John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Ar-Ra'd

Tafsir al-Tabari · The Thunder · 43 ayat · ayat 31–43 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ ، ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال) ، أي: يكفرون بالله ولو سَيَّر لهم الجبال بهذا القرآن.وقالوا: هو من المؤخر الذي معناه التقديم. وجعلوا جواب"لو" مقدَّمًا قبلها، وذلك أن الكلام على معنى قيلهم: ولو أنّ هذا القرآن سُيَرت به الجبال أو قطعت به الأرض، لكفروا بالرحمن.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٣٩٩- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ولو أن قرآنا سُيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ قال: هم المشركون من قريش، قالوا لرسول الله ﷺ: لو وسعت لنا أودية مكَّة، وسيَّرت جبَالها، فاحترثناها، وأحييت من مات منَّا، وقُطّع به الأرض، أو كلم به الموتى! فقال الله تعالى: ﴿ولو أن قرآنا سُيّرت به الجبال أو قُطّعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا﴾ .

٢٠٤٠٠- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ ، قول كفار قريش لمحمد: سيِّر جبالنا تتسع لنا أرضُنا فإنها ضيِّقة، أو قرب لنا الشأم فإنا نَتَّجر إليها، أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم! فقال الله تعالى [[قوله:" فقال الله تعالى"، ساقطة من المخطوطة، وهي واجبة.]] ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ .

٢٠٤٠١- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

٢٠٤٠٢- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه= قال ابن جريج: وقال عبد الله بن كثير قالوا: لو فَسَحت عنّا الجبال، أو أجريت لنا الأنهار، أو كلمتَ به الموتى! فنزل ذلك= قال ابن جريج: وقال ابن عباس: قالوا: سيِّر بالقرآن الجبالَ، قطّع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا.

٢٠٤٠٣- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن كثير: قالوا: لو فسحت عنا الجبال، أو أجريت لنا الأنهار، أو كلمت به الموتى! فنزل: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ .

* *

وقال آخرون: بل معناه: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال﴾ كلامٌ مبتدأ منقطع عن قوله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ . قال: وجوابُ"لو" محذوف اسْتغنيَ بمعرفة السامعين المرادَ من الكلام عن ذكر جوابها. قالوا: والعرب تفعل ذلك كثيرًا، ومنه قول امرئ القيس:

فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ سَرِيحَةً ... وَلكِنَّهَا نَفْسٌ تَقَطَّعُ أَنْفُسَا [[ديوانه: ١٠٧، وروايتهم: فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ... وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا

وقوله:" سريحة"، أي معجلة في سهولة ويسر، من قولهم:" شيء سريح"، أي سهل أو" أمر سريح"، أي معجل.]]

وهو آخر بيت في القصيدة، [[في دواوينه المنشورة، ليس هو آخر القصيدة، ولو أحسن ناشرو دواوين الشعر، لأدوا إلينا الروايات المختلفة على ترتيبها، فإن ديوان امرئ القيس المطبوع حديثًا قد أغفل ترتيب الروايات إغفالًا تامًا، مع شدة حاجتنا إلى ذلك في فهم الشعر، وفي إعادة ترتيبه. وهذا مما ابتلى الله به الشعر الجاهلي، أن يحمله إلى الناس من لا يحسنه، حتى ساء ظن الناس فيه، وأكثروا الطعن في روايته.]] فترك الجواب اكتفاءً بمعرفة سامعه مرادَه، وكما قال الآخر: [[هو امرؤ القيس.]]

فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُولُهُ ... سِوَاكَ وَلكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا [[سلف البيت وتخريجه وشرحه ١٥: ٢٧٧، ٢٧٨.]]

* *

ذكر من قال نحو معنى ذلك:

٢٠٤٠٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال. حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ ، ذكر لنا أن قريشًا قالوا: إن سَرَّك يا محمد، اتباعك= أو: أن نتبعك= فسيّر لنا جبال تِهَامة، أو زد لنا في حَرَمنا حتى نتَّخذ قَطَائع نخترف فيها، [[" نخترف فيها"، أي: نقيم فيها زمن الخريف، وذلك حين ينزل المطر، وتنبت الأرض. والذي في كتب اللغة" أخرفوا"، أقاموا بالمكان خريفهم، وهذا الذي هنا قياس العربية نحو" ارتبع"، و" اصطاف".]] أو أحِي لنا فلانًا وفلانًا! ناسًا ماتوا في الجاهلية. فأنزل الله: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ ، يقول: لو فعل هذا بقرآنٍ قبل قرآنكم لفُعِل بقرآنكم.

٢٠٤٠٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: أن كفّار قريش قالوا للنبي ﷺ: أذهب عنا جبال تِهَامة حتى نتّخذها زرعًا فتكون لنا أرضين، أو أحي لنا فلانًا وفلانًا يخبروننا: حقٌّ ما تقول! فقال الله: ﴿ولو أن قرآنا سيرت له الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا﴾ ، يقول: لو كان فَعل ذلك بشيء من الكتب فيما مضى كان ذلك.

٢٠٤٠٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال﴾ ، الآية، قال: قال كفار قريش لمحمد ﷺ: سيّر لنا الجبالَ كما سُخِّرت لداود، أو قَطِّع لنا الأرض كما قُطعت لسليمان، فاغتدى بها شهرًا وراح بها شهرًا، أو كلم لنا الموتَى كما كان عيسى يكلمهم، يقول: لم أنزل بهذا كتابًا، ولكن كان شيئًا أعطيته أنبيائي ورسلي.

٢٠٤٠٧- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال﴾ ، الآية، قال: قالوا للنبي ﷺ: إن كنت صادقًا فسيِّر عنا هذه الجبال واجعلها حروثًا كهيئة أرض الشام ومصر والبُلْدان، أو ابعث موتانَا فأخبرهم فإنهم قد ماتوا على الذي نحن عليه! فقال الله: ﴿ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ ، لم يصنع ذلك بقرآن قط ولا كتاب، فيصنع ذلك بهذا القرآن.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى قوله ﴿أفلم ييأس﴾ .

فكان بعض أهل البصرة يزعم أن معناه: ألم يعلمْ ويتبيَّن= ويستشهد لقيله ذلك ببيت سُحَيْم بن وَثيلٍ الرِّياحيّ:

أَقُولُ لَهُمْ بالشِّعْبِ إِذْ يَأْسِرُونَنِي ... أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٢، وأساس البلاغة (يأس) ، وخرجه الأستاذ سيد صقر في مشكل القرآن: ١٤٨، وغريب القرآن: ٢٢٨، واللسان (يأس) . وشرحه وبينه هنالك، وغير هذه المواضع كثير. و" زهدم" فرس سحيم فيما قالوا. ولو صحت نسبة الشعر لسحيم لكان" زهدم" فرس أبيه وثيل. وهذا الشعر ينسب إلى جابر بن سحيم، فإذا صح ذلك، صح أن" زهدم" فرس سحيم. وانظر نسب الخيل لابن الكلبي: ١٧، وأسماء الخيل لابن الأعرابي: ٦٣.]]

ويروى:"يَيْسِرُونَني"، فمن رواه:"ييسرونني" فإنه أراد: يقتسمونني، من"الميسر"، كما يقسم الجزور. ومن رواه:"يأسرونني"، فإنه أراد الأسر، وقال: عنى بقوله:"ألم تيأسوا"، ألم تعلموا. وأنشدوا أيضًا في ذلك: [[نسب إلى مالك بن عوف، وإلى رياح بن عدي.]]

أَلَمْ يَيْأَسِ الأقْوَامُ أَنِّي أَنَا ابْنُهُ ... وَإِنْ كُنْتُ عَنْ أَرْضِ العَشِيرَةِ نَائِيَا [[معجم غريب القرآن في مسائل نافع بن الأزرق، لابن عباس: ٢٩١: والقرطبي: ٩: ٣٢٠، وأبو حيان ٥: ٣٩٢، وأساس البلاغة (يأس) ، ولم أعرف الشعر.]]

وفسروا قوله:"ألم ييأس": ألم يعلَم ويتبيَّن؟

* *

وذكر عن ابن الكلبي أن ذلك لغة لحيّ من النَّخَع يقال لهم: وَهْبيل، تقول: ألم تيأس، كذا بمعنى: ألم تعلمه؟

* *

وذكر عن القاسم ابن معن أنّها لغة هَوازن، وأنهم يقولون:"يئستْ كذا"، علمتُ.

* *

وأما بعض الكوفيين فكان ينكر ذلك، [[هو الفراء في معاني القرآن، في تفسير الآية، والآتي هو نص كلامه.]] ويزعم أنه لم يسمع أحدًا من العرب يقول:"يئست" بمعنى:"علمت". ويقول هو في المعنى= وإن لم يكن مسموعًا:"يئست" بمعنى: علمت= يتوجَّهُ إلى ذلك إذ أنه قد أوقع إلى المؤمنين، أنه لو شاء لهدى الناس جميعا، [[في المطبوعة:" إن الله قد أوقع ... "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الموافق لما في معاني القرآن.]] فقال:"أفلم ييأسوا علما"، يقول: يؤيسهم العلم، فكأن فيه العلم مضمرًا، [[في معاني القرآن:" فكأن فيهم العلم"، والصواب ما في الطبري، وهو موافق لما في اللسان (يأس) .]] كما يقال: قد يئست منك أن لا تفلح علمًا، كأنه قيل: علمتُه علمًا قال: وقول الشاعر: [[هو لبيد.]]

حَتَّى إِذَا يَئِسَ الرُّمَاةُ وَأَرْسُلوا ... غُضْفًا دَوَاجِنَ قَافِلا أَعْصَامُهَا [[معلقته المشهورة، في صفة صيد البقرة الوحشية. يقول: أرسلوا عليها كلابًا غضف الآذان، وهي كلاب الصيد تسترخى آذانها. و" دواجن" ضاريات قد عودن الصيد. و" القافل" اليابس. و" الأعصام"، جمع" عصام"، وهو قلائد من أدم تجعل في أعناق الكلاب، وهي السواجير أيضًا.]]

معناه: حتى إذا يئسوا من كل شيء مما يمكن، إلا الذي ظهر لهم، أرسلوا، فهو في معنى: حتى إذا علموا أن ليس وجه إلا الذي رأوا وانتهى علمهم، فكان ما سواه يأسا. [[في معاني القرآن:" فكان ما وراءه يأسا"، وهو جيد.]]

* *

وأما أهل التأويل فإنهم تأولوا ذلك بمعنى: أفلم يعلَم ويتبيَّن.

ذكر من قال ذلك

٢٠٤٠٨- حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن [مولى مولى بحير] أن عليًّا رضي الله عنه كان يقرأ:"أَفَلَمْ يَتَبيَّنِ الَّذِينَ آمنُوا". [[الأثر: ٢٠٤٠٨ -" أبو إسحاق الكوفي"، هو" عبد الله بن ميسرة"، ضعيف واهي الحديث، ووثقه ابن حبان، مضى برقم: ٦٩٢٠، ١٣٤٨٩، ٢٠٠٧٨، وكان هشيم يكنيه بابن له يقال له" إسحاق"، وكنيته" أبو ليلى" وهشيم يدلس بهذه الكنية. وكان في المخطوطة" ابن إسحاق الكوفي"، وهو خطأ صرف.

وأما الذي بين القوسين، فهو هكذا جاء في المخطوطة، وجعل مكانه في المطبوعة:" عن مولى يخبر"، تصرف في الإسناد أسوأ التصرف وأشنعه. وهذا الذي بين القوسين ربما قرئ آخره:" مولى بحتر"، وقد استوعبت ما في تهذيب الكمال للحافظ المزي، في باب من روى عن" علي بن أبي طالب"، وباب من روى عنه" أبو إسحاق الكوفي"، فلم أجد شيئًا قريب التحريف من هذا الذي عندنا.

ومهما يكن من شيء،فحسب هذا الإسناد وهاء أن يكون فيه" أبو سحاق الكوفي"، ثم انظر التعليق على الأثر التالي رقم: ٢٠٤١٠.

وكان في المطبوعة:" كان يقول" مكان:" كان يقرأ"، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأن الناسخ كتب"يقول" ثم جعل الواو" راء"، وأدخل الألف في اللام، ووضع عليها الهمزة، فاختلط الأمر على الناشر.]]

٢٠٤٠٩- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن حنظلة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: ﴿أفلم ييأس﴾ يقول: أفلم يتبيّن.

٢٠٤١٠- حدثنا أحمد بن يوسف قال: حدثنا القاسم قال: حدثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن الخِرِّيت= أو يعلى بن حكيم=، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها:"أَفَلَمْ يَتَبيَّنِ الَّذِينَ آمنُوا"؛ قال: كتب الكاتب الأخرى وهو ناعسٌ. [[الأثر: ٢٠٤١٠ -" أحمد بن يوسف التغلبي الأحول"، شيخ أبي جعفر الطبري، هو صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام، مشهور بصحبته، ثقة مأمون، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٢٩٩٤ وهو الذي أخذ عنه أبو جعفر الطبري كتب أبي عبيد القاسم بن سلام.

و" القاسم"، هو" القاسم بن سلام"،" أبو عبيد"، الفقيه القاضي، صاحب التصانيف المشهورة، كان إمام دهره في جميع العلوم، وهو صاحب سنة، ثقة مأمون، وثناء الأئمة عليه ثناء لا يدرك.

و" يزيد"، هو" يزيد بن هرون السلمي"، وهو أحد الحفاظ الثقات الأثبات المشاهير، روى له الجماعة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٠٤٨٤.

و" جرير" هو" جرير بن حازم الأزدي"، ثقة حافظ، روى له الجماعة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٤١٥٧.

و" الزبير بن الخريت". ثقة، روى له الجماعة سوى النسائي، مضى برقم: ٤٩٨٥، ١١٦٩٣، وكان في المطبوعة:" الزبير بن الحارث"، غير ما في المخطوطة مجازفة.

و" يعلي بن حكيم"، ثقة، روى له الجماعة سوى الترمذي، مضى برقم: ١٢٧٤٨.

فهذا خبر رجاله ثقات، بل كل رجاله رجال الصحيحين، سوى أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو أمام ثقة صدوق، فإسناده صحيح، لا مطعن فيه - ومع صحة إسناده لم أجد أحدًا من أصحاب الدواوين الكبار، كأحمد في مسنده، أو الحاكم في المستدرك، ولا أحدًا ممن نقل عن الدواوين الكبار، كالهيثمي في مجمع الزوائد، أخرج هذا الخبر أو أشار إلى هذه القراءة عن ابن عباس، أو علي بن أبي طالب، كما جاء في الخبر الذي قبله رقم: ٢٠٤٠٨، بل أعجب من ذلك أن ابن كثير، وهو المتعقب أحاديث أبي جعفر في التفسير، لما بلغ تفسير هذه الآية، لم يفعل سوى أن أشار إلى قراءة ابن عباس، وأغفل هذا الخبر إغفالًا على غير عادته، وأكبر ظني أن ابن كثير عرف صحة إسناده، ولكنه أنكر ظاهر معناه إنكارًا حمله على السكوت عنه، وكان خليقًا أن يذكره ويصفه بالغرابة أو النكارة، ولكنه لم يفعل، لأنه فيما أظن قد تحير في صحة إسناده، مع نكارة ما يدل عليه ظاهر لفظه. وزاد هذا الظاهر نكارة عنده، ما قاله المفسرون قبله في هذا الخبر عن ابن عباس، حين رووه غير مسند بألفاظ غير هذه الألفاظ.

فلما رأيت ذلك من فعل ابن كثير وغيره، تتبعت ما نقله الناقلون من ألفاظ الخبر، فوجدت بين ألفاظ الخبر التي رويت غير مسندة، وبين لفظ أبي جعفر المسند، فرقًا يلوح علانية، وألفاظهم هذه هي التي دعت كثيرًا من الأئمة يقولون في الخبر مقالة سيئة، بلغت مبلغ الطعن في قائله بأنه زنديق ملحد! ونعم، فإنه لحق ما قالوه في الخبر الذي رووه بألفاظهم، أما لفظ أبي جعفر هذا، وإن كان ظاهره مشكلا، فإن دراسته على الوجه الذي ينبغي أن يدرس به، تزيل عنه قتام المعنى الفاسد الذي يبتدر المرء عند أول تلاوته.

فلما شرعت في دراسته من جميع وجوه الدراسة، انفتح لي باب عظيم من القول في هذا الخبر وأشباهه، من مثل قول عائشة أم المؤمنين:" يا ابن أخي، أخطأ الكاتب"، أي ما كتب في المصحف الإمام، ومعاذ الله أن يكون ذلك ظاهر لفظ حديثها. وهذان الخبران وأشباه لهما يتخذهما المستشرقون وبطانتهم ممن ينتسبون إلى أهل الإسلام، مدرجة للطعن في القرآن. أو تسويلا للتلبيس على من لا علم عنده بتنزيل القرآن العظيم، فاقتضاني الأمر أن أكتب رسالة جامعة في بيان معنى قوله ﷺ:" أنزل القرآن على سبعة أحرف"، وكيف كانت هذه الأحرف السبعة وما الذي بقي عندنا منها، وانتهيت إلى أنها بحمد الله باقية بجميعها في قراءات القرأة، وفي شاذ القراءة، وفي رواية الحروف، لا كما ذهب إليه أبو جعفر الطبري في مقدمة تفسيره (١: ٥٥ - ٥٩) ، ومن ذهب في ذلك مذهبه. ثم بينت ما كان من أمر كتابة المصحف على عهد أبي بكر، ثم كتابة المصحف الإمام على عهد عثمان رضي الله عنهما، وجعلت ذلك بيانًا شافيًا كافيًا بإذن الله. وكنت على نية جعل هذه الرسالة مقدمة للجزء السادس عشر من تفسير أبي جعفر ولكنها طالت حتى بلغت أن تكون كتابًا، فآثرت أن أفردها كتابًا يطبع على حدته إن شاء الله.]]

٢٠٤١١- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيْج قال في القراءة الأولى. زعم ابن كثير وغيره:"أفلم يتَبيَّن". [[الأثر: ٢٠٤١١ -" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني"، شيخ الطبري ثقة، أحد أصحاب الشافعي، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٨٨٠٧.

و" حجاج بن محمد المصيصي الأعور"،" أبو محمد، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٨٢٩٠.]]

٢٠٤١٢- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ يقول: ألم يتبين.

٢٠٤١٣- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ ، يقول: يعلم.

٢٠٤١٤- حدثنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ قال: أفلم يتبين. [[الأثر: ٢٠٤١٤ -" عمران بن موسى بن حيان القزاز"، شيخ الطبري، ثقة، مضى مرارًا آخرها رقم: ٨٦٨٣.

و" عبد الوارث"، هو" عبد الوارث بن سعد بن ذكوان"، أحد الأعلام، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٥٣٣٩.

و" ليث"، هو" ليث بن أبي سليم القرشي"، هو الذي يروي عن مجاهد، مضى مرارًا، آخرها: ٩٦٣٢.]]

٢٠٤١٥- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ قال: ألم يتبين الذين آمنوا.

٢٠٤١٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ قال: ألم يعلم الذين آمنوا.

٢٠٤١٧- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ قال: ألم يعلم الذين آمنوا.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله أهل التأويل: إن تأويل ذلك:"أفلم يتبين ويعلم"، لإجماع أهل التأويل على ذلك، والأبيات التي أنشدناها فيه.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذاً: ولو أنّ قرآنًا سوى هذا القرآن كان سُيّرت به الجبال، لسُيّر بهذا القرآن، أو قُطَعت به الأرض لُقطعت بهذا، أو كُلِّم به الموتى، لكُلِّم بهذا، ولكن لم يُفْعل ذلك بقرآن قبل هذا القرآن فيُفْعل بهذا [[كانت هذه العبارة في المطبوعة:" ولو يفعل بقرآن قبل هذا القرآن لفعل بهذا"، وهي عبارة فاسدة كل الفساد، صوابها ما في المخطوطة، ولا أدري لم غيره؟]] ﴿بل لله الأمر جميعًا﴾ ، يقول ذلك: كله إليه وبيده، يهدى من يشاءُ إلى الإيمان فيوفِّقَه له، ويُضِل من يشاء فيخذله، أفلم يتبيَّن الذين آمنوا بالله ورسوله= إذْ طمِعوا في إجابتي من سأل نبيَّهم ما سأله من تسيير الجبال عنهم، [[الزيادة بين القوسين، يقتضيها السياق = أو أن يحذف من الكلام" من" في قوله:" من تسيير الجبال".]] وتقريب أرض الشأم عليهم، وإحياء موتاهم= أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا إلى الإيمان به من غير إيجاد آية، ولا إحداث شيء مما سألوا إحداثه؟ يقول تعالى ذكره: فما معنى محبتهم ذلك، مع علمهم بأن الهداية والإهلاك إليّ وبيدي، أنزلت آيةً أو لم أنزلها ؛ أهدي من أشاءُ بغير إنزال آية، وأضلّ من أردتُ مع إنزالها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿ولا يزال﴾ يا محمد= ﴿الذين كفروا﴾ ، من قومك= ﴿تصيبهم بما صنعوا﴾ من كفرهم بالله، وتكذيبهم إياك، وإخراجهم لك من بين أظهرهم= ﴿قارعة﴾ ، وهي ما يقرعهم من البلاء والعذاب والنِّقم، بالقتل أحيانًا، وبالحروب أحيانًا، والقحط أحيانًا= ﴿أو تحل﴾ ، أنت يا محمد، يقول: أو تنزل أنت= ﴿قريبًا من دارهم﴾ بجيشك وأصحابك= ﴿حتى يأتي وعدُ الله﴾ الذي وعدك فيهم، وذلك ظهورُك عليهم وفتحُك أرضَهمْ، وقهرْك إياهم بالسيف= ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ ، يقول: إن الله منجزك، يا محمد ما وعدك من الظهور عليهم، لأنه لا يخلف وعده.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤١٨-[حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا] أبو داود قال: حدثنا المسعوديّ، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة،﴾ قال: سَرِيَّة = ﴿أو تحل قريبًا من دارهم﴾ ، قال: محمد= ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ ، قال: فتح مكة. [[الأثر: ٢٠٤١٨ - هذا إسناد لا شك أن قد سقط صدره، وهو الذي زدته بين القوسين، استظهارًا بإسناد سابق رقم: ٢١٥٦:" حدثنا محمد بن المثنى، عن أبي داود، عن المسعودي ... " و" أبو داود" هو الطيالسي الإمام الحافظ:" سليمان بن داود بن الجارود"،

و" المسعودي"، هو" عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود"، مضى مرارًا كثيرة، آخرها: ١٧٩٨٢.]]

٢٠٤١٩- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن المسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه= غير أنه لم يذكر"سريّة".

٢٠٤٢٠- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا أبو قطن قال: حدثنا المسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، تلا هذه الآية: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ ، قال:"القارعة": السريّة، ﴿أو تحلّ قريبًا من دارهم﴾ ، قال: هو محمد ﷺ= ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ ، قال: فتح مكة. [[الأثر: ٢٠٤٢٠ -" أبو قطن"، هو" عمرو بن الهيثم البغدادي" ثقة، سلف برقم: ١٨٦٧٤، ٢٠٠٩١.

وكان هذا الإسناد مكررًا في المخطوطة، ثم ختمه بقوله:" عن ابن عباس بنحوه، غير أنه لم يذكر سرية"، وهذا يناقض رواية الإسناد بعده. والظاهر أنه لما قلب الورقة ليكتب بقية الخبر، سبق نظره إلى ختام الخبر السالف، ثم تابع النقل على الصواب، فكرر الإسناد ثم أتبعه الخبر.]]

٢٠٤٢١- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو غسان قال: حدثنا زهير، أن خصيفًا حدثهم، عن عكرمة، في قوله: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبًا من دارهم﴾ ، قال: نزلت بالمدينة في سرايَا رسول الله ﷺ= ﴿أو تحل﴾ ، أنت يا محمد= ﴿قريبًا من دارهم﴾ .

٢٠٤٢٢- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن النضر بن عربيّ، عن عكرمة: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ ، قال: سرية= ﴿أو تحلّ قريبًا من دارهم﴾ ، قال: أنت يا محمد.

٢٠٤٢٣- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ ، يقول: عذابٌ من السماء ينزل عليهم= ﴿أو تحلّ قريبًا من دارهم﴾ ، يعني: نزول رسول الله ﷺ بهم وقتالَه إياهم.

٢٠٤٢٤- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ ، تصاب منهم سَرِيَّة، أو تصاب منهم مصيبة= أو يحل محمد قريبًا من دارهم= وقوله: ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ قال: الفتح.

٢٠٤٢٥- حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عبد الله بن أبي نجيح: ﴿أو تحل قريبًا من دارهم﴾ ، يعني النبي ﷺ.

٢٠٤٢٦- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد= نحو حديث الحسن، عن شبابة.

٢٠٤٢٧- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا قيس، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: ﴿قارعة﴾ ، قال: السرايا.

٢٠٤٢٨- ... قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الغفار، عن منصور، عن مجاهد: ﴿قارعة﴾ قال: مصيبة من محمد= ﴿أو تحلّ قريبًا من دارهم﴾ ، قال: أنت يا محمد= ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ ، قال: الفتح.

٢٠٤٢٩- ... قال: حدثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿قارعة﴾ ، قال: كتيبةً.

٢٠٤٣٠- ... قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: ﴿تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ ، قال: سرية ﴿أو تحل قريبًا من دارهم﴾ ، قال: أنت يا محمد.

٢٠٤٣١- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ أي بأعمالهم أعمال السوء= وقوله: ﴿أو تحل قريبًا من دارهم﴾ ، أنت يا محمد= ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ ، ووعدُ الله: فتحُ مكة.

٢٠٤٣٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿قارعة﴾ ، قال: وَقِيعة= ﴿أو تحلّ قريبًا من دارهم﴾ ، قال: يعني النبي ﷺ، يقول: أو تحل أنتَ قريبًا من دارهم.

٢٠٤٣٣- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن طلحة، عن طلحة، عن مجاهد: ﴿تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ ، قال: سريّة. [[الأثر: ٢٠٤٣٣ -" محمد بن طلحة بن مصرف اليامي"، وثقه أحمد، وضعفه غيره، ومضى برقم: ٥٠٨٨، ٥٤٢٠.

و" طلحة" أبوه، وهو" طلحة بن مصرف اليامي"، ثقة، روى له الجماعة، وهو يروي عن مجاهد. مضى برقم: ٥٤٣١، ١١١٤٥، ١١١٤٦. وكان في المخطوطة هنا في الهامش علامة تشكك، وهذا هو تفسير ما تشكك فيه الناسخ.]]

٢٠٤٣٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد: ﴿تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ ، قال: السرايا، كان يبعثهم النبي ﷺ= ﴿أو تحل قريبًا من دارهم﴾ ، أنت يا محمد= ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ ، قال: فتح مكة.

٢٠٤٣٥- ... قال، حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل، عن بعض أصحابه، عن مجاهد: ﴿تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ ، قال: كتيبة.

٢٠٤٣٦- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد، في قوله: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ ، قال: قارعة من العذاب.

* *

وقال آخرون: معنى قوله: ﴿أو تحلّ قريبًا من دارهم﴾ ، تحل القارعةُ قريبًا من دارهم.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٣٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن: ﴿أو تحل قريبًا من دارهم﴾ ، قال: ( أو تحل القارعة قريبا من دارهم) .

٢٠٤٣٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال،: ﴿أو تحل قريبًا من دارهم﴾ ، قال: أو تحل القارعة.

* *

وقال آخرون في قوله: ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ ، هو: يوم القيامة.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٣٩- حدثني المثنى قال: حدثنا مُعلَّى بن أسَد قال: حدثنا إسماعيل بن حكيم، عن رجل قد سماه عن الحسن، في قوله: ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ قال: يوم القيامة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا محمد إن يستهزئ هؤلاء المشركون من قومك ويطلبوا منك الآيات تكذيبًا منهم ما جئتهم به، فاصبر على أذاهم لك وامض لأمر ربك في إنذارهم، والإعذار إليهم، [[في المطبوعة:" في إعذارهم"، وهو فاسد، ونون" إنذارهم" في المخطوطة، كانت عينًا ثم جعلها الكاتب نونًا، فعاث في رسمها، يقال:" أعذرت إليه إعذارًا"، أي لم تبق موضعًا للاعتذار، لأنك بلغت أقصى الغاية في التبليغ والبيان.]] فلقد استهزأت أممٌ من قبلك قد خَلَت فمضتْ بُرسلِي، [[في المطبوعة:" برسل"، بغير ياء، لم يحسن قراءة المخطوطة لخفاء الياء في كتابة الكاتب.]] فأطلتُ لهم في المَهَل، ومددت لهم في الأجَل، ثم أحللتُ بهم عذابي ونقمتي حين تمادَوْا في غيِّهم وضَلالهم، فانظر كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتهم، ألم أذقهم أليم العذاب، وأجعلهم عبرةً لأولي الألباب؟

* *

و"الإملاء" في كلام العرب، [[انظر تفسير" الإملاء" فيما سلف ٧: ٤٢١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٨، ٣٣٣.]] الإطالة، يقال منه:"أمْليَتُ لفلان"، إذا أطلت له في المَهَل، ومنه:"المُلاوة من الدهر"، ومنه قولهم:"تَمَلَّيْتُ حبيبًا، [[في المطبوعة: تمليت حينًا"، وهو خطأ صرف.]] ولذلك قيل لليل والنهار:"المَلَوَان" لطولهما، كما قال ابن مُقبل:

أَلا يَا دِيَارَ الْحَيِّ بِالسَّبُعَانِ ... أَلَحَّ عَلَيْهَا بِالْبِلَى المَلَوَانِ [[مضى البيت وتخريجه ونسبته وشرحه فيما سلف ٧: ٤٢٠ تعليق رقم: ٣، ٤، وانظر قصيدة ابن مقبل في ديوانه الذي طبع حديثًا: ٣٣٥.]]

وقيل للخَرْقِ الواسع من الأرض:"مَلا"، [[انظر مجاز القرآن ١: ٣٣٣.]] كما قال الشاعر: [[هو الطرماح، وهو طائي.]]

فَأَخْضَلَ مِنْهَا كُلَّ بَالٍ وَعَيِّنٍ ... وَجِيفُ الرَّوَايَا بِالمَلا المُتَباطِنِ [[ديوانه: ١٦٨، واضداد الأصمعي وابن السكيت: ٤٤، ١٩٧، وأضداد ابن الأنباري: ٢٥٦، واللسان (عين) ، وكان في المطبوع:" وجف الروايا"، وجاء كذلك في بعض المراجع السالفة وفي الديوان، وهو في المخطوطة" وجيف"، وإن كان ما بعد ذلك مضطرب الكتابة وقصيدة الطرماح هذه كما جاءت في الديوان مضطربة، سقط منها كثير، تجد بعضها في مواضع مختلفة من المعاني الكبير لابن قتيبة، يدل على سقوط أبيات قبل هذا البيت، ولم استطع أن أعرف موضع هذا البيت من قصيدته، ولذلك غمض معناه عليّ، لتعلق الضمير في" منها" بمذكور قبله لم أقف عليه، ولذلك أيضًا لا أستطيع أن أرجح أي اللفظين أحق بالمعنى" وجف" أو" وجيف"، ولكني إلى الثانية أميل. ولغة البيت:" اخضل" ابتل. ويقال" سقاء عين"، إذا سال منه الماء و" سقاء عين" في لغة طيئ جديد، والطرماح طائي،فهو المراد هنا. و" الوجيف"، وضرب من سير الإبل سريع. و" الروايا" جمع" رواية"، وهو البعير الذي يستقي عليه، يحمل مزاد الماء. و" المتباطن"، في شرح ديوانه، المتطامن، وكذلك في أمالي أبي علي القالي ٢: ٧ في شرح حديث امرأة قالت:" ارم بعينك في هذا الملا المتباطن". وعندي أن هذا التفسير في الموضعين غير جيد، وإنما هو من قولهم:" شأو بطين"، أي بعيد واسع، ونص الزمخشري في الأساس على ذلك فقال:" تباطن المكان، تباعد"، فهذا حق اللفظ هنا، كما نرى.]]

لطول ما بين طرفيه وامتداده.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أفَالرَّبُ الذي هو دائمٌ لا يَبيدُ ولا يَهْلِك، قائم بحفظ أرزاق جميع الخَلْق، [[انظر تفسير" القيام" فيما سلف ٦: ٥١٩ - ٥٢١ / ٧: ١٢٠ - ١٢٤. وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٣.]] متضمنٌ لها، عالمٌ بهم وبما يكسبُونه من الأعمال، رقيبٌ عليهم، لا يَعْزُب عنه شيء أينما كانوا، كَمن هو هالك بائِدٌ لا يَسمَع ولا يُبصر ولا يفهم شيئًا، ولا يدفع عن نفسه ولا عَمَّن يعبده ضُرًّا، ولا يَجْلب إليهما نفعًا؟ كلاهما سَواءٌ؟

* *

وحذف الجواب في ذلك فلم يَقُل، وقد قيل ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ : ككذا وكذا، اكتفاءً بعلم السامع بما ذَكَر عما ترك ذِكْره. وذلك أنه لما قال جل ثناؤه: ﴿وَجعلُوا لله شُرَكاء﴾ ، عُلِمَ أن معنى الكلام: كشركائهم التي اتخذوها آلهةً. كما قال الشاعر: [[هو القتال الكلابي.]]

تَخَيَّرِي خُيِّرْتِ أُمَّ عَالِ ... بَيْنَ قَصِيرٍ شِبْرُهُ تِنْبَالِ ... أَذَاكَ أَمْ مُنْخَرِقُ السِّرْبَالِ ... وَلا يَزَالُ آخِرَ اللَّيالِي ...

مُتْلِفَ مَالٍ وَمُفِيدَ مَالِ [[من رجز رواه صاحب الأغاني ٢٠: ١٦٤ في حديث طويل، أخرجه إحسان عباس فيما جمعه من شعر القتال الكلابي: ٨٣، والتخريج في: ١١٣، ويزاد عليه اللسان (رمل) ، مع اختلاف في روايته." أم عال"، هي" عالية"، امرأة من بني نصر بن معاوية، كانت زوجة لرجل من أشراف الحي، فكان القتال ينسب بها في أشعاره، ورواية الأغاني: * تَخَيَّرِي خُيِّرْتِ في الرِّجَالِ *

لأن قبله: * لَعَلَّنَا نَطْرُقُ أُمَّ عَالِ *

وفي المطبوع:" قصير شده"، وهو خطأ.

ويقال:" فلان قصير الشبر"، إذا كان متقارب الخطو، وقال الزمخشري: متقارب الخلق.

ورواية الأغاني:" قصير باعه". و" التنبال"، القصير. وبعد هذا البيت: وَأُمُّهُ رَاعِيَةُ الجِمَالِ ... تَبِيتُ بَيْنَ القَتِّ والجِعَالِ

" منخرق السربال"، ممزق السربال، وهو القميص، قال البكري في شرح قول ليلى الأخيلة: وَمُخَرَّقٍ عَنْهُ القَمِيصُ تَخَالُهُ ... وَسْطَ البُيُوتِ مِنَ الحَيَاء سَقِيمَا

فيه قولان، أحدهما: أن ذلك إشارة إلى جذب العفاة له، والثاني: أنه يؤثر بجيد ثيابه فيكسوها. والأجود عندي أنهم يمدحون الرجل بأنه ملازم للأسفار والغزو، يعاقب بينهما، فلا يزال في ثياب تبلى، لأنه غير مقيم ملازم للحي، فلا يبالى أن يستجد ثيابًا، وذلك من خلائق الكرم والبأس. وبعد هذا البيت، وهو يؤيد ما قلت: كَرِيمُ عَمٍّ وَكَرِيمُ خَالِ ... متْلِفُ مَالٍ ومُفِيدُ مَالِ

وَلا تَزَالُ آخِرَ اللَّيَالِي ... قَلُوصُهُ تَعْثُرُ في النِّقَالِ

و" مفيد مال"، مستفيد مال. ورواية اللسان:" ناقته ترمل في النقال". و" ترمل"، أي تسرع. و" النقال"، المناقلة، وهي أن تضع رجليها مواضع يديها وذلك من سرعتها.]]

ولم يقل وقد قال:"شَبْرُهُ تِنْبَال"، [[في المطبوعة هنا أيضًا:" شره".]] وبين كذا وكذا، اكتفاء منه بقوله:"أذاكَ أم منخرق السربال"، ودلالة الخبر عن المنخرق السربال على مراده في ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٤٠- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة، قوله: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ ، ذلكم ربكم تبارك وتعالى، قائمٌ على بني آدمَ بأرزاقهم وآجالهم، وحَفظ عليهم والله أعمالهم. [[الأثر: ٢٠٤٤٠ - الدر المنثور ٤: ٦٤، وأسقط آخر الخبر.]]

٢٠٤٤١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أفمَن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ ، قال: الله قائم على كل نفس. [[من أول قوله:" قال ... "، ساقط من المطبوعة.]]

٢٠٤٤٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ ، يعني بذلك نفسه، يقول: هو معكم أينما كنتم، فلا يعمل عامل إلا والله حاضِرُه. ويقال: هم الملائكة الذين وُكِلوا ببني آدم. [[الأثر: ٢٠٤٤٢ - في الدر المنثور ٤: ٦٤، واقتصر علي" يعني بذلك نفسه". وفي المطبوعة" إلا وهو حاضر"، غير ما في المخطوطة. وقوله:" ويقال هم الملائكة ... "، ليس من قول ابن عباس بلا ريب، وكأنه من قول:" محمد بن سعد"، راوي الخبر.]]

٢٠٤٤٣- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ ، وعلى رزقهم وعلى طعامهم، فأنا على ذلك قائم، وهم عبيدي، [[في المخطوطة:" فأنا على ذلك وهم عبيدي"، أسقط" قائم".]] ثم جعلوا لي شُركاء.

٢٠٤٤٤- حدثت عن الحُسَين بن فرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ ، فهو الله قائم على كل نفس بَرّ وفاجر، يرزقهم ويَكلؤُهم، ثم يشرك به منهم من أشرك. [[الأثر: ٢٠٤٤٤ - في المطبوعة أسقط من الإسناد:" بن الفرج"، وزاد في نص الخبر فجعله" على كل نفس بر وفاجر"، والذي أثبته مطابق لما في الدر المنثور: ٤: ٦٤.]]

* *

وقوله: ﴿وجَعَلوا لله شركاءَ قُلْ سَموهم أم تنَبِّئونه بما لا يعلم في الأرض أمْ بظاهر من القول﴾ ، يقول تعالى ذكره: أنا القائم بأرزاق هؤلاء المشركين، والمدبِّرُ أمورهم، والحافظُ عليهم أعمالَهُمْ، وجعلوا لي شركاء من خلقي يعبدُونها دوني، قل لهم يا محمد: سمّوا هؤلاء الذين أشركتموهم في عبادة الله، فإنهم إن قالوا: آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا الواحد القهار لا شريك له= ﴿أم تُنَبِّؤونُه بما لا يعلم في الأرضُ﴾ ، يقول: أتخبرونه بأن في الأرض إلهًا، ولا إله غيرُه في الأرض ولا في السماء؟

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٤٥- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وجعلوا لله شركاء قل سمُّوهم﴾ ، ولو سمَّوْهم آلهةً لكذبَوا وقالوا في ذلك غير الحق، لأن الله واحدٌ ليس له شريك. قال الله: ﴿أم تُنَبؤونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول﴾ يقول: لا يعلم الله في الأرض إلها غيره. [[الأثر: ٢٠٤٤٥ - هو تتمة الخبر السالف في الدر المنثور ٤: ٦٤.]]

٢٠٤٤٦- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وجَعلوا لله شركاء قل سموهم﴾ ، والله خلقهم.

٢٠٤٤٧- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وجعلوا لله شركاء قل سموهم﴾ ، ولو سَمَّوهم كذبوا وقالوا في ذلك مَا لا يعلم الله، مَا من إله غير الله، [[في المطبوعة، أسقط" ما" من قوله:" ما من إله" فأفسد الكلام.]] فذلك قوله: ﴿أم تنبئونه لما لا يعلم في الأرض﴾ .

* *

وقوله: ﴿أم بظاهر من القول﴾ ، مسموع، [[أسقط في المطبوعة:" وقوله"، فجعل الكلام سياقًا واحدًا.]] وهو في الحقيقة باطلٌ لا صحة له.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم قالوا: ﴿أم بظاهر﴾ ، معناه: أم بباطل، فأتوا بالمعنى الذي تدل عليه الكلمة دون البيان عن حَقيقة تأويلها.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٤٨- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿بظاهر من القول﴾ ، بظنٍّ.

٢٠٤٤٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٢٠٤٥٠- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن قتادة قوله: ﴿أم بظاهر من القول﴾ ، والظاهر من القول: هو الباطل.

٢٠٤٥١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أم بظاهر من القول﴾ ، يقول: أم بباطل من القول وكذب، ولو قالوا قالُوا الباطلَ والكذبَ.

* *

وقوله: ﴿بل زُيِّن للذين كفروا مكرهم﴾ ، يقول تعالى ذكره: ما لله من شريك في السموات ولا في الأرض، ولكن زُيِّن للمشركين الذي يدعون من دونه إلهًا، [[انظر تفسير" التزيين" فيما سلف ١٥: ٥٥، تعليق رقم: ٣، والمراجع هناك.]] مَكْرُهم، وذلك افتراؤهُم وكذبهم على الله. [[انظر تفسير" المكر" فيما سلف: ٦٨ تعليق رقم: ٢ والمراجع هناك.]]

* *

وكان مجاهد يقول: معنى"المكر"، ههنا: القول، كأنه قال: يعني قَوْلُهم بالشرك بالله. [[في المطبوعة أسقط" يعني".]]

٢٠٤٥٢- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿بل زين للذين كفروا مكرهم﴾ ، قال: قولهم.

٢٠٤٥٣- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

وأما قوله: ﴿وصدوا عن السبيل﴾ ، فإن القَرَأة اختلفت في قراءته.

فقرأته عامة قَرَأة الكوفيين: ﴿وَصُدُّوا عن السَّبِيلِ﴾ ، بضم"الصاد"، بمعنى: وصدَّهم الله عن سبيله لكفرهم به، ثم جُعلت"الصاد" مضمومة إذ لم يُسَمَّ فاعله.

* *

وأما عامة قرأة الحجاز والبصرة، فقرأوه بفتح"الصاد"، على معنى أن المشركين هم الذين صَدُّوا الناس عن سبيل الله. [[انظر تفسير:" الصد" فيما سلف ١٥: ٢٨٥، تعليق رقم: ١، والمراجع هناك.]]

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمةٌ من القرأة، متقاربتا المعنى، وذلك أن المشركين بالله كانوا مصدودين عن الإيمان به، وهم مع ذلك كانوا يعبدون غيرهم، كما وصفهم الله به بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُون أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ . [الأنفال: ٣٦]

* *

وقوله ﴿ومن يُضْلل الله فمَا لهُ من هادٍ﴾ ، يقول تعالى ذكره: ومن أضلَّه الله عن إصابة الحق والهدى بخذلانه إياه، فما له أحدٌ يهديه لإصابتهما، لأن ذلك لا يُنَال إلا بتوفيق الله ومعونته، وذلك بيد الله وإليه دُون كل أحد سواه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، لهؤلاء الكفار الذين وَصَف صفَتَهم في هذه السورة، عذابٌ في الحياة الدنيا بالقتل والإسار والآفاتِ التي يُصيبهم الله بها= ﴿ولعذاب الآخرة أشق﴾ ، يقول: ولتعذيبُ الله إياهم في الدار الآخرة أشدُّ من تعذيبه إيَّاهم في الدنيا.

"وأشقّ" إنما هو"أفعلُ" من المشقَّة.

* *

وقوله: ﴿وما لهم من الله من وَاقٍ﴾ ، يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء الكفار من أحدٍ يقيهم من عذاب الله إذا عذَّبهم، لا حَمِيمٌ ولا وليٌّ ولا نصيرٌ، لأنه جل جلاله لا يعادُّه أحدٌ فيقهره، [[عاده يعاده، عدادًا ومعادة"، ناهده وقارنه، و" العد"، بكسر العين، القرن، بكسر فسكون.]] فيتخَلَّصَه من عذابه بالقهر، [[في المطبوعة:" فيخلصه"، و" تخلصه"، استنقذه.]] ولا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه، وليس يأذن لأحد في الشفاعة لمن كفر به فمات على كفره قبل التَّوبة منه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهلُ العلم بكلام العرب في مُرَافع"المثل"، [[في المطبوعة:" رافع" والذي في المخطوطة خالص الصواب. وانظر ما سيأتي ص: ٥٥٢.]]

فقال بعض نحويي الكوفيين: الرافع للمثل قوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ ، في المعنى، وقال: هو كما تقول:"حِلْيَةُ فلان، أسمرُ كذا وكذا" فليس"الأسمر" بمرفوع بالحلية، إنما هو ابتداءٌ، أي هو أسمر هو كذا. قال: ولو دخل"أنّ" في مثل هذا كان صوابًا. قال: ومِثْلُه في الكلام:"مَثَلُك أنَّك كذا وأنك كذا"، وقوله: ﴿فَلْيَنْظَرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا﴾ [سورة عبس: ٢٤، ٢٥] مَنْ وجَّه، ﴿مثلُ الجنة التي وعد المتقون فيها﴾ ، ومن قال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المَاءَ﴾ ، أظهر الاسم لأنه مردودٌ على"الطعام" بالخفض، ومستأنف، أي: طَعامُهُ أنَّا صببنا ثم فعلنا. وقال: معنى قوله: ﴿مثل الجنة﴾ ، صفات الجنّة.

* *

وقال بعض نحويي البصريين: معنى ذلك: صفةُ الجنة قال: ومنه قول الله تعالى: ﴿ولَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى﴾ [سورة الروم:٢٧] ، معناه: ولله الصِفة العُليَا. قال: فمعنى الكلام في قوله: ﴿مثلُ الجنة التي وعد المتقون تجرى من تحتِها الأنهار﴾ ، أو فيها أنهار، [[العبارة مبهمة، ويبدو لي أن صوابها بعد الآية:" صفة الجنة التي وعد المتقون، صفة جنة تجري من تحتها الأنهار، أو فيها أنهار".]] كأنه قال: وَصْف الجنة صفة تجري من تحتها الأنهار، أو صفة فيها أنهار، والله أعلم.

قال: ووجه آخر كأنه إذا قيل: ﴿مَثَلُ الجنة﴾ ، قيل: الجنَّة التي وُعِدَ المتقون. قال. وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة النمل:٣٠] ، كأنه قال: بالله الرحمن الرحيم، والله أعلم.

قال: وقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [سورة الزمر:٥٦] ، في ذات الله، كأنه عندَنا قيل: في الله.

قال: وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى:١١] ، إنما المعنى: ليس كشيء، وليس مثله شيء، لأنه لا مثْلَ له. قال: وليس هذا كقولك للرجل:"ليس كمثلك أحدٌ"، لأنه يجوز أن يكون له مثلٌ، والله لا يجوز ذلك عليه. قال: ومثلُه قول لَبيد:

إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُمَا [[سلف البيت وتخريجه وشرحه ١: ١١٩، تعليق ١ / ١٤: ٤١٧، تعليق: ١، وعجزه: * وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ *]]

قال: وفُسِّر لنا أنه أراد: السلام عليكما:

قال أوس بن حجر:

وَقَتْلَى كِرَامٍ كَمِثْلِ الجُذُوعِ ... تَغَشَّاهُمُ سَبَلُ مُنْهِمرْ [[سيأتي البيت بعد ٢٥: ٩ (بولاق) ، وروايته هناك:" مُسْبِلٌ"، وكان في المطبوعة:" سيل"، تصحيف، و" السبل"، بالتحريك، المطر.]]

قال: والمعنى عندنا: كالجذوع، لأنه لم يرد أن يجعل للجذوع مَثَلا ثمّ يشبه القتلى به. قال: ومثله قول أمية:

زُحَلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ ... وَالنَّسْرُ لِلأخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصِدُ [[سلف البيت: ١: ٣٤٥، وهناك" رجل وثور"، ورجحت أنها" رجل"، لما جاء في الخبر قبله رقم: ٤٤٨.]]

قال فقال:"تحت رجل يمينه" كأنه قال: تَحْتَ رِجله، أو تحت رِجله اليُمْنَى. قال: وقول لَبيد:

أَضَلَّ صِوَارَهُ وَتَضَيَّفَتْهُ ... نَطُوفٌ أَمْرُهَا بِيَدِ الشَّمَالِ [[ديوانه: ٧٧، وتخريجه: ٣٧٣، يزاد عليه ما هنا واللسان (يدي) . والبيت في سياق أبيات من القصيدة، يصف فيها ثور الوحش، والضمير في" أضل، إليه. و" الصوار"، قطيع بقر الوحش، أضل الثور قطيعة وبقي فردًا وحيدًا، كئيبًا متحيرًا." تضيفته"، نزلت به وطرقته، والضمير في" تضيفته" لإحدى الليالي التي ذكرها في البيت قبله: كَأَخْنَسَ نَاشِطٍ جَادَتْ عَلَيْهِ ... ببُرْقَةِ وَاحِفٍ إحْدَى اللَّيالي

و" ليلة نطوف"، قاطرة تمطر حتى الصباح. وقال أبو عمرو:" تطوف": سحابة تسيل قليلا قليلا"، والأول عندي أجود هنا، وفي اللسان (يدي) :" نِطَافٌ"]]

كأنه قال: أمرها بالشمال، وإلى الشمال ؛ وقول لَبيد أيضًا:

حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِر [[ديوانه: ٢١٦، تخريجه: ٣٩٦، ويزاد عليه ما هنا، وتمام البيت: * وأجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلامُهَا *

" ألقت"، يعني الشمس، ولم يجر لها ذكر قبل. و" الكافر"، الليل المظلم، يستر ما يشتمل عليه.]]

فكأنه قال: حتى وَقَعت في كافر.

* *

وقال آخر منهم: هو من المكفوف عن خبَره. [[هذه مقالة أبي عبيدة مجاز القرآن ١: ٣٣٣، ٣٣٤.]] قال: والعرب تفعل ذلك. قال: وله معنى آخر: ﴿للَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ ، مَثَلُ الجنة، موصولٌ، صفةٌ لها على الكلام الأوَل. [[هو أيضًا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٣٤. وقوله:" للذين استجابوا"، هي الآية ١٨ من سورة الرعد، وهذه الآية: ٣٥ منها، فلذلك قال:" على الكلام الأول".]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال ذَكر المَثَل، فقال ﴿مثل الجنة﴾ ، والمراد الجنة، ثم وُصِفت الجنة بصفتها، وذلك أن مَثَلَها إنما هو صِفتَهُا وليست صفتها شيئًا غيرها. وإذْ كان ذلك كذلك، ثم ذكر"المثل"، فقيل: ﴿مثل الجنة﴾ ، ومثلها صفَتُها وصفة الجنّة، فكان وصفها كوصف"المَثَل"، وكان كأنَّ الكلام جرى بذكر الجنة، فقيل: الجنةُ تجري من تحتها الأنهار، كما قال الشاعر: [[هو جرير.]]

أَرَى مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلالِ [[سلف البيت ٧: ٨٦، تعليق: ١ / ١٥: ٥٦٧ وسيأتي ١٩: ٣٩ (بولاق) ، ويزاد في المراجع: اللسان (خضع) .]]

فذكر"المرّ"، ورَجَع في الخبر إلى"السنين".

وقوله: ﴿أكلها دائمٌ وظلها﴾ ، يعني: ما يؤكل فيها، [[انظر تفسير" الأكل" فيما سلف من هذا الجزء: ٣٤٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] يقول: هو دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهاية= ﴿وظلها﴾ ، يقول: وظلها أيضًا دائم، لأنه لا شمس فيها. [[سلف" الظل" غير مبين ٨: ٤٨٩.]]

* *

﴿تلك عقبى الذين اتقَوْا﴾ ، يقول: هذه الجنة التي وصف جل ثناؤه، عاقبة الذين اتَّقَوا الله، فاجتنبوا مَعَاصيه وأدَّوْا فرائضه. [[انظر تفسير" العاقبة" و" العقبى" فيما سلف ١٥: ٣٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

وقوله: ﴿وعُقْبَى الكافرين النار﴾ ، يقول: وعاقبةُ الكافرين بالله النارُ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين أنزلنا إليهم الكتاب ممَّن آمن بك واتبعك، يا محمد، ﴿يفرحون بما أنزل إليك﴾ منه= ﴿ومن الأحْزاب من ينكر بعضه﴾ ، يقول: ومن أهل الملل المتحزِّبين عليك، وهم أهل أدْيان شَتَّى، [[انظر تفسير" الأحزاب" فيما سلف ١٥: ٢٧٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] من ينكر بعضَ ما أنزل إليك. فقل لهم: ﴿إنَّما أمرتُ﴾ ، أيها القوم ﴿أن أعبد الله﴾ وحده دون ما سواه= ﴿ولا أشرك به﴾ ، فأجعل له شريكًا في عبادتي، فأعبدَ معه الآلهةَ والأصنامَ، بل أخلِص له الدين حَنِيفًا مسلمًا = ﴿إليه أدعو﴾ ، يقول: إلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناسَ= ﴿وإليه مآب﴾ ، يقول: وإليه مصيري=

* *

=وهو"مَفْعَل"، من قول القائل:"آبَ يَؤُوب أوْبًا ومَآبًا". [[انظر تفسير" المآب" فيما سلف: ٤٤٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٥٤- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك﴾ ، أولئك أصحابُ محمدٍ ﷺ، فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدَّقُوا به

* *

قوله: ﴿ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ ، يعني اليهودَ والنصارى.

٢٠٤٥٥- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ ، قال: من أهل الكتاب.

٢٠٤٥٦- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢٠٤٥٧- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ ، من أهل الكتاب، و"الأحزاب" أهل الكتب يقرّبهم تحزُّبهم. [[في المطبوعة:" تفريقهم لحربهم، والذي أثبت هو ما في المخطوطة، وإن كان قد أساء في كتابة الكلمة الأولى بعض الإساءة.]] قوله: ﴿وَإنْ يَأْتِ الأحْزَابُ﴾ [سورة الأحزاب:٢٠] قال: لتحزبهم على النبي ﷺ= قال ابن جريج، وقال عن مجاهد: ﴿ينكِرُ بعضه﴾ ، قال: بعض القرآنِ.

٢٠٤٥٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وإليه مآب﴾ :، وإليه مَصِيرُ كلّ عبْدٍ.

٢٠٤٥٩- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك﴾ ، قال: هذا مَنْ آمنَ برسول الله ﷺ من أهل الكتاب فيفرحون بذلك. وقرأ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [سورة يونس:٤٠] . وفي قوله: ﴿ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ ، قال:"الأحزاب": الأممُ، اليهودُ والنصارى والمجوس منهم من آمنَ به، ومنهم من أنكره.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ (٣٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما أنزلنا عليك الكتاب، يا محمد، فأنكرهُ بعض الأحزاب، كذلك أيضًا أنزلنا الحكم والدين حُكْمًا عربيًا [[انظر تفسير" الحكم" فيما سلف من هذا الجزء: ٢٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وجعل ذلك ﴿عربيًا﴾ ، ووصفه به لأنه أنزل على محمدٍ ﷺ وهو عربيٌّ، فنسب الدين إليه، إذ كان عليه أنزل، فكذَّب به الأحزابُ. ثم نهاه جل ثناؤه عن ترك ما أنزل إليه واتباع الأحزاب، وتهدَّده على ذلك إنْ فعله فقال: ﴿ولئن اتبعت﴾ يا محمد ﴿أهواءهم﴾ ، أهوَاء هؤُلاء الأحزاب ورضَاهم ومحبتَهم [[انظر تفسير" الهوى" فيما سلف ٩: ٣٠٢ / ١١: ٣٩٧.]] وانتقلت من دينك إلى دينهم، ما لك من يَقيك من عَذاب الله إنْ عذّبك على اتباعك أهواءَهم، وما لك من ناصر ينصرك فيستنقذك من الله إن هو عاقبك، [[انظر تفسير" الولي" فيما سلف ١٣: ١٥٢، تعليق: ١، المراجع هناك.]] يقول: فاحذر أن تتّبع أهَواءهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿ولقد أرسلنا﴾ ، يا محمد ﴿رسلا من قبلك﴾ إلى أمم قَدْ خَلَتْ من قبلِ أمتك، فجعلناهم بَشرًا مثلَك، لهم أزواج ينكحون، وذريةٌ أنْسَلوهم، [[انظر تفسير" الذرية" فيما سلف ٤٢٣ تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ولم نجعلهم ملائكةً لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فنجعلَ الرسولَ إلى قومك من الملائكة مثلهم، ولكن أرسلنا إليهم بشرًا مثلهم، كما أرسلنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلهم= ﴿وما كان لرسول أن يأتيَ بآية إلا بإذن الله﴾ يقول تعالى ذكره: وما يقدِر رسولٌ أرسله الله إلى خلقه أنْ يأتي أمَّتَه بآية وعلامة، [[انظر تفسير" الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] من تسيير الجبال، ونقل بَلْدةٍ من مكان إلى مكان آخر، وإحياء الموتى ونحوها من الآيات= ﴿إلا بإذن الله﴾ ، يقول: إلا بأمر الله الجبالَ بالسير، [[انظر تفسير" الإذن" فيما سلف من فهارس اللغة (أذن) .]] والأرضَ بالانتقال، والميتَ بأن يحيَا= ﴿لكل أجل كتاب﴾ ، يقول: لكلِّ أجلِ أمرٍ قضاه الله، كتابٌ قد كتَبَه فهو عنده. [[انظر تفسير" الأجل" فيما سلف ١٥: ١٠٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

= وتفسير" الكتاب" فيما سلف ١٤: ٩٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وقد قيل: معناه: لكل كتابٍ أنزله الله من السماء أجَلٌ.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٦٠- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿لكلّ أجل كتاب﴾ ، يقول: لكل كتاب ينزل من السماء أجل، فيمحُو الله من ذلك ما يشاءُ ويُثْبت، وعنده أمُّ الكتاب. [[الأثر: ٢٠٤٦٠ -" المثنى"، هو" المثنى بن إبراهيم الآملي"، شيخ الطبري، مضى مرارًا و" إسحاق بن يوسف"، لعله" إسحاق بن يوسف الواسطي"، الذي مضى برقم: ٣٣٣٩، ٤٢٢٤، ١٢٧٤٢.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا على هذا القول نظيرُ قول الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [سورة ق:١٩] ، وكان أبو بكر رحمه الله يقرؤه [[في المطبوعة:" وكان أبو بكر رضى الله عنه يقول"، وهو فاسد.]] (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ) ، وذلك أن سَكْرة الموت تأتي بالحق والحق يأتي بها، فكذلك الأجل له كتاب وللكتاب أجَلٌ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ (٣٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما أنزلنا عليك الكتاب، يا محمد، فأنكرهُ بعض الأحزاب، كذلك أيضًا أنزلنا الحكم والدين حُكْمًا عربيًا [[انظر تفسير" الحكم" فيما سلف من هذا الجزء: ٢٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وجعل ذلك ﴿عربيًا﴾ ، ووصفه به لأنه أنزل على محمدٍ ﷺ وهو عربيٌّ، فنسب الدين إليه، إذ كان عليه أنزل، فكذَّب به الأحزابُ. ثم نهاه جل ثناؤه عن ترك ما أنزل إليه واتباع الأحزاب، وتهدَّده على ذلك إنْ فعله فقال: ﴿ولئن اتبعت﴾ يا محمد ﴿أهواءهم﴾ ، أهوَاء هؤُلاء الأحزاب ورضَاهم ومحبتَهم [[انظر تفسير" الهوى" فيما سلف ٩: ٣٠٢ / ١١: ٣٩٧.]] وانتقلت من دينك إلى دينهم، ما لك من يَقيك من عَذاب الله إنْ عذّبك على اتباعك أهواءَهم، وما لك من ناصر ينصرك فيستنقذك من الله إن هو عاقبك، [[انظر تفسير" الولي" فيما سلف ١٣: ١٥٢، تعليق: ١، المراجع هناك.]] يقول: فاحذر أن تتّبع أهَواءهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿ولقد أرسلنا﴾ ، يا محمد ﴿رسلا من قبلك﴾ إلى أمم قَدْ خَلَتْ من قبلِ أمتك، فجعلناهم بَشرًا مثلَك، لهم أزواج ينكحون، وذريةٌ أنْسَلوهم، [[انظر تفسير" الذرية" فيما سلف ٤٢٣ تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ولم نجعلهم ملائكةً لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فنجعلَ الرسولَ إلى قومك من الملائكة مثلهم، ولكن أرسلنا إليهم بشرًا مثلهم، كما أرسلنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلهم= ﴿وما كان لرسول أن يأتيَ بآية إلا بإذن الله﴾ يقول تعالى ذكره: وما يقدِر رسولٌ أرسله الله إلى خلقه أنْ يأتي أمَّتَه بآية وعلامة، [[انظر تفسير" الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] من تسيير الجبال، ونقل بَلْدةٍ من مكان إلى مكان آخر، وإحياء الموتى ونحوها من الآيات= ﴿إلا بإذن الله﴾ ، يقول: إلا بأمر الله الجبالَ بالسير، [[انظر تفسير" الإذن" فيما سلف من فهارس اللغة (أذن) .]] والأرضَ بالانتقال، والميتَ بأن يحيَا= ﴿لكل أجل كتاب﴾ ، يقول: لكلِّ أجلِ أمرٍ قضاه الله، كتابٌ قد كتَبَه فهو عنده. [[انظر تفسير" الأجل" فيما سلف ١٥: ١٠٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

= وتفسير" الكتاب" فيما سلف ١٤: ٩٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وقد قيل: معناه: لكل كتابٍ أنزله الله من السماء أجَلٌ.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٦٠- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿لكلّ أجل كتاب﴾ ، يقول: لكل كتاب ينزل من السماء أجل، فيمحُو الله من ذلك ما يشاءُ ويُثْبت، وعنده أمُّ الكتاب. [[الأثر: ٢٠٤٦٠ -" المثنى"، هو" المثنى بن إبراهيم الآملي"، شيخ الطبري، مضى مرارًا و" إسحاق بن يوسف"، لعله" إسحاق بن يوسف الواسطي"، الذي مضى برقم: ٣٣٣٩، ٤٢٢٤، ١٢٧٤٢.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا على هذا القول نظيرُ قول الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [سورة ق:١٩] ، وكان أبو بكر رحمه الله يقرؤه [[في المطبوعة:" وكان أبو بكر رضى الله عنه يقول"، وهو فاسد.]] (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ) ، وذلك أن سَكْرة الموت تأتي بالحق والحق يأتي بها، فكذلك الأجل له كتاب وللكتاب أجَلٌ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء من أمور عبادِه، فيغيّره، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما لا يُغَيَّران.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٦١- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا بحر بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ، قال: يدبّر الله أمرَ العباد فيمحو ما يشاءُ، إلا الشقاء والسعادة [والحياة] والموت. [[الأثر: ٢٠٤٦١ -" أبو كريب"، هو" محمد بن العلاء بن كريب الكوفي الحافظ" شيخ الطبري، مضى مرارًا لا تحصى كثرة.

و" بحر بن عيسى"، فهذا شيء لم أعرفه، ولم أجد له ذكرًا في كتاب على طول البحث، ولكني أرجح أعظم الترجيح أن صواب هذا الإسناد.

" حدثنا أبو كريب قال، حدثنا بكر، عن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال ... "

وتفسير ذلك:

" ابن أبي ليلى"، هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري"، مضى مرارًا كثيرا، و" عيسى"، هو" عيسى بن المختار بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري"، روى عن عم جده" ابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن" قال ابن سعد:" كان سمع مصنف ابن أبي ليلى"، مترجم في التهذيب، وغيره.

و" بكر"، هو" بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري" ويقال له:" بكر بن عبيد"، روى عن ابن عمه" عيسى بن المختار"، و" أبو كريب" روى عن" بكر بن عبد الرحمن" هذا. مترجم في التهذيب.

فمن أجل هذا السياق الصحيح في الرواية، رجحت أن الصواب" حدثنا بكر، عن عيسى، عن ابن أبي ليلى"، ولعل ذلك من مصنفه الذي رواه عنه عيسى بن المختار، والله أعلم.

وهذا الأثر، ذكره السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٥، ونسبه إلى عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب مطولا، والزيادة التي بين القوسين منه، ومن تفسير ابن كثير ٤: ٥٣٦، وذكر الخبر، عن الثوري، ووكيع، وهشيم، عن ابن أبي ليلى كما سيأتي في الآثار التالية من ٢٠٤٦٣ - ٢٠٤٦٦.]]

٢٠٤٦٢- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ... ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ، قال: كل شيء غير السعادة والشقاء، فإنهما قد فُرِغ منهما. [[الأثر: ٢٠٤٦٢ -" ابن بشار"، هو" محمد بن بشار العبدي"،" بندار" أبو بكر الحافظ، شيخ أبي جعفر، مضى ما لا يعد كثرة.

و" ابن أبي ليلى" هو" محمد بن عبد الرحمن"، سلف في الأثر قبله.

وقد وضعت نقطًا بين الرجلين، لأنه هكذا إسناد باطل لا يقوم، لأن ابن أبي ليلى توفي سنة ١٤٨، و" ابن بشار" ولد سنة ١٦٧، وتوفي سنة ٢٥٢، فهذا قاطع في سقوط شيء من الإسناد، وظني أن صوابه:

" حدثنا ابن بشار، قال حدثنا وكيع، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى"، لأن الخبرين بعده من طريق سفيان، عن ابن أبي ليلى، و" محمد بن بشار"، إنما يروي عن وكيع، وكيع يروي عن سفيان، والله أعلم.]]

٢٠٤٦٣- حدثني علي بن سهل قال: حدثنا يزيد= وحدثنا أحمد قال حدثنا أبو أحمد= عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يقول: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ، قال: إلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة.

٢٠٤٦٤- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دُكَيْن وقَبِيصة قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

٢٠٤٦٥- حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ، قال: قال ابن عباس: إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة.

٢٠٤٦٦- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده الكتاب﴾ ، قال: يقدِّر الله أمر السَّنَة في ليلة القَدْر، إلا الشقاوة والسَّعادة والموت والحياة.

٢٠٤٦٧- حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ ، قال: إلا الحياة والموت والسعادة والشقاوة فإنَّهما لا يتغيَّران.

٢٠٤٦٨- حدثنا عمرو قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا معاذ بن عقبة، عن منصور، عن مجاهد. مثله. [[الأثر: ٢٠٤٦٨ -" معاذ بن عقبة"، لم أجد له ذكرًا، وقد أعياني أن أعرف من يكون، أو ما دخل هذا الإسناد من الاضطراب، أخشى أن يكون:" معاذ بن هشام الدستوائي" عن" عقبة"، محرفًا عن شيء آخر نحو" شعبة".]]

٢٠٤٦٩- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

٢٠٤٧٠- ... قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن منصور قال: قلت لمجاهد إن كنت كتبتني سعيدًا فأثبتني، وإن كنت كتَبتَني شقيًّا فامحني"= قال: الشقاء والسعادة قد فُرغ منهما. [[الأثر: ٢٠٤٧٠ -" إن كنت كتبتني سعيدًا ... " إشارة إلى حديث عبد الله بن مسعود في الدعاء، كما سيأتي في الآثار التالية إلى آخر تفسير الآية. والنقط هنا دلالة على أن الحديث عن" ابن بشار" شيخ الطبري، كالذي قبله.]]

٢٠٤٧١- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد= قال، حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ ، قال: ينزل الله كل شيء في السَّنَة في ليلة القَدر، فيمحو ما يشاءُ من الآجال والأرزاق والمقادير، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان. [[الأثر: ٢٠٤٧١ -" أحمد" هو" أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي"، شيخ أبي جعفر، سلف مرارًا، انظر رقم: ١٥٩، ١٨٤١.

و" أبو أحمد"، هو" محمد بن عبد الله بن الزبير، الزبيري"، مضى أيضًا، وانظر رقم: ١٥٩، ١٨٤١.

ثم انظر الإسناد السالف رقم ٢٠٤٦٣، ٢٠٤٧٠ والإسناد الثاني في هذا الخبر، تفسيره:

" سعيد بن سليمان الضبي"،" سعدويه"، مضى مرارًا كثيرة، آخرها رقم: ١٨٥١١، والراوي عنه:" أحمد بن إسحاق"، شيخ الطبري. وكان في المطبوعة" بن سليمان"، وهو خطأ.]]

٢٠٤٧٢- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن منصور قال: سألت مجاهدًا فقلت: أرأيت دعاءَ أحدنا يقول:"اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه واجعله في السعداء"، فقال: حَسنٌ. ثم أتيته بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك، فقال: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِين فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان:٣، ٤] قال: يُقْضى في ليلة القدر ما يكون في السَّنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدِّم ما يشاء ويؤخر ما يشاء. فأما كتاب الشقاء والسعادة فهو ثابتٌ لا يُغَيَّر.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت من كتابٍ سوى أمّ الكتاب الذي لا يُغَيَّرُ منه شيء.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد، عن سليمان التَّيمي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ، قال: كتابان: كتابٌ يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب.

٢٠٤٧٤- حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا سهل بن يوسف قال: حدثنا سليمان التيمي، عن عكرمة، في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ، قال: الكتابُ كتابان، كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب.

٢٠٤٧٥- ... قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سليمان التيمي، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله.

٢٠٤٧٥م- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن عكرمة قال: الكتاب كتابان، ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ .

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء، ويثبت كل ما أراد.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٧٦- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثام، عن الأعمش، عن شقيق أنه كان يقول:"اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحنَا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاءُ وتثبت وعندَك أمّ الكتاب".

٢٠٤٧٧- حدثنا عمرو قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات:"اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب". [[الأثران: ٢٠٤٧٦، ٢٠٤٧٧ -" شقيق"، هو" شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي"، وهو" أبو وائل"، كما في الإسناد الثاني، مضى مرارًا كثيرة جدًا، كان أعلم أهل الكوفة بحديث" عبد الله بن مسعود"، فقوله:" كان يكثر أن يدعو"، الضمير في ذلك إلى عبد الله بن مسعود. وساقه ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٣٦، مساقًا يوهم أنه شقيق بن سلمة نفسه الذي كان يكثر أن يدعو، وقد أساء، لأنه هو الذي غير لفظ الخبر الثاني. وانظر الدر المنثور ٤: ٦٧.]]

٢٠٤٧٨- ... قال، حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثنا أبي، عن أبي حكيمة، عن أبي عثمان النَّهْديّ، أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شِقْوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادةً ومغفرةً. [[الأثر: ٢٠٤٧٨ -" معاذ بن هشام" هو الدستوائي، روى عنه الجماعة، مضى مرارًا منها: ٤٥٢٣، ٥٥٥٢، ٦٣٢١.

وأبوه" هشام بن أبي عبد الله، سنبر"" أبو بكر الربعي"، من بكر بن وائل، ثقة مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ٢ / ١٩٨، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٥٩.

و" أبو حكيمة"، اسمه" عصمة"، ويقال" الغزال"، روى عن أبي عثمان النهدي، وروى عنه" قرة" و" سلام بن مسكين"، و" الضحاك بن يسار"، و" حماد بن سلمة"

و" سليمان بن طرخان التيمي". قال أبو حاتم:" محله الصدق"، وذكره أحمد في كتاب العلل ١: ١٨ وقال:" أبو حكيمة"، عصمة، روى عنه قرة، و" أظن التيمي يحدث عنه"، وانظر التعليق على الخبر التالي، وهو مترجم في الكبير للبخاري ٤ / ١ / ٦٣، والصغير له: ١٤٠، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٣٠.

و" أبو عثمان النهدي"، هو" عبد الرحمن بن مل"، أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله ولم يلقه، مضى مرارًا كثيرة آخرها: ١٧١٥١.

وبهذا الإسناد نقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٣٦، وزاد في إسناده فقال:" عن أبي حكيمة عصمة". وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٦، ونسبه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

ثم انظر التعليق على الآثار التالية.]]

٢٠٤٧٩- ... حدثنا معتمر، عن أبيه، عن أبي حكيمة، عن أبي عثمان قال: وأحسِبْني قد سمعتُه من أبي عثمان، مثله. [[الأثر: ٢٠٤٧٩ -" معتمر"، هو" معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي"، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة.

وأبوه هو" سليمان بن طرخان التيمي"،" أبو المعتمر"، ثقة روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة منها رقم: ٦٨٢٠

وهذا الإسناد مصداق ظن أحمد رضي الله عنه حيث قال:" وأظن التيمي يحدث عنه"، كما سلف في تفسير الإسناد السالف.]]

٢٠٤٨٠- ... قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة بن خالد، عن عصمة أبي حكيمة، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر رحمه الله، مثله. [[الأثر: ٢٠٤٨٠ -" قرة بن خالد السدوسي"، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة، وانظر رقم: ٩٧٦٢.

وكان في المطبوعة:" عصمة بن أبي حكيمة"، غير ما في المخطوطة، وكان فيها:" عصمة بن حكيمة"، وكلاهما خطأ، كما دل عليه ما أسلفنا في التعليق على الأثر: ٢٠٤٧٨.

ومن طريق" قرة، عن عصمة"، رواه البخاري في الكبير ٤ / ١ / ٦٣،" عن عبد الله، حدثنا أبو عامر قال حدثنا قرة" ولفظه:" اللهم إن كنت كتبت علي ذنبًا أو إثمًا أو ضغنًا، فاغفره لي، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب".

ورواه الدولابي في الكني والأسماء ١: ١٥٥، قال: حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال حدثنا قرة"، ولم يقل:" أو ضغنًا"، وقال:" فاغفر لي، وامحه هني، فإنك ... ".]]

٢٠٤٨١- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد قال، حدثنا أبو حكيمة قال: سمعت أبَا عُثْمان النَّهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول، وهو يطوف بالكعبة: اللهم إن كنت كتبتَني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذّنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السّعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب. [[الأثر: ٢٠٤٨١ -" المثنى" هو" المثنى بن إبراهيم الآملي"، شيخ الطبري، مضى مرارًا.

و" الحجاج" هو" حجاج بن النهال الأنماطي"، من شيوخ البخاري، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة، انظر رقم: ٦٨٢.

و" حماد" هو" حماد بن سلمة بن دينار"، مضى مرارًا كثيرة، انظر: ٢٠٣٤٢.]]

٢٠٤٨٢- ... قال: حدثنا الحجاج بن المنهال قال: حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في [أهل] الشقاء فامحني وأثبتني في أهل السعادة. [[الأثر: ٢٠٤٨٢ - ما بين القوسين زيادة في المطبوعة، وهو في المخطوطة:" في الشقاء" وانظر التعليق على الأثر التالي رقم: ٢٠٤٨٤.]]

٢٠٤٨٣- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ، يقول: هو الرجل يعمل الزمانَ بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلاله، فهو الذي يمحو= والذي يثبتُ: الرجلُ يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت، وهو في طاعة الله، فهو الذي يثبت. [[الأثر: ٢٠٤٨٣ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٥، وزاد في نسبته إلى ابن أبي حاتم. وفي المخطوطة مكان" فيموت على ضلاله"،" فيعود على ضلاله".]]

٢٠٤٨٤- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عُكَيْم، عن عبد الله، أنه كان يقول: اللهم إن كُنْت كتبتني في السعداء فأثبتني في السعداء، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. [[الأثر: ٢٠٤٨٤ -" هلال بن حميد" و" هلال بن أبي حميد" ويقال:" ابن عبد الله"، و" ابن عبد الرحمن"، و" ابن مقلاص"، الجهني، ويقال له:" هلال الوزان" قال البخاري:" قال وكيع مرة: هلال بن حميد، ومرة: هلال بن عبد الله، ولا يصح".

وانظر العلل لأحمد ١: ١٠٦، ٢١١. وقال ابن أبي حاتم" هلال بن أبي حميد الوزان، أبو جهم الصيرفي. ويقال أبو أمية، وهو: هلال بن مقلاص الجهبذ، مولى جهينة"، وبنحوه قال ابن سعد.

و" هلال" ثقة مترجم في التهذيب والكبير ٤ / ٢ / ٢٠٧، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٧٥، وابن سعد في الطبقات ٦: ٢٢٧.

و" عبد الله بن عكيم الجهني"،" أبو معبد"، كان كبيرًا قد أدرك الجاهلية، وأدرك زمان النبي ﷺ ولكن لا يعرف له سماع صحيح، مترجم في التهذيب، والكبير ٣ / ١ / ٣٩، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٢١، وابن سعد في الطبقات ٦: ٧٧.

وكان في المطبوعة" عبد الله بن حكيم"، وفي تفسير ابن كثير ٤: ٥٣٦،" عبد الله ابن عليم"، وكلاهما خطأ.

وهذا الأثر، أشار إليه ابن كثير في تفسير ٤: ٥٣٦، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٧، وزاد في نسبته إلى ابن المنذر والطبراني، وساقه وهو الأثر السالف: ٢٠٤٨٢، سياقًا واحدًا، مع اختلاف في اللفظ.]]

٢٠٤٨٥- حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، أن كعبًا قال لعمر رحمة الله عليه: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة قال: وما هي؟ قال: قولُ الله: ﴿يمحو الله ما يشاءُ ويثبت وعندَهُ أم الكتاب﴾ . [[الأثر: ٢٠٤٨٥ -" الحجاج" هو" الحجاج بن المنهال"، سلف قريبًا برقم: ٢٠٤٨١.

و" حماد" هو" حماد بن سلمة"، مضى مرارًا. وفي تفسير ابن كثير ٤: ٥٣٧، روى هذا الخبر، وفيه هناك" خصاف"، ولكني أرجح أنه" حماد"، كما في المخطوطة أيضًا

و" خصاف"، هو" خصاف بن عبد الرحمن الجزري"، ليس بذاك، مترجم في لسان الميزان ٢: ٣٩٧، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٠٤.

و" أبو حمزة"، هو" ميمون الأعور التمار الراعي، الكوفي، هو صاحب إبراهيم النخعي، ضعيف جدًا ذاهب الحديث، قال العقيلي:" وأحاديثه عن إبراهيم خاصة مما لا يتابع عليه". قد سلف برقم: ٦١٩٠، ١١٨١٠، وانظر الكني للدولابي ١: ١٥٧.

و" إبراهيم"، هو" إبراهيم بن يزيد النخعي"، مضى مرارًا.

وهذا إسناد واه جدًا، والعجب من السيد رشيد رضا في تعليقه على تفسير ابن كثير (٤: ٥٣٧) حيث يقول:" من الغريب أن تبلغ الجرأة بكعب إلى هذا الحد الباطل شرعًا وعقلا. ثم يعتدون بدينه وعلمه ويردون عنه، والغريب هو تحامله على كعب الأحبار قبل التثبت من إسناد الخبر، وما ذنب كعب إذا ابتلاه بذلك مثل" أبي حمزة الأعور"؟ ولكن هكذا ديدن الشيخ، إذا جاء ذكر كعب الأحبار، يتهمه بلا بينة.

وخرج هذا الأثر السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٧، ولم ينسبه إلى غير ابن جرير.]]

٢٠٤٨٦- حدثت من الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لكل أجل كتاب﴾ ، الآية يقول: ﴿يمحو الله ما يشاء﴾ ، يقول: أنسخُ ما شئت، وأصْنعُ من الأفعال ما شئت، إن شئتُ زدتُ فيها، وإن شئت نقصت.

٢٠٤٨٧- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عفان قال: حدثنا همام قال: حدثنا الكلبي قال: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ ، قال: يَمْحي من الرزق ويزيد فيه، ويمحي من الأجل ويزيد فيه. [[هكذا جاء في المخطوطة،" يمحى" أيضًا، وهو صواب" محا الشيء يمحوه، ويمحاه محوًا ومحيًا"، والذي في المراجع الأخرى:" يمحو". وانظر ما سيأتي: ٤٩٢ تعليق: ١.]] قلت: من حدّثك! قال: أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري، عن النبي ﷺ. فقدم الكلبيّ بعدُ، فسئل عن هذه الآية: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ ، قال: يكتب القول كُلُّه، حتى إذا كان يوم الخميسِ طُرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عليه عقاب، مثل قولك: أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ذلك ونحوه من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب. [[الأثر: ٢٠٤٨٧ - الكلبي"، هو" محمد بن السائب الكلبي"، النسابة المفسر، متكلم فيه بما لا يحتمل الرواية عنه، وقد سلف قول الطبري فيه:" إنه ليس من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله" (١: ٦٦) ، وهذا من المواضع القليلة في تفسير أبي جعفر، التي جاءت فيها الرواية عن الكلبي، انظر ما سلف: ٧٢، ٢٤٦، ٢٤٨، ١٢٩٦٧.

وهذا الخبر أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبير مختصرًا ٣ / ٢ / ١١٤، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٦، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، ونقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٣٧. وانظر الإسناد التالي. وكان في المطبوعة وابن كثير:" ونحو ذلك من الكلام".]]

٢٠٤٨٨- حدثنا الحسن قال: حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت الكلبي، عن أبي صالح نحوه، ولم يجاوز أبا صالح.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنّ الله ينسخ ما يشاء من أحكام كِتَابه، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسَخُه.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿يمحو الله ما يشاء﴾ ، قال: من القرآن. يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله= ﴿وعنده أم الكتاب﴾ ، يقول: وجملة ذلك عنده في أمّ الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كلُّ ذلك في كتاب. [[الأثر: ٢٠٤٨٩ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٧، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في المدخل. ونقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٣٨.]]

٢٠٤٩٠- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ ، هي مثل قوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [سورة البقرة:١٠٦] ، وقوله: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ : أي جُملة الكتاب وأصله.

٢٠٤٩١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ ما يشاء، وهو الحكيم= ﴿وعنده أمّ الكتاب﴾ ، وأصله.

٢٠٤٩٢- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء﴾ ، بما ينزل على الأنبياء، ﴿ويثبت﴾ ما يشاء مما ينزل على الأنبياء، قال: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ ، لا يغيَّر ولا يبدَّل.

٢٠٤٩٣- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: ﴿يمحو الله ما يشاء﴾ ، قال: ينسخ. قال: ﴿وعند أم الكتاب﴾ ، قال: الذِكْرُ.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك أنه يمحو من قد حان أجله، ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٩٤- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ ، يقول: يمحو من جاء أجله فذهب، والمثبت الذي هو حيٌّ يجري إلى أجله.

٢٠٤٩٥- حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا عوف قال: سمعت الحسن يقول: ﴿يمحو الله ما يشاء﴾ ، قال: من جاء أجله= ﴿ويثبت﴾ ، قال: من لم يجئ أجله إلى أجله.

٢٠٤٩٦- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا هوذة قال: حدثنا عوف، عن الحسن، نحو حديث ابن بشار.

٢٠٤٩٧- ... قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿لكل أجل كتاب﴾ ، قال: آجال بني آدم في كتاب، ﴿يمحو الله ما يشاء﴾ من أجله ﴿ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ .

٢٠٤٩٨- ... قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قول الله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ ، قالت قريش حين أنزل: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ﴾ [سورة الرعد:٣٨] : ما نراك، يا محمد تملك من شيء، ولقد فُرِغ من الأمر! فأنزلت هذه الآية تخويفًا ووعيدًا لهم: إنا إن شئنا أحدَثْنا له من أمرنا ما شئنا، ونُحْدِث في كل رمضان، فنمحو ونثبتُ ما نشاء من أرزاق الناس وَمصَائبهم، وما نعطيهم، وما نقسم لهم. [[الأثر: ٢٠٤٩٨ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ونقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٣٨.]]

٢٠٤٩٩- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.

٢٠٥٠٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفر.

* *

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٠١- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد في قوله ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ ، قال: يثبت في البطن الشَّقاء والسعادة وكلَّ شيء، فيغفر منه ما يشاء ويُؤخّر ما يشاء. [[الأثر: ٢٠٥٠١ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٨، ولم ينسبه لغير ابن جرير، ولفظه عنده:" ... وكل شيء هو كائن، فيقدم منه ما يشاء ... "، وهذا أجود مما في مخطوطتنا.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بتأويل الآية وأشبهُها بالصّواب، القولُ الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد، وذلك أن الله تعالى ذكره توعَّد المشركين الذين سألوا رسولَ الله ﷺ الآياتِ بالعقوبة، وتهدَّدهم بها، وقال لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ، يعلمهم بذلك أن لقضائه فيهم أجلا مُثْبَتًا في كتاب، هم مؤخَّرون إلى وقت مجيء ذلك الأجل. ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل، يجيء الله بما شَاء ممن قد دَنا أجله وانقطع رزقه، أو حان هلاكه أو اتضاعه من رفعة أو هلاك مالٍ، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك مَحْوُه، ويثبت ما شاء ممن بقي أجله ورزقه وأكله، [[" الأكل"، بضم فسكون، الحظ من الدنيا، من البقاء والرزق.]] فيتركه على ما هو عليه فلا يمحوه.

وبهذا المعنى جاء الأثر عن رسول الله ﷺ، وذلك ما:-

٢٠٥٠٢- حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: حدثنا الليث بن سعد، عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القُرَظي، عن فَضالة بن عُبَيْد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ:"إن الله يَفتح الذِّكر في ثلاث ساعات يَبْقَيْن من الليل، في الساعة أولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظُرُ فيه أحد غَيره، فيمحو ما يشاء ويثبتُ. ثم ذكر ما في الساعتين الأخريين. [[(الأثر: ٢٠٥٠٢ -" محمد بن سهل بن عسكر"، شيخ الطبري، مضى مرارًا، انظر ٥٥٩٨، ٥٦٦٤، ٥٩١١.

و"ابن أبي مريم"، هو" سعيد بن أبي مريم"، وهو" سعيد بن الحكم"، ثقة روى له الجماعة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٨٤٠٤.

و" زيادة بن محمد الأنصاري"، منكر الحديث مضى برقم: ١٦٩٤٣، ١٦٩٤٤.

وسلف هذا الأثر مطولا برقم: ١٦٩٤٣، وسلف تخريجه وشرح إسناده، وهو الخبر الذي أشار إليه البخاري في الكبير، وقال" منكر الحديث". ويزاد في تخريجه: السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والطبراني ونقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٣٧. ثم انظر الخبر التالي والتعليق عليه.]]

٢٠٥٠٣- حدثنا موسى بن سهل الرمليّ قال: حدثنا آدم قال، حدثنا الليث قال: حدثنا زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ:"إن الله ينزل في ثلاث ساعات يَبْقَين من الليل، يفتح الذكر في الساعة الأولى الذي لم يره أحد غيره، يمحو ما يشَاء ويثبت ما يشاء. [[الأثر: ٢٠٥٠٣ -" موسى بن سهل بن قادم الرملي"، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ٨٧٨، ٥٤٣٤، ١٦٩٤٤، انظر أيضًا" موسى بن سهل الرازي" رقم: ١٨٠، والتعليق عليه، و" سهل بن موسى الرازي" رقم: ١٨٠، ٤٣١٩، ٩٤٨٢، والتعليق عليها.

و" آدم"، هو" آدم بن أبي إياس".

وهذه طريق أخرى للخبر السالف، فهو منكر كمثله.]]

٢٠٥٠٤- حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إن لله لوحًا محفوظًا مسيرةَ خمسمِئة عام، من دُرَّة بيضاء لَها دَفَّتَان من ياقوت، والدَّفتان لَوْحان لله، كل يوم ثلاثمئة وستون لحظةً، يمحو ما يشَاء ويثبت وعنده أم الكتاب. [[الأثر: ٢٠٥٠٤ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٥، ولم ينسبه لغير ابن جرير، ونقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٣٧.]]

٢٠٥٠٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: حدثني رجل، عن أبيه، عن قيس بن عباد، أنه قال: العاشر من رجب هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء. [[الأثر: ٢٠٥٠٥ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٦، ولم ينسبه إلى غير ابن جرير، ثم ذكر بعده خبرًا مطولا عن قيس بن عباد، ونسبه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) ﴾

قال أبو جعفر: اختلفَ أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ ، فقال بعضهم: معناه: وعنده الحلال والحرام.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٠٦- حدثني المثنى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عقبة قال، حدثنا مالك بن دينار قال: سألت الحسن: قلت: ﴿أمُّ الكتاب﴾ ، قال: الحلال والحرام قال: قلت له: فما ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال: هذه أمُّ القرآن.

* *

وقال آخرون: معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٠٧- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ ، قال: جملة الكتاب وأصله.

٢٠٥٠٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

٢٠٥٠٩- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ ، قال: كتابٌ عند رب العالمين.

٢٠٥١٠- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن جويبر عن الضحاك: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ ، قال: جملة الكتاب وعلمه. يعني بذلك ما يَنْسَخ منه وما يُثْبت.

٢٠٥١١- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ يقول: وجملة ذلك عنده في أمّ الكتاب: الناسخُ والمنسوخ، وما يبدّل، وما يثبت، كلُّ ذلك في كتاب.

* *

وقال آخرون في ذلك، ما:

٢٠٥١٢- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن سيَّار، عن ابن عباس، أنه سأل كعبًا عن"أم الكتاب" قال: علم الله ما هو خَالقٌ وما خَلْقُه عاملون، فقال لعلمه: كُنْ كتابًا، فكان كتابًا. [[٢٠٥١٢ -" سيار"، مولى خالد بن يزيد بن معاوية، روى عن أبي الدرداء، وابن عباس، وأبي أمامة. روى عنه سليمان التيمي، وذكره ابن حبان في الثقات:" سيار بن عبد الله"، قال ابن حجر:" لم نجد من سمى أباه عبد الله غير ابن حبان".

وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ٢ / ١٦١، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٥٤، ولم يذكرا فيه جرحًا.

وكان في المطبوعة وحدها:" شيبان".

والخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٨، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، ونقله ابن كثير في تفسيره ٤: ٥٣٨، وفي جميعها" سيار"، وهو الصواب.]]

* *

وقال آخرون: هو الذكر.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥١٣- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج= قال أبو جعفر: لا أدري فيه ابن جريج أم لا = قال: قال ابن عباس: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ قال: الذكر.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال:"وعنده أصل الكتاب وجملته، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يمحُو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ ، فكان بيِّنًا أن معناه. وعنده أصل المثبّت منه والمَمحوّ، وجملتُه في كتاب لديه.

* *

قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ويثبت﴾ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والكوفة:"وَيُثَبِّتُ" بتشديد"الباء" بمعنى: ويتركه ويقرُّه على حاله، فلا يمحوه.

* *

وقرأه بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بالتخفيف، بمعنى: يكتب.

* *

وقد بيَّنَّا قبلُ أن معنى ذلك عندنا: إقرارُه مكتوبًا وتركُ محْوه على ما قد بيَّنَّا، فإذا كان ذلك كذلك فالتثبيتُ به أولى، والتشديدُ أصْوبُ من التخفيف، وإن كان التخفيف قد يحتمل توجيهه في المعنى إلى التشديد، والتشديد إلى التخفيف، لتقارب معنييهما.

* *

وأما"المحو"، فإن للعرب فيه لغتين: فأما مُضَر فإنها تقول:"محوت الكتَابَ أمحُوه مَحْوًا" وبه التنزيل="ومحوته أمْحَاه مَحْوًا".

وذُكِر عن بعض قبائل ربيعة: أنها تقول:"مَحَيْتُ أمْحَى". [[هذه اللغة منسوبة في اللسان وغيره إلى طيئ أيضًا، و" أمحى"، بفتح الحاء. وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٤، وما سلف: ٤٨٤، تعليق: ٢.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإما نرينك، يا محمد في حياتك بعضَ الذي نعدُ هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم= أو نتوفيَنَّكَ قبل أن نُريَك ذلك، فإنما عليك أن تنتهِيَ إلى طاعة ربك فيما أمرك به من تبليغهم رسالتَه، لا طلبَ صلاحِهم ولا فسادهِم، وعلينا محاسبتهم، فمجازاتهم بأعمالهم، إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ. [[انظر مراجع ألفاظ هذه الآية في فهارس اللغة.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: أولم ير هؤلاء المشركون مِنْ أهل مكة الذين يسألون محمدًا الآيات، أنا نأتي الأرض فنفتَحُها له أرضًا بعد أرض حَوَالَيْ أرضهم؟ أفلا يخافون أن نفتح لَهُ أرضَهم كما فتحنا له غيرها؟

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥١٤- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض؟ [[الأثر: ٢٠٥١٤ -" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني"، شيخ الطبري، مضى مرارًا، آخرها قريبًا رقم: ٢٠٤١١.

و"محمد بن الصباح الدولابي"، أبو جعفر البزاز البغدادي، ثقة روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ١١٨، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٨٩، وتاريخ بغداد ٥: ٣٦٥.]]

٢٠٥١٥- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، يعني بذلك: ما فتح الله على محمد. يقول: فذلك نُقْصَانها.

٢٠٥١٦- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: ما تغلَّبتَ عليه من أرضِ العدوّ.

٢٠٥١٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: كان الحسن يقول في قوله: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، هو ظهور المسلمين على المشركين. [[في المطبوعة:" فهو ظهور".]]

٢٠٥١٨- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، يعنى أن نبي الله ﷺ كان يُنْتَقَصُ له ما حوله من الأرَضِين، ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون قال الله في"سورة الأنبياء": ﴿نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الأنبياء:٤٤] ، بل نبي الله ﷺ وأصحابه هم الغالبون.

* *

وقال آخرون: بل معناه: أولم يروا أنا نأتي الأرض فنخرِّبها، أو لا يَخَافون أن نفعل بهم وبأرضهم مثل ذلك فنهلكهم ونخرِّب أرضهم؟

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥١٩- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: أولم يروا إلى القرية تخربُ حتى يكون العُمْران في ناحية؟ [[الأثر: ٢٠٥١٩ -" علي بن عاصم بن صهيب الواسطي"، متكلم فيه لغلطه ثم لجاجه، مضى برقم: ٥٤٢٧.

و" حصين بن عبد الرحمن السلمي"، مضى مرارًا كثيرة، آخرها رقم: ١٧٢٣٧.]]

٢٠٥٢٠- ... قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن الأعرج، أنه سمع مجاهدًا يقول: ﴿نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: خرابُها.

٢٠٥٢١- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد مثله= قال: وقال ابن جريج: خرابُها وهلاك الناس.

٢٠٥٢٢- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي جعفر الفرَّاء، عن عكرمة قوله: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: نخرِّب من أطرافها. [[الأثر: ٢٠٥٢٢ -" أبو جعفر الفراء"، كوفي، مختلف في اسمه قيل" كسيان"، وقيل" سلمان"، وقيل" زيادة"، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ / ٢٣٤، وابن أبي حاتم ٣ /٢ / ١٦٦، وابن سعد في طبقاته ٦: ٢٣٠، والكنى والأسماء للدولابي ١: ١٣٤، ١٣٥، وفي التاريخ الكبير، وفي إحدى نسخ ابن أبي حاتم" القراد" بالقاف والدال، وهذا مشكل، والأرجح" الفراء". وانظر العلل لأحمد ١: ١٠٤، ٣٦٠، خبر له هناك.، وفيه" الفراء" أيضًا.]]

* *

وقال آخرون: بل معناه: ننقص من بَرَكتها وثَمرتها وأهلِها بالموت.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢٣- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ يقول: نقصان أهلِها وبركتها.

٢٠٥٢٤- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: في الأنفس وفي الثمرات، وفي خراب الأرض.

٢٠٥٢٥- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن طلحة القناد، عمن سمع الشعبي قال: لو كانت الأرض تُنْقَص لضَاق عليك حُشَّك، [[" الحش" البستان، والمتوضأ، حيث يقضي المرء حاجته. وانظر ما سلف ١٥: ٥١٨، تعليق: ٢. ثم انظر الخبر رقم: ٢٠٥٣١.]] ولكن تُنْقَص الأنفُس والثَّمرات.

* *

وقال آخرون: معناه: أنا نأتي الأرض ننقصها من أهلها، فنتطرَّفهم بأخذهم بالموت. [[يعني بقولهم:"نتطرفهم"، أي نأخذ من أطرافهم ونواحيهم، وهو عربي جيد.]]

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢٦- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: موت أهلها.

٢٠٥٢٧- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: الموت. [[الأثر: ٢٠٥٢٧ -" يحيى، هو" يحيى بن سعيد القطان"، مضى مرارًا.

و" سفيان"، هو الثوري، مضى مرارًا.]]

٢٠٥٢٨- حدثني المثنى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا هارون النحوي قال: حدثنا الزبير بن الخِرِّيت عن عكرمة، في قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: هو الموت. ثم قال: لو كانت الأرض تنقص لم نجد مكانًا نجلسُ فيه. [[الأثر: ٢٠٥٢٨ -" هارون النحوي"، هو" هارون بن موسى النحوي"، سلف مرارا.

و"الزبير بن الخريت"، سلف قريبًا رقم: ٢٠٤١٠، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا وهناك:" الزبير بن الحارث"، وهو خطأ.]]

٢٠٥٢٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: كان عكرمة يقول: هو قَبْضُ الناس.

٢٠٥٣٠- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: سئل عكرمة عن نقص الأرض قال: قبضُ الناس.

٢٠٥٣١- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة في قوله: ﴿أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: لو كان كما يقولون لما وجَد أحدكم جُبًّا يخرَأ فيه.

٢٠٥٣٢- حدثنا الفضل بن الصباح قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء قال: سئل عكرمة وأنا أسمع عن هذه الآية: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: الموت.

* *

وقال آخرون: ﴿ننقُصها من أطرافها﴾ بذهاب فُقَهائها وخِيارها.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٣٣- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ذهابُ علمائها وفقهائِها وخيار أهلِها. [[الأثر: ٢٠٥٣٢ - رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٥٠، من طريق الثوري عن طلحة بن عمرو، وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي، فقال:" طلحة بن عمرو"، قال أحمد:" متروك".]]

٢٠٥٣٤- قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عبد الوهاب، عن مجاهد قال: موتُ العلماء.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قولُ من قال: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، بظهور المسلمين من أصحاب محمد ﷺ عليها وقَهْرِهم أهلها، أفلا يعتبرون بذلك فيخافون ظُهورَهم على أرْضِهم وقَهْرَهم إياهم؟ وذلك أن الله توعَّد الذين سألوا رسولَه الآيات من مشركي قومه بقوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ وَعَليْنَا الْحِسَابُ﴾ ، ثم وبَّخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم ما يعاينون من فعل الله بضُرَبائهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: ﴿أولم يرَوْا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ بقهر أهلها، والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها، [[انظر تفسير" الطرف" فيما سلف ٧: ١٩٢.]] وهم لا يعتبرون بما يَرَوْن من ذلك.

* *

وأما قوله: ﴿والله يحكُم لا مُعَقّب لحكمه﴾ ، يقول: والله هو الذي يحكم فيَنْفُذُ حكمُه، ويَقْضي فيَمْضِي قضاؤه، وإذا جاء هؤلاء المشركين بالله من أهل مكة حُكْم الله وقضاؤُه لم يستطيعوا رَدَّهَ. ويعني بقوله: ﴿لا معقّب لحكمه﴾ : لا راد لحكمه،

* *

"والمعقب"، في كلام العرب، هو الذي يكرُّ على الشيء. [[انظر تفسير مادة (عقب) فيما سلف من فهارس اللغة. ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٤.]]

* *

وقوله: ﴿وهو سريع الحساب﴾ ، يقول: والله سريع الحساب يُحْصي أعمال هؤلاء المشركين، لا يخفى عليه شيء، وهو من وراءِ جزائهم عليها. [[انظر تفسير" سريع الحساب" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإما نرينك، يا محمد في حياتك بعضَ الذي نعدُ هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم= أو نتوفيَنَّكَ قبل أن نُريَك ذلك، فإنما عليك أن تنتهِيَ إلى طاعة ربك فيما أمرك به من تبليغهم رسالتَه، لا طلبَ صلاحِهم ولا فسادهِم، وعلينا محاسبتهم، فمجازاتهم بأعمالهم، إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ. [[انظر مراجع ألفاظ هذه الآية في فهارس اللغة.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: أولم ير هؤلاء المشركون مِنْ أهل مكة الذين يسألون محمدًا الآيات، أنا نأتي الأرض فنفتَحُها له أرضًا بعد أرض حَوَالَيْ أرضهم؟ أفلا يخافون أن نفتح لَهُ أرضَهم كما فتحنا له غيرها؟

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥١٤- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض؟ [[الأثر: ٢٠٥١٤ -" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني"، شيخ الطبري، مضى مرارًا، آخرها قريبًا رقم: ٢٠٤١١.

و"محمد بن الصباح الدولابي"، أبو جعفر البزاز البغدادي، ثقة روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ١١٨، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٨٩، وتاريخ بغداد ٥: ٣٦٥.]]

٢٠٥١٥- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، يعني بذلك: ما فتح الله على محمد. يقول: فذلك نُقْصَانها.

٢٠٥١٦- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: ما تغلَّبتَ عليه من أرضِ العدوّ.

٢٠٥١٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: كان الحسن يقول في قوله: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، هو ظهور المسلمين على المشركين. [[في المطبوعة:" فهو ظهور".]]

٢٠٥١٨- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، يعنى أن نبي الله ﷺ كان يُنْتَقَصُ له ما حوله من الأرَضِين، ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون قال الله في"سورة الأنبياء": ﴿نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الأنبياء:٤٤] ، بل نبي الله ﷺ وأصحابه هم الغالبون.

* *

وقال آخرون: بل معناه: أولم يروا أنا نأتي الأرض فنخرِّبها، أو لا يَخَافون أن نفعل بهم وبأرضهم مثل ذلك فنهلكهم ونخرِّب أرضهم؟

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥١٩- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) ، قال: أولم يروا إلى القرية تخربُ حتى يكون العُمْران في ناحية؟ [[الأثر: ٢٠٥١٩ -" علي بن عاصم بن صهيب الواسطي"، متكلم فيه لغلطه ثم لجاجه، مضى برقم: ٥٤٢٧.

و" حصين بن عبد الرحمن السلمي"، مضى مرارًا كثيرة، آخرها رقم: ١٧٢٣٧.]]

٢٠٥٢٠- ... قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن الأعرج، أنه سمع مجاهدًا يقول: ﴿نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: خرابُها.

٢٠٥٢١- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد مثله= قال: وقال ابن جريج: خرابُها وهلاك الناس.

٢٠٥٢٢- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي جعفر الفرَّاء، عن عكرمة قوله: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: نخرِّب من أطرافها. [[الأثر: ٢٠٥٢٢ -" أبو جعفر الفراء"، كوفي، مختلف في اسمه قيل" كسيان"، وقيل" سلمان"، وقيل" زيادة"، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ / ٢٣٤، وابن أبي حاتم ٣ /٢ / ١٦٦، وابن سعد في طبقاته ٦: ٢٣٠، والكنى والأسماء للدولابي ١: ١٣٤، ١٣٥، وفي التاريخ الكبير، وفي إحدى نسخ ابن أبي حاتم" القراد" بالقاف والدال، وهذا مشكل، والأرجح" الفراء". وانظر العلل لأحمد ١: ١٠٤، ٣٦٠، خبر له هناك.، وفيه" الفراء" أيضًا.]]

* *

وقال آخرون: بل معناه: ننقص من بَرَكتها وثَمرتها وأهلِها بالموت.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢٣- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ يقول: نقصان أهلِها وبركتها.

٢٠٥٢٤- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: في الأنفس وفي الثمرات، وفي خراب الأرض.

٢٠٥٢٥- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن طلحة القناد، عمن سمع الشعبي قال: لو كانت الأرض تُنْقَص لضَاق عليك حُشَّك، [[" الحش" البستان، والمتوضأ، حيث يقضي المرء حاجته. وانظر ما سلف ١٥: ٥١٨، تعليق: ٢. ثم انظر الخبر رقم: ٢٠٥٣١.]] ولكن تُنْقَص الأنفُس والثَّمرات.

* *

وقال آخرون: معناه: أنا نأتي الأرض ننقصها من أهلها، فنتطرَّفهم بأخذهم بالموت. [[يعني بقولهم:"نتطرفهم"، أي نأخذ من أطرافهم ونواحيهم، وهو عربي جيد.]]

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٢٦- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: موت أهلها.

٢٠٥٢٧- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: الموت. [[الأثر: ٢٠٥٢٧ -" يحيى، هو" يحيى بن سعيد القطان"، مضى مرارًا.

و" سفيان"، هو الثوري، مضى مرارًا.]]

٢٠٥٢٨- حدثني المثنى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا هارون النحوي قال: حدثنا الزبير بن الخِرِّيت عن عكرمة، في قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: هو الموت. ثم قال: لو كانت الأرض تنقص لم نجد مكانًا نجلسُ فيه. [[الأثر: ٢٠٥٢٨ -" هارون النحوي"، هو" هارون بن موسى النحوي"، سلف مرارا.

و"الزبير بن الخريت"، سلف قريبًا رقم: ٢٠٤١٠، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا وهناك:" الزبير بن الحارث"، وهو خطأ.]]

٢٠٥٢٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: كان عكرمة يقول: هو قَبْضُ الناس.

٢٠٥٣٠- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: سئل عكرمة عن نقص الأرض قال: قبضُ الناس.

٢٠٥٣١- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة في قوله: ﴿أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: لو كان كما يقولون لما وجَد أحدكم جُبًّا يخرَأ فيه.

٢٠٥٣٢- حدثنا الفضل بن الصباح قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء قال: سئل عكرمة وأنا أسمع عن هذه الآية: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، قال: الموت.

* *

وقال آخرون: ﴿ننقُصها من أطرافها﴾ بذهاب فُقَهائها وخِيارها.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٣٣- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ذهابُ علمائها وفقهائِها وخيار أهلِها. [[الأثر: ٢٠٥٣٢ - رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٥٠، من طريق الثوري عن طلحة بن عمرو، وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي، فقال:" طلحة بن عمرو"، قال أحمد:" متروك".]]

٢٠٥٣٤- قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عبد الوهاب، عن مجاهد قال: موتُ العلماء.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قولُ من قال: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ ، بظهور المسلمين من أصحاب محمد ﷺ عليها وقَهْرِهم أهلها، أفلا يعتبرون بذلك فيخافون ظُهورَهم على أرْضِهم وقَهْرَهم إياهم؟ وذلك أن الله توعَّد الذين سألوا رسولَه الآيات من مشركي قومه بقوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ وَعَليْنَا الْحِسَابُ﴾ ، ثم وبَّخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم ما يعاينون من فعل الله بضُرَبائهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: ﴿أولم يرَوْا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ بقهر أهلها، والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها، [[انظر تفسير" الطرف" فيما سلف ٧: ١٩٢.]] وهم لا يعتبرون بما يَرَوْن من ذلك.

* *

وأما قوله: ﴿والله يحكُم لا مُعَقّب لحكمه﴾ ، يقول: والله هو الذي يحكم فيَنْفُذُ حكمُه، ويَقْضي فيَمْضِي قضاؤه، وإذا جاء هؤلاء المشركين بالله من أهل مكة حُكْم الله وقضاؤُه لم يستطيعوا رَدَّهَ. ويعني بقوله: ﴿لا معقّب لحكمه﴾ : لا راد لحكمه،

* *

"والمعقب"، في كلام العرب، هو الذي يكرُّ على الشيء. [[انظر تفسير مادة (عقب) فيما سلف من فهارس اللغة. ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٤.]]

* *

وقوله: ﴿وهو سريع الحساب﴾ ، يقول: والله سريع الحساب يُحْصي أعمال هؤلاء المشركين، لا يخفى عليه شيء، وهو من وراءِ جزائهم عليها. [[انظر تفسير" سريع الحساب" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قد مكر الذين من قَبْل هؤلاء المشركين من قُرَيشٍ من الأمم التي سلفت بأنبياء الله ورُسله ﴿فلله المكر جميعًا﴾ ، يقول: فلله أسبابُ المكر جميعًا، وبيده وإليه، لا يضرُّ مكرُ من مَكَر منهم أحدًا إلا من أراد ضرَّه به، يقول: فلم يضرَّ الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يضرَّه ذلك، وإنما ضرُّوا به أنفسهم لأنهم أسخطوا ربَّهم بذلك على أنفسهم حتى أهلكهم، ونجَّى رُسُلَه: يقول: فكذلك هؤلاء المشركون من قريش يمكرون بك، يا محمد، والله منَجّيك من مكرهم، ومُلْحِقٌ ضُرَّ مكرهم بهم دونك. [[انظر تفسير" المكر" فيما سلف: ٤٦٦، تعليق: ٣،والمراجع هناك.]]

وقوله: ﴿يعلم ما تكسب كلّ نفس﴾ ، يقول: يعلم ربك، يا محمد ما يعمل هؤلاء المشركون من قومك، وما يسعون فيه من المكر بك، ويعلم جميعَ أعمال الخلق كلهم، لا يخفى عليه شيء منها [[انظر تفسير" الكسب" فيما سلف من فهارس اللغة.]] = ﴿وسيعلَم الكفار لمن عقبى الدار﴾ ، يقول: وسيعلمون إذا قَدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار، ويدخلُ المؤمنون بالله ورسوله الجَنَّة. [[انظر تفسير" العقبى" فيما سلف قريبًا: ٤٧٢، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]]

* *

قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة ذلك:

فقرأته قرأة المدينة وبعضُ البَصْرة:"وَسَيَعْلَمُ الكَافِرُ" على التوحيد. [[في المطبوعة:" بعض أهل البصرة"، زاد في الكلام ما يستقيم بإسقاطه وبإثباته.]]

* *

وأما قرأة الكوفة فإنهم قرءوه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الكُفَّار﴾ ، على الجمع.

* *

قال أبو جعفر: والصوابُ من القراءة في ذلك، القراءةُ على الجميع: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾ لأن الخبر جرى قبل ذلك عن جماعتهم، وأتبع بعَده الخبر عنهم، وذلك قوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وبعده قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ . وقد ذُكر أنها في قراءة ابن مسعود:"وَسَيَعْلَمُ الكَافِرُونَ"، وفى قراءة أبيّ:" ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " وذلك كله دليلٌ على صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ويقول الذين كفروا بالله من قومك يا محمد لست مرسلا! تكذيبا منهم لك، وجحودًا لنبوّتك، [[انظر تفسير" الرسالة" فيما سلف من فهارس اللغة.]] فقل لهم إذا قالوا ذلك: ﴿كفى بالله﴾ ، يقول: قل حَسْبي الله [[انظر تفسير" كفى" فيما سلف ٨: ٤٢٩.]] ﴿شهيدًا﴾ ، يعني شاهدًا [[انظر تفسير" الشهيد" فيما سلف من فهارس اللغة.]] = ﴿بيني وبينكم﴾ ، عليّ وعليكم، بصدقي وكذبكم= ﴿ومن عنده علمُ الكتاب﴾

* *

فـ"مَنْ" إذا قرئ كذلك في موضع خفضٍ عطفًا به على اسم الله، وكذلك قرأته قرَأَة الأمصار [[في المطبوعة:" قرأ به قراء الأمصار"، أساء القراءة.]] بمعنى: والذين عندهم علم الكتاب أي الكتب التي نزلت قبلَ القرآن كالتوراة والإنجيل. وعلى هذه القراءة فسَّر ذلك المفسِّرون.

ذكر الرواية بذلك:

٢٠٥٣٥- حدثني علي بن سعيد الكنْدي قال: حدثنا أبو مُحيَّاة يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال: قال عبد الله بن سَلام: نزلت فيَّ: ﴿كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ . [[الأثر: ٢٠٥٣٥ -" علي بن سعيد بن مسروق الكندي"، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ١١٨٤، ٢٧٨٤، ١١٢٣٣، ومواضع أخرى كثيرة.

و" يحيى بن يعلي بن حرملة التيمي"،" وأبو محياة"، ثقة، مضى برقم: ١٤٤٦٢. وفي المطبوعة:" أبو المحياة".

و" عبد الملك بن عمير بن سويد بن حارثة القرشي"، أو" اللخمي"، روى له الجماعة سلف برقم: ٤١٠٨، ١٢٥٧٣، ١٨٦٧٨. ويزاد في ترجمته: الكبير للبخاري ٣ / ١ / ٤٢٦.

و" ابن أخي عبد الله بن سلام"، لا يعرف اسمه، ترجم له ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٣٢٥ وقال:" روى عن عبد الله بن سلام، روى عنه عبد الملك بن عمير، سمعت أبي يقول ذلك". أشار إلى هذا الخبر فيما أرجح.

و" عبد الله بن سلام"، هو الصحابي الجليل، كان أعلم بني إسرائيل، فأسلم. ثم انظر الخبر التالي.]]

٢٠٥٣٦- حدثنا الحسين بن علي الصُّدائي قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال، حدثنا شعيب بن صفوان قال: حدثنا عبد الملك بن عمير، أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: قال عبد الله بن سلام: أنزل فيّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ . [[الأثر: ٢٠٥٣٦ -" الحسين بن علي بن يزيد الصدائي"، شيخ الطبري، ثقة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١١٤٥٨، وانظر رقم: ٥٤٣٧.

و" أبو داود الطيالسي"، الإمام الحافظ، مضى مرارًا.

و" شعيب بن صفوان بن الربيع بن الركين"،" أبو يحيي الثقفي"، متكلم فيه، مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٢٢٤، ولم يذكر فيه جرحًا، وأشار إلى هذا الخبر، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٤٨، وميزان الاعتدال ١: ٤٤٨، وتاريخ بغداد ٩: ٢٣٨.

و" محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام"، روى عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، وابن الزبير، ذكره ابن حبان في الثقات، وروايته عن جده أشار إليها البخاري في ترجمته، وفي ترجمة" شعيب بن صفوان". مترجم في التهذيب والكبير ١ / ١ / ٢٦٢، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١١٨.

وهذا الخبر أخرجه السيوطي في الدر المنثور: ٤: ٦٩، وزاد نسبته إلى ابن مردويه.]]

٢٠٥٣٧- حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ ، فالذين عندهم علم الكتاب: هم أهل الكتاب من اليهود والنَّصارَى.

٢٠٥٣٨- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ قال: هو عبد الله بن سلام. [[الأثر: ٢٠٥٣٨ -" الأشجعي"، هو" عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي"، مضى برقم: ٨٦٢٢، ١٠٢٥٨.]]

٢٠٥٣٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ قال: رجل من الإنس، ولم يُسمّه.

٢٠٥٤٠- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ ، هو عبد الله بن سلام.

٢٠٥٤١- ... قال: حدثنا يحيى بن عباد قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ . [[الأثر: ٢٠٥٤١ - وضعت النقط لأن الأثر ناقص في المطبوعة والمخطوطة، وانا أرجح أنه هو الخبر الذي أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٩، ونسبه إلى ابن جرير، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن مجاهد، ونصه:

" عن مجاهد أنه كان يقرأ:" ومن عنده علم الكتاب"، قال: هو عبد الله بن سلام".]]

٢٠٥٤٢- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ ، قال: قول مشركي قريش: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ، أناس من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحقّ ويقرُّون به، ويعلمون أن محمدًا رسول الله، كما يُحدَّث أن منهم عبد الله بن سَلام.

٢٠٥٤٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن قتادة: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ قال: كان منهم عبدُ الله بن سَلام، وسَلْمَان الفارسي، وتميمٌ الدَّاريّ.

٢٠٥٤٤- حدثنا الحسن قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ قال هو عبد الله بن سَلام.

* *

وقد ذُكر عن جماعة من المتقدِّمين أنهم كانوا يقرأونَه:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، بمعنى: مِنْ عِند الله عُلِمَ الكتاب. [[ضبطت في المخطوطة:" عُلِمَ"، بالبناء للمفعول، في الموضعين، وهذه القراءة الأولى، نسبها أبو حيان في تفسيره ٥: ٤٠٢، إلى علي بن أبي طالب، وابن السميفع، والحسن، كما سيأتي في رقم: ٢٠٥٤٧، ٢٠٥٥٣. وقراءة ثانية، ذكرها أبو حيان أيضًا، قرأت بها جماعة كثيرة من القرأة، منهم ابن عباس، بجعل" من" حرف جر أيضا: ﴿وَمِنْ عَنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ﴾ . والقراءة الثالثة، ولم ينسبها: ﴿وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِّمَ الكِتَابُ﴾ بتشديد اللام، والبناء للمفعول.

ولكني لم أجد هذه القراءة الأولى منسوبة إلى ابن عباس، ولكن الخبر التالي رقم: ٢٠٥٤٥، دال على أنه قرأها كذلك، لأن حديث أبي جعفر، قاطع بأنه أراد هذه القراءة ببناء" علم" للمفعول، كما يتبين ذلك من الأثر: ٢٠٥٥٣، وتعقيبه عليه. وانظر التعليق التالي.]]

ذكر من ذكر ذلك عنه:

٢٠٥٤٥- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن هارون، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، يقول: مِنْ عند الله عُلِمَ الكتاب. [[الأثر: ٢٠٥٤٥ -" جعفر بن أبي وحشية"، هو" جعفر بن إياس، وهو أبو وحشية اليشكري"، روى له الجماعة، مضى برقم: ٥٤٠٥، ٥٤٦١، ٦٢٠٢. وكان في المخطوطة وحدها" جعفر عن أبي وحشية"، وهو خطأ.

وضبطت" عُلِمَ" في الموضعين في هذا الخبر أيضًا، في المخطوطة، وكذلك في الآثار التالية إلى رقم: ٢٠٥٤٧، و" الكِتابُ"، بضمه على الباء أيضًا فيها.]]

٢٠٥٤٦- حدثني محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: من عند الله.

٢٠٥٤٧- ... قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: من عند الله عُلِمَ الكتاب= وقد حدثنا هذا الحديثَ الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: هو الله= هكذا قرأ الحسن:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ".

٢٠٥٤٨- ... قال: حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، مثله.

٢٠٥٤٩- قال: حدثنا علي= يعني ابن الجعد= قال: حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: الله قال شعبة: فذكرت ذلك للحكم، فقال: قال مجاهد، مثله. [[الأثر: ٢٠٥٤٩ -" الحسن بن محمد"، هو الزعفراني، سلف قريبًا.

و" علي بن الجعد بن عبيد الجوهري"،" أبو الحسن البغدادي"، ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٣ / ٢ / ٢٦٦، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ١٧٨، وانظر ما سيأتي رقم: ٢٠٨٦٣.]]

٢٠٥٥٠- حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت منصور بن زاذان يحدث عن الحسن، أنه قال في هذه الآية:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، قال: من عند الله.

٢٠٥٥١- ... قال: حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا هوذة قال: حدثنا عوف، عن الحسن:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، قال: مِنْ عند الله عُلِم الكتاب.

٢٠٥٥٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" قال: من عند الله عِلْمُ الكِتَابِ [[ضبطت" علم" بكسر فسكون، لأني أرجح أن الطبري من أجل ذلك قال:" هكذا قال ابن عبد الأعلى". وهذا أمر يعتمد في الحقيقة على السماع، وأين اليوم السماع؟ أو على الضبط، والمخطوطة غير مضبوطة، فأرجو أن أكون قد أصبت وجه الخبر. وانظر الخبر التالي وضبطه.]] = هكذا قال ابن عبد الأعلى.

٢٠٥٥٣- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقرؤها:"قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، يقول: مِنْ عِنْد الله عُلِمَ الكتابُ وجملته= قال أبو جعفر: هكذا حدثنا به بشر:"عُلِمَ الكتابُ" وأنا أحسِبَه وَهِم فيه، وأنه:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، [[" علم" بكسر فسكون فضم.]] لأن قوله"وجملته"، اسم لا يُعْطف باسم على فعل ماضٍ.

٢٠٥٥٤- حدثنا الحسن قال: حدثنا عبد الوهاب، عن هارون:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، يقول: مِنْ عند الله عُلِم الكتاب.

٢٠٥٥٥- حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج بن المنهال قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر قال: قلت لسعيد بن جبير:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" أهو عبد الله بن سَلام؟ قال: هذه السورة مكية، فكيف يكون عبد الله بن سلام! قال: وكان يقرؤها:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ" يقول: مِنْ عند الله. [[ضبطت" علم" بالبناء للمفعول في المخطوطة.]]

٢٠٥٥٦- حدثنا الحسن قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر قال: سألت سعيد بن جبير، عن قول الله ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ أهو عبد الله بن سلام؟ قال: فكيف وهذه السورة مكية؟ وكان سعيد يقرؤها:"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ".

٢٠٥٥٧- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني عباد، عن عوف، عن الحسن= وجُوَيبر، عن الضحاك بن مزاحم =قالا"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، [[ضبطت" علم". بالبناء للمفعول في المخطوطة.]] قال: من عند الله.

* *

قال أبو جعفر: وقد رُوي عن رسول الله ﷺ خبرٌ بتصحيح هذه القراءة وهذا التأويل، غير أنّ في إسناده نظرًا، وذلك ما:-

٢٠٥٥٨- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني عباد بن العوّام، عن هارون الأعور، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قرأ"وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ"، عند الله عُلِم الكتاب. [[الأثر: ٢٠٥٥٨ -" عباد بن العوام الواسطي"، ثقة، من شيوخ أحمد، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٥٦٦٩.

و" هارون الأعور"، هو" هارون بن موسى العتكي"، ثقة، وهو صاحب القراءات، وله قراءة معروفة، وقد سلف مرارًا، آخرها: ١٧٧٦٠، وانظر ما سلف ٦: ٥٤٨، تعليق: ٣.

وهذا إسناد منقطع، لأن هارون الأعور، لم يسمع من الزهري، وقد خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٥٥، وقال:" رواه أبو يعلى، وفيه سليمان بن أرقم، وهو متروك"، وكذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور ٤: ٦٩، وقال: وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن مردويه، وابن عدي، بسند ضعيف، عن ابن عمر".

و" سليمان بن أرقم"،" أبو معاذ البصري"، يروي عن الزهري، وهو متروك الحديث، قال ابن معين:" ليس بشيء، ليس يسوى فلسًا"، وقال ابن حبان:" كان ممن يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات الموضوعات". وكأن رواية هارون الأعور، هي عن سليمان بن أرقم، فأسقطه. وقد سلفت ترجمة" سليمان بن أرقم" رقم: ٤٩٢٣، ١٤٤٤٦.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ ليس له أصلٌ عند الثِّقات من أصحاب الزهريّ.

فإذْ كان ذلك كذلك وكانت قرأء الأمصار من أهل الحجاز والشأم والعراق على القراءة الأخرى، وهي: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ ، كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب ممّا خالفه، [[في المطبوعة:" ممن خالفه"، غير ما في المخطوطة بلا تدبر.]] إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحقَّ بالصواب.

"آخر تفسير سورة الرعد" [[بعد هذا في المخطوطة:

" والحمدُ لله حمدًا كثيرًا كما هو أهلُه.

وصلى الله على محمدٍ المصطفى، وآله

أهل الصدقِ والوفَا، وسلَّم كثيرًا.

يتلوهُ إن شاءَ الله تعالى: تفسير سُورةِ إبرَاهِيم.".]]

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com