وَاحِدَتُهَا سَحَابَةٌ، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: السَّحَابُ غِرْبَالُ الْمَاءِ.

﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الرَّعْدَ اسْمُ مَلَكٍ يَسُوقُ السَّحَابَ، وَالصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ مِنْهُ تَسْبِيحُهُ [[انظر فيما سبق: ١ / ٦٩-٧٠.]] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ فَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَعَلَيَّ دِيَتُهُ.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ تَرَكَ الْحَدِيثَ: وَقَالَ" سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مَنْ خِيفَتِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْوَعِيدَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ شَدِيدٌ [[انظر: الأذكار للنووي ص (١٥٤) تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٠٦ ففيهما الأذكار التي تقال عند سماع صوت الرعد.]] .

وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي لَسَقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَلَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمْ أُسْمِعْهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ﴾ [[حديث ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي في "المسند" ص (٣٣٧) رقم (٢٥٨٦) ، والإمام أحمد في المسند: ٢ / ٣٥٩ عن أبي هريرة رضي الله عنه. وصححه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٣٤٩ فتعقبه الذهبي وقال: "صدقة واه"، وهو صدقة بن موسى الدقيقي، صدوق له أوهام (تقريب) . وساقه ابن الجوزي في العلل المتناهية: ٢ / ٣٠٦، وضعفه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح: ٣ / ١٤٦١.]] وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّعْدُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ يَصْرِفُهُ إِلَى حَيْثُ يُؤْمَرُ، وَأَنَّ بُحُورَ الْمَاءِ فِي نَقْرَةِ إِبْهَامِهِ، وَأَنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا سَبَّحَ لَا يَبْقَى مَلَكٌ فِي السَّمَاءِ إِلَّا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّسْبِيحِ فَعِنْدَهَا يَنْزِلُ الْقَطْرُ.

﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أَيْ: تُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَشْيَتِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ أَعْوَانَ الرَّعْدِ، جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَعْوَانًا، فَهُمْ خَائِفُونَ خَاضِعُونَ طَائِعُونَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ جَمْعُ صَاعِقَةٍ، وَهِيَ: الْعَذَابُ الْمُهْلِكُ، يَنْزِلُ مِنَ الْبَرْقِ فَيَحْرِقُ مَنْ يُصِيبُهُ، ﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ كَمَا أَصَابَ أَرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ: الصَّاعِقَةُ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ وَلَا تُصِيبُ الذَّاكِرَ.

﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ﴾ يُخَاصِمُونَ، ﴿فِي اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ أَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ حَيْثُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مِمَّ رَبُّكَ أَمِنْ دُرٍّ أَمْ مِنْ يَاقُوتٍ أَمْ مِنْ ذَهَبٍ؟ فَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ [[انظر: تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٠٧.]] .

وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ طَوَاغِيتِ الْعَرَبِ بَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ نَفَرًا يَدْعُونَهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي عَنْ رَبِّ مُحَمَّدٍ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِمَّ هُوَ؟ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ؟ فَاسْتَعْظَمَ الْقَوْمُ مَقَالَتَهُ فَانْصَرَفُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَكْفَرَ قَلْبًا وَلَا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُ؟ فَقَالَ: ارجعوا إليه، فرجعواإليه فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُمْ عَلَى مِثْلِ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، وَقَالَ: أُجِيبُ مُحَمَّدًا إِلَى رَبٍّ لَا أَرَاهُ وَلَا أَعْرِفُهُ. فَانْصَرَفُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا زَادَنَا عَلَى مَقَالَتِهِ الْأُولَى وَأَخْبَثَ.

فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَيْهِ، فَرَجَعُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ عِنْدَهُ يُنَازِعُونَهُ وَيَدْعُونَهُ، وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِذِ ارْتَفَعَتْ سَحَابَةٌ، فكانت فوق رؤوسهم، فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، وَرَمَتْ بِصَاعِقَةٍ، فَاحْتَرَقَ الْكَافِرُ، وهم جلوس، فجاؤوا يَسْعَوْنَ لِيُخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالُوا لَهُمْ: احْتَرَقَ صَاحِبُكُمْ. فَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ فَقَالُوا: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٣١٤) ، الدر المنثور للسيوطي: ٤ / ٦٢٥، ٦٢٦، البحر المحيط: ٥ / ٣٧٥، ابن كثير ٢ / ٥٠٧، وبنحوه عن أنس، أخرجه أبو يعلى والبزار، والطبراني في الأوسط. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان، وهو ثقة، وفي رجال أبي يعلى والطبراني علي بن أبي شارة وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: ٧ / ٤٢.]] .

﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: شَدِيدُ الْأَخْذِ [[أخرجه الطبري: ١٦ / ٣٩٦. وقال الشيخ محمود شاكر: ١٦ / ٣٩٢: وهذا إسناد منكر.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَدِيدُ الْحَوْلِ [[الطبري: ١٦ / ٣٩٦.]] .

وَقَالَ الْحَسَنُ: شَدِيدُ الْحِقْدِ [[نسبه السيوطي لأبي الشيخ عن عكرمة الدر المنثور: ٤ / ٦٢٧. وأخرج الطبري عن عكرمة قال: ما أصاب أربد من الصاعقة. وأخرج الطبري أيضا عن الحسن في تفسير الآية: يعني الهلاك. قال: إذا محل فهو شديد. وما إخال هذا التفسير الذي ذكره المصنف يصح عن الحسن رحمه الله؛ لأننا وجدنا خلافه في الطبري، والله سبحانه وتعالى لا يليق وصفه بهذا. والله أعلم.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَدِيدُ القوة [[انظر الطبري: المرجع السابق.]] .

وقال ١٨٩/ب أَبُو عُبَيْدَةَ: شَدِيدُ الْعُقُوبَةِ.

وَقِيلَ: شَدِيدُ الْمَكْرِ.

وَالْمِحَالُ وَالْمُمَاحَلَةُ: الْمُمَاكَرَةُ وَالْمُغَالَبَةُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قِيلَ: خَوْفًا مِنَ الصَّاعِقَةِ، طَمَعًا فِي نَفْعِ الْمَطَرِ. وَقِيلَ: الْخَوْفُ لِلْمُسَافِرِ، يَخَافُ مِنْهُ الْأَذَى وَالْمَشَقَّةَ وَالطَّمَعُ لِلْمُقِيمِ يَرْجُو مِنْهُ الْبَرَكَةَ وَالْمَنْفَعَةَ.

وَقِيلَ: الْخَوْفُ مِنَ الْمَطَرِ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَإِبَّانِهِ، وَالطَّمَعُ إِذَا كَانَ فِي مَكَانِهِ وَإِبَّانِهِ، وَمِنَ الْبُلْدَانِ مَا إِذَا أُمْطِرُوا وقحطوا وَإِذَا لَمْ يُمْطَرُوا أَخْصَبُوا.

﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ بِالْمَطَرِ. يُقَالُ: أَنْشَأَ اللَّهُ السَّحَابَةَ فَنَشَأَتْ أَيْ: أَبْدَاهَا فَبَدَتْ، وَالسَّحَابُ جَمْعٌ، وَاحِدَتُهَا سَحَابَةٌ، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: السَّحَابُ غِرْبَالُ الْمَاءِ.

﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الرَّعْدَ اسْمُ مَلَكٍ يَسُوقُ السَّحَابَ، وَالصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ مِنْهُ تَسْبِيحُهُ [[انظر فيما سبق: ١ / ٦٩-٧٠.]] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ فَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَعَلَيَّ دِيَتُهُ.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ تَرَكَ الْحَدِيثَ: وَقَالَ" سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مَنْ خِيفَتِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْوَعِيدَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ شَدِيدٌ [[انظر: الأذكار للنووي ص (١٥٤) تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٠٦ ففيهما الأذكار التي تقال عند سماع صوت الرعد.]] .

وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي لَسَقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَلَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمْ أُسْمِعْهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ﴾ [[حديث ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي في "المسند" ص (٣٣٧) رقم (٢٥٨٦) ، والإمام أحمد في المسند: ٢ / ٣٥٩ عن أبي هريرة رضي الله عنه. وصححه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٣٤٩ فتعقبه الذهبي وقال: "صدقة واه"، وهو صدقة بن موسى الدقيقي، صدوق له أوهام (تقريب) . وساقه ابن الجوزي في العلل المتناهية: ٢ / ٣٠٦، وضعفه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح: ٣ / ١٤٦١.]] وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّعْدُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ يَصْرِفُهُ إِلَى حَيْثُ يُؤْمَرُ، وَأَنَّ بُحُورَ الْمَاءِ فِي نَقْرَةِ إِبْهَامِهِ، وَأَنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا سَبَّحَ لَا يَبْقَى مَلَكٌ فِي السَّمَاءِ إِلَّا رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّسْبِيحِ فَعِنْدَهَا يَنْزِلُ الْقَطْرُ.

﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أَيْ: تُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَشْيَتِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ أَعْوَانَ الرَّعْدِ، جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَعْوَانًا، فَهُمْ خَائِفُونَ خَاضِعُونَ طَائِعُونَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ جَمْعُ صَاعِقَةٍ، وَهِيَ: الْعَذَابُ الْمُهْلِكُ، يَنْزِلُ مِنَ الْبَرْقِ فَيَحْرِقُ مَنْ يُصِيبُهُ، ﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ كَمَا أَصَابَ أَرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ: الصَّاعِقَةُ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ وَلَا تُصِيبُ الذَّاكِرَ.

﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ﴾ يُخَاصِمُونَ، ﴿فِي اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ أَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ حَيْثُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مِمَّ رَبُّكَ أَمِنْ دُرٍّ أَمْ مِنْ يَاقُوتٍ أَمْ مِنْ ذَهَبٍ؟ فَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ [[انظر: تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٠٧.]] .

وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ طَوَاغِيتِ الْعَرَبِ بَعَثَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ نَفَرًا يَدْعُونَهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي عَنْ رَبِّ مُحَمَّدٍ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِمَّ هُوَ؟ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ؟ فَاسْتَعْظَمَ الْقَوْمُ مَقَالَتَهُ فَانْصَرَفُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَكْفَرَ قَلْبًا وَلَا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُ؟ فَقَالَ: ارجعوا إليه، فرجعواإليه فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُمْ عَلَى مِثْلِ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، وَقَالَ: أُجِيبُ مُحَمَّدًا إِلَى رَبٍّ لَا أَرَاهُ وَلَا أَعْرِفُهُ. فَانْصَرَفُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا زَادَنَا عَلَى مَقَالَتِهِ الْأُولَى وَأَخْبَثَ.

فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَيْهِ، فَرَجَعُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ عِنْدَهُ يُنَازِعُونَهُ وَيَدْعُونَهُ، وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِذِ ارْتَفَعَتْ سَحَابَةٌ، فكانت فوق رؤوسهم، فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، وَرَمَتْ بِصَاعِقَةٍ، فَاحْتَرَقَ الْكَافِرُ، وهم جلوس، فجاؤوا يَسْعَوْنَ لِيُخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالُوا لَهُمْ: احْتَرَقَ صَاحِبُكُمْ. فَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ فَقَالُوا: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٣١٤) ، الدر المنثور للسيوطي: ٤ / ٦٢٥، ٦٢٦، البحر المحيط: ٥ / ٣٧٥، ابن كثير ٢ / ٥٠٧، وبنحوه عن أنس، أخرجه أبو يعلى والبزار، والطبراني في الأوسط. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان، وهو ثقة، وفي رجال أبي يعلى والطبراني علي بن أبي شارة وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: ٧ / ٤٢.]] .

﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: شَدِيدُ الْأَخْذِ [[أخرجه الطبري: ١٦ / ٣٩٦. وقال الشيخ محمود شاكر: ١٦ / ٣٩٢: وهذا إسناد منكر.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَدِيدُ الْحَوْلِ [[الطبري: ١٦ / ٣٩٦.]] .

وَقَالَ الْحَسَنُ: شَدِيدُ الْحِقْدِ [[نسبه السيوطي لأبي الشيخ عن عكرمة الدر المنثور: ٤ / ٦٢٧. وأخرج الطبري عن عكرمة قال: ما أصاب أربد من الصاعقة. وأخرج الطبري أيضا عن الحسن في تفسير الآية: يعني الهلاك. قال: إذا محل فهو شديد. وما إخال هذا التفسير الذي ذكره المصنف يصح عن الحسن رحمه الله؛ لأننا وجدنا خلافه في الطبري، والله سبحانه وتعالى لا يليق وصفه بهذا. والله أعلم.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَدِيدُ القوة [[انظر الطبري: المرجع السابق.]] .

وقال ١٨٩/ب أَبُو عُبَيْدَةَ: شَدِيدُ الْعُقُوبَةِ.

وَقِيلَ: شَدِيدُ الْمَكْرِ.

وَالْمِحَالُ وَالْمُمَاحَلَةُ: الْمُمَاكَرَةُ وَالْمُغَالَبَةُ.

﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ أَيْ: لِلَّهِ دَعْوَةُ الصِّدْقِ.

قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْوَةُ الْحَقِّ التَّوْحِيدُ [[الطبري: ١٦ / ٣٩٨.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَهَادَةٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [[الطبري: ١٦ / ٣٩٨.]] .

وَقِيلَ: الدُّعَاءُ بِالْإِخْلَاصِ، وَالدُّعَاءُ الْخَالِصُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [[وهذه المعاني كلها متقاربة وليس بينها اختلاف.]] .

﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَيْ: يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى.

﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ أَيْ: لَا يُجِيبُونَهُمْ بِشَيْءٍ يُرِيدُونَهُ مِنْ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ، ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾

أَيْ: إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ [وَالْقَابِضُ عَلَى الْمَاءِ] [[ساقط من "أ".]] لَا يَكُونُ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَبْلُغُ إِلَى فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَذَلِكَ الَّذِي يَدْعُو الْأَصْنَامَ، وَهِيَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، لَا يَكُونُ بِيَدِهِ شَيْءٌ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَالرَّجُلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَرَى الْمَاءَ مِنْ بَعِيدٍ، فَهُوَ يُشِيرُ بِكَفِّهِ إِلَى الْمَاءِ، وَيَدْعُوهُ بِلِسَانِهِ، فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ.

وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَطَاءٍ: كَالْعَطْشَانِ الْجَالِسِ عَلَى شَفِيرِ [[في "أ": شفة.]] الْبِئْرِ، يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الْبِئْرِ فَلَا يَبْلُغُ قَعْرَ الْبِئْرِ إِلَى الْمَاءِ، وَلَا يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ الْمَاءُ، فَلَا يَنْفَعُهُ بَسْطُ الْكَفِّ إِلَى الْمَاءِ وَدُعَاؤُهُ لَهُ، وَلَا هُوَ يَبْلُغُ فَاهُ، كَذَلِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الْأَصْنَامَ لَا يَنْفَعُهُمْ دُعَاؤُهَا، وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَالْعَطْشَانِ إِذَا بَسَطَ كَفَّيْهِ فِي الْمَاءِ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَغْرِفْ بِهِمَا الْمَاءَ، وَلَا يَبْلُغُ الْمَاءُ فَاهُ مَا دَامَ بَاسِطًا كَفَّيْهِ. وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِخَيْبَةِ الْكُفَّارِ [[قال الطبري: ١٦ / ٣٩٩: والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا، بالقابض على الماء. قال بعضهم: فإنّي وإيّاكم وشوقا إليكُمُ ... كقابضٍ ماءٍ لم تَسِقْهُ أنامِلُهُ

وقوله: "لم تَسِقْهُ" من وسقت الشيء أسق وسقا: إذا حملته.]] .

﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ أَصْنَامَهُمْ، ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ يَضِلُّ عَنْهُمْ إِذَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (الْأَنْعَامِ -٢٤ وَغَيْرِهَا) .

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ رَبَّهُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ لِأَنَّ أَصْوَاتَهُمْ مَحْجُوبَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ وَالْمُؤْمِنِينَ، ﴿وَكَرْهًا﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ الَّذِينَ أُكْرِهُوا عَلَى السُّجُودِ بِالسَّيْفِ.

﴿وَظِلَالُهُمْ﴾ يَعْنِي: ظِلَالَ السَّاجِدِينَ طَوْعًا وَكَرْهًا تَسْجُدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ طَوْعًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ظِلُّ الْمُؤْمِنِ يَسْجُدُ طَوْعًا وَهُوَ طَائِعٌ، وَظِلُّ الْكَافِرِ يَسْجُدُ طَوْعًا وَهُوَ كَارِهٌ.

﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يَعْنِي إِذَا سَجَدَ بِالْغُدُوِّ أَوِ الْعَشِيِّ يَسْجُدُ مَعَهُ ظِلُّهُ. وَ"الْآصَالُ": جَمَعَ "الْأُصُلِ"، وَ"الْأُصُلُ" جَمْعُ "الْأَصِيلِ"، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

وَقِيلَ: ظِلَالُهُمْ أَيْ: أَشْخَاصُهُمْ، بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ: بِالْبُكَرِ وَالْعَشَايَا. وَقِيلَ: سُجُودُ الظِّلِّ تَذْلِيلُهُ لِمَا أُرِيدَ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَيْ: خَالِقُهُمَا وَمُدَبِّرُهُمَا [فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ خالقهم وخالق السموات وَالْأَرْضِ، فَإِذَا أَجَابُوكَ فَقُلْ أَنْتَ أَيْضًا يَا مُحَمَّدُ: "اللَّهُ". وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: أجِبْ أَنْتَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ .

ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّكُمْ مَعَ إِقْرَارِكُمْ بِأَنَّ الله خالق السموات وَالْأَرْضِ اتَّخَذْتُمْ مَنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَعَبَدْتُمُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، وَهُمْ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ؟

ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ، ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ " يَسْتَوِي " بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ لَا حَائِلَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ الْمُؤَنَّثِ.

﴿الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ أَيْ: كَمَا لَا يَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ لَا يَسْتَوِي الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ.

﴿أَمْ جَعَلُوا﴾ أَيْ: جَعَلُوا، ﴿شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أَيِ: اشْتَبَهَ مَا خَلَقُوهُ بِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَدْرُونَ مَا خَلْقَ اللَّهُ وَمَا خَلَقَ آلِهَتُهُمْ.

﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى مَثَلَيْنِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿أَنْزَلَ﴾ يَعْنِي: اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يَعْنِي: الْمَطَرَ، ﴿فَسَالَتْ﴾ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أَيْ: فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾ الَّذِي حَدَثَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ الزَّبَدُ: الْخَبَثُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقِدْرِ، "رَابِيًا" أَيْ عَالِيًا مُرْتَفِعًا فَوْقَ الْمَاءِ، فَالْمَاءُ الصَّافِي الْبَاقِي هُوَ الْحَقُّ، وَالذَّاهِبُ الزَّائِلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْأَشْجَارِ وَجَوَانِبِ الْأَوْدِيَةِ هُوَ الْبَاطِلُ.

وَقِيلَ: قَوْلُهُ "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً": هَذَا مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ، وَالْأَوْدِيَةُ مَثَلٌ لِلْقُلُوبِ، يُرِيدُ: يُنَزِّلُ الْقُرْآنَ، فَتَحْمِلُ مِنْهُ الْقُلُوبُ عَلَى قَدْرِ الْيَقِينِ وَالْعَقْلِ وَالشَّكِّ وَالْجَهْلِ. فَهَذَا أَحَدُ الْمَثَلَيْنِ. وَالْمَثَلُ الْآخَرُ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ .

قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ ﴿يُوقِدُونَ﴾ بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ وَلَا مُخَاطَبَةَ هَاهُنَا. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ " وَمِمَّا تُوقِدُونَ " أَيْ: وَمِنَ الَّذِي تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ. وَالْإِيقَادُ: جَعْلُ النَّارِ تَحْتَ الشَّيْءِ لِيَذُوبَ.

﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ أَيْ: لِطَلَبِ زِينَةٍ، وَأَرَادَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ؛ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ تُطْلَبُ مِنْهُمَا، ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾ أَيْ: طَلَبِ مَتَاعٍ وَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرِـ تُذَابُ فَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْأَوَانِي وَغَيْرُهَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهَا، ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ .

﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أَيْ: إِذَا أُذِيبَ فَلَهُ أَيْضًا زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الْمَاءِ، فَالْبَاقِي الصَّافِي مِنْ هَذِهِ الْجَوَاهِرِ مِثْلُ الْحَقِّ، وَالزَّبَدُ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِثْلُ الْبَاطِلِ.

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ الَّذِي عَلَا السَّيْلَ وَالْفِلِزَّ، ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أَيْ: ضَائِعًا بَاطِلًا وَالْجُفَاءُ مَا رَمَى بِهِ الْوَادِي مِنَ الزَّبَدِ، وَالْقِدْرُ إِلَى جَنَبَاتِهِ. يُقَالُ: جَفَا الْوَادِي وَأَجْفَأَ: إِذَا أَلْقَى غُثَاءَهُ، وَأَجْفَأَتِ الْقِدْرُ وَجَفَأَتْ: إِذَا غَلَتْ وَأَلْقَتْ زَبَدَهَا، فَإِذَا سَكَنَتْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ.

مَعْنَاهُ: إِنَّ الْبَاطِلَ وَإِنْ عَلَا فِي وَقْتٍ فَإِنَّهُ يَضْمَحِلُّ. وَقِيلَ: "جُفَاءً" أَيْ: مُتَفَرِّقًا. يُقَالُ: جَفَأَتِ الرِّيحُ الْغَيْمَ إِذَا فَرَّقَتْهُ وَذَهَبَتْ بِهِ.

﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ يَعْنِي: الْمَاءَ وَالْفِلِزَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ، ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: يَبْقَى وَلَا يَذْهَبُ.

﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا مَثَلًا لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، أَيْ: أَنَّ الْبَاطِلَ كَالزَّبَدِ يَذْهَبُ وَيَضِيعُ، وَالْحَقَّ كَالْمَاءِ وَالْفِلِزِّ يَبْقَى فِي الْقُلُوبِ. وَقِيلَ: هَذَا تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي: أَنَّ أَمْرَ الْمُشْرِكِينَ كَالزَّبَدِ يُرَى فِي الصُّورَةِ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَأَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ كَالْمَاءِ الْمُسْتَقِرِّ فِي مَكَانِهِ لَهُ الْبَقَاءُ وَالثَّبَاتُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أَجَابُوا لِرَبِّهِمُ فَأَطَاعُوهُ، ﴿الْحُسْنَى﴾ الْجَنَّةُ، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ أَيْ: لَبَذَلُوا ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ افْتِدَاءً مِنَ النَّارِ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: سُوءُ الْحِسَابِ: أَنْ يُحَاسَبَ الرَّجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ لَا يَغْفِرُ لَهُ من شيء ١٩٠/أ ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ فِي الْآخِرَةِ ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الْفِرَاشُ، أَيْ: بِئْسَ مَا مُهِّدَ لَهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيَعْمَلُ بِمَا فِيهِ، ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ عَنْهُ لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ. قِيلَ: نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَأَبِي جَهْلٍ. وَقِيلَ: فِي عَمَّارٍ وَأَبِي جَهْلٍ [[ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز: ٨ / ١٦٠ ثم قال: "وهي -بعد هذا- مثال في جميع العالم".]] .

فَالْأَوَّلُ حَمْزَةُ أَوْ عَمَّارٌ، وَالثَّانِي أَبُو جَهْلٍ، وَهُوَ الْأَعْمَى. أَيْ: لَا يَسْتَوِي مَنْ يُبْصِرُ الْحَقَّ وَيَتَّبِعُهُ وَمَنْ لَا يُبْصِرُهُ وَلَا يَتَّبِعُهُ.

﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يَتَّعِظُ، ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ذَوُو الْعُقُولِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أَجَابُوا لِرَبِّهِمُ فَأَطَاعُوهُ، ﴿الْحُسْنَى﴾ الْجَنَّةُ، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ أَيْ: لَبَذَلُوا ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ افْتِدَاءً مِنَ النَّارِ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: سُوءُ الْحِسَابِ: أَنْ يُحَاسَبَ الرَّجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ لَا يَغْفِرُ لَهُ من شيء ١٩٠/أ ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ فِي الْآخِرَةِ ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الْفِرَاشُ، أَيْ: بِئْسَ مَا مُهِّدَ لَهُمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيَعْمَلُ بِمَا فِيهِ، ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ عَنْهُ لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ. قِيلَ: نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَأَبِي جَهْلٍ. وَقِيلَ: فِي عَمَّارٍ وَأَبِي جَهْلٍ [[ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز: ٨ / ١٦٠ ثم قال: "وهي -بعد هذا- مثال في جميع العالم".]] .

فَالْأَوَّلُ حَمْزَةُ أَوْ عَمَّارٌ، وَالثَّانِي أَبُو جَهْلٍ، وَهُوَ الْأَعْمَى. أَيْ: لَا يَسْتَوِي مَنْ يُبْصِرُ الْحَقَّ وَيَتَّبِعُهُ وَمَنْ لَا يُبْصِرُهُ وَلَا يَتَّبِعُهُ.

﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يَتَّعِظُ، ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ذَوُو الْعُقُولِ.

﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فَلَا يُخَالِفُونَهُ، ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ وَقِيلَ: أَرَادَ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ.

﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ [[جملة "أراد به" ساقطة من "ب".]] صِلَةَ الرَّحِمِ [[ولم يذكر الطبري غيره، وأما ابن عطية فقال: "ووصل ما أمر الله به أن يوصل، ظاهرة في القرابات، وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات". المحرر الوجيز ٨ / ١٦٠. وعلى ذلك فيدخل في معنى الآية أيضا الإيمان بجميع الكتب والرسل وسائر ما يجب الإيمان به.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَادَ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ -يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "أَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ" [[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٨ / ٥٣٦، وعبد الرزاق في مصنفه: ١١ / ١٧٢، وأخرجه أبو داود في الزكاة، باب صلة الرحم: ٢ / ٢٦٢، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم: ٦ / ٣٣، وقال: حديث صحيح. قال المنذري: وفي تصحيحه نظر، فإن يحيى بن معين قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئا، وذكر غيره أن أبا سلمة وأخاه لهما سماع من أبيهما. وصححه الحاكم في المستدرك: ٤ / ١٥٧-١٥٨، وابن حبان ص (٤٩٨-٤٩٩) من موارد الظمآن، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ١ / ١٩٤، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٢. وانظر: مجمع الزوائد: ٨ / ١٤٩.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ [[في "ب": أوس.]] ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ"، ثُمَّ قَالَ أبو هريرة: اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [[أخرجه البخاري في الأدب، باب من وصل وصله الله: ١٠ / ٤١٧، وفي التفسير أيضا، وأخرجه مسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها برقم (٢٥٥٤) : ٤ / ١٩٨٠-١٩٨١ وليس فيه "فأخذت بحقوي الرحمن" وفي بعض الروايات "بحقو الرحمن" وفي بعضها "بحجزة الرحمن"، انظر: فتح الباري ١٠ / ٤١٧-٤١٨. وأخرجه المصنف بهذا اللفظ في شرح السنة: ١٣ / ٢١، ثم قال: قيل في معنى التعلّق بحقْو الرحمن: إنه الاستجارة والاعتصام بالله سبحانه وتعالى، يقال: عُذْتُ بحِقْوِ فلان: إذا استجرت به. وقيل: الحقو: الإزار، وإزاره: عزّه، ولاذت الرحم بعزِّه من القطيعة، كما جاء في الحديث في دعاء المشتكي: "أعوذ بعزة الله من شر ما أجد" (أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه) .]] "﴾ [محمد: ٢٢] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ، لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَالْأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ تُنَادِي أَلَا مَنْ وَصَلَنِي وَصْلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ" [[أخرجه المصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٢-٢٣، ونسبه السيوطي في الجامع الصغير للحكيم الترمذي في نوادره، ومحمد بن نصر في فوائده. قال المناوي في "فيض القدير": ٣ / ٣١٧ "وفيه كثير بن عبد الله اليشكري، متكلّم فيه"، وقال الذهبي في "الميزان": ٣ / ٤٠٩: "كثير بن عبد الله، عن الحسن بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، وعنه عن مسلم بن إبراهيم، قال العقيلي: لا يصح إسناده" وذكر له هذا الحديث.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" [[أخرجه البخاري في الأدب، باب من بسط له في الرزق لصلة الرحم: ١٠ / ٤١٥، ومسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم، برقم (٢٥٥٧) : ٤ / ١٩٨٢، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ١٨-١٩. وقوله: "ينسأ في أثره" معناه: يؤخَّر في أجله، يقال: نسأ الله في عمرك، وأنسأ عمرك. والأثر ها هنا: آخر العمر، وسمى الأجل أثرا؛ لأنه يتبع العمر.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ" [[أخرجه أبو داود في الأدب، باب في النهي عن البغي: ٧ / ٢٢٥، والترمذي في صفة القيامة، باب انظروا إلى مَنْ أسفل منكم: ٧ / ٢١٣-٢١٤، وقال: هذا حديث صحيح، وابن ماجه في الزهد، باب البغي، برقم (٤٢١١) : ٢ / ١٤٠٨، وصححه الحاكم في المستدرك: ٤ / ١٦٣. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ٥ / ٣٨، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٦.]] .

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الزِّيَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ" [[أخرجه البخاري في الأدب، باب إثم القاطع: ١٠ / ٤١٥، ومسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، برقم (٢٥٥٦) : ٤ / ١٩٨١، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٦.]] .

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يَذْكُرُ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنْ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ ﷺ: "تَعْبُدُ اللَّهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ" [[أخرجه البخاري في الزكاة، باب وجوب الزكاة؛ ١٣ / ٢٦١، ومسلم في الإيمان باب الإيمان الذي يُدْخِل الجنة، برقم (١٣) : ١ / ٤٢-٤٣، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٢١.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا حَدَّثَنَا قَطْرٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا" [[أخرجه البخاري في الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ: ١٠ / ٤٢٣، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٣٠.]] [رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ قَطْرٍ وَقَالَ: إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ .

﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فَلَا يُخَالِفُونَهُ، ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ وَقِيلَ: أَرَادَ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ.

﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ [[جملة "أراد به" ساقطة من "ب".]] صِلَةَ الرَّحِمِ [[ولم يذكر الطبري غيره، وأما ابن عطية فقال: "ووصل ما أمر الله به أن يوصل، ظاهرة في القرابات، وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات". المحرر الوجيز ٨ / ١٦٠. وعلى ذلك فيدخل في معنى الآية أيضا الإيمان بجميع الكتب والرسل وسائر ما يجب الإيمان به.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَادَ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ -يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "أَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ" [[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ٨ / ٥٣٦، وعبد الرزاق في مصنفه: ١١ / ١٧٢، وأخرجه أبو داود في الزكاة، باب صلة الرحم: ٢ / ٢٦٢، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم: ٦ / ٣٣، وقال: حديث صحيح. قال المنذري: وفي تصحيحه نظر، فإن يحيى بن معين قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئا، وذكر غيره أن أبا سلمة وأخاه لهما سماع من أبيهما. وصححه الحاكم في المستدرك: ٤ / ١٥٧-١٥٨، وابن حبان ص (٤٩٨-٤٩٩) من موارد الظمآن، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ١ / ١٩٤، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٢. وانظر: مجمع الزوائد: ٨ / ١٤٩.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ [[في "ب": أوس.]] ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ"، ثُمَّ قَالَ أبو هريرة: اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [[أخرجه البخاري في الأدب، باب من وصل وصله الله: ١٠ / ٤١٧، وفي التفسير أيضا، وأخرجه مسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها برقم (٢٥٥٤) : ٤ / ١٩٨٠-١٩٨١ وليس فيه "فأخذت بحقوي الرحمن" وفي بعض الروايات "بحقو الرحمن" وفي بعضها "بحجزة الرحمن"، انظر: فتح الباري ١٠ / ٤١٧-٤١٨. وأخرجه المصنف بهذا اللفظ في شرح السنة: ١٣ / ٢١، ثم قال: قيل في معنى التعلّق بحقْو الرحمن: إنه الاستجارة والاعتصام بالله سبحانه وتعالى، يقال: عُذْتُ بحِقْوِ فلان: إذا استجرت به. وقيل: الحقو: الإزار، وإزاره: عزّه، ولاذت الرحم بعزِّه من القطيعة، كما جاء في الحديث في دعاء المشتكي: "أعوذ بعزة الله من شر ما أجد" (أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه) .]] "﴾ [محمد: ٢٢] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ، لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَالْأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ تُنَادِي أَلَا مَنْ وَصَلَنِي وَصْلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ" [[أخرجه المصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٢-٢٣، ونسبه السيوطي في الجامع الصغير للحكيم الترمذي في نوادره، ومحمد بن نصر في فوائده. قال المناوي في "فيض القدير": ٣ / ٣١٧ "وفيه كثير بن عبد الله اليشكري، متكلّم فيه"، وقال الذهبي في "الميزان": ٣ / ٤٠٩: "كثير بن عبد الله، عن الحسن بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، وعنه عن مسلم بن إبراهيم، قال العقيلي: لا يصح إسناده" وذكر له هذا الحديث.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" [[أخرجه البخاري في الأدب، باب من بسط له في الرزق لصلة الرحم: ١٠ / ٤١٥، ومسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم، برقم (٢٥٥٧) : ٤ / ١٩٨٢، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ١٨-١٩. وقوله: "ينسأ في أثره" معناه: يؤخَّر في أجله، يقال: نسأ الله في عمرك، وأنسأ عمرك. والأثر ها هنا: آخر العمر، وسمى الأجل أثرا؛ لأنه يتبع العمر.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ" [[أخرجه أبو داود في الأدب، باب في النهي عن البغي: ٧ / ٢٢٥، والترمذي في صفة القيامة، باب انظروا إلى مَنْ أسفل منكم: ٧ / ٢١٣-٢١٤، وقال: هذا حديث صحيح، وابن ماجه في الزهد، باب البغي، برقم (٤٢١١) : ٢ / ١٤٠٨، وصححه الحاكم في المستدرك: ٤ / ١٦٣. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ٥ / ٣٨، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٦.]] .

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الزِّيَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ" [[أخرجه البخاري في الأدب، باب إثم القاطع: ١٠ / ٤١٥، ومسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، برقم (٢٥٥٦) : ٤ / ١٩٨١، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٦.]] .

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يَذْكُرُ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنْ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ ﷺ: "تَعْبُدُ اللَّهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ" [[أخرجه البخاري في الزكاة، باب وجوب الزكاة؛ ١٣ / ٢٦١، ومسلم في الإيمان باب الإيمان الذي يُدْخِل الجنة، برقم (١٣) : ١ / ٤٢-٤٣، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٢١.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا حَدَّثَنَا قَطْرٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا" [[أخرجه البخاري في الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ: ١٠ / ٤٢٣، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٣٠.]] [رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ قَطْرٍ وَقَالَ: إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ .

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ عَطَاءٌ: عَلَى الْمَصَائِبِ وَالنَّوَائِبِ. وَقِيلَ: عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَقِيلَ: عَنِ الْمَعَاصِي.

﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طَلَبَ تَعْظِيمِهِ أَنْ يُخَالِفُوهُ.

﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ يَعْنِي يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ.

﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: يَدْفَعُونَ بِالصَّالِحِ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّئَ مِنَ الْعَمَلِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] . وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا، السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ" [[أخرجه الإمام أحمد: ٥ / ١٦٩، قال الهيثمي في المجمع: (١٠ / ٨١) : "رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن شهر بن عطية حَدَّثَ به عن أشياخه عن أبي ذر، ولم يسَمِّ أحدا. وروى الإمام أحمد عن عطاء مرسلا في "الزهد": إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة: السر بالسر، والعلانية بالعلانية". قال العراقي: وفيه انقطاع. انظر: فيض القدير: ١ / ٤٠٦.]] .

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْخَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً، فَانْفَكَّتْ عَنْهُ حَلْقَةً، ثُمَّ عَمِلَ أُخْرَى فَانْفَكَّتْ أُخْرَى، حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ" [[أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٤ / ١٤٥، وعزاه الهيثمي للطبراني، وقال: "وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح". وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٣٩. وفيه ابن لهيعة. وانظر: مجمع الزوائد: ١٠ / ٢٠١-٢٠٢، فيض القدير للمناوي: ٢ / ٥٢٠.]] .

وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَعْنَى الْآيَةِ: يَدْفَعُونَ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ.

وَقِيلَ: لَا يُكَافِئُونَ الشَّرَّ بِالشِّرِّ، وَلَكِنْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ.

وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ: إِذَا سُفِهَ عَلَيْهِمْ حَلِمُوا، فَالسَّفَهُ: السَّيِّئَةُ، وَالْحِلْمُ: الْحَسَنَةُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَعْرُوفًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] .

وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا حُرِمُوا أَعْطَوْا، وَإِذَا ظُلِمُوا عَفَوْا، وَإِذَا قُطِعُوا وَصَلُوا.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ ثَمَانِ خِلَالٍ مُشِيرَةٌ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ.

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ يَعْنِي الْجَنَّةَ، أَيْ: عَاقِبَتُهُمْ دَارُ الثَّوَابِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ .

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بساتين إقامة، ١٩٠/ب ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾

قِيلَ: مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: مِنْ أَبْوَابِ الْقُصُورِ.

﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.

وَقِيلَ: يَقُولُونَ: سَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي كُنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْهَا.

قَالَ مُقَاتِلٌ: يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ثَلَاثَ كَرَّاتٍ، مَعَهُمُ الْهَدَايَا وَالتُّحَفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ .

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مَشْيَخَةِ الْجُنْدِ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْحَجَّاجِ يَقُولُ: جَلَسْتُ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ إِذَا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَعِنْدَهُ سِمَاطَانِ مِنْ خَدَمٍ، وَعِنْدَ طَرَفِ السِّمَاطَيْنِ بَابٌ مُبَوَّبٌ [[باب مُبَوَّب: مصنوع معقود، وإن شئت قلت: قد اتخذ له بوابا يحرسه.]] . فَيُقْبِلُ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ يَسْتَأْذِنُ، فَيَقُومُ أَقْصَى الْخَدَمِ [[في الأصل: أدنى الخدم. والمثبت من الدر المنثور والطبري: فهو أليق بالسياق.]] إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ بِالْمَلَكِ يَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ وَيَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمُؤْمِنَ، فَيَقُولُ: ائْذَنُوا لَهُ، [فَيَقُولُ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْمُؤْمِنِ] [[ما بين القوسين من "ب".]] : ائْذَنُوا لَهُ، [وَيَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ: ائْذَنُوا لَهُ] [[ما بين القوسين من "ب".]] كَذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ أَقْصَاهُمُ الَّذِي عِنْدَ الْبَابِ، فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ، فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ [[أخرجه ابن جرير: ١٦ / ٤٢٥-٤٢٦، وفيه بقية بن الوليد: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وقد صرَّح هنا بالتحديث. ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الألهاني، قال: سمعت أبا أمامة، فذكر نحوه. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٦٤٠، تفسير ابن كثير: ٢ / ٥١٢، حاشية الشيخ محمود شاكر على الطبري في الموضع السابق.]] .

﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ هَذَا فِي الْكُفَّارِ.

﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ أَيْ: يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ. وَقِيلَ: يَقْطَعُونَ الرَّحِمَ [[انظر فيما سبق تفسير الآية (٢١) من السورة ص (٣١٠) مع التعليق.]] .

﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ يَعْنِي: النَّارَ، وَقِيلَ: سُوءُ الْمُنْقَلَبِ لِأَنَّ مُنْقَلَبَ النَّاسِ دُورُهُمْ.

﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.

وَقِيلَ: يَقُولُونَ: سَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي كُنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْهَا.

قَالَ مُقَاتِلٌ: يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ثَلَاثَ كَرَّاتٍ، مَعَهُمُ الْهَدَايَا وَالتُّحَفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ .

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مَشْيَخَةِ الْجُنْدِ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْحَجَّاجِ يَقُولُ: جَلَسْتُ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ إِذَا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَعِنْدَهُ سِمَاطَانِ مِنْ خَدَمٍ، وَعِنْدَ طَرَفِ السِّمَاطَيْنِ بَابٌ مُبَوَّبٌ [[باب مُبَوَّب: مصنوع معقود، وإن شئت قلت: قد اتخذ له بوابا يحرسه.]] . فَيُقْبِلُ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ يَسْتَأْذِنُ، فَيَقُومُ أَقْصَى الْخَدَمِ [[في الأصل: أدنى الخدم. والمثبت من الدر المنثور والطبري: فهو أليق بالسياق.]] إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ بِالْمَلَكِ يَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ وَيَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمُؤْمِنَ، فَيَقُولُ: ائْذَنُوا لَهُ، [فَيَقُولُ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْمُؤْمِنِ] [[ما بين القوسين من "ب".]] : ائْذَنُوا لَهُ، [وَيَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ: ائْذَنُوا لَهُ] [[ما بين القوسين من "ب".]] كَذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ أَقْصَاهُمُ الَّذِي عِنْدَ الْبَابِ، فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ، فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ [[أخرجه ابن جرير: ١٦ / ٤٢٥-٤٢٦، وفيه بقية بن الوليد: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وقد صرَّح هنا بالتحديث. ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الألهاني، قال: سمعت أبا أمامة، فذكر نحوه. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٦٤٠، تفسير ابن كثير: ٢ / ٥١٢، حاشية الشيخ محمود شاكر على الطبري في الموضع السابق.]] .

﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ هَذَا فِي الْكُفَّارِ.

﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ أَيْ: يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ. وَقِيلَ: يَقْطَعُونَ الرَّحِمَ [[انظر فيما سبق تفسير الآية (٢١) من السورة ص (٣١٠) مع التعليق.]] .

﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ يَعْنِي: النَّارَ، وَقِيلَ: سُوءُ الْمُنْقَلَبِ لِأَنَّ مُنْقَلَبَ النَّاسِ دُورُهُمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أَيْ: يُوَسِّعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ.

﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ أَشِرُوا وَبَطِرُوا، وَالْفَرَحُ: لَذَّةٌ فِي الْقَلْبِ بِنَيْلِ الْمُشْتَهَى، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَرَحَ بِالدُّنْيَا حَرَامٌ.

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ أَيْ: قَلِيلٌ ذَاهِبٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَمَثَلِ السُّكُرُّجَةِ وَالْقَصْعَةِ وَالْقَدَحِ وَالْقِدْرِ يُنْتَفَعُ بِهَا [ثُمَّ تَذْهَبُ] [[ساقط من "أ".]] .

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [أَيْ: يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ بِالْإِنَابَةِ. وَقِيلَ: يُرْشِدُ إِلَى دِينِهِ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ] [[ساقط من "ب".]] .

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: "مَنْ أَنَابَ"، ﴿وَتَطْمَئِنُّ﴾ تَسْكُنُ، ﴿قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: بِالْقُرْآنِ، وَالسُّكُونُ يَكُونُ بِالْيَقِينِ، وَالِاضْطِرَابُ يَكُونُ بِالشَّكِّ، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ تَسْكُنُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَيَسْتَقِرُّ فِيهَا الْيَقِينُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الْحَلِفِ، يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ الْمُسْلِمُ [[في "ب": المؤمن.]] بِاللَّهِ عَلَى شَيْءٍ تَسْكُنُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ [[ساقط من "ب".]] .

فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فَكَيْفَ تَكُونُ الطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَجَلُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قِيلَ: الْوَجَلُ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعِيدِ وَالْعِقَابِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعْدِ وَالثَّوَابِ، فَالْقُلُوبُ تَوْجَلُ إِذَا ذَكَرَتْ عَدْلَ اللَّهِ وَشِدَّةَ حِسَابِهِ، وَتَطْمَئِنُّ إِذَا ذَكَرَتْ فَضْلَ اللَّهِ وَثَوَابَهُ [[ساقط من "أ".]] وَكَرَمَهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أَيْ: يُوَسِّعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ.

﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ أَشِرُوا وَبَطِرُوا، وَالْفَرَحُ: لَذَّةٌ فِي الْقَلْبِ بِنَيْلِ الْمُشْتَهَى، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَرَحَ بِالدُّنْيَا حَرَامٌ.

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ أَيْ: قَلِيلٌ ذَاهِبٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَمَثَلِ السُّكُرُّجَةِ وَالْقَصْعَةِ وَالْقَدَحِ وَالْقِدْرِ يُنْتَفَعُ بِهَا [ثُمَّ تَذْهَبُ] [[ساقط من "أ".]] .

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [أَيْ: يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ بِالْإِنَابَةِ. وَقِيلَ: يُرْشِدُ إِلَى دِينِهِ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ] [[ساقط من "ب".]] .

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: "مَنْ أَنَابَ"، ﴿وَتَطْمَئِنُّ﴾ تَسْكُنُ، ﴿قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: بِالْقُرْآنِ، وَالسُّكُونُ يَكُونُ بِالْيَقِينِ، وَالِاضْطِرَابُ يَكُونُ بِالشَّكِّ، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ تَسْكُنُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَيَسْتَقِرُّ فِيهَا الْيَقِينُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الْحَلِفِ، يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ الْمُسْلِمُ [[في "ب": المؤمن.]] بِاللَّهِ عَلَى شَيْءٍ تَسْكُنُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ [[ساقط من "ب".]] .

فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فَكَيْفَ تَكُونُ الطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَجَلُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قِيلَ: الْوَجَلُ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعِيدِ وَالْعِقَابِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعْدِ وَالثَّوَابِ، فَالْقُلُوبُ تَوْجَلُ إِذَا ذَكَرَتْ عَدْلَ اللَّهِ وَشِدَّةَ حِسَابِهِ، وَتَطْمَئِنُّ إِذَا ذَكَرَتْ فَضْلَ اللَّهِ وَثَوَابَهُ [[ساقط من "أ".]] وَكَرَمَهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أَيْ: يُوَسِّعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ.

﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ أَشِرُوا وَبَطِرُوا، وَالْفَرَحُ: لَذَّةٌ فِي الْقَلْبِ بِنَيْلِ الْمُشْتَهَى، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَرَحَ بِالدُّنْيَا حَرَامٌ.

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ أَيْ: قَلِيلٌ ذَاهِبٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَمَثَلِ السُّكُرُّجَةِ وَالْقَصْعَةِ وَالْقَدَحِ وَالْقِدْرِ يُنْتَفَعُ بِهَا [ثُمَّ تَذْهَبُ] [[ساقط من "أ".]] .

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [أَيْ: يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ بِالْإِنَابَةِ. وَقِيلَ: يُرْشِدُ إِلَى دِينِهِ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ] [[ساقط من "ب".]] .

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: "مَنْ أَنَابَ"، ﴿وَتَطْمَئِنُّ﴾ تَسْكُنُ، ﴿قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: بِالْقُرْآنِ، وَالسُّكُونُ يَكُونُ بِالْيَقِينِ، وَالِاضْطِرَابُ يَكُونُ بِالشَّكِّ، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ تَسْكُنُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَيَسْتَقِرُّ فِيهَا الْيَقِينُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الْحَلِفِ، يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ الْمُسْلِمُ [[في "ب": المؤمن.]] بِاللَّهِ عَلَى شَيْءٍ تَسْكُنُ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ [[ساقط من "ب".]] .

فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فَكَيْفَ تَكُونُ الطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَجَلُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قِيلَ: الْوَجَلُ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعِيدِ وَالْعِقَابِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعْدِ وَالثَّوَابِ، فَالْقُلُوبُ تَوْجَلُ إِذَا ذَكَرَتْ عَدْلَ اللَّهِ وَشِدَّةَ حِسَابِهِ، وَتَطْمَئِنُّ إِذَا ذَكَرَتْ فَضْلَ اللَّهِ وَثَوَابَهُ [[ساقط من "أ".]] وَكَرَمَهُ.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ابْتِدَاءٌ، ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ خَبَرُهُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ ﴿طُوبَى﴾ [[انظر في تفسير طوبى، والروايات في: الطبري: ١٦ / ٤٣٤-٤٤٤، الدر المنثور: ٤ / ٦٤٢-٦٤٣.]] .

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَرَحٌ لَهُمْ وَقُرَّةُ عَيْنٍ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نِعْمَ مَالَهُمْ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: حُسْنَى لَهُمْ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: هَذِهِ كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: طُوبَى لَكَ، أَيْ: أَصَبْتَ خَيْرًا.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: خَيْرٌ لَهُمْ وَكَرَامَةٌ.

وَقَالَ الْفَرَّاءُ: [أَصْلُهُ مِنَ الطَّيِّبِ، وَالْوَاوُ فِيهِ لِضَمَّةِ الطَّاءِ، وَفِيهِ لُغَتَانِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: طُوبَاكَ وَطُوبَى لَكَ أَيْ: لَهُمُ الطَّيِّبُ] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] .

﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ أَيْ: حُسْنُ الْمُنْقَلَبِ.

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: طُوبَى اسْمُ الْجَنَّةِ بِالْحَبَشِيَّةِ.

قَالَ الرَّبِيعُ: هُوَ الْبُسْتَانُ بِلُغَةِ الْهِنْدِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ قَالُوا: [طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ تُظِلُّ الْجِنَانَ كُلَّهَا. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] : هِيَ شَجَرَةٌ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ أَصْلُهَا فِي دَارِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي كُلِّ دَارٍ وَغُرْفَةٍ غُصْنٌ مِنْهَا لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ لَوْنًا وَلَا زَهْرَةً إِلَّا وَفِيهَا مِنْهَا إِلَّا السَّوَادَ، وَلَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعَالَى فَاكِهَةً وَلَا ثَمَرَةً إِلَّا وَفِيهَا مِنْهَا. تَنْبُعُ مِنْ أَصْلِهَا عَيْنَانِ: الْكَافُورُ وَالسَّلْسَبِيلُ.

قَالَ مُقَاتِلٌ: كُلُّ وَرَقَةٍ مِنْهَا تُظِلُّ أُمَّةً عَلَيْهَا مَلَكٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْوَاعِ التَّسْبِيحِ [[هذه الروايات، وغيرها من الروايات، التي تتضمن زيادات كثيرة عن الحديث الصحيح الذي سيأتي في تفسير "طوبى"، وفيها مبالغات كثيرة، وقد ساقها الطبري، وتعقب بعضها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هذه الروايات من الإسرائيليات، وحسبنا في تفسير "طوبى" الحديث الصحيح المتفق عليه الذي ساقه المصنف من رواية أبي هريرة رضي الله عنه. وانظر: الإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة ص (٣٢٣-٣٢٦) . وأشار ابن عطية في المحرر الوجيز: ٨ / ١٦٨ إلى تلك الروايات والمبالغات التي مقتضاها أن هذه الشجرة ليست في الجنة دار إلا وفيها من أغصانها، وأنها تثمر ثياب أهل الجنة، وأن منها الخيل بسُرُجها ولُجُمها ... ونحو هذا مما لا يثبت سنده".]] .

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا طُوبَى؟ قَالَ: "شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ سَنَةٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا" [[أخرجه الطبري: ١٦ / ٤٤٣-٤٤٤، والإمام أحمد في المسند: ٣ / ٧١، وابن حبان برقم (٢٦٢٥) ص (٦٥٢) من موارد الظمآن، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ٩٠.٠٠٠ مطولا. وانظر كنز العمال: ١٤ / ٤٥٧، الدر المنثور: ٤ / ٦٤٤. والحديث من رواية "دراج" (أبو السمح) ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وهو إسناد ضعيف. ونقل الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أن دراجا: روايته منكرة.]] .

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعُهُ: "طُوبَى شَجَرَةٌ غَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، تُنْبِتُ الْحُلِيَّ وَالْحُلَلَ وَإِنَّ أَغْصَانَهَا لَتُرَى مِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ" [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٦ / ٤٤٣، وفيه محمد بن زياد الجريري: وهو كذاب خبيث يضع الحديث. وفرات بن أبي الفرات: قال ابن معين عنه: ليس بشيء. انظر تعليق الشيخ محمود شاكر في الموضع السابق.]] .

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ [لا يقطعها] [[ساقط من "ب".]] اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] فَبَلَغَ ذَلِكَ [[ساقط من "ب".]] كَعْبًا فَقَالَ: صَدَقَ وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، لَوْ أَنَّ رَجُلَا رَكِبَ حِقَّةً أَوْ جَذَعَةً ثُمَّ دَارَ بِأَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَا بَلَغَهَا حَتَّى يَسْقُطَ هَرِمًا، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَرَسَهَا بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، وَإِنَّ أَفْنَانَهَا لِمَنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، مَا فِي الْجَنَّةِ نَهْرٌ إِلَّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ [[عزاه السيوطي بطوله في الدر المنثور لعبد بن حميد: ٤ / ٦٤٩، وقد أخرج عبد بن حميد في المنتخب ص (٤٢٤) القطعة الأولى منه، وأخرجه عن أنس ص (٣٥٦) . وأخرج القطعة الأولى منه إلى قوله: (اقرؤوا إن شئتم ... ) البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة: ٦ / ٣١٩، ومسلم في الجنة باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها ... برقم (٢٨٢٦) : ٤ / ٢١٧٥، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٠٧.]] .

وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يُقَالُ لَهَا طُوبَى، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا شِئْتُ فَتَنْفَتِقُ لَهُ عَنْ فَرَسٍ بِسَرْجِهِ وَلِجَامِهِ وَهَيْئَتِهِ كَمَا شَاءَ، يُفْتَقُ لَهُ عَنِ الرَّاحِلَةِ بِرَحْلِهَا وَزِمَامِهَا [وَهَيْئَتِهَا] [[ساقط من "ب".]] كَمَا شَاءَ وَعَنِ الثِّيَابِ [[وأخرجه الطبري: ١٦ / ٤٣٨، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف. وعزاه السيوطي أيضا: لعبد الرزاق، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٦٤٣.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ﴾ كَمَا أَرْسَلَنَا الْأَنْبِيَاءَ إِلَى الْأُمَمِ أَرْسَلْنَاكَ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَتْ، ﴿مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ﴾ لِتَقْرَأَ، ﴿عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ .

قَالَ قَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو لَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابَ الصُّلْحِ فَقَالَ رسول الله ﷺ ١٩١/ألِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اكْتُبْ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، قَالُوا: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلَّا صَاحِبَ الْيَمَامَةِ -يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ-اكْتُبْ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ: "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ"، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [[أخرجه الطبري: ١٦ / ٤٤٥-٤٤٦، وزاد السيوطي نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة، ولابن المنذر عن ابن جريج. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٦٥٠، أسباب النزول للواحدي ص (٣١٥) ، القرطبي: ٩ / ٣١٧-٣١٨، البحر المحيط: ٥ / ٣٩٠.]] .

وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَسَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي الْحِجْرِ يَدْعُو يَا اللَّهُ يَا رَحْمَنُ، فَرَجَعَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إِلَهَيْنِ؛ يَدْعُو اللَّهَ، وَيَدْعُو إِلَهًا آخَرَ يُسَمَّى الرَّحْمَنَ، وَلَا نَعْرِفُ الرحمن إلا رحمن الْيَمَامَةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [[انظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٣١٨، ١٣ / ٦٤، البحر المحيط: ٥ / ٣٩٠.]] ﴾ [الإسراء: ١١٠] .

وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ، قَالُوا: وَمَا الرَّحْمَنُ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٣١٥) ، القرطبي: ٩ / ٣١٨، البحر المحيط: ٥ / ٣٩٠.]] ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الرَّحْمَنَ الَّذِي أَنْكَرْتُمْ مَعْرِفَتَهُ، ﴿هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعْتَمَدْتُ ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أَيْ: تَوْبَتِي وَمَرْجِعِي.

Source. Tafseer Al-Baghawi, Baghawy — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/27. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com