John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi

Surah Al-Anfaal

Tafseer Al-Baghawi · The Spoils of War · 75 ayat · ayat 61–75 · Quran text →

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ أَيْ: مَالُوا إِلَى الصُّلْحِ، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أَيْ: مِلْ إِلَيْهَا وَصَالِحْهُمْ. رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٠ / ٣٤ (طبع الحلبي) ثم قال عنه إنه "قول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا - التفسير - وغيره، وعلى أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا، وقول الله في براءة "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" غير ناف حكمه حكم قوله: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" لأن قوله: "وإن جنحوا للسلم" إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم. وأما قوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" فإنما عني به مشركي العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى. بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه".]] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ "بَرَاءَةٌ -٥" ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ! ثُمَّ بِاللَّهِ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يَغْدِرُوا وَيَمْكُرُوا بِكَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ.

﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كَافِيكَ اللَّهُ، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: بِالْأَنْصَارِ.

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِحَنٌ وَثَارَاتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَصَيَّرَهُمُ اللَّهُ إِخْوَانًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَعْدَاءً، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا وَسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَتَمَّ بِهِ الْأَرْبَعُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٢٧٣) .]] .

وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ "مَنِ" فَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مَحَلُّهُ خَفْضٌ، عَطْفًا عَلَى الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: "حَسْبُكَ اللَّهُ" وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَفْعٌ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ مَعْنَاهُ: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمُتَّبِعُوكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ أَيْ: مَالُوا إِلَى الصُّلْحِ، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أَيْ: مِلْ إِلَيْهَا وَصَالِحْهُمْ. رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٠ / ٣٤ (طبع الحلبي) ثم قال عنه إنه "قول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا - التفسير - وغيره، وعلى أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا، وقول الله في براءة "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" غير ناف حكمه حكم قوله: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" لأن قوله: "وإن جنحوا للسلم" إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم. وأما قوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" فإنما عني به مشركي العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى. بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه".]] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ "بَرَاءَةٌ -٥" ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ! ثُمَّ بِاللَّهِ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يَغْدِرُوا وَيَمْكُرُوا بِكَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ.

﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كَافِيكَ اللَّهُ، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: بِالْأَنْصَارِ.

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِحَنٌ وَثَارَاتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَصَيَّرَهُمُ اللَّهُ إِخْوَانًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَعْدَاءً، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا وَسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَتَمَّ بِهِ الْأَرْبَعُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٢٧٣) .]] .

وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ "مَنِ" فَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مَحَلُّهُ خَفْضٌ، عَطْفًا عَلَى الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: "حَسْبُكَ اللَّهُ" وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَفْعٌ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ مَعْنَاهُ: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمُتَّبِعُوكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ أَيْ: مَالُوا إِلَى الصُّلْحِ، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أَيْ: مِلْ إِلَيْهَا وَصَالِحْهُمْ. رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٠ / ٣٤ (طبع الحلبي) ثم قال عنه إنه "قول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا - التفسير - وغيره، وعلى أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا، وقول الله في براءة "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" غير ناف حكمه حكم قوله: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" لأن قوله: "وإن جنحوا للسلم" إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم. وأما قوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" فإنما عني به مشركي العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى. بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه".]] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ "بَرَاءَةٌ -٥" ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ! ثُمَّ بِاللَّهِ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يَغْدِرُوا وَيَمْكُرُوا بِكَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ.

﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كَافِيكَ اللَّهُ، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: بِالْأَنْصَارِ.

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِحَنٌ وَثَارَاتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَصَيَّرَهُمُ اللَّهُ إِخْوَانًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَعْدَاءً، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا وَسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَتَمَّ بِهِ الْأَرْبَعُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٢٧٣) .]] .

وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ "مَنِ" فَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مَحَلُّهُ خَفْضٌ، عَطْفًا عَلَى الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: "حَسْبُكَ اللَّهُ" وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَفْعٌ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ مَعْنَاهُ: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمُتَّبِعُوكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ أَيْ: مَالُوا إِلَى الصُّلْحِ، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أَيْ: مِلْ إِلَيْهَا وَصَالِحْهُمْ. رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٠ / ٣٤ (طبع الحلبي) ثم قال عنه إنه "قول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا - التفسير - وغيره، وعلى أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا، وقول الله في براءة "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" غير ناف حكمه حكم قوله: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" لأن قوله: "وإن جنحوا للسلم" إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم. وأما قوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" فإنما عني به مشركي العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى. بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه".]] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ "بَرَاءَةٌ -٥" ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ! ثُمَّ بِاللَّهِ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يَغْدِرُوا وَيَمْكُرُوا بِكَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ.

﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كَافِيكَ اللَّهُ، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: بِالْأَنْصَارِ.

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِحَنٌ وَثَارَاتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَصَيَّرَهُمُ اللَّهُ إِخْوَانًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَعْدَاءً، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا وَسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَتَمَّ بِهِ الْأَرْبَعُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٢٧٣) .]] .

وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ "مَنِ" فَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مَحَلُّهُ خَفْضٌ، عَطْفًا عَلَى الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: "حَسْبُكَ اللَّهُ" وَحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَفْعٌ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ مَعْنَاهُ: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمُتَّبِعُوكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ أَيْ: حُثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ.

﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ رَجُلًا ﴿صَابِرُونَ﴾ مُحْتَسِبُونَ، ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ مِنْ عَدُوِّهِمْ يَقْهَرُوهُمْ، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صَابِرَةٌ مُحْتَسِبَةٌ، ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ذَلِكَ ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: إن المشركون يُقَاتِلُونَ عَلَى غَيْرِ احْتِسَابٍ وَلَا طَلَبِ ثَوَابٍ، وَلَا يَثْبُتُونَ إِذَا صَدَقْتُمُوهُمُ الْقِتَالَ، خَشْيَةَ أَنْ يُقْتَلُوا. وَهَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَكَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَ عَشَرَةٍ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَثَقُلَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَنَزَلَ:

﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ أَيْ: ضَعْفًا فِي الْوَاحِدِ عَنْ قِتَالِ الْعَشَرَةِ وَفِي الْمِائَةِ عَنْ قِتَالِ الْأَلِفِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: "ضُعَفَاءَ" بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ عَلَى الْجَمْعِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ، ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ مِنَ الْكُفَّارِ، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فَرَدَّ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الِاثْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الشَّطْرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا.

وَقَالَ سُفْيَانُ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وَأَرَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا.

قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: "وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ"، بِالْيَاءِ فِيهِمَا وَافَقَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِي الْأَوَّلِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ "ضُعَفَاءَ" بِفَتْحِ الضَّادِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الرُّومِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهَا.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: "تَكُونَ" بِالتَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: "أَسَارَى"، وَالْآخَرُونَ. "أَسْرَى".

وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأَسْرَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ"؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ فَاسْتَبْقِهِمْ +وَاسْتَأْنِ بِهِمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً، تَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ قَدِّمْهُمْ نَضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، مَكِّنْ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ -نَسِيبٍ لِعُمَرَ -فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أئمة الكفر، ١٥١/أوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ ثُمَّ أَضْرِمْ عَلَيْهِمْ نَارًا. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ ابْنِ رَوَاحَةَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: "فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" "إِبْرَاهِيمُ -٣٦"، وَمَثَلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسَى حَيْثُ قَالَ: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" "الْمَائِدَةُ -١١٨"، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ حَيْثُ قَالَ: "رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا" "نُوحٌ -٢٦"، وَمَثَلُ مُوسَى قَالَ: "رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ" "يُونُسُ -٨٨"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ فَلَا يُفْلِتَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ"، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابن مَسْعُودٍ إِلَّا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخَوَفَ مِنْ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْحِجَارَةُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِلَّا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ" [[أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة الأنفال: ٨ / ٤٧٦، وقال: هذا حديث حسن. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه (فهو منقطع) ، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٤ / ٣٧٠ - ٣٧٢، ومن طريقه: البيهقي في السنن: ٦ / ٣٢١، وأخرجه أبو عبيد في الأموال ص (١٣٥) (طبع قطر) . وصححه الحاكم: ٣ / ٢١ - ٢٢، ووافقه الذهبي، والطبري: ١٠ / ٤٣ (طبع الحلبي) والواحدي ص (٢٧٤) ، وانظر: مجمع الزوائد: ٦ / ٨٦ - ٨٧. وفي رواية الطبري: ومثلك يا بن رواحة كمثل موسى. . .]] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ [يَبْكِيَانِ] [[زيادة من "ب".]] قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: "فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا" "الْأَنْفَالُ ٦٧ -٦٩" فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ [[الطبري: ١٠ / ٤٤ (طبع الحلبي) .]] . بِقَوْلِهِ: "لَهُ أَسْرَى" جَمْعُ أَسِيرٍ مِثْلَ قَتْلَى وَقَتِيلٍ.

قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: يُبَالِغُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْرِهِمْ، ﴿تُرِيدُونَ﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يُرِيدُ لَكُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ بِقَهْرِكُمُ الْمُشْرِكِينَ وَنَصْرِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، "وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

وَكَانَ الْفِدَاءُ لِكُلِّ أَسِيرٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْأَسَارَى "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً"، "مُحَمَّدٌ -٤" فَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرِ الْأَسَارَى بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ وإن شاءوا استبعدوهم، وَإِنْ شَاءُوا فَادُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا أَعْتَقُوهُمْ [[عزاه السيوطي لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور: ٤ / ١٠٨) .]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ أَيْ: حُثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ.

﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ رَجُلًا ﴿صَابِرُونَ﴾ مُحْتَسِبُونَ، ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ مِنْ عَدُوِّهِمْ يَقْهَرُوهُمْ، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صَابِرَةٌ مُحْتَسِبَةٌ، ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ذَلِكَ ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: إن المشركون يُقَاتِلُونَ عَلَى غَيْرِ احْتِسَابٍ وَلَا طَلَبِ ثَوَابٍ، وَلَا يَثْبُتُونَ إِذَا صَدَقْتُمُوهُمُ الْقِتَالَ، خَشْيَةَ أَنْ يُقْتَلُوا. وَهَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَكَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَ عَشَرَةٍ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَثَقُلَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَنَزَلَ:

﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ أَيْ: ضَعْفًا فِي الْوَاحِدِ عَنْ قِتَالِ الْعَشَرَةِ وَفِي الْمِائَةِ عَنْ قِتَالِ الْأَلِفِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: "ضُعَفَاءَ" بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ عَلَى الْجَمْعِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ، ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ مِنَ الْكُفَّارِ، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فَرَدَّ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الِاثْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الشَّطْرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا.

وَقَالَ سُفْيَانُ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وَأَرَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا.

قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: "وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ"، بِالْيَاءِ فِيهِمَا وَافَقَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِي الْأَوَّلِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ "ضُعَفَاءَ" بِفَتْحِ الضَّادِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الرُّومِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهَا.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: "تَكُونَ" بِالتَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: "أَسَارَى"، وَالْآخَرُونَ. "أَسْرَى".

وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأَسْرَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ"؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ فَاسْتَبْقِهِمْ +وَاسْتَأْنِ بِهِمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً، تَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ قَدِّمْهُمْ نَضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، مَكِّنْ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ -نَسِيبٍ لِعُمَرَ -فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أئمة الكفر، ١٥١/أوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ ثُمَّ أَضْرِمْ عَلَيْهِمْ نَارًا. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ ابْنِ رَوَاحَةَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: "فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" "إِبْرَاهِيمُ -٣٦"، وَمَثَلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسَى حَيْثُ قَالَ: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" "الْمَائِدَةُ -١١٨"، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ حَيْثُ قَالَ: "رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا" "نُوحٌ -٢٦"، وَمَثَلُ مُوسَى قَالَ: "رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ" "يُونُسُ -٨٨"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ فَلَا يُفْلِتَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ"، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابن مَسْعُودٍ إِلَّا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخَوَفَ مِنْ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْحِجَارَةُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِلَّا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ" [[أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة الأنفال: ٨ / ٤٧٦، وقال: هذا حديث حسن. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه (فهو منقطع) ، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٤ / ٣٧٠ - ٣٧٢، ومن طريقه: البيهقي في السنن: ٦ / ٣٢١، وأخرجه أبو عبيد في الأموال ص (١٣٥) (طبع قطر) . وصححه الحاكم: ٣ / ٢١ - ٢٢، ووافقه الذهبي، والطبري: ١٠ / ٤٣ (طبع الحلبي) والواحدي ص (٢٧٤) ، وانظر: مجمع الزوائد: ٦ / ٨٦ - ٨٧. وفي رواية الطبري: ومثلك يا بن رواحة كمثل موسى. . .]] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ [يَبْكِيَانِ] [[زيادة من "ب".]] قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: "فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا" "الْأَنْفَالُ ٦٧ -٦٩" فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ [[الطبري: ١٠ / ٤٤ (طبع الحلبي) .]] . بِقَوْلِهِ: "لَهُ أَسْرَى" جَمْعُ أَسِيرٍ مِثْلَ قَتْلَى وَقَتِيلٍ.

قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: يُبَالِغُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْرِهِمْ، ﴿تُرِيدُونَ﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يُرِيدُ لَكُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ بِقَهْرِكُمُ الْمُشْرِكِينَ وَنَصْرِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، "وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

وَكَانَ الْفِدَاءُ لِكُلِّ أَسِيرٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْأَسَارَى "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً"، "مُحَمَّدٌ -٤" فَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرِ الْأَسَارَى بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ وإن شاءوا استبعدوهم، وَإِنْ شَاءُوا فَادُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا أَعْتَقُوهُمْ [[عزاه السيوطي لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور: ٤ / ١٠٨) .]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ أَيْ: حُثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ.

﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ رَجُلًا ﴿صَابِرُونَ﴾ مُحْتَسِبُونَ، ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ مِنْ عَدُوِّهِمْ يَقْهَرُوهُمْ، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صَابِرَةٌ مُحْتَسِبَةٌ، ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ذَلِكَ ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: إن المشركون يُقَاتِلُونَ عَلَى غَيْرِ احْتِسَابٍ وَلَا طَلَبِ ثَوَابٍ، وَلَا يَثْبُتُونَ إِذَا صَدَقْتُمُوهُمُ الْقِتَالَ، خَشْيَةَ أَنْ يُقْتَلُوا. وَهَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَكَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَ عَشَرَةٍ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَثَقُلَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَنَزَلَ:

﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ أَيْ: ضَعْفًا فِي الْوَاحِدِ عَنْ قِتَالِ الْعَشَرَةِ وَفِي الْمِائَةِ عَنْ قِتَالِ الْأَلِفِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: "ضُعَفَاءَ" بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ عَلَى الْجَمْعِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ، ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ مِنَ الْكُفَّارِ، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فَرَدَّ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الِاثْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الشَّطْرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا.

وَقَالَ سُفْيَانُ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وَأَرَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا.

قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: "وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ"، بِالْيَاءِ فِيهِمَا وَافَقَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِي الْأَوَّلِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ "ضُعَفَاءَ" بِفَتْحِ الضَّادِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الرُّومِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهَا.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: "تَكُونَ" بِالتَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: "أَسَارَى"، وَالْآخَرُونَ. "أَسْرَى".

وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأَسْرَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ"؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ فَاسْتَبْقِهِمْ +وَاسْتَأْنِ بِهِمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً، تَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ قَدِّمْهُمْ نَضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، مَكِّنْ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ -نَسِيبٍ لِعُمَرَ -فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أئمة الكفر، ١٥١/أوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ ثُمَّ أَضْرِمْ عَلَيْهِمْ نَارًا. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ ابْنِ رَوَاحَةَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: "فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" "إِبْرَاهِيمُ -٣٦"، وَمَثَلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ عِيسَى حَيْثُ قَالَ: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" "الْمَائِدَةُ -١١٨"، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ حَيْثُ قَالَ: "رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا" "نُوحٌ -٢٦"، وَمَثَلُ مُوسَى قَالَ: "رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ" "يُونُسُ -٨٨"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ فَلَا يُفْلِتَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ"، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابن مَسْعُودٍ إِلَّا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخَوَفَ مِنْ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْحِجَارَةُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِلَّا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ" [[أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة الأنفال: ٨ / ٤٧٦، وقال: هذا حديث حسن. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه (فهو منقطع) ، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٤ / ٣٧٠ - ٣٧٢، ومن طريقه: البيهقي في السنن: ٦ / ٣٢١، وأخرجه أبو عبيد في الأموال ص (١٣٥) (طبع قطر) . وصححه الحاكم: ٣ / ٢١ - ٢٢، ووافقه الذهبي، والطبري: ١٠ / ٤٣ (طبع الحلبي) والواحدي ص (٢٧٤) ، وانظر: مجمع الزوائد: ٦ / ٨٦ - ٨٧. وفي رواية الطبري: ومثلك يا بن رواحة كمثل موسى. . .]] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ [يَبْكِيَانِ] [[زيادة من "ب".]] قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: "فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا" "الْأَنْفَالُ ٦٧ -٦٩" فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ [[الطبري: ١٠ / ٤٤ (طبع الحلبي) .]] . بِقَوْلِهِ: "لَهُ أَسْرَى" جَمْعُ أَسِيرٍ مِثْلَ قَتْلَى وَقَتِيلٍ.

قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: يُبَالِغُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْرِهِمْ، ﴿تُرِيدُونَ﴾ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يُرِيدُ لَكُمْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ بِقَهْرِكُمُ الْمُشْرِكِينَ وَنَصْرِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، "وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

وَكَانَ الْفِدَاءُ لِكُلِّ أَسِيرٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْأَسَارَى "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً"، "مُحَمَّدٌ -٤" فَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرِ الْأَسَارَى بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ وإن شاءوا استبعدوهم، وَإِنْ شَاءُوا فَادُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا أَعْتَقُوهُمْ [[عزاه السيوطي لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور: ٤ / ١٠٨) .]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْغَنَائِمُ حَرَامًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ فَكَانُوا إِذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِنَ الغَنَائِمِ [جَعَلُوهُ] [[في "أ"" (كان) .]] لِلْقُرْبَانِ، فَكَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَسْرَعَ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْغَنَائِمِ وَأَخَذُوا الْفِدَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ" [[عزاه السيوطي لابن مردويه. (الدر: ٤ / ١١١) .]] يَعْنِي لَوْلَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِأَنَّهُ يُحِلُّ لَكُمُ الْغَنَائِمَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ [[انظر: الطبري: ١٠ / ٤٧.]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، وَأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ قَوْمًا فَعَلُوا أَشْيَاءَ بجهالة [[انظر: الطبري: ١٠ / ٤٧.]] ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لنا لكم وَأَصَابَكُمْ، ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ مِنَ الْفِدَاءِ قَبْلَ أَنْ تُؤْمَرُوا بِهِ، ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدٌ مِمَّنْ أَحْضَرَ إِلَّا حَبَّ الْغَنَائِمَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَإِنَّهُ أَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْأَسْرَى، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنِ اسْتِبْقَاءِ الرِّجَالِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ" [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٧١. قال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف" ص (٧١) : "ورواه الواقدي في المغازي من وجه آخر منقطع، بمعناه، وروى ابن مردويه من حديث ابن عمر رفعه: "لو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب"، وانظر: الأموال لأبي عبيد ص (١٣٦ - ١٣٧) .]] .

فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُولَى كَفَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْدِيَهُمْ عَمَّا أَخَذُوا مِنَ الْفِدَاءِ فَنَزَلَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾

الْآيَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَ لِأَحَدٍ قَبْلِي" [[أخرجه البخاري في التيمم: ١ / ٤٣٥ - ٤٣٦، وفي المساجد، والجهاد، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١) : ١ / ٣٧٠ - ٣٧١، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ١٩٦.]] .

أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ، ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا". [[أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب "لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا. . . " ٦ / ٢٢٠، ومسلم مطولا، واللفظ له، في الجهاد، باب تحليل الغنائم. . . (١٧٤٧) : ٣ / ١٣٦٦ - ١٣٦٧.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْغَنَائِمُ حَرَامًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ فَكَانُوا إِذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِنَ الغَنَائِمِ [جَعَلُوهُ] [[في "أ"" (كان) .]] لِلْقُرْبَانِ، فَكَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَسْرَعَ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْغَنَائِمِ وَأَخَذُوا الْفِدَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ" [[عزاه السيوطي لابن مردويه. (الدر: ٤ / ١١١) .]] يَعْنِي لَوْلَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِأَنَّهُ يُحِلُّ لَكُمُ الْغَنَائِمَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ [[انظر: الطبري: ١٠ / ٤٧.]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، وَأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ قَوْمًا فَعَلُوا أَشْيَاءَ بجهالة [[انظر: الطبري: ١٠ / ٤٧.]] ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لنا لكم وَأَصَابَكُمْ، ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ مِنَ الْفِدَاءِ قَبْلَ أَنْ تُؤْمَرُوا بِهِ، ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدٌ مِمَّنْ أَحْضَرَ إِلَّا حَبَّ الْغَنَائِمَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَإِنَّهُ أَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْأَسْرَى، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنِ اسْتِبْقَاءِ الرِّجَالِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ" [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٧١. قال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف" ص (٧١) : "ورواه الواقدي في المغازي من وجه آخر منقطع، بمعناه، وروى ابن مردويه من حديث ابن عمر رفعه: "لو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب"، وانظر: الأموال لأبي عبيد ص (١٣٦ - ١٣٧) .]] .

فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُولَى كَفَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْدِيَهُمْ عَمَّا أَخَذُوا مِنَ الْفِدَاءِ فَنَزَلَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾

الْآيَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَ لِأَحَدٍ قَبْلِي" [[أخرجه البخاري في التيمم: ١ / ٤٣٥ - ٤٣٦، وفي المساجد، والجهاد، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١) : ١ / ٣٧٠ - ٣٧١، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ١٩٦.]] .

أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ، ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا". [[أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب "لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا. . . " ٦ / ٢٢٠، ومسلم مطولا، واللفظ له، في الجهاد، باب تحليل الغنائم. . . (١٧٤٧) : ٣ / ١٣٦٦ - ١٣٦٧.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ: "مِنَ الْأَسَارَى" بِالْأَلِفِ، وَالْبَاقُونَ بِلَا أَلِفٍ.

نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَأَنَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ ضَمِنُوا طَعَامَ أَهْلِ بَدْرٍ، وَكَانَ يَوْمَ بَدْرٍ نَوْبَتُهُ، وَكَانَ خَرَجَ بِعِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ لِيُطْعِمَ بِهَا النَّاسَ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَاقْتَتَلُوا [وَبَقِيَتْ] [[ساقط من "ب".]] الْعِشْرُونَ أُوقِيَّةً مَعَهُ، فَأُخِذَتْ مِنْهُ فِي الْحَرْبِ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَحْتَسِبَ الْعِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنْ فِدَائِهِ فَأَبَى وَقَالَ: "أَمَّا شَيْءٌ خَرَجْتَ تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْنَا فَلَا أَتْرُكُهُ لَكَ" وَكُلِّفَ فَدَاءَ ابْنَيْ أَخِيهِ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا مُحَمَّدُ تَرَكْتَنِي أَتَكَفُّفُ قُرَيْشًا مَا بَقِيتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ وَقْتَ خُرُوجِكَ مِنْ مَكَّةَ وَقُلْتَ لَهَا: إِنِّي لَا أَدْرِي مَا يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهُوَ لَكِ وَلِعَبْدِ اللَّهِ وَلِعُبَيْدِ اللَّهِ وَلِلْفَضْلِ وقثم"، يعني نبيه، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ الْعَبَّاسُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ صَادِقٌ! وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ الَّذِينَ أَخَذْتَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أَيْ إِيمَانًا، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ مِنَ الْفِدَاءِ، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

ذُنُوبَكُمْ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [قَالَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[ساقط من "ب".]] فَأَبْدَلَنِي اللَّهُ عَنْهَا عشرين عبدا ١٥١/ب كُلُّهُمْ تَاجِرٌ يَضْرِبُ بِمَالٍ كَثِيرٍ وَأَدْنَاهُمْ يَضْرِبُ بِعِشْرِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ مَكَانَ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وَأَعْطَانِي زَمْزَمَ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا جَمِيعَ أَمْوَالِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ [[أخرجه الواحدي في أسباب النزول عن الكلبي ص (٢٧٦) ، والطبري: ١٤ / ٧٣، والحاكم في المستدرك: ٣ / ٣٢٤ عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٧ / ٢٨: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجال الأوسط رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع وفي الصحيح بعضه" وانظر: الكافي الشاف ص (٧١) .]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ يَعْنِي الْأَسَارَى، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ بِبَدْرٍ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَرَادَ بِالْخِيَانَةِ الْكُفْرَ، أَيْ: إِنْ كَفَرُوا بِكَ فَقَدْ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنُ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِبَدْرٍ حَتَّى قَتَلُوهُمْ وَأَسَرُوهُمْ، وَهَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ إِنْ عَادُوا إِلَى قِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَمُعَادَاتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ: "مِنَ الْأَسَارَى" بِالْأَلِفِ، وَالْبَاقُونَ بِلَا أَلِفٍ.

نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَأَنَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ ضَمِنُوا طَعَامَ أَهْلِ بَدْرٍ، وَكَانَ يَوْمَ بَدْرٍ نَوْبَتُهُ، وَكَانَ خَرَجَ بِعِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ لِيُطْعِمَ بِهَا النَّاسَ، فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَاقْتَتَلُوا [وَبَقِيَتْ] [[ساقط من "ب".]] الْعِشْرُونَ أُوقِيَّةً مَعَهُ، فَأُخِذَتْ مِنْهُ فِي الْحَرْبِ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَحْتَسِبَ الْعِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنْ فِدَائِهِ فَأَبَى وَقَالَ: "أَمَّا شَيْءٌ خَرَجْتَ تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْنَا فَلَا أَتْرُكُهُ لَكَ" وَكُلِّفَ فَدَاءَ ابْنَيْ أَخِيهِ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا مُحَمَّدُ تَرَكْتَنِي أَتَكَفُّفُ قُرَيْشًا مَا بَقِيتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ وَقْتَ خُرُوجِكَ مِنْ مَكَّةَ وَقُلْتَ لَهَا: إِنِّي لَا أَدْرِي مَا يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهُوَ لَكِ وَلِعَبْدِ اللَّهِ وَلِعُبَيْدِ اللَّهِ وَلِلْفَضْلِ وقثم"، يعني نبيه، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ الْعَبَّاسُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ صَادِقٌ! وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ الَّذِينَ أَخَذْتَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أَيْ إِيمَانًا، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ مِنَ الْفِدَاءِ، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

ذُنُوبَكُمْ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [قَالَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[ساقط من "ب".]] فَأَبْدَلَنِي اللَّهُ عَنْهَا عشرين عبدا ١٥١/ب كُلُّهُمْ تَاجِرٌ يَضْرِبُ بِمَالٍ كَثِيرٍ وَأَدْنَاهُمْ يَضْرِبُ بِعِشْرِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ مَكَانَ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وَأَعْطَانِي زَمْزَمَ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا جَمِيعَ أَمْوَالِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ [[أخرجه الواحدي في أسباب النزول عن الكلبي ص (٢٧٦) ، والطبري: ١٤ / ٧٣، والحاكم في المستدرك: ٣ / ٣٢٤ عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٧ / ٢٨: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجال الأوسط رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع وفي الصحيح بعضه" وانظر: الكافي الشاف ص (٧١) .]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ يَعْنِي الْأَسَارَى، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ بِبَدْرٍ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَرَادَ بِالْخِيَانَةِ الْكُفْرَ، أَيْ: إِنْ كَفَرُوا بِكَ فَقَدْ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنُ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِبَدْرٍ حَتَّى قَتَلُوهُمْ وَأَسَرُوهُمْ، وَهَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ إِنْ عَادُوا إِلَى قِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَمُعَادَاتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ أَيْ: هَجَرُوا قَوْمَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ.

﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ مَعَهُ، أَيْ: أَسْكَنُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ، ﴿وَنَصَرُوا﴾ أَيْ: وَنَصَرُوهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَهُمُ الْأَنْصَارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ دُونَ أَقْرِبَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ. قِيلَ: فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمِيرَاثِ وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ، فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَتَوَارَثُونَ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَكَانَ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لَا يَرِثُ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُهَاجِرِ حَتَّى كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ، وَتَوَارَثُوا بِالْأَرْحَامِ حَيْثُ مَا كَانُوا، وَصَارَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: [[انظر: الطبري: ١٤ / ٦٨ بتحقيق محمود شاكر.]] "وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ" "الْأَحْزَابُ -٦" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي الْمِيرَاثَ، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قرأ حمزة: "ولا يتهم" بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُمَا وَاحِدٌ كَالدِّلَالَةِ وَالدَّلَالَةِ.

﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أَيِ: اسْتَنْصَرَكُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا، ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ عَهْدٌ فَلَا تَنْصُرُوهُمْ عَلَيْهِمْ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمِيرَاثِ، أَيْ: يَرِثُ الْمُشْرِكُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا تَأْخُذُوا فِي الْمِيرَاثِ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِلَّا تَعَاوَنُوا وَتَنَاصَرُوا.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: جَعَلَ اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَهْلَ وِلَايَةٍ فِي الدِّينِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَجَعَلَ الْكَافِرِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ وَهُوَ أَنْ يَتَوَلَّى الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ دُونَ الْمُؤْمِنِ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ فَالْفِتْنَةُ فِي الْأَرْضِ قُوَّةُ الْكُفْرِ، وَالْفَسَادُ الْكَبِيرُ ضَعْفُ الْإِسْلَامِ.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لَا مِرْيَةَ وَلَا رَيْبَ فِي إِيمَانِهِمْ. قِيلَ: حَقَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَبَذْلِ الْمَالَ فِي الدِّينِ، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فِي الْجَنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ مَعْنَى فِي تَكْرَارِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قِيلَ: الْمُهَاجِرُونَ كَانُوا عَلَى طَبَقَاتٍ: فَكَانَ بَعْضُهُمْ أَهْلَ الْهِجْرَةِ الأولى، وهم الذي هَاجَرُوا قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَبَعْضُهُمْ أَهْلُ الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ ذَا هِجْرَتَيْنِ هِجْرَةُ الْحَبَشَةِ وَالْهِجْرَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى الْهِجْرَةُ الْأُولَى، وَمِنَ الثَّانِيَةِ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ أَيْ: هَجَرُوا قَوْمَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ.

﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ مَعَهُ، أَيْ: أَسْكَنُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ، ﴿وَنَصَرُوا﴾ أَيْ: وَنَصَرُوهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَهُمُ الْأَنْصَارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ دُونَ أَقْرِبَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ. قِيلَ: فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمِيرَاثِ وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ، فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَتَوَارَثُونَ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَكَانَ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لَا يَرِثُ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُهَاجِرِ حَتَّى كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ، وَتَوَارَثُوا بِالْأَرْحَامِ حَيْثُ مَا كَانُوا، وَصَارَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: [[انظر: الطبري: ١٤ / ٦٨ بتحقيق محمود شاكر.]] "وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ" "الْأَحْزَابُ -٦" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي الْمِيرَاثَ، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قرأ حمزة: "ولا يتهم" بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُمَا وَاحِدٌ كَالدِّلَالَةِ وَالدَّلَالَةِ.

﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أَيِ: اسْتَنْصَرَكُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا، ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ عَهْدٌ فَلَا تَنْصُرُوهُمْ عَلَيْهِمْ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمِيرَاثِ، أَيْ: يَرِثُ الْمُشْرِكُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا تَأْخُذُوا فِي الْمِيرَاثِ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِلَّا تَعَاوَنُوا وَتَنَاصَرُوا.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: جَعَلَ اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَهْلَ وِلَايَةٍ فِي الدِّينِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَجَعَلَ الْكَافِرِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ وَهُوَ أَنْ يَتَوَلَّى الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ دُونَ الْمُؤْمِنِ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ فَالْفِتْنَةُ فِي الْأَرْضِ قُوَّةُ الْكُفْرِ، وَالْفَسَادُ الْكَبِيرُ ضَعْفُ الْإِسْلَامِ.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لَا مِرْيَةَ وَلَا رَيْبَ فِي إِيمَانِهِمْ. قِيلَ: حَقَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَبَذْلِ الْمَالَ فِي الدِّينِ، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فِي الْجَنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ مَعْنَى فِي تَكْرَارِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قِيلَ: الْمُهَاجِرُونَ كَانُوا عَلَى طَبَقَاتٍ: فَكَانَ بَعْضُهُمْ أَهْلَ الْهِجْرَةِ الأولى، وهم الذي هَاجَرُوا قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَبَعْضُهُمْ أَهْلُ الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ ذَا هِجْرَتَيْنِ هِجْرَةُ الْحَبَشَةِ وَالْهِجْرَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى الْهِجْرَةُ الْأُولَى، وَمِنَ الثَّانِيَةِ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ أَيْ: هَجَرُوا قَوْمَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ.

﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ مَعَهُ، أَيْ: أَسْكَنُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ، ﴿وَنَصَرُوا﴾ أَيْ: وَنَصَرُوهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَهُمُ الْأَنْصَارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ دُونَ أَقْرِبَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ. قِيلَ: فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمِيرَاثِ وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ، فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَتَوَارَثُونَ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَكَانَ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لَا يَرِثُ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُهَاجِرِ حَتَّى كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ، وَتَوَارَثُوا بِالْأَرْحَامِ حَيْثُ مَا كَانُوا، وَصَارَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: [[انظر: الطبري: ١٤ / ٦٨ بتحقيق محمود شاكر.]] "وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ" "الْأَحْزَابُ -٦" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي الْمِيرَاثَ، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قرأ حمزة: "ولا يتهم" بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُمَا وَاحِدٌ كَالدِّلَالَةِ وَالدَّلَالَةِ.

﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أَيِ: اسْتَنْصَرَكُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا، ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ عَهْدٌ فَلَا تَنْصُرُوهُمْ عَلَيْهِمْ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمِيرَاثِ، أَيْ: يَرِثُ الْمُشْرِكُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا تَأْخُذُوا فِي الْمِيرَاثِ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِلَّا تَعَاوَنُوا وَتَنَاصَرُوا.

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: جَعَلَ اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَهْلَ وِلَايَةٍ فِي الدِّينِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَجَعَلَ الْكَافِرِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ وَهُوَ أَنْ يَتَوَلَّى الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ دُونَ الْمُؤْمِنِ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ فَالْفِتْنَةُ فِي الْأَرْضِ قُوَّةُ الْكُفْرِ، وَالْفَسَادُ الْكَبِيرُ ضَعْفُ الْإِسْلَامِ.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لَا مِرْيَةَ وَلَا رَيْبَ فِي إِيمَانِهِمْ. قِيلَ: حَقَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَبَذْلِ الْمَالَ فِي الدِّينِ، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فِي الْجَنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ مَعْنَى فِي تَكْرَارِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قِيلَ: الْمُهَاجِرُونَ كَانُوا عَلَى طَبَقَاتٍ: فَكَانَ بَعْضُهُمْ أَهْلَ الْهِجْرَةِ الأولى، وهم الذي هَاجَرُوا قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَبَعْضُهُمْ أَهْلُ الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ ذَا هِجْرَتَيْنِ هِجْرَةُ الْحَبَشَةِ وَالْهِجْرَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى الْهِجْرَةُ الْأُولَى، وَمِنَ الثَّانِيَةِ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مَعَكُمْ، يُرِيدُ: أَنْتُمْ مِنْهُمْ وَهُوَ مِنْكُمْ، ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وَهَذَا نَسَخَ التَّوَارُثَ بِالْهِجْرَةِ وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ.

قَوْلُهُ ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْقُرْآنَ، يَعْنِي: الْقِسْمَةُ الَّتِي بَيَّنَهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

سُورَةُ التَّوْبَةِ

قَالَ مُقَاتِلٌ: هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ إِلَّا آيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ.

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: هِيَ الْفَاضِحَةُ مَا زَالَتْ تَنْزِلُ: "وَمِنْهُمْ.."، "وَمِنْهُمْ.." حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَمْ تُبْقِ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا، قَالَ: قُلْتُ سُورَةُ الْأَنْفَالِ؟ قَالَ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ: قُلْ سُورَةُ بَنِي النَّضِيرِ [[عزاه السيوطي في الدر المنثور: (٤ / ١٢٠) لأبي عبيد وابن المنذر وابن مردويه، مختصرا.]] .

أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْجُرْجَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُدَيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيُّ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةَ، وَهِيَ مِنَ الْمِئِينِ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ؟.

فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ، وَهُوَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، فَإِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَدْعُو بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ عِنْدَهُ، فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذَكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِمَّا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ ثَمَّ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ [[أخرجه أبو داود في الصلاة، باب من جهر بها (بسم الله الرحمن الرحيم) : ١ / ٣٨٠، والترمذي في التفسير: ٨ / ٤٧٧-٤٨٠، وقال: هذا حديث حسن (وفي نسخة: حسن صحيح) لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس، ويزيد الفارسي روى عن ابن عباس غير حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز. وأخرجه ابن حبان ص (١٢٥) من موارد الظمآن، والحاكم: ٢ / ٢٢١، ٣٣٠، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والإمام أحمد في المسند: ١ / ٥٧، ٦٩. وعزاه ابن كثير للنسائي (تفسير ابن كثير: ٤ / ٥٨٨) ورواه الحافظ ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر ص٦٨، ٦٩" بإسناده إلى أبي داود وحسنه، وقال: رجاله رجال الصحيح إلا يزيد الفارسي، وضعف أحمد شاكر هذا الحديث في تعليقه على المسند: ١ / ٣٢٩، وقال: هو حديث ضعيف، بل هو حديث لا أصل له، يدور في كل رواياته على يزيد الفارسي الذي رواه عن ابن عباس، تفرد به عنه عوف بن أبي جميلة الأعرابي وهو ثقة. ومن قبل: ضعفه ابن عطية فقال: هذا القول يضعفه النظر أن يختلف في كتاب الله هكذا. انظر: المحرر الوجيز: ٦ / ٣٩٨. وانظر أيضا: تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٣٢، ٤ / ١٠٦، ٥٨٨، فضائل القرآن (الملحق بالتفسير) لابن كثير: ص (١٧-١٨) ، شرح السنة للبغوي: ٤ / ٥١٨، والدر المنثور: ٤ / ١١٩، فتح القدير للشوكاني: ٢ / ٣٣١-٣٣٢.]] .

Source. Tafseer Al-Baghawi, Baghawy — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/27. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com