Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah An-Naba
Tafsir al-Tabari · The Announcement · 40 ayat · ayat 31–40 · Quran text →
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥) ﴾
.
يقول: إن للمتقين مَنجَى من النار إلى الجنة، ومخلصا منها لهم إليها، وظفرا بما طلبوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: فازوا بأن نَجَوا من النار.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ إي والله مفازا من النار إلى الجنة، ومن عذاب الله إلى رحمته.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: مفازا من النار إلى الجنة.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاومة، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ يقول: مُنْتَزَها [[الحديث ١٥١- هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في ١٣٧. و "محمد بن العلاء" شيخ الطبري: هو "أبو كريب" نفسه في الإسناد السابق، مرة يسميه ومرة يكنيه. وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤٣، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١١، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير ١: ١٠، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره.]] .
* *
وقوله: ﴿حَدَائِقَ﴾
والحدائق: ترجمة وبيان عن المفاز، وجاز أن يترجم عنه، لأن المفاز مصدر من قول القائل: فاز فلان بهذا الشيء، إذا طلبه فظفر به، فكأنه قيل: إن للمتقين ظفرا بما طلبوا من حدائق وأعناب، والحدائق: جمع حديقة، وهي البساتين من النخل والأعناب والأشجار المُحَوَّط عليها الحيطان المحدقة بها، لإحداق الحيطان بها تسمى الحديقة حديقة، فإن لم تكن الحيطان بها محدقة، لم يَقُل لها حديقة، وإحداقها بها: اشتمالها عليها.
* *
وقوله: ﴿وأعْنابًا﴾
يعني: وكرومَ أعناب، واستغنى بذكر الأعناب عن ذكر الكروم.
* *
وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾
يقول: ونواهد في سنّ واحدة.
وبنحو الذي قلنا قي ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ يقول: ونواهد.
* *
وقوله: ﴿أَتْرَابًا﴾
يقول: مُسْتَوِيَات.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني: النساء المستويات.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: نواهد أترابا، يقول: لسن واحدة.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ثم وصف ما في الجنة قال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني بذلك النساء أترابا لسنٍّ واحدة.
⁕ حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الكواعب: النواهد.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: الكواعب: التي قد نهدت وكَعَبَ ثديها، وقال: أترابا: مستويات، فلانة تربة فلانة، قال: الأتراب: اللِّدات.
⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا يحيى بن سليمان، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ لِدَّات.
* *
وقوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾
يقول: وكأسا ملأى متتابعة على شاربيها بكثرة وامتلاء، وأصله من الدَّهْق: وهو متابعة الضغط على الإنسان بشدّة وعنف، وكذلك الكأس الدهاق: متابعتها على شاربيها بكثرة وامتلاء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا أبو يزيد يحيى بن ميسرة، عن مسلم بن نَسْطاس، قال: قال ابن عباس لغلامه: اسقني دهاقا، قال: فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدِّهاق.
⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: ملأى.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، أخبرني سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عباس يُسأل عن ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: دراكا، قال يونس: قال ابن وهب: الذي يَتْبع بعضُه بعضا.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ يقول: ممتلئا.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا حميد الطويل، عن ثابت البُنَانيّ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، في قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: دمادم [[الحديث ١٥٢- نقله ابن كثير ١: ٤٣ بإسناد الطبري هذا، وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١١ ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي "بسند ضعيف". وإسناده ضعيف حقًا، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة، كما سنذكر:
أما بقية بن الوليد، فالحق أنه ثقة، وإنما نعوا عليه التدليس، ولا موضع له هنا، فإنه صرح بالتحديث.
ولكن عيسى بن إبراهيم، وهو القرشي الهاشمي، كل البلاء منه في هذا الحديث، وفي أحاديث من نحوه، رواها بهذا الإسناد. وقد قال فيه البخاري في الضعفاء: ٢٧: "منكر الحديث"، وكذلك النسائي: ٢٢. وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ ٢٧١ - ٢٧٢، وروى عن أبيه قال: "متروك الحديث"، وعن ابن معين: "ليس بشيء"، وقال ابن حبان في الضعفاء، الورقة ١٦٣: "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب.
وشيخه "موسى بن أبي حبيب" مثله: ضعيف تالف، وقال الذهبي في الميزان: "ضعفه أبو حاتم، وخبره ساقط. وله عن الحكم بن عمير، رجل قيل: له صحبة. والذي أراه أنه لم يلقه. وموسى -مع ضعفه- فمتأخر عن لقي صحابي كبير". فالبلاء من هذين أو من أحدهما.
حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه "الحكم بن عمير"، من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ٢ / ١٢٥، قال: "الحكم بن عمير: روى عن النبي ﷺ، لا يذكر السماع ولا لقاء، أحاديث منكرة، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو شيخ ضعيف الحديث، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم، وهو ذاهب الحديث، سمعت أبي يقول ذلك".
وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم، ذكر أنه ضعف الحكم! وكلام أبي حاتم -كما ترى- غير ذلك. وتعقبه الحافظ في لسان الميزان ٢: ٣٣٧ وأثبت أنه صحابي، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم، وأن الدارقطني قال: "كان بدريًا".
وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص ٥٤) في طبقة الصحابة، وقال: "يقال إن له صحبة". ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان، ولكن سها فزعم أنه ذكره "في ثقات التابعين".
وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب، رقم ٤٧٦: باسم "الحكم بن عمرو الثمالي، وثمالة في الأزد، شهد بدرًا، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم، لا تصح". وتسمية أبيه باسم "عمرو" خطأ قديم في نسخ الاستيعاب، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة ١: ٢٦، وأشار إلى الغلط فيه، ثم ترجمه على الصواب: "الحكم بن عمير الثمالي، من الأزد، وكان يسكن حمص". وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة ٢: ٣٠ تحقيقًا جيدًا.]] .
⁕ قال ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن يونس، عن الحسن ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مُتْرَعة مَلأى.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الدهاق: المَلأى المُتْرَعة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدهاق: الممتلئة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدِّهاق المملوءة.
وقال آخرون: الدِّهاق: الصافية.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن يحيى الأزديّ وعباس بن محمد، قالا ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: ثنا عمر بن عطاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: صافية.
وقال آخرون: بل هي المتتابعة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال سعيد بن جُبير في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ دهاقًا: المتتابعة.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابع.
⁕ حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى المتتابعة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابعة.
* *
وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾
يقول تعالى ذكره: لا يسمعون في الجنة لغوا، يعني باطلا من القول، ولا كذّابًا، يقول: ولا مكاذبة، أي لا يكذب بعضهم بعضا، وقرأت القرّاء في الأمصار بتشديد الذال على ما بيَّنت في قوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ سوى الكسائيّ فإنه خَفَّفها لما وصفت قبل، والتشديد أحبّ إليّ من التخفيف، وبالتشديد القراءة، ولا أرى قراءة ذلك بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه، ومن التخفيف قول الأعشى:
فَصَدَقْتُها وكَذبْتُها ... والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهُ [[الخبر ١٥٣- هذا الإسناد صحيح، وسواء صح أم ضعف، فلا قيمة له، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار. وما كان كلام كعب حجة قط، في التفسير وغيره. و "الصدفي": بفتح الصاد والدال المهملتين، نسبة إلى "الصدف" بفتح الصاد وكسر الدال، وهي قبيلة من حمير، نزلت مصر. و "السلولي"، هو: عبد الله بن ضمرة السلولي، تابعي ثقة.
وهذا الخبر -عن كعب- ذكره ابن كثير ١: ٤٣ دون إسناد ولا نسبة. وذكر السيوطي ١: ١١ ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: باطلا وإثمًا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: وهي كذلك ليس فيها لغوٌ ولا كذَّاب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥) ﴾
.
يقول: إن للمتقين مَنجَى من النار إلى الجنة، ومخلصا منها لهم إليها، وظفرا بما طلبوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: فازوا بأن نَجَوا من النار.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ إي والله مفازا من النار إلى الجنة، ومن عذاب الله إلى رحمته.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: مفازا من النار إلى الجنة.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاومة، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ يقول: مُنْتَزَها [[الحديث ١٥١- هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في ١٣٧. و "محمد بن العلاء" شيخ الطبري: هو "أبو كريب" نفسه في الإسناد السابق، مرة يسميه ومرة يكنيه. وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤٣، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١١، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير ١: ١٠، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره.]] .
* *
وقوله: ﴿حَدَائِقَ﴾
والحدائق: ترجمة وبيان عن المفاز، وجاز أن يترجم عنه، لأن المفاز مصدر من قول القائل: فاز فلان بهذا الشيء، إذا طلبه فظفر به، فكأنه قيل: إن للمتقين ظفرا بما طلبوا من حدائق وأعناب، والحدائق: جمع حديقة، وهي البساتين من النخل والأعناب والأشجار المُحَوَّط عليها الحيطان المحدقة بها، لإحداق الحيطان بها تسمى الحديقة حديقة، فإن لم تكن الحيطان بها محدقة، لم يَقُل لها حديقة، وإحداقها بها: اشتمالها عليها.
* *
وقوله: ﴿وأعْنابًا﴾
يعني: وكرومَ أعناب، واستغنى بذكر الأعناب عن ذكر الكروم.
* *
وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾
يقول: ونواهد في سنّ واحدة.
وبنحو الذي قلنا قي ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ يقول: ونواهد.
* *
وقوله: ﴿أَتْرَابًا﴾
يقول: مُسْتَوِيَات.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني: النساء المستويات.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: نواهد أترابا، يقول: لسن واحدة.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ثم وصف ما في الجنة قال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني بذلك النساء أترابا لسنٍّ واحدة.
⁕ حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الكواعب: النواهد.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: الكواعب: التي قد نهدت وكَعَبَ ثديها، وقال: أترابا: مستويات، فلانة تربة فلانة، قال: الأتراب: اللِّدات.
⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا يحيى بن سليمان، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ لِدَّات.
* *
وقوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾
يقول: وكأسا ملأى متتابعة على شاربيها بكثرة وامتلاء، وأصله من الدَّهْق: وهو متابعة الضغط على الإنسان بشدّة وعنف، وكذلك الكأس الدهاق: متابعتها على شاربيها بكثرة وامتلاء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا أبو يزيد يحيى بن ميسرة، عن مسلم بن نَسْطاس، قال: قال ابن عباس لغلامه: اسقني دهاقا، قال: فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدِّهاق.
⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: ملأى.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، أخبرني سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عباس يُسأل عن ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: دراكا، قال يونس: قال ابن وهب: الذي يَتْبع بعضُه بعضا.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ يقول: ممتلئا.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا حميد الطويل، عن ثابت البُنَانيّ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، في قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: دمادم [[الحديث ١٥٢- نقله ابن كثير ١: ٤٣ بإسناد الطبري هذا، وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١١ ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي "بسند ضعيف". وإسناده ضعيف حقًا، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة، كما سنذكر:
أما بقية بن الوليد، فالحق أنه ثقة، وإنما نعوا عليه التدليس، ولا موضع له هنا، فإنه صرح بالتحديث.
ولكن عيسى بن إبراهيم، وهو القرشي الهاشمي، كل البلاء منه في هذا الحديث، وفي أحاديث من نحوه، رواها بهذا الإسناد. وقد قال فيه البخاري في الضعفاء: ٢٧: "منكر الحديث"، وكذلك النسائي: ٢٢. وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ ٢٧١ - ٢٧٢، وروى عن أبيه قال: "متروك الحديث"، وعن ابن معين: "ليس بشيء"، وقال ابن حبان في الضعفاء، الورقة ١٦٣: "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب.
وشيخه "موسى بن أبي حبيب" مثله: ضعيف تالف، وقال الذهبي في الميزان: "ضعفه أبو حاتم، وخبره ساقط. وله عن الحكم بن عمير، رجل قيل: له صحبة. والذي أراه أنه لم يلقه. وموسى -مع ضعفه- فمتأخر عن لقي صحابي كبير". فالبلاء من هذين أو من أحدهما.
حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه "الحكم بن عمير"، من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ٢ / ١٢٥، قال: "الحكم بن عمير: روى عن النبي ﷺ، لا يذكر السماع ولا لقاء، أحاديث منكرة، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو شيخ ضعيف الحديث، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم، وهو ذاهب الحديث، سمعت أبي يقول ذلك".
وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم، ذكر أنه ضعف الحكم! وكلام أبي حاتم -كما ترى- غير ذلك. وتعقبه الحافظ في لسان الميزان ٢: ٣٣٧ وأثبت أنه صحابي، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم، وأن الدارقطني قال: "كان بدريًا".
وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص ٥٤) في طبقة الصحابة، وقال: "يقال إن له صحبة". ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان، ولكن سها فزعم أنه ذكره "في ثقات التابعين".
وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب، رقم ٤٧٦: باسم "الحكم بن عمرو الثمالي، وثمالة في الأزد، شهد بدرًا، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم، لا تصح". وتسمية أبيه باسم "عمرو" خطأ قديم في نسخ الاستيعاب، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة ١: ٢٦، وأشار إلى الغلط فيه، ثم ترجمه على الصواب: "الحكم بن عمير الثمالي، من الأزد، وكان يسكن حمص". وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة ٢: ٣٠ تحقيقًا جيدًا.]] .
⁕ قال ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن يونس، عن الحسن ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مُتْرَعة مَلأى.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الدهاق: المَلأى المُتْرَعة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدهاق: الممتلئة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدِّهاق المملوءة.
وقال آخرون: الدِّهاق: الصافية.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن يحيى الأزديّ وعباس بن محمد، قالا ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: ثنا عمر بن عطاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: صافية.
وقال آخرون: بل هي المتتابعة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال سعيد بن جُبير في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ دهاقًا: المتتابعة.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابع.
⁕ حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى المتتابعة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابعة.
* *
وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾
يقول تعالى ذكره: لا يسمعون في الجنة لغوا، يعني باطلا من القول، ولا كذّابًا، يقول: ولا مكاذبة، أي لا يكذب بعضهم بعضا، وقرأت القرّاء في الأمصار بتشديد الذال على ما بيَّنت في قوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ سوى الكسائيّ فإنه خَفَّفها لما وصفت قبل، والتشديد أحبّ إليّ من التخفيف، وبالتشديد القراءة، ولا أرى قراءة ذلك بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه، ومن التخفيف قول الأعشى:
فَصَدَقْتُها وكَذبْتُها ... والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهُ [[الخبر ١٥٣- هذا الإسناد صحيح، وسواء صح أم ضعف، فلا قيمة له، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار. وما كان كلام كعب حجة قط، في التفسير وغيره. و "الصدفي": بفتح الصاد والدال المهملتين، نسبة إلى "الصدف" بفتح الصاد وكسر الدال، وهي قبيلة من حمير، نزلت مصر. و "السلولي"، هو: عبد الله بن ضمرة السلولي، تابعي ثقة.
وهذا الخبر -عن كعب- ذكره ابن كثير ١: ٤٣ دون إسناد ولا نسبة. وذكر السيوطي ١: ١١ ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: باطلا وإثمًا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: وهي كذلك ليس فيها لغوٌ ولا كذَّاب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥) ﴾
.
يقول: إن للمتقين مَنجَى من النار إلى الجنة، ومخلصا منها لهم إليها، وظفرا بما طلبوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: فازوا بأن نَجَوا من النار.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ إي والله مفازا من النار إلى الجنة، ومن عذاب الله إلى رحمته.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: مفازا من النار إلى الجنة.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاومة، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ يقول: مُنْتَزَها [[الحديث ١٥١- هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في ١٣٧. و "محمد بن العلاء" شيخ الطبري: هو "أبو كريب" نفسه في الإسناد السابق، مرة يسميه ومرة يكنيه. وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤٣، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١١، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير ١: ١٠، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره.]] .
* *
وقوله: ﴿حَدَائِقَ﴾
والحدائق: ترجمة وبيان عن المفاز، وجاز أن يترجم عنه، لأن المفاز مصدر من قول القائل: فاز فلان بهذا الشيء، إذا طلبه فظفر به، فكأنه قيل: إن للمتقين ظفرا بما طلبوا من حدائق وأعناب، والحدائق: جمع حديقة، وهي البساتين من النخل والأعناب والأشجار المُحَوَّط عليها الحيطان المحدقة بها، لإحداق الحيطان بها تسمى الحديقة حديقة، فإن لم تكن الحيطان بها محدقة، لم يَقُل لها حديقة، وإحداقها بها: اشتمالها عليها.
* *
وقوله: ﴿وأعْنابًا﴾
يعني: وكرومَ أعناب، واستغنى بذكر الأعناب عن ذكر الكروم.
* *
وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾
يقول: ونواهد في سنّ واحدة.
وبنحو الذي قلنا قي ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ يقول: ونواهد.
* *
وقوله: ﴿أَتْرَابًا﴾
يقول: مُسْتَوِيَات.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني: النساء المستويات.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: نواهد أترابا، يقول: لسن واحدة.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ثم وصف ما في الجنة قال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني بذلك النساء أترابا لسنٍّ واحدة.
⁕ حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الكواعب: النواهد.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: الكواعب: التي قد نهدت وكَعَبَ ثديها، وقال: أترابا: مستويات، فلانة تربة فلانة، قال: الأتراب: اللِّدات.
⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا يحيى بن سليمان، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ لِدَّات.
* *
وقوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾
يقول: وكأسا ملأى متتابعة على شاربيها بكثرة وامتلاء، وأصله من الدَّهْق: وهو متابعة الضغط على الإنسان بشدّة وعنف، وكذلك الكأس الدهاق: متابعتها على شاربيها بكثرة وامتلاء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا أبو يزيد يحيى بن ميسرة، عن مسلم بن نَسْطاس، قال: قال ابن عباس لغلامه: اسقني دهاقا، قال: فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدِّهاق.
⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: ملأى.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، أخبرني سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عباس يُسأل عن ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: دراكا، قال يونس: قال ابن وهب: الذي يَتْبع بعضُه بعضا.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ يقول: ممتلئا.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا حميد الطويل، عن ثابت البُنَانيّ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، في قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: دمادم [[الحديث ١٥٢- نقله ابن كثير ١: ٤٣ بإسناد الطبري هذا، وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١١ ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي "بسند ضعيف". وإسناده ضعيف حقًا، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة، كما سنذكر:
أما بقية بن الوليد، فالحق أنه ثقة، وإنما نعوا عليه التدليس، ولا موضع له هنا، فإنه صرح بالتحديث.
ولكن عيسى بن إبراهيم، وهو القرشي الهاشمي، كل البلاء منه في هذا الحديث، وفي أحاديث من نحوه، رواها بهذا الإسناد. وقد قال فيه البخاري في الضعفاء: ٢٧: "منكر الحديث"، وكذلك النسائي: ٢٢. وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ ٢٧١ - ٢٧٢، وروى عن أبيه قال: "متروك الحديث"، وعن ابن معين: "ليس بشيء"، وقال ابن حبان في الضعفاء، الورقة ١٦٣: "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب.
وشيخه "موسى بن أبي حبيب" مثله: ضعيف تالف، وقال الذهبي في الميزان: "ضعفه أبو حاتم، وخبره ساقط. وله عن الحكم بن عمير، رجل قيل: له صحبة. والذي أراه أنه لم يلقه. وموسى -مع ضعفه- فمتأخر عن لقي صحابي كبير". فالبلاء من هذين أو من أحدهما.
حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه "الحكم بن عمير"، من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ٢ / ١٢٥، قال: "الحكم بن عمير: روى عن النبي ﷺ، لا يذكر السماع ولا لقاء، أحاديث منكرة، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو شيخ ضعيف الحديث، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم، وهو ذاهب الحديث، سمعت أبي يقول ذلك".
وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم، ذكر أنه ضعف الحكم! وكلام أبي حاتم -كما ترى- غير ذلك. وتعقبه الحافظ في لسان الميزان ٢: ٣٣٧ وأثبت أنه صحابي، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم، وأن الدارقطني قال: "كان بدريًا".
وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص ٥٤) في طبقة الصحابة، وقال: "يقال إن له صحبة". ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان، ولكن سها فزعم أنه ذكره "في ثقات التابعين".
وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب، رقم ٤٧٦: باسم "الحكم بن عمرو الثمالي، وثمالة في الأزد، شهد بدرًا، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم، لا تصح". وتسمية أبيه باسم "عمرو" خطأ قديم في نسخ الاستيعاب، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة ١: ٢٦، وأشار إلى الغلط فيه، ثم ترجمه على الصواب: "الحكم بن عمير الثمالي، من الأزد، وكان يسكن حمص". وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة ٢: ٣٠ تحقيقًا جيدًا.]] .
⁕ قال ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن يونس، عن الحسن ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مُتْرَعة مَلأى.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الدهاق: المَلأى المُتْرَعة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدهاق: الممتلئة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدِّهاق المملوءة.
وقال آخرون: الدِّهاق: الصافية.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن يحيى الأزديّ وعباس بن محمد، قالا ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: ثنا عمر بن عطاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: صافية.
وقال آخرون: بل هي المتتابعة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال سعيد بن جُبير في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ دهاقًا: المتتابعة.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابع.
⁕ حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى المتتابعة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابعة.
* *
وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾
يقول تعالى ذكره: لا يسمعون في الجنة لغوا، يعني باطلا من القول، ولا كذّابًا، يقول: ولا مكاذبة، أي لا يكذب بعضهم بعضا، وقرأت القرّاء في الأمصار بتشديد الذال على ما بيَّنت في قوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ سوى الكسائيّ فإنه خَفَّفها لما وصفت قبل، والتشديد أحبّ إليّ من التخفيف، وبالتشديد القراءة، ولا أرى قراءة ذلك بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه، ومن التخفيف قول الأعشى:
فَصَدَقْتُها وكَذبْتُها ... والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهُ [[الخبر ١٥٣- هذا الإسناد صحيح، وسواء صح أم ضعف، فلا قيمة له، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار. وما كان كلام كعب حجة قط، في التفسير وغيره. و "الصدفي": بفتح الصاد والدال المهملتين، نسبة إلى "الصدف" بفتح الصاد وكسر الدال، وهي قبيلة من حمير، نزلت مصر. و "السلولي"، هو: عبد الله بن ضمرة السلولي، تابعي ثقة.
وهذا الخبر -عن كعب- ذكره ابن كثير ١: ٤٣ دون إسناد ولا نسبة. وذكر السيوطي ١: ١١ ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: باطلا وإثمًا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: وهي كذلك ليس فيها لغوٌ ولا كذَّاب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥) ﴾
.
يقول: إن للمتقين مَنجَى من النار إلى الجنة، ومخلصا منها لهم إليها، وظفرا بما طلبوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: فازوا بأن نَجَوا من النار.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ إي والله مفازا من النار إلى الجنة، ومن عذاب الله إلى رحمته.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: مفازا من النار إلى الجنة.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاومة، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ يقول: مُنْتَزَها [[الحديث ١٥١- هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في ١٣٧. و "محمد بن العلاء" شيخ الطبري: هو "أبو كريب" نفسه في الإسناد السابق، مرة يسميه ومرة يكنيه. وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤٣، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١١، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير ١: ١٠، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره.]] .
* *
وقوله: ﴿حَدَائِقَ﴾
والحدائق: ترجمة وبيان عن المفاز، وجاز أن يترجم عنه، لأن المفاز مصدر من قول القائل: فاز فلان بهذا الشيء، إذا طلبه فظفر به، فكأنه قيل: إن للمتقين ظفرا بما طلبوا من حدائق وأعناب، والحدائق: جمع حديقة، وهي البساتين من النخل والأعناب والأشجار المُحَوَّط عليها الحيطان المحدقة بها، لإحداق الحيطان بها تسمى الحديقة حديقة، فإن لم تكن الحيطان بها محدقة، لم يَقُل لها حديقة، وإحداقها بها: اشتمالها عليها.
* *
وقوله: ﴿وأعْنابًا﴾
يعني: وكرومَ أعناب، واستغنى بذكر الأعناب عن ذكر الكروم.
* *
وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾
يقول: ونواهد في سنّ واحدة.
وبنحو الذي قلنا قي ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ يقول: ونواهد.
* *
وقوله: ﴿أَتْرَابًا﴾
يقول: مُسْتَوِيَات.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني: النساء المستويات.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: نواهد أترابا، يقول: لسن واحدة.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ثم وصف ما في الجنة قال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني بذلك النساء أترابا لسنٍّ واحدة.
⁕ حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الكواعب: النواهد.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: الكواعب: التي قد نهدت وكَعَبَ ثديها، وقال: أترابا: مستويات، فلانة تربة فلانة، قال: الأتراب: اللِّدات.
⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا يحيى بن سليمان، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ لِدَّات.
* *
وقوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾
يقول: وكأسا ملأى متتابعة على شاربيها بكثرة وامتلاء، وأصله من الدَّهْق: وهو متابعة الضغط على الإنسان بشدّة وعنف، وكذلك الكأس الدهاق: متابعتها على شاربيها بكثرة وامتلاء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا أبو يزيد يحيى بن ميسرة، عن مسلم بن نَسْطاس، قال: قال ابن عباس لغلامه: اسقني دهاقا، قال: فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدِّهاق.
⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: ملأى.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، أخبرني سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عباس يُسأل عن ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: دراكا، قال يونس: قال ابن وهب: الذي يَتْبع بعضُه بعضا.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ يقول: ممتلئا.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا حميد الطويل، عن ثابت البُنَانيّ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، في قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: دمادم [[الحديث ١٥٢- نقله ابن كثير ١: ٤٣ بإسناد الطبري هذا، وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١١ ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي "بسند ضعيف". وإسناده ضعيف حقًا، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة، كما سنذكر:
أما بقية بن الوليد، فالحق أنه ثقة، وإنما نعوا عليه التدليس، ولا موضع له هنا، فإنه صرح بالتحديث.
ولكن عيسى بن إبراهيم، وهو القرشي الهاشمي، كل البلاء منه في هذا الحديث، وفي أحاديث من نحوه، رواها بهذا الإسناد. وقد قال فيه البخاري في الضعفاء: ٢٧: "منكر الحديث"، وكذلك النسائي: ٢٢. وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ ٢٧١ - ٢٧٢، وروى عن أبيه قال: "متروك الحديث"، وعن ابن معين: "ليس بشيء"، وقال ابن حبان في الضعفاء، الورقة ١٦٣: "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب.
وشيخه "موسى بن أبي حبيب" مثله: ضعيف تالف، وقال الذهبي في الميزان: "ضعفه أبو حاتم، وخبره ساقط. وله عن الحكم بن عمير، رجل قيل: له صحبة. والذي أراه أنه لم يلقه. وموسى -مع ضعفه- فمتأخر عن لقي صحابي كبير". فالبلاء من هذين أو من أحدهما.
حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه "الحكم بن عمير"، من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ٢ / ١٢٥، قال: "الحكم بن عمير: روى عن النبي ﷺ، لا يذكر السماع ولا لقاء، أحاديث منكرة، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو شيخ ضعيف الحديث، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم، وهو ذاهب الحديث، سمعت أبي يقول ذلك".
وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم، ذكر أنه ضعف الحكم! وكلام أبي حاتم -كما ترى- غير ذلك. وتعقبه الحافظ في لسان الميزان ٢: ٣٣٧ وأثبت أنه صحابي، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم، وأن الدارقطني قال: "كان بدريًا".
وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص ٥٤) في طبقة الصحابة، وقال: "يقال إن له صحبة". ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان، ولكن سها فزعم أنه ذكره "في ثقات التابعين".
وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب، رقم ٤٧٦: باسم "الحكم بن عمرو الثمالي، وثمالة في الأزد، شهد بدرًا، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم، لا تصح". وتسمية أبيه باسم "عمرو" خطأ قديم في نسخ الاستيعاب، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة ١: ٢٦، وأشار إلى الغلط فيه، ثم ترجمه على الصواب: "الحكم بن عمير الثمالي، من الأزد، وكان يسكن حمص". وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة ٢: ٣٠ تحقيقًا جيدًا.]] .
⁕ قال ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن يونس، عن الحسن ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مُتْرَعة مَلأى.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الدهاق: المَلأى المُتْرَعة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدهاق: الممتلئة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدِّهاق المملوءة.
وقال آخرون: الدِّهاق: الصافية.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن يحيى الأزديّ وعباس بن محمد، قالا ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: ثنا عمر بن عطاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: صافية.
وقال آخرون: بل هي المتتابعة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال سعيد بن جُبير في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ دهاقًا: المتتابعة.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابع.
⁕ حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى المتتابعة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابعة.
* *
وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾
يقول تعالى ذكره: لا يسمعون في الجنة لغوا، يعني باطلا من القول، ولا كذّابًا، يقول: ولا مكاذبة، أي لا يكذب بعضهم بعضا، وقرأت القرّاء في الأمصار بتشديد الذال على ما بيَّنت في قوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ سوى الكسائيّ فإنه خَفَّفها لما وصفت قبل، والتشديد أحبّ إليّ من التخفيف، وبالتشديد القراءة، ولا أرى قراءة ذلك بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه، ومن التخفيف قول الأعشى:
فَصَدَقْتُها وكَذبْتُها ... والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهُ [[الخبر ١٥٣- هذا الإسناد صحيح، وسواء صح أم ضعف، فلا قيمة له، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار. وما كان كلام كعب حجة قط، في التفسير وغيره. و "الصدفي": بفتح الصاد والدال المهملتين، نسبة إلى "الصدف" بفتح الصاد وكسر الدال، وهي قبيلة من حمير، نزلت مصر. و "السلولي"، هو: عبد الله بن ضمرة السلولي، تابعي ثقة.
وهذا الخبر -عن كعب- ذكره ابن كثير ١: ٤٣ دون إسناد ولا نسبة. وذكر السيوطي ١: ١١ ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: باطلا وإثمًا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: وهي كذلك ليس فيها لغوٌ ولا كذَّاب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥) ﴾
.
يقول: إن للمتقين مَنجَى من النار إلى الجنة، ومخلصا منها لهم إليها، وظفرا بما طلبوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: فازوا بأن نَجَوا من النار.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ إي والله مفازا من النار إلى الجنة، ومن عذاب الله إلى رحمته.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: مفازا من النار إلى الجنة.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاومة، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ يقول: مُنْتَزَها [[الحديث ١٥١- هذا الإسناد سبق بيان ضعفه في ١٣٧. و "محمد بن العلاء" شيخ الطبري: هو "أبو كريب" نفسه في الإسناد السابق، مرة يسميه ومرة يكنيه. وهذا الحديث نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤٣، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١١، والشوكاني في تفسيره الذي سماه فتح القدير ١: ١٠، ونسبوه أيضًا لابن أبي حاتم في تفسيره.]] .
* *
وقوله: ﴿حَدَائِقَ﴾
والحدائق: ترجمة وبيان عن المفاز، وجاز أن يترجم عنه، لأن المفاز مصدر من قول القائل: فاز فلان بهذا الشيء، إذا طلبه فظفر به، فكأنه قيل: إن للمتقين ظفرا بما طلبوا من حدائق وأعناب، والحدائق: جمع حديقة، وهي البساتين من النخل والأعناب والأشجار المُحَوَّط عليها الحيطان المحدقة بها، لإحداق الحيطان بها تسمى الحديقة حديقة، فإن لم تكن الحيطان بها محدقة، لم يَقُل لها حديقة، وإحداقها بها: اشتمالها عليها.
* *
وقوله: ﴿وأعْنابًا﴾
يعني: وكرومَ أعناب، واستغنى بذكر الأعناب عن ذكر الكروم.
* *
وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾
يقول: ونواهد في سنّ واحدة.
وبنحو الذي قلنا قي ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ يقول: ونواهد.
* *
وقوله: ﴿أَتْرَابًا﴾
يقول: مُسْتَوِيَات.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني: النساء المستويات.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: نواهد أترابا، يقول: لسن واحدة.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ثم وصف ما في الجنة قال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ يعني بذلك النساء أترابا لسنٍّ واحدة.
⁕ حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الكواعب: النواهد.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ قال: الكواعب: التي قد نهدت وكَعَبَ ثديها، وقال: أترابا: مستويات، فلانة تربة فلانة، قال: الأتراب: اللِّدات.
⁕ حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا يحيى بن سليمان، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ لِدَّات.
* *
وقوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾
يقول: وكأسا ملأى متتابعة على شاربيها بكثرة وامتلاء، وأصله من الدَّهْق: وهو متابعة الضغط على الإنسان بشدّة وعنف، وكذلك الكأس الدهاق: متابعتها على شاربيها بكثرة وامتلاء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا أبو يزيد يحيى بن ميسرة، عن مسلم بن نَسْطاس، قال: قال ابن عباس لغلامه: اسقني دهاقا، قال: فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدِّهاق.
⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: ملأى.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، أخبرني سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عباس يُسأل عن ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: دراكا، قال يونس: قال ابن وهب: الذي يَتْبع بعضُه بعضا.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ يقول: ممتلئا.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا حميد الطويل، عن ثابت البُنَانيّ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، في قوله: ﴿كَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: دمادم [[الحديث ١٥٢- نقله ابن كثير ١: ٤٣ بإسناد الطبري هذا، وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١١ ونسبه للطبري والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي "بسند ضعيف". وإسناده ضعيف حقًا، بل هو إسناد لا تقوم له قائمة، كما سنذكر:
أما بقية بن الوليد، فالحق أنه ثقة، وإنما نعوا عليه التدليس، ولا موضع له هنا، فإنه صرح بالتحديث.
ولكن عيسى بن إبراهيم، وهو القرشي الهاشمي، كل البلاء منه في هذا الحديث، وفي أحاديث من نحوه، رواها بهذا الإسناد. وقد قال فيه البخاري في الضعفاء: ٢٧: "منكر الحديث"، وكذلك النسائي: ٢٢. وترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ١ ٢٧١ - ٢٧٢، وروى عن أبيه قال: "متروك الحديث"، وعن ابن معين: "ليس بشيء"، وقال ابن حبان في الضعفاء، الورقة ١٦٣: "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". وترجمته في الميزان ولسان الميزان فيها العجب.
وشيخه "موسى بن أبي حبيب" مثله: ضعيف تالف، وقال الذهبي في الميزان: "ضعفه أبو حاتم، وخبره ساقط. وله عن الحكم بن عمير، رجل قيل: له صحبة. والذي أراه أنه لم يلقه. وموسى -مع ضعفه- فمتأخر عن لقي صحابي كبير". فالبلاء من هذين أو من أحدهما.
حتى لقد شك بعض الحفاظ في وجود الصحابي نفسه "الحكم بن عمير"، من أجلهما! فترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ٢ / ١٢٥، قال: "الحكم بن عمير: روى عن النبي ﷺ، لا يذكر السماع ولا لقاء، أحاديث منكرة، من رواية ابن أخيه موسى بن أبي حبيب، وهو شيخ ضعيف الحديث، ويروي عن موسى بن أبي حبيب عيسى بن إبراهيم، وهو ذاهب الحديث، سمعت أبي يقول ذلك".
وحتى إن الذهبي أنكر صحبته وترجم له في الميزان، وأخطأ في النقل فيه عن أبي حاتم، ذكر أنه ضعف الحكم! وكلام أبي حاتم -كما ترى- غير ذلك. وتعقبه الحافظ في لسان الميزان ٢: ٣٣٧ وأثبت أنه صحابي، بما ذكره ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم والترمذي وغيرهم، وأن الدارقطني قال: "كان بدريًا".
وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (ص ٥٤) في طبقة الصحابة، وقال: "يقال إن له صحبة". ونقل الحافظ هذا في اللسان عن ابن حبان، ولكن سها فزعم أنه ذكره "في ثقات التابعين".
وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب، رقم ٤٧٦: باسم "الحكم بن عمرو الثمالي، وثمالة في الأزد، شهد بدرًا، ورويت عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشأم، لا تصح". وتسمية أبيه باسم "عمرو" خطأ قديم في نسخ الاستيعاب، لأن ابن الأثير تبعه في أسد الغابة ١: ٢٦، وأشار إلى الغلط فيه، ثم ترجمه على الصواب: "الحكم بن عمير الثمالي، من الأزد، وكان يسكن حمص". وحقق الحافظ ترجمته في الإصابة ٢: ٣٠ تحقيقًا جيدًا.]] .
⁕ قال ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن يونس، عن الحسن ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مَلأى.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: مُتْرَعة مَلأى.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الدهاق: المَلأى المُتْرَعة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدهاق: الممتلئة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كأْسًا دِهاقًا﴾ قال: الدِّهاق المملوءة.
وقال آخرون: الدِّهاق: الصافية.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن يحيى الأزديّ وعباس بن محمد، قالا ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: ثنا عمر بن عطاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: صافية.
وقال آخرون: بل هي المتتابعة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال سعيد بن جُبير في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ دهاقًا: المتتابعة.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابع.
⁕ حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: الملأى المتتابعة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال: المتتابعة.
* *
وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾
يقول تعالى ذكره: لا يسمعون في الجنة لغوا، يعني باطلا من القول، ولا كذّابًا، يقول: ولا مكاذبة، أي لا يكذب بعضهم بعضا، وقرأت القرّاء في الأمصار بتشديد الذال على ما بيَّنت في قوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ سوى الكسائيّ فإنه خَفَّفها لما وصفت قبل، والتشديد أحبّ إليّ من التخفيف، وبالتشديد القراءة، ولا أرى قراءة ذلك بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه، ومن التخفيف قول الأعشى:
فَصَدَقْتُها وكَذبْتُها ... والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهُ [[الخبر ١٥٣- هذا الإسناد صحيح، وسواء صح أم ضعف، فلا قيمة له، إذ منتهاه إلى كعب الأحبار. وما كان كلام كعب حجة قط، في التفسير وغيره. و "الصدفي": بفتح الصاد والدال المهملتين، نسبة إلى "الصدف" بفتح الصاد وكسر الدال، وهي قبيلة من حمير، نزلت مصر. و "السلولي"، هو: عبد الله بن ضمرة السلولي، تابعي ثقة.
وهذا الخبر -عن كعب- ذكره ابن كثير ١: ٤٣ دون إسناد ولا نسبة. وذكر السيوطي ١: ١١ ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: باطلا وإثمًا.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ قال: وهي كذلك ليس فيها لغوٌ ولا كذَّاب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ﴾ .
يعني بقوله جلّ ثناؤه: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً﴾ أعطى الله هؤلاء المتقين ما وصف في هذه الآيات ثوابًا من ربك بأعمالهم، على طاعتهم إياه في الدنيا.
* *
وقوله: ﴿عَطاءً﴾
يقول: تفضلا من الله عليهم بذلك الجزاء، وذلك أنه جزاهم بالواحد عشرا في بعض وفي بعض بالواحد سبع مِئَةٍ، فهذه الزيادة وإن كانت جزاء، فعطاء من الله.
* *
وقوله: ﴿حِسابًا﴾
يقول: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ قال: عطاء منه حسابًا لما عملوا.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ : أي عطاء كثيرا، فجزاهم بالعمل اليسير الخير الجسيم، الذي لا انقطاع له.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة، في قوله: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ قال: عطاء كثيرا، وقال مجاهد: عطاء من الله حسابًا بأعمالهم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قول الله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ فقرأ: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ... ﴾ إلى ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ قال: فهذه جزاء بأعمالهم عطاء الذي أعطاهم عملوا له واحدة، فجزاهم عشرا، وقرأ قول الله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ، وقرأ قول الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: يزيد من يشاء، كان هذا كله عطاء، ولم يكن أعمالا يحسبه لهم، فجزاهم به حتى كأنهم عملوا له، قال: ولم يعملوا إنما عملوا عشرا، فأعطاهم مئة، وعملوا مئة، فأعطاهم ألفا، هذا كله عطاء، والعمل الأوّل، ثم حَسَب ذلك حتى كأنهم عملوا فجزاهم كما جزاهم بالذي عملوا.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾
يقول جلّ ثناؤه: جزاء من ربك ربّ السموات السبع والأرض وما بينهما من الخلق.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَما بَيْنَهُما الرَّحْمَنُ﴾ بالرفع في كليهما. وقرأ ذلك بعض أهل البصرة وبعض الكوفيين: ﴿رَبِّ﴾ خفضًا: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفعًا ولكلّ ذلك عندنا وجه صحيح، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب، غير أن الخفض في الربّ، لقربه من قوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ : أعجب إليّ، وأما ﴿الرَّحْمَنُ﴾ بالرفع فإنه أحسن لبعده من ذلك.
* *
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾
يقول تعالى ذكره: الرحمن لا يقدر أحد من خلقه خطابه يوم القيامة، إلا من أذن له منهم وقال صوابًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال: كلاما.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي كلاما.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال: لا يملكون أن يخاطبوا الله، والمخاطِب: المخاصم الذي يخاصم صاحبه.
* *
وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾
اختلف أهل العلم في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو مَلَك من أعظم الملائكة خَلْقًا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن خلف العَسْقَلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: الرُّوح: ملك في السماء الرابعة، هو أعظم من السموات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح الله كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كلّ تسبيحة مَلَكا من الملائكة، يجيء يوم القيامة صفًّا وحده.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال: هو ملك أعظم الملائكة خَلْقًا.
وقال آخرون: هو جبريل عليه السلام.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: جبريل عليه السلام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الضحاك ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: الروح: جبريل عليه السلام.
⁕ حدثنا محمد بن خَلَف العَسْقَلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة عن الشعبىّ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: الروح جبريل عليه السلام.
وقال آخرون: خَلْق من خلق الله في صورة بني آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ﴿الرُّوحُ﴾ خَلْق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مسلم، عن مجاهد، قال: ﴿الرُّوحُ﴾ : خلق لهم أيد وأرجل، وأراه قال: ورءوس يأكلون الطعام، ليسوا ملائكة.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: يشبهون الناس وليسوا بالناس.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن مجاهد، قال: ﴿الرُّوحُ﴾ خلق كخلق آدم.
⁕ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قال: الروح خلق من خلق الله يضعفون على الملائكة أضعافًا، لهم أيد وأرجل.
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن إسماعيل، عن أبي صالح مولى أم هانئ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال: الروح: خلق كالناس، وليسوا بالناس.
وقال آخرون: هم بنو آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: هم بنو آدم، وهو قول الحسن.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: الروح بنو آدم. وقال قتادة: هذا مما كان يكتمه ابن عباس.
وقال آخرون: قيل: ذلك أرواح بني آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ قال: يعني حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تردّ الأرواح إلى الأجساد.
وقال آخرون: هو القرآن.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، كان أبي يقول: الروح: القرآن، وقرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ﴾ .
والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ خَلْقَه لا يملكون منه خطابا، يوم يقوم الرُّوح، والرُّوح خَلْق من خَلْقِه، وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أيّ ذلك هو، ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعنيّ به دون غيره يجب التسليم له، ولاحجة تدلّ عليه، وغير ضائر الجهل به.
وقيل: إنه يقول: سِمَاطان.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبيّ، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قال: هما سِمَاطان [[الحديث ١٥٤ - إسناده صحيح. علي بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن الخراز، شيخ الطبري: ثقة، مترجم في تاريخ بغداد ١١: ٣٧٤ - ٣٧٥. و "الخراز": ثبت في الطبري بالخاء والراء وآخره زاي. وفي تاريخ بغداد "الخزاز" بزاءين، ولم نستطع الترجيح بينهما. مسلم بن عبد الرحمن الجرمي: مترجم في لسان الميزان ٦: ٣٢ باسم "مسلم بن أبي مسلم" فلم يذكر اسم أبيه، وهو هو. ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ١٣: ١٠٠، قال: "مسلم بن أبي مسلم الجرمي، وهو مسلم بن عبد الرحمن"، وقال: "كان ثقة، نزل طرسوس، وبها كانت وفاته". و "الجرمي": رسمت في أصول الطبري ولسان الميزان "الحرمي" بدون نقط. ولكنهم لم ينصوا على ضبطه. وعادتهم في مثل هذا أن ينصوا على ضبط القليل والشاذ، وأن يدعوا الكثير الذي يأتي على الجادة في الضبط، والجادة في هذا الرسم "الجرمي" بالجيم، وبذلك رسم في تاريخ بغداد، فعن هذا أو ذاك رجحناه. و "محمد بن مصعب القرقساني"، و "مبارك بن فضالة": مختلف فيهما. وقد رجحنا توثيقهما في شرح المسند: الأول في ٣٠٤٨، والثاني في ٥٢١. و "الحسن": هو البصري، وقد أثبتنا في شرح صحيح ابن حبان، في الحديث ١٣٢ أنه سمع من الأسود بن سريع.
وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ١: ١٢ عن تفسير الطبري. ورواه أحمد في المسند بمعناه مختصرًا ١٥٦٥٠ (٣: ٤٣٥ حلبي) عن روح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن الأسود بن سريع، قال: "قلت: يا رسول الله، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي؟ قال: أما إن ربك يحب الحمد". وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات أثبات. وذكره ابن كثير في التفسير ١: ٤٣ عن المسند. وكذلك ذكره السيوطي، ونسبه أيضًا للنسائي والحاكم وغيرهما.
ورواه أحمد أيضًا ١٥٦٥٤، والبخاري في الأدب المفرد: ٥١، بنحوه، في قصة مطولة، من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأسود بن سريع.
ومعناه ثابت صحيح، من حديث ابن مسعود، في المسند ٤١٥٣: "لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه". ورواه أيضًا البخاري ومسلم وغيرهما.]] لربّ العالمين يوم القيامة؛ سِماط من الروح، وسِماط من الملائكة.
* *
وقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾
قيل: إنهم يُؤْذَن لهم في الكلام حين يُؤْمَر بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى الجنة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: ثنا أبو عمرو - الذي يقصّ في طيئ - عن عكرمة، وقرأ هذه الآية: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: يُمرّ بأناس من أهل النار على ملائكة، فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار، فيقولون: بما كَسَبت أيديهم، وما ظلمهم الله، ويمرّ بأناس من أهل الجنة على ملائكة، فيقال: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة، قال: فيُؤْذَن لهم في الكلام، أو نحو ذلك.
وقال آخرون: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ بالتوحيد ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ في الدنيا، فوحَّد الله.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ يقول: إلا من أذن له الربّ بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهى الصواب.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: حقا في الدنيا وعمل به.
⁕ حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: لا إله إلا الله.
قال أبو حفص: فحدثت به يحيى بن سعيد، فقال: أنا كتبته عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن أبي معاوية.
⁕ حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر العَدَنيّ، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرِمة في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: لا إله إلا الله.
والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن خلقه أنهم لا يتكلمون يوم يقوم الروح والملائكة صفا، إلا من أذن له منهم في الكلام الرحمن، وقال صوابا، فالواجب أن يقال كما أخبر إذ لم يخبرنا في كتابه، ولا على لسان رسوله، أنه عَنَى بذلك نوعا من أنواع الصواب، والظاهر محتمل جميعه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ﴾ .
يعني بقوله جلّ ثناؤه: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً﴾ أعطى الله هؤلاء المتقين ما وصف في هذه الآيات ثوابًا من ربك بأعمالهم، على طاعتهم إياه في الدنيا.
* *
وقوله: ﴿عَطاءً﴾
يقول: تفضلا من الله عليهم بذلك الجزاء، وذلك أنه جزاهم بالواحد عشرا في بعض وفي بعض بالواحد سبع مِئَةٍ، فهذه الزيادة وإن كانت جزاء، فعطاء من الله.
* *
وقوله: ﴿حِسابًا﴾
يقول: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ قال: عطاء منه حسابًا لما عملوا.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ : أي عطاء كثيرا، فجزاهم بالعمل اليسير الخير الجسيم، الذي لا انقطاع له.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة، في قوله: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ قال: عطاء كثيرا، وقال مجاهد: عطاء من الله حسابًا بأعمالهم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قول الله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ فقرأ: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ... ﴾ إلى ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ قال: فهذه جزاء بأعمالهم عطاء الذي أعطاهم عملوا له واحدة، فجزاهم عشرا، وقرأ قول الله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ، وقرأ قول الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: يزيد من يشاء، كان هذا كله عطاء، ولم يكن أعمالا يحسبه لهم، فجزاهم به حتى كأنهم عملوا له، قال: ولم يعملوا إنما عملوا عشرا، فأعطاهم مئة، وعملوا مئة، فأعطاهم ألفا، هذا كله عطاء، والعمل الأوّل، ثم حَسَب ذلك حتى كأنهم عملوا فجزاهم كما جزاهم بالذي عملوا.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾
يقول جلّ ثناؤه: جزاء من ربك ربّ السموات السبع والأرض وما بينهما من الخلق.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَما بَيْنَهُما الرَّحْمَنُ﴾ بالرفع في كليهما. وقرأ ذلك بعض أهل البصرة وبعض الكوفيين: ﴿رَبِّ﴾ خفضًا: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفعًا ولكلّ ذلك عندنا وجه صحيح، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب، غير أن الخفض في الربّ، لقربه من قوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ : أعجب إليّ، وأما ﴿الرَّحْمَنُ﴾ بالرفع فإنه أحسن لبعده من ذلك.
* *
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾
يقول تعالى ذكره: الرحمن لا يقدر أحد من خلقه خطابه يوم القيامة، إلا من أذن له منهم وقال صوابًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال: كلاما.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي كلاما.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال: لا يملكون أن يخاطبوا الله، والمخاطِب: المخاصم الذي يخاصم صاحبه.
* *
وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾
اختلف أهل العلم في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو مَلَك من أعظم الملائكة خَلْقًا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن خلف العَسْقَلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: الرُّوح: ملك في السماء الرابعة، هو أعظم من السموات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح الله كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كلّ تسبيحة مَلَكا من الملائكة، يجيء يوم القيامة صفًّا وحده.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال: هو ملك أعظم الملائكة خَلْقًا.
وقال آخرون: هو جبريل عليه السلام.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: جبريل عليه السلام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الضحاك ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: الروح: جبريل عليه السلام.
⁕ حدثنا محمد بن خَلَف العَسْقَلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة عن الشعبىّ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: الروح جبريل عليه السلام.
وقال آخرون: خَلْق من خلق الله في صورة بني آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ﴿الرُّوحُ﴾ خَلْق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مسلم، عن مجاهد، قال: ﴿الرُّوحُ﴾ : خلق لهم أيد وأرجل، وأراه قال: ورءوس يأكلون الطعام، ليسوا ملائكة.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: يشبهون الناس وليسوا بالناس.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن مجاهد، قال: ﴿الرُّوحُ﴾ خلق كخلق آدم.
⁕ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قال: الروح خلق من خلق الله يضعفون على الملائكة أضعافًا، لهم أيد وأرجل.
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن إسماعيل، عن أبي صالح مولى أم هانئ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال: الروح: خلق كالناس، وليسوا بالناس.
وقال آخرون: هم بنو آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: هم بنو آدم، وهو قول الحسن.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: الروح بنو آدم. وقال قتادة: هذا مما كان يكتمه ابن عباس.
وقال آخرون: قيل: ذلك أرواح بني آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ قال: يعني حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تردّ الأرواح إلى الأجساد.
وقال آخرون: هو القرآن.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، كان أبي يقول: الروح: القرآن، وقرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ﴾ .
والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ خَلْقَه لا يملكون منه خطابا، يوم يقوم الرُّوح، والرُّوح خَلْق من خَلْقِه، وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أيّ ذلك هو، ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعنيّ به دون غيره يجب التسليم له، ولاحجة تدلّ عليه، وغير ضائر الجهل به.
وقيل: إنه يقول: سِمَاطان.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبيّ، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قال: هما سِمَاطان [[الحديث ١٥٤ - إسناده صحيح. علي بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن الخراز، شيخ الطبري: ثقة، مترجم في تاريخ بغداد ١١: ٣٧٤ - ٣٧٥. و "الخراز": ثبت في الطبري بالخاء والراء وآخره زاي. وفي تاريخ بغداد "الخزاز" بزاءين، ولم نستطع الترجيح بينهما. مسلم بن عبد الرحمن الجرمي: مترجم في لسان الميزان ٦: ٣٢ باسم "مسلم بن أبي مسلم" فلم يذكر اسم أبيه، وهو هو. ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ١٣: ١٠٠، قال: "مسلم بن أبي مسلم الجرمي، وهو مسلم بن عبد الرحمن"، وقال: "كان ثقة، نزل طرسوس، وبها كانت وفاته". و "الجرمي": رسمت في أصول الطبري ولسان الميزان "الحرمي" بدون نقط. ولكنهم لم ينصوا على ضبطه. وعادتهم في مثل هذا أن ينصوا على ضبط القليل والشاذ، وأن يدعوا الكثير الذي يأتي على الجادة في الضبط، والجادة في هذا الرسم "الجرمي" بالجيم، وبذلك رسم في تاريخ بغداد، فعن هذا أو ذاك رجحناه. و "محمد بن مصعب القرقساني"، و "مبارك بن فضالة": مختلف فيهما. وقد رجحنا توثيقهما في شرح المسند: الأول في ٣٠٤٨، والثاني في ٥٢١. و "الحسن": هو البصري، وقد أثبتنا في شرح صحيح ابن حبان، في الحديث ١٣٢ أنه سمع من الأسود بن سريع.
وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ١: ١٢ عن تفسير الطبري. ورواه أحمد في المسند بمعناه مختصرًا ١٥٦٥٠ (٣: ٤٣٥ حلبي) عن روح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن الأسود بن سريع، قال: "قلت: يا رسول الله، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي؟ قال: أما إن ربك يحب الحمد". وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات أثبات. وذكره ابن كثير في التفسير ١: ٤٣ عن المسند. وكذلك ذكره السيوطي، ونسبه أيضًا للنسائي والحاكم وغيرهما.
ورواه أحمد أيضًا ١٥٦٥٤، والبخاري في الأدب المفرد: ٥١، بنحوه، في قصة مطولة، من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأسود بن سريع.
ومعناه ثابت صحيح، من حديث ابن مسعود، في المسند ٤١٥٣: "لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه". ورواه أيضًا البخاري ومسلم وغيرهما.]] لربّ العالمين يوم القيامة؛ سِماط من الروح، وسِماط من الملائكة.
* *
وقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾
قيل: إنهم يُؤْذَن لهم في الكلام حين يُؤْمَر بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى الجنة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: ثنا أبو عمرو - الذي يقصّ في طيئ - عن عكرمة، وقرأ هذه الآية: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: يُمرّ بأناس من أهل النار على ملائكة، فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار، فيقولون: بما كَسَبت أيديهم، وما ظلمهم الله، ويمرّ بأناس من أهل الجنة على ملائكة، فيقال: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة، قال: فيُؤْذَن لهم في الكلام، أو نحو ذلك.
وقال آخرون: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ بالتوحيد ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ في الدنيا، فوحَّد الله.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ يقول: إلا من أذن له الربّ بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهى الصواب.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: حقا في الدنيا وعمل به.
⁕ حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: لا إله إلا الله.
قال أبو حفص: فحدثت به يحيى بن سعيد، فقال: أنا كتبته عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن أبي معاوية.
⁕ حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر العَدَنيّ، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرِمة في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: لا إله إلا الله.
والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن خلقه أنهم لا يتكلمون يوم يقوم الروح والملائكة صفا، إلا من أذن له منهم في الكلام الرحمن، وقال صوابا، فالواجب أن يقال كما أخبر إذ لم يخبرنا في كتابه، ولا على لسان رسوله، أنه عَنَى بذلك نوعا من أنواع الصواب، والظاهر محتمل جميعه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ﴾ .
يعني بقوله جلّ ثناؤه: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً﴾ أعطى الله هؤلاء المتقين ما وصف في هذه الآيات ثوابًا من ربك بأعمالهم، على طاعتهم إياه في الدنيا.
* *
وقوله: ﴿عَطاءً﴾
يقول: تفضلا من الله عليهم بذلك الجزاء، وذلك أنه جزاهم بالواحد عشرا في بعض وفي بعض بالواحد سبع مِئَةٍ، فهذه الزيادة وإن كانت جزاء، فعطاء من الله.
* *
وقوله: ﴿حِسابًا﴾
يقول: محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ قال: عطاء منه حسابًا لما عملوا.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ : أي عطاء كثيرا، فجزاهم بالعمل اليسير الخير الجسيم، الذي لا انقطاع له.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة، في قوله: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ قال: عطاء كثيرا، وقال مجاهد: عطاء من الله حسابًا بأعمالهم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قول الله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ فقرأ: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ... ﴾ إلى ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ قال: فهذه جزاء بأعمالهم عطاء الذي أعطاهم عملوا له واحدة، فجزاهم عشرا، وقرأ قول الله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ، وقرأ قول الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: يزيد من يشاء، كان هذا كله عطاء، ولم يكن أعمالا يحسبه لهم، فجزاهم به حتى كأنهم عملوا له، قال: ولم يعملوا إنما عملوا عشرا، فأعطاهم مئة، وعملوا مئة، فأعطاهم ألفا، هذا كله عطاء، والعمل الأوّل، ثم حَسَب ذلك حتى كأنهم عملوا فجزاهم كما جزاهم بالذي عملوا.
* *
وقوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾
يقول جلّ ثناؤه: جزاء من ربك ربّ السموات السبع والأرض وما بينهما من الخلق.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَما بَيْنَهُما الرَّحْمَنُ﴾ بالرفع في كليهما. وقرأ ذلك بعض أهل البصرة وبعض الكوفيين: ﴿رَبِّ﴾ خفضًا: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفعًا ولكلّ ذلك عندنا وجه صحيح، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب، غير أن الخفض في الربّ، لقربه من قوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ : أعجب إليّ، وأما ﴿الرَّحْمَنُ﴾ بالرفع فإنه أحسن لبعده من ذلك.
* *
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾
يقول تعالى ذكره: الرحمن لا يقدر أحد من خلقه خطابه يوم القيامة، إلا من أذن له منهم وقال صوابًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال: كلاما.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي كلاما.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال: لا يملكون أن يخاطبوا الله، والمخاطِب: المخاصم الذي يخاصم صاحبه.
* *
وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾
اختلف أهل العلم في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو مَلَك من أعظم الملائكة خَلْقًا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن خلف العَسْقَلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: الرُّوح: ملك في السماء الرابعة، هو أعظم من السموات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح الله كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كلّ تسبيحة مَلَكا من الملائكة، يجيء يوم القيامة صفًّا وحده.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال: هو ملك أعظم الملائكة خَلْقًا.
وقال آخرون: هو جبريل عليه السلام.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: جبريل عليه السلام.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الضحاك ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: الروح: جبريل عليه السلام.
⁕ حدثنا محمد بن خَلَف العَسْقَلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة عن الشعبىّ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: الروح جبريل عليه السلام.
وقال آخرون: خَلْق من خلق الله في صورة بني آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ﴿الرُّوحُ﴾ خَلْق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مسلم، عن مجاهد، قال: ﴿الرُّوحُ﴾ : خلق لهم أيد وأرجل، وأراه قال: ورءوس يأكلون الطعام، ليسوا ملائكة.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: يشبهون الناس وليسوا بالناس.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن مجاهد، قال: ﴿الرُّوحُ﴾ خلق كخلق آدم.
⁕ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قال: الروح خلق من خلق الله يضعفون على الملائكة أضعافًا، لهم أيد وأرجل.
⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن إسماعيل، عن أبي صالح مولى أم هانئ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال: الروح: خلق كالناس، وليسوا بالناس.
وقال آخرون: هم بنو آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: هم بنو آدم، وهو قول الحسن.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: الروح بنو آدم. وقال قتادة: هذا مما كان يكتمه ابن عباس.
وقال آخرون: قيل: ذلك أرواح بني آدم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ قال: يعني حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن تردّ الأرواح إلى الأجساد.
وقال آخرون: هو القرآن.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، كان أبي يقول: الروح: القرآن، وقرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ﴾ .
والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ خَلْقَه لا يملكون منه خطابا، يوم يقوم الرُّوح، والرُّوح خَلْق من خَلْقِه، وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أيّ ذلك هو، ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعنيّ به دون غيره يجب التسليم له، ولاحجة تدلّ عليه، وغير ضائر الجهل به.
وقيل: إنه يقول: سِمَاطان.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبيّ، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قال: هما سِمَاطان [[الحديث ١٥٤ - إسناده صحيح. علي بن الحسن بن عبدويه أبو الحسن الخراز، شيخ الطبري: ثقة، مترجم في تاريخ بغداد ١١: ٣٧٤ - ٣٧٥. و "الخراز": ثبت في الطبري بالخاء والراء وآخره زاي. وفي تاريخ بغداد "الخزاز" بزاءين، ولم نستطع الترجيح بينهما. مسلم بن عبد الرحمن الجرمي: مترجم في لسان الميزان ٦: ٣٢ باسم "مسلم بن أبي مسلم" فلم يذكر اسم أبيه، وهو هو. ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ١٣: ١٠٠، قال: "مسلم بن أبي مسلم الجرمي، وهو مسلم بن عبد الرحمن"، وقال: "كان ثقة، نزل طرسوس، وبها كانت وفاته". و "الجرمي": رسمت في أصول الطبري ولسان الميزان "الحرمي" بدون نقط. ولكنهم لم ينصوا على ضبطه. وعادتهم في مثل هذا أن ينصوا على ضبط القليل والشاذ، وأن يدعوا الكثير الذي يأتي على الجادة في الضبط، والجادة في هذا الرسم "الجرمي" بالجيم، وبذلك رسم في تاريخ بغداد، فعن هذا أو ذاك رجحناه. و "محمد بن مصعب القرقساني"، و "مبارك بن فضالة": مختلف فيهما. وقد رجحنا توثيقهما في شرح المسند: الأول في ٣٠٤٨، والثاني في ٥٢١. و "الحسن": هو البصري، وقد أثبتنا في شرح صحيح ابن حبان، في الحديث ١٣٢ أنه سمع من الأسود بن سريع.
وقد ذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ١: ١٢ عن تفسير الطبري. ورواه أحمد في المسند بمعناه مختصرًا ١٥٦٥٠ (٣: ٤٣٥ حلبي) عن روح بن عبادة عن عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن الأسود بن سريع، قال: "قلت: يا رسول الله، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي؟ قال: أما إن ربك يحب الحمد". وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات أثبات. وذكره ابن كثير في التفسير ١: ٤٣ عن المسند. وكذلك ذكره السيوطي، ونسبه أيضًا للنسائي والحاكم وغيرهما.
ورواه أحمد أيضًا ١٥٦٥٤، والبخاري في الأدب المفرد: ٥١، بنحوه، في قصة مطولة، من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأسود بن سريع.
ومعناه ثابت صحيح، من حديث ابن مسعود، في المسند ٤١٥٣: "لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه". ورواه أيضًا البخاري ومسلم وغيرهما.]] لربّ العالمين يوم القيامة؛ سِماط من الروح، وسِماط من الملائكة.
* *
وقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾
قيل: إنهم يُؤْذَن لهم في الكلام حين يُؤْمَر بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة إلى الجنة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: ثنا أبو عمرو - الذي يقصّ في طيئ - عن عكرمة، وقرأ هذه الآية: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: يُمرّ بأناس من أهل النار على ملائكة، فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار، فيقولون: بما كَسَبت أيديهم، وما ظلمهم الله، ويمرّ بأناس من أهل الجنة على ملائكة، فيقال: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة، قال: فيُؤْذَن لهم في الكلام، أو نحو ذلك.
وقال آخرون: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ بالتوحيد ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ في الدنيا، فوحَّد الله.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ يقول: إلا من أذن له الربّ بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهى الصواب.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: حقا في الدنيا وعمل به.
⁕ حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: لا إله إلا الله.
قال أبو حفص: فحدثت به يحيى بن سعيد، فقال: أنا كتبته عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن أبي معاوية.
⁕ حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر العَدَنيّ، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرِمة في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: لا إله إلا الله.
والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن خلقه أنهم لا يتكلمون يوم يقوم الروح والملائكة صفا، إلا من أذن له منهم في الكلام الرحمن، وقال صوابا، فالواجب أن يقال كما أخبر إذ لم يخبرنا في كتابه، ولا على لسان رسوله، أنه عَنَى بذلك نوعا من أنواع الصواب، والظاهر محتمل جميعه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠) ﴾
.
يقول تعالى ذكره: ﴿ذَلِك الْيَوْمُ﴾ يعني: يوم القيامة، وهو يوم يقوم الروح والملائكة صفا ﴿الْحَقُّ﴾ يقول: إنه حقّ كائن لا شكّ فيه.
* *
وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾
يقول: فمن شاء من عباده اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحقّ، والاستعداد له، والعمل بما فيه النجاة له من أهواله ﴿مآبًا﴾ ، يعني: مرجعا، وهو مَفْعَلٌ من قولهم: آب فلان من سفره، كما قال عبيد:
وكُل ذِي غَيْبَةٍ يَئُوب ... وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ [[انظر ما كتبناه آنفًا: ١٢٦ عن معنى "لا تمانع".]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ قال: اتخذوا إلى الله مآبًا بطاعته، وما يقرّبهم إليه.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ قال: سبيلا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿مآبًا﴾ يقول: مرجعا منزلا.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾
يقول: إنا حذّرناكم أيها الناس عذابًا قد دنا منكم وقرُب، وذلك ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ المؤمن ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من خير اكتسبه في الدنيا، أو شرّ سَلَفَهُ، فيرجو ثواب الله على صالح أعماله، ويخاف عقابه على سيئها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ قال: المرء المؤمن يحذَر الصغيرة، ويخاف الكبيرة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن محمد بن جحَّادة، عن الحسن ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ قال: المرء المؤمن.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن جحادة، عن الحسن، في قوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ قال: المرء المؤمن.
* *
وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾
يقول تعالى ذكره: ويقول الكافر يومئذ تمنيا لما يلقى من عذاب الله الذي أعدّه لأصحابه الكافرين به، يا ليتني كنت ترابًا كالبهائم التي جُعِلت ترابًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عديّ، قالا ثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: " إذا كان يوم القيامة، مُدّ الأديم، وحُشِر الدوابّ والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص بين الدوابّ، يقتصّ للشاة الجمَّاء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين الدوابّ، قال لها: كوني ترابا، قال: فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا ".
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر؛ قال: وحدثني جعفر بن بُرْقَان، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، قال: " إن الله يحشر الخلق كلهم، كل دابة وطائر وإنسان، يقول للبهائم والطير: كونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا ".
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرظيِّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "يَقْضِي اللهُ بَينَ خَلْقِهِ الجِنِّ والإنْسِ والبَهائم، وإنَّه لَيَقِيدُ يَوْمَئِذٍ الجَمَّاءَ مِنَ القَرْناءِ، حتى إذَا لَمْ يَبْقَ تَبِعَةٌ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لأخْرَى، قالَ اللهُ: كُونُوا تُرَابًا، فَعِنْدَ ذلكَ يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا".
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ وهو الهالك المفرط العاجز، وما يمنعه أن يقول ذلك وقد راج عليه عَوْرَاتُ عمله، وقد استَقبل الرحمن وهو عليه غضبان، فتمنى الموت يومئذ، ولم يكن في الدنيا شيء أكرهَ عنده من الموت.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، قال: إذا قُضِيَ بين الناس، وأمر بأهل النار إلى النار قيل لمؤمني الجنّ ولسائر الأمم سوى ولد آدم: عُودُوا ترابًا، فإذا نظر الكفار إليهم قد عادوا ترابًا، قال الكافر: يا ليتني يا ليتني كنت ترابًا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ قال: إذا قيل للبهائم: كونوا ترابًا، قال الكافر: يا ليتني كنت ترابًا.
آخر تفسير سورة عم يتساءلون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠) ﴾
.
يقول تعالى ذكره: ﴿ذَلِك الْيَوْمُ﴾ يعني: يوم القيامة، وهو يوم يقوم الروح والملائكة صفا ﴿الْحَقُّ﴾ يقول: إنه حقّ كائن لا شكّ فيه.
* *
وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾
يقول: فمن شاء من عباده اتخذ بالتصديق بهذا اليوم الحقّ، والاستعداد له، والعمل بما فيه النجاة له من أهواله ﴿مآبًا﴾ ، يعني: مرجعا، وهو مَفْعَلٌ من قولهم: آب فلان من سفره، كما قال عبيد:
وكُل ذِي غَيْبَةٍ يَئُوب ... وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ [[انظر ما كتبناه آنفًا: ١٢٦ عن معنى "لا تمانع".]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ قال: اتخذوا إلى الله مآبًا بطاعته، وما يقرّبهم إليه.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ قال: سبيلا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿مآبًا﴾ يقول: مرجعا منزلا.
* *
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾
يقول: إنا حذّرناكم أيها الناس عذابًا قد دنا منكم وقرُب، وذلك ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ المؤمن ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من خير اكتسبه في الدنيا، أو شرّ سَلَفَهُ، فيرجو ثواب الله على صالح أعماله، ويخاف عقابه على سيئها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ قال: المرء المؤمن يحذَر الصغيرة، ويخاف الكبيرة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن محمد بن جحَّادة، عن الحسن ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ قال: المرء المؤمن.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن جحادة، عن الحسن، في قوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ قال: المرء المؤمن.
* *
وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾
يقول تعالى ذكره: ويقول الكافر يومئذ تمنيا لما يلقى من عذاب الله الذي أعدّه لأصحابه الكافرين به، يا ليتني كنت ترابًا كالبهائم التي جُعِلت ترابًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عديّ، قالا ثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: " إذا كان يوم القيامة، مُدّ الأديم، وحُشِر الدوابّ والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص بين الدوابّ، يقتصّ للشاة الجمَّاء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين الدوابّ، قال لها: كوني ترابا، قال: فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا ".
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر؛ قال: وحدثني جعفر بن بُرْقَان، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، قال: " إن الله يحشر الخلق كلهم، كل دابة وطائر وإنسان، يقول للبهائم والطير: كونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا ".
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرظيِّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "يَقْضِي اللهُ بَينَ خَلْقِهِ الجِنِّ والإنْسِ والبَهائم، وإنَّه لَيَقِيدُ يَوْمَئِذٍ الجَمَّاءَ مِنَ القَرْناءِ، حتى إذَا لَمْ يَبْقَ تَبِعَةٌ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لأخْرَى، قالَ اللهُ: كُونُوا تُرَابًا، فَعِنْدَ ذلكَ يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا".
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ وهو الهالك المفرط العاجز، وما يمنعه أن يقول ذلك وقد راج عليه عَوْرَاتُ عمله، وقد استَقبل الرحمن وهو عليه غضبان، فتمنى الموت يومئذ، ولم يكن في الدنيا شيء أكرهَ عنده من الموت.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، قال: إذا قُضِيَ بين الناس، وأمر بأهل النار إلى النار قيل لمؤمني الجنّ ولسائر الأمم سوى ولد آدم: عُودُوا ترابًا، فإذا نظر الكفار إليهم قد عادوا ترابًا، قال الكافر: يا ليتني يا ليتني كنت ترابًا.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ قال: إذا قيل للبهائم: كونوا ترابًا، قال الكافر: يا ليتني كنت ترابًا.
آخر تفسير سورة عم يتساءلون.