John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi

Surah Al-Qasas

Tafseer Al-Baghawi · The Stories · 88 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ["سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" [الأنبياء: ٣٧] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] سَيُرِيْكُمْ آيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ" [فصلت: ٥٣] ، ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ يَعْنِي: تَعْرِفُونَ الْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وَعَدَهُمْ بِالْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. سُورَةُ الْقَصَصِ

مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ وفيهالا آيَةٌ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [[انظر: الدر المنثور: ٦ / ٣٨٩، زاد المسير: ٦ / ٢٠٠.]] . ﷽

* *

﴿طسم﴾

﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ بِالصِّدْقِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ.

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ اسْتَكْبَرَ وَتَجَبَّرَ وَتَعَظَّمَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أَرْضِ مِصْرَ ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ فِرَقًا وَأَصْنَافًا فِي الْخِدْمَةِ وَالتَّسْخِيرِ ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ أَرَادَ بِالطَّائِفَةِ: بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ فَسَّرَ الِاسْتِضْعَافَ فَقَالَ: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ سَمَّى هَذَا اسْتِضْعَافًا لِأَنَّهُمْ عَجَزُوا وَضَعُفُوا عَنْ دَفْعِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾

الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ["سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" [الأنبياء: ٣٧] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] سَيُرِيْكُمْ آيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ" [فصلت: ٥٣] ، ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ يَعْنِي: تَعْرِفُونَ الْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وَعَدَهُمْ بِالْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. سُورَةُ الْقَصَصِ

مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ وفيهالا آيَةٌ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [[انظر: الدر المنثور: ٦ / ٣٨٩، زاد المسير: ٦ / ٢٠٠.]] . ﷽

* *

﴿طسم﴾

﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ بِالصِّدْقِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ.

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ اسْتَكْبَرَ وَتَجَبَّرَ وَتَعَظَّمَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أَرْضِ مِصْرَ ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ فِرَقًا وَأَصْنَافًا فِي الْخِدْمَةِ وَالتَّسْخِيرِ ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ أَرَادَ بِالطَّائِفَةِ: بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ فَسَّرَ الِاسْتِضْعَافَ فَقَالَ: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ سَمَّى هَذَا اسْتِضْعَافًا لِأَنَّهُمْ عَجَزُوا وَضَعُفُوا عَنْ دَفْعِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾

الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ["سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" [الأنبياء: ٣٧] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] سَيُرِيْكُمْ آيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ" [فصلت: ٥٣] ، ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ يَعْنِي: تَعْرِفُونَ الْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وَعَدَهُمْ بِالْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. سُورَةُ الْقَصَصِ

مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ وفيهالا آيَةٌ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [[انظر: الدر المنثور: ٦ / ٣٨٩، زاد المسير: ٦ / ٢٠٠.]] . ﷽

* *

﴿طسم﴾

﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ بِالصِّدْقِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ.

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ اسْتَكْبَرَ وَتَجَبَّرَ وَتَعَظَّمَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أَرْضِ مِصْرَ ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ فِرَقًا وَأَصْنَافًا فِي الْخِدْمَةِ وَالتَّسْخِيرِ ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ أَرَادَ بِالطَّائِفَةِ: بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ فَسَّرَ الِاسْتِضْعَافَ فَقَالَ: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ سَمَّى هَذَا اسْتِضْعَافًا لِأَنَّهُمْ عَجَزُوا وَضَعُفُوا عَنْ دَفْعِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾

الْمَلَائِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ["سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" [الأنبياء: ٣٧] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] سَيُرِيْكُمْ آيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ" [فصلت: ٥٣] ، ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ يَعْنِي: تَعْرِفُونَ الْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وَعَدَهُمْ بِالْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. سُورَةُ الْقَصَصِ

مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ وفيهالا آيَةٌ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [[انظر: الدر المنثور: ٦ / ٣٨٩، زاد المسير: ٦ / ٢٠٠.]] . ﷽

* *

﴿طسم﴾

﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ بِالصِّدْقِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ.

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ اسْتَكْبَرَ وَتَجَبَّرَ وَتَعَظَّمَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أَرْضِ مِصْرَ ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ فِرَقًا وَأَصْنَافًا فِي الْخِدْمَةِ وَالتَّسْخِيرِ ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ أَرَادَ بِالطَّائِفَةِ: بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ فَسَّرَ الِاسْتِضْعَافَ فَقَالَ: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ سَمَّى هَذَا اسْتِضْعَافًا لِأَنَّهُمْ عَجَزُوا وَضَعُفُوا عَنْ دَفْعِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ قَادَةً فِي الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وُلَاةً وَمُلُوكًا، دَلِيلُهُ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا" [المائدة: ٢٠] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: دُعَاةً إِلَى الْخَيْرِ.

﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ يَعْنِي: أَمْلَاكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ يَخْلُفُونَهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ.

﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نُوَطِّنَ لَهُمْ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَنَجْعَلَهَا لَهُمْ مَكَانًا يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: "وَيَرَى" بِالْيَاءِ وَفَتْحِهَا، ﴿فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا﴾ مَرْفُوعَاتٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لَهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَضَمِّهَا، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَنَصْبِ الْيَاءِ وَنَصْبِ مَا بَعْدَهُ، بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، ﴿مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ وَالْحَذَرُ هُوَ التَّوَقِّي مِنَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أُخْبِرُوا أَنَّ هَلَاكَهُمْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَانُوا عَلَى وَجَلٍ مِنْهُ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وَحْيَ إِلْهَامٍ لَا وَحْيَ نُبُوَّةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: قَذَفْنَا فِي قَلْبِهَا [[انظر: الطبري: ٢٠ / ٢٩-٣٠.]] ، وَأُمُّ مُوسَى يُوخَابِذُ بِنْتُ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ، قِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَانَتْ تُرْضِعُهُ فِي حِجْرِهَا، وَهُوَ لَا يَبْكِي وَلَا يَتَحَرَّكُ [[قال الإمام الطبري (٢٠ / ٣٠) : "وأولى قيل قيل في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر أم موسى أن ترضعه، فإذا خافت عليه من عدو الله فرعون وجنده أن تلقيه في اليم، وجائز أن تكون خافتهم عليه بعد أشهر من ولادها إياه، وأي ذلك كان، فقد فعلت ما أوحى الله إليها فيه، ولا خبر قامت به حجة، ولا فطرة في العقل لبيان أي ذلك كان من أي، فأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال جل ثناؤه. واليم الذي أمرت أن تلقيه فيه هو النيل".]] ، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: مِنَ الذَّبْحِ، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وَالْيَمُّ: الْبَحْرُ، وَأَرَادَ هَاهُنَا النِّيلَ، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ قِيلَ: لَا تَخَافِي عَلَيْهِ مِنَ الْغَرَقِ، وَقِيلَ: مِنَ الضَّيْعَةِ، ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ عَلَى فِرَاقِهِ، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ رَوَى عَطَاءٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ [[رواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة، لأنه لم يسمع من ابن عباس شيئا.]] .

إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَثُرُوا بِمِصْرَ، اسْتَطَالُوا عَلَى النَّاسِ، وَعَمِلُوا بِالْمَعَاصِي، وَلَمْ يَأْمُرُوا بالمعروف ولم ينهو عَنِ الْمُنْكَرِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقِبْطَ فَاسْتَضْعَفُوهُمْ إِلَى أَنْ أَنْجَاهُمْ عَلَى يَدِ نَبِيِّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ أُمَّ مُوسَى لَمَّا تَقَارَبَتْ وِلَادَتُهَا، وَكَانَتْ قَابِلَةٌ مِنَ الْقَوَابِلِ الَّتِي وَكَّلَهُنَّ فِرْعَوْنُ بِحُبَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مُصَافِيَةً لِأُمِّ مُوسَى، فَلَمَّا ضَرَبَ بِهَا الطَّلْقُ أَرْسَلَتْ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: قَدْ نَزَلَ بِي مَا نَزَلَ، فَلْيَنْفَعْنِي حُبُّكِ إِيَّايَ الْيَوْمَ، قَالَتْ: فَعَالَجَتْ قُبَالَتَهَا، فَلَمَّا أَنْ وَقَعَ مُوسَى بِالْأَرْضِ هَالَهَا نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْ مُوسَى، فَارْتَعَشَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنْهَا، وَدَخَلَ حُبُّ مُوسَى قَلْبَهَا. ثُمَّ قَالَتْ لَهَا: يَا هَذَا مَا جِئْتُ إِلَيْكِ حِينَ دَعَوْتِنِي إِلَّا وَمِنْ رَأْيِي قَتْلُ مَوْلُودِكِ، وَلَكِنْ وَجَدْتُ لِابْنِكِ هَذَا حُبًّا مَا وَجَدْتُ حُبَّ شَيْءٍ مِثْلَ حُبِّهِ، فَاحْفَظِي ابْنَكِ فَإِنِّي أَرَاهُ هُوَ عَدُوُّنَا، فَلَّمَا خَرَجَتِ الْقَابِلَةُ مِنْ عِنْدِهَا أَبْصَرَهَا بَعْضُ الْعُيُونِ، فَجَاءُوا إِلَى بَابِهَا لِيَدْخُلُوا عَلَى أُمِّ مُوسَى، فَقَالَتْ أُخْتُهُ يَا أُمَّاهُ هَذَا الْحَرَسُ [[في "أ": الحارس.]] بِالْبَابِ، فَلَفَّتْ مُوسَى فِي خِرْقَةٍ، فَوَضَعَتْهُ فِي التَّنُّورِ وَهُوَ مَسْجُورٌ، وَطَاشَ عَقْلُهَا، فَلَمْ تَعْقِلْ مَا تَصْنَعُ.

قَالَ: فَدَخَلُوا فَإِذَا التَّنُّورُ مَسْجُورٌ، وَرَأَوْا أُمَّ مُوسَى لَمْ يَتَغَيَّرْ لَهَا لَوْنٌ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا لَبَنٌ، فَقَالُوا لَهَا: مَا أَدْخَلَ عَلَيْكِ الْقَابِلَةَ؟ قَالَتْ: هِيَ مُصَافِيَةٌ لِي فَدَخَلَتْ عَلَيَّ زَائِرَةً، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهَا عَقْلُهَا فَقَالَتْ لِأُخْتِ مُوسَى: فَأَيْنَ الصَّبِيُّ؟ قَالَتْ لَا أَدْرِي، فَسَمِعَتْ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مِنَ التَّنُّورِ فَانْطَلَقَتْ إِلَيْهِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النَّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، فَاحْتَمَلَتْهُ [[ذكره القرطبي أيضا عن وهب، وهو فيما يظهر متلقى عن أخبار أهل الكتاب، فإن وهبا أدخل في التفسير كثيرا من مروياتهم كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله.]] قَالَ: ثُمَّ إِنَّ أُمَّ مُوسَى لَمَّا رَأَتْ إِلْحَاحَ فِرْعَوْنَ فِي طَلَبِ الْوِلْدَانِ خَافَتْ عَلَى ابْنِهَا، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي نَفْسِهَا أَنْ تَتَّخِذَ لَهُ تَابُوتًا ثُمَّ تَقْذِفَ التَّابُوتَ فِي الْيَمِّ وَهُوَ النِّيلُ، فَانْطَلَقَتْ إِلَى رَجُلٍ نَجَّارٍ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَاشْتَرَتْ مِنْهُ تَابُوتًا صَغِيرًا، فَقَالَ لَهَا النَّجَّارُ: مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا التَّابُوتِ؟ قَالَتْ: ابْنٌ لِي أُخَبِّئُهُ فِي التَّابُوتِ، وَكَرِهَتِ الْكَذِبَ، قَالَ وَلَمْ تَقُلْ: أَخْشَى عَلَيْهِ كَيْدَ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا اشْتَرَتِ التَّابُوتَ وَحَمَلَتْهُ وَانْطَلَقَتْ بِهِ انْطَلَقَ النَّجَّارُ إِلَى الذَّبَّاحِينَ لِيُخْبِرَهُمْ بِأَمْرِ أُمِّ مُوسَى، فَلَمَّا هَمَّ بِالْكَلَامِ أَمْسَكَ اللَّهُ لِسَانَهُ فَلَمْ يُطِقِ الْكَلَامَ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ فَلَمْ يَدْرِ الْأُمَنَاءُ مَا يَقُولُ، فَلَمَّا أَعْيَاهُمْ أَمْرُهُ قَالَ كَبِيرُهُمْ: اضْرِبُوهُ فَضَرَبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، فَلَمَّا انْتَهَى النَّجَّارُ إِلَى مَوْضِعِهِ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ لِسَانَهُ فَتَكَلَّمَ، فَانْطَلَقَ أَيْضًا يُرِيدُ الْأُمَنَاءَ فَأَتَاهُمْ لِيُخْبِرَهُمْ فَأَخَذَ اللَّهُ لِسَانَهُ وَبَصَرَهُ فَلَمْ يُطِقِ الْكَلَامَ وَلَمْ يُبْصِرْ شَيْئًا، فَضَرَبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، فَوَقَعَ فِي وَادٍ يَهْوِي فِيهِ حَيْرَانَ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ رَدَّ لِسَانَهُ وَبَصَرَهُ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ يحفظه حيث ٦١/أمَا كَانَ، فَعَرَفَ اللَّهُ مِنْهُ الصِّدْقَ فَرَدَّ عَلَيْهِ لِسَانَهَ وَبَصَرَهُ فَخَرَّ لِلَّهِ [[ساقط من "أ".]] سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ، فَدَلَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مِنَ الْوَادِي فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمَّا حَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِمُوسَى كَتَمَتْ أَمْرَهَا جَمِيعَ النَّاسِ، فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَبَلِهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ سَتَرَهُ اللَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَمُنَّ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي يُولَدُ فِيهَا بَعَثَ فِرْعَوْنُ الْقَوَابِلَ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِنَّ فَفَتَّشْنَ النِّسَاءَ تَفْتِيشًا لَمْ يُفَتَّشْنَ قَبْلَ ذَلِكَ مَثْلَهُ [[ساقط من "أ".]] ، وَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِمُوسَى [[ساقط من "أ".]] فَلَمْ يَنْتَأْ بَطْنُهَا، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ لَبَنُهَا، وَكَانَتِ الْقَوَابِلُ لَا تَتَعَرَّضُ لَهَا، فَلَّمَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا وَلَدَتْهُ وَلَا رَقِيبَ عَلَيْهَا وَلَا قَابِلَةَ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ مَرْيَمُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا "أَنْ أَرَضِعَيْهِ، فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ" الْآيَةَ، فَكَتَمَتْهُ أُمُّهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ تُرْضِعُهُ فِي حِجْرِهَا، لَا يَبْكِي وَلَا يَتَحَرَّكُ، فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ عَمِلَتْ تَابُوتًا لَهُ مُطْبَقًا ثُمَّ أَلْقَتْهُ فِي الْبَحْرِ لَيْلًا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: وَكَانَ لِفِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ بِنْتٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثُ حَاجَاتٍ تَرْفَعُهَا إِلَى فِرْعَوْنَ، وَكَانَ بِهَا بَرَصٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ جَمَعَ لَهَا أَطِبَّاءَ مِصْرَ وَالسَّحَرَةَ فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهَا، فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَبْرَأُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ، يُوجَدُ فِيهِ شَبَهُ الْإِنْسَانِ فَيُؤْخَذُ مِنْ رِيقِهِ فَيُلَطَّخُ بِهِ بِرَصُهَا فَتَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَسَاعَةِ كَذَا حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ غَدَا فِرْعَوْنُ إِلَى مَجْلِسٍ كَانَ عَلَى شَفِيرِ النِّيلِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَأَقْبَلَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ فِي جَوَارِيهَا حَتَّى جَلَسَتْ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ مَعَ جَوَارِيهَا تُلَاعِبُهُنَّ وَتَنْضَحُ الْمَاءَ عَلَى وُجُوهِهِنَّ، إِذْ أَقْبَلَ النِّيلُ بِالتَّابُوتِ تَضْرِبُهُ الْأَمْوَاجُ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ فِي الْبَحْرِ قَدْ تَعَلَّقَ بِالشَّجَرَةِ ايِتُونِي بِهِ، فَابْتَدَرُوهُ بِالسُّفُنِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَالَجُوا فَتْحَ الْبَابِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَعَالَجُوا كَسْرَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَدَنَتْ آسِيَةُ فَرَأَتْ فِي جَوْفِ التَّابُوتِ نُورًا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهَا فَعَالَجَتْهُ فَفَتَحَتِ الْبَابَ فَإِذَا هِيَ بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ فِي مَهْدِهِ، وَإِذَا نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ رِزْقَهُ فِي إِبْهَامِهِ يَمُصُّهُ لَبَنًا، فَأَلْقَى اللَّهُ لِمُوسَى الْمَحَبَّةَ فِي قَلْبِ آسِيَةَ، وَأَحَبَّهُ فِرْعَوْنُ وَعَطَفَ عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا أَخْرَجُوا الصَّبِيَّ مِنَ التَّابُوتِ عَمَدَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ إِلَى مَا كَانَ يَسِيلُ مِنْ رِيقِهِ فَلَطَّخَتْ بِهِ بَرَصَهَا فَبَرَأَتْ، فَقَبَّلَتْهُ وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا، فَقَالَ الْغُوَاةُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّا نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْلُودَ الَّذِي تُحَذِّرُ مِنْهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ هَذَا، رُمِيَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَرَقًا مِنْكَ فَاقْتُلْهُ، فَهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، قَالَتْ آسِيَةُ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وَكَانَتْ لَا تَلِدُ، فَاسْتَوْهَبَتْ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْنَ فَوَهَبَهُ لَهَا، وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَمَّا أَنَا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ قَالَ فِرْعَوْنُ يَوْمَئِذٍ هُوَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي كَمَا هُوَ لَكِ لَهَدَاهُ اللَّهُ كَمَا هَدَاهَا" [[انظر: الطبري: ٢٠ / ٣٢، مجمع الزوائد: ٧ / ٥٦ وما بعدها وقد تقدم تخريج حديث الفتون في تفسير سورة طه. وهذا قطعة منه.]] ، فَقِيلَ لِآسِيَةَ سَمِّيهِ فَقَالَتْ: سَمَّيْتُهُ مُوسَى لِأَنَّا وَجَدْنَاهُ فِي الْمَاءِ وَالشَّجَرِ فَمُو هُوَ الْمَاءُ، وَسِي هُوَ الشَّجَرُ [[في "أ": البحر.]] ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ قَادَةً فِي الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وُلَاةً وَمُلُوكًا، دَلِيلُهُ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا" [المائدة: ٢٠] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: دُعَاةً إِلَى الْخَيْرِ.

﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ يَعْنِي: أَمْلَاكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ يَخْلُفُونَهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ.

﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نُوَطِّنَ لَهُمْ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَنَجْعَلَهَا لَهُمْ مَكَانًا يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: "وَيَرَى" بِالْيَاءِ وَفَتْحِهَا، ﴿فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا﴾ مَرْفُوعَاتٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لَهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَضَمِّهَا، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَنَصْبِ الْيَاءِ وَنَصْبِ مَا بَعْدَهُ، بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، ﴿مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ وَالْحَذَرُ هُوَ التَّوَقِّي مِنَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أُخْبِرُوا أَنَّ هَلَاكَهُمْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَانُوا عَلَى وَجَلٍ مِنْهُ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وَحْيَ إِلْهَامٍ لَا وَحْيَ نُبُوَّةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: قَذَفْنَا فِي قَلْبِهَا [[انظر: الطبري: ٢٠ / ٢٩-٣٠.]] ، وَأُمُّ مُوسَى يُوخَابِذُ بِنْتُ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ، قِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَانَتْ تُرْضِعُهُ فِي حِجْرِهَا، وَهُوَ لَا يَبْكِي وَلَا يَتَحَرَّكُ [[قال الإمام الطبري (٢٠ / ٣٠) : "وأولى قيل قيل في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر أم موسى أن ترضعه، فإذا خافت عليه من عدو الله فرعون وجنده أن تلقيه في اليم، وجائز أن تكون خافتهم عليه بعد أشهر من ولادها إياه، وأي ذلك كان، فقد فعلت ما أوحى الله إليها فيه، ولا خبر قامت به حجة، ولا فطرة في العقل لبيان أي ذلك كان من أي، فأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال جل ثناؤه. واليم الذي أمرت أن تلقيه فيه هو النيل".]] ، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: مِنَ الذَّبْحِ، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وَالْيَمُّ: الْبَحْرُ، وَأَرَادَ هَاهُنَا النِّيلَ، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ قِيلَ: لَا تَخَافِي عَلَيْهِ مِنَ الْغَرَقِ، وَقِيلَ: مِنَ الضَّيْعَةِ، ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ عَلَى فِرَاقِهِ، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ رَوَى عَطَاءٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ [[رواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة، لأنه لم يسمع من ابن عباس شيئا.]] .

إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَثُرُوا بِمِصْرَ، اسْتَطَالُوا عَلَى النَّاسِ، وَعَمِلُوا بِالْمَعَاصِي، وَلَمْ يَأْمُرُوا بالمعروف ولم ينهو عَنِ الْمُنْكَرِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقِبْطَ فَاسْتَضْعَفُوهُمْ إِلَى أَنْ أَنْجَاهُمْ عَلَى يَدِ نَبِيِّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ أُمَّ مُوسَى لَمَّا تَقَارَبَتْ وِلَادَتُهَا، وَكَانَتْ قَابِلَةٌ مِنَ الْقَوَابِلِ الَّتِي وَكَّلَهُنَّ فِرْعَوْنُ بِحُبَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مُصَافِيَةً لِأُمِّ مُوسَى، فَلَمَّا ضَرَبَ بِهَا الطَّلْقُ أَرْسَلَتْ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: قَدْ نَزَلَ بِي مَا نَزَلَ، فَلْيَنْفَعْنِي حُبُّكِ إِيَّايَ الْيَوْمَ، قَالَتْ: فَعَالَجَتْ قُبَالَتَهَا، فَلَمَّا أَنْ وَقَعَ مُوسَى بِالْأَرْضِ هَالَهَا نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْ مُوسَى، فَارْتَعَشَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنْهَا، وَدَخَلَ حُبُّ مُوسَى قَلْبَهَا. ثُمَّ قَالَتْ لَهَا: يَا هَذَا مَا جِئْتُ إِلَيْكِ حِينَ دَعَوْتِنِي إِلَّا وَمِنْ رَأْيِي قَتْلُ مَوْلُودِكِ، وَلَكِنْ وَجَدْتُ لِابْنِكِ هَذَا حُبًّا مَا وَجَدْتُ حُبَّ شَيْءٍ مِثْلَ حُبِّهِ، فَاحْفَظِي ابْنَكِ فَإِنِّي أَرَاهُ هُوَ عَدُوُّنَا، فَلَّمَا خَرَجَتِ الْقَابِلَةُ مِنْ عِنْدِهَا أَبْصَرَهَا بَعْضُ الْعُيُونِ، فَجَاءُوا إِلَى بَابِهَا لِيَدْخُلُوا عَلَى أُمِّ مُوسَى، فَقَالَتْ أُخْتُهُ يَا أُمَّاهُ هَذَا الْحَرَسُ [[في "أ": الحارس.]] بِالْبَابِ، فَلَفَّتْ مُوسَى فِي خِرْقَةٍ، فَوَضَعَتْهُ فِي التَّنُّورِ وَهُوَ مَسْجُورٌ، وَطَاشَ عَقْلُهَا، فَلَمْ تَعْقِلْ مَا تَصْنَعُ.

قَالَ: فَدَخَلُوا فَإِذَا التَّنُّورُ مَسْجُورٌ، وَرَأَوْا أُمَّ مُوسَى لَمْ يَتَغَيَّرْ لَهَا لَوْنٌ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا لَبَنٌ، فَقَالُوا لَهَا: مَا أَدْخَلَ عَلَيْكِ الْقَابِلَةَ؟ قَالَتْ: هِيَ مُصَافِيَةٌ لِي فَدَخَلَتْ عَلَيَّ زَائِرَةً، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهَا عَقْلُهَا فَقَالَتْ لِأُخْتِ مُوسَى: فَأَيْنَ الصَّبِيُّ؟ قَالَتْ لَا أَدْرِي، فَسَمِعَتْ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مِنَ التَّنُّورِ فَانْطَلَقَتْ إِلَيْهِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النَّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، فَاحْتَمَلَتْهُ [[ذكره القرطبي أيضا عن وهب، وهو فيما يظهر متلقى عن أخبار أهل الكتاب، فإن وهبا أدخل في التفسير كثيرا من مروياتهم كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله.]] قَالَ: ثُمَّ إِنَّ أُمَّ مُوسَى لَمَّا رَأَتْ إِلْحَاحَ فِرْعَوْنَ فِي طَلَبِ الْوِلْدَانِ خَافَتْ عَلَى ابْنِهَا، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي نَفْسِهَا أَنْ تَتَّخِذَ لَهُ تَابُوتًا ثُمَّ تَقْذِفَ التَّابُوتَ فِي الْيَمِّ وَهُوَ النِّيلُ، فَانْطَلَقَتْ إِلَى رَجُلٍ نَجَّارٍ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَاشْتَرَتْ مِنْهُ تَابُوتًا صَغِيرًا، فَقَالَ لَهَا النَّجَّارُ: مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا التَّابُوتِ؟ قَالَتْ: ابْنٌ لِي أُخَبِّئُهُ فِي التَّابُوتِ، وَكَرِهَتِ الْكَذِبَ، قَالَ وَلَمْ تَقُلْ: أَخْشَى عَلَيْهِ كَيْدَ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا اشْتَرَتِ التَّابُوتَ وَحَمَلَتْهُ وَانْطَلَقَتْ بِهِ انْطَلَقَ النَّجَّارُ إِلَى الذَّبَّاحِينَ لِيُخْبِرَهُمْ بِأَمْرِ أُمِّ مُوسَى، فَلَمَّا هَمَّ بِالْكَلَامِ أَمْسَكَ اللَّهُ لِسَانَهُ فَلَمْ يُطِقِ الْكَلَامَ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ فَلَمْ يَدْرِ الْأُمَنَاءُ مَا يَقُولُ، فَلَمَّا أَعْيَاهُمْ أَمْرُهُ قَالَ كَبِيرُهُمْ: اضْرِبُوهُ فَضَرَبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، فَلَمَّا انْتَهَى النَّجَّارُ إِلَى مَوْضِعِهِ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ لِسَانَهُ فَتَكَلَّمَ، فَانْطَلَقَ أَيْضًا يُرِيدُ الْأُمَنَاءَ فَأَتَاهُمْ لِيُخْبِرَهُمْ فَأَخَذَ اللَّهُ لِسَانَهُ وَبَصَرَهُ فَلَمْ يُطِقِ الْكَلَامَ وَلَمْ يُبْصِرْ شَيْئًا، فَضَرَبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، فَوَقَعَ فِي وَادٍ يَهْوِي فِيهِ حَيْرَانَ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ رَدَّ لِسَانَهُ وَبَصَرَهُ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ يحفظه حيث ٦١/أمَا كَانَ، فَعَرَفَ اللَّهُ مِنْهُ الصِّدْقَ فَرَدَّ عَلَيْهِ لِسَانَهَ وَبَصَرَهُ فَخَرَّ لِلَّهِ [[ساقط من "أ".]] سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ، فَدَلَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مِنَ الْوَادِي فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمَّا حَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِمُوسَى كَتَمَتْ أَمْرَهَا جَمِيعَ النَّاسِ، فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَبَلِهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ سَتَرَهُ اللَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَمُنَّ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي يُولَدُ فِيهَا بَعَثَ فِرْعَوْنُ الْقَوَابِلَ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِنَّ فَفَتَّشْنَ النِّسَاءَ تَفْتِيشًا لَمْ يُفَتَّشْنَ قَبْلَ ذَلِكَ مَثْلَهُ [[ساقط من "أ".]] ، وَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِمُوسَى [[ساقط من "أ".]] فَلَمْ يَنْتَأْ بَطْنُهَا، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ لَبَنُهَا، وَكَانَتِ الْقَوَابِلُ لَا تَتَعَرَّضُ لَهَا، فَلَّمَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا وَلَدَتْهُ وَلَا رَقِيبَ عَلَيْهَا وَلَا قَابِلَةَ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ مَرْيَمُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا "أَنْ أَرَضِعَيْهِ، فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ" الْآيَةَ، فَكَتَمَتْهُ أُمُّهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ تُرْضِعُهُ فِي حِجْرِهَا، لَا يَبْكِي وَلَا يَتَحَرَّكُ، فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ عَمِلَتْ تَابُوتًا لَهُ مُطْبَقًا ثُمَّ أَلْقَتْهُ فِي الْبَحْرِ لَيْلًا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: وَكَانَ لِفِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ بِنْتٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثُ حَاجَاتٍ تَرْفَعُهَا إِلَى فِرْعَوْنَ، وَكَانَ بِهَا بَرَصٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ جَمَعَ لَهَا أَطِبَّاءَ مِصْرَ وَالسَّحَرَةَ فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهَا، فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَبْرَأُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ، يُوجَدُ فِيهِ شَبَهُ الْإِنْسَانِ فَيُؤْخَذُ مِنْ رِيقِهِ فَيُلَطَّخُ بِهِ بِرَصُهَا فَتَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَسَاعَةِ كَذَا حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ غَدَا فِرْعَوْنُ إِلَى مَجْلِسٍ كَانَ عَلَى شَفِيرِ النِّيلِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَأَقْبَلَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ فِي جَوَارِيهَا حَتَّى جَلَسَتْ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ مَعَ جَوَارِيهَا تُلَاعِبُهُنَّ وَتَنْضَحُ الْمَاءَ عَلَى وُجُوهِهِنَّ، إِذْ أَقْبَلَ النِّيلُ بِالتَّابُوتِ تَضْرِبُهُ الْأَمْوَاجُ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ فِي الْبَحْرِ قَدْ تَعَلَّقَ بِالشَّجَرَةِ ايِتُونِي بِهِ، فَابْتَدَرُوهُ بِالسُّفُنِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَالَجُوا فَتْحَ الْبَابِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَعَالَجُوا كَسْرَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَدَنَتْ آسِيَةُ فَرَأَتْ فِي جَوْفِ التَّابُوتِ نُورًا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهَا فَعَالَجَتْهُ فَفَتَحَتِ الْبَابَ فَإِذَا هِيَ بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ فِي مَهْدِهِ، وَإِذَا نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ رِزْقَهُ فِي إِبْهَامِهِ يَمُصُّهُ لَبَنًا، فَأَلْقَى اللَّهُ لِمُوسَى الْمَحَبَّةَ فِي قَلْبِ آسِيَةَ، وَأَحَبَّهُ فِرْعَوْنُ وَعَطَفَ عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا أَخْرَجُوا الصَّبِيَّ مِنَ التَّابُوتِ عَمَدَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ إِلَى مَا كَانَ يَسِيلُ مِنْ رِيقِهِ فَلَطَّخَتْ بِهِ بَرَصَهَا فَبَرَأَتْ، فَقَبَّلَتْهُ وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا، فَقَالَ الْغُوَاةُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّا نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْلُودَ الَّذِي تُحَذِّرُ مِنْهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ هَذَا، رُمِيَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَرَقًا مِنْكَ فَاقْتُلْهُ، فَهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، قَالَتْ آسِيَةُ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وَكَانَتْ لَا تَلِدُ، فَاسْتَوْهَبَتْ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْنَ فَوَهَبَهُ لَهَا، وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَمَّا أَنَا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ قَالَ فِرْعَوْنُ يَوْمَئِذٍ هُوَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي كَمَا هُوَ لَكِ لَهَدَاهُ اللَّهُ كَمَا هَدَاهَا" [[انظر: الطبري: ٢٠ / ٣٢، مجمع الزوائد: ٧ / ٥٦ وما بعدها وقد تقدم تخريج حديث الفتون في تفسير سورة طه. وهذا قطعة منه.]] ، فَقِيلَ لِآسِيَةَ سَمِّيهِ فَقَالَتْ: سَمَّيْتُهُ مُوسَى لِأَنَّا وَجَدْنَاهُ فِي الْمَاءِ وَالشَّجَرِ فَمُو هُوَ الْمَاءُ، وَسِي هُوَ الشَّجَرُ [[في "أ": البحر.]] ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ قَادَةً فِي الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وُلَاةً وَمُلُوكًا، دَلِيلُهُ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا" [المائدة: ٢٠] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: دُعَاةً إِلَى الْخَيْرِ.

﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ يَعْنِي: أَمْلَاكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ يَخْلُفُونَهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ.

﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نُوَطِّنَ لَهُمْ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَنَجْعَلَهَا لَهُمْ مَكَانًا يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ قَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: "وَيَرَى" بِالْيَاءِ وَفَتْحِهَا، ﴿فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا﴾ مَرْفُوعَاتٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لَهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَضَمِّهَا، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَنَصْبِ الْيَاءِ وَنَصْبِ مَا بَعْدَهُ، بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، ﴿مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ وَالْحَذَرُ هُوَ التَّوَقِّي مِنَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أُخْبِرُوا أَنَّ هَلَاكَهُمْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَانُوا عَلَى وَجَلٍ مِنْهُ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وَحْيَ إِلْهَامٍ لَا وَحْيَ نُبُوَّةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: قَذَفْنَا فِي قَلْبِهَا [[انظر: الطبري: ٢٠ / ٢٩-٣٠.]] ، وَأُمُّ مُوسَى يُوخَابِذُ بِنْتُ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ، قِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَانَتْ تُرْضِعُهُ فِي حِجْرِهَا، وَهُوَ لَا يَبْكِي وَلَا يَتَحَرَّكُ [[قال الإمام الطبري (٢٠ / ٣٠) : "وأولى قيل قيل في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر أم موسى أن ترضعه، فإذا خافت عليه من عدو الله فرعون وجنده أن تلقيه في اليم، وجائز أن تكون خافتهم عليه بعد أشهر من ولادها إياه، وأي ذلك كان، فقد فعلت ما أوحى الله إليها فيه، ولا خبر قامت به حجة، ولا فطرة في العقل لبيان أي ذلك كان من أي، فأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال جل ثناؤه. واليم الذي أمرت أن تلقيه فيه هو النيل".]] ، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: مِنَ الذَّبْحِ، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وَالْيَمُّ: الْبَحْرُ، وَأَرَادَ هَاهُنَا النِّيلَ، ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ قِيلَ: لَا تَخَافِي عَلَيْهِ مِنَ الْغَرَقِ، وَقِيلَ: مِنَ الضَّيْعَةِ، ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ عَلَى فِرَاقِهِ، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ رَوَى عَطَاءٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ [[رواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة، لأنه لم يسمع من ابن عباس شيئا.]] .

إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَثُرُوا بِمِصْرَ، اسْتَطَالُوا عَلَى النَّاسِ، وَعَمِلُوا بِالْمَعَاصِي، وَلَمْ يَأْمُرُوا بالمعروف ولم ينهو عَنِ الْمُنْكَرِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقِبْطَ فَاسْتَضْعَفُوهُمْ إِلَى أَنْ أَنْجَاهُمْ عَلَى يَدِ نَبِيِّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ أُمَّ مُوسَى لَمَّا تَقَارَبَتْ وِلَادَتُهَا، وَكَانَتْ قَابِلَةٌ مِنَ الْقَوَابِلِ الَّتِي وَكَّلَهُنَّ فِرْعَوْنُ بِحُبَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مُصَافِيَةً لِأُمِّ مُوسَى، فَلَمَّا ضَرَبَ بِهَا الطَّلْقُ أَرْسَلَتْ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: قَدْ نَزَلَ بِي مَا نَزَلَ، فَلْيَنْفَعْنِي حُبُّكِ إِيَّايَ الْيَوْمَ، قَالَتْ: فَعَالَجَتْ قُبَالَتَهَا، فَلَمَّا أَنْ وَقَعَ مُوسَى بِالْأَرْضِ هَالَهَا نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْ مُوسَى، فَارْتَعَشَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنْهَا، وَدَخَلَ حُبُّ مُوسَى قَلْبَهَا. ثُمَّ قَالَتْ لَهَا: يَا هَذَا مَا جِئْتُ إِلَيْكِ حِينَ دَعَوْتِنِي إِلَّا وَمِنْ رَأْيِي قَتْلُ مَوْلُودِكِ، وَلَكِنْ وَجَدْتُ لِابْنِكِ هَذَا حُبًّا مَا وَجَدْتُ حُبَّ شَيْءٍ مِثْلَ حُبِّهِ، فَاحْفَظِي ابْنَكِ فَإِنِّي أَرَاهُ هُوَ عَدُوُّنَا، فَلَّمَا خَرَجَتِ الْقَابِلَةُ مِنْ عِنْدِهَا أَبْصَرَهَا بَعْضُ الْعُيُونِ، فَجَاءُوا إِلَى بَابِهَا لِيَدْخُلُوا عَلَى أُمِّ مُوسَى، فَقَالَتْ أُخْتُهُ يَا أُمَّاهُ هَذَا الْحَرَسُ [[في "أ": الحارس.]] بِالْبَابِ، فَلَفَّتْ مُوسَى فِي خِرْقَةٍ، فَوَضَعَتْهُ فِي التَّنُّورِ وَهُوَ مَسْجُورٌ، وَطَاشَ عَقْلُهَا، فَلَمْ تَعْقِلْ مَا تَصْنَعُ.

قَالَ: فَدَخَلُوا فَإِذَا التَّنُّورُ مَسْجُورٌ، وَرَأَوْا أُمَّ مُوسَى لَمْ يَتَغَيَّرْ لَهَا لَوْنٌ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا لَبَنٌ، فَقَالُوا لَهَا: مَا أَدْخَلَ عَلَيْكِ الْقَابِلَةَ؟ قَالَتْ: هِيَ مُصَافِيَةٌ لِي فَدَخَلَتْ عَلَيَّ زَائِرَةً، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهَا عَقْلُهَا فَقَالَتْ لِأُخْتِ مُوسَى: فَأَيْنَ الصَّبِيُّ؟ قَالَتْ لَا أَدْرِي، فَسَمِعَتْ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مِنَ التَّنُّورِ فَانْطَلَقَتْ إِلَيْهِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النَّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، فَاحْتَمَلَتْهُ [[ذكره القرطبي أيضا عن وهب، وهو فيما يظهر متلقى عن أخبار أهل الكتاب، فإن وهبا أدخل في التفسير كثيرا من مروياتهم كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله.]] قَالَ: ثُمَّ إِنَّ أُمَّ مُوسَى لَمَّا رَأَتْ إِلْحَاحَ فِرْعَوْنَ فِي طَلَبِ الْوِلْدَانِ خَافَتْ عَلَى ابْنِهَا، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي نَفْسِهَا أَنْ تَتَّخِذَ لَهُ تَابُوتًا ثُمَّ تَقْذِفَ التَّابُوتَ فِي الْيَمِّ وَهُوَ النِّيلُ، فَانْطَلَقَتْ إِلَى رَجُلٍ نَجَّارٍ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَاشْتَرَتْ مِنْهُ تَابُوتًا صَغِيرًا، فَقَالَ لَهَا النَّجَّارُ: مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا التَّابُوتِ؟ قَالَتْ: ابْنٌ لِي أُخَبِّئُهُ فِي التَّابُوتِ، وَكَرِهَتِ الْكَذِبَ، قَالَ وَلَمْ تَقُلْ: أَخْشَى عَلَيْهِ كَيْدَ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا اشْتَرَتِ التَّابُوتَ وَحَمَلَتْهُ وَانْطَلَقَتْ بِهِ انْطَلَقَ النَّجَّارُ إِلَى الذَّبَّاحِينَ لِيُخْبِرَهُمْ بِأَمْرِ أُمِّ مُوسَى، فَلَمَّا هَمَّ بِالْكَلَامِ أَمْسَكَ اللَّهُ لِسَانَهُ فَلَمْ يُطِقِ الْكَلَامَ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ فَلَمْ يَدْرِ الْأُمَنَاءُ مَا يَقُولُ، فَلَمَّا أَعْيَاهُمْ أَمْرُهُ قَالَ كَبِيرُهُمْ: اضْرِبُوهُ فَضَرَبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، فَلَمَّا انْتَهَى النَّجَّارُ إِلَى مَوْضِعِهِ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ لِسَانَهُ فَتَكَلَّمَ، فَانْطَلَقَ أَيْضًا يُرِيدُ الْأُمَنَاءَ فَأَتَاهُمْ لِيُخْبِرَهُمْ فَأَخَذَ اللَّهُ لِسَانَهُ وَبَصَرَهُ فَلَمْ يُطِقِ الْكَلَامَ وَلَمْ يُبْصِرْ شَيْئًا، فَضَرَبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، فَوَقَعَ فِي وَادٍ يَهْوِي فِيهِ حَيْرَانَ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ رَدَّ لِسَانَهُ وَبَصَرَهُ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ يحفظه حيث ٦١/أمَا كَانَ، فَعَرَفَ اللَّهُ مِنْهُ الصِّدْقَ فَرَدَّ عَلَيْهِ لِسَانَهَ وَبَصَرَهُ فَخَرَّ لِلَّهِ [[ساقط من "أ".]] سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ، فَدَلَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مِنَ الْوَادِي فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمَّا حَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِمُوسَى كَتَمَتْ أَمْرَهَا جَمِيعَ النَّاسِ، فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَبَلِهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ سَتَرَهُ اللَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَمُنَّ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي يُولَدُ فِيهَا بَعَثَ فِرْعَوْنُ الْقَوَابِلَ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِنَّ فَفَتَّشْنَ النِّسَاءَ تَفْتِيشًا لَمْ يُفَتَّشْنَ قَبْلَ ذَلِكَ مَثْلَهُ [[ساقط من "أ".]] ، وَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِمُوسَى [[ساقط من "أ".]] فَلَمْ يَنْتَأْ بَطْنُهَا، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ لَبَنُهَا، وَكَانَتِ الْقَوَابِلُ لَا تَتَعَرَّضُ لَهَا، فَلَّمَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا وَلَدَتْهُ وَلَا رَقِيبَ عَلَيْهَا وَلَا قَابِلَةَ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ مَرْيَمُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا "أَنْ أَرَضِعَيْهِ، فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ" الْآيَةَ، فَكَتَمَتْهُ أُمُّهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ تُرْضِعُهُ فِي حِجْرِهَا، لَا يَبْكِي وَلَا يَتَحَرَّكُ، فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ عَمِلَتْ تَابُوتًا لَهُ مُطْبَقًا ثُمَّ أَلْقَتْهُ فِي الْبَحْرِ لَيْلًا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: وَكَانَ لِفِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ بِنْتٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثُ حَاجَاتٍ تَرْفَعُهَا إِلَى فِرْعَوْنَ، وَكَانَ بِهَا بَرَصٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ جَمَعَ لَهَا أَطِبَّاءَ مِصْرَ وَالسَّحَرَةَ فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهَا، فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَبْرَأُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ، يُوجَدُ فِيهِ شَبَهُ الْإِنْسَانِ فَيُؤْخَذُ مِنْ رِيقِهِ فَيُلَطَّخُ بِهِ بِرَصُهَا فَتَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَسَاعَةِ كَذَا حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ غَدَا فِرْعَوْنُ إِلَى مَجْلِسٍ كَانَ عَلَى شَفِيرِ النِّيلِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَأَقْبَلَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ فِي جَوَارِيهَا حَتَّى جَلَسَتْ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ مَعَ جَوَارِيهَا تُلَاعِبُهُنَّ وَتَنْضَحُ الْمَاءَ عَلَى وُجُوهِهِنَّ، إِذْ أَقْبَلَ النِّيلُ بِالتَّابُوتِ تَضْرِبُهُ الْأَمْوَاجُ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ فِي الْبَحْرِ قَدْ تَعَلَّقَ بِالشَّجَرَةِ ايِتُونِي بِهِ، فَابْتَدَرُوهُ بِالسُّفُنِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَالَجُوا فَتْحَ الْبَابِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَعَالَجُوا كَسْرَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَدَنَتْ آسِيَةُ فَرَأَتْ فِي جَوْفِ التَّابُوتِ نُورًا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهَا فَعَالَجَتْهُ فَفَتَحَتِ الْبَابَ فَإِذَا هِيَ بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ فِي مَهْدِهِ، وَإِذَا نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ رِزْقَهُ فِي إِبْهَامِهِ يَمُصُّهُ لَبَنًا، فَأَلْقَى اللَّهُ لِمُوسَى الْمَحَبَّةَ فِي قَلْبِ آسِيَةَ، وَأَحَبَّهُ فِرْعَوْنُ وَعَطَفَ عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا أَخْرَجُوا الصَّبِيَّ مِنَ التَّابُوتِ عَمَدَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ إِلَى مَا كَانَ يَسِيلُ مِنْ رِيقِهِ فَلَطَّخَتْ بِهِ بَرَصَهَا فَبَرَأَتْ، فَقَبَّلَتْهُ وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا، فَقَالَ الْغُوَاةُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّا نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْلُودَ الَّذِي تُحَذِّرُ مِنْهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ هَذَا، رُمِيَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَرَقًا مِنْكَ فَاقْتُلْهُ، فَهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ، قَالَتْ آسِيَةُ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وَكَانَتْ لَا تَلِدُ، فَاسْتَوْهَبَتْ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْنَ فَوَهَبَهُ لَهَا، وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَمَّا أَنَا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ قَالَ فِرْعَوْنُ يَوْمَئِذٍ هُوَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي كَمَا هُوَ لَكِ لَهَدَاهُ اللَّهُ كَمَا هَدَاهَا" [[انظر: الطبري: ٢٠ / ٣٢، مجمع الزوائد: ٧ / ٥٦ وما بعدها وقد تقدم تخريج حديث الفتون في تفسير سورة طه. وهذا قطعة منه.]] ، فَقِيلَ لِآسِيَةَ سَمِّيهِ فَقَالَتْ: سَمَّيْتُهُ مُوسَى لِأَنَّا وَجَدْنَاهُ فِي الْمَاءِ وَالشَّجَرِ فَمُو هُوَ الْمَاءُ، وَسِي هُوَ الشَّجَرُ [[في "أ": البحر.]] ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾

﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ وَالِالْتِقَاطُ هُوَ وُجُودُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وَهَذِهِ اللَّامُ تُسَمَّى لَامَ الْعَاقِبَةِ وَلَامَ الصَّيْرُورَةِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا وَلَكِنْ صَارَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ إِلَى ذَلِكَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "حُزْنًا" بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالزَّايِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ عَاصِينَ [[ساقط من "أ".]] . آثِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ قَالَ وَهْبٌ: لَمَّا وُضِعَ التَّابُوتُ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ فَتَحُوهُ فَوَجَدَ فِيهِ مُوسَى فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْأَعْدَاءِ فَغَاظَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: كَيْفَ أَخْطَأَ هَذَا الْغُلَامَ الذَّبْحُ؟ وَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اسْتَنْكَحَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهَا آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ وَكَانَتْ مِنْ خِيَارِ النِّسَاءِ وَمِنْ بَنَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَانَتْ أُمًّا لِلْمَسَاكِينِ تَرْحَمُهُمْ وَتَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ وَتُعْطِيهِمْ، قَالَتْ لِفِرْعَوْنَ وَهِيَ قَاعِدَةٌ إِلَى جَنْبِهِ: هَذَا الْوَلِيدُ أَكْبَرُ مِنِ ابْنِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا أَمَرْتَ أَنْ يُذْبَحَ الْوِلْدَانُ لِهَذِهِ السَّنَةِ فَدَعْهُ يَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لِي وَذَلِكَ، ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ أَتَانَا مَنْ أَرْضٍ أُخْرَى لَيْسَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّ هَلَاكَهُمْ عَلَى يَدَيْهِ، فَاسْتَحْيَاهُ فِرْعَوْنُ، وَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ مَحَبَّتَهُ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: عَسَى أَنْ يَنْفَعَكِ فَأَمَّا أَنَا فَلَا أُرِيدُ نَفْعَهُ، قَالَ وَهْبٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَوْ أَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ فِي مُوسَى كَمَا قَالَتْ آسِيَةُ: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا، لَنَفَعَهُ اللَّهُ، وَلَكِنَّهُ أَبَى، لِلشَّقَاءِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ [[انظر: الطبري: ٢٠ / ٣٤.]] .

﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ وَالِالْتِقَاطُ هُوَ وُجُودُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وَهَذِهِ اللَّامُ تُسَمَّى لَامَ الْعَاقِبَةِ وَلَامَ الصَّيْرُورَةِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا وَلَكِنْ صَارَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ إِلَى ذَلِكَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "حُزْنًا" بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالزَّايِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ عَاصِينَ [[ساقط من "أ".]] . آثِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ قَالَ وَهْبٌ: لَمَّا وُضِعَ التَّابُوتُ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ فَتَحُوهُ فَوَجَدَ فِيهِ مُوسَى فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْأَعْدَاءِ فَغَاظَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: كَيْفَ أَخْطَأَ هَذَا الْغُلَامَ الذَّبْحُ؟ وَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اسْتَنْكَحَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهَا آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ وَكَانَتْ مِنْ خِيَارِ النِّسَاءِ وَمِنْ بَنَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَانَتْ أُمًّا لِلْمَسَاكِينِ تَرْحَمُهُمْ وَتَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ وَتُعْطِيهِمْ، قَالَتْ لِفِرْعَوْنَ وَهِيَ قَاعِدَةٌ إِلَى جَنْبِهِ: هَذَا الْوَلِيدُ أَكْبَرُ مِنِ ابْنِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا أَمَرْتَ أَنْ يُذْبَحَ الْوِلْدَانُ لِهَذِهِ السَّنَةِ فَدَعْهُ يَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لِي وَذَلِكَ، ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ أَتَانَا مَنْ أَرْضٍ أُخْرَى لَيْسَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّ هَلَاكَهُمْ عَلَى يَدَيْهِ، فَاسْتَحْيَاهُ فِرْعَوْنُ، وَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ مَحَبَّتَهُ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: عَسَى أَنْ يَنْفَعَكِ فَأَمَّا أَنَا فَلَا أُرِيدُ نَفْعَهُ، قَالَ وَهْبٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَوْ أَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ فِي مُوسَى كَمَا قَالَتْ آسِيَةُ: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا، لَنَفَعَهُ اللَّهُ، وَلَكِنَّهُ أَبَى، لِلشَّقَاءِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ [[انظر: الطبري: ٢٠ / ٣٤.]] .

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ أَيْ: خَالِيًا مَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى وَهَمِّهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ [[انظر الدر المنثور: ٦ / ٣٩٤-٣٩٥، وهو ما رجحه الطبري: ٢٠ / ٣٧.]] . وَقَالَ الْحَسَنُ: "فَارِغًا" أَيْ: نَاسِيًا لِلْوَحْيِ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا حِينَ أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ وَلَا تَخَافُ وَلَا تَحْزَنُ، وَالْعَهْدُ الَّذِي عَهَدَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهَا وَيَجْعَلَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَجَاءَهَا الشَّيْطَانُ فَقَالَ: كَرِهْتِ أَنْ يَقْتُلَ فِرْعَوْنُ وَلَدَكِ فَيَكُونَ لَكِ أَجْرُهُ وَثَوَابُهُ وَتَوَلَّيْتِ أَنْتِ قَتْلَهُ فَأَلْقَيْتِهِ فِي الْبَحْرِ، وَأَغْرَقْتِهِ، وَلَمَّا أَتَاهَا الْخَبَرُ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ أَصَابَهُ فِي النِّيلِ قَالَتْ: إِنَّهُ وَقَعَ فِي يَدِ عَدُوِّهِ الَّذِي فَرَرْتُ مِنْهُ، فَأَنْسَاهَا عَظِيمُ الْبَلَاءِ مَا كَانَ مِنْ عَهْدِ اللَّهِ إِلَيْهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: "فَارِغًا" أَيْ: فَارِغًا مِنَ الْحُزْنِ، لِعِلْمِهَا بِصِدْقِ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْكَرَ الْقُتَيْبِيُّ هَذَا، وَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: "إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا"؟ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ قِيلَ الْهَاءُ فِي "بِهِ" رَاجِعَةٌ إِلَى مُوسَى، أَيْ: كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أَنَّهُ ابْنُهَا من شدة ٦١/ب وَجْدِهَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَادَتْ تَقُولُ: وَابْنَاهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا رَأَتِ التَّابُوتَ يَرْفَعُهُ مَوْجٌ وَيَضَعُهُ آخَرُ خَشِيَتْ عَلَيْهِ الْغَرَقَ فَكَادَتْ تَصِيحُ مِنْ شَفَقَتِهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَادَتْ تُظْهِرُ أَنَّهُ ابْنُهَا، وَذَلِكَ حِينَ سَمِعَتِ النَّاسَ يَقُولُونَ لِمُوسَى بَعْدَمَا شَبَّ: مُوسَى بْنُ فِرْعَوْنَ، فَشَقَّ عَلَيْهَا فَكَادَتْ تَقُولُ: بَلْ هُوَ ابْنِي. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَى الْوَحْيِ أَيْ: كَادَتْ تُبْدِي بِالْوَحْيِ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهَا [[ذكر هذه الأقوال الطبري: ٢٠ / ٣٧-٣٨، ثم قال: "والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين ذكرنا قولهم أنهم قالوا: إن كادت لتقول: يا بنياه! لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، وأنه عقيب قوله: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغا" فلأن يكون لو لم يكن ممن ذكرنا في ذلك إجماع على ذلك من ذكر موسى، لقربه منه، أشبه من أن يكون من ذكر الوحي..".]] .

﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بِالْعِصْمَةِ وَالصَّبْرِ وَالتَّثْبِيتِ، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِينَ لِوَعْدِ اللَّهِ حِينَ قَالَ لَهَا: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾

﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ أَيْ: لِمَرْيَمَ أُخْتِ مُوسَى: ﴿قُصِّيهِ﴾ اتْبَعِي أَثَرَهُ حَتَّى تَعْلَمِي خَبَرَهُ، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أَيْ: عَنْ بُعْدٍ، وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَمْشِي جَانِبًا وتنظر اختلاسا تري أَنَّهَا لَا تَنْظُرُهُ، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّهَا أُخْتُهُ وَأَنَّهَا تَرْقُبُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ امرأة فرعون كل هَمُّهَا مِنَ الدُّنْيَا أَنْ تَجِدَ لَهُ مُرْضِعَةً، فَكُلَّمَا أَتَوْا بِمُرْضِعَةٍ لَمْ يَأْخُذْ ثَدْيَهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ أَيْ: خَالِيًا مَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى وَهَمِّهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ [[انظر الدر المنثور: ٦ / ٣٩٤-٣٩٥، وهو ما رجحه الطبري: ٢٠ / ٣٧.]] . وَقَالَ الْحَسَنُ: "فَارِغًا" أَيْ: نَاسِيًا لِلْوَحْيِ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا حِينَ أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ وَلَا تَخَافُ وَلَا تَحْزَنُ، وَالْعَهْدُ الَّذِي عَهَدَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهَا وَيَجْعَلَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَجَاءَهَا الشَّيْطَانُ فَقَالَ: كَرِهْتِ أَنْ يَقْتُلَ فِرْعَوْنُ وَلَدَكِ فَيَكُونَ لَكِ أَجْرُهُ وَثَوَابُهُ وَتَوَلَّيْتِ أَنْتِ قَتْلَهُ فَأَلْقَيْتِهِ فِي الْبَحْرِ، وَأَغْرَقْتِهِ، وَلَمَّا أَتَاهَا الْخَبَرُ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ أَصَابَهُ فِي النِّيلِ قَالَتْ: إِنَّهُ وَقَعَ فِي يَدِ عَدُوِّهِ الَّذِي فَرَرْتُ مِنْهُ، فَأَنْسَاهَا عَظِيمُ الْبَلَاءِ مَا كَانَ مِنْ عَهْدِ اللَّهِ إِلَيْهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: "فَارِغًا" أَيْ: فَارِغًا مِنَ الْحُزْنِ، لِعِلْمِهَا بِصِدْقِ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْكَرَ الْقُتَيْبِيُّ هَذَا، وَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: "إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا"؟ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ قِيلَ الْهَاءُ فِي "بِهِ" رَاجِعَةٌ إِلَى مُوسَى، أَيْ: كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أَنَّهُ ابْنُهَا من شدة ٦١/ب وَجْدِهَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَادَتْ تَقُولُ: وَابْنَاهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا رَأَتِ التَّابُوتَ يَرْفَعُهُ مَوْجٌ وَيَضَعُهُ آخَرُ خَشِيَتْ عَلَيْهِ الْغَرَقَ فَكَادَتْ تَصِيحُ مِنْ شَفَقَتِهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَادَتْ تُظْهِرُ أَنَّهُ ابْنُهَا، وَذَلِكَ حِينَ سَمِعَتِ النَّاسَ يَقُولُونَ لِمُوسَى بَعْدَمَا شَبَّ: مُوسَى بْنُ فِرْعَوْنَ، فَشَقَّ عَلَيْهَا فَكَادَتْ تَقُولُ: بَلْ هُوَ ابْنِي. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَى الْوَحْيِ أَيْ: كَادَتْ تُبْدِي بِالْوَحْيِ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهَا [[ذكر هذه الأقوال الطبري: ٢٠ / ٣٧-٣٨، ثم قال: "والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين ذكرنا قولهم أنهم قالوا: إن كادت لتقول: يا بنياه! لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، وأنه عقيب قوله: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغا" فلأن يكون لو لم يكن ممن ذكرنا في ذلك إجماع على ذلك من ذكر موسى، لقربه منه، أشبه من أن يكون من ذكر الوحي..".]] .

﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بِالْعِصْمَةِ وَالصَّبْرِ وَالتَّثْبِيتِ، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِينَ لِوَعْدِ اللَّهِ حِينَ قَالَ لَهَا: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾

﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ أَيْ: لِمَرْيَمَ أُخْتِ مُوسَى: ﴿قُصِّيهِ﴾ اتْبَعِي أَثَرَهُ حَتَّى تَعْلَمِي خَبَرَهُ، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أَيْ: عَنْ بُعْدٍ، وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَمْشِي جَانِبًا وتنظر اختلاسا تري أَنَّهَا لَا تَنْظُرُهُ، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّهَا أُخْتُهُ وَأَنَّهَا تَرْقُبُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ امرأة فرعون كل هَمُّهَا مِنَ الدُّنْيَا أَنْ تَجِدَ لَهُ مُرْضِعَةً، فَكُلَّمَا أَتَوْا بِمُرْضِعَةٍ لَمْ يَأْخُذْ ثَدْيَهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾

﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ وَالْمُرَادُ مِنَ التَّحْرِيمِ الْمَنْعُ، وَالْمَرَاضِعُ: جَمْعُ الْمُرْضِعِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ أُمِّ مُوسَى، فَلَمَّا رَأَتْ أُخْتُ مُوسَى الَّتِي أَرْسَلَتْهَا أُمُّهُ فِي طَلَبِهِ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُمْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ؟ وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّ مُوسَى مَكَثَ ثَمَانِ لَيَالٍ لَا يَقْبَلُ ثَدْيًا وَيَصِيحُ وَهُمْ فِي طَلَبِ مُرْضِعَةٍ لَهُ.

﴿فَقَالَتْ﴾ يَعْنِي أُخْتَ مُوسَى، ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أَيْ: يَضْمَنُونَهُ [[في "أ": يضمونه.]] ﴿لَكُمْ﴾ وَيُرْضِعُونَهُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ قَدْ قُتِلَ وَلَدُهَا فَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيْهَا أَنْ تَجِدَ صَغِيرًا تُرْضِعُهُ، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ وَالنُّصْحُ ضِدُّ الْغِشِّ، وَهُوَ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ شَوَائِبِ الْفَسَادِ، قَالُوا: نَعَمْ فَأْتِيْنَا بِهَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالسُّدِّيُّ: لَمَّا قَالَتْ أُخْتُ مُوسَى: "وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ" أَخَذُوهَا وَقَالُوا: إِنَّكِ قَدْ عَرَفْتِ هَذَا الْغُلَامَ فَدُلِّينَا عَلَى أَهْلِهِ. فَقَالَتْ: مَا أَعْرِفُهُ، وَقُلْتُ هُمْ لِلْمَلِكِ نَاصِحُونَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّمَا قُلْتُ هَذَا رَغْبَةً فِي سُرُورِ الْمَلِكِ وَاتِّصَالِنَا بِهِ. وَقِيلَ إِنَّهَا لَمَّا قَالَتْ: "هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ" قَالُوا لَهَا: مَنْ؟ قَالَتْ: أُمِّي قَالُوا: وَلِأُمِّكِ ابْنٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَارُونُ، وَكَانَ هَارُونُ وُلِدَ فِي سَنَةٍ لَا يُقَتَّلُ فِيهَا، قَالُوا: صَدَقْتِ، فَأْتِينَا بِهَا، فَانْطَلَقَتْ إِلَى أُمِّهَا وَأَخْبَرَتْهَا بِحَالِ ابْنِهَا، وَجَاءَتْ بِهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَجَدَ الصَّبِيُّ رِيحَ أُمِّهُ قَبِلَ ثَدْيَهَا، وَجَعَلَ يَمُصُّهُ حَتَّى امْتَلَأَ جَنْبَاهُ رِيًّا. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا يُعْطُونَهَا كُلَّ يَوْمٍ دِينَارًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾

﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بِرَدِّ مُوسَى إِلَيْهَا، ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ أَيْ: وَلِئَلَّا تَحْزَنَ، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بِرَدِّهِ إِلَيْهَا، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَهَا رَدَّهُ إِلَيْهَا.

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: الْأَشُدُّ مَا بَيْنَ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً. [قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، ﴿وَاسْتَوَى﴾ أَيْ: بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] ، وَرَوَاهُ [[في "ب": وهذه رواية.]] سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: اسْتَوَى انْتَهَى شَبَابُهُ ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أَيِ: الْفِقْهَ وَالْعَقْلَ وَالْعِلْمَ فِي الدِّينِ، فَعَلِمَ مُوسَى وَحَكَمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيًّا، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ وَالْمُرَادُ مِنَ التَّحْرِيمِ الْمَنْعُ، وَالْمَرَاضِعُ: جَمْعُ الْمُرْضِعِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ أُمِّ مُوسَى، فَلَمَّا رَأَتْ أُخْتُ مُوسَى الَّتِي أَرْسَلَتْهَا أُمُّهُ فِي طَلَبِهِ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُمْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ؟ وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّ مُوسَى مَكَثَ ثَمَانِ لَيَالٍ لَا يَقْبَلُ ثَدْيًا وَيَصِيحُ وَهُمْ فِي طَلَبِ مُرْضِعَةٍ لَهُ.

﴿فَقَالَتْ﴾ يَعْنِي أُخْتَ مُوسَى، ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أَيْ: يَضْمَنُونَهُ [[في "أ": يضمونه.]] ﴿لَكُمْ﴾ وَيُرْضِعُونَهُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ قَدْ قُتِلَ وَلَدُهَا فَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيْهَا أَنْ تَجِدَ صَغِيرًا تُرْضِعُهُ، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ وَالنُّصْحُ ضِدُّ الْغِشِّ، وَهُوَ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ شَوَائِبِ الْفَسَادِ، قَالُوا: نَعَمْ فَأْتِيْنَا بِهَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالسُّدِّيُّ: لَمَّا قَالَتْ أُخْتُ مُوسَى: "وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ" أَخَذُوهَا وَقَالُوا: إِنَّكِ قَدْ عَرَفْتِ هَذَا الْغُلَامَ فَدُلِّينَا عَلَى أَهْلِهِ. فَقَالَتْ: مَا أَعْرِفُهُ، وَقُلْتُ هُمْ لِلْمَلِكِ نَاصِحُونَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّمَا قُلْتُ هَذَا رَغْبَةً فِي سُرُورِ الْمَلِكِ وَاتِّصَالِنَا بِهِ. وَقِيلَ إِنَّهَا لَمَّا قَالَتْ: "هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ" قَالُوا لَهَا: مَنْ؟ قَالَتْ: أُمِّي قَالُوا: وَلِأُمِّكِ ابْنٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَارُونُ، وَكَانَ هَارُونُ وُلِدَ فِي سَنَةٍ لَا يُقَتَّلُ فِيهَا، قَالُوا: صَدَقْتِ، فَأْتِينَا بِهَا، فَانْطَلَقَتْ إِلَى أُمِّهَا وَأَخْبَرَتْهَا بِحَالِ ابْنِهَا، وَجَاءَتْ بِهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَجَدَ الصَّبِيُّ رِيحَ أُمِّهُ قَبِلَ ثَدْيَهَا، وَجَعَلَ يَمُصُّهُ حَتَّى امْتَلَأَ جَنْبَاهُ رِيًّا. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا يُعْطُونَهَا كُلَّ يَوْمٍ دِينَارًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾

﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بِرَدِّ مُوسَى إِلَيْهَا، ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ أَيْ: وَلِئَلَّا تَحْزَنَ، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بِرَدِّهِ إِلَيْهَا، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَهَا رَدَّهُ إِلَيْهَا.

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: الْأَشُدُّ مَا بَيْنَ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً. [قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، ﴿وَاسْتَوَى﴾ أَيْ: بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] ، وَرَوَاهُ [[في "ب": وهذه رواية.]] سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: اسْتَوَى انْتَهَى شَبَابُهُ ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أَيِ: الْفِقْهَ وَالْعَقْلَ وَالْعِلْمَ فِي الدِّينِ، فَعَلِمَ مُوسَى وَحَكَمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيًّا، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ وَالْمُرَادُ مِنَ التَّحْرِيمِ الْمَنْعُ، وَالْمَرَاضِعُ: جَمْعُ الْمُرْضِعِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ أُمِّ مُوسَى، فَلَمَّا رَأَتْ أُخْتُ مُوسَى الَّتِي أَرْسَلَتْهَا أُمُّهُ فِي طَلَبِهِ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُمْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ؟ وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّ مُوسَى مَكَثَ ثَمَانِ لَيَالٍ لَا يَقْبَلُ ثَدْيًا وَيَصِيحُ وَهُمْ فِي طَلَبِ مُرْضِعَةٍ لَهُ.

﴿فَقَالَتْ﴾ يَعْنِي أُخْتَ مُوسَى، ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أَيْ: يَضْمَنُونَهُ [[في "أ": يضمونه.]] ﴿لَكُمْ﴾ وَيُرْضِعُونَهُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ قَدْ قُتِلَ وَلَدُهَا فَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيْهَا أَنْ تَجِدَ صَغِيرًا تُرْضِعُهُ، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ وَالنُّصْحُ ضِدُّ الْغِشِّ، وَهُوَ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ شَوَائِبِ الْفَسَادِ، قَالُوا: نَعَمْ فَأْتِيْنَا بِهَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالسُّدِّيُّ: لَمَّا قَالَتْ أُخْتُ مُوسَى: "وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ" أَخَذُوهَا وَقَالُوا: إِنَّكِ قَدْ عَرَفْتِ هَذَا الْغُلَامَ فَدُلِّينَا عَلَى أَهْلِهِ. فَقَالَتْ: مَا أَعْرِفُهُ، وَقُلْتُ هُمْ لِلْمَلِكِ نَاصِحُونَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّمَا قُلْتُ هَذَا رَغْبَةً فِي سُرُورِ الْمَلِكِ وَاتِّصَالِنَا بِهِ. وَقِيلَ إِنَّهَا لَمَّا قَالَتْ: "هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ" قَالُوا لَهَا: مَنْ؟ قَالَتْ: أُمِّي قَالُوا: وَلِأُمِّكِ ابْنٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَارُونُ، وَكَانَ هَارُونُ وُلِدَ فِي سَنَةٍ لَا يُقَتَّلُ فِيهَا، قَالُوا: صَدَقْتِ، فَأْتِينَا بِهَا، فَانْطَلَقَتْ إِلَى أُمِّهَا وَأَخْبَرَتْهَا بِحَالِ ابْنِهَا، وَجَاءَتْ بِهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا وَجَدَ الصَّبِيُّ رِيحَ أُمِّهُ قَبِلَ ثَدْيَهَا، وَجَعَلَ يَمُصُّهُ حَتَّى امْتَلَأَ جَنْبَاهُ رِيًّا. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا يُعْطُونَهَا كُلَّ يَوْمٍ دِينَارًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾

﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بِرَدِّ مُوسَى إِلَيْهَا، ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ أَيْ: وَلِئَلَّا تَحْزَنَ، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بِرَدِّهِ إِلَيْهَا، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَهَا رَدَّهُ إِلَيْهَا.

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: الْأَشُدُّ مَا بَيْنَ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً. [قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، ﴿وَاسْتَوَى﴾ أَيْ: بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] ، وَرَوَاهُ [[في "ب": وهذه رواية.]] سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: اسْتَوَى انْتَهَى شَبَابُهُ ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أَيِ: الْفِقْهَ وَالْعَقْلَ وَالْعِلْمَ فِي الدِّينِ، فَعَلِمَ مُوسَى وَحَكَمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيًّا، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ يَعْنِي: دَخَلَ مُوسَى الْمَدِينَةَ. قَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ مَدِينَةُ "مَنْفَ" مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَتْ قَرْيَةَ "حَابِينَ" عَلَى رَأْسِ فَرْسَخَيْنِ مِنْ مِصْرَ. وَقِيلَ: مَدِينَةُ "عَيْنِ الشَّمْسِ" [[في "أ": عين شمس.]] ، ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وَقْتَ الْقَائِلَةِ وَاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْقَيْلُولَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: دَخَلَهَا فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ؛ قَالَ السُّدِّيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُسَمَّى ابْنُ فِرْعَوْنَ، فَكَانَ يَرْكَبُ مَرَاكِبَ فِرْعَوْنَ وَيَلْبَسُ مِثْلَ مَلَابِسِهِ، فَرَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُوسَى، فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى قِيلَ لَهُ: إِنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ رَكِبَ، فَرَكِبَ فِي أَثَرِهِ فَأَدْرَكَهُ الْمَقِيلُ بِأَرْضِ "مَنْفَ" فَدَخَلَهَا نِصْفَ النَّهَارِ، وَلَيْسَ فِي طَرَفِهَا أَحَدٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ لِمُوسَى شِيعَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ وَيَقْتَدُونَ بِهِ، فَلَمَّا عَرَفَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ رَأَى فِرَاقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَخَالَفَهُمْ فِي دِينِهِ حَتَّى ذُكِرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَخَافُوهُ وَخَافَهُمْ، فَكَانَ لَا يَدْخُلُ قَرْيَةً إلا خائفا مستخيفا، فَدَخَلَهَا يَوْمًا عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمَّا عَلَا مُوسَى فِرْعَوْنَ بِالْعَصَا فِي صِغَرِهِ، فَأَرَادَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ، قَالَتِ امْرَأَتُهُ: هُوَ صَغِيرٌ، فَتَرَكَ قَتْلَهُ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مَدِينَتِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ كَبُرَ وَبَلَغَ أَشُدَّهُ فَدَخْلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، يَعْنِي: عَنْ ذِكْرِ مُوسَى، أَيْ: مِنْ بَعْدِ نِسْيَانِهِمْ خَبَرَهُ وَأَمْرَهُ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِهِ [[أخرج هذه الأقوال الطبري: ٢٠ / ٤٣-٤٤، ثم قال: "وأولى الأقوال في الصحة بذلك أن يقال كما قال جل ثناؤه: (ولما بلغ أشده واستوى.. ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) ": أي حسبنا هذا، إذ لم يرد نص صحيح في سبب دخوله عليه السلام المدينة على حين غفلة من أهلها.]] .

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: "حِينِ غَفْلَةٍ" كَانَ يَوْمَ عِيدٍ لَهُمْ قَدِ اشْتَغَلُوا بِلَهْوِهِمْ وَلَعِبِهِمْ.

﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ يَخْتَصِمَانِ وَيَتَنَازَعَانِ، ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ مِنَ الْقِبْطِ، قِيلَ: الَّذِي كَانَ مِنْ شِيعَتِهِ السَّامِرِيُّ، وَالَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ مِنَ الْقِبْطِ، قِيلَ: طَبَّاخُ فِرْعَوْنَ اسْمُهُ فَلْيَثُونُ. وَقِيلَ: "هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ. وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ" أَيْ: هَذَا مُؤْمِنٌ وَهَذَا كَافِرٌ، وَكَانَ الْقِبْطِيُّ يُسَخِّرُ الْإِسْرَائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ الْحَطَبَ إِلَى الْمَطْبَخِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا بَلَغَ مُوسَى أَشُدَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَخْلُصُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِظُلْمٍ حَتَّى امْتَنَعُوا كُلَّ الِامْتِنَاعِ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدْ عَزُّوا بِمَكَانِ مُوسَى، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْهُمْ، فوجد موسى رجلان يَقْتَتِلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْآخَرُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ فَاسْتَغَاثَهُ الْإِسْرَائِيلِيُّ عَلَى الْفِرْعَوْنِيِّ، وَالِاسْتِغَاثَةُ: طَلَبُ الْغَوْثِ، فَغَضِبَ مُوسَى وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْزِلَةَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَحِفْظَهُ لَهُمْ، وَلَا يَعْلَمُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ الرَّضَاعَةِ مِنْ أُمِّ مُوسَى، فَقَالَ لِلْفِرْعَوْنِيِّ: خَلِّ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذْتُهُ لِيَحْمِلَ الْحَطَبَ إِلَى مَطْبَخِ أَبِيكَ، فَنَازَعَهُ، فقال الفرعوني ٦٢/ألَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَحْمِلَهُ عَلَيْكَ، وَكَانَ مُوسَى قَدْ أُوتِيَ بَسْطَةً فِي الْخَلْقِ وَشِدَّةً فِي الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلَكَزَهُ مُوسَى"، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ. وَقِيلَ: "الْوَكْزُ" الضَّرْبُ في الصدر و"اللكز" فِي الظَّهْرِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الدَّفْعُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْوَكْزُ الدَّفْعُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ: عَقَدَ مُوسَى ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ وَضَرَبَهُ فِي صَدْرِهِ، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أَيْ: فَقَتَلَهُ وَفَرَغَ مِنْ أَمْرِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَرَغْتَ مِنْهُ فَقَدْ قَضَيْتَهُ وَقَضَيْتَ عَلَيْهِ، فَنَدِمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْقَتْلَ، فَدَفَنَهُ فِي الرَّمْلِ، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أَيْ: بَيِّنُ الضَّلَالَةِ.

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بِقَتْلِ الْقِبْطِيِّ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ، ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بِالْمَغْفِرَةِ، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ عَوْنًا، ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِلْكَافِرِينَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيَّ الَّذِي أَعَانَهُ مُوسَى كَانَ كَافِرًا، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ، قَالَ قَتَادَةُ: لَنْ أُعِينَ بَعْدَهَا عَلَى خَطِيئَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَسْتَثْنِ فَابْتُلِيَ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي.

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بِقَتْلِ الْقِبْطِيِّ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ، ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بِالْمَغْفِرَةِ، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ عَوْنًا، ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِلْكَافِرِينَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيَّ الَّذِي أَعَانَهُ مُوسَى كَانَ كَافِرًا، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ، قَالَ قَتَادَةُ: لَنْ أُعِينَ بَعْدَهَا عَلَى خَطِيئَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَسْتَثْنِ فَابْتُلِيَ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي.

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا الْقِبْطِيَّ، ﴿خَائِفًا﴾ مِنْ قَتْلِهِ الْقِبْطِيَّ، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يَنْتَظِرُ سُوءًا، وَالتَّرَقُّبُ: انْتِظَارُ الْمَكْرُوهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْخَذُ بِهِ، ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَسْتَغِيثُهُ وَيَصِيحُ بِهِ مِنْ بُعْدٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُتِيَ فِرْعَوْنُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلُوا مِنَّا رَجُلًا فَخُذْ لَنَا بِحَقِّنَا، فَقَالَ: ابْغُوا لِي قَاتِلَهُ وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقْضِيَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَطُوفُونَ لَا يَجِدُونَ بَيِّنَةً إِذْ مَرَّ مُوسَى مِنَ الْغَدِ فَرَأَى ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيَّ يُقَاتِلُ فِرْعَوْنِيًّا فَاسْتَغَاثَهُ عَلَى الْفِرْعَوْنِيِّ فَصَادَفَ مُوسَى، وَقَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ بِالْأَمْسِ مِنْ قَتْلِ الْقِبْطِيِّ، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ظَاهِرُ الْغَوَايَةِ قَاتَلْتَ بِالْأَمْسِ رَجُلًا فَقَتَلْتُهُ بِسَبَبِكِ، وَتُقَاتِلُ الْيَوْمَ آخَرَ وَتَسْتَغِيثُنِي عَلَيْهِ؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ مُوسَى لِلْفِرْعَوْنِيِّ: إِنَّكَ لَغَوِيُّ مُبِينٌ بِظُلْمِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ.

﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ [[في "أ": الرأفة.]] بِالْإِسْرَائِيلِيِّ فَمَدَّ يَدَهُ لِيَبْطِشَ بِالْفِرْعَوْنِيِّ، فَظَنَّ الْإِسْرَائِيلِيُّ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ لِمَا رَأَى مِنْ غَضَبِهِ وَسَمِعَ قَوْلَهُ: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ﴾ مَا تُرِيدُ، ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ فَلَمَّا سَمِعَ الْقِبْطِيُّ مَا قَالَ الْإِسْرَائِيلِيُّ عَلِمَ أن موسى هوالذي قَتَلَ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِيَّ، فَانْطَلَقَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ مُوسَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَرْسَلَ فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ لِقَتْلِ مُوسَى أَخَذُوا الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ.

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ مِنْ شِيعَةِ مُوسَى، ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مِنْ آخِرِهَا، قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: اسْمُهُ "حَزْبِيلُ" مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَقِيلَ: اسْمُهُ "شَمْعُونُ"، وَقِيلَ: "شَمْعَانُ"، ﴿يَسْعَى﴾

أَيْ: يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ، فَأَخَذَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتَّى سَبَقَ إِلَى موسى فأخبره وأنذروه حَتَّى أَخَذَ طَرِيقًا آخَرَ، ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يَعْنِي: أَشْرَافَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يَتَشَاوَرُونَ فِيكَ، ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِقَتْلِكَ، ﴿فَاخْرُجْ﴾ مِنَ الْمَدِينَةِ، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فِي الْأَمْرِ لَكَ بِالْخُرُوجِ.

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا الْقِبْطِيَّ، ﴿خَائِفًا﴾ مِنْ قَتْلِهِ الْقِبْطِيَّ، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يَنْتَظِرُ سُوءًا، وَالتَّرَقُّبُ: انْتِظَارُ الْمَكْرُوهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْخَذُ بِهِ، ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَسْتَغِيثُهُ وَيَصِيحُ بِهِ مِنْ بُعْدٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُتِيَ فِرْعَوْنُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلُوا مِنَّا رَجُلًا فَخُذْ لَنَا بِحَقِّنَا، فَقَالَ: ابْغُوا لِي قَاتِلَهُ وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقْضِيَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَطُوفُونَ لَا يَجِدُونَ بَيِّنَةً إِذْ مَرَّ مُوسَى مِنَ الْغَدِ فَرَأَى ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيَّ يُقَاتِلُ فِرْعَوْنِيًّا فَاسْتَغَاثَهُ عَلَى الْفِرْعَوْنِيِّ فَصَادَفَ مُوسَى، وَقَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ بِالْأَمْسِ مِنْ قَتْلِ الْقِبْطِيِّ، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ظَاهِرُ الْغَوَايَةِ قَاتَلْتَ بِالْأَمْسِ رَجُلًا فَقَتَلْتُهُ بِسَبَبِكِ، وَتُقَاتِلُ الْيَوْمَ آخَرَ وَتَسْتَغِيثُنِي عَلَيْهِ؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ مُوسَى لِلْفِرْعَوْنِيِّ: إِنَّكَ لَغَوِيُّ مُبِينٌ بِظُلْمِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ.

﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ [[في "أ": الرأفة.]] بِالْإِسْرَائِيلِيِّ فَمَدَّ يَدَهُ لِيَبْطِشَ بِالْفِرْعَوْنِيِّ، فَظَنَّ الْإِسْرَائِيلِيُّ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ لِمَا رَأَى مِنْ غَضَبِهِ وَسَمِعَ قَوْلَهُ: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ﴾ مَا تُرِيدُ، ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ فَلَمَّا سَمِعَ الْقِبْطِيُّ مَا قَالَ الْإِسْرَائِيلِيُّ عَلِمَ أن موسى هوالذي قَتَلَ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِيَّ، فَانْطَلَقَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ مُوسَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَرْسَلَ فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ لِقَتْلِ مُوسَى أَخَذُوا الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ.

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ مِنْ شِيعَةِ مُوسَى، ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مِنْ آخِرِهَا، قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: اسْمُهُ "حَزْبِيلُ" مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَقِيلَ: اسْمُهُ "شَمْعُونُ"، وَقِيلَ: "شَمْعَانُ"، ﴿يَسْعَى﴾

أَيْ: يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ، فَأَخَذَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتَّى سَبَقَ إِلَى موسى فأخبره وأنذروه حَتَّى أَخَذَ طَرِيقًا آخَرَ، ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يَعْنِي: أَشْرَافَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يَتَشَاوَرُونَ فِيكَ، ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِقَتْلِكَ، ﴿فَاخْرُجْ﴾ مِنَ الْمَدِينَةِ، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فِي الْأَمْرِ لَكَ بِالْخُرُوجِ.

﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا الْقِبْطِيَّ، ﴿خَائِفًا﴾ مِنْ قَتْلِهِ الْقِبْطِيَّ، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يَنْتَظِرُ سُوءًا، وَالتَّرَقُّبُ: انْتِظَارُ الْمَكْرُوهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْخَذُ بِهِ، ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَسْتَغِيثُهُ وَيَصِيحُ بِهِ مِنْ بُعْدٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُتِيَ فِرْعَوْنُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلُوا مِنَّا رَجُلًا فَخُذْ لَنَا بِحَقِّنَا، فَقَالَ: ابْغُوا لِي قَاتِلَهُ وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقْضِيَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَطُوفُونَ لَا يَجِدُونَ بَيِّنَةً إِذْ مَرَّ مُوسَى مِنَ الْغَدِ فَرَأَى ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيَّ يُقَاتِلُ فِرْعَوْنِيًّا فَاسْتَغَاثَهُ عَلَى الْفِرْعَوْنِيِّ فَصَادَفَ مُوسَى، وَقَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ بِالْأَمْسِ مِنْ قَتْلِ الْقِبْطِيِّ، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ظَاهِرُ الْغَوَايَةِ قَاتَلْتَ بِالْأَمْسِ رَجُلًا فَقَتَلْتُهُ بِسَبَبِكِ، وَتُقَاتِلُ الْيَوْمَ آخَرَ وَتَسْتَغِيثُنِي عَلَيْهِ؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ مُوسَى لِلْفِرْعَوْنِيِّ: إِنَّكَ لَغَوِيُّ مُبِينٌ بِظُلْمِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِلْإِسْرَائِيلِيِّ.

﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى أَدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ [[في "أ": الرأفة.]] بِالْإِسْرَائِيلِيِّ فَمَدَّ يَدَهُ لِيَبْطِشَ بِالْفِرْعَوْنِيِّ، فَظَنَّ الْإِسْرَائِيلِيُّ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ لِمَا رَأَى مِنْ غَضَبِهِ وَسَمِعَ قَوْلَهُ: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ﴾ مَا تُرِيدُ، ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ فَلَمَّا سَمِعَ الْقِبْطِيُّ مَا قَالَ الْإِسْرَائِيلِيُّ عَلِمَ أن موسى هوالذي قَتَلَ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِيَّ، فَانْطَلَقَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ مُوسَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَرْسَلَ فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ لِقَتْلِ مُوسَى أَخَذُوا الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ.

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ مِنْ شِيعَةِ مُوسَى، ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مِنْ آخِرِهَا، قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: اسْمُهُ "حَزْبِيلُ" مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَقِيلَ: اسْمُهُ "شَمْعُونُ"، وَقِيلَ: "شَمْعَانُ"، ﴿يَسْعَى﴾

أَيْ: يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ، فَأَخَذَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتَّى سَبَقَ إِلَى موسى فأخبره وأنذروه حَتَّى أَخَذَ طَرِيقًا آخَرَ، ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يَعْنِي: أَشْرَافَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يَتَشَاوَرُونَ فِيكَ، ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِقَتْلِكَ، ﴿فَاخْرُجْ﴾ مِنَ الْمَدِينَةِ، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فِي الْأَمْرِ لَكَ بِالْخُرُوجِ.

﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾ مُوسَى، ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أَيْ: يَنْتَظِرُ الطَّلَبَ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الْكَافِرِينَ، وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ فِرْعَوْنَ بَعْثَ فِي طَلَبِهِ حِينَ أُخْبِرَ بِهَرَبِهِ فَقَالَ ارْكَبُوا ثَنَيَاتِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ الطَّرِيقُ.

﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أَيْ: قَصَدَ نَحْوَهَا مَاضِيًا إِلَيْهَا، يُقَالُ: دَارُهُ تِلْقَاءَ دَارِ فُلَانٍ، إذا كانت محاذيتها، وَأَصْلُهُ مِنَ اللِّقَاءِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: يَعْنِي سَلَكَ الطَّرِيقَ الَّذِي تِلْقَاءَ مَدْيَنَ فِيهَا، وَمَدْيَنُ هُوَ مَدْيَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سُمِّيَتِ الْبَلْدَةُ بِاسْمِهِ، وَكَانَ مُوسَى قَدْ خَرَجَ خَائِفًا بِلَا ظَهْرٍ وَلَا حِذَاءٍ وَلَا زَادٍ، وَكَانَتْ مَدْيَنُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ مِصْرَ، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: قَصْدَ الطَّرِيقِ إِلَى مَدْيَنَ، قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفِ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا قَبْلُ، فَلَّمَا دَعَا جَاءَهُ مَلِكٌ بِيَدِهِ عَنَزَةٌ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَدْيَنَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: خَرَجَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ وَالْبَقْلُ، حَتَّى يَرَى خُضْرَتَهُ فِي بَطْنِهِ، وَمَا وَصَلَ إِلَى مَدْيَنَ حَتَّى وَقْعَ خُفُّ قَدَمَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَوَّلُ ابْتِلَاءٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ وَهُوَ بِئْرٌ كَانُوا يَسْقُونَ مِنْهَا مَوَاشِيَهُمْ، ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جَمَاعَةً ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مَوَاشِيَهُمْ، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ يَعْنِي: سِوَى الْجَمَاعَةِ، ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ يَعْنِي: تَحْبِسَانِ وَتَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنِ الْمَاءِ حَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ وَتَخْلُوَ لَهُمُ الْبِئْرُ، قَالَ الْحَسَنُ: تَكُفَّانِ الْغَنَمَ عَنْ أَنْ تَخْتَلِطَ بِأَغْنَامِ النَّاسِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: تَكُفَّانِ النَّاسَ عَنْ أَغْنَامِهِمَا. وَقِيلَ: تَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنْ أَنْ تَشِذَّ وَتَذْهَبَ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصْوَبُهَا، لِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿قَالَ﴾ يَعْنِي: مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ، ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ مَا شَأْنُكُمَا لَا تَسْقِيَانِ مَوَاشِيَكُمَا مَعَ النَّاسِ؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ أَغْنَامَنَا، ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ: "يَصْدُرَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الدَّالِ عَلَى اللُّزُومِ، أَيْ: حَتَّى يَرْجِعَ الرِّعَاءُ عَنِ الْمَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ: حَتَّى يَصْرِفُوا هُمْ مَوَاشِيَهُمْ عَنِ الْمَاءِ، وَ"الرِّعَاءُ" جَمْعُ رَاعٍ، مِثَلَ: تَاجِرٍ وَتُجَّارٍ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا نَسْقِي مَوَاشِيَنَا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ، لِأَنَّا امْرَأَتَانِ لَا نُطِيقُ أَنْ نَسْقِيَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُزَاحِمَ الرِّجَالَ، فَإِذَا صَدَرُوا سَقَيْنَا مَوَاشِيَنَا مَا أَفْضَلَتْ مَوَاشِيهُمْ فِي الْحَوْضِ.

﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْقِيَ مَوَاشِيَهُ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنَا نَحْنُ إِلَى سَقْيِ الْغَنَمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِ أَبِيهِمَا، فَقَالَ مُجَاهِدٌ، والضحاك، والسدي ٦٢/ب وَالْحَسَنُ: هُوَ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ يَثْرُونُ [[قال ابن كثير: إن هذا موجود في كتب بني إسرائيل.]] بْنُ أَخِي شُعَيْبٍ، وَكَانَ شُعَيْبٌ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرُهُ، فَدُفِنَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ. وَقِيلَ: رَجُلٌ مِمَّنْ آمَنَ بِشُعَيْبٍ [[قال الطبري رحمه الله (٢٠ / ٦٢) : "وهذا مما لا يدرك علمه إلا بخير، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جل ثناؤه..". وبعد أن ذكر ابن كثير الآراء السالفة قال: (٣ / ٣٨٥-٣٨٦) : "وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة لأنه قال لقومه: (وما قوم لوط منكم ببعيد) وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل إن شعيبا عاش مدة طويلة إنما هو -والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب: أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده".

ولذلك قال الأستاذ سيد قطب في "الظلال" (٥ / ٢٦٨٧) تعليق (١) -طبعة دار الشروق- " ... وأنا الآن أميل إلى ترجيح أنه ليس هو -شعيب- وإنما هو شيخ آخر من مدين. والذي يحمل على هذا الترجيح: أن هذا الرجل شيخ كبير. وشعيب شهد مهلك قومه، المكذبين له، ولم يبق معه إلا المؤمنون به، فلو كان هو شعيب -النبي- بين بقية قومه المؤمنين، ما سقوا قبل بنتي نبيهم الشيخ الكبير. فليس هذا سلوك قوم مؤمنين، ولا معاملتهم لنبيهم وبناته من أول جيل!. يضاف إلى هذا: أن القرآن لم يذكر شيئا عن تعليمه لموسى صهره، ولو كان شعيبا النبي سمعنا صوت النبوة في شيء من هذا مع موسى وقد عاش معه عشر سنوات".]] قَالُوا: فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى قَوْلَهَمَا رَحِمَهُمَا فَاقْتَلَعَ صَخْرَةً مِنْ رَأْسِ بِئْرٍ أُخْرَى كَانَتْ بِقُرْبِهِمَا لَا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلَّا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ مُوسَى زَاحَمَ الْقَوْمَ وَنَحَّاهُمْ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ، فَسَقَى غَنَمَ الْمَرْأَتَيْنِ. وَيُرْوَى: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا رَجَعُوا بِأَغْنَامِهِمْ غَطَّوْا رَأْسَ الْبِئْرِ بِحَجَرٍ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشَرَةُ نَفَرٍ، فَجَاءَ مُوسَى وَرَفَعَ الْحَجَرَ وَحْدَهُ، وَسَقَى غَنَمَ الْمَرْأَتَيْنِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَزَعَ ذَنُوبًا وَاحِدًا وَدَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ، فَرَوَى مِنْهُ جَمِيعُ الْغَنَمِ [[أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في "المصنف"، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم -وصححه- عن عمر ابن الخطاب رضي عنه أثرا في ذلك، وساقه ابن كثير مختصرا. انظر: المصنف: ١١ / ٥٣٠-٥٣١، المستدرك: ٢ / ٤٠٧، الطبري: ٢٠ / ٦٤، الدر المنثور: ٦ / ٤٠٥، وابن كثير: ٣ / ٣٨٥، وليس في شيء من الروايات التي ساقها المفسرون أي: حديث مرفوع إلى النبي ﷺ في دلائل قوة موسى عليه السلام، كرفع الحجر الذي يغطي البئر، وكان لا يرفعه -فيما قالوا- إلا عشرون أو أربعون أو أكثر أو أقل ... إنما كان الرعاء يسقون فنحاهم موسى وسقى للمرأتين أو سقى لهما مع الرعاء.

ولا حاجة لما رواه كثير من المفسرين عن دلائل أمانته من قوله للفتاة: امشي خلفي ودليني على الطريق خوف أن يراها.. فهذا كله تكلف لا داعي له، ودفع لريبة لا وجود لها، وموسى -عليه السلام- عفيف النظر، نظيف الحس، وهي كذلك، والعفة والأمانة لا تحتاجان لكل هذا التكلف، فالعفة تنضح في التصرف العادي البسيط بلا تكلف ولا اصطناع!. انظر: في ظلال القرآن: ٥ / ٢٦٨٧-٢٦٨٨.]] ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾

﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾ مُوسَى، ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أَيْ: يَنْتَظِرُ الطَّلَبَ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الْكَافِرِينَ، وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ فِرْعَوْنَ بَعْثَ فِي طَلَبِهِ حِينَ أُخْبِرَ بِهَرَبِهِ فَقَالَ ارْكَبُوا ثَنَيَاتِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ الطَّرِيقُ.

﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أَيْ: قَصَدَ نَحْوَهَا مَاضِيًا إِلَيْهَا، يُقَالُ: دَارُهُ تِلْقَاءَ دَارِ فُلَانٍ، إذا كانت محاذيتها، وَأَصْلُهُ مِنَ اللِّقَاءِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: يَعْنِي سَلَكَ الطَّرِيقَ الَّذِي تِلْقَاءَ مَدْيَنَ فِيهَا، وَمَدْيَنُ هُوَ مَدْيَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سُمِّيَتِ الْبَلْدَةُ بِاسْمِهِ، وَكَانَ مُوسَى قَدْ خَرَجَ خَائِفًا بِلَا ظَهْرٍ وَلَا حِذَاءٍ وَلَا زَادٍ، وَكَانَتْ مَدْيَنُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ مِصْرَ، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: قَصْدَ الطَّرِيقِ إِلَى مَدْيَنَ، قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفِ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا قَبْلُ، فَلَّمَا دَعَا جَاءَهُ مَلِكٌ بِيَدِهِ عَنَزَةٌ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَدْيَنَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: خَرَجَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ وَالْبَقْلُ، حَتَّى يَرَى خُضْرَتَهُ فِي بَطْنِهِ، وَمَا وَصَلَ إِلَى مَدْيَنَ حَتَّى وَقْعَ خُفُّ قَدَمَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَوَّلُ ابْتِلَاءٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ وَهُوَ بِئْرٌ كَانُوا يَسْقُونَ مِنْهَا مَوَاشِيَهُمْ، ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جَمَاعَةً ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مَوَاشِيَهُمْ، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ يَعْنِي: سِوَى الْجَمَاعَةِ، ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ يَعْنِي: تَحْبِسَانِ وَتَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنِ الْمَاءِ حَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ وَتَخْلُوَ لَهُمُ الْبِئْرُ، قَالَ الْحَسَنُ: تَكُفَّانِ الْغَنَمَ عَنْ أَنْ تَخْتَلِطَ بِأَغْنَامِ النَّاسِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: تَكُفَّانِ النَّاسَ عَنْ أَغْنَامِهِمَا. وَقِيلَ: تَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنْ أَنْ تَشِذَّ وَتَذْهَبَ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصْوَبُهَا، لِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿قَالَ﴾ يَعْنِي: مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ، ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ مَا شَأْنُكُمَا لَا تَسْقِيَانِ مَوَاشِيَكُمَا مَعَ النَّاسِ؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ أَغْنَامَنَا، ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ: "يَصْدُرَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الدَّالِ عَلَى اللُّزُومِ، أَيْ: حَتَّى يَرْجِعَ الرِّعَاءُ عَنِ الْمَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ: حَتَّى يَصْرِفُوا هُمْ مَوَاشِيَهُمْ عَنِ الْمَاءِ، وَ"الرِّعَاءُ" جَمْعُ رَاعٍ، مِثَلَ: تَاجِرٍ وَتُجَّارٍ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا نَسْقِي مَوَاشِيَنَا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ، لِأَنَّا امْرَأَتَانِ لَا نُطِيقُ أَنْ نَسْقِيَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُزَاحِمَ الرِّجَالَ، فَإِذَا صَدَرُوا سَقَيْنَا مَوَاشِيَنَا مَا أَفْضَلَتْ مَوَاشِيهُمْ فِي الْحَوْضِ.

﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْقِيَ مَوَاشِيَهُ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنَا نَحْنُ إِلَى سَقْيِ الْغَنَمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِ أَبِيهِمَا، فَقَالَ مُجَاهِدٌ، والضحاك، والسدي ٦٢/ب وَالْحَسَنُ: هُوَ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ يَثْرُونُ [[قال ابن كثير: إن هذا موجود في كتب بني إسرائيل.]] بْنُ أَخِي شُعَيْبٍ، وَكَانَ شُعَيْبٌ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرُهُ، فَدُفِنَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ. وَقِيلَ: رَجُلٌ مِمَّنْ آمَنَ بِشُعَيْبٍ [[قال الطبري رحمه الله (٢٠ / ٦٢) : "وهذا مما لا يدرك علمه إلا بخير، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جل ثناؤه..". وبعد أن ذكر ابن كثير الآراء السالفة قال: (٣ / ٣٨٥-٣٨٦) : "وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة لأنه قال لقومه: (وما قوم لوط منكم ببعيد) وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل إن شعيبا عاش مدة طويلة إنما هو -والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب: أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده".

ولذلك قال الأستاذ سيد قطب في "الظلال" (٥ / ٢٦٨٧) تعليق (١) -طبعة دار الشروق- " ... وأنا الآن أميل إلى ترجيح أنه ليس هو -شعيب- وإنما هو شيخ آخر من مدين. والذي يحمل على هذا الترجيح: أن هذا الرجل شيخ كبير. وشعيب شهد مهلك قومه، المكذبين له، ولم يبق معه إلا المؤمنون به، فلو كان هو شعيب -النبي- بين بقية قومه المؤمنين، ما سقوا قبل بنتي نبيهم الشيخ الكبير. فليس هذا سلوك قوم مؤمنين، ولا معاملتهم لنبيهم وبناته من أول جيل!. يضاف إلى هذا: أن القرآن لم يذكر شيئا عن تعليمه لموسى صهره، ولو كان شعيبا النبي سمعنا صوت النبوة في شيء من هذا مع موسى وقد عاش معه عشر سنوات".]] قَالُوا: فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى قَوْلَهَمَا رَحِمَهُمَا فَاقْتَلَعَ صَخْرَةً مِنْ رَأْسِ بِئْرٍ أُخْرَى كَانَتْ بِقُرْبِهِمَا لَا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلَّا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ مُوسَى زَاحَمَ الْقَوْمَ وَنَحَّاهُمْ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ، فَسَقَى غَنَمَ الْمَرْأَتَيْنِ. وَيُرْوَى: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا رَجَعُوا بِأَغْنَامِهِمْ غَطَّوْا رَأْسَ الْبِئْرِ بِحَجَرٍ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشَرَةُ نَفَرٍ، فَجَاءَ مُوسَى وَرَفَعَ الْحَجَرَ وَحْدَهُ، وَسَقَى غَنَمَ الْمَرْأَتَيْنِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَزَعَ ذَنُوبًا وَاحِدًا وَدَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ، فَرَوَى مِنْهُ جَمِيعُ الْغَنَمِ [[أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في "المصنف"، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم -وصححه- عن عمر ابن الخطاب رضي عنه أثرا في ذلك، وساقه ابن كثير مختصرا. انظر: المصنف: ١١ / ٥٣٠-٥٣١، المستدرك: ٢ / ٤٠٧، الطبري: ٢٠ / ٦٤، الدر المنثور: ٦ / ٤٠٥، وابن كثير: ٣ / ٣٨٥، وليس في شيء من الروايات التي ساقها المفسرون أي: حديث مرفوع إلى النبي ﷺ في دلائل قوة موسى عليه السلام، كرفع الحجر الذي يغطي البئر، وكان لا يرفعه -فيما قالوا- إلا عشرون أو أربعون أو أكثر أو أقل ... إنما كان الرعاء يسقون فنحاهم موسى وسقى للمرأتين أو سقى لهما مع الرعاء.

ولا حاجة لما رواه كثير من المفسرين عن دلائل أمانته من قوله للفتاة: امشي خلفي ودليني على الطريق خوف أن يراها.. فهذا كله تكلف لا داعي له، ودفع لريبة لا وجود لها، وموسى -عليه السلام- عفيف النظر، نظيف الحس، وهي كذلك، والعفة والأمانة لا تحتاجان لكل هذا التكلف، فالعفة تنضح في التصرف العادي البسيط بلا تكلف ولا اصطناع!. انظر: في ظلال القرآن: ٥ / ٢٦٨٧-٢٦٨٨.]] ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾

﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾ مُوسَى، ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أَيْ: يَنْتَظِرُ الطَّلَبَ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الْكَافِرِينَ، وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ فِرْعَوْنَ بَعْثَ فِي طَلَبِهِ حِينَ أُخْبِرَ بِهَرَبِهِ فَقَالَ ارْكَبُوا ثَنَيَاتِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ الطَّرِيقُ.

﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أَيْ: قَصَدَ نَحْوَهَا مَاضِيًا إِلَيْهَا، يُقَالُ: دَارُهُ تِلْقَاءَ دَارِ فُلَانٍ، إذا كانت محاذيتها، وَأَصْلُهُ مِنَ اللِّقَاءِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: يَعْنِي سَلَكَ الطَّرِيقَ الَّذِي تِلْقَاءَ مَدْيَنَ فِيهَا، وَمَدْيَنُ هُوَ مَدْيَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سُمِّيَتِ الْبَلْدَةُ بِاسْمِهِ، وَكَانَ مُوسَى قَدْ خَرَجَ خَائِفًا بِلَا ظَهْرٍ وَلَا حِذَاءٍ وَلَا زَادٍ، وَكَانَتْ مَدْيَنُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ مِصْرَ، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أَيْ: قَصْدَ الطَّرِيقِ إِلَى مَدْيَنَ، قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفِ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا قَبْلُ، فَلَّمَا دَعَا جَاءَهُ مَلِكٌ بِيَدِهِ عَنَزَةٌ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَدْيَنَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: خَرَجَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ وَالْبَقْلُ، حَتَّى يَرَى خُضْرَتَهُ فِي بَطْنِهِ، وَمَا وَصَلَ إِلَى مَدْيَنَ حَتَّى وَقْعَ خُفُّ قَدَمَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَوَّلُ ابْتِلَاءٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ وَهُوَ بِئْرٌ كَانُوا يَسْقُونَ مِنْهَا مَوَاشِيَهُمْ، ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جَمَاعَةً ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مَوَاشِيَهُمْ، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ يَعْنِي: سِوَى الْجَمَاعَةِ، ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ يَعْنِي: تَحْبِسَانِ وَتَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنِ الْمَاءِ حَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ وَتَخْلُوَ لَهُمُ الْبِئْرُ، قَالَ الْحَسَنُ: تَكُفَّانِ الْغَنَمَ عَنْ أَنْ تَخْتَلِطَ بِأَغْنَامِ النَّاسِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: تَكُفَّانِ النَّاسَ عَنْ أَغْنَامِهِمَا. وَقِيلَ: تَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنْ أَنْ تَشِذَّ وَتَذْهَبَ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصْوَبُهَا، لِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿قَالَ﴾ يَعْنِي: مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ، ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ مَا شَأْنُكُمَا لَا تَسْقِيَانِ مَوَاشِيَكُمَا مَعَ النَّاسِ؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ أَغْنَامَنَا، ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ: "يَصْدُرَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الدَّالِ عَلَى اللُّزُومِ، أَيْ: حَتَّى يَرْجِعَ الرِّعَاءُ عَنِ الْمَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ: حَتَّى يَصْرِفُوا هُمْ مَوَاشِيَهُمْ عَنِ الْمَاءِ، وَ"الرِّعَاءُ" جَمْعُ رَاعٍ، مِثَلَ: تَاجِرٍ وَتُجَّارٍ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا نَسْقِي مَوَاشِيَنَا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ، لِأَنَّا امْرَأَتَانِ لَا نُطِيقُ أَنْ نَسْقِيَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُزَاحِمَ الرِّجَالَ، فَإِذَا صَدَرُوا سَقَيْنَا مَوَاشِيَنَا مَا أَفْضَلَتْ مَوَاشِيهُمْ فِي الْحَوْضِ.

﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْقِيَ مَوَاشِيَهُ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنَا نَحْنُ إِلَى سَقْيِ الْغَنَمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِ أَبِيهِمَا، فَقَالَ مُجَاهِدٌ، والضحاك، والسدي ٦٢/ب وَالْحَسَنُ: هُوَ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ يَثْرُونُ [[قال ابن كثير: إن هذا موجود في كتب بني إسرائيل.]] بْنُ أَخِي شُعَيْبٍ، وَكَانَ شُعَيْبٌ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرُهُ، فَدُفِنَ بَيْنَ الْمَقَامِ وَزَمْزَمَ. وَقِيلَ: رَجُلٌ مِمَّنْ آمَنَ بِشُعَيْبٍ [[قال الطبري رحمه الله (٢٠ / ٦٢) : "وهذا مما لا يدرك علمه إلا بخير، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جل ثناؤه..". وبعد أن ذكر ابن كثير الآراء السالفة قال: (٣ / ٣٨٥-٣٨٦) : "وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة لأنه قال لقومه: (وما قوم لوط منكم ببعيد) وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل إن شعيبا عاش مدة طويلة إنما هو -والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب: أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده".

ولذلك قال الأستاذ سيد قطب في "الظلال" (٥ / ٢٦٨٧) تعليق (١) -طبعة دار الشروق- " ... وأنا الآن أميل إلى ترجيح أنه ليس هو -شعيب- وإنما هو شيخ آخر من مدين. والذي يحمل على هذا الترجيح: أن هذا الرجل شيخ كبير. وشعيب شهد مهلك قومه، المكذبين له، ولم يبق معه إلا المؤمنون به، فلو كان هو شعيب -النبي- بين بقية قومه المؤمنين، ما سقوا قبل بنتي نبيهم الشيخ الكبير. فليس هذا سلوك قوم مؤمنين، ولا معاملتهم لنبيهم وبناته من أول جيل!. يضاف إلى هذا: أن القرآن لم يذكر شيئا عن تعليمه لموسى صهره، ولو كان شعيبا النبي سمعنا صوت النبوة في شيء من هذا مع موسى وقد عاش معه عشر سنوات".]] قَالُوا: فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى قَوْلَهَمَا رَحِمَهُمَا فَاقْتَلَعَ صَخْرَةً مِنْ رَأْسِ بِئْرٍ أُخْرَى كَانَتْ بِقُرْبِهِمَا لَا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلَّا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ مُوسَى زَاحَمَ الْقَوْمَ وَنَحَّاهُمْ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ، فَسَقَى غَنَمَ الْمَرْأَتَيْنِ. وَيُرْوَى: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا رَجَعُوا بِأَغْنَامِهِمْ غَطَّوْا رَأْسَ الْبِئْرِ بِحَجَرٍ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشَرَةُ نَفَرٍ، فَجَاءَ مُوسَى وَرَفَعَ الْحَجَرَ وَحْدَهُ، وَسَقَى غَنَمَ الْمَرْأَتَيْنِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَزَعَ ذَنُوبًا وَاحِدًا وَدَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ، فَرَوَى مِنْهُ جَمِيعُ الْغَنَمِ [[أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في "المصنف"، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم -وصححه- عن عمر ابن الخطاب رضي عنه أثرا في ذلك، وساقه ابن كثير مختصرا. انظر: المصنف: ١١ / ٥٣٠-٥٣١، المستدرك: ٢ / ٤٠٧، الطبري: ٢٠ / ٦٤، الدر المنثور: ٦ / ٤٠٥، وابن كثير: ٣ / ٣٨٥، وليس في شيء من الروايات التي ساقها المفسرون أي: حديث مرفوع إلى النبي ﷺ في دلائل قوة موسى عليه السلام، كرفع الحجر الذي يغطي البئر، وكان لا يرفعه -فيما قالوا- إلا عشرون أو أربعون أو أكثر أو أقل ... إنما كان الرعاء يسقون فنحاهم موسى وسقى للمرأتين أو سقى لهما مع الرعاء.

ولا حاجة لما رواه كثير من المفسرين عن دلائل أمانته من قوله للفتاة: امشي خلفي ودليني على الطريق خوف أن يراها.. فهذا كله تكلف لا داعي له، ودفع لريبة لا وجود لها، وموسى -عليه السلام- عفيف النظر، نظيف الحس، وهي كذلك، والعفة والأمانة لا تحتاجان لكل هذا التكلف، فالعفة تنضح في التصرف العادي البسيط بلا تكلف ولا اصطناع!. انظر: في ظلال القرآن: ٥ / ٢٦٨٧-٢٦٨٨.]] ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَجَلَسَ فِي ظِلِّهَا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَهُوَ جَائِعٌ، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ طَعَامٍ، ﴿فَقِيرٌ﴾ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ اللَّامُ بِمَعْنَى "إِلَى"، يُقَالُ: هُوَ فَقِيرٌ لَهُ، وَفَقِيرٌ إِلَيْهِ، يَقُولُ: إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ، أَيْ: طَعَامٍ، فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ، كَانَ يَطْلُبُ الطَّعَامَ لِجُوعِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِلْقَةَ خُبْزٍ يُقِيمُ بِهَا صُلْبَهُ. قَالَ الْبَاقِرُ: لَقَدْ قَالَهَا وَإِنَّهُ لَمُحْتَاجٌ إِلَى شِقِّ تَمْرَةٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَقَدْ قَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وَهُوَ أَكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وَلَقَدِ افْتَقَرَ إِلَى شِقِّ تَمْرَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا سَأَلَهُ إِلَّا الْخُبْزَ [[انظر هذه الروايات في الدر المنثور: ٦ / ٤٠٦-٤٠٧، والله أعلم بهذا كله، فليس في شيء منها خبر عن النبي ﷺ.]] . قَالُوا: فَلَمَّا رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا سَرِيعًا قَبْلَ النَّاسِ وَأَغْنَامُهُمَا حُفَّلٌ بِطَانٌ، قَالَ لَهُمَا: مَا أَعَجَلَكُمَا؟ قَالَتَا: وَجَدْنَا رَجُلًا صَالِحًا رَحِمَنَا فَسَقَى لَنَا أَغْنَامَنَا، فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: اذْهَبِي فَادْعِيهِ لِي.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّسَاءِ [[السلفع من النساء: الجريئة على الرجال، السليطة.]] خَرَّاجَةً وَلَّاجَةً، وَلَكِنْ جَاءَتْ مُسْتَتِرَةً قَدْ وَضَعَتْ كُمَّ دِرْعِهَا عَلَى وَجْهِهَا اسْتِحْيَاءً، ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ قَالَ أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ: لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مُوسَى أَرَادَ أَنْ لَا يَذْهَبَ، وَلَكِنْ كَانَ جَائِعًا فَلَمْ يَجِدْ بُدًا مِنَ الذَّهَابِ، فَمَشَتِ الْمَرْأَةُ وَمَشَى مُوسَى خَلْفَهَا، فَكَانَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَهَا فَتَصِفُ رِدْفَهَا، فَكَرِهُ مُوسَى أَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهَا، فَقَالَ لَهَا: امْشِي خَلْفِي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ إِنْ أَخْطَأْتُ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلِمَا دَخَلَ عَلَى شُعَيْبٍ إِذَا هُوَ بِالْعَشَاءِ مُهَيَّأً، فَقَالَ: اجْلِسْ يَا شَابُّ فَتَعَشَّ، فَقَالَ مُوسَى: أَعُوذُ بِاللَّهِ، فَقَالَ شُعَيْبٌ: وَلِمَ ذَاكَ أَلَسْتَ بِجَائِعٍ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِوَضًا لِمَا سَقَيْتُ لَهُمَا، وَإِنَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا نَطْلُبُ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَا وَاللَّهِ يَا شَابُّ، وَلَكِنَّهَا عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي، نُقْرِي الضَّيْفَ، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، فَجَلَسَ مُوسَى وَأَكَلَ [[عزاه السيوطي في الدر (٦ / ٤٠٧) لابن عساكر عن أبي حازم، وما انفرد به ابن عساكر من الرواية فهو ضعيف، قال السيوطي في مقدمة زوائد الجامع الصغير: كل ما عزي لابن عدي في الكامل والخطيب في التاريخ والعقيلي في الضعفاء وابن عساكر.. فهو ضعيف.]] .

﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ يَعْنِي: أَمْرَهُ أَجْمَعَ مِنْ قَتْلِهِ الْقِبْطِيَّ وَقَصْدِ فِرْعَوْنَ قَتْلَهُ، ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ سُلْطَانٌ عَلَى مَدْيَنَ.

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَجَلَسَ فِي ظِلِّهَا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَهُوَ جَائِعٌ، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ طَعَامٍ، ﴿فَقِيرٌ﴾ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ اللَّامُ بِمَعْنَى "إِلَى"، يُقَالُ: هُوَ فَقِيرٌ لَهُ، وَفَقِيرٌ إِلَيْهِ، يَقُولُ: إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ، أَيْ: طَعَامٍ، فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ، كَانَ يَطْلُبُ الطَّعَامَ لِجُوعِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِلْقَةَ خُبْزٍ يُقِيمُ بِهَا صُلْبَهُ. قَالَ الْبَاقِرُ: لَقَدْ قَالَهَا وَإِنَّهُ لَمُحْتَاجٌ إِلَى شِقِّ تَمْرَةٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَقَدْ قَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وَهُوَ أَكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وَلَقَدِ افْتَقَرَ إِلَى شِقِّ تَمْرَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا سَأَلَهُ إِلَّا الْخُبْزَ [[انظر هذه الروايات في الدر المنثور: ٦ / ٤٠٦-٤٠٧، والله أعلم بهذا كله، فليس في شيء منها خبر عن النبي ﷺ.]] . قَالُوا: فَلَمَّا رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا سَرِيعًا قَبْلَ النَّاسِ وَأَغْنَامُهُمَا حُفَّلٌ بِطَانٌ، قَالَ لَهُمَا: مَا أَعَجَلَكُمَا؟ قَالَتَا: وَجَدْنَا رَجُلًا صَالِحًا رَحِمَنَا فَسَقَى لَنَا أَغْنَامَنَا، فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: اذْهَبِي فَادْعِيهِ لِي.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّسَاءِ [[السلفع من النساء: الجريئة على الرجال، السليطة.]] خَرَّاجَةً وَلَّاجَةً، وَلَكِنْ جَاءَتْ مُسْتَتِرَةً قَدْ وَضَعَتْ كُمَّ دِرْعِهَا عَلَى وَجْهِهَا اسْتِحْيَاءً، ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ قَالَ أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ: لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مُوسَى أَرَادَ أَنْ لَا يَذْهَبَ، وَلَكِنْ كَانَ جَائِعًا فَلَمْ يَجِدْ بُدًا مِنَ الذَّهَابِ، فَمَشَتِ الْمَرْأَةُ وَمَشَى مُوسَى خَلْفَهَا، فَكَانَتِ الرِّيحُ تَضْرِبُ ثَوْبَهَا فَتَصِفُ رِدْفَهَا، فَكَرِهُ مُوسَى أَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهَا، فَقَالَ لَهَا: امْشِي خَلْفِي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ إِنْ أَخْطَأْتُ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلِمَا دَخَلَ عَلَى شُعَيْبٍ إِذَا هُوَ بِالْعَشَاءِ مُهَيَّأً، فَقَالَ: اجْلِسْ يَا شَابُّ فَتَعَشَّ، فَقَالَ مُوسَى: أَعُوذُ بِاللَّهِ، فَقَالَ شُعَيْبٌ: وَلِمَ ذَاكَ أَلَسْتَ بِجَائِعٍ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِوَضًا لِمَا سَقَيْتُ لَهُمَا، وَإِنَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا نَطْلُبُ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَا وَاللَّهِ يَا شَابُّ، وَلَكِنَّهَا عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي، نُقْرِي الضَّيْفَ، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، فَجَلَسَ مُوسَى وَأَكَلَ [[عزاه السيوطي في الدر (٦ / ٤٠٧) لابن عساكر عن أبي حازم، وما انفرد به ابن عساكر من الرواية فهو ضعيف، قال السيوطي في مقدمة زوائد الجامع الصغير: كل ما عزي لابن عدي في الكامل والخطيب في التاريخ والعقيلي في الضعفاء وابن عساكر.. فهو ضعيف.]] .

﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ يَعْنِي: أَمْرَهُ أَجْمَعَ مِنْ قَتْلِهِ الْقِبْطِيَّ وَقَصْدِ فِرْعَوْنَ قَتْلَهُ، ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ سُلْطَانٌ عَلَى مَدْيَنَ.

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ اتَّخِذْهُ أَجِيرًا لِيَرْعَى أَغْنَامَنَا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ يَعْنِي: خَيْرَ مَنِ اسْتَعْمَلْتَ مَنْ قَوِيَ عَلَى الْعَمَلِ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا: وَمَا عِلْمُكِ بِقُوَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ؟ قَالَتْ: أَمَّا قُوَّتُهُ: فَإِنَّهُ رَفَعَ حَجَرًا مِنْ رَأْسِ الْبِئْرِ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشَرَةٌ. وَقِيلَ: إِلَّا أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَأَمَّا أَمَانَتُهُ: فَإِنَّهُ قَالَ لِي امْشِي خَلْفِي حَتَّى لَا تَصِفَ الرِّيحُ بَدَنَكِ.

﴿قَالَ﴾ شُعَيْبٌ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ وَاسْمُهَا "صَفُّورَةُ" وَ"لَيَا" فِي قَوْلِ شُعَيْبٍ الْجُبَّائِيِّ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: "صَفُّورَةُ" وَ"شَرْقًا" وَقَالَ غَيْرُهُمَا: الْكُبْرَى "صَفْرَاءُ" وَالصُّغْرَى "صُفَيْرَاءُ". وَقِيلَ زَوَّجَهُ الْكُبْرَى. وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ زَوَّجَهُ الصُّغْرَى مِنْهُمَا وَاسْمُهَا "صَفُّورَةُ"، وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَتْ لِطَلَبِ مُوسَى [[انظر: الدر المنثور ٦ / ٤٠٨، زاد المسير: ٦ / ٢١٦-٢١٧، ابن كثير: ٣ / ٣٨٦، وليس في شيء من الأحاديث تعيين اسم الصغرى والكبرى. وسيأتي حديث أبي ذر مرفوعا في أنه تزوج الصغرى.]] ، ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ يَعْنِي: أَنْ تَكُونَ أَجِيرًا لِي ثَمَانِ سِنِينَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: يَعْنِي: تَجْعَلُ ثَوَابِي مِنْ تَزْوِيجِهَا أَنْ تَرْعَى غَنَمِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ، تَقُولُ الْعَرَبَ: آجَرَكَ اللَّهُ بِأَجْرِكَ أَيْ: أَثَابَكَ، وَالْحِجَجُ: السُّنُونَ، وَاحِدَتُهَا حِجَّةٌ، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ: إِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرَ سِنِينَ فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنْكَ وَتَبَرُّعٌ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْكَ، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: أُلْزِمَكَ تَمَامَ الْعَشْرِ إِلَّا أَنْ تَتَبَرَّعَ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قَالَ عُمَرُ: يَعْنِي: فِي حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْوَفَاءِ بِمَا قُلْتَ.

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ اتَّخِذْهُ أَجِيرًا لِيَرْعَى أَغْنَامَنَا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ يَعْنِي: خَيْرَ مَنِ اسْتَعْمَلْتَ مَنْ قَوِيَ عَلَى الْعَمَلِ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا: وَمَا عِلْمُكِ بِقُوَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ؟ قَالَتْ: أَمَّا قُوَّتُهُ: فَإِنَّهُ رَفَعَ حَجَرًا مِنْ رَأْسِ الْبِئْرِ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشَرَةٌ. وَقِيلَ: إِلَّا أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَأَمَّا أَمَانَتُهُ: فَإِنَّهُ قَالَ لِي امْشِي خَلْفِي حَتَّى لَا تَصِفَ الرِّيحُ بَدَنَكِ.

﴿قَالَ﴾ شُعَيْبٌ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ وَاسْمُهَا "صَفُّورَةُ" وَ"لَيَا" فِي قَوْلِ شُعَيْبٍ الْجُبَّائِيِّ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: "صَفُّورَةُ" وَ"شَرْقًا" وَقَالَ غَيْرُهُمَا: الْكُبْرَى "صَفْرَاءُ" وَالصُّغْرَى "صُفَيْرَاءُ". وَقِيلَ زَوَّجَهُ الْكُبْرَى. وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ زَوَّجَهُ الصُّغْرَى مِنْهُمَا وَاسْمُهَا "صَفُّورَةُ"، وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَتْ لِطَلَبِ مُوسَى [[انظر: الدر المنثور ٦ / ٤٠٨، زاد المسير: ٦ / ٢١٦-٢١٧، ابن كثير: ٣ / ٣٨٦، وليس في شيء من الأحاديث تعيين اسم الصغرى والكبرى. وسيأتي حديث أبي ذر مرفوعا في أنه تزوج الصغرى.]] ، ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ يَعْنِي: أَنْ تَكُونَ أَجِيرًا لِي ثَمَانِ سِنِينَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: يَعْنِي: تَجْعَلُ ثَوَابِي مِنْ تَزْوِيجِهَا أَنْ تَرْعَى غَنَمِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ، تَقُولُ الْعَرَبَ: آجَرَكَ اللَّهُ بِأَجْرِكَ أَيْ: أَثَابَكَ، وَالْحِجَجُ: السُّنُونَ، وَاحِدَتُهَا حِجَّةٌ، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ: إِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرَ سِنِينَ فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنْكَ وَتَبَرُّعٌ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْكَ، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: أُلْزِمَكَ تَمَامَ الْعَشْرِ إِلَّا أَنْ تَتَبَرَّعَ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قَالَ عُمَرُ: يَعْنِي: فِي حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْوَفَاءِ بِمَا قُلْتَ.

﴿قَالَ﴾ مُوسَى، ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ يَعْنِي: هَذَا الشَّرْطُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَمَا شَرَطْتَ عَلَيَّ فَلَكَ وَمَا شَرَطْتَ مِنْ تَزْوِيجِ إِحْدَاهُمَا فَلِي [[في "أ": علي.]] ، وَالْأَمْرُ بَيْنَنَا، تَمَّ الْكَلَامُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ يَعْنِي: أَيَّ الْأَجَلَيْنِ: وَ"مَا" صِلَةٌ، "قَضَيْتُ": أَتْمَمْتُ وَفَرَغْتُ مِنْهُ، الثَّمَانِ أَوِ الْعَشْرِ، ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لَا ظُلْمَ عَلَيَّ بِأَنْ أُطَالَبَ بِأَكْثَرَ مِنْهُمَا، ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: شَهِيدٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَقِيلَ: حَفِيظٌ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مَنْ أَهْلِ الْحِيْرَةِ: أَيُّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدُمَ عَلَى خَيْرِ الْعَرَبِ [[في البخاري: حبر العرب.]] فَأَسْأَلُهُ، فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ فَعَلَ [[أخرجه البخاري في الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد: ٥ / ٢٨٩-٢٩٠. والمراد بقوله: رسول الله ﷺ: من اتصف بذلك ولم يرد شخصا بعينه.]] وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: إِذَا سُئِلْتَ أَيُّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ فَقُلْ: خَيْرَهُمَا وَأَبَرَّهُمَا، وَإِذَا سُئِلَتَ: فَأَيُّ الْمَرْأَتَيْنِ تَزَوَّجَ؟ فَقُلِ: الصُّغْرَى مِنْهُمَا، وَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ، فَقَالَتْ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، فَتَزَوَّجَ أَصْغَرَهُمَا وَقَضَى أَوْفَاهُمَا [[أخرجه الطبراني في الأوسط: ٢ / ١٩، والخطيب في تاريخ بغداد: ٢ / ١٢٨.

قال الهيثمي: (٨ / ٢٠٣) : "رواه الطبراني في الصغير والأوسط، والبزار باختصار، وفي إسناد الطبراني عويد بن أبي عمران الجوني ضعفه ابن معين وغيره، ووثقه ابن حبان، وبقية رجال الطبراني ثقات" وانظر: ٧ / ٨٨ أيضا وساقه ابن كثير (٣ / ٣٨٧) من رواية البزار الذي قال: "لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد" وفي إسناده "عويد.." ومن حديثه رواه ابن أبي حاتم وفيه زيادة غريبة.]] .

وَقَالَ وَهْبٌ: أَنْكَحَهُ الْكُبْرَى [[لم يصح عن النبي ﷺ حديث في أيهما تزوج، الصغرى أم الكبرى، وحسبنا ما جاء في كتاب الله تعالى من أنه أراد أن ينكحه إحدى ابنتيه، ولو كان في معرفة اسمها فائدة لسماها الله تعالى في كتابه. والله أعلم.]] . وَرُوِيَ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مَرْفُوعًا: بَكَى شُعَيْبٌ النَّبِيُّ ﷺ [مِنْ حُبِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ] [[ليست في المخطوطتين، وأثبتها من "تاريخ بغداد" حيث ساق الخطيب بسنده عن شداد بن أوس مرفوعا.]] حَتَّى عُمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى عُمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى عُمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: مَا هَذَا الْبُكَاءُ؟ أَشَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ أَمْ خَوْفًا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ شَوْقًا إِلَى لِقَائِكَ، فَأَوْحَى الله إليه ٦٣/أإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ فَهَنِيئًا لَكَ لِقَائِي [يَا شُعَيْبُ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] ، لِذَلِكَ أَخْدَمْتُكَ مُوسَى كَلِيمَيَ [[أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد: ٦ / ٣١٥. وعزاه المتقي في كنز العمال: ١١ / ٤٩٨-٤٩٩ للخطيب وابن عساكر عن شداد بن أوس، وقال: "وفيه إسماعيل بن علي بن الحسن بن بندار بن المثنى الإستراباذي الواعظ، أبو سعيد، قال الخطيب: لم يكن موثوقا به في الرواية، والحديث منكر. وقال الذهبي في الميزان (١ / ٣٢٩) : هذا حديث باطل لا أصل له. وقال ابن عساكر: رواه الواحدي عن ابن الفتح محمد بن علي الكوفي عن علي بن الحسن بن بندار كما رواه ابنه إسماعيل عنه، فقد برئ من عهدته، والخطيب إنما ذكره لأنه حمل فيه على إسماعيل". وذكره ابن الجوزي في "العلل المتناهية": (١ / ٤٩) ، والألباني في "الضعيفة": (٢ / ٤٢٥) وقال: "ضعيف جدا".]] .

وَلَمَّا تَعَاقَدَا هَذَا الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا أَمَرَ شُعَيْبٌ ابْنَتَهُ أَنْ تُعْطِيَ مُوسَى عَصًا يَدْفَعُ بِهَا السِّبَاعَ عَنْ غَنَمِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْعَصَا؛ قَالَ عِكْرِمَةُ: خَرَجَ بِهَا آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَخَذَهَا جِبْرِيلُ بَعْدَ مَوْتِ آدَمَ فَكَانَتْ مَعَهُ حَتَّى لَقِيَ بِهَا مُوسَى لَيْلًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ [[أخرجه الطبري عن عكرمة: ٢٠ / ٦٧.]] . وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَتْ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ، حَمَلَهَا آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَوَارَثَهَا الْأَنْبِيَاءُ، وَكَانَ لَا يَأْخُذُهَا غَيْرُ نَبِيٍّ إِلَّا أَكَلَتْهُ، فَصَارَتْ مِنْ آدَمَ إِلَى نُوحٍ، ثُمَّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى شُعَيْبٍ، فَكَانَتْ عَصَا الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَهُ فَأَعْطَاهَا مُوسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَتْ تِلْكَ الْعَصَا اسْتَوْدَعَهَا إِيَّاهُ مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، فَأَمَرَ ابْنَتَهُ أَنْ تَأْتِيَهُ بِعَصَا فَدَخَلَتْ فَأَخَذَتِ الْعَصَا فَأَتَتْهُ بِهَا، فَلَمَّا رَآهَا شُعَيْبٌ قَالَ لَهَا: رُدِّي هَذِهِ الْعَصَا، وَأْتِيهِ بِغَيْرِهَا، فَأَلْقَتْهَا وَأَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَ غَيْرَهَا فَلَا يَقَعُ فِي يَدِهَا إِلَّا هِيَ، حَتَّى فَعَلَتْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَعْطَاهَا مُوسَى فَأَخْرَجَهَا مُوسَى مَعَهُ، ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخَ نَدِمَ وَقَالَ: كَانَتْ وَدِيعَةً، فَذَهَبَ فِي أَثَرِهِ، وَطَلَبَ أَنْ يَرُدَّ الْعَصَا فَأَبَى مُوسَى أَنْ يُعْطِيَهُ. وَقَالَ: هِيَ عَصَايَ، فَرَضِيَا أَنْ يَجْعَلَا بَيْنَهُمَا أَوَّلَ رَجُلٍ يَلْقَاهُمَا، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ فَحَكَمَ أَنْ يَطْرَحَ الْعَصَا فَمَنْ حَمَلَهَا فَهِيَ لَهُ، فَطَرَحَ مُوسَى الْعَصَا فَعَالَجَهَا الشَّيْخُ لِيَأْخُذَهَا فَلَمْ يُطِقْهَا، فَأَخَذَهَا مُوسَى بِيَدِهِ فَرَفَعَهَا فَتَرَكَهَا لَهُ الشَّيْخُ [[أخرجه الطبري عن السدي: ٢٠ / ٦٦-٦٧. وليس في شيء من الروايات خبر عن النبي ﷺ في بيان هذه العصا، ولا فائدة من البحث في مثل هذه الأمور.]] .

ثُمَّ إِنَّ مُوسَى لَمَّا أَتَمَّ الْأَجَلَ وَسَلَّمَ شُعَيْبٌ، ابْنَتَهُ إِلَيْهِ، قَالَ مُوسَى لِلْمَرْأَةِ: اطْلُبِي مِنْ أَبِيكِ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا بَعْضَ الْغَنَمِ، فَطَلَبَتْ مِنْ أَبِيهَا، فَقَالَ شُعَيْبٌ: لَكُمَا كُلُّ مَا وَلَدَتْ هَذَا الْعَامَ عَلَى غَيْرِ شِيَتِهَا [[ذكر الهيثمي في ذلك حديثا رواه البراز والطبراني وقال: في إسناده ابن لهيعة وفيه ضعف، وقد يحسن حديثه. انظر: مجمع الزوائد: ٧ / ٨٧-٨٨، تفسير ابن كثير: ٣ / ٣٨٧-٣٨٨ وقال: منار هذا الحديث على ابن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم.]] . وَقِيلَ: أَرَادَ شُعَيْبٌ أَنْ يُجَازِيَ مُوسَى عَلَى حُسْنِ رَعِيَّتِهِ إِكْرَامًا لَهُ وَصِلَةً لِابْنَتِهِ، فَقَالَ لَهُ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنَ الْجَدَايَا الَّتِي تَضَعُهَا أَغْنَامِي هَذِهِ السَّنَةَ كُلَّ أَبْلَقَ وَبَلْقَاءَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى فِي الْمَنَامِ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْمَاءَ الَّذِي فِي مُسْتَقَى الْأَغْنَامِ قَالَ: فَضَرَبَ مُوسَى بِعَصَاهُ الْمَاءَ ثُمَّ سَقَى الْأَغْنَامَ مِنْهُ فَمَا أَخْطَأَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا إِلَّا وَضَعَتْ حَمْلَهَا مَا بَيْنَ أَبْلَقَ وَبَلْقَاءَ فَعَلِمَ شُعَيْبٌ أَنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى وَامْرَأَتِهِ فَوَفَّى لَهُ شَرَطَهُ وَسَلَّمَ الْأَغْنَامَ إِلَيْهِ [[ذكر الهيثمي في ذلك حديثا رواه البراز والطبراني وقال: في إسناده ابن لهيعة وفيه ضعف، وقد يحسن حديثه. انظر: مجمع الزوائد: ٧ / ٨٧-٨٨، تفسير ابن كثير: ٣ / ٣٨٧-٣٨٨ وقال: منار هذا الحديث على ابن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ يَعْنِي أَتَمَّهُ وَفَرَغَ مِنْهُ، ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ صِهْرِهِ عَشْرًا آخَرَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ عِشْرِينَ سَنَةً [[قال الحافظ ابن كثير: (٣ / ٣٨٨) : "وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن أبي حاتم وابن جرير، فالله أعلم". وانظر الطبري: ٢٠ / ٦٩، الدر المنثور: ٦ / ٤١١.]] ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْعَوْدِ إِلَى مِصْرَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ بِأَهْلِهِ إِلَى جَانِبِ مِصْرَ، ﴿آنَسَ﴾ يَعْنِي: أَبْصَرَ، ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ وَكَانَ فِي الْبَرِّيَّةِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، شَدِيدَةِ الْبَرْدِ وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ الطَّلْقُ، ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾

عَنِ الطَّرِيقِ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ يَعْنِي: قِطْعَةً وَشُعْلَةً مِنَ النَّارِ. وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ، قَرَأَ عَاصِمٌ: "جَذْوَةٍ" بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِضَمِّهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: هِيَ الْعُودُ الَّذِي قَدِ احْتَرَقَ بَعْضُهُ، وَجَمْعُهَا "جِذَىً" [[وانظر: لسان العرب، مادة (جذا) ، الطبري: ٢٠ / ٦٩-٧٠.]] ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تَسْتَدْفِئُونَ.

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ﴾ مِنْ جَانِبِ الْوَادِي الَّذِي عَنْ يَمِينِ مُوسَى، ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ لِمُوسَى، جَعَلَهَا اللَّهُ مُبَارَكَةً لِأَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى هُنَاكَ وَبَعَثَهُ نَبِيًّا. وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ الْمُقَدَّسَةَ، ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّجَرَةِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَانَتْ سَمُرَةً خَضْرَاءَ تَبْرُقُ [[في الطبري: شجرة سمراء خضراء ترف. والسمرة: شجرة من العضاه، جيد الخشب.]] ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: كَانَتْ عَوْسَجَةً [[شجرة من فصيلة الباذنجيات، شائكة الأغصان.]] . قَالَ وَهْبٌ مِنَ الْعُلَّيْقِ [[نبات شائك معرش من فصيلة الورديات، ثمره أحمر وربما كان أصفر، وله نوى صلب مستدير.]] ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهَا الْعُنَّابُ [[وكأن تحديد جنس الشجرة مأخوذ من أهل الكتاب. انظر: الطبري: ٢٠ / ٧١، ابن كثير: ٣ / ٣٨٩.]] ، ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تَتَحَرَّكُ، ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ مِنْ سُرْعَةِ حَرَكَتِهَا، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ هَارِبًا مِنْهَا، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لَمْ يَرْجِعْ، فَنُودِيَ: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾

﴿اسْلُكْ﴾ أَدْخِلَ ﴿يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ بَرَصٍ، فَخَرَجَتْ وَلَهَا شُعَاعٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَالشَّامِ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَيَفْتَحُ الرَّاءَ حَفْصٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهِمَا، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ بِمَعْنَى الْخَوْفِ وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِذَا هَلَكَ أَمْرُ يَدِكَ وَمَا تَرَى مِنْ شُعَاعِهَا فَأَدْخِلْهَا فِي جَيْبِكَ تَعُدْ إِلَى حَالَتِهَا الْأُولَى. "وَالْجَنَاحُ": الْيَدُ كُلُّهَا. وَقِيلَ: هُوَ الْعَضُدُ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَضُمَّ يَدَهُ إِلَى صَدْرِهِ [[في "أ" عضده.]] فَيَذْهَبَ عَنْهُ مَا نَالَهُ مِنَ الْخَوْفِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْحَيَّةِ، وَقَالَ: مَا مِنْ خَائِفٍ بَعْدَ مُوسَى إِلَّا إِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ زَالَ خَوْفُهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلٌّ مَنْ فَزِعَ فَضَمَّ جَنَاحَيْهِ إِلَيْهِ ذَهَبَ عَنْهُ الْفَزَعُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ ضَمِّ الْجَنَاحِ: السُّكُونُ، أَيْ: سَكِّنْ رَوْعَكَ وَاخْفِضْ عَلَيْكَ جَانِبَكَ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْخَائِفِ أَنْ يَضْطَرِبَ قَلْبُهُ وَيَرْتَعِدَ بَدَنُهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ" [الإسراء: ٢٤] ، يُرِيدُ الرِّفْقَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ، أَيْ: ارْفُقْ بِهِمْ وَأَلِنْ جَانِبَكَ لَهُمْ.

قَالَ الْفَرَّاءُ: أَرَادَ بِالْجَنَاحِ الْعَصَا، مَعْنَاهُ: اضْمُمْ إِلَيْكَ عَصَاكَ. وَقِيلَ: "الرَّهْبُ" الْكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْأَعْرَابِ يَقُولُ: أَعْطِنِي مَا فِي رَهْبِكَ، أَيْ: فِي كُمِّكَ، مَعْنَاهُ: اضْمُمْ إِلَيْكَ يَدَكَ وَأَخْرِجْهَا مِنَ الْكُمِّ، لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ الْعَصَا وَيَدُهُ فِي كُمِّهِ.

﴿فَذَانِكَ﴾ يَعْنِي: الْعَصَا، وَالْيَدُ الْبَيْضَاءُ، ﴿بُرْهَانَانِ﴾ آيَتَانِ، ﴿مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾

Source. Tafseer Al-Baghawi, Baghawy — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/27. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com