John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi

Surah At-Tawba

Tafseer Al-Baghawi · The Repentance · 129 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ هَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ. وَهِيَ مَصْدَرٌ كَالنَّشَاءَةِ وَالدَّنَاءَةِ.

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ، كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَرْجُفُونَ الْأَرَاجِيفَ وَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ يَنْقُضُونَ عُهُودًا كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِنَقْضِ عُهُودِهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً" الْآيَةَ [الأنفال: ٥٨] .

قَالَ الزَّجَّاجُ: بَرَاءَةٌ أَيْ: قَدْ بَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنْ إِعْطَائِهِمُ الْعُهُودَ وَالْوَفَاءِ لَهُمْ بِهَا إِذَا نَكَثُوا.

﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الْخِطَابُ مَعَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الَّذِي عَاهَدَهُمْ وَعَاقَدَهُمْ، لِأَنَّهُ عَاهَدَهُمْ وَأَصْحَابُهُ رَاضُونَ بِذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ عَاقَدُوا وَعَاهَدُوا.

﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ رَجَعَ مِنَ الْخَبَرِ إِلَى الْخِطَابِ، أَيْ: قُلْ لَهُمْ: سِيحُوا، أَيْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، آمِنِينَ غَيْرَ خَائِفِينَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أَيْ: غَيْرُ فَائِتِينَ وَلَا سَابِقِينَ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: مُذِلُّهُمْ بِالْقَتْلِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا التَّأْجِيلِ وَفِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَرِئَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعُهُودِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:

فَقَالَ جَمَاعَةٌ: هَذَا تَأْجِيلٌ مِنَ الله تعالى ١٥٢/ألِلْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ كَانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: رَفَعَهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ كَانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: حَطَّهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ كَانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ بِغَيْرِ أَجَلٍ مَحْدُودٍ: حَدَّهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ هُوَ حَرْبٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُقْتَلُ حَيْثُ أُدْرِكَ وَيُؤْسَرُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ [[تفسير الطبري: ١٤ / ٩٦-٩٧.]] .

وَابْتِدَاءُ هَذَا الْأَجَلِ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَانْقِضَاؤُهُ إِلَى عَشْرٍ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ.

فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَإِنَّمَا أَجَلُهُ انْسِلَاخُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَذَلِكَ خَمْسُونَ يَوْمًا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٠١.]] لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَوَّالٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْوَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّمَا كَانَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَأَتَمَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهَذَا أَمَرَ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾. [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٠٢.]] قَالَ الْحَسَنُ: أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ" فَكَانَ لَا يُقَاتِلُ إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ، وَأَجَّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَجَلٌ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لَا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ وَلَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، فَكَانَ الْأَجَلُ لِجَمِيعِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَحَلَّ دِمَاءَ جَمِيعِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ وَغَيْرِهِمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ.

وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ قَبْلَ تَبُوكَ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَاهَدَ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى: أَنْ يَضَعُوا الْحَرْبَ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدَخَلَ بَنُو بَكْرٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ فَنَالَتْ مِنْهَا، وَأَعَانَتْهُمْ قُرَيْشٌ بِالسِّلَاحِ، فَلَمَّا تَظَاهَرَ بَنُو بَكْرٍ وَقُرَيْشٌ عَلَى خُزَاعَةَ وَنَقَضُوا عَهْدَهُمْ، خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وقال: لا هُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا

فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَبَدًا ... وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدًا

أَبْيَضُ مِثْلُ الشَّمْسِ يَسْمُو صَعِدَا ... إِنْ سِيْمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا

هَمْ بَيَّتُونَا بِالْهَجِيرِ هُجَّدًا ... وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدًا

كُنْتَ لَنَا أَبَا وَكُنَّا وَلَدًا ... ثَمَّتَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدًا

فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا

إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تُنْجِي أَحَدًا ... وَهُمْ أُذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ"، وَتَجَهَّزَ إِلَى مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.

فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ تِسْعٍ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحُجَّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ يَحْضُرُ الْمُشْرِكُونَ فَيَطُوفُونَ عُرَاةً، فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ تِلْكَ السَّنَةَ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ لِيُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ صَدْرِ بَرَاءَةَ لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ الْمَوْسِمِ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ عَلِيًّا، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ لِيَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ صَدْرَ بَرَاءَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِمَكَّةَ وَمِنًى وَعَرَفَةَ: أَنْ قَدْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.

فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنَزَلَ فِي شَأْنِي شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي، أَمَا تَرْضَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ وَأَنَّكَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَسَارَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ وَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ، وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَالْعَرَبُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى مَنَازِلِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْحَجِّ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالَّذِي أُمِرَ بِهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ بَرَاءَةَ [[انظر: سيرة ابن هشام: ٢ / ٣٩٤-٣٩٦، ٥٤٥-٥٤٦، تفسير الطبري: ١٤ / ٩٦-٩٧.]] .

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ يُثَيْعٍ [[زيد بن يُثَيْع - بضم التحتانية، وقد تبدل همزة، بعدها مثلثة ثم تحتانية ساكنة ثم مهملة، الهمداني الكوفي - ثقة، مخضرم - من الثانية (التقريب) وفي الأصل كانت "تبيع".]] سَأَلْنَا عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ؟ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٠٦، ورواه الترمذي في الحج: ٣ / ٦١٠، وفي التفسير: ٨ / ٤٨٨ وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٤) ورقم (٥٩٤) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر. وانظر: فتح الباري: ٨ / ٣١٩.]] .

ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ حَجَّةَ الْوَدَاعِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ عَزَلَهُ وَبَعَثَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟.

قُلْنَا: ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَعْزِلْ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ هُوَ الْأَمِيرَ، وَإِنَّمَا بَعَثَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيُنَادِيَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ: أَنَّ الْعَرَبَ تَعَارَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي عَقْدِ الْعُهُودِ وَنَقْضِهَا، أَنْ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ إِلَّا سَيِّدُهُمْ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ رَهْطِهِ، فَبَعَثَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِزَاحَةً لِلْعِلَّةِ، لِئَلَّا يَقُولُوا: هَذَا خِلَافُ مَا نَعْرِفُهُ فَيُنَافِي نَقْضَ الْعَهْدِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ هُوَ الْأَمِيرَ: مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمِنًى: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ [[أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما يستر من العورة: ١ / ٤٧٧-٤٧٨، ومسلم في الحج، باب لا يحج بالبيت مشرك.. برقم (١٣٤٧) : ٢ / ٩٨٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ هَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ. وَهِيَ مَصْدَرٌ كَالنَّشَاءَةِ وَالدَّنَاءَةِ.

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ، كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَرْجُفُونَ الْأَرَاجِيفَ وَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ يَنْقُضُونَ عُهُودًا كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِنَقْضِ عُهُودِهِمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً" الْآيَةَ [الأنفال: ٥٨] .

قَالَ الزَّجَّاجُ: بَرَاءَةٌ أَيْ: قَدْ بَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنْ إِعْطَائِهِمُ الْعُهُودَ وَالْوَفَاءِ لَهُمْ بِهَا إِذَا نَكَثُوا.

﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الْخِطَابُ مَعَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الَّذِي عَاهَدَهُمْ وَعَاقَدَهُمْ، لِأَنَّهُ عَاهَدَهُمْ وَأَصْحَابُهُ رَاضُونَ بِذَلِكَ، فَكَأَنَّهُمْ عَاقَدُوا وَعَاهَدُوا.

﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ رَجَعَ مِنَ الْخَبَرِ إِلَى الْخِطَابِ، أَيْ: قُلْ لَهُمْ: سِيحُوا، أَيْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، آمِنِينَ غَيْرَ خَائِفِينَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أَيْ: غَيْرُ فَائِتِينَ وَلَا سَابِقِينَ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: مُذِلُّهُمْ بِالْقَتْلِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا التَّأْجِيلِ وَفِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَرِئَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعُهُودِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:

فَقَالَ جَمَاعَةٌ: هَذَا تَأْجِيلٌ مِنَ الله تعالى ١٥٢/ألِلْمُشْرِكِينَ، فَمَنْ كَانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: رَفَعَهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ كَانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: حَطَّهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ كَانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ بِغَيْرِ أَجَلٍ مَحْدُودٍ: حَدَّهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ هُوَ حَرْبٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُقْتَلُ حَيْثُ أُدْرِكَ وَيُؤْسَرُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ [[تفسير الطبري: ١٤ / ٩٦-٩٧.]] .

وَابْتِدَاءُ هَذَا الْأَجَلِ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَانْقِضَاؤُهُ إِلَى عَشْرٍ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ.

فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَإِنَّمَا أَجَلُهُ انْسِلَاخُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَذَلِكَ خَمْسُونَ يَوْمًا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٠١.]] لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَوَّالٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْوَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّمَا كَانَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَأَتَمَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهَذَا أَمَرَ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾. [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٠٢.]] قَالَ الْحَسَنُ: أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ" فَكَانَ لَا يُقَاتِلُ إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ، وَأَجَّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَجَلٌ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لَا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ وَلَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، فَكَانَ الْأَجَلُ لِجَمِيعِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَحَلَّ دِمَاءَ جَمِيعِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ وَغَيْرِهِمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ.

وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ قَبْلَ تَبُوكَ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَاهَدَ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى: أَنْ يَضَعُوا الْحَرْبَ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدَخَلَ بَنُو بَكْرٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ فَنَالَتْ مِنْهَا، وَأَعَانَتْهُمْ قُرَيْشٌ بِالسِّلَاحِ، فَلَمَّا تَظَاهَرَ بَنُو بَكْرٍ وَقُرَيْشٌ عَلَى خُزَاعَةَ وَنَقَضُوا عَهْدَهُمْ، خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وقال: لا هُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا

فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَبَدًا ... وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدًا

أَبْيَضُ مِثْلُ الشَّمْسِ يَسْمُو صَعِدَا ... إِنْ سِيْمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا

هَمْ بَيَّتُونَا بِالْهَجِيرِ هُجَّدًا ... وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدًا

كُنْتَ لَنَا أَبَا وَكُنَّا وَلَدًا ... ثَمَّتَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدًا

فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا

إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ... وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تُنْجِي أَحَدًا ... وَهُمْ أُذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ"، وَتَجَهَّزَ إِلَى مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.

فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ تِسْعٍ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحُجَّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ يَحْضُرُ الْمُشْرِكُونَ فَيَطُوفُونَ عُرَاةً، فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ تِلْكَ السَّنَةَ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ لِيُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ صَدْرِ بَرَاءَةَ لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ الْمَوْسِمِ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ عَلِيًّا، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ لِيَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ صَدْرَ بَرَاءَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِمَكَّةَ وَمِنًى وَعَرَفَةَ: أَنْ قَدْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.

فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنَزَلَ فِي شَأْنِي شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي، أَمَا تَرْضَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ وَأَنَّكَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَسَارَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ وَحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكِهِمْ، وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَالْعَرَبُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى مَنَازِلِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْحَجِّ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالَّذِي أُمِرَ بِهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ بَرَاءَةَ [[انظر: سيرة ابن هشام: ٢ / ٣٩٤-٣٩٦، ٥٤٥-٥٤٦، تفسير الطبري: ١٤ / ٩٦-٩٧.]] .

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ يُثَيْعٍ [[زيد بن يُثَيْع - بضم التحتانية، وقد تبدل همزة، بعدها مثلثة ثم تحتانية ساكنة ثم مهملة، الهمداني الكوفي - ثقة، مخضرم - من الثانية (التقريب) وفي الأصل كانت "تبيع".]] سَأَلْنَا عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ؟ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٠٦، ورواه الترمذي في الحج: ٣ / ٦١٠، وفي التفسير: ٨ / ٤٨٨ وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (٤) ورقم (٥٩٤) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر. وانظر: فتح الباري: ٨ / ٣١٩.]] .

ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ حَجَّةَ الْوَدَاعِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ عَزَلَهُ وَبَعَثَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟.

قُلْنَا: ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَعْزِلْ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ هُوَ الْأَمِيرَ، وَإِنَّمَا بَعَثَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيُنَادِيَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ: أَنَّ الْعَرَبَ تَعَارَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي عَقْدِ الْعُهُودِ وَنَقْضِهَا، أَنْ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ إِلَّا سَيِّدُهُمْ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ رَهْطِهِ، فَبَعَثَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِزَاحَةً لِلْعِلَّةِ، لِئَلَّا يَقُولُوا: هَذَا خِلَافُ مَا نَعْرِفُهُ فَيُنَافِي نَقْضَ الْعَهْدِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ هُوَ الْأَمِيرَ: مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمِنًى: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ [[أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما يستر من العورة: ١ / ٤٧٧-٤٧٨، ومسلم في الحج، باب لا يحج بالبيت مشرك.. برقم (١٣٤٧) : ٢ / ٩٨٢.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَذَانٌ﴾ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: "بَرَاءَةٌ" أَيْ: إِعْلَامٌ. وَمِنْهُ الْأَذَانُ بِالصَّلَاةِ، يُقَالُ: آذَنْتُهُ فَأَذِنَ، أَيْ: أَعْلَمْتُهُ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْأُذُنِ، أَيْ: أَوْقَعْتُهُ فِي أُذُنِهِ.

﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ قَالَ: خَرَجَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، يُرِيدُ الْجَبَّانَةَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ وَسَأَلَهُ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ؟ فَقَالَ: يَوْمُكَ هَذَا، خَلِّ سَبِيلَهَا. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيِّ.

وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ حِينَ الْحَجِّ أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا، وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَيَّامُ مِنَى كُلُّهَا، مِثْلُ: يَوْمِ صِفِّينَ وَيَوْمِ الْجَمَلِ وَيَوْمِ بُعَاثَ، يُرَادُ بِهِ: الْحِينُ وَالزَّمَانُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوبَ دَامَتْ أَيَّامًا كَثِيرَةً.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ الْيَوْمُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ حَجُّ الْمُسْلِمِينَ وَعِيدُ الْيَهُودِ والنصارى والمشركين، ١٥٢/ب وَلَمْ يَجْتَمِعْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: فَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ: الْقِرَانُ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ: إِفْرَادُ الْحَجِّ.

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ: الْحَجُّ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ: الْعُمْرَةُ؛ قِيلَ لَهَا الْأَصْغَرُ لِنُقْصَانِ أَعْمَالِهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ أَيْ: وَرَسُولُهُ أَيْضًا بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ "وَرَسُولَهُ" بِنَصْبِ اللَّامِ أَيْ: أَنَّ الله ورسوله برئ، ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ رَجَعْتُمْ مِنْ كُفْرِكُمْ وَأَخْلَصْتُمُ التَّوْحِيدَ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .

﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" إِلَّا مِنْ عَهْدِ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ بَنُو ضَمْرَةَ، حَيٌّ مِنْ كِنَانَةَ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّتِهِمْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ مِنْ عَهْدِهِمُ الَّذِي عَاهَدْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾ لَمْ يُعَاوِنُوا، ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ مِنْ عَدُوِّكُمْ. وَقَرَأَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: "لَمْ يَنْقُضُوكُمْ" بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ فَأَوْفُوا لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، ﴿إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ إِلَى أَجَلِهِمُ الَّذِي عَاهَدْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ انْقَضَى وَمَضَى ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ قِيلَ: هِيَ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ: رَجَبٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ: هِيَ شُهُورُ الْعَهْدِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ: فَأَجَلُهُ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُحَرَّمِ خَمْسُونَ يَوْمًا، وَقِيلَ لَهَا "حُرُمٌ" لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَّرَّمَ فِيهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ وَالتَّعَرُّضَ لَهُمْ.

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْقَدْرُ بَعْضُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: "فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ"؟.

قِيلَ: لَمَّا كَانَ هَذَا الْقَدَرُ مُتَّصِلًا بِمَا مَضَى أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ، وَمَعْنَاهُ: مَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا انْسِلَاخُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وَأْسِرُوهُمْ، ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ أَيِ: احْبِسُوهُمْ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُرِيدُ إِنْ تَحَصَّنُوا فَاحْصُرُوهُمْ، أَيِ: امْنَعُوهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ.

وَقِيلَ: امْنَعُوهُمْ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَالتَّصَرُّفِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ.

﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أَيْ: عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ، وَالْمَرْصَدُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يَرْقُبُ فِيهِ الْعَدُوَّ، مِنْ رَصَدْتُ الشَّيْءَ أَرْصُدُهُ: إِذَا تَرَقَّبْتُهُ، يُرِيدُ: كُونُوا لَهُمْ رَصْدًا لِتَأْخُذُوهُمْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهُوا.

وَقِيلَ: اقْعُدُوا لَهُمْ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، حَتَّى لَا يَدْخُلُوهَا.

﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ يَقُولُ: دَعُوهُمْ فَلْيَتَصَرَّفُوا فِي أَمْصَارِهِمْ وَيَدْخُلُوا مَكَّةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِمَنْ تَابَ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِ.

وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِيهَا ذِكْرُ الْإِعْرَاضِ وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْأَعْدَاءِ [[تقدم في مناسبة سابقة أن بعض العلماء رحمهم الله قد توسع في هذه القضية، فجعل آية السيف ناسخة لكل آية في القرآن فيها أمر بالصبر أو الصفح أو المسالمة، ولا يسلم لهم ذلك فإنه لا تنافي بينها، وهي من "المنسأ" كما يقول الزركشي وغيره، وليست من المنسوخ.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ أَيْ: وَإِنِ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ، أَيِ: اسْتَأْمَنَكَ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ.

﴿فَأَجِرْهُ﴾ فَأَعِذْهُ وَآمِنْهُ، ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أَيْ: إِنْ لَمْ يُسْلِمْ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، أَيِ: الْمَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ وَهُوَ دَارُ قَوْمِهِ، فَإِنْ قَاتَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِرْتَ عَلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدَهُ فَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، وَمَعْنَاهُ جَحْدٌ، أَيْ: لَا يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا عِنْدَ رَسُولِهِ، وَهُمْ يَغْدِرُونَ وَيَنْقُضُونَ الْعَهْدَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قُرَيْشٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ أَيْ: عَلَى الْعَهْدِ، ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، وَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ، فَضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْفَتْحِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَخْتَارُونَ مِنْ أَمْرِهِمْ: إِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا، وَإِمَّا أَنْ يَلْحَقُوا بأي بلاد شاؤوا، فَأَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ.

قَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ: هُمْ مِنْ قَبَائِلِ بَكْرٍ: بَنُو خُزَيْمَةَ وَبَنُو مُدْلِجٍ وَبَنُو ضَمْرَةَ وَبَنُو الدَّيْلِ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَكُنْ نَقَضَ الْعَهْدَ إِلَّا قُرَيْشٌ وَبَنُو الدَّيْلِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْعَهْدِ لِمَنْ لَمْ يَنْقُضْ وَهُمْ بَنُو ضَمْرَةَ.

وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بَعْدَ نَقْضِ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ وَبَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَكَيْفَ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَدْ مَضَى: "فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ"؟ وَإِنَّمَا هُمُ الَّذِينَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: "إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا" كَمَا نَقَصَتْكُمْ قُرَيْشٌ، وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا كَمَا ظَاهَرَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ أَيْ: وَإِنِ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ، أَيِ: اسْتَأْمَنَكَ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ.

﴿فَأَجِرْهُ﴾ فَأَعِذْهُ وَآمِنْهُ، ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أَيْ: إِنْ لَمْ يُسْلِمْ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، أَيِ: الْمَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ وَهُوَ دَارُ قَوْمِهِ، فَإِنْ قَاتَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِرْتَ عَلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدَهُ فَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، وَمَعْنَاهُ جَحْدٌ، أَيْ: لَا يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا عِنْدَ رَسُولِهِ، وَهُمْ يَغْدِرُونَ وَيَنْقُضُونَ الْعَهْدَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قُرَيْشٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ أَيْ: عَلَى الْعَهْدِ، ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، وَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ، فَضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْفَتْحِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَخْتَارُونَ مِنْ أَمْرِهِمْ: إِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا، وَإِمَّا أَنْ يَلْحَقُوا بأي بلاد شاؤوا، فَأَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ.

قَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ: هُمْ مِنْ قَبَائِلِ بَكْرٍ: بَنُو خُزَيْمَةَ وَبَنُو مُدْلِجٍ وَبَنُو ضَمْرَةَ وَبَنُو الدَّيْلِ، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَكُنْ نَقَضَ الْعَهْدَ إِلَّا قُرَيْشٌ وَبَنُو الدَّيْلِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْعَهْدِ لِمَنْ لَمْ يَنْقُضْ وَهُمْ بَنُو ضَمْرَةَ.

وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بَعْدَ نَقْضِ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ وَبَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَكَيْفَ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَدْ مَضَى: "فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ"؟ وَإِنَّمَا هُمُ الَّذِينَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: "إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا" كَمَا نَقَصَتْكُمْ قُرَيْشٌ، وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا كَمَا ظَاهَرَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ هَذَا مَرْدُودٌ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ [كَيْفَ] [[ساقط من "ب".]] وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ! ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ قَالَ الْأَخْفَشُ: كَيْفَ لَا تَقْتُلُونَهُمْ وَهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أَيْ: يَظْفَرُوا بِكُمْ، لَا يَرْقُبُوا: لَا يَحْفَظُوا؟ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَنْتَظِرُوا. وَقَالَ قُطْرُبٌ: لَا يُرَاعُوا فِيكُمْ إِلًّا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: قَرَابَةً. وَقَالَ يَمَانُ: رَحِمًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْإِلُّ الْحِلْفُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ الْعَهْدُ. وَكَذَلِكَ الذِّمَّةُ، إِلَّا أَنَّهُ كَرَّرَ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ وَمُجَاهِدٌ: الْإِلُّ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقْرَأُ: "جَبْرَ إِلِّ" بِالتَّشْدِيدِ، يَعْنِي: "عَبْدَ اللَّهِ". وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ نَاسًا قَدِمُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْ قَوْمِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ أَبُو بَكْرٍ كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ فَقَرَؤُوا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِلِّ، أَيْ: مِنَ اللَّهِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ عِكْرِمَةَ "لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِيلًا" بِالْيَاءِ، يَعْنِي: اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. مِثْلَ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَلَا ذِمَّةً أَيْ: عَهْدًا.

﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أَيْ: يُعْطُونَكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ خِلَافَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ الْإِيمَانَ، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي الْمُشْرِكِينَ وَكُلُّهُمْ فَاسِقُونَ فَكَيْفَ قَالَ: "وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ"؟ قِيلَ: أَرَادَ بِالْفِسْقِ: نَقْضَ الْعَهْدِ، وَكَانَ فِي الْمُشْرِكِينَ مَنْ وَفَّى بِعَهْدِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ نَقَضُوا، فَلِهَذَا قَالَ: "وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ".

﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَكْلَةٍ أَطْعَمَهُمْ إِيَّاهَا أَبُو سُفْيَانَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَطْعَمَ أبو سفيان ١٥٣/أحُلَفَاءَهُ، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي دِينِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ أَمَدُّوهُمْ بِالْأَمْوَالِ لِيُقَوُّوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ﴾ بِئْسَ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ يَقُولُ: لَا تُبْقُوا عَلَيْهِمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَمَا لَا يُبْقُونَ عَلَيْكُمْ لَوْ ظَهَرُوا، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ بِنَقْضِ الْعَهْدِ.

﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، ﴿فِي الدِّينِ﴾ لَهُمْ مَا لَكُمَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْكُمْ، ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ وَنُبَيِّنُ الْآيَاتِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَمَرَتْهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَمَنْ لَمْ يُزَكِّ فَلَا صَلَاةَ لَهُ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ"؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفَتُ أَنَّهُ الْحَقُّ [[أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ: ١٣ / ٢٥٠، ومسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله.. برقم (٢٠) : ١ / ٥١-٥٢.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَهْدِيِّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا: فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ" [[أخرجه البخاري في الصلاة، باب فضل استقبال القبلة: ١ / ٤٩٦.]] .

﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَكْلَةٍ أَطْعَمَهُمْ إِيَّاهَا أَبُو سُفْيَانَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَطْعَمَ أبو سفيان ١٥٣/أحُلَفَاءَهُ، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي دِينِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ أَمَدُّوهُمْ بِالْأَمْوَالِ لِيُقَوُّوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ﴾ بِئْسَ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ يَقُولُ: لَا تُبْقُوا عَلَيْهِمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَمَا لَا يُبْقُونَ عَلَيْكُمْ لَوْ ظَهَرُوا، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ بِنَقْضِ الْعَهْدِ.

﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، ﴿فِي الدِّينِ﴾ لَهُمْ مَا لَكُمَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْكُمْ، ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ وَنُبَيِّنُ الْآيَاتِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَمَرَتْهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَمَنْ لَمْ يُزَكِّ فَلَا صَلَاةَ لَهُ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ"؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفَتُ أَنَّهُ الْحَقُّ [[أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ: ١٣ / ٢٥٠، ومسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله.. برقم (٢٠) : ١ / ٥١-٥٢.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَهْدِيِّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا: فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ" [[أخرجه البخاري في الصلاة، باب فضل استقبال القبلة: ١ / ٤٩٦.]] .

﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَكْلَةٍ أَطْعَمَهُمْ إِيَّاهَا أَبُو سُفْيَانَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَطْعَمَ أبو سفيان ١٥٣/أحُلَفَاءَهُ، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي دِينِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الطَّائِفِ أَمَدُّوهُمْ بِالْأَمْوَالِ لِيُقَوُّوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ﴾ بِئْسَ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ يَقُولُ: لَا تُبْقُوا عَلَيْهِمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَمَا لَا يُبْقُونَ عَلَيْكُمْ لَوْ ظَهَرُوا، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ بِنَقْضِ الْعَهْدِ.

﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، ﴿فِي الدِّينِ﴾ لَهُمْ مَا لَكُمَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْكُمْ، ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ وَنُبَيِّنُ الْآيَاتِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَمَرَتْهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَمَنْ لَمْ يُزَكِّ فَلَا صَلَاةَ لَهُ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ"؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفَتُ أَنَّهُ الْحَقُّ [[أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ: ١٣ / ٢٥٠، ومسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله.. برقم (٢٠) : ١ / ٥١-٥٢.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَهْدِيِّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا: فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ" [[أخرجه البخاري في الصلاة، باب فضل استقبال القبلة: ١ / ٤٩٦.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ، ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ عَقْدِهِمْ، يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿وَطَعَنُوا﴾ قَدَحُوا ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ عَابُوهُ. فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا طَعَنَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا لَا يَبْقَى لَهُ عَهْدٌ، ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ: "أَئِمَّةَ" بِهَمْزَتَيْنِ حَيْثُ كَانَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ. وَأَئِمَّةُ الْكُفْرِ: رُؤُوسُ الْمُشْرِكِينَ وَقَادَتُهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَسَائِرِ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَهُمُ الَّذِينَ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٤ / ١٥٤، وبنحوه مطولا: البخاري: ٨ / ٣٢٢. وانظر: الدر المنثور: ٤ / ١٣٦.]] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ أَهْلُ فَارِسَ وَالرُّومِ [[في الدر المنثور: عن مجاهد قال أبو سفيان.]] .

وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: مَا قُوتِلَ أَهْلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَمْ يَأْتِ أَهْلُهَا بَعْدُ [[انظر: الطبري: ١٤ / ١٥٥-١٥٦، فتح الباري: ٨ / ٣٢٣.]] ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أَيْ: لَا عُهُودَ لَهُمْ، جَمْعُ يَمِينٍ. قَالَ قُطْرُبٌ: لَا وَفَاءَ لَهُمْ بِالْعَهْدِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: "لَا إِيمَانَ لَهُمْ" بِكَسْرِ الْأَلِفِ، أَيْ: لَا تَصْدِيقَ لَهُمْ وَلَا دِينَ لَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْأَمَانِ، أَيْ لَا تُؤَمِّنُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أَيْ: لِكَيْ يَنْتَهُوا عَنِ الطَّعْنِ فِي دِينِكُمْ وَالْمُظَاهَرَةِ عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: عَنِ الْكُفْرِ.

ثُمَّ حَضَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَالَ جُلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَ الصُّلْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى قِتَالِ خُزَاعَةَ.

﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ مِنْ مَكَّةَ حِينَ اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ بِالْقِتَالِ، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ سَلِمَ الْعِيرُ: لَا نَنْصَرِفُ حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ بَدَؤُوا بِقِتَالِ خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أَتَخَافُونَهُمْ فَتَتْرُكُونَ قِتَالَهُمْ؟ ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ فِي تَرْكِ قِتَالِهِمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ يَقْتُلُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ وَيُذِلُّهُمْ بِالْأَسْرِ وَالْقَهْرِ، ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ﴾ وَيُبْرِئُ دَاءَ قُلُوبِ قَوْمٍ، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مِمَّا كَانُوا يَنَالُونَهُ مِنَ الْأَذَى مِنْهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: أَرَادَ صُدُورَ خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عليهم، حتى نكؤوا فِيهِمْ فَشَفَى اللَّهُ صُدُورَهُمْ مِنْ بَنِي بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِالْمُؤْمِنِينَ.

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ كَرْبَهَا وَوَجْدَهَا بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ بَكْرًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَا فَعَلَ بِأَبِي سُفْيَانَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "ارْفَعُوا السَّيْفَ إِلَّا خُزَاعَةَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ إِلَى الْعَصْرِ". [[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٤ / ٤٨٧، وأبو عبيد في الأموال ص (١٣١) .]]

ثُمَّ حَضَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَالَ جُلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَ الصُّلْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى قِتَالِ خُزَاعَةَ.

﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ مِنْ مَكَّةَ حِينَ اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ بِالْقِتَالِ، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ سَلِمَ الْعِيرُ: لَا نَنْصَرِفُ حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ بَدَؤُوا بِقِتَالِ خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أَتَخَافُونَهُمْ فَتَتْرُكُونَ قِتَالَهُمْ؟ ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ فِي تَرْكِ قِتَالِهِمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ يَقْتُلُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ وَيُذِلُّهُمْ بِالْأَسْرِ وَالْقَهْرِ، ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ﴾ وَيُبْرِئُ دَاءَ قُلُوبِ قَوْمٍ، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مِمَّا كَانُوا يَنَالُونَهُ مِنَ الْأَذَى مِنْهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: أَرَادَ صُدُورَ خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عليهم، حتى نكؤوا فِيهِمْ فَشَفَى اللَّهُ صُدُورَهُمْ مِنْ بَنِي بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِالْمُؤْمِنِينَ.

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ كَرْبَهَا وَوَجْدَهَا بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ بَكْرًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَا فَعَلَ بِأَبِي سُفْيَانَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "ارْفَعُوا السَّيْفَ إِلَّا خُزَاعَةَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ إِلَى الْعَصْرِ". [[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٤ / ٤٨٧، وأبو عبيد في الأموال ص (١٣١) .]]

ثُمَّ حَضَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَالَ جُلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ نَقَضُوا عُهُودَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَ الصُّلْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَأَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى قِتَالِ خُزَاعَةَ.

﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ مِنْ مَكَّةَ حِينَ اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ بِالْقِتَالِ، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ سَلِمَ الْعِيرُ: لَا نَنْصَرِفُ حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ.

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ بَدَؤُوا بِقِتَالِ خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أَتَخَافُونَهُمْ فَتَتْرُكُونَ قِتَالَهُمْ؟ ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ فِي تَرْكِ قِتَالِهِمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ يَقْتُلُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ وَيُذِلُّهُمْ بِالْأَسْرِ وَالْقَهْرِ، ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ﴾ وَيُبْرِئُ دَاءَ قُلُوبِ قَوْمٍ، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مِمَّا كَانُوا يَنَالُونَهُ مِنَ الْأَذَى مِنْهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: أَرَادَ صُدُورَ خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عليهم، حتى نكؤوا فِيهِمْ فَشَفَى اللَّهُ صُدُورَهُمْ مِنْ بَنِي بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِالْمُؤْمِنِينَ.

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ كَرْبَهَا وَوَجْدَهَا بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ بَكْرًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَا فَعَلَ بِأَبِي سُفْيَانَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "ارْفَعُوا السَّيْفَ إِلَّا خُزَاعَةَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ إِلَى الْعَصْرِ". [[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٤ / ٤٨٧، وأبو عبيد في الأموال ص (١٣١) .]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أَظَنَنْتُمْ ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُنَافِقِينَ. وَقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ شَقَّ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ. فَقَالَ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا فَلَا تُؤْمَرُوا بِالْجِهَادِ، وَلَا تُمْتَحَنُوا، لِيَظْهَرَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ وَلَمْ يَرَ اللَّهُ ﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ بِطَانَةً وَأَوْلِيَاءَ يُوَالُونَهُمْ وَيُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَلِيجَةٌ خِيَانَةٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: خَدِيعَةٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَوْلِيَاءُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ وَلِيجَةٌ، وَالرَّجُلُ يَكُونُ فِي الْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ وَلِيجَةٌ. فَوَلِيجَةُ الرَّجُلِ: مَنْ يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أَمْرِهِ دُونَ النَّاسِ، يُقَالُ: هُوَ وَلِيجَتِي، وَهُمْ وَلِيجَتِي لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ.

﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ عَيَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْكُفْرِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَأَغْلَظَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ الْقَوْلَ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: مَا لَكُمْ تَذْكُرُونَ مَسَاوِيَنَا وَلَا تَذْكُرُونَ مَحَاسِنَنَا؟.

فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَلْكُمْ مَحَاسِنُ؟ فَقَالَ نَعَمْ: إِنَّا لَنَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَنَحْجُبُ الْكَعْبَةَ وَنَسَقِي الْحَاجَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَى الْعَبَّاسِ: "مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ" [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٧٨) .]] أَيْ: مَا يَنْبَغِي لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ.

أَوْجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَنْعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ إِنَّمَا تُعْمَرُ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ كَانَ كَافِرًا بِاللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْمُرَهَا. فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ: الْعِمَارَةُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْ بناء المساجد ١٥٣/ب ومُرَمَّمَته عِنْدَ الْخَرَابِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ الْكَافِرُ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِهِ لَا تُمْتَثَلُ. وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْعِمَارَةَ ها هنا عَلَى دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْقُعُودِ فِيهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يُتْرَكُوا فَيَكُونُوا أَهْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: "مَسْجِدَ اللَّهِ" عَلَى التَّوْحِيدِ، وَأَرَادَ بِهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ بِالْجَمْعِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَيْضًا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا قَالَ مَسَاجِدَ لِأَنَّهُ قِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: رُبَّمَا ذَهَبَتِ الْعَرَبُ بِالْوَاحِدِ إِلَى الْجَمْعِ وَبِالْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَرْكَبُ الْبِرْذَوْنَ فَيَقُولُ: أَخَذْتُ فِي رُكُوبِ الْبَرَاذِينَ؟ وَيُقَالُ: فُلَانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، يُرِيدُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ؟.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ أَرَادَ: وَهُمْ شَاهِدُونَ، فَلَمَّا طُرِحَتْ "وَهُمْ" نَصَبَتَ، قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَقُولُوا نَحْنُ كُفَّارٌ، وَلَكِنَّ كَلَامَهُمْ بِالْكُفْرِ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ سُجُودُهُمْ لِلْأَصْنَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَانُوا نَصَبُوا أَصْنَامَهُمْ خَارِجَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْقَوَاعِدِ، وَكَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، كُلَّمَا طَافُوا شَوْطًا سَجَدُوا لِأَصْنَامِهِمْ، وَلَمْ يَزْدَادُوا بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بُعْدًا.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ هُوَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يُسْأَلُ مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا نَصْرَانِيٌّ، وَالْيَهُودِيُّ يَقُولُ: أَنَا يَهُودِيٌّ، وَيُقَالُ لِلْمُشْرِكِ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: مُشْرِكٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لِأَنَّهَا لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ شَاهِدِينَ عَلَى رَسُولِهِمْ بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ بَطْنٍ إِلَّا وَلَدَتْهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أَظَنَنْتُمْ ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُنَافِقِينَ. وَقِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ شَقَّ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ. فَقَالَ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا فَلَا تُؤْمَرُوا بِالْجِهَادِ، وَلَا تُمْتَحَنُوا، لِيَظْهَرَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ وَلَمْ يَرَ اللَّهُ ﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ بِطَانَةً وَأَوْلِيَاءَ يُوَالُونَهُمْ وَيُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَلِيجَةٌ خِيَانَةٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: خَدِيعَةٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَوْلِيَاءُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ وَلِيجَةٌ، وَالرَّجُلُ يَكُونُ فِي الْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ وَلِيجَةٌ. فَوَلِيجَةُ الرَّجُلِ: مَنْ يَخْتَصُّ بِدَخِيلَةِ أَمْرِهِ دُونَ النَّاسِ، يُقَالُ: هُوَ وَلِيجَتِي، وَهُمْ وَلِيجَتِي لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ.

﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ عَيَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْكُفْرِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَأَغْلَظَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ الْقَوْلَ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: مَا لَكُمْ تَذْكُرُونَ مَسَاوِيَنَا وَلَا تَذْكُرُونَ مَحَاسِنَنَا؟.

فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَلْكُمْ مَحَاسِنُ؟ فَقَالَ نَعَمْ: إِنَّا لَنَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَنَحْجُبُ الْكَعْبَةَ وَنَسَقِي الْحَاجَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَى الْعَبَّاسِ: "مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ" [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٧٨) .]] أَيْ: مَا يَنْبَغِي لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ.

أَوْجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَنْعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ إِنَّمَا تُعْمَرُ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ كَانَ كَافِرًا بِاللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْمُرَهَا. فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ: الْعِمَارَةُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْ بناء المساجد ١٥٣/ب ومُرَمَّمَته عِنْدَ الْخَرَابِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ الْكَافِرُ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِهِ لَا تُمْتَثَلُ. وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْعِمَارَةَ ها هنا عَلَى دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْقُعُودِ فِيهِ. قَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يُتْرَكُوا فَيَكُونُوا أَهْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: "مَسْجِدَ اللَّهِ" عَلَى التَّوْحِيدِ، وَأَرَادَ بِهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ بِالْجَمْعِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَيْضًا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا قَالَ مَسَاجِدَ لِأَنَّهُ قِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: رُبَّمَا ذَهَبَتِ الْعَرَبُ بِالْوَاحِدِ إِلَى الْجَمْعِ وَبِالْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَرْكَبُ الْبِرْذَوْنَ فَيَقُولُ: أَخَذْتُ فِي رُكُوبِ الْبَرَاذِينَ؟ وَيُقَالُ: فُلَانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، يُرِيدُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ؟.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ أَرَادَ: وَهُمْ شَاهِدُونَ، فَلَمَّا طُرِحَتْ "وَهُمْ" نَصَبَتَ، قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَقُولُوا نَحْنُ كُفَّارٌ، وَلَكِنَّ كَلَامَهُمْ بِالْكُفْرِ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ سُجُودُهُمْ لِلْأَصْنَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَانُوا نَصَبُوا أَصْنَامَهُمْ خَارِجَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْقَوَاعِدِ، وَكَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، كُلَّمَا طَافُوا شَوْطًا سَجَدُوا لِأَصْنَامِهِمْ، وَلَمْ يَزْدَادُوا بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بُعْدًا.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ هُوَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يُسْأَلُ مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا نَصْرَانِيٌّ، وَالْيَهُودِيُّ يَقُولُ: أَنَا يَهُودِيٌّ، وَيُقَالُ لِلْمُشْرِكِ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: مُشْرِكٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لِأَنَّهَا لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ شَاهِدِينَ عَلَى رَسُولِهِمْ بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ بَطْنٍ إِلَّا وَلَدَتْهُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وَلَمْ يَخَفْ فِي الدِّينِ غَيْرَ اللَّهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَمْرَ اللَّهِ لِخَشْيَةِ غَيْرِهِ، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ وَ"عَسَى" مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، أَيْ: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ، وَالْمُهْتَدُونَ هُمُ الْمُتَمَسِّكُونَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ.

أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ الْحِجَازِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَجَّاجِ، الْمَهْدِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ" فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [[أخرجه الترمذي في الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة: ٧ / ٣٦٦، وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي تفسير سورة التوبة: ٨ / ٤٩٠ وقال: حسن غريب، وابن ماجه في المساجد، باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة، برقم (٨٠٢) : ١ / ٢٦٣، والدارمي في الصلاة، باب المحافظة على الصلوات: ١ / ٢٢٢، وصححه ابن حبان، ص (٩٩) من موارد الظمآن، والحاكم: ١ / ٢١٢، ٢ / ٢٣٢ وتعقبه الذهبي فقال: درّاج كثير المناكير. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ٣ / ٦٨، ٧٦ وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة: ١ / ٢٤٤ وسلسلة الضعيفة: ٤ / ١٧٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ" [[أخرجه البخاري في صلاة الجماعة، باب فضل من غدا إلى المسجد أو راح: ٢ / ١٤٨، ومسلم في المساجد، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا.. برقم (٦٦٩) : ١ / ٤٦٣، والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٣٥٢.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانَيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ كَهَيْئَتِهِ فِي الْجَنَّةِ" [[أخرجه البخاري في الصلاة، باب من بنى مسجدا: ١ / ٥٤٤، ومسلم في المساجد، باب فضل بناء المساجد برقم (٥٣٣) : ١ / ٣٧٨ بنحوه. والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٣٤٧.]] .

وَأَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادَيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدَّارَابَجِرْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: "بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" [[انظر: المراجع السابقة نفسها.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الْآيَةَ.

أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهُ بْنُ حَامِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُعَافِرَيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِي سَلَامٍ، حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ. وَقَالَ الْآخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. وَقَالَ الْآخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمَا، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ دَخَلَتُ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَفَعَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"، إِلَى قَوْلِهِ: "وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [[أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله، برقم (١٨٧٩) : ٣ / ١٤٩٩، والواحدي في أسباب النزول ص (٢٧٩) .]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَ الْعَبَّاسُ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، لَقَدْ كُنَّا نَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَنَسَقِي الْحَاجَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ عِمَارَتَهُمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَقِيَامَهُمْ عَلَى السِّقَايَةِ لَا يَنْفَعُهُمْ مَعَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَيْرٌ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ١٧٠، أسباب النزول للواحدي ص (٢٧٩) .]] .

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَطَلْحَةَ بْنِ شَيْبَةَ، افْتَخَرُوا فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا صَاحِبُ الْبَيْتِ بِيَدِي مِفْتَاحُهُ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَنَا صَاحِبُ السِّقَايَةِ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا، وَقَالَ عَلِيٌّ، مَا أَدْرِي مَا تَقُولُونَ لَقَدْ صَلَّيْتُ إِلَى الْقِبْلَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ النَّاسِ وَأَنَا صَاحِبُ الْجِهَادِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ١٧١، والواحدي ص (٢٧٩-٢٨٠) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية": (٥ / ١٨-١٩) من طبعة جامعة الإمام: "هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، بل ودلالات الكذب عليه ظاهرة. منها: أن طلحة بن شيبة لا وجود له، وإنما خادم الكعبة هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهذا مما يبين لك أن الحديث لم يصح.. وقول علي: "صليت ستة أشهر قبل الناس" فهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة، فإن بين إسلامه وإسلام زيد وأبي بكر وخديجة يوما أو نحوه فكيف يصلي قبل الناس بستة أشهر".؟ .]] .

وَالسِّقَايَةُ: مَصْدَرٌ كَالرِّعَايَةِ وَالْحِمَايَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَإِيمَانِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَجِهَادِ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟.

وَقِيلَ: السِّقَايَةُ وَالْعِمَارَةُ بِمَعْنَى السَّاقِي وَالْعَامِرِ. وَتَقْدِيرُهُ: أَجَعَلْتُمْ سَاقِيَ الْحَاجَّ وَعَامِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ: لِلْمُتَّقِينَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "أَجَعَلْتُمْ سُقَاةَ الْحَاجِّ وَعَمَرَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"، عَلَى جَمْعِ السَّاقِي وَالْعَامِرِ.

﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُهَلَّبٍ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ من عندها، ١٥٤/أفَقَالَ: اسْقِنِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: اسْقِنِي، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ [[أخرجه البخاري في الحج، باب سقاية الحاج: ٣ / ٤٩١.]] .

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ يَسْقُونَ الْعَسَلَ وَاللَّبَنَ وَأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ؟ أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ؟ أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا بِنَا حَاجَةٌ وَلَا بُخْلٌ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ فَاسْتَسْقَى، فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ فَشَرِبَ وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ، وَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ كَذَا فَاصْنَعُوا، فَلَا نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. [[أخرجه مسلم في الحج، باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.. برقم (١٣١٦) : ٢ / ٩٥٣.]]

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ فَضِيلَةً، ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ مِنَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِسِقَايَةِ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ النَّاجُونَ من النار.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبِلَهَا، نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْعَبَّاسِ وَطَلْحَةَ وَامْتِنَاعِهِمَا مِنَ الْهِجْرَةِ [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٧٦. وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ١٥٧.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، يَقُولُونَ: نَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْ لَا تُضَيِّعَنَا. فَيَرِقُّ لَهُمْ فَيُقِيمُ عَلَيْهِمْ وَيَدَعُ الْهِجْرَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ [[ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (٢٨٠) ، وعزاه ابن حجر للثعلبي من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. انظر: الكافي الشاف ص (٧٤) .]] .

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ وِلَايَتِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [[عزاه ابن حجر للثعلبي. المرجع السابق.]] بِطَانَةً وَأَصْدِقَاءَ فَتُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَكُمْ وَتُؤْثِرُونَ الْمَقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ، ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾ اخْتَارُوا ﴿الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾

فَيُطْلِعُهُمْ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُؤَثِرُ الْمُقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يُقْبَلُ الْإِيمَانُ إِلَّا مِنْ مُهَاجِرٍ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ فَضِيلَةً، ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ مِنَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِسِقَايَةِ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ النَّاجُونَ من النار.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبِلَهَا، نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْعَبَّاسِ وَطَلْحَةَ وَامْتِنَاعِهِمَا مِنَ الْهِجْرَةِ [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٧٦. وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ١٥٧.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، يَقُولُونَ: نَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْ لَا تُضَيِّعَنَا. فَيَرِقُّ لَهُمْ فَيُقِيمُ عَلَيْهِمْ وَيَدَعُ الْهِجْرَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ [[ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (٢٨٠) ، وعزاه ابن حجر للثعلبي من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. انظر: الكافي الشاف ص (٧٤) .]] .

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ وِلَايَتِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [[عزاه ابن حجر للثعلبي. المرجع السابق.]] بِطَانَةً وَأَصْدِقَاءَ فَتُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَكُمْ وَتُؤْثِرُونَ الْمَقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ، ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾ اخْتَارُوا ﴿الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾

فَيُطْلِعُهُمْ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُؤَثِرُ الْمُقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يُقْبَلُ الْإِيمَانُ إِلَّا مِنْ مُهَاجِرٍ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ فَضِيلَةً، ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ مِنَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِسِقَايَةِ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ النَّاجُونَ من النار.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبِلَهَا، نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْعَبَّاسِ وَطَلْحَةَ وَامْتِنَاعِهِمَا مِنَ الْهِجْرَةِ [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٧٦. وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ١٥٧.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، يَقُولُونَ: نَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْ لَا تُضَيِّعَنَا. فَيَرِقُّ لَهُمْ فَيُقِيمُ عَلَيْهِمْ وَيَدَعُ الْهِجْرَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ [[ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (٢٨٠) ، وعزاه ابن حجر للثعلبي من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. انظر: الكافي الشاف ص (٧٤) .]] .

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ وِلَايَتِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [[عزاه ابن حجر للثعلبي. المرجع السابق.]] بِطَانَةً وَأَصْدِقَاءَ فَتُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَكُمْ وَتُؤْثِرُونَ الْمَقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ، ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾ اخْتَارُوا ﴿الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾

فَيُطْلِعُهُمْ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُؤَثِرُ الْمُقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يُقْبَلُ الْإِيمَانُ إِلَّا مِنْ مُهَاجِرٍ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ فَضِيلَةً، ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ مِنَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِسِقَايَةِ الْحَاجِّ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ النَّاجُونَ من النار.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبِلَهَا، نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْعَبَّاسِ وَطَلْحَةَ وَامْتِنَاعِهِمَا مِنَ الْهِجْرَةِ [[تفسير الطبري: ١٤ / ١٧٦. وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ١٥٧.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، يَقُولُونَ: نَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْ لَا تُضَيِّعَنَا. فَيَرِقُّ لَهُمْ فَيُقِيمُ عَلَيْهِمْ وَيَدَعُ الْهِجْرَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ [[ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (٢٨٠) ، وعزاه ابن حجر للثعلبي من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. انظر: الكافي الشاف ص (٧٤) .]] .

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِمَكَّةَ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ وِلَايَتِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [[عزاه ابن حجر للثعلبي. المرجع السابق.]] بِطَانَةً وَأَصْدِقَاءَ فَتُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَكُمْ وَتُؤْثِرُونَ الْمَقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ، ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾ اخْتَارُوا ﴿الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾

فَيُطْلِعُهُمْ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُؤَثِرُ الْمُقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يُقْبَلُ الْإِيمَانُ إِلَّا مِنْ مُهَاجِرٍ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْهِجْرَةِ: ﴿إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأَوْلَى قَالَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا: إِنْ نَحْنُ هَاجَرْنَا ضَاعَتْ أَمْوَالُنَا وَذَهَبَتْ تِجَارَاتُنَا وَخَرِبَتْ دُورُنَا وَقَطَعْنَا أَرْحَامَنَا، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: "عَشِيرَاتُكُمْ" بِالْأَلْفِ عَلَى الْجَمْعِ، وَالْآخَرُونَ بِلَا أَلْفٍ عَلَى التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ جَمْعَ الْعَشِيرَةِ عَشَائِرُ ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ اكْتَسَبْتُمُوهَا ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ أَيْ: تَسْتَطِيبُونَهَا يَعْنِي الْقُصُورَ وَالْمَنَازِلَ، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ فَانْتَظَرُوا، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: بِقَضَائِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: بِفَتْحِ مَكَّةَ وَهَذَا أَمْرُ تَهْدِيدٍ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ لَا يُوَفِّقُ وَلَا يُرْشِدُ ﴿الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ الْخَارِجِينَ عَنِ الطَّاعَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ﴾ أَيْ مَشَاهِدَ، ﴿كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ وَحُنِينٌ وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. وَقَالَ عُرْوَةُ: إِلَى جَنْبِ ذِي الْمَجَازِ.

وَكَانَتْ قِصَّةُ حُنِينٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرُّوَاةُ [[انظر: سيرة ابن هشام: ٢ / ٤٣٧ وما بعدها، الدر المنثور: ٤ / ١٥٨ وما بعدها.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ وَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُنِينٍ لِقِتَالِ هَوَازِنَ وَثَقِيفَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، -عَشَرَةُ آلَافٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَلْفَانِ مِنَ الطُّلَقَاءِ، قَالَ عَطَاءٌ كَانُوا سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ، وَكَانُوا يَوْمَئِذٍ أَكْثَرَ مَا كَانُوا قَطُّ، وَالْمُشْرِكُونَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ هَوَازِنَ وَثَقِيفَ، وَعَلَى هَوَازِنَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ، وَعَلَى ثَقِيفَ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ ياليل الثَّقَفِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقَشٍ: لَنْ نَغْلِبَ الْيَوْمَ عَنْ قِلَّةٍ، فَسَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَلَامُهُ، وَوُكِلُوا إِلَى كَلِمَةِ الرَّجُلِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمْ يَرْضَ اللَّهُ قَوْلَهُ، وَوَكَلَهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَخَلَّوْا عَنِ الذَّرَارِيِّ، ثُمَّ نَادَوْا: يَا حُمَاةَ السَّوَادِ اذْكُرُوا الْفَضَائِحَ، فَتَرَاجَعُوا وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ.

قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الطُّلَقَاءَ انْجَفَلُوا يَوْمَئِذٍ بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْجَفَلَ الْقَوْمُ هَرَبُوا.

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ] [[ساقط من "ب".]] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: يَا أَبَا عِمَارَةَ فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ وَهُمْ حُسَّرٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ وَقَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ صَفَّهُمْ [[أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب غزوة حنين، برقم (١٧٧٦) : ٣ / ١٤٠٠.]] .

وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَزَادَ قَالَ: فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ مِنْهُ [[أخرجه البخاري في الجهاد، باب من قال: خذها وأنا ابن فلان.. ٦ / ١٦٤.]] .

وَرَوَاهُ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَزَادَ قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ [[أخرجه مسلم في الموضع السابق: ٣ / ١٤٠١.]] .

وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ الْبَرَاءُ: إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلَنَا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَفِرَّ.

قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَانْهَزَمَ سَائِرُ النَّاسِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ: الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بن سفيان ١٥٤/ب حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ: شَهِدَتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نَفَّاثَةَ الْجُذَامِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ عَبَّاسُ: نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ، فَقَالَ عَبَّاسٌ -وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا-فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ قَصُرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: هَذَا حِينُ حَمِيَ الْوَطِيسُ [[لم تسمع هذه الكلمة إلا من رسول الله ﷺ. والوطيس: حفرة تحتفر تحت الأرض، فتوقد فيها النار، ويصغر رأسها، ويخرق فيها خرق للدخان، ثم يوضع فيها اللحم ويُسَدُّ، ثم يؤتى من الغد واللحم غاب لم يحترق. ولحمها شواء. وهي مجاز في شدة الحرب.]] ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكَفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا [[أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، برقم (١٧٧٥) : ٣ / ١٣٩٨-١٣٩٩، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣١-٣٢.]] .

وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا قَالَ فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ "شَاهَتِ الْوُجُوهُ"، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَهُ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ [[أخرجه مسلم في الموضع السابق، برقم (١٧٧٧) : ٣ / ١٤٠٢.]] .

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَمَدَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَسُوِّمِينَ [[عزاه السيوطي لابن أبي حاتم. الدر المنثور: ٤ / ١٦١.]] .

وَفِي الْخَبَرِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَضَرٍ يُقَالُ لَهُ شَجَرَةُ، قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْقِتَالِ: أَيْنَ الْخَيْلُ الْبُلْقُ وَالرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ، مَا كُنَّا نَرَاكُمْ فِيهِمْ إِلَّا كَهَيْئَةِ الشَّامَةِ وَمَا كُنَّا قُتِلْنَا إِلَّا بِأَيْدِيهِمْ؟ فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ.

قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَبَلَغَنِي أَنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ [[انظر: سيرة ابن هشام: ٢ / ٤٤٤.]] قَالَ: اسْتَدْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَأَنَا أُرِيدُ قَتْلَهُ بِطَلْحَةَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَكَانَا قَدْ قُتِلَا يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَطَلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى مَا فِي نَفْسِي فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا شَيْبَةُ، فَأَرْعَدَتْ فَرَائِصِي، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَطْلَعَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِي.

فِلْمًا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، انْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا أَوَطَاسَ وَبِهَا عِيَالُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَامِرٍ وَأَمَّرَهُ عَلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَوَطَاسَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا، وَقُتِلَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَسَبَى الْمُسْلِمُونَ عِيَالَهُمْ، وَهَرَبَ أَمِيرُهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ، فَأَتَى الطَّائِفَ فَتَحَصَّنَ بِهَا وَأُخِذَ مَالُهُ وَأَهْلُهُ فِيمَنْ أُخِذَ. وَقُتِلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَبُو عَامِرٍ [[سيرة ابن هشام: ٢ / ٤٤٩، ٤٥٣، طبقات ابن سعد: ٢ / ١٥١-١٥٢.]] .

قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ آلَافِ سَبْيٍ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الطَّائِفَ فَحَاصَرَهُمْ بَقِيَّةَ ذَلِكَ الشَّهْرِ، فَلَمَّا دَخَلَ ذُو الْقِعْدَةِ وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ انْصَرَفَ عَنْهُمْ، فَأَتَى الْجِعْرَانَةَ فَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ وَقَسَّمَ فِيهَا غَنَائِمَ حُنَيْنٍ وَأَوْطَاسَ، وَتَأَلَّفَ أُنَاسًا، مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَأَعْطَاهُمْ [[انظر: إمتاع الأسماع للمقريزي: ١ / ٤٢٢-٤٢٣.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ-فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ؟ قَالَ أَنْسٌ: فُحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَقَالَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مَنْ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ فَقَالَ لَهُ فُقَهَاؤُهُمْ أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُ الْأَنْصَارَ وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَوَاللَّهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ عَلَى الْحَوْضِ" [[أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة: ٦ / ٢٥٠-٢٥١، ومسلم في الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم، برقم (١٠٥٩) : ٢ / ٧٣٣-٧٣٤.]] .

وَقَالَ يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: "فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ أَتَأَلَّفُهُمْ"، وَقَالَ: "فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ"، قَالُوا: سَنَصْبِرُ [[في رواية مسلم، في الموضع السابق.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَّمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجِدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَهُ النَّاسُ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي وَكُنْتُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ: لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكَتْ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ" [[أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الطائف: ٨ / ٤٧، ومسلم في الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، برقم (١٠٦١) : ٢ / ٧٣٨، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٤.]] .

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا محمد بن ١٥٥/أأَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ

أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْـ ... دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ

وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ

قَالَ: فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةً [[أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (١٠٦٠) ٢ / ٧٣٧.]] .

وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ نَاسًا مِنْ هَوَازِنَ أَقْبَلُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ خَيْرُ النَّاسِ وَأَبَرُّ النَّاسِ، وَقَدْ أُخِذَتْ أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا وَأَمْوَالُنَا [[ذكره الثعلبي بغير سند، وذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة في المغازي مطولا. انظر: الكافي الشاف ص (٧٤) ، فتح الباري: ٨ / ٣٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَقِيلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنْ مَعِيَ مَنْ تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصَدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ. قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ جَاؤُوا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَطَيِّبَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظٍّ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْهِجْرَةِ: ﴿إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأَوْلَى قَالَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا: إِنْ نَحْنُ هَاجَرْنَا ضَاعَتْ أَمْوَالُنَا وَذَهَبَتْ تِجَارَاتُنَا وَخَرِبَتْ دُورُنَا وَقَطَعْنَا أَرْحَامَنَا، فَنَزَلَ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ: "عَشِيرَاتُكُمْ" بِالْأَلْفِ عَلَى الْجَمْعِ، وَالْآخَرُونَ بِلَا أَلْفٍ عَلَى التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ جَمْعَ الْعَشِيرَةِ عَشَائِرُ ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ اكْتَسَبْتُمُوهَا ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ أَيْ: تَسْتَطِيبُونَهَا يَعْنِي الْقُصُورَ وَالْمَنَازِلَ، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ فَانْتَظَرُوا، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: بِقَضَائِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: بِفَتْحِ مَكَّةَ وَهَذَا أَمْرُ تَهْدِيدٍ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ لَا يُوَفِّقُ وَلَا يُرْشِدُ ﴿الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ الْخَارِجِينَ عَنِ الطَّاعَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ﴾ أَيْ مَشَاهِدَ، ﴿كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ وَحُنِينٌ وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. وَقَالَ عُرْوَةُ: إِلَى جَنْبِ ذِي الْمَجَازِ.

وَكَانَتْ قِصَّةُ حُنِينٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرُّوَاةُ [[انظر: سيرة ابن هشام: ٢ / ٤٣٧ وما بعدها، الدر المنثور: ٤ / ١٥٨ وما بعدها.]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ وَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُنِينٍ لِقِتَالِ هَوَازِنَ وَثَقِيفَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، -عَشَرَةُ آلَافٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَلْفَانِ مِنَ الطُّلَقَاءِ، قَالَ عَطَاءٌ كَانُوا سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ، وَكَانُوا يَوْمَئِذٍ أَكْثَرَ مَا كَانُوا قَطُّ، وَالْمُشْرِكُونَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ هَوَازِنَ وَثَقِيفَ، وَعَلَى هَوَازِنَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ، وَعَلَى ثَقِيفَ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ ياليل الثَّقَفِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقَشٍ: لَنْ نَغْلِبَ الْيَوْمَ عَنْ قِلَّةٍ، فَسَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَلَامُهُ، وَوُكِلُوا إِلَى كَلِمَةِ الرَّجُلِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمْ يَرْضَ اللَّهُ قَوْلَهُ، وَوَكَلَهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَخَلَّوْا عَنِ الذَّرَارِيِّ، ثُمَّ نَادَوْا: يَا حُمَاةَ السَّوَادِ اذْكُرُوا الْفَضَائِحَ، فَتَرَاجَعُوا وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ.

قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الطُّلَقَاءَ انْجَفَلُوا يَوْمَئِذٍ بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْجَفَلَ الْقَوْمُ هَرَبُوا.

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ] [[ساقط من "ب".]] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: يَا أَبَا عِمَارَةَ فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ وَهُمْ حُسَّرٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ وَقَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ صَفَّهُمْ [[أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب غزوة حنين، برقم (١٧٧٦) : ٣ / ١٤٠٠.]] .

وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَزَادَ قَالَ: فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ مِنْهُ [[أخرجه البخاري في الجهاد، باب من قال: خذها وأنا ابن فلان.. ٦ / ١٦٤.]] .

وَرَوَاهُ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَزَادَ قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ [[أخرجه مسلم في الموضع السابق: ٣ / ١٤٠١.]] .

وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ الْبَرَاءُ: إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلَنَا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَفِرَّ.

قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَانْهَزَمَ سَائِرُ النَّاسِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ: الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بن سفيان ١٥٤/ب حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ: شَهِدَتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نَفَّاثَةَ الْجُذَامِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ عَبَّاسُ: نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ، فَقَالَ عَبَّاسٌ -وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا-فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ قَصُرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: هَذَا حِينُ حَمِيَ الْوَطِيسُ [[لم تسمع هذه الكلمة إلا من رسول الله ﷺ. والوطيس: حفرة تحتفر تحت الأرض، فتوقد فيها النار، ويصغر رأسها، ويخرق فيها خرق للدخان، ثم يوضع فيها اللحم ويُسَدُّ، ثم يؤتى من الغد واللحم غاب لم يحترق. ولحمها شواء. وهي مجاز في شدة الحرب.]] ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكَفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا [[أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، برقم (١٧٧٥) : ٣ / ١٣٩٨-١٣٩٩، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣١-٣٢.]] .

وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا قَالَ فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ "شَاهَتِ الْوُجُوهُ"، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَهُ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ [[أخرجه مسلم في الموضع السابق، برقم (١٧٧٧) : ٣ / ١٤٠٢.]] .

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَمَدَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَسُوِّمِينَ [[عزاه السيوطي لابن أبي حاتم. الدر المنثور: ٤ / ١٦١.]] .

وَفِي الْخَبَرِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَضَرٍ يُقَالُ لَهُ شَجَرَةُ، قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْقِتَالِ: أَيْنَ الْخَيْلُ الْبُلْقُ وَالرِّجَالُ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ، مَا كُنَّا نَرَاكُمْ فِيهِمْ إِلَّا كَهَيْئَةِ الشَّامَةِ وَمَا كُنَّا قُتِلْنَا إِلَّا بِأَيْدِيهِمْ؟ فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ.

قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَبَلَغَنِي أَنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ [[انظر: سيرة ابن هشام: ٢ / ٤٤٤.]] قَالَ: اسْتَدْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَأَنَا أُرِيدُ قَتْلَهُ بِطَلْحَةَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَكَانَا قَدْ قُتِلَا يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَطَلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى مَا فِي نَفْسِي فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا شَيْبَةُ، فَأَرْعَدَتْ فَرَائِصِي، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَطْلَعَكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِي.

فِلْمًا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، انْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا أَوَطَاسَ وَبِهَا عِيَالُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَامِرٍ وَأَمَّرَهُ عَلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَوَطَاسَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا، وَقُتِلَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَسَبَى الْمُسْلِمُونَ عِيَالَهُمْ، وَهَرَبَ أَمِيرُهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ، فَأَتَى الطَّائِفَ فَتَحَصَّنَ بِهَا وَأُخِذَ مَالُهُ وَأَهْلُهُ فِيمَنْ أُخِذَ. وَقُتِلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَبُو عَامِرٍ [[سيرة ابن هشام: ٢ / ٤٤٩، ٤٥٣، طبقات ابن سعد: ٢ / ١٥١-١٥٢.]] .

قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ آلَافِ سَبْيٍ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الطَّائِفَ فَحَاصَرَهُمْ بَقِيَّةَ ذَلِكَ الشَّهْرِ، فَلَمَّا دَخَلَ ذُو الْقِعْدَةِ وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ انْصَرَفَ عَنْهُمْ، فَأَتَى الْجِعْرَانَةَ فَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ وَقَسَّمَ فِيهَا غَنَائِمَ حُنَيْنٍ وَأَوْطَاسَ، وَتَأَلَّفَ أُنَاسًا، مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَأَعْطَاهُمْ [[انظر: إمتاع الأسماع للمقريزي: ١ / ٤٢٢-٤٢٣.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ-فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ؟ قَالَ أَنْسٌ: فُحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَقَالَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مَنْ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ فَقَالَ لَهُ فُقَهَاؤُهُمْ أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُ الْأَنْصَارَ وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَوَاللَّهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ عَلَى الْحَوْضِ" [[أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة: ٦ / ٢٥٠-٢٥١، ومسلم في الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم، برقم (١٠٥٩) : ٢ / ٧٣٣-٧٣٤.]] .

وَقَالَ يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: "فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ أَتَأَلَّفُهُمْ"، وَقَالَ: "فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ"، قَالُوا: سَنَصْبِرُ [[في رواية مسلم، في الموضع السابق.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَّمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجِدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَهُ النَّاسُ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي وَكُنْتُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ: لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكَتْ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ" [[أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الطائف: ٨ / ٤٧، ومسلم في الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، برقم (١٠٦١) : ٢ / ٧٣٨، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٤.]] .

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا محمد بن ١٥٥/أأَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ

أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْـ ... دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ

وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ

قَالَ: فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةً [[أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (١٠٦٠) ٢ / ٧٣٧.]] .

وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ نَاسًا مِنْ هَوَازِنَ أَقْبَلُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ خَيْرُ النَّاسِ وَأَبَرُّ النَّاسِ، وَقَدْ أُخِذَتْ أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا وَأَمْوَالُنَا [[ذكره الثعلبي بغير سند، وذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة في المغازي مطولا. انظر: الكافي الشاف ص (٧٤) ، فتح الباري: ٨ / ٣٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَقِيلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنْ مَعِيَ مَنْ تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصَدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ. قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ جَاؤُوا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَطَيِّبَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظٍّ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ

يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا [[أخرجه البخاري في المغازي، باب قوله تعالى: "ويوم حنين ... ": ٨ / ٣٢-٣٣.]] . فَأَنْزَلُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ حُنَيْنٍ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ حَتَّى قُلْتُمْ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ كَثْرَتُكُمْ، ﴿شَيْئًا﴾ يَعْنِي أَنَّ الظَّفَرَ لَا يَكُونُ بِالْكَثْرَةِ، ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أَيَّ بِرَحَبِهَا وَسِعَتِهَا، ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ مُنْهَزِمِينَ.

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ٢٦﴾ .

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، ﴿سَكِينَتَهُ﴾ يَعْنِي: الْأَمَنَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. قِيلَ: لَا لِلْقِتَالِ، وَلَكِنْ لِتَجْبِينِ الْكُفَّارِ وَتَشْجِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ يُرْوَى: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يُقَاتِلُوا إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ، ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَسَبْيِ الْعِيَالِ وَسَلْبِ الْأَمْوَالِ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ .

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الْآيَةَ، قَالَ الضَّحَّاكُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: نَجَسٌ: قَذَرٌ. وَقِيلَ: خَبِيثٌ. وَهُوَ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، فَأَمَّا النِّجْسُ: بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، فَلَا يُقَالُ عَلَى الِانْفِرَادِ، إِنَّمَا يُقَالُ: رِجْسٌ نِجْسٌ، فَإِذَا أُفْرَدَ قِيلَ: نَجِسٌ، بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَأَرَادَ بِهِ: نَجَاسَةَ الْحُكْمِ لَا نَجَاسَةَ الْعَيْنِ، سُمُّوا نَجَسًا عَلَى الذَّمِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَمَّاهُمْ نَجَسًا لِأَنَّهُمْ يُجْنِبُونَ فَلَا يَغْتَسِلُونَ ويُحْدثون فلا يتوضؤون.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ أَرَادَ مَنْعَهُمْ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ لِأَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا الْحَرَمَ فَقَدْ قَرُبُوا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَرَادَ بِهِ الْحَرَمَ وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الْإِسْرَاءِ -١] ، وَأَرَادَ بِهِ الْحَرَمَ لِأَنَّهُ أُسَرِيَ بِهِ مِنْ بَيْتِ أَمِّ هَانِئٍ.

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ: وَجُمْلَةُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: الْحَرَمُ، فَلَا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ أَنَّ يَدْخُلَهُ بِحَالٍ، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ مُسْتَأْمِنًا، لِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِذَا جَاءَ رَسُولٌ مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ إِلَى الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ فِي الْحَرَمِ لَا يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْحَرَمِ، بَلْ يَبْعَثُ إِلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُ رِسَالَتَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ. وَجَوَّزَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِلْمُعَاهَدِ دُخُولَ الْحَرَمِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ: الْحِجَازُ، فَيَجُوزُ لِلْكَافِرِ دُخُولُهَا بِالْإِذْنِ وَلَكِنْ لَا يُقِيمُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مَقَامِ السَّفَرِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا" [[أخرجه مسلم في الجهاد، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، برقم (١٧٦٧) : ٣ / ١٣٨٨، والمصنف في شرح السنة: ١١ / ١٨٢.]] . فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْصَى فَقَالَ: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" [[أخرجه البخاري في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من كتاب الجزية: ٦ / ٢٧١، مطولا، ومسلم في الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، برقم (١٦٣٧) ٣ / ١٢٥٧-١٢٥٨، والمصنف في شرح السنة: ١١ / ١٨٠-١٨١.]] فَلَمْ يَتَفَرَّغْ لِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ، وَأَجَّلَ لِمَنْ يَقْدُمُ مِنْهُمْ تَاجِرًا ثَلَاثًا. وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنِ أَبْيَنَ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ، وَأَمَّا الْعَرْضُ فَمِنْ جَدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: سَائِرُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، يَجُوزُ لِلْكَافِرِ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا بِذِمَّةٍ وَأَمَانٍ، وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُونَ الْمَسَاجِدَ إِلَّا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ يَعْنِي: الْعَامَ الَّذِي حَجَّ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالنَّاسِ، وَنَادَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِبَرَاءَةَ، وَهُوَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.

قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانَتْ مَعَايِشُهُمْ مِنَ التِّجَارَاتِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْتُونَ مَكَّةَ بِالطَّعَامِ وَيَتَجِّرُونَ، فَلَمَّا مُنِعُوا مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ خَافُوا الْفَقْرَ، وَضِيقَ الْعَيْشِ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فَقْرًا وَفَاقَةً. يُقَالُ: عَالَ يَعِيلُ عَيْلَةً، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

قَالَ عِكْرِمَةُ: فَأَغْنَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ مِدْرَارًا فَكَثُرَ خَيْرُهُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَسْلَمَ أَهْلُ جَدَّةَ وَصَنْعَاءَ وَجَرِيشَ مِنَ الْيَمَنِ وَجَلَبُوا الْمِيرَةَ الْكَثِيرَةَ إِلَى مَكَّةَ فَكَفَاهُمُ اللَّهُ مَا كَانُوا يَخَافُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: عَوَّضَهُمُ اللَّهُ مِنْهَا الْجِزْيَةَ فَأَغْنَاهُمْ بِهَا.

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، ﴿سَكِينَتَهُ﴾ يَعْنِي: الْأَمَنَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ. قِيلَ: لَا لِلْقِتَالِ، وَلَكِنْ لِتَجْبِينِ الْكُفَّارِ وَتَشْجِيعِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ يُرْوَى: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يُقَاتِلُوا إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ، ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَسَبْيِ الْعِيَالِ وَسَلْبِ الْأَمْوَالِ، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ .

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فَيَهْدِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الْآيَةَ، قَالَ الضَّحَّاكُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: نَجَسٌ: قَذَرٌ. وَقِيلَ: خَبِيثٌ. وَهُوَ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، فَأَمَّا النِّجْسُ: بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، فَلَا يُقَالُ عَلَى الِانْفِرَادِ، إِنَّمَا يُقَالُ: رِجْسٌ نِجْسٌ، فَإِذَا أُفْرَدَ قِيلَ: نَجِسٌ، بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَأَرَادَ بِهِ: نَجَاسَةَ الْحُكْمِ لَا نَجَاسَةَ الْعَيْنِ، سُمُّوا نَجَسًا عَلَى الذَّمِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَمَّاهُمْ نَجَسًا لِأَنَّهُمْ يُجْنِبُونَ فَلَا يَغْتَسِلُونَ ويُحْدثون فلا يتوضؤون.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ أَرَادَ مَنْعَهُمْ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ لِأَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا الْحَرَمَ فَقَدْ قَرُبُوا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَرَادَ بِهِ الْحَرَمَ وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الْإِسْرَاءِ -١] ، وَأَرَادَ بِهِ الْحَرَمَ لِأَنَّهُ أُسَرِيَ بِهِ مِنْ بَيْتِ أَمِّ هَانِئٍ.

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ: وَجُمْلَةُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: الْحَرَمُ، فَلَا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ أَنَّ يَدْخُلَهُ بِحَالٍ، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ مُسْتَأْمِنًا، لِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِذَا جَاءَ رَسُولٌ مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ إِلَى الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ فِي الْحَرَمِ لَا يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْحَرَمِ، بَلْ يَبْعَثُ إِلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُ رِسَالَتَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ. وَجَوَّزَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِلْمُعَاهَدِ دُخُولَ الْحَرَمِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ: الْحِجَازُ، فَيَجُوزُ لِلْكَافِرِ دُخُولُهَا بِالْإِذْنِ وَلَكِنْ لَا يُقِيمُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مَقَامِ السَّفَرِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا" [[أخرجه مسلم في الجهاد، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، برقم (١٧٦٧) : ٣ / ١٣٨٨، والمصنف في شرح السنة: ١١ / ١٨٢.]] . فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْصَى فَقَالَ: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" [[أخرجه البخاري في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من كتاب الجزية: ٦ / ٢٧١، مطولا، ومسلم في الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، برقم (١٦٣٧) ٣ / ١٢٥٧-١٢٥٨، والمصنف في شرح السنة: ١١ / ١٨٠-١٨١.]] فَلَمْ يَتَفَرَّغْ لِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ، وَأَجَّلَ لِمَنْ يَقْدُمُ مِنْهُمْ تَاجِرًا ثَلَاثًا. وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنِ أَبْيَنَ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ، وَأَمَّا الْعَرْضُ فَمِنْ جَدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: سَائِرُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، يَجُوزُ لِلْكَافِرِ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا بِذِمَّةٍ وَأَمَانٍ، وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُونَ الْمَسَاجِدَ إِلَّا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ يَعْنِي: الْعَامَ الَّذِي حَجَّ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالنَّاسِ، وَنَادَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِبَرَاءَةَ، وَهُوَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.

قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانَتْ مَعَايِشُهُمْ مِنَ التِّجَارَاتِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْتُونَ مَكَّةَ بِالطَّعَامِ وَيَتَجِّرُونَ، فَلَمَّا مُنِعُوا مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ خَافُوا الْفَقْرَ، وَضِيقَ الْعَيْشِ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فَقْرًا وَفَاقَةً. يُقَالُ: عَالَ يَعِيلُ عَيْلَةً، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

قَالَ عِكْرِمَةُ: فَأَغْنَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ مِدْرَارًا فَكَثُرَ خَيْرُهُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَسْلَمَ أَهْلُ جَدَّةَ وَصَنْعَاءَ وَجَرِيشَ مِنَ الْيَمَنِ وَجَلَبُوا الْمِيرَةَ الْكَثِيرَةَ إِلَى مَكَّةَ فَكَفَاهُمُ اللَّهُ مَا كَانُوا يَخَافُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: عَوَّضَهُمُ اللَّهُ مِنْهَا الْجِزْيَةَ فَأَغْنَاهُمْ بِهَا.

وَذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حِينَ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِتَالِ الرُّومِ، فَغَزَا بَعْدَ نُزُولِهَا غَزْوَةَ تَبُوكَ [[انظر: الدر المنثور: ٤ / ١٦٧.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مِنَ الْيَهُودِ، فَصَالَحَهُمْ وَكَانَتْ أَوَّلَ جِزْيَةٍ أَصَابَهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ ذُلٍّ أَصَابَ أهل الكتاب ١٥٥/ب بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فَإِنْ قِيلَ: أَهْلُ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ قِيلَ: لَا يُؤْمِنُونَ كَإِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيمَانًا بِاللَّهِ.

﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أَيْ: لَا يَدِينُونَ الدِّينَ الْحَقَّ، أَضَافَ الِاسْمَ إِلَى الصِّفَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْحَقُّ هُوَ اللَّهُ، أَيْ: لَا يَدِينُونَ دِينَ اللَّهِ، وَدِينُهُ الْإِسْلَامُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ وَلَا يُطِيعُونَ اللَّهَ تَعَالَى طَاعَةَ أَهْلِ الْحَقِّ.

﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى.

﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ وَهِيَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَى رِقَابِهِمْ، ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عَنْ قَهْرٍ وَذُلٍّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ أَعْطَى شَيْئًا كُرْهًا مِنْ غَيْرِ طِيبٍ نَفْسٍ: أَعْطَاهُ عَنْ يَدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُعْطُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ وَلَا يُرْسِلُونَ بِهَا عَلَى يَدِ غَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: عَنْ يَدٍ أَيْ: عَنْ نَقْدٍ لَا نَسِيئَةٍ. وَقِيلَ: عَنْ إِقْرَارٍ بِإِنْعَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أَذِلَّاءُ مَقْهُورُونَ. قَالَ عِكْرِمَةُ: يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ عَنْ قِيَامٍ، وَالْقَابِضُ جَالِسٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُوطَأُ عُنُقُهُ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِذَا أَعْطَى صُفِعَ فِي قَفَاهُ.

وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِلِحْيَتِهِ وَيُضْرَبُ فِي لِهْزِمَتَيْهِ.

وَقِيلَ: يُلَبَّبُ وَيُجَرُّ إِلَى مَوْضِعِ الْإِعْطَاءِ بِعُنْفٍ.

وَقِيلَ: إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهَا هُوَ الصَّغَارُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الصَّغَارُ هُوَ جَرَيَانُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ.

وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِذَا لَمْ يَكُونُوا عَرَبًا.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِيِّ الْعَرَبِيِّ وَفِي غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ: إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى الْأَدْيَانِ لَا عَلَى الْأَنْسَابِ، فَتُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَرَبَا كَانُوا أَوْ عَجَمًا، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ بِحَالٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ أَكَيْدِرِ دُوْمَةٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ غَسَّانَ، وَأَخَذَ مِنْ أَهْلِ ذِمَّةِ الْيَمَنِ، وَعَامَّتُهُمْ عَرَبٌ.

وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: إِلَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلَّا الْمُرْتَدَّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْعُمُومِ، وَتُؤْخَذُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَجَمِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تُؤْخَذُ مِنَ الْعَرَبِيِّ، كِتَابِيًّا كَانَ أَوْ مُشْرِكًا، وَتُؤْخَذُ مِنَ الْعَجَمِيِّ كِتَابِيًّا كَانَ أَوْ مُشْرِكًا.

وَأَمَّا الْمَجُوسُ: فَاتَّفَقَتِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ بَجَالَةَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ [[أخرجه البخاري في الجزية والموادعة - باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب: ٦ / ٢٥٧.]] .

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرْخَسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "سُنُّوا بِهِمْ سَنَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" [[أخرجه مالك في الموطأ، باب الزكاة: ١ / ٢٧٨، والشافعي: ٢ / ١٣٠ (ترتيب المسند) ، وأبو عبيد في الأموال ص (٤٢) ، وابن أبي شيبة في المصنف: ٣ / ٢٢٤، والخطيب في تاريخ بغداد: ١٠ / ٨٨، والبيهقي في السنن: ٩ / ١٨٩، والمصنف في شرح السنة: ١١ / ١٦٩. وقال ابن عبد البر: هذا حديث منقطع، لكن معناه يتصل من وجوه حسان. وانظر: نصب الراية: ٣ / ٤٤٨-٤٤٩، مجمع الزوائد: ٦ / ١٣، إرواء الغليل: ٥ / ٨٨.]] .

وَفِي امْتِنَاعِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَأْيَ الصَّحَابَةِ كَانَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَجُوسَ: هَلْ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَمْ لَا؟ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ فَأَصْبَحُوا، وَقَدْ أُسْرِيَ عَلَى كِتَابِهِمْ، فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهُمْ [[جاء ذلك في خبر عن علي رضي الله عنه أخرجه الشافعي في المسند: ٢ / ١٣١، وفيه سعيد بن المرزبان: مجروح. قال يحيى بن سعيد القطان: لا أستحل أروي عنه. وانظر: نصب الراية: ٣ / ٤٤٩-٤٥٠.]] .

وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ ذَبَائِحِ الْمَجُوسِ وَمُنَاكَحَتِهِمْ بِخِلَافِ أَهَّلِ الْكِتَابَيْنِ.

أَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي دِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ نُظِرَ: إِنْ دَخَلُوا فِيهِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ، وَإِنْ دَخَلُوا فِي دِينِهِمْ بَعْدَ النَّسْخِ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ، وَمَنْ شَكَكْنَا فِي أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِيهِ بَعْدَ النَّسْخِ أَوْ قَبْلَهُ: يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، وَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، فَمِنْهُمْ نَصَارَى الْعَرَبِ مِنْ تَنُّوخَ وَبَهْرَاءَ وَبَنِي تَغَلِبَ، أَقَرَّهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَقَالَ: لَا تَحِلُّ لَنَا ذَبَائِحُهُمْ.

وَأَمَّا قَدْرُ الْجِزْيَةِ: فَأَقَلُّهُ دِينَارٌ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَصَ مِنْهُ، وَيُقْبَلُ الدِّينَارُ مِنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَالْوَسَطِ لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غِيلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِعَافِرَ [[أخرجه الترمذي في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر: ٣ / ٢٥٧ وقال: هذا حديث حسن. وأبو داود في الإمارة، باب في أخذ الجزية: ٤ / ٢٤٩، والنسائي في الزكاة: ٥ / ٢٥-٢٦، وابن حبان في موارد الظمآن ص (٧٩٤) والإمام أحمد في المسند: ٥ / ٢٣٠، ٢٣٣، وصححه الحاكم: ١ / ٣٩٨، وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١١ / ١٧٢.]] . فَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ، أَيْ بَالِغٍ، دِينَارًا وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْوَسَطِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ وَكَذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَى النِّسْوَانِ، إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنَ الْأَحْرَارِ الْعَاقِلِينَ الْبَالِغِينَ مِنَ الرِّجَالِ.

وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ عَلَى كُلِّ مُوسِرٍ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَعَلَى كُلِّ مُتَوَسِّطٍ دِينَارَانِ، وَعَلَى كُلِّ فَقِيرٍ دِينَارٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ: سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَوْفَى، وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَتْبَعُكَ وَقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنَا وَأَنْتَ لَا تَزْعُمُ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٤ / ٢٠٢، وابن إسحاق في السيرة: ١ / ٥٧٠، وعزاه السيوطي أيضا مع الرواية الأخرى لابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه. الدر المنثور: ٤ / ١٧٠-١٧١.]] .

قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ " عُزَيْرٌ " بِالتَّنْوِينِ وَالْآخَرُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ وَيُشْبِهُ اسْمًا مُصَغَّرًا، وَمَنْ نَوَّنَ قَالَ: لِأَنَّهُ اسْمٌ خَفِيفٌ، فَوَجْهُهُ أَنْ يُصْرَفَ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا مِثْلَ نُوحٍ وَهُودٍ وَلُوطٍ. وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ التَّنْوِينَ وَقَالَ: لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْسُوبٍ إِلَى أَبِيهِ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ ابْنُ الْأَمِيرِ وَزَيْدٌ ابن أختنا، فعزيز مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرٌ لَهُ.

وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إِنَّمَا قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنَ الْيَهُودِ اسْمُهُ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ [[تفسير الطبري: ١٤ / ٢٠١، وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج. الدر المنثور: ٤ / ١٧١.]] .

وَهُوَ الَّذِي قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ" "آلِ عِمْرَانَ -١٨١".

وَرَوَى عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّمَا قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ عُزَيْرًا كَانَ فِيهِمْ وَكَانَتِ التَّوْرَاةُ عِنْدَهُمْ وَالتَّابُوتُ فِيهِمْ، فَأَضَاعُوا التَّوْرَاةَ وَعَمِلُوا بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ التَّابُوتَ وَأَنْسَاهُمُ التَّوْرَاةَ وَنَسْخَهَا مِنْ صُدُورِهِمْ، فَدَعَا اللَّهَ عُزَيْرٌ وَابْتَهَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ الَّذِي نَسَخَ مِنْ صُدُورِهِمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي مُبْتَهِلًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى نَزَلَ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ فَدَخَلَ جَوْفَهُ فَعَادَتْ إِلَيْهِ التَّوْرَاةُ فَأَذَّنَ فِي قَوْمِهِ، وَقَالَ: يَا قَوْمِ قَدْ آتَانِيَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ رَدَّهَا إِلَيَّ! فعلق به ١٥٦/أالنَّاسُ يُعَلِّمُهُمْ، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ إِنَّ التَّابُوتَ نَزَلَ بَعْدَ ذَهَابِهِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَوُا التَّابُوتَ عَرَضُوا مَا كَانَ فِيهِ عَلَى الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُمْ عُزَيْرٌ فَوَجَدُوهُ مِثْلَهُ، فَقَالُوا: مَا أُوتِيَ عُزَيْرٌ هَذَا إِلَّا أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٢٠٢-٢٠٣. وانظر الدر المنثور: ٤ / ١٧١.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ بُخْتُنَصَّرَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ التَّوْرَاةَ، وَكَانَ عُزَيْرٌ إِذْ ذَاكَ صَغِيرًا فَاسْتَصْغَرَهُ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، فَلَمَّا رَجَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ بَعَثَ اللَّهُ عُزَيْرًا لِيُجَدِّدَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ وَتَكُونَ لَهُمْ آيَةً بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، يُقَالُ: أَتَاهُ مَلَكٌ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَسَقَاهُ فَمَثُلَتِ التَّوْرَاةُ فِي صَدْرِهِ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ قَالَ أَنَا عُزَيْرٌ فَكَذَّبُوهُ وَقَالُوا: إِنْ كُنْتَ كَمَا تَزْعُمُ فَأَمْلِ عَلَيْنَا التَّوْرَاةَ، فَكَتَبَهَا لَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنْ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ جَدِّي أَنَّ التَّوْرَاةَ جُعِلَتْ فِي خَابِيَةٍ وَدُفِنَتْ فِي كَرْمٍ، فَانْطَلَقُوا مَعَهُ حَتَّى أَخْرَجُوهَا، فَعَارَضُوهَا بِمَا كَتَبَ لَهُمْ عُزَيْرٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ غَادَرَ مِنْهَا حَرْفًا، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْذِفِ التَّوْرَاةَ فِي قَلْبِ رَجُلٍ إِلَّا لِأَنَّهُ ابْنُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.

وَأَمَّا النَّصَارَى فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً بَعْدَمَا رُفِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَيَصُومُونَ رَمَضَانَ، حَتَّى وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ حَرْبٌ، وَكَانَ فِي الْيَهُودِ رَجُلٌ شُجَاعٌ يُقَالُ لَهُ "بُولِصُ" قَتَلَ جُمْلَةً مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ لِلْيَهُودِ: إِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَ عِيسَى فَقَدْ كَفَرْنَا بِهِ وَالنَّارُ مَصِيرُنَا، فَنَحْنُ مَغْبُونُونَ إِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَدَخَلْنَا النَّارَ، فَإِنِّي أَحْتَالُ وَأُضِلُّهُمْ حَتَّى يَدْخُلُوا النَّارَ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ الْعُقَابُ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ وَأَظْهَرَ النَّدَامَةَ، وَوَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ، فَقَالَ لَهُ النَّصَارَى: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: بُولِصُ عَدُوُّكُمْ، فَنُودِيَتُ مِنَ السَّمَاءِ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ إِلَّا أَنْ تَتَنَصَّرَ، وَقَدْ تُبْتُ. فَأَدْخَلُوهُ الْكَنِيسَةَ، وَدَخَلَ بَيْتًا سَنَةً لَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا حَتَّى تَعَلَّمَ الْإِنْجِيلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَقَالَ: نُودِيَتُ أَنَّ اللَّهَ قَبِلَ تَوْبَتَكَ، فَصَدَّقُوهُ وَأَحَبُّوهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ نُسْطُورًا وَعَلَّمَهُ أَنَّ عِيسَى وَمَرْيَمَ وَالْإِلَهَ كَانُوا ثَلَاثَةً، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الرُّومِ وَعَلَّمَهُمُ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ، وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ عِيسَى بِإِنْسٍ وَلَا بِجِسْمٍ، وَلَكِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وَعَلَّمَ ذَلِكَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ "يَعْقُوبُ" ثُمَّ دَعَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مَلْكًا، فَقَالَ: إِنَّ الْإِلَهَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ عِيسَى، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُمْ دَعَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنْتَ خَالِصَتَيْ، وَقَدْ رَأَيْتُ عِيسَى فِي الْمَنَامِ فَرَضِيَ عَنِّي. وَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إِنِّي غَدًا أَذْبَحُ نَفْسِي، فَادْعُ النَّاسَ إِلَى نِحْلَتِكَ. ثُمَّ دَخَلَ الْمَذْبَحَ نَفْسَهُ وَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ لِمَرْضَاةِ عِيسَى، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ ثَالِثِهِ دَعَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ النَّاسَ إِلَى نِحْلَتِهِ، فَتَبِعَ كُلَّ وَاحِدٍ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَاخْتَلَفُوا وَاقْتَتَلُوا فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ، ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ. قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلًا مَقْرُونًا بِالْأَفْوَاهِ وَالْأَلْسُنِ إِلَّا كَانَ ذَلِكَ زُورًا.

﴿يُضَاهِئُونَ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ بِكَسْرِ الْهَاءِ مَهْمُوزًا، وَالْآخَرُونَ بِضَمِّ الْهَاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ يُقَالُ: ضَاهَيْتُهُ وَضَاهَأْتُهُ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُشَابِهُونَ. وَالْمُضَاهَاةُ الْمُشَابَهَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُوَاطِئُونَ وَقَالَ الْحَسَنُ: يُوَافِقُونَ، ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: ضَاهَتِ النَّصَارَى قَوْلَ الْيَهُودِ مِنْ قَبْلُ، فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، كَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَبْلِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: شَبَّهَ كُفْرَهُمْ بِكُفْرِ الَّذِينَ مَضَوْا مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ كَمَا قَالَ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ: "كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ" [البقرة: ١٨٨] . وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ مَا قَالَ أَوَّلُهُمْ، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ. وَقِيلَ: لَيْسَ هُوَ عَلَى تَحْقِيقِ الْمُقَاتَلَةِ وَلَكِنَّهُ بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أَيْ: يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ قِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ.

Source. Tafseer Al-Baghawi, Baghawy — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/27. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com