Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Al-Maaida
Tafsir al-Tabari · The Table · 120 ayat · ayat 91–120 · Quran text →
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنما يُريد لكم الشيطانُ شربَ الخمر والمياسرةَ بالقِدَاح، ويحسِّن ذلك لكم، إرادةً منه أن يوقع بينكم العَداوَة والبغضاءَ في شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح، [[انظر تفسير"البغضاء" فيما سلف ٧: ١٤٥/١٠: ١٣٦.]] ليعادي بعضكم بعضًا، ويبغِّض بعضَكم إلى بعض، فيشتِّت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان، وجمعه بينكم بأخوّة الإسلام ="ويصدّكم عن ذكر الله"، يقول: ويصرفكم بغلبة هذه الخمر بسكرها إياكم عليكم، [[انظر تفسير"الصد" فيما سلف ٩: ٤٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وباشتغالكم بهذا الميسر، عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم ="وعن الصلاة"، التي فرضها عليكم ربكم ="فهل أنتم منتهون"، يقول: فهل أنتم منتهون عن شرب هذه، والمياسرة بهذا، [[انظر تفسير"الانتهاء" فيما سلف ٤٨٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] وعاملون بما أمركم به ربُّكم من أداء ما فرَض عليكم من الصلاة لأوقاتها، ولزوم ذكره الذي به نُجْح طلباتكم في عاجل دنياكم وآخرتكم؟.
* *
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية.
فقال بعضهم: نزلت بسبب كان من عمر بن الخطاب، وهو أنه ذكر مكروهَ عاقبة شربها لرسول الله ﷺ، وسأل الله تحر يمَها. [[انظر ما سلف في تحريم الخمر ٤: ٣٣٠-٣٣٦/٨: ٣٧٦، ٣٧٧.]]
ذكر من قال ذلك:
١٢٥١٢ - حدثنا هناد بن السريّ، قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال، قال عمر: اللهمّ بيِّنْ لنا في الخمر بيانًا شافيًا! قال: فنزلت الآية التي في"البقرة": ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ، [سورة البقرة: ٢١٩] . قال: فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا! فنزلت الآية التي في"النساء": ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [سورة النساء: ٤٣] . قال: وكان مُنَادِي النبي ﷺ يُنادي إذا حضرت الصلاة: لا يقربنّ الصلاة السكران! قال: فدُعِي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا! قال: فنزلت الآية التي في"المائدة":"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ" إلى قوله:"فهل أنتم منتهون". فلما انتهى إلى قوله:"فهل أنتم منتهون" قال عمر: انتهينا انتهينا!! [[الأثر: ١٢٥١٢ -"أبو ميسرة" هو: "عمرو بن شرحبيل الهمداني"، سمع عمر، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما من الصحابة. مضى برقم: ٢٨٣٩، ٢٨٤٠، ٩٢٢٨. وهذا الخبر رواه أبو جعفر من خمس طرق، عن أبي إسحق، عن أبي ميسرة.
ورواه أحمد في مسنده رقم: ٣٧٨ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحق، بمثله، وأبو داود في سننه ٣: ٤٤٤ رقم: ٣٦٧٠، بمثله، وفيه: "بيانًا شفاء". والنسائي في سننه ٨: ٢٨٦، ٢٨٧، بمثله. والترمذي في سننه في كتاب التفسير من طريق محمد بن يوسف، عن إسرائيل، مرفوعًا، ثم من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، عن وكيع. عن إسرائيل، مرسلا. ولكن جاء هنا في رواية هناد بن السري، عن وكيع، مرفوعًا. وقال الترمذي بعد ذكر رواية أبي كريب: "وهذا أصح من حديث محمد بن يوسف"، يعني أنه أصح مرسلا. وانظر ما سيأتي في باقي التخريج.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٧٨، من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل بمثله، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
ورواه البيهقي في السنن ٨: ٢٨٥، من طريق عبيد الله بن موسى أيضًا، ومن طريق إسمعيل بن جعفر، عن إسرائيل، بمثله.
ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٣٩، من طريق محمد بن يوسف، عن إسرائيل، (كطريق الترمذي) وفيه زيادة: "فإنها تذهب العقل والمال"، الآتية في رقم: ١٢٥١٣، وليس في رواية الترمذي.
ورواه الواحدي في أسباب النزول: ١٥٤، من طريق أحمد بن حنبل، عن خلف بن وليد، عن إسرائيل، بمثل ما في المسند.
وخرجه ابن كثير في تفسيره ١: ٤٩٩، ٥٠٠/ ثم ٣: ٢٢٥، وقد صحح أخي السيد أحمد هذا الحديث في المسند رقم: ٣٧٨، ثم قال: "وذكره ابن كثير في التفسير ١: ٤٩٩، ٥٠٠/٣: ٢٢٦ وقال: هكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من طرق عن أبي إسحق. وكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق الثوري، عن أبي إسحق، عن أبي ميسرة، واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، عن عمر، وليس له عنه سواه. ولكن قال أبو زرعة: لم يسمع منه. والله أعلم. وقال علي بن المديني: "هذا إسناد صالح صحيح. وصححه الترمذي. وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: انتهينا - إنها تذهب المال وتذهب العقل".
قال أخي السيد أحمد: "وقول أبي زرعة أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر، لا أجد له وجهًا. فإن أبا ميسرة لم يذكر بتدليس، وهو تابعي قديم مخضرم، مات سنة ٦٣. وفي طبقات ابن سعد ٦: ٧٣، عن أبي إسحق قال: أوصى أبو ميسرة أخاه الأرقم: لا تؤذن بي أحدًا من الناس، وليصل علي شريح قاضي المسلمين وإمامهم = وشريح الكندي، استقضاه عمر على الكوفة، وأقام على القضاء ستين سنة، فأبو ميسرة أقدم منه".
أقول: ولم يذكر أحد غير أبي زرعة فيما بحثت، أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر، بل كلهم ذكر سماعه من عمر.]]
١٢٥١٣ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا أبى، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال، قال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فإنها تَذْهب بالعقل والمال! = ثم ذكر نحو حديث وكيع. [[الأثر: ١٢٥١٣ - هذه الزيادة: "فإنها تذهب العقل والمال"، أشرت إليها في التعليق السالف في رواية أبي جعفر النحاس، وذكرها ابن كثير، من رواية ابن أبي حاتم.]]
١٢٥١٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال، قال عمر بن الخطاب: اللهم بيِّن لنا، فذكر نحوه.
١٢٥١٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبيه = وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب، مثله.
١٢٥١٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير، قال، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب، مثله. [[الآثار: ١٢٥١٤ - ١٢٥١٦ - انظر التخريج في رقم: ١٢٥١٢.]]
١٢٥١٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني أبو معشر المدني، عن محمد بن قيس، قال: لما قدِم رسول الله ﷺ المدينة، أتاه الناس وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسِر، فسألوه عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمها أكبر من نفعهما﴾ [سورة البقرة: ٢١٩] ، فقالوا: هذا شيء قد جاء فيه رخْصة، نأكل الميسر ونشرَب الخمر، ونستغفر من ذلك!. حتى أتى رجلٌ صلاةَ المغرب، فجعل يقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [سورة الكافرون] . فجعل لا يجوز ذلك، [[في المطبوعة، والدر المنثور: "لا يجود ذلك" (بتشديد الواو المكسورة) ، وفي المخطوطة كما أثبته غير منقوطة، وهو الصواب إن شاء الله.]]
ولا يدري ما يقرأ، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء: ٤٣] . فكان الناس يشربون الخمرَ، حتى يجيء وقت الصلاة فيدعون شربها، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون. فلم يزالوا كذلك حتى أنزل الله تعالى ذكره:"إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام" إلى قوله:"فهل أنتم منتهون"، فقالوا: انتهينا يا رب! [[الأثر: ١٥٢١٧ - ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣١٨، ولم ينسبه لغير ابن جرير.]]
* *
وقال آخرون: نزلت هذه الآية بسبب سعد بن أبي وقاص. وذلك أنه كان لاحَى رجلا على شراب لهما، فضربه صاحبه بلَحْيَىْ جمل، ففَزَر أنفه، فنزلت فيهما. [["لاحاه يلاحيه ملاحاة ولحاء": إذا نازعه وشاتمه = و"لحي الجمل" (بفتح اللام وسكون الحاء) : وهما"لحيان": وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم. يقال: لحي الجمل، ولحي الإنسان، وغيرهما. وكان في المطبوعة: "لحي" بالإفراد، وأثبت ما في المخطوطة بالتثنية: "لحيي" = و"فزر الشيء": صدعه. و" فزر أنفه": شقه.]]
ذكر الرواية بذلك:
١٢٥١٨ - حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد أنه قال: صنع رجلٌ من الأنصار طعامًا، فَدَعانا. قال: فشربنا الخمرَ حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضلُ منكم! قال: فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَى جملٍ فضرب به أنف سعد ففَزَره، فكان سعد أفزَرَ الأنف. قال: فنزلت هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر" إلى آخر الآية. [[الأثر: ١٢٥١٨ - رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد. كلها صحيح.
فرواه من هذه الطريق الأولى أحمد في مسنده رقم: ١٥٦٧، ١٦١٤، مطولا. ورواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة في مسنده: ٢٨، رقم: ٢٠٨.
ورواه مسلم من طريق أبي جعفر هذه، عن محمد بن المثنى نفسه (١٥: ١٨٦، ١٨٧) وفيه"وكان أنف سعد مفزورًا"، بخلاف رواية أبي جعفر"أفزر الأنف". ورواه مطولا بغير هذا اللفظ من طريق"الحسن بن موسى، عن زهير، عن سماك".
ورواه البيهقي في السنن ٨: ٢٨٥، من طريق وهب بن جرير، عن شعبة.
ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٤٠، من طريق زهير، عن سماك.
ورواه الواحدي في أسباب النزول: ١٥٤.
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٣٠، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ٣١٥، وقصر في نسبته، وزاد أيضًا نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
وكان في المخطوطة: "صنع رجل من الأنصار فدعانا"، أسقط"طعامًا"، وهي ثابتة في المطبوعة، وفي جميع روايات الخبر. ولذلك أثبتها.
وقوله: "فكان سعد أفرز الأنف"، في جميع الروايات: "مفزور الأنف"، أي مشقوقه، كما سلف في التعليق: ٢، ص٥٦٩ ولم تقيد كتب اللغة: "أفزر الأنف"، على"أفعل". وهذا مما يثبت صحته، وهو جائز في العربية.]]
١٢٥١٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، قال حدثنا شعبة، عن سماك، عن مصعب بن سعد قال، قال سعد: شربتُ مع قوم من الأنصار، فضربت رجلا منهم = أظنّ بفكّ جمل = فكسرته، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فلم ألبث أن نزل تحريم الخمر:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر"، إلى آخر الآية. [[الأثر: ١٢٥١٩ - في المطبوعة: "قال حدثنا أبو الأحوص، عن سماك"، وهو خطأ لا شك فيه وكان في المخطوطة في آخر الصفحة: "قال حدثنا أبو الأحوص قال" ثم بدأ في الصفحة التالية: "عن سماك ... "، فنسى الناسخ في نسخة فأسقط"حدثنا شعبة"، وبدأ: "عن سماك".]]
١٢٥٢٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: شربت الخمر مع قوم من الأنصار، فذكر نحوه. [[الأثر: ١٢٥٢٠ - هذا الأثر والذي قبلها طريقان أخريان للأثر رقم: ١٢٥١٨، انظر التخريج في التعليق عليه.]]
١٢٥٢١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث، أن ابن شهاب أخبره، أن سالم بن عبد الله حدَّثه: أن أول ما حُرِّمت الخمر، أن سعد بن أبي وقاص وأصحابًا له شربوا فاقتتلوا، فكسروا أنف سعدٍ، فأنزل الله:"إنما الخمر والميسر"، الآية. [[الأثر: ١٢٥٢١ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣١٥، ولم ينسبه لغير ابن جرير.]]
* *
وقال آخرون: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار.
ذكر من قال ذلك:
١٢٥٢٢ - حدثنا الحسين بن علي الصدائي قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم عن جبر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شرِبوا. حتى إذا ثملوا، عبث بعضهم على بعض. [[في المطبوعة: "عبث بعضهم ببعض"، وهكذا جاء في جمبع روايات الأثر، فيما بين يدي من الكتب، ولكنها في المخطوطة كما أثبتها، وهي صحيحة إن شاء الله.]] فلما أن صَحوْا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل بي هذا أخي فلان! = وكانوا إخوة، ليس في قلوبهم ضغائن = والله لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا! حتى وقعت في قلوبهم ضغائن، [[في المطبوعة: "في قلوبهم الضغائن"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فأنزل الله:"إنما الخمر والميسر" إلى قوله:"فهل أنتم منتهون"! فقال ناس من المتكلِّفين: رجْسٌ في بطن فلانُ قتل يوم بدر، [[في المطبوعة: "هي رجس، وهي في بطن فلان"، وهكذا في سائر المراجع، وأثبت ما في المخطوطة، وكأنه صواب أيضا.]] وقتل فلان يوم أحُدٍ! فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [سورة المائدة: ٩٣] ،. الآية. [[الأثر: ١٢٥٢٢ -"ربيعة بن كلثوم بن جبر الديلي البصري"، روى له مسلم والنسائي، متكلم فيه، وهو ثقة. مضى برقم: ٦٢٤٠. وكان في المطبوعة: "ربيعة بن كلثوم عن جبير، عن أبيه"، وهو خطأ. وفي المخطوطة"ربيعة بن كلثوم عن جبر، عن أبيه"، وهو خطأ أيضًا، وإن كان فيها"جبر" على الصواب. وجاء في المستدرك خطأ"جبير" وهو خطأ يصحح. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٢٦٦، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم ١/٢/٤٧٧، ٤٧٨، وثقه يحيى بن معين. وفيه عن علي بن المديني، قال: "سمعت يحيى بن سعيد يقول، قلت: "لربيعة بن كلثوم في حديث، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، هو: عن ابن عباس؟ قال: وهل كان يروي سعيد بن جبير إلا عن ابن عباس؟ ".
وأبوه"كلثوم بن جبر بن مؤمل الديلي"، ثقة، وثقه أحمد مضى برقم: ٦٢٤٠، مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٢٢٧، وابن أبي حاتم ٣/٢/١٦٤.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن ٨: ٢٨٥، ٢٨٦، والحاكم في المستدرك ٤: ١٤١، ولم يذكر فيه شيئًا، ولكن قال الذهبي في تعليقه على المستدرك: "قلت: صحيح على شرط مسلم". وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٨، وقال: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح". ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٤٠ مختصرًا، بغير إسناد.
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٣٠، من رواية البيهقي في السنن، وقال: "ورواه النسائي في التفسير، عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حجاج بن منهال".
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣١٥. وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]]
١٢٥٢٣ - حدثنا محمد بن خلف قال، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، عن أبي تميلة، عن سلام مولى حفص بن أبي القاسم، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شرابٍ لنا، [ونحن على رَمْلة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطِيةٌ لنا] ، ونحن نشرب الخمر حِلا إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصابُ والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان"، إلى آخر الآيتين،"فهل أنتم منتهون"، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله:"فهل أنتم منتهون"؟ قال: وبعض القوم شربته في يده، قد شرب بعضًا وبقي بعضٌ في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام. ثم صبوا ما في باطيهتهم، فقالوا: انتهينا ربّنا! انتهينا ربَّنا! [[الأثر: ١٢٥٢٣ -"محمد بن خلف بن عمار العسقلاني"، شيخ الطبري، مضى برقم: ١٢٦، ٦٥٣٤.
"سعيد بن محمد بن سعيد الجرمي". كوفي ثقة. روى عنه البخاري ومسلم. قال أبو زرعة: "ذاكرت عنه أحمد بأحاديث، فعرفه" وقال: صدوق، وكان يطلب معنا الحديث". مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٤٧١، وابن أبي حاتم ٢/١/٥٩.
و"أبو تميلة"، هو: "يحيى بن واضح الأنصاري" مضى مرارًا، آخرها رقم: ٩٠٠٩.
و"سلام، مولى حفص، أبو القاسم الليثي"، مروزي، مترجم في الكبير ٢/٢/١٣٤، وابن أبي حاتم ٢/١/٢٦٢. وقال البخاري في الكبير: "سمع عبد الله بن بريدة، عن أبيه: نزلت في تحريم الخمر"، قاله سعيد الجرمي: سمع يحيى بن واضح، سمع سلاما"، إشارة إلى هذا الخبر. ولم يذكر البخاري فيه جرحًا. وقال المعلق على الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: "وفي الثقات: سلام الليثي، والد أبي عبيد القاسم بن سلام". وكان في المطبوعة هنا: "مولى حفص بن أبي قيس" لا أدري كيف استحل لنفسه تغيير ما كان في المخطوطة صوابًا، إلى خطأ لا ندري ما هو.
و"ابن بريدة"، هو"عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي" قاضي مرو، أخوه: "سليمان بريدة"، كانا توأمين. روى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمرو، وابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم من الصحابة. تكلم فيه أحمد بن حنبل. قال الجوزجاني: "قلت لأبي عبد الله: سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟ قال: ما أدري، عامة ما يروى عن بريدة عنه. وضعف حديثه". ووثقه ابن معين وأبو حاتم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٣. وكان في المطبوعة"أبي بريدة"، وهو خطأ محض، صوابه في المخطوطة.
وأبوه"بريدة بن الحصيب الأسلمي"، صحابي قديم الإسلام، قبل بدر. استعمله رسول الله ﷺ على صدقات قومه.
وهذا الخبر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٣٠، من رواية أبي جعفر، وفيه"عن أبي بريدة" كخطأ المطبوعة. والسيوطي في الدر المنثور ٢: ٣١٥.
والزيادة التي بين القوسين من تفسير ابن كثير، وهو لم ينقل هذا عن غير الطبري، فلذلك زدتها، والظاهر أنها سقطت من ناسخ نسختنا. وإن كان السيوطي قد ذكر الأثر بغير هذه الزيادة.
وقوله: "ونحن على رملة"، يعني، في رملة منبتة مريعة. و"الباطية": ناجود الخمر، وهي إناء عظيم من زجاج، تملأ من الشراب، وتوضع بين الشرب يغرفون منها ويشربون. وقوله: "قال بالإناء"، يعني: أماله ثم نزعه، كفعل الحجام وهو ينزع كأس الحجامة.]]
* *
وقال آخرون: إنما كانت العداوة والبغضاء، كانت تكون بين الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب الميسر، لا بسبب السُّكر الذي يحدث لهم من شرب الخمر. فلذلك نهاهم الله عن الميسر.
ذكر من قال ذلك:
١٢٥٢٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا جامع بن حماد قال، حدثنا يزيد بن زريع = قال بشر: وقد سمعته من يزيد وحدثنيه = قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الرجل في الجاهلية يقامِر على أهله وماله، فيقعد حَرِيبًا سليبًا ينظر إلى ماله في يَدَي غيره، [[في المطبوعة: "حزينًا سليبًا"، وهي في المخطوطة غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت."حرب الرجل ماله، فهو محروب وحريب": إذا أخذ حريبته، وهو ماله الذي يعيش به، وتركه بلا شيء.]] فكانت تُورِث بينهم عداوة وبغضاءَ، فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه. والله أعلم بالذي يصلح خلقه. [[الأثر: ١٢٥٢٤-"جامع بن حماد"، انظر ما علقته على الأثر رقم: ١٢٣٤٤.
واذكر أن هذا الأثر قد مضى قبل، ولكن خفي علي مكانه.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال، إنّ الله تعالى قد سمَّى هذه الأشياء التي سمّاها في هذه الآية"رجسًا"، وأمر باجتنابها.
وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية، وجائز أن يكون نزولها كان بسبب دُعاء عمر رضى الله عنه في أمر الخمر = وجائز أن يكون ذلك كان بسبب ما نالَ سعدًا من الأنصاري عند انتِشائهما من الشراب = وجائز أن يكون كان من أجل ما كان يلحق أحدَهم عند ذهاب ماله بالقمار من عداوة من يَسَرَه وبغضِه، [["يسره"، يعني: غلبه في الميسر، وأخذ ماله. قال الزمخشري: "من المجاز: أسروه، ويسروا ماله. وتياسرت الأهواء قلبه، قال ذو الرمة: بِتَفْرِيقِ أَظْعَانٍ تيايَسَرْنَ قَلْبَهُ ... وَخَانَ العَصَا مِنْ عَاجِلِ البَيْنِ قَادِحُ
وهذا اللفظ كما استعمله أبو جعفر، لم تقيده كتب اللغة، ولكن مقالة الزمخشري دالة على صوابه، كما قالوا من"القمار": "قمره".]] وليس عندنا بأيِّ ذلك كان، خيرٌ قاطع للعذر. غير أنه أيّ ذلك كان، فقد لزم حكم الآية جميعَ أهل التكليف، وغيرُ ضائرهم الجهل بالسبب الذي له نزلت هذه الآية. فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان، فرضٌ على جميع من بلغته الآية من التكليفُ اجتنابُ جميع ذلك، كما قال تعالى:"فاجتنبوه لعلكم تفلحون".
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه" ="وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول"، في اجتنابكم ذلك، واتباعكم أمره فيما أمركم به من الانزجار عما زجَركم عنه من هذه المعانِي التي بيَّنها لكم في هذه الآية وغيرها، وخالِفوا الشيطان في أمره إيّاكم بمعصية الله في ذلك وفي غيره، فإنه إنما يبغي لكم العداوةَ والبغضاءَ بينكم بالخمر والميسر=
"واحذروا"، يقول: واتقوا الله وراقبوه أن يراكم عند ما نهاكم عنه من هذه الأمور التي حرّمها عليكم في هذه الآية وغيرها، أو يفقِدَكم عند ما أمركم به، فتُوبقوا أنفسكم وتهلكوها="فإن توليتم"، يقول: فإن أنتم لم تعملوا بما أمرناكم به، وتنتهوا عما نهيناكم عنه، ورجعتم مدبرين عما أنتم عليه من الإيمان والتصديق بالله وبرسوله، واتباع ما جاءكم به نبيكم [[انظر تفسير"التولي" فيما سلف: ٣٩٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="فاعملوا أنما على رسولنا البلاغُ المبين"، يقول: فاعلموا أنه ليس على من أرسلناه إليكم بالنِّذَارة غير إبلاغكم الرسالة التي أرسل بها إليكم، [["النذارة" (بكسر النون) قال صاحب القاموس: "النذير: الإنذار كالنذارة، بالكسر. وهذه عن الإمام الشافعي رضي الله عنه". انظر رسالة الشافعي ص: ١٤، الفقرة: ٣٥، وتعليق أخي السيد أحمد عليها.]] مبينةً لكم بيانًا يُوضِّح لكم سبيل الحقّ، والطريقَ الذي أمرتم أن تسلكوه. [[انظر تفسير"مبين" فيما سلف ٩: ٤٢٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وأما العقاب على التولية والانتقام بالمعصية، فعلى المُرْسَل إليه دون الرسل.
وهذا من الله تعالى وعيد لمن تولَّى عن أمره ونهيه. يقول لهم تعالى ذكره: فإن توليتم عن أمري ونهيي، فتوقّعوا عقابي، واحذَرُوا سَخَطي.
القول في تأويل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للقوم الذين قالوا= إذْ أنزل الله تحريم الخمر بقوله:"إنما الخمرُ والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه": كيفَ بمن هلك من إخواننا وهم يشربونها؟ وبنا وقد كنّا نشربها؟ = ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم حرج فيما شربوا من ذلك، في الحال التي لم يكن الله تعالى حرَّمه عليهم [[انظر تفسير"الجناح" ٩: ٢٦٨، تعليق: ٤، والمراجع هناك= وتفسير"طعم" فيما سلف ٥: ٣٤٢.]] ="إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات"، يقول: إذا ما اتقى الله الأحياءُ منهم فخافوه، وراقبوه في اجتنابهم ما حرَّم عليهم منه، [[انظر تفسير"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى) .]] وصدَّقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم، فأطاعوهما في ذلك كله="وعملوا الصالحات"، يقول: واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله في ذلك مما كلفهم بذلك ربُّهم [[انظر تفسير"الصالحات" فيما سلف من فهارس اللغة (صلح) .]] ="ثم اتقوا وآمنوا"، يقول: ثم خافوا الله وراقبوه باجتنابهم محارِمه بعد ذلك التكليف أيضًا، فثبتوا على اتقاء الله في ذلك والإيمان به، ولم يغيِّروا ولم يبدِّلوا="ثم اتقوا وأحسنوا"، يقول: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفُهم الله إلى الإحسان، وذلك"الإحسان"، هو العمل بما لم يفرضه عليهم من الأعمال، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى رّبهم طلبَ رِضاه، وهربًا من عقابه [[انظر تفسير"الإحسان" فيما سلف: ٥١٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="والله يحب المحسنين"، يقول: والله يحب المتقرِّبين إليه بنوافل الأعمال التي يرضاها.
فالاتقاء الأوّل: هو الاتقاء بتلقِّي أمر الله بالقَبُول والتصديق، والدينونة به والعمَل= والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير= والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال.
* *
فإن قال قائل: ما الدليل على أنّ"الاتقاء" الثالث، هو الاتقاء بالنوافل، دون أن يكون ذلك بالفرائضِ؟
قيل: إنه تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الجناح عن شاربي الخمر التي شربوها قبل تحريمه إيّاها، إذا هم اتقوا الله في شربها بعد تحريمِها، وصدّقوا الله ورسوله في تحريمها، وعملوا الصالحات من الفرائض. ولا وجه لتكرير ذلك وقد مضى ذكرُه في آيةٍ واحدة.
* *
وبنحو الذي قلنا من أن هذه الآية نزلت فيما ذكرنا أنها نزلت فيه، جاءت الأخبار عن الصَّحابة والتابعين.
ذكر من قال ذلك:
١٢٥٢٥ - حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح"، الآية. [[الأثران: ١٢٥٢٥، ١٢٥٢٦- إسنادهما صحيح.
رواه أحمد في مسنده: ٢٠٨٨، ٢٤٥٢، ٢٦٩١ مطولا، ٢٧٧٥.
ورواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه الحاكم في المستدرك ٤: ١٤٣، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقال: "صحيح".
وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٣٣، من حديث أحمد في المسند.
وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٢٠، وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان.]]
١٢٥٢٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل بإسناده، نحوه.
١٢٥٢٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد قال، أخبرنا عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: بينَا أنا أدير الكأس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دجانة، حتى مالت رءوسهم من خَليط بُسْرٍ وتمر. [["البسر" (بضم الباء وسكون السين) : التمر قبل أن يرطب، وهو ما لون منه ولم ينضج، فإذا نضج فقد أرطب.]] فسمعنا مناديًا ينادي: ألا إنّ الخمر قد حُرِّمت! قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج، حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القِلال، [["القلال" جمع"قلة" (بضم القاف) : وهي الجرة الكبيرة.]] وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، فأصبْنَا من طِيب أمِّ سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، وإذا رسول الله ﷺ يقرأ:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون"، إلى قوله:"فهل أنتم منتهون". فقال رجل: يا رسول الله، فما منزلةُ من مات منا وهو يشربها؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا" الآية، فقال رجل لقتادة: سمعتَه من أنس بن مالك؟ قال: نعم! قال رجل لأنس بن مالك: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم! وحدّثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب! [[الأثر: ١٢٥٢٧-"عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي البصري"، ثقة. مضى برقم: ٦٨٢٢، ١٠٣١٧.
و"عباد بن راشد التميمي"، قال أحمد: "ثقة صدوق"، وضعفه يحيى بن معين، وتركه يحيى القطان. روى له البخاري مقرونًا بغيره. ومضى برقم ١١٠٦٠.
و"أم سليم" المذكورة في الخبر، هي: "أم سليم بنت ملحان الأنصارية"، لها صحبة، وهي والدة أنس بن مالك، وزوج أبي طلحة الأنصاري، خطبها أبو طلحة وهو مشرك، فأبت عليه إلا أن يسلم، فأسلم.
وذكر هذا الخبر ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٢٨، ولم ينسبه لغير ابن جرير، وكذلك السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٢٠.
وخبر أنس هذا، رواه البخاري من طريق أخرى بغير هذا اللفظ (الفتح ٨: ٢٠٩) . ومسلم في صحيحه بغير هذا اللفظ من طرق ١٣: ١٤٨-١٥١. والنسائي في السنن ٨: ٢٨٧، ٢٨٨.]]
١٢٥٢٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما حرمت الخمر قالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"، الآية. [[الأثران: ١٢٥٢٨، ١٢٥٢٩- رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: ٩٧، رقم: ٧١٥، من طريق شعبة، به.
ورواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحق (طريق أبي جعفر رقم: ١٢٥٢٨) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". ثم رواه من طريق: "محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة" (طريق أبي جعفر رقم: ١٢٥٢٩) ، ثم قال: "هذا حديث حسن صحيح".
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٣١، من مسند أبي داود الطيالسي.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٢٠، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]]
١٢٥٢٩- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، قال البراء: مات ناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها، قال أناس من أصحاب النبي ﷺ: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت هذه الآية:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، الآية. [[الأثران: ١٢٥٢٨، ١٢٥٢٩- رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: ٩٧، رقم: ٧١٥، من طريق شعبة، به.
ورواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحق (طريق أبي جعفر رقم: ١٢٥٢٨) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". ثم رواه من طريق: "محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة" (طريق أبي جعفر رقم: ١٢٥٢٩) ، ثم قال: "هذا حديث حسن صحيح".
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٣١، من مسند أبي داود الطيالسي.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٢٠، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]]
١٢٥٣٠- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا داود، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: نزلت:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"، فيمن قُتِل ببدر وأحُدٍ مع محمد ﷺ.
١٢٥٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثنا علي ابن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"، قال رسول الله ﷺ: قيل لي: أنت منهم. [[الأثر: ١٢٥٣١-"خالد بن مخلد القطواني" ثقة، مضى برقم ٢٢٠٦، ٤٥٧٧، ٨١٦٦، ٨٣٩٧.
و"علي بن مسهر القرشي"، ثقة، مضى برقم: ٤٤٥٣، ٥٧٧٧.
وهذا الخبر، رواه مسلم في صحيحه (١٦: ١٤) من طرق، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، بمثله.
ورواه الترمذي من طريق سفيان بن وكيع، عن خالد بن مخلد، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه الحاكم في المستدرك ٤: ١٤٣، ١٤٤، من طريق سليمان بن قرم، عن الأعمش، بزيادة في لفظه، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإنما اتفقا على حديث شعبة، عن أبي إسحق، عن البراء، مختصر هذا المعنى"، ولم أجده حديث البراء في الصحيحين، كما قال الحاكم. وأما الذهبي فلم يزد في تعليقه على المستدرك إلا أن قال: "صحيح". ولم أجد من نسب حديث البراء إلى الشيخين، وهو الذي مضى برقم: ١٢٥٢٨، ١٢٥٢٩. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٨، بمثل لفظ الحاكم في المستدرك، ثم قال: "في الصحيح بعضه، رواه الطبراني، ورجاله ثقات". وهذا هو الصحيح لا ما قال الحاكم.
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٣٣ وقال: "رواه مسلم، والترمذي، والنسائي من طريقه".
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٢١، في موضعين، قال في مثل لفظ الحاكم: "أخرجه الطبراني، وابن مردويه، والحاكم وصححه". ثم رواه مختصرًا كرواية أبي جعفر، ونسبه إلى مسلم، والترمذي والنسائي، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.]]
١٢٥٣٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا جامع بن حماد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"، إلى قوله:"والله يحب المحسنين"، لما أنزل الله تعالى ذكره تحريم الخمر في"سورة المائدة"، بعد"سورة الأحزاب"، [[قوله: "بعد سورة الأحزاب"، كأنه يعني بعد نزول سورة الأحزاب، وليس في سورة الأحزاب ذكر تحريم الخمر، وكأنه عنى بذلك"بعد غزوة الأحزاب"، وأخشى أن يكون قوله: "سورة الأحزاب"، سهوا من الناسخ، والصواب"غزوة الأحزاب"، ولكن هكذا جاء في الدر المنثور أيضًا ٢: ٣٢١، ونسب الخبر، لعبد بن حميد، وابن جرير.]] قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله ﷺ: أصيب فلانٌ يوم بدر، وفلانٌ يوم أحد، وهم يشربونها! فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة! فأنزل الله تعالى ذكره:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين"، يقول: شربها القومُ على تقوى من الله وإحسانٍ، وهي لهم يومئذ حلال، ثم حرِّمت بعدهم، فلا جناح عليهم في ذلك.
١٢٥٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"، قالوا: يا رسول الله، ما نقول لإخواننا الذين مضوا؟ كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر! فأنزل الله:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"، يعني قبل التحريم، إذا كانوا محسنين متقين= وقال مرة أخرى:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا" من الحرام قبل أن يحرَّم عليهم="إذا ما اتقوا وأحسنوا"، بعد ما حُرِّم، وهو قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ ، [سورة البقرة: ٢٧٥] .
١٢٥٣٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"، يعني بذلك رجالا من أصحاب النبي ﷺ ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرَّم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبلَ أن تحرَّم. فلما حرِّمت قالوا: كيف تكون علينا حرامًا، وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات"، يقول: ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرِّمها، إذا كانوا محسنين متقين="والله يحب المحسنين".
١٢٥٣٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا"، لمن كان يشرب الخمرَ ممن قتل مع محمد ﷺ ببدرٍ وأحُدٍ.
١٢٥٣٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح"، الآية، هذا في شأن الخمر حين حرِّمت، سألوا نبيَّ الله ﷺ فقالوا: إخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية.
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله="ليبلونّكم الله بشيء من الصيد"، يقول: ليختبرنكم الله [[انظر تفسير"بلا" فيما سلف: ٣٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="بشيء من الصيد"، يعني: ببعض الصيد.
وإنما أخبرهم تعالى ذكره أنه يبلوهم بشيء، لأنه لم يبلُهم بصيد البحر، وإنما ابتلاهم بصيد البرّ، فالابتلاء ببعض لا بجميع. [[في المطبوعة: "فالابتلاء ببعض لم يمتنع"، وهو كلام فارغ من كل معنى. وفي المخطوطة: "فالابتلاء ببعض لا يخشع"، أساء الناسخ، الكتابة، فأساء الناشر التصرف. وصواب العبارة ما أثبت، لأن أبا جعفر أراد أن يقول إن قوله تعالى: "بشيء من الصيد"، هو صيد البر خاصة، دون صيد البحر، ولم يعم الصيد جميعه بالتحريم. وهذا بين جدًا فيما سيأتي بعد في تفسير هذه الآيات. فصح ما أثبته من قراءة المخطوطة السيئة الكتابة.]]
* *
وقوله:"تناله أيديكم"، فإنه يعني: إما باليد، كالبيض والفراخ= وإما بإصابة النَّبْل والرماح، وذلك كالحمر والبقر والظباء، فيمتحنكم به في حال إحرامكم بعمرتكم أو بحجّكم.
* *
وبنحو ذلك قالت جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٥٣٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم"، قال:"أيديكم"، صغارُ الصَّيد، أخذ الفراخ والبيض= و"الرماح" قال: كبارُ الصيد.
١٢٥٣٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن داود، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٢٥٣٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"تناله أيديكم ورماحكم"، قال: النَّبْل="رماحكم"، تنال كبير الصيد، [[في المطبوعة: "قال: النبل، ورماحكم تنال ... " بزيادة "واو" للعطف، والصواب ما في المخطوطة، بحذف"الواو".]] ="وأيديكم"، تنال صغير الصيد، أخذ الفرخ والبيض.
١٢٥٤٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد في قوله:"ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم"، قال: ما لا يستطيع أن يفرَّ من الصيد.
١٢٥٤١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد. وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، مثله.
١٢٥٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"أيديكم ورماحكم"، قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله تعالى ذكره به عباده في إحرامهم، حتى لو شاءوا نالوه بأيديهم. فنهاهم الله أن يقرَبوه.
١٢٥٤٣ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن حميد الأعرج، وليث، عن مجاهد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم"، قال: الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفّر.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ليختبرنكم الله، أيها المؤمنون، ببعض الصيد في حال إحرامكم، كي يعلم أهلَ طاعة الله والإيمان به، والمنتهين إلى حدوده وأمره ونهيه، [[في المطبوعة: "والمنتهون إلى حدوده"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة.]] ومن الذي يخاف الله فيتقي ما نهاه عنه، [[انظر تفسير"الخوف" فيما سلف من فهارس اللغة.]] ويجتنبه خوف عقابه="بالغيب"، بمعنى: في الدنيا، بحيث لا يراه. [[يعني أبو جعفر، بحيث لا يرى العقاب عيانًا في الدنيا، كما يراه عيانًا في الآخرة.]] .
* *
وقد بينا أن"الغيب"، إنما هو مصدر قول القائل:"غاب عنّى هذا الأمر فهو يغيب غَيْبًا وغَيْبَةً"، وأنّ ما لم يُعَاين، فإن العرب تسميه"غَيْبًا". [[انظر تفسير"الغيب" فيما سلف ١: ٢٣٦، ٢٣٧ / ٦: ٤٠٥.]]
* *
فتأويل الكلام إذًا: ليعلم أولياء الله من يخافُ الله فيتقي محارمَه التي حرمها عليه من الصيد وغيره، بحيث لا يراه ولا يُعاينه.
* *
وأما قوله:"فمن اعتدى بعد ذلك"، فإنه يعني: فمن تجاوز حدَّ الله الذي حدّه له، [[انظر تفسير"اعتدى" فيما سلف من فهارس اللغة (عدا) .]] بعد ابتلائه بتحريم الصيد عليه وهو حرام، فاستحلَّ ما حرَّم الله عليه منه بأخذِه وقتله="فله عذابٌ، من الله="أليم"، يعني: مؤلم موجع. [[انظر تفسير"أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم) .]]
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله="لا تقتلوا الصيد"، الذي بينت لكم، وهو صيد البر دون صيد البحر="وأنتم حرم"، يقول: وأنتم محرمون بحج أو عمرة.
* *
و"الحرم"، جمع"حَرَام"، والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد. تقول:"هذا رجل حرام" و"هذه امرأة حرَام". فإذا قيل:"محرم"، قيل للمرأة:"محرمة". و"الإحرام"، هو الدخول فيه، يقال:"أحرَم القوم"، إذا دخلوا في الشهر الحرام، أو في الحَرَم.
* *
فتأويل الكلام: لا تقتلوا الصيدَ وأنتم محرمون بحجّ أو عمرة.
* *
وقوله:"ومن قتله منكم متعمدًا"، فإن هذا إعلام من الله تعالى ذكره عبادَه حكمَ القاتل من المحرمين الصيدَ الذي نهاه عن قتله متعمدًا. [[انظر تفسير"التعمد" فيما سلف ٩: ٥٧.]]
* *
ثم اختلف أهل التأويل في صفة"العَمْد" الذي أوجب الله على صاحبه به الكفارةَ والجزاء في قتله الصيد.
فقال بعضهم: هو العمد لقتل الصيد، مع نسيان قاتله إحرامَه في حال قتله. وقال: إن قتله وهو ذاكر إحرامه متعمدًا قتله، فلا حكم عليه، وأمره إلى الله.
قالوا: وهذا أجلُّ أمرًا من أن يحكم عليه، أو يكونَ له كفارة.
ذكر من قال ذلك:
١٢٥٤٤ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم"، من قتله منكم ناسيًا لإحرامه، متعمدًا لقتله، فذلك الذي يحكم عليه. فإن قتله ذاكرًا لحُرْمه، [[في المخطوطة"ذاكرا" في آخر السطر وفي أوله: "الحرمه" وصواب قراءتها ما في المطبوعة. و"الحرم" (بضم الحاء وسكون الراء) : الإحرام بالحج.]] متعمدًا لقتله، لم يحكم عليه.
١٢٥٤٥ - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، في الذي يقتل الصيد متعمدًا وهو يعلم أنه محرم، ويتعمد قتله، [[في المطبوعة: "ومتعمد قتله" والصواب من المخطوطة.]] قال: لا يحكم عليه، ولا حج له. وقوله:"ومن قتله منكم متعمدًا"، قال: هو العمد المكفر، وفيه الكفارة والخطأ، أن يصيبَه وهو ناس لإحرامه، متعمدًا لقتله = أو يصيبه وهو يريد غيره. فذلك يحكم عليه مرة. [[قوله: "مرة" يعني مرة واحدة فإن عاد لم يحكم عليه، ومن عاد فينتقم الله منه.]]
١٢٥٤٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا"، غير ناس لحُرْمه [["الحرم" (بضم فسكون) مضى تفسيره في التعليق رقم: ١.]] ولا مريدٍ غيرَه، فقد حلّ، وليست له رخصة. ومن قتله ناسيًا، أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمدُ المكفَّر.
١٢٥٤٧ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد في قوله:"ومن قتله منكم متعمدًا"، قال: متعمدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه.
١٢٥٤٨- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا الفضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد قال: العمد هو الخطأ المكفَّر.
١٢٥٤٩ - حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا ليث قال، قال مجاهد: قول الله:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم"، قال: فالعمد الذي ذكر الله تعالى ذكره: أن يصيب الصيدَ وهو يريد غيره فيصيبه، فهذا العمد المكفَّر، فأما الذي يصيبه غيرَ ناس ولا مريد لغيره، فهذا لا يحكم عليه. هذا أجلُّ من أن يحكم عليه. [[الأثر: ١٢٥٤٩-"يونس بن محمد بن مسلم البغدادي" الحافظ مضى برقم: ٥٠٩٠.]]
١٢٥٥٠- حدثنا ابن وكيع، ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهد: أنه قال في هذه الآية:"ومن قتله منكم متعمدًا"، قال: يقتله متعمدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه.
١٢٥٥١- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي قال، حدثنا شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.
١٢٥٥٢ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، قال ابن جريج"ومن قتله منكم متعمدًا"، غير ناس لحُرْمه ولا مريدٍ غيرَه، فقد حلَّ، وليست له رخصة. ومن قتله ناسيًا لحرمه، أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفَّر.
١٢٥٥٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن:"ومن قتله منكم متعمدًا"، للصيد، ناسيًا لإحرامه ="فمن اعتدى بعد ذلك"، متعمدًا للصيد يذكرُ إحرامه. [[الأثر: ١٢٥٥٣-"سهل بن يوسف الأنماطي" مضى في مثل هذا الإسناد رقم: ١٠٦٤٨.]]
١٢٥٥٤ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن أبي عدي قال، حدثنا إسماعيل بن مسلم قال: كان الحسن يفتي فيمن قتل الصيد متعمدًا ذاكرًا لإحرامه: لم يحكم عليه = قال إسماعيل: وقال حماد، عن إبراهيم، مثل ذلك.
١٢٥٥٥ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عفان بن مسلم قال، حدثنا حماد بن سلمة قال: أمرني جعفر بن أبي وحشية أن أسأل عمرو بن دينار عن هذه الآية:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم"، الآية، فسألته، فقال: كان عطاء يقول: هو بالخيار، أيَّ ذلك شاء فعل، إن شاء أهدى، وإن شاء أطعم، وإن شاء صام. فأخبرت به جعفرًا وقلت: ما سمعت فيه؟ فتلكأ ساعة، ثم جعل يضحك ولا يخبرني، ثم قال: كان سعيد بن جبير يقول: يحكم عليه من النعم هديًا بالغ الكعبة، وإنما جُعل الطعام والصيام [كفارة] ، فهذا لا يبلغُ ثمن الهدي، [[في المطبوعة: " ... هديًا بالغ الكعبة فإن لم يجد يحكم عليه ثمنه، فقوم طعامًا، فتصدق به، فإن لم يجد حكم عليه الصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة" غير ما كان في المخطوطة كل التغيير. والذي كان في المخطوطة هو ما أثبته حاشى الزيادة التي بين القوسين زدتها استظهارا من سياق الآية ليستقيم الكلام. وقوله: "فهذا لا يبلغ ثمن الهدي" كأنه يعني إطعام المساكين. والجملة بعد ذلك تحتاج إلى فضل تأمل، ولم أجد الخبر في مكان غير هذا المكان.]] والصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة.
١٢٥٥٦ - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، أخبرني ابن جريج قال، قال مجاهد:"ومن قتله منكم متعمدًا"، غير ناس لحُرْمه، ولا مريدٍ غيره، فقد حلّ، وليست له رخصة. ومن قتله ناسيًا، أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفَّر.
١٢٥٥٧- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: أما الذي يتعمد فيه للصيد وهو ناس لحرمه، أو جاهل أنّ قتله غيرُ محرَّم، فهؤلاء الذين يحكم عليهم. فأما من قتله متعمدًا بعد نهي الله، وهو يعرف أنه مُحْرِم، وأنه حرام، فذلك يوكَل إلى نقمة الله، وذلك الذي جعل الله عليه النقمة.
١٢٥٥٨- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد في قوله:"ومن قتله منكم متعمدًا"، قال: متعمدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه.
* *
وقال آخرون: بل ذلك هو العمد من المحرِم لقتل الصيد، ذاكرًا لحُرْمه.
ذكر من قال ذلك:
١٢٥٥٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان.
١٢٥٦٠- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا ابن جريج = وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم عن، ابن جريج قال، قال طاوس: والله ما قال الله إلا"ومن قتله منكم متعمدًا".
١٢٥٦١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرني بعض أصحابنا، عن الزهري أنه قال: نزل القرآن بالعَمْد، وجرت السنة في الخطأ= يعني: في المحرم يصيب الصيدَ.
١٢٥٦٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم"، قال: إن قتله متعمدًا أو ناسيًا، حكم عليه. وإن عاد متعمدًا عُجِّلت له العقوبة، إلا أن يعفو الله.
١٢٥٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير قال: إنما جعلت الكفارة في العمد، ولكن غُلِّظ عليهم في الخطأ كي يتقوا.
١٢٥٦٤ - حدثنا عمرو بن على قال، حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، نحوه.
١٢٥٦٥ - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، خبرنا ابن جريج قال: كان طاوس يقول: والله ما قال الله إلا"ومن قتله منكم متعمدًا".
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره حرّم قتل صيد البر على كل محرِم في حال إحرامه ما دام حرامًا بقوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد" ثم بيَّن حكم من قتل ما قتل من ذلك في حال إحرامه متعمدًا لقتله، ولم يخصص به المتعمِّد قتلَه في حال نسيانه إحرامَه، ولا المخطئَ في قتله في حال ذكره إحرامَه، بل عمَّ في التنزيل بإيجاب الجزاء، كلَّ قاتل صيد في حال إحرامه متعمدًا. [[السياق: "بل عم ... كل قاتل صيد""كل" مفعول: "عم".]] وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نصّ كتاب، ولا خبر لرسول الله ﷺ، [[في المخطوطة: "من كتاب نص ولا خبر الرسول ﷺ". وما في المطبوعة أحسن في السياق.]] ولا إجماع من الأمة. ولا دلالةَ من بعض هذه الوجوه.
فإذْ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان قاتل الصيد من المحرمين عامدًا قتلَه ذاكرًا لإحرامه، أو عامدًا قتله ناسيًا لإحرامه، أو قاصدًا غيره فقتله ذاكرًا لإحرامه = في أن على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى ذكره، وهو: مثلُ ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من المسلمين، أو كفارة طعامُ مساكين، أو عدل ذلك صيامًا.
* *
وهذا قول عطاء والزهري الذي ذكرناه عنهما، [[يعني رقم: ١٢٥٥٩، ١٢٥٦١.]] دون القول الذي قاله مجاهد. [[يعني رقم: ١٢٥٤٤- ١٢٥٥١ ورقم: ١٢٥٥٦، ١٢٥٥٨.]]
وأما ما يلزم بالخطأ قاتله، فقد بيّنا القول فيه في كتابنا: ﴿كتاب لطيف القول في أحكام الشرائع﴾ ، بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع. وليس هذا الموضع موضع ذكره، لأن قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التنزيل، وليس في التنزيل للخطإ ذكر، فنذكر أحكامه.
* *
وأما قوله:"فجزاء مثلُ ما قتل من النعم"، فإنه يقول: وعليه كِفاءٌ وبَدل، [[في المطبوعة: "كفارة وبدل" والصواب من المخطوطة. و"كفاء الشيء" (بكسر الكاف) : مثله ونظيره من قولهم: "كافأه على الشيء مكافأة وكفاء": جزاه.]] يعني بذلك: جزاء الصيد المقتول. يقول تعالى ذكره: فعلى قاتل الصيد جزاء الصيد المقتول، مثل ما قتل من النعم. [[انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف ٢: ٢٧، ٢٨، ٣١٤/٦: ٥٧٦/٧: ٢٢٧٩: ٥٧.]]
* *
وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿فَجَزَاؤُهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم﴾ .
* *
وقد اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة المدينة وبعض البصريين: ﴿فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم﴾ ، بإضافة"الجزاء" إلى"المثل" وخفض"المثل".
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ بتنوين"الجزاء" ورفع"المثل"، بتأويل: فعليه جزاءٌ مثلُ ما قتل.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب، قراءة من قرأ: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ بتنوين"الجزاء" ورفع"المثل"، لأن الجزاء هو المثل، فلا وجه لإضافة الشيء إلى نفسه.
وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بالإضافة، رأوا أن الواجبَ على قاتل الصيد أن يَجْزِي مثله من الصيد بمثلٍ من النعم. وليس ذلك كالذي ذهبوا إليه، بل الواجب على قاتله أن يجزي المقتولَ نظيره من النعم. وإذ كان ذلك كذلك، فالمثل هو الجزاء الذي أوجبه الله تعالى ذكره على قاتل الصيد، ولن يضاف الشيء إلى نفسه. [[في المطبوعة: "ولن يضاف ... " وهو غير جيد، وفي المخطوطة: "فإن يضاف" ورجحت أن يكون صوابها ما أثبت.]]
ولذلك لم يقرأ ذلك قارئ علمناه، بالتنوين ونصب"المثل". [[بل روى ذلك أبو الفتح ابن جني في كتابه"المحتسب" ونسبها لأبي عبد الرحمن يعني السلمي فيما أرجح. وذكرها ابن خالويه في شواذ القراءات ص: ٣٤ ونسبها إلى محمد بن مقاتل وإن كان ما في المطبوع: "فجزاء مث" بنصب"جزاء" والصواب بنصب"مثل".]] ولو كان"المثل" غير"الجزاء" لجاز في المثل النصب إذا نوِّن"الجزاء"، كما نصب"اليتيم" إذ كان غير"الإطعام" في قوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [سورة البلد: ١٤، ١٥] وكما نصب"الأموات""والأحياء"، ونون"الكِفَات" في قوله: أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [سورة المرسلات: ٢٥، ٢٦] ، إذ كان"الكفات" غير"الأحياء""والأموات". وكذلك الجزاء لو كان غير"المثل"، لاتسعت القراءة في"المثل" بالنصب إذا نون"الجزاء". ولكن ذلك ضاق، فلم يقرأه أحد بتنوين"الجزاء" ونصب"المثل"، إذ كان"المثل" هو"الجزاء"، وكان معنى الكلام: ومن قتله منكم متعمدًا فعليه جزاءٌ هو مثلُ ما قتل من النعم. [[في المخطوطة: "هو ما قتل من النعم" والصواب ما في المطبوعة.]]
* *
ثم اختلف أهل العلم في صفة"الجزاء"، وكيف يجزي قاتلُ الصيد من المحرمين ما قتل بمثله من النعم. [[في المطبوعة: "بمثله من النعم" وفي المخطوطة: "مثل من النعم" فرأيت قراءتها كما أثبتها.]] .
فقال بعضهم: ينظر إلى أشبه الأشياء به شبهًا من النعم، فيجزيه به، ويهديه إلى الكعبة.
ذكر من قال ذلك:
١٢٥٦٦ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم"، قال: أما"جزاء مثل ما قتل من النعم" فإن قتل نعامة أو حمارًا فعليه بَدَنة. وإن قتل بقرة أو أيِّلا أو أرْوَى [["الأيل" (بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة) : وهو ذكر الوعول. و"الأروى" إناث الوعول وهو اسم لجمعها واحدتها"أروية" (بضم الهمزة وسكون الراء والواو مكسورة والياء مشددة مفتوحة) . وجاء بها هنا وهو يعني"الأروية".]] فعليه بقرة. أو قتل غزالا أو أرنبًا فعليه شاة. وإن قتل ضبًّا أو حرباءَ أو يَرْبوعًا، فعليه سَخْلة قد أكلت العُشب وشربت اللبن. [["السخلة" (بفتح فسكون) : ولد الشاة من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى.]]
١٢٥٦٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن ابن مجاهد قال، سئل عطاء: أيغَرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره؟ قال: أليس يقول الله تعالى ذكره:"فجزاء مثل ما قتل من النعم"؟ [[الأثر: ١٢٥٦٧-"هرون بن المغيرة بن حكيم البجلي" مضى برقم: ٣٣٥٦، ٥٥٢٦.
وأما "ابن مجاهد" فلم أستطع أن أعرف من هو، وكان في المطبوعة: "أبي مجاهد" وأثبت ما في المخطوطة وكأنه الصواب، وإن أعياني أن أعرف صدر اسمه.]]
١٢٥٦٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال مجاهد:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم"، قال: عليه من النعم مثله.
١٢٥٦٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله:"فجزاء مثل ما قتل من النعم"، قال: إذا أصاب المحرم الصيدَ، وجب عليه جزاؤه من النعم. فإن وجد جزاءه ذبَحه فتصدق به، فإن لم يجد جزاءه قوَّم الجزاء دراهم، ثم قوم الدراهمَ حِنطة، ثم صام مكان كل نصف صاع يومًا. قال: وإنما أريد بالطعام الصوم، فإذا وجد طعامًا وجد جزاءً.
١٢٥٧٠ - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس:"فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغَ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا"، قال: إذا أصاب المحرم الصيد، حكم عليه جزاؤه من النعم. فإن لم يجد، نظر كم ثمنه = قال ابن حميد: نظر كم قيمته = فقوّم عليه ثمنه طعامًا، فصام مكان كل نصف صاع يومًا="أو كفارة طعام مساكين، أو عدلُ ذلك صيامًا"، قال: إنما أريد بالطعام الصيام، فإذا وجد الطعام وَجد جزاءه.
١٢٥٧١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم" فإن لم يجد هديًا، قُوِّم الهدي عليه طعامًا، وصام عن كل صاع يومين.
١٢٥٧٢- حدثنا هناد قال، حدثنا عبد بن حميد، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة"، قال: إذا أصاب الرجل الصيد حكم عليه، فإن لم يكن عنده قوم عليه ثمنه طعامًا، ثم صام لكل نصف صاع يومًا.
١٢٥٧٣ - حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: ابتدرت وصاحبٌ لي ظبيًا في العقبة، فأصبته، فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له، فأقبل علي رجل إلى جنبه، فنظرا في ذلك قال فقال: اذبح كبشًا. [[الأثر: ١٢٥٧٣-"عبد الملك بن عمير بن سويد القرشي" المعروف بالقبطي و"ابن القبطية". رأى عليا وأبا موسى. مترجم في التهذيب.
و"قبيصة بن جابر بن وهب الأسدي" روى عن عمر وشهد خطبته بالجابية ثقة في فقهاء الطبقة الأولى من فقهاء أهل الكوفة بعد الصحابة. مترجم في التهذيب.
هذا وخبر قبيصة بن جابر سيرويه أبو جعفر من طرق من رقم: ١٢٥٧٣- ١٢٥٧٧ن ثم: ١٢٥٨٦- ١٥٢٨٨ بألفاظ مختلفة. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٥: ١٨١ من طريق سفيان، عن عبد الملك بن عمير ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الملك.
ونقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٣٧، ٢٣٨ وهو رقم: ١٢٥٨٨ عن هذا الموضع من تفسير أبي جعفر وأشار إلى بعض طرقه هنا. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٢٩ بنحو من لفظ رقم: ١٢٥٨٨ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم قال: "وصححه" ولم أجده في مظنته من المستدرك للحاكم.]]
١٢٥٧٤ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن الشعبي قال: أخبرني قبيصة بن جابر، نحوا مما حدَّث به عبد الملك.
١٢٥٧٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: قتل صاحب لي ظبيًا وهو محرم، فأمره عمر أن يذبح شاة فيتصدق بلحمها ويُسْقي إهابها. [[الأثر: ١٢٥٧٥- هو مختصر الأثر رقم: ١٢٥٨٨ وسيأتي تفسير"يسقى إهابها" في التعليق عليه هناك.]]
١٢٥٧٦ - حدثني هناد قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن بكر بن عبد الله المزني قال: قتل رجلٌ من الأعراب وهو محرم ظبيًا، فسأل عمر، فقال له عمر: اهدِ شاة. [[الأثر: ١٢٥٧٦- هذا خبر مرسل عن عمر"بكر بن عبد الله المزني" لم يسمع من عمر. ولكنها قصة قبيصة بن جابر التي ذكرها قبل.]]
١٢٥٧٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن حصين= وحدثنا أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا ابن فضيل قال، حدثنا حصين= عن الشعبي قال، قال قبيصة بن جابر: أصبت ظبيًا وأنا محرم، فأتيت عمر فسألته عن ذلك، فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ أمرَه أهون من ذلك! قال: فضربني بالدِّرّة حتى سابقته عدوًا! [["الدرة" (بكسر الدال) : عصا قصيرة يحملها السلطان او غيره يدب بها. ودرة أمير المؤمنين عمر أشهر درة في التاريخ.]] قال: ثم قال: قتلتَ الصيد وأنتَ محرم، ثم تَغْمِص الفُتيا! [["غمص الشيء يغمصه غمصا": حقره واستصغره واستهان به. يعني: اتحتقر الفتيا وتستهين بها وتزدريها؟]] قال: فجاء عبد الرحمن، فحكما شاة.
١٢٥٧٨ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم"، قال: إذا قتل المحرم شيئًا من الصيد حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيًا أو نحوه، فعليه شاة تذبح بمكة. فإن لم يجد، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام. فإن قتل أيِّلا أو نحوه، فعليه بقرة. وإن قتل نعامة أو حمارَ وحش أو نحوه، فعليه بدنة من الإبل.
١٢٥٧٩ - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: أرأيت إن قتلتُ صيدًا فإذا هو أعور، أو أعرج، أو منقوص، أغرم مثله؟ قال: نعم، إن شئت. قلت: أوْفَي أحبُّ إليك؟ قال: نعم. وقال عطاء: وإن قتلت ولدَ الظبي، ففيه ولد شاة. وإن قتلت ولد بقرة وحشية، ففيه ولد بقرة إنسية مثله، فكلّ ذلك على ذلك.
١٢٥٨٠ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول:"فجزاء مثل ما قتل من النعم" ما كان من صيد البر مما ليس له قرن = الحمار أوالنعامة= فعليه مثله من الإبل. وما كان ذا قرن من صيد البر من وعِلٍ أو أيِّل، فجزاؤه من البقر. وما كان من ظبي فمن الغنم مثله. وما كان من أرنب، ففيها ثَنِيَّة. [["الثنية" يعني الثنية من المعز، وهو ما دخل في السنة الثانية أو الثالثة.]] وما كان من يربوع وشبهه، ففيه حَمَلٌ صغير. وما كان من جرادة أو نحوها، ففيه قبضة من طعام. وما كان من طير البر، ففيه أن يقوَّم ويتصدق بثمنه، وإن شاء صام لكل نصف صاع يومًا. وإن أصاب فرخ طير برِّية أو بيضها، فالقيمة فيها طعامٌ أو صوم على الذي يكون في الطير. غير أنه قد ذكر في بيض النعام إذا إصابها المحرم، أن يحمل الفحل على عدة من أصاب من البيض على بِكارة الإبل، [["البكارة" (بكسر الباء) جمع"بكر" و"بكرة" (بفتح الباء) : وهو الفتى من الإبل بمنزلة الغلام من اللناس.]] فما لَقِح منها أهداه إلى البيت، وما فسد منها فلا شيء فيه.
١٢٥٨١ - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع قال، أخبرني ابن جريج قال، قال مجاهد: من قتله = يعني الصيد = ناسيًا، أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفَّر، فعليه مثله هديًا بالغ الكعبة. فإن لم يجد، ابتاع بثمنه طعامًا. فإن لم يجد، صام عن كل مُدٍّ يومًا. وقال عطاء: فإن أصاب إنسان نعامة، كان له= إن كان ذا يسار= مُوَسَّعًا [[في المطبوعة: "كان له إن كان ذا يسار ما شاء" بحذف"الواو من قوله"وإن كان" وهو لا معنى له، وفي المخطوطة: "كان له وإن كان ذا يسار من سا" فرأيت أن أقرأها كما أثبتها فهو حق المعنى. لأنه يريد أن يقول: إن الله وسع له ورخص في هذا النخيير الذي ذكره بعد.]] إن شاء يهدي جزورًا أو عَدْلَها طعامًا أو عدلها صيامًا، أيّتهن شاء، [[في المطبوعة: "أيهن شاء" وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب.]] من أجل قوله: فجزاء، أو كذا أو كذا [[في المطبوعة: "أو كذا" مرة واحدة وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب.]] قال: فكل شيء في القران:"أو""أو"، فليختر منه صاحبه ما شاء.
١٢٥٨٢ - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع قال، أخبرني ابن جريج قال، أخبرني الحسن بن مسلم قال: من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون شاة فصاعدًا، فذلك الذي قال الله تعالى ذكره:"فجزاء مثل ما قتل من النعم". وأما"كفارة طعام مساكين"، فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي، العصفورَ يقتل، فلا يكون فيه. قال:"أو عدل ذلك صيامًا"، عدل النعامة، أو عدل العصفور، أو عدل ذلك كله.
* *
وقال آخرون: بل يقوَّم الصيد المقتول قيمتَه من الدراهم، ثم يشتري القاتل بقيمته نِدًّا من النعم، ثم يهديه إلى الكعبة.
ذكر من قال ذلك:
١٢٥٨٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبدة، عن إبراهيم قال: ما أصاب المحرم من شيء، حكم فيه قيمته.
١٢٥٨٤ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد قال: سمعت إبراهيم يقول: في كل شيء من الصيد ثمنه.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل الآية، ما قال عمر وابن عباس، ومن قال بقولهما: أن المقتول من الصيد يُجْزَي بمثله من النعم، كما قال الله تعالى ذكره:"فجزاء مثل ما قتل من النعم". وغير جائز أن يكون مثل الذي قتل من الصيد دراهم، وقد قال الله تعالى:"من النعم"، لأن الدراهم ليست من النعم في شيء.
* *
فإن قال قائل: فإن الدراهمَ وإن لم تكن مثلا للمقتول من الصيد، فإنه يشتري بها المثل من النعم، فيهديه القاتل، فيكون بفعله ذلك كذلك جازيًا بما قتل من الصيد مثلا من النعم!
قيل له: أفرأيت إن كان المقتول من الصيد صغيرًا [أو معيبا، ولا يصاب بقيمته من النعم إلا] [[في المخطوطة والمطبوعة: "أفرأيت إن كان المقتول من الصيد صغيرا أو كبيرا او سليما أو كان المقتول من الصيد ... " وهو كلام لا يستقيم إلا بهذه الزيادة التي زدتها بين القوسين وتصحيح"أو كبيرا" بما أثبته"إلا كبيرا" وهو ما اسظهرته من سياق كلام أبي جعفر.]] كبيرًا أو سليمًا = أو كان المقتول من الصيد كبيرًا أو سليمًا بقيمته من النعم إلا صغيرًا أو معيبًا= [[في المطبوعة: "ولا يصيب بقيمته ... " والصواب ما في المخطوطة.]] أيجوز له أن يشتريَ بقيمته خلافه وخلافَ صفته فيهديه، أم لا يجوز ذلك له، وهو لا يجوز إلا خلافه؟ فإن زعم أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته إلا مثله، ترك قوله في ذلك. لأنّ أهل هذه المقالة يزعمون أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمة ذلك فيهديه، [[في المطبوعة: "بقيمته ذلك" وهو خطأ صوابه في المخطوطة.]] إلا ما يجوز في الضحايا. وإذا أجاز شراءَ مثل المقتول من الصيد بقيمته وإهداءها وقد يكون المقتول صغيرًا معيبًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: "وإذا أجازوا شرى مثل المقتول" وصواب كل ذلك ما أثبت وإنما وهم الناسخ في"أجازوا" فإن جواب"إذا" يدل على خلافه وصواب ما أثبت.]] أجاز في الهدي ما لا يجوز في الأضاحي. [[في المطبوعة: "أجازوا في الهدي" غير ما في المخطوطة لوهم الناسخ كما قلت في التعليق السالف.]]
وإن زعم أنه لا يجوز أن يشتري بقيمته فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا أوضح بذلك من قوله الخلافَ لظاهر التنزيل. وذلك أنّ الله تعالى ذكره، أوجب على قاتل الصيد من المحرِمين عمدًا، المثلَ من النعم إذا وجده. وقد زعم قائل هذه المقالة أنه لا يجب عليه المثل من النعم، وهو إلى ذلك واجدٌ سبيلا.
ويقال لقائل ذلك: أرأيت إن قال قائل آخر:"ما على قاتل ما لا تبلغُ من الصيد قيمته ما يصاب به من النَّعم ما يجوز في الأضاحي من إطعام ولا صيام. [[في المطبوعة: "ما لا يبلغ" وهو في المخطوطة غير منقوطة وصوابها ما أثبت. وسياق هذه الجملة: "ما على قاتل ما تبلغ ... من إطعام ولا صيام" يعني ليس على قاتل صيد لا تبلغ قيمته أن يشتري بها من النعم ما يجوز مثله في الأضاحي= إطعام أو صيام.]] لأن الله تعالى إنما خيَّر قاتل الصيد من المحرمين في أحد الثلاثة الأشياء التي سماها في كتابه، فإذا لم يكن له إلى واحد من ذلك سبيل، سقط عنه فرض الآخرَيْن. لأن الخيار إنما كان له، وله إلى الثلاثة سبيل. فإذا لم يكن له إلى بعض ذلك سبيل، بطل فرض الجزاء عنه، لأنه ليس ممن عُني بالآية= نظيرَ الذي قلت أنت:"إنه إذا لم يكن المقتول من الصيد يبلغ قيمته ما يصاب من النعم مما يجوز في الضحايا، فقد سقط فرض الجزاء بالمثل من النعم عنه، وإنما عليه الجزاء بالإطعام أو الصيام"،= هل بينك وبينه فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يحكم بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من الصيد من النعم عدلان منكم= يعني: فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل= [[انظر تفسير"العدل" فيما سلف ٦: ٥١، ٦٠.]] "هديًا"، يقول: يقضي بالجزاء ذوا عدل، أي يُهْدَي فيبلغ الكعبة. [[في المطبوعة: "أن يهدي" وأثبت ما في المخطوطة.]] و"الهاء" في قوله:"ويحكم به"، عائدة على"الجزاء". [[انظر تفسير"الهدي" فيما سلف ٤: ٣٤، ٣٥/٩: ٤٦٦.]] .
* *
قال أبو جعفر: ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول من الصيد من النعم على القاتل: أن ينظرا إلى المقتول ويستوصفاه، فإن ذكر أنه أصاب ظبيًا صغيرًا، حكما عليه من ولد الضأن بنظير ذلك الذي قتله في السن والجسم، فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرًا، حكما عليه من الضأن بكبير. وإن كان الذي أصاب حمار وَحْش، حكما عليه ببقرة. إن كان الذي أصاب كبيرًا من البقر، وإن كان صغيرًا فصغيرًا. وإن كان المقتول ذكرًا فمثله من ذكور البقر. وإن كان أنثى فمثله من البقر أنثى. ثم كذلك ذلك، ينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصيد شبهًا من النعم، [[في المخطوطة: "ينظر إلى أشبه الأشياء" والصواب ما في المطبوعة.]] فيحكمان عليه به، كما قال تعالى ذكره.
* *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلافٍ في ذلك بينهم.
ذكر من قال ذلك بنحو الذي قلنا فيه:
١٢٥٨٥ - حدثنا هنّاد بن السريّ قال: حدثنا ابن أبي زائدة قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن بكر بن عبد الله المزني قال: كان رجلان من الأعراب محرِمين، فأحاش أحدهما ظبيًا، فقتله الآخر. [[في المطبوعة: "فأجاش" بالجيم وهو خطأ وفي المخطوطة غير منقوط."حاش الصيد حوشا وحياشا" و"أحاشه" و"أحوشه" و"حشت عليه الصيد" و"أحشته": إذا نفرته نحوه وأخذته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة ثم سقته نحوه وجمعته عليه.]] فأتيا عمر، وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له عمر: [[في المخطوطة في الموضعين: "عمرو" وهو خطأ محض، وفي المطبوعة في الآخرة منهما"عمرو" وهو خطأ.]] وما ترى؟ قال: شاة، قال: وأنا أرى ذلك، اذهبا فأهديا شاة. فلما مضَيا قال أحدهما لصاحبه: ما درَى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه!! فسمعها عمر، فردّهما فقال: هل تقرأان سورة المائدة؟ فقالا لا! فقرأها عليهما: [[في المطبوعة: "فقرأها عليهما" والصواب ما في المخطوطة.]] "يحكم به ذوا عدل منكم"، ثم قال: استعنت بصاحبي هذا.
١٢٥٨٦ - حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: ابتدرت أنا وصاحب لي ظبيًا في العقبة، فأصبته، فأتيت عمر بن الخطاب، فذكرت ذلك له. فأقبل على رجل إلى جنبه، فنظرا في ذلك. قال فقال: اذبح كبشًا= قال يعقوب في حديثه، فقال لي: اذبح شاة= فانصرفت فأتيت صاحبي فقلت: إن أميرَ المؤمنين لم يدرِ ما يقول! فقال صاحبي: انحر ناقتك. فسمعها عمر بن الخطاب، فأقبل عليَّ ضربًا بالدِّرة وقال: تقتل الصيد وأنت محرم، وتَغْمِصُ الفُتْيا! [[انظر تفسير"غمص الفتيا" فيما سلف ص: ١٧ تعليق: ٤.]] إن الله تعالى يقول في كتابه:"يحكم به ذوا عدل منكم"، هذا ابن عوف، وأنا عمر! [[الأثر: ١٢٥٨٦- انظر التعليق على الأثر السالف رقم: ١٢٥٧٣.]]
١٢٥٨٧ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن الشعبي قال، أخبرني قبيصة بن جابر، بنحو ما حدث به عبد الملك.
١٢٥٨٨ - حدثنا هناد وأبو هشام قالا حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: خرجنا حجاجًا [[في المطبوعة والمخطوطة: "خرجنا" لم يذكر"حجاجا" ولكن ابن كثير نقله عن هذا الموضع وفيه"حجاجا" وكذلك هي في رواية البيهقي في السنن ٥: ١٨١. وإذن فقد سقط من الناسخ"حجاجا" فلذلك أثبتها.]] فكنا إذا صلينا الغداة، اقتدرنا رواحلنا نتماشى نتحدث، [["صلاة الغداة" هي صلاة الفجر.]] قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبيٌ أو بَرَح، [["سنح الظبي" أتاك عن يسارك و"برح": أتاك عن يمينك.]] فرماه رجل منا بحجر، فما أخطأ خُشَّاءه، [[في المطبوعة: "خششاءه" وأثبت ما في المخطوطة وهي بضم الخاء وتشديد الشين المفتوحة وكلتاهما صواب وبهما روى الخبر. و"الخشاء" و"الخششاء": وهو العظم الدقيق العاري من الشعر الناتئ خلف الأذن.]] فركب رَدْعَه ميتًا. [[في المطبوعة: "فركب وودعه ميتا" وهو كلام ساقط جدا. وفي المخطوطة: "فركب ودعه ميتا" وهو تصحيف صوابه ما أثبت. يقال للقتيل: "ركب ردعه": إذا خر لوجهه على دمه. وركوبه عليه: أن الدم يسيل ثم يخر عليه صريعا. وأصل"الردع" ما تلطخ به الشيء من زعفران أو غيره، وهو أثره ولونه.]] قال: فعظَّمنا عليه. فلما قدمنا مكة، خرجت معه حتى أتينا عمر، فقص عليه القصة. قال: وإذا إلى جنبه رجلٌ كان وجهه قُلْبُ فضة [["القلب" (بضم فسكون": سوار يكون قلدا واحدا أي ليا واحدا. وفي الحديث: "أن فاطمة حلت الحسن والحسين رضي الله عنهما بقلبين من فضة" أي: سوارين من فضة. وصفة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في طبقات ابن سعد ٣/١/٩٤: "كان رجلا طويلا حسن الوجه رقيق البشرة فيح جدّا (ميل في الظهر أو العنق) أبيض مشربا حمرة لا يغير لحيته ولا رأسه".]] =يعني عبد الرحمن بن عوف = فالتفت إلى صاحبه فكلمه. قال: ثم أقبل علي الرجل قال: أعمدًا قتلته أم خطأ؟ قال الرجل: لقد تعمَّدت رميه، وما أردت قتله. فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركتَ بين العمد والخطأ، أعمد إلى شاة فاذبحها، وتصدق بلحمها، وَاسْقِِ إهابَها. [[قوله"أسق إهابها" يعني: أعط إهابها من يدبغه ويتخذ من جلده سقاء. و"السقاء" ظرف الماء من الجلد. و"الإهاب": الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ.]] قال: فقمنا من عنده، فقلت: أيها الرجل، عظِّم شعائر الله! [[في المخطوطة: "أعظم شعائر الله" وما في المطبوعة هو الموافق لما في سنن البيهقي وهو أولاهما لمطابقته نص آية"سورة الحج": "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".]] فما درى أمير المؤمنين ما يُفتيك حتى سأل صاحبه! اعمد إلى ناقتك فانحرها، ففعلَّ ذاك! [[في المطبوعة: "ففعل ذاك" والصواب هو ما في المخطوطة وابن كثير يقول: فلعل ذلك أن يكون جزاء مثل ما قتلت من الصيد. وفي ابن كثير: "يعني أن يجزئ عنك" وهذا النص ليس في المخطوطة فلذلك لم أزده في هذا الموضع، أخشى أن يكون من كلام ابن كثير.]] قال قبيصة: ولا أذكر الآية من"سورة المائدة":"يحكم به ذوا عدل منكم" قال: فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا إلا ومعه الدِّرّة! قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدّرة، [[روى البيهقي هذا الخبر بغير هذا اللفظ وقال عند هذا الموضع: "فما علمت بشيء والله ما شعرت إلا به يضرب بالدرة على= وقال مرة: على صاحبي" فهذه التي هنا هي إحدى الروايتين.]] وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفَّهت الحُكم! قال: ثم أقبل عليّ فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحِلَّ لك اليوم شيئًا يحرُم عليك مني! [[يعني أنه لما أقبل عليه عمر وعوف أنه ضاربه كما ضرب صاحبه رهب عمر واخافه بقوله: إنه لن يحله من ضرب بشرة هي عليه حرام إلا بحقها. فلذلك هاب عمر أن يضربه كما ضرب صاحبه. فانظر إلى ما طبع عليه أسلافنا من حرية الطباع وما وقذ الإسلام من عرامهم حتى كف عمر يده مخافة أن يصيب من أبشار المسلم حراما لا يحل له إلا بحقه.]] قال: يا قبيصة بن جابر، إنّي أراك شابَّ السن، فسيحَ الصدر [[قوله: "فسيح الصدر" أي: واسع الصدر وذلك من دلائل القوة ومتانة التركيب وهذه المقالة من عمر من أبلغ ما يهدى إلى الشباب فإن البلاء إنما يأتي من سوء الخلق، وخلق سيئ واحد يجر وراءه جميع مساوي الأخلاق.]] بيِّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعةُ أخلاق حسنة وخلق سييء، فيفسد الخلق السييء الأخلاقَ الحسنة، فإياك وعثرات الشباب! [[الأثر: ١٢٥٨٨- انظر تخريج خبر قبيصة بن جابر فيما سلف في التعليق على رقم: ١٢٥٧٣.
وختم البيهقي هذا الأثر (السنن ٥: ١٨١) وهو من رواية ابن أبي عمر، عن سفيان عن عبد الملك بن عمير: "قال ابن أبي عمر، قال سفيان: وكان عبد الملك إذا حدث بهذا الحديث قال: ما تركت منه ألفا ولا واوا".]]
١٢٥٨٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن مخارق، عن طارق قال: أوطأ أربدُ ضَبًّا [["أوطأ" يعني: حمل دابته حتى وطئت الضب أي داسته. فسرته كذلك لأنهم يقولون: "وطئ الشيء ووطأته، وتوطأه" بمعنى: داسه ولم يذكروا"أوطأه" وإن كنت أرى القياس يعين عليه.]] فقتله- وهو محرم. فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي! فحكما فيه جَدْيًا قد جَمَع الماء والشجر. [[قوله: "جمع الماء والشجر" يعني: فطم ورعى الماء والشجر وهذا تفسير لم أجده في شيء من مراجع اللغة او مجازها. ينبغي إثباته.]] ثم قال عمر:"يحكم به ذوا عدل منكم". [[الأثر: ١٢٥٨٩-"مخارق" هو"مخارق بن خليفة بن جابر" ويقال: "مخارق بن عبد الله" و"مخارق بن عبد الرحمن" البجلي الأحمسي، ثقة مضى برقم: ١١٦٨٢.
و"طارق" هو: "طارق بن شهاب البجلي الأحمسي" مضى برقم: ٩٧٤٤، ١١٦٨٢، ١٢٠٧٣- ١٢٠٧٥، ١٢٠٨٥.
و"أربد" هو"أربد بن عبد الله البجلي" أدرك الجاهلية هكذا ترجم له ابن حجر في الإصابة في القسم الثالث، وذكر هذا الخبر مبينا فيه اسمه ثم قال: "إسناده صحيح ورواه الأعمش عن سليمان بن ميسره، عن طارق، ولم يسم الرجل".
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٥: ١٨٢ من طريق الشافعي عن سفيان بن عيينة. وهو في الأم ٢: ١٦٥ ومسند الشافعي للسندي: ٣٣٢ وشرحه الأستاذ حامد مصطفى بمثل ما شرحته قبل.]]
١٢٥٩٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا جامع بن حماد قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا أصاب صيدًا، فأتى ابن عمر فسأله عن ذلك، وعنده عبد الله بن صفوان، فقال ابن عمر لابن صفوان: إما إن أقول فتصدقني، وإما أن تقول فأصدقك. فقال ابن صفوان: بل أنت فقل. فقال ابن عمر، ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان.
١٢٥٩١ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أنه قال: لو وجدت حكمًا عدلا لحكمت في الثعلب جَدْيًا، وجديٌ أحبُّ إليّ من الثعلب. [[في المطبوعة: "من الثعلب" وأثبت ما في المخطوطة وهو الجيد.]]
١٢٥٩٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن بكير قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي مجلز: أن رجلا سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيدًا وهو محرم، وعنده ابن صفوان، فقال له ابن عمر: إما أن تقول فأصدقك، أو أقول فتصدقني. قال: قل وأصدقك.
١٢٥٩٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل قال، أخبرني ابن جرير البجلي قال: أصبت ظبيًا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك. فأتيت عبد الرحمن وسعدًا، فحكما عليّ تيسًا أعْفَر= قال أبو جعفر:"الأعفر": الأبيض. [[الأثر: ١٢٥٩٣-"أبو وائل" هو"شقيق بن سلمة الأسدي" مضى مرارا كثيرة. و"أبو جرير البجلي" لم يترجم له غير ابن سعد في الطبقات ٦: ١٠٦ن ١٠٧ وقال: "روى عن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد" وساق هذا الخبر مختصرا من طريق إسحق بن يوسف الأزرق عن سفيان عن منصور عن أبي وائل ثم ساقه مطولا بنحو لفظه في خبر أبي جعفر: من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل عن منصور عن شقيق.
ورواه البيهقي في السنن ٥: ١٨١، ١٨٢ من طريق عبيد الله بن معاذ عن شعبة عن منصور بنحو لفظ أبي جعفر. ثم قال في آخره: "زاد فيه جرير بن عبد الحميد عن منصور: وأنا ناس لإحرامي". وهذه الزيادة في خبري ابن سعد، في الأول: "وأنا ناس لإهلالي" وفي الآخر: "ولا أذكر إهلالي".
ونقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٣٩ عن هذا الموضع من تفسير الطبري. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٢٩ وزاد نسبته لأبي الشيخ.
وفي المطبوعة: "ابن جرير البجلي" والصواب من المخطوطة وهي غير منقوطة. وفي ابن كثير مثل ما في المطبوعة وفي سنن البيهقي والدر المنثور: "أبو حريز" والصواب ما في طبقات ابن سعد.
وكان في المطبوعة: "فأتيت عبد الرحمن وسعيدا" والصواب ما أثبت من المخطوطة و"عبد الرحمن" هو"عبد الرحمن بن عوف" و"سعد" هو: "سعد بن أبي وقاص".]]
١٢٥٩٤ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور بإسناده عن عمر، مثله.
١٢٥٩٥ - حدثنا عبد الحميد قال، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين قال: كان رجل على ناقة وهو محرم، فأبصر ظبيًا يأوي إلى أكمة، فقال: لأنظرنّ أنا أسبق إلى هذه الأكمة أم هذا الظبي؟ [[في المطبوعة: "لأنظر أنا أسبق" وفي المخطوطة: "لأنظر وأنا أسبق" وصواب قراءتها ما أثبت.]] فوقعت عَنز من الظباء تحت قوائم ناقته فقتلتها، [["العنز" الأنثى من المعزى والأوعال والظباء.]] فأتى عمر فذكر ذلك له، فحكم عليه هو وابن عوف عنزا عفراء= قال: وهي البيضاء.
١٢٥٩٦ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن محمد: أن رجلا أوطأ ظبيًا وهو محرم، [[انظر تفسير"أوطأ" فيما سلف ص: ٢٦ تعليق: ١.]] فأتى عمر فذكر ذلك له، وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف، فأقبل على عبد الرحمن فكلمه، ثم أقبل على الرجل فقال: أهد عنزا عفراء.
١٢٥٩٧ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: أنه كان يقول: ما أصاب المحرم من شيء لم يمض فيه حكومة، استقبل به، فيحكم فيه ذوا عدل. [[أي لم يمض فيه حكم سابق. وقوله: "استقبل به" يعني: ابتدأ النظر فيه، بغير حكم سابق.]]
١٢٥٩٨ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن يعلي، عن عمرو بن حبشي قال: سمعت رجلا سأل عبد الله بن عمر، عن رجل أصاب ولدَ أرنب، فقال: فيه ولد ماعز، فيما أرى أنا. ثم قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلم مني. فقال: قال الله تعالى ذكره:"يحكم به ذوا عدل منكم". [[الأثر: ١٢٥٩٨-"عمرو بن حبشي" تابعي ثقة، مضى ومضى ضبط اسمه برقم: ٢٣٤٠.]]
١٢٥٩٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي وسهل بن يوسف، عن حميد، عن بكر: أن رجلين أبصرا طبيًا وهما محرمان، فتراهنا، وخطرُ كل واحد منهما لمن سبق إليه. [["الخطر" (بفتحتين) : الرهن وهو السبق الذي يترامى عليه في التراهن. و"أخطر المال" جعله خطرا بين المتراهنين، و"تخاطروا": تراهنوا وكان في المطبوعة: "وجعل كل واحد منهما" وهذه الكلمة في المخطوطة سيئة الكتابة جدا، رأيت أن أستظهر قراءتها كذلك من معنى الرهان. وهو الصواب إن شاء الله.]] فسبق إليه أحدهما، فرماه بعصاه فقتله. فلما قدما مكة، أتيا عمر يختصمان إليه، وعنده عبد الرحمن بن عوف، فذكرا ذلك له، فقال عمر: هذا قِمارٌ، ولا أجيزه! ثم نظر إلى عبد الرحمن، فقال: ما ترى! قال: شاة. فقال عمر: وأنا أرى ذلك. فلما قَفَّى الرجلان من عند عمر، قال أحدهما لصاحبه: ما درى عُمر ما يقول حتى سأل الرجل! فردّهما عمر فقال: إن الله تعالى ذكره لم يرضَ بعمر وحده، فقال:"يحكم به ذوا عدل منكم"، وأنا عمر، وهذا عبد الرحمن بن عوف.
* *
وقال آخرون: بل ينظر العَدْلان إلى الصيد المقتول، فيقوّمانه قيمته دراهمَ، ثم يأمران القاتل أن يشتري بذلك من النعم هَدْيًا. فالحاكمان يحكمان، في قول هؤلاء، بالقيمة. وإنما يحتاج إليهما لتقويم الصيد قيمتَه في الموضع الذي أصابه فيه.
* *
وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي فيما مضى قبل أنه كان يقول:"ما أصاب المحرم من شيء، حكم فيه قيمته"، [[هو رثم: ١٢٥٨٣.]] وهو قول جماعة من متفقِّهة الكوفيين.
* *
وأما قوله:"هديًا" فإنه مُصَدَّر على الحال من"الهاء" التي في قوله:"يحكم به".
* *
وقوله:"بالغ الكعبة" من نعت"الهدي" وصفته. وإنما جاز أن ينعت به، وهو مضاف إلى معرفة، [[في المطبوعة: "ينعت وهو مضاف" حذف"به" فاختل الكلام.]] لأنه في معنى النكرة. وذلك أن معنى قوله:"بالغ الكعبة"، يبلغُ الكعبة. فهو وإن كان مضافًا فمعناه التنوين، لأنه بمعنى الاستقبال، وهو نظير قوله: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [سورة الأحقاف:٢٤] ، فوصف بقوله:"ممطرنا""عارضًا"، لأن في"ممطرنا" معنى التنوين، لأن تأويله الاستقبال، فمعناه: هذا عارض يمطرنا. فكذلك ذلك في قوله:"هديًا بالغً الكعبة".
* *
القول في تأويل قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو عليه كفارة طعام مساكين= و"الكفارة" معطوفة على"الجزاء" في قوله:"فجزاء مثل ما قتل من النعم".
واختلف القرأة في قراءة ذلك:
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ بالإضافة. وأما قرأة أهل العراق، فإنّ عامتهم قرءوا ذلك بتنوين"الكفارة" ورفع"الطعام": أو كفارة طعام مساكين
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ بتنوين"الكفارة" ورفع"الطعام"، للعلة التي ذكرناها في قوله:"فجزاء مثلُ ما قتل من النعم". [[انظر ما سلف ص: ١٣ن ١٤.]] .
* *
واختلف أهل التأويل في معنى قوله:"أو كفارة طعام مساكين". [[انظر تفسير"الكفارة" فيما سلف ١٠: ٥٣١ تعليق: ١١ والمراجع هناك.]] فقال بعضهم: معنى ذلك أنّ القاتل وهو محرم صيدًا عمدًا، لا يخلو من وجوب بعض هذه الأشياء الثلاثة التي ذكر الله تعالى ذكره: من مثل المقتول هديًا بالغَ الكعبة، أو طعامُ مسكين كفارة لما فعل، أو عدلُ ذلك صيامًا= إلا أنه مخيَّر في أيِّ ذلك شاء فعل، وأنه بأيِّها كان كفَّر فقد أدّى الواجب عليه. وإنما ذلك إعلامٌ من الله تعالى عبادَه أن قاتل ذلك كما وصف لن يخرُجَ حكمه من إحدى الخلال الثلاثة. قالوا: فحكمه إن كان على المثل قادرًا أن يحكم عليه بمثل المقتول من النعم، لا يجزيه غيرُ ذلك ما دام للمثل واجدًا. قالوا: فإن لم يكن له واجدًا، أو لم يكن للمقتول مثلٌ من النعم، فكفارته حينئذ إطعام مساكين.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٠٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعامُ مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وَبال أمره" قال: إذا قتل المحرم شيئًا من الصيد، حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيًا أو نحوه، فعليه شاة تذبح بمكة. فإن لم يجد، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإن قتل أيِّلا أو نحوه، فعليه بقرة. فإن لم يجدها، أطعم عشرين مسكينًا. [[في المطبوعة: "فإن لم يجد" وأثبت ما في المخطوطة.]] فإن لم يجد، صام عشرين يومًا. وإن قتل نعامة أو حمارَ وحش أو نحوه، فعليه بَدَنَة من الإبل. فإن لم يجد، أطعم ثلاثين مسكينًا. فإن لم يجد، صام ثلاثين يومًا. والطعام مدٌّ مُدٌّ شِبَعَهم. [[الأثر: ١٢٦٠٠- وسيأتي برقم: ١٢٦٣٣ في المطبوعة: "يشبعهم" وأثبت ما في المخطوطة. وسيأتي في المخطوطة هناك: "وشبعهم" بالواو والجيد ما هنا.]]
١٢٦٠١ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرمٌ" إلى قوله:"يحكم به ذوا عدل منكم" فالكفارة: من قتل ما دون الأرنب، إطعام.
١٢٦٠٢ - حدثنا هناد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرم الصيد، حكم عليه جزاؤه من النعم. فإن وجد جزاءَه، ذبحه فتصدق به. وإن لم يجد جزاءه، قُوِّم الجزاء دراهم، ثم قوِّمت الدراهم حنطة، ثم صام مكان كل صاع يومًا. قال: إنما أريد بالطعام الصوم، فإذا وجد طعامًا وجد جزاءً.
١٢٦٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن زهير، عن جابر، عن عطاء ومجاهد وعامر:"أو عدل ذلك صيامًا"، قال: إنما الطعام لمن لم يجد الهَدْي. [[زاد في المطبوعة: "ليذوق" وقطع الآية، وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٢٦٠٤ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول: إذا أصاب المحرم شيئًا من الصيد، عليه جزاؤه من النعم. فإن لم يجد قُوِّم الجزاء دراهم، ثم قومت الدراهم طعامًا، ثم صامَ لكل نصف صاع يومًا.
١٢٦٠٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد قال: إذا أصاب المحرم الصيد فحكم عليه، فإن فضل منه ما لا يتم نصف صاع، صام له يومًا. ولا يكون الصوم إلا على من لم يجد ثمن هديٍ، فيحكم عليه الطعام. فإن لم يكن عنده طعام يتصدق به، حكم عليه الصوم، فصام مكان كل نصف صاع يومًا="كفارة طعام مساكين"، قال: فيما لا يبلغ ثمن هدي="أو عدل ذلك صيامًا"، من الجزاء، إذا لم يجد ما يشتري به هديًا، أو ما يتصدق به، مما لا يبلغ ثمن هدي، حكم عليه الصيام مكان كل نصف صاع يومًا.
١٢٦٠٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال مجاهد:"ومن قتل منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم"، قال: عليه من النعم مثلُه هديًا بالغَ الكعبة. ومن لم يجد، ابتاع بقيمته طعامًا، فيطعم كل مسكين مُدَّين. فإن لم يجد، صام عن كل مدَّين يومًا.
١٢٦٠٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ومن قتله منكم متعمدًا"، إلى قوله:"ومن عاد فينتقم الله منه"، قال: إذا قتل صيدًا، فعليه جزاؤه مثل ما قتل من النعم. فإن لم يجد، حكم عليه، ثم [قُوِّم] الفداءُ، كم هو درهمًا، ثمّ قدر ثمن ذلك بالطعام على المسكين، [[في المطبوعة: "فإن لم يجد ما حكم عليه قوم الفداء كم هو درهما، وقدر ثمن ذلك..ز" وفي المخطوطة: "فإن لم يجد حكم عليه ثم الفداء كم هو درهما بين قدر ثمن ذلك ... " ومكان (بين) (ثم) بين القوسين والعبارة بعد ذلك كله مشكلة، لم أستطع أن أهتدي إلى مكانها في كتاب آخر ولا أن ألتمس لها تحريفا أرضى عنه.]] فصام عن كل مسكين يومًا، ولا يحل طعام المسكين، لأن من وجد طعام المسكين فهو يجد الفداء.
١٢٦٠٨- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: قال لي الحسن بن مسلم: من أصاب الصيد فيما جزاؤه شاة، [[في المطبوعة: "مما جزاؤه" وأثبت ما في المخطوطة.]] فذلك الذي قال الله تعالى ذكره:"فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم". وما كان من كفارة بإطعام مساكين، [[في المطبوعة: "من كفارة طعام" وأثبت ما في المخطوطة.]] مثل العصفورة يقتل ولا يبلغ أن يكون فيه هدي"أو عدل ذلك صيامًا"، [[في المطبوعة: زاد في الآية"ليذوق" ثم قطع الآية.]] قال عدل النعامة أو العصفور، [[في المطبوعة: "أو العصفور" وأثبت ما في المخطوطة.]] أو عدل ذلك كله. فذكرت ذلك لعطاء فقال: كل شيء في القرآن"أو""أو"، فلصاحبه أن يختار ما شاء.
١٢٦٠٩ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، في قوله:"لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم"، فإن لم يجد جزاءً، قوِّم عليه الجزاءُ طعامًا، ثم صاع لكل صاع يومين.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: أن للقاتل صيدًا عمدًا وهو محرم، الخيارُ بين إحدى الكفارات الثلاث، وهي: الجزاء بمثله من النعم، والطعام، والصوم. قالوا: وإنما تأويل قوله:"فجزاء مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا"، فعليه أن يجزي بمثله من النعم، أو يكفر بإطعام مساكين، أو بعدل الطعام من الصيام.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦١٠ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، في قول الله تعالى ذكره:"فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم له ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا"، قال: إن أصابَ إنسان محرم نعامة، فإن له= وإن كان ذا يسار [[في المطبوعة: "إن كان ذا يسار" حذف الواو كما فعل في الأثر السالف: ص: ١٩ تعليق: ٢ والصواب ما في المخطوطة.]] أن يهدي ما شاء، جزورًا، أو عدلها طعامًا، أو عدلها صيامًا. قال: كل شيء في القرآن"أو""أو"، فليختر منه صاحبه ما شاء.
١٢٦١١ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حجاج، عن عطاء، في قوله:"فجزاء مثل ما قتل من النعم" قال:"ما كان في القرآن: أو كذا أو كذا"، فصاحبه فيه بالخيار، أيَّ ذلك شاء فعل.
١٢٦١٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أسباط وعبد الأعلى، عن داود، عن عكرمة قال: ما كان في القرآن"أو""أو"، فهو فيه بالخيار. وما كان:"فمن لم يجد"، فالذي يليه ثم الذي يليه. [[في المطبوعة: "فمن لم يجد فالأول ثم الذي يليه" وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب محض.]]
١٢٦١٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن عمرو، عن الحسن، مثله.
١٢٦١٤ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا ليث، عن عطاء ومجاهد، أنهما قالا في قوله:"فجزاء مثل ما قتل من النعم" قالا ما كان في القران:"أو كذا أو كذا"، فصاحبه فيه بالخيار، أيَّ ذلك شاء فعل.
١٢٦١٥ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: ما كان في القرآن:"أو كذا أو كذا"، فصاحبه فيه بالخيار، أيَّ ذلك شاء فعل.
١٢٦١٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو حُرّة، عن الحسن= قال وأخبرنا عبيدة، عن إبراهيم= قالا كل شيء في القرآن"أو""أو"، فهو بالخيار، أيّ ذلك شاء فعل. [[الأثر: ١٢٦١٦-"أبو حرة البصري" هو"واصل بن عبد الرحمن" مضى برقم: ٦٣٨٥ وكان في المطبوعة هنا"أبو حمزة" والصواب من المخطوطة.]]
١٢٦١٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا حفص، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن"أو""أو" فصاحبه مخيَّر فيه، وكل شيء:"فمن لم يجد" فالأول، ثم الذي يليه.
* *
واختلف القائلون بتخيير قاتل الصيد من المحرمين بين الأشياء الثلاثة، في صفة اللازم له من التكفير بالإطعام والصوم، إذا اختار الكفارة بأحدهما دونَ الهدي.
فقال بعضهم: إذا اختار التكفير بذلك، فإنّ الواجب عليه أن يقوِّم المثلَ من النعم طعامًا، ثم يصوم مكان كلّ مُدّ يومًا
ذكر من قال ذلك:
١٢٦١٨ - حدثنا هناد قال، أخبرنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: ما"أو عدل ذلك صيامًا"؟ قال: إن أصاب ما عَدْله شاة، أقيمت الشاة طعامًا، ثم جعل مكان كل مدّ يومًا يصومه.
* *
وقال آخرون: بل الواجب عليه إذا أراد التكفير بالإطعام أو الصوم، أن يقوِّم الصيد المقتولَ طعامًا، ثم الصدقة بالطعام إن اختار الصدقة. [[في المطبوعة: "ثم يتصدق بالطعام" وأثبت ما في المخطوطة وهو لا بأس به.]] وإن اختار الصوم صام.
* *
ثم اختلفوا أيضا في الصوم.
فقال بعضهم: يصوم لكل مدّ يومًا.
* *
وقال آخرون: يصوم مكان كل نصف صاع يومًا.
وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا.
* *
ذكر من قال: المقوَّم لإطعام هو الصيد المقتول. [[في المطبوعة: "المتقوم للإطعام" وفي المخطوطة بهذا الرسم غير منقوطة وصواب قراءتها ما أثبت.]]
١٢٦١٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا جامع بن حماد قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة، عن قتادة:"يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد"، الآية، قال: كان قتادة يقول: يحكمان في النعم، فإن كان ليس عنده ما يبلغ ذلك، [[في المطبوعة: "فإن كان ليس صيده ما يبلغ ذلك" وهو خطأ صوابه في المخطوطة.]] نظروا ثمنه فقوَّموه طعامًا، ثم صام مكان كل صاع يومين.
* *
وقال آخرون: لا معنى للتكفير بالإطعام، لأن من وجد سبيلا إلى التكفير بالإطعام، فهو واجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا. ومن وجد إلى الجزاء بالمثل من النعم سبيلا لم يجزه التكفير بغيره. قالوا: وإنما ذكر الله تعالى ذكره الكفارة بالإطعام في هذا الموضع، ليدلّ على صفة التكفير بالصوم= لا أنه جعل التكفير بالإطعام إحدى الكفارات التي يكفر بها قتل الصيد. [[في المخطوطة: "لأنه جعل التكفير ... " وصوابه ما في المطبوعة.]] وقد ذكرنا تأويل ذلك فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ص: ١٥ وما بعدها.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله:"فجزاء مثل ما قتل من النعم"، أن يكون مرادا به: فعلى قاتله متعمدًا مثلُ الذي قتل من النعم= لا القيمة، إن اختار أن يجزيه بالمثل من النعم. وذلك أن القيمة إنما هي من الدنانير أو الدراهم. والدراهم أو الدنانير ليست للصيد بمثل، والله تعالى ذكره إنما أوجب الجزاء مثلا من النعم.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندي في قوله:"أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا" أن يكون تخييرًا، وأن يكون للقاتل الخيار في تكفيره بقتله الصيد وهو محرم بأيِّ هذه الكفارات الثلاث شاء. لأن الله تعالى ذكره، جعل ما أوجبَ في قتل الصيد من الجزاء والكفارة عقوبة لفعله، وتكفيرًا لذنبه، في إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حرامًا عليه إتلافه في حال إحرامه، وقد كان حلالا له قبل حال إحرامه، كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه، وقد كان له حلالا قبل حال إحرامه، [عقوبة لفعله، وتكفيرًا لذنبه] وحلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه، ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد. [[كانت هذه الجملة في المطبوعة: "كما جعل الفدية من صيام او صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه ثم منع من حلقه في حال إحرامه، نظير الصيد". وهو كلام غير مستقيم وهو اختصار لما في المخطوطة.
وكان في المخطوطة هكذا: "كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه وقد كان حلالا قبل حال إحرامه كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك في حلق الشعر الذي حلقه المحرم في حال إحرامه، وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه ثم منع من حلقه في حال إحرامه نظير الصيد". وهي جملة مختلطة فيها بلا شك زيادة من الناسخ وهو قوله: "كما جعل الفدية من صيام أو صدقة او نسك" واستظهرت أن مكان هذه العبارة كما وضعته بين القوسين، لتتم المناظرة بين الفعلين والعقوبتين والجزاءين وبذلك استقام الكلام إن شاء الله.]] ثم جعل عليه إن حلقه جزاءً من حلقه إياه. فأجمع الجميع على أنه في حلقه إياه إذا حلقه من أذاته، [[في المطبوعة: "من إيذائه" وأثبت ما في المخطوطة وهو غير منقوطة.]] مخيَّر في تكفيره، فعله ذلك بأيِّ الكفارات الثلاث شاء. لا فرق بين ذلك [[في المطبوعة والمخطوطة: "في تكفيره فعليه ذلك" وهو خطأ محض صوابه ما أثبت.]] فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من المحرمين، [[في المطبوعة: "فمثله إن شاء الله قاتل الصيد" وفي المخطوطة: "فمثله مما شاله قاتل الصيد" واستظهرت الصواب من نص الآية"ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم".]] .
ومن أبى ما قلنا فيه، قيل له: حكم الله تعالى ذكره على قاتل الصيد بالمثل من النعم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدله صيامًا= كما حكم على الحالق بفدية من صيام أو صدقة أو نسك، فزعمتَ أن أحدهما مخيَّر في تكفير ما جعل منه، عِوَضٌ بأيّ الثلاث شاء، وأنكرت أن يكونَ ذلك للآخر، فهل بينك وبين من عكس عليك الأمر في ذلك= فجعل الخيارَ فيه حيث أبيت، وأبى حيث جعلته له= فرقٌ من أصل أو نظير؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا إذا ألزم في الآخر مثله. [[انظر ما قاله أبو جعفر في الحلق فيما سلف ٤: ٧٦- ٧٨.]]
ثم اختلفوا في صفة التقويم إذا أراد التكفير بالإطعام.
فقال بعضهم: يقوَّم الصيد قيمته بالموضع الذي أصابه فيه. [[في المطبوعة: "قيمته بالموضع" وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب محض وليس في المخطوطة"فيه" وإثباتها واجب.]] وهو قول إبراهيم النخعي، وحماد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد. وقد ذكرت الرواية عن إبراهيم وحماد فيما مضى بما يدل على ذلك، [[يعني ما سلف رقم: ١٢٥٨٣، ١٢٥٨٤/ ١٢٦٠٤، ١٢٦٠٥.]] وهو نص قول أبي حنيفة وأصحابه.
* *
وقال آخرون: بل يقوَّم ذلك بسعر الأرض التي يكفِّر فيها. [[في المطبوعة: "يكفر بها" وأثبت ما في المخطوطة.]]
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٢٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال في محرم أصاب صيدًا بخراسان، قال: يكفر بمكة أو بمنًى. وقال: يقوّم الطعام بسعر الأرض التي يكفّر بها.
١٢٦٢١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، في رجل أصاب صيدًا بخراسان، قال: يحكم عليه بمكة.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أن قاتل الصيد إذا جزأه بمثله من النَّعم، فإنما يجزيه بنظيره في خلق وقدره في جسمه، [[في المطبوعة والمخطوطة: "في خلق" والجيد ما أثبت.]] من أقرب الأشياء به شبهًا من الأنعام. فإن جزاه بالإطعام، قوّمه قيمته بموضعه الذي أصابه فيه، لأنه هنالك وجب عليه التكفير بالإطعام. ثم إن شاء أطعم بالموضع الذي أصابه فيه، وإن شاء بمكة، وإن شاء بغير ذلك من المواضع حيث شاء، لأن الله تعالى ذكره؛ إنما شَرَط بلوغ الكعبة بالهدي في قتل الصيد دون غيره من جزائه، فللجازي بغير الهدى أن يجزيه بالإطعام والصوم حيث شاء من الأرض.
* *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٢٢ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: ما كان من دم فبمكة. وما كان من صدقة أو صوم، حيث شاء.
* *
وقد خالف ذلك مخالفون، فقالوا: لا يجزئ الهدى والإطعام إلا بمكة. فأما الصوم، فإن لم يكن كفَّر، به يصوم حيث شاء من الأرض. [[في المطبوعة: "فأما الصوم فإن كفر به يصوم حيث شاء من الأرض" وفي المخطوطة: "فإن لم يكن كفر به أن يصومه حيث شاء من الأرض" وصواب قراءتها ما أثبت.]]
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٢٣- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء قال: الدم والطعام بمكة، والصيامُ حيث شاء.
١٢٦٢٤ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن مالك بن مغول، عن عطاء قال: كفارة الحج بمكة.
١٢٦٢٥ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أين يُتصدق بالطعام إن بدا له؟ قال: بمكة، من أجل أنه بمنزله الهدي، قال:"فجزاء مثل ما قتل من النعم أو هديًا بالغ الكعبة"، من أجل أنه أصابه في حَرَم = يريد البيت = فجزاؤه عند البيت.
* *
فأما الهدي، فإنّ من جَزَى به ما قتل من الصيد، [[في المطبوعة: "فأما الهدي، فإنه من جراء ما قتل من الصيد" وهو كلام فاسد جدا وفي المخطوطة: "فإن من جرائه ما قتل من الصيد" غير منقوطة وهذا صواب قراءتها.]] فلن يجزئه من كفارة ما قتل من ذلك إلا أن يبلغه الكعبة كما قال تعالى ذكره [[في المطبوعة: "إلا أن يبلغه الكعبة طيبا وينحره أو يذبحه" وهو فاسد المعنى وفي المخطوطة: "إلا أن يبلغه الكعبة طيبا قال تعالى ذكره وينحره ... " وصواب قراءة"طسا" غير منقوطة"كما" كما أثبتها.]] وينحره أو يذبحه ويتصدق به على مساكين الحرم= وعنَى بالكعبة في هذا الموضع، الحرم كله. [[في المطبوعة: "ويعني بالكعبة" وفي المخطوطة"وعنا بالكعبة" وصواب قراءتها ما أثبت.]] ولمن قدَّم بهديه الواجبَ من جزاء الصيد، أن ينحره في كل وقت شاء، قبل يوم النحر وبعده، ويطعمه. وكذلك إن كفر بالطعام، [[في المطبوعة: "بالطعام" وأثبت ما في المخطوطة.]] فله أن يكفر به متى أحب وحيث أحب. وإن كفّر بالصوم فكذلك.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، خلا ما ذكرنا من اختلافهم في التكفير بالإطعام على ما قد بينا فيما مضى.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٢٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء:"أو عدل ذلك صيامًا"، هل لصيامه وقت؟ قال: لا إذ شاء وحيث شاء، وتعجيله أحبُّ إليّ.
١٢٦٢٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: رجل أصابَ صيدًا في الحج أو العمرة، فأرسل بجزائه إلى الحرم في المحرَّم أو غيره من الشهور، أيجزئ عنه؟ قال: نعم. ثم قرأ:"هديًا بالغ الكعبة" = قال هناد: قال يحيى: وبه نأخذ. [[الأثر: ١٢٦٢٧-"يحيى" هو"ابن أبي زائدة" وهو: "يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة" ومضى مرارا.]]
١٢٦٢٨- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج وابن أبي سليم، عن عطاء قال: إذا قدمتَ مكة بجزاء صيدٍ فانحره، فإن الله تعالى ذكره يقول:"هديًا بالغ الكعبة"، إلا أن يقدَم في العشر، فيؤخِّرُه إلى يوم النحر. [[في المطبوعة: "فيخر" بغير ضمير وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٢٦٢٩- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا ابن جريج، عن عطاء قال: يتصدّق الذي يصيب الصيدَ بمكة. فإن الله تعالى ذكره يقول:"هديًا بالغ الكعبة".
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أو على قاتل الصيد محرِمًا، عدلُ الصّيد المقتول من الصيام. وذلك أن يقوّم الصيد حيًّا غير مقتول قيمته من الطعام بالموضع الذي قتله فيه المحرم، ثم يصوم مكان كل مدٍّ يومًا. وذلك أن النبي ﷺ عَدَل المدَّ من الطعام بصوم يوم في كفَّارة المُوَاقع في شهر رمَضَان. [[انظر الأخبار في كفارة من أتى أهله في نهار رمضان وهو صائم في السنن الكبرى البيهقي ٤: ٢٢١- ٢٢٥.]]
* *
فإن قال قائل: فهلا جعلت مكان كلّ صاع في جزاءِ الصيد، صومَ يوم، قياسًا على حكم النبي ﷺ في نظيره، وذلك حكمه على كَعْب بن عُجْرة إذ أمره أن يطعم إنْ كفَّر بالإطعام فَرْقًا من طعام، وذلك ثلاثة آصُعٍ بين ستّة مساكين [[انظر خبر"كعب بن عجرة" إذ شكا رأسه من صئبانه، فيما سلف في التفسير ٤: ٥٨- ٦٩ الآثار رقم: ٣٣٣٤- ٣٣٥٩.]] = إنْ كفر بالصيام أن يصوم ثلاثة أيام، فجعل الأيام الثلاثة في الصوم عَدْلا من إطعام ثلاثة آصع، فإن ذلك بالكفارة في جزاءِ الصيد، أشبهُ من الكفارة في قتلِ الصيد بكفَّارة المُواقع امرأتَه في شهر رمضان؟. قيل: إن"القياس"، إنما هو رَدُّ الفروع المختلف فيها، إلى نظائرها من الأصول المجمع عليها. ولا خلافَ بين الجميع من الحجّة أنه لا يجزئ مكفِّرًا كفَّر في قتل الصيد بالصوم، أن يعدِلَ صوم يوم بصاعِ طعام. فإذْ كان ذلك كذلك، وكان غير جائز خلافها فيما حدَّثت به من الدين مجمعةً عليه، [[في المطبوعة: "حدت به من الدين" (بتشديد الدال والتاء في آخره) وفي المخطوطة"حدث به" بالثاء وصواب قراءتها ما أثبت.]] صحَّ بذلك أن حكم معادلة الصوم الطعامَ في قتل الصيد، مخالف حكم معادلته إيَّاه في كفارة الحلق، إذْ كان غير جائز ردّ أصْلٍ على أصْلٍ قياسًا. وإنما يجوز أن يقاس الفرعُ على الأصل. [[في المطبوعة والمخطوطة: "إذا كان غير جائز وداخل على آخر قياسا" وفي المخطوطة مثلها مهملة غير منقوطة. وهو كلام لا معنى له، بل الصواب المحض ما أثبت وذلك أن الكاتب كتب: "وداحل" وصوابها: "رد أصل" ثم كتب"على أحر" وصوابها: "على أصل" وهو ظاهر كلام أبي جعفر كما رأيت قبل، وكما ترى بعد.]] وسواء قال قائل:"هلا رددتَ حكم الصوم في كفارة قتلِ الصيد، على حكمه في حَلْق الأذى فيما يُعْدل به من الطعام"؟ = وآخر قال:"هلا رددت حكم الصوم في الحلق، على حكمه في كفارة قتل الصيد فيما يُعدلُ به من الطعام، فتُوجب عليه مكان كل مدٍّ أو مكان كل نصف صاع صومَ يوم"؟
* *
وقد بينا فيما مضى قبل أن"العَدْل" في كلام العرب بالفتح، هو قدر الشيء من غير جنسه= [[في المطبوعة: "وهو قدر ... " بزيادة"الواو" وهو خطأ.]] وأن"العِدْل" هو قدره من جنسه. [[انظر تفسير"العدل" فيما سلف ٢: ٣٥، ٥٧٤. ثم معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٠، ثم مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٥٣، ١٧٥، ١٧٦.]]
وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول:"العدل" مصدر من قول القائل:"عَدَلت بهذا عَدْلا حسنًا". قال:"والعَدْل" أيضًا بالفتح، المثل. ولكنهم فرَّقوا بين"العدل" في هذا وبين"عِدْل المتاع"، بأن كسروا"العين" من"عِدْل المتاع"، وفتحوها من قول الله تعالى: [[في المطبوعة: "من قولهم" وفي المخطوطة: "من قول هم" وهو خطأ غريب والصواب ما كتبت إن شاء الله.]] وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ [سورة البقرة:١٢٣] ، وقول الله عز وجل:"أو عدل ذلك صيامًا"، كما قالوا:"امرأة رَزان" وحجر رَزين". [[نص هذا الكلام ذكره صاحب لسان العرب في مادة (عدل) ولم يشر إليه في مادة (رزن) فهو مما يقيد في اللسان في موضعه. وجاء في اللسان"وعجز رزين" وهو خطأ يصحح، إنما الصواب"وحجر" و"حجر رزين": ثقيل. وقد صرح صاحب أساس البلاغة فقال: "وامرأة رزان، ولا يقال"رزينة".]]
وقال بعضهم:"العدل" هو القسط في الحق، و"العِدْل" بالكسر، المثل. وقد بينا ذلك بشواهد فيما مضى. [[يعني ما سلف في ٢: ٣٥.]] .
* *
وأما نصب"الصيام" فأنه على التفسير، [["التفسير" هو التمييز وانظر ما سلف في فهارس المصطلحات.]] كما يقال:"عندي ملء زقٍّ سمنًا"، و"قدر رطلٍ عسلا". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٠.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. [[عند هذا الموضع انتهى المجلد الثامن من مخطوطة التفسير التي اعتمدناها. وفيها هنا ما نصه:
"تم المجلد الثامن بحمد الله وعونه
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرا.
يتلوه في التاسع إن شاء الله تعالى:
ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو
عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء: ما
"عَدْل ذلك صيامًا"؟
قال: عدل الطعام من الصيام.
وكان الفراغ منه في شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وسبعمئة".
ثم يليه في أول الجزء التاسع ما نصه:
"بسْم الله الرَّحمن الرحِيمِ
رَبِّ يَسِّرْ
بقية تفسير: "أَوْ عَدْلُ ذلك صِيَامًا".]]
١٢٦٣٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: ما"عدل ذلك صيامًا"؟ قال: عَدْل الطعامِ من الصيام. قال: لكل مدٍّ يومًا، يأخذ زعَم بصيام رمضان وبالظِّهار. [[في المطبوعة: "يؤخذ" وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب. ومعنى قوله: "يأخذ" هنا، يعني به يقيس ذلك بكفارة المواقع أهله في نهار رمضان، وبكفارة الظهار.]] وزعم إن ذلك رأى يراه، ولم يسمعه من أحد، ولم تمض به سنة. قال: ثم عاودته بعد ذلك بحين، قلت: ما"عدل ذلك صيامًا"؟ قال: إن أصاب ما عَدْله شاةٌ، قوِّمت طعامًا، ثم صام مكان كل مدٍّ يومًا. قال: ولم أسأله: هذا رأي أو سنة مسنونة؟
١٢٦٣١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير في قوله عز وجل:"أو عدل ذلك صيامًا"، قال: بصوم ثلاثةَ أيام إلى عشرة أيام.
١٢٦٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد:"أو عدل ذلك صيامًا"، من الجزاء، إذا لم يجد ما يشتري به هديًا، أو ما يتصدق به مما لا يبلُغ ثمنَ هدي، حكم عليه الصيامُ مكان كل نصفِ صاعٍ يومًا.
١٢٦٣٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أو عدل ذلك صيامًا"، قال: إذ قتل المحرم شيئًا من الصيد، حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيًا أو نحوه، فعليه شاة تذبح بمكة. فإن لم يجدها، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإن قتل أيِّلا أو نحوه، فعليه بقرة. فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينًا، فإن لم يجد، صام عشرين يومًا. وإن قتل نعامةً أو حمارَ وحش أو نحوه، فعليه بدنة من الإبل. فإن لم يجد، أطعم ثلاثين مسكينًا. فإن لم يجد، صام ثلاثين يومًا. والطعام: مدٌّ مدٌّ، شِبَعَهم. [[الأثر: ١٢٦٣٣- مضى هذا الأثر برقم: ١٢٦٠٠ وفيه"شبعهم" بغير واو. وفي المخطوطة هنا"وشبعهم" بالواو والجيد حذف الواو. وفي المطبوعة هنا غيرها كما غيرها في الموضع السالف وكتب: "يشبعهم".]]
١٢٦٣٤ - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد، [سألته] المحرِم يصيب الصيد [[في المطبوعة: "عن سعيد: المحرم ... " وفي المخطوطة: "عن سعيد: عن المحرم" فظاهر أنه سقط من الناسخ قوله: "وسألته" كما أثبتها بين القوسين وهو حق السياق كما ترى. والذي حذفه لناشر"عن" حذف مفسد للكلام.]] فيكون عليه الفدية، شاة، أو البقرة أو البدنة. فلا يجد، [[في المطبوعة: " ... أو البدنة فإن لم يجد فما عدل ذلك ... " وهو تغيير فاسد جدا، أداه إليه التصرف المعيب كما رأيت في التعليق السالف.]] فما عدل ذلك من الصيام أو الصدقة؟ قال: ثمن ذلك، فإن لم يجد ثمنه، قوّم ثمنه طعامًا يتصدق به لكل مسكين مُدّ، ثم يصومُ بكُلّ مدٍّ يومًا. [[في المطبوعة: "لكل مد" باللام وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: أوجبت على قاتل الصيد محرمًا ما أوجبت من الجزاء والكفارة الذي ذكرت في هذه الآية، [[في المطبوعة: "ما أوجبت من الحق او الكفارة" وهو كلام لا معنى له، وفي المخطوطة: "ما أوجبت من الحق او الكفارة" غير منقوطة وهذا صواب قراءتها كما أثبته.]] كي يذوق وبال أمره وعذابه.
* *
يعني:"بأمره"، ذنبه وفعله الذي فعله من قتله ما نهاه الله عز وجل عن قتله في حال إحرامه.
* *
يقول: فألزمته الكفارة التي ألزمته إياها، لأذيقه عقوبة ذنبه. بإلزامه الغرامة، والعمل ببدنه مما يتعبه ويشق عليه. [[انظر تفسير"ذاق" فيما سلف ٧: ٩٦، ٤٤٦، ٤٥٢٨: ٤٨٧.]] .
* *
وأصل"الوبال"، الشدّة في المكروه، ومنه قول الله عز وجل: فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا [سورة المزمل:١٦] .
* *
وقد بيّن تعالى ذكره بقوله:"ليذوق وبالَ أمره"، أنَّ الكفاراتِ اللازمةَ الأموالَ والأبْدَانَ، عقوباتٌ منه لخلقه، وإن كانت تمحيصًا لهم، وكفارةً لذُنُوبهم التي كفَّروها بها.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٣٥ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"وبال أمره"، فعقوبة أمرِه.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل من قائل لعباده المؤمنين به وبرسوله ﷺ: عفا الله، أيها المؤمنون، عمَّا سلف منكم في جاهليتكم، من إصابتكم الصيد وأنتم حُرُم، وقتلِكموه، فلا يؤاخذكم بما كان منكم في ذلك قبل تحريمه إياه عليكم، ولا يلزمكم له كفارةً في مال ولا نفس. ولكن من عاد منكم لقتله وهو محرم، بعد تحريمه بالمعنى الذي كان يَقْتُله في حال كفره، وقبل تحريمه عليه، من استحلاله قتلَه، فينتقم الله منه. [[انظر تفسير"عفا" فيما سلف من فهارس اللغة= وتفسير"سلف" فيما سلف ٦: ١٤/ ٨: ١٣٧، ١٥٠.]]
* *
وقد يحتمل أن يكون معناه: [[في المطبوعة: "أن يكون ذلك معناه" زاد"ذلك" ليهلك العبارة!! وليست في المخطوطة.]] من عاد لقتله بعد تحريمه في الإسلام، فينتقم الله منه في الآخرة. فأما في الدنيا، فإن عليه من الجزاء والكفَّارة فيها ما بيَّنت.
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٣٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: ما"عفا الله عما سلف"؟ قال: عما كان في الجاهلية. قال قلت: ما"ومن عاد فينتقم الله منه"؟ قال: من عاد في الإسلام، فينتقم الله منه. وعليه مع ذلك الكفارة.
١٢٦٣٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء، فذكر نحوه= وزاد فيه، وقال: وإن عاد فقتل، عليه الكفارة. قلت: هل في العَوْد من حدٍّ يعلم؟ قال: لا قلت: فترى حقًّا على الإمام أن يعاقبه؟ قال: هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله، ولكن يفتدي.
١٢٦٣٨- حدثنا سفيان قال، حدثنا محمد بن بكر وأبو خالد، عن ابن جريج، عن عطاء:"ومن عاد فينتقم الله منه"، قال: في الإسلام، وعليه مع ذلك الكفارة. قلت: عليه من الإمام عقوبة؟ قال: لا. [[الأثر: ١٢٦٣٨-"سفيان" هو: "سفيان بن وكيع". مضى مرارا.
و"محمد بن بكر بن عثمان البرساني" مضى برقم: ٥٤٣٨.
و"أبو خالد" هو الأحمر"سليمان بن حيان الأزدي" مضى برقم: ٣٩٥٦.]]
١٢٦٣٩- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"عفا الله عما سلف"، عمَّا كان في الجاهلية="ومن عاد"، قال: في الإسلام="فينتقم الله منه"، وعليه الكفارة. قال قلت لعطاء: فعليه من الإمام عقوبة؟ قال: لا.
١٢٦٤٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: يحكم عليه في الخطإ والعمد والنسيان، وكلَّما أصاب، قال الله عز وجل:"عفا الله عما سلف"، قال: ما كان في الجاهلية="ومن عاد فينتقم الله منه"، مع الكفارة= قال سفيان، قال ابن جريج: فقلت: أيعاقبه السلطان؟ قال: لا.
١٢٦٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر وأبو خالد، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء:"عفا الله عما سلف"، قال: عما كان في الجاهلية.
١٢٦٤٢ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: يحكم عليه كلَّما عاد.
١٢٦٤٣ - حدثنا هناد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قال: كلَّما أصاب المحرم الصيد ناسيًا حُكِم عليه.
١٢٦٤٤ - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم قال: كلَّما أصاب الصيدَ المحرمُ حُكِم عليه.
١٢٦٤٥ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء قال: من قتل الصيد ثم عاد، حكم عليه.
١٢٦٤٦ - حدثنا عمرو قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير قال: يحكم عليه، أفيُخْلَع! أفيُتْرك!. [[في المطبوعة: "فيخلع أو يترك" فأفسد معنى الكلام إفسادا والصواب من المخطوطة. وهذا الاستفهام تعجب ممن سأله: "أيحكم عليه كلما عاد" فأجابه بذلك تأكيدا للحكم عليه كلما قتل الصيد. يعني أن العائد عليه الحكم في كل مرة! وإلا لأصبح مخلوعا متروكا يفعل بعد ذلك ما شاء في قتله الصيد وهو محرم. وانظر الأثر الآتي رقم: ١٢٦٥٢.]]
١٢٦٤٧ - حدثنا عمرو قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير: الذي يصيب الصيد وهو محرم فيحكم عليه ثم يعود؟ قال: يحكم عليه.
١٢٦٤٨ - حدثنا عمرو قال، حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا الفرات بن سلمان، عن عبد الكريم، عن عطاء قال: يحكم عليه كلَّما عاد. [[الأثر: ١٢٦٤٨-"كثير بن هشام الكلابي" أبو سهل الرقي. نزل بغداد روى عنه أحمد وإسحق وابن معين ومحمد بن بشار بندار وغيرهم. مترجم في التهذيب والكبير للبخاري ٤ ١/٢١٨ وابن أبي حاتم ٣/٢/١٥٨.
و"الفرات بن سلمان الحضرمي الجزري الرقي" قال أبو حاتم: "لا بأس به محله الصدق صالح الحديث مترجم في تعجيل المنفعة: ٣٣١ والبخاري في الكبير ٤١/١٢٩ ولم يذكر فيه جرحا وابن أبي حاتم ٣٢/٨٠ وكان في المطبوعة: "بن سليمان" والصواب من المخطوطة.
ثم انظر إسناد الأثر التالي رقم: ١٢٦٦٣]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: عفا الله عما سلف منكم في ذلك في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه، بإلزامه الكفّارة.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٤٩ - حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو، عن زهير، عن سعيد بن جبير وعطاء في قوله الله تعالى ذكره:"ومن عاد فينتقم الله منه"، قالا"ينتقم الله"، يعني بالجزاء="عفا الله عما سلف"، في الجاهلية.
* *
وقال آخرون في ذلك: عفا الله عما سلف من قتل من قتلَ منكم الصيدَ حرامًا في أول مرة. ومن عاد ثانية لقتله بعد أولى حرامًا، فاللهُ وليُّ الانتقام منه، دون كفارة تلزمه لقتله إياه.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: من قتل شيئًا من الصيد خطأ وهو محرم، حكم عليه فيه مرة واحدة. فإن عاد يقال له:"ينتقم الله منك"، كما قال الله عز وجل.
١٢٦٥١- حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال. إذا أصاب المحرم الصيدَ حُكم عليه. فإن عاد، لم يحكم عليه، وكان ذلك إلى الله عز وجل، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. ثم قرأ هذه الآية:"ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام".
١٢٦٥٢- حدثنا هناد قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا داود، عن عامر قال: جاء رجل إلى شريح فقال: إني أصبت صيدًا وأنا محرم! فقال: هل أصبت قبل ذلك شيئًا؟ قال: لا. قال: لو قلت"نعم"، وكلتك إلى الله يكون هو ينتقم منك، إنه عزيز ذو انتقام! قال داود: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: بل يحكم عليه، أفَيخْلَع! [[في المطبوعة: "أو يخلع" غير ما في المخطوطة بلا طائل والصواب ما أثبت من المخطوطة وانظر ما فعله في خاتمة الأثر رقم: ١٢٦٤٦ والتعليق عليه ص٤٩. رقم: ١.]]
١٢٦٥٣- حدثني أبو السائب وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: إذا أصابَ الرجلُ الصيدَ وهو محرم، قيل له أصبت صيدًا قبل هذا؟ [[في المطبوعة والمخطوطة: "مثل هذا" وهو خطأ صوابه ما أثبت.]] فإن قال:"نعم"، قيل له: اذهب، فينتقم الله منك! وإن قال"لا"، حكم عليه.
١٢٦٥٤- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، في الذي يقتل الصيد ثم يعود، قال: كانوا يقولون: من عاد لا يحكم عليه، أمرُه إلى الله عز وجل.
١٢٦٥٥ - حدثنا عمرو قال، حدثنا ابن عيينة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: أن رجلا أتى شريحًا فقال: أصبت صيدًا؟ ، قال: أصبت قبله صيدًا؟ قال: لا. قال: أما إنك لو قلت"نعم"، لم أحكم عليك.
١٢٦٥٦ - حدثنا عمرو قال، حدثنا ابن أبي عدي قال، حدثنا داود، عن الشعبي، عن شريح، مثله.
١٢٦٥٧ - حدثنا عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن الأشعث، عن محمد، عن شريح، في الذي يصيب الصيد قال: يحكم عليه، فإن عاد انتقمَ الله منه.
١٢٦٥٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكّام بن سلم، عن عنبسة، عن سالم، عن سعيد بن جبير:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثلُ ما قتل من النعم بحكم به ذوا عدل منكم"، قال: يحكم عليه في العمد مرة واحدة، فإن عاد لم يحكم عليه، وقيل له:"اذهب ينتقم الله منك"، ويحكم عليه في الخطأ أبدًا.
١٢٦٥٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن سعيد بن جبير قال: رُخّص في قتل الصيد مرة، فمن عاد لم يدعه الله تعالى ذكره حتى ينتقم منه.
١٢٦٦٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، مثله.
١٢٦٦١ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي، جميعًا عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، فيمن أصاب صيدًا فحكم عليه، ثم أعاد، قال: لا يحكم، ينتقم الله منه.
١٢٦٦٢ - حدثنا عمرو قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إنما قال الله عز وجل:"ومن قتله منكم متعمدًا"، يقول: متعمدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه، فذلك الذي يحكم عليه، فإن عاد لا يحكم عليه، وقيل له:"ينتقم الله منك".
١٢٦٦٣ - حدثنا عمرو قال، حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا الفرات بن سلمان، عن عبد الكريم، عن مجاهد: إن عاد لم يحكم عليه، وقيل له:"ينتقم الله منك". [[الأثر: ١٢٦٦٣-"كثير بن هشام الكلابي" و"الفرات بن سلمان الجزري" مضيا قريبا برقم: ١٢٦٤٨، وكان في المطبوعة هنا أيضا"الفرات بن سليمان" وهو خطأ صوابه ما في المخطوطة.]]
١٢٦٦٤ - حدثنا عمرو قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا الأشعث، عن الحسن، في الذي يصيب الصيد فيحكم عليه ثم يعود، قال: لا يحكم عليه.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: عفا الله عما سلف من قتلكم الصيد قبل تحريم الله تعالى ذكره ذلك عليكم. ومن عاد لقتله بعد تحريم الله إياه عليه، عالمًا بتحريمه ذلك عليه، عامدًا لقتله، ذاكرًا لإحرامه، فإن الله هو المنتقم منه، ولا كفارة لذنبه ذلك، ولا جزاء يلزمه له في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٦٥ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومن عاد فينتقم الله منه"، قال: من عاد بعد نهي الله - بعد أن يعرف أنه محرَّم، وأنه ذاكرٌ لِحُرْمه [["الحرم" (بضم الحاء وسكون الراء) : الإحرام وقد سلف شرحه.]] - لم ينبغ لأحد أن يحكم عليه، ووكلوه إلى نقمة الله عز وجل. فأما الذي يتعمد قتلَ الصيد وهو ناس لحرمه، أو جاهل أنّ قتله محرَّم، فهؤلاء الذين يحكم عليهم. فأما من قتله متعمدًا بعد نهي الله، وهو يعرف أنه محرَّم، وأنه حَرام، [["حرام" أي: محرم.]] فذلك يوكل إلى نقمة الله، فذلك الذي جعل الله عليه النقمة.
* *
وهذا شبيه بقول مجاهد الذي ذكرناه قبل. [[يعني ما سلف رقم: ١٢٦٦٢.]]
* *
وقال آخرون: عُنِي بذلك شخصٌ بعينه.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٦٦ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا معتمر بن سليمان قال، حدثنا زيد أبو المعلى: أن رجلا أصاب صيدًا وهو محرم، فتجُوِّز له عنه. ثم عاد، فأرسل الله عليه نارًا فأحرقته، فذلك قوله:"ومن عاد فينتقم الله منه"، قال: في الإسلام. [[الأثر: ١٢٦٦٦-"زيد""أبو المعلى" مترجم في"زيد بن مرة" و"زيد بن أبي ليلى""أبو المعلى" مولى بني العدوية. قال أبو حاتم: "صالح الحديث" وقال أبو داود الطيالسي: "وكان ثقة". مترجم في لسان الميزان ٢: ٥١١ والكبير للبخاري ٢/١/٣٧٠، وعلق عليه ناشر التاريخ. تعليقا وافيا. وابن أبي حاتم ١/٢/٥٧٣.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا، قولُ من قال: معناه:"ومن عاد في الإسلام لقتله بعد نهي الله تعالى ذكره عنه، فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة"، لأن الله عز وجل إذْ أخبر أنه ينتقم منه، لم يخبرنا= وقد أوجب عليه في قتله الصيد عمدًا ما أوجب من الجزاء أو الكفارة بقوله:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثلُ ما قتل من النعم" = أنه قد أزال عنه الكفارة في المرة الثانية والثالثة، بل أعلم عبادَه ما أوجبَ من الحكم على قاتل الصيد من المحرمين عمدًا، ثم أخبر أنه منتقم ممن عاد، ولم يقل:"ولا كفارة عليه في الدنيا".
* *
فإن ظن ظانّ أن الكفارة مزيلةٌ العقابَ، [[في المطبوعة: "مزيلة للعقاب" بزيادة اللام وهو تغيير لعبارة أبي جعفر في المخطوطة. وقوله: "العقاب" منصوب مفعول به لقوله: "مزيلة".]] ولو كانت الكفارةُ لازمةً له في الدنيا، لبطلَ العقاب في الآخرة، فقد ظنّ خطأ. وذلك أن الله عز وجلّ أن يخالف بين عقوبات معاصيه بما شاء وأحب، فيزيد في عقوبته على بعض معاصيه مما ينقصُ من بعض، وينقص من بعض مما يزيد في بعض، كالذي فعل من ذلك في مخالفته بين عقوبته الزانيَ البكرَ والزانيَ الثيِّبَ المحصن، وبين سارق ربع دينار وبين سارق أقلَّ من ذلك. فكذلك خالف بين عقوبته قاتلَ الصيد من المحرمين عمدًا ابتداءً، وبين عقوبته عَوْدًا بعد بدء. فأوجب على الباديء المثلَ من النعم، أو الكفارة بالإطعام، أو العدل من الصيام، وجعل ذلك عقوبة جُرْمه بقوله:"ليذوق وبال أمره"، وجعل على العائد بعد البدء، وزاده من عقوبته ما أخبر عبادَه أنه فاعل به من الانتقام، تغليظًا منه عز وجل للعود بعد البدء. ولو كانت عقوباته على الأشياء متفقة، لوجب أن لا يكون حدٌّ في شيء، مخالفًا حدًّا في غيره، ولا عقابٌ في الآخرة، أغلظ من عقابٍ. وذلك خلاف ما جاء به محكم الفرقان.
* *
وقد زعم بعض الزاعمين أن معنى ذلك: ومن عاد في الإسلام بعد نَهْي الله عن قتله = لقتله بالمعنى الذي كان القوم يقتلونه في جاهليتهم، فعفا لهم عنه عند تحريم قتله عليهم، وذلك قتله على استحلال قتله. قال: فأما إذا قتله على غير ذلك الوجه= وذلك أن يقتله على وجه الفسوق لا على وجه الاستحلال= فعليه الجزاء والكفارة كلَّما عاد.
وهذا قول لا نعلم قائلا قاله من أهل التأويل. وكفي خطأ بقوله، خروجه عن أقوال أهل العلم، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده؟ وذلك أن الله عز وجل عمّ بقوله:"ومن عاد فينتقم الله منه"، كلَّ عائد لقتل الصيد بالمعنى الذي تقدم النهي منه به في أوّل الآية، ولم يخصّ به عائدًا منهم دون عائد. فمن ادَّعى في التنزيل ما ليس في ظاهره، كُلِّف البرهانَ على دعواه من الوجه الذي يجب التسليمُ له.
* *
وأما من زعم أن معنى ذلك: ومن عاد في قتله متعمدًا بعد بدء لقتل تقدم منه في حال إحرامه، فينتقم الله منه، كان معنى قوله: [[في المطبوعة: "فإن معنى قوله" وهو خطأ في قراءة المخطوطة وإفساد للسياق والمعنى جميعا.]] "عفا الله عما سلف"، إنما هو: عفا الله عما سلف من ذنبه بقتله الصيد بدءًا= [[قوله: "فإن قول الله..ز" جواب قوله: "فأما من زعم ... ".]] فإنّ في قول الله تعالى ذكره:"ليذوق وبال أمره"، دليلا واضحًا على أن القول في ذلك غير ما قال، لأن العفو عن الجرم: تركُ المؤاخذة به. ومن أذيق وبال جرمه، فقد عوقب به. وغير جائز أن يقال لمن عوقب:"قد عفي عنه". وخبر الله عز وجل أصدق من أن يقع فيه تناقض.
* *
فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون قاتل الصيد من المحرمين في أوّل مرّة، قد أذيق وبال أمره بما ألزم من الجزاء والكفارة، وعفي له من العقوبة بأكثر من ذلك مما كان لله عز وجل أن يعاقبه به؟
قيل له: فإن كان ذلك جائزًا أن يكون تأويلَ الآية عندك= وإن كان مخالفًا لقول أهل التأويل= فما تُنكر أن يكون الانتقام الذي أوعده الله تعالى ذكره على العود بعد البدء، هو تلك الزيادة التي عفاها عنه في أول مرة، [[يقال: "عفا له ذنبه" متعديا و"عفا له عن ذنبه" لازما.]] مما كان له فعله به مع الذي أذاقه من وبال أمره، فيذيقه في عوده بعد البدء وبالَ أمره الذي أذاقه المرة الأولى= ويترك عفوَه عما عفا عنه في البدء، فيؤاخذه به؟ فلن يقول في ذلك شيئا إلا ألزم في الآخر مثله. [[في المطبوعة: "فلم يقل في ذلك شيئا" وفي المخطوطة: "فلم يقول ... " وصواب قراءتها ما أثبت.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول عز وجل: والله منيعٌ في سلطانه، لا يقهره قاهرٌ، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته، مانع. لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة المَنَعة. [[انظر تفسير"عزيز" فيما سلف ١٠: ٢٨٩ تعليق ١، والمراجع هناك.]]
وأما قوله:"ذو انتقام"، فإنه يعني به: معاقبتَه لمن عصاه على معصيته إياه.
القول في تأويل قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:"أحل لكم"، أيها المؤمنون،"صيد البحر" = وهو ما صيد طريًّا، كما:-
١٢٦٦٧ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب في قوله:"أحل لكم صيد البحر"، قال: صيده، ما صيد منه. [[الأثر: ١٢٦٦٧-"عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" مضى برقم: ٣٩١١ قال ابن سعد: "كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه". وقال شعبة: "أحاديثه واهية". وقد مضى الكلام فيه. وكان في المخطوطة هنا"عمرو بن أبي سلمة" وهو خطأ سيأتي على الصواب في رقم: ١٢٦٨٧ في المخطوطة.
وأبوه: "أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" مضى برقم: ٨، ٦٧، ٣٠١٥، ٨٣٩٤، ثقة. وهذا الخبر مختصر الخبر الآتي رقم: ١٢٦٨٧ وسياتي تخريجه هناك.]]
١٢٦٦٨ - حدثني ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك قال: حُدِّثت، عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس فقال:"أحل لكم صيد البحر"، قال: فصيده ما أخذ. [[الأثر: ١٢٦٦٨- سيأتي هذا الخبر بنفس هذا الإسناد بغير هذا اللفظ برقم ١٢٦٨٦.]]
١٢٦٦٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:"أحل لكم صيد البحر"، قال: صيده، ما صيد منه. [[الأثر: ١٢٦٦٩- رواه البيهقي في السنن ٩: ٢٥٥ من طريق خلف بن خليفة عن حصين مطولا بنحوه.]]
١٢٦٧٠ - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد البرقي قال، حدثنا محمد بن سلمة الحرّاني، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"أحل لكم صيد البحر"، قال: صيده، الطريّ. [[الأثر: ١٢٦٧٠-"سليمان بن عمر بن خالد الرقي القرشي" الأقطع مضى برقم: ٦٢٥٤.
وكان في المطبوعة: "البرقي" وهو خطأ محض.
و"محمد بن سلمة الحراني الباهلي" ثقة مضى برقم: ١٧٥.]]
١٢٦٧١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الهذيل بن بلال قال، حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس في قوله:"أحل لكم صيد البحر"، قال: صيدُه، ما صِيد. [[الأثر: ١٢٦٧١-"هذيل بن بلا الفزاري المدائني""أبو البهلول" ضعيف قال ابن معين"ليس بشيء". وقال أبو زرعة: "هو لين ليس بالقوي". وقال ابن حيان: "يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل فصار متروكا". وقال ابن سعد: "كان ضعيفا". ولكن قال أبو حاتم: "محله الصدق يكتب حديثه". وضعفه النسائي والدارقطني. مترجم في الكبير ٤/٢/٢٤٥ ولم يذكر فيه جرحا وابن أبي حاتم ٤/٢/١١٣ وفي تعجيل المنفعة: ٤٣٠ ولسان الميزان ٦: ١٩٢ وميزان الاعتدال ٣: ٢٥١. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "هذيل ابن هلال" بالهاء وهو خطأ محض. وسيأتي على الصواب في المخطوطة: "بلال" في رقم: ١٢٦٩٣، ولكن الناشر سيغيره هناك إلى"هلال" خطأ أيضا.
و"عبد الله بن عبيد بن عمير بن قتادة الليثي الجندعي" روى عن أبيه وقيل لم يسمع منه وروى عن عائشة وابن عباس وابن عمر. روى عنه"هذيل بن بلال" وجرير بن حازم وابن جريج والأوزاعي وعكرمة بن عمار وغيرهم. ثقة. وكان مستجاب الدعوة. مترجم في التهذيب.]]
١٢٦٧٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"أحل لكم صيد البحر"، قال: الطريّ.
١٢٦٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا الحسن بن علي بن الحنفيّ = أو: الحسين، شك أبو جعفر = عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس يقول: صيد البحر، ما اصطاده. [[الأثر: ١٢٦٧٣="الحسن بن علي الحنفي "أو"الحسين بن علي الحنفي" لم أجد لأحدهما ترجمة في المراجع التي بين يدي. وكان في المطبوعة: "الجعفي" وهو تغيير بلا هدى. فإن"الجعفي" هو"الحسين بن علي الجعفي" مضى مرارا كثيرة وهو أجل من أن يشك في اسمه أبو جعفر أو سفيان بن وكيع. ثم انظر الأثر التالي رقم: ١٢٦٩٢.]]
١٢٦٧٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"أحل لكم صيد البحر"، قال: الطريّ.
١٢٦٧٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن الحجاج، عن العلاء بن بدر، عن أبي سلمة قال:"صيد البحر"، ما صيد. [[الأثر: ١٢٦٧٥-"العلاء بن بدر" نسب إلى جده وهو: "العلاء بن عبد الله بن بدر الغنوي" مضى برقم: ٧٩٣٩.]]
١٢٦٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"أحل لكم صيد البحر"، قال: الطريّ.
١٢٦٧٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، مثله.
١٢٦٧٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"أحل لكم صيد البحر"، قال: السمك الطريّ.
١٢٦٧٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أحل لكم صيد البحر"، أما"صيد البحر"، فهو السمك الطريّ، هي الحيتان.
١٢٦٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: صيده، ما اصطدته طريًّا- قال معمر، وقال قتادة: صيده، ما اصطدته. [[الأثر: ١٢٦٨٠-"أبو سفيان" هو"أبو سفيان المعمري""محمد بن حميد اليشكري". مضى برقم: ١٧٨٧، ٨٨٢٩.]]
١٢٦٨١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"أحل لكم صيد البحر"، قال: حيتانه.
١٢٦٨٢ - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمر بن أبي سلمة قال، سئل سعيد عن صيد البحر فقال، قال مكحول، قال زيد بن ثابت: صيده، ما اصطدت. [[الأثر: ١٢٦٨٢-"عمرو بن أبي سلمة التنيسي" مضى برقم: ٣٩٩٧، ٥٢٣٠، ٥٤٤٤، ٦٦٢٨، وكان في المطبوعة هنا"عمر بن أبي سلمة" وهو خطأ ذاك أقدم من هذا (انظر ما مضى رقم: ١٢٦٦٧) . والصواب من المخطوطة.
و"سعيد" هذا هو"سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي" مضى رقم: ٦٥٢٩ ٨٩٦٦، ٩٠٧١. ومضى أيضا في الأثر: ٣٩٧٧ غير مترجم في مثل هذا الإسناد.
وهذا الخبر أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٣٢ ولم ينسبه لغير الطبري.]]
١٢٦٨٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في قوله:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة"، قال: يصطاد المحرِم والمحلُّ من البحر، ويأكلُ من صيده.
١٢٦٨٤ - حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال: قال أبو بكر: طعام البحر كلُّ ما فيه= وقال جابر بن عبد الله: ما حَسر عنه فكُلْ. وقال: كلّ ما فيه= يعني: جميع ما صيدَ [[الأثر: ١٢٦٨٤- خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٣٢، ولم ينسبه لغير الطبري.]] .
١٢٦٨٥ - حدثنا سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع عكرمة يقول: قال أبو بكر:"وطعامه متاعًا لكم وللسيارة"، قال: هو كل ما فيه.
* *
وعنى ب"البحر"، في هذا الموضع، الأنهار كلها. والعرب تسمى الأنهار"بحارًا"، كما قال تعالى ذكره: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ . [[مضى ذكر"البحر" في سورة البقرة: ٥٠ (٢: ٥٠) ولم يشرح هذا الحرف هناك. وهذا من وجوه اختصار تفسيره. ولكن جاء تفسير"البحر" في الأثر السالف رقم: ٣٩٨٥ بغير هذا المعنى، فانظره.]]
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: أحل لكم، أيها المؤمنون، طريّ سمك الأنهار الذي صدتموه في حال حِلِّكم وحَرَمكم، وما لم تصيدوه من طعامه الذي قتله ثم رَمى به إلى ساحله.
* *
واختلف أهل التأويل في معنى قوله:"وطعامه".
فقال بعضهم: عني بذلك: ما قذف به إلى ساحله ميتًا، نحو الذي قلنا في ذلك.
ذكر من قال ذلك:
١٢٦٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك قال، حدثت عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس فقال:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم"، وطعامه، ما قَذَف. [[الأثر: ١٢٦٨٦- مضى بهذا الإسناد بغير هذا اللفظ فيما سلف رقم: ١٢٦٦٨. وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٤٢ والسيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣١ وزاد نسبته لعبد بن حميد.]]
١٢٦٨٧- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كنت بالبحرين، فسألونى عما قذف البحر. قال: فأفتيتهم أن يأكلوا. فلما قدمتُ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكرت ذلك له، فقال لي: بم أفتيتهم؟ [[في المخطوطة: "بما أفتيتهم" وهو الأصل وهو صواب.]] قال، قلت: أفيتهم أن يأكلوا؟ قال: لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدِّرَّة! قال: ثم قال: إن الله تعالى قال في كتابه:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم"، فصيده، ما صيد منه= وطعامه، ما قَذَف. [[الأثر: ١٢٦٨٧- مضى مختصرا بهذا الإسناد رقم: ١٢٦٦٧. وذكرت هناك ما قالوه في ضعف"عمر بن أبي سلمة".
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى ٩: ٢٥٤، من طريق سعيد بن منصور عن أبي عوانه عن عمر بن أبي سلمة بنحوه.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣١ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد، وابن المنذر وأبي الشيخ.]]
١٢٦٨٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم"، قال: طعامه ما قَذَف.
١٢٦٨٩- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله:"احل لكم صيد البحر وطعامه"، قال: طعامه ما قذف.
١٢٦٩٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، مثله.
١٢٦٩١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:"طعامه"، كل ما ألقاه البحر. [[الأثر: ١٢٦٩١-"حسين بن علي بن الوليد الجعفي" مضى مرارا منها رقم: ٢٩، ١٧٤، ٤٤١٥، ٧٢٨٧، ٧٤٩٩. وهو غير الذي سيأتي بعده، كما أشرت إليه في التعليق على الأثر رقم: ١٢٦٧٣.]]
١٢٦٩٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا الحسن بن علي = أو: الحسين بن على الحنفي، شك أبو جعفر = عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:"طعامه"، ما لفظ من ميتته. [[الأثر: ١٢٦٩٢-"الحسن بن علي الحنفي "أو"الحسين بن علي الحنفي" مضى الكلام عنه، وإني لم أجده فيما سلف رقم: ١٢٦٧٣. وغيره هنا في المطبوعة وكتب"الجعفي" وهو هنا أيضا في المخطوطة: "الحنفي".]]
١٢٦٩٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الهذيل بن بلال قال، حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس:"أحل لكم صيد البحر وطعامه"، قال:"طعامه"، ما وجد على الساحل ميتًا. [[الأثر: ١٢٦٩٣-"الهذيل بن بلال الفزاري المدائني" مضى برقم: ١٢٦٧١، وهو في المخطوطة هنا"بلال" ولكن غيره الناشر في المطبوعة فكتب: "هلال" وهو خطأ كما بينت هناك.
و"عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي" مضى أيضا برقم: ١٢٦٧١.]]
١٢٦٩٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس قال:"طعامه"، ما قذف به.
١٢٦٩٥ - حدثنا سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع عكرمة يقول: قال أبو بكر رضي الله عنه:"وطعامه متاعًا لكم"، قال:"طعامه"، هو كل ما فيه.
١٢٦٩٦ - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج قال، أخبرني عمرو بن دينار، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو بكر:"وطعامه متاعًا لكم"، قال:"طعامه"، ميتته= قال عمرو: وسمعت أبا الشعثاء يقول: [[في المطبوعة: "وسمع" وفي المخطوطة: "وسمعه" وصواب قراءتها ما أثبت كما سيأتي في رقم: ١٢٧٠٢.]] ما كنت أحسب طعامه إلا مالحه.
١٢٦٩٧ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج قال، أخبرني أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"وطعامه متاعًا لكم"، قال:"طعامه"، ميتته. [[الأثر: ١٢٦٩٧-"أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد" اسمه"عبد الله بن حفص" ثقة مضى برقم: ٣٠٣٥.]]
١٢٦٩٨ - حدثنا حميد بن مسعدة [[في المخطوطة: "جرير بن مسعدة" والصواب ما في المطبوعة.]] قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان، عن عكرمة:"وطعامه متاعًا لكم"، قال:"طعامه"، ما قذف.
١٢٦٩٩ - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا معمر بن سليمان قال، سمعت عبيد الله، عن نافع قال: جاء عبد الرحمن إلى عبد الله فقال: البحر قد ألقى حيتانًا كثيرة؟ قال: فنهاه عن أكلها، ثم قال: يا نافع، هات المصحف! فأتيته به، فقرأ هذه الآية:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم"، قال، قلت:"طعامه"، هو الذي ألقاه. قال: فالحقْهُ، فمُرْهُ بأكله. [[الأثر: ١٢٦٩٩-"عبد الرحمن" هو: "عبد الرحمن بن أبي هريرة" و"عبد الله" هو"عبد الله بن عمر" وسيأتي تخريجه في الذي يليه.]]
١٢٧٠٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن نافع: أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر، فقال: إن البحر قذف حيتانًا كثيرة ميتة، أفنأكلها؟ قال: لا تأكلوها! فلما رجع عبد الله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ"سورة المائدة"، فأتى على هذه الآية:"وطعامه متاعًا لكم وللسيارة"، قال: اذهب، فقل له فليأكله، فإنه طعامه. [[الأثر: ١٢٧٠٠- هو طريق أخرى للأثر السالف.
وهذا الخبر رواه مالك عن نافع بمثله في الموطأ: ٤٩٤. ورواه البيهقي عن مالك في السنن الكبرى ٩: ٢٥٥. وسيأتي من طريق أخرى برقم: ١٢٧٠٣.
ونقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٤٢ ولم يخرجه وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٢، وقصر في نسبته وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]
١٢٧٠١ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، بنحوه.
١٢٧٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج قال، أخبرني عمرو بن دينار، عن عكرمة مولى ابن عباس قال، قال أبو بكر رضي الله عنه:"وطعامه متاعًا لكم"، قال: ميتته= قال عمرو: سمعت أبا الشعثاء يقول: ما كنت أحسب"طعامه" إلا مالحه. [[الأثر: ١٢٧٠٢- مضى هذا الأثر من رواية أبي جعفر عن"محمد بن المثنى" بمثل إسناده هنا رقم: ١٢٦٩٦.]]
١٢٧٠٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج قال، أخبرنا نافع: أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان كثيرة ألقاها البحر، أميتة هي؟ قال: نعم! فنهاه عنها، ثم دخل البيت فدعا بالمصحف فقرأ تلك الآية:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم"، قال:"طعامه"، كل شيء أخرج منه، فكله، فليس به بأس. وكل شيء فيه يأكل، ميت أو بساحليه. [[الأثر: ١٢٧٠٣- مضى هذا الخبر بثلاثة أسانيد أخرى رقم: ١٢٦٩٩- ١٢٧٠١ وخرجته في رقم: ١٢٧٠٠. وفي المطبوعة: "ميتا" بالنصب وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب لا بأس به. وفي المطبوعة: "بساحله" بالإفراد وفي المخطوطة بالتثنية كما أثبتها.]]
١٢٧٠٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر قال قتادة:"طعامه"، ما قذف منه. [[الأثر: ١٢٧٠٤- انظر التعليق على الأثر السالف رقم: ١٢٦٨٠"أبو سفيان" هو: المعمري، "محمد بن حميد اليشكري".]]
١٢٧٠٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد، عن ليث، عن شهر، عن أبي أيوب قال: ما لفظ البحر فهو طعامه، وإن كان ميتًا.
١٢٧٠٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن ليث، عن شهر، قال: سئل أبو أيوب عن قول الله تعالى ذكره:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا"، قال: هو ما لفظ البحر.
* *
وقال آخرون: عنى بقوله:"وطعامه"، المليح من السمك [["المليح" على وزن"فعيل" هو المملح يقال: "سمك مال ومليح ومملوح ومملح".]] = فيكون تأويل الكلام على ذلك من تأويلهم: أحل لكم سمك البحر ومَليحه في كل حال، في حال إحلالكم وإحرامكم. [[في المطبوعة أسقط من العبارة"في حال" وأثبتها من المخطوطة.]]
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٠٧ - حدثنا سليمان بن عُمَر بن خالد الرقيّ قال، حدثنا محمد بن سلمة، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس:"وطعامه"، قال:"طعامه"، المالح منه. [[الأثر: ١٢٧٠٧-"سليمان بن عمر بن خالد الرقي" مضى برقم: ١٢٦٧٠، وكذلك هو في المخطوطة أما في المطبوعة فقد جعله"سليمان بن عمرو بن خالد البرقي" وهو خطأ في موضعين صوابه ما أثبت.
أما قوله: "المالح منه" فقد استنكر الجوهري وغيره أن يقال: "سمك مالح" وقال يونس: "لم أسمع أحدا من العرب يقول: مالح". والذي لم يسمعه يونس سمعه غير هو جاء في فصيح الشعر وهكذا جاء في الآثار التي هنا وهو صواب لا شك فيه عندي والصواب ما قاله ابن بري أن وجه جوازه هذا من جهة العربية أن يكون على النسب مثل قولهم: "ماء دافق" أي ذو دفق. وكذلك"ماء مالح" أي: ذو ملح وكما يقال: "رجل تارس" أي ذو نرس و"رجل دارع" أي ذو درع. قال: ولا يكون هذا جاريا على الفعل وهو الصواب إن شاء الله. (انظر لسان العرب، مادة: ملح) .]]
١٢٧٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وطعامه متاعًا لكم"، يعني: بطعامه، مالحه، وما قذف البحر منه، مالحه. [[في المطبوعة: "وما قذف البحر من مالحه" غير ما في المخطوطة فأفسد العبارة. وقوله"مالحه" الأخيرة خبر المبتدأ"ما قذف البحر منه".]]
١٢٧٠٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وطعامه متاعًا لكم"، وهو المالح.
١٢٧١٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن مجمّع التيمي، عن عكرمة في قوله:"متاعًا لكم" قال: المليح. [[الأثر: ١٢٧١٠-"سفيان" هو الثوري.
و"مجمع التيمي" هو: "مجمع بن سمعان "أو"مجمع بن صمعان" أبو حمزة التيمي الكوفي النساج الحائك. قال ابن عيينة: "كان له من الفضل غير قليل". روى عنه أبو حيان التيمي وسفيان الثوري. ووثقه يحيى بن معين. مترجم في الكبير للبخاري ٤/١/٤٠٩ وابن أبي حاتم ٤/١/٢٩٥. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "سفيان بن مجمع التيمي" وهو خطأ لا شك فيه. وليس في الرواة من يسمى كذلك.]]
١٢٧١١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن سالم الأفطس وأبي حصين، عن سعيد بن جبير قال: المليح.
١٢٧١٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم:"وطعامه متاعًا لكم"، قال: المليح، وما لَفَظ.
١٢٧١٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم"، قال: يأتي الرجل أهلَ البحر فيقول:"أطعموني"! فإن قال:"غريضًا"، ألقوا شبكتهم فصادوا له. وإن قال:"أطعموني من طعامكم"، أطعموه من سمكهم المالح. [[الأثر: ١٢٧١٣- سيأتي مطولا برقم: ١٢٧٥٣.]]
١٢٧١٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن سعيد:"أحل لكم صيد البحر وطعامه"، قال: المنبوذ، السمك المالح.
١٢٧١٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير:"وطعامه"، قال: المالح.
١٢٧١٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم:"وطعامه"، قال: هو مليحُه. [[في المطبوعة: "مالحه" وأثبت ما في المخطوطة وهكذا قراءتها على سوء كتابة الناسخ.]] ثم قال: ما قَذَف.
١٢٧١٧ - حدثنا ابن معاذ قال، حدثنا جامع بن حماد قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وطعامه"، قال: مملوح السمك.
١٢٧١٨- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرني الثوري، عن منصور قال: كان إبراهيم يقول:"طعامه"، السمك المليح. ثم قال بعد: ما قذفَ به.
١٢٧١٩- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير قال:"طعامه"، المليح.
١٢٧٢٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن مجاهد قال:"طعامه"، السمك المليح.
١٢٧٢١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية:"وطعامه متاعًا لكم"، قال: الصِّير= قال شعبة، فقلت لأبي بشر: ما الصِّير؟ قال: المالح. [["الصير" (بكسر الصاد) ويقال له: "الصحناة" وقيل: هي السمكات المملوحة التي تعمل منها الصحناة وهي كالفسيخ في بلادنا ذكرها جرير في شعره فقال في هجاء آل المهلب وهم من الأزد: إن الخلافة لم تقدر ليملكها ... عبد لأزدية في بظرها عقف
كانوا إذا جعلوا في صيرهم بصلا ... ثم اشتووا كنعدا من مالح جدفوا
و"الكنعد": ضرب من السمك. وقوله: "جدفوا" أكلوا"الجدف" (بفتحتين) وهو يكون باليمن تاكله الإبل فتجزأ به عن الماء ولا يحتاج مع اكله إلى شرب ماء.
وفي المخطوطة في المواضع كلها: "الصر" مهملة لا تقرأ صوابها في المطبوعة.]]
١٢٧٢٢- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا هشام بن الوليد قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير قوله:"وطعامه متاعًا لكم"، قال: الصِّير. قال قلت: ما الصير؟ قال: المالح.
١٢٧٢٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وطعامه متاعًا لكم"، قال: أما"طعامه"، فهو المالح.
١٢٧٢٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب:"وطعامه متاعًا لكم"، قال:"طعامه"، ما تزوّدت مملوحًا في سفرك.
١٢٧٢٥ - حدثنا عمرو بن عبد الحميد وسعيد بن الربيع الرازي قالا حدثنا سفيان، عن عمرو قال، قال جابر بن زيد: كنا نُحَدَّث أن"طعامه" مليحه، ونكره الطافي منه. [[الأثر: ١٢٧٢٥-"سفيان" هو الثوري= أو"سفيان بن عيينة" كلاهما روى عن عمرو بن دينار."عمرو" هو"عمرو بن دينار". وكان في المطبوعة: "سفيان بن عمرو" وهو خطأ محض.
و"جابر بن زيد الأزدي" هو"أبو الشعثاء" مضى كثيرا وترجم في: ٥٣١٦، ٥٤٧٢.]]
* *
وقال آخرون:"طعامه"، ما فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٢٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال: طعام البحر، ما فيه.
١٢٧٢٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حريث، عن عكرمة:"وطعامه متاعًا لكم"، قال: ما جاء به البحر بموجه، هكذا. [[في المطبوعة: "ماء به البحر بوجه" فغير وحذف"هكذا" كأنه ظن"هكذا" إشارة إلى استشكال كلمة"بموجه"! وهذا غريب. وقوله: "هكذا" يريد بذلك الإشارة إلى أنه جاء طافيا.]]
١٢٧٢٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد قال:"طعامه"، كل ما صيد منه. [[الأثر: ١٢٧٢٨-"حميد بن عبد الرحمن بن حميد الراسي" مضى برقم: ٤٩٢٦، ٨٧٧٠. و"الحسن بن صالح بن صالح بن حي الثوري" مضى برقم: ١٧٨، ٥٣٤٧، ٧٥٩٤.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا، قولُ من قال:"طعامه"، ما قذفه البحر، أو حَسَر عنه فوُجد ميتًا على ساحله. وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر قبله صيدَ الذي يصاد، فقال:"أحل لكم صيد البحر"، فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يُصَدْ منه، فقال: أحل لكم ما صدتموه من البحر، وما لم تصيدوه منه.
وأما"المليح"، فإنه ما كان منه مُلِّح بعد الاصطياد، فقد دخل في جملة قوله:"احل لكم صيد البحر"، فلا وجه لتكريره، إذ لا فائدة فيه. وقد أعلم عبادَه تعالى ذكره: إحلالَه ما صيد من البحر بقوله:"أحل لكم صيد البحر". فلا فائدة أن يقال لهم بعد ذلك:"ومليحه الذي صيد حلال لكم"، لأن ما صيد منه فقد بُيِّن تحليله، طريًّا كان أو مليحًا، بقوله:"أحل لكم صيد البحر" والله يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة.
* *
وقد روي عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا خبر، وإن كان بعض نقلته يقف به على ناقلِه عنه من الصحابة، وذلك ما:-
١٢٧٢٩ - حدثنا هناد بن السريّ قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم"، قال:"طعامه"، ما لفظه ميتًا فهو طعامه". [[الأثر: ١٢٧٢٩، ١٢٧٣٠-"عبدة بن سليمان الكلابي" قال أحمد: "ثقة ثقة وزيادة مع صلاح في بدنه". روى له أصحاب الكتب الستة. ومضى مرارا برقم: ٢٢٢، ٢٣٢٣، ٢٧٥٨، ٣٠٢٢، ومواضع غيرها ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي ثقة وروى له أصحاب الكتب الستة ومضى برقم: ٨، ٣٠١٥.
و"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" تابعي جليل إمام ثقة. مضى برقم: ٨، ٦٧، ٣٠١٥، ٨٣٩٤، وغيرها.
وهذا الخبر لم أجد أحدا ذكره إلا السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣١ ولم ينسب هذا المرفوع إلا لابن جرير أما الخبر الآتي وهو الموقوف فإنه زاد نسبته لابن أبي حاتم.
وأما الخبر الموقوف الثاني رقم: ١٢٧٣٠ ففيه"ابن أبي زائدة" وهو"يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة" وهو من حفاظ الكوفيين كان متقنا ثبتا صاحب سنة، مستقيم الحديث. روى له أصحاب الكتب الستة ومضى برقم: ٨٥٠، ٤٢٤٦.
فإسناد المرفوع والموقوف كلاهما إسناد صحيح ورجالهما ثقات حفاظ. وكتبه محمود محمد شاكر.]]
* *
وقد وقف هذا الحديث بعضهم على أبي هريرة.
١٢٧٣٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله:"أحل لكم صيد البحر وطعامه"، قال:"طعامه"، ما لفظه ميتًا. [[الأثر: ١٢٧٣٠- انظر التعليق على الأثر السالف.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"متاعًا لكم"، منفعةً لمن كان منكم مقيمًا أو حاضرًا في بلده، يستمتع بأكله وينتفع به= [[انظر تفسير"المتاع" فيما سلف ٨: ٥٥١ تعليق: ١ والمراجع هناك.]] "وللسيارة"، يقول: ومنفعةً أيضًا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض، ومسافرين يتزوّدونه في سفرهم مليحًا.
* *
و"السيارة"، جمع"سيّار". [[اقتصرت كتب اللغة على أن"السيارة": القافلة أو القوم يسيرون وأنه أنث على معنى الرفقة أو الجماعة. وجعله أبو جعفر جمعا، كقولهم"جمال" و"جمالة" (بتشديد الميم) و"حمار" و"حمارة".]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٣١ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرني أبو إسحاق، عن عكرمة أنه قال في قوله:"متاعًا لكم وللسيارة"، قال: لمن كان بحضرة البحر="وللسيارة"، السَّفْر.
١٢٧٣٢ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله:"وطعامه متاعًا لكم وللسيارة"، ما قذف البحر، وما يتزوّدون في أسفارهم من هذا المالح= يتأوّلها على هذا.
١٢٧٣٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا جامع عن حماد قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وطعامه متاعًا لكم وللسيارة"، مملوح السمك، ما يتزودون في أسفارهم.
١٢٧٣٤ - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقيّ قال، حدثنا مسكين بن بكير قال، حدثنا عبد السلام بن حبيب النجاري، عن الحسن في قوله:"وللسيارة"، قال: هم المحرمون. [[الأثر: ١٢٧٣٤-"سليمان بن عمر بن خالد الرقي" مضى برقم: ٦٢٥٤، ١٢٦٧٠، ١٢٧٠٧ن وغيره في المطبوعة كما غيره فيما سلف فجعله"سليمان بن عمرو بن خالد البرقي" وهو خطأ محض صوابه في المخطوطة.
و"مسكين بن بكير الحراني" أبو عبد الرحمن الحذاء روى عنه أحمد بن حنبل ثقة. مترجم في التهذيب.
أما "عبد السلام بن حبيب النجاري" فلم أجد في الرواة عن الحسن أو غيره من اسمه ذاك. ووجدت في الرواة عن الحسن البصري"عبد السلام بن أبي الجنوب المدني" وهو شيخ مدني متروك مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم ٣/١/٤٥ وميزان الاعتدال ٢: ١٢٩. فلعله يكون هو.]]
١٢٧٣٥ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وطعامه متاعًا لكم وللسيارة"، أما"طعامه"، فهو المالح منه، بلاغٌ يأكل منه السيار في الأسفار. [["بلاغ" يعني"بلغة" (بضم الباء) وهو ما يتبلغ به المرء من الزاد أي يكتفي به حتى يبلغ مستقره. وكان في المطبوعة: "السيارة" بالتاء في آخره وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٢٧٣٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وطعامه متاعًا لكم وللسيارة"، قال:"طعامه"، مالحه، وما قذف البحر منه، يتزوَّده المسافر= وقال مرة أخرى: مالحه، وما قذف البحر. فمالحه يتزوده المسافر.
١٢٧٣٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وطعامه متاعًا للكم وللسيارة"، يعني المالح يتزوّده. [[في المطبوعة: "فيتزوده" والجيد ما في المخطوطة.]]
وكان مجاهد يقول في ذلك بما:-
١٢٧٣٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وطعامه متاعا لكم"، قال: أهل القرَى="وللسيارة"، أهل الأمصَار.
١٢٧٣٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:"متاعًا لكم"، قال: لأهل القرى="وللسيارة"، قال: أهل الأمصار، والحيتانُ للناس كلهم. [[في المطبوعة: "أهل الأمصار وأجناس الناس كلهم" وأداه إلى هذا ما جاء في الدر المنثور ٢: ٢٣٢ عن مجاهد: "وطعامه قال: حيتانه= متاعا لكم لأهل القرى= وللسيارة أهل الأسفار وأجناس الناس كلهم" ثم ما جاء في المخطوطة مما دخله التحريف وذلك: "أهل الأمصار والحباب للناس كلهم" والدر المنثور لا يوثق بطباعته والجملة فيه خطأ لا شك فيه، فقوله"أهل الأسفار" لا شك أنها"أهل الأمصار" وأما قوله: "حيتانه" هنا فإن ذلك من سوء اختصار السيوطي فإن"حيتانه" تفسير لقوله: "صيد البحر" كما مضى في الاثر رقم: ١٢٦٨١ من تفسير مجاهد لصيد البحر. وأما "طعامه" فقد فسرها مجاهد"السمك المليح" كما مضى في رقم: ١٢٧٢٠ وهو مراد هنا في هذا الموضع. فظاهر أنه أراد: "طعامه السمك المليح= متاعا لكم لأهل القرى= وللسيارة أهل الأمصار= والحيتان للناس كلهم" يعني أنه لا يدخل قوله تعالى: "متاعا لكم وللسيارة" في بيان قوله تعالى: "أحل لكم صيد البحر" بل في بيان قوله: "وطعامه" وهو السمك المليح. هذا هو الصواب وأما ما في الدر المنثور وما في المطبوع من هذا التفسير فكلام لا يستقيم.]]
* *
وهذا الذي قاله مجاهد: من أن"السيارة" هم أهل الأمصار، لا وجه له مفهوم، إلا أن يكون أراد بقوله:"هم أهل الأمصار"، هم المسافرون من أهل الأمصار، فيجب أن يدخل في ذلك كل سيارة، من أهل الأمصار كانوا أو من أهل القرى. فأما"السيارة"، فلا نعقله: المقيمون في أمصارهم. [[في المطبوعة: "فأما السيارة فلا يشمل المقيمين في أمصارهم وهو كلام مريض وهو في المخطوطة كما أثبته غير منقوط وهذا صواب قراءته. والمعنى: فلا نعقله أن يكون معناه: المقيمون في أمصارهم. وقد مضى استعمال أبي جعفر"نعقله" في مثل هذه العبارة في مواضع سلفت ليس عندي الآن بيانها.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وحرم الله عليكم، أيها المؤمنون، صيد البر="ما دمتم حرمًا"، يقول: ما كنتم محرمين، لم تحِلوا من إحرامكم. [[انظر تفسير"ما دام" فيما سلف ١٠: ١٨٥= وتفسير"حرم" فيما سلف: ٧.]]
* *
ثم اختلف أهل العلم في المعنى الذي عَنى الله تعالى ذكره بقوله:"وحُرِّم عليكم صيدُ البر".
فقال بعضهم: عنى بذلك: أنه حرَّم علينا كل معاني صيد البر: من اصطياد، وأكل، وقتل، وبيع، وشراء، وإمساك، وتملُّك.
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٤٠ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن أبيه قال: حج عثمان بن عفان، فحج عليّ معه، قال: فأتي عثمان بلحم صيد صاده حَلال، فأكل منه، ولم يأكل عليّ، فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا! فقال عليّ:"وحُرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا". [[الأثر: ١٢٧٤٠-"يزيد بن أبي زياد الكوفي" مولى بني هاشم صدوق في حفظه شيء بعد ما كبر. مضى برقم: ٢٠٢٨.
و"عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم" لقبه: "ببة" ولد على عهد رسول الله ﷺ فحنكه رسول الله روى عن جماعة من الصحابة. روى له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عبد الله بن الحارث عن نوفل: وهو خطأ صرف.
وأبوه: "الحارث بن نوفل بن الحارث". روى عن رسول الله وعن عائشة. استعمله النبي ﷺ على بعض أعمال مكة، ومات بالبصرة في خلافة عثمان. مترجم في التهذيب.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٣٢ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
وقوله: "صاده حلال" يعني: رجل حلال غير محرم بحج.
وسيأتي هذا الخبر بلفظ آخر، وإسناد آخر. في رقم: ١٢٧٤٥، ١٢٧٤٦.]]
١٢٧٤١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هرون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن صبيح بن عبد الله العبسي قال: بعث عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحرث على العَرُوض، [["العروض" (بفتح العين) : مكة والمدينة وأكنافهما.]] فنزل قديدًا، فمرّ به رجل من أهل الشام معه باز وصقر، فاستعاره منه، فاصطاد به من اليعاقيب، [["اليعاقيب" جمع"يعقوب" طائر وهو ذكر الحجل والقطا.]] فجعلهن في حظيرة. فلما مرّ به عثمان طبخهن، ثم قدمهن إليه، فقال عثمان: كلوا! فقال بعضهم: حتى يجيء علي بن أبي طالب، رحمة الله عليه. فلما جاء فرأى ما بين أيديهم، قال علي: إنا لن نأكل منه! فقال عثمان: مالك لا تأكل؟ فقال: هو صيد، ولا يحل أكله وأنا محرم! فقال عثمان: بيِّن لنا! فقال عليّ:"يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم"، فقال عثمان: أو نحن قتلناه؟ فقرأ عليه:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة وحرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا". [[الأثر: ١٢٧٤١-"هرون بن المغيرة بن حكيم البجلي" ثقة مضى برقم: ٦٦٥٦، ٥٥٢٦. و"عمرو بن أبي قيس الرازي ثقة مضى برقم: ٦٨٨٧، ٩٣٤٦.
و"سماك" هو"سماك بن حرب" ثقة مضى مرارا.
و"صبيح بن عبد الله العبسي" روى عن علي وروى عنه سماك بن حرب. مترجم في الكبير البخاري ٢/٢ / ٣١٩ وابن أبي حاتم ٢ /١/ ٤٤٩. ولم يذكرا فيه جرحا. وقد مضى ذكره في التعليق على رقم: ٧٥٩٥ (وقع هناك خطأ فيما نقلته عن التاريخ الكبير"على الفروض" وصوابه"على العروض" فليصحح هناك وفي تاريخ البخاري) . وفي المخطوطة والمطبوعة: "صبيح بن عبيد الله" والتصحيح من البخاري وابن أبي حاتم.
وهذا الخبر رواه البخاري مختصرا في التاريخ قال: "حدثني حسن بن خلف أخبرنا إسحق عن شريك عن سماك عن صبيح بن عبد الله العبسي". وهو الإسناد التالي لهذا.]]
١٢٧٤٢- حدثنا تميم بن المنتصر وعبد الحميد بن بيان القناد قالا أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن سماك بن حرب، عن صبيح بن عبيد الله العبسي قال: استعمل عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحرث على العَرُوض= ثم ذكر نحوه، وزاد فيه، قال: فمكث عثمان ما شاء الله أن يمكث، ثم أتى فقيل له بمكة: هل لك في ابن أبي طالب، أهدي له صفيف حمار فهو يأكل منه! [["الصفيف" هو لحم يشرح عراضا حتى ترق البضعة منه فتراها تشف شفيفا ويوسع مثل الزغفان ثم يشرر في الشمس حتى يجف. فإذا دق الصفيف فهو"القديد". وكان في المخطوطة في هذا الموضع"تصفف" وفي الذي يليه"التصفيف" غير منقوطة وهو رسم خطأ صوابه في المطبوعة.]] فأرسل إليه عثمان، وسأله عن أكل الصفيف، فقال: أما أنتَ فتأكل، وأما نحن فتنهانا؟ فقال: إنه صيد عام أوّلَ وأنا حلال، فليس عليّ بأكله بأس، وصيد ذلك = يعني اليعاقيب = وأنا محرم، وذبحن وأنا حرَام. [[الأثر: ١٢٧٤٢-"إسحق الأزرق" هو إسحق بن يوسف بن مرداس المخزومي الواسطي" مضى برقم: ٣٣٣٩، ٤٢٢٤. وكان في المخطوطة والمطبوعة"أبو إسحق الأزرق، وهو خطأ وسهو من ناسخ وهو على الصواب في إسناد البخاري الذي نقلته آنفا في تخريج الأثر السالف.]]
١٢٧٤٣ - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا يونس، عن الحسن: أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسًا بلحم الصيد للمحرم، وكرهه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. [[الأثر: ١٢٧٤٣-"عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري" مضى برقم: ٢١٥٤، ٦٥٨٩، ٦٥٩١، ٦٨١٩.
و"يونس" هو: "يونس بن عبيد بن دينار العبدي" مضى برقم: ٢٦١٦، ٤٩٣١.]]
١٢٧٤٤ - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن عليًا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال.
١٢٧٤٥ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث: أنه شهد عثمان وعليًّا أُتيا بلحم، فأكل عثمان ولم يأكل عليّ، فقال عثمان: أنحن صِدْنا أو صيد لنا؟ فقرأ عليّ هذه الآية:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة وحرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا". [[الأثر: ١٢٧٤٥- مضى هذا الخبر برواية"عبد الله بن الحارث بن نوفل" عن أبيه"الحارث بن نوفل" برقم: ١٢٧٤٠، وسيأتي رقم: ١٢٧٤٧.]]
١٢٧٤٦ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: حج عثمان بن عفان، فحج معه علي، فأتي بلحم صَيدٍ صاده حلالٌ، فأكل منه وهو محرم، ولم يأكل منه عليّ، فقال عثمان: إنه صيدَ قبل أن نحرم! فقال له علي: ونحن قد نزلنا وأهالينا لنا حلال، [[في المطبوعة: "ونحن قد بدا لنا" وفي المخطوطة: "ونحن مر لنا" غير منقوطة وهذه قراءتها فيما أرجح.]] أفيحللن لنا اليوم؟ [[الأثر: ١٢٧٤٦-"عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" أحاديثه واهية، يكتب حديثه ولا يحتج به، مضى برقم: ٣٩١١، ١٢٦٦٧.
وسيأتي هذا الخبر بإسناد آخر رقم: ١٢٧٥٥، مختصرا بغير هذا اللفظ.]]
١٢٧٤٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عمرو، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل: أن عليًّا أتى بِشِقّ عَجُز حمار وهو محرم، فقال: إنّي محرم. [[الأثر: ١٢٧٤٧-"هرون" هو"هرون بن المغيرة" مضى قريبا برقم: ١٢٧٤١.
و"عمرو" هو"عمرو بن أبي قيس" مضى أيضا برقم: ١٢٧٤١.
و"عبد الكريم" هو"عبد الكريم بن مالك الجزوي" مضى برقم: ٨٩٢، ١٥٦٦. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عن عمرو بن عبد الكريم" وهو خطأ. ليس في الرواة من يسمى بذلك.
ومضى هذا الخبر بإسناديه رقم: ١٢٧٤٠، ١٢٧٤٥.]]
١٢٧٤٨ - حدثنا ابن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا سعيد، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يكرهه على كل حال، ما كان محرمًا. [[الأثر: ١٢٧٤٨-"سعيد" هو"سعيد بن أبي عروبة".
و"يعلى بن حكيم الثقفي" روى عن سعيد بن جبير وعكرمة ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي وقال أبو حاتم: "لا بأس به" مترجم في التهذيب.]]
١٢٧٤٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، أخبرنا نافع: أن ابن عمر كان يكره كل شيء من الصيد وهو حرام، أخذ له أو لم يؤخذ له، وَشِيقةً وغيرها. [["الوشيقة": لحم يغلي في ماء وملح إغلاءة واحدة، ولا ينضج فيتهرأ ثم يخرج فيصير في الجبجبة وهو جلد بعير يقور، ثم يجعل ذلك اللحم فيه، فيكون لهم زادا في أسفارهم.]]
١٢٧٥٠- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الله قال، أخبرني نافع: أن ابن عمر كان لا يأكل الصيدَ وهو محرم، وإن صاده الحلالُ.
١٢٧٥١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني الحسن بن مسلم بن يناق: أنّ طاوسًا كان ينهى الحرامَ عن أكل الصيد، وشيقة وغيرها، صيد له أو لم يُصد له.
١٢٧٥٢ - حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا الأشعث قال، قال الحسن: إذا صاد الصيد ثم أحرمَ لم يأكل من لحمه حتى يحلّ. فإن أكل منه وهو محرم، لم ير الحسن عليه شيئًا. [[الأثر: ١٢٧٥٢-"خالد بن الحارث بن عبيد الهجيمي" ثقة مضى برقم: ٧٥٠٧، ٧٨١٨، ٩٨٧٨.]]
١٢٧٥٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام وهارون عن عنبسة، عن سالم قال: سألت سعيد بن جبير، عن الصيد يصيده الحلال، أيأكل منه المحرم؟ فقال: سأذكر لك من ذلك، إن الله تعالى ذكره قال:"يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم"، فنهي عن قتله، ثم قال:"ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم"، ثم قال تعالى ذكره:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة"، قال: يأتي الرجل أهلَ البحر فيقول:"أطعموني"، فإن قال:"غريضًا"، ألقوا شبكتهم فصادوا له، وإن قال:"أطعموني من طعامكم"، أطعموه من سمكهم المالح. ثم قال:"وحُرِّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرمًا"، وهو عليك حرام، صدته أو صاده حلال. [[الأثر: ١٢٧٥٣- مضى هذا الأثر مختصرا برقم: ١٢٧١٣.]]
* *
وقال آخرون: إنما عنى الله تعالى ذكره بقوله:"وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا"، ما استحدَث المحرم صيدَه في حال إحرامه أو ذبحه، أو استُحْدِث له ذلك في تلك الحال. فأما ما ذبحه حلال وللحلال، فلا بأس بأكله للمحرم. وكذلك ما كان في ملكه قبل حال إحرامه، فغير محرم عليه إمساكه.
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٥٤ - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا سعيد قال، حدثنا قتادة: أن سعيد بن المسيب حدّثه، عن أبي هريرة: أنه سئل عن صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاه هو بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب رحمه الله فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعتُ لك رأسك. [[الأثر: ١٢٧٥٤- إسناده صحيح. وخرجه السيوطي في الدر المنثور باختلاف يسير في لفظه، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وسيأتي هذا الأثر بأسانيد أخرى رقم: ١٢٧٥٦، ١٢٧٥٧، ١٢٧٦٢.]]
١٢٧٥٥ - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: نزل عثمان بن عفان رحمه الله العَرْجَ وهو محرم، [["العرج" (بفتح فسكون) وهي قرية جامعة على طريق مكة من المدينة، على جادة الحاج.]] فأهدى صاحبُ العرج له قَطًا، [[في المخطوطة: "رطا" غير منقوطة كأنها تقرأ"بطا" ولكن الذي جاء في الروايات السالفة وما سيأتي برقم: ١٢٧٧١ أنها"قطا "أو" يعاقيب" وهي ذكور الحجل والقطا، والصواب إن شاء الله ما كان في المطبوعة: "قطا". و"القطا": طائر كالحمام.]] قال: فقال لأصحابه: كلوا فإنه إنما اصطيد على اسمي، [[قوله: "إنما اصطيد على اسمي" أي من أجله، وهو تعبير قديم يقيد، ولا يزال يجري على ألسنة العامة إلى هذا اليوم وهو صحيح فصيح. وانظر ما يفسره في خبر مالك في الموطأ: ٣٥٤، وسيأتي رقم: ١٢٧٦٤.]] قال: فأكلوا ولم يأكل. [[الأثر: ١٢٧٥٥-"عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" مضى قريبا رقم: ١٢٧٤٦. وسيأتي من طريق أخرى برقم: ١٢٧٧١ بغير هذا اللفظ عن أبي سلمة من فعله هو.]]
١٢٧٥٦ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة كان بالرَّبَذة، فسألوه عن لحم صيدٍ صاده حلال، ثم ذكر نحو حديث ابن بزيع عن بشر. [[الأثر: ١٢٧٥٦، ١٢٧٥٧- مضى برقم: ١٢٧٥٤.]]
١٢٧٥٧- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن عمر، نحوه. [[الأثر: ١٢٧٥٦، ١٢٧٥٧-مضى برقم: ١٢٧٥٤.]]
١٢٧٥٨ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الشعثاء قال: سألت ابن عمر عن لحم صيد يُهديه الحلال إلى الحرام، فقال: أكله عمر، وكان لا يرى به بأسًا. قال قلت: تأكله؟ قال: عمر خير مني. [[الأثر: ١٢٧٥٨، ١٢٧٥٩_"أبو إسحق" هو: "أبو إسحق السبيعي الهمداني".
و"أبو الشعثاء" سيأتي في الأثر رقم: ١٢٧٦٣ أنه"أبو الشعثاء الكندي" وهو غير"أبي الشعثاء، جابر بن زيد" الذي مضى برقم: ٥١٣٦، ٥٤٧٢، ١٢٤٠٦، ١٢٧٢٥.
و"أبو الشعثاء الكندي" هو: "يزيد بن مهاصر" كوفي روى عن ابن عمر، وابن عباس. ترجم له البخاري في الكبير ٤ /٢ / ٣٦٣ في"يزيد بن مهاصر" وقال: "كناه محمد بن عبد الله بن نمير" ولم يزد على ذلك. وترجم له ابن أبي حاتم ٤/٢/٢٨٧ في"يزيد بن مهاصر أبو الشعثاء الكندي" ثم قال: "روى عنه أبو إسحق الهمداني وأبو العنبس ويونس بن أبي إسحق وأبو سنان الشيباني". ثم عاد فترجم له ٤٢/٣٩١ وقال: "روى عنه أبو سنان الشيباني وسعيد بن سعيد الثعلبي. سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: "لا يسمى وهو كوفي. قال علي بن المديني: أبو الشعثاء الذي روى عنه أبو إسحق الهمداني ويونس بن أبي إسحق، وأبو العنبس وأبو سنان هو الكندي وليس هو سليم [يعني: سليم بن أسود المحاربي]- سمعت أبي يقول: أبو الشعثاء الكندي اسمه: يزيد بن مهاصر. وخالف عليا في ذلك".
فظاهر هذا أنه غير"أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي" ولكني رأيت الحافظ ابن حجر قال في ترجمة"أبي العنبس" في التهذيب ٨: ١٨٩ أنه روى عن"أبي الشعثاء جابر بن يزيد الكندي" فلا أدري أوهم الحافظ أم هكذا اختلف عليه في ذلك.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن ٥: ١٨٩ من طريق عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن أبي إسحق، سمعت أبا الشعثاء".
وسيأتي برقم: ١٢٧٦٣، بغير هذا اللفظ مختصرا. وكتبه محمود محمد شاكر.]]
١٢٧٥٩- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق، عن أبي الشعثاء قال: سألت ابن عمر عن صيد صاده حلال يأكل منه حرام، قال: كان عمر يأكله. قال قلت: فأنت؟ قال: كان عمر خيرًا مني.
١٢٧٦٠ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: استفتاني رجلٌ من أهل الشام في لحم صيد أصابه وهو محرم، فأمرته أن يأكله. فأتيت عمر بن الخطاب فقلت له: إن رجلا من أهل الشام استفتاني في لحم صيد أصابه وهو محرم، قال: فما أفتيته؟ قال: قلت: أفتيته أن يأكله. قال: فوالذي نفسي بيده، لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة! وقال عمر: إنما نُهيت أن تصطاده. [[الأثر: ١٢٧٦٠- مضى مختصرا برقم: ١٢٧٥٤، بغير هذا الإسناد."هشام" هو"هشام صاحب الدستوائي".
و"يحيى" هو"يحيى بن أبي كثير الطائي" ثقة روى له أصحاب الكتب الستة. مضى برقم: ٩١٨٩، ١١٥٠٥- ١١٥٠٧.
و"أبو سلمة" هو"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" مضى مرارا، منها رقم: ١٢٦٦٧.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى ٥: ١٨٨، من طريق: "حفص بن عبد الله السلمي، عن إبراهيم بن طهمان عن هشام" بمثله.]]
١٢٧٦١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا خارجة عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن كعب قال: أقبلت في أناس محرمين، فأصبنا لحمَ حمار وحش، فسألني الناس عن أكله، فأفتيتهم بأكله، وهم محرمون. فقدمنا على عمر، فأخبروه أنّي أفتيتهم بأكل حمار الوحش وهم محرمون، فقال عمر: قد أمَّرته عليكم حتى ترجعوا. [[الأثر: ١٢٧٦١-"مصعب بن المقدام الخثعمي" ثقة وضعفه بعضهم، ولكن روى له مسلم مضى برقم: ١٢٩١، ٣٠٠١.
و"خارجة" هو"خارجة بن مصعب بن خارجة الخراساني" وقد مضى برقم: ٩٦٦٨، قال أخي السيد أحمد هناك: "مختلف فيه جدا والأكثر على تضعيفه، ولكن أعدل كلمة فيه كلمة الحاكم في المستدرك ١: ٤٩٩: خارجة لم ينقم عليه إلا روايته عن المجهولين، وإذا روى عن الثقات الأثبات فروايته مقبولة".
و"زيد بن أسلم" ثقة ثبت. مضى كثيرا.
و"عطاء" هو"عطاء بن يسار" مضى مرارا.
و"كعب" هو"كعب الأحبار".
وهذا الخبر صحيح، رواه مالك في الموطأ: ٣٥٢ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مطولا. ورواه البيهقي في السنن ٥: ١٨٩، من طريق مالك.]]
١٢٧٦٢ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: مررت بالرَّبَذة، فسألني أهلها عن المحرم يأكل ما صاده الحلال؟ فأفتيتهم أن يأكلوه. فلقيت عمر بن الخطاب، فذكرت ذلك له. قال: بم أفتيتهم؟ [[في المخطوطة: "بما أفتيتهم" فكتبتها على ما درجنا عليه"بم" وفي المطبوعة: "فبم".]] قال: أفتيتهم أن يأكلوا. قال: لو أفتيتهم بغير ذلك لخالفتك. [[الأثر: ١٢٧٦٢- مضى حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة من طريقين أخريين رقم: ١٢٧٥٤، ١٢٧٥٦.
وهذا الخبر رواه مالك في الموطأ ٣٥١ عن يحيى بن سعيد بغير هذا اللفظ ثم رواه بعد من طريق"ابن شهاب عن سالم بن عبد الله: أنه سمع أبا هريرة يحدث عبد الله بن عمر" ولفظه أقرب إلى لفظ أبي جعفر هذا.]]
١٢٧٦٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن يونس، عن أبي الشعثاء الكندي قال: قلت لابن عمر: كيف ترى في قوم حرام لقوا قومًا حلالا ومعهم لحم صيد، فإما باعوهم، وإما أطعموهم؟ فقال: حلال. [[الأثر: ١٢٧٦٣-"يونس" هو"يونس بن أبي إسحق السبيعي مضى مرارا وانظر التعليق على رقم: ١٢٧٥٨، ١٢٧٥٩.
و"أبو الشعثاء الكندي" مضى الكلام في أمره واسمه فيما سلف في التعليق على الأثرين رقم ٧٥: ١٢، ١٢٧٥٩، ومضى تخريجه هناك.]]
١٢٧٦٤ - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا محمد بن سعيد قال، حدثنا هشام= يعني ابن عروة= قال، حدثنا عروة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عبد الرحمن حدثه: أنه اعتمر مع عثمان بن عفان في ركبٍ فيهم عمرو بن العاص، حتى نزلوا بالرَّوحاء، فقُرِّب إليهم طير وهم محرمون، فقال لهم عثمان: كلوا، فإني غير آكله! فقال عمرو بن العاص: أتأمرنا بما لست آكلا؟ فقال عثمان: إني لولا أظنّ أنه اصطيد من أجلي، لأكلت! [[في المطبوعة: "صيد من أجلي" وأثبت ما في المخطوطة.]] فأكل القوم. [[الأثر: ١٢٧٦٤-"يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي" تابعي ثقة جليل، وينسب إلى جده فيقال: "يحيى بن حاطب" مضى برقم: ٨٣٦٧.
و"عبد الرحمن" هو أبوه"عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي" وهو في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة وفقهائهم، ثقة قليل الحديث. مترجم في التهذيب.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى ٥: ١٩١ من طريف أحمد بن يوسف السلمي، عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه بنحوه.]]
١٢٧٦٥ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن الزبير كان يتزوّد لحوم الوحش وهو محرم. [[الأثر: ١٢٧٦٥- إسناده صحيح، رواه مالك في الموطأ: ٣٥٠، عن هشام ابن عروة عن أبيه: "أن الزبير بن العوام كان يتزود صفيف الظباء وهو محرم" هذا لفظه. فأراد بقوله"لحوم الوحش" الظباء فهي من الوحش.]]
١٢٧٦٦ - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال، وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام.
١٢٧٦٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عمرو، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما صيد من شيء وأنت حرام فهو عليك حرام، وما صيد من شيء وأنت حلال فهو لك حلال.
١٢٧٦٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا"، فجعل الصيد حرامًا على المحرم صيده وأكله ما دام حرامًا. وإن كان الصيدُ صِيدَ قبل أن يحرم الرجل، فهو حلالٌ. وإن صاده حرامٌ لحلال، فلا يحلّ له أكله.
١٢٧٦٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، سألت أبا بشر عن المحرم يأكل مما صاده الحلال؟ قال: كان سعيد بن جبير ومجاهد يقولان: ما صيد قبل أن يُحرِم أكل منه، وما صيد بعد ما أحرم لم يأكل منه.
١٢٧٧٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال: كان عطاء يقولُ إذا سئل في العَلانِية: أيأكل الحرامُ الوَشيقةَ والشيء اليابس؟ [["الوشيقة" مضى تفسيرها في ص: ٧٨، تعليق: ١.]] = يقول بيني وبينه: لا أستطيع أن أبيِّن لك في مجلس، إن ذبح قبل أن نُحرم فكل، وإلا فلا تبع لحمه ولا تبتع. [[هكذا هذا الخبر في المخطوطة إلا أنه كتب: "وإن ذبح قبل أن تحرم" بالواو. وأنا في شك من سياق هذا الخبر، أخشى أن يكون سقط منه شيء فإن السياق يقتضي أن يقال: إذا سئل في العلانية يقول: لا. ولكن هكذا جائ، ولم أجده في مكان آخر، فتركته على حاله حتى يصححه من يجده.]]
* *
وقال آخرون: إنما عنى الله تعالى بقوله:"وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا"، وحرم عليكم اصطياده. قالوا: فأما شراؤه من مالك يملكه وذبحه وأكله، بعد أن يكون مِلكه إياه على غير وجه الاصطياد له، وبيعه وشراؤه جائز. قالوا: والنهي من الله تعالى ذكره، عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني.
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٧١- حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب قال، أخبرني يحيى، أن أبا سلمة اشترى قَطًا وهو بالعَرْجِ وهو محرم، ومعه محمد بن المنكدر، فأكلها. [[في المطبوعة: "فأكله" وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب.]]
فعاب عليه ذلك الناس. [[الأثر: ١٢٧٧١-"عبد الله بن أحمد بن شبويه الخزاعي" شيخ الطبري مضى برقم: ١٩٠٩، ٤٦١٢، ٤٩٢٣.
و"ابن أبي مريم" هو"سعيد بن أبي مريم" مضى برقم: ١٦٠، ٥٤٥٥، ٨٣٣٥.
و"يحيى بن أيوب الغافقي" مضى برقم: ٣٨٧٧، ٤٣٣٠.
و"يحيى" هو"يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري" مضى برقم: ٤٨٥٩، ٩٦٧٩.
و"أبو سلمة" هو"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف". مضى قريبا.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره، عمَّ تحريم كل معاني صيد البرّ على المحرم في حال إحرامه، من غير أن يخص من ذلك شيئًا دون شيء، فكل معاني الصيد حرام على المحرم ما دام حرامًا، بيعه وشراؤه واصطياده وقتله، وغير ذلك من معانيه، إلا أن يجده مذبوحًا قد ذبحه حلال لحلال، فيحلّ له حينئذ أكله، للثابت عن الخبر عن رسول الله ﷺ الذي:-
١٢٧٧٢ - حدثناه يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج= وحدثني عبد الله بن أبي زياد قال، حدثنا مكي بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الملك بن جريج= قال، أخبرني محمد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان، عن أبيه عبد الرحمن بن عثمان قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم، فأهدي لنا طائرٌ، فمنا من أكل، ومنا من تَورَّع فلم يأكل. فلما استيقظ طلحة وفَّق من أكل، [[في المطبوعة: "وافق من أكل" وأثبت ما في المخطوطة وهو الصواب الموافق لما في صحيح مسلم. وقوله: "وفق من أكل": دعا له بالتوفيق، واستصوب فعله.]] وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ. [[الأثر: ١٢٧٧٢-"يحيى بن سعيد" هو القطان.
و"مكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد التميمي" الحافظ روى له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب.
و"معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان التيمي" ثقة.
وأبوه"عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله التيمي" هو"شارب الذهب" صحابي أسلم يوم الحديبية، وقيل يوم الفتح.
وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه ٨: ١١١، ١١٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٥: ١٨٨.]]
* *
فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن الصعب بن جَثَّامة أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ رِجْلَ حمارِ وحش يقطر دمًا، فردّه فقال: إنا حُرُم [[حديث الصعب بن جثامة، رواه مسلم في صحيحه من طرق ٨: ١٠٣- ١٠٦، والسنن الكبرى للبيهقي ٥: ١٩١، ١٩٤ واستوفى تخريجه هناك.]] = وفيما روي عن عائشة: أن وَشِيقة ظبي أهديت إلى رسول الله ﷺ وهو محرم، فردّها [[حديث عائشة رواه أحمد في المسند ٦: ٤٠. وقد مضى تفسير"الوشيقة" فيما سلف ص: ٧٨ تعليق: ١.]] وما أشبه ذلك من الأخبار؟
قيل: إنه ليس في واحد من هذه الأخبار التي جاءت بهذا المعنى، بيانُ أن رسول الله ﷺ ردّ من ذلك ما ردّ وقد ذبحه الذابح إذ ذبحه، وهو حلال لحلال، ثم أهداه إلى رسول الله ﷺ وهو حرام، فرده وقال:"إنه لا يحل لنا لأنا حرم"، وإنما ذكر فيه أنه أُهدي لرسول الله ﷺ لحم صيد فردّه. وقد يجوز أن يكون ردُّه ذلك من أجل أنّ ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله ﷺ وهو محرم.
وقد بيَّن خبر جابر عن النبيّ ﷺ بقوله:"لحم صيد [البر] للمحرم حلال إلا ما صاد أو صيد له"، [[حديث جابر بن عبد الله خرجه البيهقي في السنن الكبرى ٥: ١٩٠، فانظر ما قاله فيه، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٣ وقال: أخرجه أحمد والحاكم وصححه. وزدت ما بين القوسين من الخبر، وهو ساقط من المخطوطة والمطبوعة.]] معنى ذلك كله.
فإذ كان كلا الخبرين صحيحًا مخرجهما، فواجبٌ التصديقُ بهما، وتوجيه كلّ واحد منهما إلى الصحيح من وجه، وأن يقال:"ردُّه ما ردّ من ذلك من أجل أنه كان صِيد من أجله= وإذنه في كل ما أذن في أكله منه، من أجل أنه لم يكن صِيد لمحرم ولا صاده محرم، فيصح معنى الخبرين كليهما.
* *
واختلفوا في صفة الصيد الذي عنى الله تعالى بالتحريم في قوله:"وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرمًا".
فقال بعضهم:"صيد البر"، كل ما كان يعيش في البرّ والبحر، وإنما"صيد البحر"، ما كان يعيش في الماء دون البرّ ويأوي إليه
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٧٣ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي =، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز:"وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا"، قال: ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصده، [[في المطبوعة: "لا تصيده" وفي المخطوطة: "ولا تصده" وهذا صواب قراءتها.]] وما كان حياته في الماء فذاك. [[الأثر: ١٢٧٧٣- في المخطوطة: "هل كان حياته في الماء فذاك" ولا أدري ما"وهل" هنا وما في المطبوعة أشبه بالصواب. وهذا الأثر أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٢/ بمثل ما في المطبوعة، وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.]]
١٢٧٧٤ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا الحجاج، عن عطاء قال: ما كان يعيش في البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه، نحو السلحفاة والسرطان والضفادع.
١٢٧٧٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيس، عن الحجاج، عن عطاء قال: كل شيء عاش في البر والبحر فأصابه المحرم، فعليه الكفارة.
١٢٧٧٦ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير قال: خرجنا حجاجًا معنا رجلٌ من أهل السَّواد معه شُصُوص طير ماءٍ، فقال له أبي حين أحرمنا: اعزل هذا عنا. [[الأثر: ١٢٧٧٦-"يزيد بن أبي زياد الكوفي" مضى قريبا برقم: ١٢٧٤٠، وكان في حفظ يزيد شيء بعد ما كبر.
و"عبد الملك بن سعيد بن جبير الأسدي" روى عن أبيه وعكرمة. وروى عنه يزيد بن أبي زياد. وهو ثقة عزيز الحديث. مترجم في التهذيب وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عبد الملك عن سعيد بن جبير" وهو خطأ محض.]]
١٢٧٧٧ - وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت يزيد بن أبي زياد قال، حدثنا حجاج، عن عطاء: أنه كَرِه للمحرم أن يذبح الدجاج الزِّنجي، لأن له أصلا في البر. [[الأثر: ١٢٧٧٧- هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة: "وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى" وهذا إشعار بأنه سيروي الحديث السالف عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه ولكن اختلف الأمر جدا. فإذا هو عن"حجاج عن عطاء" وإذا معناه بمعزل عن معنى الحديث الذي قبله، بل هو بمعنى الحديث رقم: ١٢٧٧٥ وعن حجاج عن عطاء أيضا ولكن ذلك من رواية"ابن حميد" لا من رواية"أبي كريب" فتبين بذلك أنه ليس يصح أن يكون هذا الأخير قد تأخر عن مكانه. فأخشى أن يكون الناسخ قد اضطرب فاضطرب تصحيح هذا الموضع.]]
* *
وقال بعضهم: صيد البر ما كان كونه في البرّ أكثر من كونه في البحر. [[في المخطوطة: "ما كان أكثر كونه في البر" بزيادة"أكثر" هنا، وهو لا يصح.]]
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٧٨- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، ابن جريج أخبرناه، قال: سألت عطاء عن ابن الماء، أصيد برّ أم بحر؟ وعن أشباهه؟ فقال: حيث يكون أكثر، فهو صيده.
١٢٧٧٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح قال، أكثر ما يكون حيث يُفْرِخ، فهو منه.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا تقدُّمٌ من الله تعالى ذكره إلى خلقه بالحذر من عقابه على معاصيه.
يقول تعالى ذكره: واخشوا الله، أيها الناس، واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه [[انظر تفسير"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى) .]] وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم ﷺ، من النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم وفي غيرها، فإنّ لله مصيرَكم ومرجعَكم، [[انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ٤: ٢٢٨ /٢٢٩، ٦/ ٩: ٤٢٥.]] فيعاقبكم بمعصيتكم إياه، ومجازيكم فيثيبكم على طاعتكم له.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: صيَّر الله الكعبة البيت الحرام قوامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قوِّيهم عن ضعيفهم، [[انظر تفسير"جعل" فيما سلف ٣: ١٨.]] ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم="والشهر الحرام والهدي والقلائد"، فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض، إذ لم يكن لهم قيامٌ غيره، وجعلها معالم لدينهم، ومصالح أمورهم.
* *
و"الكعبة"، سميت فيما قيل"كعبة" لتربيعها.
* *
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٨٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: إنما سميت"الكعبة"، لأنها مربعة.
١٢٧٨١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هاشم بن القاسم، عن أبي سعيد المؤدب، عن النضر بن عربي، عن عكرمة قال: إنما سميت"الكعبة"، لتربيعها. [[الأثر: ١٢٧٨١-"هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي""أبو النضر" الإمام الحافظ مضى برقم: ١٨٤، ٨٢٣٩.
و"أبو سعيد المؤدب" هو: "محمد بن مسلم بن أبي الوضاح القضاعي" ثقة مأمون مضى برقم ٨٢٣٩، ١٢٣١٠.]]
* *
وقيل"قيامًا للناس" بالياء، وهو من ذوات الواو، لكسرة القاف، وهي"فاء" الفعل، فجعلت"العين" منه بالكسرة"ياء"، كما قيل في مصدر:"قمت""قيامًا" و"صمت""صيامًا"، فحوّلت"العين" من الفعل: وهي"واو""ياء" لكسرة فائه. وإنما هو في الأصل:"قمت قوامًا"، و"صمت صِوَامًا"، وكذلك قوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس"، فحوّلت، واوها ياء، إذ هي"قوام". [[انظر تفسير"قيام" فيما سلف ٧: ٥٦٨، ٥٦٩.]]
وقد جاء ذلك من كلامهم مقولا على أصله الذي هو أصله قال الراجز: [[هو حميد الأرقط.]]
قَِوامُ دُنْيَا وَقَوَامُ دِين [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٧٧.]]
فجاء به بالواو على أصله.
* *
وجعل تعالى ذكره الكعبة والشهرَ الحرام والهديَ والقلائد قوامًا لمن كان يحرِّم ذلك من العرب ويعظّمه، [[في المطبوعة: "يحترم ذلك" وصوابه من المخطوطة وفي المخطوطة: "ويعطيه" وصوابه ما في المطبوعة.]] بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر تُبَّاعه.
وأما"الكعبة"، فالحرم كله. وسمّاها الله تعالى"حرامًا"، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يُخْتلى خَلاها، أو يُعْضد شجرها، [["الخلي": الرطب الرقيق من النبات. و"اختلى الخلي": جزه وقطعه ونزعه. و"عضد الشجرة" قطعها.]] وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ٣: ٤٥- ٥١.]]
* *
وقوله:"والشهر الحرام والهدي والقلائد"، يقول تعالى ذكره: وجعل الشهر الحرام والهدي والقلائد أيضًا قيامًا للناس، كما جعل الكعبة البيت الحرام لهم قيامًا.
* *
و"الناس" الذين جعل ذلك لهم قيامًا، مختلفٌ فيهم.
فقال بعضهم: جعل الله ذلك في الجاهلية قيامًا للناس كلهم.
* *
وقال بعضهم: بل عنى به العربَ خاصة.
* *
وبمثل الذي قلنا في تأويل"القوام"، قال أهل التأويل.
ذكر من قال: عنى الله تعالى ذكره بقوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس"، القوام، على نحو ما قلنا.
١٢٧٨٢ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا من سمع خُصَيفًا يحدث، عن مجاهد في:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس"، قال: قوامًا للناس.
١٢٧٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن خصيف، عن سعيد بن جبير:"قيامًا للناس"، قال: صلاحًا لدينهم.
١٢٧٨٤- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا داود، عن ابن جريج، عن مجاهد في:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس"، قال: حين لا يرْجون جنة ولا يخافون نارًا، فشدّد الله ذلك بالإسلام.
١٢٧٨٥- حدثني هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير قوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس"، قال: شدةً لدينهم.
١٢٧٨٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جيير، مثله.
١٢٧٨٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس"، قال: قيامها، أن يأمن من توجَّه إليها.
١٢٧٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد"، يعني قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم.
١٢٧٨٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد"، جعل الله هذه الأربعةَ قيامًا للناس، هو قوام أمرهم.
* *
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال وإن أختلفت من قائليها ألفاظُها، [[في المخطوطة والمطبوعة: "من قائلها" بالإفراد وما أثبته أولى بالصحة.]] فإن معانيها آيلةٌ إلى ما قلنا في ذلك، من أن"القوام" للشيء، هو الذي به صلاحه، كما الملك الأعظم، قوامُ رعيته ومن في سلطانه، [[في المطبوعة: "كالملك" والصواب الجيد ما في المخطوطة.]] لأنه مدبِّر أمرهم، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهرُ الحرام والهدي والقلائد، قوامَ أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية، وهي في الإسلام لأهله معالمُ حجهم ومناسكهم، ومتوجَّههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتمُّ فرضُهم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٧٩٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا جامع بن حماد قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد"، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، [[عندي أن الصواب"ألقاها الله" باللام في هذا الموضع، والذي يليه، ولكن هكذا هي في المخطوطة.]] فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول ولم يُقرب. وكان الرجل لو لقي قاتلَ أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقرَبه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من الناس. وكان إذا نفر تقلَّد قلادة من الإذْخِر أو من لِحَاء السمُر، فمنعته من الناس حتى يأتي أهله، [["الإذخر": حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب ويطحن فيدخل في الطيب. و"اللحاء" قشر الشجر. و"السمر" (بفتح السين وضم الميم) : شجر من الطلح.]] حواجزُ أبقاها الله بين الناس في الجاهلية.
١٢٧٩١- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد"، قال: كان الناس كلهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضَهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قيامًا، يُدْفع بعضُهم عن بعض به، والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم، والقلائد. قال: ويلقَى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نُسِخ.
١٢٧٩٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"والقلائد"، كان ناس يتقلَّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ، فيعرفون بذلك.
* *
وقد أتينا على البيان عن ذكر:"الشهر الحرام"= و"الهدي"= و"القلائد"، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"الشهر الحرام" فيما سلف ٣: ٥٧٥- ٥٧٩/٤: ٢٩٩، ٣٠٠ وما بعدها/٩: ٤٦٦= وتفسير"الهدي" فيما سلف ٤: ٢٤، ٢٥/٩: ٤٦٦/١١: ٢٢= وتفسير"القلائد" فيما سلف ٩: ٤٦٧- ٤٧٠.]]
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ذلك"، تصييرَه الكعبةَ البيتَ الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد. يقول تعالى ذكره: صيرت لكم، أيها الناس، ذلك قيامًا، كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث، مما به قوامكم، علمًا منه بمنافعكم ومضاركم، أنه كذلك يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض مما فيه صلاحُ عاجلكم وآجلكم، ولتعلموا أنه بكل شيء"عليم"، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم، وهو محصيها عليكم، حتى يجازي المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته. [[انظر تفسير"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة.]]
القول في تأويل قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: اعلموا، أيها الناس، أن ربكم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخف عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو يُحْصيها عليكم لمجازيكم بها، شديد عقابُه من عصاه وتمرَّد عليه، على معصيته إياه= وهو غفور لذنوب من أطاعه وأنابَ إليه، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحته بها= رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها. [[انظر تفسير"شديد العقاب" و"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد. يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، أيها الناس، بإنذاركم عقابَنا بين يدي عذاب شديد، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم= إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا، ثم إلينا الثواب على الطاعة، [[انظر تفسير"البلاغ" فيما سلف ١٠: ٥٧٥.]] وعلينا العقاب على المعصية ="والله يعلم ما تبدون وما تكتمون"، يقول: وغير خفي علينا المطيعُ منكم، القابلُ رسالتنا، العاملُ بما أمرته بالعمل به= من المعاصي الآبي رسالتنا، التارك العمل بما أمرته بالعمل به، [[في المطبوعة: "من المعاصي التارك العمل" أسقط ما كان في المخطوطة، وكان فيها: "من المعاصي التي، رسالتنا" هكذا كتبت وبين الكلام بياض ورسم"، " بالحمرة. فآثرت قراءتها كما أثبتها.]] لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به بلسانه="وما تكتمون"، يعني: ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر، أو يقين وشك ونفاق. [[انظر تفسير"تبدون" و"تكتمون" في فهارس اللغة"بدا" و"كتم".]]
يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس، مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقاب= فحقيق أن يُتَّقى، وأن يُطاع فلا يعصى.
القول في تأويل قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: اعلموا، أيها الناس، أن ربكم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخف عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو يُحْصيها عليكم لمجازيكم بها، شديد عقابُه من عصاه وتمرَّد عليه، على معصيته إياه= وهو غفور لذنوب من أطاعه وأنابَ إليه، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحته بها= رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها. [[انظر تفسير"شديد العقاب" و"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد. يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، أيها الناس، بإنذاركم عقابَنا بين يدي عذاب شديد، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم= إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا، ثم إلينا الثواب على الطاعة، [[انظر تفسير"البلاغ" فيما سلف ١٠: ٥٧٥.]] وعلينا العقاب على المعصية ="والله يعلم ما تبدون وما تكتمون"، يقول: وغير خفي علينا المطيعُ منكم، القابلُ رسالتنا، العاملُ بما أمرته بالعمل به= من المعاصي الآبي رسالتنا، التارك العمل بما أمرته بالعمل به، [[في المطبوعة: "من المعاصي التارك العمل" أسقط ما كان في المخطوطة، وكان فيها: "من المعاصي التي، رسالتنا" هكذا كتبت وبين الكلام بياض ورسم"، " بالحمرة. فآثرت قراءتها كما أثبتها.]] لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به بلسانه="وما تكتمون"، يعني: ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر، أو يقين وشك ونفاق. [[انظر تفسير"تبدون" و"تكتمون" في فهارس اللغة"بدا" و"كتم".]]
يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس، مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقاب= فحقيق أن يُتَّقى، وأن يُطاع فلا يعصى.
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي [[انظر تفسير: "استوى" فيما سلف ٩: ٨٥= وتفسير"الخبيث" فيما سلف ٥: ٥٥٨، ٥٥٩/٧: ٤٢٤، ٥٢٧= وتفسير"الطيب" فيما سلف ١٠: ٥١٣ تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ولو أعجبك كثرة الخبيث"، يقول: لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله، ولو كثر أهل المعاصى فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا، دون أهل معصيته= وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا.
يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: فلا تعجبنَّ من كثرة من يعصى الله فيُمْهِله ولا يعاجله بالعقوبة، فإن العقبَى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم، كما:-
١٢٧٩٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي،"لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة"الخبيث"، قال: الخبيث، هم المشركون= و"الطيب"، هم المؤمنون.
* *
وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرجَ الخطاب لرسول الله ﷺ، فالمراد به بعض أتباعه، يدل على ذلك قوله:"فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون"
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث، فتصيروا منهم="يا أولي الألباب"، يعني بذلك أهلَ العقول والحِجَى، الذين عقلوا عن الله آياته، وعرفوا مواقع حججه. [[انظر تفسير"أولي الألباب" فيما سلف ٣: ٣٨٣/ ٤: ١٦٢ /٥: ٥٨٠ /٦: ٢١١ وفي التعليق على المواضع السالفة خطأ، يصحح من هنا.]] ="لعلكم تفلحون"، يقول: اتقوا الله لتفلحوا، أي: كي تنجحوا في طلبكم ما عنده. [[انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف ١٠: ٥٦٤ تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام، امتحانًا له أحيانًا، واستهزاءً أحيانًا. فيقول له بعضهم:"من أبي"؟ ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته:"أين ناقتي"؟ فقال لهم تعالى ذكره: لا تسألوا عن أشياءَ من ذلك= كمسألة عبد الله بن حُذافة إياه من أبوه="إن تبد لكم تسؤكم"، يقول: إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه، ساءكم إبداؤها وإظهارها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ.
ذكر الرواية بذلك:
١٢٧٩٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حفص بن بُغَيل قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا أبو الجويرية قال: قال ابن عباس لأعرابيّ من بني سليم: هل تدري فيما أنزلت هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"؟ = حتى فرغ من الآية، فقال: كان قوم يسألون رسولَ الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل:"من أبي"؟ = والرجل تضل ناقته فيقول:"أين ناقتي"؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية. [[الأثر: ١٢٧٩٤-"حفص بن بغيل الهمداني المرهبي"، ثقة مضى برقم: ٩٦٣٩، وكان في المطبوعة هنا"بعض بني نفيل"، وفي المخطوطة: "بعض بن نفيل"، وكله خطأ، وكذلك جاء خطأ في فتح الباري"حفص بن نفيل" بالفاء، وهو"بغيل" بالغين، على التصغير.
و"زهير بن معاوية الجعفي"، هو"أبو خيثمة". ثقة ثبت، روى له أصحاب الكتب الستة. مضى برقم: ٢١٤٤، ٢٢٢٢.
و"أبو الجويرية" هو"حطان بن خفاف بن زهير بن عبد الله بن رمح بن عرعرة الجعفي"، روى عن ابن عباس. ثقة، قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أنه ثقة". مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١١٠٩، وابن أبي حاتم ١/٢/٣٠٤.
وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢١٢) من طريق الفضل بن سهل، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن أبي الجويرية، بنحوه. وأشار إلى إسناد أبي جعفر، الحافظ ابن حجر في شرح الحديث. وقال ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥٠، وذكر حديث البخاري: "تفرد به البخاري".
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.]]
١٢٧٩٥ - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو عامر وأبو داود قالا حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس قال: سأل الناسُ رسولَ الله ﷺ حتى أحْفَوه بالمسألة، [["أحفاه بالمسألة" و"أحفى السؤال": ألح عليه، وأكثر الطلب واستقصى في السؤال.]] فصعد المنبر ذات يوم، فقال:" لا تسألوني عن شيء إلا بيَّنْتُ لكم! [[في المطبوعة: "إلا بينته" بالضمير كما في صحيح مسلم وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب أيضا.]] قال أنس: فجعلت أنظر يمينًا وشمالا فأرى كل إنسان لافًّا ثوبَه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحَى يُدعى إلى غير أبيه، [[يقال: "أنشأ فلان يفعل كذا" أي: أقبل يفعل أو ابتدأ يفعل وهو هنا في هذا الموضع والذي يليه، أحسنه أن يفسر: "أقبل"= و"لاحى الرجل أخاه": إذا نازعه وسابه وشاتمه.]] فقال: يا رسول الله، من أبي؟ فقال:"أبوك حذافة"! قال: فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولا وأعوذ بالله من سوء الفتن! فقال رسول الله ﷺ:"لم أرَ الشرّ والخيرَ كاليوم قط! [[في المطبوعة: "لم أر في الشر والخير" بزيادة"في" كما في مسلم: "لم أر كاليوم قط في الخير والشر" واتبعت المخطوطة فحذفت"في".]] إنه صُوِّرت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط! = وكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية:"لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". [[الأثر: ١٢٧٩٥-"أبو عامر" هو العقدي: "عبد الملك بن عمرو القيسي"، ثقة مأمون، مضى مرارا كثيرة جدا.
و"أبو داود" هو الطيالسي.
و"هشام" هو الدستوائي.
وهذا الخبر، رواه مسلم في صحيحه من طرق (١٥: ١١٤، ١١٥) ، من طريق: يوسف ابن حماد المعنى، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، ثم أشار إلى روايته من طريق يحيى بن حبيب الحارثي، عن خالد بن الحارث، عن هشام= ومن طريق محمد بن بشار، عن محمد ابن أبي عدي، عن هشام. وهو مثل طريق أبي جعفر. وسيأتي أيضًا برقم: ١٢٧٩٧. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٤، واقتصر على نسبته لابن جرير، وابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وقصر فلم ينسبه إلى صحيح مسلم.]]
١٢٧٩٦ - حدثني محمد بن معمر البحراني قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني موسى بن أنس قال، سمعت أنسًا يقول، قال رجل: يا رسول الله، من أبي؟ قال:"أبوك فلان"! قال: فنزلت:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". [[الأثر: ١٢٧٩٦="محمد بن معمر بن ربعي القيسي البحراني"، شيخ الطبري روى عنه أصحاب الكتب الستة، ومضى برقم: ٢٤١، ٣٠٥٦، ٥٣٩٣.
و"روح بن عبادة القيسي"، مضى برقم: ٣٠١٥، ٣٣٥٥، ٣٩١٢.
و"موسى بن أنس بن مالك الأنصاري"، تابعي ثقة قليل الحديث، مضى برقم: ١١٤٧٥.
وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه من طريقين عن شعبة، من طريق منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، عن أبيه، عن شعبة (الفتح ٨: ٢١٠- ٢١٢) مطولا، وأشار بعده إلى رواية النضر، وروح بن عبادة، عن شعبة= ثم رواه من طريق محمد بن عبد الرحيم، عن روح، عن شعبة، مختصرًا كالذي هنا (الفتح ١٣: ٢٣٠) وخرجه الحافظ ابن حجر في الموضعين.
ورواه مسلم في صحيحه (١٥: ١١٢) ، من طريق محمد بن معمر، بمثل رواية أبي جعفر.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٤، وزاد نسبته إلى الترمذي، والنسائي، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]]
١٢٧٩٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، قال: فحدَّثنا أن أنس بن مالك حدَّثهم: أنّ رسول الله ﷺ سألوه حتى أحفَوْه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال:"لا تسألوني اليومَ عن شيء إلا بينته لكم! فأشفقَ أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يديه أمر قد حضر، فجعلتُ لا ألتفت يمينًا ولا شمالا إلا وجدت كُلا لافًّا رأسه في ثوبه يبكي. فأنشأ رجلٌ كان يُلاحَى فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ قال:"أبوك حذافة"! قال: ثم قام عمر = [[في المطبوعة: "ثم قال عمر" غير ما في المخطوطة، وهو الصواب.]] أو قال: فأنشأ عمر = فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولا عائذًا بالله = أو قال: أعوذ بالله = من سوء الفتن! قال: وقال رسول الله ﷺ: لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صُوِّرت لي الجنة والنارُ حتى رأيتهما دون الحائط. [[الأثر: ١٢٧٩٧- هو مكرر الأثر رقم: ١٢٧٩٥ بنحو لفظه ورواه أبو جعفر هنا من طريق سعيد عن قتادة وهي طريق مسلم التي رواها في صحيحه، كما أشرت إليه في تخريج الخبر رقم: ١٢٧٩٥.]]
١٢٧٩٨ - حدثنا أحمد بن هشام وسفيان بن وكيع قالا حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عون، قال: سألت عكرمة مولى ابن عباس عن قوله:"ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، قال: ذاك يوم قام فيهم النبي ﷺ فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به! قال: فقام رجل، فكره المسلمون مَقامه يومئذ، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبوك حذافة، قال: فنزلت هذه الآية. [[الأثر: ١٢٧٩٨-"أحمد بن هشام" شيخ أبي جعفر، لم أستطع أن أحدد من يكون، وهناك: "أحمد بن هشام بن بهرام"، "أبو عبد الله المدائني" مترجم في تاريخ بغداد ٥: ١٩٧.
و"أحمد بن هشام بن حميد"، "أبو بكر المصري"، سكن البصرة، وحدث بها. مترجم أيضًا في تاريخ بغداد ٥: ١٩٨.
وأما "معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري"، "أبو المثنى"، الحافظ البصري، فقد سلف برقم: ١٠٤٨٢.]]
١٢٧٩٩ - حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: نزلت:"لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، في رجل قال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبوك فلان.
١٢٨٠٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني سفيان، عن معمر، عن قتادة قال: سألوا النبي ﷺ حتى أكثروا عليه، فقام مغضبًا خطيبًا فقال: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي إلا حدثتكم! فقام رجل فقال: من أبي؟ قال: أبوك حذافة. واشتدّ غضبه وقال: سلوني! فلما رأى الناس ذلك كثر بكاؤهم، فجثا عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربًّا= قال معمر، قال الزهري، قال أنس مثل ذلك: فجثا عمر على ركبتيه= [[هذه إشارة من سفيان إلى رواية يونس عن الزهري ورواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: "برك عمر "أو" فبرك عمر على ركبتيه" كما في مسلم ١٥: ١١٣، والبخاري (الفتح ١٣: ٢٣٠) .]] فقال: رضينا بالله ربًّا= وبالإسلام دينًا= وبمحمد ﷺ رسولا فقال رسول الله ﷺ:"أما والذي نفسي بيده، لقد صُوِّرت لي الجنةُ والنارُ آنفًا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر= قال الزهري، فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدًا أعقّ منك قط! أتأمن أن تكون أمك قارفت ما قارفَ أهلُ الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس!! فقال: والله لو ألحقني بعبدٍ أسود للحقتُه. [[الأثر: ١٢٨٠٠- هذا الخبر من رواية سفيان، عن معمر، عن قتادة عن أنس= ومن روايته عن معمر، عن الزهري، عن أنس. وأخرجه البخاري في صحيحه (الفتح ١٣: ٢٣٠) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، وأخرجه مسلم في صحيحه (١٥: ١١٢) من يونس، عن الزهري، ثم أشار في (١٥: ١١٤) إلى طريق عبد الرازق، عن معمر. أما خبر طريق قتادة، عن أنس، فقد مضى برقم: ١٢٧٩٥، ١٢٧٩٧.
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٤٩.]]
١٢٨٠١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، قال: غضب رسول الله ﷺ يومًا من الأيام، فقام خطيبًا فقال: سلوني، فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا نبأتكم به! فقام إليه رجل من قريش، من بني سهم، يقال له"عبد الله بن حذافة"، وكان يُطْعن فيه، قال: فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبوك فلان! فدعاه لأبيه. فقام إليه عمر فقبَّل رجله وقال: يا رسولَ الله، رضينا بالله ربًّا، وبك نبيًّا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، فاعف عنا عفا الله عنك! فلم يزل به حتى رَضِيَ، فيومئذ قال:"الولد للفراش وللعاهر الحجر". [[الأثر: ١٢٨٠١- روى الحاكم في المستدرك ٣: ٦٣١ من طريق نعيم بن حماد عن هشيم عن سيار عن أبي وائل:
"أن عبد الله بن حذافة بن قيس قال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبُوك حُذافة، الولد للفراش وللعَاهر الحجَرُ. قال: لو دعوتتي لحبشيٍّ لاتبعته! فقالت له أُمُّه: لقد عَرَّضتني! فقال: إنِّي أردتُ أن أستريح! ".]]
١٢٨٠٢ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان محمارٌّ وجهه! حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام آخر فقال: من أبي؟ قال: أبوك حذافة! فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشِرْك، والله يعلمُ من آباؤنا! قال: فسكن غضبه، ونزلت:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". [[الأثر: ١٢٨٠٢-"الحارث" هو"الحارث بن أبي أسامة" منسوبًا إلى جده، وهو"الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي"، مضت ترجمته برقم: ١٠٢٩٥.
و"عبد العزيز" هو"عبد العزيز بن أبان الأموي"، من مولد سعيد بن العاص، كان كذابًا يضع الأحاديث، وذمه يطول. ومضى برقم: ١٠٢٩٥.
و"قيس" هو"قيس بن الربيع الأسدي"، وهو ثقة، ولكنهم ضعفوه، ومضى أيضًا برقم ١٠٢٩٥.
و"أبو حصين" هو"عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي"، روى له أصحاب الكتب الستة. مضى برقم: ٦٤٢ ٦٤٣، ٨٩٦١، ٨٩٦٢.
و"أبو صالح" هو"ذكوان السمان"، من أجل الناس وأوثقهم. سلف مرارًا.
وإسناد هذا الخبر إلى"قيس بن الربيع"، إسناد هالك، ولكن ابن كثير في تفسيره ٢: ٢٤٩، ساقه عن هذا الموضع من الطبري ثم قال: "إسناده جيد"، وكيف، وفيه"عبد العزيز بن أبان"؟
وذكر هذا الخبر، الجصاص في أحكام القرآن ٢: ٤٨٣، يقول: "روى قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي هريرة"، ولم يذكر إسناده.]]
* *
وقال آخرون: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ من أجل مسألة سائل سأله عن شيء في أمر الحجّ.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٠٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا منصور بن وردان الأسدي قال، حدثنا علي بن عبد الأعلى قال، لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ سورة آل عمران:٩٧] ، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت. ثم قالوا: أفي كل عام؟ فسكت. ثم قال: لا ولو قلت:"نعم" لوجبت"! فأنزل الله هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". [[الأثر: ١٢٨٠٣-"منصور بن وردان الأسدي" العطار الكوفي، شيخ أحمد. روى عن فطر بن خليفة، وعلي بن عبد الأعلى. ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه أحمد. وقال ابن أبي حاتم: "يكتب حديثه". مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٣٤٧، وابن أبي حاتم ٤/١/١٨٠.
"على بن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي"، أبو الحسن الأحول. وثقه البخاري والترمذي، وقال الدارقطني: "ليس بالقوي" مترجم، في التهذيب.
وهذا الخبر، رواه أحمد في المسند رقم ٩٠٥، من طريق منصور بن وردان الأسدي، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختري، عن علي قال، بمثل ما في رواية أبي جعفر غير موصولة.
ورواه الترمذي في كتاب التفسير عن أبي سعيد، عن منصور بن وردان، بإسناده بمثل رواية أحمد، وقال: "هذا حديث حسن غريب من حديث علي".
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٣، ٢٩٤، من طريق أحمد بن موسى بن إسحق التميمي، عن مخول بن إبراهيم النهدي، عن منصور بن وردان. ولم يقل فيه الحاكم شيئًا، وقال الذهبي في تعليقه: "مخول: رافضي، = وعبد الأعلى، هو ابن عامر، ضعفه أحمد".
ورواه ابن ماجه في السنن رقم: ٢٨٨٤ من طريق محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد، عن منصور بن وردان، بمثله.
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ١٩٥/٣: ٢٥٠، وذكر خبر الترمذي وما قاله ثم قال: "وفيما قال نظر. لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي".
و"قال أخي السيد أحمد في شرح المسند (رقم: ٩٠٥) : "إسناده ضعيف، لانقطاعه، ولضعف عبد الأعلى بن عامر الثعلبي".]]
١٢٨٠٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن ابن عياض، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ،"إن الله كتب عليكم الحج! فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: من السائل؟ فقال: فلان! فقال: والذي نفسي بيده، لو قلت"نعم" لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم! فأنزل الله هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، حتى ختم الآية. [[الأثر: ١٢٨٠٤-"عبد الرحيم بن سليمان الطائي الرازي"، الأشل. ثقة مضى برقم: ٢٠٢٨، ٢٠٣٠، ٢٢٥٤، ٨١٥٦، ٨١٥٧، ٨١٦١. وكان في المطبوعة والمخطوطة"عبد الرحمن بن سليمان"، والصواب من تفسير ابن كثير.
و"إبراهيم بن مسلم الهجري" ضعيف، لين الحديث، مترجم في الكبير للبخاري ١/١/٣٢٦، وضعفه، وابن أبي حاتم ١/١/١٣١، وميزان الاعتدال للذهبي ١: ٣١.
و"أبو عياض" هو: "عمرو بن الأسود العنسي"، ويقال: "عمير بن الأسود"، ثقة، مضى برقم: ١١٢٥٥. وكان في المطبوعة: "ابن عياض"، والصواب من المخطوطة.
وهذا خبر ضعيف إسناده، لضعف"إبراهيم بن مسلم الهجري".
ذكره الجصاص في أحكام القرآن ٢: ٤٨٣ ونقله ابن كثير في تفسيره عن هذا الموضع ٣: ٢٥٠.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٥، وزاد نسبته إلى الفريابي وابن مردويه.]]
١٢٨٠٥ - حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبي قال، أخبرنا الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد قال، سمعت أبا هريرة يقول: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، كتب الله عليكم الحج. فقام مِحْصن الأسدي فقال: أفي كل عام، يا رسول الله؟ فقال:"أمَا إنّي لو قلت"نعم" لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عنى ما سكتُّ عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم! فأنزل الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، إلى آخر الآية. [[الأثر: ١٢٨٠٥-"محمد بن علي بن الحسن بن شقيق العبدي" ثقة، مضى برقم: ١٥٩١، ٢٥٧٥، ٩٩٥١.
وأبوه "علي بن الحسن بن شقيق" ثقة أيضًا مضى برقم: ١٥٩١، ٢٥٧٥.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "بن الحسين بن شقيق"، وهو خطأ.
و"الحسين بن واقد المروزي"، ثقة، مضى برقم: ٤٨١٠، ٦٣١١.
و"محمد بن زياد القرشي الجمحي" أبو الحارث، روى له أصحاب الكتب الستة، روى عن أبي هريرة وعائشة، وعبد الله بن الزبير. مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٨٢، وابن أبي حاتم ٣/٢/٢٥٧.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده مختصرًا ومطولا. رواه مختصرًا من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر الحج، ولا السؤال، ولا ذكر السائل، في المسند ٢: ٤٤٧، ٤٤٨، من طريق وكيع، عن حماد، عن محمد بن زياد. ثم رواه: ٢: ٤٦٧، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد.
ثم رواه مطولا فيه ذكر الحج، والسؤال عنه، والسائل"رجل"، لم يبين في الخبر اسمه (٢: ٥٠٨) من طريق يزيد بن هرون، عن الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، وليس فيه ذكر الآية ونزولها.
ومن هذه الطريق رواه مسلم في صحيحه (٩: ١٠٠) ، عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هرون بمثله.
ورواه البخاري مختصرًا أيضًا (الفتح ١٣: ٢١٩- ٢٢٤) من طريق إسمعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٤: ٣٢٥، ٣٢٦ من طريق عبيد الله بن موسى، عن الربيع بن مسلم القرشي، ومن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن يزيد بن هرون.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٥، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ، وابن مردويه، بمثل رواية أبي جعفر هنا.
وفي جميع ذلك جاء"فقال رجل"، مبهمًا ليس فيه التصريح باسمه، وقال النووي في شرحه على مسلم (٩: ١٠١) : "هذا الرجل هو الأقرع بن حابس، كذا جاء مبينًا في غير هذه الرواية والرواية التي جاء فيها مبينا هي من حديث ابن عباس، وفيها: "فقام الأقرع بن حابس فقال"، رواها أحمد في مسنده من طرق عن ابن شهاب الزهري، عن أبي سنان، عن ابن عباس، وهي رقم: ٢٣٠٤، ٢٦٤٢، ٣٣٠٣، ٣٥١٠، ٣٥٢٠ وكذلك رواها البيهقي في السنن الكبرى ٤: ٣٢٦.
وقد أشار الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣: ٢٢٠) إلى حديث مسلم، وما فيه من زيادة السؤال عن الحج، ثم قال: "وأخرجه الدارقطني مختصرًا وزاد فيه"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"= وله شاهد عن ابن عباس، عند الطبري في التفسير". قلت: يعني الأثر السالف رقم: ١٢٧٩٤، لا هذا الأثر. ولم يشر الحافظ إلى خبر الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد.
وقد اختلف على"الحسين بن واقد" في اسم الرجل الذي سأل، فجاء في هذا الخبر"محصن الأسدي"، وفي الذي يليه"عكاشة بن محصن الأسدي"، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥٠، ٢٥١، الخبر السالف رقم ١٢٨٠٤، ثم قال: "ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة وقال: فقام محصن الأسدي، وفي رواية من هذا الطريق: عكاشة بن محصن، وهو أشبه"، ولم يزد على ذلك.
وهذا اختلاف في اسم الرجل"الأقرع بن حابس"، أو "عكاشة بن محصن الأسدي"، وأوثقهما أن يكون"الأقرع بن حابس"، فإنها جاءت بأسانيد صحاح لا شك في صحتها. أما علة ما جاء في رواية أبي جعفر، فذلك أن"الحسين بن واقد المروزي"، ثقة، قال النسائي: "لا بأس به" ووثقه ابن معين. ولكن قال ابن حبان: "من خيار الناس، وربما أخطأ في الروايات"، وقال أحمد: "في أحاديثه زيادة، ما أدري أي شيء هي! ونفض يده"، وقال الساجي: "فيه نظر، وهو صدوق، يهم".
و"رواية الثقات الحفاظ عن"محمد بن زياد، عن أبي هريرة"، لم يذكر فيها"عكاشة ابن محصن"، ولم يبين الرجل، ولكن الحسين بن واقد، رواه عن محمد بن زياد، فبين الرجل، وخالف البيان الذي روي من طرق صحاح عن ابن عباس أنه"الأقرع بن حابس"، فهذا من فعل"الحسين بن واقد"، ييد ما قاله أحمد وغيره: أن في أحاديثه زيادة لا يدري أي شيء هي! وكتبه محمود محمد شاكر.]]
١٢٨٠٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: خطبنا رسول الله ﷺ= فذكر مثله، إلا أنه قام: فقام عُكَّاشة بن محصن الأسدي. [[الأثر: ١٢٨٠٦- هو مكرر الأثر السالف، وقد ذكرت القول فيه هناك.]]
١٢٨٠٧ - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر قال، حدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى، عن صفوان بن عمرو قال، حدثني سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: قام رسول الله ﷺ في الناس فقال: كتب عليكم الحج! " فقام رجل من الأعراب فقال: أفي كل عام؟ قال: فغَلِقَ كلامُ رسول الله ﷺ، وأسكتَ [[في المطبوعة وابن كثير: "فعلا كلام رسول الله"، وهو خطأ لا شك فيه. وفي المخطوطة"فعلن" كأن آخرها"نون" وهي غير منقوطة. وفي مجمع الزوائد: "فعلق" بالعين المهملة، وأرجح أن الصواب ما أثبته. يقال: "غلق فلان، في حدته" (بفتح الغين وكسر اللام) أي: نشب، قال شمر: "يقال لكل شيء نشب في شيء فلزمه: قد غلق"، ومنه: "استغلق الرجل": إذا ارتج عليه ولم يتكلم، يعني أنه انقطع كلامه. فكأن هذا هو الصواب إن شاء الله.
وقوله بعد: "وأسكت" (بفتح الهمزة وسكون السين وفتح الكاف) بالبناء للمعلوم فعل لازم، بمعنى سكت. قال اللحياني: "يقال تكلم الرجل ثم سكت -بغير ألف- فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قيل: "أسكت"، وقيل": "أسكت" أطرق، من فكرة أو داء أو فرق. وفسروا الخبر أنه: "أعرض ولم يتكلم". وبعض الخبر في اللسان (سكت) .]] واستغضب، [[في المطبوعة وابن كثير زيادة: "وأغضب واستغضب"، لا أدري من أين جاءا بها. وليست"وأغضب" في المخطوطة. وقوله: "واستغضب" ضبطت في المخطوطة بفتحة على الضاد، وكذلك ضبطت في لسان العرب (سكت) ولم يذكر أصحاب اللغة: "استغضب" لازمًا، بل ذكروا"غضب" و"أغضبته فتغضبب"، ولكن ما جاء هنا له شاهد من قياس اللغة لا يرد. فهذا مما يزاد على نص المعاجم. ولو قرئ: "استغضب" بالبناء للمجهول، لكان جيدًا أيضًا وهو قياس محض"استغضب، فغضب".]] فمكث طويلا ثم تكلم فقال: من السائل؟ فقال الأعرابي: أنا ذا! فقال: ويحك! ماذا يُؤْمِنك أن قول"نعم"، ولو قلت"نعم" لوجبت، ولو وجبت لكفرتم! ألا إنه إنما أهلك الذين قبلكم أئمة الحَرَج، [[قوله: "أئمة الحرج"، يعني الذين يبتدئون السؤال عن أشياء، تحرم على الناس من أجل سؤالهم، فهم كالأئمة الذين تقدموا الناس، فألزموهم الحرج. و"الحرج" أضيق الضيق.]] والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض، وحرَّمت عليكم منها موضع خُفٍّ، لوقعتم فيه! قال: فأنزل الله تعالى عند ذلك:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء"، إلى آخر الآية. [[الأثر: ١٢٨٠٧-"زكريا بن يحيى بن أبان المصري"، روى عنه أبو جعفر آنفًا رقم: ٥٩٧٣، وقال أخي السيد أحمد هناك: "لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب"، وصدق، لم يرد اسمه مبينًا كما جاء هنا وهناك. ولكن قد روى عنه أبو جعفر في مواضع من تاريخه ١: ٣٩ قال: "حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال، حدثنا ابن عفير"، ثم روى عنه في المنتخب من كتاب"ذيل المذيل" (١٣: ٣٩) : "حدثني زكرياء بن يحيى بن أبان المصري، قال، حدثنا أبو صالح كاتب الليث"، ثم في (١٣: ٦٣) : "حدثني زكرياء بن يحيى بن أبان المصري قال، حدثنا أحمد بن أشكاب" ثم في (١٣: ١٠٩) : "حدثني زكرياء بن يحيى قال، حدثنا أحمد بن يونس" فالذين حدث عنهم كلهم مصريون.
وأخشى أن يكون هو"زكريا بن يحيى الوقار المصري"، "أبو يحيى" مترجم في لسان الميزان ٢: ٤٨٥، وابن أبي حاتم ١/٢/٦٠١ وميزان الاعتدال ١: ٣٥٠، روى عن عبد الله بن وهب المصري فمن بعده، وعن زكريا بن يحيى الأدم المصري، والقاسم بن كثير المصري. وولد زكريا بن يحيى الوقار سنة ١٧٤، ومات سنة ٢٥٤، فهو مظنة أن يروى عنه أبو جعفر، كان من الصلحاء العباد الفقهاء، ولكن قال ابن عدي: "يضع الحديث، كذبه صالح جزرة. قال صالح: حدثنا زكريا الوقار، وكان من الكذابين الكبار". وقال أيضًا: "رأيت مشايخ مصر يثنون على أبي يحيى في العبادة والاجتهاد والفضل، وله حديث كثير، بعضه مستقيم، وبعضه موضوعات وكان هو يتهم بوضعها، لأنه يروى عن قوم ثقات أحاديث موضوعة. والصالحون قد رسموا بهذا: أن يرووا أحاديث موضوعة، ويتهم جماعة منهم بوضعها".
وأما "أبو زيد": "عبد الرحمن بن أبي الغمر"، المصري الفقيه من شيوخ البخاري روى عنه خارج الصحيح، مضى برقم: ٤٣٢٩. وفي المطبوعة: "بن أبي العمر" بالعين المهملة وهو خطأ.
و"أبو مطيع": "معاوية بن يحيى الشامي الأطرابلسي"، ثقة، وقال ابن معين: "ليس بذاك القوي"، وقال الدارقطني: "ضعيف". مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٣٣٦، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم ٤/١/٣٨٤، ووثقه أبو زرعة.
و"صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي"، ثقة مضى برقم: ٧٠٠٩.
و"سليم بن عامر الكلاعي، الخبائري"، ثقة روى عن أبي أمامة، وغيره من الصحابة، مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/١٢٦، وابن أبي حاتم ٢/١/٢١١.
وهذا الخبر خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مختصرًا ٣: ٢٠٤ وقال: "رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن جيد".
ونقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥١ عن هذا الموضع من التفسير، وقال: "في إسناده ضعف"، وكأن علة ضعفه عنده، هو"زكريا بن يحيى بن أبان المصري"، وفي إسناده في ابن كثير خطأ، كتب"عبد العزيز بن أبي الغمر"، وهو خطأ محض.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٥، وزاد نسبته لابن مردويه. ثم انظر ما ختم به أبو جعفر فصله هذا ص: ١١٢، أن مخرج هذا الأخبار صحاح عنده.]]
١٢٨٠٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، وذلك أن رسول الله أذّن في الناس فقال:"يا قوم، كتب عليكم الحجّ! " فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فأغْضِبَ رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا، فقال: والذي نفس محمد بيده، لو قلت"نعم" لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذًا لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه! فأنزل الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين. فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تِبيانه. [[الأثر: ١٢٨٠٨- قد بين أخي السيد أحمد في الخبر رقم: ٣٠٥، ضعف هذا الإسناد الدائر في التفسير وقال: "هو إسناد مسلسل بالضعف من أسرة واحدة" ثم شرح الإسناد شرحًا مفصلا.]]
١٢٨٠٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح قال، حدثنا علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم"، قال: لما أنزلت آية الحج، نادى النبيّ ﷺ في الناس فقال: يا أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحُجُّوا. فقالوا: يا رسول الله، أعامًا واحدًا أم كل عام؟، فقال: لا بل عامًا واحدًا، ولو قلت"كل عام"، لوجبت، ولو وجبت لكفرتم. ثم قال الله تعالى ذكره: [[في المطبوعة أسقط"ثم" وهي لا غنى عنها في هذا الموضع وهي ثابتة في المخطوطة.]] يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، قال: سألوا النبي ﷺ عن أشياء، فوعظهم فانتهوا.
١٢٨١٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، قال: ذكر رسول الله ﷺ الحج، فقيل: أواجب هو يا رسول الله كل عام؟ قال: لا لو قلتها لوجبت، ولو وجبت ما أطقتم، ولو لم تطيقوا لكفرتم. ثم قال: سلوني، فلا يسألني رجل في مجلسي هذا عن شيء إلا أخبرته، وإن سألني عن أبيه! فقام إليه رجل فقال: من أبي؟ قال: أبوك حذافة بن قيس. فقام عمر فقال: يا رسول، رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، ونعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.
* *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية من أجل أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن البحيرة والسائبة والوَصيلة والحامي.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨١١- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس"لا تسألوا عن أشياء"، قال: هي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك:"ما جعل الله من كذا ولا كذا؟ [[القائل هو"خصيف".]] = قال: وأما عكرمة فإنه قال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات، فنهوا عن ذلك. ثم فال:"قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين". قال: فقلت قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس، فما لك تقول هذا؟ فقال: هَيْهَ. [[قوله: "هيه" هنا بفتح الهاء وسكون الياء وفتح الهاء الآخرة. يقال ذلك للشيء ينحى ويطرد. وأما "هيه" (بكسر الهاء الأولى وكسر الآخرة أو فتحها) فهي مثل"إيه"، تقال أمرًا للرجل، تستزيده من الحديث المعهود بينكما. وإشارة عكرمة بالطرد والتنحية، لما كان بين مجاهد وعكرمة وانظر ما سلف من سوء رأي مجاهد في عكرمة في التعليق على رقم: ١٠٤٤٥، ١٠٤٦٩.]]
١٢٨١٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن عكرمة قال: هو الذي سأل رسول الله ﷺ: من أبي= وقال سعيد بن جبير: هم الذين سألوا رسول الله ﷺ عن البحيرة والسائبة.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسولَ الله ﷺ المسائلَ، كمسألة ابن حذافة إياه مَن أبوه، ومسألة سائله إذ قال:"الله فرض عليكم الحج"، أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل.
وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس، فقولٌ غير بعيد من الصواب، ولكنْ الأخبارُ المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القولَ به من أجل ذلك. على أنه غير مستنكر أن تكون المسئلة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي ﷺ عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم المسألة عن الحج:"أكل عام هو، أم عامًا واحدًا"؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلِّها، فأخبرَ كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله، وأجل غيره. [[في المطبوعة: "أو أجل غيره"، استجلب "أو" مكان"واو" العطف، فأفسد الكلام إفسادًا.]] وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذُكرت صحاحٌ، فتوجيهها إلى الصواب من وجوهها أولى.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للذين نهاهم من أصحاب رسول الله ﷺ عن مسألة رسول الله ﷺ عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه، من فرائض لم يفرضها الله عليهم، وتحليل أمور لهم يحلّلها لهم، وتحريم أشياء لم يحرِّمها عليهم قبلَ نزول القرآن بذلك: أيها المؤمنون السائلون عما سألوا عنه رسولي مما لم أنزل به كتابًا ولا وحيًا، لا تسألوا عنه، فإنكم إن أظهر ذلك لكم تبيانٌ بوحي وتنزيل ساءكم، لأن التنزيل بذلك إذا جاءكم إنما يجيئكم بما فيه امتحانكم واختباركم، إما بإيجاب عمل عليكم، ولزوم فرض لكم، وفي ذلك عليكم مشقة ولزوم مؤونة وكلفة= وإما بتحريم ما لو لم يأتكم بتحريمه وحي، كنتم من التقدم عليه في فُسْحة وسَعة= وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمه، وفي ذلك لكم مساءة لنقلكم عما كنتم ترونه حقًّا إلى ما كنتم ترونه باطلا ولكنكم إن سألتم عنها بعد نزول القرآن بها، وبعد ابتدائكم ببيان أمرها في كتابي إلى رسولي إليكم، [[في المطبوعة: "وبعد ابتدائكم شأن أمرها في كتابي"، وهو كلام بلا معنى، لم يحسن قراءة المخطوطة، لا فيها: "سان" غير منقوطة، فقرأها خلطأً.]] ليسَّر عليكم ما أنزلته إليه من بيان كتابي، وتأويل تنزيلي ووحيي [[في المطبوعة"بين لكم ما أنزلته إليه من إتيان كتابي"، وهي أيضًا كلام بلا معنى، وكان في المخطوطة هكذا"لسس عليكم ما أنزلته إليه من اساي كتابي"، وصواب قراءتها إن شاء الله هو ما أثبت.]]
وذلك نظير الخبر الذي روي عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ، الذي:-
١٢٨١٣ - حدثنا به هناد بن السري قال، حدثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني قال: إن الله تعالى ذكره فرَض فرائض فلا تضيِّعوها، ونهى عن أشياء فلا تَنْتَهِكوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها. [[الأثر: ١٢٨١٣- هذا الخبر، رواه أبو جعفر موقوفًا على أبي ثعلبة الخشني، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٦ مرفوعًا، ونسبه لابن المنذر، والحاكم وصححه. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥٢ فقال: "وفي الحديث الصحيح أيضًا"، ولم أستطع أن أجده في المستدرك، أو غيره من الكتب الصحاح.]]
١٢٨١٤ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: كان عبيد بن عمير يقول: إن الله تعالى أحلّ وحرَّم، فما أحلّ فاستحلُّوه، وما حرَّم فاجتنبوه، وترك من ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه. ثم يتلو:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم".
١٢٨١٥- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا الضحاك قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني عطاء، عن عبيد بن عمير أنه كان يقول: إنّ الله حرّم وأحلَّ، ثم ذكر نحوه.
* *
وأما قوله:"عفا الله عنها" فإنه يعني به: عفا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التي سألتم عنها رسول الله ﷺ الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها، أن يؤاخذكم بها، أو يعاقبكم عليها، إن عرف منها توبتكم وإنابتكم [[في المطبوعة والمخطوطة: "إن عرف"، والسياق يقتضي: "إذ".]] ="والله غفورٌ"، يقول: والله ساتر ذنوب من تاب منها، فتارك أن يفضحه في الآخرة ="حليم" [ذو أناة عن] أن يعاقبه بها، لتغمده التائبَ منها برحمته، وعفوه، عن عقوبته عليها. [[انظر تفسير"غفور" فيما سلف من فهارس اللغة= وتفسير"حليم" فيما سلف ٥: ١١٧، ٥٢١/ ٧: ٣٢٧ وزدت ما بين القوسين من تفسير أبي جعفر السالف، فإن الكلام بغير ذلك أو شبهه غير مستقيم كل الاستقامة.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن ابن عباس الذي ذكرناه آنفًا. وذلك ما:-
١٢٨١٦ - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"لا تسألوا عن أشياء"، يقول: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه. [[الأثر: ١٢٨١٦- هو بعض الأثر السالف رقم: ١٢٨٠٨.]]
القول في تأويل قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قد سأل الآيات قومٌ من قبلكم، فلما آتاهموها الله أصبحوا بها جاحدين، منكرين أن تكون دلالة على حقيقة ما احتُجَّ بها عليهم، وبرهانًا على صحة ما جُعلت برهانًا على تصحيحه= كقوم صالح الذين سألوا الآيةَ، فلما جاءتهم الناقة آيةً عقروها= وكالذين سألوا عيسى مائدة تنزل عليهم من السماء، فلما أعطوها كفروا بها، وما أشبه ذلك.
فحذَّر الله تعالى المؤمنين بنبيه ﷺ أن يسلكوا سبيل من قبلهم من الأمم التي هلكت بكفرهم بآيات الله لما جاءتهم عند مسألتهموها، فقال لهم: لا تسألوا الآيات، ولا تبحثوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، فقد سأل الآيات من قبلكم قومٌ، فلما أوتوها أصبحوا بها كافرين، كالذي:-
١٢٨١٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال؛ حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك. [[الأثر: ١٢٨١٧- هو بعض الأثر السالف رقم: ١٢٨٠٨.]]
١٢٨١٨ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قد سألها قوم من قبلكم"، قد سأل الآيات قوم من قبلكم، وذلك حين قيل له: غيِّر لنا الصَّفا ذهبًا.
القول في تأويل قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما بحر الله بحيرة، ولا سيَّب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حَمَى حاميًا = ولكنكم الذين فعلتم ذلك، أيها الكفرة، فحرَّمتموه افتراء على ربكم، كالذي:-
١٢٨١٩ - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن ابن الهاد = وحدثني يونس قال، حدثنا عبد الله بن يوسف قال، حدثني الليث قال، حدثني ابن الهاد =، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجرُّ قُصْبَه في النار، وكان أول من سيَّب السُّيَّب". [[الأثر: ١٢٨١٩- رواه أبو جعفر بإسنادين: أولهما"محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري"، ثقة مضى برقم: ٢٣٧٧.
وأبوه: "عبد الله بن عبد الحكم بن أعين"، الفقيه المصري، ثقة، مترجم في التهذيب، و"شعيب بن الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري"، ثقة، مضى برقم: ٣٠٣٤، ٥٣١٤
وأبوه"الليث بن سعد" الإمام الجليل القدر، مضى برقم: ١٨٦، ١٨٧، ٢٠٧٢، ٢٥٨٤، ٩٥٠٧.
و"ابن الهاد" هو: "يزيد بن الهاد" منسوبا إلى جده، وهو: "يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد" ثقة، مضى برقم: ٢٠٣١، ٣٠٣٤، ٤٣١٤.
وأما الإسناد الثاني فتفسيره:
"يونس" هو"يونس بن عبد الأعلى الصدفي" ثقة مضى برقم: ١٦٧٩، ٣٥٠٣ وغيرها.
و"عبد الله بن يوسف التنيسي الكلاعي" ثقة من شيوخ البخاري. مترجم في التهذيب.
وخبر أبي هريره هذا، من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رواه أحمد في المسند رقم: ٨٧٧٣، وأشار إليه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢١٤) وقد رواه قبل من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب، عن سعيد، ورواه أحمد قبل ذلك منقطعا رقم: ٧٦٩٦، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي هريرة وقد استوفى أخي السيد أحمد في شرحه بيان ذلك. وأما مسلم فقد رواه في صحيحه ١٧: ١٨٩ من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب عن سعيد.
وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥٣، وذكر رواية البخاري الآنفة: "قال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت، عن الزهري هكذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف، وسكت ولم ينبه عليه= قال ابن كثير: وفيما قاله الحاكم نظر، فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد عن ابن الهاد عن الزهري نفسه، والله أعلم". وتفسير كلام ابن كثير أن ابن الهاد قد ثبت سماعه من الزهري. ولم يبين هو ما أراد أبو الحجاج بما قال ولم يفسره. ولم يشر الحافظ ابن حجر في الفتح (٨: ٢١٤) إلى شيء مما قاله المزي.
وأما "القصب" (بضم فسكون) : هي الأمعاء كلها. وأما قوله: "سيب السيب" فإن"سيب الدابة أو الناقة أو الشيء": تركه يسيب حيث شاء، أي يذهب حيث شاء. وأما "السيب" (بضم السين وتشديد الياء المفتوحة) فهو جمع"سائبة" على مثال"نائحة ونوح" و"نائم ونوم" كما سلف في تعليقي على الأثر رقم: ١٠٤٤٧، وشاهده رواه ابن هشام في سيرته هذا البيت (١: ٩٣) : حَوْلَ الوَصَائِل فِي شُرَيْفٍ ... حِقَّةٌ وَالحَامِيَاتُ ظُهُورُها
وَالسُّيَّبُ وتجمع"سائبة" أيضًا على"سوائب" وهو القياس. وقد جاء في إحدى روايتي صحيح مسلم (١٧: ١٨٩) : "أول من سيب السيوب" (بضم السين والياء) وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار: "أول من سيب السوائب، وفي الرواية الأخرى: أول من سيب السيوب"، ولم يبين ذلك. وبيانه أن"السيوب" جمع"سيب" (بفتح فسكون) مصدر سميت به"السائبة" وقد جاء في حديث عبد الرحمن بن عوف في يوم الشورى: "وإن الحيلة بالنطق أبلغ من السيوب في الكلم" وفسروه تفسيرين، الأول ما في لسان العرب: "السيوب: ما سيب وخلى فساب أي ذهب" والآخر ما قاله الزمخشري في الفائق: "السيوب مصدر: ساب كان قياسا جمع"سائب" و"سائبة" على"سيوب" فإن ما جاء مصدره على"فعول" كان جمع"فاعل" منه على"فعول" مثل"شاهد وشهود" و"قاعد وقعود" و"حاضر وحضور" وقد ذكرت ذلك في تعليق سالف وانظر شرح الشافية ٢: ١٥٨. فهذا تفسير ما أغفله القاضي عياض، والنووي في شرح صحيح مسلم.
وكان في المطبوعة: "أول من سيب السائبة"، غير ما في المخطوطة وهو اطراح سيئ لأمانة العلم!! وكتبه محمود محمد شاكر.]]
١٢٨٢٠ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: يا أكثم، رأيتُ عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدف يجرّ قُصْبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك! فقال أكثم: عسَى أن يضرّني شبهه، يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ:"لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أوّل من غيَّر دين إسماعيل، وبحر البحيرة، وسيَّب السائبة، وحمى الحامي". [[الأثر: ١٢٨٢٠-"محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي" روى له أصحاب الكتب الستة، تابعي ثقة كثير الحديث مضى برقم: ٤٢٤٩.
و"أبو صالح" هو: "ذكوان السمان"، تابعي ثقة. مضى مرارًا.
وأما "محمد بن إسحق"، صاحب السيرة، فقد مضى توثيق أخي السيد أحمد له في رقم: ٢٢١ وفي غيره من كتبه.
وهذا الخبر ساقه ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥٤، هو ورقم: ١٢٨٢٢، وفي البداية والنهاية ٢: ١٨٩، ثم قال"وليس هذان الطريقان في الكتب من هذا الوجه" يعني الصحاح وإلا فإن هذا الخبر ثابت بإسناد محمد بن إسحق في سيرة ابن هشام ١: ٧٨، ٧٩ وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب بغير إسناد ص: ٥٥ وذكره ابن الأثير بإسناده ١: ١٢٣، ١٢٤، وابن حجر في الإصابة (ترجمة: أكثم بن الجون) ونسبه لابن أبي عروبة وابن مندة من طريق ابن إسحق وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٨ فخلط في تخريجه تخليطا شديدا فقال: "أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه" وإنما ذلك رقم: ١٢٨٢٢، الآتي بعد. وسيأتي هذا الخبر مطولا من طريق أخرى رقم: ١٢٨٢٧، وهو إسناد أبي جعفر الثاني في رواية سيرة ابن إسحق.
وقوله: "عسى أن يضرني شبهه" يعني: لعله يضرني شبهه، يتخوف أن يكون ذلك. وفي المطبوعة: "أخشى أن يضرني شبهه" وهو مخالف للرواية، وإنما اختلط عليه خط ناسخ المخطوطة إذ كتبها مختلطة: "تحتي" كأنه أراد أن يكتب شيئًا، ثم عاد عليه حتى صار"عسى" منقوطة وبمثل ما في المطبوعة، جاءني في الدر المنثور. وكثرة مثل ذلك دلتني على أن هذه النسخة المخطوطة التي ننشرها هي التي وقعت في يد السيوطي، والصواب ما أثبته من السيرة، ومن نقل عنها.
وكان في المخطوطة أيضًا: "وحمى الحمى"، وهو خطأ محض، صوابه من مراجع هذا الخبر.]]
١٢٨٢١ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس قال، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ قال: قد عرفت أوّلَ من بَحَر البحائر، رجلٌ من مُدْلج كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرّم ألبانهما وظهورَهما، وقال: هاتان لله! ثم احتاج إليهما، فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما. قال: فلقد رأيته في النار يؤذِي أهل النار ريح قُصْبه. [[الأثر: ١٢٨٢١-"هشام بن سعد المدني""يتيم زيد بن أسلم" كان من أوثق الناس عن زيد وهو ثقة، وتكلم فيه بعضهم مضى برقم: ٥٤٩٠. وهذا خبر مرسل.
وسيأتي من طريق معمر، عن زيد بن أسلم برقم: ١٢٨٢٤.]]
١٢٨٢٢ - حدثنا هناد قال، حدثنا عَبْدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: عُرِضت عليَّ النار، فرأيت فيها عمرو بن فلان بن فلان بن خندف يجرّ قصْبه في النار، وهو أوّل من غيَّر دين إبراهيم، وسيب السائبة، وأشبه من رأيت به أكثم بن الجون! فقال أكثم: يا رسول الله، أيضرني شبهه؟ قال:"لا لأنك مُسلم، وإنه كافر". [[الأثر: ١٢٨٢٢-"عبدة" هو"عبدة بن سليمان الكلابي" ثقة مضى قريبا برقم: ١٢٧٢٩. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عبيدة" وهو خطأ صوابه في تفسير ابن كثير.
و"محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي" و"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" مضيا أيضًا في مثل هذا الإسناد رقم: ١٢٧٢٩ وهذا إسناد رجاله ثقات.
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك ٤: ٦٠٥، من طريق أبي حاتم الرازي، عن محمد ابن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو وفيه"فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف" مصرحا ثم قال: "وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
وقد مر بك أن ابن كثير قال في تفسيره ٣: ٢٥٤ والبداية والنهاية ٢: ١٨٩، أنه ليس في الكتب يعني الصحاح ولم يزد.
وأما الحافظ ابن حجر فخرجه في الإصابة (ترجمة أكثم بن الجون) من طريق أحمد بن حنبل، عن محمد بن بشر العبدي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، بمثله ثم أشار إلى طريق الحاكم في المستدرك. ولكن أعياني أن أجد خبر أحمد في المسند.
وأما الإمام الحافظ أبو محمد بن حزم فقد رواه في كتاب جمهرة الأنساب ص: ٢٢٣ من طريق علي بن عمر الدارقطني عن الحسين بن إسمعيل القاضي المحاملي عن سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن محمد بن عمرو. ثم قال أبو محمد بعد سياقه أحاديث البخاري ومسلم وهذا الحديث وهي أربعة هذا ثالثها: "أما الحديث الأول والثالث والرابع، ففي غاية الصحة والثبات" فحكم لهذا الخبر بالصحة.
وفي المطبوعة هنا: "عمرو بن فلان بن فلان بن فلان بن خندف""فلان" ثلاث مرات وهو مخالف لما في المخطوطة، وخطأ بعد ذلك فإن ما بين"عمرو" و"خندف" اثنان لا ثلاثة. وهكذا في المخطوطة والمطبوعة: "لا لأنك مسلم" ولولا اتفاقهما لرجحت أن تكون: "لا إنك مسلم" كما في رواية غيره.]]
١٢٨٢٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال: رأيت عمرو بن عامر الخزاعيّ يجرّ قُصْبه في النار، وهو أوّل من سيّب السوائب. [[الأثر: ١٢٨٢٣- هذا خبر مرسل كما ترى، لم يرفعه عبد الرزاق.]]
١٢٨٢٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ: إني لأعرف أوّل من سيب السوائب، وأوّل من غيَّر عهد إبراهيم! قالوا: من هو، يا رسول الله؟ قال: عمرو بن لُحَيّ أخو بني كعب، لقد رأيته يجرّ قُصْبه في النار، يؤذي ريحه أهل النار. وإني لأعرف أوّل من بحر البحائر! قالوا: من هو، يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرّم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعدَ ذلك، فلقد رأيته في النار هو، وهما يعضّانه بأفواههما، ويخبطانه بأخفافهما. [[الأثر: ١٢٨٢٤- هذا أيضًا خبر مرسل، وهو طريق أخرى للخبر السالف رقم: ١٢٨٢١. وقد ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٨: ٢١٤، ٢١٥) ثم قال: "والأول أصح"، يعني ذكر هذا الرجل من بني مدلج، أنه أول من بحر البحائر، وأن الصواب ما جاء في الأخبار الصحاح قبل، أنه عمرو بن لحي.
و"بنو مدلج" هم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن اليأس ابن مضر بن نزار بن معد ليسوا من قريش. وكانت فيهم القيافة والعيافة، منهم"مجزز المدلجي" الذي سر النبي ﷺ بقيافته (جمهرة الأنساب: ١٧٦، ١٧٧) .]] و"البحيرة" الفعيلة من قول القائل:"بَحَرْت أُذن هذه الناقة"، إذا شقها،"أبحرُها بحرًا"، والناقة"مبحورة"، ثم تصرف"المفعولة" إلى"فعيلة"، فيقال:"هي بحيرة". وأما"البَحِرُ" من الإبل فهو الذي قد أصابه داءٌ من كثرة شرب الماء، يقال منه:"بَحِر البعيرُ يبحر بَحَرًا"، [[هذه على وزن"فرح يفرح فرحًا".]] ومنه قول الشاعر: [[أعياني أن أجد قائله.]]
لأعْلِطَنَّهُ وَسْمًا لا يُفَارَقُهُ ... كَمَا يُحَزُّ بِحَمْيِ المِيسَمِ البَحِرُ [[سيأتي في التفسير ٢٩: ١٩ (بولاق) لسان العرب (بحر) ."علط البعير يعلطه علطًا" وسمه بالعلاط. و"العلاط" (بكسر العين) : سمة في عرض عنق البعير، فإذا كان في طول العنق فهو"السطاع" (بكسر السين) . هذا تفسير اللغة أنه في العنق وأما أبو جعفر الطبري فقد قال في تفسيره (٢٩: ١٩) "والعرب تقول: والله لأسمنك وسما لا يفارقك يريدون الأنف" ثم ذكر البيت وقال: "والنجر": داء يأخذ الإبل فتكوى على أنوفها. وذكر هناك بالنون والجيم كما أثبته وله وجه سيأتي إلا أني أخشى أن يكون الصواب هناك، كما هو هنا بالباء والحاء، وقوله: "بحمى الميسم". يقال: "حمى المسمار حميا وحموا": سخن في النار و"أحميت المسمار في النار إحماء". و"الميسم" المكواة التي يوسم بها الدواب. وأما "البحر" فقد فسره أبو جعفر ولكن الأزهري قال: "الداء الذي يصيب البعير فلا يروى من الماء هو النجر بالنون والجيم، والبجر بالباء والجيم وأما البحر: فهو داء يورث السل".
وهذا البيت في هجاء رجل وإيعاده بالشر شرا يبقى أثره.
وكان في المطبوعة: "لأعطنك" بالكاف في آخره والصواب من المخطوطة ومما سيأتي في المطبوعة من التفسير (٢٩: ١٩) ومن لسان العرب.]]
وبنحو الذي قلنا في معنى"البحيرة"، جاء الخبر عن رسول الله ﷺ.
١٢٨٢٥ - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه قال: دخلت على النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: [[في المطبوعة، أسقط"له" وهي ثابته في المخطوطة: وهي صواب.]] أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلَّمةً آذانُها، فتأخذ الموسى فتجْدَعها، تقول:"هذه بحيرة"، وتشق آذانها، تقولون:"هذه صَرْم"؟ قال: نعم! قال: فإن ساعدَ الله أشدّ، وموسَى الله أحدَ! كلّ مالك لك حلالٌ، لا يحرَّم عليك منه شيء. [[الأثر: ١٢٨٢٥- هذا الخبر رواه أبو جعفر بإسنادين هذا والذي يليه."عبد الحميد بن بيان القناد" شيخ أبي جعفر، مضى مرارا.
و"محمد بن يزيد الكلاعي" الواسطي وثقه أحمد وهو من شيوخه مضى برقم: ١١٤٠٨.
و"إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي" ثقة مضى برقم: ٥٦٩٤، ٥٧٧٧.
و"أبو إسحق" هو السبيعي الإمام. مضى مرارا.
و"أبو الأحوص" هو: "عوف بن مالك بن نضلة الجشمي" تابعي ثقة، مضى برقم: ٦١٧٢.
وأبوه: "مالك بن نضلة بن خديج الجشمي" ويقال: "مالك بن عوف بن نضلة" وبهذا ترجمه ابن سعد في الطبقات ٦: ١٧. وأما في التاريخ الكبير للبخاري ٤/١/٣٠٣، فإني رأيت فيه: "مالك بن يقظة الخزاعي والد أبي الأحوص له صحبة". و"أبو الأحوص" المشهور هو"عوف بن مالك بن نضلة" فظني أن الذي في التاريخ خطأ فإني لم أجد هذا الاسم في الصحابة فيكون فيه خطأ في"يقظة" وهو"نضلة" وفي"الخزاعي" وهو: "الجشمي" والله أعلم.
وهذا الخبر جاء في المخطوطة كما أثبته وفي المطبوعة: "وتشق آذانها وتقول" بالإفراد فأثبت ما في المخطوطة.
وقوله: "مسلمة آذانها" أي: سليمة صحاحًا. وسأشرح ألفاظه في آخر الخبر الآتي وما كان من الخطأ في المطبوعة والمخطوطة في"صرم" بعد تخريجه هناك.]]
١٢٨٢٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، سمعت أبا الأحوص، عن أبيه قال أتيتُ رسول الله ﷺ فقال: هل تُنتَجُ إبل قومك صحاحًا آذانُها، فتعمد إلى الموسَى فتقطع آذانها فتقول:"هذه بُحْرٌ"، وتشقها أو تشق جلودها فتقول:"هذه صُرُمٌ"، فتحرّمها عليك وعلى أهلك؟ قال: نعم! قال: فإن ما آتاك الله لك حِلّ، وساعد الله أشدّ، وموسى الله أحدّ = وربما قال: ساعدُ الله أشد من ساعدك، وموسى الله أحدّ من موساك. [[الأثر: ١٢٨٢٦- هذا الخبر، مكرر الذي قبله.
رواه من طريق شعبة، عن أبي إسحق مطولا أبو داود الطيالسي في مسنده: ١٨٤ رقم: ١٣٠٣.
ورواه أحمد في المسند عن طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي إسحق= ثم من طريق عفان عن شعبة في المسند ٣: ٤٧٣.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٠: ١٠ من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحق.
وخرجه ابن كثير في تفسيره من رواية ابن أبي حاتم ٣: ٢٥٦ مطولا ولم ينسبه إلى غيره.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٧ مطولا جدًا ونسبه إلى أحمد، وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات. أما لفظه عند السيوطي فلا أدري لفظ من يكون، فإنه ليس لفظ من ذكرت آنفا تخريج الخبر من كتبهم.
ثم رواه أحمد في المسند ٤: ١٣٦، ١٣٧ من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزعراء عمرو ابن عمرو عن عمه أبي الأحوص عن أبيه بلفظ آخر مختلف كل الاختلاف.
وهذا شرح غريب هذين الخبرين."نتج الناقة ينتجها نتجا" (على وزن: ضرب) : إذا تولى نتاجها أي ولادها. وأما قوله في الخبر الثاني: "هل تنتج إبل قومك" فهو بالبناء للمجهول. يقال: "نتجت الناقة تنتج" (بالبناء للمجهول) : إذا ولدت.
و"جدع الأنف والأذن والشفة": إذا قطع بعض ذلك. وأما قوله: "هذه صرم" فقد كتبت في المخطوطة والمطبوعة في الخبرين"حرم" بالحاء وكذلك وقع في تفسير ابن كثير، والصواب من المراجع التي ذكرتها ومن بيان كتب اللغة في تفسير هذا الخبر.
وتقرأ"صرم" في الخبر الأول بفتح فسكون و"الصرم" القطع سماها المصرومة بالمصدر كما يدل على صواب ذلك من قراءته ما جاء في شرح اللفظ في لسان العرب مادة (صرب) . وأما في الخبر الثاني فإن قوله: "هذه بحر" (بضم الباء والحاء) جمع"بحيرة" وقوله: "هذه صرم" (بضم الصاد والراء) جمع"صريمة" وهي التي قطعت أذنها وصرمت. وهذا صريح ما قاله صاحب اللسان في مادتي"صرم" و"صرب" والزمخشري في الفائق"صرب" وروى أحمد في المسند ٤: ١٣٦، ١٣٧: "صرماء" ولم تشر إليها كتب اللغة. وأما الومخشري وصاحب اللسان فقد رويا: "وتقول: صربى" (على وزن سكرى) . وقال في تفسيرها: كانوا إذا جدعوا البحيرة أعفوها من الحلب إلا للضيف فيجتمع اللبن في ضرعها من قولهم: "صرب اللبن في الضرع": إذا حقنه لا يحلبه. ورويا أنه يقال إن الباء مبدلة من الميم كقولهم"ضربة لازم، ولازب"، وأنه أصح التفسيرين.]] وأما"السائبة": فإنها المسيَّبة المخلاة. وكانت الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه، فيحرِّم الانتفاع به على نفسه، كما كان بعض أهل الإسلام يعتق عبدَه سائبةً، فلا ينتفع به ولا بولائه. [[انظر تفسير"السائبة" فيما سلف ٣: ٣٨٦ تعليق: ١.]]
وأخرجت"المسيَّبة" بلفظ"السائبة"، كما قيل:"عيشة راضية"، بمعنى: مرضية.
* *
وأما"الوصيلة"، فإن الأنثى من نَعَمهم في الجاهلية كانت إذا أتأمت بطنًا بذكر وأنثى، قيل:"قد وصلت الأنثى أخاها"، بدفعها عنه الذبح، فسمَّوها"وَصيلة".
* *
وأما"الحامي"، فإنه الفحل من النعم يُحْمَى ظهره من الركوب والانتفاع، بسبب تتابُعِ أولادٍ تحدُث من فِحْلته.
* *
وقد اختلف أهل التأويل في صفات المسميات بهذه الأسماء، وما السبب الذي من أجله كانت تفعل ذلك.
ذكر الرواية بما قيل في ذلك:
١٢٨٢٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، [[في المطبوعة والمخطوطة: "عن أبي إسحق" وهو خطأ محض كما ترى في تخريجه.]] عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ: أن أبا صالح السمان حدّثه: أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون الخزاعيّ: يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجرّ قُصْبه في النار، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به، ولا به منك! [[مضى في الأثر: ١٢٨٢٠، "فما رأيت رجلا" وهذه رواية أخرى.]] فقال أكثم: أيضرّني شبهه يا نبيّ الله؟ قال: لا إنك مؤمن وهو كافر، [[في المطبوعة: "لا لأنك مسلم" غيرها وهي في المخطوطة وابن هشام كما أثبتها.]] وإنه كان أوّل من غيَّر دين إسماعيل، ونصب الأوثان، وسيَّب السائبَ فيهم. [[في المطبوعة: "سيب السوائب فيهم" وأثبت ما في المخطوطة وإن كان الناسخ كتب"السائب فيهم" وصوابه من سيرة ابن هشام.
وهذا الشطر من الخبر هو حديث أبي هريرة وقد مضى آنفًا برقم: ١٢٨٢٠ ومضى تخريجه هناك. أما الشطر الثاني الذي وضعته في أول السطر فإنه من كلام ابن إسحق نفسه، كما سترى في التخريج.]] = وذلك أن الناقة إذا تابعت بين عشرإناث ليس فيها ذكر، [[في المطبوعة والمخطوطة: "إذاتابعت ثنتي عشرة إناثا ليس فيهما ذكر" إلا أن في المخطوطة: "ليس فيهم" وهما خطأ محض، وصواب هذه العبارة هو ما أثبته من سيرة ابن هشام وغيرها إلا أنني جعلت"فيهن" مكان"بينهن" في سيرة ابن هشام لما سيأتي بعد في الخبر"فيهن" مكان"بينهن" فيما يقابلها من سيرة ابن هشام.]] سُيِّبت فلم يركب ظهرها، ولم يجزَّ وبرها، ولم يشرَب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى شُقّ أذنها، ثم خلّى سبيلها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها، ولم يجزّ وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها، فهي"البحيرة" ابنة"السائبة".
و"الوصيلة"، أن الشاة إذا نَتَجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر، جعلت"وصيلة"، قالوا:"وصلت"، فكان ما وَلدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم، [[الأثر: ١٢٨٢٧- صدر هذا الخبر إلى قوله: "سيب السائب فيهم" هو حديث أبي هريرة السالف رقم: ١٢٨٢٠، وهو في سيرة ابن هشام ١: ٧٨، ٧٩، وقد خرجته هناك.
وأما الشطر الثاني إلى آخر الخبر، فهو من كلام ابن إسحق وهو في سيرة ابن هشام ١: ٩١، ٩٢.]] إلا أن يموت منها شيء فيشتركون في أكله، ذكورُهم وإناثهم [[في المطبوعة: لذكورهم دون إناثهم، وفي المخطوطة: لذكورهم بينهم، غير منقوطة والصواب من سيرة ابن هشام.]] .
و"الحامي" أنّ الفحل إذا نُتِج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكرٌ، حمي ظهره ولم يركب، ولم يجزّ وبره، ويخلَّى في إبله يضرب فيها، لا ينتفع به بغير ذلك. يقول الله تعالى ذكره:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام" إلى قوله:"ولا يهتدون".
١٢٨٢٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق في هذه الآية:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام" = قال أبو جعفر: سقط عليّ فيما أظنّ كلام منه = قال: فأتيت علقمة فسألتُه، فقال: ما تريد إلى شيء كانت يَصنعه أهل الجاهلية. [[في المطبوعة: "كانت تصنعه" والصواب من المخطوطة.]]
١٢٨٢٩ - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم قال: أتيت علقمة، فسألته عن قول الله تعالى:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حامٍ"، فقال: وما تصنع بهذا؟ إنما هذا شيء من فعل الجاهلية! قال: فأتيت مسروقًا فسألته، فقال:"البحيرة"، كانت الناقة إذا ولدت بطنًا خمسًا أو سبعًا، شقوا أذنها، وقالوا:"هذه بحيرة" = قال:"ولا سائبة"، قال: كان الرجل يأخذ بعضَ ماله فيقول:"هذه سائبة" = قال:"ولا وصيلة"، قال: كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث، وإذا ولدت ذكرًا وأنثى في بطن قالوا:"وصلت أخاها"، فلا يأكلونهما. قال: فإذا مات الذكر أكله الذكور دون الإناث = قال:"ولا حام"، قال: كان البعير إذا وَلد وولد ولده، قالوا:"قد قضى هذا الذي عليه"، فلم ينتفعوا بظهره. قالوا:"هذا حمًى". [[الأثر: ١٢٨٢٩-"يحيى بن إبراهيم المسعودي" شيخ الطبري هو: "يحيى ابن إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة المسعودي" مضى برقم: ٨٤، ٥٣٧٩، ٨٨١١، ٩٧٤٤.
وأبوه: "إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة المسعودي" مضى برقم: ٨٤، ٥٣٧٩، ٨٨١١، ٩٧٤٤.
وأبوه"محمد بن أبي عبيدة المسعودي" مضى في ذلك أيضا.
وجده"أبو عبيدة بن معن المسعودي" مضى أيضًا.
وكان في المطبوعة هنا: "هذا حام" وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٢٨٣٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح قال: سألت علقمة عن قوله:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة"، قال: ما تصنع بهذا؟ هذا شيء كان يفعله أهل الجاهلية.
١٢٨٣١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، ويحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص:"ما جعل الله من بحيرة"، قال: البحيرة: التي قد ولت خمسة أبطن ثم تركت.
١٢٨٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن الشعبي:"ما جعل الله من بحيرة". قال: البحيرة، المخضرمة [["المخضرمة" من النوق والشاء المقطوعة نصف الأذن أو طرف الأذن أو المقطوعة إحدى الأذنين وهي سمة الجاهلية. وفي الحديث: "خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر على ناقة مخضرمة".]] "ولا سائبة"، والسائبة: ما سُيِّب للعِدَى [["العدي" (بكسر العين ودال مفتوحة) : الغرباء يعني الأضياف كما جاء في سائر الأخبار. هكذا هي في المخطوطة"العدي" أما المطبوعة ففيها: "للهدي" وهو تحريف وخطأ محض. ولو كان في كتابة الناسخ خطأ فأقرب ذلك أن تكون"للمعتري" يقال: "عراه يعروه واعتراه" إذا غشيه طالبا معروفه. ويقال: "فلان تعروه الأضياف وتعتريه" أي تغشاه وبذلك فسروا قول النابغة: أَتَيْتُكَ عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِيْ ... عَلَى خَوْفٍ تُظَنَّ بِيَ الظُّنُون
أي: ضيفًا طالبًا لرفدك.]] = و"الوصيلة"، إذا ولدت بعد أربعة أبطن = فيما يرى جرير = ثم ولدت الخامس ذكرًا وأنثى، وصلتْ أخاها = و"الحام"، الذي قد ضرب أولادُ أولاده في الإبل.
١٢٨٣٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، بنحوه = إلا أنه قال: و"الوصيلة" التي ولدت بعد أربعة أبطن ذكرًا وأنثى، قالوا:"وصلت أخاها"، وسائر الحديث مثل حديث ابن حميد.
١٢٨٣٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الأزرق، عن زكريا، عن الشعبي: أنه سئل عن"البحيرة"، فقال: هي التي تجدع آذانها. وسئل عن"السائبة"، فقال: كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم فيتركونها عند آلهتهم، فتذهب فتختلطُ بغنم الناس، [[في المطبوعة: " ... عند آلهتهم لتذبح فتخلط بغنم الناس" غير ما في المخطوطة فأفسد الكلام إفسادًا. وقوله: "فتذهب فتختلط" ذكرت في ٧: ٤٥٧ تعليق: ٦ أن العرب تجعل"ذهب" من ألفاظ الاستعانة التي تدخل على الكلام طلبا لتصوير حركة أو بيان فعل مثل قولهم: "قعد فلان لا يمر به أحد إلا سبه" لا يراد بهما معنى"الذهاب" و"القعود" ومثلهما كثير في كلامهم ثم انظر هذا ص: ٢٥٠ن ٢٥١، تعليق: ١.]] فلا يشرب ألبانها إلا الرجال، فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعًا.
١٢٨٣٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"ما جعل الله من بحيرة" وما معها:"البحيرة"، من الإبل يحرّم أهل الجاهلية وَبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها. فإذا ضَرَب الجمل من ولد البحيرة، [["ضرب" من"الضراب" (بكسر الضاد) وهو سفاد الجمل الناقة ونزوه عليها.]] فهو"الحامي". و"الحامي"، اسمٌ. [[في المطبوعة حذف قوله: "والحامي اسم" لظنه أنه زيادة لا معنى لها. ولكنه أراد أن"الحامي" اسم لهذا الجمل من ولد البحيرة، وليس باسم فاعل.]] و"السائبة" من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد، كان على هيئتها. فإذا ولدت في السابع ذكرًا أو أنثى أو ذكرين، ذبحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم. وإن توأمت أنثى وذكرًا فهي"وصيلة"، [[قوله: "توأمت" هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة ولم أجدهم قالوا في ذلك المعنى إلا: "أتأمت المرأة وكل حامل": إذا ولدت اثنين في بطن واحد. فهذا حرف لا أدري ما أقول فيه إلا أنه هكذا جاء هنا.]] لترك ذبح الذكر بالأنثى. [[في المطبوعة والمخطوطة: "ترك" بغير لام، والذي أثبته أشبه عندي بالصواب.]] وإن كانتا أنثيين تركتا.
١٢٨٣٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة"، فالبحيرة، الناقة، كان الرجل إذا ولدت خمسة أبطن، فيعمد إلى الخامسة، ما لم تكن سَقْبًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: "فما لم يكن سقبا" وصواب ذلك ما أثبت. و"السقب" الذكر من ولد الناقة. قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة ولدها فولدها ساعة تضعه"سليل" قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى. فإذا علم فإن كان ذكرا فهو"سقب".]] فيبتك آذانها، ولا يجزّ لها وبرًا، ولا يذوق لها لبنًا، فتلك"البحيرة" ="ولا سائبة"، كان الرجل يسيِّب من ماله ما شاء ="ولا وصيلة"، فهي الشاة إذا ولدت سبعًا، عمد إلى السابع، فإن كان ذكرًا ذبح، وإن كانت أنثى تركت، وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما، قالوا:"وصلت أخاها"، فيتركان جميعًا لا يذبحان. فتلك"الوصيلة" = وقوله:"ولا حام"، كان الرجل يكون له الفحل، فإذا لقح عشرًا قيل:"حام، فاتركوه".
١٢٨٣٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة"، ليسيِّبوها لأصنامهم ="ولا وصيلة"، يقول: الشاة ="ولا حام" يقول: الفحلُ من الإبل.
١٢٨٣٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام"، تشديدٌ شدّده الشيطانُ على أهل الجاهلية في أموالهم، وتغليظ عليهم، فكانت"البحيرة" من الإبل، [[في المطبوعة والمخطوطة: "مثل الإبل" وهو خطأ لا شك فيه.]] إذا نتج الرجلُ خمسًا من إبله، نظر البطن الخامس، فإن كانت سقبًا ذبح فأكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرُهم وأنثاهم، وإن كانت حائلا = وهي الأنثى = تركت، فبتكت أذنها، فلم يجزّ لها وَبرٌ، ولم يشرب لها لبن، ولم يركب لها ظهرٌ، ولم يذكر لله عليها اسم.
وكانت"السائبة"، يسيبون ما بدا لهم من أموالهم، فلا تُمنع من حوض أن تشرع فيه، [[في المطبوعة والمخطوطة: "فلا تمتنع"، والصواب ما أثبت.]] ولا من حمًى أن ترتع فيه = وكانت"الوصيلة" من الشاء، من البطن السابع، إذا كان جديًا ذبح فأكله الرجال دون النساء. وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم. وإن جاءت بذكر وأنثى قيل:"وصلت أخاها فمنعته الذبح" = و"الحام"، كان الفحل إذا ركب من بني بنيه عشرة، أو ولد ولده، قيل:"حام حمى ظهره"، فلم يزَمَّ ولم يخطم ولم يركب.
١٢٨٣٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام"، فالبحيرة من الإبل، كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، إن كان الخامس سقبًا ذبحوه فأهدوه إلى آلهتهم، وكانت أمه من عُرْض الإبل. وإن كانت رُبَعة استحيوها، [["الربع" (بضم الراء وفتح الباء) : الفصيل الذي ينتح في الربيع، وهو أول النتاح، والأنثى"ربعة".]] وشقوا أذن أمِّها، وجزّوا وبرها، وخلوها في البطحاء، فلم تجُزْ لهم في دية، ولم يحلبوا لها لبنًا، ولم يجزّوا لها وبرًا، ولم يحملوا على ظهرها، وهي من الأنعام التي حرمت ظهورها = وأما"السائبة"، فهو الرجل يسيِّب من ماله ما شاء على وجه الشكر إن كثر ماله أو برأ من وَجع، أو ركب ناقة فأنجح، فإنه يسمي"السائبة" [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "يسمى السائبة"، وأرجح أن الصواب: "يسيب السائبة"،]] يرسلها فلا يعرض لها أحدٌ من العرب إلا أصابته عقوبة في الدنيا = وأما"الوصيلة"، فمن الغنم، هي الشاة إذا ولدت ثلاثة أبطن أو خمسة، فكان آخر ذلك جديًا، ذبحوه وأهدوه لبيت الآلهة، وإن كانت عناقًا استحيوها، [["العناق" (بفتح العين) : الأنثى من ولد المعز.]] وإن كانت جديًا وعناقًا استحيوا الجدي من أجل العَناق، فإنها وصيلة وصلت أخاها = وأما"الحام"، فالفحل يضرب في الإبل عشرَ سنين = ويقال: إذا ضرب ولد ولده = قيل:"قد حمى ظهره"، فيتركونه لا يمسُّ ولا ينحرُ أبدًا، ولا يمنع من كلأ يريده، وهو من الأنعام التي حُرِّمت ظهورها.
١٢٨٤٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب في قوله:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام"، قال:"البحيرة" من الإبل، التي يمنح درّها للطواغيت [[في المطبوعة والمخطوطة: "يمنع" بالعين، وصوابه بالحاء.]] = و"السائبة" من الإبل، كانوا يسيِّبونها لطواغيتهم = و"الوصيلة"، من الإبل، كانت الناقة تبتكر بأنثى، ثم تثنى بأنثى، [[في المطبوعة: "تبكر"، والصواب من المخطوطة. ويقال: "ابتكرت الحامل"، إذا ولدت بكرها، و"أثنت" في الثاني، و"ثلثت" في الثالث.]] فيسمونها"الوصيلة"، يقولون:"وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر"، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم = أو: يذبحونها، الشك من أبي جعفر= و"الحام"، الفحل من الإبل، كان يضربُ. الضرابَ المعدودة. [[في المطبوعة: "المعدود" بغير تاء في آخره، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] فإذا بلغ ذلك قالوا:"هذا حام، قد حمى ظهره"، فترك، فسموه"الحام"= قال معمر قال قتادة، إذا ضرب عشرة.
١٢٨٤١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال:"البحيرة" من الإبل، كانت الناقة إذا نُتِجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكرًا، [[في المطبوعة: "فإن كان الخامس"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] كان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى، بتكوا آذانها ثم أرسلوها، فلم ينحروا لها ولدًا، ولم يشربوا لها لبنًا، ولم يركبوا لها ظهرًا = وأما"السائبة"، فإنهم كانوا يسيِّبون بعض إبلهم، فلا تُمنع حوضًا أن تشرع فيه، ولا مرعًى أن ترتع فيه ="والوصيلة"، الشاة كانت إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرًا، ذبح وأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت.
١٢٨٤٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سلمان، عن الضحاك:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام"، أما"البحيرة" فكانت الناقة إذا نَتَجُوها خمسة أبطن نحروا الخامس إن كان سقبًا، وإن كان رُبَعة شقُّوا أُذنها واستحيوها، وهي"بحيرة"، وأما السَّقب فلا يأكل نساؤهم منه، وهو خالص لرجالهم، فإن ماتت الناقة أو نَتَجوها ميْتًا، فرجالهم ونساؤهم فيه سواءٌ، يأكلون منه = وأما"السائبة"، فكان يسيِّب الرجل من ماله من الأنعام، فيُهْمَل في الحمى، فلا ينتفع بظهره ولا بولده ولا بلبنه ولا بشعره ولا بصوفه = وأما"الوصيلة"، فكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن ذبحُوا السابع إذا كان جديًا، وإن كان عناقًا استحيوه، وإن كان جديًا وعناقًا استحيوهما كليهما، وقالوا:"إن الجدي وصلته أخته، فحرَّمته علينا" = وأما"الحامي"، فالفحل إذا ركبوا أولاد ولده قالوا:"قد حمى هذا ظهره، وأحرزه أولاد ولده"، [[في المطبوعة: "وأحرز أولاد ولده"، صوابه من المخطوطة."أحرزه": صانه وحفظه ووقاه.]] فلا يركبونه، ولا يمنعونه من حِمى شجر، ولا حوض مَا شرع فيه، وإن لم يكن الحوض لصاحبه. وكانت من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء من شأنهم: لا إن ركبوا، ولا إن حملوا، ولا إن حلبوا، ولا إن نتجوا، ولا إن باعوا. ففي ذلك أنزل الله تعالى ذكره:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة"، إلى قوله:"وأكثرهم لا يعقلون".
١٢٨٤٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله:"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام"، قال: هذا شيء كان يعمل به أهل الجاهلية، [[في المطبوعة: "كانت تعمل به"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وقد ذهب. قال:"البحيرة"، كان الرجل يجدع أذني ناقته، ثم يعتقها كما يعتق جاريته وغلامه، لا تحلب ولا تركب = و"السائبة"، يسيبها بغير تجديع = و"الحام" إذا نتج له سبع إناث متواليات، قد حمي ظهره، ولا يركب، ولا يعمل عليه = و"الوصيلة"، من الغنم: إذا ولدت سبع إناث متواليات، حمت لحمها أن يؤكل.
١٢٨٤٤- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا عبد الله بن يوسف قال، حدثنا الليث بن سعد قال، حدثني ابن الهاد، عن ابن شهاب قال، قال سعيد بن المسيب:"السائبة" التي كانت تسيَّب فلا يحمل عليها شيء = و"البحيرة"، التي يمنح دَرُّها للطواغيت فلا يحلبها أحد [[في المطبوعة والمخطوطة: "يمنع درها"، والصواب ما أثبت.]] = و"الوصيلة"، الناقة البكر تبتكر أوّل نتاج الإبل بأنثى، [[في المطبوعة والمخطوطة هنا"تبكر"، وانظر ما سلف ص: ١٣١ تعليق٢.]] ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسمُّونها للطواغيت، يدعونها"الوصيلة"، أنْ وصلت أخواتها إحداهما بالأخرى [[حذف في المطبوعة: "أخواتها"، ولا ضرورة لحذفها، فالكلام مستقيم.]] ="والحامي"، فحل الإبل، يضرب العَشْر من الإبل. فإذا نقضَ ضِرابه [[في المطبوعة والمخطوطة: "نقص ضرابه"، وهو لا معنى له، والصواب: "نفض" بالنون والفاء والضاد. يقال"نفضت الإبل وأنفضت": نتجت كلها. قال ذو الرمة: كِلاَ كَفْأَتَيهْا تُنْفِضَانِ، وَلَمْ يَجِدْ ... لَهَا ثِيلَ سَقْبٍ في النِّتَاجَيْنِ لاَ مِسُ
يعني: أن كل واحد من الكفأتين (يعني النتاجين) تلقى ما في بطنها من أجنتها، فتوجد إناثًا ليس فيها ذكر. وقوله: "نفض ضرابه"، لم تذكر كتب اللغة هذه العبارة، ولكن هذا هو تفسيرها: أن تلد النوق التي ضربها إناثًا متتابعات ليس بينهن ذكر، كما سلف في الآثار التي رواها أبو جعفر.]] يدعونه للطواغيت، وأعفوه من الحمل فلم يحملوا عليه شيئًا، وسموه"الحامي".
* *
قال أبو جعفر: وهذه أمور كانت في الجاهلية فأبطلها الإسلام، فلا نعرف قومًا يعملون بها اليوم.
فإذا كان ذلك كذلك= وكانَ ما كانت الجاهلية تعمل به لا يوصل إلى علمه [[كان في المطبوعة: "لا توصل إلى عمله"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة.]] = إذ لم يكن له في الإسلام اليوم أثر، ولا في الشرك، نعرفه = إلا بخبر، [[السياق: "لا يوصل إلى عمله. . . إلا بخبر".]] وكانت الأخبار عما كانوا يفعلون من ذلك مختلفة الاختلافَ الذي ذكرنا، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: أما معاني هذه الأسماء، فما بيّنا في ابتداء القول في تأويل هذه الآية، وأما كيفية عمل القوم في ذلك، فما لا علم لنا به. وقد وردت الأخبار بوصف عملهم ذلك على ما قد حكينا، وغير ضائرٍ الجهلُ بذلك إذا كان المرادُ من علمه المحتاجُ إليه، موصلا إلى حقيقته، [[في المطبوعة: "موصلا إلى حقيقته"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب المعنى.]] وهو أن القوم كانوا يحرِّمون من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله، [[في المطبوعة: "كانوا محرمين من أنعامهم"، والجيد من المخطوطة.]]
اتباعًا منهم خطوات الشيطان، فوبَّخهم الله تعالى ذكره بذلك، وأخبرهم أن كل ذلك حلال. فالحرام من كل شيء عندنا ما حرَّم الله تعالى ذكره ورسوله ﷺ، بنصٍّ أو دليل، والحلال منه ما حلله الله ورسوله كذلك. [[في المطبوعة: "ما أحله الله"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيّ ب"الذين كفروا" في هذا الموضع، والمراد بقوله:"وأكثرهم لا يعقلون".
فقال بعضهم: المعنيّ ب"الذين كفروا" اليهود، وب"الذين لا يعقلون"، أهل الأوثان.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٤٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن دواد بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى:"ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب"، قال: أهل الكتاب ="وأكثرهم لا يعقلون"، قال: أهل الأوثان. [[الأثر: ١٢٨٤٥ -"محمد بن أبي موسى"، مضى برقم: ١٠٥٥٦.]]
* *
وقال آخرون: بل هم أهل ملّة واحدة، ولكن"المفترين"، المتبوعون و"الذين لا يعقلون"، الأتباع.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٤٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا خارجة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي في قوله:"ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون"، هم الأتباع = وأما"الذين افتروا"، فعقلوا أنهم افتروا. [[في المطبوعة: "يعقلون أنهم افتروا"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن المعنيين بقوله:"ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب"، الذين بحروا البحائر، وسيَّبوا السوائب، ووصلوا الوصائل، وحموا الحوامي، مثل عمرو بن لحي وأشكاله ممن سنّ لأهل الشرك السنن الرديئة، وغيَّر دين الله دين الحق، [[في المطبوعة: "ممن سنوا لأهل الشرك،. . . وغيروا" بالجمع، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض، لا يرده أنه قال بعده"وأضافوا" بالجمع.]] وأضافوا إلى الله تعالى ذكره: أنه هو الذي حرّم ما حرّموا، وأحلَّ ما أحلوا، افتراءً على الله الكذب وهم يعلمون، واختلاقًا عليه الإفك وهم يفهمون، [[في المطبوعة: "وهم يعمهون"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.]] فكذبهم الله تعالى ذكره في قيلهم ذلك، وإضافتهم إليه ما أضافوا من تحليل ما أحلوا وتحريم ما حرموا، فقال تعالى ذكره: ما جعلت من بحيرة ولا سائبة، ولكن الكفار هم الذين يفعلون ذلك، ويفترون على الله الكذب.
= [[قوله: "وأن يقال"، معطوف على قوله في أول الفقرة: "وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال. . .".]] وأن يقال، إن المعنيين بقوله:"وأكثرهم لا يعقلون"، هم أتباع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة المشركين، فهم لا شك أنهم أكثر من الذين لهم سنوا ذلك لهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم لا يعقلون، لأنهم لم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن وأخبروهم أنها من عند الله، كذبةٌ في إخبارهم، أفَكَةٌ، بل ظنوا أنهم فيما يقولون محقُّون، وفي إخبارهم صادقون. وإنما معنى الكلام: وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التحريم الذي حرَّمه هؤلاء المشركون وأضافوه إلى الله تعالى ذكره كذب وباطل. [[انظر تفسير"افترى" فيما سلف ٦: ٢٩٢/٨: ٤٥١.]] وهذا القول الذي قلنا في ذلك، نظير قول الشعبي الذي ذكرنا قبلُ. [[في المطبوعة، أسقط"قبل"، لسوء كتابتهافي المخطوطة.]] ولا معنى لقول من قال:"عني بالذي كفروا أهل الكتاب"، وذلك أن النكير في ابتداء الآية من الله تعالى ذكره على مشركي العرب، فالختم بهم أولى من غيرهم، إذ لم يكن عرض في الكلام ما يُصرف من أجله عنهم إلى غيرهم.
* *
وبنحو ذلك كان يقول قتادة:
١٢٨٤٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وأكثرهم لا يعقلون"، يقول: تحريمُ الشيطان الذي حرّم عليهم، [[في المطبوعة: "يقول: لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم"، زاد وغير، فأفسد الجملة إفسادًا، وهو يظن أنه يصلحها.]] إنما كان من الشيطان، ولا يعقلون.
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يبحرون البحائر ويسيِّبون السوائب؟ الذين لا يعقلون أنهم بإضافتهم تحريم ذلك إلى الله تعالى ذكره يفترون على الله الكذب: تعالوا إلى تنزيل الله وآي كتابه وإلى رسوله، ليتبين لكم كذبُ قيلكم فيم تضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريمكم ما تحرِّمون من هذه الأشياء [[انظر تفسير"تعالوا" فيما سلف ٦: ٤٧٤، ٤٨٣، ٤٨٥/٨: ٥١٣.]] = أجابوا من دعاهم إلى ذلك بأن يقولوا: حسبنا ما وجدنا عليه من قبلنا آباءَنا يعملون به، ويقولون:"نحن لهم تبع وهم لنا أئمة وقادة، وقد اكتفينا بما أخذنا عنهم، ورضينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل". [[انظر تفسير"حسب" فيما سلف ٤: ٢٤٤/٧: ٤٠٥.]] قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أوَ لو كان آباء هؤلاء القائلين هذه المقالة لا يعلمون شيئًا؟ يقول: لم يكونوا يعلمون أنّ ما يضيفونه إلى الله تعالى ذكره من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كذبٌ وفريةٌ على الله، لا حقيقة لذلك ولا صحة، لأنهم كانوا أتباع المفترين الذين ابتدءوا تحريم ذلك، افتراءً على الله بقيلهم ما كانوا يقولون من إضافتهم إلى الله تعالى ذكره ما يضيفون = ولا كانوا فيما هم به عاملون من ذلك على استقامة وصواب، [[في المطبوعة: "ما كانوا فيما هم به عاملون"، وفي المخطوطة: "كانوا" بغير"ما"، والسياق يقتضي ما أثبت، لأنه معطوف على قوله آنفاً: "يقول: لم يكونوا يعلمون. . ."]] بل كانوا على ضلالة وخطأ.
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فأصلحوها، واعملوا في خلاصها من عقاب الله تعالى ذكره، وانظروا لها فيما يقرِّبها من ربها، فإنه"لا يضركم من ضَلّ"، يقول: لا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق، إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم، وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فحرمتم حرامه وحللتم حلاله.
* *
ونصب قوله:"أنفسكم" بالإغراء، والعرب تغري من الصفات ب"عليك" و"عندك"، و"دونك"، و"إليك". [["الصفات" حروف الجر، والظروف، كما هو بين من سياقها. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٢، ٣٢٣.]]
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم معناه:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم"، إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقبل منكم.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٤٨ - حدثنا سوار بن عبد الله قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن: أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم"، فقال ابن مسعود:"ليس هذا بزمانها، قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدّت عليكم فعليكم أنفسكم". [[الأثر: ١٢٨٤٨ -"سوار بن عبد الله بن سوار العنبري"، القاضي، شيخ الطبري. ثقة، مترجم في التهذيب. وأبوه: "عبد الله بن سوار العنبري" القاضي، ثقة. مترجم في التهذيب.
و"أبو الأشهب" هو: "جعفر بن حيان السعدي العطاردي"، ثقة، روي له الستة، مضى برقم: ١١٤٠٨.
وسيأتي تخريج الأثر في التعليق على رقم: ١٢٨٥٠.]]
١٢٨٤٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي الأشهب، عن الحسن قال: ذكر عند ابن مسعود [[في المطبوعة: "ذكر ابن مسعود"، بإسقاط"عند"، والصواب من المخطوطة.]] "يا أيها الذين آمنوا"، ثم ذكر نحوه.
١٢٨٥٠- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن قال: قال رجل لابن مسعود: ألم يقل الله:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلّ إذا اهتديتم"؟ قال: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم. [[في الأثر: ١٢٨٤٨ - ١٢٨٥٠ - خبر الحسن، عن ابن مسعود، خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٩، وقال: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من ابن مسعود".]]
١٢٨٥١ - حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا شبابة بن سوار قال، حدثنا الربيع بن صبيح، عن سفيان بن عقال قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله تعالى ذكره يقول:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"؟ فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال:"ألا فليبلِّغ الشاهد الغائبَ"، فكنَّا نحن الشهودَ وأنتم الغَيَب، [["الغيب" (بفتح الغين والياء) جمع"غائب"، مثل"خادم" و"خدم".]] ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم. [[الأثر: ١٢٨٥١ -"الحسن بن عرفة العبدي البغدادي"، شيخ الطبري، مضى برقم: ٩٣٧٣.
و"شبابة بن سوار الفزازي"، مضى برقم: ٣٧، ٦٧٠١، ١٠٠٥١.
و"الربيع بن صبيح السعدي"، مضى برقم: ٦٤٠٣، ٦٤٠٤، ١٠٥٣٣.
و"سفيان بن عقال"، مترجم في الكبير٢/٢/٩٤، وابن أبي حاتم ٢/١/٢١٩، وكلاهما قال: "روي عن ابن عمر، روى عنه الربيع"، ولم يزيدا.
وخرجه في الدر المنثور ٢: ٣٤٠، وزاد نسبته لابن مردويه.]]
١٢٨٥٢ - حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي قال، حدثنا قتادة، عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قومٌ من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية:"عليكم أنفسكم"، فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم. [[الأثر: ١٢٨٥٢، ١٢٨٥٣ -"أبو مازن الأزدي الحداني"، كان من صلحاء الأزد، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه. روى قتادة، عن صاحب له، عنه. هكذا قال ابن أبي حاتم ٤/٢/٤٤. ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر"الرجل" الذي روى عنه قتادة، كما قال أبو حاتم. وسيأتي في الإسناد رقم: ١٢٨٥٦"عن قتادة، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة"، فهذا"الرجل" هو"أبو مازن"، ولا شك. ثم يأتي في رقم: ١٢٨٥٧"عن قتادة، حدثنا أبو مازن، رجل من صالحي الأزد، من بني الحدان"، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه، ليس بينهما"رجل" كما قال أبو حاتم. فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٤٠، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.]]
١٢٨٥٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي مازن، بنحوه. [[الأثر: ١٢٨٥٢، ١٢٨٥٣ -"أبو مازن الأزدي الحداني"، كان من صلحاء الأزد، قدم المدينة في زمن عثمان رضي الله عنه. روى قتادة، عن صاحب له، عنه. هكذا قال ابن أبي حاتم ٤/٢/٤٤. ولم يرد في هذين الإسنادين ذكر"الرجل" الذي روى عنه قتادة، كما قال أبو حاتم. وسيأتي في الإسناد رقم: ١٢٨٥٦"عن قتادة، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة"، فهذا"الرجل" هو"أبو مازن"، ولا شك. ثم يأتي في رقم: ١٢٨٥٧"عن قتادة، حدثنا أبو مازن، رجل من صالحي الأزد، من بني الحدان"، فصرح قتادة في هذا الخبر بالتحديث عنه، ليس بينهما"رجل" كما قال أبو حاتم. فأخشى أن يكون في كلام أبي حاتم خطأ.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٤٠، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.]]
١٢٨٥٤ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عوف، عن سوّار بن شبيب قال، كنت عند ابن عمر، إذ أتاه رجل جليدٌ في العين، شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نحن ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، [[في المطبوعة: "قد قرأوا" بالجمع، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.]] وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيضٌ إليه أن يأتي دناءةً، [[في ابن كثير ٣: ٢٥٩، رواه عن هذا الموضع من التفسير، وزاد فيه هنا: ". . . أن يأتي دناءة، إلا الخير"، وليست في مخطوطتنا.]] وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك! فقال رجل من القوم: وأيَّ دناءة تريد، أكثرَ من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك! [[في المطبوعة: "وأي دناءة تزيد"، وصواب قراءتها ما أثبت.]] قال: فقال الرجل: إني لستُ إيّاك أسأل، أنا أسأل الشيخ! فأعاد على عبد الله الحديث، فقال عبد الله بن عمر: لعلك ترى لا أبا لك، إني سآمرك أن تذهب أن تقتلهم! [[في المطبوعة، وابن كثير: "فتقتلهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب قديم.]] عظهم وانههم، فإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون". [[الأثر: ١٢٨٥٤ -"سوار بن شبيب السعدي الأعرجي"، و"بنو الأعرج"، حي من بني سعد. و"الأعرج" هو"الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم"، قطعت رجله يوم"تياس"، فسمي"الأعرج". وهو ثقة، كوفي، روى عن ابن عمر، روى عنه عوف، وعكرمة بن عمار. مترجم في الكبير ٢/٢/١٦٨، وابن أبي حاتم ٢/١/٢٧٠.
وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥٩، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٤١، واقتصر على نسبته إلى ابن مردويه.]]
١٢٨٥٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن: أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، قال: إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، [[قوله: "إنها اليوم مقبولة"، يعني: كلمة الحق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.]] ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانٌ تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا = أو قال: فلا يقبل منكم = فحينئذ: عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضلّ". [[الأثر: ١٢٨٥٥ - انظر التعليق على الآثار: ١٢٨٤٨ - ١٢٨٥٠.
وكان في المطبوعة هنا: ". . . من ضل إذا اهتديتم"، بالزيادة، وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٢٨٥٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة، في حلقة فيهم أصحابُ النبي ﷺ، فإذا فيهم شيخ يُسْنِدون إليه، [[قوله: "يسندون إليه" أي: ينتهون إلى عمله ومعرفته وفقهه، ويلجئون إليه في فهم ما يشكل عليهم. ويقال: "أسندت إليه أمري"، أي: وكلته إليه، واعتمدت عليه. وقال الفرزدق: إلَى الأَبْرَشِ الكَلْبِيّ أَسْنَدْتُ حَاجَةً ... تَوَاكَلَها حَيًّا تَمِيمٍ ووَائِلِ
وهذا كله مما ينبغي تقييده في كتب اللغة، فهو فيها غير بين.]] فقرأ رجل:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، فقال الشيخ: إنما تأويلها آخرَ الزمان.
١٢٨٥٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أبو مازن، رجل من صالحي الأزد من بني الحُدَّان، [[في المطبوعة: "بني الجدان" بالجيم، وهو خطأ.]] قال: انطلقت في حياة عثمان إلى المدينة، فقعدت إلى حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ، [[في المطبوعة: "فيها أصحاب رسول الله:، وفي المخطوطة: "فيها من أصحاب رسول الله"، فضرب بالقلم على"فيها" فأثبتها على الصواب.]] فقرأ رجل من القوم هذه الآية"لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، قال فقالَ رجلٌ من أسنِّ القوم: دَعْ هذه الآية، فإنما تأويلها في آخر الزمان. [[الأثران: ١٢٨٥٦، ١٢٨٥٧ - انظر التعليق على الأثرين السالفين رقم: ١٢٨٥٢، ١٢٨٥٣.]]
١٢٨٥٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحابُ رسول الله ﷺ، وإنّي لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"؟ فأقبلوا عليَّ بلسان واحد وقالوا: أتنتزِع بآية من القرآن لا تعرفها، [[في المطبوعة: "تنزع بآية من القرآن"، غير ما في المخطوطة، وما غيره صواب.
ولكن يقال: "انتزع معنى جيدًا، ونزعه"، أي: استخرجه واستنبطه ويقال: "انتزع بالآية والشعر"، أي: تمثل به.]] ولا تدري ما تأويلها!! حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا:"إنك غلام حدَثُ السن، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. [[الأثر: ١٢٨٥٨ -"ابن فضالة" هو: "مبارك بن فضالة بن أبي أمية"، أبو فضالة البصري. وفي تفسير ابن كثير: "حدثنا أبو فضالة"، ومضى برقم: ١٥٤، ٥٩٧، ٦١١، ١٩٠١.
و"معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي"، أحد الأعلام، مضى مرارًا منها: ١٨٦، ١٨٧، ٢٠٧٢، ٨٤٧٢، ١١٢٥٥، ولم تذكر لمعاوية بن صالح، رواية عن جبير بن نفير، بل روى عنه ابنه عبد الرحمن بن جبير.
و"جبير بن نفير" إسلامي جاهلي، مضى برقم: ٦٦٥٦، ٧٠٠٩.
وهذا الخبر منقطع الإسناد، ونقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٦٠، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٤٠، ولم ينسبه لغير ابن جرير.]]
١٢٨٥٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا ليث بن هارون قال، حدثنا إسحاق الرازي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن عبد الله بن مسعود في قوله:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون"، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فكان بين رجلين ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرُهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"! قال: فسمعها ابن مسعود فقال: مَهْ، [["مه"، هكذا في المطبوعة، وابن كثير، والدر المنثور و"مه" كلمة زجر بمعنى: كف عن هذا. وفي المخطوطة مكانها: "مهل"، وأخشى أن تكون خطأ من الناسخ، ولو كتب"مهلا"، لكان صوابًا، يقال: "مهلا يا فلان" أي: رفقًا وسكونًا، لا تعجل.]] لَمَّا يجئ تأويل هذه بعد! [[في المطبوعة: "لم يجئ"، ومثلها في ابن كثير والدر المنثور، وأثبت ما في المخطوطة.]] إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آيٌ قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد النبيّ ﷺ، ومنه آيٌ وَقع تأويلهن بعد النبيّ ﷺ بيسير، [[في المطبوعة: "آي قد وقع" بالزيادة، وأثبت ما في المخطوطة.]] ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهنّ عند الساعة على ما ذكر من الساعة، [[في المطبوعة: "على ما ذكر من أمر الساعة"، بزيادة"أمر"، وفي المخطوطة أسقط الناسخ"على"، وإثباتها هو الصواب.]] ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار، [[في المطبوعة: "من أمر الحساب" بالزيادة، وأثبت ما في المخطوطة.]] فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تُلبَسوا شيعًا، ولم يَذُق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا. فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. [[الأثر: ١٢٨٥٩ -"ليث بن هرون"، لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا.
و"إسحق الرازي"، هو: "إسحق بن سليمان الرازي"، مضى برقم: ٦٤٥٦، ١٠٢٣٣٨، ١١٢٤٠. وانظر الإسناد الآتي رقم: ١٢٨٦٦.
وهذا الخبر نقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥٨، ٢٥٩، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٩، ٣٤٠، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، ونعيم بن حماد في الفتن، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب.
وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.]]
١٢٨٦٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن ابن مسعود: أنه كان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم ذكر نحوه. [[الأثر: ١٢٨٦٠ - انظر الأثر السالف.]]
١٢٨٦١- حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا حرمي......... قال: سمعت الحسن يقول: تأوّل بعضُ أصحاب النبي ﷺ هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، فقال بعض أصحابه: دعوا هذه الآية، فليست لكم. [[الأثر: ١٢٨٦١ - هذا إسناد ناقص لا شك في ذلك.
"أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي"، أبو الأشعث. روى عنه البخاري والترمذي والنسائي، وغيرهم. صالح الحديث. ولد في نحو سنة ١٥٦، وتوفي سنة ٢٥٣.
و"حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي"، مضى برقم: ٨٥١٣. ومات سنة ٢٠١، ومحال أن يكون أدرك الحسن وسمع منه. فإن"الحسن البصري" مات في نحو سنة ١١٠ فالإسناد مختل، ولذلك وضعت بينه وبين الحسن نقطًا، دلالة على نقص الإسناد.]]
١٢٨٦٢ - حدثني إسماعيل بن إسرائيل اللآل الرّملي قال، حدثنا أيوب بن سويد قال، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، عن عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم"، فقال: لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: أبا ثعلبة، ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثَرة، وشحًّا مطاعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك! إنّ من بعدكم أيام الصبر، [[في المطبوعة: "أرى من بعدكم"، والصواب من المخطوطة. وفي المخطوطة: "المتمسك" بغير لام الجر، وكأن الصواب ما في المطبوعة.]] للمتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عاملا! قالوا: يا رسول الله، كأجر خمسين عاملا منهم؟ قال: لا كأجر خمسين عاملا منكم. [[الأثر: ١٢٨٦٢ - سيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.
"إسمعيل بن إسرائيل اللآل الرملي"، مضى برقم: ١٠٢٣٦، ١٢٢١٣، وذكرنا هناك أنه في ابن أبي حاتم"السلال"، ومضى هناك" ١٠٢٣٦"الدلال"، وجاء هنا"اللآل"، صانع اللؤلؤ وبائعه، ولا نجد ما يرجح واحدة من الثلاث.
و"أيوب بن سويد الرملي"، ثقة متكلم فيه. مضى برقم: ١٢٢١٣.
و"عتبة بن أبي حكيم الشعباني الهمداني، ثم الأردني"، ثقة، ضعفه ابن معين. مضى برقم: ١٢٢١٣.
و"عمرو بن جارية اللخمي"، ثقة، مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة"عمرو بن خالد" وهو خطأ محض. وفي المخطوطة كتب"خالد" ثم جعلها"جارية"، وهو الصواب.
و"أبو أمية الثعباني" اسمه"يحمد" (بضم الياء وكسر الميم) وقيل: اسمه"عبد الله بن أخامر". ثقة. مترجم في التهذيب.
و"أبو ثعلبة الخشني" اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا. صحابي.
وسيأتي تخريجه في الذي يليه.]]
١٢٨٦٣- حدثنا علي بن سهل قال، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن ابن المبارك وغيره، عن عتبة بن أبي حكيم، [عن عمرو بن جارية اللخمي] ، عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني: كيف نَصنع بهذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"؟ فقال أبو ثعلبة: سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بِخُوَيصة نفسك، [["خويصة" تصغير"خاصة".]] وذَرْ عوامَّهم، فإن وراءكم أيامًا أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم. [[الأثر: ١٢٨٦٣ -"عتبة بن أبي حكيم"، في المخطوطة: "عبدة بن أبي حكيم"، وهو خطأ ظاهر.
وفي المخطوطة والمطبوعة، أسقط: [عن عمرو بن جارية اللخمي] ، فوضعتها بين قوسين.
وهذا هو نفسه إسناد الترمذي.
وهذا الخبر، رواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عبد الله بن المبارك، عن عقبة بن أبي حكيم، بنحو لفظه هنا. ثم قال الترمذي: "قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة = قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين رجلا منكم". ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وأخرجه ابن ماجه في سننه رقم: ٤٠١٤ من طريق هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن عتبة بن أبي حكيم، بنحو لفظه.
ورواه أبو داود في سننه ٤: ١٧٤، رقم: ٤٣٤١، من طريق أبي الربيع سليمان بن داود العتكي، عن ابن المبارك، بمثله.
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥٨، والسيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٣٩، وزاد نسبته إلى البغوي في معجمه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، والحاكم في المستدرك وصححه.]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك أنّ العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضَلَّ بعده وهلك.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٦٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَ"، يقول: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضره من ضل بعدُ، إذا عمل بما أمرته به.
١٢٨٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، يقول: أطيعوا أمري، واحفظوا وصيَّتي.
١٢٨٦٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا ليث بن هارون قال، حدثنا إسحاق الرازي، عن أبي جعفر الرازي، عن صفوان بن الجون قال: دخل عليه شابّ من أصحاب الأهواء، فذكر شيئًا من أمره، فقال صفوان: ألا أدلك على خاصة الله التي خصَّ بها أولياءه؟ "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل"، الآية. [[الأثر: ١٢٨٦٦ -"ليث بن هرون"، لم أجده، وانظر الإسناد السالف رقم ١٢٨٥٩.
و"إسحق"، هو: "إسحق بن سليمان الرازي"، وانظر رقم: ١٢٨٥٩.
وأما "صفوان بن الجون"، فهو هكذا في المخطوطة أيضًا، ولم أجد له ترجمة. وفي الدر المنثور ٢: ٣٤١، "عن صفوان بن محرز"، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم.
و"صفوان بن محرز بن زياد المازني، أو الباهلي". روى عن ابن عمر، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري. روى عنه جامع بن شداد، وعاصم الأحول، وقتادة. كان من العباد، اتخذ لنفسه سربًا يبكي فيه. مات سنة ٧٤، مترجم في التهذيب. ومضى برقم: ٦٤٩٦.]]
١٢٨٦٧ - حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثنا أبو المطرف المخزومي قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، ما لم يكن سيف أو سوط. [[الأثر: ١٢٨٦٧ -"عبد الكريم بن أبي عمير"، مضى برقم: ٧٥٧٨، ١١٣٦٨ و"أبو المطوف المخزومي"، لم أجد له ذكرًا.]]
١٢٨٦٨- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال، تلا الحسن هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكرَه عمله. [[الأثر: ١٢٨٦٨-"ضمرة بن ربيعة الفلسطيني الرملي"، ثقة، مضى برقم: ٧١٣٤. وكان في المطبوعة: "مرة بن ربيعة"، لم يحسن قراءة المخطوطة.
وهذه الكلمة التي قالها الحسن، لو خفيت على الناس قديمًا، فإن مصداقها في زماننا هذا يراه المؤمن عيانًا في حيث يغدو ويروح.]]
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم"، فاعملوا بطاعة الله ="لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، فأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن سعد البقال، عن سعيد بن المسيب:"لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت.
١٢٨٧٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن أبي العميس، عن أبي البختري، عن حذيفة:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، قال: إذا أمرتم ونهيتم.
١٢٨٧١- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال، قال أبو بكر: تقرءون هذه الآية:"لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، وإن الناس إذا رأوا الظالم = قال ابن وكيع = فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعقابه. [[الأثر: ١٢٨٧١ - خبر قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر، رواه أبو جعفر بأسانيد، من رقم: ١٢٨٧١ - ١٢٨٧٨، موقوفًا على أبي بكر، إلا رقم: ١٢٨٧٦، ١٢٨٧٨، فرواهما متصلين مرفوعين، وإلا رقم: ١٢٨٧٤، فهو مرسل. وأكثر طرق أبي جعفر طرق ضعاف.
ورواه من طريق"إسمعيل بن أبي خالد"، عن قيس بن أبي حازم برقم: ١٢٨٧١، ١٢٨٧٣. فمن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده رقم: ١، ١٦، ٢٩، ٣٠، ٥٣، متصلا مرفوعًا. وقال ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٥٨: "وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم، من طرق كثيرة، عن جماعة كثيرة، عن إسمعيل بن أبي خالد، به متصلا مرفوعًا. ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق. وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره".
و"إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي"، ثقة. مضى برقم: ٥٦٩٤، ٥٧٧٧.
و"قيس بن أبي حازم الأحمسي"، ثقة، روى له الستة، روى عن جماعة من الصحابة، وهو متقن الرواية. مترجم في التهذيب.
وهذا إسناد صحيح.]]
١٢٨٧٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير وابن فضيل، عن بيان، عن قيس قال، قال أبو بكر: إنكم تقرءون هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، وإن القوم إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، يعمُّهم الله بعقابه. [[الأثر: ١٢٨٧٢ -"ابن فضيل" هو: "محمد بن فضيل بن غزوان الضبي"، مضى مرارًا كثيرة.
و"بيان" هو: "بيان بن بشر الأحمسي"، ثقة، مضى برقم ٦٥٠١.
وقد مضى تخريج الخبر في الذي قبله، وسيأتي من هذه الطريق أيضًا برقم: ١٢٨٧٥.
وهو إسناد صحيح.]]
١٢٨٧٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي بكر، عن النبي ﷺ، فذكر نحوه.
١٢٨٧٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، يقول: مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قال أبو بكر بن أبي قحافة: يا أيها الناس لا تغترُّوا بقول الله:"عليكم أنفسكم"، فيقول أحدكم: عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف وتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليَستعملن عليكم شراركم، فليسومنّكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله خياركم، فلا يستجيب لهم.
١٢٨٧٥- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن فضيل قال، حدثنا بيان، عن قيس بن أبي حازم قال، قال أبو بكر وهو على المنبر: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية على غير موضعها:"لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، عَمَّهم الله بعقابه.
١٢٨٧٦ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثني عيسى بن المسيب البجلي قال، حدثنا قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقرأ هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا رأى الناسُ المنكر فلم يغيِّروه، والظالم فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يعمهم الله منه بعقاب. [[الأثر: ١٢٨٧٦ -"الحارث" هو: "الحارث بن محمد بن أبي أسامة"، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٠٥٥٣، وترجمته في رقم: ١٠٢٩٥.
و"عبد العزيز"، هو: "عبد العزيز بن أبان الأموي"، مضت ترجمته برقم: ١٠٢٩٥، قال ابن معين: "كذاب خبيث، يضع الأحاديث".
و"عيسى بن المسيب البجلي"، قاضي الكوفة. وكان شابًا ولاه خالد بن عبد الله القسري. ضعيف متكلم فيه، حتى قال ابن حبان: "كان قاضي خراسان، يقلب الأخبار، ولا يفهم، ويخطئ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به". مترجم في ابن أبي حاتم ٣/١/٢٨٨، وميزان الاعتدال ٢: ٣١٧، وتعجيل المنفعة: ٣٢٨، ولسان الميزان ٤: ٤٠٥.
فهذا إسناد هالك، مع روايته من طرق صحاح عن قيس، عن أبي بكر.]]
١٢٨٧٧- حدثنا الربيع قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا سعيد بن سالم قال، حدثنا منصور بن دينار، عن عبد الملك بن ميسرة، عن قيس بن أبي حازم قال: صَعد أبو بكر المنبرَ منبرَ رسول الله ﷺ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدُّونها رُخصة، والله ما أنزل الله في كتابه أشدَّ منها:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله منه بعقاب. [[الأثر: ١٢٨٧٧ -"أسد بن موسى المرداني"، "أسد السنة"، مضى برقم: ٢٣، ٢٥٣٠.
و"سعيد بن سالم القداح"، متكلم فيه، وثقه ابن معين، غير أن ابن حبان قال: "يهم في الأخبار حتى يجيء بها مقلوبة، حتى خرج عن حد الاحتجاج به". مترجم في التهذيب.
و"منصور بن دينار التميمي الضبي"، ضعفوه. مترجم في الكبير ٤/ ١/ ٣٤٧، وابن أبي حاتم ٤/١/١٧١، وميزان الاعتدال ٣: ٢٠١، وتعجيل المنفعة: ٤١٢، ولسان الميزان ٦: ٩٥.
و"عبد الملك بن ميسرة الهلالي الزراد"، ثقة، من صغار التابعين مضى برقم: ٥٠٣، ٥٠٤
فهذا خبر ضعيف الإسناد، مع روايته من طرق صحاح عن قيس، عن أبي بكر.]]
١٢٨٧٨- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا سعيد بن زيد قال، حدثنا مجالد بن سعيد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي؟ :"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيِّروه، عمّهم الله بعقاب. [[الأثر: ١٢٨٧٨ -"محمد بن بشار"، هو"بندار"، مضى مئات من المرات. وكان في المطبوعة هنا"محمد بن سيار"، أساء قراءة المخطوطة.
"وإسحق بن إدريس الأسواري البصري"، منكر الحديث، تركه الناس، قال ابن معين: "كذاب، يضع الحديث". وقال ابن حبان: "كان يسرق الحديث". مترجم في الكبير ١/١/٣٨٢، وابن أبي حاتم ١/١/٢١٣، وميزان الاعتدال ١: ٨٦، ولسان الميزان ١: ٣٥٢.
و"سعيد بن زيد بن درهم الجهضمي"، ثقة، متكلم فيه، حتى ضعفوا حديثه. مضى برقم: ١١٨٠١.
و"مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني"، قال أحمد: "يرفع حديثًا لا يرفعه الناس"، وهو ثقة، متكلم فيه. ومضى برقم: ١٦١٤، ٢٩٨٧، ٢٩٨٨، ١١١٥٦.
وهذا أيضًا إسناد ضعيف.]]
* *
وقال آخرون: بل معنى هذه الآية: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٧٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله:"لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم"، قال: يعني من ضلّ من أهل الكتاب.
١٢٨٨٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية:"لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، قال: أنزلت في أهل الكتاب.
* *
وقال آخرون: عنى بذلك كل من ضل عن دين الله الحق.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٨١ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَل إذا اهتديتم"، قال: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفَّهت آباءك وضللتهم، وفعلت وفعلت، وجعلت آباءك كذا وكذا! كان ينبغي لك أن تنصرهم، وتفعل!
فقال الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم".
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال وأصحّ التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية، ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيها، وهو:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم"، الزموا العملَ بطاعة الله وبما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه ="لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، [[في المطبوعة: "إذا أنتم رمتم العمل بطاعة الله"، وهو لا معنى له، أساء قراءة ما في المخطوطة، لسوء كتابتها.]] وأدَّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلمًا لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيِّه وضلاله، إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى. ومن القيام بالقسط، الأخذ على يد الظالم. ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف. وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو كان للناس تركُ ذلك، لم يكن للأمر به معنًى، إلا في الحال التي رخَّص فيه رسول الله ﷺ تركَ ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخصًا له تركه، إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه.
وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى، فبيِّنٌ أنه قد دخل في معنى قوله:"إذا اهتديتم"، ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب من أن ذلك:"إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر"، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله ﷺ.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده: اعملوا، أيها المؤمنون، بما أمرتكم به، وانتهوا عما نهيتكم عنه، ومروا أهل الزَّيغ والضلال وما حاد عن سبيلي بالمعروف، وانهوهم عن المنكر. فإن قبلوا، فلهم ولكم، وإن تمادَوْا في غيهم وضلالهم، فإن إليّ مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم، [[انظر تفسير"المرجع" فيما سلف ٦: ٤٦٤/١٠: ٣٩١، تعليق: ٢.]] وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر، فأخبر هناك كلَّ فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا، [[انظر تفسير"أنبأ" فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .]] ثم أجازيه على عمله الذي قَدِم به عليّ جزاءه حسب استحقاقه، فإنه لا يخفى عليَّ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به:"يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم"، يقول: ليشهد بينكم ="إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية"، يقول: وقت الوصية="اثنان ذوا عدل منكم"، يقول: ذوا رشد وعقل وحِجًى من المسلمين، [[انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]] كما:-
١٢٨٨٢ - حدثنا محمد بن بشار وعبيد الله بن يوسف الجبيري قالا حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [سورة الطلاق: ٢] ، قال: ذَوَي عقل. [[الأثر: ١٢٨٨٢ -"عبيد الله بن يوسف الجبيري"، "أبو حفص البصري"، شيخ الطبري، ثقة. روي له ابن ماجه. مترجم في التهذيب. وفي المخطوطة: "عبد الله بن يوسف"، وهو خطأ. ومضى في رقم: ١٠٩، ولم يترجم هناك.
وهذا الخبر في تفسير الآية الثانية من"سورة الطلاق"، ولم يذكره أبو جعفر هناك في تفسير الآية. فهذا من ضروب اختصاره تفسيره.]]
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"ذوا عدل منكم".
فقال بعضهم: عنى به: من أهل ملتكم.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٨٣ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: شاهدان"ذوا عدل منكم"، من المسلمين.
١٢٨٨٤ - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم"، من المسلمين.
١٢٨٨٥- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم"، قال: اثنان من أهل دينكم.
١٢٨٨٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سألته، عن قول الله تعالى ذكره:"اثنان ذوا عدل منكم"، قال: من الملة.
١٢٨٨٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله = إلا أنه قال فيه: من أهل الملة.
١٢٨٨٨- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية:"اثنان ذوا عدل منكم"، قال: من أهل الملة.
١٢٨٨٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، مثله.
١٢٨٩٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة، فذكر مثله.
١٢٨٩١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن حماد، عن ابن أبي نجيح = وقال، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح = عن مجاهد، مثله.
١٢٨٩٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ذوا عدل منكم"، قال: ذوا عدل من أهل الإسلام.
١٢٨٩٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ذوا عدل منكم"، قال: من المسلمين.
١٢٨٩٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان سعيد بن المسيب يقول:"اثنان ذوا عدل منكم"، أي: من أهل الإسلام.
* *
وقال آخرون: عنى بذلك: ذوا عدل من حَيِّ الموصِي. وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.
* *
واختلفوا في صفة"الاثنين" اللذين ذكرهما الله في هذه الآية، ما هي، وما هما؟
فقال بعضهم: هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي.
* *
وقال آخرون: هما وصيان.
* *
وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان. قولَه:"شهادة بينكم"، ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم.
* *
وتأويل الذين قالوا:"هما وصيان لا شاهدان" قولَه:"شهادة بينكم"، بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريضُ، من قولك:"شهدت وصية فلان"، بمعنى حضرته. [[انظر تفسير"شهد" فيما سلف من فهارس اللغة، واختلاف معانيها.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بقوله:"اثنان ذوا عدل منكم"، تأويلُ من تأوّله بمعنى أنهما من أهل الملة، دون من تأوّله أنهما من حيّ الموصي.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره، عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم" فغير جائز أن يصرف ما عمَّه الله تعالى ذكره إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون العائدُ من ذكره على العموم، [[في المطبوعة: "من ذكرهم"، وما في المخطوطة صواب محض.]] كما كان ذكرهم ابتداءً على العموم.
* *
وأولى المعنيين بقوله:"شهادة بينكم" اليمين، لا"الشهادة" التي يقوم بها مَنْ عنده شهادة لغيره، لمن هي عنده، على مَن هي عليه عند الحكام. [[كان صدر هذه العبارة في المخطوطة: "شهادة بينكم، لأن الشهادة. . ."، أسقط لفظ"اليمين"، وجعل"لا الشهادة"، "لأن الشهادة"، وهو فاسد، والذي في المطبوعة هو الصواب المحض إن شاء الله، وهو مطابق لما رواه القرطبي في تفسيره ٦: ٣٤٨، عن أبي جعفر الطبري.]] لأنا لا نعلم لله تعالى ذكره حكمًا يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزًا صرفُ"الشهادة" في هذا الموضع، إلى"الشهادة" التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة.
وفي حكم الآية في هذه، اليمينَ على ذوي العدل = وعلى من قام مقامهم، باليمين بقوله [[في المطبوعة هنا"في اليمين بقوله" غير ما في المخطوطة، وأفسد الكلام. والسياق"وفي حكم الآية. . . باليمين. . . أوضح الدليل. . .".]] "تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله" = أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، من أن"الشهادة" فيه: الأيمان، دون الشهادة التي يقضَى بها للمشهود له على المشهود عليه = وفسادِ ما خالفه.
* *
فإن قال قائل: فهل وجدتَ في حكم الله تعالى ذكره يمينًا تجب على المدَّعي، فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة؟
فإن قلتَ:"لا"، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله:"فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحقّ من شهادتهما"، هما المدعيين.
وإن قلت:"بلى"، قيل لك: وفي أيّ حكم لله تعالى ذكره وجدتَ ذلك؟ قيل: وجدنا ذلك في أكثر المعاني. وذلك في حكم الرجل يدَّعي قِبَل رجل مالا فيقرّ به المدّعَى عليه قِبَله ذلك، ويدّعي قضاءه. فيكون القول قول ربّ الدين = [[قوله: "والرجل يعترف"، معطوف على قوله: "في حكم الرجل. . . .". وكان في المطبوعة هنا"والرجل يعترف. . . فيزعم المعترفة"، وهو خطأ، وصوابه ما أثبت كما في المخطوطة.]]
والرجل يعرّف في يد الرجل السلعةَ، فيزعم المعرّف في يده أنه اشتراها من المدّعِي، أو أنّ المدعي وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجبَ الله تعالى ذكره في هذا الموضع اليمين على المدعيين اللذين عثرا على الخائنين فيما خانا فيه. [[في المطبوعة: ". . . على الجانبين فيما جنيا فيه"، وهو لا معنى له هنا. وفي المخطوطة: "على الجانبين فيما صاهما فيه"، وصواب قراءتها ما أثبت.]]
قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في الرافع قولَه:"شهادة بينكم"، وقولَه:"اثنان ذوا عدل منكم".
فقال بعض نحويي البصرة: معنى قوله:"شهادة بينكم"، شهادة اثنين ذوي عدل، ثم ألقيت"الشهادة"، وأقيم"الاثنان" مقامها، فارتفعا بما كانت"الشهادة" به مرتفعة لو جعلت في الكلام. [[في المطبوعة والمخطوطة: "بما كانت الشاهدة به مرتفعة"، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه ما أثبت.]] قال: وذلك = في حذف ما حذف منه، وإقامة ما أقيم مقام المحذوف = نظيرُ قوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [سورة يوسف: ٨٢] ، وإنما يريد: واسأل أهل القرية، وانتصبت"القرية" بانتصاب"الأهل"، وقامت مقامه، ثم عطف قوله:"أو آخران" على"الاثنين".
* *
وقال بعض نحويي الكوفة: رفع"الاثنين" ب"الشهادة"، أي: ليشهدكم اثنان من المسلمين، أو آخران من غيركم.
* *
وقال آخر منهم: رفعت"الشهادة"، ب"إذا حضر". وقال: إنما رفعت بذلك، لأنه قال:"إذا حضر" فجعلها"شهادة" محذوفة مستأنفة، ليست بالشهادة التي قد رفعت لكل الخلق، لأنه قال تعالى ذكره:"أو آخران من غيركم"، وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال، وليست مما يثبت. [[في المطبوعة: "مما ثبت"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال:"الشهادة" مرفوعة بقوله:"إذا حضر"، لأن قوله:"إذا حضر"، بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، و"الاثنان" مرفوع بالمعنى المتوهَّم، وهو: أن يشهد اثنان = فاكتفي من قيل:"أن يشهد"، بما قد جرى من ذكر"الشهادة" في قوله:"شهادة بينكم".
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن"الشهادة" مصدر في هذا الموضع، و"الاثنان" اسم، والاسم لا يكون مصدرًا. غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. [["الأفعال": المصادر. وانظر فهارس المصطلحات فيما سلف.]] فالأمر وإن كان كذلك، فصرْفُ كل ذلك إلى أصح وُجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت، عدلان من المسلمين، أو آخران من غير المسلمين.
* *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"أو آخران من غيركم".
فقال بعضهم: معناه: أو آخران من غير أهل ملتكم، نحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٢٨٥٩ - حدثنا حميد بن مسعدة وبشر بن معاذ قالا [[في المطبوعة والمخطوطة: "يونس بن معاذ"، وهو خطأ محض. و"بشر بن معاذ" عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة" إسناد دائر في أكثر صفحات هذا التفسير.]] حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب:"أو آخران من غيركم"، من أهل الكتاب.
١٢٨٩٦- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت قتادة يحدث، عن سعيد بن المسيب:"أو آخران من غيركم"، من أهل الكتاب.
١٢٨٩٧- حدثني أبو حفص الجبيري، عبيد الله بن يوسف قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله. [[الأثر: ١٢٨٩٧ -"أبو حفص الجبيري"، "عبيد الله بن يوسف"، مضى قريبًا رقم: ١٢٨٨٢.]]
١٢٨٩٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد، مثله.
١٢٨٩٩- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب، أنهما قالا في قوله:"أو آخران من غيركم"، قالا من غير أهل ملتكم.
١٢٩٠٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة قال، حدثني من سمع سعيد بن جبير يقول، مثل ذلك.
١٢٩٠١ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا التيمي، عن أبي مجلز قال: من غير أهل ملتكم.
١٢٩٠٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
١٢٩٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: إن كان قُرْبَه أحدٌ من المسلمين أشهدهم، وإلا أشهد رجلين من المشركين.
١٢٩٠٤ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير في قوله:"أو آخران من غيركم"، قالا من غير أهل ملتكم. [[الأثر: ١٢٩٠٤ -"أبو قتيبة" هو"سلم بن قتيبة الشعيري الفريابي". مضى برقم: ١٨٩٩، ١٩٢٤، ٦٣٩٥، ٩٧١٤. وكان في المطبوعة: "قتيبة"، غير كنية، والصواب من المخطوطة.]]
١٢٩٠٥- حدثنا عمرو قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد:"أو آخران من غيركم"، قال: من أهل الكتاب.
١٢٩٠٦- حدثنا عمرو قال، حدثنا محمد بن سواء قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله. [[الأثر: ١٢٩٠٦ -"عمرو" هو"عمرو بن علي الفلاس"، مضى مرارًا.
و"محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري". صدوق، ثقة، متكلم فيه. مترجم في التهذيب.
وكان في المطبوعة: "محمد بن سوار" وهو خطأ، وفي المخطوطة: "محمد بن سوا"، وأساء الناشر قراءته.]]
١٢٩٠٧- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
١٢٩٠٨ - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم"، من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين.
١٢٩٠٩ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر، عن شريح في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"، قال: إذا كان الرجل بأرض غُرْبة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته، فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا، فشهادتهم جائزة. [[في المطبوعة: "فشهادتها"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب، وسيأتي كذلك في رقم: ١٢٩٧٤.]] فإن جاء رجلان مسلمان فشهدا بخلاف شهادتهما، أجيزت شهادة المسلمين، وأبطلت شهادة الآخرَيْن. [[الأثر: ١٢٩٠٩ - في المخطوطة والمطبوعة: "حدثني المثنى". والصواب ما أثبته، وسيأتي هذا الخبر في موضعين بهذا الإسناد على الصواب، وذلك رقم: ١٢٩٤٣، ١٢٩٧٤، ولذلك رددته إلى الصواب.]]
١٢٩١٠ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح: أنه كان لا يجيز شهادة اليهود والنصارى على مسلم إلا في الوصية، ولا يجيز شهادتهما على الوصية إلا إذا كانوا في سفَر.
١٢٩١١- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصرانيّ إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في وصية. [[في المطبوعة: "اليهود والنصارى"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٢٩١٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، نحوه.
١٢٩١٣ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: كتب هشام بن هُبَيرة لمسلمة عن شهادة المشركين على المسلمين، فكتب:"لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية، ولا يجوز في وصية إلا أن يكون الرجل مسافرًا".
١٢٩١٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن أشهب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سألته عن قول الله تعالى ذكره:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير الملة.
١٢٩١٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله.
١٢٩١٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة، عن ذلك فقال: من غير أهل الملة.
١٢٩١٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: من غير أهل الصلاة.
١٢٩١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: من غير أهل دينكم.
١٢٩١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: من غير أهل الملة.
١٢٩٢٠- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو حرّة، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير أهل ملتكم.
١٢٩٢١- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان قال، حدثنا هشام بن محمد قال، سألت سعيد بن جبير عن [قول الله:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير أهل ملتكم] . [[الأثر: ١٢٩٢١ - انتهى هذا الأثر في المخطوطة عند قوله: ". . . سعيد بن جبير عن" ووضع الناسخ في المخطوطة حرف (ط) بالأحمر في الهامش، دلالة على الخطأ والشك. أما المطبوعة، فزادت ما وضعته بين القوسين، وهو صواب في المعنى إن شاء الله.]]
١٢٩٢٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٢٩٢٣- حدثنا عمرو قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: من غير أهل ملتكم.
١٢٩٢٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"أو آخران من غيركم"، من غير أهل الإسلام.
١٢٩٢٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، قال أبو إسحاق:"أو آخران من غيركم"، قال: من اليهود والنصارى = قال قال شريح: لا تجوز شهادة اليهوديّ والنصراني إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا في سفر.
١٢٩٢٦ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا زكريا، عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقوقَا هذه. [["دقوقا" و"دقوقاء"، مقصورًا وممدودًا؛ مدينة بين إربل وبغداد معروفة، لها ذكر في الأخبار والفتوح، كان بها وقعة للخوارج، وكثر ذكرها في بعض أشعار الخوارج.
وكان في المطبوعة: ". . . بدقوقا، ولم يجد أحدًا من المسلمين"، حذف ما أثبته من المخطوطة.
وأساء. وظاهر من الخبر أن الشعبي قال هذا، وهو يومئذ بدقوقا. وهو أيضًا ثابت في سنن أبي داود.]] قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهده رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا الأشعريّ فأخبراه، وقدِما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله ﷺ! فأحلفهما وأمضى شهادتهما. [[الأثر: ١٢٩٢٦ - رواه أبو داود في سننه ٣: ٤١٧ رقم: ٣٦٠٥.]]
١٢٩٢٧ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي: أن أبا موسى قضى بها بدَقوقَا.
١٢٩٢٨ - حدثنا عمرو قال، حدثنا عثمان بن الهيثم قال، حدثنا عوف، عن محمد: أنه كان يقول في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"، شاهدان من المسلمين وغير المسلمين.
١٢٩٢٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"أو آحران من غيركم"، من غير أهل الإسلام.
١٢٩٣٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو حفص، عن ليث، عن مجاهد قال: من غير أهل الإسلام.
١٢٩٣١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش قال: قال زيد بن أسلم في هذه الآية:"شهادة بينكم" الآية كلها، قال: كان ذلك في رجل تُوُفّيَ وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أوّل الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا أن رسول الله ﷺ وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسِخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها. [[الأثر: ١٢٩٣١ -"عبد الله بن عياش بن عباس القتباني"، "أبو حفص" المصري. مضى برقم: ١٢١٧٧. وكان في المطبوعة: "عبد الله بن عباس"، وهو خطأ، وهو على الصواب في المخطوطة.]]
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو آخران من غير حَيِّكم وعشيرتكم.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٣٢ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عثمان بن الهيثم بن الجهم قال، حدثنا عوف، عن الحسن في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"، قال: شاهدان من قومكم ومن غير قومكم. [[الأثر: ١٢٩٣٢ -"عثمان بن الهيثم بن الجهم بن عيسى العصري العبدي"، وهو"الأشج العصري" ثقة. علق عنه البخاري. يروي عن عوف الأعرابي، مترجم في التهذيب.]]
١٢٩٣٣ - حدثنا عمرو قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السُّنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. [[الأثر: ١٢٩٣٣ -"صالح بن أبي الأخضر اليمامي"، خادم الزهري، مضى برقم: ٩٣١٢.]]
١٢٩٣٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول:"اثنان ذوا عدل منكم"، أي: من عشيرته ="أو آخران من غيركم"، قال: من غير عشيرته.
١٢٩٣٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن ثابت بن زيد، عن عاصم، عن عكرمة:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير أهل حيِّكم.
١٢٩٣٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن ثابت بن زيد، عن عاصم، عن عكرمة:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير حيكم.
١٢٩٣٧- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا ثابت بن زيد، عن عاصم الأحول، عن عكرمة في قول الله تعالى ذكره:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير أهل حيه = يعني: من المسلمين.
١٢٩٣٨- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير عشيرتك، ومن غير قومك، كلهم من المسلمين.
١٢٩٣٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قوله:"أو آخران من غيركم"، قال: مسلمين من غير حيكم.
١٢٩٤٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل قال: سألت ابن شهاب عن قول الله تعالى ذكره:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت"، إلى قوله:"والله لا يهدي القوم الفاسقين"، قلت: أرأيت الاثنين اللذين ذكر الله، من غير أهل المرء الموصي، أهما من المسلمين، أم هما من أهل الكتاب؟ وأرأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما، أتراهما من [غير] أهل المرء الموصي، [[الزيادة التي بين القوسين لا بد منها. وفي المخطوطة كما كانت في المطبوعة، إلا أن الناسخ وضع في الهامش علامة الشك، وهي هكذا (١) ، فأثبت الصواب إن شاء الله.]] أم هما من غير المسلمين؟ قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله ﷺ، ولا عن أئمة العامة، سنة أذكرها، وقد كنا نتذاكرها أناسًا من علمائنا أحيانًا، فلا يذكرون فيها سُنة معلومة، ولا قضاءً من إمام عادل، ولكنه يختلف فيها رأيهم. وكان أعجبهم فيها رأيًا إلينا، الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه، ويغيب عنه بعضهم، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضرُوا من وصية. فإن سلّموا جازت وصيته، وإن ارتابوا أن يكونوا بدَّلوا قولَ الميت، وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء، حَلَف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة، وهي صلاة المسلمين، فيقسمان بالله:"إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين". فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما، ما لم يعثر على أنهما [استحقا إثمًا في شيء من ذلك، فإن عُثر على أنهما استحقا إثمًا في شيء من ذلك] ، [[هذه الجملة التي بين القوسين، ليست في المخطوطة، ووضع في المطبوعة مكانها: "فإن عثر"، واقتصر على ذلك، واستظهرت الجملة من سياق أبي جعفر.]] قام آخران مقامهما من أهل الميراث، من الخصم الذين ينكرون ما شهد به عليه الأوَّلان المستحلفان أول مرة، فيقسمان بالله لشهادتنا [أحق من شهادتكما] ، [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها، استظهرتها من الآية والسياق.]] على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به ="وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين" ="ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم"، الآية.
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالصواب، تأويل من تأوّله: أو آخران من غير أهل الإسلام. وذلك أن الله تعالى عرَّف عباده المؤمنين عند الوصية، شهادة اثنين من عدول المؤمنين، أو اثنين من غير المؤمنين. ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم، أو رجلين من غير عشيرتكم، وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم = أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين.
فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام، فغير جائز صرف معنى كلام الله تعالى ذكره إلا إلى أحسن وجوهه. [[في المطبوعة: "صرف مغلق كلام الله"، وفي المخطوطة: "معلق"، وصواب قراءتها"معنى"]]
وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى:"ذوا عدل منكم"، إنما هو من أهل دينكم وملتكم، بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه.
وإذ صح ذلك بما دللنا عليه، فمعلوم أن معنى قوله:"أو آخران من غيركم"، إنما هو: أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا، يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدَيْ وثَن، أو على أي دين كانا. لأنّ الله تعالى ذكره لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دونَ ملة، بعد أن يكونا من [غير] أهل الإسلام. [[هذه الزيادة بين القوسين، لا بد منها، وإلا فسد الكلام.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: صفة شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ وقتَ الوصية، أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم، أيها المؤمنون، أو رجلان آخران من غير أهل ملتكم، إن أنتم سافرتم ذاهبين وراجعين في الأرض.
* *
وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله قيل للمسافر:"الضارب في الأرض". [[انظر تفسير"الضرب في الأرض" فيما سلف ٥: ٥٩٣/٧: ٣٣٢/٩: ١٢٣.]]
="فأصابتكم مصيبة الموت"، يقول: فنزل بكم الموت. [[انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف ٨: ٥١٤، ٥٣٨، ٥٥٥/١٠: ٣٩٣، ٤٠٤]]
* *
ووجَّه أكثر التأويل هذا الموضع إلى معنى التعقيب دون التخيير، وقالوا: معناه: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية، اثنان ذوا عدل منكم إن وجدا، فإن لم يوجدا فآخران من غيركم = وإنما فعل ذلك من فعله، لأنه وجَّه معنى"الشهادة" في قوله:"شهادة بينكم"، إلى معنى الشهادة التي توجب للقوم قيامَ صاحبها عند الحاكم، أو يُبطلها. * ذكر بعض من تأول ذلك كذلك:
١٢٩٤١ - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله:"ذوا عدل منكم"، من المسلمين. فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين.
١٢٩٤٢ - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"، قال: اثنان من أهل دينكم ="أو آخران من غيركم"، من أهل الكتاب، إذا كان ببلادٍ لا يجد غيرهم.
١٢٩٤٣ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر، عن شريح في هذه الآية:"شهادة بينكم" إلى قوله:"أو آخران من غيركم"، قال: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته، فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتهم جائزة.
١٢٩٤٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم"، قال: هذا في الحضر="أو آخران من غيركم"، في السفر ="إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت"، هذا، الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين، [[في المطبوعة: "هذا الرجل"، زاد"في"، وأثبت ما في المخطوطة. وسيأتي على الصواب في رقم: ١٢٩٥٤.]] فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما.
١٢٩٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" الآية، قال: إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر، فيشهد رجلين من المسلمين. فإن لم يجد رجلين من المسلمين، فرجلين من أهل الكتاب.
١٢٩٤٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" إلى قوله:"ذوا عدل منكم"، فهذا لمن مات وعنده المسلمون، فأمره الله أن يشهد على وصيته عَدْلين من المسلمين. ثم قال:"أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت"، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، فأمره الله تعالى ذكره بشهادة رجلين من غير المسلمين.
* *
ووجَّه ذلك آخرون إلى معنى التخيير، وقالوا: إنما عنى بالشهادة في هذا الموضع، الأيمان على الوصية التي أوصى إليهما، وائتمانَ الميت إياهما على ما ائتمنهما عليه من مال ليؤدِّياه إلى ورثته بعد وفاته، إن ارتيب بهما. قالوا: وقد يتَّمِن الرجلُ على ماله من رآه موضعًا للأمانة من مؤمن وكافر في السفر والحضر. [[في المطبوعة: "وقد يأمن الرجل على ماله"، وفي المخطوطة: "سمى الرجل" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت."أمن الرجل على كذا، وائتمنه، واتمنه" (الأخيرة، مشددة التاء) . وانظر ما سلف ٥: ٢٩٨، تعليق: ٤.]] وقد ذكرنا الرواية عن بعض من قال هذا القول فيما مضى، وسنذكر بقيته إن شاء الله تعالى بعد.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت، إن شهد اثنان ذوا عدل منكم، أو كان أوصى إليهما = أو آخران من غيركم إن كنتم في سفر فحضرتكم المنيّة، فأوصيتم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال وتركة لورثتكم. فإذا أنتم أوصيتم إليهما ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال، فأصابتكم مصيبة الموت، فأدَّيا إلى ورثتكم ما اتَّمنتموهما وادَّعوا عليهما خيانة خاناها مما اتُّمنا عليه، [[في المطبوعة في المواضع كلها"ائتمن" مكان"اتمن"، وانظر التعليق السالف.]] فإن الحكم فيهما حينئذ أن تحبسوهما = يقول: تستوقفونهما بعد الصلاة. وفي الكلام محذوف اجتزئ بدلالة ما ظهر منه على ما حذف، وهو:"فأصابتكم مصيبة الموت، وقد أسندتم وصيتكم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال"، فإنكم تحبسونهما من بعد الصلاة ="فيقسمان بالله إن ارتبتم"، يقول: فيحلفان بالله إن اتهمتموهما بخيانة فيما اُّتمنا عليه من تغيير وصية أوصى إليهما بها أو تبديلها = و"الارتياب"، هو الاتهام [[انظر تفسير"الارتياب" فيما سلف ٦: ٧٨، وتفسير"الريب" فيما سلف ٨: ٥٩٢، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]] ="لا نشتري به ثمنًا"، يقول: يحلفان بالله لا نشتري بأيماننا بالله ثمنًا، يقول: لا نحلف كاذبين على عوض نأخذه عليه، وعلى مال نذهب به، [[انظر تفسير"الاشتراء" و"الثمن" فيما سلف من فهارس اللغة (شرى) و (ثمن) .]] أو لحقّ نجحده لهؤلاء القوم الذين أوصى إلينا وَليُّهم وميِّتهم. [[في المطبوعة: "أوصى إلينا وإليهم وصيهم"، غير ما في المخطوطة مع وضوحه!!]]
* *
و"الهاء" في قوله:"به"، من ذكر"الله"، والمعنيُّ به الحلف والقسم، ولكنه لما كان قد جرى قبل ذلك ذكر القسم به، فعُرِف معنى الكلام، اكتفي به من إعادة ذكر القسم والحلف. [[في المطبوعة: "فيعرف من معنى الكلام، واكتفى به. . ."، وفي المخطوطة: "فيعرف معنى الكلام"، والصواب ما أثبت، بجعل"فيعرف""فعرف"، وحذف"من"، وحذف الواو من"واكتفى".]]
="ولو كان ذا قربى"، يقول: يقسمان بالله لا نطلب بإقسامنا بالله عوضًا فنكذب فيها لأحد، ولو كان الذي نقسم به له ذا قرابة منا. [[انظر تفسير"ذو القربى" فيما سلف ٢: ٢٩٢/٣: ٣٤٤/٨: ٣٣٤.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٤٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت"، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين. فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله: لم نشتر بشهادتنا ثمنًا قليلا.
* *
وقوله:"تحبسونهما من بعد الصلاة"، من صلاة الآخرين. ومعنى الكلام: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة، إن ارتبتم بهما، فيقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى.
* *
واختلفوا في"الصلاة" التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، فقال:"تحبسونهما من بعد الصلاة".
فقال بعضهم: هي صلاة العصر.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٤٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا زكريا عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا، فلم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ! قال: فأحلفهما بعد العصر: بالله ما خانا ولا كذبا ولا بَدّلا ولا كتما، ولا غيَّرا، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما. [[الأثر: ١٢٩٤٨ - انظر الأثر السالف رقم: ١٢٩٢٦، والتعليق عليه. والأثر التالي رقم: ١٢٩٥٣.]]
١٢٩٤٩ - حدثنا ابن بشار وعمرو بن علي قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير:"أو آخران من غيركم"، قال: إذا كان الرجل بأرض الشرك، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر.
١٢٩٥٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بمثله.
١٢٩٥١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" إلى"فأصابتكم مصيبة الموت"، فهذا رجل مات بغُرْبة من الأرض، وترك تركته، وأوصى بوصيته، وشهد على وصيته رجلان. فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر. وكان يقال: عندها تصير الأيمان.
١٢٩٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير: أنهما قالا في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم"، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين. فإن لم يجد فرجلين من أهل الكتاب. فإذا قدما بتركته، فإن صدّقهما الورثة قُبِل قولهما، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كذبنا ولا كتمنا ولا خُنَّا ولا غيَّرنا.
١٢٩٥٣- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن القطان قال، حدثنا زكريا قال، حدثنا عامر: أن رجلا توفي بدَقُوقا، فلم يجد من يشهده على وصيته إلا رجلين نصرانيين من أهلها. فأحلفهما أبو موسى دُبُر صلاة العصر في مسجد الكوفة: بالله ما كتما ولا غيرا، وأن هذه الوصية. فأجازها. [[الأثر: ١٢٩٥٣ - انظر التعليق على رقم: ١٢٩٤٨.]]
* *
وقال آخرون: بل يستحلفان بعد صلاة أهل دينهما وملتهما.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٥٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" إلى قوله:"ذوا عدل منكم"، قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما لَهُ وعليه، قال: هذا في الحضر="أو آخران من غيركم" في السفر ="إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت"، هذا، الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه. فيقبلان به. فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مالَ صاحبهم، تركوا الرجلين. وإن ارتابوا، رفعوهما إلى السلطان. فذلك قوله:"تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم". قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، [["العلج" (بكسر العين وسكون اللام) : الرجل من كفار العجم.]] ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت، وخوَّنوهما. فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له:"إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، ويحلفان بالله: لا نشتري ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنّا إذًا لمن الآثمين، أنّ صاحبهم لبهذا أوصى، وأنّ هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما! فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا، قولُ من قال:"تحبسونهما من بعد صلاة العصر". لأن الله تعالى عرَّف"الصلاة" في هذا الموضع بإدخال"الألف واللام" فيها، ولا تدخلهما العرب إلا في معروف، إما في جنس، أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين. فإذا كان كذلك، وكانت"الصلاة" في هذا الموضع مجمعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميع الصلوات، لم يجز أن يكون مرادًا بها صلاة المستحلَف من اليهود والنصارى، لأن لهم صلوات ليست واحدة، فيكون معلومًا أنها المعنيَّة بذلك. فإذْ كان ذلك كذلك، صح أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان النبي ﷺ صحيحًا عنه أنه إذْ لاعَنَ بين العَجْلانيين، لاعَن بينهما بعد العصر دون غيره من الصلوات [[انظر خبر العجلانيين في السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٣٩٨، وما بعدها.]] = كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله:"تحبسونهما من بعد الصلاة"، هي الصلاة التي كان رسول الله ﷺ يتخيَّرها لاستحلاف من أراد تغليظَ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت، وذلك لقربه من غروب الشمس.
* *
وكان ابن زيد يقول في قوله:"لا نشتري به ثمنًا"، ما:-
١٢٩٥٥ - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"لا نشتري به ثمنًا"، قال: نأخذ به رشوة.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ (١٠٦) ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ ، بإضافة"الشهادة" إلى"الله"، وخفض اسم الله تعالى = يعني: لا نكتم شهادة لله عندنا.
* *
وذكر عن الشعبي أنه كان يقرؤه كالذي:-
١٢٩٥٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون، عن عامر: أنه كان يقرأ: ﴿ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين﴾ = بقطع"الألف"، وخفض اسم الله = هكذا حدثنا به ابن وكيع.
* *
وكأن الشعبي وجَّهَ معنى الكلام إلى: أنهما يقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا، ولا نكتم شهادةً عندنا. ثم ابتدأ يمينًا باستفهام: بالله أنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنًا أو كتما شهادته عندهما، لمن الآثمين.
* *
وقد روي عن الشعبي في قراءة ذلك رواية تخالف هذه الرواية، وذلك ما:-
١٢٩٥٧- حدثني أحمد بن يوسف التغلبي قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا عباد بن عباد، عن ابن عون، عن الشعبي: أنه قرأ: ﴿ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين﴾ = [[في المطبوعة: "شهادة الله"، هو خطأ، صوابه في المخطوطة. وقراءة الشعبي أو قراءاته التي رويت عنه - مذكورة في تفسير أبي حيان ٤: ٤٤، والمحتسب لابن جني، فراجعها هناك.]] قال أحمد: قال أبو عبيد: تنوّن"شهادة" ويخفض"الله" على الاتصال. قال: وقد رواها بعضهم بقطع"الألف" على الاستفهام. [[الأثر: ١٢٩٥٧ -"أحمد بن يوسف التغلبي الأحول"، مضى برقم: ٥٩١٩، ٥٩٥٤، ٧٦٦٤، وكان في المطبوعة هنا"الثعلبي"، وهو خطأ بيناه هناك.
و"عباد بن عباد الرملي الأرسوفي"، "أبو عتبة الخواص". روى عن ابن عون. مترجم في التهذيب.]]
* *
قال أبو جعفر: وحفظي أنا لقراءة الشعبي بترك الاستفهام. [[في المطبوعة: "وخفض إنا لقراءة الشعبي"، وهو خلط لا معنى له، صوابه من المخطوطة.]]
* *
وقرأها بعضهم: ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ ، بتنوين"الشهادة"، ونصب اسم"الله" بمعنى: ولا نكتم الله شهادةً عندنا.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ: ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ ، بإضافة"الشهادة" إلى اسم"الله"، وخفض اسم"الله" لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا تتناكر صحَّتَها الأمة.
* *
وكان ابن زيد يقول في معنى ذلك: ولا نكتم شهادة الله، وإن كان بعيدًا. [[في المطبوعة: "وإن كان صاحبها بعيدًا"، وأثبت ما في المخطوطة، وأنا في شك منه على كل حال، أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء. ولم أجد مقالة ابن زيد فيما بين يدي من الكتب.]]
١٢٩٥٨ - حدثني بذلك يونس قال، أخبرنا ابن زيد، عنه.
القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فإن عُثِر"، فإن اطُّلع منهما أو ظهر. [[في المطبوعة: "فيهما"، والصواب"منهما".]]
وأصل"العثر"، الوقوع على الشيء والسقوط عليه، ومن ذلك قولهم:"عثرت إصبع فلان بكذا"، إذا صدمته وأصابته ووقعت عليه، ومنه قول الأعشي ميمون بن قيس:
بِذَاتِ لَوْثٍ عَفَرْنَاةٍ إذَا عَثَرَتْ ... فَالتَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ لَعَا [[ديوانه: ٨٣، من قصيدته في هوذة بن علي الحنفي، وقد مضى خبرها ٢: ٩٤، تعليق: ١، ومضى منها أبيات في ١: ١٠٦/٢: ٥٤٠، وقيل البيت في ذكر أرض مخوفة الليل، وهي"البلدة" المذكورة في البيت التالي: وَبَلْدَةٍ يَرْهَبُ الجَوًّابُ دُلْجَتَهَا ... حَتَّى تَرَاهُ عَلَيْهَا يَبْتَغِي الشِّيَعَا
لاَ يَسْمَعُ المَرْءُ فِيهَا مَا يُؤَنِّسُهُ ... بِاللَّيْلِ إلاَّ نَئِيمَ البُومِ والضُّوَعَا
كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نَفْسِي، وَشَايَعَنِي ... هَمِّي عَلَيْهَا، إذَا مَا آلُهَا لَمَعَا
"الدلجة": سير الليل. و"الشيع" الأصحاب. و"النئيم": صوت البوم، أو الصوت الضعيف من صوته. و"الضوع"، طائر من طيور الليل، إذا أحس بالصباح صدح، وقيل هو: "الكروان". و"الآل" السراب، و"اللوث": القوة، يصف ناقته أنها ذات لحم وشحم، قوية على السير. وقوله: "بذات لوث"، متعلق بقوله: "كلفت" و"عفرناة" (بفتح العين والفاء) صفة للناقة بأنها قوية كأنها من نشاطها مجنونة. و"التعس"؛ الانحطاط والعثور.
وقوله: "ولعًا"، كلمة تقال للعاثر، يدعى له بأن ينتعش من عثرته، ومعناها الارتفاع، "لعا لفلان" أي أقامه الله من عثرته، لما وصف الأعشي ناقته بالقوة والنشاط، أنكر أن يكون لها عثرة في سرعتها، فإذا عثرت، كان الدعاء عليها بأن يكبها الله لمنخريها، أولى به من أن يدعو بإقالة عثرتها.]] يعني بقوله:"عثرت"، أصاب منسِمُ خُفِّها حجرًا أو غيرَه. [[في المطبوعة: "ميسم خفها حجر أو غيره"، والصواب ما أثبت. و"المنسم" (بفتح فسكون فكسر) : طرف خف البعير، والنعامة والفيل. و"منسما البعير" ظفراه اللذان في يديه، وهما له كالظفر للإنسان.]] ثم يستعمل ذلك في كل واقع على شيء كان عنه خفيًّا، كقولهم: ﴿عَثَرتْ على الغَزْل بأَخَرة* فلم تَدَعْ بنَجْدٍ قَرَدَةَ﴾ ، بمعنى: وقعت. [[هذا مثل. مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨١، الأمثال للميداني ١: ٣٩٥، والأمثال لأبي هلال العسكري: ١٤٢. قوله"بأخرة" (بفتح الألف والخاء والراء) أي: أخيرًا. تقول: "ما عرفته إلا بأخرة"، أي: أخيرًا."ونجد"، هي الأرض المعروفة."قردة". وجمعها"قرد" (كله بفتحات) ، هو: ما تمعط من الوبر والصوف وتلبد، وهو نفاية الصوف. وأصله أن المرأة تترك الغزل وهي تجد ما تغزل من قطن أو كتان، حتى إذا فاتها، تتبعت القرد (نفاية الصوف) في القمامات، ملتقطة لتغزله. ويضرب مثلا في التفريط مع الإمكان، ثم الطلب مع الفوت. قال أبو هلال: "وهذا مثل قول العامة: نعوذ بالله من الكسلان إذا نشط". وروى هذا المثل صاحب لسان العرب في (قرد) ، ونصه"عكرت على الغزل. . ."، وفسره"عكرت، أي: عطفت". وهو بهذه الرواية لا شاهد فيه.]]
* *
وأما قوله:"على أنهما استحقا إثمًا"، فإنه يقول تعالى ذكره: فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية = بعد حلفهما بالله: لا نشتري بأيماننا ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله ="على أنهما استحقا إثمًا"، يقول: على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثمًا، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خُنّا ولا بدَّلنا ولا غيَّرنا. فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئًا، أو غيرا وصيته، أو بدّلا فأثما بذلك من حلفهما بربهما [[قوله"فأثما. . . بربهما"، انظر ما قلت في"أثم بربه" فيما سلف ٤: ٥٣٠ تعليق: ٣، / ثم ٦: ٩٢، تعليق: ٢، وبيانه هناك.]] ="فآخران يقومان مقامهما"، يقول، يقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت، الأوليان الموصَى إليهما.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٥٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير:"أو آخران من غيركم"، قال: إذا كان الرجل بأرض الشرك، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر. فإذا اطُّلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئًا، حلف أولياء الميت أنه كان كذا وكذا، ثم استحقوا.
١٢٩٦٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بمثله.
١٢٩٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:"أو آخران من غيركم"، من غير المسلمين="تحبسونهما من بعد الصلاة"، فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلا. فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله:"إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد". فذلك قوله:"فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا"، يقول: إن اطلع على أنّ الكافرَيْن كذبا ="فآخران يقومان مقامهما"، يقول: من الأولياء، فحلفا بالله:"إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد"، فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء.
١٩٢٦٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا"، أي: اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما.
* *
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حَكَم اللهُ تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين، [[في المخطوطة: "فمن نقلها"، والصواب ما في المطبوعة، أو شبيه بالصواب.]] بعد أن عثر عليهما أنهما استحقا إثمًا.
فقال بعضهم: إنما ألزمهما اليمين، إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى بغير الذي يجوز في حكم الإسلام. [[في المطبوعة والمخطوطة: "لغير الذي يجوز"، وصواب قراءتها ما أثبت.]] وذلك أن يشهد أنه أوصى بماله كله، أو أوصى أن يفضل بعض ولده ببعض ماله.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٦٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت" إلى قوله:"ذوا عدل منكم"، من أهل الإسلام ="أو آخران من غيركم"، من غير أهل الإسلام ="إن أنتم ضربتم في الأرض" إلى:"فيقسمان بالله"، يقول: فيحلفان بالله بعد الصلاة، فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى ذكره من الفريضة، [["الفريضة"، يعني المواريث.]] يعني اللذين ليسا من أهل الإسلام="فآخران يقومان مقامهما"، من أولياء الميت، فيحلفان بالله:"ما كان صاحبنا ليوصي بهذا"، أو:"إنهما لكاذبان، ولشهادتنا أحق من شهادتهما".
١٢٩٦٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السديّ قال: يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، يحلفان بالله: لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين"، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإنّ هذه لتركته: فإذا شهدا، وأجاز الإمام شهادتهما على ما شهدا، قال لأولياء الرجل: اذهبوا فاضربوا في الأرض واسألوا عنهما، فإن أنتم وجدتم عليهما خيانة، أو أحدًا يطعُن عليهما، رددنا شهادتهما. فينطلق الأولياء فيسألون، فإن وجدوا أحدًا يطعُن عليهما، أو هما غير مرضيين عندهم، أو اطُّلع على أنهما خانا شيئًا من المال وجدُوه عندهما، أقبل الأولياء فشهدوا عند الإمام، [[في المطبوعة: "فأقبل الأولياء فشهدوا"، وفي المخطوطة: "فأقبل الأولياء شهدوا"، والسياق يقتضي ما أثبت.]] وحلفوا بالله:"لشهادتنا إنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليها، أحق من شهادتهما بما شهدا، وما اعتدينا". فذلك قوله:"فإن عُثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان".
* *
وقال آخرون: بل إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما ادَّعيا أنه أوصى لهما ببعض المال. وإنما ينقل إلى الآخرين من أجل ذلك، إذا ارتابوا بدعواهما. [[في المخطوطة: "إذا ارتابا".]]
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٦٥ - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله:"تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله"، قال: زعما أنه أوصى لهما بكذا وكذا ="فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا". أي بدعواهما لأنفسهما ="فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان"، أنّ صاحبنا لم يوص إليكما بشيء مما تقولان.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أنّ الشاهدين ألزما اليمينَ في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله، ودعواهم قبلهما خيانةَ مالٍ معلوم المبلغ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما، فيحلف الوارث حينئذ مع شهادة الشاهد عليهما، أو على أحدهما، إنما صحح دعواه إذا حُقِّق حقه = أو: الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادَّعى عليهما الوارث أو بجميعه، ثم دعواهما في الذي أقرّا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلا ببينة، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بيِّنة، فينقل حينئذ اليمين إلى أولياء الميت.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكمًا يجب فيه اليمين على الشهود، ارتيب بشهادتهما أو لم يُرْتَبْ بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرًا لذلك = ولا -إذا لم نجد ذلك كذلك- صحّ بخبر عن الرسول ﷺ، [[في المطبوعة: "فلم نجد ذلك كذلك صح. . ."، وأثبت ما في المخطوطة، وسياقه"ولا. . . صح بخير عن الرسول"، وقوله: "إذا لم نجد ذلك كذلك" اعتراض.]] ولا بإجماع من الأمة. لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى ذكره، فيكون أصلا مسلمًا. والقول إذا خرج من أن يكون أصلا أو نظيرًا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحًا فسادُه.
وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله، أفسد [[السياق: "فالقول بأن الشاهدين. . . أفسد"، يعني: أفسد من القول السابق.]] = من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أنّ من حكم الله تعالى ذكره أن مدّعيًا لو ادّعى في مال ميت وصية، أنّ القول قولُ ورثة المدعي في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مدعي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدعي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نُقِل الأيمانُ عنهم إلى أولياء الميت، إذا عثر على أن الشهود استحقوا إثمًا في أيمانهم. فمعلوم بذلك فساد قول من قال:"ألزم اليمينَ الشهودُ، لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت من ماله".
على أن ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبارُ عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ: أن رسول الله ﷺ قَضَى به حين نزلت هذه الآية، بين الذين نزلت فيهم وبسببهم.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٦٦- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعديّ بن بدَّاء، فمات السَّهمي بأرض ليس فيها مسلم. فلما قدِما بتركته، فقدوا جامًا من فضة مخوَّصًا بالذهب، [["الجام": إناء من فضة، وهو عربي صحيح."مخوص بالذهب": عليه صفائح من ذهب على هيئة خوص النخل، وهو ورقه. و"التخويص": أن يجعل على الشيء صفائح من الذهب، على قدر عرض خوص النخل.]] فأحلفهما رسول الله ﷺ. ثم وُجِد الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم الداريّ وعديّ بن بدّاء! فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا:"لشهادتنا أحق من شهادتهما"، وأنّ الجام لصاحبهم. قال: وفيهم أنزلت:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم". [[الأثر: ١٢٩٦٦ -"محمد بن أبي القاسم"، الطويل، الكوفي. روى عن أبيه، وعبد الله وعبد الملك، ابني سعيد بن جبير، وعن عكرمة. وروى عنه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبو أسامة، وحماد بن أسامة. وثقه ابن معين، وأبو حاتم. وقال البجيري وقال البخاري": "لا أعرف محمد بن أبي القاسم كما أشتهي، وكان علي بن عبد الله يستحسن هذا الحديث (يعني حديث تميم الداري) قيل له: رواه غير محمد بن أبي القاسم؟ قال: لا. قال: وروى عنه أبو أسامة، إلا أنه غير مشهور". وقال الحافظ ابن حجر، بعد ذكر محمد بن أبي القاسم: "وما له في البخاري، ولا لشيخه عبد الملك بن سعيد بن جبير، غير هذا الحديث الواحد. ورجال الإسناد الإسناد، ما بين علي بن عبد الله المديني (شيخ البخاري) ، وابن عباس، كوفيون".
و"عبد الملك بن سعيد بن جبير الأسدي"، الكوفي، عزيز الحديث، ثقة. مضى برقم: ١٢٧٧٦.
و"تميم الداري"، هو"تميم بن أوس بن خارجة اللخمي"، منسوب إلى جده"الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم"، وفد على رسول الله ﷺ، سنة تسع وأسلم. وكان نصرانيا، وهو الذي قال لرسول الله: "ألا أعمل لك منبرًا كما رأيت يصنع بالشأم! " فصنع المنبر. وكان عابدًا.
وأما "عدي بن بداء" (بتشديد الدال) ، فكان نصرانيا، ذكر أنه أسلم، ولكن صحح ابن حجر في ترجمته في الإصابة أنه مات نصرانيًّا.
وهذا الحديث، رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٥: ٣٠٧ ٣٠٩) ، وفي التاريخ الكبير ١/١/٢١٥، وأبو داود في سننه ٣: ٤١٨، ورقم: ٣٦٠٦، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠: ١٦٥، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١٣٣، وأحكام القرآن للجصاص ٢: ٤٩٠، والترمذي في سننه (في كتاب التفسير) ، وقال: "هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة".
وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٢٦٦، نقلا عن الطبري، ولم يذكر روايته في صحيح البخاري. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٤٢، فقصر في نسبته إلى البخاري في صحيحه، ونسبه إليه في التاريخ، ثم زاد نسبته إلى ابن المنذر، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]]
١٢٩٦٧ - حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني قال، حدثنا محمد بن سلمة الحراني قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان مولى أم هانئ ابنة أبي طالب، عن ابن عباس، عن تميم الدرايّ في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت"، قال: برئ الناس منها غيري وغير عديّ بن بدّاء = وكانا نصرانيّين يختلفان إلى الشأم قبل الإسلام. فأتيا الشأم لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بريل بن أبي مريم بتجارة، ومعه جامُ فضّة يريد به الملك، وهو عُظم تجارته، [[في المخطوطة: "وهي عظم"، وأثبت ما في المطبوعة، لمطابقته لما في المراجع الأخرى. وقوله: "عظم تجارته"، أي: معظمها، يعني أن الجام كان أنفس ما معه وأغلاه ثمنًا.]] فمرض، فأوصى إليهما، وأمرهما أن يُبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجامَ فبعناه بألف درهم، فقسمناه أنا وعديّ بن بدّاء، [فلما قدمنا إلى أهله، دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألوا عنه] ، [[هذه الجملة التي بين القوسين، ليست في المخطوطة ولا المطبوعة، وهي ثابتة في المراجع الأخرى، وأثبتها من نص الناسخ والمنسوخ.]] فقلنا: ما ترك غيرَ هذا، وما دفع إلينا غيره: قال تميم: فلما أسلمتُ بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة، تأثَّمت من ذلك، [["تأثم من الشيء"، تحرج منه، ووجده إثمًا يريد البراءة منه.]] فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأدّيت إليهم خمسمئة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها! فوثبوا إليه، [[قوله: "فوثبوا إليه"، حذفها ناشر المطبوعة، وهي ثابتة في المخطوطة، وفي الناسخ والمنسوخ.]] فأتوا به رسول الله ﷺ.
فسألهم البينة، فلم يجدوا. فأمرهم أن يستحلفوه بما يُعَظَّم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله تعالى ذكره:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" إلى قوله:"أن ترد أيمان بعد أيمانهم"، فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا، [[في المخطوطة: "حلفا"، بغير فاء، وأثبت ما في المطبوعة والمراجع.]] فنزعتُ الخمسمئة من عدي بن بدَّاء. [[الأثر: ١٢٩٦٧ -"الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني"، "أبو مسلم الحراني"، ثقة مأمون، مضت ترجمته برقم: ١٠٤١١، وكان في المطبوعة هنا: "الحسن بن أبي شعيب" أسقط"بن أحمد"، مع ثبوتها في المخطوطة، وعذره أنه رأى الناسخ كتب"الحسن بن يحيى أحمد قال ابن أبي شعيب"، وضرب على"يحيى" وعلى"قال"، فضرب هو أيضا على"بن أحمد" فحذفها! ! وهو تساهل رديء.
و"محمد بن سلمة الحراني الباهلي"، ثقة، مضت ترجمته برقم: ١٧٥، وقد ورد في إسناد محمد ابن إسحق، مئات من المرات.
و"أبو النضر" هو"محمد بن السائب الكلبي"، ضعيف جدًا، رمي بالكذب. وقد روى الثوري عن الكلبي نفسه أنه قال: "ما حدثت عني، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فهو كذب، فلا تروه". مضت ترجمته برقم: ٧٢، ٢٤٦، ٢٤٨.
وأما "باذان، مولى أم هانئ"، أو "باذام" فهو "أبو صالح"، ثقة، مضى برقم: ١١٢، ١٦٨ وغيرها. وهو مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/١٤٤، وابن أبي حاتم ١/١/٤٣١.
وكان في المطبوعة والمخطوطة، والناسخ والمنسوخ جميعًا"زاذان، مولى أم هانئ"، وهذا شيء لم يقله أحد، ولذلك غيرته إلى الصواب الذي أجمعوا عليه، وكأنه خطأ من الناسخ.
وأما "تميم الداري"، و"عدي بن بداء" فقد سلفا في الأثر السابق.
وأما "بريل بن أبي مريم"، مولى بني سهم، أو مولى عمرو بن العاص السهمي، صاحب هذه التجارة، فقد ترجم له ابن حجر في الإصابة في"بديل" بالدال، وكذلك ابن الأثير في أسد الغابة. وكان بديل مسلمًا من المهاجرين.
يقال في اسمه"بديل بن أبي مريم"، و"بديل بن أبي مارية"، ثم اختلف في"بديل"، فروي بالدال، وروي"بريل" بالراء، وروي"بزيل" بالزاي، وروي"برير"، وقال ابن الأثير: "والذي ذكره الأئمة في كتبهم: يزيل، بضم الباء وبالزاي، ونحن نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى". هكذا قال ووعد، ثم لم أجد له ذكرًا في كتابه بعد ذلك، فلا أدري أنسي ابن الأثير، أم في كتابه خرم أو نقص!!
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٥: ٣٠٨، ما لم يذكره في الإصابة، فقال: "بزيل" بموحدة، وزاي، مصغر. وكذا ضبطه ابن ماكولا، ووقع في رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن تميم نفسه عنه الترمذي والطبري (يعني هذا الخبر) : بديل، بدال، بدل الزاي. ورأيته في نسخة من تفسير الطبري: بريل، براء بغير نقطة. ولابن مندة من طريق السدي، عن الكلبي: بديل بن أبي مارية". ثم قال: "ووهم من قال فيه: بديل بن ورقاء، فإنه خزاعي، وهذا سهمي، وكذا وهم من ضبطه بذيل، بالذال المعجمة".
وكان في المطبوعة"بديل"، ولكني أثبت ما في المخطوطة، وأخشى أن تكون مخطوطتنا هذه، هي"النسخة الصحيحة من تفسير الطبري" التي ذكرها الحافظ ابن حجر، أو هي منقولة عن النسخة التي ذكرها ووصفها وصححها.
وهذا الخبر، رواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١٣٣، والترمذي في سننه في كتاب التفسير؛ بهذا الإسناد نفسه. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح. وأبو النضر، الذي روى عنه محمد بن إسحق هذا الحديث، هو عندي: محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير. سمعت محمد بن إسمعيل. يقول: محمد بن سائب الكلبي، يكنى أبا النضر، ولا نعرف لسالم أبي النضر المديني رواية عن أبي صالح (باذان) مولى أم هانئ. وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار، عن غير هذا الوجه"، ثم ساق الترمذي الأثر السالف بإسناده.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٤١، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وأبي نعيم في المعرفة.]]
١٢٩٦٨ - حدثنا القاسم، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة وابن سيرين وغيره = قال، وثنا الحجاجُ، عن ابن جريج، عن عكرمة = دخل حديث بعضهم في بعض:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" الآية، قال: كان عدي وتميم الداري، وهما من لَخْم، نصرانيَّان، يتَّجران إلى مكة في الجاهلية. فلما هاجرَ رسول الله ﷺ حوَّلا متجرهما إلى المدينة، فقدم ابن أبي مارية، مولى عمرو بن العاص المدينة، وهو يريد الشأم تاجرًا، فخرجوا جميعًا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، مرض ابن أبي مارية، فكتب وصيَّته بيده تم دسَّها في متاعه، ثم أوصى إليهما. فلما مات فتحا متاعه، فأخذا ما أرادا، ثم قدما على أهله فدفعا ما أرادا، ففتح أهله متاعه، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئًا، فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا. قال لهما أهله: فباع شيئًا أو ابتاعه؟ قالا لا! قالوا: فهل استهلك من متاعه شيئًا؟ [[قولهم: "فهل استهلك من متاعه شيئًا"، أي: أضاعه وافتقده، وهذا حرف لم تقيده كتب اللغة، استظهرت معناه من السياق. وقد جاء في حديث عائشة (صحيح مسلم ٢: ٥٩، وتفسير الطبري رقم: ٩٦٤٠) أن عائشة: "استعارت من أسماء قلادة فهلكت"، أي: ضاعت، كما فسرته فيما سلف ٨: ٤٠٤، رقم: ٢. فقوله: "استهلك" هنا، من معنى هذا الحرف الذي لم تقيده كتب اللغة ببيان واضح، وهو"استفعل"، بمعنى: وجده قد ضاع. وهو من صحيح القياس وجيده، وهذا شاهده إن شاء الله.]] قالا لا! قالوا: فهل تَجَر تجارة؟ [["تجر يتجر تجرًا وتجارة" (على وزن: نصر ينصر) : باع وشرى. وأرادوا به هنا معنى الشراء بالعوض، فيما أستظهر، فإنهم قد سألوه قبل عن البيع والابتياع.]] قالا لا! قالوا: فإنا قد فقدنا بعضَه! فاتُّهما، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت" إلى قوله:"إنا إذا لمن الآثمين". قال: فأمر رسول الله ﷺ أن يستحلفوهما في دُبُر صلاة العصر: بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا له غيرَ هذا، ولا كتمنا". قال: فمكثنا ما شاء الله أن يمكثَا، [[في المطبوعة: "فمكثنا ما شاء الله أن نمكث"، غير الناشر ما في المخطوطة، وأفسد.]] ثم ظُهِرَ معهما على إناء من فضةٍ منقوش مموَّه بذهب، [["ظهر" (بالبناء للمجهول) ، أي: عثر معها على إناء.]] فقال، أهله: هذا من متاعه؟ قالا نعم، ولكنا اشترينا منه، ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذِّب أنفسنا! [[في المخطوطة: "نفسا" غير منقوطة، ولو شئت قرأتها: "نفسينا"، مكان"أنفسنا"، وهما صواب.]] فترافعوا إلى رسول الله ﷺ، فنزلت الآية الأخرى:"فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان"، فأمر رسول الله ﷺ رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيَّبا ويستحقَّانه. ثم إنّ تميمًا الداري أسلم وبايع النبي ﷺ، وكان يقول: صدق الله ورسوله: أنا أخذت الإناء! [[الأثر: ١٢٩٦٨ -"أبو سفيان" هو: المعمري، "محمد بن حميد اليشكري"، مضى برقم: ١٧٨٧، ٨٨٢٩.
و"الحسين" الراوي عنه، هو"سنيد بن داود"، مضى مرارًا.
و"ابن أبي مارية"، هو"بديل بن أبي مارية"، وقد بينت ذلك في التعليق على الأثر السالف.
وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٤٢، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]
١٢٩٦٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم"، الآية كلها. قال: هذا شيء [كان] حين لم يكن الإسلام إلا بالمدينة، [[الزيادة بين القوسين، لا بد منها للسياق، وكان في المخطوطة: ". . . لم يكن السلام"، والصواب ما في المطبوعة.]] وكانت الأرض كلها كفرًا، [[في المطبوعة: "كفر" بالرفع، وأخشى أن يكون الأصل: "وكانت الأرض كلها دار كفر"، أو ما أشبه ذلك، وتركت ما في المطبوعة على حاله، وهو صواب أيضًا.]] فقال الله تعالى ذكره:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم"، من المسلمين ="أو آخران من غيركم"، من غير أهل الإسلام ="إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت"، قال: كان الرجل يخرج مسافرًا، والعرب أهلُ كفر، فعسى أن يموت في سفره، فيُسند وصيته إلى رجلين منهم ="فيقسمان بالله إن ارتبتم"، في أمرهما. إذا قال الورثة: كان مع صاحبنا كذا وكذا، فيقسمان بالله: ما كان معه إلا هذا الذي قلنا ="فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا"، أنما حلفا على باطل وكذب ="فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان" بالميت ="فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين"، ذكرنا أنه كان مع صاحبنا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يكن معه! قال: ثم عثر على بعض المتاع عندهما، فلما عثر على ذلك رُدّت القسامة على وارثه، [["القسامة" (بفتح القاف) ، أراد بها هنا: اليمين.]] فأقسما، ثم ضمن هذان. قال الله تعالى:"ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم"، [[قوله تعالى: "بعد أيمانهم" لم تكن في المخطوطة ولا المطبوعة، والصواب إثباتها.]] فتبطل أيمانهم ="واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين"، الكاذبين، الذين يحلفون على الكذب. وقال ابن زيد: قدم تميمٌ الداريّ وصاحب له، وكانا يومئذ مشركين، ولم يكونا أسلما، فأخبرا أنهما أوصى إليهما رجلٌ، وجاءا بتركته. فقال أولياء الميت: كان مع صاحبنا كذا وكذا، وكان معه إبريق فضة! وقال الآخران: لم يكن معه إلا الذي جئنا به! فحلفا خَلْف الصلاة، ثم عثر عليهما بعدُ والإبريق معهما. فلما عثر عليهما، رُدَّت القسامة على أولياء الميت بالذي قالوا مع صاحبهم، ثم ضمنهما الذي حلف عليه الأوليان.
١٢٩٧٠- حدثنا الربيع قال، حدثنا الشافعي قال، أخبرنا أبو سعيد معاذ بن موسى الجعفري، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان = قال بكير، قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك = في قول الله:"اثنان ذوا عدل منكم"، أن رجلين نصرانيين من أهل دارِين، أحدهما تميمي، والآخر يماني، صاحَبهما مولًى لقريش في تجارة، فركبوا البحر، ومع القرشي مال معلومٌ قد علمه أولياؤه، من بين آنية وبزّ ورِقَة. [["البز": الثياب، أو ضروب منها، وبائعها يقال له: "البزاز". و"الرقة" (بكسر الراء وفتح القاف) : الفضة، وأصلها"الورق" (بفتح الواو وكسر الراء) ، ثم حذفت الواو، وجعلت الهاء في آخرها عوضًا عن الواو.]] فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الداريّين، فمات، وقبض الداريّان المال والوصية، فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا ببعض ماله، وأنكر القوم قلّة المال، فقالوا للداريَّين: إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، فهل باع شيئًا أو اشترى شيئًا، فوُضِع فيه، [[يقال: "وضع في تجارته يوضع ضعة، ووضيعة فهو موضوع فيها" ويقال: "أوضع" (كلاهما بالبناء للمجهول) ، ويقال: "وضع في تجارته وضعًا" (مثل: فرح فرحًا) : غبن فيها، وخسر من رأس المال.]] وهل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا لا! قالوا: فإنكما خنتمانا! فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى النبيّ ﷺ، فأنزل الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" إلى آخر الآية. فلما نزل: أن يُحْبسا من بعد الصلاة، أمر النبي ﷺ، فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السموات:"ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنًا قليلا من الدنيا، ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين". فلما حلفا خلَّى سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناءً من آنية الميت، فأُخذ الداريَّان، فقالا اشتريناه منه في حياته! وكذبا، فكلِّفا البينة، فلم يقدرا عليها. فرفعوا ذلك إلى النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى ذكره:"فإن عثر"، يقول: فإن اطُّلع ="على أنهما استحقا إثمًا"، يعني الداريين، إن كتما حقًّا ="فآخران"، من أولياء الميت ="يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان"، فيقسمان بالله:"إنّ مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي يُطلب قبل الداريين لحقّ، وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين"، هذا قول الشاهدين أولياء الميت ="ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها"، يعني: الداريَّين والناس، أن يعودوا لمثل ذلك. [[الأثر: ١٢٩٧٠ -"معاذ بن موسى الجعفري"، "أبو سعيد"، لم أجد له ترجمة إلا في تعجيل المنفعة: ٤٠٦، لم يزد على أن قال: "معاذ بن موسى، عن بكير بن معروف.
وعند الشافعي، رحمه الله تعالى". وكان في المطبوعة: "سعيد بن معاذ بن موسى" وهو خطأ، مخالف للمخطوطة.
و"بكير بن معروف الأسدي"، "أبو معاذ النيسابوري، الدامغاني" صاحب التفسير، وهو صاحب مقاتل. قال ابن عدي: "ليس بكثير الرواية، وأرجو أنه لا بأس به، وليس حديثه بالمنكر جدًا"، مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/١١٧، وابن أبي حاتم ١/١/٤٠٦.
وكان في المطبوعة: "بكر"، وهو خطأ صرف.
وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن الكبرى ١٠: ١٦٤ من طريق إسمعيل بن قتيبة، عن أبي خالد يزيد بن صالح، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان. ثم رواه (١٠: ١٦٥) من طريق أبي العباس الأصم، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي، ثم أحال لفظه على الذي قبله.]]
* *
قال أبو جعفر: ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا، دليلٌ واضح على صحة ما قلنا، من أنّ حكم الله تعالى ذكره باليمين على الشاهدين في هذا الموضع، إنما هو من أجل دعوى وَرَثته على المسنَد إليهما الوصية، خيانةً فيما دفع الميت من ماله إليهما، أو غير ذلك مما لا يبرأ فيه المدعي ذلك قِبَله إلا بيمين = وأن نقل اليمين إلى ورثة الميت بما أوجبه الله تعالى ذكره، بعد أن عثر على الشاهدين [أنهما استحقا إثمًا] ، في أيمانهما، [[هذه الزيادة بين القوسين، لا بد منها، استظهرتها من نص الآية.]] ثم ظُهِر على كذبهما فيها، إن القوم ادَّعوا فيما صَحَّ أنه كان للميت دعوًى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به الأملاك، مما يكون اليمينُ فيها على ورثة الميت دون المدَّعَى، وتكون البينة فيها على المدعي= وفسادِ ما خالف في هذه الآية ما قلنا من التأويل. [[في المطبوعة: "مما قلنا من التأويل"، وفي المخطوطة: "ما قبلنا من التأويل"، وصواب القراءة ما أثبت.]]
وفيها أيضًا، [[قوله: "وفيها أيضًا"، الضمير عائد على قوله في أول الفقرة السالفة: "ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا"، وهي عطف عليه.]] البيانُ الواضح على أن معنى"الشهادة" التي ذكرها الله تعالى في أول هذه القصة إنما هي اليمين، كما قال الله تعالى في مواضع أُخر: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، [سورة النور:٦] . فالشهادة في هذا الموضع، معناها القَسم، من قول القائل:"أشهد بالله إني لمن الصادقين"، [[في المطبوعة: "إنه لمن الصادقين"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وكذلك معنى قوله:"شهادة بينكم" إنما هو: قسَم بينكم ="إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية"، أن يقسم اثنان ذوا عدل منكم، إن كانا اتُّمنا على مال فارتيب بهما، أو اتُّمِنَ آخران من غير المؤمنين فاتُّهما. [[انظر ما كتبه في"اتمن" فيما سلف ص: ١٧٢، تعليق: ١، ٢]] وذلك أن الله تعالى ذكره، لما ذكر نقل اليمين من اللذين ظُهر على خيانتهما إلى الآخرين، قال:"فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما". ومعلومٌ أنّ أولياء الميت المدعين قِبل اللذين ظُهر على خيانتهما، غير جائز أن يكونا شهداء، بمعنى الشهادة التي يؤخذ بها في الحكم حق مدعًى عليه لمدّع. لأنه لا يعلم لله تعالى ذكره حكم قضى فيه لأحد بدعواه ويمينه على مدعًى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدعَى عليه ولا برهان. فإذ كان معلومًا أن قوله:"لشهادتنا أحق من شهادتهما"، إنما معناه: قسمُنا أحق من قَسَمهما = وكان قسم اللذين عُثر على أنهما أثِمَا، هو الشهادة التي ذكر الله ذكره تعالى في قوله:"أحق من شهادتهما" = صحَّ أن معنى قوله:"شهادة بينكم"، بمعنى:"الشهادة" في قوله:"لشهادتنا أحق من شهادتهما"، وأنها بمعنى القسم.
* *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله:"من الذين استحق عليهم الأوليان".
فقرأ ذلك قرأة الحجاز والعراق والشأم: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ، بضم"التاء".
* *
وروي عن علي، وأبيّ بن كعب، والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ، بفتح"التاء".
* *
واختلفت أيضًا في قراءة قوله:"الأوليان".
فقرأته عامة قراء أهل المدينة والشأم والبصرة: ﴿الأَوْلَيَان﴾ .
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ﴿الأَوَّلِينَ﴾ .
* *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوَّلانِ﴾ .
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في قوله:"من الذين استحق عليهم"، قراءة من قرأ بضم"التاء"، لإجماع الحجة من القرأة عليه، مع مشايعة عامة أهل التأويل على صحة تأويله، [[في المطبوعة: "مع مساعدة أهل التأويل"، وفي المخطوطة: "مع مساعه" غير منقوطة، وآثرت قراءتها كما كتبتها. و"المشايعة"، الموافقة والمتابعة.]] وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله: فآخران من أهل الميت، الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم، يقومان مقام المستحقَّيْ الإثم فيهما، بخيانتهما ما خانَا من مال الميت.
وقد ذكرنا قائلي ذلك، أو أكثر قائليه، فيما مضى قبل، ونحن ذاكُرو باقيهم إن شاء الله ذلك:
١٢٩٧١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"شهادة بينكم"، أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران، لا يحضُره غير اثنين منهم. فإن رضي ورَثته ما عاجل عليه من تركته فذاك، وحلف الشاهدان إن اتُّهما: إنهما لصادقان ="فإن عثر" وُجد.........، [[في المطبوعة: "فإن عثر، وجد لطخ حلف الاثنان. . ."، وقوله: "لطخ" هنا من عجائب الكلام، وفي المخطوطة بعد: "فإن عثر وجد" بياض إلى آخر السطر، مع علامات بعد الكلام بالحمرة. والظاهر أن النسخة التي نقل عنها ناشر المطبوعة، كان فيها في هذا الموضع حرف (ط) دلالة على الخطأ، فكتب مكانها ما كتب. ووضعت أنا مكان البياض في المخطوطة نقطًا، والظاهر أن سياق الكلام كان: "فإن عثر، وجد أنها استحقا إثمًا" حلف الاثنان. . ."، ولكني آثرت ترك البياض كما هو في المخطوطة، والمعنى ظاهر.]] حلف الاثنان الأوليان من الورثة، فاستحقّا وأبطَلا أيمانَ الشَّاهدين.
* *
وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح"التاء"، أرادوا أن يوجهوا تأويلَه إلى:"فآخران يقومان مقامهما"، مقام المؤتمنين اللذين عُثِر على خيانتهما في القَسم، و"الاستحقاق به عليهما"، دعواهما قِبَلهما = من"الذين استحقَّ" على المؤتمنين على المالِ على خيانتهما القيامَ مقامهما في القَسَم والاستحقاق، الأوليان بالميت. [[في المطبوعة: "في الأوليان" بزيادة"في"، أثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.]] وكذلك كانت قراءة من رُوِيت هذه القراءة عنه، فقرأ ذلك: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ بفتح"التاء" = و"الأوليان"، [[في المطبوعة، حذف قوله: "والأوليان"، وساق الكلام على سياق واحد. وأثبت ما في المخطوطة.]] على معنى: الأوليان بالميت وماله. وذلك مذهبٌ صحيحٌ، وقراءةٌ غير مدفوعة صحَّتها، غير أنا نختار الأخرى، لإجماع الحجة من القرأة عليها، مع موافقتها التأويل الذي ذكرْنا عن الصحابة والتابعين.
١٢٩٧٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن وكريب، عن علي: أنه كان يقرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانْ﴾ . [[الأثر: ١٢٩٧٢ -"أبو إسحق"، هو السبيعي.
و"أبو عبد الرحمن" هو"السلمي" القارئ، "عبد الله بن حبيب" مضى برقم: ٨٢.
و"كريب" هو"كريب بن أبي كريب"، روى عن علي. وروى عنه أبو إسحق، مترجم في الكبير٤/١/٢٣١، وابن أبي حاتم ٣/٢/١٦٨، ولم يذكرا فيه جرحا. وترجمه في لسان الميزان، وقال: "يروي المقاطيع، من ثقات ابن حبان".]]
١٢٩٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن واصل مولى أبي عُيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبيّ بن كعب: أنه كان يقرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَان﴾ . [[الأثر: ١٢٩٧٣ -"مالك بن إسمعيل بن درهم النهدي"، "أبو غسان"، مضى برقم: ٢٩٨٩، ٤٤٣٣، ٤٩٢٦، ٨٢٩٢. وأخشى أن يكون راوي هذا الخبر هو"مؤمل بن إسمعيل العدوي"، لا"مالك بن إسمعيل"، ولكن هكذا ثبت في المخطوطة.
و"حماد بن زيد بن درهم الأزدي"، مضى برقم: ٨٥٦، ١٦٨٢، ٥٤٥٤.
و"واصل مولى أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة"، ثقة، روى عن يحيى بن عقيل الخزاعي، والحسن البصري، ورجاء بن حيوة، وأبي الزبير المكي. روى عنه هشام بن حسان من أقرانه، ومهدي بن ميمون، وحماد بن زيد، وغيرهم. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/١٧٢، وابن أبي حاتم ٤/٢/٣٠. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "وائل بن أبي عبيدة"، وهو خطأ لا شك فيه، بيانه في التاريخ الكبير للبخاري.
و"يحيى بن عقيل الخزاعي البصري"، روى عن يحيى بن يعمر، وابن أبي أوفى، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن معين: "ليس به بأس"، مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٢٩٢ وابن أبي حاتم ٤/٢/١٧٦.
وأما "يحيى بن يعمر القيس الجدلي"، فهو ثقة جليل، يروي عن الصحابة والتابعين. كان نحويًا صاحب علم بالعربية والقرآن، وهو أول من نقط المصاحف. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣١١، وابن أبي حاتم ٤/٢/١٩٦.]]
* *
قال أبو جعفر: وأما أولى القراءات بالصَّواب في قوله:"الأوليان" عندي، فقراءة من قرأ: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ لصحة معناها. [[في المطبوعة والمخطوطة: "بصحة معناها" بالباء، والصواب ما أثبته.]] وذلك لأن معنى:"فآخران يقومان مقامهما من الذين استُحِقّ عليهم الأوليان":فآخران يقومان مقامهما من الذي استُحقّ] فيهم الإثم، [[الذي وضعته بين الأقواس، هو حق السياق والمعنى، فإن السياق يقتضي أن يذكر الآية، ثم يذكر تأويلها، وهكذا فعلت، وهو الصواب إن شاء الله.]] ثم حذف"الإثم"، وأقيم مقامه"الأوليان"، لأنهما هما اللذان ظَلَما وأثِما فيهما، بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم، وعُثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان اُّتمنهما عليه الميت، [[في المطبوعة: "ائتمنهما"، وانظر ما كتبته سالفًا ص: ١٧٢، تعليق ١، ٢، وص: ١٩٣ تعليق: ٤.]] كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مِثل ذلك، من حذفهم الفعل اجتراء بالاسم، [["الفعل"، هو المصدر، كما سلف مرارًا، وانظر فهارس المصطلحات.]] وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل. [[انظر ما سلف ص: ١٦٠.]] ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة، وهو قوله:"شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان"، ومعناه: أن يشهد اثنان، وكما قال:"فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنًا"، فقال:"به"، فعاد بالهاء على اسم الله، وإنما المعنى: لا نشتري بقسمنا بالله، فاجتزئ بالعود على اسم الله بالذكر، والمراد به:"لا نشتري بالقسم بالله"، استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم. وكذلك اجتزئ، بذكر"الأوليين" من ذكر"الإثم" الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إيَّاهما، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته، وذلك قوله:"فإن عثر على أنَّهما استحقا إثمًا".
* *
وأما الذين قرءوا ذلك ﴿الأَوَّلِينَ﴾ ، فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن"الذين"، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع، إذْ كان"الذين" جميعًا، [[في المطبوعة: "جمعا"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وخفضًا، إذ كان"الذين" مخفوضًا، وذلك وجه من التأويل، غير أنه إنما يقال للشيء"أوّل"، إذا كان له آخر هو له أوّل. وليس للذين استحق عليهم الإثم، آخرهم له أوّل. بل كانت أيمان اللذين عثر على أنهما استحقَّا إثمًا قبل أيمانهم، فهم إلى أن يكونوا = إذ كانت أيمانهم آخرًا = أولى أن يكونوا"آخرين"، من أن يكونوا"أوّلين"، وأيمانهم آخرة لأولى قبلها.
* *
وأما القراءة التي حكيت عن الحسن؛ فقراءةٌ عن قراءَة الحجة من القرأة شاذة، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلا على بُعدها من الصواب.
* *
واختلف أهل العربية في الرافع لقوله:"الأوليان"، إذا قرئ كذلك.
فكان بعض نحويي البصرة [[في المخطوطة والمطبوعة: "فقال بعض نحويي. . ."، والصواب ما أثبت.]] يزعم أنه رفع ذلك، بدلا من:"آخران" في قوله:"فآخران يقومان مقامهما". وقال: إنما جاز أن يبدل"الأوليان"، وهو معرفة، من"آخران" وهو نكرة، لأنه حين قال:"يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم"، كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرِفة في المعنى، فقال:"الأوليان"، فأجرى المعرفة عليهما بدلا. قال: ومثل هذا = مما يجري على المعنى = كثير، واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز: [[لم أعرف قائله.]]
عَلَيَّ يَوْمَ يَمْلِكُ الأُمُورَا ... صَوْمُ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورَا
وَبَادِنًا مُقَلَّدًا مَنْحُورَا [["البادن": الضخم السمين المكتنز، ولم أجدهم قالوا: "البادن" وأرادوا به"البدنة" (بفتح الباء والدال) ، وهي الناقة التي كانوا يسمنونها ثم تهدى إلى البيت، ثم تنحر عنده. ولعل الراجز استعملها على الصفة، ومع ذلك فهي عندي غريبة تقيد. و"المقلد"، الذي وضعت عليه القلائد، إشعارًا بأنه هدي يساق إلى الكعبة. ذكر الراجز ما نذره إذا ولى هذا الرجل أمور الناس.]] قال: فجعله: عليَّ واجب، لأنه في المعنى قد أوجب. [[تركت هذه الجملة كما هي في المخطوطة والمطبوعة. وإن كنت أرجح أنه استشهد بالرجز على أنه نصب"صوم شهور"، وعطف عليه"وبادنًا مقلدًا منحورًا"، على معنى: قد أوجبت على نفسي صوم شهور، وبادنًا مقلدًا منحورًا. فإن صح ذلك فيكون صواب هذه العبارة: "فجعله: على واجب = لأنه في المعنى: قد أوجبت".]]
* *
وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك ويقول: لا يجوز أن يكون"الأوليان" بدلا من:"آخران"، من أجل أنه قد نَسَق"فيقسمان" على"يقومان" في قوله [["نسق"، أي: عطف.]] "فآخران يقومان"، فلم يتمّ الخبر بعد"مِنْ". [[في المطبوعة: "فلم يتم الخبر عند من قال. . ."، غير ما في المخطوطة، وهذا خطأ محض. الصواب ما في المخطوطة، يريد: بعد"من الذين استحق عليهم الأوليان".]] قال: ولا يجوز الإبدال قبل إتمام الخبر. [[في المطبوعة والمخطوطة: "قال" بغير واو، والصواب إثباتها كما يدل عليه السياق.
ثم كتب في المطبوعة بعد ذلك"كما قال: غير جائز. . ."، بزيادة"كما"، وهي في المخطوطة، مكتوبة متصلة بالراء، فآثرت قراءتها"وقال"، لأنه حق السياق.]] وقال: غير جائز:"مررت برجل قام زيدٍ وقَعَد"، و"زيد" بدل من"رجل".
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال:"الأوليان" مرفوعان بما لم يسمَّ فاعله، وهو قوله: ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ﴾ وأنهما وُضِعا موضع الخبر عنهما، [[في المطبوعة: "وأنهما موضع الخبر" أسقط"وضعا"، وهي ثابتة في المخطوطة.]] فعمل فيهما ما كان عاملا في الخبر عنهما. وذلك أن معنى الكلام:"فآخران يقومان مَقامهما من الذين استُحِقَّ عليهم الإثم بالخيانة"، فوضع"الأوليان" موضع"الإثم" كما قال تعالى ذكره في موضع آخر: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة التوبة: ١٩] ، ومعناه: أجعلتم سقاية الحاجِّ وعمارةَ المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر = وكما قال: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، [سورة البقرة: ٩٣] ، وكما قال بعض الهذليين. [[هو المنخل الهذلي]]
يُمَشِّي بَيْنَنَا حَانُوتُ خَمْرٍ ... مِنَ الخُرْسِ الصَّرَاصِرَةِ الْقِطَاطِ [[ديوان الهذليين ٢: ٢١، والمعاني الكبير: ٤٧٢. واللسان (حنت) (قطط) (خرص) ، من قصيدة له طويلة، يذكر مواضي أيامه، ثم يقول بعد البيت في صفة الخمر: رَكُودٍ في الإنَاءِ لَهَا حُمَيَّا ... تَلَذُّ بأَخْذِها الأَيْدِي السَّوَاطِي
مُشَعْشَعَةٍ كَعَيْنِ الدَّيكِ، لَيْسَتَْتْ، ... إذَا ذِيقَتْ، مِنَ الخَلِّ الخِمَاطِ
وقوله: "الخرس"، جمع"أخرس"، وهو الذي ذهب كلامه عيًا أو خلقة. ويعني به: خدمًا من العجم لا يفصحون، فلذلك سماهم"خرسًا". وروى بعضهم"من الخرص"، وهو خطأ، فيه نبّه عليه الأزهري رحمه الله.
و"الصراصرة" نبط الشأم. وعندي أنهم سموا بذلك، لشيء كان في أصواتهم وهم يتكلمون، في أصواتهم صياح وارتفاع وامتداد، كأنه صرصة البازي. و"القطاط" جمع"قطط" (بفتحتين) و"قط" (بفتح وتشديد) : وهو الرجل الشديد جعودة الرأس. وقوله: "ركود في الإناء"، يعني أنها صافية ساكنة. و"حميا الخمر"، سورتها وأخذها بالبدن. و"الأيدي السواطي"، التي تسطو إليها، أي: تتناولها معجلة شديدة الرغبة فيها. و"مشعشعة": قد أرقها مزجها بالماء. و"الخماط" من الخمر: التي أصابتها ريح، فلم تستحكم ولم تبلغ الحموضة.]]
وهو يعني: صاحب حانوت خمر، فأقام"الحانوت" مقامه، لأنه معلوم أن"الحانوت"، لا يمشي! ولكن لما كان معلومًا عنده أنَّه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه، حذف"الصاحب"، واجتزأ بذكر"الحانوت" منه. فكذلك قوله:"من الذين استُحِقّ عليهم الأوليان"، إنما هو من الذين استُحِقّ فيهم خيانتهما، فحذفت"الخيانة" وأقيم"المختانان"، مقامها. فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر.
* *
وأما قوله:"عليهم" في هذا الموضع، فإن معناها: فيهم، كما قال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ، [سورة البقرة: ١٠٢] ، يعني: في ملك سليمان، وكما قال: وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [سورة طه: ٧١] . ف"في" توضع موضع"على"، و"على" في موضع"في"، كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام، [[انظر ما سلف ١: ٢٩٩/٢: ٤١١، ٤١٢، وغيرها من المواضع في باب تعاقب الحروف.]]
ومنه قول الشاعر: [[هو أبو المثلم الهذلي.]]
مَتَى مَا تُنِْكرُوها تَعْرِفُوهَا ... عَلَى أَقْطَارِهَا عَلَقٌ نَفِيثُ [[ديوان الهذليين ٢: ٢٢٤، مشكل القرآن: ٢٩٥، ٤٣٠، والمعاني الكبير: ٩٦٩، ٩٧٠، والاقتضاب: ٤٥١، والجواليقي: ٣٧٣، واللسان (نفث) وغيرها. من أبيات في ملاحاة بينه وبين صخر الغي، من جراد دم كان أبو المثلم يطلب عقله، أي ديته، وقبل البيت: لَحَقٌ بَنِي شُغَارَةَ أن يَقُولوا ... لِصَخْرِ الغَيِّ: مَاذَا تَسْتَبِيثُ؟
أي: ماذا تستثير؟ وإنما أراد الحرب، فقال له بعد: "متى ما تنكروها. . ."، أي: إذا جاءت الحرب أنكرتموها، ولكن ما تكادون تنكرونها، حتى تروا الدم يقطر من نواحيها، يعني كتائب المحاربين. و"العلق": الدم، و"الأقطار": النواحي. و"النفيث"، الدم الذي تنفثه القروح والجروح.
وقد خلط البطليوسي في شرح هذا الشعر، فزعم أن الضمير في قوله: "متى ما تنكروها"، عائد"إلى المقالة"، يعني هذا الهجاء بينهما، وأتى في ذلك بكلام لا خير فيه، أراد به الإغراب كعادته.]]
وقد تأوّلت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى ذكره:"فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الأوليان"، أنهما رجلان آخرَان من المسلمين، أو رجلان أعدل من المقسمين الأوَّلَين
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٧٤ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن شريح في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"، قال: إذا كان الرجل بأرض غُرْبة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته، فأشهد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتهم جائزة. فإن جاء رجلان مسلمان فشهدَا بخلاف شهادتهم، أجيزت شهادة المسلمين، وأبطلت شهادة الآخرين. [[الأثر: ١٢٩٧٤ - مضى هذا الخبر برقم: ١٢٩٠٩، ١٢٩٤٣، وانظر التعليق على رقم: ١٢٩٠٩.]]
١٢٩٧٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فإن عثر"، أي: اطلع منهما على خيانة، على أنهما كذبا أو كَتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلافِ ما قالا أجيزت شهادة الآخرين، وأبطلت شهادة الأوَّلين.
١٢٩٧٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء قال: كان ابن عباس يقرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ﴾ قال، كيف يكون"الأوليان"، أرأيت لو كان الأوليان صغيرين؟
١٢٩٧٧- حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان يقرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ﴾ قال، وقال: أرأيت لو كان الأوليان صغيرين، كيف يقومان مقامهما؟
قال أبو جعفر: فذهب ابن عباس، فيما أرى، إلى نحو القول الذي حكيتُ عن شريح وقتادة، من أنّ ذلك رجلان آخران من المسلمين، يقومان مقام النَّصرانيين، أو عَدْلان من المسلمين هما أعدل وأجوزُ شهادة من الشاهدين الأولين أو المقسمين.
وفي إجماع جميع أهل العلم على أنْ لا حكم لله تعالى ذكره يجب فيه على شاهدٍ يمينٌ فيما قام به من الشهادة، دليلٌ واضح على أنّ غير هذا التأويل = الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى ذكره:"فآخران يقومان مقامهما" = أولى به.
وأما قوله"الأوليان"، فإن معناه عندنا: الأوْلى بالميت من المقسمين الأولين فالأولى. [[السياق: "الأولى بالميت. . . فالأولى".]] وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى = ثم حذف"منهما"، [[في المطبوعة: "ثم حذف فيهما"، وهو خطأ صرف، وهي في المخطوطة غير منقوطة.]] والعرب تفعل ذلك فتقول:"فلان أفضل"، وهي تريد:"أفضل منك"، وذلك إذا وضع"أفعل" موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه"الألف واللام"، فعلوا ذلك أيضًا، إذا كان جوابًا لكلام قد مضى، فقالوا:"هذا الأفضل، وهذا الأشرف"، يريدون: هو الأشرف منك.
* *
وقال ابن زيد: معنى ذلك: الأوليان بالميت.
١٢٩٧٨ - حدثني يونس، عن ابن وهب، عنه.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللَّذين عثر على أنهما استحقا إثمًا بخيانتهما مالَ الميت، الأوْليان باليمين والميِّت من الخائنين: ="لشهادتنا أحقُّ من شهادتهما"، يقول: لأيماننا أحقُّ من أيمان المقسمَين المستحقَّين الإثم، وأيمانِهما الكاذبة = في أنَّهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميّتنا، وكذا في أيمانِهما التي حلفا بها="وما اعتدينا"، يقول: وما تجاوزنا الحقَّ في أيماننا.
* *
وقد بينا أن معنى"الاعتداء"، المجاوزة في الشيء حدَّه. [[انظر تفسير"الاعتداء" فيما سلف من فهارس اللغة (عدا) .]]
* *
"إنا إذًا لمن الظالمين" يقول:"إنّا إن كنا اعتدينا في أيماننا، فحلفنا مبطلين فيها كاذبين ="لمن الظالمين"، يقول: لَمِنْ عِدَادِ مَنْ يأخذ ما ليس له أخذه، [[في المطبوعة: "لمن عدا ومن يأخذ"، غير ما في المخطوطة، وأساء أقبح الإساءة.]] ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس. [[انظر تفسير"الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة.]]
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ذلك"، هذا الذي قلت لكم في أمر الأوصياء = إذا ارتبتم في أمرهم، واتهمتموهم بخيانة لمالِ من أوصى إليهم، من حبسهم بعد الصلاة، واستحلافكم إيَّاهم على ما ادَّعى قِبَلهم أولياء الميت ="أدنى" لهم"أن يأتوا بالشهادة على وجهها"، يقول: هذا الفعل، إذا فعلتم بهم، أقربُ لهم أن يصدُقوا في أيمانهم، [[انظر تفسير"أدنى" فيما سلف ٦: ٧٨/٧: ٥٤٨.]] ولا يكتموا، ويقرُّوا بالحق ولا يخونوا [[انظر تفسير"على وجهه" فيما سلف ٢: ٥١١.]] ="أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم"، يقول: أو يخاف هؤلاء الأوصياء إن عثر عليهم أنهم استحقُّوا إثمًا في أيمانهم بالله، أن تردَّ أيمانهم على أولياء الميت، بعد أيمانهم التي عُثِر عليها أنها كذب، فيستحقُّوا بها ما ادّعوا قِبَلهم من حقوقهم، فيصدقوا حينئذٍ في أيمانهم وشهادتهم، مخافةَ الفضيحة على أنفسهم، وحذرًا أن يستحقّ عليهم ما خانُوا فيه أولياء الميِّت وورثته.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. وقد تقدّمت الروايةُ بذلك عن بعضهم، نحن ذاكرو الرواية في ذلك عن بعضِ من بَقي منهم.
١٢٩٧٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فإن عُثر على أنهما استحقّا إثمًا"، يقول: إن اطُّلع على أنّ الكافرين كذبَا ="فآخران يقومان مقامهما"، يقول: من الأولياء، فحلفا بالله أنّ شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد، فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء. يقول تعالى ذكره: ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم. وليس على شُهود المسلمين أقسْام، وإنما الأقسام إذا كانوا كافرين.
١٢٩٨٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة" الآية، يقول: ذلك أحرَى أن يصدقوا في شهادتهم، وأن يخافوا العَقِب. [[في المطبوعة: "وأن يخافوا العقاب"، والصواب ما في المخطوطة و"العقب" (بفتح فكسر) : العاقبة، وذلك عاقبة أمرهما في وبطلان أيمانهم، وعاقبة رد الفضيحة على أنفسهم.]]
١٢٩٨١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أو يخافوا أن تردَّ أيمان بعد أيمانهم"، قال: فتبطل أيمانهم، وتؤخذ أيمانُ هؤلاء.
* *
وقال آخرون: [معنى ذلك تحبسونهما من بعد الصلاة. ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، على أنهما استحقا إثمًا، فآخران يقومان مقامهما] . [[هذه الجملة كلها مضطربة المعنى، ولا تطابق الأثر التالي، وظني أن في الكلام سقطًا، أسقط الناسخ سطرًا أو نحوه، وتركتها على حالها في المخطوطة والمطبوعة، ولكني وضعتها بين قوسين، شكًّا مني في صحتها.]]
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٨٢ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله:"لا نشتري به ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين، أنّ صاحبكم لبهذا أوصى، وأنّ هذه لتركته". فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا:"إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما، فضحتكما في قومكما، ولم أجز لكما شهادة، وعاقبتكما". فإن قال لهما ذلك، فإنّ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وخافوا الله، أيها الناس، وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبةً، وأن تُذْهبوا بها مال من يَحْرم عليكم ماله، وأن تخونوا من اتَّمنكم [[انظر ما كتبته في"اتمن" فيما سلف ص: ١٩٧، تعليق: ٣.]] ="واسمعوا"، يقول: اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به، فاعملوا به، وانتهوا إليه ="والله لا يهدي القوم الفاسقين"، يقول: والله لا يوفِّق من فَسَق عن أمر ربّه، فخالفه وأطاع الشيطانَ وعصى ربَّه.
* *
وكان ابن زيد يقول:"الفاسق"، في هذا الموضع، هو الكاذب. [[انظر تفسير"الفاسق" بهذا المعنى من تفسير ابن زيد، فيما سلف رقم: ١٢١٠٣ في الجزء ١٠: ٣٧٦. ثم انظر تفسير"الفسق" فيما سلف من فهارس اللغة (فسق) .]]
١٢٩٨٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"والله لا يهدي القومَ الفاسقين"، الكاذبين، يحلفون على الكذب.
* *
وليس الذي قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفُوعٍ، إلا أن الله تعالى ذكره عَمَّ الخبر بأنه لا يهدي جميع الفسَّاق، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض بخبر ولا عقلٍ، فذلك على معاني"الفسق" كلها، حتى يخصِّص شيئًا منها ما يجب التسليمُ له، فيُسلِّم له.
* *
ثم اختلف أهل العلم في حكم هاتين الآيتين، هل هو منسوخ، أو هو مُحكَم ثابت؟
فقال بعضهم: هو منسوخ
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٨٤ - حدثنا أبو كريب قال، ثنا ابن إدريس، عن رجل قد سماه، عن حماد، عن إبراهيم قال: هي منسوخة.
١٢٩٨٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: هي منسوخة = يعني هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم"، الآية.
* *
وقال جماعة: هي محكمة وليست بمنسوخة. وقد ذكرنا قولَ أكثرهم فيما مضَى.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن حكم الآية غيرُ منسوخ [[في المطبوعة والمخطوطة: "أن حكم الآية منسوخ"، وهو خطأ فاحش، فإن أبا جعفر يقول بعد ذلك أنها غير منسوخة، كما سترى، فالصواب ما أثبته.]] وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذي عليه أهل الإسلام، من لدن بعث الله تعالى ذكره نبيّه محمدًا ﷺ إلى يومنا هذا، أنّ من ادُّعِي عليه دَعْوى ممَّا يملكه بنو آدم، أنّ المدَّعَى عليه لا يبرئه مما ادُّعي عليه إلا اليمين، إذا لم يكن للمدَّعِي بيّنة تصحح دَعواه = وأنه إن اعترف في يَدِ المدَّعى [عليه] سلعةً له، [[في المطبوعة: "وأنه إن اعترف وفي يدي المدعي سلعة"، غير ما في المخطوطة، وفيها: "وأنه إن اعترف في يد المدعي سلعة"، فأثبت ذلك، وهو الصواب، وزدت"عليه" بين القوسين، لأنه حق المعنى.
وقوله: "اعترف" بمعنى: عرفها وميزها، كما سيأتي في سائر الفقرة.]] فادَّعَى أنها له دون الذي في يده، فقال الذي هي في يده:"بل هي لي، اشتريتها من هذا المدَّعِي"، أنّ القول قول من زَعَم الذي هي في يده أنه اشتراها منه، دون من هي في يده مع يمينه، إذا لم يكن للذي هي في يده بيّنة تحقق به دعواه الشراءَ منه.
فإذ كان ذلك حكم الله الذي لا خلافَ فيه بين أهل العلم، وكانت الآيتان اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمرَ وصية الموصِي إلى عدلين من المسلمين، أو إلى آخرين من غيرهم، إنما ألزَم النبي ﷺ، فيما ذكر عنه، الوصيَّين اليمينَ حين ادَّعَى عليهما الورثة ما ادَّعوا، ثم لم يلزم المدَّعَى عليهما شيئًا إذ حلفا، حتى اعترفت الورثة في أيديهما ما اعترفُوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من أموالهم، فزعما أنهما اشترياه من ميتهم، فحينئذ ألزم النبيُّ ﷺ ورثَة الميِّت اليمين، لأن الوصيين تحوَّلا مُدَّعِيين بدعواهما ما وجدَا في أيديهما من مال الميِّت أنه لهما، اشتريَا ذلك منه، فصارَا مُقِرَّين بالمال للميِّت، مدَّعيين منه الشراء، فاحتاجا حينئذ إلى بيِّنةٍ تصحِّح دعواهما، وصارتْ وورثة الميتِ ربِّ السلعة، [[في المطبوعة: ". . . تصحح دعواهما، وورثة الميت رب السلعة"، حذف قوله"وصارت"، مع أن الكلام لا يستقيم إلا بها، وهي في المخطوطة ثابتة، إلا أن الناسخ أساء كتابتها.]] أولى باليمين منهما. فذلك قوله تعالى ذكره:"فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما"، الآية.
فإذ كان تأويل ذلك كذلك، فلا وجه لدعوَى مدَّعٍ أن هذه الآية منسوخة، لأنه غير جائز أن يُقْضَى على حُكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ، إلا بخبَرٍ يقطع العذرَ: أمّا من عند الله، أو من عند رسوله ﷺ، أو بورود النَّقل المستفيض بذلك. فأمَّا ولا خبر بذلك، ولا يدفع صحته عقل، فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ.
القول في تأويل قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتقوا الله، أيها الناس. واسمعوا وَعْظه إياكم وتذكيرَه لكم، واحذروا يَوْم يَجْمع الله الرسل = ثم حذف"واحذروا"، واكتفى بقوله:"واتقوا الله واسمعوا"، عن إظهاره، كما قال الراجز:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ... حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا [[مضى تخريج البيت وتفسيره فيما سلف ١: ٢٦٤، وكان في المطبوعة هنا: "حتى غدت همالة"، غير ما في المخطوطة.]]
يريد:"وسقيتها ماء باردًا"، فاستغنى بقوله"علفتها تبنًا" من إظهار"سقيتها"، إذ كان السامع إذا سَمِعه عرف معناه. فكذلك في قوله:"يوم يجمع الله والرسل"، حذف"واحذروا" لعلم السامع معناه، اكتفاءً بقوله:"واتقوا الله واسمعوا"، إذ كان ذلك تحذيرًا من أمر الله تعالى ذكره، خلقَه عقابَه على معاصيه.
* *
وأما قوله:"ماذا أُوجبتم"، فإنه يعني به: ما الذي أجابتكم به أممكم، [[انظر تفسير"ماذا" فيما سلف ٤: ٢٩٢، ٣٤٦، ٣٤٧/٨: ٣٥٩.]] حين دعوتموهم إلى توحيدي، والإقرار بي، والعمل بطاعتي، والانتهاء عن معصيتي؟ ="قالوا لا علم لنا".
* *
فاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى قولهم:"لا علم لنا"، لم يكن ذلك من الرسل إنكارًا أن يكونوا كانوا عالمين بما عملت أممهم، ولكنهم ذَهِلوا عن الجواب من هَوْلِ ذلك اليوم، ثم أجابوا بعد أن ثَابَتْ إليهم عقولهم بالشَّهادة على أممهم.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٨٦ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل. قال، حدثنا أسباط، عن السديّ:"يوم يجمع الله الرسل فيقول مَاذا أجبتم قالوا لا علم لنا"، قال: فذلك أنهم نزلوا منزلا ذَهِلت فيه العقول، [[في المطبوعة: "ذلك أنهم لما نزلوا"، وفي المخطوطة: "فذلك أنهم لما نزلوا" وأثبت ما في المخطوطة، وحذفت"لما" لأنه لا موضع لها هنا، وكأنها زيادة من عجلة الناسخ.]] فلما سئلوا قالوا:"لا علم لنا"، ثم نزلوا منزلا آخر، فشهدوا على قومهم.
١٢٩٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة......... قال: سمعت الحسن يقول في قوله:"يوم يجمع الله الرسل"، الآية، قال: من هول ذلك اليوم. [[الأثر: ١٢٩٨٧ - هذا إسناد ناقص بلا شك، بين"عتبة"، و"الحسن البصري"، فوضعت مكانه النقط، وقد أعجلت أن أجد مثله فيما سلف، فتركته حتى أجد تمامه.]]
١٢٩٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد في قوله:"يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم"، فيفزعون، فيقول: ماذا أجبتم؟ فيقولون: لا علم لنا!
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: لا علم لنا إلا ما علّمتنا.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٨٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد في قوله:"يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم"، فيقولون: = لا علم لنا إلا ما علمتنا ="إنك أنتَ علام الغيوب".
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: قالوا لا علم لنا، إلا علمٌ أنت أعلَمُ به منَّا.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٩٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا"، إلا علم أنت أعلم به منا.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك:"ماذا أجبتم"، ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٩١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم"، ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا بعدكم؟ ="قالوا قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب".
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال:"معناه: لا علم لنا، إلا علم أنت أعلم به منّا"، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا:"لا علم لنا إنَّك أنتَ علام الغيوب"، أي: إنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفيِّ العلوم وجليِّها. فإنما نَفى القومُ أن يكون لهم بما سُئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره = لا أنَّهم نَفَوا أن يكونوا علموا ما شاهدُوا. كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنَّهم يُخْبرون بما أجابتهم به الأمم، وأنهم يسْتشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، [[في المطبوعة: "سيشهدون على تبليغهم"، حرف ما في المخطوطة وأساء.]] فقال تعالى ذكره: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [سورة البقرة:١٤٣] .
* *
وأما الذي قاله ابن جريج، من أن معناه:"ماذا عملت الأمم بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟ " فتأويل لا معنَى له. لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يَحدُث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عَمَّا عملت الأمم بعدها والأمر كذلك، فإنما يقال لها: ماذا عَرَّفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهرُ خَبر الله تعالى ذكره عن مسألته إيّاهم، يدلّ على غير ذلك.
القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لعباده: احذروا يومَ يجمع الله الرسلَ فيقول لهم: ماذا أجابتكم أممكم في الدنيا ="إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس".
* *
ف"إذْ" من صلة"أجبتم"، كأنّ معناها: ماذا أجابت عيسى الأمم التي أرسل إليها عيسى.
* *
فإن قال قائل: وكيف سئلت الرسل عن إجابة الأمم إيَّاها في عهد عيسى، ولم يكن في عهد عيسى من الرُّسل إلا أقلُّ ذلك؟ [[في المطبوعة: "إلا أقل من ذلك"، زاد"من"، فأفسد الكلام، والصواب ما في المخطوطة.]]
قيل: جائزٌ أن يكون الله تعالى ذكره عنى بقوله:"فيقول ماذا أجبتم"، الرسلَ الذين كانوا أرسلوا في عهد عيسى، فخرَج الخبر مخرج الجميع، والمراد منهم من كان في عهد عيسى، كما قال تعالى ذكره: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [سورة آل عمران: ١٧٣] ، والمراد واحدٌ من الناس، وإن كان مخرج الكلام على جميع الناس. [[انظر ما سلف: ٤٠٥ ٤١٣.]]
قال أبو جعفر: ومعنى الكلام:"إذ قال الله"، حين قال ="يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس"، يقول: يا عيسى اذكر أياديّ عندك وعند والدتك، [[انظر تفسير"النعمة" فيما سلف من فهارس اللغة (نعم) .]] إذ قوّيتك برُوح القُدس وأعنتُك به. [[انظر تفسير"أيد" فيما سلف ٢: ٣١٩/٥: ٣٧٩/٦: ٢٤٢.]]
* *
وقد اختلف أهل العربية في"أيدتك"، ما هو من الفعل.
فقال بعضهم: هو"فعّلتك"، ["من الأيد"] ، كما قولك:"قوّيتك""فعّلت" من"القوّة". [[الزيادة بين القوسين، لا بد منها. وفي المطبوعة: "كما في قوله" بزيادة"في"، والصواب ما في المخطوطة بحذفها.]]
* *
وقال آخرون: بل هو"فاعلتك" من"الأيد".
وروي عن مجاهد أنه قرأ: ﴿إذْ آيَدْتُك﴾ ، بمعنى"أفعلتك"، من القوّة والأيد. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٥. وهذا الذي ذكره هنا في"أيدتك" تفصيل أغفله في بيانه السالف في: ٢: ٣١٩، وهذا من ضروب اختصاره في التفسير، وهو دال أيضًا على طريقته في تأليف هذا التفسير.]] .
* *
وقوله:"بروح القدس"، يعني: بجبريل. يقول: إذ أعنتك بجبريل.
* *
وقد بينت معنى ذلك، وما معنى"القدس"، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"روح القدس" فيما سلف ٢: ٣٢٠، ٣٢١/٥: ٣٧٩.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قِيله، لعيسى:"اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس"، في حال تكليمك الناسَ في المهدِ وكهلا.
* *
وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره: أنه أيده بروح القدس صغيرًا في المهد، وكهلا كبيرًا = فردّ"الكهل" على قوله"في المهد"، لأن معنى ذلك: صغيرًا، كما قال الله تعالى ذكره: دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا، [سورة يونس: ١٢] .
* *
وقوله:"وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل"، يقول: واذكر أيضًا نعمتي عليك"إذ علمتك الكتاب"، وهو الخطّ ="والحكمة"، وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك، وهو الإنجيل ="وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير"، يقول: كصورة الطير...... [[مكان هذا النقط بياض في المخطوطة، وفي هامشها حرف (ط) ، دلالة على موضع خطأ. فأثبتها كذلك. وإن كنت أرجح أن سياق أبي جعفر يقتضي أن تكون عبارته هكذا:
{وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير، يعني بقوله: "تخلق"، تعمل وتصلح"من الطين كهيئة الطير"، يقول: كصورة الطير: "بإذني"، يقول: بعوني على ذلك. . . ومع ذلك، فقد تركت ما في المخطوطة على ما هو عليه.]] ="بإذني"، يعني بقوله"تخلق" تعمل وتصلح -"من الطين كهيئة الطير بإذني"، يقول: بعوني على ذلك، وعلمٍ منّي به ="فتنفخ فيها"، يقول: فتنفخ في الهيئة، قتكون الهيئة والصورة طيرًا بإذني ="وتبرئ الأكمه"، يقول: وتشفي"الأكمهَ"، وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا، المطموس البصر="والأبرص بإذني".
* *
وقد بينت معاني هذه الحروف فيما مضى من كتابنا هذا مفسرًا بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"المهد" فيما سلف ٦: ٤١٧ = وتفسير"الكهل" ٦: ٤١٧، ٤١٨ = وتفسير"الكتاب"، و"الحكمة" فيما سلف من فهارس اللغة (كتب) و (حكم) = وأما تفسير"خلق" و"هيأة" بهذا المعنى، فلم يذكره فيما سلف، وإن كان ذلك مضى في ٦: ٤٢٤ وتفسير"أبرأ" ٦: ٤٢٨ = وتفسير"الأكمه" ٦: ٤٢٨ - ٤٣٠ = وأما "الأبرص" فلم يفسره = وتفسير"الإذن" فيما سلف ١٠: ١٤٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
* *
وقوله"وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات"، يقول: واذكر أيضًا نعمتي عليك بكفِّي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك، [[انظر تفسير"الكف" فيما سلف ٨: ٥٤٨، ٥٧٩/ ٩: ٢٩/١٠: ١٠١]] وقد هموا بقتلك ="إذ جئتهم بالبينات"، يقول: إذ جئتهم بالأدِلة والأعلام المعجزة على نبوّتك، [[انظر تفسير"البينات" فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]] وحقيقة ما أرسلتك به إليهم. [[في المطبوعة: "وحقية ما أرسلتك"، غيرها كما فعل مرارًا كثيرة فيما سلف، والصواب ما في المخطوطة، وانظر ما سلف ١٠: ٢٤٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="فقال الذين كفروا منهم"، يقول تعالى ذكره: فقال الذين جحدُوا نبوَّتك وكذبوك من بني إسرائيل="إن هذا إلا سحر مبين".
* *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: يبين عمَّا أتى به لمن رأه ونظر إليه، أنه سحر لا حقيقةَ له.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿إن هذا إلا ساحر مبين﴾ ، بمعنى:"ما هذا"، يعني به عيسى،"إلا ساحر مبين"، يقول: يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه، أنه ساحرٌ لا نبيٌّ صادق. [[انظر تفسير"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنَّهما قراءتان معروفتان صحيحتَا المعنى، متفقتان غير مختلفتين. وذلك أن كل من كان موصوفًا بفعل"السحر"، فهو موصوف بأنه"ساحر". ومن كان موصوفًا بأنه"ساحر"، فأنه موصوف بفعل "السحر". فالفعل دالٌ على فاعله، والصفة تدلُّ على موصوفها، والموصوف يدل على صفته، والفاعلُ يدلُّ على فعله. فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في قراءته.
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر أيضًا، يا عيسى، إذ ألقيت [[انظر تفسير"أوحى" فيما سلف ٦: ٤٠٥، ٤٠٦/٩: ٣٩٩.]] ="إلى الحواريين"، وهم وزراء عيسى على دينه.
* *
وقد بينا معنى ذلك، ولم قيل لهم"الحواريون"، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير"الحواريون" فيما سلف ٦: ٤٤٩ - ٤٥١.]]
* *
وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله:"وإذ أوحيت"، وإن كانت متفقة المعاني.
فقال بعضهم، بما:-
١٢٩٩٢ - حدثني به محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذ أوحيت إلى الحواريين"، يقول: قدفت في قلوبهم.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: ألهمتهم.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وإذْ ألقيتُ إلى الحواريين أنْ صدّقوا بي وبرسولي عيسى، فقالوا:"آمنا"، أي: صدقنا بما أمرتنا أن نؤمنَ يا ربنا ="واشهد" علينا"بأننا مسلمون"، يقول: واشهد علينا بأننا خاضِعُون لك بالذّلة، سامعون مطيعُون لأمرك.
القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر، يا عيسى، أيضًا نعمتي عليك، إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي، إذ قالوا لعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء - ف"إذ"، الثانية من صلة"أوحيت".
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"يستطيع ربك"
فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ﴾ بالتاء ﴿رَبَّكَ﴾ بالنصب، بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ أو: هل تستطيع أن تدعوَ ربَّك؟ أو: هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكِّين أن الله تعالى ذكره قادرٌ أن ينزل عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟ [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٥.]]
١٢٩٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكّون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة، ولكن قالوا: يا عيسى هل تَسْتطيع ربَّك؟
١٢٩٩٤- حدثني أحمد بن يوسف التَّغْلِبيّ قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا ابن مهدي، عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن حسّان بن مخارق، عن سعيد بن جبير: أنه قرأها كذلك: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ، وقال: تستطيع أن تسأل ربَّك. وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ [[الأثر: ١٢٩٩٤ -"أحمد بن يوسف التغلبي"، مضى قريبًا برقم: ١٢٩٥٧، وكان في المطبوعة هنا أيضًا: "الثعلبي"، وهو خطأ.
و"جابر بن يزيد بن رفاعة العجلي"، ثقة عزيز الحديث. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٢١٠، وابن أبي حاتم ١/١/٤٩٨.
"حسان بن مخارق". قال البخاري: "أراه: الشيباني"، مترجم في الكبير ٢/١/٣١، وابن أبي حاتم ١/٢/٢٣٥، وقال المعلق على تاريخ البخاري: "في الثقات رجلان، أحدهما في التابعين: حسان بن مخارق الكوفي، يروي عن أم سلمة. روى عنه أبو إسحق الشيباني = والآخر في أتباع التابعين: حسان بن مخارق الشيباني، وقد قيل: حسان بن أبي المخارق، أبو العوام، يروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ: هل تستطيع ربك. روى عنه جابر بن يزيد، وجعلهما ابن أبي حاتم واحدًا".
وكان في المطبوعة: "حيان بن مخارق" حرف ما هو صواب في المخطوطة.]]
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والعراق: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياء ﴿رَبُّكَ﴾ ، بمعنى: أن ينزل علينا ربُّك، كما يقول الرجل لصاحبه:"أتستطيع أن تنهض معنا في كذا"؟ وهو يعلم أنه يستطيع، ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ وقد يجوز أن يكون مرادُ قارئه كذلك: هل يستجيب لك ربك ويُطِيعك أنْ تنزل علينا؟
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب، قراءة من قرأ ذلك: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياء ﴿رَبُّكَ﴾ برفع"الربّ"، بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟
وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب، لما بيّنّا قبلُ من أن قوله:"إذ قال الحواريون"، من صلة:"إذ أوحيت"، وأنَّ معنى الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريون أن آمنوا بي وبرسولي، إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربَّك؟ فبيِّنٌ إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكره قد كرِه منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قِيلهم ذلك، والإقرارِ لله بالقدرة على كل شيء، وتصديقِ رسوله فيما أخبرهم عن ربِّهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم، عند قيلهم ذلك له، استعظامًا منه لما قالوا:"اتقوا الله إن كنتم مؤمنين". ففي استتابة الله إيّاهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله ﷺ عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبيِّ الله ﷺ كلمتهم = [[السياق: ". . . ففي استتابة الله إياهم. . . الدلالة الكافية. . ."، وما بينهما عطوف.]] الدلالةُ الكافيةُ من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع"الرب"، إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى، لو كانوا قالوا له:"هل تستطيع أن تسأل ربَّك أن ينزل علينا مائدة من السماء"؟ أن يُستكبر هذا الاستكبار.
فإن ظنّ ظانّ أنّ قولهم ذلك له إنما استُعظِمَ منهم، [[في المطبوعة: "إنما هو استعظام منهم"، غير ما في المخطوطة وزاد على نصها، فضرب على الكلام فسادا لا يفهم!! و"استعظم" بالبناء للمجهول.]] لأنّ ذلك منهم كان مسألة آيةٍ، [فقد ظنّ خطأ] . [[هذه الزيادة بين القوسين، لا بد منها، لا أشك أن الناسخ قد أسقطها غفلة، فاضطرب سياق الكلام، وسياق حجة أبي جعفر، فاضطر الناشر أن يعبث بكلمات أبي جعفر لكي تستقيم معه، فأفسد الكلام إفسادًا بينًا لا يحل له. وقد رددت الكلام إلى أصله، كما سترى في التعليقات التالية.]] فإن الآيةَ، إنّما يسألها الأنبياء مَنْ كان بها مكذّبًا ليتقرَّر عنده حقيقةُ ثبوتها وصحَّة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبيَّنا محمدًا ﷺ أن يحوِّل لهم الصَّفَا ذهبًا، ويفجر فجَاج مكة أنهارًا، مَنْ سأله من مشركي قومه = وكما كانت مسألة صالح الناقةَ من مكذّبي قومه = ومسألة شُعَيْب أن يسقط كِسْفًا من السماءِ، من كفّار من أرسل إليه. [[في المطبوعة: "من أرسل إليهم"، وأثبت ما في المخطوطة، فهو صواب محض.]]
فإنْ وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، [[في المطبوعة: "وكان الذين سألوا. . ."، حذف"فإن"، وعطف الكلام بعضه على بعض فاضطرب اضطرابًا فاحشًا.]] على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلّهم الذين قرءوا ذلك ب"التاء" ونصب"الرب" محلا أعظم من المحلِّ الذي ظنوا أنَّهم يحيدون بهم عنه [[في المطبوعة: "الذي ظنوا أنهم نزهوا ربهم عنه"، سبحانه وتعالى، ولكن ما فعله الناشر بنص المخطوطة جعل هذا الكلام كله لا معنى له. وكان في المخطوطة: "يحمدوا ربهم"، مضطربة الكتابة، فأساء الناشر قراءتها، وأبلغ في الإساءة حين غير الكلام على الوجه الذي نشره به.]] = أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبي مبعوث ورسول مرسلٌ، وأن الله تعالى ذكره على ما سألوا من ذلك قادر.
فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إيَّاه ذلك على نحو ما يسأل أحدُهم نبيَّه، إذا كان فقيرًا، أن يسأل له ربه أن يُغْنيه = وإن عرضتْ له حاجة، [[في المطبوعة والمخطوطة: "إن عرضت به حاجة"، وهو غير عربي، عربيته ما أثبت]] أن يسأل له ربه أن يقضيَها، فليسَ ذلك من مسألةَ الآية في شيء، [[في المطبوعة: "فأنى ذلك من مسألة الآية"، وفي المخطوطة: "فإن ذلك" وصواب ذلك ما أثبت.]] بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيَّه مسألةَ ربه أن يقضيها له.
وخبر الله تعالى ذكره عن القوم، ينبئ بخلاف ذلك. وذلك أنهم قالوا لعيسى، إذ قال لهم:"اتقوا الله إن كنتم مؤمنين" ="نُريد أن نأكل منها وتطمئنَّ قلوبنا ونعلم أنْ قد صدقتنا". فقد أنبأ هذا من قِيلهم، [[في المطبوعة والمخطوطة: "فقد أنبأ هذا عن قيلهم"، وهو خطأ محض، مخل بالسياق.]] أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدَقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته. فلا بيان أبين من هذا الكلام، في أن القوم كانوا قد خالط قلوبَهم مرضٌ وشك فى دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سَألوا ما سألوا من ذلك اختبارًا.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٩٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس: أنه كان يحدِّث عن عيسى ﷺ: أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؟ فإن أجرَ العامل على من عمل له! ففعلوا، ثم قالوا: يا معلِّم الخير، قلت لنا:"إن أجر العامل على من عمل له"، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحدٍ ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نفرُغ طعامًا، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى:"اتقوا الله إن كنتم مؤمنين" ="قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبُنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين"، إلى قوله:"لا أعذبه أحدًا من العالمين". قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدةٍ من السماء عليها سبعةُ أحواتٍ وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم.
١٢٩٩٦ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء"، قالوا: هل يطيعك ربُّك، إن سألته؟ فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطَّعام إلا اللحم، فأكلوا منها.
* *
وأما"المائدة" فإنها"الفاعلة" من:"ماد فلان القوم يَميدهم مَيْدًا"، إذا أطعمهم ومارهم، ومنه قول رؤبة:
نُهْدِي رُؤُوسَ المتْرَفينَ الأنْدَادْ ... إلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ [[ديوانه: ٤٠، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٣، واللسان (ميد) ، وسيأتي في التفسير ١٢: ٨٤ (بولاق) ، من رجز تمدح فيه بنفسه، ومدح قومه تميما وسعدًا وخندفًا. ثم قبله في آخرها يذكر قومه: نَكْفِي قُريشًا مَنْ سَعَى بِالإفْسَادْ ... مِنْ كُلِّ مَرْهُوبِ الشِّقَاقِ جَحَّادْ
ومُلْحِدٍ خَالَطَ أَمْرَ الإلْحَادْ
وقوله: "نهدي" بالنون، لا بالتاء كما في لسان العرب، وكما كان في المطبوعة هنا. و"المترفون": المتنعمون المتوسعون في لذات الدنيا وشهواتها. و"الأنداد" جمع"ند" (بكسر النون) وهو هنا بمعنى"الضد"، يقال للرجل إذا خالفك، فأردت وجهًا تذهب إليه، ونازعك في ضده: "هو ندى، ونديدي". ويأتي أيضًا بمعنى"المثل والشبيه". ورواية الديوان، ورواية أبي جعفر في المكان الآتي بعد: "الصداد"، جمع"صاد"، وهو المعرض المخالف. يقول: نقتل الخارجين على أمير المؤمنين، ثم نهدي إليه رؤوسهم، وهو المسئول دون الناس.]]
يعني بقوله:"الممتاد"، المستعْطَى. ف"المائدة" المطعِمة، سميت"الخوان" بذلك، لأنها تطعم الآكل ممّا عليها. و"المائد"، المُدَار به في البحر، يقال:"مادَ يَمِيدُ مَيْدًا".
* *
وأما قوله:"قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين"، فإنه يعني: قال عيسى للحواريّين القائلين له:"هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء" = راقبوا الله، أيها القوم، وخافوه [[في المطبوعة: "وخافوا"، وأثبت ما في المخطوطة.]] أن يَنزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده، وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء، كفرٌ به، فاتقوا الله أن يُنزل بكم نقمته ="إن كنتم مؤمنين"، يقول: إن كنتم مصدقيَّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم:"هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء"؟
القول في تأويل قوله: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: قال الحواريون مجيبي عيسى على قوله لهم:"اتقوا الله إن كنتم مؤمنين"، في قولكم لي"هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء" =: إنا إنما قلنا ذلك، وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة، فنعلم يقينًا قدرته على كل شيء ="وتطمئن قلوبنا"، يقول: وتسكن قلوبنا، وتستقرّ على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد، [[انظر تفسير"الاطمئنان" فيما سلف ٥: ٤٩٢/٩: ١٦٥.]] "ونعلم أن قد صدقتنا"، ونعلم أنك لم تكذبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل ونبيّ مبعوث ="ونكون عليها"، يقول: ونكون على المائدة ="من الشاهدين"، يقول: ممن يشهد أن الله أنزلها حجةً لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء، ولك على صدقكَ في نبوّتك. [[انظر تفسير"الشاهد" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد) .]]
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن نبيه عيسى ﷺ، أنه أجاب القوم إلى ما سألوا من مسألة ربه مائدةً تنزل عليهم من السماء.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا". فقال بعضهم: معناه: نتخذ اليومَ الذي نزلت فيه عيدًا نُعَظِّمه نحن ومن بعدَنا.
ذكر من قال ذلك:
١٢٩٩٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا"، يقول: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظِّمه نحن ومن بعدنا.
١٢٩٩٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله"تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا"، قال: أرادوا أن تكون لعَقِبهم من بعدهم.
١٢٩٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا"، قال: الذين هم أحياء منهم يومئذ ="وآخرنا"، من بعدهم منهم.
١٣٠٠٠- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، قال سفيان:"تكون لنا عيدًا"، قالوا: نصلي فيه. نزلت مرتين.
* *
وقال آخرون: معناه: نأكل منها جميعًا.
ذكر من قال ذلك:
١٣٠٠١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس أنه قال: أكل منها = يعني: من المائدة = حين وضعت بين أيديهم، آخر الناس، كما أكل منها أولهم.
* *
وقال آخرون: معنى قوله"عيدًا"، عائدة من الله تعالى ذكره علينا، وحجة وبرهانًا.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال:"معناه: تكون لنا عيدًا، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه، ونصلي له فيه، كما يعبد الناس في أعيادهم"، لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في"العيد"، ما ذكرنا، دون القول الذي قاله من قال:"معناه: عائدة من الله علينا". وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به، أولى من توجيهه إلى المجهول منه، ما وجد إليه السبيل.
* *
وأما قوله:"لأولنا وآخرنا"، فإن الأولى من تأويله بالصواب، قولُ من قال:"تأويله: للأحياء منا اليوم، ومن يجيء بعدنا منا"، للعلة التي ذكرناها في قوله:"تكون لنا عيدًا"، لأن ذلك هو الأغلب من معناه.
* *
وأما قوله:"وآية منك"، فإن معناه: وعلامةً وحجة منك يا رب، على عبادك في وحدانيتك، وفي صدقي على أنّي رسولٌ إليهم بما أرسلتني به [[انظر تفسير"آية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] ="وارزقنا وأنت خير الرازقين"، وأعطنا من عطائك، فإنك يا رب خير من يعطي، وأجود من تفضَّل، لأنه لا يدخل عطاءه منٌّ ولا نكَد. [[وانظر تفسير"الرزق" فيما سلف من فهارس اللغة (رزق) .]]
* *
وقد اختلف أهل التأويل في"المائدة"، هل أنزلت عليهم، أم لا؟ وما كانت؟
فقال بعضهم: نزلت، وكانت حوتًا وطعامًا، فأكل القوم منها، ولكنها رفعت بعد ما نزلت بأحداثٍ منهم أحدثوها فيما بينهم وبين الله تعالى ذكره.
ذكر من قال ذلك:
١٣٠٠٢ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلت المائدة، خبزًا وسمكًا.
١٣٠٠٣ - حدثني الحسين بن علي الصدائي قال، حدثنا أبي، عن الفضيل، عن عطية قال:"المائدة"، سمكة فيها طعم كلِّ طعام.
١٣٠٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن فضيل، عن مسروق، عن عطية قال:"المائدة"، سمك فيه من طعم كل طعام.
١٣٠٠٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن قال: نزلت المائدة خبزًا وسمكًا.
١٣٠٠٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين، خِوانٌ عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا.
١٣٠٠٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا المنذر بن النعمان، أنه سمع وهب بن منبه يقول في قوله:"أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا"، قال: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات = قال الحسن، قال أبو بكر: [["أبو بكر" هو"عبد الرزاق"، وهو: "عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري".]] فحدَّثت به عبد الصمد بن معقل فقال: سمعت وهبًا، وقيل له: وما كان ذلك يُغْني عنهم؟ فقال: لا شيء، ولكن الله حَثَا بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ويجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكلوا جميعهم وأفضَلُوا.
١٣٠٠٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد قال: هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا.
١٣٠٠٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"مائدة من السماء"، قال: مائدة عليها طعام، أُتوا بها؛ حين عرض عليهم العذاب إن كفروا. ألوان من طعام ينزل عليهم. [[في المطبوعة، غير هذه العبارة تغيرًا شاملا مزيلا لمعناها، فكتب: مائدة عليها طعام، أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل عليهم"، وأثبت ما في المخطوطة.
أما المعنى الذي صحح الناشر الأول عليه هذا الأثر، فهو مخالف لهذا كل المخالفة، لأنه من قول من قال: "لم تنزل على بني إسرائيل مائدة"، وهو قول مروي عن مجاهد فيما سيأتي رقم: ١٣٠٢١.]]
١٣٠١٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن إسحاق بن عبد الله: أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحْوات، يأكلون منها ما شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها وقال:"لعلها لا تنزل غدًا! "، فرفعت.
١٣٠١١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن سماك بن حرب، عن رجل من بني عجل قال: صليت إلى جنب عَمار بن ياسر، فلما فرغ قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال فقلت: لا! قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد. قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا، أو تخونوا، أو ترفعوا، فإن فعلتم فإنّي أعذبكم عذابًا لا أعذّبه أحدا من العالمين! قال: فما تمّ يومهم حتى خبئوا ورَفعوا وخانوا، فعذبوا عذابًا لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم معشر العرب، كنتم تتْبعون أذنابَ الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم، تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم على لسان نبيكم أنكم ستظهارون على العرَب، ونهاكم أن تكنزوا الذهبَ والفضة. وايمْ الله. لا يذهبُ الليلُ والنهارُ حتى تكنزوهما، ويعذِّبكم عذابًا أليمًا.
١٣٠١٢ - حدثنا الحسن بن قزعة البصري قال، حدثنا سفيان بن حبيب قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر قال، قال رسول الله ﷺ: نزلت المائدة خبزًا ولحمًا، وأُمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا ولا يرفعوا لغدٍ، فخانوا وادّخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير. [[الأثر: ١٣٠١٢ -"الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمي البصري"، ثقة. مضى برقم: ٨٢٨١.
و"سفيان بن حبيب البصري"، ثقة، مضى برقم: ١١٣٠٢، ١١٣٢١.
و"خلاس بن عمرو الهجري"، مضى مرارًا، منها: ٤٥٥٧، ٥١٣٤، وغيرهما.
وكان في المطبوعة: "جلاس بن عمرو"، وهو خطأ.
وهذا الخبر، رواه الترمذي في كتاب التفسير من سننه، بإسناده عن الحسن بن قزعة، ثم قال: "هذا حديث رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار، موقوفًا. ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة = حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا سفيان بن حبيب، عن سعيد بن أبي عروبة، نحوه، ولم يرفعه. وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعرف للحديث المرفوع أصلا".
وانظر الأثر التالي رقم: ١٣٠١٤، وهو الخبر الموقوف.]]
١٣٠١٣- حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا يوسف بن خالد قال، حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في المائدة قال: كانت طعامًا ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا.
* *
ذكر من قال ذلك:
١٣٠١٤- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار قال: نزلت المائدة وعليها ثمرٌ من ثمر الجنة، فأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا، قال: فخان القوم وخبئوا وادَّخروا، فحوّلهم الله قردة وخنازير. [[الأثر: ١٣٠١٤ - انظر التعليق على رقم: ١٣٠١٢، وكان في المطبوعة هنا أيضًا"جلاس بن عمرو" وهو خطأ.]]
١٣٠١٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمرُ من ثمار الجنة، وأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد، بلاء ابتلاهم الله به، [[في المطبوعة والمخطوطة: "أبلاهم الله به"، وهو لا يصح، صواب قراءته ما أثبت.]] وكانوا إذا فعلوا شيئًا من ذلك، أنبأهم به عيسى، فخان القوم فيه فخبئوا وادّخروا لغدٍ.
* *
وقال آخرون: كان عليها من كلّ طعام إلا اللحم.
ذكر من قال ذلك:
١٣٠١٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة قال: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل، اختلفت عليها الأيدي بكل طعام.
١٣٠١٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عطاء، عن ميسرة وزاذان قالا كانت الأيدي تختلف عليها بكل طعام.
١٣٠١٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان وميسرة، في:"هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدةً من السماء"، قالا رأوا الأيدي تختلف عليها بكل شيء إلا اللحم. [[الأثران: ١٣٠١٧، ١٣٠١٨ -"زاذان الكندي الضرير"، مضى برقم: ٩٥٠٨.]]
* *
وقال آخرون: لم ينزل الله على بني إسرائيل مائدة.
* *
ثم اختلف قائلو هذه المقالة.
فقال بعضهم: إنما هذا مثل ضربه الله تعالى ذكره لخلقه، نهاهم به عن مسألة نبيّ الله الآيات.
ذكر من قال ذلك:
١٣٠١٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد في قوله:"أنزل علينا مائدة من السماء"، قال: مثل ضُرب، لم ينزل عليهم شيء.
* *
وقال آخرون: إنّ القوم لما قيل لهم:"فمن يكفر بعدُ منكم فإني أعذِّبه عذابًا لا أعذِّبه أحدًا من العالمين"، استعفَوْا منها فلم تنزل.
ذكر من قال ذلك:
١٣٠٢٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم:"فمن يكفر بعد منكم"، إلى آخر الآية، قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.
١٣٠٢١- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن: أنه قال في المائدة: لم تنزل. [[الأثر: ١٣٠٢١ -"منصور بن زاذان الثقفي الواسطي"، أبو المغيرة. ثقة، روى عن أبي العالية، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سيرين. مترجم في التهذيب.]]
١٣٠٢٢ - حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: مائدة عليها طعام، أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تَنزل عليهم.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألتَه ذلك ربَّه.
وإنما قلنا ذلك، للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله ﷺ وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم، غير من انفرد بما ذكرنا عنه.
وبعدُ، فإن الله تعالى ذكره لا يخلف وعدَه، ولا يقع في خبره الْخُلف، وقد قال تعالى ذكره مخبرًا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى ﷺ حين سأله ما سأله من ذلك:"إني منزلها عليكم"، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره: "إني منزلها عليكم"، ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه تعالى ذكره خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول:"إني منزلها عليكم"، ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول:"فمن يكفر بعد منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين"، ثم يكفر منهم بعد ذلك، فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة. وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك.
* *
وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون كان سمكًا وخبزًا، وجائزٌ أن يكون كانَ ثمرًا من ثمر الجنة، وغيرُ نافع العلم به، ولا ضارّ الجهل به، إذا أقرَّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا جواب من الله تعالى ذكره القومَ فيما سألوا نبيّهم عيسى مسألةَ ربهم، من إنزاله مائدة عليهم. فقال تعالى ذكره: إني منزلها عليكم، أيها الحواريون، فمطعمكموها ="فمن يكفر بعد منكم"، يقول: فمن يجحد بعد إنزالها عليكم، وإطعاميكموها - منكم رسالتي إليه، وينكر نبوة نبيِّي عيسى ﷺ، ويخالفْ طاعتي فيما أمرته ونهيته ="فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين"، من عالمي زمانه. ففعل القوم، فجحدوا وكفروا بعد ما أنزلت عليهم، فيما ذكر لنا، فعذبوا، فيما بلغنا، بأن مُسِخوا قردة وخنازير، كالذي:-
١٣٠٢٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إني منزلها عليكم" الآية، ذكر لنا أنهم حوِّلوا خنازير.
١٣٠٢٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب ومحمد بن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن أبي المغيرة القوّاس، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشدّ الناس عذابًا ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. [[الأثران: ١٣٠٢٥، ١٣٠٢٦ -"أبو المغيرة القواس"، روى عن عبد الله بن عمرو. روى عنه عوف. وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال: "لا أعلم أحدًا يسميه". ضعفه سليمان التيمي، ووثقه ابن معين. مترجم في الكنى للبخاري: ٧٠، وابن أبي حاتم ٤/٢/٤٣٩.]]
١٣٠٢٥- حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن عوف قال: سمعت أبا المغيرة القوّاس يقول: قال عبد الله بن عمرو: إنّ أشد الناس عذابًا يوم القيامة: من كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون. [[الأثران: ١٣٠٢٥، ١٣٠٢٦ -"أبو المغيرة القواس"، روى عن عبد الله بن عمرو. روى عنه عوف. وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال: "لا أعلم أحدًا يسميه". ضعفه سليمان التيمي، ووثقه ابن معين. مترجم في الكنى للبخاري: ٧٠، وابن أبي حاتم ٤/٢/٤٣٩.]]
١٣٠٢٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"فمن يكفر بعد منكم"، بعد ما جاءته المائدة ="فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين"، يقول: أعذبه بعذاب لا أعذبه أحدًا من العالمين غير أهل المائدة.
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:"يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم"،"إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمِّيَ إلهين من دون الله".
* *
وقيل: إن الله قال هذا القولَ لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
١٣٠٢٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"، قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم إليه، قالت النصارى ما قالت، وزعموا أنّ عيسى أمرَهم بذلك، فسأله عن قوله فقال:"سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب" إلى قوله:"وأنت على كل شيء شهيد".
* *
وقال آخرون: بل هذا خبر من الله تعالى ذكره عن أنه يقول لعيسى ذلك في القيامة.
ذكر من قال ذلك:
١٣٠٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"، قال: والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، وأقرَّ له بالعبودية على نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول: أنه إنما كان يقول باطلا.
١٣٠٣٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة قال: قال الله: يا عيسى، أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله؟ فأُرْعِدت مفاصله، وخشي أن يكون قد قال، فقال: سبحانك، إن كنت قلته فقد علمته = الآية.
١٣٠٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"، متى يكون ذلك؟ قال: يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول:"هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم"؟
= فعلى هذا التأويل الذي تأوَّله ابن جريج، يجب أن يكون"وإذ" بمعنى: و"إذا"، كما قال في موضع آخر: وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا، [سورة سبأ: ٥١] ، بمعنى: يفزعون، وكما قال أبو النجم:
ثُمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنَّا إذْ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلالِيِّ العُلا [[الأضداد لابن الأنباري: ١٠٢، والصاحبي: ١١٢، واللسان (طها) وسيأتي بعد قليل في هذا الجزء ص: ٣١٧، بزيادة بيت. وقوله: "العلالي"، جمع"علية" (بكسر العين، وتشديد اللام المكسورة، والياء المشدودة) : وهي الغرفة العالية من البيت. وأرد بذلك: "في عليين"، المذكورة في القرآن. وقد قال هدبة من خشرم أيضًا، فتصرف: كأنَّ حَوْطًا، جزاهُ اللهُ مَغْفِرَةً ... وَجَنَّةً ذاتَ عِلِّيٍّ وأشْرَاعِ
و"الأشراع"، السقائف.]]
والمعنى: إذا جزى، وكما قال الأسود: [[هو الأسود بن يعفر النهشلي، أعشى بني نهشل.]]
فَالآنَ، إذْ هَازَلْتُهُنَّ، فإنَّمَا ... يَقُلْنَ: ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبَا!! ٌٌ [[ديوان الأعشين: ٢٩٣، والأضداد لابن الأنباري: ١٠١، من قصيدة له، ذهب أكثرها فلم يوجد منها في الكتب المطبوعة، غير هذا البيت، وخمسة أبيات أخرى، في ديوانه، وفي العيني (هامش خزانة الأدب ٤: ١٠٣) ، وهي أبيات جياد: صَحَا سَكَرٌ مِنْه طَوِيلٌ بِزَيْنَيَا ... تَعَاقَبَهُ لَمَّا اسْتَبَانَ وجَرَّبَا
وَأَحْكَمَهُ شَيْبُ القَذَالِ عَنِ الصِّبَا ... فَكَيْفَ تَصَابِيه وَقَدْ صَار أَشْيَبَا؟
وَكَان لَهُ، فِيمَا أَفَادَ، خَلاَئِلٌ ... عَجِلْنَ، إذَا لاقَيْنَهُ، قُلْنَ: مَرْحَبَاٌ!!
فأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنَهُ عَنْ بِمَا بهِ ... أصَعَّدَ فَي عُلْوِ الهَوَى أم تَصَوَّبَا؟
طَوَامِحُ بالأَبْصَارِ عَنْه، كَأَنَّمَا ... يَرَيْنَ عَلَيْهِ جُلَّ أَدْهَمَ أجْرَبَا]]
بمعنى: إذا هازلتهن.
وكأنّ من قال في ذلك بقول ابن جريج هذا، وجَّه تأويل الآية إلى:"فمن يكفر بعدُ منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين" في الدنيا = وأعذبه أيضًا في الآخرة:"إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله".
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك، قولُ من قال بقول السدي، وهو أن الله تعالى ذكره قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه، وأن الخبرَ خبرٌ عما مضى، لعلَّتين:
إحداهما: أن"إذْ" إنما تصاحب = في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها = الماضيَ من الفعل، وإن كانت قد تدخلها أحيانًا في موضع الخبر عما يحدث، إذا عرف السامعون معناها. وذلك غير فاشٍ، ولا فصيح في كلامهم، [[انظر ما سلف من القول في"إذ" و"إذا" ١: ٣٤٩ - ٤٤٤، ٤٩٣/٣: ٩٢، ٩٨/٦: ٤٠٧، ٥٥٠/٧: ٣٣٣/٩: ٦٢٧. وانظر ما سيأتي ص: ٣١٧.]] وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل، [[في المطبوعة والمخطوطة: "فتوجيه" بالفاء، والجيد ما أثبت.]] أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر.
والأخرى: أن عيسى لم يشك هو ولا أحد من الأنبياء، أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، فيجوز أن يُتَوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبًا لربه تعالى ذكره: إن تعذّب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.
* *
فإن قال قائل: وما كان وجه سؤال الله عيسى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك؟
قيل: يحتمل ذلك وجهين من التأويل: أحدهما: تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيُه، كما يقول القائل لآخر:"أفعلت كذا وكذا"؟ مما يعلم المقولُ له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له:"أفعلته"، على وجه النهي عن فعله، والتهديد له فيه.
والآخر: إعلامه أنّ قومه الذين فارقهم قد خالفوا عهده، وبدّلوا دينهم بعده. فيكون بذلك جامعًا إعلامَه حالَهم بعده، وتحذيرًا له قيله. [[في المطبوعة: "وتحذيره"، غير ما كان في المخطوطة لغير طائل.]]
* *
قال أبو جعفر: وأما تأويل الكلام، فإنه: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين"، أي: معبودين تعبدونهما من دون الله. قال عيسى: تنزيهًا لك يا رب وتعظيمًا أن أفعل ذلك أو أتكلم به [[انظر تفسير"سبحان" فيما سلف ١: ٤٧٤ - ٤٧٦، ٤٩٥/٢: ٥٣٧/٦: ٤٢٣.]] = ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق"، يقول: ليس لي أن أقول ذلك، لأني عبد مخلوق، وأمي أمَةٌ لك، وكيف يكون للعبد والأمة ادّعاء ربوبية؟ = [[في المطبوعة: "فهل يكون للعبد"، وفي المخطوطة: "فيكون يكون للعبد"، هكذا ورجحت قراءتها كما أثبتها.]] "إن كنت قلته فقد علمته"، يقول: إنك لا يخفى عليك شيء، وأنت عالم أني لم أقل ذلك ولم آمُرهم به.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (١١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن نبيه عيسى ﷺ: أنه يبرأ إليه مما قالت فيه وفي أمه الكفرةُ من النصارى، أن يكون دعاهم إليه أو أمرهم به، فقال:"سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته". ثم قال:"تعلم ما في نفسي"، يقول: إنك، يا رب، لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لم أنطق به ولم أظهره بجوارحي، فكيف بما قد نطقتُ به وأظهرته بجوارحي؟ يقول: لو كنت قد قلت للناس: ا"تخذوني وأمي إلهين من دون الله"، كنت قد علمته، لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به، فكيف بما قد نطقت به؟ ="ولا أعلم ما في نفسك"، يقول: ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه، لأني إنما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه ="إنك أنت عَلام الغيوب"، يقول: إنك أنت العالم بخفيّات الأمور التي لا يطلع عليها سواك، ولا يعلمها غيرك. [[انظر تفسير"علام الغيوب" فيما سلف قريبًا: ٢١١ = وتفسير"الغيب" ١: ٢٣٦، ٢٣٧/٦: ٤٠٥/١٠: ٥٨٥.]]
القول في تأويل قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول عيسى، يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم:"اعبدوا الله ربي وربكم" ="وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم"، يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم [[انظر تفسير: "شهيد" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد) = وتفسير"ما دام" فيما سلف ١٠: ١٨٥/ ١١: ٧٤.]] ="فلما توفيتني"، يقول: فلما قبضتني إليك [[انظر تفسير"توفاه" فيما سلف ٦: ٤٥٥ - ٤٦١/٨: ٧٣/٩: ١٠٠.]] ="كنت أنت الرقيب عليهم"، يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني، [[انظر تفسير"الرقيب" فيما سلف ٧: ٥٢٣.]] لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم.
وفي هذا تبيانُ أن الله تعالى ذكره إنما عرّفه أفعالَ القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله:"أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله".
="وأنت على كل شيء شهيد" يقول: وأنت تشهد على كل شيء، لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا، فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيتُ وشهدت.
* *
وبنحو الذي قلنا في قوله:"كنت أنت الرقيب عليهم"، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٣٠٣٢ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدى:"كنت أنت الرقيب عليهم"، أما"الرقيب"، فهو الحفيظ.
١٣٠٣٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"كنت أنت الرقيب عليهم"، قال: الحفيظ.
* *
وكانت جماعة من أهل العلم تقول: كان جواب عيسى الذي أجاب به ربَّه من الله تعالى، توقيفًا منه له فيه. [[في المطبوعة والمخطوطة: "توفيقًا" (بالفاء قبل القاف) ، في هذا الموضع وما يليه.
وهو خطأ من الناسخ والناشر لا شك فيه، صوابه ما أثبت. يقال: "وقفت الرجل على الكلمة توقيفًا"، إذا علمته الكلمة لم يكن يعلمها، أو غابت عنه. أي أنها كانت من تعليم الله إياه، لم يقلها من عند نفسه.]]
ذكر من قال ذلك:
١٣٠٣٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه:"أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق"، قال: الله وقَّفَه. [[في المطبوعة والمخطوطة: "الله وفقه"، وانظر التعليق السالف، وكذلك ما سيأتي في الأثر التالي.]]
١٣٠٣٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفري قال، قرئ على سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه طاوس قال: احتج عيسى، والله وقّفه:"أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"، الآية.
١٣٠٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة قال: قال الله تعالى ذكره:"يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"؟ قال: فأُرعدت مفاصله، وخشى أن يكون قد قالها، فقال:"سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب".
القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنْ تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، بإماتتك إياهم عليها ="فإنهم عبادك"، مستسلمون لك، لا يمتنعون مما أردت بهم، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرًّا ولا أمرًا تنالهم به ="وإن تغفر لهم"، بهدايتك إياهم إلى التوبة منها، فتستر عليهم ="فإنك أنت العزيز"، [[انظر تفسير"العباد"، و"المغفرة"، و"العزيز"، و"الحكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (عبد) ، (غفر) ، (عزز) ، (حكم) .]] في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر أحدٌ يدفعه عنه ="الحكيم"، في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة، وتوفيقه من وفَّق منهم لسبيل النجاة من العقاب، كالذي:-
١٣٠٣٧ - حثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم"، فتخرجهم من النصرانية، وتهديهم إلى الإسلام ="فإنك أنت العزيز الحكيم". وهذا قول عيسى في الدنيا.
١٣٠٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"، قال: والله ما كانوا طعَّانين ولا لعَّانين.
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله:"هذا يوم ينفع الصادقين". فقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والمدينة: ﴿هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ ، بنصب"يوم".
* *
وقرأه بعض أهل الحجاز وبعض أهل المدينة، وعامة قرأة أهل العراق: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ، برفع"يوم". فمن رفعه رفعه ب"هذا"، وجعل"يوم" اسمًا، وإن كانت إضافته غير محضة، لأنه قد صار كالمنعوت. [[في المطبوعة: "لأنه صار"، أسقط"قد".]]
وكان بعض أهل العربية يزعم أن العرب يعملون في إعراب الأوقات مثل"اليوم" و"الليلة"، عملهم فيما بعدها. إن كان ما بعدها رفعًا رفعوها، كقولهم:"هذا يومُ يركب الأمير"، و"ليلةُ يصدر الحاج"، و"يومُ أخوك منطلق". وإن كان ما بعدها نصبًا نصبوها، وذلك كقولهم:"هذا يومَ خرج الجيش، وسار الناس"، و"ليلةَ قتل زيد"، ونحو ذلك، وإن كان معناها في الحالين"إذ" و"إذا".
* *
وكأن من قرأ هذا هكذا رفعًا، وجَّه الكلام إلى أنه من قيل الله يوم القيامة.
* *
وكذلك كان السدي يقول في ذلك.
١٣٠٣٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال الله:"هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم"، هذا فصل من كلام عيسى، وهذا يوم القيامة.
* *
يعني السدي بقوله:"هذا فصل من كلام عيسى": أن قوله:"سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق" إلى قوله:"فإنك أنت العزيز الحكيم"، من خبر الله عز وجل عن عيسى أنه قاله في الدنيا بعد أن رفعه إليه، وأن ما بعد ذلك من كلام الله لعباده يوم القيامة.
* *
وأما النصب في ذلك، فإنه يتوجه من وجهين:
أحدهما: أن إضافة"يوم" ما لم تكن إلى اسم، تجعله نصبًا، لأن الإضافة غير محضة، وإنما تكون الإضافة محضة، إذا أضيف إلى اسم صحيح. ونظير"اليوم" في ذلك:"الحين" و"الزمان"، وما أشبههما من الأزمنة، كما قال النابغة:
عَلَى حِيْنَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... وَقُلْتُ ألَمَّا تَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ [[ديوانه: ٣٨، ومعاني القرآن للفراء ١: ٣٢٧، وسيبويه ١: ٣٦٩، والخزانة ٣: ١٥١ والعيني (هامش الخزانة) ٣: ٤٠٦/ ٤: ٣٥٧، وسيأتي في هذا التفسير ١٩: ٨٨/ ثم ٣٠: ٥٧، (بولاق) ، ورواية أبي جعفر هنا"ألما تصح" كرواية الفراء، وفي سائر المراجع"ألما أصح". وهما روايتان صحيحتا المعنى.
وهذا البيت من قصيدته التي قالها معتذرا إلى النعمان بن المنذر، متنصلا مما قذفه به مرة بن ربيعة عند النعمان، يقول قبله: فَكَفْكَفْتُ مِنِّي عَبْرَةً فَرَدَدْتُهَا ... على النَّحْرِ، مِنْها مُسْتَهِلٌّ ودامِعٌ
يقول: عاقبت نفسي على تشوقها إلى ما فات من صباي، فقد شبت وشابت لداتي، وقلت لنفسي: ألم تفق بعد من سكرة الصبا، وعهد الناس بالمشيب أنه يكف من غلواء الشباب!]]
والوجه الآخر: أن يكون مرادًا بالكلام: هذا الأمر وهذا الشأن، يومَ ينفع الصادقين = فيكون"اليوم" حينئذ منصوبًا على الوقت والصفة، بمعنى: هذا الأمر في يوم ينفع الصادقين صدقهم.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ﴿هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ ، بنصب"اليوم"، على أنه منصوب على الوقت والصفة. لأن معنى الكلام: إنّ الله جل وتعالى ذكره أجاب عيسى حين قال:"سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته"، إلى قوله:"فإنك أنت العزيز الحكيم"، فقال له عز وجل: هذا القولُ النافعُ = أو هذا الصدق النافع = يوم ينفع الصادقين صدقهم. ف"اليوم" وقت القول والصدق النافع.
* *
فإن قال قائل: فما موضع"هذا"؟
قيل: رفع.
فإن قال: فأين رَافعه؟ قيل: مضمر. وكأنه قال: قال الله عز وجل: هذا، هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، كما قال الشاعر: [[لم أعرف هذا الراجز]]
أَمَا تَرَى السَّحَابَ كَيْفَ يَجْرِي ؟ ... هذا، وَلا خَيْلُكَ يَا ابْن بِشْرِ
يريد: هذا هذا، ولا خيلك.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام، إذ كان الأمر على ما وصفنا لما بينا: قال الله لعيسى: هذا القول النافع في يوم ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم ذلك، في الآخرة عند الله ="لهم جنات تجري من تحتها الأنهار"، يقول: للصادقين في الدنيا، جنات تجري من تحتها الأنهار في الآخرة، ثوابًا لهم من الله عز وجل على ما كان من صدقهم الذي صدقوا الله فيما وعدوه، فوفوا به لله، فوفى الله عز وجل لهم ما وعدهم من ثوابه ="خالدين فيها أبدًا"، يقول: باقين في الجنات التي أعطاهموها ="أبدًا"، دائمًا، لهم فيها نعيم لا ينتقل عنهم ولا يزول. [[انظر تفسير"أبدًا" فيما سلف ٩: ٢٢٧/١٠: ١٨٥.]]
* *
وقد بينا فيما مضى أن معنى"الخلود"، الدوام والبقاء. [[انظر فهارس اللغة فيما سلف (خلد) .]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: رَضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه ="ورضوا عنه"، يقول: ورضوا هم عن الله تعالى ذكره في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه فيما أمرهم ونهاهم، من جزيل ثوابه [[انظر تفسير"الرضا" فيما سلف ٦: ٢٦٢/٩: ٤٨٠/١٠: ١٤٤.]] ="ذلك الفوز العظيم"، يقول: هذا الذي أعطاهم الله من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، مرضيًّا عنهم وراضين عن ربهم، هو الظفر العظيم بالطَّلِبة، [[انظر تفسير"الفوز". فيما سلف ٧: ٤٥٢، ٤٧٢/٨: ٧١.]] وإدراك الحاجة التي كانوا يطلبونها في الدنيا، ولها كانوا يعملون فيها، فنالوا ما طلبوا، وأدركوا ما أمَّلوا.
القول في تأويل قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيها النصارى،"لله ملك السموات والأرض"، يقول: له سلطان السموات والأرض [[انظر تفسير"الملك" فيما سلف ٨: ٤٨٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ="وما فيهن"، دون عيسى الذين تزعمون أنه إلهكم، ودون أمه، ودون جميع من في السموات ومن في الأرض، فإن السموات والأرض خلق من خلقه وما فيهن، وعيسى وأمُّه من بعض ذلك بالحلول والانتقال، يدلان بكونهما في المكان الذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال، أنهما عبدان مملوكان لمن له ملك السموات والأرض وما فيهن. ينبِّههم وجميعَ خلقه على موضع حجته عليهم، ليدَّبروه ويعتبروه فيعقلوا عنه ="وهو على كل شيء قدير"، [[انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة (قدر) .]] يقول تعالى ذكره: والله الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن، قادرٌ على إفنائهن وعلى إهلاكهن، وإهلاك عيسى وأمه ومن في الأرض جميعًا كما ابتدأ خلقهم، لا يعجزه ذلك ولا شيء أراده، لأن قدرته القدرةُ التي لا تشبهها قدرة، وسلطانه السلطان الذي لا يشبهه سلطان ولا مملكة.
* *
﴿آخر تفسير سورة المائدة﴾ [[عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه:
"آخر تفسير سورة المائدة صَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم يَتْلُوهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، تَفْسِيرُ سُورَةِ الأَنْعَامِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمينَ"]]