John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-An'aam

Tafsir al-Tabari · The Cattle · 165 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

القول في تأويل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"الحمد لله"، الحمدُ الكامل لله وحده لا شريك له دون جميع الأندادِ والآلهة، ودون ما سواه مما تعبده كَفَرةُ خلْقه من الأوثان والأصنام.

وهذا كلام مخرجه مَخرج الخبر يُنْحَى به نحو الأمر. يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خَلَقَكم، أيها الناس، وخلق السماوات والأرض، ولا تشركوا معه في ذلك أحدًا أو شيئًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: "أحدا شيئًا"، والسياق يقتضي ما أثبت.]] فإنه المستوجب عليكم الحمدَ بأياديه عندكم ونعمة عليكم، لا من تعبدونه من دونه، وتجعلونه له شريكًا من خَلْقه.

* *

وقد بينا الفصل بين معنى"الحمد و"الشكر" بشواهده فيما مضى قبل. [[انظر تفسير"الحمد" فيما سلف ١: ١٣٥ - ١٤١.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وأظلم الليلَ، وأنارَ النَّهار، كما:-

١٣٠٤٠ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وجعل الظلمات والنور"، قال: الظلمات ظلمة الليل، والنور نورُ النهار.

١٣٠٤١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أمّا قوله:"الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور"، فإنه خلق السَّماوات قبل الأرض، والظلمةَ قبل النور، والجنّة قَبل النار.

* *

فإن قال قائل: فما معنى قوله إذًا:"جعل".

قيل: إن العرب تجعلها ظرفًا للخبرِ والفِعْل فتقول:"جعلت أفعل كذا"، و"جعلت أقوم وأقعد"، تدل بقولها"جعلت" على اتصال الفعل، كما تقول"علقت أفعل كذا" = لا أنها في نفسها فِعْلٌ. يدلُّ على ذلك قول القائل:"جعلت أقوم"، وأنه لا جَعْلَ هناك سوى القيام، وإنما دَلَّ بقوله:"جعلت" على اتّصال الفعل ودوامه، [[انظر ما كتبته على الأثر رقم: ٨٣١٧، ج ٧: ٥٤٧، تعليق: ٦/ ثم الأثر: ١٢٨٣٤، ج: ١١: ١٢٨، تعليق: ١، في قوله: "فذهب ينزل" وقوله: "تذهب فتختلط"، وقد سميتها هناك ألفاظ الاستعانة. وقد أجاد أبو جعفر العبارة عن هذا المعنى، فقيده وحفظه.]]

ومن ذلك قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

وَزَعَمْتَ أنَّكَ سَوْفَ تَسْلُكُ فَارِدًا ... وَالمَوْتُ مُكْتَنِعٌ طَرِيقَيْ قَادِرِ

فَاجْعَلْ تَحَلَّلْ مِنْ يَمِينِكَ إنَّمَا ... حِنْثٌ اليَمِينِ عَلَى الأثِيمِ الفَاجِرِ [[لم أجد البيتين فيما بين يدي من الكتب، وإن كنت أذكر أني قرأتهما قبل، ثم لا أدري أين؟ وكان البيت الأول في المطبوعة: وَزَعَمْتَ أَنَّكَ سَوفَ تَسْلُك قادِرًا ... وَالموتُ مُتَّسِعٌ طَرِيقي قادِرِ

وهو كلام صفر من المعنى. وكان في المخطوطة هكذا. وزعمتَ أنك سوف تسلك مال را ... الموت ملسع طريقي قادرِ

ورجحت قراءته كما أثبته، وكما أتوهم أني أذكر من معنى الشعر، وأظنه من كلام شاعر يقوله لأخيه أو صاحبه، أراد أن ينفرد في طريقه وحلف ليفعلن ذلك، فسخر منه، وقال له ما قال. وقوله: "فارد"، أي منفردًا منقطعًا عن رفيقك وصاحبك. وقوله: "والموت مكتنع"، أي: دان قد أشرف عليك. يقال"كنع الموت واكتنع" دنا وقرب، قال: الراجز: وَاكْتَنَعَتْ أُمُّ اللُّهَيْمِ وَاكْتَنَعْ

و"أم اللهيم"، كنية الموت، لأنه يلتهم كل شيء.

هذا اجتهادي في تصحيح الشعر، حتى يوجد في مكان غيره.]] يقول:"فاجعل تحلّل"، بمعنى: تحلل شيئًا بعد شيء = لا أن هناك جَعْلا من غير التحليل. فكذلك كل"جَعْلٍ" في الكلام، إنما هو دليل على فعلٍ له اتصال، لا أن له حظًّا في معنى الفعْل.

* *

فقوله:"وجعل الظلمات والنور"، إنما هو: أظلم ليلَهما، وأنارَ نَهارَهُما.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، معجِّبًا خلقَه المؤمنين من كفَرة عباده، ومحتجًّا على الكافرين: إنّ الإله الذي يجبُ عليكم، أيها الناس، حمدُه، هو الذي خلَق السماوات والأرض، الذي جعل منهما معايشَكم وأقواتكم، وأقواتَ أنعامكم التي بها حياتكم. فمن السماوات ينزل عليكم الغيثُ، وفيها تجري الشمس والقمر باعتِقابٍ واختلاف لمصالحكم. ومن الأرض ينبُتُ الحب الذي به غذاؤكم، والثمارُ التي فيها ملاذُّكم، مع غير ذلك من الأمور التي فيها مصالحكم ومنافعكم بها = والذين يجحدون نعمة الله عليهم بما أنعم به عليهم من خلق ذلك لهم ولكم، أيها الناس ="بربهم"، الذي فعل ذلك وأحدثه ="يعدلون"، يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثانَ، وليس منها شيء شرِكه في خلق شيءٍ من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إيّاه غيره. فسبحان الله ما أبلغها من حجة، وأوجزها من عظة، لمن فكَّر فيها بعقل، وتدبرها بفهم!

* *

ولقد قيل: إنها فاتحة التوراة.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٤٢ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب قال: فاتحة التوراة فاتحة"الأنعام":"الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجَعَل الظلمات والنور ثم الذين كَفَروا بربِّهم يعدلون". [[الأثر: ١٣٠٤٢ -"عبد العزيز بن عبد الصمد العمي"، "أبو عبد الصمد"، ثقة حافظ، من شيوخ أحمد، روى له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب.

و"أبو عمران الجوني" هو"عبد الملك بن حبيب الأزدي"، ثقة، مضى برقم: ٨٠.

و"عبد الله بن رباح الأنصاري"، ثقة، مضى برقم: ٤٨١٠.

و"كعب"، هو كعب الأحبار المشهور بأخباره الإسرائيلية.]]

١٣٠٤٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب، مثله = وزاد فيه: وخاتمة التوراة خاتمة"هود".

* *

يقالُ من مساواة الشيء بالشيء:"عدلتُ هذا بهذا"، إذا ساويته به،"عَدْلا". وأما في الحكم إذا أنصفت فيه، فإنك تقول:"عَدَلت فيه أعدلُ عَدْلا". [[انظر تفسير"العدل فيما سلف ٢: ٣٥/١١: ٤٣، ٤٤.]]

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله:"يعدلون"، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٤٤ - حدثني ابن محمد عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يعدلون"، قال: يشركون.

* *

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بذلك:

فقال بعضهم: عُني به أهل الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٤٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية:"الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربِّهم يعدِلون"، قال له: أليس الذين كفروا بربِّهم يعدلون؟ قال: بلى! قال: وانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى، إن هذا قد أراد تفسيرَ هذه غير هذا! إنه رجلٌ من الخوارج! فقال: ردّوه عليّ. فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا! قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهبْ، ولا تضعها على غير حدِّها. [[الأثر: ١٣٠٤٥ -"يعقوب القمي"، هو"يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي"، ثقة، مضى برقم: ٦١٧، ٧٢٦٩، ٨١٥٨.

و"جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي"، ثقة، مضى برقم: ٨٧، ٦١٧، ٤٣٤٧، ٧٢٦٩.

و"ابن أبزى" هو: "سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي"، ثقة، مضى برقم: ٩٦٥٦، ٩٦٥٧، ٩٦٧٢.

وأراد السائل من الخوارج بسؤاله، الاستدلال بالآية على تكفير أهل القبلة، في أمر تحكيم علي بن أبي طالب. وذلك هو رأي الخوارج.]] وقال آخرون: بل عُنى بها المشركون من عبدةِ الأوثان.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٤٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ثم الذين كفروا بربهم يعدلون"، قال: [هؤلاء: أهل صراحيه] . [[في المطبوعة: "هؤلاء أهل صراحة"، وهو كلام لا معنى له، وفي المخطوطة ما أثبته بين القوسين، لم أستطع أن أحل رموزه، فلعله يوجد بعد في كتاب غير الكتب التي في أيدينا، فتبين صحته.]]

١٣٠٤٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ثم الذين كفروا بربهم يعدلون"، قال: هم المشركون.

١٣٠٤٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ثم الذين كفروا بربهم يعدلون"، قال: الآلهة التي عبَدوها، عدلوها بالله. قال: وليس لله عِدْلٌ ولا نِدٌ، وليس معه آلهة، ولا اتخذ صاحبةً ولا ولدًا.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره أخبر أنّ الذين كفروا بربهم يعدلون، فعمّ بذلك جميع الكفّار، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. فجميعهم داخلون في ذلك: يهودهم، ونصاراهم، ومجوسهم، وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر.

القول في تأويل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"هو الذي خلقكم من طين"، أن الله الذي خلق السماوات والأرض، وأظلم ليلهما وأنَار نهارهما، ثم كفر به مع إنعامه عليهم الكافرون، [[في المطبوعة: "فكفر به"، أما المخطوطة، ففيها الذي أثبته إلا أنه كتب"ثمكفر به" ووصل"ثم" بقوله: "كفر"، وهذا من عجب الكتابة ولطائف النساخ.]] وعدلوا به من لا ينفعهم ولا يضرُّهم. هو الذي خلقكم، أيها الناس، من طين. وإنما يعني بذلك تعالى ذكره: أنَّ الناس وَلدُ مَنْ خلقه من طين، فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم، إذ كانوا وَلَده.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٤٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"هو الذي خلقكم من طين"، بدءُ الخلق، خلقَ الله آدم من طين.

١٣٠٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"هو الذي خلقكم من طين"، قال: هو آدم.

١٣٠٥١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أمّا"خلقكم من طين"، فآدم.

١٣٠٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قال: خلق آدم من طين، وخلق الناس من سُلالةٍ من ماءٍ مَهين.

١٣٠٥٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"خلقكم من طين"، قال: خلق آدم من طين، ثم خلقنا من آدم حين أخذَنا من ظهره.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى قوله:"ثم قضى أجلا"، ثم قضى لكم، أيها الناس،"أجلا". وذلك ما بين أن يُخْلق إلى أن يموت ="وأجل مسمى عنده"، وذلك ما بين أن يموت إلى أن يبعث.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٥٤- حدثنا ابن وكيع وهناد بن السري قالا حدثنا وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن في قوله:"قضى أجلا"، قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت ="وأجل مسمى عنده"، قال: ما بين أن يموت إلى أن يبعث. [[الأثر: ١٣٠٥٤ -"وكيع" هو"وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي".

وأبوه: "الجراح بن مليح الرؤاسي"، مضيا في مواضع مختلفة.

و"أبو بكر الهذلي" مختلف في اسمه قيل هو: "سلمى بن عبد الله بن سلمى"، وقيل: "روح بن عبد الله". ومضى برقم: ٥٩٧، ٨٣٧٦، وهو ضعيف.]]

١٣٠٥٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عِنده"، كان يقول: أجل حياتك إلى أن تموت، وأجل موتك إلى أن تُبْعث. فأنت بين أجَلين من الله تعالى ذكره.

١٣٠٥٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم:"قضى أجلا وأجل مسمى عنده"، قال: قضى أجل الموت، وكل نفسٍ أجلها الموت. قال: ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها ="وأجل مسمى عنده"، يعني: أجل الساعة، ذهاب الدنيا، والإفضاءُ إلى الله.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم قضى الدنيا، وعنده الآخرة.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله:"أجلا"، قال: الدنيا ="وأجل مسمى عنده"، الآخرة.

١٣٠٥٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو عاصم، عن زكريا بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"قضى أجلا"، قال: الآخرة عنده ="وأجل مسمى"، الدنيا.

١٣٠٥٩- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"أجلا"، قال: الآخرة عنده ="وأجل مسمًّى"، قال: الدنيا.

١٣٠٦٠- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"أجلا"، قال: الآخرة عنده ="وأجل مسمى"، قال: الدنيا.

١٣٠٦١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والحسن:"ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده"، قالا قضى أجل الدنيا، من حين خلقك إلى أن تموت ="وأجل مسمى عنده"، يوم القيامة.

١٣٠٦٢ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة:"ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده"، قال: قَضَى أجل الدنيا ="وأجل مسمى عنده"، قال: هو أجل البعث.

١٣٠٦٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة:"ثم قضى أجلا"، قال: الموت ="وأجل مسمى عنده"، الآخرة.

١٣٠٦٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله:"قضى أجلا وأجل مسمى عنده"، قالا قضى أجل الدنيا، منذ يوم خلقت إلى أن تموت ="وأجل مسمى عنده"، يوم القيامة.

١٣٠٦٥- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد:"قضى أجلا"، قال: أجل الدنيا ="وأجل مسمى عنده"، قال: البعث.

١٣٠٦٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عنده"، يعني: أجل الموت ="والأجل المسمى"، أجلُ الساعة والوقوفِ عند الله.

١٣٠٦٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قضى أجلا"، قال: أمّا"قضى أجلا"، فأجل الموت ="وأجل مسمى عنده"، يوم القيامة.

* *

وقال آخرون في ذلك بما:-

١٣٠٦٨ - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده"، قال: أمّا قوله:"قضى أجلا"، فهو النومُ، تُقْبض فيه الروح، ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة ="وأجل مسمى عنده"، هو أجل موت الإنسان.

* *

وقال آخرون بما:-

١٣٠٦٩ - حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب في قوله:"هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون"، قال: خلق آدم من طين، ثم خلقنا من آدم، أخذنا من ظهره، ثم أخذ الأجل والمِيثاق في أجلٍ واحد مسمًّى في هذه الحياة الدنيا.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: ثم قضى أجلَ الحياة الدنيا ="وأجلٌ مسمى عنده"، وهو أجل البَعْث عنده.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى ذكره نبَّه خلقَه على موضع حُجَّته عليهم من أنفسهم فقال لهم: أيها الناس، إن الذي يعدِلُ به كفارُكم الآلهةَ والأندادَ، هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين، فجعلكم صورًا أجساًما أحياءً، بعد إذ كنتم طينًا جمادًا، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم، ليعيدكم ترابًا وطينًا كالذي كنتم قبل أن ينشئكم ويخلقكم = وأجل مسمى عندَه لإعادتكم أحياءً وأجسامًا كالذي كنتم قبل مماتكم. [[انظر تفسير"الأجل" فيما سلف ٥: ٧/٦: ٤٣، ٧٦/٨: ٥٤٨.

= وتفسير"مسمى" فيما سلف ٦: ٤٣.]] وذلك نظير قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، [سورة البقرة: ٢٨] .

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم أنتم تَشكُّون في قدرة من قَدَر على خلق السماوات والأرض، وإظلام الليل وإنارة النهار، وخلقكم من طين حتى صيَّركم بالهيئة التي أنتم بها = على إنشائه إياكم من بعد مماتكم وفنائكم، [[في المطبوعة: "وعلى إنشائه" بزيادة الواو، وهي مفسدة وهي خطأ صرف، لم يفهم سياق أبي جعفر، فإن قوله: "على إنشائه إياكم" متعلق بقوله: "ثم أنتم تشكون في قدرة من قدر. . ."، أي: تشكون في قدرة من فعل ذلك، على إنشائه إياكم.]] وإيجاده إيّاكم بعد عدمكم.

* *

و"المرية" في كلام العرب، هي الشك. وقد بيّنت ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير"الامتراء" فيما سلف ٣: ١٩٠، ١٩١/٦: ٤٧٢.]]

* *

وقد:-

١٣٠٧٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"ثم أنتم تمترون"، قال: الشك. قال: وقرأ قول الله: فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [سورة هود: ١٧] ، قال: في شكٍّ منه.

١٣٠٧١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ثم أنتم تمترون"، بمثله.

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهةُ التي لا تنبغي لغيره، المستحقَّ عليكم إخلاصَ الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به كفاركم مَن سواه، هو الله الذي هو في السماوات وفي الأرض يعلم سِرَّكم وجَهْركم، فلا يخفى عليه شيء. يقول: فربكم الذي يستحقُّ عليكم الحمدَ، ويجب عليكم إخلاصُ العبادة له، هو هذا الذي صفته = لا من لا يقدر لكم على ضرّ ولا نفع، ولا يعمل شيئًا، ولا يدفع عن نفسه سُوءًا أريد بها.

* *

وأما قوله:"ويعلم ما تكسبون"، يقول: ويعلم ما تَعمَلون وتجرَحُون، فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه. [[انظر تفسير"كسب" فيما سلف ١٠: ٢٩٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم يعدِلون أوثانَهم وآلهتهم ="آية من آيات ربهم"، يقول: حجّة وعلامة ودلالة من حُجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته، وحقيقة نبوتك، يا محمد، وصدق ما أتيتهم به من عندي [[انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] ="إلا كانوا عنها معرضين"، يقول: إلا أعرضوا عنها، يعني عن الآية، فصدّوا عن قَبُولها والإقرار بما شهدت على حقيقته ودلّت على صحته، جهلا منهم بالله، واغترارًا بحلمه عنهم. [[انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ٩: ٣١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهةُ التي لا تنبغي لغيره، المستحقَّ عليكم إخلاصَ الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به كفاركم مَن سواه، هو الله الذي هو في السماوات وفي الأرض يعلم سِرَّكم وجَهْركم، فلا يخفى عليه شيء. يقول: فربكم الذي يستحقُّ عليكم الحمدَ، ويجب عليكم إخلاصُ العبادة له، هو هذا الذي صفته = لا من لا يقدر لكم على ضرّ ولا نفع، ولا يعمل شيئًا، ولا يدفع عن نفسه سُوءًا أريد بها.

* *

وأما قوله:"ويعلم ما تكسبون"، يقول: ويعلم ما تَعمَلون وتجرَحُون، فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه. [[انظر تفسير"كسب" فيما سلف ١٠: ٢٩٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم يعدِلون أوثانَهم وآلهتهم ="آية من آيات ربهم"، يقول: حجّة وعلامة ودلالة من حُجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته، وحقيقة نبوتك، يا محمد، وصدق ما أتيتهم به من عندي [[انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] ="إلا كانوا عنها معرضين"، يقول: إلا أعرضوا عنها، يعني عن الآية، فصدّوا عن قَبُولها والإقرار بما شهدت على حقيقته ودلّت على صحته، جهلا منهم بالله، واغترارًا بحلمه عنهم. [[انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ٩: ٣١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فقد كذب هؤلاء العادلون بالله، الحقَّ لما جاءهم، وذلك"الحق"، هو محمد ﷺ [[انظر تفسير"الحق" فيما سلف ١٠: ٣٧٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كذّبوا به، وجحدوا نبوَّته لما جاءهم. قال الله لهم متوعّدًا على تكذيبهم إياه وجحودِهم نبوَّته: سوف يأتي المكذّبين بك، يا محمد، من قومِك وغيرهم ="أنْباء ما كانوا به يستهزءون"، يقول: سوف يأتيهم أخبارُ استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من آياتي وأدلَّتي التي آتيتهم. [[انظر تفسير"النبأ" فيما سلف ١٠: ٣٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

= وتفسير"الاستهزاء" فيما سلف ١: ٣٠١ - ٣٠٣.]] ثم وفى لهم بوعيده لمّا تمادَوا في غيِّهم، وعَتْوا على ربهم، فقتلتهم يوم بدرٍ بالسَّيف.

القول في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ: ألم يرَ هؤلاء المكذبون بآياتي، الجاحدون نبوّتك، كثرةَ من أهلكت من قبلهم من القُرون = وهم الأمم = الذين وطَّأت لهم البلادَ والأرض توطئة لم أوطِّئها لهم، [[في المطبوعة: "وطأة لم أوطئها"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم؟ كما:-

١٣٠٧٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم"، يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم.

* *

قال أبو جعفر: أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها، وأعطتهم الأرض رَيْع نَباتها، وجابوا صخورَ جبالها، ودرَّت عليهم السماء بأمطارها، وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني، فغمَطُوا نعمة ربهم، وعصوا رسولَ خالقهم، وخالفوا أمرَ بارئهم، وبغَوْا حتى حقَّ عليهم قَوْلي، فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم، وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم، وأهلكت بعضهم بالرَّجفة، وبعضهم بالصيحة، وغير ذلك من أنواع العذاب.

* *

ومعنى قوله:"وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا"، المطرَ. ويعني بقوله:"مدرارًا"، غزيرة دائمةً ="وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين"، يقول: وأحدثنا من بعد الذين أهلكناهم قرنًا آخرين، فابتدأنَا سِواهم.

* *

فإن قال قائل: فما وجهُ قوله:"مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم"؟ ومن المخاطب بذلك؟ فقد ابتدأ الخبر في أول الآية عن قوم غَيَبٍ بقوله:"ألم يروا كم أهلكنا من قَبَلهم من قرن"؟

قيل: إن المخاطب بقوله:"ما لم نمكن لكم"، هو المخبر عنهم بقوله:"ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن"، ولكن في الخبر معنى القول = ومعناه: قُلْ، يا محمد، لهؤلاء القوم الذين كذبوا بالحقِّ لما جاءهم: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قَرْن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم.

والعرب إذا أخبرت خبرًا عن غائبٍ، وأدخلت فيه"قولا"، فعلت ذلك، فوجهت الخبرَ أحيانًا إلى الخبر عن الغائب، وأحيانًا إلى الخطاب، فتقول:"قلت لعبد الله: ما أكرمه"، و"قلت لعبد الله: ما أكرمك"، وتخبر عنه أحيانًا على وجه الخبر عن الغائب، ثم تعود إلى الخطاب. وتخبر على وجه الخطاب له، ثم تعود إلى الخبر عن الغائب. وذلك في كلامها وأشعارها كثيرٌ فاشٍ. وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ١٥٣ - ١٥٤/ ٢: ٢٩٣، ٢٩٤، ٣٥٧، ٣٨٨/ ٣: ١٧٠/ ٦: ٥٦٤.]]

* *

وقد كان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: كأنه أخبرَ النبي ﷺ، ثم خاطبه معهم. وقال: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [سورة يونس: ٢٢] ، فجاء بلفظ الغائب، وهو يخاطب، لأنه المخاطَب.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ نزلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ، عن هؤلاء القوم الذين يعدلون بربهم الأوثانَ والآلهة والأصنام. يقول تعالى ذكره: وكيف يتفقهون الآيات، أم كيف يستدِلُّون على بُطْلان ما هم عليه مُقِيمون من الكفر بالله وجحودِ نبوتك، بحجج الله وآياته وأدلته، وهم لعنادهم الحقَّ وبعدِهم من الرشد، لو أنزلت عليك، يا محمد، الوحيَ الذي أنزلته عليك مع رسولي، في قِرْطاس يعاينونه ويمسُّونه بأيديهم، [[انظر تفسير"لمس" فيما سلف ٨: ٣٩٩/ ١٠: ٨٣.]] وينظرون إليه ويقرءونه منه، معلَّقًا بين السماء والأرض، بحقيقة ما تدعوهم إليه، وصحَّةِ ما تأتيهم به من توحيدي وتنزيلي، لقال الذين يعدلُون بي غيري فيشركون في توحيدِي سواي:"إنْ هذا إلا سحرٌ مبينٌ"، أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر سحرتَ به أعيننا، ليست له حقيقة ولا صحة [[انظر تفسير"السحر" فيما سلف ٢: ٤٣٦ - ٤٤٢.]] ="مبين"، يقول: مبين لمن تدبّره وتأمَّله أنه سحر لا حقيقة له. [[انظر تفسير"مبين" فيما سلف ١٠: ٥٧٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٧٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم"، قال: فمسوه ونظروا إليه، لم يصدِّقوا به.

١٣٠٧٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم"، يقول: فعاينوه معاينة ="لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحرٌ مبين".

١٣٠٧٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم"، يقول: لو نزلنا من السماء صُحُفًا فيها كتاب فلمسوه بأيديهم، لزادهم ذلك تكذيبًا.

١٣٠٧٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس"، الصحف.

١٣٠٧٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"في قرطاس"، يقول: في صحيفة ="فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إنْ هذا إلا سحرٌ مبين".

القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المكذبون بآياتي، العادلون بي الأندادَ والآلهةَ، يا محمد، لك لو دعوتهم إلى توحيدي والإقرار بربوبيتي، وإذا أتيتهم من الآيات والعبر بما أتيتهم به، واحتججت عليهم بما احتججت عليهم مما قطعتَ به عذرَهم: هَلا نزل عليك ملك من السماء في صورته، [[انظر تفسير"لولا" فيما سلف ٢: ٥٥٢، ٥٥٣/١٠: ٤٤٨ وما سيأتي ص: ٣٤٣.]] يصدّقكَ على ما جئتنا به، ويشهد لك بحقيقة ما تدَّعي من أنَّ الله أرسلك إلينا! كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن المشركين في قِيلهم لنبي الله ﷺ: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [سورة الفرقان: ٧] ، ="ولو أنزلنا مَلَكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون"، يقول: ولو أنزلنا ملكًا على ما سألوا، ثم كفروا ولم يؤمنوا بي وبرسولي، لجاءهم العذابُ عاجلا غيرَ آجل، [[انظر تفسير"قضى" فيما سلف ٢: ٥٤٢/٤: ١٩٥/٩: ١٦٤.]] ولم يُنْظروا فيؤخَّروا بالعقوبة مراجعةَ التوبة، [[انظر تفسير"انظر" فيما سلف ٣: ٢٦٤/٦: ٥٧٧.]] كما فعلت بمن قبلهم من الأمم التي سألت الآيات، ثم كفرت بعد مجيئها، من تعجيل النقمة، وترك الإنظار، كما:-

١٣٠٧٨ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون"، يقول: لجاءهم العذاب.

١٣٠٧٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون"، يقول: ولو أنهم أنزلنا إليهم ملكًا، ثم لم يؤمنوا، لم يُنْظَروا.

١٣٠٨٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"لولا أنزل عليه ملك" في صورته ="ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر"، لقامت الساعة.

١٣٠٨١ - حدثنا ابن وكيع، عن أبيه قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان الثوري، عن عكرمة:"لقضي الأمر"، قال: لقامت الساعة.

١٣٠٨٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر"، قال يقول: لو أنزل الله ملكًا ثم لم يؤمنوا، لعجل لهم العذاب.

* *

وقال آخرون في ذلك بما:-

١٣٠٨٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، أخبرنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قوله:"ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون"، قالا لو آتاهم ملك في صورته لماتوا، ثم لم يؤخَّرُوا طرفةَ عينٍ.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو جعلنا رسولنا إلى هؤلاء العادلِين بي، القائلين: لولا أنزل على محمّدٍ ملك بتصديقه- ملكًا ينزل عليهم من السماء، يشهد بتصديق محمد ﷺ، ويأمرهم باتباعه ="لجعلناه رجلا"، يقول: لجعلناه في صورة رجل من البشر، لأنهم لا يقدرون أن يروا الملك في صورته. يقول: وإذا كان ذلك كذلك، فسواء أنزلت عليهم بذلك ملكًا أو بشرًا، إذ كنت إذا أنزلت عليهم ملكًا إنما أنزله بصورة إنسيّ، وحججي في كلتا الحالتين عليهم ثابتة: بأنك صادق، وأنّ ما جئتهم به حق.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٨٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا"، يقول: ما آتاهم إلا في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة.

١٣٠٨٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا"، في صورة رجل، في خَلْق رجل.

١٣٠٨٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا"، يقول: لو بعثنا إليهم ملكًا لجعلناه في صورة آدم. [[في المطبوعة: "آدمي"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

١٣٠٨٧ - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا"، يقول: في صورة آدمي.

١٣٠٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

١٣٠٨٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا" قال: لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل، لم نرسله في صورة الملائكة.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وللبسنا عليهم": ولو أنزلنا ملكًا من السماء مصدِّقًا لك، يا محمد، شاهدًا لك عند هؤلاء العادلين بي، الجاحدين آياتِك على حقيقة نبوّتك، فجعلناه في صورة رجل من بني آدم، إذ كانوا لا يُطيقون رؤية الملك بصورته التي خلقتُه بها= التبس عليهم أمرُه، فلم يدروا أملك هو أمْ إنسيّ! فلم يوقنوا به أنَّه ملك، ولم يصدّقوا به، وقالوا:"ليس هذا ملكًا"! وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك، وصحة برهانك وشاهدك على نبوّتك.

* *

يقال منه:"لَبَست عليهم الأمر أَلْبِسُه لَبْسًا"، إذا خلطته عليهم ="ولبست الثوبَ ألبَسُه لُبْسًا". و"اللَّبوس"، اسم الثياب. [[انظر تفسير"اللبس" فيما سلف ١: ٥٦٧، ٥٦٨/٦: ٥٠٣ - ٥٠٥

= وتفسير"اللباس" فيما سلف ١: ٥٦٧، ٥٦٨/ ٣: ٤٨٩، ٤٩٠.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. [[انظر أثرًا آخر في تفسير هذه الآية فيما سلف رقم: ٨٨٢ (ج ١: ٥٦٧) ، لم يذكره في الآثار المفسرة، وهو باب من أبواب اختصاره لتفسيره.]]

١٣٠٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وللبسنا عليهم ما يلبسون"، يقول: لشبَّهنا عليهم.

١٣٠٩٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وللبسنا عليهم ما يلبسون"، يقول: ما لبَّس قوم على أنفسهم إلا لَبَّس الله عليهم. واللَّبْس إنما هو من الناس.

١٣٠٩١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وللبسنا عليهم ما يلبسون"، يقول: شبَّهنا عليهم ما يشبِّهون على أنفسهم.

* *

وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول آخر، وهو ما:-

١٣٠٩٢ - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وللبسنا عليهم ما يلبسون"، فهم أهل الكتاب، فارقوا دينهم، وكذَّبوا رسلهم، وهو تحريفُ الكلام عن مواضعه.

١٣٠٩٣ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله:"وللبسنا عليهم ما يلبسون"، يعني: التحريفَ، هم أهل الكتاب، فرقوا كتبهم ودينَهم، وكذَّبوا رسلهم، فلبَّس الله عليهم ما لبَّسوا على أنفسهم.

* *

وقد بينا فيما مضى قبل أن هذه الآيات من أوّل السورة، بأن تكون في أمر المشركين من عبدة الأوثان، أشبهُ منها بأمرِ أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ص: ٢٥٤.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ، مسليًّا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبةَ ما يلقى منهم من أذىَ الاستهزاء به، والاستخفاف في ذات الله: هَوِّنْ عليك، يا محمد، ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك، المستخفِّين بحقك فيّ وفي طاعتي، وامضِ لما أمرتك به من الدُّعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي، فإنهم إن تمادوا في غيِّهم، وأصَرُّوا على المقام على كفرهم، نسلك بهم سبيلَ أسلافهم من سائر الأمم من غيرهم، من تعجيل النقمة لهم، وحلول المَثُلاثِ بهم. فقد استهزأت أمم من قبلك برسلٍ أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك، وفعلوا مثل ما فعل قومُك بك ="فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون"، يعني بقوله:"فحاق"، فنزل وأحاط بالذين هزئوا من رسلهم ="ما كانوا به يستهزئون"، يقول: العذابُ الذي كانوا يهزءون به، وينكرون أن يكون واقعًا بهم على ما أنذرتهم رسلهم.

* *

يقال منه:"حاق بهم هذا الأمر يَحِيقُ بهم حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقَانًا".

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٩٤- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فحاق بالذين سخروا منهم"، من الرسل ="ما كانوا به يستهزئون"، يقول: وقع بهم العذاب الذي استهزءوا به.

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:"قل"، يا محمد = لهؤلاء العادلين بيَ الأوثانَ والأندادَ، المكذِّبين بك، الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي="سيروا في الأرض"، يقول: جولوا في بلاد المكذِّبين رسلَهم، الجاحدين آياتي مِنْ قبلهم من ضُرَبائهم وأشكالهم من الناس ="ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، يقول: ثم انظروا كيف أعقَبَهم تكذيبهم ذلك، الهلاكَ والعطبَ وخزيَ الدنيا وعارَها، وما حَلَّ بهم من سَخَط الله عليهم، من البوار وخراب الديار وعفوِّ الآثار. فاعتبروا به، إن لم تنهكم حُلُومكم، ولم تزجركم حُجج الله عليكم، عمَّا أنتم [عليه] مقيمون من التكذيب، [[الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام.]] فاحذروا مثل مصارعهم، واتقوا أن يحلّ بكم مثلُ الذي حلّ بهم.

* *

وكان قتادة يقول في ذلك بما:-

١٣٠٩٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، دمَّر الله عليهم وأهلكهم، ثم صيَّرهم إلى النار.

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد ﷺ:"قل"، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم ="لمن ما في السماوات والأرض"، يقول: لمن ملك ما في السماوات والأرض؟ ثم أخبرهم أن ذلك لله الذي استعبدَ كل شيء، وقهر كل شيء بملكه وسلطانه = لا للأوثان والأنداد، ولا لما يعبدونه ويتخذونه إلهًا من الأصنام التي لا تملك لأنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضُرًّا.

وقوله:"كتب على نفسه الرحمة"، يقول: قضى أنَّه بعباده رحيم، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة. [[انظر تفسير"كتب" فيما سلف ١٠: ٣٥٩، تعليق: ١.]]

وهذا من الله تعالى ذكره استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة.

يقول تعالى ذكره: أن هؤلاء العادلين بي، الجاحدين نبوّتك، يا محمد، إن تابوا وأنابوا قبلت توبتهم، وإني قد قضيت في خَلْقي أنّ رحمتي وسعت كل شيء، كالذي:-

١٣٠٩٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:"لما فرغ الله من الخلق، كتب كتابًا:"إنّ رحمتي سَبَقَتْ غضبي". [[الأثر: ١٣٠٩٦ - إسناده صحيح. وهو حديث مشهور.

"ذكوان"، هو"أبو صالح".

ورواه البخاري (الفتح ١٣: ٣٢٥) من طريق أبي حمزة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بغير هذا اللفظ، مطولا.

وانظر تعليق أخي السيد أحمد على المسند رقم: ٧٢٩٧، ٧٤٩١، ٧٥٢٠.]]

١٣٠٩٧ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: إنّ الله تعالى ذكره لما خلق السماء والأرض، خلق مئة رحمةٍ، كل رحمة ملء ما بين السماء إلى الأرض. فعنده تسع وتسعون رحمةً، وقسم رحمة بين الخلائق. فبها يتعاطفون، وبها تشرب الوَحْش والطير الماءَ. فإذا كان يوم ذلك، [[في المطبوعة: "فإذا كان يوم القيامة، قصرها"، وأثبت ما في المخطوطة. وأما سائر المراجع فذكرت ما كان في المطبوعة. والذي في المخطوطة جائز، فإن"ذلك" إشارة إلى معهود معروف، وهو يوم القيامة.]] قصرها الله على المتقين، وزادهم تسعًا وتسعين. [[الأثران: ١٣٠٩٧، ١٣٠٩٨ -"داود"، هو"داود بن أبي هند" مضى مرارًا.

و"أبو عثمان"، هو"أبو عثمان النهدي": "عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي"، تابعي ثقة، أدرك الجاهلية. مترجم في التهذيب.]]

١٣٠٩٨- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن أبي عثمان، عن سلمان، نحوه = إلا أن ابن أبي عدي لم يذكر في حديثه:"وبها تشرب الوحش والطير الماء". [[الأثران: ١٣٠٩٧، ١٣٠٩٨ -"داود"، هو"داود بن أبي هند" مضى مرارًا.

و"أبو عثمان"، هو"أبو عثمان النهدي": "عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي النهدي"، تابعي ثقة، أدرك الجاهلية. مترجم في التهذيب.]]

١٣٠٩٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: نجد في التوراة عطفتين: أن الله خلق السماوات والأرض، ثم خلق مئة رحمة = أو: جعل مئة رحمة = قبل أن يخلق الخلق. ثم خلق الخلق، فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة. قال: فبها يتراحمون، وبها يتباذلون، وبها يتعاطفون، وبها يتزاورون، [[في المخطوطة، فوق"يتزاورون"، حرف (ط) ، دلالة على الشك أو الخطأ. ولا أدري ما أراد بذلك، والذي في المخطوطة والمطبوعة، مثله في الدر المنثور.]] وبها تحنُّ الناقة، وبها تثُوجُ البقرة، [[في المطبوعة: "تنئج البقرة"، وفي الدر المنثور: "تنتج البقرة"، وهو خطأ.

والذي في المطبوعة، صواب في المعنى. يقال: "نأج الثور ينئج"، إذا صاح. وأما الذي في المخطوطة، فهو صواب أيضًا، ولذلك أثبته، يقال: "ثاجت البقرة تثاج وتثوج، ثوجًا وثواجًا": صوتت. قال صاحب اللسان: "وقد يهمز، وهو أعرف. إلا أن ابن دريد قال: ترك الهمز أعلى".]] وبها تيعر الشاة، [["يعرت الشاة تيعر يعارًا": صاحت.]] وبها تتَّابع الطير، وبها تتَّابع الحيتان في البحر. [[أنا في شك في قوله"تتابع الطير" و"تتابع الحيتان"، ولكن هكذا هو المطبوعة والمخطوطة، وهو معنى شبيه بالاستقامة. وانظر التعليق التالي.]] فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده. ورحمته أفضل وأوسع.

١٣١٠٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان في قوله:"كتب على نفسه الرحمة"، الآية قال: إنا نجد في التوراة عَطْفتين= ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: [[في المطبوعة: "إلا أنه ما قال"، زاد"ما"، لأنه استشكل عليه الكلام، فإن الذي قاله في هذا الخبر، هو الذي قاله في الخبر السالف. والظاهر والله أعلم أن الأولى كما ضبطتها هناك"تتابع" (بفتح ثم تاء مفتوحة مشددة) وأن هذه الثانية"تتابع" (بفتح التاء الثانية غير مشددة) على حذف إحدى التاءات الثلاث.]] "وبها تَتَابع الطير، وبها تَتَابع الحيتان في البحر". [[الأثران: ١٣٠٩٩، ١٣١٠٠ - خرجهما السيوطي في الدر المنثور ٣: ٦، وقال: "أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سلمان. . ."، وساق الخبر.]]

١٣١٠١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال ابن طاوس، عن أبيه: إن الله تعالى ذكره لما خلق الخلق، لم يعطف شيء على شيء، حتى خلق مئة رحمة، فوضع بينهم رحمة واحدة، فعطف بعضُ الخلق على بعض.

١٣١٠٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، بمثله.

١٣١٠٣ - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، وأخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، حسبته أسنده قال: إذا فرغ الله عز وجلّ من القضاء بين خلقه، أخرج كتابًا من تحت العرش فيه:"إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين"، قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة = أو قال:"مِثلا أهل الجنة"، ولا أعلمه إلا قال:"مثلا"، وأما"مثل" فلا أشك = مكتوبًا ها هنا، وأشار الحكم إلى نحره،"عتقاء الله"، فقال رجل لعكرمة: يا أبا عبد الله، فإن الله يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [سورة المائدة: ٣٧] ؟ قال: ويلك! أولئك أهلها الذين هم أهلها.

١٣١٠٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، حسبت أنه أسنده قال: إذا كان يوم القيامة، أخرج الله كتابًا من تحت العرش = ثم ذكر نحوه، غير أنه قال: فقال رجل: يا أبا عبد الله، أرأيت قوله:"يريدون أن يخرجوا من النار"؟ = وسائر الحديث مثل حديث ابن عبد الأعلى.

١٣١٠٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ:"لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش:"إنّ رحمتي سبقت غضبي". [[الأثر: ١٣١٠٥ - رواه أحمد في مسنده بهذا الإسناد رقم: ٨١١٢، ولفظه: "غلبت غضبي". وانظر تعليق أخي السيد أحمد عليه هناك. وانظر التعليق على الأثر السالف رقم: ١٣٠٩٦.]]

١٣١٠٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن لله مئة رحمة، فأهبط رحمةً إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجن والإنس، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودوابّ الأرض وهوامّها. وما بين الهواء. واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة، اختلج الرحمةَ التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، [["اختلج الشيء": جذبه وانتزعه.]] فحواها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، وعلى أهل الجنة. [[الأثر: ١٣١٠٦ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٦، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.]]

١٣١٠٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: قال عبد الله بن عمرو: إن لله مئة رحمة، أهبط منها إلى الأرض رحمة واحدة، يتراحم بها الجنّ والإنس، والطير والبهائم وهوامُّ الأرض.

١٣١٠٨ - حدثنا محمد بن عوف قال، أخبرنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج قال، حدثنا صفوان بن عمرو قال، حدثني أبو المخارق زهير بن سالم قال، قال عمر لكعب: ما أوَّل شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابًا لم يكتبه بقلم ولا مداد، ولكنه كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت [[هكذا في المطبوعة، وفي الدر المنثور، "يتلوها"، وهي في المخطوطة كذلك، إلا أنها غير منقوطة، وأنا في ريب من أمر هذا الحرف، أخشى أن يكون محرفًا عن شيء آخر لم أتبينه، وإن كان المعنى مستقيما على ضعف فيه.]] "أنا الله لا إله إلا أنا، سبقت رحمتي غضبي". [[الأثر: ١٣١٠٨ -"محمد بن عوف بن سفيان الطائي"، شيخ الطبري مضى، برقم: ٥٤٤٥، ١٢١٩٤.

و"أبو المغيرة": عبد القدوس بن الحجاج الخولاني"، مضى برقم: ١٠٣٧١، ١٢١٩٤.

و"صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي"، مضى برقم: ٧٠٠٩، ١٢٨٠٧.

و"أبو المخارق": "زهير بن سالم العنسي". ذكره ابن حبان في الثقات، "روى له أبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا". وقال الدارقطني: "حمصي، منكر الحديث"، مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٣٩٠، وابن أبي حاتم ١/٢/٥٨٧، وميزان الاعتدال ١: ٣٥٣.

وهذا الخبر، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٦، ولم ينسبه لغير ابن جرير. وهو خبر كما ترى، عن كعب الأحبار، مشوب بما كان من دأبه في ذكر الإسرائليات.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾

قال أبو جعفر: وهذه"اللام" التي في قوله:"ليجمعنكم"، لام قسم.

* *

ثم اختلف أهل العربية في جالبها، فكان بعض نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت"الرحمة" غاية كلام، ثم استأنفت بعدها:"ليجمعنكم". قال: وإن شئت جعلتَه في موضع نصب = يعني: كتب ليجمعنكم = كما قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ [سورة الأنعام: ٥٤] ، يريد: كتب أنه من عمل منكم = قال: والعرب تقول في الحروف التي يصلح معها جوابُ كلام الأيمان ب"أن" المفتوحة وب"اللام"، [[هكذا في المطبوعة والمخطوطة، وهو في معاني القرآن"جواب الأيمان"، وهو الأجود.]] فيقولون:"أرسلت إليه أن يقوم"،"وأرسلت إليه ليقومن". قال: وكذلك قوله: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ، [سورة يوسف: ٣٥] . قال: وهو في القرآن كثير. ألا ترى أنك لو قلت:"بدا لهم أن يسجنوه"، لكان صوابًا؟ [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٨. وهذا نص كلامه.]] وكان بعض نحويي البصرة يقول: نصبت"لام""ليجمعنكم"، لأن معنى:"كتب" [: فرضَ، وأوجب، وهو بمعنى القسم] ، [[الزيادة التي بين القوسين، استظهرتها من سياق التفسير، ليستقيم الكلام. وهي ساقطة من المخطوطة والمطبوعة.]] كأنه قال: والله ليجمعنكم.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن يكون قوله:"كتب على نفسه الرحمة"، غايةً، وأن يكون قوله:"ليجمعنكم"، خبرًا مبتدأ = ويكون معنى الكلام حينئذ: ليجمعنكم الله، أيها العادلون بالله، ليوم القيامة الذي لا ريب فيه، لينتقم منكم بكفركم به.

وإنما قلت: هذا القول أولى بالصواب من إعمال"كتب" في"ليجمعنكم"، لأن قوله:"كتب" قد عمل في الرحمة، فغير جائز، وقد عمل في"الرحمة"، أن يعمل في"ليجمعنكم"، لأنه لا يتعدَّى إلى اثنين.

* *

فإن قال قائل: فما أنت قائل في قراءة من قرأ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ، [سورة الأنعام: ٥٤] بفتح"أنّ"؟

قيل: إن ذلك إذ قرئ كذلك، فإن"أنّ" بيانٌ عن"الرحمة"، وترجمة عنها. لأن معنى الكلام: كتب على نفسه الرحمة أن يرحم [من تاب] من عباده بعد اقتراف السوء بجهالة ويعفو، [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام، استظهرتها من معنى الآية. وانظر ما سيأتي في تفسيرها ص: ٣٩٢، ٣٩٣.]] و"الرحمة"، يترجم عنها ويبيَّن معناها بصفتها. وليس من صفة الرحمة"ليجمعنكم إلى يوم القيامة"، فيكون مبينًا به عنها. فإذ كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا أن تنصب بنية تكرير"كتب" مرة أخرى معه، ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك، فيوجَّه إلى ما ليس بموجود في ظاهره.

وأما تأويل قوله:"لا ريب فيه"، فإنه لا شك فيه، [[انظر تفسير"الريب" فيما سلف ٨: ٥٩٢، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]] يقول: في أنّ الله يجمعكم إلى يوم القيامة، فيحشركم إليه جميعًا، ثم يؤتى كلَّ عامل منكم أجرَ ما عمل من حسن أو سيئ.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"الذين خسروا أنفسهم"، العادلين به الأوثانَ والأصنامَ. يقول تعالى ذكره: ليجمعن الله ="الذين خسروا أنفسهم"، يقول: الذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادعائهم لله الندَّ والعَدِيل، فأوبقوها بإستيجابهم سَخَط الله وأليم عقابه في المعاد. [[في المطبوعة والمخطوطة "بإيجابهم سخط الله" وهو لا يستقيم صوابه ما أثبت.]]

* *

وأصل"الخسار"، الغُبْنُ. يقال منه": خسر الرجل في البيع"، إذا غبن، كما قال الأعشى:

لا يَأخُذُ الرِّشْوَةَ فِي حُكْمِهِ ... وَلا يُبَالِي خَسَرَ الخَاسِر [[ديوانه: ١٠٥، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٧. وهكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة"خسر الخاسر"، ورواية ديوانه وغيره: "غَبَنَ الْخَاسِر" بتحريك الباء بالفتح. والذي نص عليه أصحاب اللغة أن"الغبن" بفتح وسكون، في البيع، وأن"الغبن" (بفتحتين) في الرأي، وهو ضعفه. فكأن ما جاء في رواية ديوان الأعشى، ضرورة، حركت الباء وهي ساكنة إلى الفتح. وأما رواية أبي جعفر، فهي على الصواب يقال: "خسر خسرًا (بفتح فسكون) ، وخسرًا (بفتحتين) ."

وهذا البيت من قصيدته في هجاء علقمة بن علاثة ومدح عامر بن الطفيل، ذكرت خبرها في أبيات سلفت منها ١: ٤٧٤/٢: ١٣١/٥: ٤٧٧، ٤٧٨. وقبل البيت: حَكَّمْتُمُونِي، فَقَضَى بَيْنَكُمْ ... أَبْلَجُ مِثْلُ القَمَرِ البَاهِرِ]]

وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير"الخسار" فيما سلف ١٠: ٤٠٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وموضوع"الذين" في قوله:"الذين خسروا أنفسهم"، نصبٌ على الرد على"الكاف والميم" في قوله:"ليجمعنكم"، على وجه البيان عنها. وذلك أنّ الذين خسروا أنفسهم، هم الذين خوطبوا بقوله:" ليجمعنّكم".

* *

وقوله:"فهم لا يؤمنون"، يقول:"فهم"، لإهلاكهم أنفسهم وغَبْنهم إياه حظَّها ="لا يؤمنون"، أي لا يوحِّدون الله، ولا يصدِّقون بوعده ووعيده، ولا يقرُّون بنبوة محمد ﷺ.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يؤمن هؤلاء العادلون بالله الأوثانَ، فيخلصوا له التوحيد، ويُفْرِدوا له الطاعة، ويقرّوا بالألوهية، جهلا ="وله ما سكن في الليل والنهار"، يقول: وله ملك كل شيء، لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكنٌ في الليل والنهار. فمعلوم بذلك أن معناه ما وصفنا="وهو السميع"، يقول: وهو السميع ما يقول هؤلاء المشركون فيه، من ادّعائهم له شريكًا، وما يقول غيرهم من خلقه [[في المطبوعة: "من خلاف ذلك"، غير ما في المخطوطة بسوء رأيه.]] ="العليم"، بما يضمرونه في أنفسهم، وما يظهارونه بجوارحهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فهو يحصيه عليهم، ليوفّي كل إنسان ثوابَ ما اكتسبَ، وجزاء ما عمل.

* *

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله:"سكن"، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٠٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وله ما سكن في الليل والنهار"، يقول: ما استقرَّ في الليل والنهار.

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ:"قل"، يا محمد، لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثانَ والأصنامَ، والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك، الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان: أشيئًا غيرَ الله تعالى ذكره:"أتخذ وليًّا"، أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث، [[انظر تفسير"الولي" فيما سلف ١٠: ٤٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما:-

١٣١١٠ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قل أغير الله اتخذ وليًّا"، قال: أما"الولي"، فالذي يتولَّونه ويقرّون له بالربوبية.

* *

="فاطر السماوات والأرض"، يقول: أشيئًا غير الله فاطر السماوات والأرض أتخذ وليًّا؟ ف"فاطر السماوات"، من نعت"الله" وصفته، ولذلك خُفِض. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٨، ٣٢٩.]]

ويعني بقوله:"فاطر السماوات والأرض"، مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما، كالذي:-

١٣١١١ - حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما"فاطر السماوات والأرض"، حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه:"أنا فَطَرتها"، يقول: أنا ابتدأتها.

١٣١١٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فاطر السماوات والأرض"، قال: خالق السماوات والأرض.

١٣١١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فاطر السماوات والأرض"، قال: خالق السماوات والأرض.

* *

يقال من ذلك:"فطرها الله يَفطُرُها وَيفطِرها فَطرًا وفطورًا" [[هذه العبارة عن معنى"فطر"، فاسدة جدًا، ولا شك عندي في أن الكلام قد سقط منه شيء، فتركته على حاله، مخافة أن يكون في نص أبي جعفر شيء لم تقيده كتب اللغة. ومن شاء أن يستوفي ذلك، فليراجع كتب اللغة.]] = ومنه قوله: هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [سورة الملك: ٣] ، يعني: شقوقًا وصدوعًا. يقال:"سيف فُطارٌ"، إذا كثر فيه التشقق، وهو عيب فيه، ومنه قول عنترة:

وَسَيْفِي كَالْعَقِيقَةِ فَهْوَ كِمْعِي، ... سِلاحِي، لا أَفَلَّ وَلا فُطَارَا [[ديوانه، في أشعار الستة الجاهلين: ٣٨٤، وأمالي ابن الشجري ١: ١٩، واللسان (فطر) (عقق) (كمع) (فلل) ، من أبياته التي قالها وتهدد بها عمارة بن زياد العبسي، وكان يحسد عنترة على شجاعته، ويظهر تحقيره، ويقول لقومه بني عبس: "إنكم قد أكثرتم من ذكره، ولوددت أني لقيته خاليا حتى أريحكم منه، وحتى أعلمكم أنه عبد"! فقال عنترة: أحَوْلِي تَنْفُضُ اسْتُكَ مِذْرَوَيهَا ... لِتَقْتُلَنِي؟ فَهَا أنَا ذَا، عُمَارَا!

مَتَى ما تَلْقَنِى خِلْوَينَ، تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطَارَا

وَسَيْفِي صَارِمٌ قَبَضَتْ عَلَيْهِ ... أشَاجِعُ لا تَرَى فِيهَا انْتِشَارَا

وسَيْفِي كالعَقِيقِة. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و"العقيقة": شقة البرق، وهو ما انعق منه، أي: تشقق. و"الكمع" و"الكميع" الضجيع. و"الأفل": الذي قد أصابه الفل، وهو الثلم في حده.]] ومنه يقال:"فَطَر ناب الجمل"، إذا تشقق اللحم فخرج، ومنه قوله: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [سورة الشورى: ٥] ، أي: يتشققن، ويتصدعن.

* *

وأما قوله:"وهو يطعم ولا يطعم"، فإنه يعني: وهو يرزق خلقه ولا يرزق، كما:-

١٣١١٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:" وهو يطعم ولا يطعم"، قال: يَرْزق، ولا يُرزق.

* *

وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: [[في المطبوعة والمخطوطة: "أنه كان يقول ذلك"، وهو خلط شديد، صواب قراءته ما أثبت. وهذه القراء التالية، ذكرها ابن خالويه في شواذ القراءات: ٣٦، ونسبها إلى الأعمش، وذكرها أبو حيان في تفسيره ٤: ٨٥، ٨٦، ونسبها أيضًا إلى مجاهد وابن جبير، وأبي حيوة، وعمرو بن عبيد، وأبي عمرو، في رواية عنه.]] ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يَطْعَمُ﴾ ، أي: أنه يُطعم خلقه، ولا يأكل هو = ولا معنى لذلك، لقلة القراءة به.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ:"قل"، يا محمد، للذين يدعونك إلى اتخاذ الآلهة أولياء من دون الله، ويحثّونك على عبادتها: أغير الله فاطر السماوات والأرض، وهو يرزقني وغيري ولا يرزقه أحد، أتخذ وليًّا هو له عبد مملوك وخلق مخلوق؟ وقل لهم أيضًا: إني أمرني ربي:"أن أكون أول من أسلم" يقول: أوّل من خضع له بالعبودية، وتذلّل لأمره ونهيه، وانقاد له من أهل دهرِي وزماني ="ولا تكوننَّ من المشركين"، يقول: وقل: وقيل لي: لا تكونن من المشركين بالله، الذين يجعلون الآلهة والأنداد شركاء.

= وجعل قوله:"أمرت" بدلا من:"قيل لي"، لأن قوله"أمرت" معناه:"قيل لي". فكأنه قيل: قل إني قيل لي: كن أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين= فاجتزئ بذكر"الأمر" من ذكر"القول"، إذ كان"الأمر"، معلومًا أنه"قول".

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المشركين العادلين بالله، الذين يدعونك إلى عبادة أوثانهم: إنّ ربي نهاني عن عبادة شيء سواه ="وإني أخاف إن عصيت ربي"، فعبدتها ="عذاب يوم عظيم"، يعني: عذاب يوم القيامة. ووصفه تعالى ب"العظم" لعظم هَوْله، وفظاعة شأنه.

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ:"قل"، يا محمد، لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثانَ والأصنامَ، والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك، الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان: أشيئًا غيرَ الله تعالى ذكره:"أتخذ وليًّا"، أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث، [[انظر تفسير"الولي" فيما سلف ١٠: ٤٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما:-

١٣١١٠ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قل أغير الله اتخذ وليًّا"، قال: أما"الولي"، فالذي يتولَّونه ويقرّون له بالربوبية.

* *

="فاطر السماوات والأرض"، يقول: أشيئًا غير الله فاطر السماوات والأرض أتخذ وليًّا؟ ف"فاطر السماوات"، من نعت"الله" وصفته، ولذلك خُفِض. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٨، ٣٢٩.]]

ويعني بقوله:"فاطر السماوات والأرض"، مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما، كالذي:-

١٣١١١ - حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما"فاطر السماوات والأرض"، حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه:"أنا فَطَرتها"، يقول: أنا ابتدأتها.

١٣١١٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فاطر السماوات والأرض"، قال: خالق السماوات والأرض.

١٣١١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فاطر السماوات والأرض"، قال: خالق السماوات والأرض.

* *

يقال من ذلك:"فطرها الله يَفطُرُها وَيفطِرها فَطرًا وفطورًا" [[هذه العبارة عن معنى"فطر"، فاسدة جدًا، ولا شك عندي في أن الكلام قد سقط منه شيء، فتركته على حاله، مخافة أن يكون في نص أبي جعفر شيء لم تقيده كتب اللغة. ومن شاء أن يستوفي ذلك، فليراجع كتب اللغة.]] = ومنه قوله: هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [سورة الملك: ٣] ، يعني: شقوقًا وصدوعًا. يقال:"سيف فُطارٌ"، إذا كثر فيه التشقق، وهو عيب فيه، ومنه قول عنترة:

وَسَيْفِي كَالْعَقِيقَةِ فَهْوَ كِمْعِي، ... سِلاحِي، لا أَفَلَّ وَلا فُطَارَا [[ديوانه، في أشعار الستة الجاهلين: ٣٨٤، وأمالي ابن الشجري ١: ١٩، واللسان (فطر) (عقق) (كمع) (فلل) ، من أبياته التي قالها وتهدد بها عمارة بن زياد العبسي، وكان يحسد عنترة على شجاعته، ويظهر تحقيره، ويقول لقومه بني عبس: "إنكم قد أكثرتم من ذكره، ولوددت أني لقيته خاليا حتى أريحكم منه، وحتى أعلمكم أنه عبد"! فقال عنترة: أحَوْلِي تَنْفُضُ اسْتُكَ مِذْرَوَيهَا ... لِتَقْتُلَنِي؟ فَهَا أنَا ذَا، عُمَارَا!

مَتَى ما تَلْقَنِى خِلْوَينَ، تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطَارَا

وَسَيْفِي صَارِمٌ قَبَضَتْ عَلَيْهِ ... أشَاجِعُ لا تَرَى فِيهَا انْتِشَارَا

وسَيْفِي كالعَقِيقِة. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و"العقيقة": شقة البرق، وهو ما انعق منه، أي: تشقق. و"الكمع" و"الكميع" الضجيع. و"الأفل": الذي قد أصابه الفل، وهو الثلم في حده.]] ومنه يقال:"فَطَر ناب الجمل"، إذا تشقق اللحم فخرج، ومنه قوله: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [سورة الشورى: ٥] ، أي: يتشققن، ويتصدعن.

* *

وأما قوله:"وهو يطعم ولا يطعم"، فإنه يعني: وهو يرزق خلقه ولا يرزق، كما:-

١٣١١٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:" وهو يطعم ولا يطعم"، قال: يَرْزق، ولا يُرزق.

* *

وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: [[في المطبوعة والمخطوطة: "أنه كان يقول ذلك"، وهو خلط شديد، صواب قراءته ما أثبت. وهذه القراء التالية، ذكرها ابن خالويه في شواذ القراءات: ٣٦، ونسبها إلى الأعمش، وذكرها أبو حيان في تفسيره ٤: ٨٥، ٨٦، ونسبها أيضًا إلى مجاهد وابن جبير، وأبي حيوة، وعمرو بن عبيد، وأبي عمرو، في رواية عنه.]] ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يَطْعَمُ﴾ ، أي: أنه يُطعم خلقه، ولا يأكل هو = ولا معنى لذلك، لقلة القراءة به.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ:"قل"، يا محمد، للذين يدعونك إلى اتخاذ الآلهة أولياء من دون الله، ويحثّونك على عبادتها: أغير الله فاطر السماوات والأرض، وهو يرزقني وغيري ولا يرزقه أحد، أتخذ وليًّا هو له عبد مملوك وخلق مخلوق؟ وقل لهم أيضًا: إني أمرني ربي:"أن أكون أول من أسلم" يقول: أوّل من خضع له بالعبودية، وتذلّل لأمره ونهيه، وانقاد له من أهل دهرِي وزماني ="ولا تكوننَّ من المشركين"، يقول: وقل: وقيل لي: لا تكونن من المشركين بالله، الذين يجعلون الآلهة والأنداد شركاء.

= وجعل قوله:"أمرت" بدلا من:"قيل لي"، لأن قوله"أمرت" معناه:"قيل لي". فكأنه قيل: قل إني قيل لي: كن أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين= فاجتزئ بذكر"الأمر" من ذكر"القول"، إذ كان"الأمر"، معلومًا أنه"قول".

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المشركين العادلين بالله، الذين يدعونك إلى عبادة أوثانهم: إنّ ربي نهاني عن عبادة شيء سواه ="وإني أخاف إن عصيت ربي"، فعبدتها ="عذاب يوم عظيم"، يعني: عذاب يوم القيامة. ووصفه تعالى ب"العظم" لعظم هَوْله، وفظاعة شأنه.

القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والبصرة: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ، بضم"الياء" وفتح"الراء"، بمعنى: من يُصرف عنه العذاب يومئذ.

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ﴾ ، بفتح"الياء" وكسر"الراء"، بمعنى: من يصرف الله عنه العذاب يومئذ.

* *

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي، قراءة من قرأه: ﴿يَصْرِفْ عَنْهُ﴾ ، بفتح"الياء" وكسر"الراء"، لدلالة قوله:"فقد رحمه" على صحة ذلك، وأنّ القراءة فيه بتسمية فاعله. ولو كانت القراءة في قوله:"من يصرف"، على وجه ما لم يسمَّ فاعله، كان الوجه في قوله:"فقد رحمه" أن يقال:"فقد رُحِم" غير مسمى فاعله. وفي تسمية الفاعل في قوله:" فقد رحمه"، دليل بيِّن على أن ذلك كذلك في قوله:"من يَصرف عنه".

* *

وإذا كان ذلك هو الوجه الأولَى بالقراءة، فتأويل الكلام: منْ يصرف عنه من خلقه يومئذ عذابه فقد رحمه ="وذلك هو الفوز المبين"، ويعني بقوله:"وذلك"، وصرفُ الله عنه العذاب يوم القيامة، ورحمته إياه ="الفوز"، أي: النجاة من الهلكة، والظفر بالطلبة [[انظر تفسير"الفوز" فيما سلف ص: ٢٤٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="المبين"، يعني الذي بيَّن لمن رآه أنه الظفر بالحاجة وإدراك الطَّلِبة. [[انظر تفسير"مبين" فيما سلف ص: ٢٦٥، تعليق ٣، والمراجع هناك.]]

وبنحو الذي قلنا في قوله:"من يصرف عنه يومئذ" قال أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

١٣١١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله"من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه"، قال: من يصرف عنه العذاب.

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، إن يصبك الله [[انظر تفسير"المس" فيما سلف ١٠: ٤٨٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ="بضر"، يقول: بشدة في دنياك، وشظَف في عيشك وضيق فيه، [[انظر تفسير"الضر" فيما سلف ٧: ١٥٧/١٠: ٣٣٤.]] فلن يكشف ذلك عنك إلا الله الذي أمرك أن تكون أوّل من أسلم لأمره ونهيه، وأذعن له من أهل زمانك، دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته من الأوثان والأصنام، ودون كل شيء سواها من خلقه ="وإن يمسسك بخير"، يقول: وإن يصبك بخير، أي: برخاء في عيش، وسعة في الرزق، وكثرة في المال، فتقرّ أنه أصابك بذلك ="فهو على كل شيء قدير"، يقول تعالى ذكره: والله الذي أصابك بذلك، فهو على كل شيء قدير [[انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة (قدر) .]] هو القادر على نفعك وضرِّك، وهو على كل شيء يريده قادر، لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه، ليس كالآلهة الذليلة المَهينة التي لا تقدر على اجتلاب نفع على أنفسها ولا غيرها، ولا دفع ضر عنها ولا غيرها. يقول تعالى ذكره: فكيف تعبد من كان هكذا، أم كيف لا تخلص العبادة، وتقرُّ لمن كان بيده الضر والنفع، والثواب والعقاب، وله القدرة الكاملة، والعزة الظاهرة؟

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وهو"، نفسَه، يقول: والله الظاهر فوق عباده [[في المطبوعة: "والله القاهر"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب في التفسير.]] = ويعني بقوله:"القاهر"، المذلِّل المستعبد خلقه، العالي عليهم. وإنما قال:"فوق عباده"، لأنه وصف نفسه تعالى ذكره بقهره إياهم. ومن صفة كلّ قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه.

فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عبادَه، المذلِّلهم، العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه ="وهو الحكيم"، يقول: والله الحكيم في علِّوه على عباده، وقهره إياهم بقدرته، وفي سائر تدبيره [[انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .]] ="الخبير"، بمصالح الأشياء ومضارِّها، الذي لا يخفي عليه عواقب الأمور وبواديها، ولا يقع في تدبيره خلل، ولا يدخل حكمه دَخَل. [[انظر تفسير (الخبير" فيما سلف من فهارس اللغة (خبر) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يكذّبون ويجحدون نبوَّتك من قومك: أيُّ شيء أعظم شهادة وأكبر؟ ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة:"الله"، الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في [شهادة] غيره من خلقه من السهو والخطأ، والغلط والكذب. [[الزيادة بين القوسين لا بد منها للسياق.]] ثم قل لهم: إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة، شهيدٌ بيني وبينكم، بالمحقِّ منا من المبطل، والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه، وقد رضينا به حكمًا بيننا.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

١٣١١٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"أيّ شيء أكبر شهادة"، قال: أمر محمد أن يسأل قريشًا، ثم أمر أن يخبرهم فيقول:"الله شهيد بيني وبينكم".

١٣١١٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك:"الله شهيد بيني وبينكم" ="وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به" عقابَه، وأُنذر به من بَلَغه من سائر الناس غيركم = إن لم ينته إلى العمل بما فيه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والإيمان بجميعه = نزولَ نقمة الله به. [[قوله: "نزول" منصوب، مفعول به لقوله قبله: "وأنذر به من بلغه". = وانظر تفسير"الوحي" فيما سلف ص: ٢١٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣١١٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أيّ شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ"، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: يا أيها الناس، بلِّغوا ولو آية من كتاب الله، فإنه من بَلَغه آيةٌ من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله، أخذه أو تركه. [[في المخطوطة: "أخذه أو تاركه"، وجائر أن تقرأ: "آخذه أو تاركه".]]

١٣١١٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لأنذركم به ومن بلغ"، أن النبي ﷺ قال: بلِّغوا عن الله، فمن بلغه آيه من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله.

١٣١٢٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي:"لأنذركم به ومن بلغ"، قال: من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي ﷺ. ثم قرأ:"ومن بلغ أئنكم لتشهدون".

١٣١٢١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن بن صالح قال: سألت ليثًا: هل بقي أحدٌ لم تبلغه الدعوة؟ قال: كان مجاهد يقول: حيثما يأتي القرآنُ فهو داعٍ، وهو نذير. ثم قرأ:"لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون".

١٣١٢٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن بلغ"، من أسلم من العجم وغيرهم.

١٣١٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٣١٢٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا خالد بن يزيد قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب في قوله:"لأنذركم به ومن بلغ"، قال: من بلغه القرآن، فقد أبلغه محمد ﷺ.

١٣١٢٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به"، يعني أهل مكة ="ومن بلغ"، يعني: ومن بلغه هذا القرآن، فهو له نذير.

١٣١٢٦- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت سفيان الثوري يحدّث، لا أعلمه إلا عن مجاهد: أنه قال في قوله:"وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به"، العرب ="ومن بلغ"، العجم.

١٣١٢٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لأنذركم به ومن بلغ"، أما"من بلغ"، فمن بلغه القرآن فهو له نذير.

١٣١٢٨ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ"، قال يقول: من بلغه القرآن فأنا نذيره. وقرأ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [سورة الأعراف: ١٥٨] . قال: فمن بلغه القرآن، فرسول الله ﷺ نذيره.

* *

قال أبو جعفر: فمعنى هذا الكلام: لأنذركم بالقرآن، أيها المشركون، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم.

* *

ف"من" في موضع نصب بوقوع"أنذر" عليه،"وبلغ" في صلته، وأسقطت"الهاء" العائدة على"من" في قوله:"بلغ"، لاستعمال العرب ذلك في صلات"مَن" و"ما" و"الذي". [[انظر معاني القرآن ١: ٣٢٩.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المشركين، الجاحدين نبوَّتك، العادلين بالله، ربًّا غيره:"أئنكم"، أيها المشركون ="لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى"، يقول: تشهدون أنّ معه معبودات غيره من الأوثانَ والأصنام.

* *

وقال:"أُخْرَى"، ولم يقل"أخَر"، و"الآلهة" جمع، لأن الجموع يلحقها، التأنيث، [[انظر تفسير"أخرى" فيما سلف ٣: ٤٥٩/٦: ١٧٣.]] كما قال تعالى: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى [سورة طه: ٥١] ، ولم يقل:"الأوَل" ولا"الأوَّلين". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٩.]]

* *

ثم قال لنبيه محمد ﷺ:"قل"، يا محمد ="لا أشهد"، بما تشهدون: أن مع الله آلهة أخرى، بل أجحد ذلك وأنكره ="قل إنما هو إله واحد"، يقول: إنما هو معبود واحد، لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة ="وإنني برئ مما تشركون"، يقول: قل: وإنني بريء من كلّ شريك تدعونه لله، وتضيفونه إلى شركته، وتعبدونه معه، لا أعبد سوى الله شيئًا، ولا أدعو غيره إلهًا.

* *

وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود بأعيانهم، من وجه لم تثبت صحته، وذلك ما:-

١٣١٢٩ - حدثنا به هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال، جاء النحَّام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحريّ بن عمير فقالوا: يا محمد، ما تعلم مع الله إلهًا غيرَه؟ فقال رسول الله ﷺ: لا إله إلا الله، بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو! فأنزل الله تعالى فيهم وفي قولهم:"قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم" إلى قوله:"لا يؤمنون". [[الأثر: ١٣١٢٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٧، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٢٢٨٤.هذا، وقد مر هذا الإسناد مئات من المرات، وهو إسناد أبي جعفر إلى ابن إسحق، ثم من ابن إسحق إلى ابن عباس، وهذه أول مرة يذكر أبو جعفر أن هذا الإسناد لم تثبت صحته عنده، كما قدم قبل ذكره.]]

القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين"آتيناهم الكتاب"، التوراة والإنجيل = يعرفون أنما هو إله واحد =، لا جماعة الآلهة، وأن محمدًا نبيُّ مبعوث ="كما يعرفون أبناءهم".

وقوله:"الذين خسروا أنفسهم"، من نعت"الذين" الأولى.

* *

ويعنى بقوله:"خسروا أنفسهم"، أهلكوها وألقوها في نار جهنم، بإنكارهم محمدًا أنه لله رسول مرسل، وهم بحقيقة ذلك عارفون [[انظر تفسير"خسر" فيما سلف قريبًا ص: ٢٨١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="فهم لا يؤمنون"، يقول: فهم بخسارتهم بذلك أنفسهم لا يؤمنون.

* *

وقد قيل: إنّ معنى"خسارتهم أنفسهم"، أن كل عبد له منزل في الجنة ومنزل في النار. فإذا كان يوم القيامة، جعل الله لأهل الجنة منازلَ أهل النار في الجنة، وجعل لأهل النار منازلَ أهل الجنة في النار، فذلك خسران الخاسرين منهم، لبيعهم منازلهم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار، بما فرط منهم في الدنيا من معصيتهم الله، وظلمهم أنفسهم، وذلك معنى قول الله تعالى ذكره: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، [سورة المؤمنون: ١١] . [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٩، ٢٣٠.]]

* *

وبنحو ما قلنا في معنى قوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم" قال أهل التأويل. [[انظر تأويل نظيرة هذه الآية فيما سلف ٣: ١٨٧، ١٨٨، [سورة: البقرة ١٤٦] .]]

ذكر من قال ذلك:

١٣١٣٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، يعرفون أنّ الإسلام دين الله، وأن محمدًا رسول الله، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

١٣١٣١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، النصارى واليهود، يعرفون رسول الله في كتابهم، كما يعرفون أبناءهم.

١٣١٣٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، [يعني: النبي ﷺ: [[الأثر: ١٣١٣٢ - هذا الأثر مبتور في المطبوعة والمخطوطة، والزيادة بين القوسين من الدر المنثور ٣: ٨، من تفسير السدي، من رواية أبي الشيخ، والظاهر أن هذا النقص قديم في نسخ تفسير أبي جعفر، وأن نسخة السيوطي، كانت مبتورة هنا أيضًا، ولذلك لم ينسب هذا الأثر إلا إلى أبي الشيخ وحده، دون ابن جرير.]] ="كما يعرفون أبناءهم"، لأن نَعْته معهم في التوراة] .

١٣١٣٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، يعني النبي ﷺ. قال: زعم أهل المدينة عن أهل الكتاب ممن أسلم، أنهم قالوا: والله لنحن أعرف به من أبنائنا، من أجل الصفة والنعت الذي نجده في الكتاب، وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدثَ النساء! [[يعني: لا يدرون أسلم لهم أبناؤهم من أصلابهم، أم خالطهم سفاح من سفاحهن! وانظر رواية ذلك في خبر عمر بن الخطاب، وسؤاله عبد الله بن سلام، والله أعلم بصحيح ذلك = في معاني القرآن للفراء ١: ٣٢٩.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أشدُّ اعتداءً، وأخطأ فعلا وأخطأ قولا ="ممن افترى على الله كذبًا"، يعني: ممن اختلق على الله قيلَ باطل، [[انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: ١٣٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] واخترق من نفسه عليه كذبًا، [["اخترق" و"اختلق" و"افترى": ابتدع الكذب، وفي التنزيل: "وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون" (الأنعام: ١٠٠) .]] فزعم أن له شريكًا من خلقه، وإلهًا يعبد من دونه - كما قاله المشركون من عبدة الأوثان - أو ادعى له ولدًا أو صاحبةً، كما قالته النصارى ="أو كذب بآياته"، يقول: أو كذب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم، كذّبت بها اليهود [[انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] ="إنه لا يفلح الظالمون"، يقول: إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل، ولا يدركون البقاءَ في الجنان، والمفترون عليه الكذب، والجاحدون بنبوة أنبيائه. [[انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف ص: ٩٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المفترين على الله كذبًا، والمكذبين بآياته، لا يفلحون اليومَ في الدنيا، ولا يوم نحشرهم جميعًا- يعني: ولا في الآخرة.

ففي الكلام محذوف قد استغني بذكر ما ظَهر عما حذف.

* *

وتأويل الكلام: إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا،"ويوم نحشرهم جميعًا"، فقوله:"ويوم نحشرهم"، مردود على المراد في الكلام. لأنه وإن كان محذوفًا منه، فكأنه فيه، لمعرفة السامعين بمعناه =" ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم"، يقول: ثم نقول، إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا، والمكذِّبين بآياته ورسله، فجمعنا جميعهم يوم القيامة [[انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: ٨٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"، أنهم لكم آلهة من دون الله، افتراء وكذبًا، وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين!

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم:"أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"؟ = إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك، إذ فتناهم فاختبرناهم، [[انظر تفسيره"الفتنة" فيما سلف ١٠: ٤٧٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] "إلا أن قالوا والله ربّنا ما كنا مشركين"، كذبًا منهم في أيمانهم على قِيلهم ذلك.

* *

ثم اختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة من قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ بالتاء، بالنصب، [[في المطبوعة، حذف قوله: "بالتاء"، لغير طائل.]] بمعنى: لم يكن اختبارَناهم لهم إلا قيلُهم [[في المطبوعة: "اختبارنا لهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو فصيح العربية.]] "والله ربنا ما كنا مشركين" = غير أنهم يقرءون"تكن" بالتاء على التأنيث. وإن كانت للقول لا للفتنة، لمجاورته الفتنة، وهي خبر. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٨.]] وذلك عند أهل العربية شاذٌ غير فصيح في الكلام. وقد روي بيتٌ للبيد بنحو ذلك، وهو قوله:

فَمَضَى وَقَدَّمَهَا، وكانت عادةً ... مِنْهُ إذا هيَ عَرَّدَتْ إقْدَامُهَا [[من معلقته الباهرة. وانظر ما قاله ابن الشجري في الآية والبيت في أماليه ١: ١٣٠.

والضمير في قوله: "فمضى" إلى حمار الوحش، وفي قوله: "وقدمها" إلى أتنه التي يسوقها إلى الماء.

و"عردت": فرت، وعدلت عن الطريق التي وجهها إليها. وشعر لبيد لا يفصل بعضه عن بعض في هذه القصيدة، فلذلك لم أذكر ما قبله وما بعده. فراجع معلقته.]]

فقال:"وكانت" بتأنيث"الإقدام"، لمجاورته قوله:"عادة".

* *

وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ﴾ بالياء، ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ بالنصب، ﴿إلا أَنْ قَالُوا﴾ ، بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم.

غير أنهم ذكَّروا"يكون" لتذكير"أن". [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٨.]]

قال أبو جعفر: وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب، لأن"أنْ" أثبت في المعرفة من"الفتنة". [[أغفل أبو جعفر قراءة الرقع في"فتنتهم"، وهي قراءتنا في مصحفنا، قراءة حفص. وأنا أرجح أن أبا جعفر أغفلها متعمدًا، وقد استوفى الكلام في هذه الآية ونظائرها فيما سلف ٧: ٢٧٣-٢٧٥. وانظر تفسير أبي حيان ٤: ٩٥.]]

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"ثم لم تكن فتنتهم".

فقال بعضهم: معناه: ثم لم يكن قولهم.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة في قوله:"ثم لم تكن فتنتهم"، قال: مقالتهم = قال معمر: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم.

١٣١٣٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله:"ثم لم تكن فتنتهم"، قال: قولهم.

١٣١٣٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا"، الآية، فهو كلامهم ="قالوا والله ربنا ما كنا مشركين".

١٣١٣٧ - حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك:"ثم لم تكن فتنتهم"، يعني: كلامهم.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: معذرتهم.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٣٨ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة:"ثم لم تكن فتنتهم"، قال: معذرتهم.

١٣١٣٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين"، يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارًا مما سلف منهم من الشرك بالله ="إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين"، فوضعت"الفتنة" موضع"القول"، لمعرفة السامعين معنى الكلام. = وإنما"الفتنة"، الاختبار والابتلاء [[انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف قريبًا ص ٢٩٧، رقم: ٢، والمراجع هناك.]] = ولكن لما كان الجواب من القوم غيرَ واقع هنالك إلا عند الاختبار، وضعت"الفتنة" التي هي الاختبار، موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم.

* *

واختلفت القرأة أيضًا في قراءة قوله:"إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين".

فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: وَاللَّهِ رَبِّنَا، خفضًا، على أن"الرب" نعت لله.

* *

وقرأ ذلك جماعة من التابعين: ﴿وَاللهِ رَبَّنَا﴾ ، بالنصب، بمعنى: والله يا ربنا. وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣٠.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿وَاللهِ رَبَّنَا﴾ ، بنصب"الرب"، بمعنى: يا ربَّنا. وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم:"أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"؟ وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين = فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى ذكره لمحمد ﷺ: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ.

* *

ويعني بقوله:"ما كنا مشركين"، ما كنا ندعو لك شريكًا، ولا ندعو سواك. [[انظر ما سلف رقم: ٩٥٢٠ - ٩٥٢٢ (ج ٨: ٣٧٣، ٣٧٤) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المفترين على الله كذبًا، والمكذبين بآياته، لا يفلحون اليومَ في الدنيا، ولا يوم نحشرهم جميعًا- يعني: ولا في الآخرة.

ففي الكلام محذوف قد استغني بذكر ما ظَهر عما حذف.

* *

وتأويل الكلام: إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا،"ويوم نحشرهم جميعًا"، فقوله:"ويوم نحشرهم"، مردود على المراد في الكلام. لأنه وإن كان محذوفًا منه، فكأنه فيه، لمعرفة السامعين بمعناه =" ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم"، يقول: ثم نقول، إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا، والمكذِّبين بآياته ورسله، فجمعنا جميعهم يوم القيامة [[انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: ٨٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"، أنهم لكم آلهة من دون الله، افتراء وكذبًا، وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين!

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم:"أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"؟ = إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك، إذ فتناهم فاختبرناهم، [[انظر تفسيره"الفتنة" فيما سلف ١٠: ٤٧٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] "إلا أن قالوا والله ربّنا ما كنا مشركين"، كذبًا منهم في أيمانهم على قِيلهم ذلك.

* *

ثم اختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة من قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ بالتاء، بالنصب، [[في المطبوعة، حذف قوله: "بالتاء"، لغير طائل.]] بمعنى: لم يكن اختبارَناهم لهم إلا قيلُهم [[في المطبوعة: "اختبارنا لهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو فصيح العربية.]] "والله ربنا ما كنا مشركين" = غير أنهم يقرءون"تكن" بالتاء على التأنيث. وإن كانت للقول لا للفتنة، لمجاورته الفتنة، وهي خبر. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٨.]] وذلك عند أهل العربية شاذٌ غير فصيح في الكلام. وقد روي بيتٌ للبيد بنحو ذلك، وهو قوله:

فَمَضَى وَقَدَّمَهَا، وكانت عادةً ... مِنْهُ إذا هيَ عَرَّدَتْ إقْدَامُهَا [[من معلقته الباهرة. وانظر ما قاله ابن الشجري في الآية والبيت في أماليه ١: ١٣٠.

والضمير في قوله: "فمضى" إلى حمار الوحش، وفي قوله: "وقدمها" إلى أتنه التي يسوقها إلى الماء.

و"عردت": فرت، وعدلت عن الطريق التي وجهها إليها. وشعر لبيد لا يفصل بعضه عن بعض في هذه القصيدة، فلذلك لم أذكر ما قبله وما بعده. فراجع معلقته.]]

فقال:"وكانت" بتأنيث"الإقدام"، لمجاورته قوله:"عادة".

* *

وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ﴾ بالياء، ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾ بالنصب، ﴿إلا أَنْ قَالُوا﴾ ، بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم.

غير أنهم ذكَّروا"يكون" لتذكير"أن". [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٨.]]

قال أبو جعفر: وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب، لأن"أنْ" أثبت في المعرفة من"الفتنة". [[أغفل أبو جعفر قراءة الرقع في"فتنتهم"، وهي قراءتنا في مصحفنا، قراءة حفص. وأنا أرجح أن أبا جعفر أغفلها متعمدًا، وقد استوفى الكلام في هذه الآية ونظائرها فيما سلف ٧: ٢٧٣-٢٧٥. وانظر تفسير أبي حيان ٤: ٩٥.]]

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"ثم لم تكن فتنتهم".

فقال بعضهم: معناه: ثم لم يكن قولهم.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة في قوله:"ثم لم تكن فتنتهم"، قال: مقالتهم = قال معمر: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم.

١٣١٣٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله:"ثم لم تكن فتنتهم"، قال: قولهم.

١٣١٣٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا"، الآية، فهو كلامهم ="قالوا والله ربنا ما كنا مشركين".

١٣١٣٧ - حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك:"ثم لم تكن فتنتهم"، يعني: كلامهم.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: معذرتهم.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٣٨ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة:"ثم لم تكن فتنتهم"، قال: معذرتهم.

١٣١٣٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين"، يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارًا مما سلف منهم من الشرك بالله ="إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين"، فوضعت"الفتنة" موضع"القول"، لمعرفة السامعين معنى الكلام. = وإنما"الفتنة"، الاختبار والابتلاء [[انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف قريبًا ص ٢٩٧، رقم: ٢، والمراجع هناك.]] = ولكن لما كان الجواب من القوم غيرَ واقع هنالك إلا عند الاختبار، وضعت"الفتنة" التي هي الاختبار، موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم.

* *

واختلفت القرأة أيضًا في قراءة قوله:"إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين".

فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: وَاللَّهِ رَبِّنَا، خفضًا، على أن"الرب" نعت لله.

* *

وقرأ ذلك جماعة من التابعين: ﴿وَاللهِ رَبَّنَا﴾ ، بالنصب، بمعنى: والله يا ربنا. وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣٠.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿وَاللهِ رَبَّنَا﴾ ، بنصب"الرب"، بمعنى: يا ربَّنا. وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم:"أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون"؟ وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين = فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى ذكره لمحمد ﷺ: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ.

* *

ويعني بقوله:"ما كنا مشركين"، ما كنا ندعو لك شريكًا، ولا ندعو سواك. [[انظر ما سلف رقم: ٩٥٢٠ - ٩٥٢٢ (ج ٨: ٣٧٣، ٣٧٤) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: انظر، يا محمد، فاعلم، كيف كذَب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثانَ والأصنامَ، في الآخرة عند لقاء الله = على أنفسهم بقيلهم:"والله يا ربنا ما كنا مشركين"، واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها يتخلّقون في الدنيا، [[في المطبوعة: "بها متخلقين"، وفي المخطوطة: "بها متخلقون"، وهذا صواب قراءتها.]] من الكذب والفرية.

* *

ومعنى"النظر" في هذا الموضع، النظر بالقلب، لا النظر بالبصر. وإنما معناه: تبين فاعلم كيف كذبوا في الآخرة.

* *

وقال:"كذبوا"، ومعناه: يكذبون، لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها، صار كالشيء الذي قد كانَ ووُجد.

* *

="وضل عنهم ما كانوا يفترون"، يقول: وفارقهم الأنداد والأصنام، وتبرءوا منها، فسلكوا غير سبيلها، لأنها هلكت، [وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتراء] ، [[هكذا جاء في المطبوعة ما وضعته بين القوسين، وهو في المخطوطة: "وعبدوا الذين كانوا يعبدونها إصرا"، غير منقوطة. ولم أهتد إلى الصواب، وأخشى أن يكون سقط من الكلام سطر أو بعضه، فلذلك آثرت أن أضع ما في المطبوعة بين قوسين، ولأني في ريبة من أمره.]] ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله، وعبادتهم إياها، وإشراكهم إياها في سلطان الله، فضلت عنهم، وعوقب عابدُوها بفريتهم.

* *

وقد بينا فيما مضى أن معنى"الضلال"، الأخذ على غير الهدى. [[انظر تفسير"الضلال" فيما سلف ١٠: ١٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سَعةَ رحمة الله يومئذ.

ذكر الرواية بذلك:

١٣١٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو، عن مطرّف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: أتى رجلٌ ابنَ عباس فقال: سمعت الله يقول:"والله ربنا ما كنا مشركين"، [[في المطبوعة: "أتى رجل ابن عباس فقال، قال الله: والله ربنا. . ."، أما المخطوطة ففيها خرم، كان فيها: "أتى رجل ابن عباس وقال في آية أخرى"، ولذلك تصرف ناشر المطبوعة. والذي أثبته هو الصواب، وهو نص الأثر الذي رواه أبو جعفر قديمًا، كما سيأتي في التخريج. وقد صححت حروفًا في هذا الخبر من الأثر السالف ولم أشر إليها هنا.]] وقال في آية أخرى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، [سورة النساء: ٤٢] ؟ قال ابن عباس: أما قوله:"والله ربنا ما كنا مشركين"، فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام: قالوا:"تعالوا نجحد"، فقالوا:"والله ربنا ما كنا مشركين"، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم،"ولا يكتمون الله حديثًا". [[الأثر: ١٣١٤٠ - مضى هذا الخبر برقم: ٩٥٢٠ (ج ٨: ٣٧٣) .هذا وقد اختصر أبو جعفر أخبار ابن عباس هذه، فإنه روى هناك خبرين آخرين رقم: ٩٥٢١، ٩٥٢٢، تبين منهما أن السائل هو نافع بن الأزرق، وكان يأتي ابن عباس ليلقى عليه متشابه القرآن. وهذا من ضروب اختصار أبي جعفر في تفسيره هذا. وأيضًا فإنه سيأتي هنا آثار في تفسير آية سورة النساء: ٤٢ (ج ٨: ٣٧١ - ٣٧٥) لم يذكرها هناك، كما سترى في الآثار التالية.]]

١٣١٤١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"والله ربنا ما كنا مشركين"، قال: قول أهل الشرك، حين رأوا الذنوب تغفر، ولا يغفر الله لمشرك ="انظر كيف كذبوا على أنفسهم"، بتكذيب الله إياهم.

١٣١٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

١٣١٤٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:" والله ربنا ما كنا مشركين"، ثم قال: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، [سورة النساء"٤٢] ، بجوارحهم.

١٣١٤٤ - حدثنا ابن وكيع، قال، حدثنا أبي، عن حمزة الزيات، عن رجل يقال له هشام، عن سعيد بن جبير:" ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين"، قال: حلفوا واعتذروا، قالوا:"والله ربنا". [[الأثر: ١٣١٤٤ -"هشام"، الذي يروي عنه"حمزة الزيات"، لم أعرفه.]]

١٣١٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن سعيد بن جبير قال، أقسموا واعتذروا:"والله ربنا".

١٣١٤٦- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن حمزة الزيات، عن رجل يقال له هشام، عن سعيد بن جبير، بنحوه.

١٣١٤٧- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن سفيان بن زياد العُصْفري، عن سعيد بن جبير في قوله:"والله ربنا ما كنا مشركين"، قال: لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد، قال من فيها من المشركين:"تعالوا نقول: لا إله إلا الله، لعلنا نخرج مع هؤلاء". قال: فلم يصدَّقوا. قال: فحلفوا:"والله ربنا ما كنا مشركين". قال: فقال الله:"انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون". [[الأثر: ١٣١٤٧ -"سفيان بن زياد العصفري"، مضى برقم: ٢٣٣١.]]

١٣١٤٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وضل عنهم ما كانوا يفترون" أي: يشركون. [[في المطبوعة: "يشركون به" بالزيادة، وأثبت ما في المخطوطة.]]

١٣١٤٩- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا المنهال بن عمرو، عن سعيد عن جبير، عن ابن عباس في قوله:"والله ربنا ما كنا مشركين"، قال: لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم، قالوا: تعالوا إذا سئلنا قلنا:" والله ربنا ما كنا مشركين". فسئلوا، فقالوا ذلك، فختم الله على أفواههم، وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم، فودَّ الذين كفروا حين رأوا ذلك:"لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا".

١٣١٥٠- حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا مسلم بن خلف، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: يأتي على الناس يوم القيامة ساعة، لما رأوا أهلُ الشرك أهلَ التوحيد يغفر لهم [[في المطبوعة: "لما رأى أهل الشرك"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو لغة من لغات العرب جائزة.]] فيقولون:"والله ربنا ما كنا مشركين"، قال:"انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون". [[الأثر: ١٣١٥٠ -"مسلم بن خلف"، لم أجد له ترجمة، وأخشى أن يكون في اسمه تحريف.]]

١٣١٥١- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز، قال حدثنا سفيان عن رجل، عن سعيد بن جبير: أنه كان يقول:"والله ربِّنا ما كنا مشركين"، يخفضها. قال: أقسموا واعتذروا = قال الحارث قال، عبد العزيز، قال سفيان مرة أخرى: حدثني هشام، عن سعيد بن جبير.

القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ من قومك، يا محمد ="من يستمع إليك"، يقول: من يستمع القرآن منك، ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك، وأمره ونهيه، ولا يفقه ما تقول ولا يُوعِيه قلبَه، ولا يتدبره، ولا يصغي له سمعه، ليتفقهه فيفهم حجج الله عليه في تنزيله الذي أنزله عليك، إنما يسمع صوتك وقراءَتك وكلامك، ولا يعقل عنك ما تقول، لأن الله قد جعل على قلبه"أكنّة".

* *

= وهي جمع"كنان"، وهو الغطاء، مثل:"سِنان"،"وأسنة". يقال منه:"أكننت الشيءَ في نفسي"، بالألف،"وكننت الشيء"، إذا غطيته، [[انظر ما سلف ٥: ١٠٢، ١٠٣.]] = ومن ذلك: بَيْضٌ مَكْنُونٌ، [سورة الصافات: ٤٩] ، وهو الغطاء، [[الأجود أن يقال: "وهو المغطى"، وكأنه كان كذلك، وكأن الذي في المطبوعة والمخطوطة تحريف. ولكن ربما عبر القدماء بمثل هذا التعبير، ولذلك تركته على حاله. وقد قال الطبري في ج ٥: ١٠٢، وذكر الآية: "أي: مخبوء".]] ومنه قول الشاعر: [[هو عمر بن أبي ربيعة.]]

تَحْتَ عَيْنٍ، كِنَانُنَا ... ظِلُّ بُرْدٍ مُرَحَّلُ [[ليس في ديوانه، ولكنه من قصيدته التي في ديوانه: ١٢٥ - ١٢٦، وهو في الأغاني ١: ١٨٤، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٤٦، ١٨٨، واللسان (كنن) ، وغيرها. من أبياته التي أولها: هَاجَ ذَا القَلَبَ مَنْزِلُ ... دَارِسُ الآيِ مُحْوِلُ

وقبله في رواية أبي الفرج في أغانيه. أرْسَلَتْ تَسْتَحِثّى وَتُفَدِّي وتَعْذُل ... أَيُّنَا بَاتَ لَيْلَةً بَيْنَ غُصْنَيْنِ يُوبَلُ

وروايته للبيت:

تَحْتَ عَيْنٍ، يُكِنُّنَا ... بُرْدُ عَصْبٍ مُهَلْهَل

ورواية ابن بري، وصحح رواية أبي عبيدة وأبي جعفر: تَحْتَ عَيْنٍ، كِنَانُنَا ... بُرْدُ عَصْبٍ مُرَحَّلُ

"العين" في البيت السحاب. و"المرحل من الثياب، الذي عليه تصاوير الرحال.]] يعني: غطاؤُهم الذي يكنُهم. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٨، وهو شبيه بنص كلامه.]]

* *

="وفي آذانهم وقرًا"، يقول تعالى ذكره: وجعل في آذانهم ثِقلا وصممًا عن فهم ما تتلو عليهم، والإصغاء لما تدعوهم إليه.

* *

والعرب تفتح"الواو" من"الوَقْر" في الأذن، وهو الثقل فيها= وتكسرها في الحمل فتقول:"هو وِقْرُ الدابة". ويقال من الحمل:"أوقرْتُ الدَّابة فهي مُوقَرة" = ومن السمع:"وَقَرْتُ سمعه فهو موقور"، ومنه قول الشاعر: [[لم أهتد إلى قائله، وإن كنت أذكر أني قرأت هذا الشعر في مكان.]]

وَلِي هَامَةٌ قَدْ وَقَّر الضَّرْبُ سَمْعَهَا

وقد ذكر سماعًا منهم:"وُقِرَتْ أذنه"، إذا ثقلت"فهي موقورة" ="وأوقرتِ النخلةُ، فهي مُوقِر" كما قيل:"امرأة طامث، وحائض"، لأنه لا حظّ فيه للمذكر. فإذا أريد أن الله أوقرها، قيل"مُوقَرةٌ".

* *

وقال تعالى ذكره:"وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه"، بمعنى: أن لا يفقهوه، كما قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء: ١٧٦] ، بمعنى: أن لا تضلوا، [[انظر ما سلف ٩: ٤٤٥، ٤٤٦.]] لأن"الكنّ" إنما جعل على القلب، لئلا يفقهه، لا ليفقهه. [[انظر تفسير"فقه" فيما سلف ٨: ٥٥٧.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٥٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا"، قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا، كمثل البهيمة التي تسمع النداء، ولا تدري ما يُقَال لها.

١٣١٥٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا"، أما"أكنة"، فالغطاءُ أكنّ قلوبهم، لا يفقهون الحق ="وفي آذانهم وقرًا"، قال: صمم.

١٣١٥٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"ومنهم من يستمع إليك"، قال: قريش.

١٣١٥٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (٢٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن ير هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام، الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك ="كل آية"، يقول: كل حجة وعلامة تدلُّ أهل الحجَا والفهم على توحيد الله وصدق قولك وحقيقة نبوتك [[انظر تفسير"آية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] ="لا يؤمنوا بها"، يقول: لا يصدّقون بها، ولا يقرّون بأنها دالّة على ما هي عليه دالة ="حتى إذا جاؤوك يجادلونك"، يقول: حتى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به ="يجادلونك"، يقول: يخاصمونك [[انظر تفسير"جادل" فيما سلف ٤: ١٤١/٩: ١٩٠، ١٩٣.]] ="يقول الذين كفروا"، يعنى بذلك: الذين جحدوا آيات الله وأنكروا حقيقتها، يقولون لنبيِّ الله ﷺ إذا سمعوا حجج الله التي احتجَّ بها عليهم، وبيانَه الذي بيَّنه لهم ="إن هذا إلا أساطير الأوّلين"، أي: ما هذا إلا أساطير الأوّلين.

* *

و"الأساطير" جمع"إسْطارة" و"أُسطُورة" مثل"أفكوهة" و"أضحوكة" = وجائز أن يكون الواحد"أسطارًا" مثل"أبيات"، و"أبابيت"، و"أقوال وأقاويل"، [[يعني بقوله: "أسطارًا"، جمع"سطر"، كما هو بين.]] من قول الله تعالى ذكره: وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، [سورة الطور: ٢] . من:"سَطَرَ يَسْطُرُ سَطْرا".

* *

فإذ كان من هذا: فإن تأويله: ما هذا إلا ما كتبه الأوَّلون.

* *

وقد ذكر عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يتأوّلونه بهذا التأويل، ويقولون: معناه: إنْ هذا إلا أحاديث الأوّلين.

١٣١٥٦ - حدثني بذلك المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.

١٣١٥٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، أمّا"أساطير الأوّلين"، فأسَاجيع الأولين. [["الأساجيع" جمع"أسجوعة": يراد به الكهان على هيئة كلامهم.]]

* *

وكان بعض أهل العلم = وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى = بكلام العرب يقول:"الإسطارةُ" لغةٌ، ومجازُها مجازُ الترهات. [[في المطبوعة: "لغة، الخرافات والترهات" غير ما في المخطوطة، وهو نص أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ١٨٩. وهذا من سيئ العبث بالكتب!]]

* *

وكان الأخفش يقول: قال بعضهم: واحده"أسطورة". وقال بعضهم:"إسطارة". قال: ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد، نحو"العباديد" [[في المطبوعة: "عباييد"، وهو صواب، إلا أني أثبت ما في المخطوطة. يقال: "جاء القوم عباديد، وعبابيد"، أي متفرقون.]] و"المَذَاكير"، و"الأبابيل". [["المذاكير"، يقال في الفرد أيضًا. وفي الخبر أن عبدًا أبصر جارية لسيده، فجب السيد مذاكيره = فاستعمله لرجل واحد، وأراد به شيئه، وما تعلق به.

و"أبابيل": جماعات من هنا، وجماعات من هنا.]] قال: وقال بعضهم: واحد"الأبابيل"،"إبِّيل"، وقال بعضهم:"إبَّوْل" مثل"عِجَّوْل"، [[يقال: "عجل" و"عجول" (بكسر العين، وتشديد الجيم المفتوحة، وسكون الواو) : ولد البقرة، وجمعه"عجاجيل".]] ولم أجد العرب تعرف له واحدًا، وإنما هو مثل"عباديد" لا واحد لها. وأما"الشَّماطيط"، فإنهم يزعمون أن واحده"شمطاط". [["شماميط": قطع متفرقة، يقال: "ذهب القوم شماميط": إذا تفرقوا أرسالا.]] قال: وكل هذه لها واحد، إلا أنه لم يستعمل ولم يتكلم به، لأن هذا المثال لا يكون إلا جميعًا. [[في المطبوعة: "جمعا"، وأثبت ما في المخطوطة.]] قال: وسمعت العرب الفصحاء تقول:"أرسل خيله أبابيل"، تريد جماعات، فلا تتكلم بها بواحدة. [[في المطبوعة: "فلا تتكلم بها موحدة"، وأثبت ما في المخطوطة، وقد كرهت عبث الناشر بنص أبي جعفر!!]] وكانت مجادلتهم رسولَ الله ﷺ التي ذكرها الله في هذه الآية، فيما ذُكِر، ما:-

١٣١٥٨ - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"حتى إذا جاءوك يجادلونك" الآية، قال: هم المشركون، يجادلون المسلمين في الذَّبيحة، يقولون:"أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون! وأنتم تتَّبعون أمرَ الله تعالى ذكره"! [[عند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت منه نسختنا، وفيها ما نصه:

"يتلوه القولُ في تأويل قوله

﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَونَ عَنْهُ وَإنْ يُهْلِكُونَ﴾

﴿إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾

وَصَلَّى اللهُ على مُحَمدٍ النبيِّ وَعَلى آلِهِ وَسَلّم كثيرًا الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينِ" ثم يتلوه ما نصه: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيمِ رَبِّ يَسِّرْ".رْ"]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"وهم ينهون عنه وينأون عنه".

فقال بعضهم: معناه: هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله، ينهونَ الناس عن اتباع محمّد ﷺ والقبول منه ="وينأَوْن عنه"، يتباعدون عنه.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٥٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث وهانئ بن سعيد، عن حجاج، عن سالم، عن ابن الحنفية:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، قال: يتخلفون عن النبي ﷺ ولا يجيبونه، وينهون الناس عنه. [[الأثر: ١٣١٥٩ -"هانئ بن سعيد النخعي"، صالح الحديث، مترجم في الكبير ٤/٢/٢٣٣، وابن أبي حاتم ٤/٢/١٠٢.

و"حجاج" هو"حجاج بن أرطاة"، مضى مرارًا.

و"سالم"، هو"سالم بن أبي الجعد"، مضى أيضًا.

و"ابن الحنفية" هو: "محمد بن علي بن أبي طالب"، مضى أيضًا.]]

١٣١٦٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، يعني: ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به ="وينأون عنه"، يعني: يتباعدون عنه.

١٣١٦١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، أن يُتَّبع محمد، ويتباعدون هم منه.

١٣١٦٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، يقول: لا يلقونَه، ولا يَدَعُون أحدًا يأتيه.

١٣١٦٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول في قوله:"وهم ينهون عنه"، يقول: عن محمد ﷺ.

١٣١٦٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، جمَعُوا النهي والنأي. و"النأي"، التباعد. [[في المخطوطة: "والنهي التباعد"، وهو خطأ، صوابه ما في المطبوعة بلا شك.]] وقال بعضهم: بل معناه:"وهم ينهون عنه" عن القرآن، أن يسمع له ويُعمَل بما فيه.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وهم ينهون عنه"، قال: ينهون عن القرآن، وعن النبي ﷺ ="وينأون عنه"، ويتباعدون عنه.

١٣١٦٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:"وهم ينهون عنه"، قال: قريش، عن الذكر ="وينأون عنه"، يقول: يتباعدون.

١٣١٦٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، قريش، عن الذكر. ="ينأون عنه"، يتباعدون.

١٣١٦٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، قال: ينهون عن القرآن، وعن النبي ﷺ، ويتباعدون عنه.

١٣١٦٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ينأون عنه"، قال:"وينأون عنه"، يباعدونه. [[في المطبوعة: "يبعدون"، وفي المخطوطة: "يبعدونه"، وآثرت قراءتها كما أثبتها.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: وهم ينهون عن أذى محمد ﷺ ="وينأون عنه"، يتباعدون عن دينه واتّباعه.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٧٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وقبيصة = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول: نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن محمد أن يُؤذَى، وينأى عما جاء به أن يؤمن به.

١٣١٧١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت قال، حدثني من سمع ابن عباس يقول:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، قال: نزلت في أبي طالب، ينهى عنه أن يؤذى، وينأى عما جاء به.

١٣١٧٢- حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، قال: نزلت في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذُوا محمدًا، وينأى عمّا جاء به.

١٣١٧٣- حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن القاسم بن مخيمرة قال: كان أبو طالب ينهى عن النبي ﷺ، ولا يصدِّقه. [[الأثر: ١٣١٧٣ -"القاسم بن مخيمرة الهمداني"، "أبو عروة"، روى عن عبد الله بن عمرو، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة، وغيرهم من التابعين. ثقة. مترجم في التهذيب. والكبير ٤/١/١٦٧، وابن أبي حاتم ٣/٢/١٢٠.]]

١٣١٧٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ومحمد بن بشر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن القاسم بن مخيمرة في قوله:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، قال: نزلت في أبي طالب = قال ابن وكيع، قال ابن بشر: كان أبو طالب ينهي عن النبي ﷺ أن يؤذَى ولا يصدّق به.

١٣١٧٥- حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير، عن أبي محمد الأسدي، عن حبيب بن أبي ثابت قال، حدثني من سمع ابن عباس يقول في قول الله تعالى ذكره:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن أذى محمد، وينأى عما جاء به أن يتّبعه. [[الأثر: ١٣١٧٥ -"أبو محمد الأسدي"، لم أعرف من هو، ولم أجد من يكنى به. وأخشى أن يكون هو"عبد العزيز بن سياه الأسدي"، الآتي في الأثر رقم: ١٣١٧٧ و"عبد العزيز" يروي عنه يونس بن بكير.]]

١٣١٧٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن القاسم بن مخيمرة في قوله:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، قال: نزلت في أبي طالب.

١٣١٧٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب قال: ذاك أبو طالب، في قوله:"وهم ينهون عنه وينأون عنه". [[الأثر: ١٣١٧٧ -"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي"، مضى مرارًا كثيرة.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عبد الله بن موسى"، وهو خطأ محض.

و"عبد العزيز بن سياه الأسدي"، ثقة، محله الصدق، وكان من كبار الشيعة. وروى عنه عبيد الله بن موسى، ويونس بن بكير، ووكيع، وغيرهم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٨٣.

وانظر التعليق على الأثر السالف، فإني أرجح أن"أبا محمد الأسدي"، كنية: "عبد العزيز بن سياه الأسدي".]]

١٣١٧٨ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني سعيد بن أبي أيوب قال، قال عطاء بن دينار في قول الله:"وهم ينهون عنه وينأون عنه"، أنها نزلت في أبي طالب، أنه كان ينهى الناسَ عن إيذاء رسول الله ﷺ، وينأى عما جاء به من الهدى. [[الأثر: ١٣١٧٨ -"سعيد بن أبي أيوب الخزاعي المصري"، وهو"سعيد بن مقلاص"، ثقة ثبت. ومضى في الأثرين رقم: ٥٦١٥، ٦٧٤٣، غير مترجم. مترجم في التهذيب، والكبير٢/١/٤١٩، وابن أبي حاتم ٢/١/٦٦.

و"عطاء بن دينار المصري"، من ثقات أهل مصر، مضى برقم: ١٦٠.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال: تأويلُه:"وهم ينهون عنه"، عن إتباع محمد ﷺ مَنْ سواهم من الناس، وينأون عن اتباعه.

وذلك أن الآيات قبلَها جرت بذكر جماعة المشركين العادِلين به، والخبرِ عن تكذيبهم رسولَ الله ﷺ، والإعراض عما جاءهم به من تنزيل الله ووحيه، فالواجب أن يكون قوله:"وهم ينهون عنه"، خبرًا عنهم، إذ لم يأتنا ما يدُلُّ على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. بل ما قبل هذه الآية وما بعدها، يدلّ على صحة ما قلنا، من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسولِ الله ﷺ، دون أن يكون خبرًا عن خاصٍّ منهم.

* *

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: وإن يرَ هؤلاء المشركون، يا محمد، كلَّ آية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقولون:"إن هذا الذي جئتنا به إلا أحاديث الأوَّلين وأخبارهم"! وهم ينهون عن استماع التنزيل، وينأون عنك فيبعدون منك ومن اتباعك ="وإن يهلكون إلا أنفسهم"، يقول: وما يهلكونَ بصدّهم عن سبيل الله، وإعراضهم عن تنزيله، وكفرهم بربهم - إلا أنفسهم لا غيرها، وذلك أنهم يكسِبُونها بفعلهم ذلك، سخط الله وأليم عقابه، وما لا قِبَل لها به [[انظر تفسير"الهلاك" فيما سلف قريبًا ص: ٢٦٣.]] ="وما يشعرون"، يقول: وما يدرون ما هُمْ مكسبوها من الهلاك والعطب بفعلهم. [[انظر تفسير"شعر" فيما سلف ١: ٢٧٧، ٢٧٨/٦: ٥٠٢.]]

* *

والعرب تقول لكل من بعد عن شيء:"قد نأى عنه، فهو ينأى نَأْيًا". ومسموع منهم:"نأيتُكَ"، [[في المطبوعة: "مسموع منهم: نأيت"، خطأ، صوابه في المخطوطة.]] بمعنى:"نأيت عنك". وأما إذا أرادوا: أبعدتُك عني، قالوا:"أنأيتك". ومن"نأيتك" بمعنى: نأيتُ عنك، قول الحطيئة:

نَأَتْكَ أُمَامَةُ إلا سُؤَالا ... وَأَبْصَرْتَ مِنْهَا بِطَيْفٍ خَيَالا [[ديوانه: ٣١، من قصيدته التي مدح بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، معتذرًا له من هجاء الزبرقان بن بدر، وبعد البيت: خَيَالا يَرُوعُكَ عِنْدَ المَنَا ... مِ وَيَأْبَى مَعَ الصُّبْحِ إِلا زَوَالا

كِنَانيَّةٌ، دَارُهَا غَرْبَةٌ ... تُجِدُّ وِصَالا وتُبْلِي وصَالا]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ:" ولو ترى"، يا محمد، هؤلاء العادلين بربهم الأصنامَ والأوثانَ، الجاحدين نبوّتك، الذين وصفت لك صفتهم ="إذ وُقفوا"، يقول: إذ حُبِسوا ="على النار"، يعني: في النار- فوضعت"على" موضع"في" كما قال: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة: ١٠٢] ، بمعنى في ملك سليمان. [[انظر تفسير"على" بمعنى"في" فيما سلف ١: ٢٩٩/ ٢: ٤١١، ٤١٢/١١: ٢٠٠، ٢٠١ ومواضع أخرى، التمسها في فهارس النحو والعربية.]]

* *

وقيل:"ولو ترى إذ وقفوا"، ومعناه: إذا وقفوا = لما وصفنا قبلُ فيما مضى: أن العرب قد تضع"إذ" مكان"إذا"، و"إذا" مكان"إذ"، وإن كان حظّ"إذ" أن تصاحب من الأخبار ما قد وُجد فقضي، وحظ"إذا" أن تصاحب من الأخبار ما لم يوجد، [[انظر"إذا" و"إذ" فيما سلف ص: ٢٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ولكن ذلك كما قال الراجز، وهو أبو النجم:

مَدَّ لَنَا فِي عُمْرِهِ رَبُّ طَهَا ... ثُمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنَّا إذْ جَزَى

جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلالِيِّ العُلَى [[مضى بيتان منها فيما سلف ص: ٢٣٥، والبيت الأول من الرجز، في اللسان (طها) وقال: "وإنما أراد: رب طه، فحذف الألف". وكان رسم"طها" في المطبوعة والمخطوطة: "طه"، فآثرت رسمها كما كتبها صاحب اللسان (طها) .]]

فقال:"ثم جزاه الله عنا إذ جزى" فوضع،"إذ" مكان"إذا".

* *

وقيل:"وقفوا"، ولم يُقَل:"أُوقِفوا"، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب. يقال:"وقَفتُ الدابة وغيرها"، بغير ألف، إذا حبستها. وكذلك:"وقفت الأرضَ"، إذا جعلتها صدقةً حَبيسًا، بغير ألف، وقد:-

١٣١٧٩- حدثني الحارث، عن أبي عبيد قال: أخبرني اليزيديّ والأصمعي، كلاهما، عن أبي عمرو قال: ما سمعت أحدًا من العرب يقول:"أوقفت الشيء" بالألف. قال: إلا أني لو رأيت رجلا بمكانٍ فقلت:"ما أوقفك ها هنا؟ "، بالألف، لرأيته حسنًا. [[الأثر: ١٣١٧٩ - انظر هذا الخبر في لسان العرب"وقف". وكان في المطبوعة: "الحارث بن أبي عبيد"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة. وقد مضى هذا الإسناد مرارًا.]]

="فقالوا يا ليتنا نردّ"، يقول: فقال هؤلاء المشركون بربهم، إذ حُبسوا في النار:"يا ليتنا نردّ"، إلى الدنيا حتى نتوب ونراجعَ طاعة الله ="ولا نكذب بآيات ربنا"، يقول: ولا نكذّب بحجج ربنا ولا نجحدها ="ونكون من المؤمنين"، يقول: ونكون من المصدّقين بالله وحججه ورسله، متَّبعي أمره ونهيه.

* *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والعراقيين: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، بمعنى: يا ليتنا نردُّ، ولسنا نكذب بآيات ربنا، ولكنّا نكون من المؤمنين.

* *

وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفة: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بمعنى: يا ليتنا نرد، وأن لا نكذب بآيات ربنا، ونكونَ من المؤمنين. وتأوَّلوا في ذلك شيئًا:-

١٣١٨٠ - حدثنيه أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون قال: في حرف ابن مسعود: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ﴾ بالفاء.

* *

وذكر عن بعض قرأة أهل الشام، أنه قرأ ذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ﴾ بالرفع ﴿وَنَكُونَ﴾ بالنصب، كأنه وجَّه تأويله إلى أنهم تمنوا الردَّ، وأن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم إن رُدُّوا إلى الدنيا.

* *

واختلف أهل العربية في معنى ذلك منصوبًا ومرفوعًا.

فقال بعض نحويي البصرة:"ولا نكذِّبَ بآيات ربِّنا ونكونَ من المؤمنين"، نصبٌ، لأنه جواب للتمني، وما بعد"الواو" كما بعد"الفاء". قال: وإن شئت رفعتَ وجعلته على غير التمني، كأنهم قالوا: ولا نكذِّبُ والله بآيات ربنا، ونكونُ والله من المؤمنين. هذا، إذا كان على ذا الوجه، كان منقطعًا من الأوّل. قال: والرفع وجهُ الكلام، لأنه إذا نصب جعلها"واوَ" عطف. فإذا جعلها"واو" عطف، فكأنهم قد تمنوا أن لا يكذِّبوا، وأن يكونوا من المؤمنين. قال: وهذا، والله أعلم، لا يكون، لأنهم لم يتمنوا هذا، إنما تمنوا الردّ، وأخبروا أنهم لا يكذبون، ويكونون من المؤمنين.

* *

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو نصب"نكذب" و"نكون" على الجواب بالواو، لكان صوابًا. قال: والعرب تجيب ب"الواو"، و"ثم"، كما تجيب بالفاء. يقولون:"ليت لي مالا فأعطيَك"،"وليت لي مالا وأُعْطيَك"،"وثم أعطيَك". قال: وقد تكون نصبًا على الصَّرف، كقولك:"لا يَسَعُنِي شيء ويعجِزَ عَنك. [["الصرف"، مضى تفسيره فيما سلف ١: ٥٦٩، تعليق: ١/٣: ٥٥٢، تعليق: ١/٧: ٢٤٧، تعليق: ٢.]]

* *

وقال آخر منهم: لا أحبُّ النصب في هذا، لأنه ليس بتمنٍّ منهم، إنما هو خبرٌ، أخبروا به عن أنفسهم. ألا ترى أن الله تعالى ذكره قد كذَّبهم فقال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ؟ وإنما يكون التكذيب للخبر لا للتمنِّي.

* *

وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب"بالواو"، وبحرف غير"الفاء". وكان يقول: إنما"الواو" موضع حال، لا يسعني شيء ويضيقَ عنك"، أي: وهو يضيق عنك. قال: وكذلك الصَّرف في جميع العربية. قال: وأما"الفاء" فجواب جزاء:"ما قمت فنأتيَك"، أي: لو قمت لأتينَاك. قال: فهذا حكم الصرف و"الفاء". قال: وأمّا قوله:"ولا نكذب"، و"نكون" فإنما جاز، لأنهم قالوا:"يا ليتنا نرد"، في غير الحال التي وقفنا فيها على النار. فكان وقفهم في تلك، فتمنَّوا أن لا يكونوا وُقِفُوا في تلك الحال.

* *

قال أبو جعفر: وكأنّ معنى صاحب هذه المقالة في قوله هذا: ولو ترى إذ وقفوا على النار، فقالوا: قد وقفنا عليها مكذِّبين بآيات ربِّنا كفارًا، فيا ليتنا نردّ إليها فنُوقَف عليها غير مكذبين بآيات ربِّنا ولا كفارًا.

وهذا تأويلٌ يدفعه ظاهر التنزيل، وذلك قول الله تعالى ذكره: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة، والتكذيب لا يقع في التمني. ولكن صاحب هذه المقالة أظنُّ به أنَّه لم يتدبر التأويل، ولَزِم سَنَن العربيّة.

* *

قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالرفع في كليهما، بمعنى: يا ليتنا نردّ، ولسنا نكذب بآيات ربِّنا إن رددنا، ولكنا نكون من المؤمنين= على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردُّوا إلى الدنيا، لا على التمنّي منهم أن لا يكذِّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين. لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردُّوا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك. ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني، لاستحال تكذيبهم فيه، لأن التمني لا يكذَّب، وإنما يكون التصديقُ والتكذيبُ في الأخبار.

* *

وأما النصب في ذلك، فإني أظنّ بقارئه أنه توخَّى تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه، [[في المطبوعة: "فإني أظن بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله"، وهو كلام غث.

وفي المخطوطة: ". . . أنه برحا تأويل قراءة عبد الله" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.]] وذلك قراءته ذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرئ بالفاء كذلك، لا شك في صحة إعرابه. ومعناه في ذلك: أن تأويله إذا قرئ كذلك: لو أنّا رددنا إلى الدنيا ما كذَّبنا بآيات ربِّنا، ولكُنَّا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَى من حكى عن العرب من السماع منهم الجوابَ بالواو، و"ثم" كهيئة الجواب بالفاء، صحيحًا، فلا شك في صحّة قراءة من قرأ ذلك: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ نصبًا على جواب التمني بالواو، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء. وإلا فإن القراءة بذلك بعيدةُ المعنى من تأويل التنزيل. ولستُ أعلم سماعَ ذلك من العرب صحيحًا، بل المعروف من كلامها: الجوابُ بالفاء، والصرفُ بالواو.

القول في تأويل قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء العادلين بربهم، [[في المطبوعة: "ما قصد هؤلاء"، وهو لا شيء ولكن حمله عليه أنه في المخطوطة"ما هؤلاء العادلين"، واستظهرت الصواب من قوله بعد: "لكن بهم الإشفاق".]] الجاحدين نبوتك، يا محمد، في قيلهم إذا وقفوا على النار:"يا ليتنا نردُّ ولا نكذب بأيات ربنا ونكون من المؤمنين" = الأسَى والندمُ على ترك الإيمان بالله والتصديق بك، [[السياق: "ما بهؤلاء العادلين بربهم. . . الأسى والندم. . .".]] لكن بهم الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه، على معاصيهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم، فأبداها الله منهم يوم القيامة وأظهرها على رؤوس الأشهاد، ففضحهم بها، ثم جازاهم بها جزاءَهم.

يقول: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونها"من قبل ذلك في الدنيا، فظهرت ="ولو رُدُّوا"، يقول: ولو ردّوا إلى الدنيا فأمْهلوا ="لعادوا لما نهوا عنه"، يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك، من جحود آيات الله، والكفر به، والعمل بما يسخط عليهم ربِّهم =" إنهم لكاذبون"، في قيلهم:"لو رددنا لم نكذب بآيات ربّنا وكنا من المؤمنين"، لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب، لا إيمانًا بالله.

* *

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٨١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل"، يقول: بدت لهم أعمالهم في الآخرة، التي أخفوها في الدنيا.

١٣١٨٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل"، قال: من أعمالهم.

١٣١٨٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولو ردُّوا لعادُوا لما نهوا عنه"، يقول: ولو وصل الله لهم دُنيا كدنياهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمالِ السوء.

القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين، العادلين به الأوثان والأصنام، الذين ابتدأ هذه السورة بالخبرعنهم.

يقول تعالى ذكره:" وقالوا إنْ هي إلا حياتنا الدنيا"، يخبر عنهم أنهم ينكرون أنّ الله يُحيي خلقه بعد أن يُميتهم، ويقولون:"لا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور بعد الفناء". فهم بجحودهم ذلك، وإنكارهم ثوابَ الله وعقابَه في الدار الآخرة، لا يبالون ما أتوا وما ركبوا من إثم ومعصية، لأنهم لا يرجون ثوابًا على إيمان بالله وتصديق برسوله وعملٍ صالح بعد موت، ولا يخافون عقابًا على كفرهم بالله ورسوله وسيّئٍ من عمل يعملونه. [[في المطبوعة: "وشيء من عمل"، وهي في المخطوطة غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.]]

* *

وكان ابن زيد يقول: هذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الكفرة الذين وقفوا على النار: أنهم لو ردُّوا إلى الدنيا لقالوا:"إن هي إلا حياتُنا الدنيا وما نحن بمبعوثين".

١٣١٨٤- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه"، وقالوا حين يردون:"إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين".

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:"لو ترى"، يا محمد، هؤلاء القائلين: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ="إذ وقفوا"، يوم القيامة، أي: حبسوا، [[انظر تفسير"وقف" فيما سلف قريبا ص: ٣١٦.]] "على ربهم"، يعني على حكم الله وقضائه فيهم ="قال أليس هذا بالحق"، يقول: فقيل لهم: أليس هذا البعثُ والنشر بعد الممات الذي كنتم تنكرونَه في الدنيا، حقًّا؟ فأجابوا، فقالوا: بلى" والله إنه لحقّ ="قال فذوقوا العذاب"، يقول: فقال الله تعالى ذكره لهم: فذوقوا العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون [[انظر تفسير"ذاق العذاب" فيما سلف ص: ٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="بما كنتم تكفرون"، يقول: بتكذيبكم به وجحودكموه الذي كان منكم في الدنيا.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com