John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-An'aam

Tafsir al-Tabari · The Cattle · 165 ayat · ayat 91–120 · Quran text →

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:"وما قدروا الله حق قدره"، وما أجلُّوا الله حق إجلاله، ولا عظموه حق تعظيمه ="إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"، يقول: حين قالوا: لم ينزل الله على آدميٍّ كتابًا ولا وحيًا. [[انظر تفسير"بشر" فيما سلف ٦: ٥٣٨/١٠: ١٥٢.]]

* *

واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله:"إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"، وفي تأويل ذلك.

فقال بعضهم: كان قائل ذلك رجلا من اليهود.

* *

ثم اختلفوا في اسم ذلك الرجل.

فقال بعضهم: كان اسمه: مالك بن الصيف.

* *

وقال بعضهم: كان اسمه فنحاص.

* *

واختلفوا أيضًا في السبب الذي من أجله قال ذلك.

* *

ذكر من قال: كان قائل ذلك: مالك بن الصيف.

١٣٥٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يُبْغِض الحَبْر السمين؟ وكان حبرًا سمينًا، فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء! فقال له أصحابه الذين معه: ويحك! ولا موسى! فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء! فأنزل الله:"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى"، الآية.

١٣٥٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله:"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"، قال: نزلت في مالك بن الصيف، كان من قريظة، من أحبار يهود ="قل" يا محمد"من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس"، الآية.

* *

ذكر من قال: نزلت في فنحاص اليهوديّ.

١٣٥٣٧ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"، قال: قال فنحاص اليهوديّ: ما أنزل الله على محمد من شيء!

* *

وقال آخرون: بل عنى بذلك جماعة من اليهود، سألوا النبي ﷺ آيات مثل آيات موسى.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٣٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس قال، حدثنا أبو معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناسٌ من يهودَ إلى النبيّ ﷺ وهو مُحْتَبٍ، فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء، كما جاء به موسى ألواحًا يحملها من عند الله؟ فأنزل الله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، الآية [سورة النساء: ١٥٣] . فجثا رجل من يهود فقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئًا! فأنزل الله:"وما قدروا الله حق قدره". = قال محمد بن كعب: ما علموا كيف الله [[في المطبوعة والمخطوطة: "ما علموا كيف الله"، هكذا، وهو تعبير غريب جدًا أكاد أستنكره، وأخشى أن يكون تحريفًا، وهو تفسير للآية، أي: "قدروا الله".]] ="إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا"، فحلَّ رسول الله ﷺ حُبْوته، وجعل يقول:"ولا على أحَدٍ". [[الأثر: ١٣٥٣٨ - هذا الخبر لم يذكر في تفسير الآية من سورة النساء ٩: ٣٥٦ - ٣٥٨، وهذا من وجوه اختصار أبي جعفر تفسيره.]]

١٣٥٣٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"، إلى قوله:"في خوضهم يلعبون"، هم اليهود والنصارى، قوم آتاهم الله علمًا فلم يقتدوا به، [[في المطبوعة: "فلم يهتدوا"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

ولم يأخذوا به، ولم يعملوا به، فذمهم الله في عملهم ذلك. ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: إن من أكثر ما أنا مخاصَمٌ به غدًا أن يقال: يا أبا الدرداء، قد علمت، فماذا عملت فيما علمت؟

١٣٥٤٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"، يعني من بني إسرائيل، قالت اليهود: يا محمد، أنزل الله عليك كتابًا؟ قال: نعم! قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابًا! قال: فأنزل الله:"قل" يا محمد"من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدًى للناس"، إلى قوله:"ولا آباؤكم"، قال: الله أنزله.

* *

وقال آخرون: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشركي قريش أنهم قالوا:"ما أنزل الله على بشر من شيء".

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٤١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول:"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"، قالها مشركو قريش. قال: وقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلناسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ ، [[هذه إحدى القراءتين في الآية بالياء فيها جميعا"يجعلونه"، "يبدونها"، "يخفون"، وهي غير قراءتنا في مصحفنا، وسيذكرها أبو جعفر فيما يلي.]] قال: هم يهود، الذين يبدونها ويخفون كثيرًا. قال: وقوله:"وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم"، قال: هذه للمسلمين.

١٣٥٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وما قدروا الله حق قدره"، قال: هم الكفار، لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمنَ أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره. ومن لم يؤمن بذلك، فلم يقدر الله حق قدره.

١٣٥٤٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وما قدروا الله حق قدره"، يقول: مشركو قريش.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: عني بقوله [[في المطبوعة والمخطوطة: "عني بذلك"، والسياق يقتضي ما أثبت.]] "وما قدروا الله حق قدره"، مشركو قريش. وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا فأن يكون ذلك أيضًا خبرًا عنهم، أشبهُ من أن يكون خبرًا عن اليهود ولما يجر لهم ذكرٌ يكون هذا به متصلا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية، من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود: الإقرار بصُحُف إبراهيم وموسى، وزبور داود. وإذا لم يأت بما روي من الخبر، [[في المطبوعة والمخطوطة: "وإذا لم يكن بما روى هذا الخبر"، وهو كلام غير مستقيم، صوابه ما أثبت إن شاء الله - أي: "وإذا لم يأت بما روى. . . خبر صحيح".]] بأن قائل ذلك كان رجلا من اليهود، خبرٌ صحيح متصل السند = ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماعٌ = وكان الخبر من أوّل السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع خبرًا عن المشركين من عبدة الأوثان = وكان قوله:"وما قدروا الله حق قدره"، موصولا بذلك غير مفصول منه = [[السياق: "وإذا لم يأت بما روى. . . خبر صحيح. . .ولا كان. . . وكان الخبر. . . وكان قوله.. . . لم يجز"، كل ذلك عطوف متتابعة، وجواب"وإذ لم يأت" قوله: "لم يجز".]] لم يجز لنا أن ندّعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل.

ولكني أظن أن الذين تأوّلوا ذلك خبرًا عن اليهود، وجدوا قوله:"قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم"، فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرءوه على وجه الخطاب لهم: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ، [[هذه القراءة الثانية للآية، وهي قراءتنا اليوم في مصحفنا.]] فجعلوا ابتداء الآية خبرًا عنهم، إذ كانت خاتمتها خطابًا لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل، لما وصفت قبل من أن قوله:"وما قدروا الله حق قدره"، في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان وهو به متصل، فالأولى أن يكون ذلك خبرًا عنهم.

والأصوب من القراءة في قوله: ﴿يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ ، أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى: أنّ اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا، ويكون الخطاب بقوله:"قل من أنزل الكتاب"، لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك، وكذلك كان يقرأ.

١٣٥٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف: ﴿يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ .

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾

[[أثبت الآية على قراءتنا في مصحفنا، وإن كان تفسير أبي جعفر بعد على القراءة الأخرى. فليتنبه قارئ التفسير إلى موضع الخلاف كما حرره أبو جعفر، ص: ٥٢٤، ٥٢٥.]] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ:"قل"، يا محمد، لمشركي قومك القائلين لك:"ما أنزل الله على بشر من شيء" = قل:"من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا"، يعني: جلاءً وضياء من ظلمة الضلالة [[انظر تفسير"النور" فيما سلف ١٠: ٣٣٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="وهدى للناس"، يقول: بيانًا للناس، يبين لهم به الحق من الباطل فيما أشكل عليهم من أمر دينهم [[انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .]] ="تجعلونه قراطيس تبدونها".

* *

فمن قرأ ذلك: ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ ، جعله خطابًا لليهود على ما بيّنت من تأويل من تأوّل ذلك كذلك.

* *

ومن قرأه بالياء: ﴿يَجْعَلُونَهُ﴾ ، فتأويله في قراءته: يجعله أهله قراطيس، وجرى الكلام في"يبدونها" بذكر"القراطيس"، والمراد منه المكتوب في القراطيس، يراد: يبدون كثيرًا مما يكتبون في القراطيس فيظهارونه للناس، ويخفون كثيرًا مما يثبتونه في القراطيس فيسرُّونه ويكتمونه الناس. [[انظر تفسير"القرطاس" فيما سلف ص٣٦٥: ٣٦٦.]]

* *

ومما كانوا يكتمونه إياهم، ما فيها من أمر محمد ﷺ ونبوّته، كالذي:-

١٣٥٤٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا"، اليهود.

١٣٥٤٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة:"قل" يا محمد"من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها"، يعني يهود، لما أظهروا من التوراة ="ويخفون كثيرًا"، مما أخفوا من ذكر محمد ﷺ وما أنزل عليه = قال ابن جريج: وقال عبد الله بن كثير: إنه سمع مجاهدًا يقول:"يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا"، قال: هم يهود، الذين يبدونها ويخفون كثيرًا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وعلمكم الله جل ثناؤه بالكتاب الذي أنزله إليكم، [[في المطبوعة والمخطوطة: "الكتاب" بغير باء الجر، والصواب إثباتها، فإن مفعول"علمكم"، هو: "ما لم تعلموا".]] ما لم تعلموا أنتم من أخبار من قبلكم، ومن أنباء من بعدكم، وما هو كائن في معادكم يوم القيامة ="ولا آباؤكم"، يقول: ولم يعلمه آباؤكم، أيها المؤمنون بالله من العرب وبرسوله ﷺ، كالذي:-

١٣٥٤٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد:"وعلمتم"، معشرَ العرب"ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم".

١٣٥٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال عبد الله بن كثير: إنه سمع مجاهدًا يقول في قوله:"وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم"، قال: هذه للمسلمين.

* *

وأما قوله:"قل الله"، فإنه أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا ﷺ أن يجيبَ استفهامَه هؤلاء المشركين عما أمره باستفهامهم عنه بقوله:"قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا"، [[هذه القراءة الأخرى التي اختارها أبو جعفر، فتركت تفسيره على حاله، لئلا يختلط الكلام على قارئه.]] بقيل الله، [[قوله"بقيل الله" متعلق بقوله"أن يجيب. . .".]] كأمره إياه في موضع آخر في هذه السورة بقوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ، [سورة الأنعام: ٦٣] . [[وتركت هذه الآية أيضًا على قراءة أبي جعفر التي اختارها"لئن أنجيتنا"، كما سلف ص: ٤١٤، وأما قراءتنا في مصحفنا: "لئن أنجانا". وانظر ما مضى في ترجيح أبي جعفر أولى القراءتين على الأخرى.]] فأمره باستفهام المشركين عن ذلك، كما أمره باستفهامهم إذ قالوا:"ما أنزل الله على بشر من شيء"، عمن أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس. ثم أمره بالإجابة عنه هنالك بقيله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٦٤] ، كما أمره بالإجابة ههنا عن ذلك بقيله: الله أنزله على موسى، كما:-

١٣٥٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس"، قال: الله أنزله. [[الأثر: ١٣٥٤٩ - هذا مختصر الأثر السالف رقم: ١٣٥٤٠.]]

* *

ولو قيل: معناه:"قل: هو الله"، على وجه الأمر من الله له بالخبر عن ذلك = لا على وجه الجواب، إذ لم يكن قوله:"قل من أنزل الكتاب" مسألة من المشركين لمحمد ﷺ، فيكون قوله:"قل الله"، جوابًا لهم عن مسألتهم، وإنما هو أمرٌ من الله لمحمد بمسألة القوم:"من أنزل الكتاب"؟ فيجب أن يكون الجواب منهم غير الذي قاله ابن عباس من تأويله = كان جائزًا، [[قوله: "كان جائزًا"، جواب قوله آنفًا"ولو قيل: معناه. . ."، وما بينهما فصل.]] من أجل أنه استفهام، ولا يكون للاستفهام جوابٌ، وهو الذي اخترنا من القول في ذلك لما بينا.

* *

وأما قوله:"ثم ذرهم في خوضهم يلعبون"، فإنه يقول لنبيه محمد ﷺ: ثم ذَرْ هؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام، [[انظر تفسير"ذر" فيما سلف ص: ٤٤١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] بعد احتجاجك عليهم في قيلهم:"ما أنزل الله على بشر من شيء"، بقولك:"من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس"، وإجابتك ذلك بأن الذي أنزله: الله الذي أنزل عليك كتابه ="في خوضهم"، يعني: فيما يخوضون فيه من باطلهم وكفرهم بالله وآياته [[انظر تفسير"الخوض" فيما سلف ٩: ٣٢٠/١١: ٤٣٦.]] ="يلعبون"، يقول: يستهزئون ويسخرون. [[انظر تفسير"اللعب" فيما سلف ص: ٤٤١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

وهذا من الله وعيد لهؤلاء المشركين وتهدُّد لهم: يقول الله جل ثناؤه: ثم دعهم لاعبين، يا محمد. فإني من وراء ما هم فيه من استهزائهم بآياتي بالمرصاد، وأذيقهم بأسي، وأحلّ بهم إن تمادوا في غَيِّهم سَخَطي. [[في المطبوعة: "وتهديد لهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض، ولكن الناشر غيره في جميع المواضع السالفة، فجعله"تهديد"، ولا أدري لم؟]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا القرآن، يا محمد ="كتاب".

* *

وهو اسم من أسماء القرآن، قد بينته وبينت معناه فيما مضى قبلُ بما أغنى عن إعادته، ومعناه مكتوب، فوضع"الكتاب" مكان"المكتوب". [[انظر تفسير"كتاب" فيما سلف ١: ٩٧، ٩٩.]]

* *

="أنزلناه"، يقول: أوحيناه إليك ="مبارك"، وهو"مفاعل" من"البركة" [[انظر تفسير"مبارك" فيما سلف ٧: ٢٥.]] ="مصدّق الذي بين يديه"، يقول: صدّق هذا الكتاب ما قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه قبلك، لم يخالفها [دلالة ومعنى] [[في المطبوعة: "لم يخالفها ولا ينبأ وهو معنى نورًا وهدى"، وهو كلام لا يستقيم.

وفي المخطوطة: "لم يخالفها ولا ينبأ ومعنى نورًا وهدى"، وهو غير منقوط، وهو أيضًا مضطرب، فرجحت ما كتبته بين القوسين استظهارًا لسياق المعنى.]] "نورًا وهدى للناس"، يقول: هو الذي أنزل إليك، يا محمد، هذا الكتاب مباركًا، مصدقًا كتاب موسى وعيسى وغير ذلك من كتب الله. ولكنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عنه، إذ كان قد تقدم [من] الخبر عن ذلك ما يدل على أنه [له] مواصل، [[في المطبوعة: "ما يدل على أنه به متصل"، وفي المخطوطة: "ما يدل على أنه من أصل"، فرجحت ما أثبت، وزدت"من" و"له" بين القوسين، فإن هذا هو حق المعنى إن شاء الله.]] فقال:"وهذا كتاب أنزلناه إليك مبارك"، ومعناه: وكذلك أنزلت إليك كتابي هذا مباركًا، كالذي أنزلت من التوراة إلى موسى هدى ونورًا.

* *

وأما قوله:"ولتنذر أمَّ القرى ومن حولها"، فإنه يقول: أنزلنا إليك، يا محمد، هذا الكتاب مصدِّقًا ما قبله من الكتب، ولتنذِر به عذابَ الله وبأسَه مَنْ في أم القرى، وهي مكة ="ومن حولها"، شرقًا وغربًا، من العادلين بربّهم غيره من الآلهة والأنداد، والجاحدين برسله، وغيرهم من أصناف الكفار.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولتنذر أم القرى ومن حولها"، يعنى ب"أم القرى"، مكة ="ومن حولها"، من القرى إلى المشرق والمغرب.

١٣٥٥١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولتنذر أم القرى ومن حولها"، و"أم القرى"، مكة ="ومن حولها"، الأرض كلها.

١٣٥٥٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة:"ولتنذر أم القرى"، قال: هي مكة = وبه عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أن الأرض دُحِيَتْ من مكة.

١٣٥٥٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولتنذر أم القرى ومن حولها"، كنا نُحَدّث أن أم القرى، مكة = وكنا نحدَّث أن منها دُحيت الأرض.

١٣٥٥٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي:"ولتنذر أم القرى ومن حولها"، أما"أم القرى" فهي مكة، وإنما سميت"أم القرى"، لأنها أول بيت وضع بها.

* *

وقد بينا فيما مضى العلة التي من أجلها سميت مكة"أم القرى"، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"أم القرى" فيما سلف ١: ١٠٨، وانظر أيضًا الأثر رقم: ٦٥٨٩.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن كان يؤمن بقيام الساعة والمعادِ في الآخرة إلى الله، ويصدِّق بالثواب والعقاب، فإنه يؤمن بهذا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمد، ويصدق به، ويقرّ بأن الله أنزله، ويحافظ على الصلوات المكتوبات التي أمرَه الله بإقامتها، [[انظر تفسير"المحافظة على الصلوات" فيما سلف ٥: ١٦٧، ١٦٨.]] لأنه منذرُ من بلغه وعيدَ الله على الكفر به وعلى معاصيه، وإنما يجحد به وبما فيه ويكذِّب، أهل التكذيب بالمعاد، والجحود لقيام الساعة، لأنه لا يرجو من الله إن عمل بما فيه ثوابًا، ولا يخاف إن لم يجتنب ما يأمره باجتنابه عقابًا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزلُ مِثْلَ مَا أَنزلَ اللَّهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بقوله:"ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا"، ومن أخطأ قولا وأجهل فعلا ="ممن افترى على الله كذبًا"، يعني: ممن اختلق على الله كذبًا، [[انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: ٢٩٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فادعى عليه أنه بعثه نبيًّا وأرسله نذيرًا، وهو في دعواه مبطل، وفي قيله كاذب.

* *

وهذا تسفيهٌ من الله لمشركي العرب، وتجهيلٌ منه لهم، في معارضة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والحنفيِّ مسيلمة، لنبي الله ﷺ، بدعوى أحدهما النبوّة، ودعوى الآخر أنه قد جاء بمثل ما جاء به رسول الله ﷺ = ونفْيٌ منه عن نبيه محمد ﷺ اختلاقَ الكذب عليه ودعوى الباطل.

* *

وقد اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٥٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله:"ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء"، قال: نزلت في مسيلمة أخي بني عدي بن حنيفة، فيما كان يسجع ويتكهن به ="ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله"، نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخي بني عامر بن لؤي، كان كتب للنبي ﷺ، [[في المطبوعة: "كان يكتب للنبي. . ."، والصواب الجيد ما في المخطوطة.]] وكان فيما يملي"عزيز حكيم"، فيكتب"غفور رحيم"، فيغيره، ثم يقرأ عليه"كذا وكذا"، لما حوَّل، فيقول:"نعم، سواءٌ". فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وقال لهم: لقد كان ينزل عليه"عزيز حكيم" فأحوِّله، ثم أقرأ ما كتبت، [[في المطبوعة: "ثم أقول لما أكتب"، وفي المخطوطة: "ثم أقول أكتب"، وفوق الكلام حرف (ط) من الناسخ، دلالة على الخطأ، وأنه خطأ قديم في النسخة التي نقل عنها. ورجحت قراءتها كما أثبت، وهو سياق الكلام.]] فيقول:"نعم سواء"! ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة، إذ نزل النبي ﷺ بمرّ. [["مر"، هي"مر الظهران".]]

* *

وقال بعضهم: بل نزل ذلك في عبد الله بن سعد خاصة.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٥٦ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوحَ إليه شيء" إلى قوله:" تجزون عذاب الهون". قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أسلم، وكان يكتب للنبي ﷺ، فكان إذا أملى عليه:"سميعًا عليمًا"، كتب هو:"عليمًا حكيمًا"، وإذا قال:"عليمًا حكيمًا" كتب:"سميعًا عليمًا"، فشكّ وكفر، وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إليّ، وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله! قال محمد:"سميعًا عليمًا" فقلت أنا:"عليمًا حكيمًا"! فلحق بالمشركين، ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي، أو لبني عبد الدار. فأخذوهم فعُذِّبوا حتى كفروا، وجُدِعت أذن عمار يومئذ. [["جدعت أذنه"، قطعت، وكان يقال له"الأجدع"، انظر ابن سعد ٣: ١٨١.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "وجدع أذن عمار"، ذهب إلى تذكير"الأذن"، والصواب تأنيثها، لم يذكروا فيها تذكيرًا فيما أعلم. وهذا خبر غريب وقد روى ابن سعد في الطبقات ٣: ١٨١ عن ابن عمر: "رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة، على صخرة قد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين! أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر، هلموا إلي! = وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تذبذب، وهو يقاتل أشد القتال".

ثم قال: "قال: شعبة: لم ندر أنها أصيبت باليمامة". فهذا خبر آخر، والمشهور من خبره أنها أصيبت مع النبي ﷺ. كأن ذلك كان في بعض الغزوات.]] فانطلق عمار إلى النبي ﷺ فأخبره بما لقي، والذي أعطاهم من الكفر، فأبى النبي ﷺ أن يتولاه، فأنزل الله في شأن ابن أبي سرح وعمار وأصحابه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [سورة النحل:١٠٦] ، فالذي أكره: عمار وأصحابه = والذي شرح بالكفر صدرًا، فهو ابن أبي سرح. [[الأثر: ١٣٥٥٦ - كان حق هذا الخبر أن يذكر في تفسير آية"سورة النحل"، لبيان أنها نزلت أيضًا في"عبد الله بن سعد بن أبي سرح"، ولكن أبا جعفر لم يفعل، وذلك دلالة أخرى قاطعة على اختصاره تفسيره.]]

* *

وقال آخرون: بل القائل:"أوحي إلي ولم يوح إليه شيء"، مسيلمة الكذاب.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٥٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله"، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة. ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يديّ سوارين من ذهب، فكبرا عليّ وأهمّاني، [[في المخطوطة: "فأهمني"، وعلى الكلمة حرف (ط) دلالة على الخطأ، والصواب ما في المطبوعة، موافقًا لرواية البخاري ومسلم.]] فأوحى إليّ: أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأوَّلتهما في منامي الكذَّابين اللذين أنا بينهما، كذّاب اليمامةِ مُسيلمة، وكذّاب صنعاء العنسي. وكان يقال له:"الأسود". [[الأثر: ١٣٥٥٧ - خبر الرؤيا، رواه البخاري (الفتح ٨: ٦٩، ٧٠) ، ومسلم في صحيحه: ١٥: ٣٤.]]

١٣٥٥٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال:"أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء"، قال: نزلت في مسيلمة.

١٣٥٥٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة = وزاد فيه: وأخبرني الزهري: أن النبي ﷺ قال:"بينا أنا نائم رأيتُ في يديّ سوارين من ذهب، فكبر ذلك عليّ، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفخهما فطارا، فأوّلت ذلك كذاب اليمامة وكذاب صنعاء العنسي. [[الأثر: ١٣٥٥٩ - انظر التعليق على رقم: ١٣٥٥٧.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله قال:"ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء"، ولا تمانُع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال:"إني قد قلت مثل ما قال محمد"، وأنه ارتدّ عن إسلامه ولحق بالمشركين، فكان لا شك بذلك من قيله مفتريًا كذبًا. وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسيّ الكذابين، ادّعيا على الله كذبًا. أنه بعثهما نبيين، وقال كل واحد منهما إنّ الله أوحى إليه، وهو كاذب في قيله. فإذ كان ذلك كذلك، فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقًا على الله كذبًا، وقائلا في ذلك الزمان وفي غيره:"أوحى الله إلي"، وهو في قيله كاذب، لم يوح الله إليه شيئًا. فأما التنزيل، فإنه جائز أن يكون نزل بسبب بعضهم = وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم = وجائز أن يكون عني به جميعُ المشركين من العرب = إذ كان قائلو ذلك منهم، فلم يغيّروه. فعيّرهم الله بذلك، وتوعّدهم بالعقوبة على تركهم نكيرَ ذلك، ومع تركهم نكيرَه هم بنبيه محمد ﷺ مكذبون، ولنبوّته جاحدون، ولآيات كتاب الله وتنزيله دافعون، فقال لهم جل ثناؤه:"ومن أظلم ممن ادّعى عليّ النبوّة كاذبًا"، وقال:"أوحي إلي"، ولم يوح إليه شيء، ومع ذلك يقول:"ما أنزل الله على بشر من شيء"، فينقض قولَه بقوله، ويكذب بالذي تحققه، وينفي ما يثبته. وذلك إذا تدبره العاقلُ الأريب علم أن فاعله من عقله عديم.

* *

وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله:"ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله"، ما:-

١٣٥٦٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله"، قال: زعم أنه لو شاء قال مثله = يعني الشعر.

* *

فكأنّ ابن عباس في تأويله هذا على ما تأوّله، يوجِّه معنى قول قائل:"سأنزل مثل ما أنزل الله"، إلي: سأنزل مثل ما قال الله من الشعر. وكذلك تأوّله السدي. وقد ذكرنا الرواية عنه قبل فيما مضى. [[لم يذكر"الشعر" في خبر السدي السالف رقم: ١٣٥٥٦، ولعل أبا جعفر نسي أن يكتبه، أو لعله أراد أن ذلك مروي في خبر السدي السالف وإن كان لم يذكره هناك.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ولو ترى، يا محمد، حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين العادلين بربهم الآلهة والأنداد، والقائلين:"ما أنزل الله على بشر من شيء"، والمفترين على الله كذبًا، الزاعمين أنّ الله أوحى إليه ولم يوحَ إليه شيء، والقائلين:"سأنزل مثل ما أنزل الله"، [[هكذا جاء على الجمع في المخطوطة أيضًا"والمفترين. . . الزاعمين. . . والقائلين"، والسياق يقتضي الإفراد، ولكني تركته على حاله، لظهور معناه، وإن كنت أرجح أن الصواب: "والمفتري على الله كذبًا الزاعم أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء، والقائل: سأنزل مثل ما أنزل الله".]] فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت، ونزل بهم أمر الله، وحان فناء آجالهم، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [سورة محمد: ٢٧، ٢٨] . يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم.

و"الغمرات" جمع"غمرة"، و"غمرة كل شيء"، كثرته ومعظمه، وأصله الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها، ومنه قول الشاعر: [[هو بشر بن أبي حازم.]]

وَهَلْ يُنْجِي مِنَ الْغَمَرَاتِ إلا ... بُرَاكَاءُ القِتَالِ أوِ الفِرَارُ [[شرح المفضليات: ٦٧٧، النقائض: ٤٢٣، الأغاني ١٣: ١٣٧، ديوان الخنساء: ٢١٦، واللسان (برك) ، وغيرها. وهذا البيت آخر قصيدة في المفضليات، وروايته: "ولا ينجي". و"البراكاء" (بفتح الباء وضمها) : الثبات في ساحة الحرب، والجد في القتال، وهو من"البروك"، يبرك المقاتل في مكانه، أي: يثبت. وكان في المطبوعة: "تراك للقتال"، وهو خطأ صرف. وفي المخطوطة: "براكا للقتال"، وهو أيضًا خطأ.]]

* *

وروي عن ابن عباس في ذلك، ما:-

١٣٥٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله:"ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت"، قال: سكرات الموت.

١٣٥٦٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:" في غمرات الموت"، يعني سكرات الموت.

* *

وأما"بسط الملائكة أيديها"، [[في المطبوعة: "أيديهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]] فإنه مدُّها. [[انظر تفسير"بسط الأيدي" فيما سلف ١٠: ١٠٠، ٢١٣.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في سبب بسطها أيديها عند ذلك.

فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم"، قال: هذا عند الموت،"والبسط"، الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم.

١٣٥٦٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي، قال حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم"، يقول:"الملائكة باسطو أيديهم"، يضربون وجوههم وأدبارهم = والظالمون في غمرات الموت، وملك الموت يتوفّاهم.

١٣٥٦٥ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والملائكة باسطو أيديهم"، يضربونهم.

* *

وقال آخرون: بل بسطها أيديها بالعذاب.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك:"والملائكة باسطو أيديهم"، قال: بالعذاب.

١٣٥٦٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح:"والملائكة باسطو أيديهم"، بالعذاب.

* *

وكان بعض نحويي الكوفيين يتأوّل ذلك بمعنى: باسطو أيديهم بإخراج أنفسهم. [[هو الفراء في معاني القرآن ١: ٣٤٥.]]

* *

فإن قال قائل: ما وجه قوله:"أخرجوا أنفسكم"، ونفوس بني آدم إنما يخرجها من أبدان أهلها رب العالمين؟ فكيف خوطب هؤلاء الكفار، وأمروا في حال الموت بإخراج أنفسهم؟ فإن كان ذلك كذلك، فقد وجب أن يكون بنو آدم هم يقبضون أنفس أجسامهم!

قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذي [إليه] ذهبت [[الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.]] وإنما ذلك أمرٌ من الله على ألسن رُسله الذين يقبضون أرواحَ هؤلاء القوم من أجسامهم، بأداء ما أسكنها ربها من الأرواح إليه، وتسليمها إلى رسله الذين يتوفَّونها.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما تقولُ رسل الله التي تقبض أرواحَ هؤلاء الكفار لها، [[قوله: "لها"، أي للكفار.]] يخبر عنها أنها تقول لأجسامها ولأصحابها:"أخرجوا أنفسكم"، إلى سخط الله ولعنته، فإنكم اليوم تُثابون على كفركم بالله، [[انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (جزي) .]] وقيلكم عليه الباطل، وزعمكم أن الله أوحى إليكم ولم يوحَ إليكم شيئًا، وإنكاركم أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: "وإنذاركم أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا"، وهو لا معنى له، وإنما هو تحريف من الناسخ، والصواب ما أثبت.]] واستكباركم عن الخضوع لأمر الله وأمر رسوله، والانقياد لطاعته ="عذابَ الهون"، وهو عذاب جهنم الذي يُهينُهم فيذلّهم، حتى يعرفوا صَغَار أنفسهم وذِلَّتَها، كما:-

١٣٥٦٨ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"عذاب الهون"، فالذي يهينهم.

١٣٥٦٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"اليوم تجزون عذاب الهون"، قال: عذاب الهون، في الآخرة ="بما كنتم تعملون".

* *

والعرب إذا أرادت ب"الهون" معنى"الهوان"، ضمت"الهاء"، وإذا أرادت به الرفق والدَّعَة وخفة المؤونة، فتحت"الهاء"، [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٠.]] فقالوا: هو"قليل هَوْن المؤونة"، ومنه قول الله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٣] ، يعني: بالرفق والسكينة والوقار، ومنه قول جندل بن المثنَّى الطُّهويّ: [[في المطبوعة والمخطوطة: "المثني بن جندل الطهوي" وهو خطأ صرف، وإنما هو"جندل بن المثني الطهوي"، وهو شاعر إسلامي راجز، كان يهاجي الراعي. انظر سمط اللآلى ص: ٦٤٤، وغيره.]]

وَنَقْضَ أَيْامٍ نَقَضْنَ أَسْرَهُ ... هَوْنًا وَأَلْقَى كُلُّ شَيْخٍ فَخرَهُ [[لم أعثر على الرجز، وإن كنت أذكره. و"الأسر": القوة. وقوله: "ألقى كل شيخ فخره"، كناية عن عجز الشيخ إذا بلغ السن.]]

ومنه قول الآخر: [[هو ذو جدن الحميري، ويقال هو: "علقمة بن شراحيل بن مرثد الحميري".]]

هَوْنَكُمَا لا يَرُدُّ الدَّهْرُ ما فَاتَا ... لا تَهْلِكَا أَسَفًا فِي إِثْرِ مَنْ مَاتَا [[سيرة ابن هشام ١: ٣٩، تاريخ الطبري ٢: ١٠٧، الأغاني ١٦: ٧٠، معجم ما استعجم: ١٣٩٨، ومعجم البلدان (بينون) و (سلحون) واللسان (هون) ، وبعد البيت: أبَعْدَ بَيْنُونَ لاَ عَيْنٌ وَلاَ أثَرٌ ... وَبَعْدَ سَلْحُونَ يَبْنِي النَّاس أبْيَاتَا

وَبَعْدَ حِمْيَرَ إذْ شَالَتْ نعَامَتُهُمْ ... حَتَّهُمُ غَيْبُ هَذَا الدَّهْرِ حتَّاتَا

و"بينون"، و"سلحون"، و"غمدان" من حصون اليمن التي هدمها أرياط الحبشي، في غزوة اليمن، فذكرها ذو جدن، يأسى على ما دخل أهل حمير من الذل والهوان.]] يريد: أرْوِدا. [[في المطبوعة: "رودا"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة. و"الإرواد"، الإمهال والرفق، والتأني، ومنه قيل: "رويدك"، أي: أمهل، وتأن، وترفق.]] وقد حكي فتح"الهاء" في ذلك بمعنى"الهوان"، واستشهدوا على ذلك ببيت عامر بن جُوَين: [[هكذا قال أبو جعفر، والمشهور أنه للخنساء، وهو في شعرها، وبعض أبيات قصيدة الخنساء، تروى لعامر بن جوين الطائي، فلعل هذا مما يروى له من شعرها. أو لعله من شعر عامر بن جوين، وروى للخنساء.]]

يُهِينُ النفُوسَ، وَهَوْنُ النُّفُو ... سِ عِنْدَ الكَرِيهَةِ أَغْلَى لَهَا [[ديوان الخنساء: ٢١٥، والأغاني ١٣: ١٣٦، والنقائض: ٤٢٣، واللسان (هون) . وروايتهم جميعًا"يوم الكريهة أبقى لها". وفي المطبوعة: "أعلى"، والصواب من المخطوطة.]]

والمعروف من كلامهم، ضمُّ"الهاء" منه، إذا كان بمعنى الهوان والذل، كما قال ذو الإصبع العدواني:

اذْهَبْ إلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ ... تَرْعَى الْمَخَاضَ وَلا أُغْضِي عَلَى الهُونِ [[شرح المفضليات: ٣٢٣، وما بعدها، والأمالي ١: ٢٥٦، واللسان (هون) ، وغيرها كثير. وقد جاء أبو جعفر برواية لم تذكر إلا في اللسان، عن ابن بري، وأما رواية الرواة، فهي: عَنِّي إلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ ... تَرْعَى المَخَاضَ، وَلا رأيي بمَغْبُونِ

إِنِّي أَبِيٌّ ذُو مُحَافَظَةٍ ... وَابنُ أَبِيٍّ أَبِيٍّ مِنْ أَبِيِّينِ

لا يُخْرِجُ القَسْرُ مِنِّي غَيْرَ مَا بِيَةٍ ... وَلا أَلِينُ لِمَنْ لا يَبْتَغِي لِينِي

عَفٌّ نَدُودٌ، إذَا مَا خِفْتُ مِنْ بَلَدٍ ... هُونًا، فَلَسْتُ بوَقَّافٍ عَلَى الهُونِ

فالشاهد في البيت الأخير]]

يعني: على الهوان = وإذا كان بمعنى الرفق، ففتْحُها.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به الآلهة والأنداد، يخبر عبادَه أنه يقول لهم عند ورودهم عليه:"لقد جئتمونا فرادى".

ويعني بقوله:"فرادى"، وُحدانًا لا مال معهم، ولا إناث، ولا رقيق، [[في المطبوعة: "ولا أثاث ولا رفيق"، والصواب ما في المخطوطة، يعني نساءهم وخدمهم، وانظر الأثر التالي رقم: ١٣٥٧١، وانظر تفسير البغوي (بهامش ابن كثير ٣: ٣٦١) قال: "وحدانا لا مال معكم، ولا زوج، ولا ولد، ولا خدم". فهذا صواب القراءة بحمد الله.]] ولا شيء مما كان الله خوّلهم في الدنيا ="كما خلقناكم أوّل مرة"، عُرَاة غُلْفًا غُرْلا حُفاة، كما ولدتهم أمهاتهم، [["غلف جمع"أغلف"، وهو الذي لم يختتن. و"الغرل" جمع"أغرل"، وهو أيضًا الذي لم يختتن، وهذا حديث مسلم في صحيحه من حديث عائشة: "يحشر الناس يوم القيامة حفة عراة غرلا" (١٧: ١٩٢، ١٩٣) .]] وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم، لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهَوْن به في الدنيا.

* *

و"فرادى"، جمع، يقال لواحدها:"فَرِد"، كما قال نابغة بني ذبيان:

مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشيٍّ أَكَارِعُهُ ... طَاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ [[ديوانه: ٢٦، واللسان (فرد) ، وغيرهما كثير. من قصيدته المشهورة التي اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر، يقول قبله في صفة الثور: كأنّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... يَوْمَ الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأنِسٍ وَحَدِ

و"وجرة"، منزل بين مكة والبصرة، مربة للوحوش والظباء."موشي أكارعه"، في قوائمه نقط سود."طاوي المصير"، ضامر البطن، و"المصير" جمع"مصران". يصف بياض الثور والتماعه. كأنه سيف مصقول جديد الصقل.]] و"فَرَدٌ" و"فريد"، كما يقال:"وَحَد" و"وَحِد" و"وحيد" في واحد"الأوحاد". وقد يجمع"الفَرَد""الفُرَاد" كما يجمع"الوَحَد"،"الوُحَاد"، ومنه قول الشاعر: [[هو تميم بن أبي بن مقبل.]]

تَرَى النَّعَرَاتِ الزُّرْقَ فَوْقَ لَبَانِه ... فُرَادَى وَمَثْنًى أَصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُهْ [[مضى البيت وتخريجه وتفسيره ٧: ٥٤٣، بغير هذه الرواية، فراجعه هناك.]]

وكان يونس الجرْميّ، [[مضى في ١٠: ١٢٠، تعليق: ١، ذكر"يونس [الحرمري] "، وقد أشكل على أمره، كما ذكرت هناك، وصح بهذا أنه"الجرمي"، ولم أجد في قدماء النحاة من يقال له: "يونس الجرمي"، وذكرت هناك أن"يونس بن حبيب"، ضبي لا جرمي، فعسى أن يهديني من يقرأ هذا إلى الصواب فيه، متفضلا مشكورا.]] فيما ذكر عنه، يقول:"فُراد" جمع"فَرْد"، كما قيل:"تُؤْم" و"تُؤَام" للجميع. ومنه:"الفُرَادى"، و"الرُّدَافى" و"القُرَانى". [[في المطبوعة: "والغواني"، وفي المخطوطة: "والعواي" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت، يقال: جاءوا قرانى" أي مقترنين، قال ذو الرمة: قُرَانَى وَأَشْتَاتًا، وَحَادٍ يَسُوقُهَا ... إلَى المَاءِ مِنْ جَوْزِ التَّنُوفَةِ مُطْلِقُ]] يقال:"رجل فرد" و"امرأة فرد"، إذا لم يكن لها أخٌ."وقد فَرد الرجلُ فهو يفرُد فرودًا"، يراد به تفرَّد،"فهو فارد".

* *

١٣٥٧٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، [قال ابن زيد قال] ، أخبرني عمرو: أن ابن أبي هلال حدثه: أنه سمع القرظيّ يقول: قرأت عائشةُ زوجُ النبي ﷺ قولَ الله:"ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة"، فقالت: واسوأتاه، إن الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض! فقال رسول الله ﷺ:"لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه"، لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض. [[الأثر: ١٣٥٧٠ -"عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري"، ثقة مضى برقم: ١٣٨٧، ٥٩٧٣، ٦٨٨٩، ١٠٣٣٠. وأما "ابن أبي هلال"، فهو: "سعيد بن أبي هلال الليثي المصري"، ثقة. مضى برقم: ١٤٩٥، ٥٤٦٥.

وأما "القرظي"، فقد بينه الحاكم في المستدرك في إسناده وأنه: "عثمان بن عبد الرحمن القرظي"، ولكنه مع هذا البيان، لم يزل مجهولا، فإني لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في شيء من الكتب. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "القرطبي"، وهو خطأ. وهذا الخبر، أخرجه الحاكم في المستدرك ٤: ٥٦٥، من طريق"عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث"، ليس فيه"قال ابن زيد"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وعلق عليه الذهبي فقال: "صحيح، فيه انقطاع". والذي في إسناد الطبري"قال ابن زيد قال"، عندي أنه زيادة من الناسخ، لأن عبد الله بن وهب، يروي مباشرة عن"عمرو بن الحارث"، كما يروي عن"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم"، ولما كثر إسناد أبي جعفر"حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد"، أسرع قلم الناسخ بإثبات"ابن زيد" مقمحًا في هذا الإسناد، كما دل عليه إسناد الحاكم. وانقطاع هذا الإسناد، كما بينه الذهبي، هو فيما أرجح، أن"عثمان بن عبد الرحمن القرظي" لم يسمع من عائشة.]]

* *

وأما قوله:" وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم"، فإنه يقول: خلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به فيها، خلفكم في الدنيا فلم تحملوه معكم.

وهذا تعيير من الله جل ثناؤه لهؤلاء المشركين بمباهاتهم التي كانوا يتباهون بها في الدنيا بأموالهم.

* *

وكل ما ملكته غيرك وأعطيته:"فقد خوّلته"، [[في المطبوعة والمخطوطة: "وكل من ملكته غيرك. . ."، وهو خطأ محض، صوابه ما أثبت.]] يقال منه:"خال الرجل يَخَال أشدّ الخِيال" بكسر الخاء ="وهو خائل"، ومنه قول أبي النجم:

أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ ... كَومَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوِّلِ [[لامية أبي النجم في كتاب (الطرائف) ، والمراجع هناك، وسيأتي في التفسير ٢٣: ١٢٧ (بولاق) ، وهو مطلع رجزه، وقبله: الَحْمُد لِله الوَهُوبِ المُجْزِلُ

وقوله: "كوم الذرى"، أي: عظام الأسمنة، "كوم" جمع"كوماء"، وهي الناقة العظيمة السنام. و"المخول" بكسر الواو، الله الرَّزَّاق ذو القوة المتين. وانظر تعليقي على البيت في طبقات فحول الشعراء: ٥٧٦، تعليق: ٤.]] وقد ذكر أن أبا عمرو بن العلاء كان ينشد بيت زهير:

هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلُوا الْمَالَ يُخوِلُوا ... وَإن يُسْأَلُوا يُعطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا [[ديوانه" ١١٢، واللسان (خبل) (خول) ، وسيأتي في التفسير ٢٣: ١٢٧ (بولاق) ، وغيرها كثير. من قصيدته المشهورة في هرم بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، يذكر قومهما بالكرم في زمن الجدب، وقبله: إذَا السَّنَةُ الشَّهْبَاءِ بِالنَّاسِ أجْحَفَتْ ... وَنَالَ كِرَامَ المَالِ فِي السَّنَةِ الأَكْلُ

رَأَيْتُ ذَوِي الحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... قَطِينًا لَهُمْ، حَتَّى إذَا أَنْبَتَ البَقْلُ

هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْوَلوا. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ورواية غير أبي عمرو بن العلاء: "إن يستخبلوا المال يخبلوا"، يقال: "استخبل الرجل ناقة فأخبله"، إذا استعاره ناقة لينتفع بألبانها وأوبارها فأعاره. و"الاستخوال" مثله. وروى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قال: "ولو أنشدتها لأنشدتها: إن يستخولوا المال يخولوا"، وقال: "الاختبال: المنيحة، ولا أعرف الاستخبال، وأراه: يستخولوا. والاستخوال أن يملكوهم إياه".

وقوله: "ييسروا"، من"الميسر" الذي تقسم فيه الجزر. وقوله: "يغلوا"، أي: يختاروا سمان الجزر للنحر، فهم لا ينحرون إلا غالية.]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٧١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وتركتم ما خوّلناكم"، من المال والخدم ="وراء ظهوركم"، في الدنيا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد يوم القيامة: ما نرى معكم شفعاءكم الذين كنتم في الدنيا تزعمون أنهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة. [[انظر تفسير"الشفيع" فيما سلف ص: ٤٤٦، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]]

* *

وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث، لقيله: إنّ اللات والعزى يشفعان لهُ عند الله يوم القيامة.

* *

وقيل: إن ذلك كان قول كافة عَبَدة الأوثان.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٧٢ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله:"وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء"، فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدُون الآلهة، لأنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، وأنّ هذه الآلهة شركاءُ لله.

١٣٥٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث:"سوف تشفع لي اللات والعزَّى"! فنزلت هذه الآية:"ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة"، إلى قوله:"شركاء".

* *

القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيله يوم القيامة لهؤلاء المشركين به الأنداد:"لقد تقطع بينكم"، يعني تواصلَهم الذي كان بينهم في الدنيا، ذهب ذلك اليوم، فلا تواصل بينهم ولا توادّ ولا تناصر، وقد كانوا في الدنيا يتواصلون ويتناصرون، فاضمحلّ ذلك كله في الآخرة، فلا أحدَ منهم ينصر صاحبه، ولا يواصله. [[انظر تفسير"البين" فيما سلف ٨: ٣١٩.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٧٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"لقد تقطع بينكم"،"البين"، تواصلهم.

١٣٥٧٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"لقد تقطع بينكم"، قال: تواصلهم في الدنيا.

١٣٥٧٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"لقد تقطع بينكم"، قال: وصلكم.

١٣٥٧٧- وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لقد تقطع بينكم"، قال: ما كان بينكم من الوصل.

١٣٥٧٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"لقد تقطع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون"، يعني الأرحام والمنازل.

١٣٥٧٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لقد تقطع بينكم"، يقول: تقطع ما بينكم.

١٣٥٨٠ - حدثنا أبو كريب قال، قال أبو بكر بن عياش:"لقد تقطع بينكم"، التواصل في الدنيا. [[الأثر: ١٣٥٨٠ - هذا إسناد منقطع كما أشرت إليه فيما سلف رقم: ١٢٤٦، ٢١٥٠ و"أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي"، ثقة معروف، مضى برقم: ١٢٤٦، ٢١٥٠، ٣٠٠٠، ٥٧٢٥، ٨٠٩٨.]]

* *

واختلفت القرأة في [قراءة] قوله:"بينكم".

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة نصبًا، بمعنى: لقد تقطع ما بينكم.

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة مكة والعراقَيْن: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ﴾ ، رفعًا، بمعنى: لقد تقطع وصلُكم.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.

وذلك أن العرب قد تنصب"بين" في موضع الاسم. ذكر سماعًا منها:"أتاني نحَوك، ودونَك، وسواءَك"، [[في المطبوعة: "إيابي نحوك. . ." وهو خطأ محض، وهي في المخطوطة غير منقوطة، والصواب في معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٥.]] نصبًا في موضع الرفع. وقد ذكر عنها سماعًا الرفع في"بين"، إذا كان الفعل لها، وجعلت اسمًا، وينشد بيت مهلهل:

كَأَنَّ رِماحَهُم أَشْطَانُ بِئْرٍ ... بَعِيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ [[أمالي القالي ٢: ١٣٢، واللسان (بين) ، وغيرهما، من قصيدته المشهورة التي قالها لما أدرك بثأر أخيه كليب وائل. وقبله: فِدًى لِبَنِي الشَّقِيقَةِ يَوْمَ جَاءوا ... كَأُسْدِ الغَابِ لَجَّتْ فِي زَئِيرِ

و"الأشطان" الحبال الشديدة الفتل، التي يستقي بها، واحدها"شطن". (بفتحتين) و"الجال" و"الجول" (بضم الجيم) : ناحية البئر وجانبها وما يحبس الماء منها. و"جرور" صفة البئر البعيدة القعر، لأن دلوها يجر على شفرها، لبعد قعرها. يصف طول رماحهم، وحركة أيديهم في الضرب بها، ثم نزعها من بدن من أصابته.]] برفع"بين"، إذ كانت اسمًا، غير أن الأغلب عليهم في كلامهم النصبُ فيها في حال كونها صفة، وفي حال كونها اسمًا.

* *

وأما قوله:"وضل عنكم ما كنتم تزعمون"، فإنه يقول: وحاد عن طريقكم ومنهاجكم ما كنتم من آلهتكم تزعمون أنه شريك ربكم، وأنه لكم شفيع عند ربكم، فلا يشفع لكم اليوم. [[انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾

قال أبو جعفر: وهذا تنبيهٌ من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجّته عليهم، وتعريفٌ منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياه. يقول تعالى ذكره: إن الذي له العبادة، أيها الناس، دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان، هو الله الذي فَلق الحبَّ = يعني: شق الحبَّ من كل ما ينبت من النبات، فأخرج منه الزرع ="والنوى"، من كل ما يغرس مما له نَواة، فأخرج منه الشجر.

* *

و"الحبّ" جمع"الحبة"، و"النوى" جمع"النواة".

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٨١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن الله فالق الحب والنوى"، أما"فالق الحب والنوى": ففالق الحب عن السنبلة، وفالق النواة عن النخلة.

١٣٥٨٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"فالق الحب والنوى"، قال: يفلق الحب والنوى عن النبات.

١٣٥٨٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"فالق الحب والنوى"، قال: الله فالق ذلك، فلقه فأنبت منه ما أنبت. فلق النواة فأخرج منها نَبَات نخلة، وفلق الحبة فأخرج نبات الذي خلق.

* *

وقال آخرون: معنى"فالق"، خالق.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٨٤ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"إن الله فالق الحب والنوى"، قال: خالق الحب والنوى.

١٣٥٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.

١٣٥٨٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"إن الله فالق الحب والنوى"، قال: خالق الحب والنوى.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أنه فلق الشقّ الذي في الحبّة والنواة.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٨٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"فالق الحب والنوى"، قال: الشقان اللذان فيهما.

١٣٥٨٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٣٥٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك في قول الله:"إن الله فالق الحب والنوى"، قال: الشق الذي يكون في النواة وفي الحنطة.

١٣٥٩٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد:"فالق الحب والنوى"، قال: الشقان اللذان فيهما.

١٣٥٩١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"فالق الحب والنوى"، يقول: خالق الحب والنوى، يعني كلّ حبة.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، ما قدّمنا القول به. وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحي من الميت والميت من الحي، فكان معلومًا بذلك أنه إنَّما عنى بإخباره عن نفسه أنّه فالق الحب عن النبات، والنوى عن الغُرُوس والأشجار، كما هو مخرج الحي من الميت، والميّت من الحي.

* *

وأما القول الذي حكي عن الضحاك في معنى"فالق"، أنه خالق، فقولٌ = إن لم يكن أراد به أنّه خالق منه النبات والغُروس بفلقه إياه = لا أعرف له وجهًا، لأنه لا يعرف في كلام العرب:"فلق الله الشيء"، بمعنى: خلق.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يخرج السنبل الحيّ من الحبّ الميت، ومخرج الحبِّ الميت من السنبل الحيّ، والشجرِ الحيّ من النوى الميت، والنوى الميِّت من الشجر الحيّ.

* *

والشجر ما دام قائمًا على أصوله لم يجفّ، والنبات على ساقه لم ييبَس، فإن العرب تسميه"حَيًّا"، فإذا يبس وجفّ أو قطع من أصله، سمّوه"ميتًا".

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٩٢ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"يخرج الحي من الميت"، فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية، ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية.

١٣٥٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك:"يخرج الحي من الميت ومخرج المميت من الحي"، قال: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.

* *

وقال آخرون بما:-

١٣٥٩٤- حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"إن الله فالق الحبّ والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحيّ"، قال: يخرج النطفة الميتة من الحي، ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًّا.

* *

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا التأويل الذي اخترنا في ذلك، لأنه عَقِيب قوله:"إن الله فالقُ الحب والنوى"، على أن قوله:"يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي"، وإن كان خبرًا من الله عن إخراجه من الحبّ السنبل ومن السنبل الحب، فإنه داخل في عمومه ما رُوي عن ابن عباس في تأويل ذلك. وكل ميّت أخرجه الله من جسمٍ حَيٍّ، وكل حيّ أخرجه الله من جسمٍ ميتٍ.

* *

وأما قوله:"ذلكم الله"، فإنه يقول: فاعل ذلك كلِّه اللهُ جل جلاله ="فأنى تؤفكون"، يقول: فأيّ وجوه الصدّ عن الحقّ، أيها الجاهلون، تصدّون عن الصواب وتصرفون، [[انظر تفسير"الأفك" فيما سلف ١٠: ٤٨٥، ٤٨٦.]] أفلا تتدبرون فتعلمون أنّه لا ينبغي أن يُجعل لمن أنعم عليكم بفلق الحب والنوى، فأخرج لكم من يابس الحب والنوى زروعًا وحُروثًا وثمارًا تتغذون ببعضه وتفكّهون ببعضه، شريكٌ في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، ولا يسمع ولا يبصر؟

القول في تأويل قوله: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"فالق الإصباح"، شاقٌّ عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده. [[انظر تفسير"الفلق" فيما سلف قريبًا ص: ٥٥٠.]]

* *

و"الإصباح" مصدر من قول القائل:"أصبحنا إصباحًا".

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال عامة أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٥٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك:"فالق الإصباح"، قال: إضاءة الصبح.

١٣٥٩٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي، نجيح، عن مجاهد:"فالق الإصباح"، قال: إضاءة الفجر.

١٣٥٩٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٣٥٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فالق الإصباح"، قال: فالق الصُّبح.

١٣٥٩٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:"فالق الإصباح"، يعني بالإصباح، ضوءَ الشمس بالنهار، وضوءَ القمر بالليل.

١٣٦٠٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد:"فالق الإصباح"، قال: فالق الصبح.

١٣٦٠١- حدثنا به ابن حميد مرة بهذا الإسناد، عن مجاهد فقال في قوله:"فالق الإصباح"، قال إضاءة الصبح.

١٣٦٠٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله:"فالق الإصباح"، قال: فلق الإصباح عن الليل.

١٣٦٠٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"فالق الإصباح"، يقول: خالق النور، نور النهار.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: خالق الليل والنهار.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٠٤ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا﴾ ، [[هذه قراءة أهل الحجاز كما سيذكر بعد، وتركتها على قراءتهم في هذا الخبر.]] يقول: خلق الليل والنهار.

* *

وذكر عن الحسن البصري أنّه كان يقرأ: ﴿فَالِقُ الأصْبَاحِ﴾ ، بفتح الألف، كأنه تأول ذلك بمعنى جمع"صبح"، كأنه أراد صبح كل يوم، فجعله"أصباحًا"، ولم يبلغنا عن أحد سواه أنه قرأ كذلك. والقراءة التي لا نستجيز تعدِّيها، بكسر الألف: [[في المطبوعة: "لا نستجيز غيرها"، يدل ما كان في المخطوطة وهو محض صواب.]] ﴿فالِقُ الإصْبَاح﴾ ، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحة ذلك ورفضِ خلافه.

* *

وأما قوله:"وجاعِلُ الليل سكنًا"، فإن القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض البصريين: [[في المطبوعة: "عامة قراء الحجاز"، وأثبت ما في المخطوطة.]] ﴿وَجَاعِلُ اللَّيْلِ﴾ بالألف على لفظ الاسم، ورفعه عطفًا على"فالق"، وخفض"الليل" بإضافة"جاعل" إليه، ونصب"الشمس والقمر"، عطفًا على موضع"الليل"، لأن"الليل" وان كان مخفوضًا في اللفظ، فإنه في موضع النصب، لأنه مفعول"جاعل". وحسن عطف ذلك على معنى"الليل" لا على لفظه، لدخول قوله:"سكنًا" بينه وبين"الليل"، قال الشاعر: [[هو الفرزدق.]]

قُعُوداً لَدَى الأبْوَابِ طُلابَ حاجَةٍ ... عَوَانٍ مِنَ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا [[سلف البيت وتخريجه وتفسيره فيما سلف ٢: ١٩٥، وأزيد هنا مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠١ وروي هناك: "قعود" بالرفع، كما أشرت إليه ثم.]]

فنصب"الحاجة" الثانية، عطفًا بها على معنى"الحاجة" الأولى، لا على لفظها، لأن معناها النصب، وإن كانت في اللفظ خفضًا. وقد يجيء مثل هذا أيضًا معطوفًا بالثاني على معنى الذي قبله لا على لفظه، وإن لم يكن بينهما حائل، كما قال بعضهم: [[لرجل من قيس عيلان، ونسب أيضا لنصيب]]

بَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرْهُ أَتَانَا ... مُعلِّقَ شِكْوَةٍ وَزِنادَ رَاعِ [[سيبويه ١: ٨٧، معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٦، الصاحبي: ١١٨، شرح شواهد المغني: ٢٧٠، والذي هنا رواية الفراء وابن فارس. ورواية سيبويه"بيننا نحن نطلبه"، وفي شرحه"نرقبه"، وروايته أيضًا"معلق وفضة". وكان في المطبوعة هنا: "فبيننا" بالفاء، وأثبت ما في المخطوطة. وفي المطبوعة: "شلوه" وهو خطأ.

"ننظره": نرقبه وننتظره. و"الشكوة": وعاء كالدلو أو القرية الصغيرة، يبرد فيه الماء، ويحبس فيه اللبن. وأما "الوفضة"، فهي خريطة كالجعبة، يحمل فيها الراعي أدلته وزاده.

ولم أجد بقية الشعر.]]

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ﴾ ، على"فَعَلَ"، بمعنى الفعل الماضي، ونصب"الليل".

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، متفقتا المعنى، غير مختلفتيه، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في الإعراب والمعنى.

* *

وأخبر جل ثناؤه أنه جعل الليل سكنًا، لأنه يسكن فيه كل متحرك بالنهار، ويهدأ فيه، فيستقر في مسكنه ومأواه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك:

فقال بعضهم: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"والشمس والقمر حسبانًا"، يعني: عدد الأيام والشهور والسنين.

١٣٦٠٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"والشمس والقمر حسبانًا"، قال: يجريان إلى أجلٍ جُعل لهما.

١٣٦٠٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والشمس والقمر حسبانًا"، يقول: بحساب.

١٣٦٠٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"والشمس والقمر حسبانًا"، قال: الشمس والقمر في حساب، فإذا خَلَتْ أيامهما فذاك آخرُ الدهر، وأول الفزع الأكبر ="ذلك تقدير العزيز العليم".

١٣٦٠٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"والشمس والقمر حسبانًا"، قال: يدوران في حساب.

١٣٦١٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: "والشمس والقمر حسبانًا"، قال هو مثل قوله: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس: ٤٠] ، ومثل قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [سورة الرحمن: ٥] .

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر ضياء.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦١١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والشمس والقمر حسبانًا"، أي ضياء.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب، تأويل من تأوَّله: وجعل الشمس والقمرَ يجريان بحساب وعددٍ لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما، ويدوران لمصالح الخلق التي جُعِلا لها.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره ذكَر قبلَه أياديه عند خلقه، وعظم سلطانه، بفلقه الإصباح لهم، وإخراج النبات والغِراس من الحب والنوى، وعقّب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البر والبحر. فكان وصفه إجراءه الشمس والقمرَ لمنافعهم، أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما، لأنه قد وصف ذلك قبلُ بقوله:"فالق الإصباح"، فلا معنى لتكريره مرة أخرى في آية واحدة لغير معنى.

* *

و"الحسبان" في كلام العرب جمع"حِساب"، كما"الشُّهبان" جمع شهاب. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠١.]] وقد قيل إن"الحسبان"، في هذا الموضع مصدر من قول القائل:"حَسَبْتُ الحساب أحسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا". وحكي عن العرب:"على الله حُسْبان فلان وحِسْبته"، أي: حسابه.

* *

وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء، ذهب إلى شيء يروى عن ابن عباس في قوله: وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ [سورة الكهف: ٤٠] . قال: نارًا، فوجه تأويل قوله:"والشمس والقمر حسبانًا"، إلى ذلك التأويل. وليس هذا من ذلك المعنى في شيء.

* *

وأما"الحِسبان" بكسر"الحاء"، فإنه جمع"الحِسبانة"، [[هكذا قال أبو جعفر"بكسر الحاء" والذي أطبقت عليه كتب اللغة أنه بضم الحاء، ولم يشيروا إلى كسر الحاء في هذه.]] وهي الوسادة الصغيرة، وليست من الأوَّليين أيضًا في شيء. يقال:"حَسَّبته"، أجلستُه عليها.

* *

ونصب قوله:"حسبانًا" بقوله:"وجعل".

* *

وكان بعض البصريين يقول: معناه:"والشمس والقمرَ حسبانًا"، أي: بحساب، فحذف"الباء"، كما حذفها من قوله: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ " [سورة الأنعام: ١١٧] ، أي: أعلم بمن يضل عن سبيله. [[قائل هذا هو الأخفش، كما هو بين في لسان العرب (حسب) .]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الفعل الذي وصفه أنه فعله، وهو فلقه الإصباح، وجعله الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، تقدير الذي عزّ سلطانه، فلا يقدر أحد أراده بسوء وعقاب أو انتقام، من الامتناع منه ="العليم"، بمصالح خلقه وتدبيرهم = لا تقديرُ الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله، ولا تضر ولا تنفع، وإن أريدت بسوء لم تقدر على الامتناع منه ممن أرادها. [[انظر تفسير"العزيز" و"العليم" فيما سلف من فهارس اللغة.]] يقول جل ثناؤه: وأخلصوا، أيها الجهلة، عبادتَكم لفاعل هذه الأشياء، ولا تشركوا في عبادته شيئًا غيره.

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي جعل لكم، أيها الناس، النجوم أدلةً في البر والبحر إذا ضللتم الطريق، أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلا تستدلّون بها على المحجَّة، فتهتدون بها إلى الطريق والمحجة، فتسلكونه وتنجون بها من ظلمات ذلك، كما قال جل ثناؤه: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [سورة النحل: ١٦] ، أي: من ضلال الطريق في البرّ والبحر = وعنى بالظلمات، ظلمة الليل، وظلمة الخطأ والضلال، وظلمة الأرض أو الماء.

* *

وقوله:"قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون"، يقول: قد ميَّزنا الأدلة، وفرَّقنا الحجج فيكم وبيّناها، أيها الناس، [[انظر تفسير"فصل" فيما سلف ص: ٣٩٤ - ٣٩٦.]] ليتدبّرها أولو العلم بالله منكم، ويفهمها أولو الحجا منكم، فينيبوا من جهلهم الذي هم مقيمون عليه، وينزجروا عن خطأ فعلهم الذي هم عليه ثابتون، ولا يتمادوا عنادًا لله = مع علمهم بأن ما هم عليه مقيمون خطأ = في غَيِّهم. [[في المطبوعة: "ولا يتمادوا في عناد الله"، زاد"في"، فأفسد الكلام غاية الإفساد، وسياق العبارة"ولا يتمادوا عنادًا لله. . .في غيهم"، وفصلت الجملة المعترضة بخطين.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦١٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر"، قال: يضلّ الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق.

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإلهكم، أيها العادلون بالله غيره ="الذي أنشأكم"، يعني: الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء، فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئًا [[انظر تفسير"أنشأ" فيما سلف: ٢٦٣، ٢٦٤.]] ="من نفس واحدة"، يعني: من آدم كما:-

١٣٦١٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"من نفس واحدة"، قال: آدم عليه السلام.

١٣٦١٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة"، من آدم عليه السلام.

* *

وأما قوله:"فمستقر ومستودع"، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون.

فقال بعضهم: معنى ذلك: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم مستقِرٌّ في الرحم، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنَشْر القيامة.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦١٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، عن عبد الله: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا، [سورة هود: ٦] . قال:"مستقرها"، في الأرحام ="ومستودعها"، حيث تموت.

١٣٦١٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل، عن إبراهيم، عن عبد الله أنه قال:"المستودع" حيث تموت، و"المستقر"، ما في الرحم.

١٣٦١٧- حدثت عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، المكان الذي تموت فيه.

١٣٦١٨ - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا محمد بن فضيل وعلي بن هاشم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ ، في الأرحام = ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ ، في الأرض، حيث تموت فيها.

١٣٦١٩ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مقسم قال:"مستقرها"، في الصلب حيث تأويل إليه ="ومستودعها"، حيث تموت.

* *

وقال آخرون:"المستودع"، ما كان في أصلاب الآباء = و"المستقر"، ما كان في بطون النساء، وبطون الأرض، أو على ظهورها.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٢٠ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير في قوله:"فمستقر ومستودع"، قال: مستودعون، ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها، فقد استقرّوا.

١٣٦٢١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن علية، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير:"فمستقر ومستودع"، قال: المستودعون ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض، فقد استقروا.

١٣٦٢٢- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ ، [سورة هود: ٦] . قال:"المستودع" في الصلب = و"المستقر"، ما كان على وجه الأرض أو في الأرض. [[الأثر: ١٣٦٢٢ -"المغيرة بن النعمان النخعي"، يروي عن سعيد بن جبير، وروى عنه شعبة، والثوري، ومسعر، وغيرهم. ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٣٢٥، وابن أبي حاتم ٤/١/٢٣١.]]

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمستقر في الأرض على ظهورها، ومستودع عند الله.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٢٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن المغيرة، عن أبي الجبر بن تميم بن حذلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"المستقر" الأرض،"والمستودع"، عند الرحمن. [[الأثر: ١٣٦٢٣ -"المغيرة" في هذ١ الإسناد، هو"المغيرة بن مقسم الضبي"، إمام مشهور، مضى مرارًا، آخرها رقم: ٩٢٩٢. و"أبو الجبر بن تميم بن حذلم"، كان في المطبوعة هنا، وفي رقم: ١٣٦٢٩، ١٣٦٣٧"أبو الخير تميم بن حذلم"، وفي المخطوطة: "أبو الحر تميم بن حذلم"، غير منقوطة وبإسقاط"بن"، وهوخطأ. فإن"تميم بن حذلم الضبي" كنيته"أبو سلمة"، أو "أبو حذلم"، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود، وأدرك أبا بكر، فهو تابعي قديم، وليس يروى عنه"مغيرة"، إنما يروى عنه من طريق ابنه هذا، ومن طريق إبراهيم اللخعي. وهو مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/١٥١، ١٥٢، وابن أبي حاتم ١/١/٤٤٢. وأما ابنه"أبو الجبر بن تميم"، فاسمه"عبد الرحمن بن تميم بن حذلم الضبي"، روى عنه أبو إسحق الهمداني، ومغيرة. فلذلك صححت ما كان في المخطوطة، والمطبوعة، وزدت"بن"، وكذلك أشار إليه البخاري في التاريخ وغيره في ترجمة أبيه، الكبير ١/٢/١٥١، ١٥٢. و"أبو الجبر" بالجيم والباء، وهو مذكور في أكثر الكتب"أبو الخير"، وهو خطأ، ضبطه عبد الغني في المؤتلف والمختلف، وابن ماكولا، والدولابي، وكذلك ذكره ابن أبي حاتم في الكنى (٤/ ٢/ ٣٥٥) في حرف الجيم، وهو مترجم أيضًا فيه ٢/٢/٢١٨. وانظر الأثرين التاليين رقم: ١٣٦٢٩، ١٣٦٣٧.]]

١٣٦٢٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"المستقر"، الأرض، و"المستودع"، عند ربك.

١٣٦٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم قال، قال عبد الله:"مستقرها"، في الدنيا،"ومستودعها"، في الآخرة = يعني="فمستقر ومستودع".

١٣٦٢٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال:"المستودع"، في الصلب، و"المستقر"، في الآخرة وعلى وجه الأرض.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: فمستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٢٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي الحارث، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله:"فمستقر ومستودع"، قال: مستقر في الرحم، ومستودع في صلب، لم يخلق سَيُخلق. [[في المطبوعة: "وسيخلق" بزيادة الواو، ولا ضرورة لها.]]

١٣٦٢٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن عكرمة:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، الذي قد استقر في الرحم، و"المستودع"، الذي قد استودع في الصلب. [[الأثر: ١٣٦٢٨ -"يحيى الجابر"، هو"يحيى بن المجبر" منسوبًا لجده، و"يحيى بن عبد الله بن الحارث بن المجبر التيمي"، مضى برقم: ١٠١٨٨ - ١٠١٩٠، وكان في المطبوعة هنا"يحيى الجابري"، وهو خطأ صرف.]]

١٣٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الجبر تميم، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: سل! فقلت: "فمستقرّ ومستودع"؟ قال:"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في الصلب. [[الأثر: ١٣٦٢٩ -"أبو الجبر بن تميم"، انظر التعليق على رقم: ١٣٦٢٣، وكان في المطبوعة: "أبو الخير تميم"، وفي المخطوطة: "أبو الحبر تميم" غير منقوط، وهما خطأ.]]

١٣٦٣٠- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر" الرحم، و"المستودع"، ما كان عند رب العالمين مما هو خالقه ولم يخلق.

١٣٦٣١- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [سورة هود: ٦] ، قال:"المستقر"، ما كان في الرحم مما هو حيٌّ، ومما قد مات = و"المستودع"، ما في الصلب.

١٣٦٣٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس، وذلك قبل أن يَخْرُج وجهي [[قوله: "وذلك قبل أن يخرج وجهي"، يعني: قبل أن تنبت لحيته، وهذا تعبير عزيز لا تجد تفسيره في كتب اللغة والمجاز، فقيده.]] أتزوّجت يا ابن جبير؟ قال: قلت لا وما أريد ذاك يومي هذا! قال فقال: أما إنه مع ذلك سيخرج ما كان في صلبك من المستودَعين.

١٣٦٣٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس: تزوجت؟ قلت: لا! قال: فضرب ظهري وقال: ما كان من مستودَع في ظهرك سيخرج.

١٣٦٣٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، في الأرحام، و"المستودع"، في الصلب، لم يخلق وهو خالقه.

١٣٦٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في أصلاب الرجال والدوابّ.

١٣٦٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال:"المستقر"، ما استقرّ في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في الصلب.

١٣٦٣٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الجبر بن تميم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه. [[الأثر: ١٣٦٣٧ -"أبو الجبر بن تميم"، مضى برقم: ١٣٦٢٣، ١٣٦٢٩، تصحيحه، وكان هنا أيضًا في المطبوعة: "أبو الخير تميم"، وفي المخطوطة: "أبو الخير تميم" غير منقوط.]]

١٣٦٣٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة بن حميد، عن عمار الدهني، عن رجل، عن كريب قال: دعاني ابن عباس فقال: اكتب:"بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عباس، إلى فلان حَبْر تَيْماء، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد = قال، فقلت: تبدؤه تقول: السلام عليك؟ فقال: إن الله هو السلام = ثم قال: اكتب"سلامٌ عليك، أما بعد، فحدثني عن:"مستقر ومستودع". قال: ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي، فأعطيته إياه. فلما نظر إليه قال: مرحبًا بكتاب خليلي من المسلمين! فذهب بي إلى بيته، ففتح أسفاطًا له كبيرة، [["الأسفاط" جمع"سفط" (بفتحتين) : وهو وعاء كالجوالق، وبين الخبر هنا أنهم كانوا يستخدمونه في حفظ الكتب والأسفار.]] فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها. قال قلت: ما شأنك؟ قال: هذه أشياء كتبها اليهود! حتى أخرج سفر موسى عليه السلام، قال: فنظر إليه مرتين فقال:"المستقر"، الرحم، قال: ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [سورة الحج: ٥] ، وقرأ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ ، [سورة البقرة:٣٦] ، [سورة الأعراف:٢٤] . قال: مستقرُّه فوق الأرض، ومستقرُّه في الرحم، ومستقره تحت الأرض حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار. [[الأثر: ١٣٦٣٨ -"كريب" هو"كريب بن أبي مسلم الهاشمي" مولى ابن عباس، تابعي ثقة، مضى برقم: ١٠٧٥.]]

١٣٦٣٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، ما استقر في أرحام النساء، و"المستودع"، ما استودع في أصلاب الرجال.

١٣٦٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، في أصلاب الرجال.

١٣٦٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن عطاء = وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد = قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، في الأصلاب.

١٣٦٤٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثناعيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فمستقر"، ما استقر في أرحام النساء ="ومستودع"، ما كان في أصلاب الرجال.

١٣٦٤٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

١٣٦٤٤- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال:"المستقر"، ما استقر في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في الصلب.

١٣٦٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"المستقر"، الرحم،"والمستودع"، الصلب.

١٣٦٤٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا معاذ بن معاذ، عن ابن عون قال: أتينا إبراهيم عند المساء فأخبرونا أنه قد مات، فقلنا: هل سأله أحدٌ عن شيء؟ قالوا: عبد الرحمن بن الأسود، عن"المستقر" و"المستودع"، فقال:"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، في الصلب.

١٣٦٤٧- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون قال: أتينا إبراهيم وقد مات، قال: فحدثني بعضهم: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأله قبل أن يموت عن"المستقر" و"المستودع"، فقال:"المستقر"، في الرحم،"والمستودع"، في الصلب.

١٣٦٤٨- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون: أتينا منزل إبراهيم، فسألنا عنه فقالوا: قد توفي. وسأله عبد الرحمن بن الأسود، فذكر نحوه.

١٣٦٤٩- حدثني به يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون: أنه بلغه: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأل إبراهيم عن ذلك، فذكر نحوه.

١٣٦٥٠- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن العلاء بن هارون قال: انتهيت إلى منزل إبراهيم حين قبض، فقلت لهم: هل سأله أحد عن شيء؟ قالوا: سأله عبد الرحمن بن الأسود عن"مستقر ومستودع"، فقال: أما"المستقر"، فما استقر في أرحام النساء، و"المستودع"، ما في أصلاب الرجال. [[الأثر: ١٣٦٥٠ -"عبيد الله بن محمد بن هرون الفريابي"، شيخ الطبري، مضى برقم: ١٧، ٩٢٢٧.

و"ضمرة بن ربيعة الفلسطيني"، مضى برقم: ٧١٣٤، ١٢٨٦٨.

و"العلاء بن هرون الواسطي"، سكن الرملة. روى عن ابن عون. ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٣٦٢.

وأخشى أن يكون هذا الخبر، عن العلاء بن هرون، عن ابن عون، بل أرجح أن يكون كذلك.]]

١٣٦٥١- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد في"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، الصلب.

١٣٦٥٢ - حدثني يونس قال، حدثني سفيان، عن رجل حدَّثه، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: ألا تنكح؟ ثم قال: أما إني أقول لك هذا، وإني لأعلم أن الله مخرجٌ من صلبك ما كان فيه مستودَع. [[في المطبوعة: "ما كان فيه مستودعًا"، غير ما في المخطوطة بلا طائل.]]

١٣٦٥٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال:"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، في الصلب.

١٣٦٥٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس:"فمستقر ومستودع"، قال:"مستقر"، في الرحم، و"مستودع"، في الصلب.

١٣٦٥٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"فمستقر ومستودع"، قال:"مستقر"، في الرحم، و"مستودع"، في الصلب.

١٣٦٥٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك:"فمستقر ومستودع"، أما"مستقر"، فما استقر في الرحم = وأما"مستودع"، فما استودع في الصلب.

١٣٦٥٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فمستقر ومستودع"، قال:"مستقر"، في الأرحام،"ومستودع"، في الأصلاب.

١٣٦٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير = وأبي حمزة، عن إبراهيم = قالا"مستقر ومستودع"،"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، في الصلب.

* *

وقال آخرون:"المستقر"، في القبر،"والمستودع"، في الدنيا.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٥٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول:"مستقر"، في القبر،"ومستودع" في الدنيا، وأوشك أن يلحق بصاحبه.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه عمّ بقوله:"فمستقر ومستودع"، كلَّ خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة، مستقرًّا ومستودعًا، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى. ولا شك أنّ من بني آدم مستقرًّا في الرحم، ومستودعًا في الصلب، ومنهم من هو مستقر على ظهر الأرض أو بطنها، ومستودع في أصلاب الرجال، ومنهم مستقر في القبر، مستودع على ظهر الأرض. فكلٌّ"مستقر" أو"مستودع" بمعنى من هذه المعاني، فداخل في عموم قوله:"فمستقر ومستودع" ومراد به، إلا أن يأتي خبرٌ يجب التسليم له بأنه معنيٌّ به معنى دون معنى، وخاص دون عام.

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله:"فمستقر ومستودع".

فقرأت ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ ، بمعنى: فمنهم من استقرّه الله في مقرِّه، فهو مستقَرٌّ = ومنهم من استودعه الله فيما استودعه فيه، فهو مستودَع فيه.

* *

وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: ﴿فَمُسْتَقِرٌّ﴾ ، بكسر"القاف" بمعنى: فمنهم من استقرّ في مقرّه، فهو مستقِرّ به.

* *

وأولى القراءتين بالصواب عندي، وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ ، بمعنى: استقرّه الله في مستقَرِّه، ليأتلف المعنى فيه وفي"المستودَع"، في أن كل واحد منهما لم يسمَّ فاعله، وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقِرُّ هذا، والمستودِع هذا. وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله:"ومستودَع" بفتح"الدال" على وجه ما لم يسمَّ فاعله، فإجراء الأوّل = أعني قوله:"فمستقر" = عليه، أشبه من عُدُوله عنه.

* *

وأما قوله:"قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون"، يقول تعالى: قد بيّنا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها [[انظر تفسير"فصل" فيما سلف ص: ٥٦١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="لقوم يفقهون"، مواقعَ الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، [[انظر تفسير"فقه" فيما سلف ص: ٤٣٣، تعليق٢، والمراجع هناك.]] فإنهم إذا اعتبروا بما نبّهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أنّ ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه، كما:-

١٣٦٦٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون"، يقول: قد بينا الآيات لقوم يفقهون.

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي له العبادة خالصة لا شريك فيها لشيء سواه، [[في المطبوعة: "لا شركة فيها لشيء سواء"، غير ما في المخطوطة بسوء رأي!!]] هو الإله الذي أنزل من السماء ماء ="فأخرجنا به نبات كل شيء"، فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم، ما يتغذون به ويأكلونه فينبتُون عليه وينمون. وإنما معنى قوله:"فأخرجنا به نبات كل شيء"، فأخرجنا به ما ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلحُ.

* *

ولو قيل: معناه: فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات، فيكون"كل شيء"، هو أصناف النبات = كان مذهبًا، وإن كان الوجه الصحيح هو القولَ الأول. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٧.]]

* *

وقوله:"فأخرجنا منه خضرًا"، يقول:"فأخرجنا منه"، يعني: من الماء الذي أنزلناه من السماء ="خَضِرًا"، رطبًا من الزرع.

* *

"والخضر"، هو"الأخضر"، كقول العرب:"أرِنيهَا نَمِرة، أُرِكْها مَطِرَة". [[هذا مثل، نسبه صاحب اللسان في (نمر) إلى أبي ذؤيب الهذلي، ولم ينسبه في (خضر) ، ورواه الميداني في الأمثال ١: ٢٥٨، وأبو هلال في جمهرة الأمثال: ١٤، ولم ينسباه إليه، وأذكر أني قرأت قصته ثم افتقدتها الآن فلم أجدها. وقوله: "نمرة" يعني، سحابة، وهو أن يكون سواد وبياض ونمرة، يضرب مثلا في صحة مخيلة الشيء، وصحة الدلالة عليه. وذلك إذا رأيت دليل الشيء، علمت ما يتبعه.]] يقال:"خَضِرَت الأرض خَضَرًا. وخَضَارة". [["الخضارة" مصدر، مثل"الغضارة"، لم يذكر في مادته من كتب اللغة.]] و"الخضر" رطب البقول، ويقال: "نخلة خضيرة"، إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج. و"قد اختُضِر الرجل" و"اغْتُضِر"، إذا مات شابًّا مُصَحَّحًا. ويقال:"هو لك خَضِرًا مَضِرًا"، أي هنيئًا مريئًا. [[ذكره صاحب اللسان في (خضر) ، ولم يذكره في (مضر) . و"المضر" الغض الطري.]]

* *

قوله:"نخرج منه حبًّا متراكبًا"، يقول: نخرج من الخضر حبًّا = يعني: ما في السنبل، سنبل الحنطة والشعير والأرز، [[انظر تفسير"الحب" فيما سلف ص: ٥٥٠.]] وما أشبه ذلك من السنابل التي حبُّها يركب بعضه بعضًا.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٦١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"منه خضرًا نخرج منه حبًّا متراكبًا"، فهذا السنبل.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن النخل من طلعها قنوانه دانية، [[في المطبوعة والمخطوطة: "ومن النخل من طلعها قنوان دانية"، وهو نص الآية، وهو بيان لا يستقيم، وإنما الصواب ما أثبت، استظهرته من معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٧.]] = ولذلك رفعت"القِنوان".

* *

و"القنوان" جمع"قِنْو"، كما"الصنوان" جمع"صِنْو"، وهو العِذْق، [["العذق" (بكسر فسكون) : كباسة النخل وعراجينها.]] يقال للواحد هو"قِنْو"، و"قُنْو" و"قَنَا"، يثنى"قِنوانِ"، ويجمع"قنوانٌ" و"قُنوانٌ". [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٢.]] قالوا في جمع قليله:"ثلاثة أقْناء". و"القِنوان" من لغة الحجاز، و"القُنْوان"، من لغة قيس، وقال امرؤ القيس:

فَأَثَّتْ أَعَالِيهِ، وَآدَتْ أُصُولُهُ ... وَمَالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا [[ديوانه: ٦٧، واللسان (قنا) ، وغيرها كثير. من قصيدته المستجادة، وهو من أولها، يصف ظعن الحي يشبهها بالنخل، يقول قبله: بِعَيْنيَّ ظُعْنُ الحَيِّ لَمَّا تَحَمَّلُوا ... لَدَى جَانِبِ الأَفْلاجِ مِنْ جَنْبِ تَيْمرَا

فَشَبَّهْتُهُمْ فِي الآلِ لَمَّا تَكَمَّشُوا ... حَدَائِقَ دَوْمٍ، أوْ سَفِينًا مُقَيَّرَا

أَوِ المُكْرِعَاتِ من نَخِيلِ ابْنِ يَامِنٍ ... دُوَيْنَ الصَّفَا اللائِي يَلِينَ المُشقّرا

سَوَامِقَ جَبَّارٍ أَثِيثٍ فُرُوعُهُ ... وَعَالَيْنَ قِنْوَانًا مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا

فهذه رواية أخرى غير التي رواها أبو جعفر وغيره. وقوله: "فأثت أعاليه": أي: عظمت والتفت من ثقل حملها. وقوله: "آدت"، أي تثنت ومالت.]]

و"قِنْيان"، جميعًا، وقال آخر: [[لم أعرف قائله.]]

لَهَا ذَنَبٌ كَالْقِنْوِ قَدْ مَذِلَتْ بِهِ ... وَأَسْحَمَ لِلتَّخْطَارِ بَعْدَ التَّشَذُّرِ [[رواه أبو زيد في نوادره: ١٨٢، بيتًا مفرادًا، وقال في تفسيره: "التشذر"، إذا لقحت الناقة عقدت ذنبها ونصبته على عجزها من التخيل، فذاك التشذر. و"المذل" (بفتحتين) : أن لا تحرك ذنبها. ولم أعرف لقوله"أسحم" في هذا البيت معنى، ورواية أبي زيد: "وأسمح"، وهو حق المعنى فيما أرجح. و"التخطار"، مصدر"خطر الفحل بذنبه خطرًا وخطرانًا وخطيرًا"، رفعه مرة بعد مرة، وضرب به حاذيه، وهما ما ظهر من فخذيه حيث يقع شعر الذنب. وهذا المصدر لم يذكر في شيء من معاجم اللغة. والمعنى: أنها أقرت ذنبها، ثم أسمح لها بعد نشاطها وتبخترها فاسترخى. هكذا ظننت معناه.]]

وتميم تقول:" قُنْيان" بالياء.

* *

ويعني بقوله:"دانية"، قريبة متهدّلة.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٦٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"قنوان دانية"، يعني ب"القنوان الدانية"، قصار النخل، لاصقة عُذُوقها بالأرض.

١٣٦٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"من طلعها قنوان دانية"، قال: عذوق متهدلة.

١٣٦٦٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"قنوان دانية"، يقول: متهدلة.

١٣٦٦٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله:"قنوان دانية"، قال: قريبة.

١٣٦٦٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب:"قنوان دانية"، قال: قريبة.

١٣٦٦٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ومن النخل من طلعها قنوان دانية"، قال: الدانية، لتهدُّل العُذوق من الطلع.

١٣٦٦٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"ومن النخل من طلعها قنوان دانية"، يعني النخل القصارَ الملتزقة بالأرض، و"القنوان" طلعه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأخرجنا أيضًا جنات من أعناب = يعني: بساتينَ من أعناب. [[انظر تفسير"الجنات" فيما سلف من فهارس اللغة (جنن)]]

* *

واختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة القرأة: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ نصبًا، غير أن"التاء" كسرت، لأنها"تاء" جمع المؤنث، وهي تخفض في موضع النصب. [[في المطبوعة، أسقط"في" من الكلام سهوًا.]]

* *

وقد:-

١٣٦٦٩- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام، عن الكسائي قال، أخبرنا حمزة، عن الأعمش أنه قرأ: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ .

* *

= بالرفع، فرفع"جنات" على إتباعها"القنوان" في الإعراب، وإن لم تكن من جنسها، كما قال الشاعر:

وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا [[مضى البيت وتخريجه مرارًا ١: ١٤٠/٦: ٤٢٣/ ١٠: ٤٠٨.]]

* *

قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز أن يقرأ ذلك إلا بها، النصبُ: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ ، لإجماع الحجة من القرأة على تصويبها والقراءة بها، ورفضهم ما عداها، وبُعْدِ معنى ذلك من الصواب إذ قرئ رفعًا.

* *

وقوله:"والزيتون والرمان"، عطف ب"الزيتون" على"الجنات"، بمعنى: وأخرجنا الزيتونَ والرمان مشتبهًا وغير متشابه.

* *

وكان قتادة يقول في معنى"مشتبهًا وغير متشابه"، ما:-

١٣٦٧٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه"، قال: مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمرُه.

* *

وجائز أن يكون مرادًا به: مشتبهًا في الخلق، مختلفًا في الطعم. [[انظر تفسير"متشابه" فيما سلف ١: ٣٨٥ - ٣٩٤/٦: ١٧٣.]]

* *

قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: وشجر الزيتون والرمان، فاكتفى من ذكر"الشجر" بذكر ثمره، كما قيل: ﴿واسأل القرية﴾ ، [سورة يوسف: ٨٢] ، فاكتفى بذكر"القرية" من ذكر"أهلها"، لمعرفة المخاطبين بذلك بمعناه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: ﴿انْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ﴾ ، بفتح"الثاء" و"الميم".

* *

وقرأه بعض قرأة أهل مكة وعامة قرأة الكوفيين: ﴿إلَى ثُمُرِهِ﴾ ، بضم"الثاء" و"الميم".

* *

= فكأنّ من فتح"الثاء" و"الميم" من ذلك، وجَّه معنى الكلام: انطروا إلى ثمر هذه الأشجار التي سمينا من النخل والأعناب والزيتون والرمان إذا أثمرَ = وأن"الثمر" جمع"ثمرة"، كما"القصب"، جمع"قصبة"، و"الخشب" جمع"خشبة".

* *

= وكأنّ من ضم"الثاء" و"الميم"، وجَّه ذلك إلى أنه جمع"ثِمَار"، كما"الحُمُر" جمع"حمار"، و"الجُرُب" جمع"جراب"، وقد:-

١٣٦٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن ابن إدريس، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب: أنه كان يقرأ: ﴿إلَى ثُمُرِهِ﴾ ، يقول: هو أصناف المال.

١٣٦٧٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا محمد بن عبيد الله، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال:"الثُّمُر"، هو المال = و"الثمر"، ثَمَر النخل. [[روي عن مجاهد أبين من هذا إذ قال: "هو الذهب والفضة"، كما حكاه الفارسي عنه.]]

* *

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأ: ﴿انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ﴾ بضم"الثاء" و"الميم"، لأن الله جل ثناؤه وصفَ أصنافًا من المال كما قال يحيى بن وثاب، وكذلك حبّ الزرع المتراكب، وقنوان النخل الدانية، والجنات من الأعناب والزيتون والرمان، فكان ذلك أنواعًا من الثمر، فجمعت"الثمرة""ثمرًا"، ثم جمع"الثمر""ثمارًا"، ثم جمع ذلك فقيل: ﴿انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ﴾ ، فكان ذلك جمع"الثمار" و"الثمار" جمع"الثمر" = و"إثماره"، عقدُ الثمر.

* *

وأما قوله:"وَينْعه"، فإنه نُضجه وبلوغُه حين يبلغ.

* *

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول في"يَنْعه" إذا فتحت ياؤه، هو جمع"يانع"، كما"التَّجْر" جمع"تاجر"، و"الصحب" جمع"صاحب". [[هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢٠٢، وهو منسوب أيضًا إلى ابن كيسان، كما جاء في لسان العرب (ينع) .]]

* *

وكان بعض أهل الكوفة ينكر ذلك، ويرى أنه مصدر من قولهم:"ينع الثمر فهو يَيْنع يَنْعًا"، ويحكى في مصدره عن العرب لغات ثلاثًا:"يَنْع"، و"يُنْع"، و"يَنَع"، وكذلك في"النَّضْج""النُّضج" و"النَّضَج". [[ذكر أبو جعفر في"ينع" و"نضج" مصدرًا ثالثًا غير الذي ذكره أصحاب المعاجم، فإنهم اقتصروا في (ينع) على فتح الياء وسكون النون، وضمها وسكون النون = واقتصروا في (نضج) على فتح النون وسكون الضاد، وضمها وسكون الضاد. أما هذا المصدر الثالث الذي رواه أبو جعفر ولم يضبطه، فلم أجده في شيء من المعاجم، وهو مما يزاد عليها، إلا أني استظهرت ضبطه في الحرفين بفتح الياء والنون في ينع"، وبفتح النون والضاد في"نضج". وسيذكر أبو جعفر مصدرًا آخر بعد قليل وهو"ينوع".]]

* *

وأما في قراءة من قرأ ذلك: ﴿وَيَانِعِهِ﴾ ، فإنه يعني به: وناضجه، وبالغه.

* *

وقد يجوز في مصدره"يُنُوعًا"، ومسموع من العرب:"أينعت الثمرة تُونِع إيناعًا"، ومن لغة الذين قالوا:"ينع"، قول الشاعر: [[هذا شعر مختلف فيه من شعر يزيد بن معاوية، ونسبه المبرد إلى الأحوص، ونسبه الجاحظ إلى أبي دهبل، وينسب إلى الأخطل خطأ.]]

فِي قِبَابٍ عِنْدَ دَسْكَرَةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا [[الحيوان ٤: ١٠، الكامل ١: ٢٢٦، أنساب الأشراف ٤/٢/٢، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٢، تاريخ ابن كثير ٨: ٢٣٤، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٤٠، معجم ياقوت (الماطرون) ؛ الخزانة ٣: ٢٧٩، العيني (هامش الخزانة ١: ١٤٩) ، واللسان (ينع) وغيرها. من شعر يقال إن يزيد قاله في نصرانية ترهبت في دير خرب عند الماطرون، وهو موضع بالشأم. وهذا هو الشعر، مع اختلاف الرواية فيه: آبَ هَذَا الهَمُّ فَاكْتَنَعَا ... وأتَرَّ النَّوْمَ فَاْمْتَنَعَا

رَاعِيًا للِنَّجْمِ أرْقُبُهُ ... فَإِذَا ما كَوْكَبٌ طَلَعَا

حَامَ، حَتَّى إنَّنِي لأرَى ... أنَّهُ بِالْغَورِ قَدْ وَقَعَا

وَلَهَا بالمَاطِرُونِ إذَا ... أكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا

خُرْفَةٌ، حَتَّى إذَا ارْتَبَعَتْ ... سَكَنَتْ منْ جِلَّقٍ بِيَعَا

فِي قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكَرةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا

عِنْد غَيْري، فَالْتَمِسْ رَجُلا ... يأكُلُ التَّنُّوَم والسَّلَعَا

ذَاكَ شَيءٌ لَسْتُ آكُلُهُ ... وَأرَاهُ مَأْكَلا فَظِعَا

"اكتنع الهم"، دنا دنوًّا شديدا. و"أتر النوم" أبعده، والرواية المشهورة و"أمر النوم" من المرارة. وقوله: "أكل النمل الذي جمعا"، يعني زمن الشتاء. و"الخرفة" ما يجتنى من الفاكهة. و"ارتبعت" دخلت في الربيع. و"جلق" قرية من قرى دمشق. و"البيع" جمع"بيعة" (بكسر الباء) ، وهي كنيسة اليهود أو النصارى، و"الدسكرة" بناء كالقصر، كانت الأعاجم تتخذه للشرب والملاهي. و"التنوم" و"السلع" نباتان، تأكلها جفاة أهل البادية. و"فظع"، فظيع يستبشعه آكله.

ورواية البلاذري للبيت: فِي جِنَانٍ ثَمَّ مُؤْنِقَةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وينعه"، يعني: إذا نضج.

١٣٦٧٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"انطروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه"، قال:"ينعه"، نضجه.

١٣٦٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه"، أي نضجه.

١٣٦٧٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وينعه"، قال: نضجه.

١٣٦٧٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وينعه"، يقول: ونضجه.

١٣٦٧٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وينعه"، قال: يعني نضجه.

١٣٦٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"وينعه"، قال: نضجه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره إن في إنزال الله من السماء الماءَ الذي أخرج به نباتَ كل شيء، والخضِرَ الذي أخرج منه الحبَّ المتراكب، وسائر ما عدَّد في هذه الآية من صنوف خلقه ="لآيات"، يقول: في ذلكم، أيها الناس، إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموّه، علمتم أن له مدبِّرًا ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد، وكان فيه حجج وبرهان وبيان [[انظر تفسير"آية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] ="لقوم يؤمنون"، يقول: لقوم يصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء.

وخصّ بذلك تعالى ذكره القوم الذين يؤمنون، لأنهم هم المنتفعون بحجج الله والمعتبرون بها، دون من قد طَبعَ الله على قلبه، فلا يعرف حقًّا من باطل، ولا يتبين هدًى من ضلالة.

القول في تأويل قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وجعل هؤلاء العادلون بربهم الآلهةَ والأندادَ لله شركاء، الجن، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [سورة الصافات: ١٥٨] .

* *

وفي الجن وجهان من النصب.

أحدهما: أن يكون تفسيرًا للشركاء. [[- ((التفسير)) ، هو البدل]] .

والآخر: أن يكون معنى الكلام: وجعلوا لله الجن شركاء، وهو خالقهم.

* *

واختلفوا في قراءة قوله:"وخلقهم".

فقرأته قراء الأمصار: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ ، على معنى أن الله خلقهم، منفردًا بخلقه إياهم. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٨.]] .

* *

وذكر عن يحيى بن يعمر ما:-

١٣٦٨٠ - حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر: أنه قال:" شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ".

بجزم"اللام" بمعنى أنهم قالوا: إنّ الجنّ شركاء لله في خلقه إيّانا.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ ذلك: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ ، لإجماع الحجة من القرأة عليها.

* *

وأما قوله: ﴿وخرقوا له بنين وبنات بغير علم﴾ ، فإنه يعني بقوله: ﴿خرقوا﴾ اختلقوا.

* *

يقال:"اختلق فلان على فلان كذبًا" و"اخترقه"، إذا افتعله وافتراه. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٨، ومجاز القرآن أبي عبيدة ١: ٢٠٣.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: وجعلوا لله شركاء الجن والله خلقهم="وخرقوا له بنين وبنات"، يعني أنهم تخرَّصوا.

١٣٦٨٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"، قال: جعلوا له بنين وبنات بغير علم.

١٣٦٨٣- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"، قال: كذبوا.

١٣٦٨٤ -حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٣٦٨٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وجعلوا لله شركاء الجن" كذبوا="سبحانه وتعالى عما يصفون"، عما يكذبون. أما العرب فجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون من الغلمان= وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرُون. [[اقرأ آية سورة الصافات: ١٥٨.]]

١٣٦٨٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم" قال: خرصوا له بنين وبنات.

١٣٦٨٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"، يقول: قطعوا له بنين وبنات. [[هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة: ((قطعوا)) بمعنى: اختلقوا وادعوا ونسبوا، ولم أجد هذا المجاز في شيء من كتب اللغة، فإن صح، وهو عندي قريب الصحة، فهو بالمعنى الذي ذكرت. إلا أن يكون محرفًا عن شيء لم أتبينه.]] قالت العرب: الملائكة بنات الله= وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعزير ابنا الله.

١٣٦٨٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"، قال:"خرقوا"، كذبوا، لم يكن لله بنون ولا بنات= قالت النصارى: المسيح ابن الله= وقال المشركون: الملائكة بنات الله= فكلٌّ خرقوا الكذب،"وخرقوا"، اخترقوا.

١٣٦٨٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"وجعلوا لله شركاء الجن"، قال: قول: الزنادقة="وخرقوا له"، قال ابن جريج، قال مجاهد:"خرقوا"، كذبوا.

١٣٦٩٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن جويبر، عن الضحاك:"وخرقوا له بنين وبنات"، قال: وصفوا له.

١٣٦٩١- حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن أبي عمرو: "وخرقوا له بنين وبنات"، قال: تفسيرها: وكذبوا.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وجعلوا لله الجنَّ شركاءَ في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير="وخرقوا له بنين وبنات"، يقول: وتخرَّصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبعي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: تنزه الله، [[انظر تفسير ((سبحان)) فيما سلف ١١: ٢٣٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه، في ادّعائهم له شركاء من الجن، واختراقهم له بنين وبنات، وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته، لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد، والذين تضطرّهم لضعفهم الشهواتُ إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات، وليس الله تعالى ذكره بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء، ولا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة.

* *

وقوله:"تعالى"،"تفاعل" من"العلوّ"، والارتفاع. [[انظر تفسير ((العلو)) فيما سلف ٥: ٤٠٥.]]

* *

وروي عن قتادة في تأويل قوله:"عما يصفون"، أنه: يكذبون.

١٣٦٩٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "سبحانه وتعالى عما يصفون"، عما يكذبون.

* *

وأحسب أن قتادة عنى بتأويله ذلك كذلك، أنهم يكذبون في وصفهم الله بما كانوا يصفونه به، من ادعائهم له بنين وبنات= لا أنه وجه تأويل"الوصف" إلى الكذب.

القول في تأويل قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله الذي جعل هؤلاء الكفرة به له الجنَّ شركاءَ، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم="بديع السماوات والأرض"، يعني: مبتدعها ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن، [[انظر تفسير ((بديع)) فيما سلف ٢: ٥٤٠.]] كما:-

١٣٦٩٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"بديع السماوات والأرض"، قال: هو الذي ابتدع خلقهما جل جلاله، فخلقهما ولم يكونا شيئًا قبله.

* *

=" أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة"، والولد إنما يكون من الذكر والأنثى، ولا ينبغي أن يكون لله سبحانه صاحبة، فيكون له ولد. وذلك أنه هو الذي خلق كل شيء. يقول: فإذا كان لا شيء إلا اللهُ خلقه، فأنّى يكون لله ولد، ولم تكن له صاحبة فيكون له منها ولد؟ القول في تأويل قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله خلق كل شيء، ولا خالق سواه. وكلُّ ما تدَّعون أيها العادلون بالله الأوثان من دونه، خلقُه وعبيده، مِلكًا، كان الذي تدعونه ربًّا وتزعمون أنه له ولد، أو جنيًّا أو إنسيًّا="وهو بكل شيء عليم"، يقول: والله الذي خلق كل شيء، لا يخفى عليه ما خلق ولا شيء منه، ولا يعزب عنه مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء، عالم بعددكم وأعمالكم، وأعمال من دعوتموه ربًّا أو لله ولدًا، وهو محصيها عليكم وعليهم، حتى يجازي كلا بعمله. [[انظر تفسير ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (علم)]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، هو الله ربكم، أيها العادلون بالله الآلهة والأوثان، والجاعلون له الجن شركاء، وآلهتكم التي لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا تفعل خيرًا ولا شرًا="لا إله إلا هو".

وهذا تكذيبٌ من الله جل ثناؤه للذين زعموا أن الجن شركاء الله. يقول جل ثناؤه لهم: أيها الجاهلون، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة، إلا الذي خلق كل شيء، وهو بكل شيء عليم، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادةُ جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها، فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة="فاعبدوه"، يقول: فذلُّوا له بالطاعة والعبادة والخدمة، واخضعوا له بذلك. [[انظر تفسير ((العبادة)) فيما سلف من فهارس اللغة (عبد) .]] =

"وهو على كل شيء وكيل"، يقول: والله على كل ما خلق من شيء رقيبٌ وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته. [[انظر تفسير ((وكيل)) فيما سلف ١١: ٤٣٤ تعليق: ١، راجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار".

فقال بعضهم: معناه لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٩٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، يقول: لا يحيط بصر أحدٍ بالملك.

١٣٦٩٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.

١٣٦٩٦- حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا خالد بن عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢-٢٣] ، قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم، فذلك قوله:"لا تدركه الأبصار"، الآية. [[الأثر: ١٣٦٩٦ - ((سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري)) ثقة، روي عنه آنفًا برقم: ٤٣٦. وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا ((يونس بن عبد الله بن الحكم)) ، وهو خطأ، والصواب ما سيأتي في التفسير ٢٩: ١٢٠ (بولاق) ، حيث روى هذا الخبر نفسه، بإسناده عن ((سعد بن عبد الله بن عبد الحكم)) .

و ((خالد بن عبد الرحمن الخراساني المروروذي)) روى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأخوه ((سعد)) . قال أبو حاتم: ((شيخ، ليس به بأس)) . مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ٢ /٣٤١. وأما ((أبو عرفجة)) ، فلم أعرف من يكون.

و ((عطية العوفي)) ، هو ((عطية بن سعد بن جنادة العوفي)) ، وهو ضعيف، مضى مرارًا، واستوفى أخي السيد أحمد الكلام فيه في رقم: ٣٠٥. وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر مرة أخرى في التفسير ٢٩: ١٢٠ (بولاق) .]]

* *

قال أبو جعفر: واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا، بأن قالوا: إن الله قال:" حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت "، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((فلما أدركه الغرق)) ، وهو سهو، فإن نص التلاوة ما أثبت.]] [يونس: ٩٠] قالوا: فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون، ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئًا. قالوا: فمعنى قوله:"لا تدركه الأبصار" بمعنى: لا تراه، بعيد. لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل أصحاب موسى ﷺ لموسى حين قرُب منهم أصحاب فرعون: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ، [سورة الشعراء: ٦١] ، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى ﷺ أنهم لا يُدْرَكون، لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ ، [سورة طه: ٧٧] .

قالوا: فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه، ويدركه ولا يراه، فكان معلومًا بذلك أن قوله:"لا تدركه الأبصار"، من معنى: لا تراه الأبصار، بمعزل= وأن معنى ذلك: لا تحيط به الأبصار، لأن الإحاطة به غير جائزة.

قالوا: فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم، ولا تدركه أبصارهم، بمعنى: أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئًا يحيط به.

قالوا: ونظير جواز وصفه بأنه يُرَى ولا يُدْرَك، جوازُ وصفه بأنه يعلم ولا يحاط بعلمه، [[في المطبوعة: ((ولا يحاط به)) ، وصواب السياق ما أثبت.]] وكما قال جل ثناؤه: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥] . قالوا: فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. قالوا: ومعنى"العلم" في هذا الموضع، المعلوم. قالوا: فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء، نَفْيٌ عن أن يعلموه. قالوا: فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علمًا نَفْيٌ للعلم به، كان كذلك، لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر، نفيُ رؤيته له. قالوا: وكما جاز أن يعلم الخلق أشياءَ ولا يحيطون بها علمًا، كذلك جائزٌ أن يروا ربَّهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى"الرؤية" غير معنى"الإدراك"، ومعنى"الإدراك" غير معنى"الرؤية"، وأن معنى"الإدراك"، إنما هو الإحاطة، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل.

قالوا: فإن قال لنا قائل: وما أنكرتم أن يكون معنى قوله:"لا تدركه الأبصار"، لا تراه الأبصار؟

قلنا له: أنكرنا ذلك، لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهًا في القيامة إليه ناظرة، [[يعني آيتي سورة القيامة: ٢٢، ٢٣.]] وأن رسول الله ﷺ أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة، كما يُرَى القمر ليلة البدر، وكما ترونَ الشمس ليسَ دونها سحاب. [[في المخطوطة، أسقط ((البدر)) ، والصواب إثباتها.]] قالوا: فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر، وحققتْ أخبارُ رسول الله ﷺ بما ذكرنا عنه من قيله ﷺ: إن تأويل قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢-٢٣] ، أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله، [[انظر الأحاديث الصحاح في رؤية ربنا سبحانه يوم القيامة في صحيح البخاري (الفتح ١٣: ٣٥٦، وما بعدها) ، وصحيح مسلم ٣: ٢٥، وما بعدها. والخبران اللذان ذكرهما أبو جعفر خبران صحيحان.]] وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخر، إذ كان غير جائز في الأخبار= لما قد بينا في كتابنا:"كتاب لطيف البيان، عن أصول الأحكام"، وغيره= [[قوله: ((علم)) جواب قوله آنفًا: ((فإذ كان الله قد أخبر في كتابه ... ))]] علم، أن معنى قوله:"لا تدركه الأبصار"، غير معنى قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله، ولا يدركونه بها، تصديقًا لله في كلا الخبرين، وتسليمًا لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصار، وهو يرى الأبصار.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٩٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لا تدركه الأبصار"، لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق.

١٣٦٩٨- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: من حدَّثك أن رسول الله ﷺ رأى ربَّه فقد كذب! "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ، [سورة الشورى: ٥١] ، ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين.

١٣٦٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: سبحان الله، لقد قَفَّ شعري مما قلت! ثم قرأت:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير". [[الأثران: ١٣٦٩٨، ١٣٦٩٩ - حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، رواه مسلم في صحيحه ٣: ١٠، مختصرًا.

((قف شعري)) : إذا وقف من الفزع.]]

١٣٧٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى وابن علية، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة بنحوه. [[الأثر: ١٣٧٠٠ - حديث داود، عن الشعبي، رواه مسلم مطولا ٣: ٨ - ١٠، وقد مضى جزء من هذا الخبر المطول فيما سلف برقم: ١٢٢٨٠ - ١٢٢٨٣. فانظر تخريجه هناك.]]

١٣٧٠١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن أحدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله! قال الله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار".

* *

فقال قائلو هذه المقالة: معنى"الإدراك" في هذا الموضع، الرؤية= وأنكروا أن يكون الله يُرَى بالأبصار في الدنيا والآخرة= وتأوّلوا قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، بمعنى انتظارها رحمة الله وثوابَه.

* *

قال أبو جعفر: وتأول بعضهم في الأخبار التي رُويت عن رسول الله ﷺ بتصحيح القول برؤية أهل الجنة ربَّهم يوم القيامة تأويلات، وأنكر بعضهم مجيئها، ودافعوا أن يكون ذلك من قول رسول الله ﷺ، وردُّوا القول فيه إلى عقولهم، فزعموا أن عقولهم تُحِيل جواز الرؤية على الله عز وجل بالأبصار، وأتوا في ذلك بضرُوب من التمويهات، وأكثروا القول فيه من جهة الاستخراجات.

وكان من أجلّ ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل، أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئًا إلا ما باينها دون ما لاصقها، فإنها لا ترى ما لاصقها. قالوا: فما كان للأبصار مباينًا مما عاينته، فإن بينه وبينها فضاءً وفرجةً. قالوا: فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما ترى الأشخاص اليوم، فقد وجب أن يكون الصانع محدودًا. قالوا: ومن وصفه بذلك، فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان.

قالوا: وأخرى، أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان، كما من شأن الأسماع أن تدرك الأصوات، ومن شأن المتنسِّم أن يدرك الأعراف. [[في المطبوعة: ((المتنشم)) بالشين، وهو خطأ صرف، والصواب بالسين كما في المخطوطة. يقال ((تنسيم النسيم)) ، إذا تشممه. و ((الأعراف)) جمع ((عرف)) (بفتح فسكون) : الرائحة، طيبة كانت أو خبيثة. يقال: ((ما أطيب عرفها)) ، أي: رائحتها.]] قالوا: فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزًا أن يُقْضَى للسمع بغير إدراك الأصوات، وللمتنسِّم إلا بإدراك الأعراف، فسد أن يكون جائزًا القضاءُ للبصر إلا بإدراك الألوان. [[في المخطوطة: ((انقضاء البصر)) ، والصواب ما في المطبوعة.]] قالوا: ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفًا بأنه ذو لون، صح أنه غير جائز أن يكون موصوفًا بأنه مرئيٌّ.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تدركه. وقال أهل هذه المقالة:"الإدراك"، في هذا الموضع، الرؤية.

واعتلّ أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا:"الإدراك"، وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية، فإن الرؤية من أحد معانيه. وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصرُه شيئًا فيراه، وهو لما أبصره وعاينه غير مدرك، وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية. قالوا: فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له، دون ما لم يره. قالوا: وقد أخبر الله أن وجوهًا يوم القيامة إليه ناظرة. قالوا، فمحالٌ أن تكون إليه ناظرة وهي له غير مدركة رؤيةً. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضادٌّ وتعارض، وجب وصحّ أن قوله:"لا تدركه الأبصار"، على الخصوص لا على العموم، وأن معناه: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .

* *

وقال آخرون من أهل هذه المقالة: الآية على الخصوص، إلا أنه جائز أن يكون معنى الآية: لا تدركه أبصارُ الظالمين في الدنيا والآخرة، وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله. قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة، وأما بالرؤية فَبَلَى. [[((بلى)) استعمالها مع غير الجحد، قد سلف بيانه ودليله ٢: ٢٨٠، ٥١٠، ثم ١٠: ٩٨، تعليق: ٤.]] قالوا: وجائز أن يكون معناها: لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الآخرة= وجائز أن يكون معناها: لا تدركه أبصارُ من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصارَ خلقه= فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه، هو الذي أثبته لنفسه، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلا فيما قوَّاها جل ثناؤه على النفوذ فيه، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء. قالوا: ولا شك في خصوص قوله:"لا تدركه الأبصار"، وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم، غير أنا لا ندري أيَّ معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية. واعتلُّوا لتصحيح القول بأن الله يرى في الآخرة، بنحو علل الذين ذكرنا قبل.

* *

وقال آخرون: الآية على العموم، ولن يدرك الله بصرُ أحد في الدنيا والآخرة؛ ولكن الله يُحدث لأوليائه يوم القيامة حاسّة سادسة سوى حواسِّهم الخمس، فيرونه بها.

واعتلوا لقولهم هذا بأنّ الله تعالى ذكره نفى عن الأبصار أن تدركه، من غير أن يدلّ فيها أو بآية غيرها على خصوصها. قالوا: وكذلك أخبرَ في آية أخرى أن وجوهًا إليه يوم القيامة ناظرة. قالوا: فأخبار الله لا تتنافى ولا تتعارض، [[في المطبوعة: ((لا تتباين)) ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب قراءتها.]] وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنزيل. واعتلُّوا أيضًا من جهة العقل بأن قالوا: إن كان جائزًا أن نراه في الآخرة بأبصارنا هذه وإن زيد في قواها، وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت، لأن كل حاسة خلقت لإدراك معنًى من المعاني، فهي وإن ضعفت كل الضعف، فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لإدراكه وإن ضعف إدراكها إياه، ما لم تُعْدم. قالوا: فلو كان في البصر أن يُدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه، وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها وإن ضعف إدراكه إياه. قالوا: فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا، كان غير جائز أن تكون في الآخرة إلا بهيئتها في الدنيا في أنها لا تدرك إلا ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا. قالوا: فلما كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أنّ وجوهًا في الآخرة تراه، علم أنها تراه بغير حاسة البصر، إذ كان غير جائز أن يكون خبرُه إلا حقًّا.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال:"إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر"="وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب"، [[انظر ص: ١٦، تعليق: ١.]] فالمؤمنون يرونه، والكافرون عنه يومئذ محجوبون، كما قال جل ثناؤه: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٥] .

فأما ما اعتلَّ به منكرُو رؤية الله يوم القيامة بالأبصار، لما كانت لا ترى إلا ما باينها، وكان بينها وبينه فضاءٌ وفرجة، وكان ذلك عندهم غير جائز أن تكون رؤية الله بالأبصار كذلك، لأن في ذلك إثبات حدٍّ له ونهايةٍ، فبطل عندهم لذلك جواز الرؤية عليه= فإنه يقال لهم: [[في المطبوعة والمخطوطة: ((وإنه يقال لهم)) بالواو، وصواب السياق ما أثبت.]] هل علمتم موصوفًا بالتدبير سوى صانعكم، إلا مماسًّا لكم أو مباينًا؟

فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك، كُلِّفوا تبيينه، ولا سبيل إلى ذلك.

وإن قالوا: لا نعلم ذلك.

قيل لهم: أو ليس قد علمتموه لا مماسًّا لكم ولا مباينًا، وهو موصوف بالتدبير والفعل، ولم يجب عندكم إذْ كنتم لم تعلموا موصوفًا بالتدبير والفعل غيره إلا مماسًّا لكم أو مباينًا، أن يكون مستحيلا العلم به، وهو موصوف بالتدبير والفعل، لا مماس ولا مباين؟

فإن قالوا: ذلك كذلك.

قيل لهم: فما تنكرون أن تكون الأبصار كذلك لا ترى إلا ما باينها وكانت بينه وبينها فرجة، قد تراه وهو غير مباين لها ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء، كما لا تعلم القلوب موصوفًا بالتدبير إلا مماسًّا لها أو مباينًا، وقد علمتْه عندكم لا كذلك؟ وهل بينكم وبين من أنكر أن يكون موصوفًا بالتدبير والفعل معلومًا، لا مماسًّا للعالم به أو مباينًا= وأجاز أن يكون موصوفًا برؤية الأبصار، لا مماسًّا لها ولا مباينًا، فرق؟

ثم يسألون الفرقَ بين ذلك، فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله.

وكذلك يسألون فيما اعتلوا به في ذلك: أن من شأن الأبصار إدراك الألوان، كما أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات، ومن شأن المتنسِّم درَك الأعراف، فمن الوجه الذي فسد أن يُقضى للسمع بغير درك الأصوات، فسد أن يُقضى للأبصار لغير درك الألوان. [[في المطبوعة: ((أن يقتضي السمع لغير)) ، و ((أن تقتضي الأبصار لغير)) ، وأما المخطوطة، ففيها ((أن يقضي السمع ... )) ، و ((أن يقضي للأبصار)) ، والصواب ما أثبت.]]

فيقال لهم: ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم، موصوفًا بالتدبير والفعل إلا ذا لونٍ، وقد علمتموه موصوفًا بالتدبير لا ذا لونٍ؟

فإن قالوا:"نعم"= لا يجدون من الإقرار بذلك بدًّا، إلا أن يكذبوا فيزعموا أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفًا بالتدبير والفعل غير ذي لون، فيكلفون بيان ذلك، ولا سبيل إليه. [[في المطبوعة: ((فيكلفوا بيان ذلك)) ، وفي المخطوطة: ((فدلقوا بيان ذلك)) ، وهي غير مقروءة، ولعل الصواب ما أثبت.]]

فيقال لهم: فإذ كان ذلك كذلك، فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيما شاهدتم وعاينتم لم تجدوها تدرك إلا الألوان، كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفًا بالتدبير إلا ذا لون، وقد وجدتموها علمته موصوفًا بالتدبير غير ذي لون. ثم يسألون الفرق بين ذلك، فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلا ألزموا في الآخر مثله.

ولأهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس، كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها وبالجواب عنها، إذ لم يكن قصدنا في كتابنا هذا قصدَ الكشف عن تمويهاتهم، بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آي الفرقان. ولكنا ذكرنا القدرَ الذي ذكرنا، ليعلم الناظرُ في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبَّس عليهم الشيطان، مما يسهل على أهل الحق البيانُ عن فساده، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة، ولا رواية عن رسول الله ﷺ صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلمات يخبطون، وفي العمياء يتردّدون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة.

* *

وأما قوله:"وهو اللطيف الخبير"، فإنه يقول: والله تعالى ذكره المتيسر له من إدراك الأبصار، [[في المطبوعة: ((الميسر له)) ، والصواب من المخطوطة، ولم يحسن قراءتها.]] والمتأتِّي له من الإحاطة بها رؤيةُ ما يعسر على الأبصار من إدراكها إياه وإحاطتها به ويتعذر عليها="الخبير"، يقول: العليم بخلقه وأبصارهم، والسبب الذي له تعذر عليها إدراكه، فلطف بقدرته فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه، وخبرَ بعلمه كيف تدبيرها وشؤونها وما هو أصلح بخلقه، [[انظر تفسير ((الخبير)) فيما سلف من فهارس اللغة (خبر) .]] كالذي:

١٣٧٠٢- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله:"اللطيف الخبير"، قال:"اللطيف" باستخراجها="الخبير"، بمكانها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقول لهؤلاء الذين نبَّههم بهذه الآيات من قوله: [[في المطبوعة والمخطوطة: ((لهذه الآيات)) باللام، وصواب السياق يقتضي ما أثبت.]] "إن الله فالق الحب والنوى" إلى قوله:"وهو اللطيف الخبير" على حججه عليهم، وعلى سائر خلقه معهم، [[في المطبوعة ((وعلى تبيين خلقه معهم)) ، وهو كلام لا معنى له، وهو في المخطوطة سيئ الكتابة، وصواب قراءته ما أثبت. قوله: ((وعلى سائر خلقه معهم)) ، معطوف على قوله: ((عليهم)) قبله.

وقوله: ((على حججه)) ، السياق: ((أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات ... على حججه عليهم)) .

وقوله بعد: ((العادلين به الأوثان)) ، صفة لقوله آنفًا ((أن يقول لهؤلاء الذين نبههم بهذه الآيات.. .))]] العادلين به الأوثان والأنداد، والمكذبين بالله ورسوله محمد ﷺ وما جاءهم من عند الله= قل لهم يا محمد:"قد جاءكم"، أيها العادلون بالله، والمكذبون رسوله="بصائر من ربكم"، أي: ما تبصرون به الهدى من الضلال، والإيمان من الكفر.

* *

= وهي جمع"بصيرة"، ومنه قول الشاعر: [[هو الأسعر الجعفي.]]

حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ ... وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتَدٌ وَأَى [[الأصمعيات: ٢٣ (وطبعة المعارف: ١٥٧) ، والوحشيات رقم: ٥٨، المخصص ١: ١٦٠، اللسان (بصر) (عتد) (وأي) . وغيرها كثير. وهي من قصيدة عير فيها إخوته لأبيه، وذلك أن أباه قتل وهو غلام، فأخذ إخوته لأبيه الدية فأكلوها، فلما شب الأسعر، أدرك بثأر أبيه، وقال قبله:

ولقد عَلِمْتُ، عَلَى تَجَشُّمِيَ الرَّدَى ... أَنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى

وفسر أصحاب اللغة ((البصيرة)) هنا بأنها الدم ما لم يسل، يعني: دماءهم في أبدانهم، يعير أخوته. وقال غيرهم: ((البصائر)) دم أبيهم، يقول: تركوا دم أبيهم خلفهم ولم يثأروا به، وطلبته أنا. و ((عتد)) (بفتح العين، وفتح التاء أو كسرها) : الفرس الشديد التام الخلق، السريع الوثبة، المعد للجري، ليس فيه اضطراب ولا رخاوة. و ((الوأي)) ، الفرس السريع الطويل المقتدر الخلق.]]

يعني بالبصيرة: الحجة البينة الظاهرة، [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٣]] كما:-

١٣٧٠٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله:"قد جاءكم بصائر من ربكم" قال:"البصائر" الهدى، بصائر في قلوبهم لدينهم، وليست ببصائر الرؤوس. وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: ٤٦] وقال: إنما الدين بصره وسمعه في هذا القلب. [[((الدين)) (بتشديد الياء وكسرها) : المتدين، صاحب الدين.]]

١٣٧٠٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"قد جاءكم بصائر من ربكم"، أي بينة.

وقوله:"فمن أبصر فلنفسه" يقول: فمن تبين حجج الله وعرَفها وأقرَّ بها، وآمن بما دلّته عليه من توحيد الله وتصديق رسوله وما جاء به، فإنما أصاب حظ نفسه، ولنفسه عمل، وإياها بَغَى الخير="ومن عمي فعليها"، يقول: ومن لم يستدلّ بها، ولم يصدق بما دلَّته عليه من الإيمان بالله ورسوله وتنزيله، ولكنه عمي عن دلالتها التي تدل عليها، يقول: فنفسَه ضر، وإليها أساء لا إلى غيرها.

* *

وأما قوله:"وما أنا عليكم بحفيظ"، يقول: وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، والله الحفيظ عليكم، الذي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. [[انظر تفسير ((الحفيظ)) فيما سلف ٨: ٥٦٢.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كما صرفت لكم، أيها الناس، الآيات والحجج في هذه السورة، وبينتها، فعرفتكموها، [[انظر تفسير ((تصريف الآيات)) فيما سلف ١١: ٤٣٣: ١، والمراجع هناك.]] في توحيدي وتصديق رسولي وكتابي ووقَّفتكم عليها، [[في المطبوعة: ((ووصيتكم عليها)) ، وهو لا معنى له، صوابه في المخطوطة، وإن كانت سيئة الكتابة.]] فكذلك أبيِّن لكم آياتي وحججي في كل ما جهلتموه فلم تعرفوه من أمري ونهيي، كما:-

١٣٧٠٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وكذلك نصرف الآيات"، لهؤلاء العادلين بربهم، كما صرفتها في هذه السورة، ولئلا يقولوا: درسْتَ.

* *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قَرَأة أهل المدينة والكوفة: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ ، يعني: قرأت، أنت، يا محمد، بغير"ألف".

* *

وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين، منهم ابن عباس، على اختلاف عنه فيه، وغيرُه وجماعة من التابعين، وهو قراءة بعض قَرَأة أهل البصرة:"وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ"، بألف، بمعنى: قارأت وتعلمت من أهل الكتاب.

* *

وروى عن قتادة: أنه كان يقرؤه:"دُرِسَتْ"، بمعنى: قرئت وتليت. [[في المطبوعة: ((قرأت وتليت)) ، وهو خطأ، والصواب ما في المخطوطة. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٩.]]

* *

وعن الحسن أنه كان يقرؤه:"دَرَسَتْ"، بمعنى: انمحت. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٩، وفسره بقوله: ((تقادمت، أي: هذا الذي تتلوه علينا شيء قد تطاول، ومر بنا)) .]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأه: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ ، بتأويل: قرأتَ وتعلمت؛ لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبي ﷺ، وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة النحل: ١٠٣] . فهذا خبرٌ من الله ينبئ عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فقراءة: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ ، يا محمد، بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب، أشبهُ بالحق، وأولى بالصواب من قراءة من قرأه:"دارسْتَ"، بمعنى: قارأتهم وخاصمتهم، وغير ذلك من القراءات.

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، على قدر اختلاف القرأة في قراءته. [[انظر تفسير ((الدرس)) فيما سلف ٦: ٥٤٤ - ٥٤٦.]]

ذكر من قرأ ذلك: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ ، من المتقدمين، وتأويله بمعنى: تعلمت وقرأت.

١٣٧٠٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح قال، حدثنا علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وليقولوا درست﴾ ، قالوا: قرأت وتعلمت. تقول ذلك قريش.

١٣٧٠٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وليقولوا درست﴾ قال: قرأت وتعلمت.

١٣٧٠٨- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل وافقه، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: ﴿وليقولوا درست﴾ ، قال: قرأت وتعلمت.

١٣٧٠٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وليقولوا درست﴾ ، يقول: قرأت الكتب.

١٣٧١٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنى عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿درست﴾ ، يقول: تعلمت وقرأت.

١٣٧١١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله: ﴿درست﴾ ؟ قال: قرأت وتعلمت.

١٣٧١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.

* *

ذكر من قرأ ذلك ﴿دَارَسْتَ﴾ ، وتأوله بمعنى: جادلت، من المتقدمين.

١٣٧١٣- حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن حميد، عن مجاهد، عن ابن عباس:"دارست"، يقول: قارأت.

١٣٧١٤- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها:"وَلِيَقُولُوا دَارَسْتَ"، أحسبه قال: قارأت أهل الكتاب.

١٣٧١٥- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس:"وليقولوا دارست"، قال: قارأت وتعلمت.

١٣٧١٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، سمعت التميمي يقول: سألت ابن عباس عن قوله:"وليقولوا دارست"، قال: قارأت وتعلَّمت.

١٣٧١٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جبير قال، كان ابن عباس يقرؤها:"دَارَسْتَ".

١٣٧١٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو المعلى قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: كان ابن عباس يقرأ:"دَارَسْتَ"، بالألف، بجزم السين، ونصب التاء.

١٣٧١٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال، أخبرني عمرو بن كيسان: أن ابن عباس كان يقرأ:"دَارَسْتَ"، تلوت، خاصمت، جادلت.

١٣٧٢٠- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، قال ابن عباس في:"دارست"، قال: تلوت، خاصمت، جادلت.

١٣٧٢١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية:"وليقولوا دارست"، قال: قارأت.

١٣٧٢٢- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير أنه قرأ:"دَارَسْتَ"، بالألف أيضًا، منتصبة التاء، وقال: قارأت.

١٣٧٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير أنه قرأ:"دَارَسْتَ"، أي: ناسخت.

١٣٧٢٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"دارست"، قال: فاقهت، قرأت على يهود، وقرأوا عليك.

١٣٧٢٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وليقولوا دارست"، قال: قارأت، قرأت على يهود، وقرأوا عليك.

١٣٧٢٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"دارست"، يعني، أهلَ الكتاب.

١٣٧٢٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"دارست"، قال: قرأت على يهود، وقرأوا عليك.

١٣٧٢٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"وليقولوا دارست"، قال: قالوا دارستَ أهل الكتاب، وقرأت الكتب وتعلَّمتها.

* *

ذكر من قرأ ذلك:"دُرِسَتْ" بمعنى: تُليت، وقُرِئت، [[في المخطوطة والمطبوعة: ((نبئت)) ، وهو خطأ محض، صوابه ما أثبت، كما سلف، ص: ٢٦ س: ٩.]] على وجه ما لم يسمَّ فاعله.

١٣٧٢٩- حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا الحسين المعلم وسعيد، عن قتادة:"وكذلك نصرف الآيات وليقولوا دُرِسَتْ"، أي: قرئت وتعلمت.

١٣٧٣٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال قتادة:"دُرِست"، قرئت = وفي حرف ابن مسعود:"دَرَسَ".

* *

ذكر من قال ذلك:"دَرَسَتْ" بمعنى: انمحت وتقادمت، أي هذا الذي تتلوه علينا قد مرَّ بنا قديمًا، وتطاولت مدته. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٩.]]

١٣٧٣١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقرأ:"وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ"، أي: انمحت.

١٣٧٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: في قراءة ابن مسعود:"دَرَسَتْ"، بغير ألف، بنصب السين، ووقف التاء. [[((الوقف)) في اصطلاحهم قديمًا، هو ((السكون)) عند النحويين.]]

١٣٧٣٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال، سمعت ابن الزبير يقول: إن صبيانًا ههنا يقرؤون:"دَارَسْتَ" وإنما هي"دَرَسَتْ".

١٣٧٣٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمرقال: قال الحسن:"وليقولوا دَرَسَتْ": يقول: تقادمت وانمحت.

* *

وقرأ ذلك آخرون:"دَرَسَ"، من"درس الشيء"، تلاه.

١٣٧٣٥- حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي قال، حدثنا أبو عبيدة قال، حدثنا حجاج، عن هارون قال: هي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود:"وَلِيَقُولُوا دَرَسَ"، قال: يعني النبي ﷺ، قرَأ.

* *

وإنما جاز أن يقال مرة:"دَرَسْتَ"، ومرة"دَرَسَ"، فيخاطب مرة، ويخبر مرة، من أجل القول.

* *

قال أبو جعفر: وقد بينا أولى هذه القراءات في ذلك الصواب عندنا، والدلالة على صحة ما اخترنا منها.

* *

وأما تأويل قوله:"ولنبينه لقوم يعلمون"، يقول تعالى ذكره: كما صرفنا الآيات والعبر والحجج في هذه السورة لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأنداد، كذلك نصرف لهم الآيات في غيرها، كيلا يقولوا لرسولنا الذي أرسلناه إليهم:"إنما تعلمت ما تأتينا به تتلوه علينا من أهل الكتاب"، فينزجروا عن تكذيبهم إياه، وتقوُّلهم عليه الإفك والزور، ولنبين بتصريفنا الآيات الحقَّ، لقوم يعلمون الحق إذا تبيَّن لهم فيتبعوه ويقبلوه، وليسوا كمن إذا بُيِّن لهم عَمُوا عنه فلم يعقلوه، وازدادوا من الفهم به بعدًا. [[في المطبوعة والمخطوطة: ((من الفهم به)) ، والسياق يقتضي ما أثبت.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: اتبع، يا محمد، ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك، فاعمل به، وانزجر عما زجرك عنه فيه، ودع ما يدعوك إليه مشركو قومك من عبادة الأوثان والأصنام، فإنه لا إله إلا هو. يقول: لا معبود يستحق عليك إخلاص العبادة له إلا الله الذي هو فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح، وجاعلُ الليل سكنًا، والشمسَ والقمر حسبانًا = ﴿وأعرض عن المشركين﴾ ، يقول: ودع عنك جدالهم وخصومتهم. [[انظر تفسير ((أعرض)) فيما سلف ١١: ٤٣٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ثم نسخ ذلك جل ثناؤه بقوله في براءة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، الآية [سورة التوبة: ٥] . كما:-

١٣٧٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أما قوله: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ ونحوه، مما أمر الله المؤمنين بالعفو عن المشركين، فإنه نسخ ذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: أعرض عن هؤلاء المشركين بالله، ودع عنك جدالهم وخصومتهم ومسابَّتهم = (ولو شاء الله ما أشركوا) ، يقول: لو أراد ربُّك هدايتهم واستنقاذهم من ضلالتهم، للطف لهم بتوفيقه إياهم فلم يشركوا به شيئًا، ولآمنوا بك فاتبعوك وصدَّقوا ما جئتهم به من الحق من عند ربك = ﴿وما جعلناك عليهم حفيظًا﴾ ، يقولُ جل ثناؤه: وإنما بعثتك إليهم رسولا مبلِّغًا، ولم نبعثك حافظًا عليهم ما هم عاملوه، تحصي ذلك عليهم، فإن ذلك إلينا دونك [[انظر تفسير ((حفيظ)) فيما سلف ص: ٢٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ ، يقول: ولست عليهم بقيِّم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم ولا بحفظهم، فما لم يُجْعل إليك حفظه من أمرهم. [[انظر تفسير ((وكيل)) فيما سلف ص: ١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ ، يقول سبحانه: لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: اتبع، يا محمد، ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك، فاعمل به، وانزجر عما زجرك عنه فيه، ودع ما يدعوك إليه مشركو قومك من عبادة الأوثان والأصنام، فإنه لا إله إلا هو. يقول: لا معبود يستحق عليك إخلاص العبادة له إلا الله الذي هو فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح، وجاعلُ الليل سكنًا، والشمسَ والقمر حسبانًا = ﴿وأعرض عن المشركين﴾ ، يقول: ودع عنك جدالهم وخصومتهم. [[انظر تفسير ((أعرض)) فيما سلف ١١: ٤٣٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ثم نسخ ذلك جل ثناؤه بقوله في براءة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، الآية [سورة التوبة: ٥] . كما:-

١٣٧٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أما قوله: ﴿وأعرض عن المشركين﴾ ونحوه، مما أمر الله المؤمنين بالعفو عن المشركين، فإنه نسخ ذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: أعرض عن هؤلاء المشركين بالله، ودع عنك جدالهم وخصومتهم ومسابَّتهم = (ولو شاء الله ما أشركوا) ، يقول: لو أراد ربُّك هدايتهم واستنقاذهم من ضلالتهم، للطف لهم بتوفيقه إياهم فلم يشركوا به شيئًا، ولآمنوا بك فاتبعوك وصدَّقوا ما جئتهم به من الحق من عند ربك = ﴿وما جعلناك عليهم حفيظًا﴾ ، يقولُ جل ثناؤه: وإنما بعثتك إليهم رسولا مبلِّغًا، ولم نبعثك حافظًا عليهم ما هم عاملوه، تحصي ذلك عليهم، فإن ذلك إلينا دونك [[انظر تفسير ((حفيظ)) فيما سلف ص: ٢٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ ، يقول: ولست عليهم بقيِّم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم ولا بحفظهم، فما لم يُجْعل إليك حفظه من أمرهم. [[انظر تفسير ((وكيل)) فيما سلف ص: ١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ ، يقول سبحانه: لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وللمؤمنين به: ولا تسبُّوا الذين يدعو المشركون من دون الله من الآلهة والأنداد، فيسبَّ المشركون اللهَ جهلا منهم بربهم، واعتداءً بغير علم، كما:-

١٣٧٣٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) ، قال: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبِّ آلهتنا، أو لنهجوَنَّ ربك! فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدوًا بغير علم.

١٣٧٣٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ ، كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردّون ذلك عليهم، فنهاهم الله أن يستسِبُّوا لربهم، [[((استسب له)) ، عرضه للسب وجره إليه. وفي حديث أبي هريرة: (لا تمشِيَنَّ أَمَامَ أَبِيكَ، ولا تجلِسْ قَبْلَهُ، ولا تَدْعُه باسْمه، ولا تَسْتَسِبَّ لهُ) ، أي: لا تعرضه للسب وتجره إليه، بأن تسب أبا غيرك، فيسب أباك مجازاة لك = وهذا أدب يفتقده الناس يومًا بعد يوم.]] فإنهم قومٌ جهلة لا علم لهم بالله.

١٣٧٤٠- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ ، قال: لما حضر أبا طالب الموتُ، قالت قريش: انطلقوا بنا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب:"كان يمنعه فلما مات قتلوه"! فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبيّ ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلا منهم يقال له:"المطلب"، قالوا: استأذن على أبي طالب! فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخولَ عليك! فأذن لهم، فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإنّ محمدًا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحبّ أن تدعوه فتنهاهُ عن ذكر آلهتنا، ولندَعْه وإلهه! فدعاه، فجاء نبي الله ﷺ، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك! قال رسول الله ﷺ: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك! قال له أبو طالب: قد أنصفك قومك، فاقبل منهم! فقال النبي ﷺ:"أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدَّت لكم الخراج؟ [[في المطبوعة: ((ودانت لكم بها العجم بالخراج)) ، وفي المطبوعة: ((ودانت لكم بها العجم الحراح)) غير منقوطة، وفي تفسير ابن كثير ٣: ٣٧٤، ما أثبته، وهو الصواب إن شاء الله.]] قال أبو جهل: نعم وأبيك، لنعطينكها وعشرَ أمثالها، فما هي؟ قال: قولوا:"لا إله إلا الله"! فأبوا واشمأزُّوا. قال أبو طالب: يابن أخي، قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها! قال: يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوني بالشمس فيضعوها في يديّ، [[في المطبوعة: ((حتى يأتوا بالشمس)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يديّ ما قلت غيرها! إرادةَ أن يُؤْيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفّنَّ عن شتمك آلهتنا، أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك. فذلك قوله ﴿فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ .

١٣٧٤١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوًا بغير علم، فأنزل الله: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ .

١٣٧٤٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ قال: إذا سببت إلهه سبَّ إلهك، فلا تسبوا آلهتهم.

* *

قال أبو جعفر: وأجمعت الحجة من قرأة الأمصار على قراءة ذلك: [[في المطبوعة: ((وأجمعت الأمة من قراء الأمصار)) ، لم يحسن قراءة ما في المخطوطة.]] ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، بفتح العين، وتسكين الدال، وتخفيف الواو من قوله: ﴿عدوًا﴾ ، على أنه مصدر من قول القائل:"عدا فلان على فلان"، إذا ظلمه واعتدى عليه،"يعدو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا". و"الاعتداء"، إنما هو:"افتعال"، من ذلك. [[انظر تفسير ((عدا)) فيما سلف ١٠: ٥٢٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

روى عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك:"عُدُوًّا" مشددة الواو.

١٣٧٤٣- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن عثمان بن سعد: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًّا﴾ ، مضمومة العين، مثقّلة. [[الأثر: ١٣٧٤٣ - ((عثمان بن سعد التميمي)) ، أبو بكر الكاتب المعلم. روى عن أنس، والحسن والبصري، وابن سيرين، وعكرمة، والمجاهد. تكلموا فيه. مترجم في التهذيب.]]

* *

وقد ذكر عن بعض البصريين أنه قرأ ذلك: [[نسبها ابن خالويه في شواذ القراءات: ٤٠، إلى بعض المكيين، ولم يبينه. وقال أبو حيان في تفسيره ٤: ٢٠٠ ((وقال ابن عطية: وقرأ بعض المكيين، وعينه الزمخشري فقال: عن ابن كثير)) .]] "فَيَسُبُّوا الَله عَدُوًّا"، يوجِّه تأويله إلى أنهم جماعة، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ، [سورة الشعراء: ٧٧] ، وكما قال: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ، [سورة الممتحنة: ١] ويجعل نصب"العدوّ" حينئذ على الحال من ذكر"المشركين" في قوله: ﴿فيسبوا﴾ ، = فيكون تأويل الكلام: ولا تسبوا أيها المؤمنون الذين يدعو المشركون من دون الله، فيسب المشركون الله، أعداءَ الله، بغير علم. وإذا كان التأويل هكذا، كان"العدوّ"، من صفة"المشركين" ونعتهم، كأنه قيل: فيسب المشركون أعداء الله، بغير علم= ولكن"العدوّ" لما خرج مخرج النكرة وهو نعت للمعرفة، نصب على الحال.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندي في ذلك، قراءةُ من قرأ بفتح العين وتخفيف الواو، لإجماع الحجة من القرأة على قراءة ذلك كذلك، وغير جائز خلافُها فيما جاءت به مجمعة عليه. [[في المطبوعة أسقط ((به)) ، وهي ثابتة في المخطوطة.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: كما زيّنا لهؤلاء العادلين بربهم الأوثَانَ والأصنام، عبادةَ الأوثان وطاعةَ الشيطان بخذلاننا إيّاهم عن طاعة الرحمن، [[انظر تفسير ((زين)) فيما سلف ١١: ٣٥٧]] كذلك زيَّنا لكل جماعةٍ اجتمعت على عملٍ من الأعمال من طاعة الله ومعصيته، عملَهم الذي هم عليه مجتمعون، [[انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ١١: ٣٥٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ثم مرجعهم بعد ذلك ومصيرهم إلى ربهم [[انظر تفسير ((المرجع)) فيما سلف ١١: ٤٠٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]] ="فينبئهم بما كانوا يعملون". يقول: فيُوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملون بها في الدنيا، [[انظر تفسير ((أنبأ)) فيما سلف ١١: ٤٣٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ثم يجازيهم بها، إن كان خيرًا فخيرًا، وإن كان شرًّا فشرًّا، أو يعفو بفضله، ما لم يكن شركًا أو كفرًا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وحلف بالله هؤلاء العادلون بالله جَهْد حَلِفهم، وذلك أوكدُ ما قدروا عليه من الأيمان وأصعبُها وأشدُّها [[انظر ((أقسم)) و ((جهد أيمانهم)) فيما سلف ١٠: ٤٠٧ - ٤٠٩، ولم يفسرهما.]] = (لئن جاءتهم آية) ، يقول: قالوا: نقسم بالله لئن جاءتنا آية تصدِّق ما تقول، يا محمد، مثلُ الذي جاء مَنْ قبلنا من الأمم = ﴿ليؤمنن بها﴾ ، يقول: قالوا: لنصدقن بمجيئها بك، وأنك لله رسولٌ مرسل، وأنّ ما جئتنا به حقُّ من عند الله.

وقيل:"ليؤمنن بها"، فأخرج الخبر عن"الآية"، والمعنى لمجيء الآية.

يقول لنبيه ﷺ: ﴿قل إنما الآيات عند الله﴾ ، وهو القادر على إتيانكم بها دون كل أحد من خلقه = ﴿وما يشعركم﴾ ، يقول: وما يدريكم [[انظر تفسير ((أشعر)) فيما سلف ١١: ٣١٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك. وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٤.]] = ﴿أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ ؟

* *

وذكر أن الذين سألوه الآية من قومه، هم الذين آيس الله نبيَّه من إيمانهم من مشركي قومه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٤٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾ ، إلى قوله: ﴿يجهلون﴾ ، سألت قريش محمدًا أن يأتيهم بآية، واستحلفهم: ليؤمننّ بها.

١٣٧٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح: ﴿لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾ ، ثم ذكر مثله.

١٣٧٤٦- حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: كلّم رسولُ الله ﷺ قريشًا، [[في المطبوعة: ((قريش)) بالرفع، والصواب من المخطوطة.]] فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصًا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثَمُود كانت لهم ناقة، فأتنا بشيء من الآيات حتى نصدقك! فقال النبي ﷺ: أيَّ شيء تحبُّون أن آتيكم به؟ قالوا: تجعَلُ لنا الصَّفَا ذهبًا. فقال لهم: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم والله، لئن فعلت لنتبعنّك أجمعين! [[في المطبوعة: ((أجمعون)) ، والصواب من المخطوطة.]] فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاءه جبريل عليه السلام فقال له: لك ما شئت، [[في المطبوعة أسقط ((له)) ، وهي في المخطوطة.]] إن شئتَ أصبح ذهبًا، ولئن أرسل آيةً فلم يصدقوا عند ذلك لنعذبنَّهم، وإن شئت فأنْدِحْهُم حتى يتوب تائبهم. [[في المطبوعة: ((فاتركهم حتى يتوب تائبهم)) ، وفي المخطوطة: ((ما نرحهم)) ، غير منقوطة، ورجحت أن صواب ما أثبت، وإن كنت لم أجد هذا الحرف في كتب اللغة، وهو عندي من قولهم: ((ندحت الشيء ندحا)) ، إذ أوسعته وأفسحته، ومنه قيل: ((إن لك في هذا الأمر ندحة)) (بضم النون وفتحها وسكون الدال) و ((مندوحة)) ، أي: سعة وفسحة. فقولهم: ((أندحهم)) ، أي: أفسح لهم، واجعل لهم مندوحة في هذا الأمر حتى يتوب تائبهم. وهو حق المعنى إن شاء الله، والقياس يعين عليه.]] فقال: بل يتوب تائبهم. فأنزل الله تعالى: ﴿وأقسموا بالله﴾ إلى قوله: ﴿يجهلون﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المخاطبين بقوله: ﴿وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ .

فقال بعضهم: خوطب بقوله: ﴿وما يشعركم﴾ المشركون المقسمون بالله، لئن جاءتهم آية ليؤمنن= وانتهى الخبر عند قوله: ﴿وما يشعركم﴾ ، ثم استُؤنف الحكم عليهم بأنهم لا يؤمنون عند مجيئها استئنافًا مبتدأ.

* *

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٤٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وما يشعركم﴾ ، قال: ما يدريكم. قال: ثم أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون.

١٣٧٤٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما يشعركم﴾ ، وما يدريكم="أنها إذا جاءت"، قال: أوجب عليهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون.

١٣٧٤٩- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، سمعت عبد الله بن زيد يقول:"إنما الآيات عند الله"، ثم يستأنف فيقول: إنها إذا جاءت لا يؤمنون.

١٣٧٥٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿إنما الآيات عند الله وما يشعركم﴾ ، وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت. ثم استقبل يخبر عنهم فقال: إذا جاءت لا يؤمنون.

* *

وعلى هذا التأويل قراءةُ من قرأ ذلك بكسر ألف:"إنَّها"، على أن قوله:" إِنَّهَا إِذَا جَاءَتَ لا يُؤْمِنُون"، خبر مبتدأ منقطعٌ عن الأول.

* *

وممن قرأ ذلك كذلك، بعضُ قرأة المكيين والبصريين.

* *

وقال آخرون منهم: بل ذلك خطابٌ من الله نبيَّه ﷺ وأصحابه. قالوا: وذلك أنّ الذين سألوا رسول الله ﷺ أن يأتي بآيةٍ، المؤمنون به. قالوا: وإنما كان سببَ مسألتهم إيّاه ذلك، أن المشركين حَلَفوا أنّ الآية إذا جاءت آمنوا واتبعوا رسول الله ﷺ، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: سل يا رسول الله ربك ذلك! فسأل، فأنزل الله فيهم وفي مسألتهم إياه ذلك: "قل" للمؤمنين بك يا محمد="إنما الآيات عند الله وما يشعركم"، أيها المؤمنون بأن الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين بالله، أنهم لا يؤمنون به= ففتحوا"الألف" من"أنّ".

* *

ومن قرأ ذلك كذلك، عامة قرأة أهل المدينة والكوفة، وقالوا: أدخلت"لا" في قوله: ﴿لا يؤمنون﴾ صلة، [[((الصلة)) . الزيادة، والإلغاء، انظر فهارس المصطلحات.]] كما أدخلت في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ ، [سورة الأعراف: ١٢] ، وفي قوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ، [سورة الأنبياء: ٩٥] ، وإنما المعنى: وحرام عليهم أن يرجعوا= وما منعك أن تسجُد.

* *

وقد تأوَّل قوم قرؤوا، ذلك بفتح"الألف" من ﴿أنها﴾ بمعنى: لعلها. وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبيّ بن كعب.

* *

وقد ذكر عن العرب سماعًا منها:"اذهب إلى السوق أنك تشتري لي شيئًا"، بمعنى: لعلك تشتري. [[انظر في هذا معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٩، ٣٥٠، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٠٤.]]

وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العِبَاديّ:

أَعَاذِلَ، مَا يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي إلَى سَاعَةٍ فِي الْيَومِ أَوْ فِي ضُحَى الغَدِ [[جمهرة أشعار العرب ١٠٣، اللسان (أنن) ، وغيرهما. من قصيدة له حكيمة، يقول قبله: وعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُوُمُنِي ... فَلَمَّا غَلَتْ فِي الَّلوْمِ قُلْتُ لها: اقْصِدي

أعَاذِلَ، إن اللَّوْمَ في غير كُنْهِهِ ... عَلَيّ ثُنًى، مِنْ غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ

أعَاذِلَ، إنَّ الجهْل مِنْ لَذَّةِ الفَتَى ... وَإنَّ المَنَايَا لِلرِّجَالِ بِمَرْصَدِ

أعَاذِلَ، مَا أَدْنَى الرشادَ مِنَ الفَتَى ... وأَبْعَدَهُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يُسَدَّدِ

أعَاذِلَ، من تُكْتَبْ لَهُ النَّارُ يَلْقَهَا ... كِفِاحًا، وَمَنْ يُكْتَبْ لَهُ الفَوْزُ يُسْعَدِ

أَعَاذِلَ، قد لاقيتُ ما يَزَغُ الفتى ... وَطَابَقْتُ في الحِجْلَيْنِ مَشْيَ المُقيَّدِ]]

بمعنى: لعل منيَّتي؛ وقد أنشدوا في بيت دريد بن الصمة: [[في المطبوعة: ((وقد أنشدوني)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]]

ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي البِلادِ لأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلا مُخَلَّدَا [[هكذا جاء البيت في المخطوطة والمطبوعة، وهو خطأ من أبي جعفر، أو من الفراء، بلا شك فإن الشطر الأخير من هذا الشعر، هو من شعر حطائط بن يعفر، وقد خرجته آنفًا ٣: ٧٨، واستوفيت الكلام عنه هناك، وأشرت إلى الموضع من اختلاف الشعر. وأما قوله: ((ذريتي أطوف واستوفيت الكلام عنه هناك، وأشرت إلى هذا الموضع من اختلاف الشعر. وأما قوله: ((ذريني أطوف في البلاد لعلني)) ، فهو كثير في أشعارهم، وأما شعر دريد بن الصمة الذي لاشك فيه، فهو هذا:

ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي البِلادِ لَعَلَّنِي ... ألاَُقِي بِإثْرٍ ثُلةً من مُحَارِبٍ

ولعل أبا جعفر نسي، فكتب ما كتب. وشعر دريد هذا مروي في الأصمعيات ص١٢ (ص: ١١٩، طبعة المعارف) ، من قصيدة قالها بعد مقتل أخيه عبد الله، ذكر فيها ما أصاب خضر محارب من القتل والاستئصال، يقول قبله:

فَلَيْتَ قُبُورًا بالمَخَاضَةِ أَخْبَرَتْ ... فَتُخْبِرَ عَنَّا الخُضْرَ، خُضْرَ مُحَارِبِ

رَدَسْنَاهُمُ بِالخَيْلِ حَتى تَملأََّتْ ... عَوَافِي الضِّبَاعِ وَالذِّئَابِ السَّوَاغِبِ

ذَرِينِي أُطَوِّف............... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .]]

بمعنى: لعلني. والذي أنشدني أصحابُنا عن الفراء:"لعلَّني أَرَى ما ترَيْن". وقد أنشد أيضًا بيتُ توبة بن الحميِّر:

لَعَلَّك يَا تَيْسًا نزا فيِ مَرِيرَةٍ ... مُعَذِّبُ لَيْلَى أَنْ تَرَانِي أَزُورُهَا [[من قصيدة فيما جمعته من شعره، وسيبويه ١: ٣١٢. يقول ذلك لزوج ليلى الأخيلية صاحبته، يتوعده لمنعه من زيارتها، وتعذيبه في سببه، ويجعله كالتيس ينزو في حبله. وقوله ((في مريرة)) ، ((المريرة)) الحبل المفتول المحكم الفتل.]]

"لهَنَّك يا تيسًا"، بمعنى: "لأنّك" التي في معنى"لعلك"، وأنشد بيت أبي النجم العجليّ:

قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ لِقَائِهِ ... أَنَّا نُغَدِّي القَوْمَ مِنْ شِوَائِهِ [[المعاني الكبير لابن قتيبة: ٣٩٣، الخزانة ٣: ٥٩١، وروايتها ((كما نغدي)) قال ابن قتيبه: (قال أبو المجم وذكر ظليما ... ((شيبان)) ابنه، قلت له: اركب في طلبه. ((كما)) بمعنى ((كيما)) ، يقول: كيما نصيده فنغدي القوم به مشويًا) .

وكان البيت في المخطوطة غير منقوط، وفي المطبوعة: ((قلت لسيبان)) ، وهو خطأ. وفيها وفي المخطوطة: ((من سرايه)) ، والصواب ما أثبت.]]

بمعنى: [[في المطبوعة: ((يعني)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] لعلنا نغدِّي القوم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بتأويل الآية، قولُ من قال: ذلك خطاب من الله للمؤمنين به من أصحاب رسوله= أعنى قوله: ﴿وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ = وأن قوله:"أنها"، بمعنى: لعلَّها.

وإنما كان ذلك أولى تأويلاته بالصواب، لاستفاضة القراءة في قرأة الأمصار بالياء من قوله: ﴿لا يؤمنون﴾ .

ولو كان قوله: ﴿وما يشعركم﴾ خطابًا للمشركين، لكانت القراءة في قوله: ﴿لا يؤمنون﴾ ، بالتاء، وذلك، وإن كان قد قرأه بعض قرأة المكيين كذلك، فقراءةٌ خارجة عما عليه قرأة الأمصار، وكفى بخلاف جميعهم لها دليلا على ذهابها وشذوذها. [[قوله: ((ذهابها)) ، أي هلاكها وفسادها.]]

* *

وإنما معنى الكلام: وما يدريكم، أيها المؤمنون، لعل الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون، فيعاجلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك، ولا يؤخَّروا به.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: لو أنَّا جئناهم بآية كما سألوا، ما آمنوا، كما لم يؤمنوا بما قبلَها أول مرة، لأن الله حال بينهم وبين ذلك:

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٥١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ الآية، قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّتْ عن كل أمر.

١٣٧٥٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ ، قال: نمنعهم من ذلك، كما فعلنا بهم أول مرة. وقرأ: ﴿كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ .

١٣٧٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ ، قال: نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لو رُدُّوا من الآخرة إلى الدنيا فلا يؤمنون، كما فعلنا بهم ذلك، فلم يؤمنوا في الدنيا. قالوا: وذلك نظير قوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ، [سورة الأنعام: ٢٨] .

ذكر من قال قال ذلك:

١٣٧٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: أخبر الله سبحانه ما العبادُ قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه. قال: ولا ينبئك مثلُ خبير: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ. أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، [سورة الزمر: ٥٦-٥٨] ، يقول: من المهتدين. فأخبر الله سبحانه أنهم لو رُدُّوا [إلى الدنيا، لما استقاموا] على الهدى، و [قال] : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ، [[في المطبوعة: ((فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ... )) حذف بعض ما في المخطوطة. وفي المخطوطة: ((فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا على الهدى وقال: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ... )) فأثبت نص المخطوطة، وزدت ما زدته بين القوسين حتى ستقيم الكلام.]] وقال:"ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة"، قال: لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه، أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهدَ أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها: أنَّه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرِّفها كيف شاء، وأنّ ذلك بيده يقيمه إذا شاء، ويزيغه إذا أراد= وأنّ قوله: ﴿كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ ، دليل على محذوف من الكلام= وأنّ قوله:"كما" تشبيه ما بعده بشيء قبله.

وإذْ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون معنى الكلام: ونقلب أفئدتَهم، فنزيغها عن الإيمان، وأبصارَهم عن رؤية الحق ومعرفة موضع الحجة، وإن جاءتهم الآية التي سألوها، فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، كما لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبلَ مجيئها مرَّة قبل ذلك.

* *

وإذا كان ذلك تأويله، كانت"الهاء" من قوله: ﴿كما لم يؤمنوا به﴾ ، كناية ذكر "التقليب".

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونذر هؤلاء المشركين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها عند مجيئها [[انظر تفسير ((يذر)) فيما سلف ١١: ٥٢٩، تعليق: ٢ والمراجع هناك.]] = في تمرُّدهم على الله واعتدائهم في حدوده، [[انظر تفسير ((الطغيان)) فيما سلف ١٠: ٤٧٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] يتردَّدون، لا يهتدون لحق، ولا يبصرون صوابًا، [[انظر تفسير ((العمه)) فيما سلف ١: ٣٠٩ - ٣١١.]] قد غلب عليهم الخِذْلان، واستحوذ عليهم الشيطانُ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، آيسْ من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ والأصنام، القائلين لك:"لئن جئتنا بآية لنؤمنن لك"، فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانًا، وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حُجَّةً لك، ودلالة على نبوّتك، وأخبروهم أنك محقٌّ فيما تقول، وأن ما جئتهم به حقٌّ من عند الله، وحشرنا عليهم كل شيء فجعلناهُم لك قبلا ما آمنوا ولا صدّقوك ولا اتبعوك إلا أن يشاء الله ذلك لمن شاء منهم = ﴿ولكن أكثرهم يجهلون﴾ ، يقول: ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن ذلك كذلك، يحسبون أن الإيمان إليهم، والكفرَ بأيديهم، متى شاؤوا آمنوا، ومتى شاؤوا كفروا. وليس ذلك كذلك، ذلك بيدي، لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللته.

* *

وقيل: إن ذلك نزل في المستهزئين برسول الله ﷺ، وما جاء به من عند الله، من مشركي قريش.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٥٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: نزلت في المستهزئين الذين سألوا النبيَّ ﷺ الآية، فقال:"قل"، يا محمد،"إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون"، ونزل فيهم: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا﴾ .

* *

وقال آخرون: إنما قيل: ﴿ما كانوا ليؤمنوا﴾ ، يراد به أهل الشقاء، وقيل: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ ، فاستثنى ذلك من قوله: ﴿ليؤمنوا﴾ ، يراد به أهل الإيمان والسعادة.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٥٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن عباس قوله: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا﴾ ، وهم أهل الشقاء = ثم قال: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ ، وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ ابن عباس، لأن الله جل ثناؤه عمَّ بقوله: ﴿ما كانوا ليؤمنوا﴾ ، القوم الذين تقدّم ذكرهم في قوله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آيه ليؤمنن بها﴾ .

وقد يجوز أن يكون الذين سألوا الآية كانوا هم المستهزئين الذين قال ابن جريج إنهم عُنوا بهذه الآية، ولكن لا دلالة في ظاهر التنزيل على ذلك، ولا خبر تقوم به حجة بأن ذلك كذلك. والخبر من الله خارجٌ مخرجَ العموم، فالقول بأنَّ ذلك عنى به أهل الشقاء منهم أولى، لما وصفنا.

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وحشرنا عليهم كل شيء قبلا﴾ .

فقرأته قرأة أهل المدينة:"قِبَلا"، بكسر"القاف" وفتح"الباء"، بمعنى: معاينةً= من قول القائل:"لقيته قِبَلا"، أي معاينة ومُجاهرةً.

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ ، بضم"القاف"،"والباء".

وإذا قرئ كذلك، كان له من التأويل ثلاثة أوجه:

أحدها أن يكون"القبل" جمع"قبيل"، كالرُّغُف التي هي جمع"رغيف"، و"القُضُب" التي هي جمع"قضيب"، ويكون"القبل"، الضمناء والكفلاء= وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وحشرنا عليهم كل شيء كُفَلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله.

والوجه الآخر: أن يكون"القبل" بمعنى المقابلة والمواجهة، من قول القائل:"أتيتُك قُبُلا لا دُبُرًا"، إذا أتاه من قبل وجهه.

والوجه الثالث: أن يكون معناه: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلةً قبيلةً، صنفًا صنفًا، وجماعة جماعةً، فيكون"القبل" حينئذ جمع"قبيل"، الذي هو ج مع"قبيلة"، فيكون"القبل" جمع الجمع. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٥٠، ٣٥١.]]

* *

وبكل ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال: معنى ذلك: معاينةً.

١٣٧٥٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وحشرنا عليهم كل شيء قبلا﴾ ، يقول: معاينة.

١٣٧٥٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وحشرنا عليهم كل شيء قبلا﴾ ، حتى يعاينوا ذلك معاينة= ﴿ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾ .

* *

ذكر من قال: معنى ذلك: قبيلة قبيلة، صنفًا صنفًا.

١٣٧٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن يزيد: من قرأ: ﴿قُبُلا﴾ ، معناه: قبيلا قبيلا.

١٣٧٦٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ﴿قُبُلا﴾ ، أفواجًا، قبيلا قبيلا.

١٣٧٦١- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أحمد بن يونس، عن أبي خيثمة قال، حدثنا أبان بن تغلب قال، حدثني طلحة أن مجاهدًا قرأ في"الأنعام": ﴿كل شيء قُبُلا﴾ ، قال: قبائل، قبيلا وقبيلا وقبيلا.

* *

ذكر من قال: معناه: مقابلةً.

١٣٧٦٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا) ، يقول: لو استقبلهم ذلك كله، لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله.

١٣٧٦٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وحشرنا عليهم كل شيء قبلا﴾ ، قال: حشروا إليهم جميعًا، فقابلوهم وواجهوهم.

١٣٧٦٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن يزيد: قرأ عيسى: ﴿قُبُلا﴾ ومعناه: عيانًا.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا، قراءةُ من قرأ: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ ، بضم"القاف" و"الباء"، لما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجهَ التي بينّا من المعاني، وأن معنى"القِبَل" داخلٌ فيه، وغير داخل في القبل معاني"القِبَل".

* *

وأما قوله: ﴿وحشرنا عليهم﴾ ، فإن معناه: وجمعنا عليهم، وسقنا إليهم. [[انظر تفسير ((حشر)) فيما سلف ٤٥٧: ١١، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مسلِّيَه بذلك عما لقي من كفرة قومه في ذات الله، وحاثًّا له على الصبر على ما نال فيه: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا﴾ ، يقول: وكما ابتليناك، يا محمد، بأن جعلنا لك من مشركي قومك أعداء شياطينَ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ليصدُّوهم بمجادلتهم إياك بذلك عن اتباعك والإيمان بك وبما جئتهم به من عند ربّك، كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرسّل، بأن جعلنا لهم أعداءً من قومهم يؤذُونهم بالجدال والخصومات. يقول: فهذا الذي امتحنتك به، لم تخصص به من بينهم وحدك، بل قد عممتهم بذلك معك لأبتليهم وأختبرهم، مع قدرتي على منع من آذاهم من إيذائهم، فلم أفعل ذلك إلا لأعرف أولي العزم منهم من غيرهم. يقول: فاصبر أنتَ كما صبر أولو العزم من الرسل.

* *

وأما"شياطين الإنس والجن"، فإنهم مَرَدتهم، وقد بينا الفعل الذي منه بُنِي هذا الاسم، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير ((الشيطان)) فيما سلف ١: ١١١، ١١٢، ٢٩٦.]]

* *

ونصب "العدو" و"الشياطين" بقوله: ﴿جعلنا﴾ . [[انظر معاني القرآن ١: ٣٥١.]]

* *

وأما قوله: ﴿يُوحِي بعضُهم إلى بعض زخرف القول غرورًا﴾ ، فإنه يعني أنّه يلقي الملقي منهم القولَ، الذي زيّنه وحسَّنه بالباطل إلى صاحبه، ليغترّ به من سمعه، فيضلّ عن سبيل الله. [[انظر تفسير ((الوحي)) فيما سلف من فهارس اللغة (وحي) .]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿شياطين الإنس والجن﴾ .

فقال بعضهم: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجنّ، وليس للإنس شياطين.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٦٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه) ، أما"شياطين الإنس"، فالشياطين التي تضلّ الإنس="وشياطين الجن"، الذين يضلون الجنّ، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما:"إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، وأضللت أنت صاحبك بكذا وكذا"، فيعلم بعضُهم بعضًا.

١٣٧٦٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة: ﴿شياطين الإنس والجن﴾ ، قال: ليس في الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن. [[الأثر: ١٣٤٦٦ - ((سعيد بن مسروق الثوري)) ، مضى برقم: ٧١٦٢.]]

١٣٧٦٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن السدي في قوله: ﴿يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا﴾ ، قال: للإنسان شيطان، وللجنّي شيطان، فيلقَى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.

* *

قال أبو جعفر: جعل عكرمة والسدي في تأويلهما هذا الذي ذكرت عنهما، عدوّ الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا﴾ ، أولادَ إبليس، دون أولاد آدم، ودون الجن= وجعل الموصوفين بأن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول غرورًا، ولدَ إبليس، وأن مَنْ مع ابن آدم من ولد إبليس يوحي إلى مَنْ مع الجن من ولده زخرفَ القول غرورًا.

وليس لهذا التأويل وجه مفهوم، لأن الله جعل إبليس وولده أعداءَ ابن آدم، فكل ولده لكل ولده عدوّ. وقد خصّ الله في هذه الآية الخبر عن الأنبياء أنه جعل لهم من الشياطين أعداءً. فلو كان معنيًّا بذلك الشياطين الذين ذكرهم السدي، الذين هم ولد إبليس، لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبرِ عنهم أنه جعل لهم الشياطين أعداءً، وجهٌ. وقد جعل من ذلك لأعدى أعدائه، مثل الذي جعل لهم. ولكن ذلك كالذي قلنا، من أنه معنيٌّ به أنه جعل مردة الإنس والجن لكل نبي عدوًّا يوحي بعضهم إلى بعض من القول ما يؤذيهم به.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسول الله ﷺ.

١٣٧٦٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال قال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال: يا أبا ذر، هل تعوَّذت بالله من شر شياطين الإنس والجنّ؟ قال: قلت: يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال: نعم! [[الأثر: ١٣٧٦٨ - ((حميد بن هلال العدوي)) ، ثقة، متكلم فيه. سمع من ((عوف ابن مالك)) ، ولكنه رواه بالوسطة، عن مجهول: ((رجل من أهل دمشق)) . مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٣٤٤، وابن أبي حاتم ١ / ٢ /٢٣٠.

و ((عوف بن مالك بن نضلة الجشمي)) ، ثقة، مضى برقم: ٦١٧٢، ١٢٨٢٥، ١٢٨٢٦ لم يذكر أنه سمع من أبي ذر. وهذا الخبر فيه مجهول. ذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٣٨٠]]

١٣٧٦٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر، أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال فقال: يا أبا ذر، هل صلَّيت؟ قال قلت: لا يا رسول الله. قال: قم فاركع ركعتين. قال: ثم جئت فجلستُ إليه فقال: يا أبا ذر، هل تعوَّذت بالله من شرِّ شياطين الإنس والجن؟ قال قلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم، شرٌّ من شياطين الجن! [[الأثر: ١٣٧٦٩ - كان في إسناد هذا الخبر خطأ فاحش، وقع شك من سهو الناسخ وعجلته، فإنه كتب ((حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، عن أبي عن ابن عباس، أبي عبد الله محمد بن أيوب)) ، ثم ضرب على ((ابن عباس)) . ولكنه ترك ((عن علي بن أبي طلحة)) ، وهو خطأ لا شك فيه كما سترى بعد. وسبب ذلك إسناد أبي جعفر المشهور وهو: ((حدثني المثنى، قال حدثنا عبد الله صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس)) وهو إسناد دائر في التفسير، آخره رقم: ١٣٧٥٦، فجعل فكتب الإسناد المشهور، ثم استدرك فضرب على ((ابن عباس)) ، والصواب أن يضرب أيضًا على ((علي بن أبي طلحة)) ، لأن هذا إسناد مختلف عن الأول كل الاختلاف، ولذلك حذفت ((عن علي بن أبي طلحة)) ، مع ثبوته في المخطوطة والمطبوعة، ولكن ابن كثير ذكره في التفسير على الصواب ٣: ٣٧٩، كما أثبته.

و ((أبو عبد الله محمد بن أيوب)) ، كأنه أيضًا خطأ من الناسخ، وصوابه: ((أبو عبد الملك محمد بن أيوب)) لما سترى.

((محمد بن أيوب الأزدي)) ، ((أبو عبد الملك)) ، قال البخاري في الكبير ١ / ١ /٢٩، ٣٠ (محمد بن أيوب أبو عبد الملك الأزدي، عن ابن عائذ، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: آدم نبي مكلم. قال لنا: عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن محمد بن أيوب، حديثه في الشاميين. سمع منه معاوية بن صالح)) وترجمة ابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٩٦، ١٩٧، فذكر مثله.

و ((ابن عائذ)) هو ((عبد الرحمن بن عائذ الثمالي)) ، ويقال: الأزدي الكندي، ويقال: اليحصبي. وروى له الأربعة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٧٠، وكان ابن عائذ من حملة العلم، يطلبه من أصحاب النبي ﷺ، وأصحاب أصحابه. روى عن عمر وعلي مرسلا. وفي التهذيب انه روى عنهما وعن أبي ذر، وعن غيرهم من الصحابة، ولم يذكر ((مرسلا)) .

وذكر ابن كثير هذا الأثر والذي يليه في تفسيره ٣: ٣٧٩ ثم قال: ((وهذا أيضًا فيه انقطاع)) ، وتبين من تفسيره إسناده أنه غير منقطع. ثم قال: ((وروى متصلا كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: ... )) وذكر الحديث، وهو بطوله في مسند أحمد ٥: ١٧٨، ١٧٩.

ثم ذكر ابن كثير طرقًا أخرى للحديث ثم قال: ((فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم)) .]]

١٣٧٧٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أن أبا ذر قام يومًا يُصلّي، فقال له النبي ﷺ: تعوَّذ يا أبا ذر، من شياطين الإنس والجن. فقال: يا رسول الله، أوَ إنّ من الإنس شياطين؟ قال: نعم! [[الأثر: ١٣٧٧٠ - هذا أثر منقطع، انظر التعليق على الخبر السالف، وما قاله ابن كثير.]]

* *

وقال آخرون في ذلك بنحو الذي قلنا: من أن ذلك إخبارٌ من الله أنّ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٧١- حدثنا الحسن بن يحيى قالأخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿شياطين الإنس والجن﴾ ، قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض = قال قتادة: بلغني أن أبا ذر كان يومًا يصلّي، فقال له النبي ﷺ: تعوَّذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن. فقال: يا نبي الله، أوَ إن من الإنس شياطين؟ فقال النبي ﷺ: نعم!

١٣٧٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجن﴾ ، الآية، ذكر لنا أنّ أبا ذر قام ذات يوم يصلي، فقال له نبي الله: تعوّذ بالله من شياطين الجن والإنس. فقال: يا نبي الله، أوَ للإنس شياطين كشياطين الجن؟ قال:"نعم، أوَ كذَبْتُ عليه؟ [[قوله: ((أو كذبت عليه)) ، استنكار من رسول الله ﷺ سؤال أبي ذر، فإن نص التنزيل دال على ذلك، ورسول الله هو الصادق المصدق المبلغ عن ربه الحق الذي لا كذب فيه.]]

١٣٧٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوَّا شياطين الإنس والجن﴾ ، فقال: كفار الجنّ شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفارِ الإنس، زخرفَ القول غرورًا.

* *

وأما قوله: ﴿زُخرف القول غرورًا﴾ ، فإنه المزيَّن بالباطل، كما وصفت قبل. يقال منه:"زخرف كلامه وشهادته"، إذا حسَّن ذلك بالباطل ووشّاه، كما:-

١٣٧٧٤- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة قوله: ﴿زخرف القول غرورًا﴾ قال: تزيين الباطل بالألسنة.

١٣٧٧٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"الزخرف"، فزخرفوه، زيَّنوه.

١٣٧٧٦- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿زخرف القول غرورًا﴾ ، قال: تزيين الباطل بالألسنة.

١٣٧٧٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٣٧٧٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿زخرف القول غرورًا﴾ ، يقول: حسَّن بعضهم لبعضٍ القول ليتّبعوهم في فتنتهم.

١٣٧٧٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿زخرف القول غرورًا﴾ قال:"الزخرف"، المزيَّن، حيث زيَّن لهم هذا الغرور، كما زيَّن إبليس لآدم ما جاءه به وقاسمه إنه له لمن الناصحين. وقرأ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ ، [سورة فصلت: ٢٥] . قال: ذلك الزخرف.

* *

وأما"الغرور"، فإنه ما غرّ الإنسان فخدعه فصدَّه عن الصواب إلى الخطأ وعن الحق إلى الباطل [[انظر تفسير ((الغرور)) فيما سلف ٧: ٤٥٣ / ٩: ٢٢٤.]] = وهو مصدر من قول القائل:"غررت فلانًا بكذا وكذا، فأنا أغرُّه غرورًا وغرًّا. كالذي:-

١٣٧٨٠- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿غرروًا﴾ قال: يغرّون به الناسَ والجنّ.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شئت، يا محمد، أن يؤمن الذين كانوا لأنبيائي أعداءً من شياطين الإنس والجن فلا ينالهم مكرهم ويأمنوا غوائلهم وأذاهم، فعلتُ ذلك، ولكني لم أشأ ذلك، لأبتلي بعضهم ببعض، فيستحق كل فريق منهم ما سبق له في الكتاب السابق = ﴿فذرهم﴾ ، يقول: فدعهم [[انظر تفسير ((ذر)) فيما سلف ص: ٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = يعني الشياطين الذين يجادلونك بالباطل من مشركي قومك ويخاصمونك بما يوحي إليهم أولياؤهم من شياطين الإنس والجن= ﴿وما يفترون﴾ ، يعني: وما يختلقون من إفك وزور. [[انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف: ١١: ٥٣٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

يقول له ﷺ: اصبر عليهم، فإني من وراء عقابهم على افترائهم على الله، واختلاقهم عليه الكذبَ والزور.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًّا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا﴾ = ﴿ولتصغى إليه﴾ ، يقول جل ثناؤه: يوحي بعض هؤلاء الشياطين إلى بعض المزيَّن من القول بالباطل، ليغرّوا به المؤمنين من أتباع الأنبياء فيفتنوهم عن دينهم= ﴿ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ ، يقول: ولتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة.

* *

= وهو من"صغَوْت تَصْغَى وتصغُو"= والتنزيل جاء بـ "تصغَى" ="صَغْوًا، وصُغُوًّا"، وبعض العرب يقول:"صغيت"، بالياء، حكي عن بعض بني أسد:"صَغيت إلى حديثه، فأنا أصغَى صُغِيًّا" بالياء، وذلك إذا ملت. يقال:"صَغْوِي معك"، إذا كان هواك معه وميلك، مثل قولهم:"ضِلَعِي معك". ويقال:"أصغيت الإناء" إذا أملته ليجتمع ما فيه، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

تَرَى السَّفِيَهَ بِهِ عَنْ كُلِّ مُحْكَمَةٍ ... زَيْغٌ، وفيهِ إلَى التَّشْبِيهِ إصْغَاءُ [[اللسان (صغا) ، وأيضًا في تفسير أبي حيان ٤: ٢٠٥، والقرطبي ٧: ٦٩، وفي اللسان والقرطبي: ((عن كل مكرمة)) ، وكأن الصواب ما تفسير ابن جرير، وأبي حيان، وكأن الشاعر يريد الذين يتبعون ما تشابه من آيات كتاب الله، ويعرضون عن المحكم من آياته.]]

ويقال للقمر إذا مال للغيوب:"صغا" و"أصغى".

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٨١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ولتصغى إليه أفئدة﴾ ، يقول: تزيغ إليه أفئدة.

١٣٧٨٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس في قوله: ﴿ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ ، قال: لتميل.

١٣٧٨٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ ، يقول: تميل إليه قلوبُ الكفار، ويحبونه، ويرضون به.

١٣٧٨٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالأخرة﴾ ، قال:"ولتصغى"، وليهووا ذلك وليرضوه. قال: يقول الرجل للمرأة:"صَغَيْت إليها"، هويتها.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وليكتسبوا من الأعمال ما هم مكتسبون.

* *

حكي عن العرب سماعًا منها:"خرج يقترف لأهله"، بمعنى يكسب لهم. ومنه قيل:"قارف فلان هذا الأمر"، إذا واقعه وعمله.

وكان بعضهم يقول: هو التهمة والادعاء. يقال للرجل:"أنت قَرَفْتَنِي"، أي اتهمتني. ويقال:"بئسما اقترفتَ لنفسك"، وقال رؤبة:

أَعْيَا اقْتِرَافُ الكَذِبِ المَقْرُوفِ ... تَقْوَى التَّقِي وعِفَّةَ العَفِيفِ [[ليسا في ديوانه، وهما في مجاو القرآن ١: ٢٠٥.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿وليقترفوا﴾ ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ ، وليكتسبوا ما هم مكتسبون.

١٣٧٨٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ ، قال: ليعملوا ما هم عاملون.

١٣٧٨٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ ، قال: ليعملوا ما هم عاملون.

القول في تأويل قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا (١١٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام، القائلين لك: "كفَّ عن آلهتنا، ونكف عن إلهك": إن الله قد حكم عليّ بذكر آلهتكم بما يكون صدًّا عن عبادتها= ﴿أفغير الله ابتغي حكمًا﴾ ، أي: قل: فليس لي أن أتعدَّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حَكَم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه [[انظر تفسير ((الحكم)) فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .]] = ﴿وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ يعني القرآن="مفصَّلا"، يعني: مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم.

* *

وقد بينا معنى:"التفصيل"، فيما مضى قبل. [[انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ١١: ٣٩٤.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنزلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن أنكر هؤلاء العادلون بالله الأوثان من قومك توحيدَ الله، وأشركوا معه الأندادَ، وجحدوا ما أنزلته إليك، وأنكروا أن يكون حقًا وكذَّبوا به = فالذين آتيناهم الكتاب، وهو التوراة والإنجيل، من بني إسرائيل= ﴿يعلمون أنه منزل من ربّك﴾ ، يعني: القرآن وما فيه = ﴿بالحق﴾ يقول: فصلا بين أهل الحق والباطل، يدلُّ على صدق الصادق في علم الله، [[في المطبوعة: ((الصادق في علم الله)) ، وفي المخطوطة: ((الصادق علم الله)) ، والصواب ما أثبت.]] وكذبِ الكاذب المفتري عليه = ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ ، يقول: فلا تكونن، يا محمد، من الشاكين في حقيقة الأنباء التي جاءتك من الله في هذا الكتاب، وغيرِ ذلك مما تضمنه، لأن الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنَّه منزل من ربك بالحق.

* *

وقد بيَّنا فيما مضى ما وجه قوله: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ ، بما أغنى عن إعادته، مع الرواية المروية فيه، [[انظر تفسير ((الأمتراء)) فيما سلف ٣: ١٩٠ - ١٩٢ / ٦: ٤٧٢، ٤٧٣ / ١١: ٢٦٠]] وقد:

١٣٧٨٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ ، يقول: لا تكونن في شك مما قصَصنا عليك.

القول في تأويل قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكملت ="كلمة ربك"، يعني القرآن.

* *

سماه"كلمة"، كما تقول العرب للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر:"هذه كلمة فلان". [[انظر تفسير ((الكلمة)) فيما سلف ٣: ٧ - ١٧ / ٦: ٣٧١، ٤١٠ - ٤١٢ / ٨: ٤٣٢ / ٩: ٤١٠ / ١٠: ١٢٩، ٣١٣]] .

* *

= ﴿صدقًا وعدلا﴾ ، يقول: كملت كلمة ربك من الصدق والعدل.

* *

و"الصدق" و"العدل" نصبا على التفسير للكلمة، كما يقال:"عندي عشرون درهما". [[((التفسير)) ، هو ((التميز)) ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف.]]

= ﴿لا مبدِّل لكلماته﴾ ، يقول: لا مغيِّر لما أخبر في كتبه أنه كائن من وقوعه في حينه وأجله الذي أخبر الله أنه واقع فيه، [[انظر تفسير ((التبديل)) فيما سلف ١١: ٣٣٥، وفهارس اللغة (بدل) .]] وذلك نظير قوله جل ثناؤه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ، [سورة الفتح:١٥] . فكانت إرادتهم تبديل كلام الله، مسألتهم نبيَّ الله أن يتركهم يحضرون الحرب معه، وقولهم له ولمن معه من المؤمنين: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ ، بعد الخبر الذي كان الله أخبرهم تعالى ذكره في كتابه بقوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ الآية، [سورة التوبة: ٨٣] ، فحاولوا تبديل كلام الله وخبره بأنهم لن يخرجوا مع نبي الله في غَزاةٍ، ولن يقاتلوا معه عدوًّا بقولهم لهم: ﴿ذرونا نتبعكم﴾ ، فقال الله جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ:"يريدون أن يبدلوا"= بمسألتهم إياهم ذلك= كلامَ الله وخبره: ﴿قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل﴾ . فكذلك معنى قوله: ﴿لا مبدِّل لكلماته﴾ ، إنما هو: لا مغيِّر لما أخبرَ عنه من خبر أنه كائن، فيبطل مجيئه وكونه ووُقُوعه على ما أخبرَ جل ثناؤه، لأنه لا يزيد المفترون في كتب الله ولا ينقصون منها. وذلك أن اليهود والنصارى لا شك أنهم أهلُ كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، وقد أخبر جل ثناؤه أنهم يحرِّفون غيرَ الذي أخبر أنَّه لا مبدِّل له.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٨٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلا لا مبدل لكلماته﴾ ، يقول: صدقًا وعدلا فيما حكَم.

* *

وأما قوله: ﴿وهو السميع العليم﴾ ، فإن معناه: والله"السميع"، لما يقول هؤلاء العادلون بالله، المقسمون بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، وغير ذلك من كلام خلقه="العليم"، بما تؤول إليه أيمانهم من برٍّ وصدق وكذب وحِنْثٍ، وغير ذلك من أمور عباده. [[انظر تفسير ((السميع)) و ((العليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) و (علم) .

* *

وعند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه: ((يتلوه القول في تأويل قوله:} وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ {وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم كثيرًا))

ثم يتلو ما نصه: ((بِسْمِ الله الرحمن الرحيم

رَبِّ وَفِّقْ وأعِنْ))]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (١١٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لا تطع هؤلاء العادلين بالله الأنداد، يا محمد، فيما دعوك إليه من أكل ما ذبحوا لآلهتهم، وأهلُّوا به لغير ربهم، وأشكالَهم من أهل الزيغ والضلال، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن دين الله، ومحجة الحق والصواب، فيصدُّوك عن ذلك.

وإنما قال الله لنبيه: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض﴾ ، من بني آدم، لأنهم كانوا حينئذ كفارًا ضلالا فقال له جل ثناؤه: لا تطعهم فيما دعوك إليه، فإنك إن تطعهم ضللت ضلالهم، وكنتَ مثلهم، لأنهم لا يدعونك إلى الهدى وقد أخطأوه. ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الذين نَهَى نبيه عن طاعتهم فيما دعوه إليه في أنفسهم، فقال: ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ ، فأخبر جل ثناؤه أنهم من أمرهم على ظن عند أنفسهم، وحسبان على صحة عزمٍ عليه، [[هكذا في المطبوعة والمخطوطة، وأنا في شك من صوابه.]] وإن كان خطأ في الحقيقة = ﴿وإن هم إلا يخرصون﴾ ، يقول: ما هم إلا متخرِّصون، يظنون ويوقعون حَزْرًا، لا يقينَ علمٍ. [[انظر مجاز القرآن أبي عبيدة ١: ٢٠٦.]]

* *

يقال منه:"خرَصَ يخرُصُ خَرْصًا وخروصًا"، [[في المطبوعة: ((خرصا وخرصا)) ، وأثبت ما في المخطوطة، ولم أجد ((خروصًا)) ، مصدرًا لهذا الفعل، في شيء مما بين يدي من كتب اللغة، ولكن ذكره أبو حيان في تفسيره أيضًا ٤: ٢٠٥.]]

أي كذب، و"تخرّص بظن"، و"تخرّص بكذب"، و"خرصتُ النخل أخرُصه"، و"خَرِصَتْ إبلك"، أصابها البردُ والجوع.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، إن ربك الذي نهاك أن تطيع هؤلاء العادلين بالله الأوثانَ، لئلا يُضِلوك عن سبيله، هو أعلم منك ومن جميع خلقه أيُّ خلقه يَضلّ عن سبيله بزخرف القول الذي يوحِي الشياطين بعضُهم إلى بعض، فيصدُّوا عن طاعته واتباع ما أمر به = ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ ، يقول: وهو أعلم أيضًا منك ومنهم بمن كان على استقامة وسدادٍ، لا يخفى عليه منهم أحد. يقول: واتبع، يا محمد، ما أمرتك به، وانته عما نهيتك عنه من طاعة مَنْ نهيتك عن طاعته، فإني أعلم بالهادي والمضلِّ من خلقي، منك.

* *

واختلف أهل العربية في موضع:"مَن" في قوله: ﴿إن ربك هو أعلم من يضل﴾ .

فقال بعض نحويي البصرة: موضعه خفض بنيّة"الباء". قال: ومعنى الكلام: إن ربك هو أعلم بمن يضِلُّ. [[انظر ما سلف ١١: ٥٦٠، تعليق: ١، وأن قائله هو الأخفش.]]

* *

وقال بعض نحويي الكوفة: موضعه رفع، لأنه بمعنى"أيّ"، والرافع له"يضلّ". [[انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء ١: ٣٥٢، وهذا قول الفراء.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنه رفع بـ"يضل"، وهو في معنى"أيّ". وغير معلوم في كلام العرب اسم مخفوض بغير خافض، فيكون هذا له نظيرا.

* *

وقد زعم بعضهم أن قوله: ﴿أعلم﴾ ، في هذا الموضع بمعنى"يعلم"، واستشهد لقيله ببيت حاتم الطائي:

فَحَالَفَتْ طَيّئٌ مِنْ دُونِنَا حِلِفًا ... وَاللهُ أَعْلَمُ ما كُنَّا لَهُمْ خُذْلا [[البيت ليس في ديوان حاتم، وهو في تفسير القرطبي ٧: ٧٢، عن هذا الموضع من تفسير أبي جعفر: وقوله: ((حلف)) هو بكسر الحاء واللام، ألحق اللام كسرة الحاء لضرورة الشعر. ولو قال ((حلفا)) (بفتح وكسر اللام) وهو مصدر ((حلف يحلف)) مثل ((الحلف)) (بكسر فسكون) ، لكان صوابًا، لأن ((الحلف)) الذي هو العهد، إنما سمى ((حلفًا)) بمصدر ((حلف)) بمعنى أقسم، لأن العهد يوثق باليمين والقسم.]]

وبقول الخنساء:

القَوْمُ أَعْلَمُ أَنَّ جَفْنَتَهُ ... تَعْدُو غَدَاةَ الرِّيحِ أَوْ تَسري [[ديوانها: ١٠٤، في رثاء أخيها صخر، وبعده: فَإِذَا أَضَاءَ وَجَاشَ مِرْجَلُهُ ... فَلَنِعْمَ رَبُّ النَّارِ والقِدْرِ

وقولها: ((تغدو)) ، أي تغدو على قومه وضيوفه. و ((غداة الريح)) ، أي غدوة في زمن الشتاء، في زمان القحط وقلة الألبان، ((وتسرى)) . يعني في الليل. وقولها: ((أضاء)) ، أي أوقد ناره لتوضع عليها القدور، ويراها الضيفان.]] وهذا الذي قاله قائل هذا التأويل، وإن كان جائزًا في كلام العرب، فليس قولُ الله تعالى ذكره: ﴿إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله﴾ ، منه. وذلك أنه عطف عليه بقوله: ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ ، فأبان بدخول"الباء" في"المهتدين" أن"أعلم" ليس بمعنى"يعلم"، لأن ذلك إذ كان بمعنى"يفعل"، لم يوصل بالباء، كما لا يقال:"هو يعلم بزيد"، بمعنى: يعلم زيدًا.

القول في تأويل قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وعباده المؤمنين به وبآياته:"فكلوا"، أيها المؤمنون، مما ذكّيتم من ذبائحكم وذبحتموه الذبح الذي بينت لكم أنه تحلّ به الذبيحة لكم، وذلك ما ذبحه المؤمنون بي من أهل دينكم دين الحق، أو ذبحه مَنْ دان بتوحيدي من أهل الكتاب، دون ما ذبحه أهل الأوثان ومَنْ لا كتاب له من المجوس = ﴿إن كنتم بآياته مؤمنين﴾ ، يقول: إن كنتم بحجج الله التي أتتكم وأعلامه، بإحلال ما أحللت لكم، وتحريم ما حرمت عليكم من المطاعم والمآكل، مصدّقين، ودَعوا عنكم زخرف ما توحيه الشياطين بعضها إلى بعض من زخرف القول لكم، وتلبيس دينكم عليكم غرورًا.

* *

وكان عطاء يقول في ذلك ما:-

١٣٧٩٠- حدثنا به محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء قوله: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ ، قال: يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح. وكل شيء يدلّ على ذكره يأمر به.

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل العلم بكلام العرب في تأويل قوله: ﴿وما لكم أن لا تأكلوا﴾ .

فقال بعض نحويي البصريين: معنى ذلك: وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا. قال: وذلك نظير قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ﴾ ، [سورة البقرة: ٢٤٦] . يقول: أيّ شيء لنا في ترك القتال؟ قال: ولو كانت"لا"، زائدة لا يقع الفعل. [[قوله: ((لا يقع الفعل)) ، أي لا يتعدى، ((الوقوع)) ، التعدي.]] ولو كانت في معنى:"وما لنا وكذا"، لكانت: وما لنا وأن لا نقاتل.

* *

وقال غيره: إنما دخلت"لا" للمنع، لأن تأويل"ما لك"، و"ما منعك" واحد."ما منعك لا تفعل ذلك"، و"ما لك لا تفعل"، واحد. فلذلك دخلت"لا". قال: وهذا الموضع تكون فيه"لا"، وتكون فيه"أنْ"، مثل قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ ، [سورة النساء: ١٧٦] ، و"أن لا تضلوا"، يمنعكم من الضلال بالبيان. [[استوفى أبو جعفر بحث هذا فيما سلف ٥: ٣٠٠ - ٣٠٥، والفراء في معاني القرآن ١: ١٦٣ - ١٦٦، ولم يشر إلى ذلك أبو جعفر كعادته فيما سلف.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: معنى قوله: ﴿وما لكم﴾ ، في هذا الموضع: وأيُّ شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه؟ وذلك أنّ الله تعالى ذكره تقدّم إلى المؤمنين بتحليل ما ذكر اسم الله عليه، وإباحة أكل ما ذبح بدينه أو دين من كان يدين ببعض شرائع كتبه المعروفة، وتحريم ما أهلّ به لغيره، من الحيوان= وزجرهم عن الإصغاء لما يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض من زخرف القول في الميتة والمنخنقة والمتردية، وسائر ما حرم الله من المطاعم. ثم قال: وما يمنعكم من أكل ما ذبح بديني الذي ارتضيته، وقد فصّلت لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون، وبينته لكم بقولي: [[في المطبوعة: ((بقوله)) ، وفي المخطوطة: ((بقول)) ، وصواب قراءتها ما أثبت.]] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ، إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ﴾ ، [سورة المائدة: ٣] ، فلا لبس عليكم في حرام ذلك من حلاله، فتتمنعوا من أكل حلاله حذرًا من مواقعة حرامه.

فإذ كان ذلك معناه، فلا وجه لقول متأوِّلي ذلك:"وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا"، لأن ذلك إنما يقال كذلك، لمن كان كفَّ عن أكله رجاء ثواب بالكفّ عن أكله، وذلك يكون ممن آمن بالكفّ فكف اتّباعًا لأمر الله وتسليمًا لحكمه. ولا نعلم أحدًا من سلف هذه الأمة كفَّ عن أكل ما أحل الله من الذبائح رجاء ثواب الله على تركه ذلك، واعتقادًا منه أن الله حرَّمه عليه. فبيّنٌ بذلك، إذ كان الأمر كما وصفنا، أن أولى التأويلين في ذلك بالصواب ما قلنا.

* *

وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى قوله:"فصَّل"، و"فصلنا" و"فُصِّل" بيَّن، أو بُيِّن، بما يغني عن إعادته في هذا الموضع [[انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ص: ٦٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك، وانظر فهارس اللغة (فصل) .]] كما:-

١٣٧٩١- حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ ، يقول: قد بين لكم ما حرم عليكم.

١٣٧٩٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد، مثله.

* *

واختلفت القرأة في قول الله جل ثناؤه: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ .

فقرأه بعضهم بفتح أول الحرفين من"فَصَّلَ" و"حَرَّم"، أي: فصّل ما حرّمه من مطاعمكم، فبيَّنه لكم.

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ بفتح فاء"فصل" وتشديد صاده،"مَا حُرِّمَ"، بضم حائه وتشديد رائه، بمعنى: وقد فصل الله لكم المحرَّم عليكم من مطاعمكم.

* *

وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين:"وَقَدْ فُصِّلَ لَكَمْ"، بضم فائه وتشديد صاده،"مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"، بضم حائه وتشديد رائه، على وجه ما لم يسمَّ فاعله في الحرفين كليهما.

* *

وروي عن عطية العوفي أنه كان يقرأ ذلك:"وَقَدْ فَصَلَ"، بتخفيف الصاد وفتح الفاء، بمعنى: وقد أتاكم حكم الله فيما حَرَّم عليكم.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن كل هذه القراءات الثلاث التي ذكرناها، سوى القراءة التي ذكرنا عن عطية، قراءات معروفات مستفيضةٌ القراءةُ بها في قرأة الأمصار، وهن متّفقات المعاني غير مختلفات، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ.

* *

وأما قوله: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ ، فإنه يعني تعالى ذكره: أن ما أضطررنا إليه من المطاعم المحرّمة التي بيَّن تحريمها لنا في غير حال الضرورة، لنا حلال ما كنا إليه مضطرين، حتى تزول الضرورة. [[انظر تفسير ((اضطر)) فيما سلف ٣: ٥٦، ٣٢٢ / ٩: ٥٣٢.]] كما:-

١٣٧٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ ، من الميتة.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن كثيرًا من الناس [الذين] [[الزيادة بين القوسين، يقتضيها السياق.]] يجادلونكم في أكل ما حرم الله عليكم، أيها المؤمنون بالله، من الميتة، ليُضلون أتباعهم بأهوائهم من غير علم منهم بصحة ما يقولون، ولا برهان عندهم بما فيه يجادلون، إلا ركوبًا منهم لأهوائهم، واتباعًا منهم لدواعي نفوسهم، اعتداءً وخلافًا لأمر الله ونهيه، وطاعة للشياطين [[انظر تفسير ((الأهواء)) فيما سلف من فهارس اللغة (هوى)

= = وتفسير ((الضلال)) في فهارس اللغة (ضلل) .]] = ﴿إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ ، يقول: إن ربك، يا محمد، الذي أحلَّ لك ما أحلَّ وحرَّم عليك ما حرم، هو أعلم بمن اعتدى حدوده فتجاوزها إلى خلافها، وهو لهم بالمرصاد. [[انظر تفسير ((الاعتداء)) فيما سلف من فهارس اللغة (عدا) .]]

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ليضلون﴾ .

فقرأته عامة أهل الكوفة: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ ، بمعنى: أنهم يضلون غيرهم.

* *

وقرأ ذلك بعض البصريين والحجازيين:"لَيَضِلُّونَ"، بمعنى: أنهم هم الذين يضلون عن الحق فيجورون عنه.

* *

قال أبو جعفر: وأَولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾ ، بمعنى: أنهم يضلون غيرهم. وذلك أن الله جل ثناؤه أخبرَ نبيه ﷺ عن إضلالهم من تبعهم، ونهاه عن طاعتهم واتباعهم إلى ما يدعونه إليه، فقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذي أخبره عنهم، ونهاهم من قبول قولهم عن مثل الذي نهاه عنه، فقال لهم: وإن كثيرًا منهم ليضلونكم بأهوائهم بغير علم= نظيرَ الذي قال لنبيه ﷺ: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ .

القول في تأويل قوله: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ودعوا، أيها الناس، [[انظر تفسير ((ذر)) فيما سلف ص: ٥٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] علانية الإثم، وذلك ظاهره= وسرّه، وذلك باطنه،. كذلك:-

١٣٧٩٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ ، أي: قليله وكثيره، وسرّه وعلانيته.

١٣٧٩٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ ، قال: سره وعلانيته.

١٣٧٩٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ ، يقول: سره وعلانيته= وقوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ، [سورة الأعراف: ٣٣] ، قال: سره وعلانيته.

١٣٧٩٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ ، قال: نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه، أن يعمل به سرًّا أو علانية، وذلك ظاهره وباطنه.

١٣٧٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ ، معصية الله في السر والعلانية.

١٣٧٩٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ ، قال: هو ما ينوي مما هو عامل.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بالظاهر من الإثم والباطن منه، في هذا الموضع.

فقال بعضهم:"الظاهر منه"، ما حرم جل ثناؤه بقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، [سورة النساء: ٢٣] ، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية، و"الباطن منه"، الزنى.

ذكر من قال ذلك:

١٣٨٠٠- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ ، قال: الظاهر منه: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ والأمهات والبنات والأخوات ="والباطن". الزنى.

* *

وقال آخرون:"الظاهر"، أولات الرايات من الزواني، [[((أولات الرايات)) ، البغايا في الجاهلية، كن ينصبن رايات عند خيامهن أو عند بيوتهن، يعرفن بها.]] والباطن: ذوات الأخدان.

ذكر من قال ذلك:

١٣٨٠١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ أما"ظاهره"، فالزواني في الحوانيت، وأما"باطنه"، فالصديقة يتخذها الرجل فيأتيها سرًّا.

١٣٨٠٢- حدثنت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ، [سورة الأنعام: ١٥١] . كان أهل الجاهلية يستسرُّون بالزنى، ويرون ذلك حلالا ما كان سرًّا، فحرّم الله السر منه والعلانية ="ما ظهر منها"، يعني العلانية="وما بطن"، يعني: السر.

١٣٨٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي مكين وأبيه، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ، قال:"ما ظهر منها"، الجمع بين الأختين، وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده ="وما بطن"، الزنى.

* *

وقال آخرون:"الظاهر"، التعرّي والتجرد من الثياب، وما يستر العورة في الطواف ="والباطن"، الزنى.

ذكر من قال ذلك:

١٣٨٠٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ، قال: ظاهره العُرْيَة التي كانوا يعملون بها حين يطوفون بالبيت، [[((العرية)) (بضم العين وسكون الراء) ، مصدر ((عرى من ثوبه يعرى عريًا وعرية)) ، يقال: ((جارية حسنة العرية، وحسنة المعرى والمعراة)) ، أي حسنة عند تجريدها من ثيابها.]] وباطنه: الزنى.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره تقدم إلى خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه، وذلك سره وعلانيته. و"الإثم" كل ما عُصِي الله به من محارمه، [[انظر تفسير ((الإثم)) فيما سلف من فهارس اللغة (أثم) .]] وقد يدخل في ذلك سرُّ الزنى وعلانيته، ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهن، ونكاحُ حلائل الآباء والأمهات والبنات، والطواف بالبيت عريانًا، وكل معصية لله ظهرت أو بطنت. وإذ كان ذلك كذلك، وكان جميعُ ذلك"إثمًا"، وكان الله عمّ بقوله: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ ، جميع ما ظهر من الإثم وجميع ما بطن= لم يكن لأحد أن يخصّ من ذلك شيئًا دون شيء، إلا بحجة للعذر قاطعة.

غير أنه لو جاز أن يوجَّه ذلك إلى الخصوص بغير برهان، كان توجيهه إلى أنه عنى بظاهر الإثم وباطنه في هذا الموضع، ما حرم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم، وما بيَّن الله تحريمه في قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إلى آخر الآية، أولى، إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذكر تحريم ذلك جرى، وهذه في سياقها. ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك، وأدخل فيها الأمر باجتناب كل ما جانسه من معاصي الله، فخرج الأمر عامًا بالنهي عن كل ما ظهر أو بطن من الإثم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين يعملون بما نَهاهم الله عنه، ويركبون معاصيَ الله ويأتون ما حرَّم الله= ﴿سيجزون﴾ ، يقول: سيثيبهم الله يوم القيامة بما كانوا في الدنيا يعملون من معاصيه. [[انظر تفسير ((كسب)) فيما سلف من فهارس اللغة (كسب)

= وتفسير ((الجزاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (جزا)

= وتفسير ((اقترف)) فيما سلف ص: ٥٩، ٦٠]]

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com