Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi
Surah Al-Furqaan
Tafseer Al-Baghawi · The Criterion · 77 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
سُورَةُ الْفُرْقَانِ مَكِّيَّةٌ [[وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والجمهور، وحكي عن ابن عباس وقتادة في قول آخر عنهما أنها مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر" إلى قوله: "غفورا رحيما" (الفرقان ٦٨-٧٠) . وقال الضحاك: مدنية إلا من أولها إلى قوله الآية الثالثة: "ولا نشورا" فهو مكي.
وقول الجمهور هو الراجح، ومكية السورة واضحة من موضوعها وأسلوبها، وهذا يتفق مع الرواية الراجحة. والله أعلم انظر: الدر المنثور: ٦ / ٢٣٤، القرطبي: ١٣ / ١، زاد المسير: ٦ / ٧١، البحر المحيط: ٦ / ٤٨٠، المحرر الوجيز: ١٢ / ٥.]] ﷽
* *
﴿تَبَارَكَ﴾ تَفَاعَلَ، مِنَ الْبَرَكَةِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ: جَاءَ بِكُلِّ بَرَكَةٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ: مَجِيءُ الْبَرَكَةِ مِنْ قِبَلِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَعَظَّمَ، ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ أَيْ: الْقُرْآنَ، ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ.
﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أَيْ: لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ. قِيلَ: النَّذِيرُ هُوَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ [[القول الأول حكاه الماوردي، ورجح الطبري أنه النبي ﷺ، وإن لم يكن في الحقيقة تعارض بين المعنيين، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ ينذر به العالمين، ومحمد ﷺ هو رسول الله تعالى للعالمين. والله أعلم. انظر: الطبري ١٩ / ١٨٠، زاد المسير: ٦ / ٧٢.]] .
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ، ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ فَسَوَّاهُ وَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا تَفَاوُتَ، وَقِيلَ: قَدَّرَ لِكُلِّ شَيْءٍ تَقْدِيرًا مِنَ الْأَجَلِ وَالرِّزْقِ، فَجَرَتِ الْمَقَادِيرُ عَلَى مَا خَلَقَ.
سُورَةُ الْفُرْقَانِ مَكِّيَّةٌ [[وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والجمهور، وحكي عن ابن عباس وقتادة في قول آخر عنهما أنها مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر" إلى قوله: "غفورا رحيما" (الفرقان ٦٨-٧٠) . وقال الضحاك: مدنية إلا من أولها إلى قوله الآية الثالثة: "ولا نشورا" فهو مكي.
وقول الجمهور هو الراجح، ومكية السورة واضحة من موضوعها وأسلوبها، وهذا يتفق مع الرواية الراجحة. والله أعلم انظر: الدر المنثور: ٦ / ٢٣٤، القرطبي: ١٣ / ١، زاد المسير: ٦ / ٧١، البحر المحيط: ٦ / ٤٨٠، المحرر الوجيز: ١٢ / ٥.]] ﷽
* *
﴿تَبَارَكَ﴾ تَفَاعَلَ، مِنَ الْبَرَكَةِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ: جَاءَ بِكُلِّ بَرَكَةٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ: مَجِيءُ الْبَرَكَةِ مِنْ قِبَلِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَعَظَّمَ، ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ أَيْ: الْقُرْآنَ، ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ.
﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ أَيْ: لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ. قِيلَ: النَّذِيرُ هُوَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ [[القول الأول حكاه الماوردي، ورجح الطبري أنه النبي ﷺ، وإن لم يكن في الحقيقة تعارض بين المعنيين، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ ينذر به العالمين، ومحمد ﷺ هو رسول الله تعالى للعالمين. والله أعلم. انظر: الطبري ١٩ / ١٨٠، زاد المسير: ٦ / ٧٢.]] .
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ، ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ فَسَوَّاهُ وَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا تَفَاوُتَ، وَقِيلَ: قَدَّرَ لِكُلِّ شَيْءٍ تَقْدِيرًا مِنَ الْأَجَلِ وَالرِّزْقِ، فَجَرَتِ الْمَقَادِيرُ عَلَى مَا خَلَقَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، ﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أَيْ: دَفْعَ ضَرٍّ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أَيْ: إِمَاتَةً وَإِحْيَاءً، ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أَيْ: بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المشركين، ٤٤/ب يَعْنِي: النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَأَصْحَابَهُ، ﴿إِنَّ هَذَا﴾ مَا هَذَا الْقُرْآنُ، ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ، ﴿افْتَرَاهُ﴾ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْيَهُودَ [[حكاه الطبري، ولم يذكر غيره. وانظر سائر الأقوال في: البحر المحيط: ٦ / ٤٨١، زاد المسير: ٦ / ٧٢-٧٣.]] . وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ عُبَيْدُ بْنُ الْخِضْرِ الْحَبَشِيُّ الْكَاهِنُ. وَقِيلَ: جَبْرٌ، وَيَسَارٌ، وَعَدَّاسُ بْنُ عُبَيْدٍ، كَانُوا بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَزَعَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ يَعْنِي قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ، ﴿ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أَيْ: بِظُلْمٍ وَزُورٍ. فَلَمَّا حَذَفَ الْبَاءَ انْتُصِبَ، يَعْنِي جَاؤُوا شِرْكًا وَكَذِبًا بِنِسْبَتِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْإِفْكِ وَالِافْتِرَاءِ.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا سَطَّرَهُ الْأَوَّلُونَ مِثْلَ حَدِيثِ رُسْتُمَ وَإِسْفِنْدِيَارَ [[انظر: الطبري: ١٨ / ١٨٢، الدر المنثور: ٦ / ٢٣٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ١٢ / ٧.]] "اكْتَتَبَهَا": انْتَسَخَهَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَبْرٍ، وَيَسَارٍ، وَعَدَّاسٍ، وَمَعْنَى "اكْتَتَبَ" يَعْنِي طَلَبَ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُبُ، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي تُقْرَأُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَهَا لَا لِيَكْتُبَهَا، ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدْوَةً وَعَشِيًّا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ يَعْنِي الغيب، ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، ﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أَيْ: دَفْعَ ضَرٍّ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أَيْ: إِمَاتَةً وَإِحْيَاءً، ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أَيْ: بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المشركين، ٤٤/ب يَعْنِي: النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَأَصْحَابَهُ، ﴿إِنَّ هَذَا﴾ مَا هَذَا الْقُرْآنُ، ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ، ﴿افْتَرَاهُ﴾ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْيَهُودَ [[حكاه الطبري، ولم يذكر غيره. وانظر سائر الأقوال في: البحر المحيط: ٦ / ٤٨١، زاد المسير: ٦ / ٧٢-٧٣.]] . وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ عُبَيْدُ بْنُ الْخِضْرِ الْحَبَشِيُّ الْكَاهِنُ. وَقِيلَ: جَبْرٌ، وَيَسَارٌ، وَعَدَّاسُ بْنُ عُبَيْدٍ، كَانُوا بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَزَعَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ يَعْنِي قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ، ﴿ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أَيْ: بِظُلْمٍ وَزُورٍ. فَلَمَّا حَذَفَ الْبَاءَ انْتُصِبَ، يَعْنِي جَاؤُوا شِرْكًا وَكَذِبًا بِنِسْبَتِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْإِفْكِ وَالِافْتِرَاءِ.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا سَطَّرَهُ الْأَوَّلُونَ مِثْلَ حَدِيثِ رُسْتُمَ وَإِسْفِنْدِيَارَ [[انظر: الطبري: ١٨ / ١٨٢، الدر المنثور: ٦ / ٢٣٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ١٢ / ٧.]] "اكْتَتَبَهَا": انْتَسَخَهَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَبْرٍ، وَيَسَارٍ، وَعَدَّاسٍ، وَمَعْنَى "اكْتَتَبَ" يَعْنِي طَلَبَ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُبُ، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي تُقْرَأُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَهَا لَا لِيَكْتُبَهَا، ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدْوَةً وَعَشِيًّا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ يَعْنِي الغيب، ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، ﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أَيْ: دَفْعَ ضَرٍّ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أَيْ: إِمَاتَةً وَإِحْيَاءً، ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أَيْ: بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المشركين، ٤٤/ب يَعْنِي: النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَأَصْحَابَهُ، ﴿إِنَّ هَذَا﴾ مَا هَذَا الْقُرْآنُ، ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ، ﴿افْتَرَاهُ﴾ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْيَهُودَ [[حكاه الطبري، ولم يذكر غيره. وانظر سائر الأقوال في: البحر المحيط: ٦ / ٤٨١، زاد المسير: ٦ / ٧٢-٧٣.]] . وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ عُبَيْدُ بْنُ الْخِضْرِ الْحَبَشِيُّ الْكَاهِنُ. وَقِيلَ: جَبْرٌ، وَيَسَارٌ، وَعَدَّاسُ بْنُ عُبَيْدٍ، كَانُوا بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَزَعَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ يَعْنِي قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ، ﴿ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أَيْ: بِظُلْمٍ وَزُورٍ. فَلَمَّا حَذَفَ الْبَاءَ انْتُصِبَ، يَعْنِي جَاؤُوا شِرْكًا وَكَذِبًا بِنِسْبَتِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْإِفْكِ وَالِافْتِرَاءِ.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا سَطَّرَهُ الْأَوَّلُونَ مِثْلَ حَدِيثِ رُسْتُمَ وَإِسْفِنْدِيَارَ [[انظر: الطبري: ١٨ / ١٨٢، الدر المنثور: ٦ / ٢٣٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ١٢ / ٧.]] "اكْتَتَبَهَا": انْتَسَخَهَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَبْرٍ، وَيَسَارٍ، وَعَدَّاسٍ، وَمَعْنَى "اكْتَتَبَ" يَعْنِي طَلَبَ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُبُ، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي تُقْرَأُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَهَا لَا لِيَكْتُبَهَا، ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدْوَةً وَعَشِيًّا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ يَعْنِي الغيب، ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، ﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أَيْ: دَفْعَ ضَرٍّ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أَيْ: إِمَاتَةً وَإِحْيَاءً، ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أَيْ: بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المشركين، ٤٤/ب يَعْنِي: النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَأَصْحَابَهُ، ﴿إِنَّ هَذَا﴾ مَا هَذَا الْقُرْآنُ، ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ، ﴿افْتَرَاهُ﴾ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْيَهُودَ [[حكاه الطبري، ولم يذكر غيره. وانظر سائر الأقوال في: البحر المحيط: ٦ / ٤٨١، زاد المسير: ٦ / ٧٢-٧٣.]] . وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ عُبَيْدُ بْنُ الْخِضْرِ الْحَبَشِيُّ الْكَاهِنُ. وَقِيلَ: جَبْرٌ، وَيَسَارٌ، وَعَدَّاسُ بْنُ عُبَيْدٍ، كَانُوا بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَزَعَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ يَعْنِي قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ، ﴿ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أَيْ: بِظُلْمٍ وَزُورٍ. فَلَمَّا حَذَفَ الْبَاءَ انْتُصِبَ، يَعْنِي جَاؤُوا شِرْكًا وَكَذِبًا بِنِسْبَتِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْإِفْكِ وَالِافْتِرَاءِ.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا سَطَّرَهُ الْأَوَّلُونَ مِثْلَ حَدِيثِ رُسْتُمَ وَإِسْفِنْدِيَارَ [[انظر: الطبري: ١٨ / ١٨٢، الدر المنثور: ٦ / ٢٣٦، المحرر الوجيز لابن عطية: ١٢ / ٧.]] "اكْتَتَبَهَا": انْتَسَخَهَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَبْرٍ، وَيَسَارٍ، وَعَدَّاسٍ، وَمَعْنَى "اكْتَتَبَ" يَعْنِي طَلَبَ أَنْ يُكْتَبَ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُبُ، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي تُقْرَأُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَهَا لَا لِيَكْتُبَهَا، ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدْوَةً وَعَشِيًّا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ يَعْنِي الغيب، ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ كَمَا نَأْكُلُ نَحْنُ، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَمْشِي، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَازَ عَنَّا بِالنُّبُوَّةِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: لَسْتَ أَنْتَ بِمَلَكٍ وَلَا بِمَلِكِ، لِأَنَّكَ تَأْكُلُ وَالْمَلَكِ لَا يَأْكُلُ، وَلَسْتَ بِمَلِكٍ لِأَنَّ الْمَلِكَ لَا يَتَسَوَّقُ، وَأَنْتَ تَتَسَوَّقُ وَتَتَبَذَّلُ. وَمَا قَالُوهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ الطَّعَامَ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا، وَمَشْيَهُ فِي الْأَسْوَاقِ لِتَوَاضُعِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ صِفَةٌ لَهُ، وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يُنَافِي النُّبُوَّةَ.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ فَيُصَدِّقُهُ، ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ دَاعِيًا.
﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أَيْ: يُنْزَلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّمَاءِ يُنْفِقُهُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَدُّدِ وَالتَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بُسْتَانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قَرَأَ حَمْزَةٌ وَالْكِسَائِيُّ: "نَأْكُلُ" بِالنُّونِ أَيْ: نَأْكُلُ نَحْنُ مِنْهَا، ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مَخْدُوعًا. وَقِيلَ: مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ.
﴿انْظُرْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ يَعْنِي الْأَشْبَاهَ، فَقَالُوا: مَسْحُورٌ، مُحْتَاجٌ، وَغَيْرُهُ، ﴿فَضَلُّوا﴾ عَنِ الْحَقِّ، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إِلَى الْهُدَى وَمَخْرَجًا عَنِ الضَّلَالَةِ.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الَّذِي قَالُوا، أَوْ أَفْضَلَ مِنَ الْكَنْزِ وَالْبُسْتَانِ الَّذِي ذَكَرُوا، وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالتَّمَاسِ الْمَعَاشِ [[ذكر الطبري القولين: (١٨ / ١٨٥) ورجح قول مجاهد الأول، لأن المشركين استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها، وأن لا يلقى إليه كنز، واستنكروا أن يمشي في الأسواق، وهو لله رسول، فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير ما كان عند المشركين عظيما، لا مما كان منكرا عندهم.]] . ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ فَقَالَ: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ بُيُوتًا مُشَيَّدَةً، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بَيْتٍ مُشَيَّدٍ قَصْرًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "وَيَجْعَلُ" بِرَفْعِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَزْمِهَا عَلَى مَحَلُّ الْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ: "إِنْ شَاءَ جَعْلَ لَكَ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُخْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَرْضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، وَقَالَ ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ" [[أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه: ٧ / ١٤، وقال: "هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث ويكنى أبا عبد الملك".
وأخرجه ابن ماجه في الزهد، باب من لا يؤبه له: ٢ / ١٣٧٩، وقال في الزوائد: "إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، وصدقه بن عبد الله متفق على تضعيفه". ورواه الإمام أحمد: ٢ / ٢٥٢ و٥ / ٢٥٤ وابن سعد في الطبقات: ١ / ٣٨١، وأبو نعيم في الحلية: ٨ / ١٣٣.]] .
حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرِ الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالِحَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الشَّيْخِ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مِعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ يَعْنِي الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِيَ جِبَالُ الذَّهَبِ، جَاءَنِي مَلَكٌ إِنَّ حُجْزَتَهُ لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فَقُلْتُ: نَبِيًّا عَبْدًا" قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا يَقُولُ: "آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ" [[قال الهيثمي: (٩ / ١٩) : "رواه أبو يعلى وإسناده حسن"، وعبد الرزاق: ١٠ / ٤١٧، وأخرج القطعة الأولى منه الخطيب في تاريخ بغداد: ١١/١٠٢، والثانية: "إنما أنا عبد.." أخرجها عبد الرزاق في الجامع عن معمر: ١٠ / ٤١٧، والإمام أحمد في الزهد ص (٥) ، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٤٨.]] .
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ كَمَا نَأْكُلُ نَحْنُ، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَمْشِي، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَازَ عَنَّا بِالنُّبُوَّةِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: لَسْتَ أَنْتَ بِمَلَكٍ وَلَا بِمَلِكِ، لِأَنَّكَ تَأْكُلُ وَالْمَلَكِ لَا يَأْكُلُ، وَلَسْتَ بِمَلِكٍ لِأَنَّ الْمَلِكَ لَا يَتَسَوَّقُ، وَأَنْتَ تَتَسَوَّقُ وَتَتَبَذَّلُ. وَمَا قَالُوهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ الطَّعَامَ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا، وَمَشْيَهُ فِي الْأَسْوَاقِ لِتَوَاضُعِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ صِفَةٌ لَهُ، وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يُنَافِي النُّبُوَّةَ.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ فَيُصَدِّقُهُ، ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ دَاعِيًا.
﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أَيْ: يُنْزَلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّمَاءِ يُنْفِقُهُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَدُّدِ وَالتَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بُسْتَانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قَرَأَ حَمْزَةٌ وَالْكِسَائِيُّ: "نَأْكُلُ" بِالنُّونِ أَيْ: نَأْكُلُ نَحْنُ مِنْهَا، ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مَخْدُوعًا. وَقِيلَ: مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ.
﴿انْظُرْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ يَعْنِي الْأَشْبَاهَ، فَقَالُوا: مَسْحُورٌ، مُحْتَاجٌ، وَغَيْرُهُ، ﴿فَضَلُّوا﴾ عَنِ الْحَقِّ، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إِلَى الْهُدَى وَمَخْرَجًا عَنِ الضَّلَالَةِ.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الَّذِي قَالُوا، أَوْ أَفْضَلَ مِنَ الْكَنْزِ وَالْبُسْتَانِ الَّذِي ذَكَرُوا، وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالتَّمَاسِ الْمَعَاشِ [[ذكر الطبري القولين: (١٨ / ١٨٥) ورجح قول مجاهد الأول، لأن المشركين استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها، وأن لا يلقى إليه كنز، واستنكروا أن يمشي في الأسواق، وهو لله رسول، فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير ما كان عند المشركين عظيما، لا مما كان منكرا عندهم.]] . ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ فَقَالَ: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ بُيُوتًا مُشَيَّدَةً، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بَيْتٍ مُشَيَّدٍ قَصْرًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "وَيَجْعَلُ" بِرَفْعِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَزْمِهَا عَلَى مَحَلُّ الْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ: "إِنْ شَاءَ جَعْلَ لَكَ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُخْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَرْضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، وَقَالَ ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ" [[أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه: ٧ / ١٤، وقال: "هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث ويكنى أبا عبد الملك".
وأخرجه ابن ماجه في الزهد، باب من لا يؤبه له: ٢ / ١٣٧٩، وقال في الزوائد: "إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، وصدقه بن عبد الله متفق على تضعيفه". ورواه الإمام أحمد: ٢ / ٢٥٢ و٥ / ٢٥٤ وابن سعد في الطبقات: ١ / ٣٨١، وأبو نعيم في الحلية: ٨ / ١٣٣.]] .
حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرِ الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالِحَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الشَّيْخِ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مِعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ يَعْنِي الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِيَ جِبَالُ الذَّهَبِ، جَاءَنِي مَلَكٌ إِنَّ حُجْزَتَهُ لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فَقُلْتُ: نَبِيًّا عَبْدًا" قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا يَقُولُ: "آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ" [[قال الهيثمي: (٩ / ١٩) : "رواه أبو يعلى وإسناده حسن"، وعبد الرزاق: ١٠ / ٤١٧، وأخرج القطعة الأولى منه الخطيب في تاريخ بغداد: ١١/١٠٢، والثانية: "إنما أنا عبد.." أخرجها عبد الرزاق في الجامع عن معمر: ١٠ / ٤١٧، والإمام أحمد في الزهد ص (٥) ، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٤٨.]] .
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ كَمَا نَأْكُلُ نَحْنُ، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَمْشِي، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَازَ عَنَّا بِالنُّبُوَّةِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: لَسْتَ أَنْتَ بِمَلَكٍ وَلَا بِمَلِكِ، لِأَنَّكَ تَأْكُلُ وَالْمَلَكِ لَا يَأْكُلُ، وَلَسْتَ بِمَلِكٍ لِأَنَّ الْمَلِكَ لَا يَتَسَوَّقُ، وَأَنْتَ تَتَسَوَّقُ وَتَتَبَذَّلُ. وَمَا قَالُوهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ الطَّعَامَ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا، وَمَشْيَهُ فِي الْأَسْوَاقِ لِتَوَاضُعِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ صِفَةٌ لَهُ، وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يُنَافِي النُّبُوَّةَ.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ فَيُصَدِّقُهُ، ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ دَاعِيًا.
﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أَيْ: يُنْزَلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّمَاءِ يُنْفِقُهُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَدُّدِ وَالتَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بُسْتَانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قَرَأَ حَمْزَةٌ وَالْكِسَائِيُّ: "نَأْكُلُ" بِالنُّونِ أَيْ: نَأْكُلُ نَحْنُ مِنْهَا، ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مَخْدُوعًا. وَقِيلَ: مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ.
﴿انْظُرْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ يَعْنِي الْأَشْبَاهَ، فَقَالُوا: مَسْحُورٌ، مُحْتَاجٌ، وَغَيْرُهُ، ﴿فَضَلُّوا﴾ عَنِ الْحَقِّ، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إِلَى الْهُدَى وَمَخْرَجًا عَنِ الضَّلَالَةِ.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الَّذِي قَالُوا، أَوْ أَفْضَلَ مِنَ الْكَنْزِ وَالْبُسْتَانِ الَّذِي ذَكَرُوا، وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالتَّمَاسِ الْمَعَاشِ [[ذكر الطبري القولين: (١٨ / ١٨٥) ورجح قول مجاهد الأول، لأن المشركين استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها، وأن لا يلقى إليه كنز، واستنكروا أن يمشي في الأسواق، وهو لله رسول، فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير ما كان عند المشركين عظيما، لا مما كان منكرا عندهم.]] . ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ فَقَالَ: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ بُيُوتًا مُشَيَّدَةً، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بَيْتٍ مُشَيَّدٍ قَصْرًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "وَيَجْعَلُ" بِرَفْعِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَزْمِهَا عَلَى مَحَلُّ الْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ: "إِنْ شَاءَ جَعْلَ لَكَ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُخْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَرْضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، وَقَالَ ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ" [[أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه: ٧ / ١٤، وقال: "هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث ويكنى أبا عبد الملك".
وأخرجه ابن ماجه في الزهد، باب من لا يؤبه له: ٢ / ١٣٧٩، وقال في الزوائد: "إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، وصدقه بن عبد الله متفق على تضعيفه". ورواه الإمام أحمد: ٢ / ٢٥٢ و٥ / ٢٥٤ وابن سعد في الطبقات: ١ / ٣٨١، وأبو نعيم في الحلية: ٨ / ١٣٣.]] .
حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرِ الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالِحَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الشَّيْخِ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مِعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ يَعْنِي الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِيَ جِبَالُ الذَّهَبِ، جَاءَنِي مَلَكٌ إِنَّ حُجْزَتَهُ لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فَقُلْتُ: نَبِيًّا عَبْدًا" قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا يَقُولُ: "آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ" [[قال الهيثمي: (٩ / ١٩) : "رواه أبو يعلى وإسناده حسن"، وعبد الرزاق: ١٠ / ٤١٧، وأخرج القطعة الأولى منه الخطيب في تاريخ بغداد: ١١/١٠٢، والثانية: "إنما أنا عبد.." أخرجها عبد الرزاق في الجامع عن معمر: ١٠ / ٤١٧، والإمام أحمد في الزهد ص (٥) ، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٤٨.]] .
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ كَمَا نَأْكُلُ نَحْنُ، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَمْشِي، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَازَ عَنَّا بِالنُّبُوَّةِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: لَسْتَ أَنْتَ بِمَلَكٍ وَلَا بِمَلِكِ، لِأَنَّكَ تَأْكُلُ وَالْمَلَكِ لَا يَأْكُلُ، وَلَسْتَ بِمَلِكٍ لِأَنَّ الْمَلِكَ لَا يَتَسَوَّقُ، وَأَنْتَ تَتَسَوَّقُ وَتَتَبَذَّلُ. وَمَا قَالُوهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ الطَّعَامَ لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا، وَمَشْيَهُ فِي الْأَسْوَاقِ لِتَوَاضُعِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ صِفَةٌ لَهُ، وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يُنَافِي النُّبُوَّةَ.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ فَيُصَدِّقُهُ، ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ دَاعِيًا.
﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أَيْ: يُنْزَلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّمَاءِ يُنْفِقُهُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّرَدُّدِ وَالتَّصَرُّفِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بُسْتَانٌ، ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قَرَأَ حَمْزَةٌ وَالْكِسَائِيُّ: "نَأْكُلُ" بِالنُّونِ أَيْ: نَأْكُلُ نَحْنُ مِنْهَا، ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ مَخْدُوعًا. وَقِيلَ: مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ.
﴿انْظُرْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ يَعْنِي الْأَشْبَاهَ، فَقَالُوا: مَسْحُورٌ، مُحْتَاجٌ، وَغَيْرُهُ، ﴿فَضَلُّوا﴾ عَنِ الْحَقِّ، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إِلَى الْهُدَى وَمَخْرَجًا عَنِ الضَّلَالَةِ.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الَّذِي قَالُوا، أَوْ أَفْضَلَ مِنَ الْكَنْزِ وَالْبُسْتَانِ الَّذِي ذَكَرُوا، وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَعْنِي خَيْرًا مِنَ الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالتَّمَاسِ الْمَعَاشِ [[ذكر الطبري القولين: (١٨ / ١٨٥) ورجح قول مجاهد الأول، لأن المشركين استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها، وأن لا يلقى إليه كنز، واستنكروا أن يمشي في الأسواق، وهو لله رسول، فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير ما كان عند المشركين عظيما، لا مما كان منكرا عندهم.]] . ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ فَقَالَ: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ بُيُوتًا مُشَيَّدَةً، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بَيْتٍ مُشَيَّدٍ قَصْرًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "وَيَجْعَلُ" بِرَفْعِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَزْمِهَا عَلَى مَحَلُّ الْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ: "إِنْ شَاءَ جَعْلَ لَكَ".
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُخْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَرْضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، وَقَالَ ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ" [[أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه: ٧ / ١٤، وقال: "هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث ويكنى أبا عبد الملك".
وأخرجه ابن ماجه في الزهد، باب من لا يؤبه له: ٢ / ١٣٧٩، وقال في الزوائد: "إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، وصدقه بن عبد الله متفق على تضعيفه". ورواه الإمام أحمد: ٢ / ٢٥٢ و٥ / ٢٥٤ وابن سعد في الطبقات: ١ / ٣٨١، وأبو نعيم في الحلية: ٨ / ١٣٣.]] .
حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرِ الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالِحَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الشَّيْخِ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مِعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ يَعْنِي الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِيَ جِبَالُ الذَّهَبِ، جَاءَنِي مَلَكٌ إِنَّ حُجْزَتَهُ لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ، فَقُلْتُ: نَبِيًّا عَبْدًا" قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا يَقُولُ: "آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ" [[قال الهيثمي: (٩ / ١٩) : "رواه أبو يعلى وإسناده حسن"، وعبد الرزاق: ١٠ / ٤١٧، وأخرج القطعة الأولى منه الخطيب في تاريخ بغداد: ١١/١٠٢، والثانية: "إنما أنا عبد.." أخرجها عبد الرزاق في الجامع عن معمر: ١٠ / ٤١٧، والإمام أحمد في الزهد ص (٥) ، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٢٤٨.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ بِالْقِيَامَةِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ نَارًا مُسْتَعِرَةً.
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: مِنْ مَسِيرَةِ عَامٍ. وَقِيلَ: مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ سَنَةٍ. وَقِيلَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا". قَالُوا: وَهَلْ لَهَا مِنْ عَيْنَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَلَمْ تَسْتَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [[عزاه السيوطي: ٦ / ٢٣٨ للطبراني وابن مردويه، وأخرجه الطبري بلفظ: "من يقول علي ما لم أقل.." ١٨ / ١٨٧.]] وَقِيلَ إِذَا رَأَتْهُمْ زَبَانِيَتُهَا.
﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ غَلَيَانًا، كَالْغَضْبَانِ إِذَا غَلَى صَدْرُهُ مِنَ الْغَضَبِ.
﴿وَزَفِيرًا﴾ صَوْتًا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْمَعُ التَّغَيُّظَ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ رَأَوْا وَعَلِمُوا أَنَّ لَهَا تَغَيُّظًا وَسَمِعُوا لَهَا زَفِيرًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
أَيْ وَحَامِلًا رُمْحًا [[هذا أحد التخريجين، والثاني: تضمين "متقلدا" معنى "متسلحا"، فكذلك الآية، أي: سمعوا لها ورأوا تغيظا وزفيرا، أو ضمن معنى أدركوا، فيشمل التغيظ والزفير. انظر البحر المحيط: ٦ / ٤٨٥.]] . وَقِيلَ: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا، أَيْ: صَوْتَ التَّغَيُّظِ مِنَ التَّلَهُّبِ وَالتَّوَقُّدِ، قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: تَزْفُرُ جَهَنَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَفْرَةً فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا خَرَّ لِوَجْهِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ بِالْقِيَامَةِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ نَارًا مُسْتَعِرَةً.
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: مِنْ مَسِيرَةِ عَامٍ. وَقِيلَ: مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ سَنَةٍ. وَقِيلَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا". قَالُوا: وَهَلْ لَهَا مِنْ عَيْنَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَلَمْ تَسْتَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [[عزاه السيوطي: ٦ / ٢٣٨ للطبراني وابن مردويه، وأخرجه الطبري بلفظ: "من يقول علي ما لم أقل.." ١٨ / ١٨٧.]] وَقِيلَ إِذَا رَأَتْهُمْ زَبَانِيَتُهَا.
﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ غَلَيَانًا، كَالْغَضْبَانِ إِذَا غَلَى صَدْرُهُ مِنَ الْغَضَبِ.
﴿وَزَفِيرًا﴾ صَوْتًا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْمَعُ التَّغَيُّظَ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ رَأَوْا وَعَلِمُوا أَنَّ لَهَا تَغَيُّظًا وَسَمِعُوا لَهَا زَفِيرًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
أَيْ وَحَامِلًا رُمْحًا [[هذا أحد التخريجين، والثاني: تضمين "متقلدا" معنى "متسلحا"، فكذلك الآية، أي: سمعوا لها ورأوا تغيظا وزفيرا، أو ضمن معنى أدركوا، فيشمل التغيظ والزفير. انظر البحر المحيط: ٦ / ٤٨٥.]] . وَقِيلَ: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا، أَيْ: صَوْتَ التَّغَيُّظِ مِنَ التَّلَهُّبِ وَالتَّوَقُّدِ، قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: تَزْفُرُ جَهَنَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَفْرَةً فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا خَرَّ لِوَجْهِهِ.
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يَضِيقُ الزُّجُّ [[الزج: حديدة في أسفل الرمح.]] . فِي الرُّمْحِ، ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مُصَفَّدِينَ قَدْ قُرِنَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَغْلَالِ. وَقِيلَ: مُقَرَّنِينَ مَعَ الشَّيَاطِينِ فِي السَّلَاسِلِ، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْلًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هَلَاكًا، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إِبْلِيسُ، فَيَضَعُهَا عَلَى حَاجِبَيْهِ وَيَسْحَبُهَا مِنْ خَلْفِهِ، وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا ثُبُورَاهُ، وَهُمْ يُنَادُونَ: يَا ثُبُورَهُمْ، حَتَّى يَقِفُوا عَلَى النَّارِ فَيُنَادُونَ: يَا ثُبُورَاهُ، وَيُنَادِي: يَا ثُبُورَهُمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ [[أخرجه الطبري: ١٨ / ١٨٨، وعبد بن حميد في المنتخب ص (٣٦٨) ، والإمام أحمد في المسند: ٣ / ١٥٢-١٥٣. وفي سنده علي بن زيد، وعزاه السيوطي لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث" بسند صحيح، عن أنس مرفوعا. انظر: الدر المنثور: ٦ / ٢٤٠، تفسير القرطبي: ١٣ / ٨، ابن كثير: ٣ / ٣١٢.]] ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ٤٥/أقِيلَ: أَيْ هَلَاكُكُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَدْعُوا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَادْعُوا أَدْعِيَةً كَثِيرَةً.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا، ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾ ثَوَابًا، ﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا.
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يَضِيقُ الزُّجُّ [[الزج: حديدة في أسفل الرمح.]] . فِي الرُّمْحِ، ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مُصَفَّدِينَ قَدْ قُرِنَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَغْلَالِ. وَقِيلَ: مُقَرَّنِينَ مَعَ الشَّيَاطِينِ فِي السَّلَاسِلِ، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْلًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هَلَاكًا، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إِبْلِيسُ، فَيَضَعُهَا عَلَى حَاجِبَيْهِ وَيَسْحَبُهَا مِنْ خَلْفِهِ، وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا ثُبُورَاهُ، وَهُمْ يُنَادُونَ: يَا ثُبُورَهُمْ، حَتَّى يَقِفُوا عَلَى النَّارِ فَيُنَادُونَ: يَا ثُبُورَاهُ، وَيُنَادِي: يَا ثُبُورَهُمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ [[أخرجه الطبري: ١٨ / ١٨٨، وعبد بن حميد في المنتخب ص (٣٦٨) ، والإمام أحمد في المسند: ٣ / ١٥٢-١٥٣. وفي سنده علي بن زيد، وعزاه السيوطي لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث" بسند صحيح، عن أنس مرفوعا. انظر: الدر المنثور: ٦ / ٢٤٠، تفسير القرطبي: ١٣ / ٨، ابن كثير: ٣ / ٣١٢.]] ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ٤٥/أقِيلَ: أَيْ هَلَاكُكُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَدْعُوا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَادْعُوا أَدْعِيَةً كَثِيرَةً.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا، ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾ ثَوَابًا، ﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا.
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يَضِيقُ الزُّجُّ [[الزج: حديدة في أسفل الرمح.]] . فِي الرُّمْحِ، ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مُصَفَّدِينَ قَدْ قُرِنَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَغْلَالِ. وَقِيلَ: مُقَرَّنِينَ مَعَ الشَّيَاطِينِ فِي السَّلَاسِلِ، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْلًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هَلَاكًا، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إِبْلِيسُ، فَيَضَعُهَا عَلَى حَاجِبَيْهِ وَيَسْحَبُهَا مِنْ خَلْفِهِ، وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا ثُبُورَاهُ، وَهُمْ يُنَادُونَ: يَا ثُبُورَهُمْ، حَتَّى يَقِفُوا عَلَى النَّارِ فَيُنَادُونَ: يَا ثُبُورَاهُ، وَيُنَادِي: يَا ثُبُورَهُمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ [[أخرجه الطبري: ١٨ / ١٨٨، وعبد بن حميد في المنتخب ص (٣٦٨) ، والإمام أحمد في المسند: ٣ / ١٥٢-١٥٣. وفي سنده علي بن زيد، وعزاه السيوطي لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث" بسند صحيح، عن أنس مرفوعا. انظر: الدر المنثور: ٦ / ٢٤٠، تفسير القرطبي: ١٣ / ٨، ابن كثير: ٣ / ٣١٢.]] ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ٤٥/أقِيلَ: أَيْ هَلَاكُكُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَدْعُوا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَادْعُوا أَدْعِيَةً كَثِيرَةً.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا، ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾ ثَوَابًا، ﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا.
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ مَطْلُوبًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلُوا رَبَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ قَالُوا: "رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ" [آل عمران: ١٩٤] ، يَقُولُ: كَانَ أَعْطَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ جَنَّةَ خُلْدٍ وَعْدًا، وَعَدَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَمَسْأَلَتُهُمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الطَّلَبُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ" [غافر: ٨] .
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَحَفْصٌ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْأَصْنَامَ، ثُمَّ يُخَاطِبُهُمْ ﴿فَيَقُولُ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالنُّونِ وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أَخْطَأُوا الطَّرِيقَ.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ، ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ يَعْنِي: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُوَالِيَ أَعْدَاءَكَ، بَلْ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ. وَقِيلَ: مَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِنَا وَنَحْنُ نَعْبُدُكَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ "أَنْ نُتَّخَذَ" بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، فَتَكُونُ "مِنْ" الثَّانِي صِلَةٌ.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ فِي الدُّنْيَا بِطُولِ الْعُمْرِ وَالصِّحَّةِ وَالنِّعْمَةِ، ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تَرَكُوا الْمَوْعِظَةَ وَالْإِيمَانَ بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: تَرَكُوا ذِكْرَكَ وَغَفَلُوا عَنْهُ، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ يَعْنِي هَلْكَى غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ وَالْخِذْلَانُ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بَائِرٌ، وَقَوْمٌ بُورٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَوَارِ وَهُوَ الْكَسَادُ وَالْفَسَادُ، وَمِنْهُ بَوَارُ السِّلْعَةِ وَهُوَ كَسَادُهَا. وَقِيلَ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ كَالزُّورِ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكِّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: كَذَّبَكُمُ الْمَعْبُودُونَ، ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ إِنَّهُمْ آلِهَةٌ، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قَرَأَ حَفْصٌ بِالتَّاءِ يَعْنِي الْعَابِدِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ يَعْنِي: الْآلِهَةُ.
﴿صَرْفًا﴾ يَعْنِي: صَرْفًا مِنَ الْعَذَابِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ يَعْنِي: وَلَا نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ. وَقِيلَ: وَلَا نَصْرَكُمْ أَيُّهَا الْعَابِدُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ. وَقِيلَ: "الصَّرْفُ": الْحِيلَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: إِنَّهُ لِيَصْرِفَ، أَيْ: يَحْتَالُ، ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ يُشْرِكْ، ﴿مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ مَطْلُوبًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلُوا رَبَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ قَالُوا: "رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ" [آل عمران: ١٩٤] ، يَقُولُ: كَانَ أَعْطَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ جَنَّةَ خُلْدٍ وَعْدًا، وَعَدَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَمَسْأَلَتُهُمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الطَّلَبُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ" [غافر: ٨] .
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَحَفْصٌ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْأَصْنَامَ، ثُمَّ يُخَاطِبُهُمْ ﴿فَيَقُولُ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالنُّونِ وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أَخْطَأُوا الطَّرِيقَ.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ، ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ يَعْنِي: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُوَالِيَ أَعْدَاءَكَ، بَلْ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ. وَقِيلَ: مَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِنَا وَنَحْنُ نَعْبُدُكَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ "أَنْ نُتَّخَذَ" بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، فَتَكُونُ "مِنْ" الثَّانِي صِلَةٌ.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ فِي الدُّنْيَا بِطُولِ الْعُمْرِ وَالصِّحَّةِ وَالنِّعْمَةِ، ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تَرَكُوا الْمَوْعِظَةَ وَالْإِيمَانَ بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: تَرَكُوا ذِكْرَكَ وَغَفَلُوا عَنْهُ، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ يَعْنِي هَلْكَى غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ وَالْخِذْلَانُ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بَائِرٌ، وَقَوْمٌ بُورٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَوَارِ وَهُوَ الْكَسَادُ وَالْفَسَادُ، وَمِنْهُ بَوَارُ السِّلْعَةِ وَهُوَ كَسَادُهَا. وَقِيلَ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ كَالزُّورِ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكِّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: كَذَّبَكُمُ الْمَعْبُودُونَ، ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ إِنَّهُمْ آلِهَةٌ، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قَرَأَ حَفْصٌ بِالتَّاءِ يَعْنِي الْعَابِدِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ يَعْنِي: الْآلِهَةُ.
﴿صَرْفًا﴾ يَعْنِي: صَرْفًا مِنَ الْعَذَابِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ يَعْنِي: وَلَا نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ. وَقِيلَ: وَلَا نَصْرَكُمْ أَيُّهَا الْعَابِدُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ. وَقِيلَ: "الصَّرْفُ": الْحِيلَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: إِنَّهُ لِيَصْرِفَ، أَيْ: يَحْتَالُ، ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ يُشْرِكْ، ﴿مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ مَطْلُوبًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلُوا رَبَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ قَالُوا: "رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ" [آل عمران: ١٩٤] ، يَقُولُ: كَانَ أَعْطَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ جَنَّةَ خُلْدٍ وَعْدًا، وَعَدَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَمَسْأَلَتُهُمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الطَّلَبُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ" [غافر: ٨] .
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَحَفْصٌ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْأَصْنَامَ، ثُمَّ يُخَاطِبُهُمْ ﴿فَيَقُولُ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالنُّونِ وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أَخْطَأُوا الطَّرِيقَ.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ، ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ يَعْنِي: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُوَالِيَ أَعْدَاءَكَ، بَلْ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ. وَقِيلَ: مَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِنَا وَنَحْنُ نَعْبُدُكَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ "أَنْ نُتَّخَذَ" بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، فَتَكُونُ "مِنْ" الثَّانِي صِلَةٌ.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ فِي الدُّنْيَا بِطُولِ الْعُمْرِ وَالصِّحَّةِ وَالنِّعْمَةِ، ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تَرَكُوا الْمَوْعِظَةَ وَالْإِيمَانَ بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: تَرَكُوا ذِكْرَكَ وَغَفَلُوا عَنْهُ، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ يَعْنِي هَلْكَى غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ وَالْخِذْلَانُ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بَائِرٌ، وَقَوْمٌ بُورٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَوَارِ وَهُوَ الْكَسَادُ وَالْفَسَادُ، وَمِنْهُ بَوَارُ السِّلْعَةِ وَهُوَ كَسَادُهَا. وَقِيلَ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ كَالزُّورِ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكِّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: كَذَّبَكُمُ الْمَعْبُودُونَ، ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ إِنَّهُمْ آلِهَةٌ، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قَرَأَ حَفْصٌ بِالتَّاءِ يَعْنِي الْعَابِدِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ يَعْنِي: الْآلِهَةُ.
﴿صَرْفًا﴾ يَعْنِي: صَرْفًا مِنَ الْعَذَابِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ يَعْنِي: وَلَا نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ. وَقِيلَ: وَلَا نَصْرَكُمْ أَيُّهَا الْعَابِدُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ. وَقِيلَ: "الصَّرْفُ": الْحِيلَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: إِنَّهُ لِيَصْرِفَ، أَيْ: يَحْتَالُ، ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ يُشْرِكْ، ﴿مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ مَطْلُوبًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلُوا رَبَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ قَالُوا: "رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ" [آل عمران: ١٩٤] ، يَقُولُ: كَانَ أَعْطَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ جَنَّةَ خُلْدٍ وَعْدًا، وَعَدَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَمَسْأَلَتُهُمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الطَّلَبُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ" [غافر: ٨] .
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ، وَحَفْصٌ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْأَصْنَامَ، ثُمَّ يُخَاطِبُهُمْ ﴿فَيَقُولُ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالنُّونِ وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أَخْطَأُوا الطَّرِيقَ.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ نَزَّهُوا اللَّهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ، ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ يَعْنِي: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُوَالِيَ أَعْدَاءَكَ، بَلْ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ. وَقِيلَ: مَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِنَا وَنَحْنُ نَعْبُدُكَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ "أَنْ نُتَّخَذَ" بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، فَتَكُونُ "مِنْ" الثَّانِي صِلَةٌ.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ فِي الدُّنْيَا بِطُولِ الْعُمْرِ وَالصِّحَّةِ وَالنِّعْمَةِ، ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تَرَكُوا الْمَوْعِظَةَ وَالْإِيمَانَ بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: تَرَكُوا ذِكْرَكَ وَغَفَلُوا عَنْهُ، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ يَعْنِي هَلْكَى غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ وَالْخِذْلَانُ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بَائِرٌ، وَقَوْمٌ بُورٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَوَارِ وَهُوَ الْكَسَادُ وَالْفَسَادُ، وَمِنْهُ بَوَارُ السِّلْعَةِ وَهُوَ كَسَادُهَا. وَقِيلَ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ كَالزُّورِ، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكِّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: كَذَّبَكُمُ الْمَعْبُودُونَ، ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ إِنَّهُمْ آلِهَةٌ، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قَرَأَ حَفْصٌ بِالتَّاءِ يَعْنِي الْعَابِدِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ يَعْنِي: الْآلِهَةُ.
﴿صَرْفًا﴾ يَعْنِي: صَرْفًا مِنَ الْعَذَابِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ يَعْنِي: وَلَا نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ. وَقِيلَ: وَلَا نَصْرَكُمْ أَيُّهَا الْعَابِدُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ. وَقِيلَ: "الصَّرْفُ": الْحِيلَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: إِنَّهُ لِيَصْرِفَ، أَيْ: يَحْتَالُ، ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ يُشْرِكْ، ﴿مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا عَيَّرَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ [[أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (٣٨٣-٣٨٤) مطولا، وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. انظر: الدر المنثور: ٦ / ٢٣٧.]] . يَعْنِي: مَا أَنَا إِلَّا رَسُولٌ وَمَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وَهُمْ كَانُوا بَشَرًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا قِيلَ لَهُمْ مِثْلَ هَذَا أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: "مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ" [فصلت: ٤٣] .
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أَيْ بَلِيَّةً، فَالْغَنِيُّ فِتْنَةً لِلْفَقِيرِ، يَقُولُ الْفَقِيرَ: مَا لِي لَمْ أَكُنْ مَثَلَهُ؟ وَالصَّحِيحُ فِتْنَةً لِلْمَرِيضِ، وَالشَّرِيفُ فِتْنَةً لِلْوَضِيعِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ بَلَاءً لِبَعْضٍ لِتَصْبِرُوا عَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِنْهُمْ، وَتَرَوْنَ مِنْ خِلَافِهِمْ، وَتَتْبَعُوا الْهُدَى. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي ابْتِلَاءِ الشَّرِيفِ بِالْوَضِيعِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيفَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ فَرَأَى الْوَضِيعَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ أَنِفَ، وَقَالَ: أُسْلِمُ بَعْدَهُ فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السَّابِقَةَ وَالْفَضْلَ؟! فَيُقِيمُ عَلَى كُفْرِهِ وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَذَلِكَ افْتِتَانُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ [[البحر المحيط: ٦ / ٤٩١، وقال: والأولى أن قوله: "وجعلنا بعضكم لبعض فتنة" يشمل معاني هذه الألفاظ كلها، لأن بين الجميع قدرا مشتركا.]] وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَالْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَبَا ذَرٍّ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارًا، وَبِلَالًا وَصُهَيْبًا، وَعَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، وَذَوِيهِمْ، قَالُوا: نُسْلِمُ فَنَكُونُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ؟. وَقَالَ: نَزَلَتْ فِي ابْتِلَاءِ فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُسْتَهْزِئِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا يَقُولُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا مِنْ مَوَالِينَا وَأَرَاذِلِنَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مِنَ الْفَقْرِ وَالشِّدَّةِ وَالْأَذَى.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بِمَنْ صَبَرَ وَبِمَنْ جَزِعَ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُبَلِّغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْجِسْمِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ دُونَهُ فِي الْمَالِ وَالْجِسْمِ" [[أخرجه البخاري في الرقاق، باب لينظر إلى من هو أسفل منه: ١١ / ٣٢٢، ومسلم في الزهد برقم (٢٩٦٣) : ١٤ / ٢٩٢، والمصنف في شرح السنة ١٤ / ٢٩٢.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أَيْ: لَا يَخَافُونَ الْبَعْثَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: "الرَّجَاءُ" بِمَعْنَى الْخَوْفِ، لُغَةُ تِهَامَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] ، أَيْ: لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فَتُخْبِرُنَا أَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ فَيُخْبِرُنَا بِذَلِكَ.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أَيْ: تَعَظَّمُوا.
﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: "عَتَوْا" طَغَوْا فِي الْقَوْلِ وَ"الْعُتُّوُّ": أَشَدُّ الْكُفْرِ وَأَفْحَشُ الظُّلْمِ، وَعُتُوُّهُمْ طَلَبُهُمْ رُؤْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِهِ.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: فِي الْقِيَامَةِ.
﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ لِلْكَافِرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُبَشِّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَقُولُونَ لِلْكُفَّارِ: لَا بُشْرَى لَكُمْ، هَكَذَا قَالَ عَطِيَّةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُشْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُجْرِمِينَ، أَيْ: لَا بِشَارَةَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، كَمَا يُبَشَّرُ الْمُؤْمِنُونَ.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ حَرَامًا مُحَرَّمًا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا خَرَجَ الْكُفَّارُ مِنْ قُبُورِهِمْ قَالَتْ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ حرامًا محرمًا ٤٥/ب عَلَيْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَكُمُ الْبُشْرَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا قَوْلُ الْكُفَّارِ لِلْمَلَائِكَةِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ رَأَوْا مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا حِجْرًا مَحْجُورًا، فَهُمْ يقولونه إذا عينوا الْمَلَائِكَةَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي عَوْذًا مُعَاذًا، يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [[ذكر الطبري هذه الأقوال واختار منها أن الملائكة يقولون للمجرمين: حجرا محجورا، حراما محرما عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم من الله. انظر: تفسير الطبري: ١٩ / ٢-٣.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أَيْ: لَا يَخَافُونَ الْبَعْثَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: "الرَّجَاءُ" بِمَعْنَى الْخَوْفِ، لُغَةُ تِهَامَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] ، أَيْ: لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فَتُخْبِرُنَا أَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ فَيُخْبِرُنَا بِذَلِكَ.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أَيْ: تَعَظَّمُوا.
﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: "عَتَوْا" طَغَوْا فِي الْقَوْلِ وَ"الْعُتُّوُّ": أَشَدُّ الْكُفْرِ وَأَفْحَشُ الظُّلْمِ، وَعُتُوُّهُمْ طَلَبُهُمْ رُؤْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِهِ.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: فِي الْقِيَامَةِ.
﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ لِلْكَافِرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُبَشِّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَقُولُونَ لِلْكُفَّارِ: لَا بُشْرَى لَكُمْ، هَكَذَا قَالَ عَطِيَّةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُشْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُجْرِمِينَ، أَيْ: لَا بِشَارَةَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، كَمَا يُبَشَّرُ الْمُؤْمِنُونَ.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ حَرَامًا مُحَرَّمًا أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا خَرَجَ الْكُفَّارُ مِنْ قُبُورِهِمْ قَالَتْ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ حرامًا محرمًا ٤٥/ب عَلَيْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَكُمُ الْبُشْرَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا قَوْلُ الْكُفَّارِ لِلْمَلَائِكَةِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ رَأَوْا مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا حِجْرًا مَحْجُورًا، فَهُمْ يقولونه إذا عينوا الْمَلَائِكَةَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي عَوْذًا مُعَاذًا، يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [[ذكر الطبري هذه الأقوال واختار منها أن الملائكة يقولون للمجرمين: حجرا محجورا، حراما محرما عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم من الله. انظر: تفسير الطبري: ١٩ / ٢-٣.]] .
﴿وَقَدِمْنَا﴾ وَعَمَدْنَا، ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ أَيْ: بَاطِلًا لَا ثَوَابَ لَهُ، فَهُمْ لَمْ يَعْمَلُوهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَاخْتَلَفُوا فِي "الْهَبَاءِ"، قَالَ عَلَيٌّ" هُوَ مَا يُرَى فِي الْكُوَّةِ إِذَا وَقَعَ ضَوْءُ الشَّمْسِ فِيهَا كَالْغُبَارِ، وَلَا يَمَسُّ بِالْأَيْدِي، وَلَا يْرَى فِي الظِّلِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدِ، وَ"الْمَنْثُورُ": الْمُتَفَرِّقُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ مَا تَسَفِّيهِ الرِّيَاحُ وَتَذْرِيهِ مِنَ التُّرَابِ وَحُطَامِ الشَّجَرِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مَا يَسْطَعُ مِنْ حَوَافِرِ الدَّوَابِّ عِنْدَ السَّيْرِ. وَقِيلَ: "الْهَبَاءُ الْمَنْثُورُ": مَا يُرَى فِي الْكُوَّةِ، وَ"الْهَبَاءُ الْمُنْبَثُّ": هُوَ مَا تُطَيِّرُهُ الرِّيَاحُ مِنْ سَنَابِكِ الْخَيْلِ [[انظر هذه الأقوال في الطبري: ١٩ / ٤-٥، الدر المنثور: ٦ / ٢٤٦، زاد المسير: ٦ / ٨٣. وقال ابن كثير رحمه الله (٣ / ٣١٥) : "وحاصل هذه الأقوال: التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحَكَم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، إذا أنها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية، كما قال تعالى: "مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح". وقال أيضا: "أخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين -من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم- شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي؛ إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ".]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أَيْ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ، ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ مَوْضِعَ قَائِلَةٍ، يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَمُرُّ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا قَدْرَ النَّهَارِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى وَقْتِ الْقَائِلَةِ حَتَّى يَسْكُنُوا مَسَاكِنَهُمْ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقِيلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ، وَقَرَأَ "ثُمَّ إِنَّ مَقِيلَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ" هَكَذَا كَانَ يَقْرَأُ [[الطبري: ١٩ / ٥.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْحِسَابُ ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي أَوَّلِهِ، وَقَالَ الْقَوْمُ حِينَ قَالُوا فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: "الْقَيْلُولَةُ" وَ"الْمَقِيلُ": الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفُ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "وَأَحْسَنُ مَقِيلًا"، وَالْجَنَّةُ لَا نَوْمَ فِيهَا. وَيُرْوَى أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقْصَرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ كَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ [[أخرجه ابن جرير: ١٩ / ٥ عن سعيد الصواف أنه بلغه أن يوم القيامة ... إلخ.]] .
﴿وَقَدِمْنَا﴾ وَعَمَدْنَا، ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ أَيْ: بَاطِلًا لَا ثَوَابَ لَهُ، فَهُمْ لَمْ يَعْمَلُوهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَاخْتَلَفُوا فِي "الْهَبَاءِ"، قَالَ عَلَيٌّ" هُوَ مَا يُرَى فِي الْكُوَّةِ إِذَا وَقَعَ ضَوْءُ الشَّمْسِ فِيهَا كَالْغُبَارِ، وَلَا يَمَسُّ بِالْأَيْدِي، وَلَا يْرَى فِي الظِّلِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدِ، وَ"الْمَنْثُورُ": الْمُتَفَرِّقُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ مَا تَسَفِّيهِ الرِّيَاحُ وَتَذْرِيهِ مِنَ التُّرَابِ وَحُطَامِ الشَّجَرِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مَا يَسْطَعُ مِنْ حَوَافِرِ الدَّوَابِّ عِنْدَ السَّيْرِ. وَقِيلَ: "الْهَبَاءُ الْمَنْثُورُ": مَا يُرَى فِي الْكُوَّةِ، وَ"الْهَبَاءُ الْمُنْبَثُّ": هُوَ مَا تُطَيِّرُهُ الرِّيَاحُ مِنْ سَنَابِكِ الْخَيْلِ [[انظر هذه الأقوال في الطبري: ١٩ / ٤-٥، الدر المنثور: ٦ / ٢٤٦، زاد المسير: ٦ / ٨٣. وقال ابن كثير رحمه الله (٣ / ٣١٥) : "وحاصل هذه الأقوال: التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحَكَم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، إذا أنها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية، كما قال تعالى: "مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح". وقال أيضا: "أخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين -من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم- شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي؛ إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ".]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أَيْ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ، ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ مَوْضِعَ قَائِلَةٍ، يَعْنِي: أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَمُرُّ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا قَدْرَ النَّهَارِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى وَقْتِ الْقَائِلَةِ حَتَّى يَسْكُنُوا مَسَاكِنَهُمْ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقِيلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ، وَقَرَأَ "ثُمَّ إِنَّ مَقِيلَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ" هَكَذَا كَانَ يَقْرَأُ [[الطبري: ١٩ / ٥.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْحِسَابُ ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي أَوَّلِهِ، وَقَالَ الْقَوْمُ حِينَ قَالُوا فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْجَنَّةِ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: "الْقَيْلُولَةُ" وَ"الْمَقِيلُ": الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفُ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "وَأَحْسَنُ مَقِيلًا"، وَالْجَنَّةُ لَا نَوْمَ فِيهَا. وَيُرْوَى أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقْصَرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ كَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ [[أخرجه ابن جرير: ١٩ / ٥ عن سعيد الصواف أنه بلغه أن يوم القيامة ... إلخ.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أَيْ: عَنِ الْغَمَامِ، الْبَاءُ وَعَنْ يَتَعَاقَبَانِ، كَمَا يُقَالُ: رَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ وَبِالْقَوْسِ، وَتَشَقَّقُ بِمَعْنَى تَتَشَقَّقُ، أَدْغَمُوا إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ هَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ "ق" بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: تَتَّشِقُ بِالْغَمَامِ، وَهُوَ غَمَامٌ أَبْيَضٌ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ.
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَ"نُنْزِلُ" بِنُونَيْنِ خَفِيفٌ وَرَفْعُ اللَّامِ، "الْمَلَائِكَةَ" نَصْبٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ الدُّنْيَا فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا، وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا، وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ وَأَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ يَزِيدُونَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا، ثُمَّ يَنْزِلُ الْكَرُوبِيُّونَ ثُمَّ حَمَلَةُ الْعَرْشِ [[انظر: الطبري ١٩ / ٦-٧، الدر المنثور: ٦ / ٢٤٨-٢٤٩، ابن كثير: ٣ / ٢١٧.]] .
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أَيْ: [الْمُلْكُ] [[ساقط من "أ".]] الَّذِي هُوَ الْمُلْكُ الْحَقُّ حَقًّا مُلْكُ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا مُلْكَ يُقْضَى غَيْرُهُ.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ شَدِيدًا، فَهَذَا الْخِطَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ عَسِيرًا، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَنَّهُ يُهَوِّنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِمْ أَخَفَّ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّوْهَا فِي الدُّنْيَا" [[رواه الإمام أحمد في المسند: ٣ / ٧٥، وقال الهيثمي في المجمع: (١٠ / ٣٣٧) : "رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن على ضعف في رواية". فيه: دراج أبو السمح عن أبي الهيثم، وابن لهيعة، وفيهم ضعف. وانظر: تفسير ابن كثير: ٣ / ٣١٧.]] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ أَرَادَ بِالظَّالِمِ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيطٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عُقْبَةَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا إِلَيْهِ أَشْرَافَ قَوْمِهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدِمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ سَفَرٍ فَصَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا النَّاسَ وَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَرَّبَ الطَّعَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَنَا بِآكِلٍ طَعَامَكَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ" فَقَالَ عُقْبَةُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَعَامِهِ، وَكَانَ عُقْبَةُ صَدِيقًا لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، فَلَمَّا أَخْبَرَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ قَالَ لَهُ: يَا عُقْبَةُ صَبَأْتَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا صَبَأْتُ، وَلَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ طَعَامِي إِلَّا أَنْ أَشْهَدَ لَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي وَلَمْ يَطْعَمْ، فَشَهِدَتُ لَهُ فَطَعَمَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَرْضَى عَنْكَ أَبَدًا إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ فِي وَجْهِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عُقْبَةُ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا أَلْقَاكَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ إِلَّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ" فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا. وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقَتْلَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِيَدِهِ [[أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في "الدلائل" بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. الدر المنثور: ٦ / ٢٥٠، الفتح السماوي للمناوي: ٢ / ٨٨٠، أسباب النزول للواحدي ص (٣٨٥) .]]
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا بَزَقَ عُقْبَةُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَادَ بُزَاقُهُ فِي وَجْهِهِ فَاحْتَرَقَ خَدَّاهُ، وَكَانَ أَثَرُ ذَلِكَ فِيهِ حَتَّى الْمَوْتِ [[أسباب النزول للواحدي ص (٣٨٦) ، القرطبي: ١٣ / ٢٦.]] . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ [[أسباب النزول ص (٣٨٥) ، الطبري: ١٩ / ٨ باختصار.]] كَانَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مَعِيطٍ خَلِيلَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَأَسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ أَنْ بَايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وَارْتَدَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ" يَعْنِي: عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيطِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ مَنَافٍ "عَلَى يَدَيْهِ" نَدَمًا وَأَسَفًا عَلَى مَا فَرَّطَ فِي جَنْبِ اللَّهِ، وَأَوْبَقَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ بِطَاعَةِ خَلِيلِهِ الَّذِي صَدَّهُ عَنْ سَبِيلِ رَبِّهِ. قَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ حَتَّى تَبْلُغَ مِرْفَقَيْهِ ثُمَّ تَنْبُتَانِ، ثُمَّ يَأْكُلُ هَكَذَا، كُلَّمَا نَبَتَتْ يَدُهُ أَكَلَهَا تَحَسُّرًا عَلَى مَا فعل.
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ فِي الدُّنْيَا، ﴿مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَاتَّخَذْتُ مَعَهُ سَبِيلًا إِلَى الْهُدَى. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: "يَا لَيْتَنِيَ اتَّخَذْتُ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، والآخرون بإسكانها.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أَيْ: عَنِ الْغَمَامِ، الْبَاءُ وَعَنْ يَتَعَاقَبَانِ، كَمَا يُقَالُ: رَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ وَبِالْقَوْسِ، وَتَشَقَّقُ بِمَعْنَى تَتَشَقَّقُ، أَدْغَمُوا إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ هَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ "ق" بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: تَتَّشِقُ بِالْغَمَامِ، وَهُوَ غَمَامٌ أَبْيَضٌ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ.
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَ"نُنْزِلُ" بِنُونَيْنِ خَفِيفٌ وَرَفْعُ اللَّامِ، "الْمَلَائِكَةَ" نَصْبٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ الدُّنْيَا فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا، وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا، وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ وَأَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ يَزِيدُونَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا، ثُمَّ يَنْزِلُ الْكَرُوبِيُّونَ ثُمَّ حَمَلَةُ الْعَرْشِ [[انظر: الطبري ١٩ / ٦-٧، الدر المنثور: ٦ / ٢٤٨-٢٤٩، ابن كثير: ٣ / ٢١٧.]] .
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أَيْ: [الْمُلْكُ] [[ساقط من "أ".]] الَّذِي هُوَ الْمُلْكُ الْحَقُّ حَقًّا مُلْكُ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا مُلْكَ يُقْضَى غَيْرُهُ.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ شَدِيدًا، فَهَذَا الْخِطَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ عَسِيرًا، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَنَّهُ يُهَوِّنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِمْ أَخَفَّ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّوْهَا فِي الدُّنْيَا" [[رواه الإمام أحمد في المسند: ٣ / ٧٥، وقال الهيثمي في المجمع: (١٠ / ٣٣٧) : "رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن على ضعف في رواية". فيه: دراج أبو السمح عن أبي الهيثم، وابن لهيعة، وفيهم ضعف. وانظر: تفسير ابن كثير: ٣ / ٣١٧.]] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ أَرَادَ بِالظَّالِمِ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيطٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عُقْبَةَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا إِلَيْهِ أَشْرَافَ قَوْمِهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدِمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ سَفَرٍ فَصَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا النَّاسَ وَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَرَّبَ الطَّعَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَنَا بِآكِلٍ طَعَامَكَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ" فَقَالَ عُقْبَةُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَعَامِهِ، وَكَانَ عُقْبَةُ صَدِيقًا لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، فَلَمَّا أَخْبَرَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ قَالَ لَهُ: يَا عُقْبَةُ صَبَأْتَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا صَبَأْتُ، وَلَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ طَعَامِي إِلَّا أَنْ أَشْهَدَ لَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي وَلَمْ يَطْعَمْ، فَشَهِدَتُ لَهُ فَطَعَمَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَرْضَى عَنْكَ أَبَدًا إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ فِي وَجْهِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عُقْبَةُ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا أَلْقَاكَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ إِلَّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ" فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا. وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقَتْلَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِيَدِهِ [[أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في "الدلائل" بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. الدر المنثور: ٦ / ٢٥٠، الفتح السماوي للمناوي: ٢ / ٨٨٠، أسباب النزول للواحدي ص (٣٨٥) .]]
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا بَزَقَ عُقْبَةُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَادَ بُزَاقُهُ فِي وَجْهِهِ فَاحْتَرَقَ خَدَّاهُ، وَكَانَ أَثَرُ ذَلِكَ فِيهِ حَتَّى الْمَوْتِ [[أسباب النزول للواحدي ص (٣٨٦) ، القرطبي: ١٣ / ٢٦.]] . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ [[أسباب النزول ص (٣٨٥) ، الطبري: ١٩ / ٨ باختصار.]] كَانَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مَعِيطٍ خَلِيلَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَأَسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ أَنْ بَايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وَارْتَدَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ" يَعْنِي: عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيطِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ مَنَافٍ "عَلَى يَدَيْهِ" نَدَمًا وَأَسَفًا عَلَى مَا فَرَّطَ فِي جَنْبِ اللَّهِ، وَأَوْبَقَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ بِطَاعَةِ خَلِيلِهِ الَّذِي صَدَّهُ عَنْ سَبِيلِ رَبِّهِ. قَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ حَتَّى تَبْلُغَ مِرْفَقَيْهِ ثُمَّ تَنْبُتَانِ، ثُمَّ يَأْكُلُ هَكَذَا، كُلَّمَا نَبَتَتْ يَدُهُ أَكَلَهَا تَحَسُّرًا عَلَى مَا فعل.
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ فِي الدُّنْيَا، ﴿مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَاتَّخَذْتُ مَعَهُ سَبِيلًا إِلَى الْهُدَى. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: "يَا لَيْتَنِيَ اتَّخَذْتُ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، والآخرون بإسكانها.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أَيْ: عَنِ الْغَمَامِ، الْبَاءُ وَعَنْ يَتَعَاقَبَانِ، كَمَا يُقَالُ: رَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ وَبِالْقَوْسِ، وَتَشَقَّقُ بِمَعْنَى تَتَشَقَّقُ، أَدْغَمُوا إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ هَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ "ق" بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: تَتَّشِقُ بِالْغَمَامِ، وَهُوَ غَمَامٌ أَبْيَضٌ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ.
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَ"نُنْزِلُ" بِنُونَيْنِ خَفِيفٌ وَرَفْعُ اللَّامِ، "الْمَلَائِكَةَ" نَصْبٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ الدُّنْيَا فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا، وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا، وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ وَأَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ يَزِيدُونَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا، ثُمَّ يَنْزِلُ الْكَرُوبِيُّونَ ثُمَّ حَمَلَةُ الْعَرْشِ [[انظر: الطبري ١٩ / ٦-٧، الدر المنثور: ٦ / ٢٤٨-٢٤٩، ابن كثير: ٣ / ٢١٧.]] .
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أَيْ: [الْمُلْكُ] [[ساقط من "أ".]] الَّذِي هُوَ الْمُلْكُ الْحَقُّ حَقًّا مُلْكُ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا مُلْكَ يُقْضَى غَيْرُهُ.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ شَدِيدًا، فَهَذَا الْخِطَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ عَسِيرًا، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَنَّهُ يُهَوِّنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِمْ أَخَفَّ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّوْهَا فِي الدُّنْيَا" [[رواه الإمام أحمد في المسند: ٣ / ٧٥، وقال الهيثمي في المجمع: (١٠ / ٣٣٧) : "رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن على ضعف في رواية". فيه: دراج أبو السمح عن أبي الهيثم، وابن لهيعة، وفيهم ضعف. وانظر: تفسير ابن كثير: ٣ / ٣١٧.]] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ أَرَادَ بِالظَّالِمِ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيطٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عُقْبَةَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا إِلَيْهِ أَشْرَافَ قَوْمِهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدِمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ سَفَرٍ فَصَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا النَّاسَ وَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَرَّبَ الطَّعَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَنَا بِآكِلٍ طَعَامَكَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ" فَقَالَ عُقْبَةُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَعَامِهِ، وَكَانَ عُقْبَةُ صَدِيقًا لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، فَلَمَّا أَخْبَرَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ قَالَ لَهُ: يَا عُقْبَةُ صَبَأْتَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا صَبَأْتُ، وَلَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ طَعَامِي إِلَّا أَنْ أَشْهَدَ لَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي وَلَمْ يَطْعَمْ، فَشَهِدَتُ لَهُ فَطَعَمَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَرْضَى عَنْكَ أَبَدًا إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ فِي وَجْهِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عُقْبَةُ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا أَلْقَاكَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ إِلَّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ" فَقُتِلَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا. وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقَتْلَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِيَدِهِ [[أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في "الدلائل" بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. الدر المنثور: ٦ / ٢٥٠، الفتح السماوي للمناوي: ٢ / ٨٨٠، أسباب النزول للواحدي ص (٣٨٥) .]]
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا بَزَقَ عُقْبَةُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَادَ بُزَاقُهُ فِي وَجْهِهِ فَاحْتَرَقَ خَدَّاهُ، وَكَانَ أَثَرُ ذَلِكَ فِيهِ حَتَّى الْمَوْتِ [[أسباب النزول للواحدي ص (٣٨٦) ، القرطبي: ١٣ / ٢٦.]] . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ [[أسباب النزول ص (٣٨٥) ، الطبري: ١٩ / ٨ باختصار.]] كَانَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مَعِيطٍ خَلِيلَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَأَسْلَمَ عُقْبَةُ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ أَنْ بَايَعْتَ مُحَمَّدًا، فَكَفَرَ وَارْتَدَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ" يَعْنِي: عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيطِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ مَنَافٍ "عَلَى يَدَيْهِ" نَدَمًا وَأَسَفًا عَلَى مَا فَرَّطَ فِي جَنْبِ اللَّهِ، وَأَوْبَقَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ بِطَاعَةِ خَلِيلِهِ الَّذِي صَدَّهُ عَنْ سَبِيلِ رَبِّهِ. قَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ حَتَّى تَبْلُغَ مِرْفَقَيْهِ ثُمَّ تَنْبُتَانِ، ثُمَّ يَأْكُلُ هَكَذَا، كُلَّمَا نَبَتَتْ يَدُهُ أَكَلَهَا تَحَسُّرًا عَلَى مَا فعل.
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ فِي الدُّنْيَا، ﴿مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَاتَّخَذْتُ مَعَهُ سَبِيلًا إِلَى الْهُدَى. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: "يَا لَيْتَنِيَ اتَّخَذْتُ" بِفَتْحِ الْيَاءِ، والآخرون بإسكانها.
﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يَعْنِي: أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ.
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ يَعْنِي: الذَّكَرَ مَعَ الرَّسُولِ، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ وَهُوَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَكُلُّ مَنْ صَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَيْطَانٌ.
﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ أَيْ: تَارِكًا يَتْرُكُهُ وَيَتَبَرَّأُ مِنْهُ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ وَالْعَذَابِ، وَحُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ عَامٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُتَحَابِّينَ اجْتَمَعَا عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النبي ﷺ قال: ٤٦/أ "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً" [[أخرجه البخاري في الذبائح، باب المسك: ٩ / ٦٦٠، ومسلم في البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، برقم (٢٦٢٨) : ٤ / ٢٠٢٦، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦٨.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيَاةَ بْنِ شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ التُّجِيبِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ -قَالَ سَالِمٌ: أَوْ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ-أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ" [[أخرجه أبو داود في الأدب، باب من يؤمر أن يجالس: ٧ / ١٨٥، وسكت عليه أبو داود والمنذري، والترمذي في الزهد: ٧ / ٧٦، وقال: "هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه"، والدارمي في الأطعمة: ٢ / ١٠٣، وصححه الحاكم: ٤ / ١٢٨، وابن حبان برقم (٢٠٤٩) من موارد الظمآن، وحسنه المصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦٨. وانظر: فيض القدير للمناوي: ٦ / ٤٠٥.]] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَسَّابٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ الرَّمْلِيُّ، أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُرَاسَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ وَرْدَانٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" [[أخرجه أبو داود في الأدب: ٧ / ١٨٦، قال المنذري: "وفي إسناده موسى بن وردان، وقد ضعفه بعضهم، وقال بعضهم: لا بأس به، ورجح بعضهم في هذا الحديث الإرسال".
والترمذي في الزهد: ٧ / ٤٩ وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وصححه الحاكم: ٤ / ١٧١، وأخرجه الإمام أحمد: ٢ / ٣٠٣، و٤٣٤، وذكره في المشكاة: ٣ / ١٣٩٧ وعزاه أيضا للبيهقي في "شعب الإيمان" وقال النووي: إسناده صحيح. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٣ / ٧٠.]] .
﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يَعْنِي: أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ.
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ يَعْنِي: الذَّكَرَ مَعَ الرَّسُولِ، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ وَهُوَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَكُلُّ مَنْ صَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَيْطَانٌ.
﴿لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ أَيْ: تَارِكًا يَتْرُكُهُ وَيَتَبَرَّأُ مِنْهُ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ وَالْعَذَابِ، وَحُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ عَامٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُتَحَابِّينَ اجْتَمَعَا عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النبي ﷺ قال: ٤٦/أ "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً" [[أخرجه البخاري في الذبائح، باب المسك: ٩ / ٦٦٠، ومسلم في البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، برقم (٢٦٢٨) : ٤ / ٢٠٢٦، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦٨.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيَاةَ بْنِ شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ التُّجِيبِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ -قَالَ سَالِمٌ: أَوْ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ-أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ" [[أخرجه أبو داود في الأدب، باب من يؤمر أن يجالس: ٧ / ١٨٥، وسكت عليه أبو داود والمنذري، والترمذي في الزهد: ٧ / ٧٦، وقال: "هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه"، والدارمي في الأطعمة: ٢ / ١٠٣، وصححه الحاكم: ٤ / ١٢٨، وابن حبان برقم (٢٠٤٩) من موارد الظمآن، وحسنه المصنف في شرح السنة: ١٣ / ٦٨. وانظر: فيض القدير للمناوي: ٦ / ٤٠٥.]] . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَسَّابٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ الرَّمْلِيُّ، أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُرَاسَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ وَرْدَانٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" [[أخرجه أبو داود في الأدب: ٧ / ١٨٦، قال المنذري: "وفي إسناده موسى بن وردان، وقد ضعفه بعضهم، وقال بعضهم: لا بأس به، ورجح بعضهم في هذا الحديث الإرسال".
والترمذي في الزهد: ٧ / ٤٩ وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وصححه الحاكم: ٤ / ١٧١، وأخرجه الإمام أحمد: ٢ / ٣٠٣، و٤٣٤، وذكره في المشكاة: ٣ / ١٣٩٧ وعزاه أيضا للبيهقي في "شعب الإيمان" وقال النووي: إسناده صحيح. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٣ / ٧٠.]] .
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ يَعْنِي: وَيَقُولُ الرَّسُولُ فِي ذلك اليوم: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ أَيْ: مَتْرُوكًا فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَلَمْ يَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ. وَقِيلَ: جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ الْهَجْرِ وَهُوَ الْهَذَيَانُ، وَالْقَوِيُّ السَّيِّءُ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ شِعْرٌ وَسِحْرٌ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ.
وَقِيلَ: قَالَ الرَّسُولُ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ يَشْكُوَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ يَا رَبِّ: إِنَّ قُومِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا فَعَزَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾