John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-Maaida

Tafsir al-Tabari · The Table · 120 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

القول في تأويل قوله عز ذكره ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا"، يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية، وسلموا له الألوهة [[في المطبوعة: "الألوهية"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وصدَّقوا رسوله محمدًا ﷺ في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه ="أوفوا بالعقود"، يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها. [[انظر تفسير"أوفى" فيما سلف ١: ٥٥٧/٣: ٣٤٨/٦: ٥٢٦.]]

* *

واختلف أهل التأويل في"العقود" التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية، بعد إجماع جميعهم على أن معنى"العقود"، العهود.

فقال بعضهم: هي العقود التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضًا على النُّصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءًا، وذلك هو معنى"الحلف" الذي كانوا يتعاقدونه بينهم.

ذكر من قال: معنى"العقود"، العهود.

١٠٨٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله:"أوفوا بالعقود"، يعني: بالعهود.

١٠٨٩٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعز:"أوفوا بالعقود"، قال: العهود.

١٠٨٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٠٨٩٦- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، مثله. [[الأثر: ١٠٨٩٦- في المخطوطة: "حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن أبي سفيان، عن رجل ... " وهو خطأ وسهو، وهو إسناد دائر في التفسير: سفيان بن وكيع، عن أبيه وكيع، عن سفيان الثوري.]]

١٠٨٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرّف بن الشخِّير وعنده رجل يحدثهم، فقال:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، قال: هي العهود. [[الأثر: ١٠٨٩٧-"عبيد الله"، هو"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي""باذام"، مضت ترجمته برقم: ٢٠٩٢، ٢٢١٩، ٥٧٩٦، ٧٧٥٨. وكان في المطبوعة هنا: "عبيد الله عن ابن أبي جعفر الرازي"، وهو خطأ سيأتي على الصواب في الأسانيد التالية رقم: ١٠٩٣٥، ١٠٩٥٧، ١٠٩٦٣.]]

١٠٨٩٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"أوفوا بالعقود"، قال: العهود.

١٠٨٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، قال: هي العهود.

١٠٩٠٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول:"أوفوا بالعقود"، بالعهود.

١٠٩٠١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله:"أوفوا بالعقود"، قال: بالعهود.

١٠٩٠٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أوفوا بالعقود"، قال: هي العهود.

١٠٩٠٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، سمعت الثوري يقول:"أوفوا بالعقود"، قال: بالعهود.

١٠٩٠٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

* *

قال أبو جعفر: و"العقود" جمع"عَقْدٍ"، وأصل"العقد"، عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا. يقال منه:"عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده"، ومنه قول الحطيئة:

قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ ... شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا [[ديوانه: ٦، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٤٥، اللسان (كرب) (عنج) ، من قصيدته التي قالها في الزبرقان بن بدر، وبغيض بن عامر من بني أنف الناقة، فمدح بغيضًا وقومه فقال: قَوْمٌ هُمُ الأَنْفُ، وَالأَذْنَابُ غَيْرهُمُ، ... وَمَنْ يُسَوِّي بِأَنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبَا!

قَوْمٌ يَبِيتُ قَرِيرَ العَيْنِ جَارُهُمُ ... إذَا لَوَى بقُوَى أَطْنَابِهِمْ طُنُبَا

قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا........ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هذا مثل ضربه يقول: إذا عقدوا للجار عقدًا وذمامًا، أحكموا على أنفسهم العقد، حتى يكون أقر عينًا بنصرتهم له، وحمايتهم لعرضه وماله. وضرب المثل بالدلو، التي يستقي بها وينتفع. و"العناج": خيط يشد في أسفل الدلو، ثم يشد في عروتها، أو في أحد آذانها، فإذا انقطع حبل الدلو، أمسك العناج الدلو أن تقع في البئر. و"الكرب" الحبل الذي يشد على الدلو بعد"المنين" وهو الحبل الأول، فإذا انقطع المنين بقي الكرب. فهذا هو المثل، استوثقوا له بالعهد، كما استوثقوا لدلوه بالحبل بعد الحبل حتى تكون بمأمن من القطع.]] وذلك إذا وَاثقه على أمر وعاهده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقده عليه، من أمان وذِمَّة، أو نصرة، أو نكاح، أو بيع، أو شركة، أو غير ذلك من العقود.

* *

ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله:"أوفوا بالعقود".

١٠٩٠٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، أي: بعقد الجاهلية. ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية، ولا تحدثوا عقدًا في الإسلام. وذكر لنا أن فرات بن حيَّان العِجلي، سأل رسول الله ﷺ عن حلف الجاهلية، فقال نبي الله ﷺ: لعلك تسأل عن حِلْف لخْمٍ وتَيْم الله؟ فقال: نعم، يا نبي الله! قال: لا يزيده الإسلام إلا شدة.

١٠٩٠٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن قتادة:"أوفوا بالعقود"، قال: عقود الجاهلية: الحلف.

* *

وقال آخرون: بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته، فيما أحل لهم وحرم عليهم.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٠٧- حدثني المثنى قال، أخبرنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"أوفوا بالعقود"، يعني: ما أحل وما حرّم، وما فرض، وما حدَّ في القرآن كله، فلا تغدِروا ولا تنكُثوا. ثم شدَّد ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [سورة الرعد: ٣٥] .

١٠٩٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"أوفوا بالعقود"، ما عقد الله على العباد مما أحل لهم وحرَّم عليهم.

* *

وقال آخرون: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها المرء على نفسه.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٠٩- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: العقود خمس: عُقدة الأيمان، وعُقدة النكاح، وعقدة العَهد، وعقدة البيع، وعقدة الحِلْف.

١٠٩١٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي = أو عن أخيه عبد الله بن عبيدة، نحوه.

١٠٩١١- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، قال: عقد العهد، وعقد اليمين وعَقد الحِلْف، وعقد الشركة، وعقد النكاح. قال: هذه العقود، خمس.

١٠٩١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي قال، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال، حدثنا أبي في قول الله جل وعز:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، قال: العقود خمس: عقدة النكاح، وعقدة الشركة، وعقد اليمين، وعقدة العهد، وعقدة الحلف. [[الأثر ١٠٩١٢-"عتبة بن سعيد الحمصي" مضى برقم: ٨٩٦٦.]]

* *

وقال آخرون: بل هذه الآية أمرٌ من الله تعالى لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم، من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد ﷺ وما جاءهم به من عند الله.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩١٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"أوفوا بالعقود"، قال: العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب: أن يعملوا بما جاءهم.

١٠٩١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال، قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نَجْران [[في المطبوعة: "بعثه إلى نجران"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه:"هذا بيان من الله ورسوله:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، فكتب الآيات منها حتى بلغ"إن الله سريع الحساب". [[الأثر: ١٠٩١٤- روى كتاب رسول الله ﷺ، أبو جعفر في التاريخ ٣: ١٥٧، وهو في سيرة ابن هشام ٤: ٢٤١، وفتوح البلدان للبلاذري: ٧٧، وغيرها.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما قاله ابن عباس، وأن معناه: أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم، وألزمكم فرضه، وبيَّن لكم حدوده.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه. فكان معلومًا بذلك أن قوله:"أوفوا بالعقود"، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه، مع أن قوله:"أوفوا بالعقود"، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه، فغير جائز أن يخصَّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذْ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمرَ الله بالوفاء بها دون بعض.

* *

وأما قوله:"أوفوا" فإن للعرب فيه لغتين:

إحداهما:"أوفوا"، من قول القائل:"أوفيت لفلان بعهده، أوفي له به".

والأخرى من قولهم:"وفيت له بعهده أفي". [[انظر تفسير"أوفى" فيما سلف ١: ٥٥٧-٥٥٩/٣: ٣٤٨/٦: ٥٢٦.]]

و"الإيفاء بالعهد"، إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في"بهيمة الأنعام" التي ذكر الله عز ذكره في هذه الآية أنه أحلها لنا.

فقال بعضهم: هي الأنعام كلها.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩١٥- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن الحسن قال: بهيمة الأنعام، هي الإبل والبقر والغنم.

١٠٩١٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، قال: الأنعام كلها.

١٠٩١٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا ابن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، قال: الأنعام كلها.

١٠٩١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، قال: الأنعام كلها. [[سقط من الترقيم، رقم: ١٠٩١٩.]]

١٠٩٢٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"بهيمة الأنعام"، هي الأنعام.

* *

وقال آخرون: بل عنى بقوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها -إذا نحرت أو ذبحت- ميتةً.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٢١- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري، عن عطية العوفي، عن ابن عمر في قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام". قال: ما في بطونها. قال قلت: إن خرج ميتًا أكله؟ قال: نعم.

١٠٩٢٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يحيى بن زكريا، عن إدريس الأودي، عن عطية، عن ابن عمر نحوه = وزاد فيه قال: نعم، هو بمنزلة رئتها وكبدها.

١٠٩٢٣- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الجنين من بهيمة الأنعام، فكلوه.

١٠٩٢٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مسعر = وسفيان، عن قابوس = عن أبيه، عن ابن عباس: أن بقرة نحرت فوُجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنَب الجنين فقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أحلّت لكم.

١٠٩٢٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: هو من بهيمة الأنعام.

١٠٩٢٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن قابوس، عن أبيه قال: ذبحنا بقرة، فإذا في بطنها جنين، فسألنا ابن عباس فقال: هذه بهيمة الأنعام.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال: عنى بقوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، الأنعام كلها: أجنَّتها وسِخَالها وكبارها. [["السخال" جمع"سخلة" (بفتح فسكون) : وهي ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرًا كان أو أنثى.]] لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك"بهيمة وبهائم"، ولم يخصص الله منها شيئًا دون شيء. فذلك على عمومه وظاهره، حتى تأتى حجة بخصوصه يجب التسليم لها.

* *

وأما"النعم" فإنها عند العرب، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ، [سورة النحل: ٥] ، ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [سورة النحل: ٨] ، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان. [[انظر تفسير"الأنعام" فيما سلف ٦: ٢٥٤.]]

وأما"بهائمها"، فإنها أولادها. وإنما قلنا يلزم الكبار منها اسم"بهيمة"، كما يلزم الصغار، لأن معنى قول القائل:"بهيمة الأنعام"، نظير قوله:"ولد الأنعام". فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر.

* *

وقد قال قوم:"بهيمة الأنعام"، وحشيُّها، كالظباء وبقر الوحش والحُمُر. [[هي مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٩٨.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي عناه الله بقوله:"إلا ما يتلى عليكم". فقال بعضهم: عنى الله بذلك: أحلت لكم أولاد الإبل والبقر والغنم، إلا ما بيَّن الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ، الآية [سورة المائدة: ٣] .

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٢٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم"، إلا الميتة وما ذكر معها.

١٠٩٢٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم"، أي: من الميتة التي نهى الله عنها، وقدَّم فيها.

١٠٩٢٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"إلا ما يتلى عليكم"، قال: إلا الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.

١٠٩٣٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إلا ما يتلى عليكم"، الميتة والدم ولحم الخنزير.

١٠٩٣١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم"، الميتة ولحم الخنزير.

١٠٩٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم"، هي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به.

* *

وقال آخرون: بل الذي استثنى الله بقوله:"إلا ما يتلى عليكم"، الخنزير.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٣٣- حدثني عبد الله بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"إلا ما يتلى عليكم"، قال: الخنزير.

١٠٩٣٤- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"إلا ما يتلى عليكم"، يعني: الخنزير.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من قال:"عنى بذلك: إلا ما يتلى عليكم من تحريم الله ما حرّم عليكم بقوله:"حرمت عليكم الميتة"، الآية. لأن الله عز وجل استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام، ما حرَّم عليهم منها. والذي حرّم عليهم منها، ما بيّنه في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ﴾ [سورة المائدة: ٣] . وإن كان حرَّمه الله علينا، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها. فاستثناء ما حرَّم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء، أشبهُ من استثناء ما حرَّم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" ="غير محلي الصيد وأنتم حرم" ="أحلت لكم بهيمة الأنعام" فذلك، على قولهم، من المؤخر الذي معناه التقديم. فـ"غير" منصوب = على قول قائلي هذه المقالة = على الحال مما في قوله:"أوفوا" من ذكر"الذين آمنوا".

وتأويل الكلام على مذهبهم: أوفوا، أيها المؤمنون، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه، لا محلّين الصيد وأنتم حرم.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر ="غير محلي الصيد"، غير مستحلِّي اصطيادها، وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم". فـ"غير"، على قول هؤلاء، منصوب على الحال من"الكاف والميم" اللتين في قوله:"لكم"، بتأويل: أحلت لكم، أيها الذين آمنوا، بهيمة الأنعام، لا مستحلِّي اصطيادها في حال إحرامكم. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٩٨.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها ="إلا ما يتلى عليكم"، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيد، فلا يحل لكم وأنتم حرم. فكأن من قال ذلك، وجَّه الكلام إلى معنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها ="إلا ما يتلى عليكم"، إلا ما يبين لكم من وحشيها، غيرَ مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم. فتكون"غير" منصوبة، على قولهم، على الحال من"الكاف والميم" في قوله:"إلا ما يتلى عليكم".

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٣٥- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشخير، وعنده رجل، فحدّثهم فقال:"أحلت لكم بهيمة الأنعام" صيدًا ="غير محلي الصيد وأنتم حرم"، فهو عليكم حرام. يعني: بقر الوحش والظباءَ وأشباهه. [[انظر الإسناد السالف رقم: ١٠٨٩٧، وكان هناك عن"ابن أبي جعفر الرازي"، وهذا هو الإسناد الصحيح، صححت ذلك عليه. وسيأتي برقم: ١٠٩٥٧، ١٠٩٦٣.]]

١٠٩٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم"، قال: الأنعام كلها حِلٌّ، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيد، فلا يحل إذا كان مُحْرِمًا.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب = على ما تظاهر به تأويل أهل التأويل في قوله:"أحلت لكم بهيمة الأنعام"، من أنها الأنعام وأجنَّتها وسخالها، وعلى دلالة ظاهر التنزيل = قولُ من قال: معنى ذلك: أوفوا بالعقود، غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم، فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم، إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم، وما أهل لغير الله به.

وذلك أن قوله:"إلا ما يتلى عليكم"، لو كان معناه:"إلا الصيد"، لقيل:"إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه". وفي ترك الله وَصْلَ قوله:"إلا ما يتلى عليكم" بما ذكرت، وإظهار ذكر الصيد في قوله:"غير محلي الصيد"، أوضحُ الدليل على أن قوله:"إلا ما يتلى عليكم"، خَبَرٌ متناهية قصته، وأن معنى قوله:"غير محلي الصيد"، منفصل منه.

وكذلك لو كان قوله: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ ، مقصودًا به قصد الوحش، لم يكن أيضًا لإعادة ذكر الصيد في قوله:"غير محلي الصيد" وَجْهٌ، وقد مضى ذكره قبل، ولقيل:"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلِّيه وأنتم حرم". وفي إظهاره ذكر الصيد في قوله:"غير محلي الصيد"، أبينُ الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك.

* *

فإن قال قائل: فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه؟ قيل: ذلك من فعلها ضرورة شعر، وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم. وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته، أولى = ما وُجد إلى ذلك سبيل = من صرفه إلى غير ذلك.

* *

قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرّم وأحلّ، لا محلين الصيد في حرمكم، ففيما أحلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكَّاة دون ميتتها، متَّسع لكم ومستغنًى عن الصيد في حال إحرامكم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله يقضي في خلقه ما يشاء [[انظر تفسير"حكم" فيما سلف: ص ٣٢٤: تعليق: ٣.]] من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه = فأوفوا، أيها المؤمنون، له بما عقدَ عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرّم عليكم، وغير ذلك من عقوده، فلا تنكثوها ولا تنقضوها. كما:-

١٠٩٣٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إن الله يحكم ما يريد"، إن الله يحكم ما أراد في خلقه، وبيّن لعباده، وفرض فرائضه، وحدَّ حدوده، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قول الله:"لا تحلوا شعائر الله".

فقال بعضهم معناه: لا تحلوا حُرُمات الله، ولا تتعدَّوا حدوده = كأنهم وجهوا"الشعائر" إلى المعالم، وتأولوا"لا تحلوا شعائر الله"، معالم حدود الله، وأمرَه ونهيَه وفرائضَه.

[ذكر من قال ذلك] : [[ما بين القوسين زيادة ليست في المخطوطة ولا المطبوعة، وأثبتها على نهج أبي جعفر في تفسيره.]]

١٠٩٣٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، حدثنا حبيب المعلم، عن عطاء: أنه سئل عن"شعائر الله" فقال: حُرُمات الله، اجتناب سَخَطِ الله، واتباع طاعته، فذلك"شعائر الله".

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: [[في المطبوعة والمخطوطة: "معنى قوله"، وهو لا يستقيم، وما أثبت أشبه بالصواب.]] لا تحلوا حَرَم الله = فكأنهم وجهوا معنى قوله:"شعائر الله"، أي: معالم حرم الله من البلاد.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٣٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله"، قال: أما"شعائر الله"، فحرَم الله.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلّوا مناسك الحج فتضيعوها = وكأنهم وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم حدود الله التي حدَّها لكم في حجِّكم.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٤٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس قوله:"لا تحلوا شعائر الله"، قال: مناسك الحج.

١٠٩٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله"، قال: كان المشركون يحجّون البيت الحرام، ويهدُون الهدايا، ويعظِّمون حرمة المشاعر، ويتَّجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يُغَيِّروا عليهم، فقال الله عز وجل:"لا تحلوا شعائر الله".

١٠٩٤٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"شعائر الله"، الصفا والمروة، والهَدْي، والبُدْن، كل هذا من"شعائر الله".

١٠٩٤٣- حدثني المثنى قال، حدثني أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلوا ما حرَّم الله عليكم في حال إحرامكم.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٤٤- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"لا تحلوا شعائر الله"، قال:"شعائر الله"، ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرِم.

* *

= وكأن الذين قالوا هذه المقالة، وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم حدود الله التي حرّمها عليكم في إحرامكم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بقوله:"لا تحلوا شعائر الله"، قول عطاء الذي ذكرناه [[هو الأثر السالف رقم: ١٠٩٣٨.]] من توجيهه معنى ذلك إلى: لا تحلوا حرمات الله ولا تضيعوا فرائضه.

* *

لأن"الشعائر" جمع"شعيرة"،"والشعيرة""فعيلة" من قول القائل:"قد شعر فلان بهذا الأمر"، إذا علم به. فـ"الشعائر"، المعالم، من ذلك. [[انظر تفسير"شعائر الله" فيما سلف ٣: ٢٢٦-٢٢٨.]]

* *

وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام: لا تستحلوا، أيها الذين آمنوا، معالم الله = فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج: من تحريم ما حرَّم الله إصابته فيها على المحرم، وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها، وفيما حرَّم من استحلال حُرمات حَرَمه، وغير ذلك من حدوده وفرائضه، وحلاله وحرامه، لأن كل ذلك من معالمه وشعائره التي جعلها أماراتٍ بين الحق والباطل، يُعْلَم بها حلالُه وحرامه، وأمره ونهيه.

وإنما قلنا ذلك القول أولى بتأويل قوله تعالى:"لا تحلوا شعائر الله"، لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده وإحلالها نهيًا عامًّا، من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء، فلم يَجُز لأحد أن يوجِّه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة بذلك كذلك.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ولا الشهر الحرام"، ولا تستحلوا الشهر الحرام بقتالكم فيه أعداءَكم من المشركين [[في المطبوعة: "بقتالكم به"، والصواب من المخطوطة.]] وهو كقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧] .

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباس وغيره.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ولا الشهر الحرام"، يعني: لا تستحلوا قتالا فيه.

١٠٩٤٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت.

* *

وأما"الشهر الحرام" الذي عناه الله بقوله:"ولا الشهر الحرام"، فرجب مُضَر، وهو شهر كانت مضر تحرِّم فيه القتال.

* *

وقد قيل: هو في هذا الموضع"ذو القعدة".

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: هو ذو القعدة.

* *

وقد بينا الدلالة على صحة ما قلنا في ذلك فيما مضى، وذلك في تأويل قوله:"يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه". [[انظر ما سلف في"الشهر الحرام" ٤: ٢٢٩، ٣٠٠، وما بعدها، وهو الموضع الذي ذكره، ثم قبله ٣: ٥٧٥-٥٧٩. وتفسير"الشهر" فيما سلف ٣: ٤٤٠.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾

قال أبو جعفر:"أما الهدي"، فهو ما أهداه المرء من بعيرٍ أو بقرة أو شاة أو غير ذلك، إلى بيت الله، تقرُّبا به إلى الله، وطلبَ ثوابه. [[انظر تفسير"الهدي" فيما سلف ٤: ٢٤، ٢٥.]]

* *

يقول الله عز وجل: فلا تستحلوا ذلك، فتغصبوه أهله غَلَبةً [[في المطبوعة: "فتغصبوا أهله عليه"، وفي المخطوطة كما كتبتها، إلا أن كتب"عليه" بالياء، ووضع فتحة على العين، وفتحة على اللام، وظاهر أن"الياء" إنما هي"باء"، وأن الناسخ لما رآها مضبوطة في النسخة الأم نقل الشكل، ووضع الإعجام من عند نفسه. هذا وصواب الكلام يقتضي أيضًا ما أثبت.]] ولا تحولوا بينهم وبين ما أهدوا من ذلك أن يبلُغوا به المحِلَّ الذي جعله الله جل وعزّ مَحِلَّه من كعبته.

وقد روي عن ابن عباس أن"الهدي" إنما يكون هديًا ما لم يُقَلَّد.

١٠٩٤٨- حدثني بذلك محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولا الهدي"، قال: الهدي ما لم يقلَّد، وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلِّده.

* *

وأما قوله:"ولا القلائد"، فإنه يعني: ولا تحلوا أيضًا القلائد.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في"القلائد" التي نهى الله عز وجل عن إحلالها.

فقال بعضهم: عنى بـ "القلائد"، قلائدَ الهدي. وقالوا: إنما أراد الله جل وعز بقوله:"ولا الهدي ولا القلائد"، ولا تحلوا الهدايا المقلَّدات منها وغير المقلَّدات. فقوله:"ولا الهدي"، ما لم يقلّد من الهدايا ="ولا القلائد"، المقلّد منها. قالوا: ودلّ بقوله:"ولا القلائد"، على معنى ما أراد من النهي عن استحلال الهدايا المقلّدة.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٤٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولا القلائد"، القلائد، مقلَّدات الهدي. وإذا قلَّد الرجل هديه فقد أحرم. فإن فعل ذلك وعليه قميصه، فليخلَعْه.

* *

وقال آخرون: يعني بذلك: القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة، من لِحَاء السَّمُر [["لحاء الشجرة" (بكسر اللام) : قشرها. و"السمر" (بفتح السين وضم الميم) : ضرب من الشجر، صغار الورق، قصار الشوك، وله برمة صفراء يأكلها الناس، وليس في العضاء شيء أجود خشبًا منه. ينقل إلى القرى، فتغمى به البيوت.]] = وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها، من الشَّعَر.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٥٠- حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام"، قال: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلَّد من السَّمُر، فلم يعرض له أحد. فإذا رجع تقلَّد قِلادة شَعَر، فلم يعرض له أحد.

* *

وقال آخرون: بل كان الرجل منهم يتقلّد = إذا أراد الخروج من الحرم، أو خرج = من لحاء شجر الحرم، فيأمن بذلك من سائر قبائل العرب أن يعرضوا له بسوء.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٥١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مالك بن مغول، عن عطاء:"ولا القلائد"، قال: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، يأمنون بذلك إذا خرجوا من الحرم، فنزلت:"لا تحلوا شعائر الله"، الآية،"ولا الهدي ولا القلائد".

١٠٩٥٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا القلائد"، قال:"القلائد"، اللحاء في رقاب الناس والبهائم، أمْنٌ لهم.

١٠٩٥٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٠٩٥٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قوله:"ولا الهدي ولا القلائد"، قال: إن العرب كانوا يتقلدون من لحاء شجر مكة، فيقيم الرجل بمكانه، حتى إذا انقضت الأشهر الحرم، فأراد أن يرجع إلى أهله، قلَّد نفسه وناقته من لحاء الشجر، فيأمن حتى يأتي أهله.

١٠٩٥٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "ولا القلائد"، قال:"القلائد"، كان الرجل يأخذ لحاء شجرة من شجر الحرم، فيتقلدها، ثم يذهب حيث شاء، فيأمن بذلك. فذلك"القلائد".

* *

وقال آخرون: إنما نهى الله المؤمنين بقوله:"ولا القلائد"، أن ينزعوا شيئًا من شجر الحرم فيتقلّدوه، كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٥٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء في قوله:"ولا الهدي ولا القلائد"، كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لحاء السَّمُر، فيتقلدونها، فيأمنون بها من الناس. فنهى الله أن ينزع شجرها فَيُتَقَلَّد.

١٠٩٥٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مُطرِّف بن الشخير، وعنده رجل فحدّثهم في قوله:"ولا القلائد"، قال: كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لِحاء السمر، فيتقلدون، فيأمنون بها في الناس. فنهى الله عز ذكره أن يُنزع شجرها فيتقلَّد.

* *

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل قوله:"ولا القلائد" = إذ كانت معطوفة على أول الكلام، ولم يكن في الكلام ما يدلّ على انقطاعها عن أوله، ولا أنه عنى بها النهي عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شيء = أن يكون معناه: ولا تُحِلّوا القلائد.

فإذا كان ذلك بتأويله أولى، فمعلوم أنه نَهْيٌ من الله جل ذكره عن استحلال حرمة المقلَّد، هديًا كان ذلك أو إنسانًا، دون حرمة القلادة. وإن الله عز ذكره، إنما دلّ بتحريمه حرمة القلادة، على ما ذكرنا من حرمة المقلَّد، فاجتزأ بذكره "القلائد" من ذكر"المقلد"، إذ كان مفهومًا عند المخاطبين بذلك معنى ما أريد به.

* *

فمعنى الآية = إذ كان الأمر على ما وصفنا =: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله، ولا الشهر الحرام، ولا الهدي، ولا المقلِّد نفسَه بقلائد الحرم. [[في المطبوعة: "ولا المقلد بقسميه"، وهو لا معنى له، والصواب ما في المخطوطة. يعني: الذي يقلد نفسه قلادة من شجر أو شعر، ليأمن، كما ذكر آنفًا، وانظر الفقرة التالية.]]

* *

وقد ذكر بعض الشعراء في شعره ما ذكرنا عمن تأوَّل"القلائد" أنها قلائد لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلَّدونه، فقال وهو يعيب رجلين قتلا رجلين كانا تقلَّدا ذلك: [[القائل هو حذيفة بن أنس الهذلي.]]

أَلَمْ تَقْتُلا الْحِرْجَيْنِ إذْ أَعْوَراكُمَا ... يُمِرَّانِ بِالأيْدِي اللِّحَاءَ الْمُضَفَّرَا [[أشعار الهذليين ٣: ١٩، والمعاني الكبير: ١١٢٠، واللسان (حرج) . و"الحرج" (بكسر الحاء وسكون الراء) : الودعة، قالوا: عنى بالحرجين: رجلين أبيضين كالودعة، فإما أن يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنى بذلك عن شرفهما. وقال شارح ديوانه: "ويكون أيضًا الحرجان، رجلين يقال لهما: الحرجان". و"أمر الحبل يمره": فتله. و"اللحاء"، قشر الشجر. و"المضفر" الذي جدل ضفائر.

هذا وقد ذكر أبو جعفر أن الشعر في رجلين قتلا رجلين، وروى"ألم تقتلا"، والذي في المراجع"ألم تقتلوا"، وهو الذي يدل عليه سياق الشعر، فإن أوله قبل البيت: ألا أبْلِغَا جُلَّ السَّوَارِي وَجابرًا ... وَأَبْلِغْ بَني ذِي السَّهْم عَنِّي وَيَعْمَرَا

وَقُولا لَهُمْ عَنِّي مَقَالَةَ شَاعِرٍ ... أَلَمّ بقَوْلٍ، لَمْ يُحَاوِلْ لِيَفْخَرَا

لَعَلَّكُمْ لَمَّا قَتَلْتُمْ ذَكَرْتُمُ ... وَلَنْ تَتْرُكُوا أَنْ تَقْتُلُوا، مَنْ تَعَمَّرَا

فالشعر كله بضمير الجمع. وسببه أن جندبًا، أخو البريق بن عياض اللحياني، قتل قيسًا وسالمًا ابني عامر بن عريب الكنانيين، وقتل سالم جندبًا، اختلفا ضربتين.]]

و"الحرجان"، المقتولان كذلك. ومعنى قوله:"أعوراكما"، أمكناكما من عورتهما. [[رواية أبي جعفر كما شرحها"أعوراكما"، ورواية الديوان"أعورا لكم"، وهي في سياق لمشعر، ورواية اللسان: "أعرضا لكم"، ويروي"عورا لكم" بتشديد الواو. هذا على أن هذه الرواية: "أعور" متعديًا، والذي كتب في اللغة"أعور لك الشيء فهو معور".]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [[كان في المطبوعة والمخطوطة: "ولا آمين البيت الحرام"، ولم يأت بقية ما شرح من الآية في هذا الموضع. فزدت ما شرحه هنا. هذا على أنه سيعود إلى شرحه مرة أخرى في ص: ٤٧٩. وهذا غريب جدًا، لا أدري كيف وقع لأبي جعفر، فلعله نسي، أو أخذه ما يأخذه الناس من التعب عند هذا الموضع، ثم عاد إليه فلم يغير، ثم ابتدأ الكلام في تفسير بقية الآية، وترك ما مضى.]]

قال أبو جعفر: يعني بقوله عز ذكره:"ولا آمين البيت الحرام"، ولا تحلُّوا قاصدي البيت الحرام العامدية. [[في المطبوعة والمخطوطة: "ولا تحلوا قاصدين البيت"، وهو خطأ، كما يدل عليه السياق. والصواب ما أثبته.]]

* *

تقول منه:"أممت كذا"، إذا قصدته وعمدته، وبعضهم يقول:"يَمَمْته" [[انظر تفسير"أم يؤم" فيما سلف ٥: ٥٥٨/٨: ٤٠٧. وقوله: "يممته" ثلاثي، بفتح الياء والميم الأولى وسكون الثانية: مثل"ضربت".]] كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

إنِّي كَذَاكَ إذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ ... يَمَمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٤٦.]]

* *

"والبيت الحرام"، بيت الله الذي بمكة، وقد بينت فيما مضى لم قيل له"الحرام". [[انظر ما سلف ٣: ٤٤-٥١.]]

* *

="يبتغون فضلا من ربهم"، يعني: يلتمسون أرباحًا في تجاراتهم من الله ="ورضوانًا"، يقول: وأن يرضى الله عنهم بنسكهم.

* *

وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في رجل من بني ربيعة يقال له:"الحُطَمُ".

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٥٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أقبل الحُطم بن هند البكري، ثم أحد بني قيس بن ثعلبة [["الحطم" لقب، واسمه: "شريح بن ضبيعة بن شرحبيل بن عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، من بكر بن وائل" (جمهرة الأنساب: ٣٠١) ، وهذا"الحطم"، خرج في الردة، في السنة الحادية عشرة، فيمن تبعه من بكر بن وائل، ومن تأشب إليه من غير المرتدين ممن لم يزل كافرًا، فخرج بهم حتى نزل القطيف وهجر، واستغوى الخط، ومن فيها من الزط والسيابجة. وحاصر المسلمين حصارًا شديدًا. فتجمع المسلمون جميعًا إلى العلاء بن الحضرمي، وتجمع المشركون كلهم إلى الحطم. ثم بيتهم المسلمون وقتلوا الحطم ومن معه في خبر طويل (انظر تاريخ الطبري ٣: ٢٥٤-٢٦٠) .

وقوله هنا: "الحطم بن هند"، أتى بذكر أمه من الشعر الآتي، واسم أبيه هو ما مر بك آنفًا، وهي: "هند بنت حسان بن عمرو بن مرثد" (رغبة الآمل ٤: ٧٥) .]] حتى أتى النبي ﷺ وحده، وخَلَّف خيله خارجة من المدينة. فدعاه، فقال: إلام تدعو؟ فأخبره = وقد كان النبي ﷺ قال لأصحابه: يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة، يتكلم بلسان شيطان! = فلما أخبره النبي ﷺ قال: انظر، ولعلّي أسلم [[في المطبوعة والمخطوطة: "انظروا لعلي أسلم"، وليس بشيء، والصواب ما أثبت، ويؤيده كلامه الآتي في الخبر التالي.]] ولي من أشاوره. فخرج من عنده، فقال رسول الله ﷺ، لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعَقِب غادرٍ! فمرَّ بسَرْح من سَرْح المدينة فساقه، فانطلق به وهو يرتجز [[اختلفوا في نسبة هذا الشعر اختلافًا كثيرًا، فنقل التبريزي في شرح الحماسة (١: ١٨٥) خبر رشيد بن رميض العنزي (بفتح العين، وسكون النون) من بني عنز بن وائل، بلا شك عندي في ذلك. قال التبريري: "قالها في غارة الحطم، وهو شريح بن شرحبيل بن عمرو بن مرثد، أغار على اليمن، فقتل وليعة بن معد يكرب، أخا قيس، وسبى بنت قيس بن معد يكرب، أخت الأشعث بن قيس، فبعث الأشعث يعرض عليه في فدائها، بكل قرن من قرونها (ضفائرها) مئة من الإبل. فلم يفعل الحطم، وماتت عنده عطشًا. (وانظر غير ذلك في الأغاني ١٤: ٤٤) .

ونسبت أيضًا للأغلب العجلي، وللأخنس بن شهاب، ولجابر بن حني التغلبي. وانظر ذلك في تحقيق أستاذنا الراجكوتي، سمط اللآلئ: ٧٢٩. ولعل"الحطم" أنشده مدحًا لنفسه فيما فعل من سوق السرح.]]

قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ ... لَيْسَ بِرَاعِي إبِلٍ وَلا غَنَم ... وَلا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ الوَضَمْ ... بَاتُوا نِيَامًا وَابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ ... بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلامٌ كَالزَّلَمْ ... خَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ [[البيان والتبيين ٢: ٣٠٨، الأغاني ١٤: ٤٤، حماسة أبي تمام ١: ١٨٤، حماسة ابن الشجري: ٣٨، الكامل ١: ٢٢٤ (ونسبه للحطم في ص: ٢٢٧) ، الخيل لابن الأعرابي ٨٦، واللسان (حطم) وغيرها، وقبل هذا الرجز: هذَا أوانُ الشَّدِّ، فَاشْتَدِّي زِيَمْ

و"زيم" اسم فرس. وقوله: "حطم" شديد الحطم، فقالوا: للسائق الذي لا يبقى شيئًا من السير والإسراع"حطم". و"الوضم" ما يوقي به اللحم عند تقطيعه من خشب أو غيره. و"الزلم" (بفتح الزاي واللام، أو بضم الزاي) ، واحد"الأزلام"، وهي قداح الميسر. يعني: هو كالقدح في صلابته ونحافته وملاسته. و"خدلج الساقين": ممتلئ الساقين، وهذا غير حسن في الرجال، وإنما صواب روايته ما رواه ابن الأعرابي: مُهَفْهَفُ الْكَشْحَيْنِ خَفَّاقُ القَدَمْ

أي ضامر الخصر. و"خفاق القدم"، لأقدامه خفق متتابع على الأرض من سرعته وهو يحدو بالإبل. ورواية أبي جعفر"ممسوح القدم": أي ليس لباطن قدمه أخمص، فأسفل قدمه مستو أملس لين، ليس فيهما تكسر ولا شقاق. وقد جاء في صفة رسول الله ﷺ: "مسيح القدمين".]]

ثم أقبل من عام قابلٍ حاجًّا قد قلَّد وأهدى، فأراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، فنزلت هذه الآية، حتى بلغ:"ولا آمين البيت الحرام". قال له ناس من أصحابه: يا رسول الله، خلِّ بيننا وبينه، فإنه صاحبنا! قال: إنه قد قلَّد! قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية! فأبى عليهم، فنزلت هذه الآية.

١٠٩٥٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: قدم الحُطَم، أخو بني ضُبيعة بن ثعلبة البكري، المدينةَ في عِير له يحمل طعامًا، فباعه. ثم دخل على النبي ﷺ فبايعه وأسلم. فلما ولى خارجًا، نظر إليه فقال لمن عنده: لقد دخل عليّ بوجهٍ فاجرٍ، وولّى بقفا غادرٍ! فلما قدم اليمامة ارتدَّ عن الإسلام، وخرج في عير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة. فلما سمع به أصحاب رسول الله ﷺ، تهيَّأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه في عِيره، فأنزل الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله"، الآية، فانتهى القوم.

= قال ابن جريج قوله:"ولا آمين البيت الحرام"، قال: ينهى عن الحجاج أن تُقطع سبلهم. قال: وذلك أن الحطم قدِم على النبي ﷺ ليرتاد وينظر، فقال: إني داعية قوم [[في المطبوعة: "داعية قومي"، وأثبت ما في المخطوطة، وهما سواء.]] فاعرض عليّ ما تقول. قال له: أدعوك إلى الله أن تعبده ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت. قال الحطم: في أمرك هذا غلظة، أرجع إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرت، فإن قبلوه أقبلتُ معهم، وإن أدبروا كنت معهم. قال له: ارجع. فلما خرج قال: لقد دخل عليّ بوجه كافرٍ، وخرج من عندي بعَقِبَى غادر، وما الرجل بمسلم! فمرَّ على سَرْح لأهل المدينة فانطلق به، فطلبه أصحابُ رسول الله ﷺ ففاتهم، وقدم اليمامة، وحضر الحج، فجهّز خارجًا، وكان عظيم التجارة، فاستأذنوا أن يتلقَّوه ويأخذوا ما معه، فأنزل الله عز وجل:"لا تحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام".

١٠٩٦٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولا آمين البيت الحرام" الآية، قال: هذا يوم الفتح، جاء ناسٌ يؤمُّون البيت من المشركين يُهِلُّون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول الله، إنما هؤلاء مشركون كمثل هؤلاء [[في المطبوعة: "فمثل هؤلاء"، وصواب قراءتها من المخطوطة، كما أثبت.]] فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم. فنزل القرآن:"ولا آمين البيت الحرام".

١٠٩٦١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ولا آمين البيت الحرام"، يقول: من توجَّه حاجًّا.

١٠٩٦٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"ولا آمين البيت الحرام"، يعني: الحاج. [[الأثر: ١٠٩٦٢-"عمرو بن عون بن أوس الواسطي"، مضت ترجمته برقم: ٥٤٣٥، ومضى في آثار أخرى كثيرة، رواية المثنى عنه، عن هشيم فيما سلف، مثل: ٣١٥٩، ٣٨٧٩. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عمرو بن عوف"، وهو تحريف. وسيأتي على الصواب قريبًا برقم: ١٠٩٦٩.]]

١٠٩٦٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشخّير وعنده رجل، فحدثهم فقال:"ولا آمين البيت الحرام"، قال: الذين يريدون البيت.

* *

ثم اختلف أهل العلم فيما نسخ من هذه الآية، بعد إجماعهم على أن منها منسوخًا.

فقال بعضهم: نسخ جميعها.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٦٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن عامر، قال: لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية:"لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد".

١٠٩٦٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد:"يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله"، نسختها، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٥] .

١٠٩٦٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن بيان، عن الشعبي قال، لم ينسخ من سورة المائدة غير هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله".

١٠٩٦٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام" الآية، قال: منسوخ. قال: كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الأشهر الحُرم، ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ . [[الأثر: ١٠٩٦٧- هو تمام الأثر السالف رقم: ١٠٩٥٠ وسيأتي برقم: ١٠٩٧٦، خبرًا واحدًا، ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١١٥.]]

١٠٩٦٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك:"لا تحلوا شعائر الله" إلى قوله:"ولا آمين البيت الحرام"، قال: نسختها"براءة": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ .

١٠٩٦٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن الضحاك، مثله.

١٠٩٧٠- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت:"لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد"، قال: هذا شيء نهي عنه، فترك كما هو. [[الأثر: ١٠٩٧٠-"جرير"، هو"جرير بن عبد الحميد الضبي"، مضى مرارًا. وكان في المطبوعة: "جويبر"، وهو خطأ فاحش، والصواب من المخطوطة.]]

١٠٩٧١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام"، قال: هذا كله منسوخ، نسخ هذا أمرُه بجهادهم كافة. [[يعني قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦]]]

* *

وقال آخرون: الذي نسخ من هذه الآية قوله:"ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام".

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٧٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال، قرأت على ابن أبي عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة: نسخ من"المائدة":"آمين البيت الحرام"، نسختها"براءة" قال الله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [سورة التوبة: ١٧] ، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [سورة التوبة: ٢٧] ، وهو العام الذي حج فيه أبو بكر، فنادى فيه بالأذان. [[في المخطوطة: "فنادى عليه بالأذان" وفوق"عليه""فيه". ويعني بالأذان، قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلَى الناسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ منَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ، [سورة التوبة: ٢] .]]

١٠٩٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله" الآية، قال: فنسخ منها:"آمين البيت الحرام"، نسختها"براءة"، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، فذكر نحو حديث عبدة.

١٠٩٧٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: نزل في شأن الحُطم:"ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام"، ثم نسخه الله فقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [[انظر خبر"الحطم" فيما سلف رقم: ١٠٩٥٨، ١٠٩٥٩.]] [سورة البقرة: ١٩١] .

١٠٩٧٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"لا تحلوا شعائر الله" إلى قوله:"ولا آمين البيت"، [فكان المؤمنون والمشركون يحجون إلى البيت] جميعًا، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدًا أن يحجّ البيت أو يعرضوا له، من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعد هذا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ، وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة التوبة: ١٨] ، فنفى المشركين من المسجد الحرام. [[الأثر: ١٠٩٧٥- ما بين القوسين، زيادة من رواية أبي جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١١٥، حيث روى هذا الأثر بهذا الإسناد نفسه، والكلام بغيرها لا يستقيم.]]

١٠٩٧٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام"، الآية، قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلَّد من السَّمُر فلم يعرض له أحد. وإذا رجع، تقلَّد قلادة شَعَرٍ فلم يعرض له أحد. وكان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت. وأمروا أن لا يقاتلوا في الأشهر الحُرُم، ولا عند البيت، فنسخها قوله:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ". [[الأثر: ١٠٩٧٦- هو ما جاء في الأثرين السالفين: ١٠٩٥٠، ١٠٩٦٧.]]

* *

وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء، إلا القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلَّدونها من لِحَاء الشجر.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٧٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام"، الآية، قال أصحاب محمد ﷺ: هذا كله من عمل الجاهلية فِعله وإقامته، فحرَّم الله ذلك كله بالإسلام، إلا لحاء القلائد، فترك ذلك [[يعني فجعلها الله إحلالها حرامًا في الإسلام إلا لحاء القلائد، فإنه قد نسخ.]] ="ولا آمين البيت الحرام"، فحرم الله على كل أحد إخافتهم.

١٠٩٧٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: نسخ الله من هذه الآية قوله:"ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام"، لإجماع الجميع على أن الله قد أحلّ قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة كلها. وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قَلَّد عنقه أو ذراعيه لحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانًا من القتل، إذا لم يكن تقدَّم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان = وقد بينا فيما مضى معنى"القلائد" في غير هذا الموضع. [[انظر ما سلف ص: ٤٦٧-٤٧٠.]]

وأما قوله:"ولا آمين البيت الحرام"، فإنه محتمل ظاهره: ولا تحلوا حُرْمة آمِّين البيت الحرام من أهل الشرك والإسلام، لعموم جميع من أمَّ البيت. وإذا احتمل ذلك، فكان أهل الشرك داخلين في جملتهم، فلا شك أن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، ناسخٌ له. لأنه غير جائز اجتماع الأمر بقتلهم وترك قتلهم في حال واحدة ووقت واحد. وفي إجماع الجميع على أن حكم الله في أهل الحرب من المشركين قتلُهم، أمُّوا البيت الحرام أو البيت المقدس، في أشهر الحرم وغيرها = ما يُعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخٌ. ومحتمل أيضًا: ولا آمين البيت الحرام من أهل الشرك.

وأكثر أهل التأويل على ذلك.

وإن كان عُني بذلك المشركون من أهل الحرب، فهو أيضًا لا شك منسوخ.

* *

وإذْ كان ذلك كذلك = وكان لا اختلاف في ذلك بينهم ظاهر، وكان ما كان مستفيضًا فيهم ظاهرًا حجةً = فالواجب، وإن احتمل ذلك معنى غير الذي قالوا، التسليمُ لما استفاض بصحته نقلهم. [[سياق هذه الفقرة: "وإذ كان ذلك كذلك، وكان لا اختلاف ... فالواجب ... التسليم لما استفاض بصحته نقلهم".]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"يبتغون"، يطلبون ويلتمسون = و"الفضل" الأرباح في التجارة = و"الرضوان"، رضَى الله عنهم، فلا يحل بهم من العقوبة في الدنيا ما أحلَّ بغيرهم من الأمم في عاجل دنياهم، بحجّهم بيتَه. [[مضى تفسير هذه الآية ص: ٤٧١، ٤٧٢، كما أسلفت في التعليق: ١، ص: ٤٧١ وانظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف ٩: ٣١٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

وتفسير"الفضل" فيما سلف من فهارس اللغة.

وتفسير"الرضوان" فيما سلف ٦: ٢٦٢.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن قتادة في قوله:"يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا"، قال: هم المشركون، يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دُنياهم.

١٠٩٨٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال، قرأت على ابن أبي عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة في قوله:"يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا"، والفضل والرضوان اللذان يبتغون: أن يصلح معايشهم في الدنيا، وأن لا يعجَّل لهم العقوبة فيها.

١٠٩٨١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن ابن عباس:"يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا"، يعني: أنهم يترضَّون الله بحجهم.

١٠٩٨٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشِّخِّير، وعنده رجل فحدثهم في قوله:"يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا"، قال: التجارة في الحج، والرضوان في الحج.

١٠٩٨٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي أميمة قال، قال ابن عمر في الرجل يحج ويحمل معه متاعًا، قال: لا بأس به = وتلا هذه الآية:"يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا". [[الأثر: ١٠٩٨٣-"أبو أميمة التيمي" وهو"أبو أمامة التيمي"، قال ابن معين: "ثقة، لا يعرف اسمه"، وقال البخاري في الكنى: "أبو أمامة، قال شعبة: أبو أميمة سمع ابن عمر. روى عنه العلاء، وشعبة. يقال اسمه: عمرو بن أسماء". مترجم في التهذيب، والكنى للبخاري: ٤، وابن أبي حاتم في باب"أبو أمامة"، و"أبو أميمة". ترجمتان ٤/٢/٣٣٠، ٣٣١.]]

١٠٩٨٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا"، قال: يبتغون الأجر والتجارة.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا حللتم فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم أن تُحِلُّوه وأنتم حرم. يقول: فلا حرج عليكم في اصطياده، واصطادوا إن شئتم حينئذ، لأن المعنى الذي من أجله كنت حرَّمته عليكم في حال إحرامكم قد زال.

* *

وبما قلنا في ذلك قال جميع أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٨٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا حصين، عن مجاهد أنه قال: هي رخصة = يعني قوله:"وإذا حللتم فاصطادوا".

١٠٩٨٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن القاسم، عن مجاهد قال: خمس في كتاب الله رخصة، وليست بعَزْمة، فذكر:"وإذا حللتم فاصطادوا"، قال: من شاء فعل، ومن شاء لم يفعل.

١٠٩٨٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد، عن حجاج، عن عطاء، مثله.

١٠٩٨٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن مجاهد:"وإذا حللتم فاصطادوا"، قال: إذا حلّ، فإن شاء صاد، وإن شاء لم يصطد.

١٠٩٨٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن رجل، عن مجاهد: أنه كان لا يرى الأكل من هَدْي المتعة واجبًا، وكان يتأول هذه الآية:"وإذا حللتم فاصطادوا" = ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ﴾ [سورة الجمعة: ١٠] . [[يعني بقوله: "يتأول هذه الآية"، أي يفسرها كتفسير الآية الأخرى: فإذا قضيت الصلاة، فمن شاء خرج من المسجد، ومن شاء جلس، رخصة من الله.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ولا يجرمنكم"، ولا يحملنكم، كما:-

١٠٩٩٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ولا يجرمنكم شنآن قوم"، يقول: لا يحملنكم شنآن قوم.

١٠٩٩١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولا يجرمنكم شنآن قوم"، أي: لا يحملنكم.

* *

وأما أهل المعرفة باللغة فإنهم اختلفوا في تأويلها.

فقال بعض البصريين: معنى قوله:"ولا يجرمنكم"، لا يُحِقَّنَّ لكم، لأن قوله: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [سورة النحل: ٦٢] ، هو: حقٌّ أن لهم النار. [[هذه مقالة الأخفش، كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب، مادة (جرم) .]]

* *

وقال بعض الكوفيين: معناه: لا يحملنَّكم. وقال: يقال:"جرمني فلان على أن صنعت كذا وكذا"، أي: حملني عليه.

* *

واحتج جميعهم ببيت الشاعر: [[هو أبو أسماء بن الضّريبة. ويقال: هو لعطية بن عفيف، ونسبه سيبوبه للفزاري مجهلا.]]

وَلَقَدْ طَعَنْتَ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةُ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا [[سيبويه ١: ٤٦٩، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٤٧، مشكل القرآن: ٤١٨، والفاخر: ٢٠٠، الجواليقي: ١٦٣، البطليوسي: ٣١٣، الخزانة ٤: ٣١٠، اللسان (جرم) . وسبب الشعر أن كرزًا العقيلي، قتل أبا عيينة حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري يوم حاجر، فلما قتل كرز، قال الشاعر يرثيه ويخاطبه: يَا كُرزُ، إنَّكَ قَدْ قُتِلْتَ بِفَارِسٍ ... بَطَلٍ إذَا هَابَ الكُمَاةُ وَجَبَّبُوا

"جبب الرجل تجبيبًا": إذا فر ومضى مسرعًا. وروى البكري في معجم ما استعجم أنه قال: يَا كُرْزُ إنَّكَ قد فَتَكْتَ بِفَارِسٍ ... بَطَلٍ إذَا هَابَ الكُمَاةُ مُجَرَّبِ

وكأنه شعر غير هذا الشعر.]] فتأول ذلك كل فريق منهم على المعنى الذي تأوله من القرآن. فقال الذين قالوا:"لا يجرمنكم"، لا يُحِقَّن لكم = معنى قول الشاعر:"جرمت فزارة"، أحقَّت الطعنةُ لفزارة الغضبَ.

وقال الذين قالوا: معناه: لا يحملنكم = معناه في البيت:"جرمت فزارة أن يغضبوا"، حملت فزارة على أن يغضبوا.

* *

وقال آخر من الكوفيين: معنى قوله:"لا يجرمنكم"، لا يكسبنكم شنآن قوم.

وتأويل قائل هذا القول قولَ الشاعر في البيت:"جرمت فزارة"، كسبت فزارة أن يغضبوا. قال: وسمعت العرب تقول:"فلان جريمة أهله"، بمعنى: كاسبهم ="وخرج يجرمهم"، يكسبهم. [[قائل هذا هو الفراء في معاني القرآن ١: ٢٩٩.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه، متقاربة المعنى. وذلك أن من حمل رجلا على بغض رجل، فقد أكسبه بغضه. ومن أكسبه بغضه، فقد أحقَّه له.

فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف، ما قاله ابن عباس وقتادة، وذلك توجيههما معنى قوله:"ولا يجرمنكم شنآن قوم"، ولا يحملنكم شنآن قومٍ على العدوان.

* *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتح"الياء" من:"جَرَمْتُه أجْرِمُه".

* *

وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٩٩.]] وهو يحيى بين وثّاب، والأعمش: ما:-

١٠٩٩٢- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن الأعمش أنه قرأ: ﴿وَلا يُجْرِمَنَّكُمْ﴾ مرتفعة"الياء"، من:"أجرمته أجرمه، وهو يُجْرِمني".

* *

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القراءتين، قراءة من قرأ ذلك: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتح"الياء"، لاستفاضة القراءة بذلك في قرأة الأمصار، وشذوذ ما خالفها، وأنها اللغة المعروفة السائرة في العرب، وإن كان مسموعًا من بعضها:"أجرم يُجْرم" على شذوذه. وقراءة القرآن بأفصح اللغات، أولى وأحق منها بغير ذلك. ومن لغة من قال"جَرَمْتُ"، قول الشاعر: [[ينسب للفرزدق، وليس في ديوانه.]]

يَا أَيُّهَا المُشْتَكِي عُكْلا وَمَا جَرَمَتْ ... إلى القَبَائِلِ مِنْ قَتْلٍ، وإبْآسُ [[مجالس ثعلب: ٤٩، ٥٠، والأضداد لابن الأنباري: ٨٥، والبيت مرفوع القافية وبعد البيت: إنّا كَذَاكَ، إذَا كانَتْ هَمَرَّجَةٌ ... نَسْبِي ونَقْتُلُ حَتَّى يُسْلِمَ النَّاسُ

"همرجة": اختلاط وفتنة. وروى ثعلب هذين البيتين. ثم قال، ولم يبين لمن كان هذا الخبر: "قلت له (يعني: للفرزدق) : لم قلت: من قتل، وإبآس؟ قال: كيف أصنع وقد قلت: حتى يسلم الناس؟ قال قلت: فيم رفعته؟ قال: بما يسوءك وينوءك! ".

ثم قال أبو العباس ثعلب: "وإنما رفعه، لأن الفعل لم يظهر بعده، كما تقول: ضربت زيدًا وعمرو = لم يظهر الفعل فرفعت، وكما تقول: ضربت زيدًا وعمرو مضروب".]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾

اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: ﴿شَنَآنُ﴾ بتحريك"الشين والنون" إلى الفتح، بمعنى: بغض قوم، توجيهًا منهم ذلك إلى المصدر الذي يأتي على"فَعَلان"، نظير"الطيران" و"النَّسَلان" و"العَسَلان" و"الرَّمَلان".

* *

وقرأ ذلك آخرون: ﴿شَنْآنُ قَوْمٍ﴾ بتسكين"النون" وفتح"الشين" بمعنى: الاسم، توجيهًا منهم معناه إلى: لا يحملنكم بَغِيض قوم [[في المطبوعة والمخطوطة: "بغض قوم"، والصواب ما أثبت، كما يدل عليه السياق.]] فيخرج"شَنْآن" على تقدير"فَعْلان"، لأن"فَعَل" منه على"فَعِلَ" [[قوله: "فعل" الأولى، يعني الفعل الماضي، أما الثانية، فهي الميزان الصرفي، على وزن"سكر" بكسر العين.]] كما يقال:"سكران" من"سكر"، و"عطشان" من"عطش"، وما أشبه ذلك من الأسماء.

* *

قال أبو جعفر: والذي هو أولى القراءتين في ذلك بالصواب، قراءة من قرأ: ﴿شَنَآنُ قَومٍ﴾ بفتح"النون" محركة، لشائع تأويل أهل التأويل على أن معناه: بغض قوم = وتوجيههم ذلك إلى معنى المصدر دون معنى الاسم.

وإذْ كان ذلك موجَّهًا إلى معنى المصدر، فالفصيح من كلام العرب فيما جاء من المصادر على"الفَعلان" بفتح"الفاء"، تحريك ثانيه دون تسكينه، كما وصفت من قولهم:"الدَّرَجَان" و"الرَّمَلان"، من"درج" و"رمل"، فكذلك"الشنآن" من"شنئته أشنَؤُه شنآنًا"، ومن العرب من يقول:"شَنَانٌ" على تقدير"فعال"، ولا أعلم قارئًا قرأ ذلك كذلك، ومن ذلك قول الشاعر: [[هو الأحوص بن محمد الأنصاري.]]

وَمَا العَيْشُ إلا مَا تَلَذُّ وتَشْتَهِي ... وَإنْ لامَ فِيهِ ذُو الشَّنَانِ وَفَنَّدَا [[طبقات فحول الشعراء: ٥٣٩، الأغاني ١٣: ١٥١-١٥٣، مصارع العشاق: ٦٢، ٧٥، والشعر والشعراء: ٥٠١، واللسان (شنأ) ، وقلما يخلو منه كتاب بعد.]]

وهذا في لغة من ترك الهمز من"الشنآن"، فصار على تقدير"فعال" وهو في الأصل"فَعَلان".

* *

ذكر من قال من أهل التأويل:"شنآن قوم"، بغض قوم.

١٠٩٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ولا يجرمنكم شنآن قوم"، لا يحملنكم بغض قوم.

١٠٩٩٤- وحدثني به المثنى مرة أخرى بإسناده، عن ابن عباس فقال: لا يحملنكم عداوة قوم أن تعتدوا.

١٠٩٩٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولا يجرمنكم شنآن قوم"، لا يجرمنكم بغض قوم.

١٠٩٩٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولا يجرمنكم شنآن قوم"، قال: بغضاؤهم، أن تعتدوا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعض أهل المدينة وعامة قرأة الكوفيين: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح"الألف " من"أن"، بمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم بصدِّهم إياكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.

* *

وكان بعض قرأة الحجاز والبصرة يقرأ ذلك: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم﴾ ، بكسر"الألف" من"إن"، بمعنى: ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدًّا عن المسجد الحرام أن تعتدوا = فزعموا أنها في قراءة ابن مسعود: ﴿إن يصدوكم﴾ ، فقرأوا ذلك كذلك اعتبارًا بقراءته. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٠٠.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قرأة الأمصار، صحيح معنى كل واحدة منهما.

وذلك أن النبي ﷺ صُدَّ عن البيت هو وأصحابه يوم الحديبية، وأنزلت عليه"سورة المائدة" بعد ذلك، فمن قرأ ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح"الألف" من"أن"، فمعناه: لا يحملنكم بغض قوم، أيها الناس، من أجل أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام، أن تعتدوا عليهم.

ومن قرأ: ﴿إن صدوكم﴾ بكسر"الألف"، فمعناه: لا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام إذا أردتم دخوله. لأن الذين حاربوا رسول الله ﷺ وأصحابه من قريش يوم فتح مكة، قد حاولوا صَدَّهم عن المسجد الحرام. فتقدم الله إلى المؤمنين = في قول من قرأ ذلك بكسر"إن" = بالنهي عن الاعتداء عليهم، إن هم صدوهم عن المسجد الحرام، قبل أن يكون ذلك من الصادِّين.

غير أن الأمر، وإن كان كما وصفت، فإن قراءة ذلك بفتح"الألف"، أبينُ معنى. لأن هذه السورة لا تَدَافُعَ بين أهل العلم في أنها نزلت بعد يوم الحديبية.

وإذْ كان ذلك كذلك، فالصدُّ قد كان تقدم من المشركين، فنهى الله المؤمنين عن الاعتداء على الصادِّين من أجل صدِّهم إياهم عن المسجد الحرام. [[انظر تفسير"الصد" فيما سلف ص: ٤١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وأما قوله:"أن تعتدوا"، فإنه يعني: أن تجاوزوا الحدَّ الذي حدَّه الله لكم في أمرهم. [[انظر تفسير"الاعتداء" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

فتأويل الآية إذًا: ولا يحملنكم بغض قوم، لأن صدوكم عن المسجد الحرام، أيها المؤمنون، أن تعتدوا حكم الله فيهم، فتجاوزوه إلى ما نهاكم عنه، ولكن الزموا طاعة الله فيما أحببتم وكرهتم.

* *

وذكر أنها نزلت في النهي عن الطلب بذُحول الجاهلية. [["الذحول" جمع"ذحل" (بفتح فسكون) : وهو الثأر.]]

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٩٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"أن تعتدوا"، رجل مؤمن من حلفاء محمد، قتل حليفًا لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة، لأنه كان يقتل حلفاء محمد، فقال محمد ﷺ: لعن الله من قتل بذَحْل الجاهلية.

١٠٩٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

وقال آخرون: هذا منسوخ

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٩٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا"، قال: بغضاؤهم، حتى تأتوا ما لا يحل لكم. وقرأ:"أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا"، وقال: هذا كله قد نسخ، نسخه الجهاد.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول مجاهد أنه غير منسوخ، لاحتماله: أن تعتدوا الحقَّ فيما أمرتكم به. وإذا احتمل ذلك، لم يجز أن يقال:"هو منسوخ"، إلا بحجة يجب التسليم لها.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وتعاونوا على البر والتقوى"، وليعن بعضكم، أيها المؤمنون، بعضًا ="على البر" =، وهو العمل بما أمر الله بالعمل به [[انظر تفسير"البر" فيما سلف ٢: ٨/٣: ٣٣٦-٣٣٨، ٥٥٦/٤: ٤٢٥/٦: ٥٨٧.]] ="والتقوى"، هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه. [[انظر تفسير"التقوى" فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (وقى) .]]

* *

وقوله:"ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، يعني: ولا يعن بعضكم بعضًا ="على الإثم"، يعني: على ترك ما أمركم الله بفعله ="والعدوان"، يقول: ولا على أن تتجاوزوا ما حدَّ الله لكم في دينكم، وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم. [[انظر تفسير"الإثم" و"العدوان" فيما سلف من فهارس اللغة (أثم) (عدا) .]]

وإنما معنى الكلام: ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، ولكن ليعن بعضكم بعضًا بالأمر بالانتهاء إلى ما حدَّه الله لكم في القوم الذين صدُّوكم عن المسجد الحرام وفي غيرهم، والانتهاء عما نهاكم الله أن تَأتوا فيهم وفي غيرهم، وفي سائر ما نهاكم عنه، ولا يعن بعضكم بعضًا على خلاف ذلك.

* *

وبما قلنا في"البر والتقوى" قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٠٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"وتعاونوا على البر والتقوى"،"البر" ما أمرت به، و"التقوى" ما نهيت عنه.

١١٠٠١- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"وتعاونوا على البر والتقوى" قال:"البر" ما أمرت به، و"التقوى" ما نهيت عنه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا وعيد من الله جل ثناؤه وتهدُّدٌ لمن اعتدى حدّه وتجاوز أمره [[في المطبوعة: "وتهديد لمن اعتدى"، وأثبت ما في المخطوطة.]] يقول عز ذكره:"واتقوا الله"، يعني: واحذروا الله، أيها المؤمنون، أن تلقوه في معادكم وقد اعتديتم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالفتم أمره فيما أمركم به، أو نهيه فيما نهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه، وتستحقوا أليم عذابه. ثم وصف عقابه بالشدة فقال عز ذكره: إن الله شديدٌ عقابه لمن عاقبه من خلقه، لأنها نار لا يطفأ حَرُّها، ولا يخمد جمرها، ولا يسكن لهبها، نعوذ بالله منها ومن عمل يقرِّبنا منها.

القول في تأويل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: حرَّم الله عليكم، أيها المؤمنون، الميتة.

* *

و"الميتة": كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره، مما أباح الله أكلها، أهليَّها ووحشيَّها، فارقتها روحها بغير تذكية. [["التذكية": الذبح.]]

وقد قال بعضهم:"الميتة"، هو كل ما فارقته الحياة من دوابِّ البر وطيره بغير تذكية، مما أحل الله أكله. [[انظر تفسير"الميتة" فيما سلف ٣: ٣١٨، ٣١٩.]]

وقد بيّنا العلة الموجبة صحة القول بما قلنا في ذلك، في كتابنا ﴿كتاب لطيف القول في الأحكام﴾ . [[مر اسم هذا الكتاب مرارًا، ومر في بعضها باسم"اللطيف في أحكام شرائع الإسلام"، ١: ١٠٩، وكان هنا في المخطوطة والمطبوعة: "كتاب اللطيف القول في الأحكام"، وهو غير مستقيم.]]

* *

وأما"الدم"، فإنه الدم المسفوح، دون ما كان منه غير مسفوح، لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥] ، فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير منسفح، فإن ذلك غير حرام، لإجماع الجميع على ذلك.

* *

وأما قوله:"ولحم الخنزير"، فإنه يعني: وحُرِّم عليكم لحم الخنزير، أهليُّه وبَرِّيّه.

فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنزير، فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، حرام جميعه، لم يخصص منه شيء.

* *

وأما قوله:"وما أهلَّ لغير الله به"، فإنه يعني: وما ذكر عليه غير اسم الله.

* *

وأصله من"استهلال الصبي"، وذلك إذا صاح حين يسقط من بطن أمه. ومنه"إهلال المحرم بالحج"، إذا لبّى به [[انظر تفسير"الإهلال" فيما سلف ٣: ٣١٩، ٣٢٠.]] ومنه قول ابن أحمر:

يُهلُّ بالفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا ... كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعْتَمِرْ [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٠، الجمهرة ٢: ٣٨٧، اللسان (عمر) (هلل) . يصف مفازة لا يهتدي فيها. و"المعتمر"، المعتم بعمامة. و"الفرقد"، أراد"الفرقدان"، وهما كوكبان من بنات نعش الصغرى، أو هما نجمان في السماء لا يغربان، ولكنهما يطوفان بالجدي.

وفي شرح البيت قولان. قال الأصمعي: "إذا انجلى لهم السحاب عن الفرقد، أهلوا، أي: رفعوا أصواتهم بالتكبير، كما يهل الراكب الذي يريد عمرة الحج، لأنهم كانوا يهتدون بالفرقد".

وقال غيره: "يريد أنهم في مفازة بعيدة من المياه، فإذا رأوا فرقدًا = وهو ولد البقرة الوحشية = أهلوا، أي: كبروا، لأنهم قد علموا أنهم قد قربوا من الماء".

قلت: والعرب تتخذ"الفرقدين" دليلا في الاهتداء بهما، لأنهما لا يطلبان في وقت من الليل إلا وجدا، قال الراعي: لا يَتَّخِذْنَ إذَا عَلَوْنَ مَفَازةً ... إلا بَيَاضَ الفَرْقَدَينِ دَليلا]]

* *

وإنما عنى بقوله:"وما أهل لغير الله به"، وما ذبح للآلهة وللأوثان، يسمى عليه غير اسم الله. [[انظر ما سلف ٣: ٣٢١.]]

* *

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى، فكرهنا إعادته. [[انظر الآثار السالفة من رقم: ٢٤٦٨- ٢٤٧٧.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة"الانخناق" الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله:"والمنخنقة".

فقال بعضهم بما:-

١١٠٠٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والمنخنقة"، قال: التي تدخل رأسها بين شُعْبتين من شجرة، فتختنق فتموت.

١١٠٠٢م- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك في المنخنقة، قال: التي تختنق فتموت.

١١٠٠٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن قتادة في قوله:"والمنخنقة"، التي تموت في خِنَاقها. [["الخناق" (بكسر الخاء) : الحبل الذي يخنق به، وأراد الحبل الذي ربطت فيه من عند عنقها.]]

* *

وقال آخرون: هي التي توثق فيقتلها بالخناق وَثَاقها.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٠٤- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"والمنخنقة"، قال: الشاة توثق، فيقتلها خِنَاقها، فهي حرام.

* *

وقال آخرون: بل هي البهيمة من النَّعم، كان المشركون يخنقونها حتى تموت، فحرَّم الله أكلها.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٠٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"والمنخنقة" التي تُخنق فتموت. [[في المطبوعة: "تختنق فتموت"، وهو خطأ صرف مفسد لاستدلال الطبري، والصواب من المخطوطة.]]

١١٠٠٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والمنخنقة"، كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها. [[الأثر: ١١٠٠٦-"بشر بن معاذ"، مضى، ومضى إسناده هذا مئات من المرات، أقربه رقم: ١٠٩٩٥، ولكن كان في المخطوطة والمطبوعة هنا: "حدثنا أنس قال، حدثنا يزيد" وهو خطأ صرف.]]

* *

وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال:"هي التي تختنق، إما في وثاقها، وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت".

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره، لأن"المنخنقة"، هي الموصوفة بالانخناق، دون خنق غيرها لها، ولو كان معنيًّا بذلك أنها مفعول بها، لقيل:"والمخنوقة"، حتى يكون معنى الكلام ما قالوا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"والموقوذة"، والميتة وقيذًا.

* *

يقال منه:"وقَذَهُ يَقِذُه وقْذًا"، إذا ضربه حتى أشرف على الهلاك، ومنه قول الفرزدق:

شَغَّارَةٍ تَقِذُ الفَصِيلَ بِرِجْلِهَا ... فَطَّارَةٍ لِقَوَادِمِ الأبْكَارِ [[ديوانه: ٤٥٢، النقائض: ٣٣٢، من هجائه جريرًا، قبله: كَمْ خَالَةٍ لَكَ، يا جَرِيرُ، وعَمّةٍ ... فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَى عِشَارِي

كُنَّا نُحَاذِرُ أَنْ تُضِيعَ لِقَاحَنَا ... وَلَهًا، إذَا سَمِعَتْ دُعاءَ يَسَارِ

يقول: عماته وخالاته رعاة أجلاف، واستجاد لهن شر الصفات، فزعمها"فدعاء"، أي في الرسغ من أقدامها ميل وعوج، من المهنة في العمل منذ ولدت. وزعم أنهن كن عنده يحلبن"عشاره"، وهي النوق الحديثة العهد بالولادة، وأنفس الإبل عند أهلها إذا كانت عشارًا، وهي"اللقاح" أيضًا.

و"يسار" اسم راع من عبيدة. يقول: إذا سمعت صوت يسار ساورها الشبق إليه، فطاش عقلها ولهًا وصبابة، فكانوا يخافون أن تهمل اللقاح حتى تهلك وتضيع.

ثم وصفها بالغلظة، بأقبح وصف، فزعم أنها إذا قامت تحلب الناقة، ثم دنا الفصيل من أمه، شغرت برجلها = رفعتها، كما يرفع الكلب رجله وهو يبول إلى خلف = فضربته ضربة يشرف بها على الهلاك، كأن ساقها رمح أو هراوة.

وأما قوله: "فطارة لقوادم الأبكار"، فالأبكار جمع"بكر"، وهي الناقة التي ولدت بطنًا واحدًا، فأخلافها صغار قصار، لا يستمكن الحالب أن يحلبها ضبًا، وهو الحلب بالكف كلها، بل تحلب فطرًا، أي بالسبابة والوسطى، ويستعان بطرف الإبهام. و"القوادم" من النوق، لكل ناقة"قادمان"، وهما خلفا الضرع المقدمان.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"والموقوذة"، قال: الموقوذة، التي تضرب بالخشب حتى توقَذَ بها فتموت. [[في المطبوعة: "حتى تقذها فتموت"، وفي المخطوطة: "حتى توقذها فتموت"، وصواب قراءتها ما أثبت. وقوله: "بها" أي بالخشبة، وانظر الآثار التالية، فهي دالة على صواب هذه القراءة.]]

١١٠٠٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والموقوذة"، كان أهل الجاهلية يضربونها بالعِصيّ، حتى إذا ماتت أكلوها.

١١٠٠٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا شعبة، عن قتادة في قوله:"والموقوذة"، قال: كانوا يضربونها حتى يقذوها، ثم يأكلونها.

١١٠١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"والموقوذة"، التي توقذ فتموت.

١١٠١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك قال:"الموقوذة"، التي تضرب حتى تموت.

١١٠١٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والموقوذة"، قال: هي التي تضرب فتموت.

١١٠١٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سلمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"والموقوذة"، كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بالخشب لآلهتهم، حتى يقتلوها فيأكلوها.

١١٠١٤- حدثنا العباس بن الوليد قال، أخبرني عقبة بن علقمة، حدثني إبراهيم بن أبي عبلة. قال، حدثني نعيم بن سلامة، عن أبي عبد الله الصنابحي قال: ليست"الموقوذة" إلا في مالك، وليس في الصيد وقيذ. [[الأثر: ١١٠١٤-"العباس بن الوليد بن مزيد الآملي"، شيخ الطبري، مضى برقم: ٨٩١.

و"عقبة بن علقمة بن حديج المعافري"، من أصحاب الأوزاعي، كان خيارًا ثقة. مترجم في التهذيب.

و"إبراهيم بن أبي عبلة بن شمر، بن يقظان الرملي". روى عنه مالك، والليث، وابن المبارك. ثقة. قال ضمرة بن ربيعة: "ما رأيت أفصح منه"، وكان يقول الشعر الحسن. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/١/٣١٠.

و"نعيم بن سلامة الأزدي"، ويقال: "نعيم بن سلامان". كان على خاتم سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. لم يذكروا فيه جرحًا. مترجم في الكبير ٤/٢/٩٨، وابن أبي حاتم ٤/١/٤٦٢، وتعجيل المنفعة: ٤٢٣.

و"أبو عبد الله الصنابحي"، هو: "عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل بن عسال المرادي". رحل إلى النبي ﷺ، فوجده قد مات قبله بخمس ليال أو ست. كان ثقة قليل الحديث. أخرج الطبراني من طريق ابن محيريز قال: "عدنا عبادة بن الصامت، فأقبل أبو عبد الله الصنابحي، فقال عبادة: من سره أن ينظر إلى رجل عرج به إلى السماء، فنظر إلى أهل الجنة وأهل النار، فرجع وهو يعمل على ما رأى، فلينظر إلى هذا".]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وحرمت عليكم الميتة تردِّيًا من جبل أو في بئر، أو غير ذلك.

* *

و"تردِّيها"، رميُها بنفسها من مكان عالٍ مشرف إلى سُفْله.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٠١٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"والمتردية"، قال: التي تتردَّى من الجبل.

١١٠١٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والمتردية"، كانت تتردى في البئر فتموت، فيأكلونها.

١١٠١٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والمتردية"، قال: التي تردَّت في البئر.

١١٠١٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"والمتردية"، قال: هي التي تَرَدَّى من الجبل، أو في البئر، فتموت.

١١٠١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك:"والمتردية"، التي تردَّى من الجبل فتموت.

١١٠٢٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"والمتردية"، قال: التي تَخِرُّ في ركيٍّ، أو من رأس جبل، فتموت. [["الركي": البئر.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"النطيحة"، الشاة التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح بغير تذكية. فحرم الله جل ثناؤه ذلك على المؤمنين، إن لم يدركوا ذكاته قبل موته.

* *

وأصل"النطيحة"،"المنطوحة"، صرفت من"مفعولة" إلى"فعيلة".

* *

فإن قال قائل: وكيف أثبتت"الهاء" هاء التأنيث فيها، وأنت تعلم أن العرب لا تكاد تثبت"الهاء" في نظائرها إذا صرفوها صرف"النطيحة" من"مفعول" إلى"فعيل"، إنما تقول:"لحية دهين" و"عين كحيل" و"كف خضيب"، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة؟ [[انظر ما سلف ٢: ٣٢٨، ٤٠١/٦: ٤١٤، ومواضع أخرى غابت عني.]]

قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: أثبتت فيها"الهاء" = أعني في"النطيحة" = لأنها جعلت كالاسم مثل:"الطويلة" و"الطريقة".

فكأن قائل هذا القول، وجه"النطيحة" إلى معنى"الناطحة".

فتأويل الكلام على مذهبه: وحرمت عليكم الميتة نطاحًا، كأنه عنى: وحرمت عليكم الناطحة التي تموت من نِطاحها.

* *

وقال بعض نحويي الكوفة: إنما تحذف العرب"الهاء" من"الفعيلة" المصروفة عن"المفعول"، إذا جعلتها صفة لاسم قد تقدَّمها، فتقول:"رأينا كفًّا خضيبًا، وعينًا كحيلا"، فأما إذا حذفت"الكف" و"العين" والاسم الذي يكون"فعيل" نعتًا لها، واجتزأوا بـ "فعيل" منها، أثبتوا فيه هاء التأنيث، ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة للمؤنث دون المذكر، فتقول:"رأينا كحيلةً وخضيبة" و"أكيلة السبع". قالوا: ولذلك أدخلت"الهاء" في"النطيحة"، لأنها صفة المؤنث، ولو أسقطت منها لم يُدْرَ أهي صفة مؤنث أو مذكر.

* *

وهذا القول هو أولى القولين في ذلك بالصواب، لشائع أقوال أهل التأويل [[في المطبوعة: "بالصواب الشائع من أقوال أهل التأويل"، وهو عبث وتغيير فاسد، والصواب من المخطوطة. وانظر شبيهة هذه العبارة فيما سلف ص: ٤٨٦ سطر: ١١، "لشائع تأويل أهل التأويل"، وهذا التعبير، هو الثاني فيما مر عليّ من تفسير أبي جعفر فيما سلف.]] بأن معنى:"النطيحة"، المنطوحة.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٢١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن أبي عباس قوله:"والنطيحة"، قال: الشاة تنطح الشاة.

١١٠٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: كان يقرأ: ﴿وَالمَنْطُوحَةُ﴾ .

١١٠٢٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك:"والنطيحة"، الشاتان ينتطحان فيموتان.

١١٠٢٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والنطيحة"، هي التي تنطحها الغنم والبقر فتموت.

يقول: هذا حرام، لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه. [[الأثر: ١١٠٢٤- يأتي بتمامه برقم: ١١٠٤٧.]]

١١٠٢٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والنطيحة"، كان الكبشان ينتطحان، فيموت أحدهما، فيأكلونه.

١١٠٢٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والنطيحة"، الكبشان ينتطحان، فيقتل أحدهما الآخر، فيأكلونه.

١١٠٢٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك، يقول في قوله:"والنطيحة"، قال: الشاة تنطح الشاة فتموت.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وما أكل السبع"، وحرّم عليكم ما أكل السبع غير المعَلَّم من الصوائد.

* *

وكذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٢٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"وما أكل السبع"، يقول: ما أخذ السبع.

١١٠٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك:"وما أكل السبع"، يقول: ما أخذ السبع.

١١٠٣٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "وما أكل السبع"، قال: كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئًا من هذا أو أكل منه، أكلوا ما بقي.

١١٠٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن قيس، عن عطاء بن السائب، عن أبي الربيع، عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وأكيل السبع﴾ .

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"إلا ما ذكَّيتم"، إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورًا.

* *

ثم اختلف أهل التأويل فيما استثنى الله بقوله:"إلا ما ذكيتم".

فقال بعضهم: استثنى من جميع ما سمى الله تحريمه من قوله:"وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع".

ذكر من قال ذلك:

١١٠٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"إلا ما ذكيتم"، يقول: ما أدركتَ ذكاته من هذا كله، يتحرّك له ذنب، أو تطرِف له عين، فاذبح واذكر اسم الله عليه، فهو حلال.

١١٠٣٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن الحسن:"حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم"، قال الحسن: أيَّ هذا أدركتَ ذكاته فذكِّه وكُلْ. فقلت: يا أبا سعيد، كيف أعرف؟ قال: إذا طرَفت بعينها، أو ضربت بذَنبها.

١١٠٣٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"إلا ما ذكيتم"، قال: فكلُّ هذا الذي سماه الله عز وجل ههنا، ما خلا لحم الخنزير، إذا أدركتَ منه عينًا تطرف، أو ذنبًا يتحرك، أو قائمة تركض [["الركض": حركة الرجل واضطرابها، أو الضرب بها. و"ارتكض الشيء": إذا اضطرب.]] فذكّيته، فقد أحلّ الله لك ذلك.

١١٠٣٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"إلا ما ذكيتم"، من هذا كله. فإذا وجدتها تطرف عينها، أو تحرك أذنها من هذا كله، فهي لك حلال.

١١٠٣٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم وعباد قالا أخبرنا حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدًا أو رجلا فكلها.

١١٠٣٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا معمر، عن إبراهيم قال: إذا أكل السبع من الصيد، أو الوقيذة أو النطيحة أو المتردية، فأدركت ذكاته، فكُل.

١١٠٣٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن سلام التميمي قال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب قال: إذا ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، وحركت ذنبها، فقد أجزأ. [[الأثر: ١١٠٣٨-"مصعب بن سلام التميمي" مضت ترجمته برقم: ٥٣٨٢.

و"جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب"، هو"جعفر الصادق"، مضت ترجمته برقم: ٢٠٠٣.

و"أبوه": "محمد بن علي بن الحسين"، وهو"محمد الباقر" مضى برقم: ٥١٢٣، ٥٤٦٣.]]

١١٠٣٩- حدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه قال: إذ ذبحت فَمَصَعَت بذنبها، أو تحركت، فقد حلَّت لك = أو قال: فَحَسْبه. [["مصعت بذنبها": حركته وضربت به. وكان في المطبوعة: "أو قال: فحسب"، والصواب من المخطوطة، أي: ذلك حسبه وكافيه ومجزئه، يعني من أراد أكلها.]]

١١٠٤٠- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن قال: إذا كانت الموقوذة تطرف ببصرها، أو تركض برجلها، أو تمصَع بذنبها، فاذبح وكُل.

١١٠٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن قتادة، بمثله.

١١٠٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع عبيد بن عمير يقول: إذا طرفت بعينها، أو مصعت بذنبها، أو تحركت، فقد حلَّت لك.

١١٠٤٣- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: كان أهل الجاهلية يأكلون هذا، فحرَّم الله في الإسلام إلا ما ذُكِّي منه، فما أُدرك فتحرّك منه رجل أو ذنب أو طَرف، فذكِّي، فهو حلال.

١١٠٤٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير"، وقوله:"والمنخنقة والموقوذة والمتردِّية والنطيحة"، الآية"وما أكل السبع إلا ما ذكيتم"، قال: هذا كله محرّم، إلا ما ذكيّ من هذا.

* *

فتأويل الآية على قول هؤلاء: حرمت الموقوذة والمتردِّية، إن ماتت من التردِّي والوقذ والنطح وفَرْس السبع، إلا أن تدركوا ذكاتها، فتدركوها قبل موتها، فتكون حينئذ حلالا أكلُها.

* *

وقال آخرون: هو استثناء من التحريم، وليس باستثناء من المحرَّمات التي ذكرها الله تعالى في قوله:"حرمت عليكم الميتة"، لأن الميتة لا ذكاة لها، ولا للخنزير. قالوا: وإنما معنى الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما سمينا مع ذلك، إلا ما ذكيتم مما أحلَّه الله لكم بالتذكية، فإنه لكم حلال. وممن قال ذلك جماعة من أهل المدينة.

ذكر بعض من قال ذلك:

١١٠٤٥- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك، وسئل عن الشاة التي يخرِق جوفها السبع حتى تخرجَ أمعاؤها، فقال مالك: لا أرى أن تذكَّى، ولا يؤكل أي شيء يذكَّى منها.

١١٠٤٦- حدثني يونس، عن أشهب قال: سئل مالك عن السبع يَعْدُو على الكبش فيدقُّ ظهره، أترى أن يذكَّى قبل أن يموت فيؤكل؟ قال: إن كان بلغ السَّحْر [["السحر" (بفتح فسكون) : هو الرئة، أو ما التزق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن.]] فلا أرى أن يؤكل. وإن كان إنما أصاب أطرافه، فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدقَّ ظهره؟ قال: لا يعجبني أن يؤكل، هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ قال: إذا شق بطنها، فلا أرى أن تؤكل.

* *

وعلى هذا القول يجب أن يكون قوله:"إلا ما ذكيتم"، استثناء منقطعًا.

= فيكون تأويل الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما ذكرنا، ولكن ما ذكيتم من الحيوانات التي أحللتها لكم بالتذكية حلال.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب، القول الأول، وهو أن قوله:"إلا ما ذكيتم" استثناء من قوله:"وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع"، لأن كل ذلك مستحق الصفة التي هو بها قبل حال موته [[في المخطوطة: "موتها"، وهما سواء.]] فيقال لما قرَّب المشركون لآلهتهم فسموه لهم:"هو ما أهل لغير الله به"، بمعنى سمى قربانًا لغير الله. وكذلك"المنخنقة"، إذا انخنقت وإن لم تمت، فهي منخنقة. وكذلك سائر ما حرمه الله جل وعز بعد قوله:"وما أهل لغير الله به"، إلا بالتذكية، فإنه يوصف بالصفة التي هو بها قبل موته، فحرمه الله على عباده إلا بالتذكية المحللة، دون الموت بالسبب الذي كان به موصوفًا. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: وحرم عليكم ما أهل لغير الله به والمنخنقة وكذا وكذا وكذا، إلا ما ذكيتم من ذلك.

فـ"ما" = إذ كان ذلك تأويله = في موضع نصب بالاستثناء مما قبلها. وقد يجوز فيه الرفع.

وإذ كان الأمر على ما وصفنا، فكل ما أدركت ذكاتُه من طائر أو بهيمة قبل خروج نفسه، ومفارقة روحه جسدَه، فحلال أكله، إذا كان مما أحلَّه الله لعباده.

* *

فإن قال لنا قائل: فإذ كان ذلك معناه عندك، فما وجه تكريره ما كرّر بقوله:"وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية"، وسائر ما عدَّد تحريمه في هذه الآية، وقد افتتح الآية بقوله:"حرمت عليكم الميتة"؟ وقد علمت أن قوله:"حرمت عليكم الميتة"، شامل كل ميتة، كان موته حتف أنفه من علة به من غير جناية أحد عليه، أو كان موته من ضرب ضاربٍ إياه، أو انخناق منه، أو انتطاح، أو فَرْس سبع؟ وهلا كان قوله = إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك، من أنه معنيٌّ بالتحريم في كل ذلك: الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك، دون أن يكون معنيًّا به تحريمه إذا تردّى أو انخنق أو فرسه السبع، فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه إلا باليسير من الحياة [[سياق هذه العبارة المطولة: "وهلا كان قوله..: حرمت عليكم الميتة، مغنيًا من تكرير ما كرر.. وتعداده ما عدد"، وما بينهما فصل وضعته بين خطين.]] "حرمت عليكم الميتة"، مغنيًا من تكرير ما كرر بقوله:"وما أهل لغير الله به والمنخنقة"، وسائر ما ذكر مع ذلك، وتَعْدادِه ما عدَّد؟

قيل: وجه تكراره ذلك = وإن كان تحريم ذلك إذا مات من الأسباب التي هو بها موصوف، وقد تقدم بقوله:"حرمت عليكم الميتة" = أن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا لا يعدُّون"الميتة" من الحيوان، إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردِّي والانتطاح وفرس السبع. فأعلمهم الله أن حكم ذلك، حكم ما مات من العلل العارضة = وأن العلة الموجبة تحريم الميتة، ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أجل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به [[في المطبوعة: "من أحل ذبيحته"، والصواب ما في المخطوطة، وهي فيها منقوطة. ويعني: من أجل أن تكون ذبيحة له ياكلها.]] كالذي:-

١١٠٤٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم"، يقول: هذا حرام، لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدّونه ميتًا، إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. فحرمه الله عليهم، إلا ما ذكروا اسم الله عليه، وأدركوا ذكاته وفيه الروح. [[الأثر: ١١٠٤٧- هو تمام الأثر السالف رقم: ١١٠٢٤.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"وما ذبح على النصب"، وحرم عليكم أيضًا الذي ذبح على النُّصُب.

فـ"ما" في قوله:"وما ذبح"، رفْعٌ، عطفًا على"ما" التي في قوله:"وما أكل السبع".

و"النصب"، الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض، فكان المشركون يقرِّبون لها، وليست بأصنام.

وكان ابن جريج يقول في صفته ما:-

١١٠٤٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج:"النصب" ليست بأصنام،"الصنم" يصوَّر وينقش، وهذه حجارة تنصب، ثلثمئة وستون حجرًا [[قوله: "ثلثمئة وستون حجرًا"، يعني عدة الأنصاب التي كانت حول الكعبة، انظر ابن سعد ٢/١/٩٨: "وطاف رسول الله ﷺ، وحول الكعبة ثلثمئة وستون صنما"، ولكن هذه أصنام لا أنصاب كما ترى.]] منهم من يقول ثلثمئة منها لخزاعة [[في المطبوعة والمخطوطة: "بخزاعة" بالباء، والصواب ما أثبت.]] = فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت [["نضح الدم أو الماء": رشه به.]] وشرَّحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. [["شرح اللحم"، وهو أن يقطع بضعة من اللحم ويرققها، حتى تشف من رقتها. و"الشريحة": القطعة المرققة منه كذلك.]] فقال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحقُّ أن نعظمه! فكأن النبي ﷺ لم يكره ذلك، فأنزل الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [سورة الحج: ٣٧] .

* *

ومما يحقق قول ابن جريج في أن"الأنصاب" غير"الأصنام"، ما:-

١١٠٤٩- حدثنا به ابن وكيع قال: حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وما ذبح على النصب"، قال: حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية.

١١٠٥٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"النصب"، قال: حجارة حول الكعبة، يذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجارة أعجب إليهم منها.

١١٠٥١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١١٠٥٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وما ذبح على النصب"، و"النصب": حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها، ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك.

١١٠٥٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وما ذبح على النصب"، يعني: أنصابَ الجاهلية.

١١٠٥٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وما ذبح على النصب"، و"النصب"، أنصاب كانوا يذبحون ويُهِلُّون عليها.

١١٠٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قوله:"وما ذبح على النصب"، قال: كان حول الكعبة حجارة كان يَذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجر هو أحبّ إليهم منها.

١١٠٥٦- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول:"الأنصاب"، حجارة كانوا يهلّون لها، ويذبحون عليها.

١١٠٥٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وما ذبح على النُّصب"، قال:"ما ذبح على النصب" و"ما أهل لغير الله به"، وهو واحد. [[في المطبوعة: "هو واحد"، بغير واو، والذي في المخطوطة أجود.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، وأن تطلبوا علم ما قُسِم لكم أو لم يقسم، بالأزلام.

* *

وهو"استفعلت" من"القَسْم" قَسْم الرزق والحاجات. وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا أو نحو ذلك، أَجال القداح = وهي"الأزلام" وكانت قِداحًا مكتوبًا على بعضها:"نهاني ربّي"، وعلى بعضها:"أمرني ربّي" = فإن خرج القدح الذي هو مكتوب عليه:"أمرني ربي"، مضى لما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك. وإن خرج الذي عليه مكتوب:"نهاني ربي"، كفّ عن المضي لذلك وأمسك، فقيل:"وأن تستقسموا بالأزلام"، لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يسألون أزلامهم أن يَقْسِمن لهم، ومنه قول الشاعر مفتخرًا بترك الاستقسام بها: [[أعياني أن أعرف قائله، وهو شبيه بكلام أمية بن أبي الصلت، وليس في ديوانه.]]

وَلَمْ أَقْسِمْ فَتَرْبُثَنِي القُسُومُ [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٢، وقوله"لم أقسم"، من"قسمت أمري أقسمه قسما"، أي: قدرته ونظرت، وميلت فيه أن أفعله أو لا أفعله. وقالوا: "تركت فلانًا يقتسم، وتركته يستقسم": أي يفكر ويروي بين أمرين. وكذلك فعل من يستقسم بالأزلام، فاستعمل"أقسم" بمعنى"الاستقسام بالأزلام" في هذا البيت. و"القسوم" جمع"قسم" (بكسر القاف وسكون السين) : الحظ، وجمعه"أقسام"، ولكنه جمع على"قسوم"، كجمع"حلم" على"حلوم" و"أحلام".]]

* *

وأما"الأزلام"، فإن واحدها"زَلَم"، ويقال:"زُلَم"، وهي القداح التي وصفنا أمرها. [["زلم" (بفتحتين) و"زلم" (بضم الزاي وفتح اللام) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٥٨- حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: القداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحًا للجلوس والخروج. فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا.

١١٠٥٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: حصًى بيضٌ كانوا يضربون بها.

= قال أبو جعفر: قال لنا سفيان بن وكيع: هو الشطرنج. [[هذا قول في غاية الغرابة!! كأنه كان يجهل ما الشطرنج = أو كأنه كان يرى أنهم يفعلون ذلك بقطع الشطرنج، دون أن يكون هذا الفعل هو اللعب بالشطرنج.]]

١١٠٦٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عباد بن راشد البزّار، عن الحسن في قوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: كانوا إذا أرادوا أمرًا أو سفرًا، يعمَدون إلى قداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب:"أؤمرني"، وعلى الآخر:"انهني"، ويتركون الآخر محلَّلا بينهما ليس عليه شيء. ثم يجيلونها، فإن خرج الذي عليه"أؤمرني" مضوا لأمرهم. وإن خرج الذي عليه"انهني" كفُّوا، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها. [[الأثر: ١١٠٦٠-"عباد بن راشد التميمي البزار"، ابن أخت داود بن أبي هند. روى عن ثابت البناني، والحسن البصري، وداود بن أبي هند، وقتادة. روى عنه هشيم، وعبد الرزاق، وأبو عامر العقدي، وغيرهم. ذكره البخاري في الضعفاء، وروى له مقرونًا بغيره، متكلم فيه. مترجم في التهذيب.]]

١١٠٦١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وأن تستقسموا بالأزلام"، حجارة كانوا يكتبون عليها، يسمونها"القِداح".

١١٠٦٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"بالأزلام"، قال: القداح، يضربون لكل سفر وغزوٍ وتجارة.

١١٠٦٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١١٠٦٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: كِعابُ فارس التي يقمُرون بها، وسهام العرب.

١١٠٦٥- حدثني أحمد بن حازم الغفاري قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زهير، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها.

١١٠٦٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: كان الرجل إذا أراد أن يخرج مسافرًا، كتب في قدح:"هذا يأمرني بالمكث" و"هذا يأمرني بالخروج"، وجعل معهما منيحة. [[في المطبوعة والمخطوطة: "معها"، والصواب التثنية. وفي المطبوعة: "منيحًا"، وهو صواب في المعنى. ولكني أثبت ما في المخطوطة. وذلك أن"المنيح" -كما في المطبوعة- هو القدح المستعار من قداح الميسر، وهو الغفل الذي لا نصيب له، إلا أن يمنح صاحبه شيئًا، فيستعار ويتيمن به. وأما "المنيحة"، فهي الناقة أو الشاة المعارة أيضًا، فنظر إلى معنى المستعار فسمى هذا الشيء الذي لا أمر له في الاستقسام"منيحة"، كما سموا شبيهه في الميسر"منيحًا" وهو المستعار.]] شيء لم يكتب فيه شيئًا، ثم استقسم بها حين يريد أن يخرج. فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث، وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحد القِدْحين.

١١٠٦٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وأن تستقسموا بالأزلام"، وكان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم خروجًا، أخذ قدحًا فقال:"هذا يأمر بالخروج"، فإن خرج فهو مصيب في سفره خيرًا، ويأخذ قِدحًا آخر فيقول:"هذا يأمر بالمكوث"، فليس يصيب في سفره خيرًا، و"المنيح" بينهما. فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه.

١١٠٦٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال: كانوا يستقسمون بها في الأمور.

١١٠٦٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"الأزلام"، قداح لهم. كان أحدهم إذا أراد شيئًا من تلك الأمور كتب في تلك القداح ما أراد، فيضرب بها، فأي قدح خرج = وإن كان أبغض تلك = ارتكبه وعمل به.

١١٠٧٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وأن تستقسموا بالأزلام"، قال:"الأزلام"، قداح كانت في الجاهلية عند الكهنة، فإذا أراد الرجل أن يسافر، أو يتزوج، أو يحدث أمرًا، أتى الكاهن فأعطاه شيئًا، فضرب له بها. فإن خرج منها شيء يعجبه، أمره ففعل. وإن خرج منها شيء يكرهه، نهاه فانتهى، كما ضرب عبد المطلب على زمزم، وعلى عبد الله والإبل. [[انظر خبر عبد المطلب وعبد الله في سيرة ابن هشام ١: ١٦٠-١٦٤.]]

١١٠٧١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: سمعنا أنّ أهل الجاهلية كانوا يضربون بالقداح في الظَّعْن والإقامة أو الشيء يريدونه، فيخرج سهم الظعن فيظعنون، والإقامة فيقيمون.

* *

وقال ابن إسحاق في"الأزلام"، ما:-

١١٠٧٢- حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كانت هُبَل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئْر هي التي يجمع فيها ما يُهدي للكعبة. وكانت عند هبل سبعة أقْدُح [[في المطبوعة: "أقداح"، وأثبت ما في المخطوطة، وجمع"قدح": أقداح، وقداح، وأقدح، كله صواب.]] كل قِدْح منها فيه كتاب. قدح فيه:"العقل" [["العقل" الدية.]] إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، [فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله] [[هذه الزيادة بين القوسين من ابن هشام، ولا بد من زيادتها لتمام الكلام.]] وقدح فيه:"نعم" للأمر إذا أرادوه، يضرب به، فإن خرج قدح"نعم" عملوا به. وقدح فيه:"لا"، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر. وقِدْح فيه:"منكم". وقدح فيه:"مُلْصَق". [[في المخطوطة: "يلصق"، وفوقها"كذا"، أي هو كذلك في التي نسخ عنها، والصواب ما في المطبوعة، وسيرة ابن هشام.]] وقدح فيه:"من غيركم". وقدح فيه:"المياه"، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا [[في المطبوعة: "أن يجتبوا غلامًا"، وهو لا معنى له، والمخطوطة غير منقوطة، والصواب، في سيرة ابن هشام، كما أثبتها.]] أو أن ينكحوا مَنكحًا، أو أن يدفنوا ميتًا، أو شكوا في نسب واحد منهم [[في المطبوعة: "أو يشكوا" مضارعًا، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.]] ذهبوا به إلى هبل وبمئة درهم، وبجَزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا:"يا إلهنا، هذا فلان بن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه". ثم يقولون لصاحب القداح:"اضرب"، فيضرب، فإن -[خرج عليه"منكم" كان وسيطًا. وإن] خرج عليه:"من غيركم"، كان حليفًا [[ما بين القوسين زيادة من ابن هشام، وهي السياق بغير شك. و"الوسيط": هو الخالص النسب، الشريف في قومه.]] وإن خرج"ملصق" كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به"نعم"، عملوا به. وإن خرج"لا"، أخّروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى. ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. [[الأثر: ١١٠٧٢- سيرة ابن هشام ١: ١٦٠، ١٦١.]]

١١٠٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"وأن تستقسموا بالأزلام"، يعني: القداح، كانوا يستقسمون بها في الأمور.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ذلكم"، هذه الأمور التي ذكرها، وذلك: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وسائر ما ذكر في هذه الآية مما حرم أكله، والاستقسام بالأزلام، ="فسق"، يعني: خروج عن أمر الله عز ذكره وطاعته، إلى ما نهى عنه وزجر، إلى معصيته. [[انظر تفسير"الفسق" فيما سلف ١: ٤٠٩، ٤١٠/٢: ١١٨، ٣٩٩/٤: ١٣٥-١٣٧/٦: ٩١، ٩٢/٧: ١٠٧.

وفي المطبوعة: "وزجر، وإلى معصيته" بزيادة الواو، وكلتاهما صواب.]] كما:-

١١٠٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"ذلكم فسق"، يعني: من أكل من ذلك كله فهو فسق.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود، أيها المؤمنون، ="من دينكم"، يقول: من دينكم أن تتركوه فترتدُّوا عنه راجعين إلى الشرك، كما:-

١١٠٧٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، يعني: أن ترجعوا إلى دينهم أبدًا.

١١٠٧٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، قال: أظنُّ، يئسوا أن ترجعوا عن دينكم. [[أنا في شك من قوله: "أظن" هنا، وهي في المخطوطة غير منقوطة.]]

* *

فإن قال قائل: وأيُّ يوم هذا اليوم الذي أخبرَ الله أن الذين كفروا يئسوا فيه من دين المؤمنين؟

قيل: ذكر أن ذلك كان يوم عرفة، عام حج النبي ﷺ حجة الوداع، وذلك بعد دخول العرب في الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٧٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال مجاهد:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"،"اليوم أكملت لكم دينكم"، هذا حين فعلت. قال ابن جريج: وقال آخرون [[قوله: "وقال آخرون" هو من قول ابن جريج فيما أرجح، ولذلك جعلته في الخبر.]] ذلك يوم عرفة، في يوم جمعة، لما نظر النبي ﷺ فلم ير إلا موحِّدًا، ولم ير مشركًا، حمد الله، فنزل عليه جبريل عليه السلام:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، أن يعودوا كما كانوا.

١١٠٧٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم"، قال: هذا يوم عرفة.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك: فلا تخشوا، أيها المؤمنون، هؤلاء الذين قد يئسوا من دينكم أن ترجعوا عنه من الكفار، ولا تخافوهم أن يظهروا عليكم، فيقهروكم ويردُّوكم عن دينكم ="واخشون"، يقول: ولكن خافونِ، إن أنتم خالفتم أمري واجترأتم على معصيتي، وتعدَّيتم حدودي، أن أُحِلَّ بكم عقابي، وأنزل بكم عذابي. [[انظر تفسير"الخشية" فيما سلف ١: ٥٥٩، ٥٦٠/٢: ٢٣٩، ٢٤٣/٨: ٥٤٨.]] كما:-

١١٠٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"فلا تخشوهم واخشون"، فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: يعني جل ثناؤه بقوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"، اليوم أكملت لكم، أيها المؤمنون، فرائضي عليكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيي، وحلالي وحرامي، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بيَّنت لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتُها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم. قالوا: وكان ذلك في يوم عرفة، عام حجَّ النبي ﷺ حجة الوَدَاع. وقالوا: لم ينزل على النبي ﷺ بعد هذه الآية شيء من الفرائض، ولا تحليل شيء ولا تحريمه، وأن النبي ﷺ لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٨٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"، وهو الإسلام. قال: أخبر الله نبيَّه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يَسْخَطه أبدًا.

١١٠٨١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"، هذا نزل يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام. ورجع رسول الله ﷺ فمات. فقالت أسماء بنت عُمَيس: حججت مع رسول الله ﷺ تلك الحجة، فبينما نحن نسير، إذ تجلّى له جبريل ﷺ على الرَّاحلة، فلم تطق الراحلة من ثِقْل ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجَّيت عليه برداء كان علي. [["سجاه بالثوب تسجية": غطاه به.]]

١١٠٨٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: مكث النبي ﷺ بعد ما نزلت هذه الآية، إحدى وثمانين ليلة، قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم".

١١٠٨٣- حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: لما نزلت:"اليوم أكملت لكم دينكم"، وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذ كمل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص! فقال: صدقت. [[إنما عنى بنقصان الدين، أهل الدين، فإنهم إذا تطاول عليهم الأمد، قست قلوبهم، وقل تمسك بعضهم بما أمر به. ومعاذ الله أن يعني عمر، نقصان الدين نفسه. ومثله قوله ﷺ"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".]]

١١٠٨٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن هارون بن أبي وكيع، عن أبيه، فذكر نحو ذلك. [[الأثر: ١١٠٨٤-"أحمد بن بشير الكوفي"، مضى برقم: ٧٨١٩.

و"هرون بن أبي وكيع"، هو: "هرون بن عنترة بن عبد الرحمن" الماضي في الأثر قبله، ومضت ترجمته برقم: ٤٠٥.

وأبوه: "عنترة بن عبد الرحمن" وكنيته"أبو وكيع"، مضى أيضًا برقم: ٤٠٥.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك:"اليوم أكملت لكم دينكم"، حجكم، فأفردتم بالبلد الحرام تحُجُّونه، أنتم أيها المؤمنون، دون المشركين، لا يخالطكم في حَجِّكم مشرك.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبي غَنِيَّة، عن أبيه، عن الحكم:"اليوم أكملت لكم دينكم"، قال: أكمل لهم دينهم: أن حجوا ولم يحجَّ معهم مشرك. [[الأثر: ١١٠٨٥-"يحيى بن أبي غنية" هو: "يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية"، مضى برقم: ١٠٥٩٧، وهو هذا الإسناد نفسه.

وأبوه"عبد الملك بن حميد بن أبي غنية"، مضى أيضا برقم: ٨٥٣٥، ١٠٥٩٧.

و"الحكم" هو"الحكم بن عتيبة" مضى مرارًا.

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "يحيى بن أبي عتيبة"، وهو تصحيف.]]

١١٠٨٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"اليوم أكملت لكم دينكم"، قال: أخلص الله لهم دينهم، ونفى المشركين عن البيت.

١١٠٨٧- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"اليوم أكملت لكم دينكم"، قال: تمام الحج، ونفي المشركين عن البيت.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيه ﷺ والمؤمنين به، أنه أكمل لهم = يوم أنزل هذه الآية على نبيه = دينَهم، بإفرادهم بالبلدَ الحرام [[في المطبوعة: "بإفرادهم بالبلد الحرام" بالباء، وهو الذي تقوله كتب اللغة، وأما الذي في المخطوطة، وهو ما أثبته. فله وجه صحيح في العربية، فيما أرى، فتركته على حاله. وظني أني قرأته كذلك متعديًا في بعض كتب أبي جعفر أو غيره، فإن عثرت عليه أثبته إن شاء الله.]] وإجلائه عنه المشركين، حتى حجَّه المسلمون دونهم لا يخالطهم المشركون.

فأما الفرائض والأحكام، فإنه قد اختلف فيها: هل كانت أكملت ذلك اليوم، أم لا؟ فروي عن ابن عباس والسدّي ما ذكرنا عنهما قبل. [[يعني ما سلف رقم: ١١٠٨٠، ١١٠٨١.]]

وروي عن البراء بن عازب أن آخر آية نزلت من القرآن: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [سورة النساء: ١٧٦] . [[انظر ما سلف رقم: ١٠٨٧٠- ١٠٨٧٣.]]

= ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله ﷺ إلى أن قُبِض، بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعًا. فإذ كان ذلك كذلك = وكان قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ آخرَها نزولا وكان ذلك من الأحكام والفرائض = كان معلومًا أن معنى قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم"، على خلاف الوجه الذي تأوَّله من تأوَّله = أعني: كمال العبادات والأحكام والفرائض.

فإن قال قائل: فما جعل قولَ من قال:"قد نزل بعد ذلك فرض"، أولى من قول من قال:"لم ينزل"؟

قيل: لأن الذي قال:"لم ينزل"، مخبر أنه لا يعلم نزول فرض، والنفي لا يكون شهادة، والشهادة قول من قال:"نزل". وغير جائز دفع خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقًا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وأتممت نعمتي، أيها المؤمنون، بإظهاركم على عدوِّي وعدوكم من المشركين، ونفيِي إياهم عن بلادكم، وقطعي طمعهم من رجوعكم وعودكم إلى ما كنتم عليه من الشرك.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٠٨٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: كان المشركون والمسلمون يحجُّون جميعًا، فلما نزلت"براءة"، فنفى المشركين عن البيت، وحجَّ المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة:"وأتممت عليكم نعمتي".

١١٠٨٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" الآية، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ يوم عرفة، يوم جمعة، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، وأخلص للمسلمين حجَّهم.

١١٠٩٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا داود، عن الشعبي قال: نزلت هذه الآية بعرفات، حيث هدم مَنار الجاهلية [["المنار": علم الطريق، وحدود الأرض. وأراد به شرائع أهل الجاهلية.]] واضمحلَّ الشرك، ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك.

١١٠٩١- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"، قال، نزلت على رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفات، وقد أطاف به الناس، وتهدَّمت مَنار الجاهلية ومناسكهم، واضمحلّ الشرك، ولم يَطُف حول البيت عُرْيان، فأنزل الله:"اليوم أكملت لكم دينكم".

١١٠٩٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، بنحوه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ورضيت لكم الاستسلام لأمري، والانقياد لطاعتي، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه [[انظر تفسير"الإسلام" فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (سلم) .]] ="دينًا"، يعني بذلك: طاعة منكم لي. [[انظر تفسير"الدين" فيما سلف ١: ١٥٥، ٢٢١/٣: ٥٧١، ٥٧٢/٦: ٢٧٣-٢٧٥، ٥٦٤، ٥٧٠.]]

* *

فإن قال قائل: أوَ ما كان الله راضيًا الإسلامَ لعباده إلا يوم أنزل هذه الآية؟

قيل: لم يزل الله راضيًا لخلقه الإسلام دينًا، ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرِّف نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه، ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية:"ورضيت لكم الإسلام" بالصفة التي هو بها اليوم [[في المطبوعة والمخطوطة: "ورضيت لكم الإسلام دينًا، بالصفة.."، والصواب حذف"دينًا" من هذا الموضع، لأنها ستأتي بعد، وهو سهو من عجلة الناسخ.]] والحال التي أنتم عليها اليوم منه ="دينًا" فالزموه ولا تفارقوه.

* *

وكان قتادة يقول في ذلك، ما:-

١١٠٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يَمْثُل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخير، حتى يجيء الإسلام فيقول:"رب، أنت السلام وأنا الإسلام"، فيقول:"إياك اليوم أقبل، وبك اليوم أجزي". [[الأثر: ١١٠٩٣- روى أبو داود الطيالسي في مسنده: ٣٢٤ من حديث أبي هريرة: "حدثنا عباد بن راشد قال، حدثنا الحسن قال، حدثنا أبو هريرة ونحن إذ ذاك في المدينة قال: يجيء الإسلام يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: "أنت الإسلام وأنا السَّلام، اليومَ بك أُعْطِي وبك آخُذ".]]

* *

= وأحسب أن قتادة وجّه معنى"الإيمان" بهذا الخبر إلى معنى التصديق والإقرار باللسان، لأن ذلك معنى"الإيمان" عند العرب [[انظر تفسير"الإيمان" فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (أمن) .]] = ووجَّه معنى"الإسلام" إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد، وانقياد الجسد له بالطاعة فيما أمر ونهى، فلذلك قيل للإسلام:"إياك اليوم أقبل، وبك اليوم أجزي".

* *

ذكر من قال: نزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع على رسول الله ﷺ.

١١٠٩٤- حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال، قالت اليهود لعمر: إنكم تقرأون آية لو أنزلت فينا لاتخذناها عيدًا! فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حين أنزلت: أنزلت يوم عرفة، ورسول الله ﷺ واقف بعرفة = قال سفيان: وأشك، كان يوم الجمعة أم لا ="اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا. " [[الأثر: ١١٠٩٤- رواه أحمد في المسند رقم: ٢٧٢ عن عبد الرحمن، عن سفيان بمثله. ورواه البخاري (الفتح ٨: ٢٠٣) عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن، كطريق أبي جعفر، ورواه مسلم ١٨: ١٥٢، عن محمد بن المثنى وزهير بن حرب، عن عبد الرحمن.

وفيها جميعًا"لأعلم حيث أنزلت"، و"وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت"، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح.

وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ٢: ٦٧، وزاد نسبته للترمذي والنسائي. ثم قال: "وشك سفيان رحمه الله. إن كان في الرواية فهو تورع، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا. وإن كان شكا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا مالا إخاله يصدر عن الثوري رحمه الله، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير ولا الفقهاء. وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها، والله أعلم".]]

١١٠٩٥- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال، قال يهودي لعمر: لو علمنا معشر اليهود حين نزلت هذه الآية:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، لو نعلم ذلك اليوم، اتخذنا ذلك اليوم عيدًا! فقال عمر: قد علمت اليوم الذي نزلت فيه، والساعة، وأين رسول الله ﷺ حين نزلت: نزلت ليلة الجمعة، ونحن مع رسول الله ﷺ بعرفات = لفظ الحديث لأبي كريب، وحديث ابن وكيع نحوه. [[الأثر: ١١٠٩٥- رواه من هذه الطريق مسلم في صحيحه ١٨: ١٥٣، عن أبي بن أبي شيبة وأبي كريب، عن عبد الله بن إدريس.

وفيه: "نزلت ليلة جمع". قال النووي في شرحه: "هكذا هو في النسخ، الرواية: ليلة جمع = وفي نسخة ابن ماهان: ليلة جمعة. وكلاهما صحيح. فمن روى"ليلة جمع"، فهي ليلة المزدلفة، وهو المراد بقوله: "ونحن بعرفات" في يوم جمعة، لأن ليلة جمع، هي عشية يوم عرفات، ويكون المراد بقوله: "ليلة جمعة"، يوم جمعة. ومراد عمر رضي الله عنه: إنا قد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا من وجهين، فإنه يوم عرفة، ويوم جمعة، وكل واحد منهما عيد لأهل الإسلام".]]

١١٠٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن عمر، نحوه. [[الأثر: ١١٠٩٦- هذا الحديث، رواه البخاري (الفتح ١: ٩٧) من طريق الحسن بن الصباح، عن جعفر بن عون، عن أبي العميس.

ورواه أحمد في المسند رقم: ١٨٨، من طريق جعفر بن عون، عن أبي عميس.

ورواه مسلم في صحيحه ١٨: ١٥٤، من طريق عبد بن حميد، عن جعفر بن عون، والنسائي في السنن ٨: ١١٤.

هذا، وقد بين الحافظ ابن حجر في الفتح (١: ٩٧) أن هذا الرجل من اليهود: "هو كعب الأحبار، بين ذلك مسدد في مسنده، والطبري في تفسيره، والطبراني في الأوسط، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عبادة بن نسي (بضم النون، وفتح المهملة) ، عن إسحق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن كعب". وهذا هو الأثر الآتي رقم: ١١١٠٠ (انظر التعليق عليه، وما فيه من الخطأ) وأشار في الموضع الآخر (الفتح ٨: ٢٠٣) إلى احتمال أن سؤال كعب وقع قبل إسلامه، لأن إسلامه كان في خلافة عمر على المشهور، وأطلق عليه ذلك باعتبار ما مضى.]]

١١٠٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حماد بن سلمة، عن عمار مولى بني هاشم قال: قرأ ابن عباس:"اليوم أكملت لكم دينكم"، وعنده رجل من أهل الكتاب فقال: لو علمنا أيَّ يوم نزلت هذه الآية، لاتخذناه عيدًا! فقال ابن عباس: فإنها نزلت يوم عرفة، يوم جمعة. [[الأثر: ١١٠٩٧- خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده: ٣٥٣، رواه عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، وسيأتي بطريق أخرى في الذي يليه.]]

١١٠٩٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار: أن ابن عباس قرأ:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتخذنا يومها عيدًا! فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة. [[الأثر: ١١٠٩٨- خرجه الترمذي في كتاب التفسير، من طريق عبد بن حميد، عن يزيد بن هرون، عن حماد، وفيه: "نزلت في يوم عيدين، في يوم الجمعة، ويوم عرفة". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس".

وأشار إليه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٥٨، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والطبراني، والبيهقي في الدلائل.]]

١١٠٩٩- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، نحوه.

١١١٠٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا رجاء بن أبي سلمة قال، أخبرنا عبادة بن نسيّ قال، حدثنا أميرنا إسحاق = قال أبو جعفر: إسحاق، هو ابن خَرَشة = عن قبيصة قال، قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه! فقال عمر: أيُّ آية يا كعب؟ فقال:"اليوم أكملت لكم دينكم". فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه: يوم جمعة، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ. [[الأثر: ١١١٠٠-"رجاء بن أبي سلمة مهران"، "أبو المقدام" الفلسطيني. روى عن عمر بن عبد العزيز، وعمرو بن شعيب والزهري وغيرهم. وروى عنه ابن عون، وهو من شيوخه، والحمادان، وابن علية. ثقة، كان من أفاضل أهل زمانه. مترجم في التهذيب.

و"عبادة بن نسي الكندي"، الشامي الأردني، قاضي طبرية. روى عن أوس بن أوس الثقفي، وشداد بن أوس، وعبادة بن الصامت، وكعب بن عجرة، وغيرهم. روى عنه رجاء بن أبي سلمة، وغيره. قال ابن سعد في تابعي أهل الشام: "ثقة". وقال البخاري: "عبادة بن نسى الكندي" سيدهم. قال مسلمة بن عبد الملك: "إن في كندة لثلاثة نفر، إن الله لينزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: عبادة بن نسي، ورجاء بن حيوة، وعدي بن عدي". مات سنة ١١٨. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٩٦.

و"نسي" بضم النون، وفتح السين، والياء المشددة". وأما "إسحق"، فإن أبا جعفر زعم أنه ابن خرشة، ولم أجد في الرواة ولا في الأمراء"إسحق بن خرشة". وأما "ابن خرشة"، فهو: "عثمان بن إسحق بن خرشة (بفتح الخاء والراء) القرشي" روى عنه الزهري، ولم يذكر لعبادة بن نسي رواية عنه، ولا هو كان أميرًا. ونسبه كما رواه ابن سعد ٥: ١٨٠ هو: "عثمان بن إسحق بن عبد الله بن أبي خرشة بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي"، ونسبه أيضًا المصعب في نسب قريش: ٤٣٢، وقال: "روى عنه ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب حديث الجدة"، وهو الحديث الذي رواه أصحاب السنن الأربعة (سنن أبي داود ٣: ١٦٧ رقم: ٢٨٩٤) ، من طريق مالك في الموطأ: ٥١٣ بروايته عن"ابن شهاب، عن عثمان بن إسحق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب".

فلست أشك أن أبا جعفر قد وهم، فأراد تعريف"إسحق" في إسناده هذا، فسبق إلى وهمه"ابن خرشة"، وهو"عثمان بن إسحق بن خرشة" لا"إسحق بن خرشة".

أما "إسحق" في هذا الخبر، فلست أشك أنه"إسحق بن قبيصة بن ذؤيب"، يرويه عن أبيه"قبيصة بن ذؤيب".

وذلك، أولا: لأن"إسحق بن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي"، يروي عن أبيه، وعن كعب الأحبار.

ثانيا: أن"عبادة بن نسي" الأردني، قاضي طبرية، مذكور في ترجمته، وأنه يروي عن إسحق بن قبيصة بن ذؤيب.

ثالثًا: أن"إسحق بن قبيصة بن ذؤيب" هو الذي كان أميرًا، كان عامل هشام على الأردن، كما قال أبو زرعة الدمشقي. وقال ابن سميع: "كان على ديوان الزمني في أيام الوليد". وعبادة بن نسي قاض من قضاة الأردن كما ذكرت.

فالذي لا شك فيه عندي، أن"إسحق" في هذا الإسناد: هو إسحق بن قبيصة بن ذؤيب، يروي عن أبيه، وأن أبا جعفر قد وهم في بيانه، وخلط.

وقد أشرت في التعليق على الأثر رقم: ١١٠٩٦، ما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١: ٩٧) ، نقلا عن هذا الموضع من الطبري، ولكنه نسبه أيضًا إلى مسدد في مسنده، وإلى الطبراني في الأوسط، وليسا عندي، ولكن إذا كان ذلك في واحد منهما، فإن الخطأ فيه، أقدم من أبي جعفر. وكتبه محمود محمد شاكر.

وفي المطبوعة هنا: "وكلاهما بحمد الله"، وفي المخطوطة: "وكليهما"، ولها وجه في العربية.]]

١١١٠١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن عيسى بن جارية الأنصاري قال: كنا جلوسًا في الديوان، فقال لنا نصراني: يا أهل الإسلام، لقد نزلت عليكم آية لو نزلت علينا، لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيدًا ما بقي منا اثنان:"اليوم أكملت لكم دينكم"! فلم يجبه أحد منا، فلقيت محمد بن كعب القرظي، فسألته عن ذلك فقال: ألا رددتم عليه؟ فقال: قال عمر بن الخطاب: أنزلت على النبي ﷺ وهو واقف على الجبل يوم عرفة، فلا يزال ذلك اليوم عيدًا للمسلمين ما بقي منهم أحد. [[الأثر: ١١١٠١-"حكام" هو"حكام بن سلم الكناني"، ثقة، روى عنه الطبري فأكثر فيما سلف، و"عنبسة" هو: عنبسة بن سعيد بن الضريس الأسدي، مضى مرارًا أيضًا، ترجم في رقم: ٢٢٤، ٣٣٥٦، ٥٣٨٥.

و"عيسى بن جارية الأنصاري"، روى عن جرير البجلي، وجابر بن عبد الله، وابن المسيب، وغيرهم، وروى عنه يعقوب القمي، وعنبسة بن سعيد. تكلم فيه ابن معين قال: "عنده مناكير". وقال أبو داود: "منكر الحديث". مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٧٣.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عيسى بن حارثة"، وهو خطأ.]]

١١١٠٢- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر قال: أنزلت على رسول الله ﷺ:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، عشيَّة عرفة، وهو في الموقف.

١١١٠٣- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود قال: قلت لعامر: إن اليهود تقول: كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه؟ فقال عامر: أو ما حفظته؟ قلت له: فأيّ يوم؟ قال: يوم عرفة، أنزل الله في يوم عرفة.

١١١٠٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: بلغنا أنها نزلت يوم عرفة، ووافق يوم الجمعة.

١١١٠٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن حبيب، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة: أن عمر بن الخطاب قال: نزلت"سورة المائدة" يوم عرفة، ووافق يوم الجمعة.

١١١٠٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن ليث، عن شهر بن حوشب قال: نزلت"سورة المائدة" على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة على راحلته، فتنوَّخَتْ لأن يُدَقَّ ذراعها. [["أنخت البعير فاستناخ"، و"نوخته، فتنوخ": أي برك. قال ابن الأعرابي: "يقال تنوخ البعير، ولا يقال: ناخ، ولا أناخ".

وقوله: "لأن يدق ذراعها"، أي: مخافة أن يدق ذراعها.]]

١١١٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت"سورة المائدة" جميعًا وأنا آخذة بزمام ناقة رسول الله ﷺ العضباء. قالت: فكادت من ثقلها أن يُدَقَّ عضد الناقة. [[الأثر: ١١١٠٧-"أسماء بنت يزيد بن السكن" الأنصارية الأشهلية، "أم سلمة"، كانت فيمن جهز عائشة لرسول الله ﷺ وزفها، وكانت تخدم النبي، وبايعته، وشهدت اليرموك.

وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده ٦: ٤٥٥ من طريق أبي النضر، عن شيبان، عن ليث. وفيه: "وكادت من ثقلها تدق.." ليس فيه"أن".

ثم رواه أيضًا ص: ٤٥٨ من طريق إسحق بن يوسف، عن سفيان، عن ليث، وفيه: "إن كادت من ثقلها لتكسر الناقة".

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٣، وقال: "رواه أحمد والطبراني، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف، وقد وثق"، وقد مضى مرارًا توثيق أخي السيد أحمد لشهر.]]

١١١٠٨- حدثني أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني قال، حدثنا هشام بن عمار قال، حدثنا ابن عياش قال، حدثنا عمرو بن قيس السكوني: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية:"اليوم أكملت لكم دينكم"، حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة. [[الأثر: ١١١٠٨-"إسمعيل بن عمرو السكوني"، أبو عامر، الحمصي المقرئ، إمام مسجد حمص. روى عن علي بن عياش، والربيع بن روح، ويحيى بن صالح الوحاظي، قال ابن أبي حاتم: "سمعت منه، وهو صدوق". مترجم في ابن أبي حاتم ١/١/١٩٠.

و"هشام بن عمار بن نصير السلمي"، أبو الوليد الدمشقي. روى عند البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ثقة. مترجم في التهذيب.

و"ابن عياش"، هو: إسمعيل بن عياش، مضى مرارًا.

و"عمرو بن قيس بن ثور بن مازن بن خيثمة الكندي السكوني"، أبو ثور الشامي الحمصي. روى عن جده"مازن بن خيثمة"، وله صحبة، وعن عبد الله بن عمرو، ومعاوية ووفد عليه مع أبيه. قال إسمعيل بن عياش: و"أدرك سبعين من الصحابة أو أكثر". ثقة، صالح الحديث. مترجم في التهذيب.

وهذا الخبر، خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مطولا، ثم قال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات".

وقوله: "انتزع بهذه الآية"، أي تمثل بها وقرأها.]]

* *

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية = أعني قوله:"اليوم أكملت لكم دينكم" = يوم الاثنين. وقالوا: أنزلت"سورة المائدة" بالمدينة.

ذكر من قال ذلك:

١١١٠٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن ابن عباس: ولد نبيكم ﷺ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت:"سورة المائدة" يوم الاثنين:"اليوم أكملت لكم دينكم"، ورفع الذكر يوم الاثنين. [[الأثر: ١١١٠٩-"محمد بن حرب الخولاني" الأبرش. قال أحمد: "ليس به بأس"، وقال ابن معين: "ثقة". مترجم في التهذيب.

و"ابن لهيعة" هو"عبد الله بن لهيعة"، مضى برقم: ١٦٠، ٢٩٤١، ٥٣٥٥، ٥٥١٨، ومضى توثيق أخي السيد أحمد له.

و"خالد بن أبي عمران التجيبي"، قاضي إفريقية. ثقة، وثقه ابن سعد والعجلي، وغيرهما.

و"حنش" هو: "حنش بن عبد الله السبائي الصنعاني" مضى برقم: ١٩١٤، وهو تابعي ثقة.

وهذا الخبر استوهاه الطبري كما سيأتي في آخر كلامه، وذلك لما قالوا من ضعف ابن لهيعة، وترك بعضهم الاحتجاج به.

وروى هذا الخبر أحمد في مسنده برقم: ٢٥٠٦ من طريق موسى بن داود، عن ابن لهيعة، ونصه: "ولد النبي ﷺ يوم الاثنين، واستنئ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين".

وقال أخي السيد أحمد في التعليق عليه: "إسناده صحيح. والحديث ذكره ابن كثير في التاريخ ٢: ٢٥٩، ٢٦٠، عن هذا الموضع، وقال: "تفرد به أحمد"، وهو في مجمع الزوائد ١: ١٩٦، ونسبه لأحمد والطبراني في الكبير وقال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف! وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح".

وليس في خبر أحمد"وأنزلت سورة المائدة.."، ولذلك لما ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢: ٦٨، عن هذا الموضع من تفسير الطبري ونسبه للطبراني وابن مردويه، ثم قال: "أثر غريب، وإسناده ضعيف، وقد رواه الإمام أحمد.." ثم ساق حديث أحمد، ثم قال: "هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الاثنين، فالله أعلم. ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت"يوم عيدين اثنين، كما تقدم (يعني في الأثر رقم: ١١٠٩٨) ، فاشتبه على الراوي".

وهذا توجيه غير مرتضى، وربما كان الأرجح أنه غلط من أحد الرواة عن ابن لهيعة، فإن رواية أحمد، لا شك في قوتها وضبطها.

وقوله: "رفع الذكر يوم الاثنين"، يعني وفاة رسول الله ﷺ، بأبي هو وأمي، وانقطاع الوحي من بعد قبضه ولحاقه بالرفيق الأعلى.]]

١١١١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام، عن قتادة قال:"المائدة" مدنيّة.

* *

وقال آخرون: نزلت على رسول الله ﷺ في مسيره في حجة الوداع.

ذكر من قال ذلك:

١١١١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: نزلت"سورة المائدة" على رسول الله ﷺ في المسير في حجة الوداع، وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها. [[سقط من الترقيم رقم: ١١١١١.]]

* *

وقال آخرون: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، وإنما معناه: اليوم الذي أعلمه أنا دون خلقي، أكملت لكم دينكم.

ذكر من قال ذلك:

١١١١٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"اليوم أكملت لكم دينكم"، يقول: ليس بيوم معلوم يعلمه الناس.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في وقت نزول الآية، القولُ الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده، وَوَهْيِ أسانيد غيره. [[قوله: "ووهي أسانيد غيره". سلف في ٨: ٨٠ تعليق ١، أن الذي في المخطوطة هناك.

"وهاء"، ولذلك أثبتها، لأني وجدتها أيضًا في تهذيب الآثار للطبري"وهاء"، ثم هذه مرة أخرى، أجد في المخطوطة"وهي"، فاختلفت المخطوطة كما ترى في كتابتها في موضع آخر. راجع ما كتبته في التعليق هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقول:"فمن اضطر"، فمن أصابه ضُرٌّ [[انظر تفسير"اضطر" فيما سلف ٣: ٥٦، ٣٢١.]] ="في مخمصة"، يعني: في مجاعة.

* *

= وهي"مفعلة"، مثل"المجبنة" و"المبخلة" و"المنجبة"، من"خَمَصِ البطنِ"، وهو اضطماره، وأظنه هو في هذا الموضع معنيٌّ به: اضطماره من الجوع وشدة السَّغَب. وقد يكون في غير هذا الموضع اضطمارا من غير الجوع والسَّغب، ولكن من خلقة، كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بخَمَص البطن: [["خمص" (بفتح الخاء والميم) . وهذا تفصيل جيد في معنى"الخمص" و"المخمصة"، لا تصيب مثله في معاجم اللغة.]]

وَالبَطنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيِّنٌ ... وَالنَّحْرُ تَنْفُجُهُ بثَدْيٍ مُقْعَدِ [[ديوانه: ٦٦ واللسان (قعد) وروايته: "لطيف طيه"، ولا شاهد فيه عندئذ. وهو من قصيدته التي استجاد فيها صفة المتجردة، صاحبة النعمان بن المنذر، والتي أفضت إلى ما كان بينهما من المهاجرة.

و"العكن": أطواء البطن لا من السمن فحسب، كما يقول أصحاب اللغة، فإن هذا البيت شاهد على خلافه. وإنما"العكن" هنا ما تثنى من أطواء البطن من رقة جلدها ونعومته، ورخاصة جسدها ولينه، فلذلك يتثنى. ولو كان ذلك من"السمن"، كما يقول أهل اللغة، لم يقل بعد"خميص لين"، ويصفه بالضمور والرقة (في رواية أبي جعفر) ، ولا"لطيف طيه"، وهو كناية عن الضمور والرقة أيضًا، وذلك من صفتها ضد السمن. فمن شرح"العكن" في هذا البيت وأشباهه بأنها من السمن، فقد أخطأ، وأحال معاني الشعر عن وجوهها.

وقوله: "والنحر تنفجه"، "النحر": أعلى الصدر، وهو موضع القلادة منها. وكل ما ارتفع فقد"نفج وانتفج وتنفج"، و"نفجه الرجل ينفجه نفجًا". ويقال: "نفج ثدي المرأة قميصها": إذا رفعه. وأسند إليها أنها تنفج نحرها بثدييها، وإن كان ذلك خلقة لا فعل لها فيه، لأنه نظر إلى ما يساور المرأة حين تختال لتفتن الناظرين، فتتخذ سمتًا وهيأة تنهب بحلم الحليم. فأصاب النابغة غاية الإصابة في الإشارة إلى سر المرأة في حركتها وشمائلها.

ولكن الذين تعرضوا لتفسير مثل هذا الشعر، أساءوا إليه من حيث أرادوا الإحسان، فقال الوزير أبو بكر في شرحه ديوان النابغة: "ويروى: والإتب تنفجه، -والإتب ثوب تلبسه- وهو أليق بالمعنى، لأن الثدي ينفخ الثوب، أي يرفعه ويعظمه". ثم قال أيضًا: "وروي: والنحر تنفجه" أي ترفعه عن الثوب"، وهذا مثل على الخلط في فهم الشعر، وإفساد لمعانيه. والذي استحسنه الوزير، معنى مغسول سخيف في مثل هذا الموضع من شعر النابغة، أضاع به تعب الشاعر في شعره.

و"ثدي مقعد": ناتئ على النحر، إذا كان ناهدًا لم ينثن بعد.]] فمعلوم أنه لم يرد صفتها بقوله:"خميص" بالهزال والضرّ من الجوع، ولكنه أراد وصفها بلطافة طيِّ ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها، لأن ذلك مما يحمد من النساء. ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك، قول أعشى بني ثعلبة:

تَبِيتُونَ فِي المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ ... وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا [[ديوانه: ١٠٩، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٣، من إحدى قصائده التي قالها في خبر المنافرة بين علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل (الأغاني ١٥: ٥٠) ، وبعد البيت: يُراقِبْنَ مِنْ جُوعٍ خِلالَ مَخَافةٍ ... نُجُومَ الشِّتَاء العَاتِمَاتِ الغوامِصَا

"غرثى"، جياع، ويروى"جوعى". ووصف النجوم بقوله: "العاتمات" أراد أنها تظلم من الغبرة التي في السماء، وذلك في الجدب (وهو الشتاء) ، لأن نجوم الشتاء أشد إضاءة لنقاء السماء، فهن يلتمسن وقت خفائها. و"الغوامص" يعني: التي قل ضوءها من الغبرة. وقال شارح ديوانه: "يبتن جياعًا خائفات ينتظرن طلوع النجوم السحرية، ليخرجن يطلبن شيئًا، كيلا يعرفن". وقوله: "خلال مخافة" من أحسن الكلام في هذا البيت.]]

يعني بذلك: يبتن مضطمرات البطون من الجوع والسغب والضرّ. فمن هذا المعنى قوله:"في مخمصة".

* *

وكان بعض نحويي البصرة يقول:"المخمصة"، المصدر من"خَمَصَه الجوع".

* *

وكان غيره من أهل العربية يرى أنها اسم للمصدر، وليست بمصدر، ولذلك تقع"المفعلة" اسمًا في المصادر للتأنيث والتذكير.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١١١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن عباس:"فمن اضطر في مخمصة"، يعني: في مجاعة.

١١١١٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فمن اضطر في مخمصة"، أي: في مجاعة.

* *

١١١١٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. [[الأثر: ١١١١٦- في المطبوعة والمخطوطة: "حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا معمر" وهو إسناد ناقص، سقط منه"قال أخبرنا عبد الرزاق"، وهو إسناد دائر في التفسير، أقربه رقم: ١١١٠٤.]]

١١١١٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فمن اضطر في مخمصة"، قال: ذكر الميتة وما فيها، فأحلها في الاضطرار [[في المطبوعة: "وأحلها" بالواو، وفي المخطوطة: "فأكلها"، وهو تحريف.]] ="في مخمصة"، يقول: في مجاعة.

١١١١٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله:"فمن اضطر في مخمصة"، قال، المخمصة، الجوع.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فمن اضطر في مخمصة إلى أكل ما حَرَّمتُ عليه منكم، أيها المؤمنون، من الميتة، والدم ولحم الخنزير وسائر ما حرمت عليه بهذه الآية ="غير متجانف لإثم"، يقول: لا متجانفًا لإثم. [[في المطبوعة: "إلا متجانفًا" فأفسد المعنى إفسادًا، والصواب من المخطوطة، وفيها: "لا متجانف"، والصواب ما أثبت.]]

= فلذلك نصب"غير" لخروجها من الاسم الذي في قوله:"فمن اضطر" [["الخروج"، الحال، كما سلف في فهارس المصطلحات.]] وهي بمعنى:"لا"، فنصب بالمعنى الذي كان به منصوبًا"المتجانف"، لو جاء الكلام:"لا متجانفًا". [[في هذين الموضعين أيضًا في المطبوعة: "وهي بمعنى: إلا" ثم: "لو جاء الكلام: إلا متجانفًا"، وهو خطأ محض، والصواب ما أثبته من المخطوطة.

وانظر تفسير"غير" بمعنى"لا" فيما سلف ٣: ٣٢٢، في تفسير قوله تعالى من سورة البقرة: ١٧٣: "غير باغ ولا عاد"، بمعنى: لا باغيًا ولا عاديًا = منصوبًا على الحال.]]

* *

وأما"المتجانف لإثم"، فإنه المتمايل له، المنحرف إليه. وهو في هذا الموضع مراد به المتعمِّد له، القاصد إليه، من"جَنَف القوم عليّ"، إذا مالوا. وكل أعوج فهو"أجنف"، عند العرب.

* *

وقد بينا معنى"الجنف" بشواهده في قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [سورة البقرة: ١٨٢] ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"الجنف" فيما سلف ٣: ٤٠٥-٤٠٨.

= وتفسير"الإثم" فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (أثم) .]]

* *

وأما تجانف آكل الميتة في أكلها وفي غيرها مما حرم الله أكله على المؤمنين بهذه الآية، للإثم في حال أكله [[السياق: "وأما تجانف آكل الميتة ... للإثم في حال أكله ... ".]] فهو: تعمده أكل ذلك لغير دفع الضرورة النازلة به [[في المطبوعة: "فهو تعمده الأكل لغير دفع الضرورة"، غير ما في المخطوطة بلا معنى.]] ولكن لمعصية الله، وخلاف أمره فيما أمره به من ترك أكل ذلك.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١١١٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم"، يعني: إلى ما حُرِّم، مما سمَّى في صدر هذه الآية ="غير متجانف لإثم"، يقول: غير متعمد لإثم.

١١١٢٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"غير متجانف لإثم"، غير متعمد لإثم. قال: إلى حِرْم الله، ما حَرّم [["حرم الله" (بكسر الحاء، وسكون الراء) ، هو الحرام نقيض الحلال. وقوله بعد ذلك: "ما حرم"، تفسير لقوله: "حرم الله".]] رخّص للمضطر إذا كان غير متعمد لإثم، أن يأكله من جهد. فمن بَغَى، أو عدا، أو خرج في معصيةٍ لله، فإنه محرم عليه أن يأكله.

١١١٢١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"غير متجانف لإثم"، أي: غير متعرِّض لمعصية.

١١١٢٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"غير متجانف لإثم"، غير متعمد لإثم، غير متعرِّض.

١١١٢٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"غير متجانف لإثم"، يقول: غير متعرض لإثم، أي: يبتغي فيه شهوة، أو يعتدي في أكله.

١١١٢٤- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:"غير متجانف لإثم"، لا يأكل ذلك ابتغاءَ الإثم، ولا جراءة عليه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) ﴾

قال أبو جعفر: وفي هذا الكلام متروك، اكتفى بدلالة ما ذكر عليه منه. وذلك أن معنى الكلام: فمن اضطر في مخمصة إلى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية، غير متجانف لإثم فأكله، فإن الله غفور رحيم = فترك ذكر"فأكله"، وذكر"له" [[يعني بقوله: "وذكر: له"، معطوف على قوله: "وترك ذكر: فأكله"، والمعنى: وترك ذكر: "إلى ما حرمت عليه فأكله". وكان الأجود عندي أن يبين ذلك فيذكره كما ذكرته.

وأما قوله: "وذكر: له"، يعني في قوله: "فإن الله له غفور ... ".]] لدلالة سائر ما ذكر من الكلام عليهما.

* *

وأما قوله:"فإن الله غفور رحيم"، فإن معناه: فإن الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله، في مخمصة، غير متجانف لإثم ="غفور رحيم"، يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك، بعفوه عن مؤاخذته إياه، وصفحه عنه وعن عقوبته عليه ="رحيم"، يقول: وهو به رفيق. ومن رحمته ورفقه به [[في المطبوعة: "من رحمته" بإسقاط الواو، وأثبتها من المخطوطة.]] أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها في هذه الآية، في حال خوفه على نفسه من كَلَب الجوع وضُرِّ الحاجة العارضة ببدنه.

* *

فإن قال قائل: وما الأكل الذي وعد الله المضطر إلى الميتة وسائر المحرَّمات معها بهذه الآية، غفرانَهُ إذا أكل منها؟

قيل: ما:-

١١١٢٥- حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي قال: قلنا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، أو تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها. [[الأثر: ١١١٢٥- خبر الأوزاعي، عن حسان بن عطية، يرويه الطبري بعد برقم: ١١١٣٢، عن الأوزاعي، عن حسان مرسلا. ثم يرويه برقم: ١١١٣٣، عن الأوزاعي، عن حسان، عن رجل قد سمى له. وهي خبر واحد.

"عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدي"، شيخ الطبري، روى له الترمذي، والنسائي، وأبو حاتم. قال أبو حاتم: "صدوق"، وقال النسائي: "ثقة". مترجم في التهذيب.

و"محمد بن القاسم الأسدي" رمي بالكذب والوضع. قال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة"، وتكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه، روى محمد بن القاسم، عن الأوزاعي. مترجم في التهذيب.

و"الأوزاعي" هو الإمام المشهور.

و"حسان بن عطية المحاربي"، كان من أفاضل أهل زمانه، وثقه أحمد، وابن معين، والعجلي، روى عن أبي أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان، وسعيد بن المسيب. ونصوا على أنه أرسل عن أبي واقد الليثي، وكأنهم يعنون هذا الخبر بعينه.

و"أبو واقد الليثي" قيل اسمه: "الحارث بن مالك"، وقيل: "الحارث بن عوف"، وقيل: "عوف بن الحارث بن أسد"، من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، من كنانة. صحابي، روى عن النبي ﷺ، وعن أبي بكر وعمر. وروى عنه ابناه عبد الملك وواقد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن يسار، وعروة بن الزبير، وغيرهم.

وإسناد أبي جعفر هذا، إسناد ضعيف، لضعف محمد بن القاسم، ولكنه روي من وجه صحيح، كما سترى في التخريج.

فرواه أحمد في مسنده ٥: ٢١٨ (حلبي) عن محمد بن القاسم، عن الأوزاعي، وهو نفس إسناد الطبري، فهو ضعيف.

ثم رواه مرة أخرى في نفس الصفحة، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي. (قلت: في المسند: حدثنا الوليد، حدثنا مسلم، حدثنا الأوزاعي = وهو خطأ لا شك فيه، صوابه: الوليد بن مسلم، كما نقله عن هذا الموضع من المسند، ابن كثير في تفسيره ٢: ٦٩) .

وقال ابن كثير بعد نقله هذا الخبر الثاني من خبري أحمد: "تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين".

ولكن الهيثمي خرجه في مجمع الزوائد ٤: ١٦٥، وقال: "رواه أحمد بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح [يعني الحديث الثاني من حديثي أحمد] ، إلا أن المزي قال: لم يسمع حسان بن عطية من أبي واقد، والله أعلم".

ثم خرجه الهيثمي أيضًا في مجمع الزوائد ٥: ١٦٥ وقال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات". ولم يذكر مقالة المزي، ولا انقطاع الخبر.

ورواه الحاكم في المستدرك ٤: ١٢٥، من طريق أبي قلابة الرقاشي، عن أبي عاصم، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي واقد، بمثله. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع"، إشارة ما قاله المزي، فيما رواه صاحب مجمع الزوائد.

ورواه البيهقي في السنن ٩: ٣٥٦ من ثلاث طرق: محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي، كرواية أحمد والطبري.

ومن طريق أبي عبيد، عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن حسان، عن أبي واقد.

ثم رواه من طريق الوليد بن مسلم (وهو طريق أحمد الثاني) ، ولكن فيه زيادة، وذلك أنه رواه عن إسحق بن إبراهيم الحنظلي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن ابن مرثد = أو أبي مرثد = عن أبي واقد الليثي.

وإلى هذه الطريق أشار ابن كثير في تفسيره ٣: ٦٩، بعد أن روى حديث أحمد في المسند فقال: "ولكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد، به، ومنهم من رواه عن الأوزاعي، عن حسان، عن مرثد = أو أبي مرثد = عن أبي واقد، به"، فخالف ما في سنن البيهقي، قال: "مرثد"، والذي فيها"ابن مرثد".

ولم أجد ذكرًا في كتب الرجال لمسلم بن يزيد، أو مرثد، أو ابن مرثد. فإسناد هذه الخبر، كما ترى، هو على صحته منقطع.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٥٩، ولم ينسب لغير أحمد والحاكم.

* *

وقوله: "إذا لم تصطبحوا"، أي: إذا لم تجدوا صبوحًا، و"الصبوح" (بفتح الصاد) : هو ما يحلب من اللبن بالغداة ويشرب عندئذ. و"اصطبح القوم": شربوا الصبوح. و"صبح الرجل ضيفه": سقاه الصبوح بالغداة.

وقوله: "أو تغتبقوا"، أي: إذا لم تجدوا غبوقًا، و"الغبوق" (بفتح الغين) : هو ما يحلب من اللبن بالعشي، ويشرب عندئذ."غبق الرجل ضيفه"، سقاه غبوقًا. و"اغتبق القوم": شربوا الغبوق بالعشي.

أما "تحتفئوا"، فسيأتي تفسيرها بعد الأثر رقم: ١١١٣٣، ص: ٥٤٢، تعليق: ٢.]]

١١١٢٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن الخصيب بن زيد التميمي قال، حدثنا الحسن: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: إلى متى يحلُّ لي الحرام؟ قال فقال: إلى أن يروَى أهلك من اللبن، أو تجيء مِيرَتُهم". [[الأثر: ١١١٢٦-"الخصيب بن زيد التميمي"، سمع عن الحسن، مرسل، روى عنه هشيم، هكذا قال البخاري في الكبير ٢/١/٢٠١. وفي التهذيب: "وثقه أحمد"، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي ابن أبي حاتم ١/٢/٣٩٦، كتب"خصيب بن بدر التميمي"، والصواب"خصيب بن زيد" كما قال البخاري.

و"الميرة" (بكسر الميم) : هو جلب الطعام. وفي المخطوطة: "وتجيء" بالواو، وأثبت ما في المطبوعة، وابن كثير ٣: ٦٩.]]

١١١٢٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا خصيب بن زيد التميمي قال، حدثنا الحسن: أن رجلا سأل النبي ﷺ، فذكر مثله = إلا أنه قال: أو تُجْبَى ميرتهم. [[في المطبوعة: "أو تحيا ميرتهم"، من"الحياة"، وفي المخطوطة: "تجبى" غير منقوطة، فرأيت أن أقرأها كذلك، من"جبى الماء في الحوض يجيبه": جمعه، و"جبى الخراج" جمعه. ولو قرئت: "يجني" من"جنى يجني"، كما تجنى الثمرة، لكان مجازا. وللذي في المطبوعة: "يحيى"، وجه. ولكني رجحت ما أثبت. ولم أجد الخبر في مكان آخر بهذه الرواية.]]

١١١٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير، عمن حدثه: أن رجلا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ: تحل لك الطيبات، وتحرُم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام [لا يحل لك] ، [[الزيادة بين القوسين، لا يتم الكلام إلا بها، من مجمع الزوائد.]] فتأكل منه حتى تستغني عنه. فقال الرجل: وما فقري الذي يُحِلّ لي؟ وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ [[نص ما رواه في مجمع الزوائد: "ما فقري، وما الذي آكل من ذلك إذا بلغته؟ وما غناي الذي يغنيني عنه".]] فقال النبي ﷺ: إذا كنت ترجو نتاجًا، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك إلى نِتاجك، أو كنت ترجو غنًى تطلبه، فتبلَّغ من ذلك شيئًا، [["تبلغ بشيء من الطعام أو غيره": اكتفى به. وقوله: "شيئا"، أي: قليلا، غير مفرط فيه.

وانظر تفسير"شيء" بمعنى"قليل" فيما سلف ٦: ٤٤٨، تعليق ٢/٨: ٤٠٣، تعليق: ١.]] فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. فقال الأعرابي: ما غِناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال النبي ﷺ: إذا أرويت أهلك غَبُوقًا من الليل. [[في مجمع الزوائد: "غبوقًا من اللبن"، وما في الطبري أجود.]] فاجتنب ما حرَّم الله عليك من طعام. [وأمّا] مالُك [[الزيادة بين القوسين، لا يتم الكلام إلا بها، زدتها من مجمع الزوائد، ومن الدر المنثور. وأما قوله بعد: "ميسور كله"، أي: موسع عليك فيه.]] فإنه ميسور كله، ليس فيه حرام. " [[الأثر: ١١١٢٨- خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مطولا، من"حديث سمرة بن جندب، عن رسول الله ﷺ أنه أتاه رجل من الأعراب"، ثم قال: "رواه الطبراني في الكبير، والبزار باختصار. وفي إسناد الطبراني مساتير، وإسناد البزار ضعيف".

وذكره ابن كثير من تفسيره ٣: ٧٠ عن هذا الموضع من التفسير، وفيه: "عروة بن الزبير، عن جدته"، والصواب ما في الطبري، والدر المنثور، وبما تبين من أن الخبر من حديث سمرة بن جندب. وخرجه في الدر المنثور ٢: ٢٦٠، ولم ينسبه لغير الطبري.]]

١١١٢٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه، وكان فيه: ويُجْزي من الاضطرار غَبُوق أو صَبُوح. [[الأثر: ١١١٢٩-"سمرة"، هو"سمرة بن جندب بن هلال الفزاري"، صاحب رسول الله ﷺ. وكتابه هذا هو رسالته إلى بنيه، قال ابن سيرين: "في رسالة سمرة إلى بنيه، علم كثير". وانظر الأثر التالي.]]

١١١٣٠- حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن عون قال: قرأت في كتاب سَمُرة بن جندب: يكفي من الاضطرار = أو: من الضرورة = غبوقٌ أو صبوح. [[الأثر: ١١١٣٠- هذا الأثر، رواه البيهقي في السنن عن أبي عبيد، عن معاذ، عن ابن عون: قال: "رأيت عند الحسن كتب سمرة لبنيه: أنه يجزئ من الاضطرار - أو الضارورة.." و"الضرورة" و"الضارورة"، واحد، وهما اسم لمصدر"الاضطرار".]]

١١١٣١- حدثني علي بن سعيد الكندي وأبو كريب قالا حدثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام بن حسان، عن الحسن قال: إذا اضطر الرجل إلى الميتة، أكل منها قوتَه = يعني: مُسْكَتَه. [["المسكة" (بضم الميم وسكون السين) : هي ما يمسك الأبدان من الطعام والشراب. وكذلك"القوت": هو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام، وما يمسك الرمق من الرزق.]]

١١١٣٢- حدثنا هنّاد بن السري قال، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: قال رجل: يا رسول الله، إنا بأرض مَخْمصة، فما يحلّ لنا من الميتة؟ ومتى تحلّ لنا الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها. [[الأثران: ١١١٣٢، ١١١٣٣- هما خبر أبي واقد الليثي الذي مضى برقم: ١١١٢٥، وانظر التعليق عليه هناك.]]

١١١٣٣- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن رجل قد سمي لنا: أن رجلا قال للنبي ﷺ: إنا نكون بأرض مخمصة، فمتى تحل لنا الميتة؟ قال: إذا لم تغتبقوا، ولم تصطبحوا، ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها. [[الأثران: ١١١٣٢، ١١١٣٣- هما خبر أبي واقد الليثي الذي مضى برقم: ١١١٢٥، وانظر التعليق عليه هناك.]]

* *

قال أبو جعفر: يروى هذا على أربعة أوجه:"تحتفئوا" بالهمزة ="وتحتفيوا" بتخفيف"الياء" و"الحاء" = و"تحتفّوا"، بتشديد الفاء = و"تحتفوا" بالحاء، والتخفيف، ويحتمل الهمز [[ما ذكره أبو جعفر هو روايات هذا الحرف بالحاء، ولكنه روي أيضًا بالجيم مهموزًا: "تجتفئوا" من قولهم: "جفأ البقل يجفؤه جفأ، واجتفأ": إذا اقتلعه من أصله.

وروي بالجيم غير مهموز"تجتفوا"، بمعنى المهموز: "جفيت البقل واجتفيته".

وروي بالخاء المعجمة: "تختفوا" من"أخفى الشيء" إذا أظهره بعد خفائه، كأنه قد أزال خفاءه.

وأما ما رواه الطبري بالحاء، فتفسير"تحتفئوا" من"الحفأ" وهو البردي. يقال: "احتفا الحفأ": اقتلعه من منبته.

وأما "تحتفيوا" (بكسر الفاء وضم الياء) من قولهم: "احتفى الحفأ، البقل" إذا اقتلعه من وجه الأرض بالأظافير، وأصله الهمز.

وأما "تحتفوا" بتشديد الفاء، فمن قولهم: "احتف الطعام" إذا أكل جميع ما في القدر، ومن قولهم: "احتفت المرأة": أزالت شعر وجهها نتفًا بخيطين، فكأنهم ينتفون البقل من وجه الأرض لصغره.

وأما "تحتفوا" فمن"احتفى البقل": إذا اقتلعه، وهو غير مهموز.

هذا، وقد قال الأزهري: "قال أبو سعيد: صوابه: تحتفوا، بتخفيف الفاء من غير همز. وكل شيء استؤصل فقد احتفى، ومنه: إحفاء الشعر. قال: واحتفى البقل: إذا أخذه من وجه الأرض بأطراف أصابعه من قصره وقلته = قال: ومن قال: تحتفئوا، بالهمز، من الحفأ، البردي، فهو باطل، لأن البردي ليس من البقل. والبقول: ما نبت من العشب على وجه الأرض مما لا عرق له. قال: ولا بردي في بلاد العرب = ويروى: ما لم تجتفئوا، بالجيم. قال: والاجتفاء أيضًا بالجيم باطل، لأن الاجتفاء: كب الآنية إذا جفأتها = ويروى: ما لم تحتفوا، بتشديد الفاء، من: احتففت الشيء، إذا أخذته كله، كما تحف المرأة وجهها من الشعر".]] .

القول في تأويل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك، يا محمد، أصحابك: ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل؟ فقل لهم: أحِل لكم منها ="الطيبات"، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح [[انظر تفسير"الطيبات" فيما سلف ٣: ٣٠١/ ٥: ٥٥٥/٦: ٣٦١ / ٨: ٤٠٩ / ٩: ٣٩١.]] وأحل لكم أيضًا مع ذلك، صيدُ ما علّمتم من"الجوارح"، وهن الكَواسب من سباع البهائم.

* *

والطير سميت"جوارح"، لجرحها لأربابها، وكسبها إيّاهم أقواتَهم من الصيد. يقال منه:"جرح فلان لأهله خيرًا"، إذا أكسبهم خيرًا، و"فلان جارِحَة أهله"، يعني بذلك: كاسبهم، و"لا جارحة لفلانة"، إذا لم يكن لها كاسب [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٤.]] ومنه قول أعشى بني ثعلبة.

ذاتَ حَدٍّ مُنْضِجٍ مِيسَمُهَا ... تُذْكِرَ الجَارِحَ مَا كَانَ اجْتَرَحْ [[ديوانه: ١٦٤، وهي من قصيدة له طويلة، مجد فيها إياس بن قبيصة الطائي، ملك الحيرة. ثم ختم القصيدة بذكر الخمر، وذكر شبابه وما كان فيه من لهو ومروءة وبأس، فقال يصف لاذع قوله فيمن يعاديه (برواية الديوان) : وَلَقَدْ أَمْنَحُ مَنْ عَادَيْتُهُ ... كَلِمًا يَحْسِمْنَ مِنْ داءِ الكَشَحْ

وقطَعْتُ نَاظِرَيْهِ ظاهِرًا ... لا يكونُ مِثْلَ لَطْمٍ وكَمَحْ

ذَا حَبَارٍ مُنْضِجٍ مِيسَمُهُ ... يُذْكِرُ الجَارِمَ مَا كَانَ اجتَرَحْ

قوله: "كلما" جمع"كلمة"، يعني به: هجاءه وشعره. وفي الديوان: "كلما" مضبوطة بضم الكاف وتشديد اللام المفتوحة، ونقل عن الديوان"كل ما"، وهو خطأ فيما أرجح. و"حسم الداء يحسمه": قطعه بالدواء. و"حسم العرق": قطعه، ثم كواه لئلا يسيل دمه. و"الكشح" (بفتح الكاف والشين) : داء يصيب الإنسان في كشحه فيكوى."الكشح" (بفتح فسكون) : ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، وهما كشحان في الإنسان. و"طوى فلان كشحه": أي أعرض وولاك كشحه، من البغض والعداوة. وأراد بقوله: "داء الكشح"، العداوة والبغضاء. يقول: أهجوه هجاء يشفيه من داء البغض!

وقوله: "وقطعت ناظريه" أي: كويته كية ظاهرة في وسط جبينه، بين عينيه إلى أنفه: وقوله: "ظاهرًا" صفة لمحذوف، أي كيا ظاهر الأثر. ليس أثره كأثر اللطم أو الكمح. و"الكمح" (بفتحتين) : هو أثر كمح الفرس باللجام، أي رده وجذبه باللجام ليقف، فيترك ذلك أثرًا حيث موقع اللجام. وهو حرف لم تذكره كتب اللغة، وشرحته من سياق معنى الشعر. يقول: أثر اللطم غير بين فهو يزول، وأثر كمح اللجام سهل يأتي متتابعًا فلا يؤذي، أما هذا الظاهر فهو مكواة من النار (كما يبينه البيت الثالث) . وأنا في شك من رواية هذا البيت.

وقوله: "ذا حبار"، أي ذا أثر، صفة ثانية لقوله: "ظاهرًا"، و"الحبار" (بفتح الحاء) الأثر في الجلد من ضرب أو كي أو غيرها. ومثله"الحبر" (بكسر فسكون) . وفي الديوان"ذا جبار" (بضم الجيم) ، وهو لا معنى له، صواب إنشاده ما أثبت. و"الميسم": الحديدة التي يكوى بها. يشبه هجاه بالمكواة الحامية تنضج الجلد، وتبقي فيه أثرًا لا يزول، ولا تزال تذكره بما اجترم.

وأما رواية أبي جعفر، فهي في المخطوطة: "ذات حد" (بالحاء المفتوحة) ، فإن صحت كذلك فهي صفة لقوله: "كلما يحسمن"، و"الحد": صلابة الشيء وشدته ونفاذه، كما يقال"حد الظهيرة"، أي: أشد حرها. وإن صحت روايته كما كان في المطبوعة: "ذات خد"، (بالخاء المعجمة) : من"الخد" و"الأخدود"، وهو الشق، و"خدت الضربة جلده" إذا شقته وتركت فيه خدًا. و"أخاديد السياط"، آثارها في الجلد. وكلتاهما جيدة المعنى.

* *

تنبيه: ديوان الأعشى المطبوع في أوربة، ديوان كثير الخطأ والتحريف والتصحيف، فمن أجل ذلك اجتهدت في تصحيح هذا الشعر، وفي كثير غيره مما سلف من شعر الأعشى.]] يعني: اكتسب.

وترك من قوله:"وما علمتم"،"وصيد" ما علمتم من الجوارح، اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام على ما تُرِك ذكره.

* *

وذلك أن القوم، فيما بلغنا، كانوا سألوا رسول الله ﷺ حين أمرهم بقتل الكلاب، عما يحلّ لهم اتخاذه منها وصَيْده، فأنزل الله عز ذكره فيما سألوا عنه من ذلك هذه الآية. فاستثنى مما كان حرّم اتخاذه منها، وأمر بقُنْيَة كلاب الصيد [["القنية" (بضم القاف، أو بكسرها، وسكون النون) : اقتناء الأشياء واتخاذها لما ينتفع بها فيه.]] وكلاب الماشية، وكلاب الحرث، وأذن لهم باتخاذ ذلك.

ذكر الخبر بذلك:

١١١٣٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن حباب العكلي قال، حدثنا موسى بن عبيدة قال، أخبرنا أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ يستأذن عليه، فأذن له فقال: قد أذنَّا لك يا رسول الله! [[يعني بقوله: "رسول الله"، جبريل رسول الله بوحيه إلى النبي صلى الله عليهما.]] قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب! قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته. فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ، فأنزل الله:"يسألونك ماذا أحِل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علَّمتم من الجوارح مكلبين". [[الأثر: ١١١٣٤-"زيد بن الحباب العكلي"، مضى برقم: ٢١٨٥، ٥٣٥٠، ٨١٦٥، وهو ثقة، من شيوخ أحمد.

و"موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي"، مضى برقم: ١٨٧٥، ١٨٧٦، ٣٢٩١، ٨٣٦١، وهو ضعيف جدًا. قال أحمد: "منكر الحديث، لا تحل الرواية عنه". وفي تفسير ابن كثير: "يونس بن عبيدة"، وهو خطأ يصحح.

و"أبان بن صالح بن عمير بن عبيد"، ثقة. مضى برقم: ٤٣٣٧، ٤٣٣٨، وكان في المطبوعة هنا: "حدثنا موسى بن عبيدة، قال أخبرنا صالح، وفي المخطوطة: "قال أنا صالح"، وهو خطأ في كلتيهما، والصواب ما أثبته، عن الحاكم، والبيهقي، وابن كثير.

و"القعقاع بن حكيم الكناني"، تابعي ثقة، مضى برقم: ٣٠٤.

و"سلمى أم رافع"، مولاة النبي ﷺ، وهي زوجة أبي رافع، روت عن النبي ﷺ، وعن فاطمة الزهراء.

و"أبو رافع" مولى رسول الله ﷺ.

وإسناد هذا الخبر ضعيف، لضعف موسى بن عبيدة الربذي. ورواه ابن أبي حاتم أيضًا من طريق حجاج بن حمزة، عن زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، كما نقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٧٢، ٧٣. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٤: ٤٢، ٤٣، وقال: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف".

أما البيهقي في السنن ٩: ٢٣٥، والحاكم في المستدرك ٢: ٣١١، فقد روياه مختصرًا من طريق معلى بن منصور، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحق، عن أبان بن صالح، وهو أصح من إسناد أبي جعفر وابن أبي حاتم. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وقد روي حديث أبي رافع، بغير هذا اللفظ، من طرق. انظر الهيثمي في مجمع الزوائد ٤: ٤٢، ٤٣، ومسند أحمد ٦: ٨-١٠، ٣٩١.

وقوله: "عندها كلب ينبح عليها"، أي: يرد عنها بنباحه ما تخاف من سبع، وينذرها بمجيء ضيف إن استروح رائحته. وجاء بيانه في الأثر الذي رواه أحمد في مسنده ٦: ٣٩١: "قالت: إني امرأة مضيعة، وإن هذا الكلب يطرد عني السبع، ويؤذنني بالجائي".]]

١١١٣٥-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أنّ النبي ﷺ بعث أبا رافع في قتل الكلاب، فقتل حتى بلغ العَوالي [["العوالي": أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية أميال]] فدخل عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحلَّ لنا يا رسول الله؟ فنزلت:"يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلِّبين".

١١١٣٦- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير قال، حدثونا عن محمد بن كعب القرظي قال: لما أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب، قالوا: يا رسول الله، فماذا يحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت:"يسألونك ماذا أحل لهم"، الآية.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في"الجوارح" التي عنى الله بقوله:"وما علمتم من الجوارح".

فقال بعضهم: هو كل ما عُلِّم الصيدَ فتعلّمه، من بهيمة أو طائر.

ذكر من قال ذلك:

١١١٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن في قوله:"وما علمتم من الجوارح مكلبين"، قال: كل ما عُلِّم فصادَ، من كلب أو صقر أو فهدٍ أو غيره.

١١١٣٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن:"مكلبين"، قال: كل ما علم فصاد من كلب أو فهد أو غيره.

١١١٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في صيد الفهد قال: هو من الجوارح.

١١١٤٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"وما علمتم من الجوارح مكلبين"، قال: الطير والكلاب.

١١١٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الحجاج، عن عطاء، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، مثله.

١١١٤٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد:"مكلِّبيين"، قال: من الكلاب والطير.

١١١٤٣- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"من الجوارح مكلبين"، قال: من الطير والكلاب.

١١١٤٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١١١٤٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعبة = ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شعبة =، عن الهيثم، عن طلحة بن مصرف قال، قال خيثمة بن عبد الرحمن: هذا ما قد بيَّنت لك: أن الصقر والبازي من الجوارح. [[الأثر: ١١١٤٥، ١١١٤٦-"الهيثم" هو: "الهيثم بن حبيب"، وهو"الهيثم بن أبي الهيثم" الصيرفي الكوفي. أثنى عليه أحمد وقال: "ما أحسن أحاديثه وأشد استقامتها". مترجم في التهذيب.

و"طلحة بن مصرف الإيامي"، مضى برقم: ٥٤٣١.

و"خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي" تابعي ثقة، مضى برقم: ٨٢٦٧.]]

١١١٤٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت الهيثم يحدث، عن طلحة الإيامي، عن خيثمة قال: بيّنت لك: [[في المطبوعة: "أنبئت أن الصقر"، وفي المخطوطة: "أتيت لك أن الصقر"، وكأن الصواب ما أثبت، استظهارًا من الأثر السالف.]] أن الصقر والباز والكلب من الجوارح. [[الأثر: ١١١٤٥، ١١١٤٦-"الهيثم" هو: "الهيثم بن حبيب"، وهو"الهيثم بن أبي الهيثم" الصيرفي الكوفي. أثنى عليه أحمد وقال: "ما أحسن أحاديثه وأشد استقامتها". مترجم في التهذيب.

و"طلحة بن مصرف الإيامي"، مضى برقم: ٥٤٣١.

و"خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي" تابعي ثقة، مضى برقم: ٨٢٦٧.]]

١١١٤٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن علي بن حسين قال: الباز والصقر من الجوارح.

١١١٤٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر قال: الباز والصقر من"الجوارح المكلِّبين". [[في المطبوعة: "من الجوارح المكلبين"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] .

١١١٤٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"وما علمتم من الجوارح مكلبين"، يعني بـ "الجوارح"، الكلابَ الضواريَ والفهود والصقور وأشباهها.

١١١٥٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه:"وما علمتم من الجوارح مكلبين"، قال: من الكلاب، وغيرها من الصقور والبِيزان [["البيزان" (بكسر الباء) جمع"باز"، بغير ياء في آخره، ويجمع أيضًا على"أبواز". وقولهم"باز" لغة في"بازي" وجمع"بازي""بزاة" و"بواز"]] وأشباهِ ذلك مما يعلّم.

١١١٥١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وما علمتم من الجوارح مكلبين"، الجوارح: الكلاب والصقور المعلَّمة.

١١١٥٢- حدثني سعيد بن الربيع الرازيّ قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، سمع عبيد بن عمير يقول في قوله:"من الجوارح مكلبين"، قال: الكلاب والطير.

* *

وقال آخرون: إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله:"وما علمتم من الجوارح مكلبين"، الكلابَ دون غيرها من السِّباع.

ذكر من قال ذلك:

١١١٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا عبيد، عن الضحاك:"وما علمتم من الجوار مكلبين"، قال: هي الكلاب.

١١١٥٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"وما علمتم من الجوارح مكلبين"، يقول: أحل لكم صيد الكلاب التي علَّمتوهن.

١١١٥٥- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أمَّا ما صاد من الطير = والبُزاةُ من الطير = فما أدركت فهو لك، وإلا فلا تطعمه. [[في المطبوعة: "فلا تطمعه"، وهو خطأ في الطباعة]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال:"كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح، وأنّ صيد جميع ذلك حلال إذا صادَ بعد التعليم"، لأن الله جل ثناؤه عم بقوله:"وما علمتم من الجوارح مكلبين"، كلَّ جارحة، ولم يخصص منها شيئًا. فكل"جارحة"، كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع، فحلال أكل صيدها.

* *

وقد روي عن النبيّ ﷺ بنحو ما قلنا في ذلك خبَرٌ، مع ما في الآية من الدلالة التي ذكرنا على صحة ما قلنا في ذلك، وهو ما:-

١١١٥٦- حدثنا به هناد قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فَكُل. [[الأثر: ١١١٥٦-"هناد" هو"هناد بن السري بن مصعب الدارمي"، ثقة. مضى برقم: ٢٠٥٨، ٢٧٥٨، ٢٩٩٨، ٣٩٦٠.

و"عيسى بن يونس بن أبي إسحق السبيعي"، الفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه، ثقة حافظ رضي، مات سنة ١٨٧. مترجم في التهذيب.

و"مجالد" هو: "مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني"، مضى برقم: ١٦١٤، ٢٩٨٧، ٢٩٨٨ وقد مضى أنه ثقة، ضعفه بعض الأئمة، وأن الراجح في شأنه، تصحيح حديث القدماء عنه، وأن أعدل ما قيل فيه، قول عبد الرحمن بن مهدي: "حديث مجالد عند الأحداث، يحيى بن سعيد وأبي أسامة، ليس بشيء. ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم، وهؤلاء القدماء"، وقول ابن أبي حاتم: "يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره. مات سنة ١٤٤".

وخبر الشعبي عن عدي بن حاتم، رواه مسلم والبخاري عن طريق زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، أن عديا سأل رسول الله عن صيد الكلب. فقال: أمسك عليك فكل، الحديث (انظر سنن البيهقي ٩: ٢٣٥، ٢٣٦) .

ورواه الأئمة أيضًا من طريق عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي، = ومن طريق عاصم الأحول، عن الشعبي = ومن طريق بيان عن الشعبي. ورووه أيضًا من طرق عن عدي بن حاتم، وليس فيها ذكر"الباز". (انظر السنن الكبرى للبيهقي ٩: ٢٣٥-٢٣٨) ، وانظر ما سيأتي رقم: ١١٢١٠.

ثم روى البيهقي بإسناده عن عبد الله بن نمير، عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم: أن النبي ﷺ قال: ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته، وذكرت اسم الله، فكل مما أمسك عليك، الحديث. ثم قال البيهقي: ".. إلا أن ذكر البازي في هذه الرواية، لم يأت به الحفاظ الذين قدمنا ذكرهم عن الشعبي، وإنما أتى به مجالد، والله أعلم".

ورواية عيسى بن يونس، عن مجالد، تعد من رواية القدماء عن مجالد قبل أن يتغير حفظه. وعيسى بن يونس ثقة ثبت، فكأن أبا جعفر صحح هذا الحديث واحتج به، لأنه رواية ثقة، عن ثقة قبل تغيره.]]

* *

= فأباح ﷺ صيد البازي وجعله من الجوارح. ففي ذلك دِلالة بيِّنة على فساد قول من قال:"عنى الله بقوله:"وما علمتم من الجوارح"، ما علمنا من الكلاب خاصة، دون غيرها من سائر الجوارح".

* *

فإن ظن ظانّ أن في قوله:"مكلبين"، دلالةً على أن الجوارح التي ذكرت في قوله:"وما علمتم من الجوارح"، هي الكلاب خاصة، فقد ظن غير الصواب.

وذلك أن معنى الآية: قل أحِلَّ لكم، أيها الناس، في حال مصيركم أصحابَ كلاب = الطيباتُ، وصيدُ ما علمتوه الصيد من كواسب السباع والطير. فقوله:"مكلبين"، صفة للقانص، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه. وهو نظير قول القائل يخاطب قومًا:"أحلّ لكم الطيباتُ وما علمتم من الجوارح مكلبين مؤمنين". فمعلوم أنه إنما عنى قائل ذلك، إخبارَ القوم أنّ الله جل ذكره أحل لهم، في حال كونهم أهلَ إيمان، الطيبات وصيد الجوارح التي أعلَمهم أنه لا يحل لهم منه إلا ما صادوه به [[في المطبوعة: "ما صادوه بها"، وما في المخطوطة صواب أيضًا.]] فكذلك قوله:"أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين" لذلك نظيره، في أن التكليب للقانص = بالكلاب كان صيده أو بغيرها = لا أنه إعلام من الله عز ذكره أنه لا يحل من الصيد إلا ما صادته الكلاب.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"تعلمونهن"، تؤدِّبون الجوارح فتعلمونهن طلب الصيد لكم ="مما علمكم الله"، يعني بذلك: من التأديب الذي أدَّبكم الله، والعلم الذي علمكم. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٠٢.]]

* *

وقد قال بعض أهل التأويل: معنى قوله:"مما علمكم الله"، كما علمكم الله.

ذكر من قال ذلك:

١١١٥٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"تعلمونهن مما علمكم الله"، يقول: تعلمونهن من الطَّلب كما علمكم الله.

* *

= ولسنا نعرف في كلام العرب"من" بمعنى"الكاف"، لأن"من" تدخل في كلامهم بمعنى التبعيض، و"الكاف" بمعنى التشبيه. وإنما يوضع الحرف مكان آخر غيره، إذا تقارب معنياهما. فأما إذا اختلفت معانيهما، فغير موجود في كلامهم وضع أحدهما عَقِيب الآخر. وكتاب الله وتنزيله أحرَى الكلام أن يجنَّب ما خرج عن المفهوم والغاية في الفصاحة من كلام من نزل بلسانه........... . [[أرجح أنه قد سقط قبل هذا الخبر، كلام من كلام أبي جعفر، وذلك بدلالة قوله بعد: "قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك". والذي أستظهره من كلامه في آخر سياقه هذه الأقوال من اختلاف الأئمة (ص: ٥٦٤) ، أن أبا جعفر ساق سؤالا كعادته، عن معنى"تعليم الجوارح"، ثم أجاب عنه بذكر اختلاف أهل التأويل. ولم أستجز أن أضع شيئًا مكان النقط التي وضعتها للدلالة على هذا السقط، لأني أخشى ان أخطئ في وصل الكلام بالخبر الذي رواه بعده برقم: ١١١٥٨"انظر ص: ٥٥٣، تعليق: ٢، ٣.]]

١١١٥٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسماعيل بن صُبيح قال، حدثنا أبو هانئ عمر بن بشير قال، حدثنا عامر: أن عدي بن حاتم الطائي قال: أتى رجل رسول الله ﷺ يسأله عن صيد الكلاب، فلم يدر ما يقول له، حتى نزلت هذه الآية:"تعلمونهن مما علمكم الله". [[الأثر: ١١١٥٨-"إسمعيل بن صبيح اليشكري"، ثقة مضى برقم: ٢٩٩٦، ٨٦٤٠.

و"أبو هانئ""عمر بن بشير الهمداني"، قال أحمد: "صالح الحديث". وقال يحيى بن معين: "ضعيف". وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم الرازي: "ليس بقوي، يكتب حديثه، وجابر الجعفي أحب إلي منه". وذكره ابن شاهين، والعقيلي في الضعفاء. مترجم في ابن أبي حاتم ٣/١/١٠٠، ولسان الميزان ٤: ٢٨٧، ومضى أيضًا برقم: ٤٤٢٢.

وكان في المطبوعة: "حدثنا أبو هانئ عن أبي بشر"، وهو خطأ محض، وتغيير سيئ لما كان في المخطوطة: "حدثنا أبو هانئ عمر بن بشر"، والصواب ما أثبت.

و"عامر" هو الشعبي.

وهو حديث ضعيف لضعف"أبي هانئ". وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٦٠، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد، والقصة فيه: "أن عدي بن حاتم الطائي، أتى رسول الله ﷺ".]]

* *

قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك. [[انظر التعليق السالف ص: ٥٥٢، تعليق: ٢، والتعليق التالي.]]

فقال بعضهم [[في المخطوطة: "فقال بعضهم هو جوارحًا صيدها، فقال لنا: وما علمتم من الجوارح مكلبين أن يستشلى ... "، ووضع الناسخ بين"هو" و"جوارحًا" من فوق حرف"لا" وبعد"مكلبين" من فوق، حرف"إلى"، وهي طريقتهم قديمًا إذا أرادوا حذف ما بين"لا" و"إلى"، والظاهر أن قوله: "جوارحا صيدها، فقال لنا: من الجوارح مكلبين" هو بعض الجملة التي سقطت في موضع النقط التي وضعتها آنفًا، وأشرت إليها في التعليق السالف، وما قبله: ص ٥٥٢، تعليق: ٢.]] : هو أن يَسْتَشْلِي لطلب الصيد إذا أرسله صاحبه [[قوله: "يستشلي"، بالبناء للمعلوم، أراد به هنا: أن يغري بطلب الصيد. وقد ذكر أهل اللغة: "أشلى الكلب واستشلاه" إذا دعاه باسمه، وقد أنكر ثعلب أن"أشلى الكلب" بمعنى أغراه بالصيد، وأجازه غيره. ومن أجازه فقد أصاب، وقد قال الشافعي في الأم ٢: ١٩١:

"الكلب المعّلم: الذي إذَا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى"

فاستعمل"استشلى" مطاوعًا لقوله: "أشلى الكلب" بمعنى: أغراه بالصيد. ثم عاد الشافعي فاستعمل"استشلى الكلب" بمعنى: "أشلى الكلب" غير مطاوع، فقال في الأم ٢: ١٩٢: "وتعليمُ الطائر كلِّه واحد، البازي والصقر والشاهين وغيرها: وهو أن يجمع أن يُدْعَى فيجيب، ويُسْتَشْلَى فيطير".

ثم عاد فاستعمل"استشلى" بالمعنيين جميعًا، مطاوعًا وغير مطاوع، في جملة طويلة في الأم ٢: ١٩٣ أثبت بعضها.:

" ... وإذا اسْتَشْلَى الرجُل كلبه على الصَّيْد -قريبًا كان منه أو بعيدًا- فانزجَرَ واسْتَشْلَى باستشلائه ... ".

فصح بذلك ما استعمله أبو جعفر، هذا بخلاف ما جاء في الشعر، مما يسقط اعتراض ثعلب على"أشلى" بمعنى: أغرى.]] ويمسك عليه إذا أخذه فلا يأكل منه، ويستجيب له إذا دعاه، ولا يفرُّ منه إذا أراده. فإذا تتابع ذلك منه مرارًا كان"معلَّمًا". وهذا قول جماعة من أهل الحجاز وبعض أهل العراق.

ذكر من قال ذلك:

١١١٥٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: كل شيء قتله صائدك قبل أن يعلَّم ويُمسك ويصيد، فهو ميتة. ولا يكون قتله إياه ذكاة، حتى يعلَّم ويُمسك ويصيد. فإن كان ذلك ثم قتل، فهو ذكاته.

١١١٦٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إن المعلم من الكلاب: أن يمسك صيدَه فلا يأكل منه حتى يأتيه صاحبه. فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته، فلا يأكل من صيده.

١١١٦١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه.

١١١٦٢- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال، حدثنا أبو المعلى، عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: إذا أرسل الرجل الكلبَ فأكل من صيده فقد أفسده، وإن كان ذكر اسم الله حين أرسله = فزعم أنه إنما أمسك على نفسه [[قوله: "فزعم أنه إنما أمسك على نفسه"، هذا من قول سعيد بن جبير، حكاية لقول ابن عباس. و"زعم" في هذا الموضع بمعنى: قال. لا بمعنى"زعم" فيما يذم من القول والظن. وهو يأتي كثيرًا في كلامهم، فاحفظه.]] = والله يقول:"من الجوارح مكلّبين تعلمونهن مما علمكم الله"، فزعم أنه إذا أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه أنه ليس بمعلَّم، وأنه ينبغي أن يُضرب ويعلَّم حتى يترك ذلك الخُلُق. [[الأثر: ١١١٦٢-"أبو المعلى" العطار، هو: "يحيى بن ميمون الضبي"، ثقة كثير الحديث مترجم في التهذيب، وقد مضى في الإسنادين رقم: ٨٣٤٦، ٨٣٤٧.]]

١١١٦٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معمر الرقي، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إذا أخذ الكلب فقَتل فأكل، فهو سَبُع. [[الأثر: ١١١٦٣-"معمر الرقي"، هو: "معمر بن سلمان النخعي، الرقي". وثقه أحمد. مترجم في التهذيب.]]

١١١٦٤- حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: لا يأكل منه، فإنه لو كان معلَّمًا لم يأكل منه، ولم يتعلم ما علَّمتَه. إنما أمسك على نفسه، ولم يُمسك عليك.

١١١٦٥- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا داود، عن الشعبي، عن ابن عباس، بنحوه.

١١١٦٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل. [[في المطبوعة: "إذا أكلت الكلاب" بالجمع، وأثبت ما في المخطوطة، وإن كان الناسخ كتب أولا: "أكلت" ثم عاد فمجمج الحروف حتى جعل اللام والتاء في"أكلت""أكل".]]

١١١٦٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن ابن عباس، بمثله.

١١١٦٨- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون قال: قلت لعامر الشعبي: الرجل يرسل كلبَه فيأكل منه، أنأكل منه؟ قال: لا لم يتعلَّم الذي علَّمته.

١١١٦٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: إذا أكل الكلب من صيده فاضربه، فإنه ليس بمعلَّم.

١١١٧٠- حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: إذا أكل الكلب فهو ميتة، فلا تأكله.

١١١٧١- حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير = وسَيَّار، عن الشعبي = ومغيرة، عن إبراهيم = أنهم قالوا في الكلب إذا أكل من صيده: فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه.

١١١٧٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: إن وجدت الكلب قد أكل من الصيد، فما وجدتَه ميتًا فدعه، فإنه مما لم يمسك عليك صيدًا. إنما هو سبع أمسك على نفسه ولم يمسك عليك، وإن كان قد عُلِّم.

١١١٧٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، بنحوه.

* *

وقال آخرون نحو هذه المقالة، غير أنهم حَدُّوا لمعرفة الكلاب بأن كلبه قد قَبِل التعليم وصار من الجوارح الحلال صيدها [["الكلاب" (بتشديد اللام) : هو صاحب الكلاب. و"المكلب" (بتشديد اللام المكسورة) : هو الذي يعلم الكلاب أخذ الصيد. ولكنه وضع"الكلاب" هنا موضع"المكلب". وهو جيد صحيح.]] أن يفعل ذلك كلبه مرات ثلاثًا. وهذا قول محكيٌّ عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن.

* *

وقال آخرون ممن قال هذه المقالة: لا حدَّ لعلم الكلاب بذلك من كلبه، أكثر من أن يفعل كلبه ما وصفنا أنه له تعليم. قالوا: فإذا فعل ذلك فقد صار معلَّمًا حلالا صيده. وهذا قول بعض المتأخرين.

وفرَّق بعض قائلي هذه المقالة بين تعليم البازي وسائر الطيور الجارحة وتعليم الكلب وضاري السبِّاع الجارحة، فقال: جائز أكل ما أكل منه البازي من الصيد. قالوا: وإنما تعليم البازي أن يطير إذا استُشْلِي، ويجيب إذا دُعِي، ولا ينفر من صاحبه إذا أراد أخذَه. قالوا: وليس من شروط تعليمه أن لا يأكل من الصيد.

ذكر من قال ذلك:

١١١٧٤- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم وحجاج، عن عطاء قال: لا بأس بصيد البازي وإن أكل منه.

١١١٧٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أسباط قال، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن عباس أنه قال في الطير: إذا أرسلتَه فقتل، فكُل. فإن الكلبَ إذا ضربته لم يَعُدْ. وإن تعليم الطير أن يرجع إلى صاحبه، وليس يضرب إذا أكل من الصيد ونتف من الريش. [[في المطبوعة: "فإذا أكل من الصيد ونتف من الريش فكل"، بزيادة"فكل"، عن المخطوطة، وكان فيها مثل ما في المطبوعة: "فإذا أكل ... "، ورجحت أن الصواب"إذا أكل ... ، " بحذف الفاء، ويستقيم الكلام على ما في الترجمة.]]

١١١٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا أبو حمزة، عن جابر، عن الشعبي قال: ليس البازي والصقر كالكلب، فإذا أرسلتهما فأمسكا فأكلا فدعوتهما فأتياك، فكل منه.

١١١٧٧- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو زُبَيْد، عن مطرف، عن حماد، قال إبراهيم: كُلْ صيد البازي وإن أكل منه.

١١١٧٨- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم = وجابر، عن الشعبي، قالا كُلْ من صيد البازِ وإن أكل. [[في المطبوعة: "صيد البازي" بالياء آخره، والذي في المخطوطة صواب. وانظر ما سلف ص: ٥٤٨، تعليق: ٤.]]

١١١٧٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم: إذا أكل البازي والصقر من الصيد، فكُل، فإنه لا يعلَّم. [[يعني: فإنه لا يعلم أن لا يأكل من الصيد كما يعلم الكلب.]]

١١١٨٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: لا بأس بما أكل منه البازي.

١١١٨١- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد: أنه قال في البازي إذا أكل منه، قال: كُلْ. [[في المطبوعة: "إذا أكل منه فكل"، وأثبت ما في المخطوطة، فهو صواب محض.]]

* *

وقال آخرون منهم: سواء تعليم الطير والبهائم والسباع، لا يكون نوع من ذلك معلَّمًا إلا بما يكون به سائر الأنواع معلَّمًا. وقالوا: لا يحل أكل شيء من الصيد الذي صادته جارحة فأكلت منه [[في المخطوطة: "لا يجعل كل شيء من الصيد.."، والصواب ما في المطبوعة.]] كائنة ما كانت تلك الجارحة، بهيمةً، أو طائرًا. [[في المخطوطة: "بهيمة أو طائر" بالرفع، والصواب، ما في المطبوعة.]] قالوا: لأن من شروط تعليمها الذي يحل به صيدها: أن تمسك ما صادت على صاحبها، فلا تأكل منه.

ذكر من قال ذلك:

١١١٨٢- حدثنا هناد وأبو كريب قالا حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا محمد بن سالم، عن عامر قال: قال علي: إذا أكل البازي من صيده فلا تأكل. [[الأثر: ١١١٨٢-"محمد بن سالم الهمداني"، أبو سهل الكوفي. ضعيف الحديث متروك. مترجم في التهذيب. ومضى في الإسناد رقم: ٤٨٢٤.]]

١١١٨٣- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن جعفر، عن شعبة، عن مجاهد بن سعيد، عن الشعبي قال: إذا أكل البازي منه فلا تأكل.

١١١٨٤- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير قال: إذا أكل البازي فلا تأكل.

١١١٨٥- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن عمر بن الوليد الشنيّ قال: سمعت عكرمة قال: إذا أكل البازي فلا تأكل. [[الأثر: ١١١٨٥-"عمر بن الوليد الشني"، أبو سلمة العبدي، من عبد القيس. روى عن عكرمة، وشهاب بن عباد العصري. روى عنه وكيع، وأبو نعيم. قال أبو حاتم: "ما أرى بحديثه بأسًا، وعامة حديثه عن عكرمة فقط، ما أقل ما يجاوز به إلى ابن عباس". وقال يحيى القطان: "ليس هو عندي ممن أعتمد عليه، ولكنه لا بأس به". مترجم في ابن أبي حاتم ٣/١/١٣٩، ولسان الميزان ٤: ٣٣٧.

وكان في المطبوعة: "عمرو بن الوليد السهمي"، وليس صوابًا، غير ما في المخطوطة وهو الذي أثبت.]]

١١١٨٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: الكلب والبازي كلُّه واحد، لا تأكل ما أكل منه من الصيد، إلا أن تدرك ذَكاته فتذكِّيه. قال: قلت لعطاء: البازي ينتف الريش؟ قال: فما أدركته ولم يأكل فكل. قال ذلك غير مرَّة.

* *

وقال آخرون: تعليم كل جارحة من البهائم والطير واحد. قالوا: وتعليمه الذي يحلُّ به صيده: أن يُشْلَى على الصيد فيَسْتَشلي ويأخذ الصيد [[انظر ما سلف ص: ٥٥٣، تعليق: ٤.]] ويدعوه صاحبه فيجيب، ولا يفرّ منه إذا أخذه. [[في المطبوعة والمخطوطة: "أولا يفر منه"، والصواب بالواو كما أثبته.]] قالوا: فإذا فعل الجارح ذلك كان"معلمًا" [[في المطبوعة والمخطوطة: "قال" بالإفراد، والذي قبله والذي بعده يقتضي أن تكون"قالوا".]] داخلا في المعنى الذي قال الله:"وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم". قالوا: وليس من شرط تعليم ذلك أن لا يأكل من الصيد. قالوا: وكيف يجوز أن يكون ذلك من شرطه، وهو يؤدَّب بأكله؟

ذكر من قال ذلك:

١١١٨٧- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد = أو سعد =، عن سلمان قال: إذا أرسلت كلبك على صيد، وذكرتَ اسم الله، فأكل ثلثيه وبقي ثلثه، فكل ما بقي. [[الأثر: ١١١٨٧-"سعيد" الأول، هو"سعيد بن أبي عروبة".

و"سعيد" الثاني، هو"سعيد بن المسيب".

و"سلمان"، هو ابن الإسلام، "سلمان الخير الفارسي"، صاحب رسول الله ﷺ. وكان في المخطوطة في هذا الأثر، والذي يليه"سليمان"، ثم استقامت المخطوطة على الصواب. وسيأتي بعد الأثر رقم ١١٢١١، في تعقيب أبي جعفر أن سعيد بن المسيب، غير معلوم له سماع من سلمان الفارسي.

أما قوله: "أو سعد"، فلم أعرف ما أراد به، ولم أعرف من يكون"سعد" الذي يروي عنه قتادة، والذي يروي عن سلمان. وسيأتي في الآثار التالية، رواية مثل ذلك عن"سعد بن أبي وقاص". فأخشى أن يكون في الإسناد تقديم وتأخير: "قتادة، عن سعيد، عن سلمان، أو سعد". وأنا في شك من ذلك أيضًا.

وهذا الأثر رواه البيهقي في السنن ٩: ٢٣٧.]]

١١١٨٨- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا حميد قال، حدثني القاسم بن ربيعة، عمن حدثه، عن سلمان = وبكر بن عبد الله، عمن حدثه، عن سلمان =: أن الكلب يأخذ الصيد فيأكل منه، قال: كل، وإن أكل ثلثيه، إذا أرسلته وذكرت اسم الله، وكان معلمًا. [[الأثر: ١١١٨٨-"بكر بن عبد الله المزني"، مضى برقم: ٤٨٧٧، ٤٨٧٨، ٨٩٣٦، ٩٧٣٢.

وكان في هذا الموضع من المخطوطة أيضًا"سليمان"، وانظر التعليق على الأثر السالف.]]

١١١٨٩- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت قتادة يحدث، عن سعيد بن المسيب قال، قال سلمان: كل وإن أكل ثلثيه = يعني: الصيدَ إذا أكل منه الكلب.

١١١٩٠- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان، نحوه.

١١١٩١- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد العزيز بن عبد الصمد، عن شعبة = ح وحدثنا هناد قال، حدثنا عبدة = جميعًا، عن سعيد، عن قتادة: عن سعيد بن المسيب قال، قال سلمان: إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسمَ الله، فأكل ثلثيه وبقي ثلثه، فكل. [[في المطبوعة: "فأكل ثلثه فكل"، أسقط من الكلام ما ثبت في المخطوطة.]] .

١١١٩٢- حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد، عن سلمان، نحوه.

١١١٩٣- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد، عن بكر بن عبد الله المزني والقاسم: أن سلمان قال: إذا أكل الكلب فكل، وإن أكل ثلثيه.

١١١٩٤- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: قال سلمان: إذا أرسلت كلبك المعلَّم أو بازَك، فسميَّت فأكل نصفه أو ثلثيه، فكل بقيَّته. [[الأثر: ١١١٩٤-"داود بن أبي الفرات" هو"داود بن عمر بن الفرات الكندي". ثقة، يروي عن"محمد بن زيد بن علي الكندي". مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/٢١٥.

و"محمد بن زيد بن علي الكندي" ويقال"العبدي"، قاضي مرو، ثقة صالح الحديث. مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٨٤.]]

١١١٩٥- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن حميد بن مالك بن خثيم الدؤلي: أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب، فقال: كل، وإن لم يبق منه إلا حِذْية - يعني: بَضْعة. [[الأثر: ١١١٩٥-"مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج"، مضى برقم: ٣٣٥٩.

وأبوه"بكير بن عبد الله بن الأشج"، أو "بكير بن الأشج"، مضى برقم: ٢٧٤٧، و"حميد بن مالك بن خثيم الدؤلي" أو: "حميد بن عبد الله بن مالك" وسيأتي كذلك في الأثرين: ١١٢٠٧، ١١٢٠٨، تابعي ثقة، روى عن أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص. مترجم في التهذيب.

و"الحذية" و"الحذوة" (بكسر الحاء) : هو ما قطع من اللحم طولا، أو القطعة الصغيرة من اللحم. وأما "البضعة" فهي بفتح الباء وسكون الضاد. وكان في المخطوطة: "يعني بعضه"، والصواب ما في المطبوعة.]]

١١١٩٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني عبد الصمد قال، حدثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت بكير بن الأشج يحدّث، عن سعد قال: كُل، وإن أكل ثلثيه. [[الأثر: ١١١٦٩-"عبد ربه بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري"، روى عن جده قيس بن عمرو. ثقة. مترجم في التهذيب.]]

١١١٩٧- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا سعيد بن الربيع قال، حدثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت بكير بن الأشج، عن سعيد بن المسيب = قال شعبة: قلت: سمعته من سعيد؟ قال: لا = قال: كل وإن أكل ثلثيه = قال: ثم إن شعبة قال في حديثه: عن سعد. قال: كل، وإن أكل نصفه.

١١١٩٨- حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر، عن أبي هريرة قال: إذا أرسلت كلبك فأكل منه، فإن أكل ثلثيه وبقي ثلثه، فكل.

١١١٩٩- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة، بنحوه.

١١٢٠٠- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة، نحوه.

١١٢٠١- حدثنا ابن المثنى قال، حدثني سالم بن نوح العطار، عن عمر= يعني: ابن عامر = عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم فأخذ فقتل، فكل، وإن أكل ثلثيه. [[الأثر: ١١٢٠١-"سالم بن نوح العطار" = و"عمر بن عامر السلمي"، مضيا برقم: ٢٨٥٢.]]

١١٢٠٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت عبيد الله [[في المطبوعة: "عبد الله"، والصواب من المخطوطة، وهي غير منقوطة.]] = ح وحدثنا هناد قال، حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر= عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك، أكل أو لم يأكل.

١١٢٠٣- حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، بنحوه.

١١٢٠٤- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن أبي ذئب: أن نافعًا حدَّثهم: أن عبد الله بن عمر كان لا يرى بأكل الصيد بأسًا، إذا قتله الكلب أكل منه.

١١٢٠٥- حدثني يونس به مرة أخرى فقال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبيد الله بن عمرو، ابن أبي ذئب، وغير واحد: أن نافعًا حدَّثهم، عن عبد الله بن عمر، فذكر نحوه.

١١٢٠٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا محمد بن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان لا يرى بأسًا بما أكل الكلبُ الضاري.

١١٢٠٧- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن حميد بن عبد الله، عن سعد قال: قلت لنا: كلاب ضوارٍ يأكلن ويبقين؟ قال: كل، وإن لم يبق إلا بَضْعة.

١١٢٠٨- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن حميد قال: سألت سعدًا، فذكر نحوه. [[الأثران: ١١٢٠٧، ١١٢٠٨-"حميد بن عبد الله"، هو"حميد بن مالك بن خثيم" الذي مضى في الأثر: ١١١٩٥، وانظر التعليق عليه هناك.

و"يعقوب بن عبد الله بن الأشج" أخو"بكير بن عبد الله بن الأشج" الذي سلف برقم: ١١١٩٥ وهو ثقة. مترجم في التهذيب.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا في تأويل قوله:"تعلمونهن مما علمكم الله": أن"التعليم" الذي ذكره الله في هذه الآية للجوارح، إنما هو أن يعلِّم الرجل جارحَه الاستشلاء إذا أُشلي على الصيد [[انظر القول في"الإشلاء" و"الاستشلاء" فيما سلف ص: ٥٥٣، تعليق: ٤.]] وطلبه إياه إذا أغرى، أو إمساكه عليه، إذا أخذه من غير أن يأكل منه شيئًا، وألا يفرّ منه إذا أراده، وأن يجيبه إذا دعاه. فذلك، هو تعليم جميع الجوارح، طيرها وبهائمها. فإن أكل من الصيد جارحةُ صائد [[في المطبوعة: "وإن أكل ... " بالواو، والجيد ما في المخطوطة، بالفاء.]] فجارحه حينئذ غير معلَّم. [[في المطبوعة: "فجارحه" بغير تاء التأنيث، والجيد ما في المخطوطة.]] فإن أدرك صيده صاحبُه حيًّا فذكّاه، حلَّ له أكله. وإن أدركه ميتًا، لم يحلَّ له أكله، لأنه مما أكله السَّبُع الذي حرمه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ ، ولم يدرك ذكاته.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ، بما:-

١١٢٠٩- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم: أنه سأل النبي ﷺ عن الصيد فقال: إذا أرسلتَ كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن أدركته وقد قتل وأكل منه فلا تأكل منه شيئًا، فإنما أمسكَ على نفسه. " [[الأثر: ١١٢٠٩- حديث صحيح. رواه البخاري (الفتح ٩: ٥٢٧) ، ومسلم ١٣: ٧٨، ٧٩، وأحمد في المسند ٤: ٢٥٧، ٣٧٩، وأبو داود في سننه ٣: ١٤٥ رقم: ٢٨٤٩، والبيهقي في السنن ٩: ٢٣٦، ٢٣٨، ٢٤٢، ٢٤٤ من طرق، مطولا.]]

١١٢١٠- حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا محمد بن فضيل، عن بيان بن بشر، عن عامر، عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: إنا قوم نتصيَّد بهذه الكلاب؟ فقال: إذا أرسلت كلابَك المعلَّمة وذكرت اسم الله عليها، فكل ما أمسكن عليك وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلبُ، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما حَبَسه على نفسه. " [[الأثر: ١١٢١٠- حديث صحيح. رواه البخاري من طريق قتيبة بن سعيد، عن محمد بن فضيل (الفتح ٩: ٥٢٧، ٥٢٨) ، ومسلم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل ١٣: ٧٥، وأحمد في مسنده ٤: ٢٥٨، والبيهقي في السنن ٩: ٢٣٦، ٢٣٧، وأبو داود في سنن ٣: ١٤٥، رقم: ٢٨٤٨ مطولا.]]

* *

فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما حدثك به:-

١١٢١١- عمران بن بكّار الكلاعي قال، حدثنا عبد العزيز بن موسى قال، حدثنا محمد بن دينار، عن أبي إياس، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن النبي ﷺ قال: إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي. [[الأثر: ١١٢١١-"عمران بن بكار الكلاعي"، شيخ الطبري. مضى برقم: ١٤٩، ٢٠٧١.

و"عبد العزيز بن موسى بن روح اللاحوني"، أبو روح، البهراني الحمصي. قال أبو حاتم: "صدوق ثقة مأمون". مترجم في التهذيب.

و"محمد بن دينار الأزدي الطاحي"، وهو"ابن أبي الفرات"، و"أبو بكر بن أبي الفرات" قال النسائي: "ليس به بأس"، وقال في موضع آخر: "ضعيف"، وقال أبو داود: "تغير قبل أن يموت"، وقال الدارقطني: "ضعيف"، وقال مرة: "متروك". مترجم في التهذيب.

و"أبو إياس"، هو"معاوية بن قرة بن إياس المزني"، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب.

وهذا الأثر قد تكلم الطبري في إسناده فيما يلي، ونقل ابن كثير في تفسيره ٣: ٧٥، ما قاله الطبري، ثم عقب عليه بقوله: "وهذا الذي قاله ابن جرير صحيح، ولكن قد روي هذا المعنى مرفوعًا من وجوه أخر، فقال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ... " وساق حديث أبي داود في سننه ٣: ١٤٧، رقم: ٢٨٥٧، ثم قال ابن كثير: "هكذا رواه أبو داود، وقد أخرجه النسائي. وكذا رواه أبو داود من طريق يونس بن سيف، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة ... " ثم ساق حديث أبي داود في سننه ٣: ١٤٧، رقم: ٢٨٥٦، ثم قال: "وهذان إسنادان جيدان".]] قيل: هذا خبر في إسناده نظر، فإن"سعيدًا" غير معلوم له سماع من"سلمان"، والثقات من أهل الآثار يقفون هذا الكلام على سلمان، ويروونه عنه من قِبَله غير مرفوع إلى النبي ﷺ. والحفَّاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفردٌ ليس له حفظهم، كانت الجماعة الأثبات أحقَّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم. [[انظر التعليق على الأثر السالف، رقم: ١١٢١١.]]

* *

قال أبو جعفر: وإذا كان الأمر في الكلب على ما ذكرتُ: من أنه إذا أكل من الصيد فغيرُ معلَّم، فكذلك حكم كل جارحة: في أن ما أكل منها من الصيد فغير معلَّم، لا يحل له أكل صيده إلا أن يدرك ذكاته.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"فكلوا مما أمسكن عليكم"، فكلوا، أيها الناس، مما أمسكت عليكم جوارحكم.

* *

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: ذلك على الظاهر والعموم كما عممه الله، حلال أكل كلِّ ما أمسكت علينا الكلاب والجوارح المعلَّمة من الصيد الحلال أكله، أكل منه الجارح والكلاب أو لم يأكل منه، أدركتْ ذكاته فذُكِّي أو لم تدرَك ذكاته حتى قتلته الجوارح بجرحها إياه أو بغير جَرْح.

وهذا قول الذين قالوا:"تعليم الجوارح الذي يحلّ به صيدها أن تعلَّم الاستشلاء على الصيد، وطلبه إذا أشْليت عليه، وأخذه، وترك الهرب من صاحبها، دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته". وقد ذكرنا قول قائلي هذه المقالة والرواية عنهم بأسانيدها الواردة آنفًا. [[انظر ما سلف من الآثار من رقم: ١١١٨٧، وما بعده.]]

* *

وقال آخرون: بل ذلك على الخصوص دون العموم. قالوا: ومعناه: فكلوا مما أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه. قالوا: فإن أكلت الجوارح منه بعضًا وأمسكت بعضًا، فالذي أمسكت منه غير جائز أكلُه وقد أكلت بعضه، لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه، على أنفسها لا علينا، والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كلَ ما أمسكته جوارحنا المعلمة علينا بقوله:"فكلوا مما أمسكن عليكم"، دون ما أمسكته على أنفسها. وهذا قول من قال:" تعليم الجوارح الذي يحلُّ به صيدها: أن تَستشلى للصيد إذا أشليت، فتطلبه وتأخذه، فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئًا، ولا تفر من صاحبها". وقد ذكرنا ممن قال ذلك فيما مضى منهم جماعة كثيرة [[انظر ما سلف من الآثار، من رقم: ١١١٨٢، وما بعده.]] ونذكر منهم جماعة أخَر في هذا الموضع. [[في المطبوعة: "جماعة آخرين"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

١١٢١٢- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"فكلوا مما أمسكن عليكم"، يقول: كلوا مما قتلن = قال علي: وكان ابن عباس يقول: إن قتل وأكل فلا تأكل، وإن أمسك فأدركته حيًّا فذكِّه.

١١٢١٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إن أكل المعلَّم من الكلاب من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته، فلا يأكل من صيده.

١١٢١٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فكلوا مما أمسكن عليكم"، إذا صادَ الكلب فأمسكه وقد قتله ولم يأكل منه، فهو حِلٌّ. فإن أكل منه، فيقال: إنما أمسك على نفسه. [[في المخطوطة: "إنما أمسك فلا تأكل......" أسقط"على نفسه"، والصواب إثباتها كما في المطبوعة.]] فلا تأكل منه شيئًا، إنه ليس بمعلَّم.

١١٢١٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"يسألونك ماذا أحل لهم" إلى قوله:"فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه"، قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم أو طيرك أو سهمك، فذكرت اسم الله، فأخذ أو قتل، فكل.

١١٢١٦- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: إذا أرسلت كلبك المعلّم فذكرت اسم الله حين ترسله، فأمسك أو قتل، فهو حلال. فإذا أكل منه فلا تأكله، فإنما أمسكه على نفسه.

١١٢١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الشعبي، عن عديّ قوله:"فكلوا مما أمسكن عليكم"، قال: قلت يا رسول الله، إن أرضي أرضُ صيد؟ قال:"إذا أرسلت كلبك وسميت، فكل مما أمسك عليك كلبُك وإن قتل. فإن أكل فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه. [[الأثر: ١١٢١٧- حديث صحيح، أخرجه البخاري (الفتح ٩: ٥٢٧) ، نحوًا من لفظه. ورواه بهذا اللفظ مطولا، أحمد في مسنده ٤: ٢٥٧، وانظر التعليق على الأثر السالف رقم: ١١٢٠٩.]]

وقد بينا أولى القولين في ذلك بالصواب قبلُ، فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره. [[انظر ما سلف ص: ٥٦٤.]]

* *

فإن قال قائل: وما وجه دخول"من"، في قوله:"فكلوا مما أمسكن عليكم"، وقد أحل الله لنا صيد جوارحنا الحلالِ، و"من" إنما تدخل في الكلام مبعِّضَة لما دخلت فيه؟

قيل: قد اختلف في معنى دخولها في هذا الموضع أهل العربية.

فقال بعض نحويي البصرة: دخلت"من" في هذا الموضع لغير معنًى، كما تدخله العرب في قولهم:"كان من مطر" و"كان من حديث". قال: ومن ذلك قوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٧١] ، وقوله: ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [سورة النور: ٤٣] ، قال: وهو فيما فسِّر: وينزل من السماء جبالا فيها برد. قال: وقال بعضهم: و"ينزل من السماء من جبال فيها من برد"، أي: من السماء من برد، بجعل"الجبال من برد" في السماء، وبجعل الإنزال منها. [[انظر ما سلف ٢: ١٢٦، ١٢٧ / ٥: ٥٨٦/٦: ٥٥١/٧: ٤٨٩.]]

* *

وكان غيره من أهل العربية ينكر ذلك ويقول: لم تدخل"من" إلا لمعنى مفهوم، لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به. وذلك أنها دالة على التبعيض. وكان يقول: معنى قولهم"قد كان من مطر" و"كان من حديث"؛ هل كان من مَطَرِ مَطَرَ عندكم؟ وهل من حديث حُدِّث عندكم؟ [[في المطبوعة والمخطوطة: "حديث حديث عندكم"؛ والصواب ما أثبت. ويعني قائل ذلك أن قوله"قد كان من مطر" إلخ، إنما هو جواب لقول القائل: هل كان من مطر مطر عندكم؟]] ويقول: معنى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ، أي: ويكفر عنكم من سيِّئاتكم ما يشاء ويريد = وفي قوله: ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ ، فيجيز حذف"من" من"من برد" [[في المطبوعة والمخطوطة: "حذف من من برد"، والصواب زيادة"من" الثالثة كما أثبتها.]] ولا يجيز حذفها من"الجبال"، ويتأول معنى ذلك: وينزل من السماء أمثالَ جبالٍ بردٍ، ثم أدخلت"من" في"البرد"، لأن"البرد" مفسَّر عنده من"الأمثال" [["المفسر": المميز. و"التفسير": التمييز. وانظر فهارس المصطلحات.]] أعني:"أمثال الجبال"، وقد أقيمت"الجبال" مقام"الأمثال"، و"الجبال" وهي"جبال برد" فلا يجيز حذف"من" من"الجبال"، لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنزل منه البرد، أمثالُ جبال بردٍ. وأجاز حذف"من" من"البرد"، لأن"البرد" مفسَّر عن"الأمثال"، كما تقول:"عندي رطلان زيتًا" و"عندي رطلان من زيت"، وليس عندك"الرطل"، وإنما عندك المقدار. فـ"من" تدخل في المفسِّر وتخرج منه. وكذلك عند قائل هذا القول: من السماء، من أمثال جبال، وليس بجبال. وقال: وإن كان:"أنزل من جبال في السماء من برد جبالا"، ثم حذف"الجبال" الثانية، و"الجبال" الأول في السماء، جاز. تقول:"أكلت من الطعام"، تريد: أكلت من الطعام طعامًا، ثم تحذف"الطعام" ولا تسقط"من".

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن"من" لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم، وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة، لدلالة ما يظهر من الكلام عليها. فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها، فذلك قد بيَّنا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صحّ من الكلام. [[انظر المواضع السالفة التي أشرنا إليها في التعليق: ٢، ص ٥٦٩.]]

ومعنى دخولها في قوله:"فكلوا مما أمسكن عليكم"، للتبعيض، إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه، وحرَّم عليهم فَرْثه ودمَه، فقال جل ثناؤه:"فكلوا" = مما أمسكتْ عليكم جوارحكم [[في المطبوعة والمخطوطة: "مما أمسكن عليكم جوارحكم"، والصواب الجيد ما أثبت، إنما خلط النساخ بين (النون) ، و"التاء".]] = الطيبات التي أحللت لكم من لحومها، دون ما حرمت عليكم من خبائثه من الفرث والدم وما أشبه ذلك، مما لم أطيبه لكم. فذلك معنى دخول"من" في ذلك.

وأما قوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ، فقد بينا وجه دخولها فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ٥: ٥٨٦، والمواضع الأخرى في التعليق السالف ص: ٥٦٩، رقم: ٢.]]

وأما دخولها في قوله: ﴿وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ﴾ ، فسنبينه إذا أتينا عليه إن شاء الله. [[انظر ج ١٨: ١١٨، ١١٩ (بولاق) من هذا التفسير، ولم يف أبو جعفر بما وعد، فلم يبينه بيانًا كافيًا حيث أشار إليه. وقد كان في المطبوعة هنا: "إن شاء الله تعالى". وأثبت ما في المخطوطة.]] .

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ [[في المطبوعة والمخطوطة: "واذكروا اسم الله على ما أمسكت ... " والصواب إثبات"عليه" من تمام الآية، وما بعده تفسير قوله: "عليه".]] على ما أمسكت عليكم جوارحكم من الصيد. كما:-

١١٢١٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"واذكروا اسم الله عليه"، يقول: إذا أرسلت جوارحك فقل:"بسم الله"، وإن نسيت فلا حَرَج.

١١٢١٩- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"واذكروا اسم الله عليه"، قال: إذا أرسلته فسَمِّ عليه حين ترسله على الصيد.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: واتقوا الله، أيها الناس، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فاحذروه في ذلك أن تقدموا على خلافه، وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلَّمة، أو مما لم تمسك عليكم من صيدها وأمسكته على أنفسها، أو تطعَمُوا ما لم يسمَّ الله عليه من الصيد والذبائح مما صادَه أهل الأوثان وعبدة الأصنام ومن لم يوحِّد الله من خلقه، أو ذبحوه، فإن الله قد حرَّم ذلك عليكم فاجتنبوه.

ثم خوَّفهم إن هم فعلوا ما نهاهم عنه من ذلك ومن غيره. فقال: اعلموا أن الله سريعٌ حسابه لمن حاسبه على نِعَمه عليه منكم [[في المطبوعة: "على نعمته ... "، وأثبت ما في المخطوطة.]] وشكرِ الشاكر منكم ربَّه على ما أنعم به عليه بطاعته إياه فيما أمر ونهى، لأنه حافظ لجميع ذلك فيكم، فيحيط به، لا يخفى عليه منه شيء، فيجازي المطيعَ منكم بطاعته، والعاصيَ بمعصيته، وقد بيَّن لكم جزاء الفريقين. [[انظر تفسير"سريع الحساب" فيما سلف ٧: ٥٠١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"اليوم أحل لكم الطيبات"، اليوم أحل لكم، أيها المؤمنون، الحلالُ من الذبائح والمطاعم دون الخبائث منها.

وقوله:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم"، وذبائحُ أهل الكتاب من اليهود والنصارى = وهم الذين أوتوا التوراة والإنجيل وأنزل عليهم، فدانُوا بهما أو بأحدهما ="حل لكم" [[انظر تفسير"حل" و"حلال" فيما سلف ٣: ٣٠٠، ٤٨٧.]] يقول: حلالٌ لكم، أكله دون ذبائح سائر أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام. فإن من لم يكن منهم مِمَّن أقرَّ بتوحيد الله عزَّ ذكره ودان دين أهل الكتاب، فحرام عليكم ذبائحهم.

* *

ثم اختلف فيمن عنى الله عز ذكره بقوله:"وطعام الذين أوتوا الكتاب"، من أهل الكتاب.

فقال بعضهم: عنى الله بذلك ذبيحة كل كتابي ممن أنزل عليه التوراة والإنجيل، أو ممن دخل في مِلَّتهم فدان دينهم، وحرَّم ما حرَّموا، وحلَّل ما حللوا، منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمم.

ذكر من قال ذلك:

١١٢٢٠- حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثنا عكرمة قال، سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب، فقرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ، الآية [سورة المائدة: ٥١] . [[الأثر: ١١٢٢٠- هذا الأثر مؤخر بعد الذي يليه في المخطوطة، فلا أدري أهو مؤخر، أم سقط قبل الأثر رقم ١١٢٢١، أثر آخر، فاجتهد ناشر الكتاب أو ناسخ سابق، فقدم وأخر.]]

١١٢٢١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان: عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله.

١١٢٢٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن عثمة قال، حدثنا سعيد بن بشر، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة: أنهما كانا لا يريان بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب، وبتزوُّج نسائهم، ويتلوان: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ .

١١٢٢٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب: أنهما كانا لا يريان بأسًا بذبيحة نصارى بني تغلب.

١١٢٢٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن الشعبي: أنه كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب، وقرأ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ، [سورة مريم: ٦٤] .

١١٢٢٥- حدثني ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني ابن شهاب عن ذبيحة نصارى العرب، قال. تؤكل من أجل أنهم في الدين أهلُ كتاب، ويذكرون اسمَ الله.

١١٢٢٦- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، قال عطاء: إنما يقرُّون بدين ذلك الكتاب. [[في المطبوعة: "إنما يقرأون ذلك الكتاب"، وفي المخطوطة: "إنما يقرون بين ذلك" ورأيت أن صواب قراءتها كما أثبت، أي: أنهم يدينون بدين ذلك الكتاب.]]

١١٢٢٧- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن ذبائح نصارى بني تغلب، فقالوا: لا بأس بها. قال: وقرأ الحكم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ ، [سورة البقرة: ٧٨] .

١١٢٢٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوَّجوا من نسائهم، فإن الله قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٥١] ، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية، لكانوا منهم.

١١٢٢٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة: أن الحسن كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب، وكان يقول: انتحلوا دينًا، فذاك دينهم.

* *

وقال آخرون: إنما عنى بالذين أوتوا الكتاب في هذه الآية، الذين أنزل عليهم التوراة والإنجيل من بني إسرائيل وأبنائهم، فأما من كان دخيلا فيهم من سائر الأمم ممن دان بدينهم وهم من غير بني إسرائيل، فلم يعن بهذه الآية، وليس هو ممن يحل أكل ذبائحه، لأنه ليس ممن أوتي الكتاب من قَبْل المسلمين. وهذا قول كان محمد بن إدريس الشافعي يقوله = حدثنا بذلك عنه الربيع = ويتأول في ذلك قول من كره ذبائح نصارى العرب من الصحابة والتابعين. [[انظر الأم ٢: ١٩٦.]]

* *

ذكر من حرَّم ذبائح نصارى العرب.

١١٢٣٠- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة قال، قال علي رضوان الله عليه: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب، فإنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر. [[الأثر: ١١٢٣٠- رواه الشافعي في الأم ٢: ١٩٦، والبيهقي في السنن ٩: ٢٨٤، وأشار إليه الحافظ ابن حجر في (الفتح ٩: ٥٤٩) ، وقال: "أخرجه الشافعي وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة".]]

١١٢٣١- حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب، فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر.

١١٢٣٢- حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا عبد الله بن بكر قال، حدثنا هشام، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: سألت عليًّا عن ذبائح نصارى العرب، فقال: لا تؤكل ذبائحهم، فإنهم لم يتعلَّقوا من دينهم إلا بشرب الخمر.

١١٢٣٣- حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا علي بن عابس، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري قال: نهانا عليٌّ عن ذبائح نصارى العرب. [[الأثر: ١١٢٣٣-"علي بن سعيد بن مسروق الكندي"، مضى برقم: ١١٨٤، ٢٧٨٤.

و"علي بن عابس الأسدي"، ضعيف، يعتبر به. مترجم في التهذيب.

و"أبو البختري"، هو: "سعيد بن فيروز الطائي" مضى برقم: ١٧٥، ١٤٩٧.]]

١١٢٣٤- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي حمزة القصاب قال: سمعت محمد بن علي يحدث، عن علي: أنه كان يكره ذبائح نصارى بني تغلب.

١١٢٣٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال، لا تأكلوا ذبائح نصارى العرب، وذبائح نصارى أرْمينية.

* *

قال أبو جعفر: وهذه الأخبار عن عليّ رضوان الله عليه، إنما تدل على أنه كان ينهى عن ذبائح نصارى بني تغلب، من أجل أنهم ليسوا على النصرانية، لتركهم تحليل ما تحلِّل النصارى، وتحريم ما تُحَرّم، غير الخمر. ومن كان منتحلا [[في المطبوعة والمخطوطة: "من كان منتحلا ... " بغير واو في أوله الكلام، وهو فساد، والصواب إثباتها.]] ملّة هو غير متمسك منها بشيء فهو إلى البراءة منها أقرب منه إلى اللحاق بها وبأهلها. [[في المخطوطة والمطبوعة: "فهو إلى البراءة منها أقرب إلى اللحاق ... "، بإسقاط"منه"، وهو اختلال شديد، والصواب إثباتها.]] فلذلك نهى عليٌّ عن أكل ذبائح نصارى بني تغلب، لا من أجل أنهم ليسوا من بني إسرائيل.

فإذ كان ذلك كذلك، وكان إجماعًا من الحجة أن لا بأس بذبيحة كل نصرانيّ ويهوديّ دان دين النصرانيّ أو اليهودي [[في المطبوعة: "وكان إجماعًا من الحجة إحلال ذبيحة كل نصراني ويهودي انتحل دين النصارى أو اليهودي، فأحل ... "، لم يحسن قراءة المخطوطة، فوضع مكان ما حذف منها ما وضع. وكان في المخطوطة: "وكان إجماعًا من الحجة ألا بأس فذبيحة كل نصراني ويهودي دان دين النصراني أو اليهودي"، وظاهر أن صواب قراءة صدر هذه الجملة هو ما أثبته، وهو مطابق لما جاء في الآثار السالفة من ١١٢٢٢-١١٢٢٩.]] فأحل ما أحلُّوا، وحرَّم ما حرموا، من بني إسرائيل كان أو من غيرهم = [[السياق: وإذ كان ذلك كذلك، وكان إجماعًا من الحجة ... فبين خطأ ما قال الشافعي ...]] فبيِّنٌ خطأ ما قال الشافعي في ذلك، وتأويله الذي تأوّله في قوله:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم"، أنه ذبائح الذين أوتوا الكتابَ التوراةَ والإنجيلَ من بني إسرائيل = [[السياق: فبين خطأ ما قال الشافعي ... وصواب ما خالف تأويله ذلك.]] وصوابُ ما خالف تأويله ذلك، وقولِ من قال: إن كل يهودي ونصراني فحلال ذبيحتُه، من أيِّ أجناس بني آدم كان.

* *

وأمَّا"الطعام" الذي قال الله:"وطعام الذين أوتوا الكتاب"، فإنه الذبائح.

* *

وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٢٣٦- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم"، قال: الذبائح.

١١٢٣٧- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"، قال: ذبائحهم.

١١٢٣٨- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

١١٢٣٩- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

١١٢٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن ليث، عن مجاهد، مثله. [[الأثر: ١١٢٤٠-"إسحق بن سليمان الرازي العبدي، سلف برقم: ٦٤٥٦.

و"أبو سنان" هو: "سعيد بن سنان الشيباني"، مضى برقم: ١٧٥.]]

١١٢٤١- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١١٢٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"، قال: ذبيحة أهل الكتاب.

١١٢٤٣- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"، قال: ذبائحهم.

١١٢٤٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، بمثله.

١١٢٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.

١١٢٤٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.

١١٢٤٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.

١١٢٤٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"، قال: ذبائحهم.

١١٢٤٩- حدثني المثنى قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا خالد، عن يونس، عن الحسن، مثله. [[الأثر: ١١٢٤٩-"المعلى بن أسد العمي" الحافظ الثقة، روى عنه البخاري، والباقون بالواسطة. مترجم في التهذيب، ومضى غير مترجم برقم: ٧٢٣٢.]]

١١٢٥٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"، أي: ذبائحهم.

١١٢٥١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"، أما طعامهم، فهو الذبائح.

١١٢٥٢- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"، قال: أحل الله لنا طعامهم ونساءَهم.

١١٢٥٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: أما قوله:"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"، فإنه أحلَّ لنا طعامهم ونساءهم.

١١٢٥٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألته = يعني ابن زيد = [[في المطبوعة: "يعني ابن يزيد"، وهو خطأ، محض، وهو إسناد دائر في التفسير.]] عما ذبح للكنائس وسُمِّي عليها، فقال: أحل الله لنا طعام أهل الكتاب، ولم يستثن منه شيئًا.

١١٢٥٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني معاوية، عن أبي الزاهرية حدير بن كريب، = عن أبي الأسود، عن عُمَير بن الأسود: أنه سأل أبا الدرداء عن كبش ذُبح لكنيسة يقال لها"جرجس"، أهدوه لها، أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء: اللهم عفوًا! إنما هم أهل كتاب، طعامهم حلٌّ لنا، وطعامنا حل لهم! وأمره بأكله. [[الأثر: ١١٢٥٥-"معاوية"، هو"معاوية بن صالح بن حدير الحمصي الحضرمي"، مضى برقم: ١٨٦، ١٨٧، ٢٠٧٢، ٨٤٧٢.

و"أبو الزاهرية"، وهو"حدير بن كريب الحضرمي = أو الحميري". روى عن حذيفة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم من الصحابة. روى عنه معاوية بن صالح، وغيره. قال ابن سعد: "وكان ثقة إن شاء الله، كثير الحديث". مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٩١.

وفي هذا الإسناد إشكال. فإن ظاهره أن أبا الزاهرية حدير بن كريب، روى الأثر عن"أبي الأسود، عن عمير بن الأسود"، وهذا محال. فإن أبا الزاهرية يروي مباشرة عن أبي الدرداء. فأكبر ظني أن في أصول التفسير سقطًا أو خرمًا في هذا الموضع، وأن الإسناد انتهى عند قوله"حدير بن كريب" وسقط أثر حدير بن كريب عن أبي الدرداء، وبدأ إسناد آخر -لا ندري ما هو- ينتهي إلى أبي الأسود عن عمير بن الأسود، أنه سأل أبا الدرداء ... إلخ. وسيظهر صواب ذلك فيما يأتي.

و"أبو الأسود" في هذا الإسناد التالي، لم أعرف من يكون فيمن يكنى بأبي الأسود.

وأما "عمير بن الأسود العنسي"، فزعم ابن حجر، أنه هو"عمرو بن الأسود" وبذلك ترجم له في التهذيب (٨: ٤) وأنهما رجل واحد، وقال: روى عن عمر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وغيرهم من الصحابة. وقال ابن أبي حاتم ٣/١/٣٧٥: "عمير بن الأسود العنسي الشامي"، سمع عبادة، وأبا الدرداء، وأم حرام. روى عنه خالد بن معدان، سمعت أبي يقول ذلك". وترجم أيضًا"عمرو بن الأسود القيسي"، وقال: "روى عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعبادة بن الصامت. روى عنه مجاهد، وخالد بن معدان ... "، ففرق تفريقًا ظاهرًا بين"عمرو بن الأسود القيسي"، و"عمير بن الأسود العنسي".

وكذلك فعل ابن سعد في الطبقات ٧/٢/١٥٣، ففرق بينهما قال: "عمير بن الأسود: سأل أبا الدرداء عن طعام أهل الكتاب. وروى عن معاذ بن جبل، وكان قليل الحديث ثقة".

ثم عقد ترجمة أخرى: "وعمرو بن الأسود السكوني: روى عن عمر ومعاذ، وله أحاديث".

فلا أدري من أين جعلهما الحافظ ابن حجر، رجلا واحدًا!!

وقد ثبت بما رواه ابن سعد، أن هذا الأثر، إنما هو من حديث عمير بن الأسود، أنه سأل: أبا الدرداء، وأنه حديث آخر، غير حديث حدير بن كريب أبي الزاهرية.

هذا، ولم أجد هذا الأثر -أو هذين الأثرين- في مكان آخر، وقد أغفل ابن كثير روايته في تفسيره، وأغفله أيضًا السيوطي في الدر المنثور. وكتبه: محمود محمد شاكر.]] وأما قوله:"وطعامكم حل لهم"، فإنه يعني: ذبائحكم، أيها المؤمنون، حِلٌّ لأهل الكتاب.

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"والمحصنات من المؤمنات"، أحل لكم، أيها المؤمنون، المحصنات من المؤمنات = وهن الحرائر منهن [[انظر تفسير"المحصنات"، و"الإحصان" فيما سلف ٨: ١٥١-١٦٩/ ثم ٨: ١٨٥-١٩٠.]] = أن تنكحوهن ="والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، يعني: والحرائر من الذين أعطوا الكتاب [[انظر تفسير"آتى" فيما سلف من فهارس اللغة.]] وهم اليهود والنصارى الذين دانوا بما في التوراة والإنجيل من قبلكم، أيها المؤمنون بمحمد ﷺ من العرب وسائر الناس، أن تنكحوهن أيضًا ="إذا آتيتموهن أجورهن"، يعني: إذا أعطيتم من نكحتم من محصناتِكم ومحصناتهم [[انظر تفسير"آتى" فيما سلف من فهارس اللغة.]] ="أجورهن"، وهي مهورُهن. [[انظر تفسير"الأجور" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي عناهن الله عز ذكره بقوله:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم".

فقال بعضهم: عنى بذلك الحرائر خَاصة، فاجرةً كانت أو عفيفةً. وأجاز قائلو هذه المقالة نكاح الحرة، مؤمنة كانت أو كتابية من اليهود والنصارى، من أيِّ أجناس الناس كانت [[في المطبوعة والمخطوطة: "من أي أجناس كانت"، وزدت"الناس"، لأن السياق يقتضيها اقتضاء لا شك فيه. ولو قلت مكانها: "من أي أجناس اليهود والنصارى كانت"، لكان صوابا أيضًا.]] بعد أن تكون كتابية، فاجرة كانت أو عفيفةً.

وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يُتَزَوَّجن بكل حال [[في المطبوعة: "أن نتزوجهن"، وأثبت ما في المخطوطة.]] لأن الله جل ثناؤه شرطَ من نكاح الإماء الإيمانَ بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، [سورة النساء: ٢٥] .

ذكر من قال ذلك:

١١٢٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب"، قال: من الحرائر.

١١٢٥٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: من الحرائر.

١١٢٥٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن رجلا طلَّق امرأته وخُطِبَت إليه أخته، وكانت قد أحدثت، فأتى عمر فذكر ذلك له منها، فقال عمر: ما رأيت منها؟ قال: ما رأيت منها إلا خيرًا! فقال: زوِّجها ولا تُخْبِر.

١١٢٥٩- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا سليمان الشيباني قال، حدثنا عامر قال: زنت امرأة منَّا من همدان، قال: فجلدها مُصَدِّق رسول الله ﷺ الحدَّ [["المصدق" هو العامل على الصدقات، يجمعها من أهلها.]] ثم تابت. فأتوا عمر فقالوا: نزوّجها، وبئسَ ما كان من أمرها! قال عمر: لئن بلغني أنكم ذكرتم شيئًا من ذلك، لأعاقبنكم عقوبةً شديدة.

١١٢٦٠- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن رجلا أراد أن يزوِّج أخته، فقالت: إني أخشى أن أفضَح أبي، فقد بَغَيْتُ! فأتى عمر، فقال: أليس قد تابت؟ قال: بلى! قال: فزوّجها.

١١٢٦١- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: أن نُبَيْشة، امرأةً من همدان، بغتْ، فأرادت أن تذبح نفسها، قال: فأدركوها، فداووها فبرئت، فذكروا ذلك لعمر، فقال: انكحوها نكاحَ العفيفة المسلمة.

١١٢٦٢- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر: أن رجلا من أهل اليمن أصابت أختُه فاحشة، فأمرَّت الشَّفرة على أوداجها، فَأُدْرِكت، فدُووِي جُرْحها حتى برئت. ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن ونَسَكت، حتى كانت من أنسك نسائهم. فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يدلِّسها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر فذكر ذلك له، فقال عمر: لو أفشيت عليها لعاقبتك! إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوّجها إيّاه.

١١٢٦٣- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر: أن جارية باليمن يقال لها:"نبيشة"، أصابت فاحشة، فذكر نحوه.

١١٢٦٤- حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا إسماعيل، عن عامر قال: أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة. [["الأوداج" جمع"ودج" (بفتحتين) : وهو عرق متصل من الرأس إلى النحر، والأوداج: عروق تكتنف الحلقوم.]]

١١٢٦٥- حدثنا أحمد بن منيع قال، حدثنا مروان، عن إسماعيل، عن الشعبي قال: جاء رجل إلى عمر، فذكر نحوه.

١١٢٦٦- حدثنا مجاهد قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير: أن رجلا خطب من رجل أخته، فأخبره أنها قد أحدثتْ. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فضرب الرجل وقال: ما لك والخبر! أنكح واسكُت. [[هذه الأخبار السالفة، أدب من آداب هذا الدين عظيم، وهدي من هدي أهل الإيمان، أمروا به، ومضوا عليه. حتى خلفت من بعدهم الخلوف، فجهلوا أمر دينهم، وغالوا غلوا فاحشًا في استبشاع زلة من زل من أهل الإيمان، فقتل الرجل منهم بنته وأخته ومن له عليها الولاية. وما فعلوا ذلك، إلا بعد أن فارقوا جادة الإيمان في سائر ما أمرهم الله به، فاستمسكوا بالغلو الفاحش، وظنوا ذلك من تمام ديانتهم ومروءتهم. وهذا دليل على أن كل تفريط في الدين، يقابله في الجانب الآخر غلو في التدين بغير دين! ورحم الله عمر بن الخطاب، ما كان أبصره بالناس وأرحمه بهم.]]

١١٢٦٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصابَ فاحشة في الإسلام أن يتزوج مُحْصنة! فقال له أبيّ بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب!

* *

وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، العفائفَ من الفريقين، إماءً كنَّ أو حرائر. فأجاز قائلو هذه المقالة نكاحَ إماء أهل الكتاب الدائنات دينَهم بهذه الآية، وحرَّموا البغايا من المؤمنات وأهل الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

١١٢٦٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد في قوله:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: العفائف.

١١٢٦٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

١١٢٧٠- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن مطرف، عن عامر:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني، وأن تغتَسِل من الجنابة.

١١٢٧١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عامر:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة، وأن تحصن فرجَها.

١١٢٧٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن مطرف، عن رجل، عن الشعبي في قوله:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني، وأن تغتسل من الجنابة.

١١٢٧٣- حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مطرف، عن الشعبي في قوله:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: إحصانها: أن تغتسل من الجنابة، وأن تحصن فرجها من الزنا.

١١٢٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد، قال، أخبرنا مطرف، عن عامر، بنحوه.

١١٢٧٥- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ ، قال: العفائف.

١١٢٧٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، قال: أما"المحصنات"، فهنّ العفائف.

١١٢٧٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن امرأة اتخذت مملوكها [[قوله: "اتخذت مملوكها"، أي أمكنته من نفسها، وتسرت به كأنه زوج لها.]] وقالت: تأوّلت كتابَ الله:"وما ملكت أيمانكم"، قال: فأتى بها عمر بن الخطاب، فقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ: تأوّلت آية من كتاب الله على غير وجهها. قال فغَرَّب العبد وجزَّ رأسه. [[في المطبوعة: "فقرب العبد" بالقاف، وهو في المخطوطة كما أثبته غير منقوط، وصواب قراءته ما أثبت. و"التغريب": النفي. و"جز رأسه": أي قص شعره. ولم يرد القتل.]] وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم.

١١٢٧٨- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن إبراهيم أنه قال: في التي تزني قبل أن يُدْخل بها [[في المطبوعة والمخطوطة: "تسرى قبل أن يدخل بها"، وكأن الصواب ما أثبت. انظر الأثر التالي.]] قال: ليس لها صداق، ويفرَّق بينهما.

١١٢٧٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث، عن الشعبي، في البكر تفجُر [[في المطبوعة والمخطوطة: "في البكر تهجر"، ولا معنى لذلك، والصواب ما أثبت.]] قال: تضرب مئة سوط، وتنفى سنة، وترُدّ على زوجها ما أخذت منه.

١١٢٨٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر، مثل ذلك.

١١٢٨١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا أشعث عن الحسن، مثل ذلك.

١١٢٨٢- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن يونس: أن الحسن كان يقول: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فاستيقن، فإنه لا يمسكها.

١١٢٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي ميسرة قال: مملوكات أهل الكتاب بمنزلة حرائرهم.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في حكم قوله عز ذكره:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، أعام أم خاصٌّ؟

فقال بعضهم: هو عامٌّ في العفائف منهن، لأن"المحصنات"، العفائف. وللمسلم أن يتزوج كل حرة وأمة كتابيةٍ، حربيةً كانت أو ذميَّةً.

واعتلُّوا في ذلك بظاهر قوله تعالى:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، وأن المعنيَّ بهن العفائف، كائنة من كانت منهن. وهذا قول من قال: عني بـ "المحصنات" في هذا الموضع: العفائف.

* *

وقال آخرون: بل اللواتي عنى بقوله جل ثناؤه:"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، الحرائرَ منهن، والآية عامة في جميعهن. فنكاح جميع الحرائر اليهود والنصارى جائز، حربيّات كنّ أو ذميات، من أيِّ أجناس اليهود والنصارى كنَّ. وهذا قول جماعة من المتقدمين والمتأخرين.

ذكر من قال ذلك:

١١٢٨٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كانا لا يريان بأسًا بنكاح نساء اليهود والنصارى، وقالا أحلَّه الله على علم.

* *

وقال آخرون منهم: بل عنى بذلك نكاحَ بني إسرائيل الكتابياتِ منهن خاصة، دون سائر أجناس الأمم الذين دانوا باليهودية والنصرانية. وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله. [[انظر الأم ٥: ٦ قوله: "ولا يحل نكاح حرائر من دان من العرب دين اليهودية والنصرانية، لأن أصل دينهم كان الحنيفية، ثم ضلوا بعبادة الأوثان، وإنما انتقلوا إلى دين أهل الكتاب بعده، لا بأنهم كانوا الذين دانوا بالتوراة والإنجيل فضلوا عنهما وأحدثوا فيها، إنما ضلوا عن الحنيفية، ولم يكونوا كذلك، لا تحل ذبائحهم، وكذلك كل أعجمي كان أصل دين من مضى من آبائه عبادة الأوثان، ولم يكن من أهل الكتابين المشهورين التوراة والإنجيل، فدان دينهم، لم يحل نكاح نسائهم". وانظر سنن البيهقي ٧: ١٧٣.]]

* *

وقال آخرون: بل ذلك معنىٌّ به نساءُ أهل الكتاب الذين لهم من المسلمين ذمَّة وعهدٌ. فأما أهل الحرب، فإن نساءهم حرام على المسلمين.

ذكر من قال ذلك:

١١٢٨٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن عقبة، قال، حدثنا الفزاري، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: من نساء أهل الكتاب من يحلُّ لنا، ومنهم من لا يحلُّ لنا، ثم قرأ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ، [سورة التوبة: ٢٩] . فمن أعطى الجزية حلَّ لنا نساؤه، ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه = قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم، فأعجبه. [[الأثر: ١١٢٨٥-"محمد بن عقبة بن المغيرة الشيباني"، "أبو عبد الله الطحان". روى عن أبي إسحق الفزاري، وسوار بن مصعب، وغيرهما. روى عنه البخاري وأبو كريب وغيرهما. قال البخاري"معروف الحديث"، وقال أبو حاتم"ليس بالمشهور"، وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر: "وماله في البخاري سوى حديثين: أحدهما في الجمعة، متابعة. والآخر في الاعتصام، مقرونًا". مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٢٠٠.

و"الفزاري"، هو"أبو إسحق الفزاري": "إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري"، الإمام الثقة. مضى برقم: ٣٨٣٣.

و"سفيان بن حسين الواسطي"، مضى برقم: ٣٤٧١، ٦٤٦٢.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال: عنى بقوله:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب. لأن الله جل ثناؤه لم يأذن بنكاح الإماء الأحرارِ في الحال التي أباحهن لهم، إلا أن يكنَّ مؤمنات، فقال عز ذكره: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة النساء: ٢٥] ، فلم يبح منهن إلا المؤمنات. فلو كان مرادًا بقوله:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب"، العفائفَ، لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة، وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان. وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات، وإن كن قد أتين بفاحشة بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [سورة النور: ٣٢] . وقد دللنا على فساد قول من قال:"لا يحلُّ نكاح من أتى الفاحشة من نساء المؤمنين وأهل الكتاب للمؤمنين"، في موضع غير هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ٨: ١٨٩، ١٩٠.]]

= فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين، كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة، ذميةً كانت أو حربيّةً، بعد أن تكون بموضع لا يخافُ الناكح فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر، بظاهر قول الله جل وعز:"والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم".

* *

فأما قول الذي قال:"عنى بذلك نساء بني إسرائيل، الكتابيّات منهن خاصة" [[يعني قول الشافعي فيما سلف ص ٥٨٧، ٥٨٨: تعليق: ١.]] فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه، لشذوذه والخروج عما عليه علماء الأمة، من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى. وقد دللنا على فساد قول قائل هذه المقالة من جهة القياس في غير هذا الموضع بما فيه الكفاية، فكرهنا إعادته. [[انظر ما سلف ٤: ٣٦٢-٣٦٩.]]

* *

وأما قوله:"إذا آتيتموهن أجورهن"، فإن"الأجر": العوض الذي يبذله الزوج للمرأة للاستمتاع بها، وهو المهر. [[انظر تفسير"الأجر" فيما سلف من فهارس اللغة.]] كما:-

١١٢٨٦- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله:"آتيتموهن أجورهن"، يعني: مهورهن.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أحل لكم المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وأنتم محصنون غير مسافحين ولا متخذي أخدان.

ويعني بقوله جل ثناؤه:"محصنين"، أعفَّاء ="غير مسافحين"، يعني: لا معالنين بالسفاح بكل فاجرة، وهو الفجور ="ولا متخذي أخدان"، يقول: ولا منفردين ببغيّة واحدة، قد خادنها وخادنته، واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها.

* *

وقد بينا معنى"الإحصان" ووجوهه = ومعنى"السفاح" و"الخدن" في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع [[انظر تفسير"الإحصان" فيما سلف ٨: ١٥١-١٦٩/ ثم ٨: ١٨٥-١٩٠ = وتفسير"السفاح" فيما سلف ٨: ١٧٤، ١٧٥، ١٩٣-١٩٥ = وتفسير"الخدن" فيما سلف ٨: ١٩٣-١٩٥.]] وهو كما:-

١١٢٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"محصنين غير مسافحين"، يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة [["البينة"، سلف ذكرها في الأثرين رقم ٩٠٠٢، ٩٠٠٨ (انظر ٨: ١٦١، تعليق: ١ = ثم ص: ١٦٢ تعليق: ٢) . وقد بدا لي هنا أنه عنى بقوله"البينة"، إعلان النكاح. فراجع ما كتبته هناك، فإني في شك من ذلك كله.]] غير مسافحين متعالنين بالزنا ="ولا متخذي أخدان"، يعني: يسرُّون بالزنا.

١١٢٨٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: أحل الله لنا محصنتين: محصنة مؤمنة، ومحصنة من أهل الكتاب ="ولا متخذي أخدان": ذات الخدان، ذات الخليل الواحد.

١١٢٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان بن المغيرة، عن الحسن قال: سأله رجل: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته. [[الأثر: ١١٢٨٩-"سليمان بن المغيرة القيسي"، "أبو سعيد البصري"، روى عن أبيه، وثابت البناني، والحسن، وابن سيرين، وغيرهم. روى عنه الثوري وشعبة، وماتا قبله، ثم جماعة كثيرة من الثقات، من ثقات أهل البصرة. مترجم في التهذيب.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ومن يكفر بالإيمان"، ومن يجحد ما أمر الله بالتصديق به، من توحيد الله ونبوّة محمد ﷺ وما جاء به من عند الله = وهو"الإيمان"، الذي قال الله جل ثناؤه:"ومن يكفر بالإيمان فقد حَبِطَ عمله" = يقول: فقد بَطل ثواب عمله الذي كان يعمله في الدنيا، يرجو أن يدرك به منزلة عند الله. [[انظر تفسير"حبط" فيما سلف ٤: ٣١٧/٦: ٢٨٧.]] ="وهو في الآخرة من الخاسرين"، يقول: وهو في الآخرة من الهالكين، الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظها من ثواب الله بكفرهم بمحمد، وعملهم بغير طاعة الله. [[انظر تفسير"الخاسر"، و"الخسران" فيما سلف ٩: ٢٢٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وقد ذكر أن قوله:"ومن يكفر بالإيمان"، عنى به أهل الكتاب، وأنه أنزل على رسول الله صلى عليه وسلم من أجل قوم تحرَّجوا نكاح نساءِ أهل الكتاب لما قيل لهم:"أحِل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم".

ذكر من قال ذلك:

١١٢٩٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوّج نساءهم = يعني: نساء أهل الكتاب = وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله عز ذكره:"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين"، فأحل الله تزويجهن على علم.

* *

وبنحو الذي قلنا في تأويل"الإيمان" قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٢٩١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، قال:"الله"، الإيمان. [[في المطبوعة: "قال: بالإيمان، بالله"، غير ما في المخطوطة، وهو صواب.]]

١١٢٩٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن واصل، عن عطاء:"ومن يكفر بالإيمان"، قال:"الإيمان"، التوحيد.

١١٢٩٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ومن يكفر بالإيمان"، قال: بالله.

١١٢٩٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١١٢٩٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، قال: من يكفر بالله.

١١٢٩٦- حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ومن يكفر بالإيمان"، قال: من يكفر بالله.

١١٢٩٧- حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ومن يكفر بالإيمان"، قال: الكفر بالله.

١١٢٩٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة. قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١١٢٩٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، قال: أخبر الله سبحانه أن"الإيمان" هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا يحرِّم الجنة إلا على من تركه.

* *

فإن قال لنا قائل: وما وجه تأويل مَنْ وجَّه قوله:"ومن يكفر بالإيمان"، إلى معنى: ومن يكفر بالله؟ قيل: وجه تأويله ذلك كذلك، أن"الإيمان" هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه، و"الكفر" جحود ذلك. قالوا: فمعنى"الكفر بالإيمان"، هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة.

فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟

قيل: تأويلها: ومن يأبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله. وذلك أن"الكفر" هو الجحود في كلام العرب، و"الإيمان" التصديق والإقرار. ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به، فهو من الكافرين [[انظر تفسير"الكفر" و"الإيمان" في فهارس اللغة.]] فذلك تأويل الكلام على وجهه.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم على غير طهر الصلاة، فاغسلوا وجوهكم بالماء، وأيديكم إلى المرافق.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في قوله:"إذا قمتم إلى الصلاة"، أمرادٌ به كلَّ حال قام إليها، أو بعضها؟ وأيّ أحوال القيام إليها؟

فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، من أنه معنيٌّ به بعضُ أحوال القيام إليها دون كل الأحوال، وأنّ الحال التي عُني بها، حالُ القيام إليها على غير طُهْر.

ذكر من قال ذلك:

١١٣٠٠ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا عبيد الله قال: سئل عكرمة عن قول الله:"إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق"، فكلَّ ساعة يتوضأ؟ فقال: قال ابن عباس: لا وضوء إلا من حَدَثٍ.

١١٣٠١ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت مسعود بن علي الشيباني قال، سمعت عكرمة قال: كان سعد بن أبي وقاص يُصلِّي الصلوات بوضوءٍ واحد. [[الأثر: ١١٣٠١ -"مسعود بن على الشيباني"، قال البخاري: "سمع عكرمة، مرسل. روى عنه يحيى القطان وقال: لم يكن به بأس". وقال ابن أبي حاتم: "روى عنه شعبة، ويحيى بن سعيد القطان". الكبير للبخاري ٤/ ١ / ٤٢٣، وابن أبي حاتم: ٤ / ١ / ٢٨٣. وسيأتي في الأثر التالي.

وفي الأثرين رقم: ١١٣٢٢، ١١٣٢٣. وفي الأثر التالي. والأثر: ١١٣٢٢، أنه قد روى عنه"سفيان بن حبيب". وانظر التعليق على الأثر التالي.]]

١١٣٠٢ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن علي، عن عكرمة قال: كان سعد بن أبي وقاص يقول: صلّ بطهورك ما لم تحدث. [[الأثر: ١١٣٠٢ -"سفيان بن حبيب البصري"، كان عالما بحديث شعبة وابن أبي عروبة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/٩١، وابن أبي حاتم ٢/١/٢٢٨، ولم يذكر في ترجمته أنه روى عن"مسعود بن علي الشيباني". وخبر مسعود هذا من رواية شعبة، كما مر في الأثر السالف، فأخشى أن يكون إسناده"سفيان بن حبيب، عن شعبة، عن مسعود بن علي".

وانظر التعليق على الأثر السالف، وتعليق الأثر الآتي: ١١٣٢٢.]]

١١٣٠٣ - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال: أخبرنا سليم بن أخضر قال، أخبرنا ابن عون، عن محمد قال: قلت لعبيدة السلماني: ما يوجب الوضوء؟ قال: الحدَث.

١١٣٠٤ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن يزيد بن طريف= أو: طريف بن يزيد=: أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطئ دجلة، فتوضأوا فصلوا الظهر، فلما نودي بالعصر، قام رجال يتوضأون من دجلة، فقال: إنه لا وضوء إلا على من أحدث.

١١٣٠٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن طريف بن زياد= أو: زياد بن طريف= عن واقع بن سحبان: أنه شهد أبا موسى صلى بأصحابه الظهر، ثم جلسوا حِلَقًا على شاطئ دجلة، فنودي بالعصر، فقام رجال يتوضأون، فقال أبو موسى: لا وضوء إلا على من أحدث.

١١٣٠٦ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت قتادة يحدث، عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد= أو: يزيد بن طريف= قال: كنت مع أبي موسى بشاطئ دجلة، فذكر نحوه.

١١٣٠٧ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد =أو: يزيد بن طريف=، عن أبي موسى، مثله. [[الآثار ١١٣٠٤ - ١١٣٠٧ - أربعة أسانيد لخبر واحد، اتفقت ثلاثة منها في الراوي عن أبي موسى، وهو"طريف بن يزيد"، على ما في اسمه من الاختلاف، وانفرد رقم: ١١٣٠٥، فجعل الراوي عن أبي موسى هو"واقع بن سحبان"، وكأنه إسناد مقلوب، إذ جعل الراوي عن أبي موسى هو الراوي عن"طريف بن يزيد" في الأسانيد الثلاثة الأخرى.

وأما "واقع بن سحبان"، فقد ترجم له البخاري في الكبير ٤/٢/١٨٩، وقال: "يعد في البصريين، أبو عقيل. روى عنه قتادة، وثابت البناني"، ولم يزد. وأما ابن أبي حاتم ٤/٢/٤٩، فإنه قال: "روى عن أسير بن جابر. روى عنه قتادة، وثابت البناني، وحميد الطويل. وكان ابن المبارك يقول: "واقع بن سحبا"، بغير نون، ولا يقول: سحبان. سمعت أبي يقول ذلك".

وأما "طريف بن يزيد الحنفي"، فقد ترجم له في لسان الميزان ٣: ٢٠٩، والبخاري في الكبير ٢/٢/٣٥٨، لم يزد على أن قال: "طريف بن يزيد الحنفي، عن أبي موسى". وترجم له ابن أبي حاتم ٢/١/٤٩٣، وفي ترجمته بياض مكانه نقط، قال: "روى عن أبي موسى، روى عنه ... سمعت أبي يقول: هما مجهولان". وقال الحافظ في لسان الميزان: "طريف بن يزيد، عن أبي موسى" مجهول، وكذا شيخه. انتهى.

وذكره ابن حبان في الثقات في التابعي، فقال: الحنفي، روى عنه أهل اليمامة. فمقتضى ذكره في التابعين، أن يكون شيخه أبو موسى، هو الأشعري.

وليس في كتاب ابن أبي حاتم أن شيخ طريف"مجهول". واعتراض ابن حجر صحيح، فإن المجهول هو الراوي عن طريف، لا شيخه.

ولم يذكر في سائر الكتب الاختلاف في اسمه"يزيد بن طريف"، أو "طريف بن زياد" أو" زياد بن طريف"، فهذه مما أفادها تفسير أبي جعفر.

وقد تبين من كتب التراجم أن الإسناد: ١١٣٠٥، مقلوب لا شك فيه.]]

١١٣٠٨ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا أبو خالد قال، توضأت عند أبي العالية الظهرَ أو العصر، فقلت: أصلي بوضوئي هذا، فإني لا أرجع إلى أهلي إلى العَتَمة؟ قال أبو العالية: لا حرج. وعلّمنا: إذا توضأ الإنسان فهو في وضوئه حتى يحدث حدثا.

١١٣٠٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا ابن هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: الوضوء من غير حدث اعتداء. [[الأثر: ١١٣٠٩، ١١٣١٠ - هذان الأثران، ذكرهما ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٤ قال: "وأما ما رواه أبو داود الطيالسي، عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء = فهو غريب عن سعيد بن المسيب، ثم هو محمول على أن من اعتقد وجوبه فهو معتد. وأما مشروعيته استحبابا، فقد دلت السنة على ذلك".]]

١١٣١٠ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود، قال حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن سعيد، مثله. [[الأثر: ١١٣٠٩، ١١٣١٠ - هذان الأثران، ذكرهما ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٤ قال: "وأما ما رواه أبو داود الطيالسي، عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء = فهو غريب عن سعيد بن المسيب، ثم هو محمول على أن من اعتقد وجوبه فهو معتد. وأما مشروعيته استحبابا، فقد دلت السنة على ذلك".]]

١١٣١١ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش قال: رأيت إبراهيم صلَّى بوضوء واحد، الظهرَ والعصرَ والمغربَ.

١١٣١٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام قال، حدثنا الأعمش قال: كنت مع يحيى، فأصلّي الصلوات بوضوء واحد. قال: وإبراهيم مثل ذلك.

١١٣١٣ - حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا يزيد بن إبراهيم قال: سمعت الحسن سئل عن الرجل يتوضأ فيصلي الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال: لا بأس به ما لم يُحْدث.

١١٣١٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد، عن الضحاك، قال: يصلِّي الصلوات بالوضوء الواحد ما لم يحدث.

١١٣١٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن عمارة قال: كان الأسود يصلي الصلوات بوضوء واحد. [[الأثر: ١١٣١٥ -"الأعمش" هو: "سليمان بن مهران"، مضى مرارا كثيرة.

و"عمارة"، هو: "عمارة بن عمير التيمي"، مضى برقم: ٣٢٩٤، ٥٧٨٩.

و"الأسود" هو: "الأسود بن يزيد النخعي"، مضى برقم: ٣٢٩٩، ٤٨٨٨، ٨٢٦٧.]]

١١٣١٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة" يقول: قمتم وأنتم على غير طهر.

١١٣١٧ - حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن الأسود: أنه كان له قَعبٌ قدرَ رِيِّ رجل [["القعب": قدح صغير من خشب مقعر، وهو يروي الرجل.]] ، فكان يتوضأ ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها.

١١٣١٨ - حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال، أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي قال، حدثنا الفضل بن المبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدثَ، توضأ ومسح بفضل طَهوره الخفين. فقلت: أبا عبد الله، أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت رسول الله ﷺ يصنعه، فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله ﷺ يصنع. [[الأثر: ١١٣١٨ -"محمد بن عباد بن موسى الختلي"، شيخ الطبري. روى عن هشام بن محمد الكلبي، والوليد بن صالح، روى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا. مترجم في ابن أبي حاتم ٤/١/١٥. روى عنه أبو جعفر في التاريخ ٦: ٢١.

و"زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي". قال أحمد: "ليس به بأس، حديثه حديث أهل الصدق". وقال وكيع: "هو أشرف من أن يكذب". مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٣٢٩.

و"الفضل بن المبشر الأنصاري"، سمع جابر بن عبد الله، وسالم بن عبد الله بن عمر.

قال ابن معين: "ضعيف"، وقال ابن عدي: "عامة أحاديثه لا يتابع عليها". مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/١١٤، وابن أبي حاتم ٣/٢/٦٦.

والحديث رواه ابن ماجه ١: ١٧٠ رقم: ٥١١، عن إسمعيل بن توبة، عن زياد بن عبد الله، به. وانظر ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٣.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة.

ذكر من قال ذلك:

١١٣١٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني من سمع مالك بن أنس، يحدث عن زيد بن أسلم، قوله:"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة" قال: يعني: إذا قمتم من النوم.

١١٣٢٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب: أن مالك بن أنس أخبره عن زيد بن أسلم، بمثله. [[الأثران: ١١٣١٩، ١١٣٢٠ - انظر الموطأ ص: ٢١.]]

١١٣٢١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم" قال فقال، قمتم إلى الصلاة من النوم.

* *

وقال آخرون: بل ذلك معنيٌّ به كل حال قيام المرء إلى صلاته، أن يجدِّد لها طُهرًا.

ذكر من قال ذلك:

١١٣٢٢ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن علي قال، سألت عكرمة، قال قلت: يا أبا عبد الله، أتوضأ لصلاة الغداة، ثم آتي السوق فتحضر صلاة الظهر، فأصلي؟ قال: كان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه يقول:"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق". [[الأثر: ١١٣٢٢ -"سفيان بن حبيب" و"مسعود بن علي الشيباني". انظر التعليق على الأثرين السالفين: ١١٣٠١، ١١٣٠٢.

وقوله في جواب السؤال: "قال كان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ... "، وتلاوته الآية بعد ذلك، دون أن يذكر فعل علي، جائز في مثل هذا السياق. كأنه قال: كان علي بن أبي طالب يفعل مثل ذلك ويقرأ هذه الآية. وانظر الأثر التالي.]]

١١٣٢٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت مسعود بن علي الشيباني قال، سمعت عكرمة يقول: كان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم

إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم" ... الآية. [[الأثر: ١١٣٢٣ -"مسعود بن علي الشيباني" انظر التعليق على الأثر السالف.

وهذا الأثر ساقه ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٣، ٨٤، وساق معه الأثرين ١١٣٢٦، ١١٣٢٧، وقال: "هذه طرق جيدة عن علي، يقوي بعضها بعضا".]]

١١٣٢٤ - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين: أن الخلفاء كانوا يتوضأون لكل صلاة.

١١٣٢٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال، توضأ عمر بن الخطاب وضوءًا فيه تجوٌّز خفيفًا، فقال، هذا وضوء من لم يحدث. [[الأثر: ١١٣٢٥ -"ابن أبي عدي"، هو: "محمد بن إبراهيم بن أبي عدي"، مضى برقم: ٥٤٤٠، ٦٤٩٧.

و"حميد"، هو"حميد الطويل"، مضى مرارا كثيرة.

و"أنس"، هو أنس بن مالك.

وهذا الأثر، نقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٤، عن هذا الموضع من الطبري، وقال: "هذا إسناد صحيح".]]

١١٣٢٦ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثني وهب بن جرير قال، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال، قال، رأيت عليًّا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرَّحْبة، ثم أتِيَ بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مَسَح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدِث. [[الأثر: ١١٣٢٦ -"عبد الملك بن ميسرة الهلالي الزراد"، ثقة، من صغار التابعين، مضى برقم: ٥٠٣، ٥٠٤.

و"النزال"، هو: "النزال بن سبرة الهلالي"، مختلف في صحبته. روى عن رسول الله -يقال هو مرسل- وعن عثمان، وعلي، وابن مسعود وغيرهم. ثقة من كبار التابعين.

وهذا خبر إسناده صحيح، وانظر التعليق على الأثر السالف: ١١٣٢٣. خرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٣، ٨٤. ورواه أحمد في مسنده من طرق، بالأرقام: ٥٨٣، ١٠٠٥، ١١٧٣، ١١٧٤، ١٢٢٢، ١٣١٥، ١٣٦٦، وخرجه أخي السيد أحمد هناك.]]

١١٣٢٧ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: أن عليًّا اكتالَ من حُبٍّ فتوضأ وضوءًا فيه تجوُّزٌ، فقال: هذا وضوء من لم يحدث. [[الأثر: ١١٣٢٧ - انظر التعليق على الأثر السالف: ١١٣٢٣. وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٤.

"اكتال"، مأخوذ من"كيل الطعام وغيره"، وأراد به هنا أنه أخذ من الماء مقدار ما يكفي في وضوئه. وهو عربي صحيح المجاز.

و"الحب" (بضم الحاء) : هو الجرة الضخمة، أو الجابية التي يجعل فيها الماء.]]

* *

وقال آخرون: بل كان هذا أمرًا من الله عز ذكره نبيَّه ﷺ والمؤمنين به: أن يتوضَّأوا لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك بالتخفيف.

ذكر من قال ذلك:

١١٣٢٨ - حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال، حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري =ثم المازني، مازن بني النجار= فقال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمَّن هو؟ قال: حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب: أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، الغسيل حدَّثها: أن النبي ﷺ أُمِرَ بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمِر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلا من حدّث. فكان عبد الله يرى أنّ به قوة عليه، فكان يتوضأ. [[الأثر: ١١٣٢٨ -"عبد الله بن أبي زياد القطواني"، هو"عبد الله بن الحكم بن أبي زياد"، مضى برقم: ٢٢٤٧، ٥٧٩٦.

و"يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري"، مضى برقم: ٤٣١٤، ٥٤٩٣.

وأبوه"إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري"، مضى برقم: ٤٣١٤، وكان من أكثر أهل المدينة حديثا في زمانه. قال البخاري: "قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحق، نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام، سوى المغازي". مترجم في التهذيب.

و"ابن إسحق" هو: "محمد بن إسحق" صاحب المغازي، مضى مرارا، ومضى توثيق أخي السيد أحمد له. وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا: "عن أبي إسحق"، وهو خطأ، صوابه من سنن أبي داود، وابن كثير.

و"محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري المازني"، فقيه ثقة كثير الحديث، روى له الأئمة.

مترجم في التهذيب.

و"عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب"، ثقة قليل الحديث، يقال إنه كان أسن من أخيه"عبد الله بن عبد الله بن عمر"، لم يذكروا في ترجمته أنه روى عن أسماء بنت زيد بن الخطاب، ولا أن محمد بن يحيى بن حبان روى عنه، بل ذكروا ذلك في ترجمته أخيه"عبد الله" كما سترى في التخريج.

وأما أخوه"عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب" فقد روى عن أسماء بنت زيد بن الخطاب، وروى عنه محمد بن يحيى بن حبان. قال ابن سعد: "ثقة قليل الحديث"، وقيل: كان أكبر ولد"عبد الله بن عمر" وكان من أشراف قريش. ووجوهها. مترجم في التهذيب.

وأما "أسماء بنت زيد بن الخطاب" فقد روت عن"عبد الله بن حنظلة"، وروى عنها: "عبد الله بن عبد الله بن عمر". وكانت زوج ابن عمها"عبد الله بن عمر بن الخطاب". فلما قتل، لم تتزوج بعده حتى ماتت. وذكرها ابن حبان وابن مندة في الصحابة. ولكن الحافظ ابن حجر رد ذلك، وانظر ترجمتها في الإصابة في القسم الثاني من تراجم النساء. مترجمة في التهذيب.

و"عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب"، فأبوه"حنظلة"، هو غسيل الملائكة، غستله يوم قتل في أحد. وكان الأجود أن يقال، " ... بن حنظلة بن أبي عامر، ابن الغسيل". فإن أبا عامر هو الراهب، الذي سماه رسول الله ﷺ"الفاسق". و"عبد الله بن حنظلة" مترجم في التهذيب.

وكان في المخطوطة والمطبوعة: عبد الله بن زيد بن حنظلة ... " بزيادة"ابن زيد"، وهو خطأ محض، لعله سهو من الناسخ.

وأما "عبد الله" المذكور في هذا الأثر غير منسوب، والمسئول عن وضوئه، فهو"عبد الله بن عمر بن الخطاب"، صاحب رسول الله.

وهذا الأثر، رواه أبو داود في سننه ١: ٤٣، رقم: ٤٨، من طريق محمد بن عوف الطائي، عن أحمد بن خالد، عن محمد بن إسحق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر. ثم قال أبو داود: "إبراهيم بن سعد، رواه عن محمد بن إسحق قال: عبيد الله بن عبد الله". يعني هذه الرواية التي رواها أبو جعفر في هذا الإسناد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر.

وأخرجه البيهقي في سننه ١: ٣٧، ٣٨. وقد خرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٣ من رواية أحمد بن حنبل، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن سعد، بمثل رواية الطبري: "عبيد الله بن عبد الله بن عمر"، وساق رواية أبي داود"عبد الله بن عبد الله بن عمر" ثم قال: "وأيا ما كان، فهو إسناد صحيح، وقد صرح فيه ابن إسحق بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان، فزال محذور التدليس. لكن قال الحافظ ابن عساكر رواه سلمة بن الفضل، وعلي بن مجاهد، عن ابن إسحق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان، به. والله أعلم".

وهذا الإسناد الذي الذي ذكره ابن عساكر، هو الإسناد التالي.]]

١١٣٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري قال: قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة، ثم ذكر نحوه. [[الأثر: ١١٣٢٩ - مكرر الذي قبله.

"محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف". قال أبو داود وابن معين: "ثقة"، وقال ابن سعد: "كان قليل الحديث". مترجم في التهذيب.

انظر التعليق على الأثر السالف.]]

١١٣٣٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة. فلما كان عام الفتح، صلَّى الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله! قال،"عمدا فعلته. [[الأثر: ١١٣٣٠ -"يحيى"، هو: "يحيى بن سعيد القطان".

و"عبد الرحمن"، هو"عبد الرحمن بن مهدي".

و"سفيان"، هو الثوري.

و"علقمة بن مرثد الحضرمي"، روى عن زر بن حبيش، وطارق بن شهاب، وسليمان بن بريدة وغيرهم. روى عنه شعبة، وسفيان الثوري، ومسعر. ثقة ثبت في الحديث. مترجم في التهذيب.

و"سليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي". أخو"عبد الله بن بريدة". روى عن أبيه، وعمران بن حصين، وعائشة. روى عنه علقمة بن مرثد، ومحارب بن دثار، وغيرهم. قال أحمد: عن وكيع: "يقولون إن سليمان بن بريدة كان أصح حديثا من أخيه وأوثق". ثقة، مترجم في التهذيب.

وأبوه: "بريدة بن الحصيب الأسلمي"، أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد خيبر وفتح مكة. استعمله النبي ﷺ على صدقات قومه. وسكن المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، ثم إلى مرو، فمات بها.

وهذا الأثر، سيرويه أبو جعفر من طريق أخرى رقم: ١١٣٣٣.

رواه أحمد في مسنده ٥: ٣٥٠، من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان به و ٥: ٣٥٨، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بمثله، ورواه أيضا ٥: ٣٥١، من طريق وكيع عن سفيان، بمثله.

ورواه مسلم ٣: ١٧٦، ١٧٧، من طريق عبد الله بن نمير، عن سفيان = ومن طريق محمد بن حاتم = واللفظ له، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، بمثله.

ورواه أبو داود في سننه ١: ٨٢، رقم: ١٧٢، من طريق مسدد، عن يحيى بن سعيد، بمثله.

ورواه النسائي ١: ٨٦، من طريق عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، بمثله.

ورواه البيهقي في السنن ١: ١٦٢ من طريق ابن وهب، عن سفيان، بمثله ومن طريق الضحاك بن مخلد، عن سفيان. ثم رواه أيضا ١: ٢٧١ من طريق أبي داود في سننه. ومن طريق علي بن قادم، عن سفيان.

ورواه الترمذي في السنن ١: ٨٩، ٩٠ (شرح أخي السيد أحمد) ، وعلق عليه الترمذي، وذكر اختلاف الرواة فيه، كما سيأتي. ولكن حديث الثوري عن علقمة بن مرثد، مرفوع موصول، لم يختلف فيه أحد من الرواة، وإنما اختلفوا في حديث الثوري، عن محارب بن دثار، كما سيأتي.]]

١١٣٣١ - حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة. فلما كان يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد. [[الأثر: ١١٣٣١ -"محارب بن دثار بن كردوس السدوسي". ثقة، روى له الأربعة.

قال سماك بن حرب: "كان أهل الجاهلية إذا كان في الرجل ست خصال سودوه: الحلم، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والبيان، والتواضع، ولا يكملن في الإسلام إلا بالعفاف. وقد كملن في هذا الرجل - يعني محارب بن دثار".

وهذا الأثر، رواه أبو جعفر مرفوعا موصولا من طريقين، هذا، ورقم: ١١٣٣٤.

ورواه ابن ماجه ١: ١٧٠، رقم: ٥١٠، من طريق وكيع، عن سفيان، عن محارب ابن دثار، مرفوعا موصولا.

وتكلم في رواية سفيان، عن محارب بن دثار، الترمذي في سننه ١: ٨٩، ٩٠، فأشار إلى روايتها مرفوعة موصولة، ومرسلة من طريق عبد الرحمن بن مهدي وغيره عن سفيان، عن محارب ابن دثار، مرفوعا موصولا.

وتكلم في وراية سفيان، عن محارب بن دثار، الترمذي في سننه ١: ٨٩، ٩٠، فأشار إلى روايتها مرفوعة موصولة ومرسلة، من طريق عبد الرحمن بن مهدي وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، وقال، "وهذا أصح من حديث وكيع". وزاد الطبري في الأثر ١١٣٣٤، روايته من طريق معاوية بن هشام، عن سفيان، مرفوعا موصولا. و"معاوية بن هشام"، ثقة.

قال أخي السيد أحمد: "وهذه الرواية جعلها الترمذي مرجوحة، ورأى أن رواية من رواه عن الثوري، عم محارب، عن سليمان مرسلا -: أصح. ولسنا نوافقه على ذلك، لأن الحديث معروف عن سليمان عن أبيه. ووكيع ثقة حافظ. فالظاهر أن الثوري كان تارة يروي الحديث عن محارب موصولا، كما رواه عنه وكيع، وتارة مرسلا، كما رواه عنه غيره".]]

١١٣٣٢ - حدثنا ابن بشار، قال، حدثنا عبد الرحمن، قال، حدثنا سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة: أن النبي ﷺ كان يتوضأ، فذكر نحوه. [[الأثر: ١١٣٣٢ - هذه هي الرواية المرسلة للأثر السالف، والتي أشار إليها الترمذي كما أسلفنا.]]

١١٣٣٣ - حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: صلى رسول الله ﷺ الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، صنعت شيئا لم تكن تصنعه؟ فقال،"عمدا فعلته يا عمر. [[الأثر: ١١٣٣٣ - هذه طريق أخرى للأثر السالف رقم: ١١٣٣٠، وقد أشرنا إليها في التخريج هناك.

و"معاوية بن هشام الأسدي القصار"، مضى برقم: ٢٩٩٧، ثقة، وثقه أبو داود وابن حبان. وقال أحمد: "هو كثير الخطأ".]]

١١٣٣٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معاوية، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما فتح مكة، صلى الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاء بوضوء واحد. [[الأثر: ١١٣٣٤ - هذه طريق أخرى، لحديث وكيع، عن سفيان، التي خرجناها في رقم: ١١٣٣١، وأشرنا إليها هناك.]]

١١٣٣٥ - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا الحكم بن ظُهَير، عن مِسْعر، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد. [[الأثر: ١١٣٣٥ - حديث ضعيف الإسناد جدا.

"الحكم بن ظهير الفزاري"، مضى برقم: ٢٤٩، ٥٥٢٣، ٥٧٩٢. رمى بوضع الحديث، تركوه. قال ابن حبان: "كان يشتم أصحاب محمد ﷺ، يروي عن الثقات الأشياء الموضوعات".

و"مسعر"، هو"مسعر بن كدام"، ثقة معروف، أحد الأعلام. مضى برقم: ٥٠٣، ٥٠٤، ١٩٧٤، ٥٧٢٩، ٦١٧٢.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال: إن الله عنى بقوله:"إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا" جميعَ أحوال قيام القائم إلى الصلاة، غير أنه أمرُ فرضٍ بغسل ما أمر الله بغسله القائمَ إلى صلاته، بعد حَدَثٍ كان منه ناقضٍ طهارتَه، وقبل إحداث الوضوء منه= وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته. ولذلك كان عليه السلام يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة، ثم صلىّ يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد، ليعلّم أمته أن ما كان يفعل عليه السلام من تجديد الطهر لكل صلاة، إنما كان منه أخذا بالفضل، وإيثارا منه لأحب الأمرين إلى الله، ومسارعةً منه إلى ما ندبه إليه ربّه= لا على أن ذلك كان عليه فرضًا واجبًا.

فإن ظنّ ظانٌّ أن في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة، أن النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة [[انظر الأثر رقم: ١١٣٢٨.]] دلالةً على خلاف ما قلنا من أن ذلك كان ندبا للنبي عليه السلام وأصحابه، وخُيِّل إليه أن ذلك كان على الوجوب= فقد ظنّ غير الصواب. [[سياق هذه الجملة: فإن ظن ظان ... وخيل إليه أن ذلك كان على الوجوب، فقد ظن غير الصواب".]]

وذلك أن قول القائل:"أمرَ الله نبيه ﷺ بكذا وكذا"، محتملٌ من وجوه لأمر الإيجاب، والإرشاد والندب والإباحة والإطلاق. وإذ كان محتملا ما ذكرنا من الأوجه، كان أولى وجوهه به ما على صحته الحجة مجمعة، دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقيقة مدَّعيه. [[قوله: "حقيقة مدعيه"، أي: حق مدعيه. واستعمال"حقيقة" بمعنى"حق"، قد سار عليه أبو جعفر في كتابه هذا، وسار الناشرون على تغيير"حقيقة"، إلى"حقية"، كما جاء هنا في المطبوعة، مخالفا للمخطوطة. وانظر ما سلف ٨: ٥٦٨، تعليق: ١ = ثم: ٥٩٢، تعليق: ٧= ثم ٩: ٣٣٦، تعليق: ٤ = ثم: ٣٦٠، تعليق: ٤.]] .

وقد أجمعت الحجة على أن الله عز وجل لم يوجب على نبيه ﷺ ولا على عباده فرضَ الوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك، ففي إجماعها على ذلك، الدلالةُ الواضحةُ على صحة ما قلنا: من أن فعل النبي ﷺ ما كان يفعل من ذلك، كان على ما وصفنا، من إيثاره فعلَ ما ندبه الله عز ذكره إلى فعله وندبَ إليه عباده المؤمنين بقوله:"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق" ... الآية، وأن تركه في ذلك الحال الذي تركه، [[في المخطوطة: "في ذلك الحال التي تركه"، والصواب ما أثبته، يريد: وأن تركه الذي تركه، كان ترخيصا ...]] كان ترخيصا لأمته، وإعلاما منه لهم أن ذلك غير واجب ولا لازم له ولا لهم، إلا من حدَثٍ يوجب نقضَ الطهر.

* *

وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أخبار:

١١٣٣٦ - حدثنا ابن المثنى، قال، حدثني وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، عن أنس: أن النبي ﷺ أتي بقَعْبٍ صغير فتوضأ. قال: قلت لأنس: أكان رسول الله ﷺ يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم! قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد. [[الأثر: ١١٣٣٦ -"عمرو بن عامر الأنصاري"، روى عن أنس بن مالك. وعنه أبو الزناد، وشعبة، وسفيان الثوري، ومسعر، وشريك. ثقة صالح الحديث. روى له الأربعة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٤٩. وانظر بقية التعليق.

وهذا الأثر رواه البخاري (الفتح ١: ٢٧٢، ٢٧٣) ، من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن عامر = ومن طريق مسدد، عن يحيى، عن سفيان الثوري.

ورواه أبو داود في السنن ١: ٨١، رقم: ١٧١، من طريق محمد بن عيسى، عن شريك، عن عمرو بن عامر البجلي = قال محمد: هو أبو: "أسد بن عمرو" = قال سألت أنس، بمثله. هذا، و"عمرو بن عامر البجلي" هو غير"عمرو بن عامر الأنصاري"، وكأن محمد بن عيسى قد أخطأ. وانظر التهذيب في"عمرو بن عامر البجلي".

ورواه الترمذي ١: ٨٨ (شرح أخي السيد أحمد) من طريق محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عمرو بن عامر، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".

ورواه النسائي في سننه ١: ٨٥، من طريق خالد، عن شعبة، عن عمرو بن عامر كمثل طريق أبي جعفر هذا.

ورواه ابن ماجه ١: ١٧٠، رقم: ٥٠٩، من طريق شريك، عن عمرو بن عامر.

والبيهقي في السنن ١: ١٦٢ من طريق الفريابي، عن سفيان.

ورواه أحمد من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عمرو بن عامر الأنصاري، انظر تفسير ابن كثير (٣: ٨٤) .]] .

١١٣٣٧ - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقّي، حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن أبي غطيف، قال: صليت مع ابن عمر الظهر، فأتى مجلسا في داره فجلس وجلست معه. فلما نُودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ، ثم خرج إلى الصلاة، ثم رجع إلى مجلسه. فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ، فقلت: أسنة ما أراك تَصنع؟ قال، لا وإن كان وَضوئي لصلاة الصبح كافيَّ للصلوات كلها ما لم أحدِث، [[في المطبوعة"كاف للصلوات كلها"، غير ما في المخطوطة.]]

ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول:"من توضأ على طهرٍ كتب له عشر حسنات"، [[في المطبوعة"فأنا رغبت"، غير ما في المخطوطة.]]

، فأنا رغبت في ذلك. [[الأثر: ١١٣٣٧ -"سليمان بن عمر بن خالد الرقي، الأقطع"، مضت ترجمته برقم: ٦٢٥٤.

و"عيسى بن يونس بن أبي إسحق السبيعي"، رأى جده أبا إسحق، روى عن أبيه وأخيه، وعن كثير. ثقة، روى له الأئمة. مترجم في التهذيب.

و"عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري الإفريقي"، هو"ابن أنعم"، و"الإفريقي"، مضى برقم: ٢١٩٥، ١٠١٨٠، تكلم فيه بعض العلماء، ولكن وثقه أخي السيد أحمد في رقم: ٢١٩٥.

و"أبو غطيف الهذلي"، ويقال: "غطيف"، ويقال: "غضيف". قال أبو زرعة: "لا يعرف اسمه". ضعفه الترمذي. مترجم في التهذيب.

وهذا الحديث، رواه أبو داود في سننه ١: ٤٨، رقم: ٦٢، من طريق محمد بن يحيى ابن فارس، عن عبد الله بن يزيد المقرئ، ومن طريق مسدد، عن عيسى بن يونس، جميعا عن عبد الرحمن بن زياد، مختصرا.

ورواه ابن ماجه ١: ١٧٠، ١٧١، رقم: ٥١٢، من طريق محمد بن يحيى، عن عبد الله بن يزيد المقرئ، مطولا.

والبيهقي في السنن ١: ١٦٢.

والترمذي في السنن ١: ٨٧، ٨٨ (شرح أخي السيد أحمد) ، وقد ضعف الترمذي هذا الإسناد، وقال البخاري في حديث أبي غطيف هذا: "لم يتابع عليه". وانظر شرح السنن.]]

١١٣٣٨ - حدثني أبو سعيد البغدادي، قال، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هريم، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، قال، قال رسول الله ﷺ: من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات. [[الأثر: ١١٣٣٨ -"أبو سعيد البغدادي، مضى برقم: ٦٦٨٤، "أبو سعيد بن يوشع البغدادي" ولم أجد له ترجمة، ثم مضى برقم: ٦٦٩٠"أبو سعيد البغدادي" كالذي هنا.

و"إسحق بن منصور السلولي". ثقة، مضت ترجمته برقم: ٤٩٢٥، ومضت رواية أبي سعيد البغدادي عنه في: ٦٦٨٤: ٦٦٩٠.

و"هريم بن سفيان البجلي"، ثقة. مترجم في التهذيب.

وهذا الأثر مختصر الأثر السالف. ونقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٤، عن هذا الموضع من التفسير.]]

* *

وقد قال قوم: إن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ إعلاما من الله له بها أن لا وضوء عليه، إلا إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال كلها، وذلك أنه كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلِّها حتى يتوضأ، فأذن الله بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث عَدَا الصلاة توضأ أو لم يتوضأ، وأمره بالوضوء إذا قام إلى الصلاة قبل الدخول فيها.

ذكر من قال ذلك:

١١٣٣٩ - حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة. فقلنا: يا رسول الله، نكلمك فلا تكلمنا، ونسلم عليك فلا ترد علينا؟ قال: حتى نزلت آية الرخصة:"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة"، الآية. [[الأثر: ١١٣٣٩ - هذا خبر مشكل، وهو مع إشكاله ضعيف الإسناد، لضعف جابر بن يزيد الجعفي، فهو ضعيف جدا، رمي بالكذب، كما بينه أخي السيد أحمد في رقم: ٢٣٤٠.

أول ذلك أن إسناده في المطبوعة كان هكذا: "معاوية بن هشام، عن سفيان، عن جابر بن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه".

وفي المخطوطة: "معاوية بن هشام، عن شيبان، عن جابر بن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرو بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه".

فخالفت المطبوعة المخطوطة، فجعلت مكان"شيبان"، "سفيان" = ومكان"عبد الله بن علقمة الفغواء"، عبد الله بن علقمة بن وقاص"، ولا أدري من أين أتى به ناسخ تفسير أبي جعفر، فإن ابن كثير في تفسيره قد نقله ولا شك عن نسخة من تفسير أبي جعفر، وفيها"عبد الله بن علقمة بن وقاص".

وسأبدأ بذكر ما وجدته فيما بين يدي من الكتب، من ذكر هذا الخبر وإسناده.

١ = فرواه الطحاوي في معاني الآثار ١: ٥٣ بروايته عن ابن أبي داود قال: "حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن جابر، عن عبد الله بن محمد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه ... "

٢ = ونقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٨٤، من تفسير ابن جرير فقال: "حدثنا أبو كريب، قال حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه ... "

ثم قال: " ورواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم، عن أبي كريب، به نحوه".

٣ = ورواه الجصاص في أحكام القرآن ٢: ٣٢٩، فقال: "روى سفيان الثوري عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة، عن أبيه ... ".

٤ = وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة، في ترجمة"علقمة بن الفغواء الخزاعي"، فقال: "أخرجه مطين، والطحاوي، والدراقطني من طريق جابر الجعفي، عن عبد الله بن محمد بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه ... "

٥ = وذكره ابن الأثير في أسد الغابة ٤: ١٤ في ترجمة"علقمة بن الفغواء الخزاعي" فقال: "روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه ... "

٦ = وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٢٧٦ فقال: "وعن علقمة بن الفغواء ... رواه الطبراني في الكبير، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف".

٧ = وذكره أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١١٩ قال: "حديث علقمة بن الفغواء، عن أبيه أنه قال، ... "، وهذا خطأ لا شك فيه، فإن المطبوع من الناسخ والمنسوخ ردئ الطبع جدا. والصواب"حديث عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه ... ". وفي المطبوعة: "علقمة بن القعوى"، وهو تحريف لا شك فيه خطئه.

٨ = وخرجه السيوطي في الدر المنثور فقال: "وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، بسند ضعيف، عن علقمة بن صفوان ... ".

فهذا، كما ترى، اختلاف شديد جدا في أسانيد هذا الأثر.

فالاختلاف الأول: في الذي روى عنه معاوية بن هشام، ففي المطبوعة، وابن كثير، وأحكام القرآن للجصاص أنه رواه عن"سفيان"، وهو الثوري كما صرح به الجصاص. وفي المخطوطة، ومعاني الآثار للطحاوي أنه رواه عن"شيبان"، وهو النحوي. ومعاوية بن هشام يروي عنهما جميعا. وسفيان الثوري، وشيبان النحوي، يرويان جميعا عن جابر بن يزيد الجعفي. فجائز أن يكون معاوية بن هشام رواه عنهما جميعا، عن جابر، مرة عن هذا، ومرة عن هذا.

والاختلاف الثاني: في الذي رواه عنه"سفيان" أو "شيبان". ففي المطبوعة والمخطوطة: "جابر بن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرو بن حزم"، وهو خطأ لا شك فيه، لأن الحديث مداره على"جابر بن يزيد الجعفي"، كما جاء في المراجع جميعا.

والاختلاف الثالث: في الذي رواه عنه"جابر الجعفي"، فذكر الطحاوي في معاني الآثار. أنه عن: "عبد الله بن محمد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم" فكأن جابرا رواه عن"عبد الله بن محمد" هذا، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كما قال ابن الأثير في أسد الغابة، وأما ما نقله ابن كثير عن نسخة من تفسير أبي جعفر من أنه: "عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم" فاتفق مع ما جاء في أحكام القرآن للجصاص، وفي الإصابة لابن حجر - مع اختلاف لا يضر في اختصار اسمه.

فانفرد الطحاوي بأن زاد"عبد الله بن محمد" في هذا الإسناد، ولا ندري من يكون. فأخشى أن يكون في النسخة المطبوعة من معاني الآثار، خطأ.

والاختلاف الرابع: متعلق بالاختلاف الثالث، في الراوي عن"عبد الله بن علقمة بن الفغواء" أهو: "عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم" = كما جاء في تفسير ابن كثير، وفي أحكام القرآن للجصاص، والإصابة = أم هو أبوه"أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم"، كما جاء في إسناد الطحاوي، وكما ذكر ابن الأثير في أسد الغابة؟

والاختلاف الخامس: فإن المطبوعة وابن كثير في تفسيره، جعلا التابعي الراوي عن أبيه"عبد الله بن علقمة بن وقاص"، وانفرد السيوطي في الدر المنثور بأن جعل أباه الصحابي هو"علقمة بن صفوان"، وكلاهما خطأ لا شك فيه، بدليل إجماع سائر الرواة على أن هذا الخبر من حديث"علقمة بن الفغواء الخزاعي".

من أجل ذلك كله، غيرت ما في المطبوعة، فجعلت"شيبان" مكان"سفيان"، مطابقا لما في المخطوطة ومعاني الآثار. وجعلت"جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم"، مطابقا لما في تفسير ابن كثير، وأحكام القرآن للجصاص، والإصابة لابن حجر. وجعلت"عبد الله بن علقمة بن الفغواء"، مكان"عبد الله بن علقمة بن وقاص" مطابقا لما في سائر الأخبار، سوى ابن كثير، والسيوطي.

أما رجال الإسناد فهم:

"معاوية بن هشام الأسدي القصار"، ثقة. مضى برقم: ٢٩٩٧.

و"سفيان" - كما أسلفنا في الاختلاف الأول - هو سفيان الثوري الإمام الثقة، مضى مرارا.

وأما "شيبان"، فهو"أبو معاوية، شيبان النحوي"، وهو"شيبان بن عبد الرحمن التميمي"، إمام ثقة. مضى مرارا، رقم: ٢٣٤٠، ٤٨٩٨، ٥٢٨٠، ٩٢٢٢، ٩٢٢٣، ٩٤٥٦.

وأما "جابر"، فهو: "جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي"، ضعيف جدا، رمي بالكذب.

مضى برقم: ٧٦٤، ٨٥٨، ٢٣٤٠، ٣٠٧٤، ٥٤٢٣، ٧٣٥٠.

و"عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم"، ثقة. مضى برقم: ٤٨٠٨.

وأما أبوه: "أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم"، ثقة. مضى برقم: ٢٠٣١.

و"عبد الله بن علقمة بن الفغواء الخزاعي"، روى عن أبيه. روى عنه زيد بن أسلم، ومسلم بن نبهان. مترجم في ابن أبي حاتم ٢/٢/١٢١.

وأبوه: "علقمة بن الفغواء الخزاعي"، دليل رسول الله ﷺ إلى تبوك.

سمع النبي ﷺ. روى عن عمر. روى عنه ابنه عبد الله. مترجم في الإصابة، وأسد الغابة، وطبقات ابن سعد ٤/٢/٣٢ ثم ٥: ٣٤٠، والكبير للبخاري ٤/١/٣٩، وابن أبي حاتم ٣/١/٤٠٤.

ومضى تخريج الأثر فيما سلف مما كتبناه، وهو بمثل لفظ الطبري، إلا في بعض حروف يسيرة، وإلا ما جاء في رواية الجصاص في أحكام القرآن. كتبه محمود محمد شاكر.]]

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في حدّ"الوجه" الذي أمر الله بغسله، القائمَ إلى الصلاة بقوله:"إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم".

فقال بعضهم: هو ما ظهر من بَشرة الإنسان من قُصَاص شعر رأسه، [["قصاص الشعر" (بضم القاف وكسرها وفتحها) : نهاية منبته من مقدم الرأس.]] منحدرا إلى منقطع ذَقَنه طولا وما بين الأذنين عرضا. قالوا: فأما الأذن وما بطن من داخل الفم والأنف والعين، فليس من الوجه وغير واجب غسلُ ذلك ولا غسل شيء منه في الوضوء. [[في المطبوعة: "فليس من الوجه ولا غيره ولا أحب غسل ذلك"، كان في المخطوطة: "فليس من الوجه وغيره اجب غسل ذلك" مع وصل راء"غير" بما يشبه الهاء المفردة، ففعل الناشر ما فعل في إفساد هذه العبارة، بلا أمانة ولا عقل.]] قالوا: وأما ما غطاه الشعر منه كالذقن الذي غطاه شعر اللحية، والصدغين اللذين قد غطاهما عِذَار اللحية، فإن إمرار الماء على ما على ذلك من الشعر، مجزئ من غسل ما بطن منه من بشرة الوجه،

[[في المطبوعة: "مجزئ عن غسل"، وما في المخطوطة، هو الجيد الذي سار عليه القدماء.]] لأن"الوجه" عندهم: هو ما عَنَّ لعين الناظر من ذلك فقابلها [[في المخطوطة: "فهو باطن لعين الناظر"، وهو تحريف، وصححها في المطبوعة: "ما ظهر لعين الناظر"، ورأيت قراءتها كما أثبتها يقال: "عن الشيء يعن عننا وعنونا": عرض وظهر أمامك.]] دون غيره.

ذكر من قال ذلك:

١١٣٤٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عمر بن عبيد، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال، يجزئ اللحية ما سال عليها من الماء. [[الأثر: ١١٣٤٠ - في المخطوطة: "عن معمره"، وفي المطبوعة: عن معمر"، والصواب ما أثبته.

"عمر بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي"، مضى برقم: ٨٩٧٩.

و"مغيرة"، هو"مغيرة بن مقسم الضبي"، مضى مرارا كثيرة، وروايته عن"إبراهيم النخعي"، دائرة في التفسير، وانظر الآثار التالية لهذا.

وقد مضى هذا الإسناد نفسه برقم: ٨٩٧٩.]]

١١٣٤١ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا المغيرة، عن إبراهيم قال: يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته.

١١٣٤٢ - حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم، بنحوه.

١١٣٤٣ - حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بنحوه.

١١٣٤٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة في تخليل اللحية، قال: يجزيك ما مرَّ على لحيتك.

١١٣٤٥ - حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال، حدثنا مصعب بن المقدام، قال، حدثنا زائدة، عن منصور، قال: رأيت إبراهيم يتوضأ، فلم يخلِّل لحيته. [[الأثر: ١١٣٤٥ -"هرون بن إسحق الهمداني" و"مصعب بن المقدام"، مضيا برقم: ٣٠٠١.]]

١١٣٤٦ - حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن إدريس، عن سعيد الزبيدي، عن إبراهيم، قال: يجزيك ما سال عليها من أن تخللها. [[الأثر: ١١٣٤٦، ١١٣٥٣ -"سعيد الزبيدي"، هو"سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي""أبو شيبة"، وثقه أبو داود، وابن حبان، وقال البخاري: "لا يتابع في حديثه".

مترجم في التهذيب وسيأتي في الأثر رقم: ١١٣٥٣.]]

١١٣٤٧ - حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يونس، قال: كان الحسن إذا توضأ مسح لحيته مع وجهه.

١١٣٤٨ - حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن إدريس، قال، حدثنا هشام، عن الحسن، أنه كان لا يخلِّل لحيته.

١١٣٤٩ - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا ابن المبارك، عن هشام، عن الحسن أنه كان لا يخلل لحيته إذا توضأ.

١١٣٥٠ - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن إسماعيل، عن الحسن، مثله.

١١٣٥١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا هشيم، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال، ليس غسلُ اللحية من السنة.

١١٣٥٢ - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن عيسى بن يزيد، عن عمرو، عن الحسن: أنه كان إذا توضأ لم يبلِّغ الماء في أصول لحيته.

١١٣٥٣ - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن أبي شيبة سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي، قال: سألت إبراهيم: أخلِّل لحيتي عند الوضوء بالماء؟ فقال، لا إنما يكفيك ما مرَّت عليه يدك. [[الأثر: ١١٣٤٦، ١١٣٥٣ -"سعيد الزبيدي"، هو"سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي""أبو شيبة"، وثقه أبو داود، وابن حبان، وقال البخاري: "لا يتابع في حديثه".

مترجم في التهذيب وسيأتي في الأثر رقم: ١١٣٥٣.]]

١١٣٥٤ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، سألت شعبة عن تخليل اللحية في الوضوء، فقال: قال المغيرة، قال إبراهيم: يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته.

١١٣٥٥ - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال، حدثنا حجاج بن رشدين قال، حدثنا عبد الجبار بن عمر: أن ابن شهاب وربيعة توضآ فأمرا الماء على لحاهما، ولم أر واحدا منهما خلّل لحيته.

١١٣٥٦ - حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت سعيد بن عبد العزيز، عن عَرْك العارضين في الوضوء، فقال: ليس ذلك بواجب، رأيت مكحولا يتوضأ فلا يفعل ذلك. [[الأثر: ١١٣٥٦ -"أبو الوليد الدمشقي"، هو"أبو الوليد القرشي"، كما في الأثر: ١١٣٥٩، وهو: "أحمد بن عبد الرحمن بن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن بسر بن أرطأة القرشي"، ويقال في نسبته"البسري"، نسبة إلى جده، ويقال"العامري"، لأنه من ولد"معيص بن عامر بن لؤي". ثقة صدوق. مترجم في التهذيب.]]

١١٣٥٧ - حدثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي، قال، حدثنا الوليد، قال، أخبرني سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، قال، ليس عَرْك العارضين في الوضوء بواجب. [[الأثر: ١١٣٥٧ -"سعيد بن بشير الأزدي"، مضى برقم: ١٢٦، ٥٤٣٩، ٩٦٣٢.]]

١١٣٥٨ - حدثنا أبو الوليد، قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني إبراهيم بن محمد، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: يكفيه ما مرَّ من الماء على لحيته. [[الأثر: ١١٣٥٨ -"إبراهيم بن محمد" هو: "إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة"، "أبو إسحق الفزاري"، مضى برقم: ٣٨٣٣، ١١٢٨٥.]]

١١٣٥٩ - حدثنا أبو الوليد القرشي، قال، حدثنا الوليد، قال، أخبرني ابن لهيعة، عن سليمان بن أبي زينب، قال، سألت القاسم بن محمد: كيف أصنع بلحيتي إذا توضأت؟ قال: لستُ من الذين يغسلون لحاهم. [[الأثر: ١١٣٥٩ -"سليمان بن أبي زينب السبأي الشامي"، روى عنه سعيد بن أبي أيوب المصري. مترجم في الكبير ٢/٢/١٥، وابن أبي حاتم ٢/١/١١٨. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "سلمان بن أبي زينب"، وهو خطأ لا شك فيه.]]

١١٣٦٠ - حدثنا أبو الوليد، قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: ليس عَرْك العارضين وتشبيك اللحية بواجب في الوضوء. [["عرك اللحية": دلكها. وأما "تشبيك اللحية" فقلما تصيب صفته في كتب اللغة، وهو بين في الآثار. روى البيهقي في السنن ١: ٥٥، عن ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها"، يعني أنه أنشب فيها أصابعه منفرجة، فشبكها فيها.]]

* *

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بَطَن من الفم والأنف.

١١٣٦١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لولا التلمُّظ في الصلاة ما مضمضتُ. [[الأثر: ١١٣٦١ -"عبد الملك بن أبي بشير البصري"، روى عن عكرمة وعبد الله بن مساور، وغيرهما. روى عنه ليث بن أبي سليم، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وغيرهم ثقة. مترجم في التهذيب.

و"التلمظ": تحريك اللسان في الفم بعد الأكل، كأنه يتتبع بقية الطعام بين أسنانه.]]

١١٣٦٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت عبد الملك يقول: سئل عطاء عن رجل صلى ولم يتمضمض، قال: ما لم يسَّم في الكتاب يجزئه.

١١٣٦٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: ليس المضمضة والاستنشاق من واجب الوضوء.

١١٣٦٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الصباح، عن أبي سنان قال: كان الضحاك ينهانا عن المضمضة والاستنشاق في الوضوء في رمضان.

١١٣٦٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت هشامًا، عن الحسن قال: إذا نسى المضمضة والاستنشاق، قال: إن ذكر وقد دخل في الصلاة فليمض في صلاته. وإن كان لم يدخل تمضمض واستنشق.

١١٣٦٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن شعبة قال: سألت الحكم وقتادة عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق، فقال: يمضي في صلاته.

* *

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة: من أن الأذنين ليستا من الوجه.

١١٣٦٧ - حدثني يزيد بن مخلد الواسطي قال، حدثنا هشيم، عن غيلان قال: سمعت ابن عمر يقول: الأذنان من الرأس. [[الأثر: ١١٣٦٧ -"يزيد بن مخلد الواسطي"، "أبو خداش"، روى عن هشيم، وبشر بن مبشر. روى عنه إبراهيم بن يوسف الهسنجاني، وعلي بن الحسين بن الجنيد. مترجم في ابن أبي حاتم ٤/٢/٢٩١.

"غيلان" هو: "غيلان بن عبد الله الواسطي" مولى قريش (مولى بني مخزوم) . سمع ابن عمر. سمع منه شعبة وهشيم. روى ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "سمعت أبي يقول: غيلان بن عبد الله مولى قريش، الذي حدثنا عنه هشيم، روى عنه شعبة، هو أحب إلي من سهيل بن ذكوان". مترجم في الكبير ٤/١/١٠٥، وابن أبي حاتم ٣/٢/٥٣. ثم انظر ذكره في الآثار الآتية: ١١٣٦٨، ١١٣٧٠.]]

١١٣٦٨ - حدثنا عبد الكريم بن أبي عمي، قال، حدثنا أبو مطرف [....] قال، حدثنا غيلان مولى بني مخزوم، قال: سمعت ابن عمر يقول: الأذنان من الرأس. [[الأثر: ١١٣٦٨ -"عبد الكريم بن أبي عمير الدهان - أو الدهقان"، شيخ الطبري.

مضى برقم: ٧٥٧٨. و"أبو مطرف"، المعروف بذلك هو"ابن أبي الوزير": "محمد بن عمر بن مطرف الهاشمي"، روى عن شريك وهشيم وغيرهما، ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/١٧٨، وابن أبي حاتم ٤/١/٢٠.

وقد وضعت نقطا بعده، لأني أرجح أنه روى ذلك عن"هشيم"، كما في الأثر السالف، والأثر: ١١٣٧٠، فإن مدار هذا الخبر على"هشيم، عن غيلان".

وانظر"غيلان، مولى بني مخزوم"، في التعليق على الأثر السالف.]]

١١٣٦٩ - حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا محمد بن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: الأذنان من الرأس، فإذا مسحت الرأس فامسحهما.

١١٣٧٠ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرني غيلان بن عبد الله مولى قريش، قال: سمعت ابن عمر سأله سائل قال: إنه توضأ ونسي أن يمسح أذنيه، قال فقال ابن عمر: الأذنان من الرأس. ولم ير عليه بأسا. [[الأثر: ١١٣٧٠ -"غيلان بن عبد الله، مولى قريش"، انظر التعليق على الأثرين السالفين.]]

١١٣٧١ - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أيوب بن سويد= ح، وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن= جميعا، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن سعيد بن مرجانة، عن ابن عمر، أنه قال: الأذنان من الرأس.

١١٣٧٢ - حدثني ابن المثنى قال، حدثني وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن رجل، عن ابن عمر قال: الأذنان من الرأس.

١١٣٧٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: الأذنان من الرأس. [[الأثر: ١١٣٧٣ -"علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة بن زهير بن عبد الله بن جدعان"، أو: "علي بن زيد بن جدعان" منسوبا إلى جده. مضى برقم: ٤٠، ٤٨٩٧، ٦٤٩٥، ٩٢٩٣، ١٠٢٧٥.

و"يوسف بن مهران البصري"، روى عن ابن عباس، وابن عمر، وجابر. روى عنه علي بن زيد بن جدعان قال أحمد: "لا يعرف، ولا أعرف أحدا روى عنه إلا علي بن زيد". وقال ابن سعد: "ثقة قليل الحديث". مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣٧٥، وابن سعد ٧/١/١٦١، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٢٩.]]

١١٣٧٤ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتاده، عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا الأذنان من الرأس.

١١٣٧٥ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة قال: الأذنان من الرأس= عن الحسن وسعيد.

١١٣٧٦ - حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني أبو عمرو، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن عمر قال: الأذنان من الرأس.

١١٣٧٧ - حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي النضر، عن ابن عمر، مثله. [[الأثران ١١٣٧٦، ١١٣٧٧ -"أبو الوليد الدمشقي" هو: "أحمد بن عبد الرحمن القرشي"، وانظر الآثار السالفة: ١١٣٥٦ - ١١٣٦٠.]]

١١٣٧٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عيسى بن يزيد، عن عمرو، عن الحسن قال، الأذنان من الرأس.

١١٣٧٩ - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة= أو: عن أبي هريرة، شك ابن بزيع=: أن النبي ﷺ قال: الأذنان من الرأس.

١١٣٨٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معلى بن منصور، عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: الأذنان من الرأس= قال حماد: لا أدري هذا عن أبي أمامة أو: عن النبي ﷺ.

١١٣٨١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثني حماد بن زيد قال، حدثني سنان بن ربيعة أبو ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: الأذنان من الرأس. [[الآثار: ١١٣٧٩ - ١١٣٨١ -"معلى بن منصور الرازي"، في الإسناد الثاني، روى عن مالك، ومحمد بن ميمون الزعفراني، وحماد بن زيد، وهشيم، وغيرهم. روى عنه البخاري، وذكره في الكبير، ولم يذكر فيه جرحا. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم. وقد تكلموا فيه. مترجم في التهذيب.

و"سنان" بن ربيعة الباهلي، أبو ربيعة صاحب السابرى"، روى عن أنس، وشهر بن حوشب، وغيرهما. روى عنه الحمادان. قال ابن معين: "ليس بالقوي"، وقال أبو حاتم: "شيخ مضطرب الحديث". وذكره ابن حبان في الثقات. روى له البخاري مقرونا بغيره في الصحيح.

و"شهر بن حوشب الأشعري"، تابعي، وثقه أخي السيد أحمد فيما سلف رقم: ١٤٨٩، ٥٢٤٤، ٦٦٥٠ - ٦٦٥٢.

وهذا الخبر رواه أحمد في المسند ٥: ٢٥٨، ٢٦٤، ٢٦٨. مطولا، وأبو داود في سننه ١: ٦٨، رقم: ١٣٤، وابن ماجه ١: ١٥٢، رقم: ٤٤٤، والبيهقي في السنن ١: ٦٦، ٦٧، والترمذي في السنن (شرح أخي السيد أحمد) ١: ٥٣ - ٥٥، به بنحوه. وقال: "وقد أطال العلماء البحث في هذه الكلمة، وهل هي مدرجة من كلام أبي أمامة أو مرفوعة؟ ورجح كثير منهم الإدراج. انظر التلخيص (ص: ٣٣) ، ونصب الراية (١: ١٠ - ١٢) ، والراجح عندي أن الحديث صحيح. فقد روي من غير وجه بأسانيد بعضها جيد، ويؤيد بعضها بعضا"، ثم أفاض في الكلام فيه.

وأما شك بن بزيع -في الأثر الأول- فالظاهر أنه خطأ من ابن بزيع، وأن الصواب أنه عن أبي أمامة، لا عن أبي هريرة، وسيأتي خبر أبي هريرة بعد، رقم: ١١٣٨٣.]]

١١٣٨٢ - حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني ابن جريج وغيره، عن سليمان بن موسى: أن النبي ﷺ قال: الأذنان من الرأس. [[الأثر: ١١٣٨٢ -"سليمان بن موسى الأموي"، أبو هشام الأشدق، فقيه أهل الشام في زمانه. ثقة ثبت، ولكنه يروي أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره. مترجم في التهذيب.

وهذا الخبر مرسل، وإن كان سليمان بن موسى قد روى عن أبي أمامة.]]

١١٣٨٣ - حدثنا الحسن بن شبيب، قال، حدثنا علي بن هاشم بن البريد قال، حدثنا إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الأذنان من الرأس. [[الأثر: ١١٣٨٣ -"الحسن بن شبيب بن راشد بن مطر"، أبو علي المؤدب، شيخ الطبري مضى برقم: ٩٦٤٢، وهو ليس بالقوي.

و"علي بن هاشم بن البريد البريدي العائذي". له في مسلم حديثان. روى عنه جماعة من الأئمة، ووثقوه وضعفه بعضهم. مترجم في التهذيب.

و"إسمعيل بن مسلم المكي"، مضى توثيقه، برقم: ٥٤١٧.

وروى ابن ماجه ١: ١٥٢، رقم: ٤٤٥، خبر أبي هريرة، من طريق عمرو بن الحصين، عن محمد بن عبد الله بن علاثة، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وقد ضعفوه، لضعف عمرو بن الحصين، ومحمد بن عبد الله بن علاثة.]]

١١٣٨٤ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن يونس: أن الحسن قال: الأذنان من الرأس.

* *

وقال آخرون:"الوجه" كل ما دون منابت شعر الرأس إلى منقطع الذَّقَن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا، ما ظهر من ذلك لعين الناظر، وما بَطَن منه من منابت شعر اللحية النابت على الذَّقَن وعلى العارضين، وما كان منه داخل الفم والأنف، وما أقبل من الأذنين على الوجه. كل ذلك عندهم من"الوجه" الذي أمر الله بغسله بقوله:"فاغسلوا وجوهكم". وقالوا: إن ترك شيئا من ذلك المتوضِّئ فلم يغسله لم تُجْزِه صلاته بوضوئه ذلك.

ذكر من قال ذلك:

١١٣٨٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني محمد بن بكر وأبو عاصم قالا أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني نافع: أن ابن عمر كان يبُلّ أصول شعر لحيته، ويغلغِل بيده في أصول شعرها حتى يَكثر القَطَرانُ منها. [[في المطبوعة في الأثرين جميعا"حتى تكثر القطرات"، والصواب من المخطوطة.

"قطر الماء يقطر قطرا وقطورا وقطرانا": سال وتتابع.]]

١١٣٨٦ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن ابن جريج قال، أخبرني نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر كان يغلغل يديه في لحيته حتى يَكثر منها القَطَران. [[في المطبوعة في الأثرين جميعا"حتى تكثر القطرات"، والصواب من المخطوطة.

"قطر الماء يقطر قطرا وقطورا وقطرانا": سال وتتابع.]]

١١٣٨٧ - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن سعيد قال، حدثنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر: كان إذا توضأ خلَّل لحيته حتى يبلغ أصول الشعر.

١١٣٨٨ - حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا معلى بن جابر اللقيطي قال، أخبرني الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر توضأ فخلَّل لحيته. [[الأثر: ١١٣٨٨ -"يزيد"، هو"يزيد بن زريع"، مضى مرارا.

و"معلى بن جابر مسلم اللقيطي"، وثقه ابن حبان، ولم يذكر البخاري فيه جرحا. مترجم في الكبير ٤/١/٣٩٤، وابن أبي حاتم ٤/١/٣٣٢، وتعجيل المنفعة: ٤٠٩.

و"الأزرق بن قيس الحارثي"، ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٦٩، وابن أبي حاتم ١/١/٣٣٩.]]

١١٣٨٩ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ليث، عن نافع: أن ابن عمر كان يخلّل لحيته بالماء حتى يبلغ أصول الشعر.

١١٣٩٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر قال، حدثنا ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير: أن أباه عبيد بن عمير كان إذا توضأ غَلغل أصابعه في أصول شعر الوجه يغلغلها بين الشعر في أصوله، يدلك بأصابعه البشرة= فأشار لي عبد الله كما أخبره الرجل، كما وصف عنه. [[الأثر: ١١٣٩٠ -"محمد بن بكر بن عثمان البرساني"، مضى برقم: ٥٤٣٨.

وأما قوله: "كما أخبره الرجل. كما وصف عنه" فإني في شك منها، ولكن هكذا جاءت في المخطوطة أيضا.]]

١١٣٩١ - حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، حدثنا أبو عمرو، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ عرَك عَارضيه بعض العرك، وشبَّك لحيته بأصابعه أحيانا ويترك أحيانًا. [[الأثر: ١١٣٩١ - رواه البيهقي في السنن ١: ٥٥، من طريق عبد الواحد بن قيس، عن نافع، بمثله. وانظر تفسير"تشبيك اللحية" فيما سلف ص: ٢٩، تعليق: ١، في الأثر: ١١٣٦٠.]]

١١٣٩٢ - حدثنا أبو الوليد وعلي بن سهل قالا حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو، وأخبرني عبدة، عن أبي موسى الأشعري، نحو ذلك.

١١٣٩٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مسلم قال: رأيت ابن أبي ليلى توضأ فغسل لحيته، وقال: من استطاع منكم أن يُبْلغ الماء أصولَ الشعر فليفعل.

١١٣٩٤ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن ابن جريج، عن عطاء قال: حقٌّ عليه أن يبل أصول الشعر.

١١٣٩٥ - حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: كان مجاهد يخلِّل لحيته.

١١٣٩٦ - حدثنا حميد قال، حدثنا سفيان، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: أنه كان يخلِّل لحيته إذا توضأ.

١١٣٩٧ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

١١٣٩٨ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

١١٣٩٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن شبرمة، عن سعيد بن جبير قال: ما بال اللحية تغسل قبل أن تنبت فإذا نبتت لم تغسَل؟ [[الأثر: ١١٣٩٩ -"أبو داود الحفري"، (بالحاء المهملة) هو: "عمر بن سعد بن عبيد"، مضى برقم: ٨٦٣.]]

١١٤٠٠ - حدثنا ابن المثني، قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يخلل لحيته إذا توضأ.

١١٤٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ليث، عن طاوس: أنه كان يخلِّل لحيته.

١١٤٠٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن إسماعيل، عن ابن سيرين: أنه كان يخلل لحيته.

١١٤٠٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن هشام، عن ابن سيرين، مثله.

١١٤٠٤ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، سألت شعبة عن تخليل اللحية في الوضوء، فذكر عن الحكم بن عتيبة: أن مجاهدا كان يخلل لحيته.

١١٤٠٥ - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن عمرو عن معروف، قال، رأيت ابن سيرين توضأ فخلل لحيته.

١١٤٠٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، مثله.

١١٤٠٧ - حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن الضحاك قال: رأيته يخلل لحيته.

١١٤٠٨ - حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن أبي الأشهب، عن موسى بن أبي عائشة، عن زيد الخدري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: رأيت النبي ﷺ توضأ فخلَّل لحيته، فقلت: لم تفعل هذا يا نبي الله؟ قال:"أمرني بذلك ربيِّ". [[الأثر: ١١٤٠٨ -"محمد بن يزيد الكلاعي"، الواسطي، روى عن إسمعيل بن أبي خالد، وأبي الأشهب جعفر بن حيان السعدي، وغيرهما. روى عنه أحمد، وابن معين، وغيرهما من الأئمة. قال أحمد: "كان ثبتا في الحديث". مترجم في التهذيب.

و"أبو الأشهب" هو: "جعفر بن حيان السعدي العطاردي"، روى عن أبي رجاء العطاردي، والحسن البصري، وغيرهما. ثقة مترجم في التهذيب.

"وموسى بن أبي عائشة المخزومي"، روى عبد الله بن شداد بن الهاد، وعمرو بن الحارث، وسعيد بن جبير، روى عنه شعبة والسفيانان وغيرهم. ثقة مترجم في التهذيب.

وأما "زيد الخدري"، فلم أجد له ترجمة، ولم أعرف من يكون. وأخشى أن يكون في الإسناد خلط، أو أن يكون في هذا الاسم تحريف.

وأما "يزيد الرقاشي"، فهو: "يزيد بن أبان الرقاشي"، ضعيف مضى برقم: ٦٦٥٤، ٦٧٢٨، ٧٧٥٧.

وستأتي رواية هذا الخبر عن يزيد الرقاشي عن أنس، في رقم: ١١٤٠٩، ١١٤١١.

ومدار هذا الخبر على يزيد الرقاشي، فهو إسناد ضعيف.

وهذا الخبر رواه ابن ماجه في سننه ١: ١٤٩، رقم: ٤٣١ من طريق يحيى بن كثير، أبو النضر، صاحب البصري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، بغير هذا اللفظ. ورواه الحاكم في المستدرك مرسلا عن أنس، من طريق موسى بن أبي عاشة أيضا عن أنس. وأشار إليه البيهقي في السنن ١: ٥٤.]]

١١٤٠٩ - حدثنا تميم قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن سلام بن سَلْم، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة= أو: يزيد الرقاشي= عن أنس، قال: وضّأت النبي ﷺ، فأدخل أصابعه من تحت حَنَكه، فخلَّل لحيته، وقال: بهذا أمرني ربي جل وعز". [[الأثر: ١١٤٠٩ - طريق أخرى، لخبر يزيد الرقاشي، عن أنس.

و"سلام بن سلم المدائني" ويقال: "سلامة بن سليم"، "وابن سليمان"، والصواب الأول، هو"سلام الطويل"، أكثر روايته عن"زيد العمي". وروى عنه عبد الرحمن بن محمد المحاربي. قال أحمد: "روى أحاديث منكرة". وقال البخاري: "تركوه"، وقال النسائي: "ليس بثقة، ولا يكتب حديثه". مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "سلام بن سليم"، وأثبت ما في المخطوطة.

و"زيد العمي" هو"زيد بن الحواري"، قاضي هراة. روى عن أنس، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن، ومعاوية بن قرة وغيرهم. متكلم فيه. مترجم في التهذيب.

و"معاوية بن قرة المزني"، أبو إياس، تابعي ثقة، كان من عقلاء الرجال. مترجم في التهذيب.

وهذا الحديث ضعيف لضعف سلام بن سلم.

و"الحنك": ما تحت الذقن من الإنسان وغيره.]]

١١٤١٠ - حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال، حدثنا المحاربي، عن سلام بن سَلْم المديني، قال، حدثنا زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، نحوه. [[الأثر: ١١٤١٠ -"محمد بن إسمعيل الأحمسي" شيخ الطبري، مضى برقم: ٤٠٥، ٧١٨، ٩١٥٥.

و"المحاربي"، هو"عبد الرحمن بن محمد بن زياد"، ثقة. مضى برقم: ٢٢١، ٨٧٥.

و"سلام بن سلم المديني"، هو الذي مضى في الأثر السالف، ونسب في المراجع"المدائني".

وكان في المخطوطة هنا: "سلم بن سلام المديني"، وهو سهو من الناسخ لا شك فيه.

وهذا أيضا ضعيف الإسناد، كالذي قبله.]]

١١٤١١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا أبو عبيدة الحداد، قال حدثنا موسى بن ثروان، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ:"هكذا أمرني ربي"! وأدخل أصابعه في لحيته، فخلَّلها [[الأثر: ١١٤١١ - هو مكرر الأثرين السالفين: ١١٤٠٨، ١١٤٠٩، من طريق أخرى.

"أبو عبيدة الحداد" هو: "عبد الواحد بن واصل السدوسي"، ثقة، من شيوخ أحمد، مضى برقم: ٣٠٢٣، ٩٨٣٧.

"موسى بن ثروان العجلي" (بالثاء المثلثة) ، ويقال: "موسى بن سروان"، و"موسى بن فروان" (بالفاء) . ثقة. مترجم في التهذيب والكبير ٤/١/٢٨١، وابن أبي حاتم ٤/١/١٣٨.

وكان في المخطوطة والمطبوعة"شروان" (بالشين المعجمة) ، وهو خطأ.

وهذا الخبر ضعيف، لضعف يزيد الرقاشي.]]

١١٤١٢ - حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا معاوية بن هشام وعبيد الله بن موسى، عن خالد بن إلياس، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ توضأ، فخلّل لحيته. [[الأثر: ١١٤١٢ -"معاوية بن هشام" و"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي"، مضيا مرارا كثيرة.

و"خالد بن إلياس بن صخر القرشي العدوي، المدني"، من ولد عامر بن لؤي. قال البخاري: "ليس بشيء". وقال أحمد: "متروك الحديث". مترجم في ميزان الاعتدال للذهبي ١: ٢٩٥، والكبير للبخاري ٢/١/١٢٩، وابن أبي حاتم ١/٢/٣٢١.

و"عبد الله بن رافع المخزومي"، مولى أم سلمة، تابعي ثقة. مضى برقم: ٥٣٩٨.

وهذا الخبر خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٢٣٥، وقال: "رواه الطبراني في الكبير.

وفيه: خالد بن إلياس، ولم أر من ترجمه". فقصر، فقد ذكرنا من ترجمه قبل.]]

١١٤١٣ - حدثنا علي بن الحسين بن الحر، قال، حدثنا محمد بن ربيعة، عن واصل بن السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب، قال: رأينا النبي ﷺ توضأ، وخلّل لحيته. [[الأثر: ١١٤١٣ -"علي بن الحسين بن الحر" هو"علي بن الحسين بن إبراهيم بن الحر بن زعلان" المعروف بابن أشكاب الأكبر، ثقة، مترجم في تاريخ بغداد ١١: ٣٩٢، وابن أبي حاتم ٣/١/١٧٩.

و"محمد بن ربيعة الكلابي الرؤاسي"، ثقة، مضى برقم: ١٨١، ٦٨٦٠.

و"واصل بن السائب الرقاشي"، قال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال البخاري: "منكر الحديث". مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/١٧٣، وابن أبي حاتم ٤/٢/٣٠.

و"أبو سورة"، ابن أخي أبي أيوب الأنصاري. قال البخاري: "منكر الحديث، يروي عن أبي أيوب مناكير لا يتابع عليها". وقال الترمذي في العلل عن البخاري: "لا يعرف لأبي سورة سماع من أبي أيوب". مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤/٢/٣٨٨.

وهذا خبر ضعيف، لضعف واصل بن السائب، وأبي سورة.

رواه ابن ماجه في السنن ١: ١٤٩، رقم: ٤٣٣، من طريق إسمعيل بن عبد الله الرقي عن محمد بن ربيعة، به، نحوه، وضعفه الزيلعي في نصب الراية ١: ٢٤.

وسيأتي هذا الخبر بإسناد آخر رقم: ١١٤١٨.]]

١١٤١٤ - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا زيد بن حباب قال، حدثنا عمر بن سليمان، عن أبي غالب، عن أبي أمامة:"أن النبي ﷺ خلّل لحيته". [[الأثر: ١١٤١٤ -"زيد بن حباب العكلي"، ثقة. مضى برقم: ٢١٨٥، ٥٣٥٠، ٨١٦٥. وكان في المطبوعة: "زيد بن حبان"، وهو خطأ محض.

و"عمر بن سليمان"، هكذا جاء في المطبوعة، وفي نصب الراية: "عمر بن سليمان الباهلي"، وفي المخطوطة"عمرو بن سليمان". ولا أدري كيف اتفق ذلك في التفسير، وفي نصب الراية، نقلا عن الطبراني في معجمه، وابن أبي شيبة في مصنفه!! فإنه يكاد يكون من المقطوع به أنه"عمر بن سليم الباهلي"، فهو الذي يروي عن أبي غالب، صاحب أبي أمامة، وهو الذي يروي عنه زيد بن الحباب، كما في ترجمته في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/١١٢، ١١٣. قال أبو زرعة: "صدوق"، وذكره ابن حبان في الثقات. فلا أدري أجائز أن يكون فاتهم أن في اسم أبيه اختلافا: "سليم "أو" سليمان"؟

و"أبو غالب" صاحب أبي أمامة، معروف بكنيته، قال ابن معين: "صالح الحديث"، وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها، وقال ابن حبان: "لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات". وضعفه بعضهم. مترجم في التهذيب.

وهذا الخبر خرجه الزيلعي في نصب الراية ١: ٢٥، فقال: "رواه الطبراني في معجمه، وابن أبي شيبة في مصنفه، والطبراني: حدثنا عنبسة بن غنام، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عمر بن سليمان الباهلي، عن ابن غالب (والصواب: عن أبي غالب) ، عن أبي أمامة ... ". الحديث.

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٢٣٥، وقال: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه الصلت ابن دينار، وهو متروك". فهذا إسناد آخر للطبراني، فيما يظهر، غير الذي خرجه الزيلعي في نصب الراية.]]

١١٤١٥ - حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني قال، حدثنا سفيان، عن عبد الكريم أبي أمية: أن حسان بن بلال المزني رأى عمار بن ياسر توضأ وخلل لحيته، فقيل له: أتفعل هذا، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يفعله. [[الأثر: ١١٤١٥ -"محمد بن عيسى الدامغاني"، شيخ الطبري، مضى برقم: ٣٢٢٥. و"سفيان" هو ابن عيينة.

و"عبد الكريم أبو أمية" هو"عبد الكريم بن أبي المخارق"، روى عن أنس بن مالك، وطاوس وحسان بن بلال، وغيره. وهو ضعيف، متكلم فيه. وأنكر البخاري وابن عيينة سماع عبد الكريم من حسان بن بلال حديث التخليل. مترجم في التهذيب.

و"حسان بن بلال المزني" روى عن عمار بن ياسر. مترجم في التهذيب.

وهذا الخبر رواه ابن ماجه ١: ١٤٨، رقم: ٤٢٩، والحاكم في المستدرك ١: ١٤٩، وأبو داود الطيالسي رقم: ٦٤٥، والترمذي في السنن ١: ٤٤ (شرح أخي السيد أحمد) ، وقد استوفى أخي الكلام فيه هناك. وانظر أيضا نصب الراية للزيلعي ١: ٢٤.]]

١١٤١٦ - حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، حدثنا أبو عمرو قال، أخبرني عبد الواحد بن قيس، عن يزيد الرقاشي وقتادة: أن رسول الله ﷺ، كان إذا توضأ عَرك عارضيه، وشبك لحيته بأصابعه. [[الأثر: ١١٤١٦ -"أبو الوليد": هو: "أحمد بن عبد الرحمن القرشي"، انظر ما مضى في التعليقات على الآثار: ١١٣٥٦ - ١١٣٦٠.

و"الوليد"، هو"الوليد بن مسلم"، انظر ما سلف أيضا.

و"عبد الواحد بن قيس السلمي" الأفطس النحوي. روى عن أبي أمامة، ونافع مولى ابن عمر، ويزيد الرقاشي. وروى عنه أبو عمرو الأوزاعي. تكلموا فيه. مترجم في التهذيب.

وانظر تفسير"تشبيك اللحية" فيما سلف: ١١٣٦٠، ١١٣٩١.]]

١١٤١٧ - حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني أبو مهدي سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن النبي ﷺ، نحوه. [[الأثر: ١١٤١٧ -"أبو مهدي"، "سعيد بن سنان الحنفي"، روى عن أبيه، وأبي الزاهرية، وغيرهما. روى عنه بشر بن بكر التنيسي، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، وغيرهم، قال أحمد: "ضعيف"، وقال ابن معين: "ليس بثقة". وقال الجوزجاني: "أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة، لا تشبه أحاديث الناس". وقال مسلم في الكنى: "منكر الحديث". مترجم في التهذيب.

و"أبو الزاهرية"، هو: "حدير بن كريب الحضرمي"، روى عن حذيفة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص. ثقة. مضى برقم: ١١٢٥٥.

و"جبير بن نفير الحضرمي"، ثقة من كبار التابعين، كان جاهليا. مضى برقم: ٧٠٠٩. وهذا الخبر مرسل.]]

١١٤١٨ - حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي أبو عبد الله قال، حدثني واصل الرقاشي، عن أبي سودة= هكذا قال الأحمسي= عن أبي أيوب قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ تمضمض ومسح لحيته من تحتها بالماء. [[الأثر: ١١٤١٨ -"محمد بن إسمعيل الأحمسي"، مضى قريبا رقم: ١١٤١٠.

و"محمد بن عبيد الطنافسي" أبو عبد الله الأحدب، ثقة معروف، مضى برقم: ٤٠٥، ٩١٥٥.

و"واصل الرقاشي"، هو: "واصل بن السائب الرقاشي"، مضى برقم: ١١٤١٣.

و"أبو سودة"، إنما هو"أبو سورة" (بالراء) كما سلف في رقم: ١١٤١٣، وإنما قال ذلك محمد بن إسمعيل الأحمسي، شيخ الطبري، وأخطأ. وكان في المطبوعة"أبو سورة" بالراء، وهو تصحيح لا معنى له. والصواب من المخطوطة، وإن كان خطأ على الحقيقة.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٥: ٤١٧، عن محمد بن عبيد الطنافسي، بمثله، مطولا.

وهو ضعيف الإسناد، كأخيه السالف رقم: ١١٤١٣.]]

* *

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بَطن من الأنف والفم.

١١٤١٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح قال، سمعت مجاهدا يقول: الاستنشاق شَطْر الوضوء.

١١٤٢٠ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن شعبة قال: سألت حمادا عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق، قال حماد: ينصرف فيتمضمض ويستنشق.

١١٤٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الصباح، عن أبي سنان قال: قدمت الكوفة فأتيت حمادا فسألته عن ذلك= يعني: عمن ترك المضمضة والاستنشاق وصلى= فقال: أرى عليه إعادة الصلاة.

١١٤٢٢ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة قال: كان قتادة يقول: إذا ترك المضمضة أو الاستنشاق أو أذنه أو طائفة من رجله حتى يدخل في صلاته، فإنه ينفتِلُ ويتوضأ، ويعيد صلاته. [[في المطبوعة: "فإنه ينتقل"، وهو خطأ محض، وهو في المخطوطة كما أثبته غير منقوط.

يقال، "انفتل فلان عن صلاته، أو من صلاته"، أي: انصرف. ويقال: "فتل وجهه عن القوم": صرفه ولفته.]]

* *

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة من أن ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس.

١١٤٢٣ - حدثنا أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا أشعث، عن الشعبي، قال: ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس.

١١٤٢٤ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني شعبة، عن الحكم وحماد، عن الشعبي في الأذنين: باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس.

١١٤٢٥ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن الشعبي قال: مقدَّم الأذنين من الوجه، ومؤخَّرهما من الرأس.

١١٤٢٦ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم وحماد، عن الشعبي بمثله= إلا أنه قال: باطن الأذنين.

١١٤٢٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن الشعبي بمثله، إلا أنه قال: باطن الأذنين.

١١٤٢٨ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن الشعبي، بمثله.

١١٤٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: باطن الأذنين من الوجه، وظاهرهما من الرأس.

١١٤٣٠ - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا أبو تميلة= ح، وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية= قالا جميعا، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبيد الله الخولاني، عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: ألا أتوضأ لكم وضوء رسول الله ﷺ؟ قال قلنا: نعم! فتوضأ، فلما غسل وجهه، ألقَم إبهاميه ما أقبل من أذنيه. قال: ثم لما مسح برأسه مسح أذنيه من ظهورهما [[الأثر: ١١٤٣٠ -"محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة". ثقة، مضى برقم: ١١٣٢٩.

و"عبيد الله الخولاني"، هو"عبيد الله بن الأسود"، ويقال: "عبيد الله بن الأسد" ربيب ميمونة، روى عنها، وعن ابن عباس. ثقة.

وهذا الخبر رواه أبو داود في السنن ١: ٦٤، رقم: ١١٧، ورواه أحمد في المسند رقم: ٦٢٥، مطولا، وقد ضعف البخاري هذا الحديث وقال: "ما أدري ما هذا"، ولكن أخي السيد أحمد صححه في شرح هذا الخبر في المسند.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندنا قولُ من قال:"الوجه" الذي أمر الله جل ذكره بغسله القائمَ إلى صلاته: كل ما انحدر عن منابت شَعَر الرأس إلى مُنقطع الذَّقَن طولا وما بين الأذنين عرضا مما هو ظاهر لعين الناظر، دون ما بطن من الفم والأنف والعين، ودون ما غطاه شعر اللحية والعارضين والشاربين فستره عن أبصار الناظرين، ودون الأذنين.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب= وإن كان ما تحت شعر اللحية والشاربين قد كان"وجها" يجب غسله قبل نبات الشعر الساتر عن أعين الناظرين على القائم إلى صلاته= لإجماع جميعهم على أن العينين من الوجه، ثم هم -مع إجماعهم على ذلك- مجمعون على أن غسلَ ما علاهما من أجفانهما دون إيصال الماء إلى ما تحت الأجفان منهما مجزئ.

فإذْ كان ذلك منهم إجماعا بتوقيف الرسول ﷺ أمته على ذلك، فنظير ذلك كل ما علاه شيء من مواضع الوضوء من جسد ابن آدم من نفس خلقه ساتِرَه لا يصل الماء إليه إلا بكلفة ومؤنة وعلاج، قياسا لما ذكرنا من حكم العينين في ذلك.

فإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن مثلَ العينين في مؤنة إيصال الماء إليهما عند الوضوء ما بطن من الأنف والفم وشَعَر اللحية والصدغين والشاربين، لأن كل ذلك لا يصل الماء إليه إلا بعلاجٍ لإيصال الماء إليه نحو كلفة علاج الحدقتين لإيصال الماء إليهما أو أشدّ.

وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن غسل مَنْ غسل من الصحابة والتابعين ما تحت منابت شعر اللحية والعارضين والشاربين، وما بطن من الأنف والفم، إنما كان إيثارًا منه لأشق الأمرين عليه: من غسل ذلك وترك غسله، كما آثر ابن عمر غسل ما تحت أجفان العينين بالماء بصبِّه الماء في ذلك= لا على أنّ ذلك كان عليه عنده فرضا واجبا. فأما من ظنّ أن ذلك من فعلهم كان على وجه الإيجاب والفرض، فإنه خالف في ذلك بقوله منهاجَهم وأغفل سبيلَ القياس، لأن القياس هو ما وصفنا من تمثيل المختلف فيه من ذلك، بالأصل المجمع عليه من حكم العينين= وأنْ لا خبر عن واحد من أصحاب رسول الله ﷺ أوجب على تارك إيصال الماء في وضوئه إلى أصول شعر لحيته وعارضيه، وتارك المضمضة والاستنشاق إعادةَ صلاته إذا صلى بطهره ذلك. ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا من أن فعلهم ما فعلوا من ذلك كان إيثارا منهم لأفضل الفعلين من الترك والغسل.

فإن ظن ظان أن في الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ أنه قال:

١١٤٣١ - "إذا توضأ أحدكم فليستنثر". [[الأثر: ١١٤٣١ - هذا خبر لم يذكر إسناده، وانظر مثل لفظه في البخاري (فتح ١: ٢٢٩) .]]

=دليلا على وجوب الاستنثار، فإن في إجماع الحجة على أن ذلك غيرُ فرض واجب، يجب على من تركه إعادة الصلاة التي صلاها قبل غسله، ما يغني عن إكثار القول فيه.

* *

وأما الأذنان فإن في إجماع جميعهم على أن ترك غسلهما، أو غسل ما أقبل منهما مع الوجه، غيُر مفسد صلاةَ من صلى بطهره الذي ترك فيه غسلهما= مع إجماعهم جميعا على أنه لو ترك غسل شيء مما يجب عليه غسله من وجهه في وضوئه أن صلاته لا تجزئه بطهوره ذلك= ما ينبئ عن أنّ القول في ذلك ما قاله أصحاب رسول الله ﷺ الذي ذكرنا قولهم: [[في المطبوعة: "ما ينبئ عن القول في ذلك مما قاله أصحاب رسول الله ... "، وهو مضطرب، وفي المخطوطة مثله، إلا أنه كتب"ما قاله أصحاب رسول الله ... "، وصواب السياق يقتضي أن يكون: "ما ينبئ عن أن القول ... " بزيادة"أن".]] إنهما ليسا من الوجه= دون ما قاله الشعبي.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في"المرافق"، هل هي من اليد الواجب غسلها، أم لا؟ بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب.

فقال مالك بن أنس= وسئل عن قول الله:"فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق" أترى أن يخلف المرفقين في الوضوء؟ = قال: الذي أمر به أن يُبْلغ"المرفقين"، قال تبارك وتعالى:"فاغسلوا وجوهكم" فذهب هذا يغسل خلفه!! [[في المطبوعة: "مذهب هذا يغسل خلفه"، وقد استشكلها ناشر المطبوعة الأولى، وحق له. وهي في المخطوطة مثلها سيئة الكتابة، وصوابها"فذهب"، وهذه الجملة، تعجب ممن قيل له: "فاغسلوا وجوهكم"، فراح يغسل ما خلف الوجه، أي القفا.]] فقيل له: فإنما يغسل إلى المرفقين والكعبين لا يجاوزهما؟ فقال، لا أدري"ما لا يجاوزهما" أما الذي أمر به أن يبلغ به فهذا: إلى المرفقين والكعبين= حدثنا يونس، عن أشهب عنه.

* *

وقال الشافعي: لم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل"، كأنه يذهب إلى أن معناها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى أن تُغْسَل المرافق= حدثنا بذلك عنه الربيع. [[هذا كله نص الشافعي في الأم ١: ٢٢، إلا أن فيه: "كأنهم ذهبوا إلى أن معناها ... "]]

* *

وقال آخرون: إنما أوجب الله بقوله:"وأيديكم إلى المرافق" غسلَ اليدين إلى المرفقين، فالمرفقان غايةٌ لما أوجب الله غسله من آخر اليد، والغاية غير داخلة في الحدِّ، كما غير داخل الليلُ فيما أوجب الله تعالى على عباده من الصوم بقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧] لأن الليل غاية لصوم الصائم، إذا بلغه فقد قضى ما عليه. قالوا: فكذلك المرافق في قوله:"فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق" غاية لما أوجب الله غسلَه من اليد. وهذا قول زُفَر بن الهذيل. [["زفر بن الهذيل بن قيس العنبري"، أبو الهذيل، صاحب أبي حنيفة. كان من أصحاب الحديث، ثم غلب عليه الرأي، فكان من أصحاب أبي حنيفة.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تركه أو شيئا منه تارك، لم تجزه الصلاة مع تركه غسلَه. فأما المرفقان وما وراءهما، فإن غسل ذلك من الندب الذي ندبَ إليه ﷺ أمته بقوله:

١١٤٣٢ - "أمتي الغرُّ المحجلون من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته فليفعل". [[هذا حديث صحيح، لم يذكر إسناده، ورواه البخاري (الفتح ١: ٢٠٧، ٢٠٨) ولفظه: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين"، بمثله.

و"الغر" جمع"أغر"، أي ذو غرة (بضم الغين وتشديد الراء) ، وهي لمعة بيضاء، تكون في جبهة الفرس، وأراد بذلك النور الذي يكون في وجوه أهل الإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به، واهتدوا بهديه.

و"المحجلون" من"التحجيل"، وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس. وهذه سيما المؤمنين الذين اتبعوه ﷺ يوم القيامة.]] =فلا تفسد صلاة تاركِ غسلِهما وغسل ما وراءهما، لما قد بينا قبلُ فيما مضى: من أن كل غاية حُدَّت بـ"إلى" فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحدّ وخروجها منه. وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه، إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بيَّن وحَكم، ولا حُكم بأن المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا= ممن يجب التسليم بحكمه.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة"المسح" الذي أمر الله به بقوله:"وامسحوا برءوسكم".

فقال بعضهم: وامسحوا بما بدا لكم أن تمسحوا به من رءوسكم بالماء، إذا قمتم إلى الصلاة.

ذكر من قال ذلك:

١١٤٣٣ - حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا حماد بن مسعدة، عن عيسى بن حفص قال: ذكر عند القاسم بن محمد مسحُ الرأس فقال: يا نافع كيف كان ابن عمر يمسح؟ فقال، مسحةً واحدة= ووصف أنه مسح مقدَّم رأسه إلى وجهه= فقال القاسم: ابن عمر أفقهُنا وأعلمُنا.

١١٤٣٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني نافع: أن ابن عمر كان إذا توضأ ردَّ كفه اليمنى إلى الماء ووضعهما فيه، ثم مسح بيديه مقدَّم رأسه.

١١٤٣٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن بكير، قال أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني نافع: أن ابن عمر كان يضع بطن كفه اليمنى على الماء، [[في المطبوعة: "كان يضع بطن كفيه على الماء"، ليت شعري كيف استجاز الناشر أن يجعل"كفه اليمنى""كفيه"؟ أمن أجل أن الناسخ كتب في الجملة التالية: "ثم لا ينفضهما، ثم تمسح بهما" بالتثنية؟ ولقد أخطأ الناسخ في تثنية الضمير، فرددته إلى الصواب بإفراد الضمير.]] لا ينفضهما ثم يمسح بها ما بين قَرْنيه إلى الجبين واحدًة، ثم لا يزيد عليها في كل ذلك مسحةٌ واحدة، مقبلةً من الجبين إلى القرن. [["القرن" هو حد الرأس وجانبها، وهما قرنان عن يمين وشمال.]]

١١٤٣٦ - حدثنا تميم بن المنتصر قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا شريك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ مسح مقدَّم رأسه.

١١٤٣٧ - حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا إسحاق قال، أخبرنا شريك، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: يجزيك أن تمسح مقدَّم رأسك إذا كنت معتمرا. [["اعتمر الرجل يعتمر، فهو معتمر": إذا تعمم بعمامة، فهو معتم. و"العمارة" (بفتح العين) : كل شيء على الرأس، من عمامة، أو قلنسوة، أو تاج، أو غير ذلك.]] وكذلك تفعل المرأة.

١١٤٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الله الأشجعي، عن سفيان، عن ابن عجلان، عن نافع قال: رأيت ابن عمر مسح بَيافوخه مسحة= وقال سفيان: إن مسح شعرةً أجزأه= يعني واحدةً.

١١٤٣٩ - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا عبد السلام بن حرب قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: أيّ جوانب رأسك أمْسَسْتَ الماء أجزأك. [[في المطبوعة والمخطوطة: "مسست الماء"، وهو خطأ، انظر الخبر التالي.]]

١١٤٤٠ - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا علي بن ظبيان قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: أي جوانب رأسك أمسست الماء أجزأك. [[الأثر: ١١٤٤٠ - كان في المطبوعة: " ... عن الشعبي، مثله"، ولم يثبت نص الخبر، وهو ثابت في المخطوطة. فرددته إلى مكانه.]]

١١٤٤١ - حدثنا الرفاعي قال، حدثنا وكيع، عن إسماعيل الأزرق، عن الشعبي، مثله. [[الأثر: ١١٤٤١ - هذا الأثر، أخره ناشر المطبوعة السالفة، فوضعه بعد الأثر التالي، وقد أساء.]]

١١٤٤٢ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر يمسح رأسه هكذا= فوضع أيوب كفّه وسط رأسه، ثم أمرَّها على مقدَّم رأسه.

١١٤٤٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن سفيان، قال: إن مسح رأسه بأصبع واحدة أجزأه. [[الأثر: ١١٤٤٣ -"زيد بن الحباب"، مضى قريبا برقم: ١١٤١٤، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "يزيد بن الحباب"، وهو خطأ.]]

١١٤٤٤ - حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قلت لأبي عمرو: ما يجزئ من مسح الرأس؟ قال: أن تمسح مقدَّم رأسك إلى القفا أحبُّ إلّي.

١١٤٤٥ - حدثني العباس بن الوليد، عن أبيه، عنه، نحوه.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: فامسحوا بجميع رءوسكم. قالوا: إن لم يمسح بجميع رأسه بالماء، لم تجزِه الصلاة بوضوئه ذلك.

ذكر من قال ذلك:

١١٤٤٦ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، حدثنا أشهب قال، قال مالك: من مسح بعضَ رأسه ولم يعمَّ أعاد الصلاة بمنزلة من غسل بعضَ وجهه أو بعضَ ذراعه. قال، وسئل مالك عن مسح الرأس، قال: يبدأ من مقدَّم وجهه، فيدير يديه إلى قفاه، ثم يردُّهما إلى حيث بدأ منه.

* *

وقال آخرون: لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه أمر بالمسح برأسه القائمَ إلى صلاته مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه، ولم يحدَّ ذلك بحدٍّ لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه. وإذ كان ذلك كذلك، فما مسح به المتوضئ من رأسه فاستحقَّ بمسحه ذلك أن يقال:"مسح برأسه"، فقد أدّى ما فرض الله عليه من مسح ذلك لدخوله فيما لزمه اسم"ماسحٍ برأسه" إذا قام إلى صلاته. [[في المطبوعة والمخطوطة: "اسم مامسح"، وصواب قراءتها ما أثبت.]]

* *

فإن قال لنا قائل: فإن الله قد قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [سورة النساء: ٤٣] أفيجزئ المسحُ ببعض الوجه واليدين في التيمم؟

قيل له: كلَّ ما مسح من ذلك بالتراب، فيما تنازعت فيه العلماء= فقال بعضهم:"يجزيه ذلك من التيمم" وقال بعضهم:"لا يجزيه"= فهو مجزئه، لدخوله في اسم"الماسحين به".

وما كان من ذلك مجمعا على أنه غير مجزئه، فمسلَّم لما جاءت به الحجة نقلا عن نبيِّها ﷺ. ولا حجة لأحد علينا في ذلك، إذ كان من قولنا: إن ما جاء في آي الكتاب عامًّا في معنىً، فالواجب الحكم أنه على عمومه، [[في المطبوعة: "فالواجب الحكم به على عمومه"، وأسقط"من". وفي المخطوطة: "فالواجب من الحكم به على عمومه"، وهو الصواب، مع جعل"به""أنه"، كما أثبتها.]]

حتى يخصه ما يجب التسليم له، فإذا خُصَّ منه شيء، كان ما خُصَّ منه خارجا من ظاهره، وحكم سائره على العموم. [[انظر تفسير آية التيمم في ٨: ٤١٠ - ٤٢٥.]]

وقد بيَّنا العلة الموجبة صحة القول بذلك في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر القول في الخصوص والعموم فيما سلف ٢: ٢٠٧، ٥٣٩/٤: ١٣٤/٥: ٤٠، ١٣٠، وفي مواضع أخرى كثيرة متفرقة.]]

* *

و"الرأس" الذي أمر الله جل وعز بالمسح به بقوله:"وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" هو منابت شعر الرأس، دون ما جاوز ذلك إلى القفا ممَّا استدبر، ودون ما انحدر عن ذلك مما استقبلَ من قِبل وجه إلى الجبهة.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه جماعة من قرأة الحجاز والعراق: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ، نصبًا، فتأويله: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم إلى المرافق وأرجلَكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم وإذا قرئ كذلك، كان من المؤخر الذي معناه التقديم، وتكون"الأرجل" منصوبة عطفا على"الأيدي". وتأول قارئو ذلك كذلك، أن الله جل ثناؤه: إنما أمر عباده بغسل الأرجل دون المسح بها.

* *

ذكر من قال: عنى الله بقوله:"وأرجلكم إلى الكعبين" الغسلَ.

١١٤٤٧ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة أن رجلا صلى وعلى ظهر قدمه موضع ظُفُر، فلما قضى صلاته، قال له عمر: أعدْ وضوءك وصلاتَك.

١١٤٤٨ - حدثنا حميد قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا عبد الله بن حسن قال، حدثنا هزيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود قال: خلِّلوا الأصابع بالماء، لا تخلَّلها النارُ. [[الأثر: ١١٤٤٨ -"عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب"، روى له الأربعة، ثقة. وكان من العباد، له شرف وعارضة وهيبة ولسان شديد، وكان ذا منزلة من عمر بن عبد العزيز. مترجم في التهذيب.

و"هزيل بن شرحبيل الأودي"، الأعمى، أخو الأرقم بن شرحبيل، روى عن أخيه، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد وابن مسعود، وغيرهم. تابعي ثقة، من أصحاب عبد الله بن مسعود. ويقال: أدرك الجاهلية. مترجم في التهذيب.]]

١١٤٤٩ - حدثنا عبد الله بن الصباح العطار قال، حدثنا حفص بن عمر الحوضي، قال، حدثنا مُرجَّى= يعني: ابن رجاء اليشكري= قال، حدثنا أبو روح عمارة بن أبي حفصة، عن المغيرة بن حنين: أن النبي ﷺ رأى رجلا يتوضأ وهو يغسل رجليه، فقال: بهذا أمرت. [[الأثر: ١١٤٤٩ -"عبد الله بن الصباح بن عبد الله الهاشمي، العطار" شيخ الطبري، روى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه. ثقة. مترجم في التهذيب.

و"حفص بن عمر الحوضي، النمري"، أبو عمر الحوضي. روى عنه البخاري وأبو داود. قال أحمد: "ثبت، ثبت، متقن، لا يؤخذ عليه حرف واحد". مترجم في التهذيب.

و"مرجي بن رجاء اليشكري"، ضعيف، قال ابن معين: "ليس حديثه بشيء". مترجم في التهذيب.

و"أبو روح": "عمارة بن أبي حفصة العتكي". ثقة. مضى برقم: ٨٥١٣.

و"مغيرة بن حنين"، تابعي، روى عن علي. روى عنه عمارة بن أبي حفصة. ذكره البخاري في الكبير ٤/١/٣١٨، وابن أبي حاتم ٤/١/٢٢٠، لم يزيدا على ذلك شيئا، لا جرحا ولا تعديلا.

وهذا خبر مرسل، ضعيف لضعف مرجي بن رجاء.]]

١١٤٥٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليدة، قال: سمعت مصعب بن سعد يقول: رأى عمر بن الخطاب قوما يتوضأون فقال: خلِّلوا. [[الأثر: ١١٤٥٠ -"واقد، مولى زيد بن خليدة" كوفي. روى عن زادان، وسعيد بن جبير. روى عنه سفيان الثوري، وشعبة. قال الثوري: "كان شيخ صدق". مترجم في التهذيب.

و"مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري"، أبو زرارة، تابعي ثقة، مضى برقم ٩٨٤١. وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا: "مصعب بن سعيد"، وليس في التابعين من يقال له: "مصعب بن سعيد"، وبعيد أن يكون تابعيا يروى عنه، ثم يغفلونه. فثبت عندي أنه"مصعب بن سعد".]]

١١٤٥١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى قال، سمعت القاسم قال: كان ابن عمر يخلع خفَّيه، ثم يتوضأ فيغسل رجليه، ثم يخلِّل أصابعه.

١١٤٥٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم قال: قلت للأسود: رأيتَ عمر يغسل قدميه غَسْلا؟ قال: نعم.

١١٤٥٣ - حدثني محمد بن خلف قال، حدثنا إسحاق بن منصور، قال، حدثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمر بن عبد العزيز: أنه قال لابن أبي سويد: بلغنا عن ثلاثة كلهم رأوا النبي ﷺ يغسل قدميه غسلا أدناهم ابن عمك المغيرة. [[الأثر: ١١٤٥٣ -"ابن أبي سويد" هو: "محمد بن أبي سويد الثقفي الطائفي". روى عن عثمان بن العاص، وعمر بن عبد العزيز. روى له الترمذي حديثا واحدا. مترجم في التهذيب.

و"المغيرة"، يعني: "المغيرة بن شعبة الثقفي"، صاحب رسول الله ﷺ.]]

١١٤٥٤ - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا الصباح، عن محمد= وهو ابن أبان= عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: اغسلوا الأقدام إلى الكعبين.

١١٤٥٥ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن خالد، عن أبي قلابة: أن عمر بن الخطاب رأى رجلا قد ترك على ظهر قدمه مثل الظُفُر، فأمره أن يعيد وضوءه وصلاته.

١١٤٥٦ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن شيبة بن نِصاح قال: صحبت القاسم بن محمد إلى مكة، فرأيته إذا توضأ للصلاة يُدخل أصابع رجليه يصب عليها الماء، قلت: يا أبا محمد، لم تصنع هذا؟ قال: رأيت ابن عمر يصنعه. [[الأثر: ١١٤٥٦ -"شيبة بن نصاح بن سرجس المخزومي"، مولى أم سلمة، أتي به إليها وهو صغير، فمسحت رأسه. كان قاضيا بالمدينة. ثقة قليل الحديث. مترجم في التهذيب.

"نصاح" بكسر النون.]]

١١٤٥٧ - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي، عن حماد، عن إبراهيم في قوله:"فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" قال: عاد الأمرُ إلى الغسل.

١١٤٥٨ - حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال، حدثنا أبي، عن حفص الغاضري، عن عامر بن كليب، عن أبي عبد الرحمن قال: قرأ عليَّ الحسن والحسين رضوان الله عليهما، فقرآ: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فسمع علي رضى الله عنه ذلك= وكان يقضي بين الناس= فقال:"وَأَرْجُلَكُمْ"، هذا من المقدم والمؤخر من الكلام. [[الأثر: ١١٤٥٨ -"الحسين بن علي بن يزيد بن سليم الصدائي"، مضى مرارا منها: ٢٠٩٣، ٥٤٢٧، ٥٤٣٧.

وأبوه: "علي بن يزيد بن سليم الصدائي" مضى برقم: ٢٠٩٣.

و"حفص الغاضري" هو: "حفص بن سليمان الأسدي الغاضري"، متروك الحديث، مضى برقم: ٥٧٥٣.

و"عاصم بن كليب بن شهاب المجنون الجرمي"، مضى برقم: ٨٠٩٨، ثقة قليل الحديث.

و"أبو عبد الرحمن" هو: "أبو عبد الرحمن السلمي": "عبد الله بن حبيب بن ربيعة"، الضرير، مقرئ الكوفة. ولد في حياة رسول الله ﷺ، ولأبيه صحبة. إليه انتهت القراءة تجويدا وضبطا. أخذ القراءة عرضا عن عثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب. وأخذ القراءة عنه أئمة التابعين، منهم الحسن والحسين، رضي الله عنهما.

أقرأ القرآن في المسجد الأعظم بالكوفة، أربعين سنة، من زمن عثمان رضي الله عنه إلى أن توفي سنة ٧٤، رحمه الله. وقد مضى برقم: ٨٢.]]

١١٤٥٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب بن عبد الأعلى، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قرأها: ﴿فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب، وقال: عاد الأمر إلى الغسل. [[الأثر: ١١٤٥٩ -"عبد الوهاب بن عبد الأعلى" (!!) ، لم أجد له ذكرا في شيء من الكتب، ولا مر بنا قبل ذلك. ولكن هكذا هو في المخطوطة والمطبوعة.

والذي يروى عن"خالد الحذاء" ممن اسمه"عبد الوهاب": "عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي"، و"عبد الوهاب بن عطاء الخفاف"، فأخشى أن يكون أحدهما، ومنها الناسخ أو أخطأ المملي.]]

١١٤٦٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قرأها: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وقال: عاد الأمر إلى الغسل.

١١٤٦١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن المبارك، عن قيس، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: أنه كان يقرأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب.

١١٤٦٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين"، فيقول: اغسلوا وجوهكم، واغسلوا أرجلكم، وامسحوا برءوسكم. فهذا من التقديم والتأخير.

١١٤٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن شيبان، قال، أثبت لي عن علي أنه قرأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ . [[الأثر: ١١٤٦٣ -"حسين بن علي بن وليد الجعفي"، مضى في مواضع كثيرة، منها رقم: ٢٩، ١٧٤، ٤٤١، ٧٢٨٧، ٧٤٩٩.

و"شيبان" النحوي، هو: "شيبان بن عبد الرحمن"، أبو معاوية. مضى كثيرا، من ذلك رقم: ٢٣٤٠، ٤٨٩٨، ٥٢٨٠، ٩٢٢٢، ٩٢٢٣، ٩٤٥٦.

و"شيبان النحوي"، روى القراءة عن عاصم، وروى القراءة عنه: "حسين بن علي الجعفي"، انظر طبقات القراء للجزري ١: ٣٢٩، رقم: ١٤٣٥.]]

١١٤٦٤ - حدثنا ابن وكيع، قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه: ﴿وأرجلكم﴾ رجع الأمر إلى الغسل.

١١٤٦٥ - حدثنا ابن وكيع، قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خالد، عن عكرمة، مثله.

١١٤٦٦- حدثني المثني، قال، حدثنا الحماني، قال، حدثنا شريك، عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقرأونها: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فيغسلون.

١١٤٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: اغسل القدمين إلى الكعبين.

١١٤٦٨ - حدثني عبد الله بن محمد الزهري قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه قال: رأيت عليًّا توضأ، فغسل ظاهر قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فَعَل ذلك، ظننت أن بَطْنَ القدم أحقُّ من ظاهرها. [[الأثر: ١١٤٦٨ -"عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري"، شيخ الطبري، روى عن سفيان بن عيينة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وأبي عامر العقدي، وغيرهم.

روى عنه الجماعة، سوى البخاري. وروى عنه أبو جعفر في التاريخ ٢: ٤٠"عبد الله بن محمد الزهري، عن سفيان". مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "عبد الله بن محمد الزبيري"، لم يحسن قراءة ما في المخطوطة.

و"أبو السوداء" هو: "المسيب بن عبد خير بن يزيد الهمداني". ثقة. مضى برقم: ٥٨٥٠، ٥٨٥١.

و"ابن عبد خير"، هو"المسيب بن عبد خير بن يزيد الهمداني". ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٤٠٨.

وأبوه: "عبد خير بن يزيد الخيواني الهمداني"، مخضرم، تابعي ثقة. مضى برقم: ٨٠٣٥.

وهذا خبر صحيح الإسناد رواه أحمد في مسنده من طريق المسيب بن عبد خير، عن أبيه برقم: ٩١٨، ١٠١٤، ١٠١٥، مع اختلاف في لفظه. ورواه من طريق أبي إسحق، عن عبد خير، برقم: ٧٣٧، ٩١٧، ١٠١٣، ١٢٦٣، ومن طريق السدي، عن عبد خير برقم: ٩٤٣. مطولا.]]

١١٤٦٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان قال، حدثنا عبد الملك، عن عطاء قال: لم أر أحدا يمسح على القدمين.

١١٤٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثني الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن مجاهد أنه قرأ: ﴿وَأرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فنصبها، وقال: رجع إلى الغسل.

١١٤٧١ - حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا جابر بن نوح قال، سمعت الأعمش يقرأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب.

١١٤٧٢ - حدثني يونس، قال، أخبرنا أشهب قال: سئل مالك عن قول الله:"وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" أهي:"أرجلَكم" أو"أرجلِكم"؟ فقال: إنما هو الغسل وليس بالمسح، لا تُمْسح الأرجل، إنما تُغسل. قيل له: أفرأيت من مسح أيحزيه ذلك؟ قال: لا.

١١٤٧٣ - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سلمة، عن الضحاك:"وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم" قال: اغسلوها غسلا.

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: [[في المطبوعة والمخطوطة: "يعني جل ثناؤه بقوله"، والسياق يقتضي ما أثبت.]] واذكروا نعمة الله عليكم أيها المؤمنون، بالعقود التي عقدتموها لله على أنفسكم، واذكروا نعمته عليكم في ذلك بأن هداكم من العقود لما فيه الرضا، ووفقكم لما فيه نجاتكم من الضلالة والرَّدَى في نِعم غيرها جَمّة. كما:-

١١٥٥٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"واذكروا نعمة الله عليكم" قال، النعم: آلاءُ الله.

١١٥٥١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

وأما قوله:"وميثاقه الذي واثقكم به" فإنه يعني: واذكروا أيضا أيها المؤمنون، في نعم الله التي أنعم عليكم="ميثاقه الذي واثقكم به، وهو عهده الذي عاهدكم به. [[انظر تفسير"الميثاق" فيما سلف ٩: ٣٦٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

واختلف أهل التأويل في"الميثاق" الذي ذكر الله في هذه الآية، أيَّ مواثيقه عَنى؟

فقال بعضهم: عنى به ميثاقَ الله الذي واثقَ به المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ، حين بايعوا رسولَ الله ﷺ على السمع والطاعة له فيما أحبّو وكرهوا، والعمل بكل ما أمرهم الله به ورسوله.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٥٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله:"واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا" الآية، يعني: حيث بعث الله النبيَّ ﷺ، وأنزل عليه الكتاب، [["حيث" هنا، استعملت في موضع"حين". وقد قال الأصمعي: "ومما تخطئ فيه العامة والخاصة، باب"حين" و"حيث"، غلط فيه العلماء، مثل أبي عبيدة وسيبويه".وقال أبو حاتم: "رأيت في كتاب سيبويه أشياء كثيرة، يجعل حين: حيث"، وكذلك في كتاب أبي عبيدة بخطه. قال أبو حاتم: واعلم أن"حين" و"حيث" ظرفان، فحين ظرف للزمان، وحيث ظرف للمكان، ولكل واحد منهما حد لا يجاوزه، والأكثر من الناس جعلوهما معا: حيث".

ثم انظر مقالة الأخفش أن"حيث" ظرف للزمان، في الخزانة ٣: ١٦٢. والأمر يحتاج إلى زيادة بحث. ليس هذا موضعه.]] فقالوا:"آمنا بالنبي ﷺ وبالكتاب، [[في المطبوعة: "بالنبي والكتاب" وأثبت ما في المخطوطة.]] وأقررنا بما في التوراة"، فذكّرهم الله ميثاقَه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء به.

١١٥٥٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا"، فإنه أخذ ميثاقنا فقلنا: سمعنا وأطعنا على الإيمان والإقرار به وبرسوله.

* *

وقال آخرون: بل عنى به جلّ ثناؤه: ميثاقه الذي أخذ على عباده حين أخرجهم من صُلب آدم ﷺ، وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ فقالوا: بلى شهدنا.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٥٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"وميثاقه الذي واثقكم به" قال: الذي واثق به بني آدم في ظهر آدم.

١١٥٥٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

* *

ثال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك: قولُ ابن عباس، وهو أن معناه:"واذكروا" أيها المؤمنون="نعمة الله عليكم" التي أنعمها عليكم بهدايته إياكم للإسلام="وميثاقه الذي واثقكم به"، يعني: وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا ﷺ على السمع والطاعة له في المنشَط والمكرَه، والعُسر واليُسر="إذ قلتم سمعنا" ما قلت لنا، وأخذت علينا من المواثيق وأطعناك فيما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأنعم عليكم أيضا بتوفيقكم لقبول ذلك منه بقولكم له:"سمعنا وأطعنا"، يقول: ففُوا لله، أيها المؤمنون بميثاقه الذي واثقكم به، ونعمته التي أنعم عليكم في ذلك بإقراركم على أنفسكم بالسمع له والطاعة فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، يَفِ لكم بما ضمن لكم الوفاءَ به إذا أنتم وفيتم له بميثاقه، من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته وإنعامكم بالخلود في دار كرامته، وإنقاذكم من عقابه وأليم عذابه.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من قال:"عنى به الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم صلوات الله عليه"، لأن الله جل ثناؤه ذكرَ بعقب تذكرة المؤمنين ميثاقَه الذي واثقهم به، ميثاقَه الذي واثق به أهل التوراة= بعد ما أنزل كتابه على نبيه موسى ﷺ فيما أمرهم به ونهاهم= فيها، [[قوله: "فيها"، أي في التوراة، والسياق: "ميثاقه الذي واثق به أهل التوراة.. فيها".]] فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ، الآيات بعدها [سور المائدة: ١٢] = مُنبِّهًا بذلك أصحاب رسول الله ﷺ محمد على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه= ومعرِّفَهم سوء عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه، وتعزير أنبيائه ورسله= زاجرًا لهم عن نكث عهودهم، فيُحلّ بهم ما أحلَّ بالناكثين عهوده من أهل الكتاب قبلهم.

فكان= إذْ كان الذي ذكرهم فوعظهم به ونهاهم عن أن يركبوا من الفعل مثلَه، ميثاقَ قوم أخذ ميثاقهم بعد إرسال الرسول إليهم وإنزال الكتاب عليهم [[سياق هذه العبارة: "فكان.. واجبا أن يكون الحال.."، وأما الجملة التي بينهما فهي معترضة، فمن أجل ذلك وضعتها بين خطين.]] واجبًا أن يكون الحال التي أخذ فيها الميثاق والموعوظين نظيرَ حال الذين وعظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا صحة ما قلنا في ذلك وفسادُ خلافه.

* *

وأما قوله:"واتقوا الله إنّ الله عليم بذات الصدور"، فإنه وعيد من الله جل اسمه للمؤمنين كانوا برسوله ﷺ من أصحابه [[في المطبوعة: ".. للمؤمنين الذين أطافوا برسوله"، غير ما في المخطوطة، وهو صواب محض وعربي عريق، وضع مكان"كانوا": "الذي أطافوا".]] وتهدُّدًا لهم أن ينقضوا ميثاق الله الذي واثقهم به في رسوله [[في المطبوعة: "وتهديدا لهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]] وعهدهم الذي عاهدوه فيه= بأن يضمروا له خِلاف ما أبدوا له بألسنتهم. [[قوله: "بأن يضمروا.." متعلق"أن ينقضوا ميثاق الله.."، بأن يضمروا.]] .

يقول لهم جل ثناؤه: واتقوا الله، أيها المؤمنون، فخافوه أن تبدِّلوا عهده وتنقضوا ميثاقه الذي واثقكم به، أو تخالفوا ما ضمنتم له بقولكم:"سمعنا وأطعنا"، بأن تضمروا له غير الوفاء بذلك في أنفسكم، فإن الله مطلع على ضمائر صدوركم [[انظر تفسير"ذات الصدور" فيما سلف ٧: ١٥٥، ٣٢٥.]] وعالم بما تخفيه نفوسكم لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيُحّل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به، كالذي حلَّ بمن قبلكم من اليهود من المسخ وصنوف النّقم، وتصيروا في معادِكم إلى سخط الله وأليم عقابه.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيامُ لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، [[في المطبوعة: "لولايتهم"، وأسقط"لكم"، وأثبتها من المخطوطة.]] ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، [[انظر تفسير"القسط" فيما سلف ٩: ٣٠١، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]] ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيه بأمري.

* *

وأما قوله:"ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا" فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة.

* *

وقد ذَكرنا الرواية عن أهل التأويل في معنى قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [سورة النساء: ١٣٥] وفي قوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [سورة المائدة: ٢] واختلاف المختلفين في قراءة ذلك، والذي هو أولى بالصواب من القول فيه والقراءة= بالأدلة الدالة على صحته، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ٩: ٣٠١، الآية الأولى = ثم الثانية ٩: ٤٨٣- ٤٨٧.]]

* *

وقد قيل: إن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين همت اليهود بقتله.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٥٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"، نزلت في يهود خيبر، أرادوا قتل النبيّ ﷺ= وقال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: ذهب رسول الله ﷺ إلى يهود يستعينهم في دية، فهمُّوا أن يقتلوه، فذلك قوله:"ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا" ... الآية.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: اعدلوا" أيها المؤمنون، على كل أحد من الناس وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه.

* *

وأما قوله:"هو أقرب للتقوى" فإنه يعني بقوله:"هو" العدلُ عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، يعني: إلى أن تكونوا عند الله باستعمالكم إياه من أهل التقوى، وهم أهل الخوف والحذر من الله أن يخالفوه في شيء من أمره، أو يأتوا شيئا من معاصيه. [[انظر تفسير"العدل"، و"التقوى"، فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

وإنما وصف جل ثناؤه"العَدْل" بما وصفه به من أنه"أقرب للتقوى" من الجور، لأن من كان عادلا كان لله بعدله مطيعًا، ومن كان لله مطيعا، كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرا كان لله عاصيا، ومن كان لله عاصيا، كان بعيدًا من تقواه.

* *

وإنما كنى بقوله:"هو أقرب" عن الفعل [["الفعل"، يعني مصدر الفعل، كما سلف قريبا ص: ٨٢، تعليق: ٢، وانظر فهرس المصطلحات.]] والعرب تكني عن الأفعال إذا كَنَتْ عنها بـ "هو" وبـ "ذلك"، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [[كان في المطبوعة: "هو خير لكم"، وفي المخطوطة بإسقاط"هو"، وهذا الذي أثبته هو نص آية البقرة: ٢٧١، وراجع ذلك في ٥: ٥٨٢ مما سلف. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٠٣.]] [سورة البقرة: ٢٧١] و ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٢] . [[في المطبوعة والمخطوطة: "ذلك أذكى"، وأثبت نص آية البقرة. وانظر ما سلف ٥: ٢٩.]] ولو لم يكن في الكلام"هو" لكان"أقرب" نصبا، ولقيل:"اعدلوا أقربَ للتقوى"، كما قيل: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [سورة النساء: ١٧١] . [[انظر ما سلف ٩: ٤١٣-٤١٥.]]

* *

وأما قوله:"واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون"، فإنه يعني: واحذروا أيها المؤمنون، أن تجوروا في عباده فتجاوزوا فيهم حكمه وقضاءَه الذين بيّن لكم، فيحلّ بكم عقوبته، وتستوجبوا منه أليم نكاله="إن الله خبير بما تعملون"، يقول: إن الله ذو خبرة وعلم بما تعملون أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، من عمل به أو خلافٍ له، مُحْصٍ ذلكم عليكم كلّه، حتى يجازيكم به جزاءَكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوا أن تسيئوا. [[انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، وعد الله أيها الناس الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به من عند ربهم، وعملوا بما واثقهم الله به، وأوفوا بالعقود التي عاقدَهم عليها بقولهم:"لنسمعن ولنطيعنَّ الله ورسوله" فسمعوا أمر الله ونهيه وأطاعوه، فعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه. [[انظر تفسير"الصالحات" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

ويعني بقوله:"لهم مغفرة" لهؤلاء الذين وفوا بالعقود والميثاق الذي واثقهم به ربهم="مغفرة" وهي ستر ذنوبهم السالفة منهم عليهم وتغطيتها بعفوه لهم عنها، وتركه عقوبتهم عليها وفضيحتهم بها [[انظر تفسير"المغفرة" فيما سلف من فهارس اللغة.]] ="وأجر عظيم" يقول: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم، جزاءً على أعمالهم التي عملوها ووفائهم بالعقود التي عاقدوا ربهم عليها="أجر عظيم"، و"العظيم" من خيره غير محدود مبلغه، ولا يعرف منتهاه غيره تعالى ذكره. [[انظر تفسير"الأجر" و"عظيم" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

فإن قال قائل: إن الله جل ثناؤه أخبر في هذه الآية أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولم يخبر بما وعدهم، فأين الخبر عن الموعود؟

قيل: بلى [["بلى" تكون جوابا للكلام الذي فيه الجحد كقوله: "ألست بربكم قالوا بلى". هكذا قالوا، وقال ابن هشام في المغنى في باب"بلى": "ولكن وقع في كتب الحديث أنها يجاب بها الاستفهام المجرد، ففي صحيح البخاري في كتاب الإيمان: أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى = وفي صحيح مسلم في كتاب الهبة: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال، بلى! قال، فلا إذن = وفيه أيضا أنه قال، أنت الذي لقيتني بمكة؟ فقال له: بلى".

فمن أجل ذلك استعمله الطبري في جواب الاستفهام الذي لا جحد فيه، فكأنه عد سؤال السائل جحدا لذكره في الآية، فقال في جوابه"بلى"، بمعنى: ليس ذلك كما تزعم، وانظر ما سلف ٢: ٢٨٠، ٥١٠، وما سيأتي في الأثر رقم: ١١٨١٨.]] إنه قد أخبَر عن الموعود، والموعود هو قوله:"لهم مغفرة وأجر عظيم".

فإن قال: فإن قوله:"لهم مغفرة وأجر عظيم" خبرٌ مبتدأ، ولو كان هو الموعود لقيل:"وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرًا عظيمًا، ولم يدخل في ذلك"لهم"، وفي دخول ذلك فيه، دلالة على ابتداء الكلام، وانقضاء الخبر عن الوعد!

قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكرتَ، فإنه مما اكتُفي بدلالة ما ظهر من الكلام على ما بطن من معناه= من ذكر بعضٍ قد ترك ذكره فيه، وذلك أن معنى الكلام: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يغفر لهم ويأجرهم أجرًا عظيما= لأن من شأن العرب أن يُصْحِبوا"الوعد""أن" ويعملوه فيها، فتركت"أن" إذ كان"الوعد" قولا. ومن شأن"القول" أن يكون ما بعده من جمل الأخبار مبتدأ، وذكر بعده جملة الخبر اجتزاءً بدلالة ظاهر الكلام على معناه، وصرفا للوعد= الموافق للقول في معناه وإن كان للفظه مخالفا= إلى معناه، [[السياق: "وصرفا للوعد.. إلى معناه"، أي: إلى معنى القول.]] فكأنه قيل:"قال الله: للذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجر عظيم".

* *

وكان بعض نحويي البصرة يقول، إنما قيل:"وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم"، في الوعد الذي وُعِدوا [[في المطبوعة: "الوعد الذي وعدوا" بإسقاط"في"، وهي في المخطوطة مكتوبة بسن القلم بين"عظيم" و"الوعد".]] =فكأن معنى الكلام على تأويل قائل هذا القول: وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحات، لهم مغفرة وأجر عظيم، [فيما وعدهم به] . [[اقتصر في هذا الموضع في المطبوعة والمخطوطة على نص الآية، واستظهرت تمام الكلام من تفسير القرطبي ٦: ١١٠، وقد عقب عليه بقوله: "وهذا المعنى عن الحسن"، فلا أدري أأصبت في ذلك، أم أخطأني التوفيق!]]

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"والذين كفروا" والذين جحدوا وحدانية الله، ونقضوا ميثاقه وعقودَه التي عاقدوها إياه="وكذبوا بآياتنا" يقول: وكذبوا بأدلّة الله وحججه الدالة على وحدانيته التي جاءت بها الرسل وغيرها="أولئك أصحاب الجحيم" يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم= أهل"الجحيم"، يعني: أهل النار الذين يخلُدون فيها ولا يخرجون منها أبدًا. [[انظر تفسير"الكفر" و"الآيات" و"أصحاب الجحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: [[كان في المطبوعة والمخطوطة: "يعنى بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أقروا.."، فأثبت ما يقتضيه سياق أبي جعفر في سائر تفسيره، وهو في أغلب الظن اختصار سيئ من الناسخ.]] "يا أيها الذين آمنوا" يا أيها الذين أقرُّوا بتوحيد الله ورسالة رسوله ﷺ وما جاءهم به من عند ربهم="اذكروا نعمة الله عليكم"، اذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليكم، فاشكروه عليها بالوفاء له بميثاقه الذي واثقكم به، والعقود التي عاقدتم نبيكم ﷺ عليها. ثم وصف نعمته التي أمرهم جل ثناؤه بالشكر عليها مع سائر نعمه، فقال، هي كفُّه عنكم أيدي القوم الذين همُّوا بالبطش بكم، فصرفهم عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم. [[انظر تفسير"الكف" فيما سلف ٨: ٥٤٨/٩: ٢٩ = وقد مضى"الهم" غير مشروح أيضا فيما سلف ٩: ١٩٩.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذه النعمة التي ذكّر الله جل ثناؤه أصحابَ نبيه ﷺ بها، وأمرهم بالشكر له عليها.

فقال بعضهم: هو استنقاذ الله نبيه محمدا ﷺ وأصحابَه مما كانت اليهود من بني النضير همُّوا به يوم أتوهم يستحملونهم دية العامريَّين اللذين قَتلهما عمرو بن أمية الضمري. [["الحمالة" (بفتح الحاء) : الدية والغرامة التي يحملها قوم عن قوم يكفلون دفعها يقال: "تحمل الحمالة" و"استحمل القوم"، طلب إليهم أن يعينوه في"حمالته"، وهي الدية التي تكفل بها.]]

ذكر من قال ذلك:

١١٥٥٧ - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر قالا خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير ليستعينَهم على دية العامريَّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضَّمري. فلما جاءهم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا محمدًا أقرب منه الآن، فَمَن رجلٌ يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا. [["ظهر على البيت": علاه، أي ركب ظهره. وكان في المطبوعة: "فمروا رجلا يظهر" وليس فيها ولا في المخطوطة: "أنا"، فلذلك غيرها الناسخ، لفساد خط الناسخ في هذا الموضع. والصواب من سيرة ابن هشام.]] فأتى رسولَ الله ﷺ الخبرُ، وانصرف عنهم، فأنزل الله عز ذكره فيهم وفيما أرادَ هو وقومه:"يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذْ همَّ قومٌ أن يبسطوا إليكم أيديهم" ... الآية. [[الأثر: ١١٥٥٧- هو في سيرة ابن هشام ٢: ٢١١، ٢١٢، ثم يأتي فيها بغير هذا اللفظ ٣: ١٩٩-٢٠٠.]]

١١٥٥٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم"، قال: اليهود دخل عليهم النبي ﷺ حائطا لهم، [["الحائط": البستان من النخيل، قد أحاطوه بجدار.]] وأصحابه من وراء جداره، فاستعانهم في مغَرِم ديةٍ غَرِمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القَهقَرى ينظر إليهم، ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تَتَامُّوا إليه.

١١٥٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"اذكروا نعمة الله عليكم إذ هَمَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفَّ أيديهم عنكم" يهودُ حين دخل النبي ﷺ حائطا لهم، وأصحابه من وراء جدار لهم، فاستعانهم في مغرم، في الدية التي غرمها [[في المطبوعة: "في مغرم في دية غرمها" كما في الدر المنثور ١: ٢٦٦. وفي المخطوطة: "في الدية" بالتعريف فرجحت أنه قد سقط من الكلام"التي" فأثبتها.]] ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي معترضا ينظرُ إليهم خِيفتَهم [["معترضا"، أي يأخذ يمنة ويسرة، يميل بوجهه إليهم ينظر، ويمشي هكذا وهكذا، لا تستقيم مشيته على الطريق.]] ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تتامُّوا إليه. قال الله جل وعز:"فكف أيديهم عنكم واتَّقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون".

١١٥٦٠ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني أبو معشر، عن يزيد بن أبي زياد قال: جاء رسول الله ﷺ بني النضير يستعينهم في عَقْلٍ أصابه [["العقل" هو: الدية.]] ومعه أبو بكر وعمر وعلي فقال: أعينوني في عَقْلٍ أصابني. فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة! اجلس حتى نطعمَك ونعطَيك الذي تسألنا! فجلس رسول الله ﷺ وأصحابُه ينتظرونه، وجاء حُييّ بن أخطب وهو رأس القوم، وهو الذي قال لرسول الله ﷺ ما قال، فقال حيي لأصحابه: لا ترونه أقربَ منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقْتُلوه، ولا ترون شرًّا أبدًا! فجاءوا إلى رحًى لهم عظيمة ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم، حتى جاءه جبريل ﷺ فأقامه من ثَمَّ، فأنزل الله جل وعز:"يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذْ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفَّ أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون"، فأخبر الله عزَّ ذكره نبيّه ﷺ ما أرادوا به.

١١٥٦١ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير:"يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم" الآية، قال، يهودُ، دخلَ عليهم النبي ﷺ حائطا، فاستعانهم في مَغْرَمٍ غرمه، فائتمروا بينهم بقتله، فقام من عندهم فخرج معترِضًا ينظر إليهم خِيفتَهم، [["معترضا" أي يأخذ يمنة ويسرة، يميل بوجهه إليهم ينظر، ويمشي هكذا وهكذا، لا تستقيم مشيته على الطريق.]] ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تتامُّوا إليه.

١١٥٦٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: بعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو الأنصاري= أحدَ بني النجار وهو أحد النُّقباء ليلة العقبة= فبعثه في ثلاثين راكبًا من المهاجرين والأنصار، فخرجوا، فلقوا عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على بئر معونة، وهي من مياه بني عامر، فاقتتلوا، فقُتل المنذرُ وأصحابُه إلا ثلاثة نَفَرٍ كانوا في طلب ضَالة لهم، فلم يرعهم إلا والطيرُ تحُوم في السماء، يسقط من بين خراطيمها عَلَقُ الدم. [["العلق" (بفتحتين) : قطع الدم الغليظ الجامد قبل أن ييبس.]] فقال أحد النفر: قُتِل أصحابنا والرحمنِ! ثم تولّى يشتدُّ حتى لقي رجلا [["اشتد": عدا عدوا شديدا.]] فاختلفا ضربتين، فلما خالطته الضربة، رفع رأسه إلى السماء ففتح عينيه ثم قال: الله أكبر، الجنةُ وربّ العالمين!! فكان يُدْعى"أعنقَ لِيَمُوت"، [["أعنق ليموت" و"المعنق ليموت"، يقال هو"المنذر بن عمرو الأنصاري"، ويقال هو"حرام بن ملحان النجاري". ="أعنق الرجل إعناقا": سارع وأسرع إسراعًا شديدًا حتى يسبق الناس. سمي بذلك، لأنه أسرع إلى مصرعه، رضي الله عنه.]] ورجع صاحباه، فلقيا رجلين من بني سليم، وبين النبي ﷺ وبين قومهما مُوَادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر، فقتلاهما. وقدِم قومهما إلى النبي ﷺ يطلبون الدية، فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليُّ وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، حتى دخلوا إلى كعب بن الأشرف ويهود النضير، فاستعانهم في عَقْلهما. قال، فاجتمعت اليهودُ لقتل رسول الله ﷺ وأصحابه، واعتَلُّوا بصنيعة الطعام، [["الصنيعة" و"الصنيع": الطعام يصنع ويهيأ للحفاوة والإكرام.]] فأتاه جبريل ﷺ بالذي أجمعت عليه يهودُ من الغَدر، [[في المطبوعة: "اجتمعت عليه"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فخرج ثم دعا عليًّا، فقال، لا تبرح مَقامك، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عنِّي فقل:"وجّه إلى المدينة فأدركوه". [[في المخطوطة: "وجه المدينة" أسقط"إلى"، والجيد ما في المطبوعة.]] قال: فجعلوا يمرُّون على عليّ، فيأمرهم بالذي أمرَه حتى أتى عليه آخرُهم، ثم تبعهم، فذلك قوله: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٣] .

١١٥٦٣ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك في قوله:"يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفّ أيديهم عنكم" قال: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يغدِروا برسول الله ﷺ.

* *

وقال آخرون: بل النعمة التي ذكرها الله في هذه الآية، فأمر المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم بالشُّكر له عليها: أنَّ اليهود كانت هَمَّت بقتل النبيّ ﷺ في طعامٍ دعوه إليه، فأعلم الله عز وجل نبيّه ﷺ ما همُّوا به، فانتهى هو وأصحابه عن إجابتهم إليه.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٦٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم" إلى قوله:"فكف أيديهم عنكم" وذلك أن قوما من اليهود صَنَعوا لرسول الله وأصحابه طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأتِ الطعام، وأمرَ أصحابه فلم يأتوه. [[في المطبوعة: "وأمر أصحابه فأبوه"، و"أبوه" هنا سقيمة المنزل. وفي المخطوطة: "فأتوه" معجمة. وهو مخالف لما في الترجمة، إذ قال، "فانتهى هو وأصحابه عن إجابتهم إليه"، فآثرت أن أثبت نص ما في الدر المنثور ١: ٢٦٦، فهو المطابق للترجمة. ونقله السيوطي عن ابن جرير، وابن أبي حاتم، من هذه الطريق نفسها.]]

* *

وقال آخرون: عنى الله جل ثناؤه بذلك: النعمةَ التي أنعمها على المؤمنين باطلاع نبيّه ﷺ على ما همَّ به عدوّه وعدوُّهم من المشركين يوم بَطْن نَخْلٍ من اغترارهم إياهم، والإيقاع بهم، إذا هُم اشتغلوا عنهم بصلاتهم، فسجدوا فيها= وتعريفِه نبيَّه ﷺ الِحذَار من عدوّه في صَلاته بتعليمه إيَّاه صلاة الخوف.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٦٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسُطوا إليكم أيديهم" ... الآية، ذكر لنا أنها نزلت على رسول الله ﷺ وهو ببَطْنِ نخل في الغَزْوة السابعة، [[هكذا قال: "في الغزوة السابعة"، وهي في كثير من الروايات"الغزوة التاسعة"، وهي"غزوة ذي أمر" بنجد، انظر ابن سعد ٢/١/٢٤، وإمتاع الأسماع للمقريزي ١: ١١٠، ١١١. وانظر التعليق على الأثر التالي، والأثر السالف رقم: ١٠٣٤٠، والذي جاء في الأخبار أن صلاة الخوف كانت في السنة السابعة.]] فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتِكوا به، فأطلعه الله على ذلك. ذكر لنا أن رجلا انتدب لقتله، فأتى نبيَّ الله ﷺ وسيفُه موضوع، فقال: آخذه، يا نبي الله؟ قال: خذه! قال: أستلُّه؟ قال: نعم! فسلَّه، فقال، من يمنعك منِّي؟ قال:"الله يمنعُني منك!. فهدّده أصحاب رسول الله ﷺ وأغلظوا له القول، فشامَ السَّيف [["شام السيف": أغمده. وهو من الأضداد، ويقال أيضا: "شام السيف": إذا سله.]] وأمر نبيُّ الله ﷺ أصحابَه بالرحيل، فأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك. [[الأثر: ١١٥٦٥- هذا الخبر عن"صلاة الخوف"، لم يذكره أبو جعفر في صلاة الخوف فيما سلف ٥: ٢٣٧-٢٥٠، ولا في ٩: ١٢٣-١٦٦.]]

١١٥٦٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر: أنّ النبيّ ﷺ نزل منزلا وتفرَّق الناس في العِضاه يستظِلُّون تحتها، [["العضاه" (بكسر العين) : اسم يقع على ما عظم من شجر الشوك وطال واشتد شوكه، فاستظل به الناس.]] فعلَّق النبي ﷺ سلاحَه بشجرةٍ، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله ﷺ وأخذه فسلَّه، ثم أقبل على النبي ﷺ، فقال، من يمنعك مني؟ والنبي ﷺ يقول:"الله"، فشامَ الأعْرابي السيف، [["شام السيف": أغمده. وهو من الأضداد، ويقال أيضا: "شام السيف": إذا سله.]] فدعا النبي ﷺ أصحابه فأخبرهم خبرَ الأعرابيّ، وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه= قال معمر: وكان قتادة يذكر نحو هذا، وذكر أنَّ قومًا من العرب أرادُوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ، فأرسلوا هذا الأعرابي. وتأوّل:"اذكروا نعمة الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم"، الآية. [[الأثر: ١١٥٦٦-"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" مضى مرارا. وكان في المطبوعة والمخطوطة"ابن أبي سلمة" بزيادة"ابن"، والصواب حذفها كما في تفسير ابن كثير ٣: ١٠١.

وهذا الخبر عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر في مسند أحمد ٣: ٣١١، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: "حدثنا عبد الله قال: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده، وسمعته في موضع آخر: حدثنا أبو اليمان قال، أخبرني شعيب، عن الزهري، حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: أن جابر بن عبد الله الأنصاري"، وساق الخبر بغير هذا اللفظ مطولا.

ثم رواه أحمد أيضا ٣: ٣٦٤، من طريق عفان بن أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بغير ذاك اللفظ.

وروى أحمد خبر جابر مطولا مفصلا، من طريق أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال: قاتل رسول الله ﷺ محارب خصفة بنخل = في المسند ٣: ٣٦٤، ٣٦٥ ثم: ٣٩٠.

ورواه البخاري في صحيحه (الفتح ٧: ٣٢٩-٣٣١) ، بأسانيد. ورواه مسلم في صحيحه ١٥: ٤٤، ٤٥، بإسناد الطبري وأحمد.

وانظر أيضا ما رواه أبو جعفر من حديث جابر فيما سلف برقم: ١٠٣٢٥.

وقال ابن كثير في تفسيره ٣: ١٠١، بعد أن ساق خبر أبي جعفر عن هذا الموضع من التفسير: "وهذا الأعرابي، هو غورث بن الحارث، ثابت في الصحيح".]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك، قولُ من قال: عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية، نعمتَه على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيّهم محمدا ﷺ مما كانت يهود بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يومَ سار إليهم نبيّ الله ﷺ في الدية التي كان تحمَّلها عن قتيلي عمرو بن أمية.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله جل ثناؤه عقًّب ذكر ذلك برمي اليهود بصنائعها وقبيح أفعالها، وخيانتها ربَّها وأنبياءها. ثم أمر نبيَّه ﷺ بالعفو عنهم، والصفح عن عظيم جهلهم، فكان معلوما بذلك أنه ﷺ لم يؤمر بالعفو عنهم والصفح عَقِيب قوله:"إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم" وغيرُهم كان يبسط الأيدي إليهم. [[في المطبوعة والمخطوطة: "ومن غيرهم كان يبسط الأيدي إليهم" بزيادة"من"، وهو فساد في الكلام شديد، والصواب حذف"من"، كما يدل عليه سياق الكلام. والواو في"وغيرهم" واو الحال.]] لأنه لو كان الذين همُّوا ببسط الأيدي إليهم غيرَهم لكان حريًّا أن يكون الأمر بالعفو والصفح عنهم، لا عمَّن لم يجر لهم بذلك ذكر= ولكان الوصف بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع، لا في وصف من لم يجر لخيانته ذكر، ففي ذلك ما ينبئ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك، دون ما خالفه.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) ﴾

[[سقط من المخطوطة والمطبوعة صدر بقية الآية، وهو قوله: "واتقوا الله"، فأثبتها.]] قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: واحذرُوا الله، أيها المؤمنون أن تخالفوه فيما أمركم ونهاكم، وأن تنقضوا الميثاق الذي واثقكم به فتستوجبوا منه العقابَ الذي لا قبل لكم به="وعلى الله فليتوكل المؤمنون" يقول: وإلى الله فليُلْقِ أزمَّة أمورهم، ويستسلم لقضائه، ويثقْ بنصرته وعونه [[انظر تفسير"التوكل" فيما سلف ٨: ٥٦٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = المقروّن بوحدانيّة الله ورسالة رسوله، العاملون بأمره ونهيه، فإن ذلك من كمال دينهم وتمامِ إيمانهم= وأنّهم إذا فعلوا ذلك كلأهم ورعاهم وحفظهم ممن أرادهم بسوء، كما حفظكم ودافع عنكم، أيها المؤمنون اليهودَ الذين همُّوا بما همُّوا به من بسط أيديهم إليكم، كلاءَةً منه لكم، إذ كنتم من أهل الإيمان به وبرسوله دون غيره، [[قوله: "دون غيره"، أي: كما حفظكم ودافع عنكم دون غيره.]] فإن غيره لا يطيق دَفْع سوءٍ أراد بكم ربُّكم ولا اجتلابَ نفعٍ لكم لم يقضه لكم.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾

قال أبو جعفر: وهذه الآية أنزلتْ إعلامًا من الله جلّ ثناؤه نبيَّه ﷺ والمؤمنين به، أخلاقَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليهم من اليهود. كالذي:-

١١٥٦٧ - حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن في قوله:"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل" قال: اليهود من أهل الكتاب.

* *

= [[قوله: "وأن الذي هموا به.." معطوف على قوله: "إعلاما منه نبيه.. أخلاق الذين هموا ... وأن الذي هموا به.."، هذا سياق الجملة.]] وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه، من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقِهم وأخلاقِ أسلافهم قديما= [[قوله"واحتجاجا.."، معطوف على قوله آنفا: "وهذه الآية أنزلت إعلاما..".]] واحتجاجا لنبيه ﷺ على اليهود، بإطلاعه إيَّاه على ما كان علمه عندَهم دون العرب من خفيّ أمورهم ومكنون علومهم= وتوبيخا لليهود في تمادِيهم في الغيّ، وإصرارهم على الكفر، مع علمهم بخطأ ما هم عليه مقيمون.

يقول الله لنبيه ﷺ: لا تستعظموا أمرَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما همُّوا به لكم، ولا أمرَ الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسْلافهم، لا يَعْدُون أن يكونوا على منهاج أوَّلهم وطريق سَلَفِهم. ثم ابتدأ الخبر عز ذكره عن بعضِ غَدَراتهم وخياناتهم وجراءَتهم على ربهم ونقضهم ميثاقَهم الذي واثقَهم عليه بَارِئُهم، [[في المطبوعة: "الذي واثقتهم عليه بأدائهم"، لم يحسن قراءة المخطوطة إذ كانت غير معجمة، فحرفها تحريفا أفضى إلى هلاك العبارة كلها.]] مع نعمه التي خصَّهم بها، وكراماته التي طوّقهم شكرها، فقال، ولقد أخذ الله ميثاق سَلَف من همّ ببسط يده إليكم من يهود بني إسرائيل، يا معشر المؤمنين بالوفاء له بعهوده وطاعته فيما أمرهم ونهاهم، [[انظر تفسير"أخذ الميثاق" فيما سلف ص: ٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما:-

١١٥٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل" قال: أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له، ولا يعبدُوا غيره.

* *

="وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا" يعني بذلك: وبعثنا منهم اثنى عشر كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه.

و"النقيب" في كلام العرب، كالعَرِيف على القوم، غير أنه فوق"العريف". يقال منه:"نَقَب فلان على بني فلان فهو ينقُبُ نَقْبًا [[هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة: "نقبا"، وهذا مصدر غريب جدا، ولم تذكره العربية، وهو جائز على ضعف شديد، وأنا أخشى أن يكون ذلك خطأ من النساخ، وأن الصواب هو الذي أجمعت عليه كتب اللغة"نقابة" (بكسر النون) في مصدر هذا الفعل. أما مصدر الفعل الذي يليه فهو بفتح النون. وقال سيبويه: "النقابة بالكسر الاسم، وبالفتح المصدر، مثل الولاية والولاية".]] فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا، قيل:"قد نَقُبَ فهو ينقُب نَقَابة" = ومن"العريف":"عَرُف عليهم يَعْرُف عِرَافَةً". فأما"المناكب" فإنهم كالأعوان يكونون مع العُرفاء، واحدهم"مَنْكِب".

وكان بعض أهل العلم بالعربية يقول: هو الأمين الضامن على القوم. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٦.]]

* *

فأما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا بينهم في تأويله.

فقال بعضهم: هو الشاهد على قومه.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٦٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا"، من كل سِبْط رجل شاهد على قومه.

* *

وقال آخرون:"النقيب"، الأمين.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٧٠ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال:"النقباء" الأمناء.

١١٥٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

* *

وإنما كان الله عز ذكره أمر موسى نبيّه ﷺ ببعثة النقباء الاثنى عشر من قومه بني إسرائيل إلى أرض الجبابرة بالشأم، ليتحسَّسوا لموسى أخبارَهم [[في المطبوعة: "ليتجسسوا" بالجيم، و"التحسس" بالحاء: تطلب الخبر وتبحثه. وفي التنزيل: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه".]] إذْ أراد هلاكهم، وأن يورِّث أرضَهم وديارَهم موسى وقومَه، وأن يجعلها مساكن لبني إسرائيل بعد ما أنجاهم من فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض مصر، فبعث مُوسى الذين أمَره الله ببعثهم إليها من النقباء، كما:

١١٥٧٢ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أمر الله بني إسرائيل بالسير إلى أرْيَحَا، وهى أرض بيت المقدس، فساروا حتى إذا كانوا قريبا منهم بعث موسى اثنى عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل. فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبابرة، فلقيهم رجل من الجبَّارين يقال له"عاج"، فأخذ الاثنى عشر، فجعلهم في حُجْزَته [["الحجزة" (بضم فسكون) : موضع شد الإزار. وسبحان الله!! كيف كان يبالغ هؤلاء الرواة من أصحاب الإسرائيليات!!]] وعلى رأسه حَمْلَةُ حطب. [[في المطبوعة: "حزمة حطب"، لم يحسن قراءة المخطوطة مع وضوحها. وأثبتها لما طابقت المخطوطة تاريخ الطبري. وما سيأتي برقم: ١١٦٥٦.

و"الحملة" (بفتح الحاء) : هي مقدار ما يحمله الحامل، كما يقال: "قبضة"، لمقدار ما تقبض عليه الكف. وهذا حرف لم أجد النص عليه في كتاب.]] فانطلق بهم إلى امرأته فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا!! فطرَحَهم بين يديها، فقال، ألا أطْحَنُهم برجلي! فقالت امرأته: بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومَهم بما رأوا. ففعل ذلك. فلما خرج القومُ، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبرَ القوم، ارتدُّوا عن نبيِّ الله عليه السلام، ولكن اكتموه وأخبروا نَبِيَّ الله، فيكونان هما يَرَيان رأيهما! [["نبي الله"، يعني موسى وهرون عليهما السلام. وكان في المطبوعة: "فيما يريان"، والصواب من المخطوطة والتاريخ.]] فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه، ثم رجعوا فانطلق عشرة منهم فنكثوا العهدَ، فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه بما رأى من [أمر] "عاج" [[هذه الزيادة بين القوسين، من تاريخ الطبري.]] وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون، فأخبروهما الخبرَ، فذلك حين يقول الله [[انظر ما كتبته في ص: ٩٢، تعليق: ١، في أمر"حيث" و"حين".]] "ولقد أخذ الله ميثاقَ بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا". [[الأثر: ١١٥٧٢- هو من بقية الأثر الذي رواه أبو جعفر قديما برقم: ٩٩١، وهو في تاريخ الطبري ١: ٢٢١، ٢٢. وسيأتي صدره برقم: ١١٦٥٦.]]

١١٥٧٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"اثنى عشر نقيبا" من كل سبط من بني إسرائيل رجل، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم يُلقونهم إلقاءً [[في المخطوطة: "يلفونهم الفا" غير واضحة ولا منقوطة، وفي المطبوعة هنا"يلفونهم لفا"، وسيأتي برقم: ١١٦٦٠، كما أثبتها، في المخطوطة والمطبوعة معا. وانظر الأثر التالي: ١١٥٧٤، والتعليق عليه.]] ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة [[في المخطوطة: "خمسة أنفاس بينهم في خشبة"، وفي المطبوعة: "خمسة أنفس بينهم في خشبة"، وأثبت ما في تفسير البغوي (هامش ابن كثير ٣: ١٠٤) ، فهو أقرب إلى هذا السياق. وانظر ما سيأتي، الأثر رقم: ١١٥٧٣.]] ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبُّها خمسة أنفس أو أربع. فرجع النقباء كلٌّ منهم يَنْهى سِبْطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكلاب بن يافنة، [[في المطبوعة: "وكالب بن يوفنا"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو فيها هنا" " غير منقوطة، ولكنه سيأتي في المخطوطة، في رقم: ١١٦٦٦، كما أثبته هنا. وانظر ما مضى ٥: ٢٧٢. وفي التاريخ ١: ٢٢٢: "كالوب بن يوفنة، وقيل: كلاب بن يوفنة ختن موسى". وسيأتي بعض هذا الأثر مختصرا برقم: ١١٦٦٠.]] يأمران الأسباط بقتال الجبابرة وبجهادهم، فعصوا هذين وأطاعُوا الآخرين.

١١٥٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه= إلا أنه قال: من بني إسرائيل رجالٌ= وقال أيضا: يلقونهما. [[في المطبوعة: "يلففونها"، مع أنها في المخطوطة كما أثبتها واضحة منقوطة، وانظر التعليق على الأثر السالف ص: ١١٢، تعليق: ٧، وانظر الأثر التالي: ١١٦٦٠.]]

١١٥٧٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدّسة، وقال: إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا فاخرج إليها، وجاهد من فيها من العدوّ، فإني ناصركم عليهم، وخُذ من قومك اثنى عشر نقيبًا من كل سبط نقيبا يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، وقل لهم: إن الله يقول لكم: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ ... إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ وأخذ موسى منهم اثنى عشر نقيبا اختارهم من الأسباط كفلاء على قومهم بما هم فيه، على الوفاء بعهده وميثاقه. وأخذ من كل سبط منهم خيرَهم وأوفاهم رجلا. يقول الله عز وجل:"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبًا" فسار بهم موسى إلى الأرض المقدّسة بأمر الله، حتى إذا نزل التيه بين مصر والشام= وهي بلاد ليس فيها خَمَرٌ ولا ظلّ [[في المطبوعة: "شجر ولا ظل"، وفي المخطوطة: "حعر"، والصواب ما أثبته، كما مضى في الأثر: ٩٩٢، و"الخمر" (بفتحتين) : كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره.]] = دعا موسى ربه حين آذاهم الحرّ، فظلَّل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرزق، فأنزل الله عليهم المنَّ والسلوى. [[إلى هذا الموضع مضى قديما في الأثر رقم: ٩٩٢.]] وأمر الله موسى فقال: أَرْسل رجالا يتحسسّون إلى أرض كنعان التي وهبت لبني إسرائيل [[في المخطوطة: "وهب"، والصواب ما في المطبوعة. وفي المطبوعة: "يتجسسون" بالجيم، وانظر ص: ١١١، تعليق: ١.]] من كل سبط رجلا. فأرسل موسى الرءوس كلهم الذين فيهم، [فبعث الله جل وعزّ من برّية فاران بكلام الله، وهم روءس بني إسرائيل] . [[هذه الجملة التي بين القوسين، من المخطوطة، وحذفها ناشر المطبوعة. وهي عبارة غير مفهومة، ولم أستطع أن أهتدي إلى صوابها، ولا استطعت أن أصل الكلام بعضه ببعض. والذي في كتاب القوم، في العهد القديم، في سفر العدد، في الإصحاح الثالث عشر: "فأرسلهم موسى من برية فاران حسب قول الرب". وكل وجه من التصحيف، أو التحريف، أو النقص في العبارة، أردت أن أحمل عليه هذه الجملة، حتى تستقيم، خرج معي وجها ضعيف التركيب، فتركت ذلك لمن يحسن أن يقيمه، أو لمن يهتدي إلى صوابه من مرجع آخر، غير المراجع التي بين يدي.]] وهذه أسماء الرَّهط الذين بعث الله جل ثناؤه من بني إسرائيل إلى أرض الشام، فيما يذكر أهل التوراة ليجوسوها لبني إسرائيل [[هذه الأسماء مذكورة في كتاب القوم، في سفر العدد، في الإصحاح الثالث عشر. ونقلها عن هذا الموضع من الطبري، ابن كثير في تفسيره ٣: ١٠٣. وذكرها ابن حبيب في"المحبر" ص: ٤٦٤، ونقلها عنه القرطبي في تفسيره ٦: ١١٣، فسأذكر بعد، ما اختلف فيه من الأسماء، عن هذه المراجع، ونصها في كتاب القوم.]] من سبط روبيل:"شامون بن زكوّن" [[في كتاب القوم: "من سبط رَأو بين: شمع بن زكُّور"، كما في المحبر. وفي المطبوعة وابن كثير"بن ركون"، وفي القرطبي"ركوب". وفي المخطوطة، تقرأ كما كتبتها.]] = ومن سبط شمعون:"شافاط بن حُرّي" [[في كتاب القوم: ".. بن حوري". وفي المحبر: "شرفوط بن حوري"، وفي القرطبي: "شوقوط بن حوري".]] ومن سبط يهوذا:"كالب بن يوفنّا [[في كتاب القوم: ".. بن يُفَنّة"، وفي المحبر: "كولب.."، وفي القرطبي: "يوقنا".]] ومن سبط أتين:"يجائل بن يوسف" [[في كتاب القوم: "ومن سبط يسَّاكرَ: يجال بن يوسف"، وكان في المطبوعة هنا"ومن سبط كاذ: ميخائيل بن يوسف"، ولا أدري من أين جاء به ناشر المطبوعة. وفي ابن كثير: "ومن سبط أتين: ميخائيل بن يوسف"، ولم أجد في الأسباط"أتين"، ولكن هكذا كتب في مخطوطة التفسير كما كتبته غير منقوط، وفيها أيضا"محامل" غير منقوطة، والذي أثبته هو صواب قراءتها. أما في المحبر فهو: "ومن سبط إساخر: يغوول بن يوسف"، وفي القرطبي: "ومن سبط الساحر: يوغول بن يوسف". وهذا السبط، ذكره الطبري عن محمد بن إسحق فيما سلف رقم: ٢١٠٧: "يشجر"، وهو"يساكر"، فالذي لا شك فيه أن"أبين" التي في مخطوطة التفسير، هي"يشجر"، أو "أشجر"، ولكني تركتها كما هي في المخطوطة.]] =ومن سبط يوسف: وهو سبط أفرائيم:"يوشع بن نون" [[في كتاب القوم: "من سبط أفرايم: هو شع بن نون"، ولكن كتب في مخطوطة التفسير"يوشع" هنا، وكان الأجود أن يكتب هنا"هوشع"، لأنه سيأتي في آخر الخبر أنه يومئذ سمى"هوشع"، "يوشع".]] ومن سبط بنيامين"فلط بن رفون" [[في كتاب القوم: "من سبط بنيامين فَلطي بن رافو" وفي المخطوطة: "بن دفون"، وفي المطبوعة: "بن ذنون"، وفي ابن كثير: "فلطم بن دفون"، وفي المحبر: "يلطى بن ردفوا"، وفي القرطبي: "يلظى بن روقو".]] =ومن سبط زبالون:"جدي بن سودي [[في كتاب القوم: "من سبط زبولون: جَدّ يئيل بن سودى"، وفي المخطوطة"جدي بن سوشي"، ولكن ابن كثير نقله في تفسيره عن الطبري: "جدي بن شورى"، فتبين أن"سوشي" تحريف"سودي". وكان في المطبوعة"كرابيل بن سودي"، وفي المحبر"كداييل بن شوذي"، وفي القرطبي: "كرابيل بن سورا".]] =ومن سبط منشا بن يوسف:"جدي بن سوسا [[في كتاب القوم: "من سبط يوسف، من سبط منسي: جدّي بن سوسي"، وفي ابن كثير: "بن موسى"، خطأ. وفي المحبر: "كدي بن سوسي"، وفي القرطبي والمطبوعة: "سوشا".]] =ومن سبط دان:"حملائل بن جمل" [[في كتاب القوم: ".. عميئيل بن جملّى" وفي ابن كثير: "خملائيل بن حمل"، وفي المحبر: "عماييل بن كملى"، وفي القرطبي: "عمائيل بن كسل".]] =ومن سبط أشر: ساتور بن ملكيل" [[في كتاب القوم: "من سبط أشير: ستور بن ميخائيل"، وفي المطبوعة: "أشار: سابور"، فأثبت ما في المخطوطة، وهي غير منقوطة. وفي ابن كثير: "أشار: ساطور بن ملكيل". وفي المحبر"ومن سبط أوشير: شتور بن ميخائيل"، "شير: ستور".]] = ومن سبط نفتالي:"نحى بن وفسي" [[في كتاب القوم"من سبط نفتالي: نحيى بن وفسى"، وفي المطبوعة: "محر بن وقسى"، وفي المخطوطة: "ومن سبط ثفثا أبي بحر بن وفسى"، وصواب قراءتها ما أثبت. وفي ابن كثير: "بحر بن وقسي". وفي المحبر: "يحيى بن وقسي: وفي القرطبي: "يوحنا بن وقوشا".]] =ومن سبط جاد:"جولايل بن ميكي". [[في كتاب القوم: "من سبط جاد: جأوئيل بن ماكي" وفي المخطوطة: "ومن سبط دار: جولائل بن منكد"، وفي المطبوعة: "ومن سبط يساخر: حولايل بن منكد"، وفي تفسير ابن كثير: "ومن سبط يساخر: لايل بن مكيد" وفي المحبر: "ومن سبط جاذ: كوآءل بن موخى". وفي القرطبي: "ومن سبط كاذ: كوال بن موخى". فأثتب"جاد" مكان"دار" في المخطوطة، من أسماء الأسباط في رواية ابن إسحق فيما سلف في الأثر رقم: ٢١٠٧. وقرأت"منكد""ميكي"، لأنها أقرب إلى"ماكي" و"موخي".

هذا، وقد نقل ابن كثير في تفسيره ٣: ١٠٣ أسماء هؤلاء النقباء، وقال: "وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة، تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل، وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحق، والله أعلم". ولكن اتضح من المراجعة أن الذي ذكره ابن إسحق، هو الموجود في النسخة التي بين أيدينا من التوراة. أما الذي نقله ابن كثير فهو مخالف كل المخالفة لما في رواية ابن إسحق، ولما جاء في كتاب القوم. فلا ريب أن التوراة التي كانت في يد ابن كثير، هي غير التي في أيدينا من كتاب القوم.]]

=فهذه أسماء الذين بعثهم موسى يتحسّسون له الأرض= [[في المطبوعة: "يتجسسون" بالجيم، وانظر ما سلف ص: ١١١، تعليق: ١، وص: ١١٤، تعليق: ٣.]] ويومئذ سمى"هوشع بن نون":"يوشع بن نون" [[في المطبوعة والمخطوطة في هذا الاسم الأول"يوشع"، ولكن المخطوطة غير متقوطة، والصواب أن تكون"هوشع" كما أثبتها. انظر ص: ١١٥، تعليق: ٢.]] =فأرسلهم وقال لهم: ارتفعوا قِبَل الشمس، فارقوا الجبل، وانظروا ما في الأرض، وما الشعب الذي يسكنون، أقوياء هم أم ضعفاء، أقليل هم أم كثير؟ وانظروا أرضهم التي يسكنون: أسمينة هي [أم هزيلة] ؟ أذات شجر أم لا؟ اجتازوا، واحملوا إلينا من ثمرة تلك الأرض. وكان ذلك في أول ما أشجن بكر ثمرة العنب. [[في المطبوعة: ".. أشمسة هي أم ذات شجر، واحملوا إلينا من ثمرة تلك الأرض"، رأى ما في المخطوطة لا يقرأ، فحذفه. وكان في المخطوطة: "أسمسه هي أم ذات شجر أم لا احباروا واحملوا إلينا..". ورأيت أن أقرأها كذلك، استظهارا مما جاء في كتاب القوم، في سفر العدد، في الإصحاح الثالث عشر: "وكيف هي الأرض: أسمينة أم هزيلة؟ أفيها شجر أم لا؟ وتشددوا فخذوا من ثمر الأرض".

يقال، "أرض سمينة"؛ جيدة الترب، قليلة الحجارة، قوية على ترشيح النبت. ويقال، "أرض مهزولة"، رقيقة. و"المهازل": الجدوب، فلذلك آثرت وضع"هزيلة" كما جاءت في كتاب القوم بهذا المعنى، وإن أغفلتها كتب اللغة، أو أغفلت النص عليها.

وكان في المطبوعة: "وكان في أول ما سمى لهم من ذلك ثمرة العنب"، وهو تصرف رديء مستهجن. فإن الذي في المخطوطة هو: "وكان ذلك في أول ما سمى بكر ثمرة العنب" لم يحسن قراءة"سمن"، فتصرف بلا ورع. والذي في كتاب القوم ما نصه: "وأما الأيام فكانت أيام باكورات العنب". فاستظهرت منها صواب ما في المخطوطة، وقرأت: "أول ما سمن": "أول ما أشجن بكر ثمرة العنب".

و"الشجنة" (بكسر فسكون) : الشعبة من عنقود العنب تدرك كلها. يقال منها"أشجن الكرم"، أدركت عناقيده وطابت.

وقوله"بكر العنب"، فإن"بكر كل شيء"، أوله. وهو صحيح في العربية، وإن كانوا قد خصوا الثمار التي أدركت في أول إدراكها بقولهم: "باكورة الثمرة".]]

١١٥٧٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبًا" فهم من بني إسرائيل، بعَثهم موسى لينظُروا له إلى المدينة. فانطلقوا فنظروا إلى المدينة، فجاءوا بحبّة من فاكهتهم وِقْرَ رجلٍ، [["الوقر" (بكسر الواو وسكون القاف) : الحمل. وفي حديث عمر بن الخطاب والمجوس: "فألقوا وقر بغل أو بغلين"، أي: حمل بغل أو بغلين.]] فقالوا: اقدُروا قوة قوم وبأسهم هذه فاكهتهم! فعند ذلك فُتِنوا فقالوا: لا نستطيع القتال، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سورة المائدة: ٢٤] .

١١٥٧٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج المروزي قال: سمعت أبا مُعاذ الفضلَ بن خالد يقول في قوله:"وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبًا" أمر الله بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدّسة مع نبيهم موسى ﷺ، فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: ادخلوها! فأبوا وجَبُنوا، وبعثُوا اثنى عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا فنظروا، فجاءوا بحبة من فاكهتهم بوِقْرِ الرجل، فقالوا: اقدورا قوة قوم وبأسهم، [[في المطبوعة في الموضعين: "قدروا"، والجيد من المخطوطة.]] هذه فاكهتهم!! فعند ذلك قالوا لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ .

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال الله لبني إسرائيل:"إني معكم"، يقول: إني ناصركم على عدوّكم وعدوِّي الذين أمرتكم بقتالهم، [[انظر تفسير"مع" فيما سلف ٣: ٢١٣-٢١٤/٥: ٣٥٣.]] إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم.

* *

وفي الكلام محذوف، استغنى بما ظهر من الكلام عما حذف منه. وذلك أن معنى الكلام: وقال الله لَهُم إني معكم= فترك ذكر"لهم"، استغناء بقوله:"ولقد أخذ الله ميثاقَ بني إسرائيل"، إذ كان مُتقدّم الخبر عن قوم مسمَّين بأعيانهم، فكان معلومًا أن ما في سياق الكلام من الخبر عنهم، [[في المطبوعة: "كان معلوما"، والسياق يقتضي"فكان" بالفاء.]] إذ لم يكن الكلام مصروفًا عنهم إلى غيرهم.

* *

ثم ابتدأ ربُّنا جل ثناؤه القسمَ فقال: قسمًا لئن أقمتم، معشر بني إسرائيل، الصلاة ="وآتيتم الزكاة"، أي: أعطيتموها من أمرتكم بإعطائها [[انظر فهارس اللغة فيما سلف في تفسير"إقامة الصلاة"، و"إيتاء الزكاة".]] ="وآمنتم برسلي" يقول: وصدّقتم بما آتاكم به رسلي من شرائع ديني.

وكان الربيع بن أنس يقول: هذا خطاب من الله للنقباء الاثنى عشر.

١١٥٧٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: أنّ موسى ﷺ قال للنقباء الاثنى عشر: سيروا إليهم= يعني: إلى الجبارين= فحدثوني حديثهم، وما أمْرهم، ولا تخافوا إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزّرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنًا.

* *

قال أبو جعفر: وليس الذي قاله الربيع في ذلك ببعيد من الصواب، غيرَ أن من قضاءِ الله في جميع خلقه أنه ناصرٌ من أطاعه، ووليّ من اتّبع أمره وتجنّب معصيتَه وتحامَى ذنوبه. [[في المطبوعة: "وجافى ذنوبه"، وفي المخطوطة: "وعامى ذنوبه" فرأيت أن أقرأها "تحامى"، فهي عندي أجود وأبين في معنى اتقاء الذنوب والتباعد عنها.]] فإذ كان ذلك كذلك، وكان من طاعته إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، وسائر ما ندب القوم إليه= كان معلوما أن تكفير السيئات بذلك وإدخال الجنات به. لم يخصص به النقباء دون سائر بني إسرائيل غيرهم. فكان ذلك بأن يكون ندبًا للقوم جميعا، وحضًّا لهم على ما حضَّهم عليه، أحق وأولى من أن يكون ندبًا لبعضٍ وحضًّا لخاصّ دون عامّ.

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"وعزرتموهم".

فقال بعضهم: تأويل ذلك: ونصرتموهم.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٧٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"وعزرتموهم" قال: نصرتموهم.

١١٥٨٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١١٥٨١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"وعزرتموهم" قال: نصرتموهم بالسيف.

* *

وقال آخرون: هو الطاعة والنصرة.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٨٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول في قوله:"وعزرتموهم" قال:"التعزيز" و"التوقير"، الطاعة والنصرة.

* *

واختلف أهل العربية في تأويله.

فذكر عن يونس [الحرمري] أنه كان يقول [[قوله: "يونس [الحرمري] "، هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة، وهو مشكل، فإنه إما أن يكون نسبة نسب إليها، ونسبة"يونس بن حبيب"، هي"النحوي" ونسبته في ولائه"الضبي"، وهو مولى"بلال بن هرمي من بني ضبيعة بن بجالة" (النقائص: ٣٢٣) ، ولا أظنه محرفا عن شيء من ذلك = وإما أن يكون نسبة إلى مكان، ويونس من أهل جبل (بفتح الجيم وتشديد الباء مضمومة) (انظر طبقات النحويين للزبيدي: ٤٨) . وليس تحريفا لهذا أيضا. ولعل باحثًا يهتدي إلى صوابه، فتركته كما هو. هذا مع أن أبا عبيدة في مجاز القرآن، لم يذكر غير اسمه، والطبري يروي هذا عن أبي عبيدة.]] تأويل ذلك: أثنيتم عليهم.

١١٥٨٣ - حدثت بذلك عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عنه [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٧.]] .

* *

وكان أبو عبيدة يقول: معنى ذلك نصرتموهم وأعنتموهم ووقّرتموهم وعظمتوهم وأيَّدتموهم، وأنشد في ذلك: [[لم أعرف قائله.]]

وَكَمْ مِنْ مَاجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ ... وَمِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٧. و"الندى": مجلس القوم، ما داموا مجتمعين فيه، فإذا تفرقوا عنه فليس بندي. ومثله"النادي".

ومن العجب العاجب شرح من شرح هذا البيت فقال! "واللهم، بكسر اللام وسكون الهاء، الثور المسن.. ولعل الكلمة محرفة عن كلمة شهم". وهذا خلط لا يعلى عليه، فتجنب مثله.]] وكان الفراء يقول:"العَزْر" الردُّ"عَزَرته"، رددته: إذا رأيته يظلم فقلت:"اتق الله" أو نهيته، فذلك"العزر".

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب، قول من قال:"معنى ذلك: نصرتموهم". وذلك أن الله جل ثناؤه قال في"سورة الفتح": ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [سورة الفتح: ٨، ٩] فـ"التوقير" هو التعظيم. وإذْ كان ذلك كذلك كان القول في ذلك إنما هو بعضُ ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه: التعظيم= وكان النصر قد يكون باليد واللسان، فأما باليد فالذبُّ بها عنه بالسيف وغيِره، وأما باللسان فحُسْن الثناء، والذبّ عن العرض= صحَّ أنه النصر، إذ كان النصر يحوي معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولا مما حكينا عنه.

* *

وأما قوله:"وأقرضتم الله قرضا حسنًا" فإنه يقول: وأنفقتم في سبيل الله، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم="قرضا حسنًا" يقول: وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدوا فيه حدودَ الله وما ندبكم إليه وحثَّكم عليه إلى غيره. [[انظر تفسير"القرض"، و"القرض الحسن" فيما سلف ٥: ٢٨٢، ٢٨٣، = وقوله: "إلى غيره" متعلق بقوله"ولم تتعدوا فيه ... ".]]

* *

فإن قال لنا قائل: وكيف قال:"وأقرضتم الله قرضا حسنا" ولم يقل:"إقراضا حسنًا"، وقد علمت أن مصدر"أقرضت""الإقراض"؟

قيل: لو قيل ذلك كان صوابا، ولكن قوله:"قرضًا حسنًا" أخرج مصدرًا من معناه لا من لفظه. وذلك أن في قوله:"أقرض" معنى"قرض"، كما في معنى"أعطى""أخذ". فكان معنى الكلام: وقَرَضْتم الله قرضًا حسنًا، ونظير ذلك: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [سورة نوح: ١٧] إذ كان في"أنبتكم" معنى:"فنبتم"، وكما قال امرؤالقيس:

وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إِذْلالِ [[ديوانه: ١٤١، وغيره، وقبل البيت، يقول لصاحبته بعد ما سما إليها سمو حباب الماء: حَلَفْتُ لَهَا بِاللهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ ... لَنَامُوا، فَمَا إنْ من حَدِيثٍ ولا صَالِي

فَلَمَّا تَنَازَعْنَا الْحَدِيثَ وأَسْمَحَتْ، ... هَصَرَتْ بُغِصْنٍ ذِي شَمَارِيخَ مَيَّالِ

وَصِرْنَا إِلَى الحُسْنَى، وَرَقَّ كَلامُنَا ... ورُضْتُ، فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إِذْلالِ!!

و"راض الدابة أو غيرها يروضها": وطأها وذللها وعلمها السير.]]

إذ كان في"رضت" معنى"أذللت"، فخرج"الإذلال" مصدرا من معناه لا من لفظه. [[انظر ما سلف ٥: ٥٣٣، ٥٣٤. هذا وقد سلف في ٥: ٢٨٢، ٢٨٣، "يقرض الله قرضا حسنا"، فلم يستوف الكلام هناك. وهذا باب من أبواب اختصار أبي جعفر تفسيره.]]

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك بني إسرائيل، يقول لهم جل ثناؤه: لئن أقمتم الصلاة، أيها القوم الذين أعطوني ميثاقَهم بالوفاء بطاعتي واتباع أمري، وآتيتم الزكاة، وفعلتم سائرَ ما وعدتكم عليه جنّتي="لأكفرن عنكم سيئاتكم"، يقول: لأغطين بعفوي عنكم- وصفحي عن عقوبتكم، على سالف أجرامكم التي أجرمتموها فيما بيني وبينكم [[سياق الجملة: "لأغطين بعفوي عنكم.. على ذنوبكم.."]] - على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم [[انظر تفسير"التكفير" و"السيئات" فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (كفر) و (سوأ) .]]

="ولأدخلنكم" مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة="جنات تجري من تحتها الأنهار".

* *

فـ"الجنات" البساتين. [[انظر تفسير"الجنات" فيما سلف من فهارس اللغة (جنن) .]]

* *

وإنما قلت معنى قوله:"لأكفرّن" لأغطين، لأن"الكفر" معناه الجحود، والتغطية، والستر، كما قال لبيد:

فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا [[سلف البيت وتمامه وتخريجه في ١: ٢٥٥.]]

يعني:"غطاها"، فـ"التكفير""التفعيل" من"الكَفْر".

* *

واختلف أهل العربية في معنى"اللام" التي في قوله:"لأكفرن".

فقال بعض نحويي البصرة:"اللام" الأولى على معنى القسم= يعني"اللام" التي في قوله:"لئن أقمتم الصلاة" قال: والثانية معنى قسمٍ آخر.

* *

وقال بعض نحويي الكوفة: بل"اللام" الأولى وقعت موقع اليمين، فاكتفى بها عن اليمين= يعني بـ"اللام الأولى":"لئن أقمتم الصلاة". قال، و"اللام" الثانية= يعني قوله:"لأكفرنّ عنكم سيئاتكم"= جواب لها، يعني"اللام" التي في قوله:"لئن أقمتم الصلاة" واعتلّ لقيله ذلك بأن قوله:"لئن أقمتم الصلاة" غير تام ولا مستغنٍ عن قوله:"لأكفرن عنكم سيئاتكم". وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز أن يكون قوله:"لأكفرنّ عنكم سيئاتكم" قسما مبتدأ، بل الواجب أن يكون جوابًا لليمين إذْ كانت غير مستغنية عنه.

* *

وقوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ يقول: تجري من تحت أشجار هذه البساتين التي أدخلكموها الأنهار.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: فمن جحد منكم، يا معشر بني إسرائيل، شيئا مما أمرته به فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي="فقد ضلَّ سواء السبيل" يقول: فقد أخطأ قصدَ الطريق الواضح، وزلَّ عن منهج السبيل القاصد.

* *

"والضلال"، الركوب على غير هدى، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. [[انظر تفسير"الضلال" فيما سلف ٢: ٤٩٥، ٤٩٦/٦: ٦٦، ٥٨٤، ومواضع غيرها، التمسها في فهارس اللغة.]]

* *

وقوله"سواء" يعني به: وسط=: و"السبيل"، الطريق.

* *

وقد بيَّنا تأويل ذلك كله في غير هذا الموضع، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"سواء السبيل" فيما سلف ٢: ٤٩٦، ٤٩٧، وفهارس اللغة في (سوى) و (سبل) .]]

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾

قال أبو جفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، لا تعجبن من هؤلاء اليهود الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك، ونكثوا العهدَ الذي بينك وبينهم، غدرًا منهم بك وبأصحابك، فإن ذلك من عاداتهم وعادات سَلَفهم، ومن ذلك أنَّي أخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى ﷺ على طاعتي، وبعثت منهم اثنى عشر نقيبًا وقد تُخُيِّرُوا من جميعهم ليتحسَّسُوا أخبار الجبابرة، ووعدتهم النصرَ عليهم، وأن أورثهم أرضَهم وديارهم وأموالهم، بعد ما أريتهم من العِبَر والآيات- بإهلاك فرعون وقومِه في البحر، وفلق البحر لهم، وسائر العبر- ما أريتهم، [[السياق: "بعد ما أريتهم من العبر والآيات.. ما أريتهم"، وما بين الخطين فصل مفسر.]] فنقضوا مِيثاقهم الذي واثقوني ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم. فإذْ كان ذلك من فعل خيارهم مع أياديَّ عندهم، فلا تستنكروا مثله من فعل أرَاذلهم.

* *

=وفى الكلام محذوف اكتُفِي بدلالة الظاهر عليه، وذلك أن معنى الكلام:"فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل"- فنقضوا الميثاق، فلعنتهم="فبما نقضْهم ميثاقهم لعناهم" فاكتفى بقوله:"فبما نقضهم ميثاقهم" من ذكر"فنقضوا". [[انظر تفسير"النقص" فيما سلف ٩: ٣٦٣.]]

* *

ويعني بقوله جل ثناؤه:"فبما نقضهم ميثاقهم"، فبنقضهم ميثاقهم، كما قال قتادة.

١١٥٨٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم" يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم. [[الأثر: ١١٥٨٤- في المطبوعة والمخطوطة: "حدثنا كثير، قال حدثنا يزيد"، وهو خطأ، وهو إسناد دائر في التفسير.]]

١١٥٨٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"فبما نقضهم ميثاقهم" قال: هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه.

* *

وقد ذكرنا معنى"اللعن" في غير هذا الموضع. [[انظر تفسير"اللعن" فيما سلف ٩: ٢١٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

و"الهاء والميم" من قوله:"فبما نقضهم" عائدتان على ذكر بني إسرائيل قبل.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهلِ المدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة: ﴿قَاسِيَةً﴾ بالألف=

* *

=على تقدير"فاعلة" من"قسوة القلب"، من قول القائل:"قَسَا قلبه، فهو يقسُو وهو قاسٍ"، وذلك إذا غلظ واشتدّ وصار يابسًا صلبًا [[انظر تفسير"القسوة" فيما سلف ٢: ٢٣٣.]] كما قال الراجز: وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي [[مر تخريجه فيما سلف ٢: ٢٣٣، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٨.]]

* *

=فتأويل الكلام على هذه القراءة: فلعنَّا الذين نقضوا عهدي ولم يفُوا بميثاقي من بني إسرائيل، بنقضهم ميثاقهم الذي واثقوني="وجعلنا قلوبهم قاسية"، غليظة يابسةً عن الإيمان بي، والتوفيق لطاعتي، منزوعةً منها الرأفةُ والرحمة.

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً﴾ .

* *

ثم اختلف الذين قرأوا ذلك كذلك في تأويله.

فقال بعضهم: معنى ذلك معنى"القسوة"، لأن"فعيلة" في الذم أبلغ من"فاعلة"، فاخترنا قراءتها"قسية" على"قاسية" لذلك.

* *

وقال آخرون منهم: بل معنى"قسِيَّة" غير معنى"القسوة"، وإنما"القسية" في هذا الموضع: القلوبُ التي لم يخلص إيمانها بالله، ولكن يخالط إيمانها كُفْر، كالدراهم"القَسِيَّة"، وهي التي يخالط فضّتها غشٌّ من نحاس أو رَصاص وغير ذلك، كما قال أبو زُبَيْد الطائي:

لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلامِ كَمَا ... صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيارِيفِ [[المعاني الكبير: ١٠٢٤، ١٠٢٥، وأمالي القالى ١: ٢٨، وسمط اللآلئ: ١٢٨، ٩٣١، واللسان (أمر) (صهل) من قصيدته في رثاء أمير المؤمنين المقتول ظلمًا، ذي النورين عثمان بن عفان، يقول فيها: يَا لَهْفَ نَفْسِي إنْ كَانَ الَّذِي زَعَمُوا ... حَقًّا، وَمَاذَا يَرُدُّ الْيَومَ تَلْهِيفِي!!

إِنْ كَانَ عُثْمَانُ أَمْسَى فَوْقَهُ أَمَرٌ ... كَرَاقِبِ العُونِ فَوْقَ القُنَّةِ المُوفِي

"الأمر" (بفتحتين) : الحجارة. و"العون" جمع"عانة"، وهي حمر الوحش."وراقب العون": الفحل الذي يحوطها ويحرسها على مربأة عالية، ينتظر مغيب الشمس فيرد بها الماء.

ثم يقول بعد ذلك: يَا بُؤْسَ لْلأرْضِ، مَا غَالَتْ غَوَائِلُهَا ... مِنْ حُكْمِ عَدْلٍ وَجُودٍ غَيْرِ مَكْفُوفِ!!

على جَنَابَيْهِ مِنْ مَظَلُومَةٍ قِيَمٌ ... تَعَاوَرَتْهَا مَسَاحٍ كَالْمَنَاسِيفِ

لَهَا صَوَاهَلُ فِي صُمِّ السِّلامِ، كَمَا ... صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ

كَأنَّهُنَّ بِأَيْدِي الْقَوْمِ فِي كَبَدٍ ... طَيْرٌ تَكَشفُ عَنْ جُونٍ مَزَاحِيفِ

قوله: "جنابيه" أي: جانبيه."مظلومة": حفرت ولم تكن حفرت من قبل، يعني أرض لحده."قيم" جمع"قامة": يعني ما ارتفع من ركام تراب القبر. و"المساحي" جمع"مسحاة": وهي المجرفة من الحديد. و"المناسيف" جمع"منسفة"، وهي آلة يقلع بها البناء وينسف، أصلب وأشد من المسحاة. و"الصواهل" جمع"صاهلة" مصدر على"فاعلة"، بمعنى"الصهيل": وهو صوت الخيل الشديد، وكل صوت يشبهه. و"الصم" جمع"أصم"، يعني أنها حجارة صلبة تصهل منها المساحي. و"السلام" (بكسر السين) الصخور. و"الصياريف"هم"الصيارف"، وزاد الياء للإشباع. و"الكبد": الشدة. و"الجون": السود. و"مزاحيف"، تزحف من الإعياء، يعني إبلا قد هلكت من الإعياء. شبه المساحي بأيدي القوم وهم يحفرون قبره، بنسور تقع على الإبل المعيية، ثم تنهض، ثم تعود فتسقط عليها. وكان قبر عثمان في حرة المدينة ذات الحجارة السود، فلذلك قال: "عن جون مزاحيف".]] يصف بذلك وقع مَسَاحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي"السِّلام".

* *

قال أبو جعفر: وأعجبُ القراءتين إليّ في ذلك، قراءة من قرأ: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً﴾ على"فعيلة"، لأنها أبلغ في ذم القوم من"قاسية". وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوله:"فعيلة" من"القسوة"، كما قيل:"نفس زكيّة" و"زاكية"، و"امرأة شاهدة" و"شهيدة"، لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقَهم وكفرِهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأنّ إيمانها يخالطه كفر، كالدراهم القَسِيَّة التي يخالط فضَّتها غشٌّ.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودَنا من بني إسرائيل قَسِيَّة، منزوعا منها الخير، مرفوعًا منها التوفيق، فلا يؤمنون ولا يهتدون، فهم لنزعِ الله عز وجل التوفيقَ من قلوبهم والإيمانَ، يحرّفون كلام ربِّهم الذي أنزله على نبيهم موسى ﷺ، وهو التوراة، فيبدّلونه، ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله جل وعز على نبيهم، ثم يقولون لجهال الناس: [[في المطبوعة: "ويقولون"، وأثبت ما في المخطوطة.]] "هذا هو كلام الله الذي أنزله على نبيه موسى ﷺ، والتوراة التي أوحاها إليه". [[انظر تفسير"تحريف الكلم عن مواضعه" فيما سلف ٢: ٢٤٨/٨: ٤٣٠-٤٣٢.]] وهذا من صفة القرون التي كانت بعد موسى من اليهود، ممن أدرك بعضُهم عصرَ نبينا محمد ﷺ، ولكن الله عزّ ذكره أدخلهم في عِدَاد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرَك موسى منهم، إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم في الكذب على الله، والفرية عليه، ونقض المواثيق التي أخذها عليهم في التوراة، كما:-

١١٥٨٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"يحرّفون الكلم عن مواضعه" يعني: حدود الله في التوراة، ويقولون: إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله:"ونسوا حظًّا" وتركوا نصيبا، وهو كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٧] أي: تركوا أمر الله فتركهم الله. [[انظر تفسير"النسيان" فيما سلف ٢: ٩، ٤٧٦/٥: ١٦٤/٦: ١٣٣- ١٣٥.]]

* *

وقد مضى بيان ذلك بشواهده في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته. [[انظر التعليق السالف، وتفسير"حظ" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٨٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ونسوا حظًّا مما ذكروا به" يقول: تركوا نصيبًا.

١١٥٨٨ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله:"ونسوا حظًّا مما ذكروا به" قال: تركوا عُرَى دينهم، ووظائفَ الله جل ثناؤه التي لا تُقْبل الأعمال إلا بها. [["الوظائف" جمع"وظيفة"، وهي من كل شيء، ما يقدر له في كل يوم من رزق أو طعام أو علف أو شراب. ثم قالوا: "وظف الشيء على نفسه توظيفا"، أي: ألزمها إياه، وقالوا: "عليه كل يوم وظيفة من عمل"، أي: ما ألزم عمله في يومه هذا. وعنى الحسن بقوله"وظائف الله"، فروضه التي ألزمها عباده في الإيمان به، وطاعته، وإخلاص النية له سبحانه. وهذا حرف ينبغي تقييده في كتب اللغة، من كلام الحسن رضي الله عنه.]]

..............................................

................................................ [[وضعت هذه النقط دلالة على سقط أو خرم في نسخ ناسخ المخطوطة. وذلك أنه كتب في أول تفسير هذا الجزء من الآية: "ونسوا حظًا"، ثم ساق كلام أبي جعفر إلى آخر الخبر رقم: ١١٥٨٨.

ثم بدأ بعد ذلك هكذا: "القول في تأويل قوله عز ذكره: "مما ذكروا به" = ثم ساق تفسير الجزء التالي من الآية، وهو: "ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم". ولم يكتب هذا الجزء من الآية، والتفسير تفسيرها. فاتضح من ذلك أن الناسخ نسى تفسير"مما ذكروا" فسقط منه. ولم يذكر الآية التي يفسرها كلام أبي جعفر.

هذا، وانظر معنى"التذكير" فيما سلف ٥: ٥٨٠/٦: ٦٢-٦٥، ٢١١.]]

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ﴾

قال أبو جعفر: يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد ﷺ: ولا تزال يا محمد تَطَّلع من اليهود= الذين أنبأتك نبأهم، من نقضهم ميثاقي، ونكثهم عهدي، مع أياديَّ عندهم، ونعمتي عليهم= على مثل ذلك من الغدر والخيانة="إلا قليلا منهم"، إلا قليلا منهم [لم يحزنزا] . [[في المطبوعة، وقف عند قوله: "إلا قليلا منهم"، وأسقط: "إلا قليلا منهم لم يخونوا". وفي المخطوطة سقط من الناسخ"لم يخونوا" فكتب"إلا قليلا منهم، إلا قليلا منهم". واستظهرت"لم يخونوا"ووضعتها بين قوسين، من قوله بعد: إنه استثناء من الهاء والميم في"خائنة منهم".]]

* *

و"الخائنة" في هذا الموضع: الخيانة، وُضع وهو اسمٌ- موضع المصدر، كما قيل:"خاطئة"، للخطيئة [[في المطبوعة: "خاطئة، للخطأة"، كأنه استنكرها، وسيأتي في تفسير أبي جعفر ٢٩: ٣٣ (بولاق) في تفسير قوله تعالى: "والموتفكات بالخاطئة"، قال، "بالخاطئة، يعني بالخطيئة". وهكذا كتب أبو جعفر كما ترى، وإن كان لا يعجبني هذا التمثيل، بل كنت أوثر أن يقول إنه مصدر جاء على فاعلة، مثل"العافية". إلا أن يكون أبو جعفر أراد أن"الخطيئة" مصدر على"فعيلة" كالشبيبة والفضيحة، وأشباهها، وهي قليلة.]] و"قائلة" للقيلولة.

* *

وقوله:"إلا قليلا منهم"، استثناء من"الهاء والميم" اللتين في قوله:"على خائنة منهم".

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٨٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولا تزال تطلع على خائنة منهم" قال: على خيانة وكذب وفجور.

١١٥٩٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعزّ:"ولا تزال تطلع على خائنة منهم" قال: هم يهودُ مِثْلُ الذي هموا به من النبي ﷺ يوم دخل حائطهم.

١١٥٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

١١٥٩٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد وعكرمة قوله:"ولا تزال تطلع على خائنة منهم" من يهود مثلُ الذي همُّوا بالنبي ﷺ يوم دخل عليهم.

* *

وقال بعض القائلين: [[ما أشد استنكار أبي جعفر لمقالات أبي عبيدة معمر بن المثنى، حتى يذكره مجهلا بأساليب مختلفة!! وهذا الآتي هو نص كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ١٥٨.]] معنى ذلك: ولا تزال تطلع على خائن منهم، قال: والعرب تزيد"الهاء" في آخر المذكر كقولهم:"هو راوية للشعر"، و"رجل علامة"، وأنشد: [[هو رجل من السواقط، من بني أبي بكر بن كلاب. و"السواقط" هم الذين يردون اليمامة لامتياز التمر.]]

حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالوَفَاءِ ولَمْ تَكُنْ ... لِلغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ [[الكامل للمبرد ١: ٢١١، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٥٨، وإصلاح المنطق: ٢٩٥، واللسان (صبع) (غلل) (خون) . وهذا من شعر له خبر. وذلك أن هذا الشاعر لما ورد اليمامة كان معه أخ له جميل، فنزل جارا لعمير بن سلمى، فقال قرين أخو عمير للكلابي: "لا تردن أبياتنا بأخيك هذا"، مخافة جماله، فرآه قرين بين أبياتهم بعد، وأخوه عمير غائب، فقتله. فجاء الكلابي قبر سلمى (أبي عمير، وقرين) فاستجار به وقال: وَإِذَا اسْتَجَرْتَ مِنَ الْيَمَامَةِ فَاسْتَجِرْ ... زَيْدَ بن يَرْبُوعٍ وَآلَ مُجَمِّعِ

وَأَتَيْتُ سُلْمِيَّا فَعُذْتُ بِقَبْرِهِ ... وَأَخُو الزَّمَانَةِ عَائِذٌ بِالأمْنَعِ

أَقَرِينُ إِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ فَوَارِسِي ... بِعَمَايَتَيْنَ إِلَى جَوَانِبِ ضَلْفَعِ

حَدَّثْتَ نَفْسَك.................. ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فلجأ قرين إلى وجوه بني حنيفة (وهم زيد بن يربوع، وآل مجمع) ، فحملوا إلى الكلابي ديات مضاعفة، فأبى أن يقبلها. فلما قدم عمير، فقالت له أمه: "لا تقتل أخاك، وسق إلى الكلابي جميع ماله"، فأبى الكلابي أن يقبل. فأخذ عمير أخاه قرينًا فقتله، وقال: قَتَلْنَا أَخَانَا لِلْوَفَاءِ بِجَارِنَا ... وَكَانَ أَبُونَا قَدْ تُجِيرُ مَقابِرُهْ

وقالت أم عمير لعمير: تَعُدُّ مَعَاذِرًا لا عُذْرَ فِيهَا ... وَمَنْ يَقْتُلْ أَخَاهُ فَقَدْ أَلاَمَا

وقوله: "أخو الزمانة"، هي العاهة، يريد ضعفه عن درك ثأره. و"عمايتان" و"ضلفع" مواضع من بلاد هذا الكلابي. وقوله"مغل الإصبع"، كناية عن الخيانة والسرقة."أغل يغل": خان الأمانة خلسة. ويقول بعضهم: "مغل الإصبع"، منصوب على النداء.]] فقال:"خائنة"، وهو يخاطب رجلا.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من التأويل في ذلك، القولُ الذي رويناه عن أهل التأويل. لأنّ الله عنى بهذه الآية، القوم من يهود بني النضير الذين همُّوا بقتل رسول الله ﷺ وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية العامريّين، فأطلعه الله عز ذكره على ما قد همُّوا به. ثم قال جل ثناؤه بعد تعريفِه أخبار أوائلهم، وإعلامه منهج أسلافهم، وأنَّ آخرهم على منهاج أوّلهم في الغدر والخيانة، لئلا يكبُر فعلُهم ذلك على نبيّ الله ﷺ، فقال جل ثناؤه: ولا تزال تطَّلع من اليهود على خيانة وغدرٍ ونقضِ عهد= ولم يرد أنّه لا يزال يطلع على رجل منهم خائنٍ. وذلك أن الخبر ابتُدِئ به عن جماعتهم فقيل:"يا أيها الذين آمنوا اذكرُوا نعمة الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم"، ثم قيل:"ولا تزال تطلع على خائنة منهم"، فإذ كان الابتداء عن الجماعة، فالختْمُ بالجماعة أولى. [[في المطبوعة: "فلتختم بالجماعة أولى"، ولست أدري فيم يغير الصواب المستقيم!]]

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذ أمر من الله عز ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ بالعفو عن هؤلاء القوم الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود. يقول الله جل وعز له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين همُّوا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم، فإني أحب من أحسنَ العفو والصَّفح إلى من أساء إليه. [[انظر تفسير"العفو" فيما سلف من فهارس اللغة = وتفسير"الصفح" فيما سلف ٢: ٥٠٣ = وتفسير"المحسنين"، فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

وكان قتادة يقول: هذه منسوخة. ويقول: نسختها آية"براءة": ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية [سورة التوبة: ٢٩] .

١١٥٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فاعف عنهم واصفح"، قال: نسختها: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ .

١١٥٩٤ - حدثني المثني قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا همام، عن قتادة:"فاعف عنهم واصفح إنّ الله يحب المحسنين"، ولم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله عز ذكره أن يعفو عنهم ويصفح. ثم نسخ ذلك في"براءة" فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة: ٢٩] ، وهم أهل الكتاب، فأمر الله جل ثناؤه نبيَّه ﷺ أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يقرُّوا بالجزية.

١١٥٩٥ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال، قرأت على ابن أبي عروبة، عن قتادة، نحوه.

* *

قال أبو جعفر: والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانهُ، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر، هو ما كان نافيًا كلَّ معاني خلافهِ الذي كان قبله، فأمَّا ما كان غير نافٍ جميعَه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جل وعز أو من رسوله ﷺ. وليس في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ دلالةٌ على الأمر بنفي معاني الصَّفح والعفو عن اليهود.

وإذ كان ذلك كذلك= وكان جائزًا مع إقرارهم بالصَّغار وأدائهم الجزية بعد القتال، الأمرُ بالعفو عنهم في غَدْرة همُّوا بها، أو نكثةٍ عزموا عليها، ما لم يَنْصِبُوا حربًا دون أداء الجزية، [[في المطبوعة: "ما لم يصيبوا حربًا"، والصواب المحض من المخطوطة. يقال: "نصب له الحرب نصبًا": وضعها وأظهرها، وأعلنها. و"ناصبه الحرب والعداوة": أي أظهرها ولج في إظهارها.]] ويمتنعوا من الأحكام اللازمَتِهم [[في المطبوعة: "اللازمة منهم"، غير صواب المخطوطة، إلى ما درج عليه كلام أمثاله، وقد مضى مثل ذلك مرارًا، ومضى مثل ذلك من فعل الناشر.]] = لم يكن واجبا أن يحكم لقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية، بأنه ناسخ قوله:"فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين".

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وأخذنا من النصارى الميثاقَ على طاعتي وأداء فرائضي، واتباع رسلي والتصديق بهم، فسلكوا في ميثاقي الذي أخذتُه عليهم منهاج الأمة الضالة من اليهود، فبدلوا كذلك دينَهم، ونقضوه نقضَهم، [[في المطبوعة: "ونقضوا"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وتركوا حظّهم من ميثاقي الذي أخذته عليهم بالوفاء بعهدي، وضيَّعوا أمري، [[انظر تفسير"أخذ الميثاق" فيما سلف ص: ١١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك= وتفسير"النسيان" و"الحظ" فيما سلف ص: ١٢٩، تعليق: ٣، ٤، والمراجع هناك= وتفسير"التذكير" فيما سلف ص: ١٣٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما:-

١١٥٩٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًّا مما ذكروا به"، نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهدَ الله الذي عهده إليهم، وأمرَ الله الذي أمرهم به.

١١٥٩٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قالت النصارى مثل ما قالت اليهود، ونسوا حظًّا مما ذكروا به.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فأغرينا بينهم" حرّشنا بينهم وألقينا، كما تغري الشيء بالشيء.

يقول جل ثناؤه: لما ترك هؤلاء النصارى، الذين أخذتُ ميثاقهم بالوفاء بعهدي، حظَّهم مما عهدتُ إليهم من أمري ونهيي، أغريتُ بينهم العداوة والبغضاء.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في صفة"إغراء الله عز ذكره بينهم العداوة، والبغضاء". [[انظر تفسير"البغضاء" فيما سلف ٧: ١٤٦.]]

فقال بعضهم: كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حَدَثت بينهم.

ذكر من قال ذلك:

١١٥٩٨ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي في قوله:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء"، قال: هذه الأهواء المختلفة والتباغُض، فهو الإغراء.

١١٥٩٩ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب قال: سمعت النخعي يقول:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء"، قال: أغرى بعضهم ببعض بخصُومات بالجدال في الدين.

١١٦٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي والتّيمي، قوله:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء"، قال: ما أرى"الإغراء" في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة= وقال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تُحْبِط الأعمال.

* *

وقال آخرون: بل ذلك هو العداوة التي بينهم والبغضاء.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٠١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" الآية، إنّ القوم لما تركوا كتابَ الله، وعصَوْا رسله، وضَيّعوا فرائضه، وعطّلوا حدُوده، ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، بأعْمالهم أعمالِ السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمرَه، ما افترقوا ولا تباغَضُوا.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأولين في ذلك عندنا بالحق، تأويلُ من قال:"أغرى بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم"، كما قال إبراهيم النخعي، لأن عداوة النصارى بينَهم، إنما هي باختلافهم في قولهم في المسيح، وذلك أهواءٌ، لا وحيٌ من الله.

* *

واختلف أهل التأويل في المعنيِّ بـ"الهاء والميم" اللتين في قوله:"فأغرينا بينهم".

فقال بعضهم: عني بذلك اليهود والنصارى. فمعنى الكلام على قولِهم وتأويلهم: فأغرينا بين اليهود والنصارى، لنسيانهم حظًّا مما ذكّروا به.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٠٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: وقال في النصارى أيضا:"فنسوا حظًّا مما ذكروا به"، فلما فعلوا ذلك، أغرى الله عز وجل بينَهم وبين اليهود العداوةَ والبغضاءَ إلى يوم القيامة.

١١٦٠٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة"، قال: هم اليهود والنصارى. قال ابن زيد: كما تُغْري بين اثنين من البهائم.

١١٦٠٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء"، قال: اليهود والنصارى.

١١٦٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١١٦٠٦ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة قال: هم اليهود والنصارى، أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.

* *

وقال آخرون: بل عنى الله بذلك النصارَى وحدَها. وقالوا: معنى ذلك: فأغرينا بين النصارى، عقوبةً لها بنسيانها حظًّا مما ذكرت به. قالوا: وعليها عادت "الهاء والميم" في"بينهم"، دون اليهود.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٠٧ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، [[في المطبوعة والمخطوطة: "عبيد الله بن أبي جعفر"، والصواب"عبد الله" كما أثبته، وهو"عبد الله بن أبي جعفر الرازي"، مضى مئات من المرات في الأسانيد السالفة.]] عن أبيه، عن الربيع قال: إن الله عز ذكره تقدَّم إلى بني إسرائيل: أن لا تشتروا بآيات الله ثمنًا قليلا وعلموا الحكمة ولا تأخذوا عليها أجرًا، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذُوا الرّشوة في الحكم، وجاوزوا الحدود، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة المائدة: ٦٤] ، وقال في النصارى:"فنسوا حظًّا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة".

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأولين بالآية عندي ما قاله الربيع بن أنس، وهو أنّ المعنيّ بالإغراء بينهم، النصارى، في هذه الآية خاصة= وأنّ"الهاء والميم" عائدتان على النصارى دون اليهود، لأن ذكر"الإغراء" في خبر الله عن النصارى، بعد تقضِّي خبره عن اليهود، وبعد ابتدائه خبَره عن النصارى، فلأنْ يكون ذلك معنيًّا به النصارى خاصًّة، [[في المطبوعة: "فأن لا يكون ذلك معنيا به إلا النصارى خاصة"، وهو كلام بريء من العربية. وفي المخطوطة: "فلا يكون ذلك معنيا به إلا النصارى خاصة"، وهو مثله، ولكنه سهو من الناسخ وغفلة، أخطأ فكتب"فلأن يكون""فلا يكون"، ثم زاد"إلا". وهذا كله فساد، صوابه ما أثبت.]] أولى من أن يكون معنيًّا به الحزبان جميعًا، لما ذكرنا.

* *

فإن قال قائل: وما العداوة التي بين النصارى، فتكون مخصوصة بمعنى ذلك؟ قيل: ذلك عداوة النسطوريةِ واليعقوبيةِ، والملكيةَ= والملكيةِ النسطوريةَ واليعقوبيةَ. [[في المطبوعة: "ذلك عداوة النسطورية واليعقوبية والملكية النسطورية واليعقوبية". وهو كلام خال من المعنى، صوابه من المخطوطة. يعني عداوة هؤلاء لهؤلاء= وعداوة هؤلاء لهؤلاء.]] وليس الذي قاله من قال:"معنيٌّ بذلك: إغراء الله بين اليهود والنصارى" ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي، وأشبهُ بتأويل الآية، لما ذكرنا.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمَّد ﷺ: اعفُ عن هؤلاء الذين همُّوا ببسط أيديهم إليك وإلى أصحابك واصفح، فإن الله عز وجل من وراء الانتقام منهم، وسينبئهم الله عند ورودهم عليه في معادهم، بما كانوا في الدنيا يصنعون، من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديلهم كتابه، وتحريفهم أمره ونهيه، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره لجماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ:"يا أهل الكتاب" من اليهود والنصارى="قد جاءكم رسولنا"، يعني محمّدا ﷺ، كما:-

١١٦٠٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا"، وهو محمد ﷺ.

* *

وقوله:"يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب"، يقول: يبين لكم محمّد رسولنا، كثيرًا مما كنتم تكتمونه الناسَ ولا تُبينونه لهم ممّا في كتابكم. وكان مما يخفونه من كتابهم فبيَّنه رسولُ الله ﷺ للناس: رَجْمُ الزَّانيين المحصنين.

* *

وقيل: إن هذه الآية نزلت في تبيين رسول الله ﷺ ذلك للناس، من إخفائهم ذلك من كتابهم.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٠٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال، من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب. قوله:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسوُلنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب"، فكان الرجمُ مما أخفوا. [[الأثر: ١١٦٠٩-"يحيى بن واضح"، أبو تميلة، مضى مرارا، منها: ٣٩٢.

و"الحسين بن واقد المروزي"، ثقة. مضى برقم: ٤٨١، ٦٣١١.

و"يزيد النحوي"، هو"يزيد بن أبي سعيد النحوي المروزي"، ثقة، مضى برقم: ٦٣١١. وهذا إسناد صحيح، وسيأتي تخريجه في الأثر التالي.]] .

١١٦١٠ - حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبَّويه، أخبرنا علي بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله. [[الأثر: ١١٦١٠-"عبد الله بن أحمد بن شبويه الخزاعي"، ثقة مضى برقم: ١٩٠٩، ٤٦١٢، ٤٩٢٣.

و"علي بن الحسن بن شقيق بن دينار"، ثقة، من شيوخ أحمد، مضى برقم: ١٥٩١، ١٩٠٩، ٩٩٥١، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا: "علي بن الحسين"، وهو خطأ محض.

وهذا إسناد صحيح أيضا، مكرر الذي قبله. وهذا الخبر أخرجه الحاكم في المستدرك ٤: ٣٥٩ من طريق علي بن الحسن بن شقيق، بمثله، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٦٩، وزاد نسبته إلى ابن الضريس، والنسائي، وابن أبي حاتم.

فائدة: راجع أحاديث الرجم فيما سيأتي برقم ١١٩٢١-١١٩٢٤.]] .

١١٦١١ - حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم"، إلى قوله:"صراط مستقيم"، قال: إنّ نبيّ الله أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيتٍ، قال: أيُّكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صُوريا، فقال: أنت أعلمهم؟ قال، سل عما شئت، قال،"أنت أعلمهم؟ " قال: إنهم ليزعمون ذلك! قال: فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطُّور، وناشده بالمواثيق التي أُخذت عليهم، حتى أخذه أفْكَل، [["أفكل" (علي وزن أفعل) : رعدة تعلو الإنسان من برد أو خوف أو غيرهما، وليس له فعل، وأنشد ابن بري: بِعَيْشِكِ هَاتِي فَغَنِّي لَنَا ... فَإِنَّ نَدَامَاكِ لَمْ يَنْهَلُوا

فَبَاتَتْ تُغَنِّي بِغِرْبَالِهَا ... غِنَاء رُوَيْدًا لَهُ أفْكَلُ]] فقال: إن نساءنا نساء حسان، فكثر فينا القتل، فاختصرنا أُخصورةً، [[قوله: "فاختصرنا أخصورة"، هكذا جاءت في المخطوطة أيضا. وفي تفسير أبي حيان ٣: ٤٤٧"فاختصرنا فجلدنا مئة مئة"، وحذف"أخصورة". ولم أجد لها في اللغة ذكرًا، بمعنى: شيئًا من الاختصار. والذي في الكتب"الخصيري" (بضم الخاء وفتح الصاد وسكون الياء بعدها راء مفتوحة) ، وهي: حذف الفضول من كل شيء، مثل"الاختصار". فلعل صواب العبارة: "فاختصرنا خصيري"، أي اختصارا من حكم الرجم. وتركت ما في المطبوعة والمخطوطة، مخافة أن يكون في الكلمة تحريف لم أهتد إليه.]] فجلدنا مئة، وحلقنا الرءوس، وخالفنا بين الرءوس إلى الدواب [[في تفسير أبي حيان"وخالفنا بين الرءوس على الدبرات"، وكأنه خطأ.]] = أحسبه قال: الإبل= قال: فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله فيهم:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيين لكم"، الآية= وهذه الآية: (وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) [سورة البقرة: ٧٦] . [[الأثر: ١١٦١١- في هذا الأثر، ذكر سبب نزول آية"سورة البقرة": ٧٦، ولم يذكره أبو جعفر في تفسير الآية هناك (٢: ٢٥٠-٢٥٤) ، مع أنه يصلح أن يكون وجهًا آخر في تفسير الآية، وأن يكون مرادًا بها"الرجم". فهذا دليل آخر على اختصار أبي جعفر تفسيره، وهو أيضا وجه من وجوه منهجه في اختصاره.]]

* *

وقوله:"ويعفو عن كثير" يعني بقوله:"ويعفو"، ويترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم الذي أنزله الله إليكم، وهو التوراة، فلا تعملون به حتى يأمره الله بأخذكم به. [[انظر تفسير"العفو" فيما سلف من فهارس اللغة.]] .

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب:"قد جاءكم"، يا أهل التوراة والإنجيل="من الله نور"، يعني بالنور، محمدًا ﷺ الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق. ومن إنارته الحق، تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب. [[انظر تفسير"نور" فيما سلف ٩: ٤٢٨.]]

* *

وقوله:"وكتاب مبين"، يقول: جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحقِّ،="وكتاب مبين"، يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ، يبين للناس جميع ما بهم الحاجةُ إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله. [[انظر تفسير"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾

قال أبو جعفر: يعني عز ذكره: يهدي بهذا الكتاب المبين الذي جاء من الله جل جلاله= ويعني بقوله:"يهدي به الله"، يرشد به الله ويسدِّد به، [[انظر تفسير"يهدي" فيما سلف من فهارس اللغة.]] = و"الهاء" في قوله:"به" عائدة على"الكتاب"="من اتبع رضوانه"، يقول: من اتبع رِضَى الله. [[انظر تفسير"الرضوان" فيما سلف ٦: ٢٦٢/٩: ٤٨٠.]]

* *

واختلف في معنى"الرضى" من الله جل وعز.

فقال بعضهم: الرضى منه بالشيء"، القبول له والمدح والثناء. قالوا: فهو قابل الإيمان، ومُزَكّ له، ومثنٍ على المؤمن بالإيمان، وواصفٌ الإيمانَ بأنه نور وهُدًى وفصْل. [[في المطبوعة والمخطوطة: "وفضل" بالضاد المعجمة، و"الفصل" هنا هو حق المعنى، لأنه يفصل بين الحق والباطل.]]

* *

وقال آخرون: معنى"الرضى" من الله جل وعز، معنى مفهوم، هو خلاف السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني:"الرضى" الذي هو خلاف السخط، وليس ذلك بالمدح، لأن المدح والثناء قولٌ، وإنما يثنى ويمدح ما قد رُضِي. قالوا: فالرضا معنًى، و"الثناء" و"المدح" معنًى ليس به.

* *

ويعني بقوله:"سُبُل السلام"، طرق السلام [[انظر تفسير"سبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.]] = و"السلام"، هو الله عزَّ ذكره.

١١٦١٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"من اتبع رضوانه سبل السلام"، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: يهدي الله بهذا الكتاب المبين، من اتبع رضوان الله إلى سبل السلام وشرائع دينه="ويخرجهم"، يقول: ويخرج من اتبع رضوانه= و"الهاء والميم" في:"ويخرجهم" إلى من ذُكر="من الظلمات إلى النور"، يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه [[انظر تفسير"من الظلمات إلى النور" فيما سلف ٥: ٤٢٤-٤٢٦.]] ="بإذنه"، يعني: بإذن الله جل وعز. و"إذنه في هذا الموضع: تحبيبه إياه الإيمان برفع طابَع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سُبُل السّلام. [[انظر تفسير"الإذن" فيما سلف ٨: ٥١٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني عز ذكره بقوله:"ويهديهم"، ويرشدهم ويسددهم [[انظر تفسير"يهدي" في فهارس اللغة.]] ="إلى صراط مستقيم"، يقول: إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه. [[انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف ٨: ٥٢٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾

قال أبو جعفر: هذا ذمٌّ من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية، الذين ضلُّوا عن سبل السلام= واحتجاجٌ منه لنبيه محمد ﷺ في فِرْيتهم عليه بادّعائهم له ولدًا.

يقول جل ثناؤه: أقسم، لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم= و"كفرهم" في ذلك، تغطيتهم الحقّ في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادِّعائهم أن المسيح هو الله، فرية وكذبًا عليه. [[انظر تفسير"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

وقد بينا معنى:"المسيح" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"المسيح" فيما سلف ٩: ٤١٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] .

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه، لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، للنصارى الذين افتروا عليّ، وضلُّوا عن سواء السبيل بقيلهم: إنّ الله هو المسيح ابن مريم:"من يملك من الله شيئًا"، يقول: من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جل وعز شيئا، فيردّه إذا قضاه.

* *

= من قول القائل:"ملكت على فلان أمره"، إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرًا إلا به. [[هذا بيان قلما تصيبه في كتب اللغة.]]

* *

وقوله:"إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا"، يقول: من ذا الذي يقدر أن يرد من أمر الله شيئًا، إن شاء أن يهلك المسيح بن مريم، بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعا. [[انظر تفسير"الإهلاك" فيما سلف ٤: ٢٣٩، ٢٤٠/٩: ٤٣٠.]]

* *

يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح كما تزعمون= أنّه هو الله، وليس كذلك= لقدر أن يردَّ أمرَ الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه. وقد أهلك أمَّه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذْ نزل ذلك. ففي ذلك لكم معتَبرٌ إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم: في أن المسيح، بَشَر كسائر بني آدم، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يردُّ له أمر، بل هو الحيُّ الدائم القيُّوم الذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حي لا يموت.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

قال أبو جعفر: يعني تبارك وتعالى بذلك: والله له تصريف ما في السموات والأرض وما بينهما [[انظر تفسير"الملك" فيما سلف ٨: ٤٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = يعني: وما بين السماء والأرض= يهلك من يشاء من ذلك ويبقي ما يشاء منه، ويوجد ما أراد ويعدم ما أحبّ، لا يمنعه من شيء أراد من ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع، يُنْفِذ فيهم حكمه، ويُمضي فيهم قضاءه= لا المسيح الذي إن أراد إهلاكه ربُّه وإهلاكَ أمّه، لم يملك دفع ما أراد به ربُّه من ذلك.

* *

يقول جل وعز: كيف يكون إلهًا يُعبد من كان عاجزًا عن دفع ما أراد به غيره من السوء، وغير قادرٍ على صرف ما نزل به من الهلاك؟ بل الإله المعبود، الذي له ملك كل شيء، وبيده تصريف كل من في السماءِ والأرض وما بينهما.

* *

فقال جل ثناؤه:"وما بينهما"، وقد ذكر"السموات" بلفظ الجمع، ولم يقل:"وما بينهن"، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي:

طَرَقَا، فَتِلْكَ هَمَاهِمِي، أَقْرِيهِمَا ... قُلُصًا لَوَاقِحَ كَالقِسِيِّ وَحُولا [[من قصيدته في جمهرة أشعار العرب: ١٧٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١١٨، ١٦٠، يقول لابنته خليدة: لَمَّا رَأَتْ أَرَقِي وَطُولَ تَلَدُّدِي ... ذَاتَ الْعِشَاء وَلَيْلَيِ الْمَوْصُولا

قَالَتْ خُلَيْدَةُ: مَا عَرَاكَ، وَلَمْ تَكُنْ ... أَبَدًا إِذَا عَرَتِ الشُّئُونُ سَؤُولا

أَخُلَيْدَ، إِنَّ أَبَاكِ ضَافَ وِسَادَهُ ... هَمَّان باتَا جَنْبَةً وَدَخِيلا

طَرَقَا، فَتِلْكَ هَمَا هِي.... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

"الهماهم": الهموم. و"قلص" جمع"قلوص": الفتية من الإبل."لواقح": حوامل، جمع"لاقح". و"الحول"، جمع"حائل"، وهي الناقة التي لم تحمل سنة أو سنتين أو سنوات، وكذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل. يقول: أجعل قرى هذه الهموم، نوقًا هذه صفاتها، كأنها قسى موترة من طول أسفارها، فأضرب بها الفيافي.

والشاهد الذي أراده الطبري أنه قال: "فتلك هماهمي"، وقد ذكر قبل"همان"، ثم عاد بعد يقول: "أقريهما"، وقد قال: "فتلك هماهمي" جمعًا. وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١١٨، ١٦٠.]]

فقال:"طرقا"، مخبًرا عن شيئين، ثم قال:"فتلك هَمَاهمي"، فرجع إلى معنى الكلام.

* *

وقوله:"يخلق ما يشاء"، يقول جل ثناؤه: وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهَّار. وإنما يعني بذلك، أنّ له تدبير السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ. يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم، أيها الكذبة، أنّ المسيح إله، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرَر عن نفسه ولا عن أمه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: الله المعبودُ، هو القادر على كل شيء، والمالك كلَّ شيء، الذي لا يعجزُه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدرُ على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا = لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضُرّ نزل به من الله، ولا منْعِ أمّه من الهلاك. [[انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول.

* *

وقد ذكر عن ابن عباس تسمية الذين قالوا ذلك من اليهود.

١١٦١٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله ﷺ نعمانُ بن أضَاء [[في المطبوعة: "نعمان بن أحي، ويحرى بن عمرو.."، وفي المخطوطة: "عثمان بن أصار ويحوى بن عمرو ... "، وكلاهما خطأ، وصوابه من سيرة ابن هشام.]] وبحريّ بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلّمهم رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تُخَوّفنا، يا محمد!! نحن والله أبناء الله وأحبَّاؤه!! [[في المخطوطة: "نحن أبناء الله وأحباءه، بل أنتم بشر ممن خلق"، وهو من عجلة الناسخ لا شك في ذلك.]] = كقول النصارى، فأنزل الله جل وعز فيهم:"وقالت اليهودُ والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه"، إلى آخر الآية. [[الأثر: ١١٦١٣- سيرة ابن هشام ٢: ٢١٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١١٥٥٧.]]

* *

وكان السدي يقول في ذلك بما:

١١٦١٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه"، أما"أبناء الله"، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، [[في المخطوطة: "إلى بني إسرائيل إن ولدك من الولد فأدخلهم النار"، وهو خلط بلا معنى، صوابه ما في المطبوعة على الأرجح.]] أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [سورة آل عمران: ٢٤] . وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله. [[الأثر: ١١٦١٤- لم يمض هذا الأثر في تفسير آية سورة البقرة: ٨٠ (٢: ٢٧٤-٢٧٨) ، ولا آية سورة آل عمران: ٢٤ (٦: ٢٩٢، ٢٩٣) . وهذا أيضا من الأدلة على اختصار أبي جعفر تفسيره.]]

* *

والعرب قد تخرج الخبرَ، إذا افتخرت، مخرجَ الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحد منهم، فتقول:"نحن الأجواد الكرام"، وإنما الجواد فيهم واحدٌ منهم، وغير المتكلِّم الفاعلُ ذلك، كما قال جرير:

نَدَسْنَا أَبَا مَنْدُوسَةَ القَيْنَ بِالقَنَا ... وَمَارَ دَمٌ مِنْ جَارِ بَيْبَةَ نَاقعُ [[ديوانه: ٣٧٢، والنقائض: ٦٩٣، واللسان (بيب) (مور) (ندس) . و"ندس": طعن طعنًا خفيفًا. و"أبو مندوسة"، هو مرة بن سفيان بن مجاشع، جد الفرزذق. قتلته بنو يربوع -قوم جرير- في يوم الكلاب الأول. و"القين" لقب لرهط الفرزدق، يهجون به. و"جاربيبة"، هو الصمة بن الحارث الجشمي، قتله ثعلبة بن حصبة، وهو في جوار الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع، من رهط الفرزدق. و"مار الدم على وجه الأرض": جرى وتحرك فجاء وذهب. و"دم ناقع"، أي: طري لم ييبس.]]

فقال:"نَدَسْنَا"، وإنما النادس رجل من قوم جريرٍ غيرُه، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم. فكذا أخبر الله عزّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك، على هذا الوجه إن شاء الله.

* *

وقوله:"وأحباؤه"، وهو جمع"حبيب".

* *

يقول الله لنبيه محمد ﷺ:"قل" لهؤلاء الكذبة المفترين على ربهم="فلم يعذبكم" ربكم، يقول: فلأي شيء يعذبكم ربكم بذنوبكم، إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحبّاؤه، فإن الحبيب لا يعذِّب حبيبه، وأنتم مقرُّون أنه معذبكم؟ وذلك أن اليهود قالت: إن الله معذبنا أربعين يومًا عَدَد الأيام التي عبدنا فيها العجل، [[انظر ما سلف ٦: ٢٩٢.]] ثم يخرجنا جميعًا منها، فقال الله لمحمد ﷺ: قل لهم: إن كنتم، كما تقولون، أبناءُ الله وأحباؤه، فلم يعذبكم بذنوبكم؟ يعلمهم عز ذكره أنَّهم أهل فرية وكذب على الله جل وعز.

* *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمّدٍ ﷺ، قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه="بل أنتم بشر ممن خلق"، يقول: خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، [[انظر تفسير"بشر" فيما سلف ٦: ٥٣٨.]] إن أحسنتم جُوزيتم بإحسانكم، كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم، كما غيركم مجزيٌّ بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها.

* *

وقد بينا معنى"المغفرة"، في موضع غير هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ٢: ١٠٩، ١١٠، ثم سائر فهارس اللغة.]] .

* *

="ويعذب من يشاء" يقول: ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه، ويفضَحه بها على رءوس الأشهاد فلا يسترها عليه.

* *

وإنما هذا من الله عز وجل وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى المتّكلين على منازل سَلَفهم الخيارِ عند الله، الذين فضلهم الله جل وعز بطاعتهم إياه، واجتباهم لمسارعتهم إلى رضاه، [[في المطبوعة: "واجتنابهم معصيته لمسارعتهم"، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة، وزاد"معصيته" لتستقيم له قراءته. و"الاجتباء": الاصطفاء والاختيار.]] واصطبارهم على ما نابهم فيه. [[في المخطوطة: "إلى ما نابهم فيه"، والجيد ما في المطبوعة.]] يقول لهم: لا تغتروا بمكان أولئك مني ومنازلهم عندي، فإنهم إنما نالوا ما نالوا منّي بالطاعة لي، وإيثار رضاي على محابِّهم= [[يقول: "نالوا ما نالوا مني بالطاعة لي.. لا بالأماني". هكذا السياق.]] لا بالأماني، فجدُّوا في طاعتي، وانتهوا إلى أمري، وانزجروا عما نهيتُهم عنه، فإني إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي، وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي= [[يقول: "فإني أغفر ذنوب من أشاء.. لا لمن قربت زلفة آبائه مني"، هكذا السياق.]] لا لمن قرَّبتْ زُلْفَةُ آبائه مني، وهو لي عدوّ، ولأمري ونهيي مخالفٌ.

* *

وكان السدي يقول في ذلك بما:-

١١٦١٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء"، يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه.

* *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) ﴾

قال أبو جعفر يقول: لله تدبيرُ ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفُه، وبيده أمره، وله ملكه، [[انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف قريبا ص: ١٤٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] يصرفه كيف يشاء، ويدبره كيف أحبّ، [[في المطبوعة: "كيف أحبه"، وأثبت الجيد من المخطوطة.]] لا شريك له في شيء منه، ولا لأحدٍ معهُ فيه ملك. فاعلموا أيها القائلون:"نحن أبناء الله وأحباؤه"، أنه إن عذبكم بذنوبكم، لم يكن لكم منه مانع، ولا لكم عنه دافع، لأنه لا نسب بين أحد وبينه فيحابيه لسبب ذلك، ولا لأحد في شيء دونه ملك، فيحول بينه وبينه إن أراد تعذيبه بذنوبه، [[في المطبوعة: "بذنبه"، وفي المخطوطة: "بدونه"، ورجحت ما أثبت.]] وإليه مصير كل شيء ومرجعه. فاتَّقوا أيها المفترون، عقابَه إياكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغتروا بالأمانيّ وفضائل الآباء والأسلاف.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يا أهل الكتاب"، اليهودَ الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَر رسول الله ﷺ يوم نزلت هذه الآية. وذلك أنهم= أو: بعضهم، فيما ذكر= لما دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإيمان به وبما جاءهم به من عند الله، قالوا: ما بعثَ الله من نبيّ بعد موسى، ولا أنزل بعد التوراة كتابًا!

١١٦١٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله! لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مَبعثه، وتصفونه لنا بصفته! فقال رافع بن حُرَيملة ووهب بن يهودا [[في المطبوعة: "رافع بن حرملة"، وفي المخطوطة: "نافع بن حرملة"، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.]] ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده! [[في المخطوطة: "ولا أرسل بشيرًا ونذيرًا"، والصواب ما في المطبوعة كما في سيرة ابن هشام.]] فأنزل الله عز وجل في [ذلك من] قولهما [[الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام.]] "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ والله على كل شيء قدير". [[سيرة ابن هشام ٢: ٢١٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١١٦١٣.]]

* *

ويعني بقوله جل ثناؤه:"فقد جاءكم رسولنا"، قد جاءكم محمد ﷺ رسولنا="يبين لكم"، يقول: يعرفكم الحقَّ، ويوضح لكم أعلام الهدى، ويرشدكم إلى دين الله المرتضى، [[انظر تفسير"التبيين" فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (بين) .]] كما:-

١١٦١٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل"، وهو محمد ﷺ، جاء بالفرقان الذي فرَق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه، وعصمةٌ لمن أخذ به.

* *

="على فترة من الرسل"، يقول: على انقطاع من الرسل= و"الفترة" في هذا الموضع الانقطاع= يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى، على انقطاع من الرسل.

* *

و"الفترة""الفعلة" من قول القائل:"فتر هذا الأمر يفتُر فُتورًا"، وذلك إذا هدأ وسكن. وكذلك"الفترة" في هذا الموضع، معناها: السكون، يراد به سكون مجيء الرسل، وذلك انقطاعها.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في قدر مدة تلك الفترة، فاختلف في الرواية في ذلك عن قتادة. فروى معمر عنه ما:-

١١٦١٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"على فترة من الرسل" قال: كان بين عيسى ومحمَّدٍ ﷺ خمسمائة وستون سنة.

* *

وروى سعيد بن أبي عروبة عنه ما:-

١١٦١٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمّدٍ صلى الله عليهما، ذكر لنا أنها كانت ستمائة سنة، أو ما شاء من ذلك، والله أعلم. [[كان في المطبوعة: "وما شاء الله" بالواو، وفي المطبوعة والمخطوطة: "الله أعلم" بغير واو. والصواب ما أثبت.]]

١١٦٢٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه قوله:"قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل"، قال: كان بين عيسى ومحمد صلى لله عليهما خمسمائة سنة وأربعون سنة= قال معمر، قال قتادة: خمسمائة سنة وستون سنة.

* *

وقال آخرون بما:-

١١٦٢١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:"على فترة من الرسل"، قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، أربعمائة سنة وبضعًا وثلاثين سنة.

ويعني بقوله:"أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير" أن لا تقولوا، وكي لا تقولوا، كما قال جل ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [سورة النساء: ١٧٦] ، بمعنى: أن لا تضلوا، وكي لا تضلوا.

* *

فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل، كي لا تقولوا ما جاءَنا من بشير ولا نذير. يعلمهم عز ذكره أنه قد قطَع عذرهم برسوله ﷺ، وأبلغ إليهم في الحجة. [[انظر ما سلف ٩: ٤٤٥، ٤٤٦.]]

ويعني بـ"البشير"، المبشر من أطاع الله وآمن به وبرسوله، وعمل بما آتاه من عند الله، بعظيم ثوابه في آخرته [[وانظر تفسير"البشارة" فيما سلف ٩: ٣١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = وبـ"النذير"، المنذر من عصاه وكذّب رسولَه ﷺ وعمل بغير ما أتاه من عند الله من أمره ونهيه، بما لا قبل له به من أليم عقابه في معاده، وشديد عذابه في قِيامته.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء اليهود الذين وصفنا صفتهم: قد أعذرنا إليكم، واحتججنا عليكم برسولنا محمد ﷺ إليكم، وأرسلناه إليكم ليبيّن لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم، كيلا تقولوا:"لم يأتنا من عندك رسولٌ يبيِّن لنا ما نحن عليه من الضلالة"، فقد جاءكم من عندي رسول يبشر من آمن بي وعمل بما أمرته وانتهى عما نهيته عنه، وينذر من عصاني وخالف أمري، وأنا القادر على كل شيء، أقدر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني، فاتقوا عقابي على معصيتكم إياي وتكذيبكم رسولي، واطلبوا ثوابي على طاعتكم إياي وتصديقكم بشيري ونذيري، فإني أنا الذي لا يعجزه شيء أرادَه، ولا يفوته شيء طلبه. [[انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

القول في تأويل عز ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُم﴾

قال أبو جعفر: وهذا أيضا من الله تعريفٌ لنبيه محمد ﷺ، قديمَ تمادي هؤلاء اليهود في الغيّ، وبعدِهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم، وبطء إنابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع أياديه وآلائه عليهم= مسلِّيًا بذلك نبيه محمدًا ﷺ عما يحلّ به من علاجهم، وينزل به من مقاساتهم في ذات الله. يقول الله له ﷺ: لا تأسَ على ما أصابك منهم، فإن الذهابَ عن الله، والبعد من الحق، وما فيه لهم الحظ في الدنيا والآخرة، من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم= وتعزَّ بما لاقى منهم أخوك موسى ﷺ= واذْكُر إذ قال موسى لهم:"يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم"، يقول: اذكروا أيادِي الله عندكم، وآلاءه قبلكم، [[انظر تفسير"النعمة" فيما سلف من فهارس اللغة.]] كما:-

١١٦٢٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة:"اذكروا نعمة الله عليكم"، قال: أيادي الله عندكم وأيَّامه. [[الأثر: ١١٦٢٢-"عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة الأسدي الحميدي". روى عن ابن عيينة، والشافعي وهذه الطبقة. روى عن البخاري. ومضى برقم: ٩٩١٤.]]

١١٦٢٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"اذكروا نعمة الله عليكم" يقول: عافية الله عز وجل.

* *

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما قلنا، لأن الله لم يخصص من النعم شيئًا، بل عمَّ ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها، إذ كانت"العافية" أحد معاني"النعم".

القول في تأويل جل ثناؤه: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنَّ موسى ذكَّر قومه من بني إسرائيل بأيَّام الله عندهم، وبآلائه قبلهم، مُحَرِّضهم بذلك على اتباع أمر الله في قتال الجبارين، [[في المطبوعة: "فحرضهم بذلك"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فقال لهم: اذكروا نعمة الله عليكم أنْ فضّلكم، بأن جعل فيكم أنبياء يأتونكم بوحيه، ويخبرونكم بأنباء الغيب، [[في المطبوعة: "ويخبرونكم بآياته الغيب"، وهو كلام فارغ من المعنى، وفي المخطوطة هكذا"بآياتنا الغيب"، وصواب قراءتها ما أثبت.]] ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا. [[انظر تفسير"نبي" فيما سلف ٢: ١٤٠-١٤٢/٦: ٣٨٠، وغيرها في فهارس اللغة.]]

=فقيل: إن الأنبياء الذين ذكَّرهم موسى أنهم جُعلوا فيهم: هم الذين اختارهم موسى إذ صار إلى الجبل، وهم السبعون الذين ذكرهم الله فقال: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا﴾ [سورة الأعراف: ١٥٥] .

* *

="وجعلكم ملوكًا" سخر لكم من غيركم خدمًا يخدمونكم.

* *

وقيل: إنما قال ذلك لهم موسى، لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحدٌ سواهم يخدُمه أحد من بني آدم.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٢٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياءَ وجعلكم ملوكًا"، قال: كنا نحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدَم من بني آدم ومَلَكوا.

* *

وقال آخرون: كل من ملك بيتًا وخادمًا وامرأةً، فهو"ملك"، كائنًا من كان من الناس.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٢٥ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا أبو هانئ: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! فقال: إنّ لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك. [[الأثر: ١١٦٢٥-"أبو هانئ"، هو: "حميد بن هانئ الخولاني المصري" من ثقات التابعين، مضى: ٦٠٣٩، ٦٦٥٧.

و"أبو عبد الرحمن الحبلي"، هو: "عبد الله بن يزيد المعافري"، تابعي ثقة، مضى برقم: ٦٦٥٧، ٩٤٨٣.

وهذا حديث صحيح، رواه مسلم في صحيحه ١٨: ١٠٩، ١١٠، من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، عن ابن وهب، بإسناده، مطولا.

وقصر السيوطي في الدر المنثور ١: ٢٧٠ فقال"أخرجه سعيد بن منصور"، واقتصر عليه.]]

١١٦٢٦ - حدثنا الزبير بن بكار قال، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض قال: سمعت زيد بن أسلم يقول:"وجعلكم ملوكًا" فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله ﷺ: من كان له بيتٌ وخادم فهو ملك. [[الأثر: ١١٦٢٦-"الزبير بن بكار" شيخ الطبري، مضى برقم: ٧٨٥٥.

"وأنس بن عياض بن ضمرة"، ثقة. مضى برقم: ٧، ١٦٧٩.

والحديث خرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٢٧٠، ولم ينسبه لابن جرير، ونسبه للزبير بن بكار في الموفقيات، ولأبي داود في مراسيله. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ١١٢، ١١٣، وقال: "وهذا مرسل غريب".]]

١١٦٢٧ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: أنه تلا هذه الآية:"وجعلكم ملوكًا"، فقال: وهل المُلْك إلا مركبٌ وخادمٌ ودار؟

فقال قائلو هذه المقالة: إنما قال لهم موسى ذلك، لأنهم كانوا يملكون الدّور والخدم، ولهم نساءٌ وأزواج.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٢٨ - حدثنا سفيان بن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور= قال: أراه عن الحكم=:"وجعلكم ملوكًا"، قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان للرجل منهم بيتٌ وامرأة وخادم، عُدَّ ملكًا.

١١٦٢٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان= عن منصور، عن الحكم:"وجعلكم ملوكًا" قال: الدار والمرأة، والخادم= قال سفيان: أو اثنتين من الثلاثة. [[في المطبوعة: "واثنتين" بالواو، والصواب من المخطوطة.]]

١١٦٣٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عباس في قوله:"وجعلكم ملوكًا" قال: البيت والخادم.

١١٦٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله:"وجعلكم ملوكًا" قال: الزوجة والخادم والبيت.

١١٦٣٢ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"وجعلكم ملوكًا" قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.

١١٦٣٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا علي بن محمد الطنافسي قال، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قول الله:"وجعلكم ملوكًا" قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمَّى مَلِكًا. [[الأثر: ١١٦٣٣-"علي بن محمد بن إسحق الطنافسي"، روى عن أبي معاوية الضرير. ثقة صدوق. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٠٢. وكان في المخطوطة"الطيالسي"، وهو خطأ من الناسخ.

و"أبو معاوية" الضرير، هو: "محمد بن خازم التميمي". ثقة كثير الحديث، كان يدلس. مضى برقم: ٢٧٨٣.

و"حجاج بن تميم الجزري". روى عن ميمون بن مهران، وروى عنه أبو معاوية الضرير. قال النسائي: "ليس بثقة"، وقال الأزدي: "ضعيف". وقال العقيلي: "روى عن ميمون بن مهران أحاديث لا يتابع عليها". وقال ابن حبان في الثقات: "روى عن ميمون بن مهران. روى عنه أبو معاوية الضرير". مترجم في التهذيب. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "حجاج بن نعيم"، وهو خطأ محض كما ترى.]]

١١٦٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وجعلكم ملوكًا" قال: مُلْكُهم الخدم= قال قتادة: كانوا أوَّل من مَلك الخدم.

١١٦٣٥ - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد:"وجعلكم ملوكًا" قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.

* *

وقال آخرون: إنما عنى بقوله:"وجعلكم ملوكًا" أنهم يملكون أنفُسَهم وأهلِيهم وأموالهم.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٣٦ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وجعلكم ملوكًا" يملك الرجل منكم نفسَه وأهلَه ومالَه.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب.

فقال بعضهم: عني به أمة محمد ﷺ.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٣٧ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير:"وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين"، قالا أمة محمد ﷺ.

* *

وقال آخرون: عُنِي به قوم موسى ﷺ.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٣٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، هم قوم موسى.

١١٦٣٩ - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس:"وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين"، قال: هم بين ظهرانيه يومئذٍ. [[الأثر ١١٦٣٩- هذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣١١، ٣١٢، من طريق مصعب بن المقدام، عن سفيان بن سعيد، عن الأعمش، مطولا. ونصه: "الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ". وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

والذي في نص الطبري"هم بين ظهرانيه يومئذ"، الضمير بالإفراد، كأنه يعني"العالم" الذي هم بين ظهرانيه يومئذ.

والخبر خرجه السيوطه في الدر المنثور ١: ٢٦٩، وزاد نسبته للفريابي، وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان.]]

* *

ثم اختلفوا في الذي آتاهمُ الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين.

فقال بعضهم: هو المنّ والسلوى والحجر والغمام. [["الحجر"، يعني الحجر الذي ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا. وانظر ما سلف ٢: ١١٩-١٢٢.]]

ذكر من قال ذلك:

١١٦٤٠ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد:"وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين" قال: المنّ والسلوى والحجر والغمام.

١١٦٤١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين"، يعني: أهل ذلك الزمان، المنَّ والسلوى والحجر والغمام.

* *

وقال آخرون: هو الدَّار والخادِم والزوجة.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بشر بن السري، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس:"وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين" قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة. [[الأثر: ١١٦٤٢-"بشر بن السري البصري"، أبو عمرو الأفوه، ثقة كثير الحديث. روى له الجماعة، وهو من شيوخ أحمد. مترجم في التهذيب.

و"طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي"، روى عن عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير وغيرهما. ضعيف جدًا، قال أحمد: "لا شيء، متروك الحديث". وقال ابن عدي: "روى عنه قوم ثقات، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه". وقال ابن حبان: "لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه، إلا على جهة التعجب". مترجم في التهذيب.]]

١١٦٤٣ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس:"وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين"، المنّ والسلوى والحجر والغمام.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال:"وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين"، في سياق قوله:"اذكروا نعمة الله عليكم"، ومعطوفٌ عليه. [[لم يفهم ناشر المطبوعة عربية أبي جعفر، فجعل الكلام هكذا: "وآتاكم ما لم يوت أحدا من العالمين، خطاب لبني إسرائيل حيث جاء في سياق قوله: اذكروا نعمة الله عليكم = ومعطوفًا عليه"، فغير وزاد وأساء وخان الأمانة!!]]

ولا دلالة في الكلام تدلّ على أن قوله:"وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين" مصروف عن خطاب الذين ابتدئَ بخطابهم في أوّل الآية. فإذ كان ذلك كذلك، فأنْ يكون خطابًا لهم، أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم.

فإن ظن ظان أن قوله:"وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين"، لا يجوز أن يكون لهم خطابًا، [[في المطبوعة: "لا يجوز أن تكون خطابًا لبني إسرائيل" بزيادة"لبني إسرائيل"، وفي المخطوطة: "أن تكون له خطابا"، وصواب قراءتها ما أثبت.]] إذ كانت أمة محمَّد قد أوتيت من كرامة الله جلّ وعزّ بنبيِّها عليه السلام محمّدٍ، ما لم يُؤتَ أحدٌ غيرهم، [[في المطبوعة والمخطوطة: "من كرامة الله نبيها عليه السلام محمدًا ما لم يؤت أحدًا غيرهم"، فأثبت زيادة المخطوطة، وجعلت"نبيها""بنبيها"، بزيادة الباء في أوله، وجعلت"أحدًا""أحد"، وذلك الصواب المحض.]] =وهم من العالمين= [[السياق: "فإن ظن ظان.. فقد ظن غير الصواب".]] فقد ظنَّ غير الصواب. وذلك أن قَوله:"وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين"، خطاب من موسى ﷺ لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه، لا عالمي كل زمان. ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نِعَم الله وكرامته، ما أوتي قومُه ﷺ، أحد من العالمين. [[السياق: "ولم يكن أوتي في ذلك الزمان.. أحد من العالمين".]] فخرج الكلام منه صلى الله عليه على ذلك، لا على جميع [عالم] كلِّ زمان. [[انظر تفسير"العالمين" فيما سلف ١: ١٤٣-١٤٦/٢: ٢٣-٢٦/٥: ٣٧٥/٦: ٣٩٣.]]

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول موسى ﷺ لقومه من بني إسرائيل، وأمرِه إياهم =عن أمر الله إياه= بأمرهم بدخول الأرض المقدسة.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في الأرض التي عناها بـ"الأرض المقدَّسة".

فقال بعضهم: عنى بذلك الطورَ وما حوله.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٤٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"الأرض المقدسة" الطور وما حوله.

١١٦٤٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١١٦٤٦ - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس:"ادخلوا الأرض المقدسة"، قال: الطور وما حوله.

* *

وقال آخرون: هو الشأم.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٤٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"الأرض المقدسة" قال: هي الشأم.

* *

وقال آخرون: هي أرض أريحا.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٤٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم" قال: أريحا.

١١٦٤٩ - حدثني يوسف بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هي أريحا.

١١٦٥٠ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هي أريحا.

* *

وقيل: إن"الأرض المقدسة" دمشق وفلسطين وبعض الأرْدُنّ.

* *

وعنى بقوله:"المقدسة" المطهرة المباركة، [[انظر تفسير"التقديس" فيما سلف ١: ٤٧٥، ٤٧٦/٢: ٣٢٢.]] كما:-

١١٦٥١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"الأرض المقدسة"، قال: المباركة.

١١٦٥٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: هي الأرض المقدّسة، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تُدرك حقيقةُ صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به. غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسِّير والعلماء بالأخبار على ذلك.

* *

ويعني بقوله:"التي كتب الله لكم" التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ومنازل دون الجبابرة التي فيها. [[انظر تفسير"كتب" فيما سلف ٩: ٢٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

فإن قال قائل: فكيف قال:"التي كتب الله لكم"، وقد علمت أنَّهم لم يدخلوها بقوله:"فإنها محرَّمة عليهم"؟ فكيف يكون مثبتا في اللوح المحفوظ أنها مساكن لهم، ومحرمًا عليهم سكناها؟

قيل: إنها كتبت لبني إسرائيل دارًا ومساكن، وقد سكنوها ونزلوها وصارت لهم، كما قال الله جل وعز. وإنما قال لهم موسى:"ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم"، يعني بها: كتبها الله لبني إسرائيل، =وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بني إسرائيل= ولم يعن ﷺ أن الله تعالى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم.

ولو قال قائل: قد كانت مكتوبة لبعضهم ولخاص منهم= فأخرج الكلام على العموم، والمراد منه الخاص، إذ كان يُوشع وكالب قد دخلا [[في المطبوعة: "يوشع وكلاب"، وانظر ما سلف ص: ١١٣ تعليق: ٢.]] وكانا ممن خوطب بهذا القول= كان أيضًا وجهًا صحيحًا.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق.

١١٦٥٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق،"التي كتب الله لكم"، التي وهب الله لكم.

* *

وكان السدي يقول: معنى"كتب" في هذا الموضع، بمعنى: أمر.

١١٦٥٤ - حدثنا بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم"، التي أمركم الله بها.

* *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قيل موسى عليه السلام لقومه من بني إسرائيل، إذ أمرهم عن أمر الله عزّ ذكره إيّاه بدخول الأرض المقدسة، أنه قال لهم: امضُوا، أيها القوم، لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة="ولا ترتدوا" يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدّين [[انظر تفسير"ارتد" فيما سلف ٣: ١٦٣/٤: ٣١٦.]] ="على أدباركم" يعني: إلى ورائكم، [[انظر تفسير"الأدبار" فيما سلف ٧: ١٠٩.]] ولكن امضوا قُدُمًا لأمر الله الذي أمركم به، من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأنّ الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنًا وقرارًا.

ويعني بقوله:"فتنقلبوا خاسرين"، أي: تنصرفوا خائبين هُلَّكًا. [[انظر تفسير"انقلب" فيما سلف ٣: ١٦٣/٧: ٤١٤. وكانت هذه العبارة في المخطوطة والمطبوعة: "أنكم تنصرفوا خائبين هكذا"، ورجحت أن صواب قراءتها ما أثبت.

و"هلك" جمع"هالك". وقد مر تفسيره"الخسارة" بمعنى"الهلاك".]]

* *

وقد بينا معنى"الخسارة" في غير هذا الموضع، بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"الخسارة" فيما سلف ٩: ٢٢٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

فإن قال قائل: وما كان وجه قيل موسى لقومه، إذْ أمرهم بدخول الأرض المقدسة:"لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين"، أوَ يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضًا جعلت له؟ قيل: إن الله عز ذكره كان أمرهم بقتال من فيها من أهل الكفر به وفرض عليهم دخولها، [[في المطبوعة: "كان أمره"، والصواب من المخطوطة.]] فاستوجب القوم الخسارة بتركهم إذًا فرض الله عليهم من وجهين: أحدُهما: تضييع فرض الجهاد الذي كان الله عز ذكره فرضه عليهم= والثاني: خلافهم أمر الله في تركهم دخول الأرض، وقولهم لنبيهم موسى ﷺ إذ قال لهم:"ادخلوا الأرض المقدسة":"إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون".

* *

وكان قتادة يقول في ذلك بما:

١١٦٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم" أمروا بها، كما أمروا بالصلاة والزكاة والحجِّ والعُمْرة.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب قوم موسى عليه السلام، إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: أنهم أبوا عليه إجابته إلى ما أمرهم به من ذلك، [[في المطبوعة والمخطوطة: "إجابة إلى ما أمرهم"، والسياق يقتضي ما أثبت.]] واعتلّوا عليه في ذلك بأن قالوا، إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها، قومًا جبارين لا طاقة لنا بحربهم، ولا قوة لنا بهم. وسموهم"جبّارين"، لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، [[في المطبوعة والمخطوطة: "بشدة بطشهم"، والسياق يقتضي ما أثبت.]] فيما ذكر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم.

وأصل"الجبار"، المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجترَّ نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلبَ الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدِّي إلى ما ليس له= بغيًا على الناس، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربه="جبار"، وإنما هو"فعّال" من قولهم:"جبر فلان هذا الكسر"، إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول الراجز: [[هو العجاج.]]

قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلهُ فَجَبَرْ ... وَعَوَّرَ الرَّحمنُ مَنْ وَلَّي العَوَرْ [[ديوانه: ١٥، واللسان (جبر) (عور) ، وهو أول أرجوزته التي مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد مضت منها أبيات، وذكرنا خبرها فيما سلف، انظر ١: ١٩٠/٢: ١٥٧/٣: ٢٢٩/٤: ٣٢١. وقوله: "قد جبر الدين الإله"، من قولهم: "جبرت العظم" متعديًا، "فجبر"، لازمًا، أي: انجبر العظم نفسه. و"العور" في هذا الشعر هو قبح الأمر وفساده، وترك الحق فيه، وليس من عور العين. و"عور الشيء" قبحه. يدعو فيقول: قبح الله من اتبع الفساد واستقبله بوجهه. من قولهم"ولي الشيء وتولاه"، أي اتبعه وفي التنزيل: "ولكل وجهة هو موليها"، أي مستقبلها ومتبعها، فهذا تفسير البيت بلا خلط في تفسيره.]]

يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح. ومن أسماء الله تعالى ذكره"الجبار"، لأنه المصلحُ أمرَ عباده، القاهرُ لهم بقدرته.

* *

ومما ذكرته من عظم خلقهم ما:-

١١٦٥٦ - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قصة ذكرها من أمر مُوسى وبني إسرائيل، قال، ثم أمرهم بالسير إلى أريحا= وهي أرض بيت المقدس= فساروا، حتى إذا كانوا قريبًا منهم، بعث موسى اثنى عشر نقيبًا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبَّارين، فلقيهم رجل من الجبارين، يقال له:"عاج"، [[في المطبوعة: "عوج"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو موافق لما سلف رقم: ١١٥٧٢، وتاريخ الطبري.]] فأخذ الاثنى عشر فجعلهم في حُجْزَته، وعلى رأسه حَمْلة حطب، [[انظر ما سلف ص ١١٢ تعليق: ١، ٢، وما غيره، مصحح المطبوعة السالفة هناك.]] وانطلق بهم إلى امرأته فقال، انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا!! فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل خلِّ عنهم حتى يُخْبروا قومهم بما رأوا! ففعل ذلك. [[الأثر: ١١٦٥٦- مضى مطولا برقم: ١١٥٧٢، وهو في تاريخ الطبري ١: ٢٢١، ٢٢٢.]]

١١٦٥٧ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة =وهي أريحاء= فبعث إليهم اثنى عشر عينًا، من كل سبطٍ منهم عينًا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، وتتبعهم. فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عايَنُوا من أمرهم.

١١٦٥٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"إن فيها قومًا جبَّارين"، ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخِلَقٌ ليست لغيرهم.

١١٦٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: إن موسى عليه السلام قال لقومه:"إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم"= وإنه أخذ من كل سبط رجلا فكانوا اثنى عشر نقيبًا، فقال:"سيروا إليهم وحدِّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا، إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برُسله، وعزرتموهم، وأقرضُتم الله قرضًا حسنًا"= وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، [[في المطبوعة: "ثم إن القوم"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فرأوا أقوامًا لهم أجسام عجبٌ عظمًا وقوة، وإنه =فيما ذكر= أبصرهم أحد الجبَارين، وهم لا يألون أن يخفُوا أنفسهم حين رأوا العجب. فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالا فأتى رئيسَهم، فألقاهم قدّامه، فعجبوا وضحكوا منهم. فقال قائل منهم:"فإنّ هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم"!! [[في المطبوعة: "إن هؤلاء"، بحذف الفاء، وأثبت ما في المخطوطة.]] وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقُتلوا، وأنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام فحدّثوه العجب.

١١٦٦٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"اثنى عشر نقيبًا" من كل سبط من بني إسرائيل رجل، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدُوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، يلقونهم إلقاءً، ولا يحمل عنقود عِنبهم إلا خمسة أنفُسٍ بينهم في خشبة، ويدخُل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة. [[الأثر: ١١٦٦٠- مضى هذا الأثر برقم: ١١٥٧٣، ١١٥٧٤.]]

١١٦٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

١١٦٦٢ - حدثني محمد بن الوزير بن قيس، عن أبيه، عن جويبر، عن الضحاك:"إن فيها قومًا جبارين" قال: سِفْلة لا خَلاقَ لهم. [[الأثر: ١١٦٦٢-"محمد بن وزير بن قيس الواسطي"، روى عن أبيه، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم. روى عنه الترمذي وابن أبي حاتم، وغيرهما. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤/١/١١٥.

وأبوه"وزير بن قيس الواسطي"، روى عن جويبر. مترجم في ابن أبي حاتم ٤/٢/٤٤.]]

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قولِ قوم موسى لموسى، جوابًا لقوله لهم:"ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم"، فقالوا:"إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها"، يعنون: [حتى يخرج] من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها، [[ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.]] جبنًا منهم، وجزعًا من قتالهم. وقالوا له: إن يخرج منها هؤلاء الجبارون دخلناها، وإلا فإنا لا نُطيق دخولها وهم فيها، لأنه لا طاقة لنا بهم ولا يَدَان. [[في المطبوعة: "ولا يد"، وفي المخطوطة"ولا يدان" غير منقوطة.]]

١١٦٦٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أن كالب بن يافنا، أسكت الشعْبَ عن موسى ﷺ فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثُها، وإن لنا بهم قوّة! وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب، من أجل أنهم أجرأ منا! ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر، وقالوا: إنّا مررنا في أرض وحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالهَا جسامًا، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنا في أعينهم مثل الجراد! فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء. فبكى الشعب تلك الليلة، ووسوسُوا على موسى وهارون، [["وسوس عليه"، انظر تفسيرها في الأثر رقم: ١١٦٩٧ ص: ١٩٥، تعليق: ٧.]] فقالوا لهما: يا ليتنا مِتنا في أرض مصر! وليتنا نموت في هذه البرية، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمًة! ولو كنا قعودًا في أرض مصر، كان خيرًا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا وننصرف إلى مصر.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصَّالحين من قوم موسى:"يوشع بن نون" و"كالب بن يافنا"، أنهما وفَيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومِه بني إسرائيل= الذين أمرَهم بدخول الأرض المقدسة على الجبابرة من الكنعانيين= بما رأيا وعاينا من شدّة بطش الجبابرة وعِظم خلقهم، ووصفهما الله عز وجل بأنهما ممن يخاف الله ويراقبه في أمره ونهيه، كما:-

١١٦٦٤ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان= ح، وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي، عن سفيان= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= عن منصور، عن مجاهد:"قال: رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، قال: كلاب بن يافنا، [[في المطبوعة الموضعين: "يوفنة"، وفي المخطوطة في الموضعين: "فانيا"، وانظر ص: ١١٣ تعليق: ٢.]] ويوشع بن نون.

١١٦٦٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن مجاهد قال:"رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، قال: يوشع بن نون، وكلاب بن يافنا، [[في المطبوعة: "يوفنا"، وفي المخطوطة: "فانيه". وانظر التعليق على الأثر: ١١٥٧٣.]] وهما من النقباء.

١١٦٦٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قصة ذكرها، قال: فرجع النقباء، كلُّهم ينهى سِبْطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون، وكلاب بن يافنة، [[في المطبوعة: "يوفنا"، وفي المخطوطة: "فانيه". وانظر التعليق على الأثر: ١١٥٧٣.]] يأمران الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما، وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما. [[الأثر: ١١٦٦٦- مضى هذا الخبر برقم: ١١٥٧٣، ومضى صدره قريبًا برقم: ١١٦٦٠.]]

١١٦٦٧ - حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثل حديث ابن بشار، عن ابن مهدي= إلا أنّ ابن حميد قال في حديثه: هما من الاثنى عشر نقيبًا.

١١٦٦٨ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس في قصة ذكرها. قال: فرجعوا= يعني النقباء الاثنى عشر= إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتموا شأنهم، ولا تخبروا به أحدًا من أهل العسكر، فإنكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فَشِلوا ولم يدخلوا المدينة. [["فشل": جبن ونكص.]] قال: فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابنَ عمه، إلا هذين الرجلين= يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنة= فإنهما كتما ولم يخبرا به أحدًا، وهما اللذان قال الله عز وجل:"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، إلى قوله:"وبين القوم الفاسقين".

١١٦٦٩ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، وهما اللذان كتماهم: يوشع بن نون فتى موسى، [[في المخطوطة: "هو يوشع بن النون"، وأظن أصلها"هوشع بن النون"، كما سلف في ص: ١١٣، تعليق: ٢. وكان في المطبوعة هنا"نون"، فأثبت ما في المخطوطة.]] وكالوب بن يوفنة ختَنُ موسى.

١١٦٧٠ - حدثنا سفيان قال، حدثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية:"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، كالوب، ويوشع بن النون فتى موسى. [[في المطبوعة: "بن نون"، في الموضعين، وأثبت ما في المخطوطة.]]

١١٦٧١ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، والرجلان اللذان أنعم الله عليهما من بني إسرائيل: يوشع بن النون، وكالوب بن يوفنة.

١١٦٧٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" ذكر لنا أن الرجلين: يوشع بن نون وكالب.

١١٦٧٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: أن موسى قال للنقباء لمَّا رجعوا فحدثوه العجبَ:"لا تحدثوا أحدًا بما رأيتم، إن الله سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم" =وإن القوم أفشوا الحديث في بني إسرائيل، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، [[في المخطوطة: "فقام رجلان هما اللذان يخافون.."، والذي في المطبوعة هو الصواب.]] كان أحدهما، فيما سمعنا، يوشع بن نون وهو فتى موسى، والآخر كالب- فقالا"ادخلوا عليهم الباب" إلى"إن كنتم مؤمنين". [[في المطبوعة: "ادخلوا عليهما الباب إن كنتم مؤمنين"، وهو غير صواب، والصواب من المخطوطة.]]

* *

قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله:"قال رجلان من الذين يخافون".

قرأ ذلك قرأة الحجاز والعراق والشام: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ بفتح"الياء" من"يخافون"، على التأويل الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه آنفًا، أنهما يوشع بن نون وكالب، من قوم موسى، ممن يخاف الله، وأنعمَ عليهما بالتوفيق.

* *

وكان قتادة يقول: في بعض القراءة: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الذِينَ يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ .

١١٦٧٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة= ح، وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، في بعض الحروف: ﴿يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ .

* *

وهذا أيضا مما يدل على صحة تأويل من تأوَّل ذلك على ما ذكرنا عنه أنه قال: يوشع، وكالب.

* *

وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ذلك: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الذِينَ يُخَافُونَ﴾ بضم الياء ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ .

١١٦٧٥ - حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا هشيم، عن القاسم بن أبي أيوب= ولا نعلمه أنه سمع منه= عن سعيد بن جبير: أنه كان يقرؤها بضم الياء من: ﴿يُخافُونَ﴾ .

وكأن سعيدًا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبني إسرائيل:"ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون"، كانا من رهط الجبابرة، وكانا أسلما واتَّبعا موسى، فهما من أولاد الجبابرة الذين يخافهم بنو إسرائيل، [[في المخطوطة: "فهم من أولاد الجبابرة"، والصواب ما في المطبوعة.]] وإن كانوا لهم في الدين مخالفين. [[في المطبوعة: "وإن كانا لهم في الدين مخالفين"، وفي المخطوطة: "وإن كانوا لهم في الدنيا مخالفين"، والصواب المحض ما أثبته.]]

* *

وقد حكي نحو هذا التأويل عن ابن عباس.

١١٦٧٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين"، قال: هي مدينةُ الجبارين. لما نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا= وهم النقباء الذين ذكر بعثتهم [[في المطبوعة: "ذكر نعتهم"، وفي المخطوطة: "ذكر بعثهم"، وكتبتها"بعثتهم"، ويعني بذلك ما جاء في الآية السالفة من هذه السورة: ١٠"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبًا".]] = ليأتوه بخبرهم. فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى، بعثَنا إليكم لنأتيه بخبركم! فأعطوهم حبَّة من عِنب بوِقْر الرجل، [["الوقر" (بكسر فسكون) : الحمل والثقل.]] فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدُروا قَدْر فاكهتهم! فلما أتوهم قالوا لموسى:"اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون"! ="قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، وكانا من أهل المدينة أسلَما واتّبعا موسى وهارون، فقالا لموسى:"ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكَّلوا إن كنتم مؤمنين".

* *

قال أبو جعفر: فعلى هذه القراءة وهذا التأويل، لم يكتم من الاثنى عشر نقيبًا أحدٌ، ما أمرهم موسى بكتمانه بني إسرائيل مما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الجبابرة، وشدة بطشهم، وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كله. وإنما القائل للقوم ولموسى:"ادخلوا عليهم الباب"، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيل يخافونهم ويرهبون الدخولَ عليهم من الجبابرة، كان أسلما وتبعا نبيَّ الله ﷺ.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب عندنا، قراءةُ من قرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ لإجماع قرأة الأمصار عليها= وأنَّ ما استفاضت به القراءة عنهم، فحجة لا يجوز خلافها، وما انفرد به الواحد، فجائز فيه الخطأ والسهو. ثم في إجماع الحجةِ في تأويلها على أنهما رجلان من أصحاب موسى من بني إسرائيل وأنهما يوشع وكلاب، ما أغنى عن الاستشهاد على صحة القراءة بفتح"الياء" في ذلك، وفسادِ غيره. وهو التأويل الصحيحُ عندنا، لما ذكرنا من إجماعها عليه.

* *

وأما قوله:"أنعم الله عليهما"، فإنه يعني: أنعم الله عليهم بطاعة الله في طاعة نبيه موسى صلى الله عليه، وانتهائهم إلى أمره، والانزجار عما زجرهما عنه ﷺ، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بني إسرائيل، الذي حدّث عنه أصحابهما الآخرون الذين كانوا معهما من النقباء. [[في المطبوعة: "الذي حذر عنه أصحابهما الآخرين.."، وفي المخطوطة: "الذي حول عنه أصحابهما الآخرون"، وصواب قراءة ذلك ما أثبت، ولا معنى لتغيير ما غيره ناشر المطبوعة الأولى.]]

* *

وقد قيل إن معنى ذلك: أنعم الله عليهما بالخوف.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٧٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا خلف بن تميم قال، حدثنا إسحاق بن القاسم، عن سهل بن علي قوله:"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، قال: أنعم الله عليهما بالخوف. [[الأثر: ١١٦٧٧-"خلف بن تميم بن أبي عتاب التميمي"، أبو عبد الرحمن ثقة عابد. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/١٨٠، وابن أبي حاتم ١/٢/٣٧٠.

و"إسحق بن القاسم"، لم أجده.

وأما "سهل بن علي"، فلم أجد من يسمى بذلك إلا"سهل بن علي المروزي"، روى عن المبارك. روى عنه المراوزة كلامه، وتأدبوا بورعه. مترجم في ابن أبي حاتم ٢/١/٢٠٣.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك كان الضحاك يقول، وجماعة غيره.

١١٦٧٨ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما"، بالهدى فهداهما، فكانا على دين موسى، وكانا في مدينة الجبّارين.

* *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول الرجلين اللذين يخافان الله لبني إسرائيل، إذ جبُنوا وخافوا من الدخول على الجبارين، لمَّا سمعوا خبرهم، وأخبرهم النقباء الذين أفشَوْا ما عاينوا من أمرهم فيهم، وقالوا: [[السياق:.. إذ جبنوا وخافوا.. وقالوا"، معطوفا على ذلك.]] "إن فيها قومًا جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها"، فقالا لهم: ادخلوا عليهم، أيها القوم بابَ مدينتهم، فإن الله معكم، وهو ناصركم، وإنكم إذا دخلتم الباب غلبتموهم، كما:-

١١٦٧٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل، قال: لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر، حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة، خرَّ موسى وهارون على وجوههما سجودًا قدِّام جماعة بني إسرائيل، وخرَّق يوشع بن نون وكالب بن يافنا ثيابهما، وكانا من جواسيس الأرض، وقالا لجماعة بني إسرائيل:"إن الأرض مررنا بها وحسِسْناها صالحًة، [["حس منه خيرًا وأحس"، رآه وعلمه.]] رضيها ربُّنا لنا فوهبها لنا، وإنها.. تفيض لبنًا وعسلا [[في المطبوعة والمخطوطة: "وإنها لم تكن تفيض لبنًا وعسلا"، وهو لا يستقيم، والذي جاء في كتاب القوم، في سفر العدد، في الإصحاح الثالث عشر: "وحقًا إنها تفيض لبنًا وعسلا"، وفي الرابع عشر = وهو نص هذا الكلام بالعربية="ويعطينا إياها أرضًا تفيض لبنًا وعسلا". فحذفت"لم تكن"، ووضعت مكانها نقطًا، مخافة أن تكون الكلمة محرفة عن شيء لم أعرفه.]] ولكن افعلوا واحدة: لا تعصُوا الله، ولا تخشوا الشعب الذين بها، فإنهم خُبْزُنا، ومُدَفَّعون في أيدينا، [[في المطبوعة: "فإنهم جبناء مدفعون.."، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في كتاب القوم في سفر العدد، الإصحاح الرابع عشر. ويعني بقوله: "خبرنا"، أي هم طعمة لنا وغنيمة، كما نقول بالعربية.]] إن كبرياءهم ذهبت منهم، [[في المطبوعة: "إن حاربناهم ذهبت منهم"، ولا أدري ما هذا. وفي المخطوطة: "إن حرباهم ذهبت منهم". ورأيت أن أقرأها كذلك، فإني رأيت في كتاب القوم: "قد زال عنهم ظلهم، والرب معنا"، كأنه يعني: قد ذهب عنهم ما كان ملازمًا لهم من الجرأة والقوة والبطش والمهابة.

هذا، ومن المفيد أن تقارن هذا المروى عن ابن إسحق، بترجمة التوراة الموجودة في أيدينا، فإن هذه الروايات عن ابن إسحق، ترجمته قديمة للتوراة بلا شك. ولعل متتبعًا يتتبع هذه الرواية عن ابن إسحق وغيره، ويقارنها بالترجمة الموجودة الآن، فإن في ذلك فوائد تاريخية عظيمة، وفوائد في مناهج الترجمة قديمًا وحديثًا.]] وإن الله معنا فلا تخشوهم. فأراد جماعة من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة.

١١٦٨٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم بعثوا اثنى عشر رجلا من كل سبط رجلا عيونًا لهم، وليأتوهم بأخبار القوم. فأمَّا عشرة فجبَّنُوا قومهم وكرَّهوا إليهم الدخول عليهم. وأما الرجلان فأمرا قومهما أن يدخلوها، وأن يتبعوا أمر الله، ورغَّبا في ذلك، وأخبرا قومهما أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك.

١١٦٨١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"عليهم الباب"، قرية الجبَّارين.

* *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا خبر من الله جل وعزّ عن قول الرجلين اللذين يخافان الله، أنهما قالا لقوم موسى يشجعانهم بذلك، ويرغِّبانهم في المضيّ لأمر الله بالدخول على الجبارين في مدينتهم= توكلوا أيها القوم، على الله في دخولكم عليهم، فيقولان لهم: [[في المطبوعة: "ويقولان"، وأثبت ما في المخطوطة.]] ثقوا بالله، [[انظر تفسير"التوكل" فيما سلف ص: ١٠٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فإنه معكم إن أطعتموه فيما أمركم من جهاد عدوِّكم. وعنيا بقولهما:"إن كنتم مؤمنين" إن كنتم مصدِّقي نبيكم ﷺ فيما أنبأكم عن ربَّكم من النصرة والظفر عليهم، وفي غير ذلك من إخباره عن ربه= ومؤمنين بأن ربَّكم قادر على الوفاء لكم بما وعدكم من تمكينكم في بلاد عدوِّه وعدوِّكم.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا (٢٤) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملأ من قوم موسى لموسى، إذ رُغِّبوا في جهاد عدوِّهم، ووعِدوا نصر الله إيَّاهم إن هم ناهضوهم ودخلوا عليهم باب مدينتهم، أنهم قالوا له:"إنا لن ندخلها أبدًا" يعنون: إنا لن ندخل مدينتهم أبدًا.

و"الهاء والألف" في قوله:"إنا لن ندخلها"، من ذكر"المدينة".

* *

ويعنون بقولهم:"أبدًا"، أيام حياتنا [[انظر تفسير"أبدا" فيما سلف ٩: ٢٢٧.]] ="ما داموا فيها"، يعنون: ما كان الجبارُون مقيمين في تلك المدينة التي كتبها الله لهم وأُمِروا بدخولها="فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون"، لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربُّك فتقاتلانهم.

* *

وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت، وليذهب معك ربك فقاتلا= ولكن معناه: اذهب أنت، يا موسى، وليعنك ربُّك. وذلك أن الله عز ذكره لا يجوز عليه الذهاب. [[هذه مقالة أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ١٦٠، بمعناه، وبغير لفظه.]]

وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له، لو كان الخبر عن قوم مؤمنين. فأمّا قومٌ أهلُ خلافٍ على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عز وجل وافتروا عليه، إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم.

* *

وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله ﷺ، خلافَ ما قال قومُ موسى لموسى.

١١٦٨٢ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= عن سفيان، عن مخارق، عن طارق: أن المقداد بن الأسود قال للنبي ﷺ: إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل:"اذهب أنت ورَبك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون"، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. [[الأثر: ١١٦٨٢-"مخارق"، هو: "مخارق بن عبد الله بن جابر البجلي الأحمسي"، ويقال: "مخارق بن خليفة". مترجم في التهذيب.

و"طارق هو"طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي"، رأى النبي ﷺ، وروى عنه مرسلا، وروى عن الخلفاء الأربعة، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود. مترجم في التهذيب. ومضى برقم: ٩٧٤٤.

وهذا الخبر روي من طريق طارق، مطولا ومختصرًا. رواه البخاري مختصرًا، مرسلا وموصولا في صحيحه (الفتح ٨: ٢٠٥) ، ورواه مطولا موصولا (الفتح ٧: ٢٢٣-٢٢٧) ، ورواه أحمد مطولا في مسند ابن مسعود برقم: ٣٦٩٨، ٤٠٧٠، ٤٣٧٦.

وهذا الخبر في مشورة النبي ﷺ أصحابه قبل بدر لما وصل الصفراء، وبلغه أن قريشًا قصدت بدرًا، وأن أبا سفيان نجا بما معه، فاستشار الناس. وانظر القصة مفصلة في كتب السير. ثم انظر الخبر التالي، وأن ذلك كان يوم الحديبية.]]

١١٦٨٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صَدّ المشركون الهَدْيَ وحيل بينهم وبين مناسكهم:"إني ذاهب بالهَدْيِ فناحِرُه عند البيت! فقال له المقداد بن الأسود: أمَا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذْ قالوا لنبيهم:"اذهب أنت وربك فقاتِلا إنا ههنا قاعدون" ولكن: اذهب أنت وربك فقاتِلا إنّا معكم مقاتلون! فلما سمعها أصحابُ نبيِّ الله ﷺ تتابعوا على ذلك. [[الأثر: ١١٦٨٣- كرر في المخطوطة هذا الأثر بإسناده ونصه، ففي المرة الأولى كتبه إلى قوله: "إنا معكم مقاتلون"، ثم عاد فكتب الخبر نفسه بإسناده، وأتمه على وجهه إلى آخره. والظاهر أنه وقف عند هذا الموضع، ثم عاد يكتب، وكان الخبر قبله ينتهي أيضًا بقوله: "إنا معكم مقاتلون"، فظن أن الذي كتب هو الخبر الأول، فعاد فكتب الخبر بإسناده من أوله إلى تمامه.]]

* *

وكان ابن عباس والضحاك بن مزاحم وجماعة غيرهما يقولون: إنما قالوا هذا القول لموسى عليه السلام، حين تبيَّن لهم أمر الجبارين وشدّةُ بطشهم.

١١٦٨٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: أمر الله جل وعزّ بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهِّم موسى عليه السلام، فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى:"ادخلوها"، فأبوا وجبُنوا، وبعثوا اثنى عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا فنظروا فجاءوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوِقْر الرجل، فقالوا: اقدُرُوا قوّة قوم وبأسُهم هذه فاكهتهم! فعند ذلك قالوا لموسى:"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون".

١١٦٨٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، نحوه.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا، من قولهم:"إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون"= أنه قال عندَ ذلك، وغضب من قيلهم له، [[في المطبوعة والمخطوطة: "من قيلهم لهم"، والسياق يقتضي"له"، وسياق العبارة: "أنه قال عند ذلك.. داعيًا: يا رب..".]] داعيا: يا رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي= يعني بذلك، لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتّباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي.

* *

= من قول القائل:"ما أملك من الأمر شيئا إلا كذا وكذا"، بمعنى: لا أقدر على شيء غيره. [[انظر تفسير"ملك" فيما سلف قريبًا ص: ١٠٥.]]

* *

ويعني بقوله:"فافرق بيننَا وبين القوم الفاسقين"، افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعِدُهم منّا.

* *

=من قول القائل:"فَرَقت بين هذين الشيئين"، بمعنى: فصلت بينهما، من قول الراجز: [[لعله: حبينة بن طريف العكلي. وانظر التعليق التالي. و"حبينة" بالباء، والنون وأخطأ من ظن أنه بنونين.]]

يَا رَبِّ فافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنَ [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٦٠، وهكذا جاء هناك وهنا. وفي المخطوطة: "يا رب فارق"، وصححه في المطبوعة، وجاء تصحيحه موافقًا لما في مجاز القرآن. ولم أجد الرجز بهذا اللفظ، وظني أنه رجز حبينة بن طريف العكلي، له خبر طويل (انظر تهذيب إصلاح المنطق ١: ١٣٨) ، كان بينه وبين ليلى الأخيلية كلام، فقال لها: "أما والله لو أن لي منك النصف، لسببتك سبًا يدخل معك قبرك!! " ثم راجزها وفضحها، فقال في رجزه ذلك: جَارِيَةٌ منْ شِعْب ذي رُعَيْنِ ... حَيَّاكَةٌ تَمْشِي بِعُلْطَتَيْنِ

وَذِي هِبَابٍ نَعِظِ الْعَصْرَيْنِ ... قَدْ خَلَجَتْ بحاجِبٍ وعَيْنِ

يَا قَوْمِ خَلُّوا بَيْنَها وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا خُلِّي بَيْنَ اثْنَيْنَ

لم يُلْقَ قَطُّ مِثْلَنَا سِيَّيْنِ

"حياكة"، تحيك في مشيتها، أي تتبختر. و"وتتثط بالعلطتان"، قلادتان أو ودعتان تكون في أعناق الصبيان، "خجلت العين" واضطربت. يصفها بالغمز للرجال."سيين": مثلين. و"هب التيس هبابًا وهبيبًا"، هاج ونب للسفاد.

وتجد هذا الشعر وخبره مفرقًا في المؤتلف والمختلف للآمدي: ٩٧، وإصلاح المنطق: ٨٩، وتهذيب إصلاح المنطق: ١٣٨، واللسان (خلج) (علط) (نعظ) (عرك) ، والمخصص ٢: ٤٧. والشعر بهذه الرواية لا شاهد فيه.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

ذكر من قال ذلك:

١١٦٨٦ - حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"، يقول: اقض بيني وبينهم.

١١٦٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"، يقول: اقض بيننا وبينهم.

١١٦٨٨ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: غضب موسى ﷺ حين قال له القوم:"اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون"، فدعا عليهم فقال:"رب إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"، وكانت عَجْلَةً من موسى عِجلها. [["عجلة" مصدر الواحدة من قولهم: "عجل"، إذا أسرع.]]

١١٦٨٩ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"، يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم= كلّ هذا يقول الرجل:"اقض بيننا" [[في المطبوعة: "كل هذا من قول الرجل"، وأثبت ما في المخطوطة، وكأنه صواب، وكأنه يقول"افرق بينا" و"اقض بينا"، و"افتتح بيننا" كل ذلك يقول الرجل بمعنى"اقض بيننا".]]

فقضاء الله جل ثناؤه بينه وبينهم: أن سماهم"فاسقين". [[في المطبوعة والمخطوطة: "فقضى الله"، وآثرت قراءتها كذلك لحسن سياقها، وهو في المخطوطة يكثر أن يكتب"قضاء" هكذا"قضى"، كما سلف مرارا.]]

* *

وعنى بقوله:"الفاسقين" الخارجين عن الإيمان بالله وبه إلى الكفر بالله وبه.

* *

وقد دللنا على أن معنى"الفسق"، الخروج من شيء إلى شيء، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير"الفسق" فيما سلف ١: ٤٠٩، ٤١٠/٢: ١١٨/ ثم ٩: ٥١٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الناصب لِـ"الأربعين".

فقال بعضهم: الناصب له قوله:"محرّمة"، وإنما حرم الله جل وعزّ على القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حَرْب الجبارين [[في المطبوعة والمخطوطة: "وإنما حرم الله جل وعز القوم.."، والسياق يقتضي ما أثبت، بزيادة"على".]] = دخولَ مدينتهم أربعين سنة، [[قوله"دخول" منصوب، مفعول لقوله: "حرم". وكان في المطبوعة: "ودخول مدينتهم"، وهو خطأ لا شك فيه، والكلام لا يستقيم.]] ثم فتحها عليهم وأسكنهموها، [[في المطبوعة: "وأسكنوها"، غير ما في المخطوطة لغير علة.]] وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم، بعد أن انقضت الأربعون سنة وخرجوا من التيه. [[في المطبوعة: "بعد أن قضيت الأربعون سنة"، غير ما في المخطوطة لغير علة.]]

١١٦٩٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى:"إنها محرمة عليهم أربعين سنًة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين"، وهم يومئذ، فيما ذكر، ستمائة ألف مقاتل. فجعلهم"فاسقين" بما عصوا. فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستّة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سئموا ونزلوا، [[في المطبوعة: "حتى يمسوا وينزلوا"، وأثبت ما في المخطوطة، فهو صواب.]] فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا= وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنزل عليهم المنّ والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، وينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. [[قوله: "ما هي قائمة لهم"، كأنه يعني أن ثيابهم كانت لا تبلي، بل لا تزال قائمة. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ينشأ" بغير واو، فزدتها لاقتضاء السياق.]] وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عَيْنٌ، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خَلَت أربعون سنة، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا، أوحى إلى موسى: أنْ مُرْهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد: أن يأتوا الباب، ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا:"حطة"= وإنما قولهم:"حطة"، أن يحطَّ عنهم خطاياهم= فأبى عامة القوم وعصوا، وسجدوا على خدِّهم، وقالوا:"حنطة"، فقال الله جل ثناؤه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِلَى بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩] . [[الأثر: ١١٦٩٠- كأن هذا هو الأثر الذي ذكر أبو جعفر إسناده ولم يتمه فيما مضى رقم: ٩٩٣. فلا أدري أفعل ذلك اختصارا، أم سقط الخبر من هناك.]]

* *

وقال آخرون: بل الناصب لِـ"الأربعين"،"يتيهون في الأرض". قالوا: ومعنى الكلام: قال، فإنَّها محرمة عليهم أبدًا، يتيهون في الأرض أربعين سنة. قالوا: ولم يدخُل مدينة الجبَّارين أحد ممن قال:"إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون"، وذلك أن الله عز ذكره حرَّمها عليهم. قالوا: وإنما دخلها من أولئك القوم يُوشع وكلاب، اللذان قالا لهم:"ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون"، وأولادُ الذين حرَّم الله عليهم دخولها، فتيَّههم الله فلم يدخلها منهم أحدٌ.

ذكر من قال ذلك:

١١٦٩١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله جل وعزّ:"إنها محرمة عليهم"، قال: أبدًا.

١١٦٩٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله:"يتيهون في الأرض"، قال: أربعين سنة.

١١٦٩٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون النحوي قال، حدثني الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة في قوله:"فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض"، قال: التحريم، التيهاءُ. [[الأثر: ١١٦٩٣-"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي".

و"هرون النحوي"، هو: "هرون بن موسى الأزدي"، الأعور.

و"الزبير بن الحزيت". ثقات مضوا جميعًا برقم: ٤٩٨٥.

وهذا الخبر، رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٢٢٥، ٢٢٦.

وكان في المطبوعة هنا: "التحريم، لا منتهى له"، وهو تصرف معيب بالغ العيب. وفي المخطوطة: "التحريم، المنتهى"، فآثرت قراءتها"التيهاء" يقال: "أرض تيه، وتيهاء"، ويقال، "تيه" جمع"تيهاء"، وهي المفازة يتاه فيها. وفي تاريخ الطبري ١: ٢٢٦"التحريم: التيه".]]

١١٦٩٤ - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال:"رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي" الآية، فقال الله جل وعز:"فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض". فلما ضُرِب عليهم التيه، ندم موسى. وأتاه قومه الذين كانوا [معه] يطيعونه، [[هذه الزيادة بين القوسين مما مضى في ٢: ٩٨، رقم: ٩٩١.]] فقال له: ما صنعت بنا يا موسى! فمكثوا في التيه. فلما خرجوا من التيه، رُفع المنُّ والسلوى وأكلُوا من البقول. والتقى موسى وعاج، [[في المطبوعة: "عوج" في هذا المكان، وكل ما سيأتي، وأثبت ما في المخطوطة.]] فنزا موسى في السماء عشرة أذرع [[في المطبوعة: "فوثب"، ولم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة. و"نزا ينزو نزوا"، وثب. وهي كما أثبتها في تاريخ الطبري ٢: ٢٢٣.]] = وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع= فأصاب كعب عاج فقتله. [[عند هذا الموضع انتهى ما رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٢٢٣.]] ولم يبق [أحد] ممن أبى أن يدخل قرية الجبَارين مع موسى، إلا مات ولم يشهد الفتح. [[زدت ما بين القوسين من تاريخ الطبري، ولا يستقيم الكلام إلا بها.]] ثم إن الله جل وعز لما انقضت الأربعون سنة، بعث يوشع بن النون نبيًا، [[في المطبوعة: "بن نون".]] فأخبرهم أنه نبيّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبّارين، فبايعوه وصدَّقوه، فهزم الجبارين واقتحمُوا عليهم يقتُلونهم، [[في المطبوعة: "يقاتلونهم"، وأثبت ما في المخطوطة. وفي تاريخ الطبري: "فقتلوهم".]] فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عُنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها. [[الأثر: ١١٦٩٤- هذا الأثر رواه أبو جعفر مفرقًا بين تاريخه وتفسيره، كما مر عليك في التعليقات السالفة. ومن عند ذلك الموضع الذي أشرت إليه في ص: ١٩٢ التعليق رقم: ٥، إلى هذا الموضع رواه أبو جعفر في التاريخ ١: ٢٢٥.]]

١١٦٩٥ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، [[في المخطوطة: "أبو سعد"، وهو خطأ، وانظر الأثر السالف رقم: ١١٦٦٨.]] عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله جل وعز: لما دعا موسى="فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض". [[في المطبوعة: "قال لما دعا موسى قال الله فإنها محرمة.."، غير ما في المخطوطة، مع أنه مطابق لما في تاريخ الطبري.]] قال: فدخلوا التيه، فكلُّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنًة مات في التيه. [[في المخطوطة؛"جاز العشرين"، وما في المطبوعة مطابق لما في التاريخ.]]

قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينةَ الجبارين، فافتتح يوشع المدينة. [[الأثر: ١١٦٩٥- هذا الأثر، رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٢٢٥.]]

١١٦٩٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله جل وعزّ:"إنها محرّمة عليهم أربعين سنة"، حرمت عليهم [القُرَى] ، [[الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري، وهي زيادة لا بد منها. وكان في المطبوعة والمخطوطة بعد"وكانوا" بالواو، والصواب من التاريخ.]] فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة، [["الأطواء" جمع"طوى" (بفتح الطاء، وكسر الواو، وتشديد الياء) : وهو البئر المطوية بالحجارة، وهو صفة على"فعيل" بمعنى"مفعول" انتقل إلى الأسماء، فلذلك جمعوه على"أفعال" كما قالوا: "شريف" و"أشراف"، و"يتيم"، و"أيتام".]] =وذكر لنا أن موسى ﷺ مات في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا. [[الأثر: ١١٦٩٦- رواه أبو جعفر في التاريخ ١: ٢٢٥، إلا قوله: "إنما يتتبعون الأطواء".]]

١١٦٩٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت= من معصيتهم نبيّهم، وهّمهم بكالب ويوشع، إذْ أمرَاهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا= ظهرت عظمة الله بالغمام على باب قُبّة الزُّمَرِ على كل بني إسرائيل، [[كان في المطبوعة: "على نار فيه الرمز"، وهو لا معنى له، وفي المخطوطة"على فيه الرمز" كل ذلك غير منقوط، وصواب قراءته كما أثبت، فإني أشك في كلمة"نار" التي كانت في المطبوعة، والتي في المخطوطة غير منقوطة، فرجحت قراءتها"باب"، لأنه يكثر في كتاب القوم: "باب خيمة الاجتماع" كما في سفر العدد، الإصحاح العاشر مثلا. و"خيمة الاجتماع"، هي التي جاءت في خبر بن إسحق"قبة الزمر"، و"الزمر" جمع"زمرة" وهي الجماعة. ويقابل ما رواه ابن إسحق هنا في سفر العدد، الإصحاح الرابع عشر، "ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع"، فثبت بهذا أن"خيمة الاجتماع" هي"قبة الزمر". و"القبة" عند العرب. هي خيمة من أدم مستديرة.

هذا، وخبر ابن إسحق هذا بطوله، هو ترجمة أخرى للإصحاح الرابع عشر من سفر العدد. فمن المفيد مراجعته، كما أسلفت في ص: ١٨٣، تعليق ٢. وسأجتهد في بيان بعض خلاف الترجمة هنا.]] فقال جل ثناؤه لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟ وإلى متى لا يصدّقون بالآيات كلِّها التي وضَعتُ بينهم؟ أضربهم بالموت فأهلكهم، [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "أضربهم بالموت"، وفي كتاب القوم"بالوبأ"، وغير بعيد أن يكون لفظ"الموت" مصحفا عن"الوبأ".]] وأجعل لك شعبًا أشد وأكبر منهم. فقال موسى: يسمع أهلُ المصر الذين أخرجتَ هذا الشعب بقوّتك من بينهم، [[في كتاب القوم: "فيسمع المصريون..".]] ويقول ساكن هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب، [[في المطبوعة: "ساكنو هذه البلاد"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك:"إنما قتل هذا الشعب من أجل الذين لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البّرية"، ولكن لترتفع أياديك ويعظم جزاؤك، يا رَبِّ، كما كنت تكلَّمت وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، [[من الحسن أن تقرأ هذا النص في كتاب القوم، فإنه هناك: "فالآن لتعظم قدرة سيدي كما تكلمت قائلا. الرب طويل الروح، كثير الإحسان، يغفر الذنب والسيئة".]] وإنك تحفظ [ذنب] الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة. [[في المطبوعة: "إلى ثلاثة أجيال وأربعة"، وأثبت ما في المخطوطة. و"الأحقاب" جمع"حقب" (بضم فسكون، أو بضمتين) : وهي الدهر، قيل: ثمانون سنة، وقيل أكثر. وأما ما بين القوسين فقد استظهرته من كتاب القوم، فإن الكلام بغيره غير مستقيم. وهو في كتابهم: "بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع".]] فاغفر، أيْ ربِّ، آثام هذا الشعب بكثرة نعمك، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه: قد غفرت لهم بكَلمتك، ولكن حيٌّ أنا، [[في المطبوعة: "ولكن قد أتى أني أنا الله"، غير ما في المخطوطة، إذ لم يحسن قراءته، وهو كما أثبته، وهو في كتاب القوم أيضًا: "ولكن حي أنا فتملأ كل الأرض من مجد الرب".]] وقد ملأت الأرض محمدتي كلها، لا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار، [[في المطبوعة والمخطوطة: "ألا ترى القوم"، والسياق يقتضي ما أثبت، وهو بمعناه في كتاب القوم.]] وابتلوني عشر مرات ولم يطيعوني، [[في المطبوعة: "وسلوني عشر مرات"، و"ابتلاه": اختبره، وفي كتاب القوم: "وجربوني عشر مرات".]] لا يرون الأرض التي حلفت لآبائهم، [[في المطبوعة: "التي خلقت"، وهو ليس صحيح المعنى، بل هو باطل. وهي في المخطوطة غير منقوطة، وهي في كتاب القوم"حلفت" كما هي في رسم المخطوطة، وكما أثبتها، واتفقت على ذلك الترجمة القديمة، وهذه الترجمة التي بين أيدينا. والمعنى في ذلك: الأرض التي أقسمت لآبائهم بعزتي وجلالي أن أجعلها لأبنائهم.]] ولا يراها من أغضبني، فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي، [[في ترجمة القوم: "وأما عبدي كالب، فمن أجل أنه كانت معه روح أخرى. وقد اتبعني تمامًا".]] فإني مدخله الأرض التي دخلها، ويراها خَلَفه.

=وكان العماليق والكنْعانيون جلوسًا في الجبال، ثم غدوا فارتحلوا إلى القفار في طريق بحر سوف، [[في المطبوعة والمخطوطة: "في طريق يحرسون"، وهو تصحيف وتحريف. والصواب ما أثبته و"بحر سوف" هو المعروف باسم"البحر الأحمر"، وكان العرب يعرفونه باسم"بحر القلزم"، و"القلزم": مدينة قديمة كانت قرب أيلة والطور. و"السوف" لعلها نطق قديم لقول العرب"السيف" (بكسر السين) ، وهو ساحل البحر، ولعله قد سمى به موضع هناك، فنسب إليه البحر.]] وكلم الله عز وجل موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى توسوس عليّ هذه الجماعة جماعة السوء؟ قد سمعتُ وسوسة بني إسرائيل. [["وسوس عليه"، و"الوسوسة"، مضت في الأثر رقم: ١١٦٦٣، ولم أشرحها هناك.

وأصل"الوسوسة": الصوت من الريح، أو صوت الحلي والقصب وغيرها. و"الوسوسة" أيضا: كلام خفي مختلط لا يستبين."وسوس الرجل": إذا تكلم بكلام لم يبينه. وهذه ترجمة بلا شك يراد بها الإكثار من الكلام الخفي المبهم، يتناقله القوم بينهم متذمرين. ويقابله في ترجمة القوم، في الكتاب الذي بين أيدينا: "قد سمعت تذمر بني إسرائيل.."]] وقال، لأفعلن بكم كما قلت لكم، [[في كتاب القوم هكذا: "لأفعلن بكم كما تكلمتم في أذني".]] ولتلقينَّ جِيَفكم في هذه القفار، وكحسابكم، [[في المطبوعة: "وحسابكم"، وأثبت ما في المخطوطة، يعني: مثل عددكم، أي جميعا. وفي كتاب القوم: "جميع المعدودين منكم حسب عددكم".]] من بني عشرين سنة فما فوق ذلك، من أجل أنكم وسوستم عليّ، [[انظر تفسير"الوسوسة" آنفا ص ١٩٥، رقم: ٧.]] فلا تدخلوا الأرض التي رفعت [يدي] إليها، [[في المطبوعة والمخطوطة: "التي دفعت إليها"، وليس له معنى، فجعلتها"رفعت" وزدت"يدي" بين القوسين استظهارًا من نص كتاب القوم، وفيه: "التي رفعت يدي لأسكننكم فيها".]] ولا ينزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة، وأما بنُوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر، فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف، لهم الأرض التي أردت لهم، وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيَّام التي حَسَستم الأرض أربعين يومًا، مكان كل يوم سنةً وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدَّامي. إنى أنا الله فاعل بهذه الجماعة= جماعة بني إسرائيل الذين وعدوا قدامي= بأن يتيهوا في القفار، [[في المطبوعة: "قد أتى أني أنا الله......... الذين وعدوا بأن يتيهوا........"، وأثبتت ما في المخطوطة. وفي كتاب القوم: "........فتعرفون ابتعادي. أنا الرب قد تكلمت، لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة على. في هذا القفر يفنون وفيه يموتون".]] فيها يموتون.

= فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم حرَّشوا الجماعة، فأفشوا فيهم خبرَ الشرّ، فماتوا كلهم بغتًة، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض.

=فلما قال موسى عليه السلام هذا الكلام كلَّه لبني إسرائيل، حزن الشعب حزنًا شديدًا، وغدوا فارتفعوا، إلى رأس الجبل، [[في المطبوعة: "على رأس الجبل"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه، من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى:"لم تعتدون في كلام الله؟ من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أنَّ الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم، من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله، فلم يكن الله معكم". فأخذوا يَرْقَوْنَ في الجبل، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة= يعني من الخيمة [[في المطبوعة: "يعني من الحكمة"، والصواب ما أثبت، لأن"التابوت" كان في خيمة. واللفظة في المخطوطة غير بينة الكتابة. وانظر صفة"الخيمة" التي كان فيها التابوت في قاموس كتابهم.]] = حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم. [[إلى هذا الموضع انتهى الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد. وقد تبين أن ما رواه ابن إسحق، هو ترجمة أخرى لهذا الإصحاح. ولغة ترجمة ابن إسحق تخالف كل المخالفة، عبارة ابن إسحق في سائر ما كتب من السير، وفيها عبارات وجمل وألفاظ، لا أشك في أنها من عمل مترجم قديم. ومحمد بن إسحق مات في نحو سنة ١٥٠ من الهجرة، فهذه الترجمة التي رواها عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول، قد تولاها بلا ريب رجال قبل هذا التاريخ، أي في القرن الأول من الهجرة. وهذا أمر مهم، أرجو أن أتتبعه فيما بعد حتى أضع له تاريًخا يمكن أن يكشف عن أمر هذه الترجمة العتيقة.]] فتيّهم الله عز ذكره في التيه أربعين سنًة بالمعصية، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك. =قال: فلما شَبّ النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيِّهوا فيها، [[في المطبوعة: "التي تتيهوا" بتاءين، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في تاريخ الطبري ١: ٢٢٦.]] وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان -فيما يزعمون- على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرًا، [[من أول قوله: "فلما شب النواشئ"، إلى هذا الموضع، مروي في تاريخ الطبري ١: ٢٢٦.]] قدَّم يوشع بن نون إلى أريحا، في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم قبره أحد من الخلائق.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن"الأربعين" منصوبة بـ"التحريم"= وإنّ قوله:"محرمة عليهم أربعين سنة"، معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم. لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة، فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين، دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله عز وجَل عليهم فيها دخولها. ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما، وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبيُّ الله موسى ﷺ، وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى ﷺ. [[في المطبوعة: "عوج بن عنق"، وأثبت ما في المخطوطة. وانظر ما سلف أنه روى في اسمه"عاج" ص: ١٩٢، تعليق: ٢.]] فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه، وهو من أعظم الجبارين خلقًا، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها. ولكن ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم.

وبعدُ: فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور، [[في المطبوعة: "باعوراء"، وأثبت ما في المخطوطة.]] كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى. ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالب، فلا وجه للحاجة إليها.

١١٦٩٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، [[في المطبوعة"عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة، وأثبت ما في المخطوطة، وكلاهما صواب فإن"الذراع"، مؤنثة، وقد تذكر.]] فضرب عوجًا فأصاب كعبه، فسقط ميتًا، فكان جسرًا للناس يمرُّون عليه. [[الأثر: ١١٦٩٨- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٢٢٣.]]

١١٦٩٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، [[في المطبوعة"عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة، وأثبت ما في المخطوطة، وكلاهما صواب فإن"الذراع"، مؤنثة، وقد تذكر.]] فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكانَ جسرًا لأهل النيل سنة. [[الأثر: ١١٦٩٩- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٢٢٣.

هذا، وكل ما رواه أبو جعفر من أخبار عوج، وما شابهه مما مضى في ذكر ضخامة خلق هؤلاء الجبارين، إنما هي مبالغات كانوا يتلقونها من أهل الكتاب الأول، لا يرون بروايتها بأسًا. وهي أخبار زيوف لا يعتمد عليها.]]

* *

ومعنى:"يتيهون في الأرض"، يحارون فيها ويضلُّون= ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق:"تائه". وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل يوم جادِّين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدأوا السير منه.

١١٧٠٠ - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع. [[الأثر: ١١٧٠٠- انظر الأثر السالف رقم: ١١٦٩٠.]]

١١٧٠١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم.

* *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فلا تأس"، فلا تحزن.

يقال منه:"أسِيَ فلان على كذا يأسىَ أسًى"، و"قد أسيت من كذا"، أي حزنت، ومنه قول امرئ القيس:

وُقُوفًا بِهَا صَحْبي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ: لا تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّل [[ديوانه: ١٢٥، من معلقته المشهورة.]]

يعني: لا تهلك حزنًا.

* *

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١١٧٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"فلا تأس" يقول: فلا تحزن.

١١٧٠٣ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط، عن السدي:"فلا تأس على القوم الفاسقين"، قال: لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى ﷺ، فلما نَدِم أوحى الله إليه:"فلا تأس على القوم الفاسقين"، لا تحزن على القوم الذين سمَّيتهم"فاسقين"، فلم يحزن. [[الأثر: ١١٧٠٣- هو بعض الأثر السالف قديمًا رقم: ٩٩١. وأسقط ناشر المطبوعة الأولى: "فلم يحزن"، لأنها كانت في المخطوطة: "فلا تحزن"، فظنها تكرارًا فحذفها، وهي ثابتة كما كتبتها في الأثر السالف: ٩٩١.]]

القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واتلُ على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطُوا أيديهم إليكم، وعلى أصحابك معك [[أخطأ ناشر المطبوعة الأولى فهم هذه العبارة، فجعلها"واتل على هؤلاء الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليكم عليك وعلى أصحابك معك"، فزاد"عليك"، وجعل"معهم"، "معك" فأخرج الكلام من عربية أبي جعفر، إلى كلام غسل من عربيته.

وسياق الكلام: واتل على هؤلاء اليهود.. وعلى أصحابك معهم". فسبحان من سلط الناشرين على الكاتبين!!]] = وعرِّفهم مكروهَ عاقبة الظلم والمكر، وسوء مغبَّة الخَتْر ونقض العهد، [["الختر": هو أسوأ الغدر. وأقبح الخديعة، وفي الحديث: "ما ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو"، وفي التنزيل: "وما يحجد بآياتنا إلا كل ختار كفور". ولم يحسن ناشر المطبوعة قراءة"الختر"، فجعل مكانها"الجور".]] وما جزاء الناكثِ وثوابُ الوافي= [[قوله"خبر ابني آدم" منصوب، مفعول قوله: "واتل على هؤلاء اليهود"، وما بين الخطين، جملة فاصلة للبيان.

وانظر تفسير"يتلو" فيما سلف ٢: ٤٠٩، ٤١١، ٥٦٩/٣: ٨٦/٦: ٤٦٦/٧: ٩٧. وتفسير"نبأ" فيما سلف ١: ٤٨٨، ٤٨٩/٦: ٢٥٩، ٤٠٤.]] خبرَ ابني آدم، هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربَّه الوافي بعهده، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربَّه الخاتِر الناقضِ عهده. [[في المطبوعة: "الجائر"، وانظر تفسير"الختر" فيما سلف تعليق: ٢، وهي في المخطوطة غير منقوطة.]] فلتعرف بذلك اليهود وخَامِة غِبّ غَدْرهم ونقضهم ميثاقَهم بينك وبينهم، [[في المطبوعة: "وخامة غب عدوهم"، وهو فاسد مريض، وهي في المخطوطة كما كتبتها غير منقوطة.]] وهمَّهم بما همُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم [[يعني النبي ﷺ وأصحابه.]] = في حسن ثوابي وعِظَم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتولَ الوافِيَ بعهده من ابني آدم، وعاقبتُ به القاتل الناكثَ عهده= عزاءً جميلا. [[السياق: "فإن لك ولهم.. عزاء جميلا".]]

* *

واختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان، وسبب قَبُول الله عز وجل ما تقبل منه، ومَنِ اللذان قرَّبا؟

فقال بعضهم: كان ذلك عن أمر الله جل وعز إياهما بتقريبه، وكان سبب القبول أن المتقبَّل منه قرَّب خير ماله، وقرب الآخر شر ماله، وكان المقرِّبان ابني آدم لصلبه، أحدهما: هابيل، والآخرُ: قابيل.

ذكر من قال ذلك:

١١٧٠٤ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن هشام بن سَعْد، عن إسماعيل بن رافع قال: بلغني أن ابني آدم لمّا أُمِرَا بالقربان، كان أحدهما صاحب غَنَم، وكان أُنْتِجَ له حَمَلٌ في غنمه، [["أنتج" (بالبناء للمجهول) ، أي: ولد. و"الحمل" (بفتحتين) : الخروف.]] فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منه. فلما أُمِر بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يَرْتَع في الجنة حتى فُدِي به ابن إبراهيم صلى الله عليهما. [[الأثر: ١١٧٠٤-"هشام بن سعد المدني"، ثقة، تكلموا فيه من جهة حفظه. مضى برقم: ٥٤٩٠. وكان في المطبوعة هنا: "بن سعيد"، والصواب من المخطوطة.

"إسمعيل بن رافع بن عويمر المدني القاص"، ضعيف جدا، مضى برقم: ٤٠٣٩.]]

١١٧٠٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو قال: إنّ ابني آدم اللذين قرّبا قربانًا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ، والآخر صاحب غنم. وأنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا= وإن صاحب الغَنَم قرب أكرم غنمه وأسمَنَها وأحسَنَها طيّبًة بها نفسه= وإن صاحبَ الحرث قرّب شَرّ حرثه، [الكوزن] والزُّوان، [["الكوزن"، هكذا في المطبوعة والمخطوطة، وفي تاريخ الطبري"الكوذر"، ولم أجدها في شيء مما بين يدي من الكتب. والذي وجدته أن"الدوسر": نبات كنبات الزرع، له سنبل وحب دقيق أسمر، يكون في الحنطة، ويقال هو"الزوان". و"الزوان" (بضم الزاي) : ما يخرج من الطعام فيرمي به، وهو الرديء منه. وقيل: هو حب يخالط الحنطة، تسميه أهل الشأم: "الشيلم".]] غير طيبةٍ بها نفسه= وإن الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه. وقال: أيمُ الله، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ يده إلى أخيه. [[الأثر: ١١٧٠٥- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٧١، وسيأتي برقم: ١١٧٢٧، مختصرًا. وفي المطبوعة هنا: "أن يبسط يده إلى أخيه"، زاد"يده"، وهي ليست في المخطوطة، ولا في التاريخ، ولا في هذا الأثر الذي سيرويه مرة أخرى بعد.]]

* *

وقال آخرون: لم يكن ذلك من أمرِهما عن أمرِ الله إياهما به.

ذكر من قال ذلك:

١١٧٠٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتصدَّق عليه، [[في المطبوعة: "فيتصدق"، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.]] وإنما كان القربان يقرِّبه الرجل. فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا"لو قربنا قربانًا"! وكان الرجل إذا قرب قربانًا فرضيه الله جل وعزّ، أرسل إليه نارًا فأكلته. وإن لم يكن رضيَه الله، خَبَتِ النار. فقرّبا قربانًا، وكان أحدهما راعيًا، وكان الآخر حرَّاثًا، وإنّ صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنَها، وقرب الآخر بعضَ زرعه. [[في المطبوعة: "أبغض زرعه"، غير ما في المخطوطة، وهي موافقه لما في التاريخ. ويعني بقوله: "بعض زرعه"، أي: ما اتفق له، غير متخير كما تخير أخوه. وهو كقوله في الأثر رقم: ١١٧٠٩."زرعا من زرعه".]] فجاءت النار فنزلت يينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتَمْشي في الناس وقد علموا أنك قرَّبت قربانًا فتُقبِّل منك، ورُدَّ علي؟ فلا والله لا تنظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني!! فقال: لأقتلنَّك! فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. [[الأثر: ١١٧٠٦- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٧١، وسيأتي برقم: ١١٧٥٠، بزيادة في آخره.]]

١١٧٠٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"إذ قربا قربانًا"، قال: ابنا آدم، هابيل وقابيل، لصلب آدم. فقرّب أحدهما شاةً، وقرب الآخر بَقْلا فقبل من صاحب الشاة، فقتله صاحبه.

١١٧٠٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١١٧٠٩ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله:"واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذْ قرّبا قربانًا" قال: هابيل وقابيل، فقرب هابيل عَنَاقًا من أحسن غَنَمه، [["العناق" (بفتح العين) : وهي الأنثى من المعز ما لم تتم سنة.]] وقرب قابيل زرعًا من زرعه. قال: فأكلت النار العَناقَ، ولم تأكل الزرع، فقال: لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين.

١١٧١٠ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدا في قوله:"واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا" قال: هو هابيل وقابيل لصُلْب آدم، قربا قربانًا، قرب أحدهما شاة من غنمه، وقرب الآخر بَقْلا فتُقُبِّل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه: لأقتلنك! فقتله. فعقل الله إحدى رجليه بساقها إلى فخذها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه حَظِيرة من ثلج في الشتاء، وعليه في الصيف حظيرة من نار، ومعه سبعةُ أملاكٍ، كلما ذهب مَلَك جاء الآخر.

١١٧١١ - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس:"واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر"، قال: قرّب هذا كبشًا، وقرّب هذا صُبَرًا من طعام، [["الصبر" (بضم الصاد وفتح الباء) جمع"صبرة" (بضم فسكون) : كومة من طعام بلا كيل ولا وزن. ويقال: "اشتريت الشيء صبرة"، أي بلا كيل ولا وزن. وفي المطبوعة: "صبرة" وأثبت ما في المخطوطة.]] فتقبل من أحدهما، قال: تُقُبل من صاحب الشاة، ولم يتقبل من الآخر.

١١٧١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر"، كان رجلان من بني آدم، فتُقُبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.

١١٧١٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية:"واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق"، قال: كان أحدهما اسمه قابيل، والآخر هابيل، أحدهما صاحب غنم، والآخر صاحب زرع، فقرب هذا من أمثل غنمه حَمَلا وقرّب هذا من أرذَلِ زرعه، [[في المطبوعة: "من أردإ زرعه"، وأثبت ما في المخطوطة.]] قال: فنزلت النار فأكلت الحمل، فقال لأخيه: لأقتلنك!

١١٧١٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل: أن آدم أمر ابنه قابيل أن يُنكِح أختَه تُؤْمَهُ هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته تُؤْمَه قابيل، [[في المطبوعة في الموضعين"توأمة"، وأثبت ما في المخطوطة، وفي تاريخ الطبري: "توأمته". و"التوأم" و"التئم" (بكسر فسكون) و"التؤم" (بضم فسكون) ، و"التئيم"، هو من جميع الحيوان، المولود مع غيره في بطن، من الاثنين إلى ما زاد، ذكرًا كان أوأنثى، أو ذكرًا مع أنثى. ويقال أيضا"توأم للذكر"و"توأمة" للأنثى.

وفي المخطوطة والمطبوعة في جميع المواضع"قابيل". وأما في التاريخ، فهو في جميع المواضع"قين" مكان"قابيل"، وهما واحد، فتركت ما في المطبوعة والمخطوطة على حاله، وإن كان يخالف ما رواه أبو جعفر في التاريخ.]] فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى قابيل ذلك وكره، [[في المطبوعة: "وكرهه"، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.]] تكرمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحنَ وِلادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي! = ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه. فالله أعلم أيّ ذلك كان= فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحلُّ لك! فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بني فقرّب قربانًا، ويقرّب أخوك هابيل قربانًا، فأيُّكما قَبِل الله قربَانه فهو أحق بها. وكان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رِعاية الماشية، فقرب قابيل قمحًا وقرّب هابيل أبْكارًا من أبكار غنمه= وبعضهم يقول: قرب بقرة= فأرسل الله جل وعز نارًا بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يُقْبَل القُربان إذا قبله. [[الأثر: ١١٧١٤- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٧٠.]]

١١٧١٥ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن ابن مسعود= وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: وكان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، [[في المطبوعة: "كان.." بغير واو، وأثبت ما في المخطوطة.]] فكان يزوّج غلام هذا البطن، جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن، غلامَ هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل، وهابيل. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرْعٍ. وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل. وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوَّجها! فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل، فأبى. وإنهما قربا قربانًا إلى الله أيُّهما أحق بالجارية، كان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله عز ذكره لآدم: يا آدمُ، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا! قال: فإن لي بيتًا بمكة فأتِه. فقال آدم للسماء:"احفظي ولدي بالأمانة"، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال فأبت. وقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجدُ أهلك كما يسرُّكَ. فلما انطلق آدم، قربا قربانًا، وكان قابيل يفخَر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي! فلما قرَّبا، قرب هابيل جَذَعة سمينة، [["الجذعة" من الضأن والمعز، الصغير، لم يتم سنته.]] وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففرَكَها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربانَ هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي! فقال هابيل: إنما يتقبَّل الله من المتقين. [[الأثر: ١١٧١٥- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٦٨، ٦٩.]]

١١٧١٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق"، ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل. فأما هابيل، فكان صاحب ماشية، فعمَد إلى خير ماشيته فتقرّب بها، فنزلت عليه نار فأكلته= وكان القربان إذا تُقُبل منهم، نزلت عليه نار فأكلته. وإذا رُدَّ عليهم أكلته الطيرُ والسباع= وأما قابيل، فكان صاحب زرع، فعمد إلى أردإ زرعه فتقرب به، فلم تنزل عليه النار، فحسد أخاه عند ذلك فقال: لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين.

١١٧١٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق"، قال: هما هابيل وقابيل، قال: كان أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخيرِ ماله، وجاء الآخر بشر ماله. فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما، وهو هابيل، وتركت قربان الآخر، فحسده فقال: لأقتلنك!

١١٧١٨ - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد:"إذ قرّبا قربانًا"، قال: قرّب هذا زرعًا، وذَا عناقًا، فتركت النارُ الزرعَ وأكلتِ العَناق. [["العناق": أنثى المعز، ما لم تتم سنة.]]

* *

وقال آخرون: اللذان قرّبا قربانًا، وقصَّ الله عز ذكره قصصهما في هذه الآية: رجلان من بني إسرائيل، لا من ولد آدم لصلبه.

ذكر من قال ذلك:

١١٧١٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن قال: كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله:"واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق"، من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القُربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات. [[الأثر: ١١٧١٩-"سهل بن يوسف الأنماطي"، روى عن ابن عون، وعوف الأعرابي، وحميد الطويل، وغيرهم. روى عنه أحمد، ويحيى بن معين، ومحمد بن بشار، وغيرهم. مترجم التهذيب.

وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٧١.

وسيأتي رد هذا الذي قاله الحسن فيما سيأتي ص: ٢١٩، ٢٢٠.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قرّبا القربان كانا ابني آدم لصلبه، لا من ذرّيته من بني إسرائيل. وذلك أن الله عز وجل يتعالى عن أن يخاطب عبادَه بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريبَ القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم، دون الملائكة والشياطين وسائرِ الخلق غيرهم. فإذْ كان معلومًا ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًّا بِ"ابني آدم" اللذين ذكرهما الله في كتابه، ابناهُ لصلبه، لم يفدْهم بذكره جل جلاله إياهما فائدة لم تكن عندهم. وإذْ كان غيرَ جائز أن يخاطبهم خطابًا لا يفيدهم به معنًى، فمعلوم أنه عَنى بـ"ابني آدم"، [ابني آدم لصلبه] ، لا بَنِي بنيه الذين بَعُد منه نسبهم، [[في المطبوعة، بغير الزيادة التي بين القوسين. أما المخطوطة، فكانت العبارة غير مستقيمة، كتب هكذا: "أنه عني بابني آدم لصلبه بني بنيه الذين بعد منه نسبهم" فالصواب زيادة ما زدته بين القوسين، وزيادة"لا" كما فعل في المطبوعة السابقة.]] مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل، على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا.

* *

وقد ذكرنا كثيًرا ممن نُصَّ عنه القول بذلك، وسنذكر كثيرًا ممن لم يذكر إن شاء الله.

١١٧٢٠ - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا حسام بن المِصَكّ، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حيّاك الله وبيّاك! = فقال:"بياك"، أضحكك. [[الأثر: ١١٧٢٠-"حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي". روى عن الحسن. وابن سيرين، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر. روى عنه أبو داود الطيالسي، وهشيم، ويزيد بن هرون، وغيرهم. ضعفوه، حتى قال ابن معين: "كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، حتى خرج عن حد الاحتجاج به". مترجم في التهذيب.]]

١١٧٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال، قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لما قتل ابن آدم أخاه، بكى آدم فقال:

تَغَيَّرَتِ الْبِلادُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَلَوْنُ الأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ

تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحِ

فأجيب آدم عليه السلام:

أَبَا هَابِيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعًا ... وَصَارَ الْحَيُّ كَالْمَيْتِ الذَّبِيحِ

وَجَاءَ بِشِرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا ... عَلَى خَوْفٍ، فَجَاءَ بِهَا يَصِيحُ [[الأثر: ١١٧٢١-"غياث بن إبراهيم النخعي، الكوفي"، قال يحيى بن معين: "كذاب خبيث". وقال خالد بن الهياج: "سمعت أبي يقول: رأيت غياث بن إبراهيم، ولو طار على رأسه غراب لجاء فيه بحديث! وقال: إنه كان كذابًا يضع الحديث من ذات نفسه". مترجم في الكبير ٤/١/١٠٩، وابن أبي حاتم ٣/٢/٥٧، وفي لسان الميزان، وميزان الاعتدال.

وفي المخطوطة والمطبوعة، سقط من الإسناد"عن غياث بن إبراهيم"، وزدته من إسناد أبي جعفر في تاريخه ١: ٧٢، وروى الخبر هناك.]]

* *

قال أبو جعفر: وأما القول في تقريبهما ما قرَّبا، فإن الصواب فيه من القول أن يقال: إن الله عز ذكره أخبرَ عبادَه عنهما أنهما قد قربا، ولم يخبر أن تقريبهما ما قرّبا كان عن أمر الله إياهما به، ولا عن غير أمره. وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك= وجائز أن يكون عن غير أمره. غير أنه أيّ ذلك كان، فلم يقرّبا ذلك إلا طلب قرْبةٍ إلى الله إن شاء الله.

* *

وأما تأويل قوله:"قال لأقتلنك"، فإن معناه: قال الذي لم يُتَقَبَّل منه قربانه، للذي تُقُبّل منه قربانه:"لأقتلنك"، فترك ذكر:"المتقبل قربانه" و"المردود عليه قربانه"، استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته. وكذلك ترك ذكر"المتقبل قربانه" مع قوله،"قال إنما يتقبل الله من المتقين".

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.

١١٧٢٢ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"قال لأقتلنك"، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. [[الأثر: ١١٧٢٢- هذا ختام الأثر السالف رقم: ١١٧٠٦.]]

١١٧٢٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إنما يتقبل الله من المتقين"، قال يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تُقُبل منك، جئت بقربانٍ مغشوش بأشرِّ ما عندك، [[قوله: "بأشر ما عندك"، أي: "بشر ما عندك"، وهي لغة قليلة. وقد مضت في الخبر رقم: ٥٠٨٠، وانظر التعليق هناك: ٥: ٨٥، تعليق: ١.]] وجئت أنا بقربان طيِّب بخير ما عندي. قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني!

* *

ويعني بقوله:"من المتقين"، من الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته. [[انظر تفسير"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى) .]]

* *

وقد قال جماعة من أهل التأويل:"المتقون" في هذا الموضع، الذين اتقوا الشرك.

ذكر من قال ذلك:

١١٧٢٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله:"إنما يتقبل الله من المتقين"، الذين يتقون الشرك.

* *

وقد بينا معنى"القربان" فيما مضى= وأنه"الفعلان" من قول القائل:"قرَّب"، كما"الفُرْقان""الفعلان" من"فرق"، و"العُدْوان" من"عدا". [[انظر ما سلف ٧: ٤٤٨.]]

* *

وكانت قرابين الأمم الماضية قبل أمَّتنا، كالصدقات والزكوات فينا، غير أن قرابينهم كان يُعْلم المتقبل منها وغير المتقبَّل =فيما ذكر= بأكل النار ما تُقُبل منها، وترك النار ما لم يُتقبّل منها. [[انظر الأثرين السالفين: ٨٣١٠، ٨٣١١.]] و"القربان" في أمّتنا، الأعمال الصالحة، من الصَّلاة، والصيام، والصدقة على أهل المسكنة، وأداءِ الزكاة المفروضة. ولا سبيل لها إلى العلم في عاجلٍ بالمتقبَّل منها والمردود. [[قوله: "لها"، الضمير عائد إلى قوله: "أمتنا".]]

* *

وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبري، أنه حين حضرته الوفاة بَكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقد كنتَ وكنتَ! فقال: يبكيني أنّي أسمع الله يقول:"إنما يتقبل الله من المتقين".

١١٧٢٥ - حدثني بذلك محمد بن عمر المقدمي قال، حدثني سعيد بن عامر، عن همّام، عمن ذكره، عن عامر. [[الأثر: ١١٧٢٥-"محمد بن عمر بن علي بن عطاء المقدمي"، مضى برقم: ٦٢٢٥، ٦٨٠٩.

و"سعيد بن عامر الضبعي"، ثقة مأمون. مترجم في التهذيب.

و"همام" هو"همام بن يحيى بن دينار الأزدي"، ثقة صدوق. مترجم في التهذيب.

و"عامر بن عبد الله العنبري"، هو"عامر بن عبد الله بن عبد قيس العنبري"، ويقال: "عامر بن عبد قيس"، أحد الزهاد الثمانية، وهم: "عامر بن عبد الله بن عبد قيس، وأويس القرني، وهرم بن حبان، والربيع بن خثيم، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وأبو مسلم الخولاني، والحسن بن أبي الحسن البصري". انظر ترجمته في حلية الأولياء ٢: ٨٧-٩٥، وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل: ٢١٨- ٢٢٨. ولم أجد هذا الخبر في أخباره في الكتابين.]]

* *

وقد قال بعضهم: قربان المتقين، الصلاة.

١١٧٢٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عمران بن سليمان، عن عدي بن ثابت قال: كان قربان المتّقين، الصلاة. [[الأثر: ١١٧٢٦-"عمران بن سليمان القيسي"، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في لسان الميزان.

و"عدي بن ثابت الأنصاري"، ثقة، إلا أنه كان يتشيع. مات سنة ١١٦. مترجم في التهذيب.]]

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن المقتول من ابني آدم أنه قال لأخيه= لما قال له أخوه القاتل: لأقتلنك=: والله"لئن بسطت إليَّ يدك"، يقول: مددت إليَّ يدك="لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك"، يقول: ما أنا بمادٍّ يدي إليك [[انظر تفسير: "بسط" فيما سلف ص: ١٠٠.]] "لأقتلك".

* *

وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه، ولم يمانعه ما فَعَل به. فقال بعضهم: قال ذلك، إعلامًا منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتلَه ولا بسطَ يده إليه بما لم يأذن الله جل وعز له به. [[في المطبوعة: "بما لم يأذن الله به"، أسقط ما هو ثابت في المخطوطة، ولا أدري لم يرتكب ذلك!!]]

ذكر من قال ذلك:

١١٧٢٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: وايم الله، إن كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسُط إلى أخيه. [[الأثر: ١١٧٢٧- سلف هذا الأثر مطولا برقم: ١١٧٠٥، وانظر التعليق عليه هناك.]]

١١٧٢٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك"، ما أنا بمنتصر، [[في المطبوعة والمخطوطة: "لا أنا"، والسياق يقتضي ما أثبت.]] ولأمسكنَّ يدي عنك.

* *

وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله، وقال ما قال له مما قصَّ الله في كتابه: [إلا] أن الله عزّ ذكره فرضَ عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه. [[الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق هذه الجملة.]]

ذكر من قال ذلك:

١١٧٢٩ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدًا يقول في قوله:"لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك"، قال مجاهد: كان كُتب عليهم، [[في المطبوعة: "كان كتب الله عليهم"، وأثبت ما في المخطوطة.]] إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلمًا، وأن المقتول قال لأخيه:"ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك"، لأنه كان حرامًا عليه من قتل أخيه مثلُ الذي كان حرامًا على أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه، كان المقتول عالمًا بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله، فترك دفعَه عن نفسه. بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ. [[انظر الآثار التالية من رقم: ١١٧٤٦-١١٧٤٩.]] فإذْ كان ذلك ممكنًا، ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورًا بترك منع أخيه من قتله، يكون جائزًا ادعاءُ ما ليس في الآية، إلا ببرهان يجب تسليمُه.

* *

وأما تأويل قوله:"إنّي أخاف الله رب العالمين" فإنه: إنّي أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك= [[في المطبوعة: "فإني أخاف"، وهو لا يستقيم، والصواب ما أثبته من المخطوطة.]] "رب العالمين"، يعني: مالك الخلائق كلها [[انظر تفسير"رب" و"العالمون" فيما سلف من فهارس اللغة.]] =أن يعاقبني على بسط يدي إليك.

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: إني أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي، وإثمك في معصيتك الله، وغير ذلك من معاصيك. [[في المطبوعة: "وإثمك في معصيتك الله بغير ذلك من معاصيك"، وهو كلام لا يستقيم، لا شك أن صوابه ما أثبت.]]

ذكر من قال ذلك:

١١٧٣٠ - حدثني موسى بن هارون، [[في المطبوعة: "محمد بن هرون"، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه في المخطوطة.]] قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في حديثه، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن ابن مسعود= وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك"، يقول: إثم قتلي، إلى إثمك الذي في عنقك="فتكون من أصحاب النار".

١١٧٣١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك"، يقول: بقتلك إياي، وإثمك قبل ذلك.

١١٧٣٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك"، قال: بإثم قتلي وإثمك.

١١٧٣٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك" يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي، تبوء بهما جميعًا.

١١٧٣٤ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك"، يقول: إني أريد أن تبوء بقتلك إياي="وإثمك"، قال: بما كان منك قبل ذلك.

١١٧٣٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثني عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك"، قال: أما"إثمك"، فهو الإثم الذي عمل قبل قتل النفس =يعني أخاه= وأما"إثمه"، فقتلُه أخاه.

* *

=وكأن قائلي هذه المقالة، وجَّهوا تأويل قوله:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك"، إلى: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي [[في المطبوعة والمخطوطة: "أي: إني أريد.."، وصواب قراءتها ما أثبت.]] =فحذف"القتل" واكتفى بذكر"الإثم"، إذ كان مفهومًا معناه عند المخاطبين به.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: إني أريد أن تبوء بخطيئتي، فتتحمل وزرها، وإثمِك في قتلك إيّاي. وهذا قول وجدتُه عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطًا، لأن الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبلُ.

ذكر من قال ذلك:

١١٧٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك"، يقول: إني أريد أن تكون عليك خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعًا.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي [[انظر تفسير"باء" فيما سلف ٢: ١٣٨، ٣٤٥/٧: ١١٦، ٣٦٦ = وتفسير"الإثم"، فيما سلف من فهارس اللغة.]] =وذلك هو معنى قوله:"إني أريد أن تبوء بإثمي" =وأما معنى:"وإثمك"، فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصيته الله جل ثناؤه في أعمالٍ سِوَاه.

وإنما قلنا ذلك هو الصواب، لإجماع أهل التأويل عليه. لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاءُ عمله له أو عليه. وإذا كان ذلك حكمه في خلقه، فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثامِ معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبَه قتيلُه.

* *

فإن قال قائل: أو ليس قتلُ المقتول من بني آدم كان معصيةً لله من القاتل؟ قيل: بلى، وأعظِمْ بها معصية!

فإن قال: فإذا كان لله جل وعز معصيًة، فكيف جاز أن يُريد ذلك منه المقتول، ويقول:"إني أريد أن تبوء بإثمي"، وقد ذكرتَ أن تأويل ذلك، إني أريد أن تبوء بإثم قتلي؟ [قيل] معناه: [[في المطبوعة، وصل الكلام، فلم يكن للاستفهام جواب، فكتب هكذا: "إني أريد أن تبوء بإثم قتلي، فمعناه: إني أريد..". وفي المخطوطة مثل ذلك، إلا أنه كتب"ومعناه" بالواو. واستظهرت أن الصواب ما زدت بين القوسين"قيل"، فإنه هذا أول جواب السائل.]] إني أريد أن تبوء بإثم قتلي إن قتلتني، لأني لا أقتلك، فإن أنت قتلتني، فإني مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله في قتلك إياي. وهو إذا قتله، فهو لا محالة باءَ به في حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبةٍ له الدخولَ في الخطأ.

* *

ويعني بقوله:"فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين"، يقول: فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم، ووقود النار المخلدين فيها [[انظر تفسير"أصحاب النار" فيما سلف ٢: ٢٨٦/٤: ٣١٧/٥: ٤٢٩/ ٦: ١٤/ ٧: ١٣٣، ١٣٤.]] ="وذلك جزاء الظالمين"، يقول: والنار ثوابُ التاركين طريق الحق، الزائلين عن قصد السبيل، المتعدِّين ما جُعِل لهم إلى ما لم يجعل لهم. [[انظر تفسير"جزاء" و"الظالمون" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

وهذا يدل على أن الله عز ذكره قد كان أمرَ ونهى آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض، ووعد وأوعد. ولولا ذلك ما قال المقتول للقاتل:"فتكون من أصحاب النار" بقتلك إياي، ولا أخبره أن ذلك جزاء الظالمين. فكان مجاهد يقول: عُلّقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج.

١١٧٣٧ - حدثنا بذلك القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال مجاهد ذلك= قال: وقال عبد الله بن عمرو: وإنا لنجد ابنَ آدم القاتلَ يقاسِم أهل النار قسمًة صحيحًة العذابَ، عليه شطرُ عذابهم. [[الأثر: ١١٧٣٧- رواه أبو جعفر فيما سلف برقم: ١١٧١٠، طريق أخرى. وليس فيه هذه الزيادة عن عبد الله بن عمرو.]]

* *

وقد روي عن رسول الله ﷺ، بنحو ما روي عن عبد الله بن عمرو، خبٌر.

١١٧٣٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير= وحدثنا سفيان قال، حدثنا جرير وأبو معاوية= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية ووكيع= جميعًا، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأوَّلَ كفلٌ منها، ذلك بأنه أول من سَنَّ القتل. [[الأثران: ١١٧٣٨، ١١٧٣٩- هذا حديث صحيح، رواه أحمد في مسنده من هذه الطرق، من حديث عبد الله بن مسعود برقم: ٣٦٣٠، ٤٠٩٢، ٤١٢٣. ورواه البخاري في صحيحه من طرق عن الأعمش (الفتح ٦: ٢٦٢/١٢: ١٦٩/ ١٣: ٢٥٦) ، ورواه مسلم في صحيحه من طرق عن الأعمش ١١: ١٦٥، ١٦٦. وقال ابن كثير في تفسيره ٣: ١٣٠: "وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود، من طرق عن الأعمش، به". ورواها أبو جعفر في تاريخه ١: ٧٢، بمثل الذي رواه هنا.

و"الكفل" (بكسر فسكون) : الحظ والنصيب من الوزر والإثم. وانظر تفسير أبي جعفر فيما سلف ٨: ٥٨١.]]

١١٧٣٩ - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي= ح، وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن= جميعا، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﷺ، نحوه. [[الأثران: ١١٧٣٨، ١١٧٣٩- هذا حديث صحيح، رواه أحمد في مسنده من هذه الطرق، من حديث عبد الله بن مسعود برقم: ٣٦٣٠، ٤٠٩٢، ٤١٢٣. ورواه البخاري في صحيحه من طرق عن الأعمش (الفتح ٦: ٢٦٢/١٢: ١٦٩/ ١٣: ٢٥٦) ، ورواه مسلم في صحيحه من طرق عن الأعمش ١١: ١٦٥، ١٦٦. وقال ابن كثير في تفسيره ٣: ١٣٠: "وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود، من طرق عن الأعمش، به". ورواها أبو جعفر في تاريخه ١: ٧٢، بمثل الذي رواه هنا.

و"الكفل" (بكسر فسكون) : الحظ والنصيب من الوزر والإثم. وانظر تفسير أبي جعفر فيما سلف ٨: ٥٨١.]]

١١٧٤٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي قال: ما من مقتول يقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه.

١١٧٤١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، أنه حُدِّث عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلا لابْنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سُفِك دم في الأرض منذ قَتَل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شيء، وذلك أنه أوَّل من سنَّ القتل. [[الأثر: ١١٧٤١-"حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري"، روى عن ابن عمه أبي أمامة بن سهل، ونافع بن جبير بن مطعم، والزهري، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له الترمذي وابن خزيمة وغيرها، وقال ابن سعد: "كان قليل الحديث، ولا يحتجون بحديثه". مترجم في التهذيب.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا الخبر الذي ذكرنا عن رسول الله ﷺ، [[في المطبوعة: "وبهذا الخبر.."، غير ما في المخطوطة، لم يحسن قراءة الآتي.]] مبينٌ عن أنّ القول الذي قاله الحسن في ابني آدم اللذين ذكرهما الله في هذا الموضع [[في المطبوعة: "تبين أن القول"، جعلها كذلك، وغير التي قبلها من أجل تغييره. وفي المخطوطة"متبين عن القول" غير منقوطة، والصواب ما أثبته، أسقط الناسخ"أن"، والسياق دال على ذلك.]] أنهما ليسا بابني آدم لصلبه، ولكنهما رجلان من بني إسرائيل= وأن القول الذي حكي عنه [[قول الحسن هذا، هو ما رواه في الأثر رقم: ١١٧١٩. وانظر أيضا ما سيأتي ص: ٢٢٤.]] أنّ أول من مات آدم، وأن القربان الذي كانت

النار تأكله لم يكن إلا في بني إسرائيل= [[السياق: وهذا الخبر ... مبين عن أن القول الذي قاله الحسن ... خطأ".]] خطأ، لأن رسول الله ﷺ قد أخبر عن هذا القاتل الذي قَتَل أخاه: أنه أول من سَنَّ القتل. وقد كان، لا شك، القتلُ قبل إسرائيل، فكيف قبل ذريته! فخطأ من القول أن يقال: أول من سن القتل رجلٌ من بني إسرائيل. [[في المخطوطة والمطبوعة: "وخطأ من القول" بالواو، والسياق يقتضي الفاء، كما أثبتها.]]

وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال:"هو ابن آدم لصلبه"، لأنه أولُ من سن القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما رَوَينا عن رسول الله ﷺ.

القول في تأويل قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فطوّعت" فآتتهُ وساعدته عليه. [[في المطبوعة: "فأقامته وساعدته ... "، وفي المخطوطة كما كتبتها، ولكنها غير منقوطة. يقال: "آتيته على هذا الأمر مؤاتاة"، إذا وافقته وطاوعته. قالوا: "والعامة تقول: واتيته. قالوا: ولا تقل: واتيته، إلا في لغة لأهل اليمن. ومثله آسيت، وآكلت، وآمرت= وإنما جعلوها واوًا على تخفيف الهمزة في: يواكل، ويوامر، ونحو ذلك".]]

* *

وهو"فعَّلت" من"الطوع"، من قول القائل:"طاعني هذا الأمر"، إذا انقاد له.

* *

وقد اختلف أهل التأويل في تأويله.

فقال بعضهم، معناه: فشجَّعت له نفسه قتل أخيه.

ذكر من قال ذلك:

١١٧٤٢ - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ومحمد بن حميد قالا حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد:"فطوعت له نفسه"، قال: شجعت. [[الأثر: ١١٧٤٢-"عنبسة"، هو"عنبسة بن سعيد بن الضريس الأسدي" مضى مرارًا، منها رقم: ٢٢٤، ٣٣٥٦، ٥٣٨٥.

و"ابن أبي ليلى"، هو"محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى"، مضى مرارًا. رقم: ٣٢، ٣٣، ٦٣١، ٣٩١٤، ٥٤٣٤.

وكان في الإسناد هنا، في المخطوطة والمطبوعة: "عن عنبسة بن أبي ليلى"، وهو خطأ لا شك فيه، وقد مضى هذا الإسناد كثيًرا، انظر مثلا رقم: ٦٣١.]]

١١٧٤٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فطوعت له نفسه" قال: فشجعته.

١١٧٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فطوعت له نفسه قتل أخيه"، قال: شجعته على قتل أخيه.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: زيَّنَت له.

ذكر من قال ذلك:

١١٧٤٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فطوعت له نفسه"، قال: زينت له نفسه قتلَ أخيه فقَتله.

* *

ثم اختلفوا في صفة قتله إياه، كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله.

* *

فقال بعضهم: وجده نائمًا فشدَخ رأسه بصَخرة.

ذكر من قال ذلك:

١١٧٤٦ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبى مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن عبد الله= وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ:"فطوعت له نفسه قتل أخيه" فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رءوس الجبال. وأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمًا له في جبل، وهو نائم، فرفع صخرة فشدَخ بها رأسه، فمات، فتركه بالعَرَاء.

* *

وقال بعضهم ما:-

١١٧٤٧ - حدثني محمد بن عمر بن علي قال، سمعتَ أشعث السجستاني يقول: سمعت ابن جريج قال: ابنُ آدم الذي قتل صاحبَه لم يدر كيف يقتله، فتمثَّل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرًا فقطع رأسه، [[في المطبوعة: "فقصع رأسه"، ولا تصح وأثبت ما في المخطوطة. وإنما عني"قطع رأسه"، علمه قطع الرأس في القتل، ثم علمه الشدخ في القتل. صورتان للقتل.]] ثم وضعه بين حجرين فشدَخ رأسه، فعلَّمه القتل.

١١٧٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قتله حيث يرعَى الغنم، فأتاه فجعل لا يدري كيف يقتله، [[في المطبوعة"فأتى"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فلَوَى برقبته وأخذ برأسه، فنزل إبليس وأخذ دابَّةً أو طيرًا، فوضع رأسه على حجرٍ، ثم أخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه، وابنُ آدم القاتلُ ينظر. فأخذ أخاه فوضع رأسه على حجَر، وأخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه.

١١٧٤٩ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدًا يقول، فذكر نحوه.

١١٧٥٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما أكلت النار قربانَ ابن آدم الذي تُقُبِّل قربانه، قال الآخر لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقُبِّل منك، ورُدَّ عليَّ؟ والله لا تنتظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني! فقال:"لأقتلنك"، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ "إنما يتقبل الله من المتقين". فخوّفه بالنار، فلم ينته ولم ينزجر="فطوعت له نفسه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين". [[الأثر: ١١٧٥٠- مضى مفرقًا برقم: ١١٧٠٦، ١١٧٢٢.]]

١١٧٥١ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجَمْرة، وهو متقَنّع متوكئٌ على يدي، حتى إذا وازينا بمنزل سَمُرَةَ الصوّاف، [[في المطبوعة والمخطوطة"بمنزل سمرة الصراف" بالراء، وأثبت ما في تاريخ الطبري، ولا أدري ما يكون هذا، فلم أجد موضعًا بهذا الاسم فيما بين يدي من المراجع. و"سمرة الصراف"، اسم رجل. ولم أعرف من يكون.]] وقف يحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها تُؤْمها، [[في تاريخ الطبري: "أن تنكح المرأة أخاها توأمها"، وكان في المطبوعة هنا"توأمها"، وأثبت ما في المخطوطة، وانظر ما سلف ص: ٢٠٥، تعليق: ٣.]] وينكحها غيره من إخوتها. وكان يولد في كل بطن رجلٌ وامرأة. فوُلدت امرأةٌ وسيمةٌ، وولدت امرأة دميمة قبيحة. فقال أخو الدّميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا أنا أحق بأختي. فقرّبا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله عز وجل حتى أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصَّفا في ثَبِير، عند منزل سمرة الصواف، [[في المطبوعة والمخطوطة"بمنزل سمرة الصراف" بالراء، وأثبت ما في تاريخ الطبري، ولا أدري ما يكون هذا، فلم أجد موضعًا بهذا الاسم فيما بين يدي من المراجع. و"سمرة الصراف"، اسم رجل. ولم أعرف من يكون.]] وهو على يمينك حين ترمي الجمار = قال ابن جريج، وقال آخرون بمثل هذه القصة. قال: فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، فنكح ابنةَ عمه، وذهب نكاح الأخوات. [[الأثر: ١١٧٥١- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٦٩.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفة قتله إياه. وجائزٌ أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره= وجائزٌ أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أيُّ ذلك كان. غير أن القتل قد كان لا شك فيه.

* *

وأما قوله:"فأصْبَحَ من الخاسرين"، فإن تأويله: فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم، من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بإيثارهم إياها عليها، فوُكسوا في بيعهم، وغبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم. [[انظر تفسير"الخاسرين" و"الخسران" فيما سلف ص: ١٧٠، تعليق: ٤. والمراجع هناك.]]

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com