John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah Al-Hajj

Tafsir Ibn Kathir · The Pilgrimage · 78 ayat · ayat 61–78 · Quran text →

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ [وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] [[زيادة من ف، أ: وفي ت: "الآية".]] ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦، ٢٧] وَمَعْنَى إِيلَاجِهِ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَالنَّهَارَ فِي اللَّيْلِ: إِدْخَالُهُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَمِنْ هَذَا فِي هَذَا، فَتَارَةً يُطَوِّلُ اللَّيْلَ وَيُقَصِّرُ النَّهَارَ، كَمَا فِي الشِّتَاءِ، وَتَارَةً يُطَوِّلُ النَّهَارَ وَيُقَصِّرُ اللَّيْلَ، كَمَا فِي الصَّيْفِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ بِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ فِي أَحْوَالِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ.

وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْوُجُودِ، الْحَاكِمُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيِ: الْإِلَهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُو السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ، الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، ذَلِيلٌ لَدَيْهِ، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَكُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ: ﴿الْكَبِيرُ [[في ت، ف: "وهو الكبير".]] الْمُتَعَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ٩] فَكُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَعَظْمَتِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ، الْعَلِيُّ الَّذِي لَا أَعْلَى مِنْهُ، الْكَبِيرُ الَّذِي لَا أَكْبَرَ مِنْهُ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ، وَعَزَّ وَجَلَّ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ [الْمُعْتَدُونَ] [[زيادة من أ.]] عُلُوًّا كَبِيرًا.

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى أَنَّهُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، كَمَا قَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ [وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] [[زيادة من ف، أ: وفي ت: "الآية".]] ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦، ٢٧] وَمَعْنَى إِيلَاجِهِ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَالنَّهَارَ فِي اللَّيْلِ: إِدْخَالُهُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَمِنْ هَذَا فِي هَذَا، فَتَارَةً يُطَوِّلُ اللَّيْلَ وَيُقَصِّرُ النَّهَارَ، كَمَا فِي الشِّتَاءِ، وَتَارَةً يُطَوِّلُ النَّهَارَ وَيُقَصِّرُ اللَّيْلَ، كَمَا فِي الصَّيْفِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ بِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ فِي أَحْوَالِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ.

وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْوُجُودِ، الْحَاكِمُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيِ: الْإِلَهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُو السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ، الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، ذَلِيلٌ لَدَيْهِ، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَكُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ: ﴿الْكَبِيرُ [[في ت، ف: "وهو الكبير".]] الْمُتَعَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ٩] فَكُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَعَظْمَتِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ، الْعَلِيُّ الَّذِي لَا أَعْلَى مِنْهُ، الْكَبِيرُ الَّذِي لَا أَكْبَرَ مِنْهُ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ، وَعَزَّ وَجَلَّ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ [الْمُعْتَدُونَ] [[زيادة من أ.]] عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، فَإِنَّهُ يُرْسِلُ [[في أ: "وأنه مرسل".]] الرِّيَاحَ، فَتُثِيرُ سَحَابًا، فَيُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ الجُرُز الَّتِي [[في أ: "الذي".]] لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَهِيَ هَامِدَةٌ يَابِسَةٌ سَوْدَاءُ قَحْلَةٌ، ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الْحَجِّ: ٥] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، الْفَاءُ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ، وَتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٤] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَنَّ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" وَمَعَ هَذَا هُوَ مُعَقَّبٌ [[في أ: "تعقيب".]] بِالْفَاءِ، وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أَيْ: خَضْرَاءَ بَعْدَ يُبْسِهَا ومُحُولها [[في أ: "وقحوطا".]] .

وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ [[في هـ ت: "أرض" والمثبت من ف، أ.]] الْحِجَازِ: أَنَّهَا تُصْبِحُ عَقِبَ الْمَطَرِ خَضْرَاءَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا وَأَجْزَائِهَا مِنَ الْحَبِّ وَإِنْ صَغُرَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْمَاءِ فَيُنْبِتُهُ بِهِ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٦١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ [أَبِي] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلْتِ-أَوْ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفيل-فِي قَصِيدَتِهِ:

وَقُولا لَه: مَن يُنْبِتُ الحبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصبحَ منْهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابيَا؟ ...

ويُخْرجُ منْهُ حَبَّه في رُؤُوسه ... فَفي ذَاك آيَاتٌ لمَنْ كَانَ وَاعيا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: مُلْكُهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لَدَيْهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنْ حَيَوَانٍ، وَجَمَادٍ، وَزُرُوعٍ، وَثِمَارٍ. كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٣] أَيْ: مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، أَيْ: فِي الْبَحْرِ العَجَاج، وَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ، تَجْرِي الْفُلْكُ بِأَهْلِهَا [[في أ: "بأمرها".]] بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، فَيَحْمِلُونَ فِيهَا مَا شاءوا من تجائر وبضائع وَمَنَافِعَ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَيَأْتُونَ بِمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ، كَمَا ذَهَبُوا بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ، مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذِنَ لِلسَّمَاءِ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، فَهَلَكَ مَنْ فِيهَا، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ [مَعَ] [[زيادة من ت، ف.]] اللَّهِ أَنْدَادًا وَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّصَرُّفِ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أَيْ: خَلَقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، فَأَوْجَدَكُمْ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أَيْ: جَحُودٌ.

وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، فَإِنَّهُ يُرْسِلُ [[في أ: "وأنه مرسل".]] الرِّيَاحَ، فَتُثِيرُ سَحَابًا، فَيُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ الجُرُز الَّتِي [[في أ: "الذي".]] لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَهِيَ هَامِدَةٌ يَابِسَةٌ سَوْدَاءُ قَحْلَةٌ، ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الْحَجِّ: ٥] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، الْفَاءُ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ، وَتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٤] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَنَّ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" وَمَعَ هَذَا هُوَ مُعَقَّبٌ [[في أ: "تعقيب".]] بِالْفَاءِ، وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أَيْ: خَضْرَاءَ بَعْدَ يُبْسِهَا ومُحُولها [[في أ: "وقحوطا".]] .

وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ [[في هـ ت: "أرض" والمثبت من ف، أ.]] الْحِجَازِ: أَنَّهَا تُصْبِحُ عَقِبَ الْمَطَرِ خَضْرَاءَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا وَأَجْزَائِهَا مِنَ الْحَبِّ وَإِنْ صَغُرَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْمَاءِ فَيُنْبِتُهُ بِهِ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٦١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ [أَبِي] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلْتِ-أَوْ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفيل-فِي قَصِيدَتِهِ:

وَقُولا لَه: مَن يُنْبِتُ الحبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصبحَ منْهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابيَا؟ ...

ويُخْرجُ منْهُ حَبَّه في رُؤُوسه ... فَفي ذَاك آيَاتٌ لمَنْ كَانَ وَاعيا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: مُلْكُهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لَدَيْهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنْ حَيَوَانٍ، وَجَمَادٍ، وَزُرُوعٍ، وَثِمَارٍ. كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٣] أَيْ: مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، أَيْ: فِي الْبَحْرِ العَجَاج، وَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ، تَجْرِي الْفُلْكُ بِأَهْلِهَا [[في أ: "بأمرها".]] بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، فَيَحْمِلُونَ فِيهَا مَا شاءوا من تجائر وبضائع وَمَنَافِعَ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَيَأْتُونَ بِمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ، كَمَا ذَهَبُوا بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ، مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذِنَ لِلسَّمَاءِ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، فَهَلَكَ مَنْ فِيهَا، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ [مَعَ] [[زيادة من ت، ف.]] اللَّهِ أَنْدَادًا وَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّصَرُّفِ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أَيْ: خَلَقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، فَأَوْجَدَكُمْ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أَيْ: جَحُودٌ.

وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، فَإِنَّهُ يُرْسِلُ [[في أ: "وأنه مرسل".]] الرِّيَاحَ، فَتُثِيرُ سَحَابًا، فَيُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ الجُرُز الَّتِي [[في أ: "الذي".]] لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَهِيَ هَامِدَةٌ يَابِسَةٌ سَوْدَاءُ قَحْلَةٌ، ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الْحَجِّ: ٥] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، الْفَاءُ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ، وَتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٤] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَنَّ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" وَمَعَ هَذَا هُوَ مُعَقَّبٌ [[في أ: "تعقيب".]] بِالْفَاءِ، وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أَيْ: خَضْرَاءَ بَعْدَ يُبْسِهَا ومُحُولها [[في أ: "وقحوطا".]] .

وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ [[في هـ ت: "أرض" والمثبت من ف، أ.]] الْحِجَازِ: أَنَّهَا تُصْبِحُ عَقِبَ الْمَطَرِ خَضْرَاءَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا وَأَجْزَائِهَا مِنَ الْحَبِّ وَإِنْ صَغُرَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْمَاءِ فَيُنْبِتُهُ بِهِ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٦١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ [أَبِي] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلْتِ-أَوْ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفيل-فِي قَصِيدَتِهِ:

وَقُولا لَه: مَن يُنْبِتُ الحبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصبحَ منْهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابيَا؟ ...

ويُخْرجُ منْهُ حَبَّه في رُؤُوسه ... فَفي ذَاك آيَاتٌ لمَنْ كَانَ وَاعيا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: مُلْكُهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لَدَيْهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنْ حَيَوَانٍ، وَجَمَادٍ، وَزُرُوعٍ، وَثِمَارٍ. كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٣] أَيْ: مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، أَيْ: فِي الْبَحْرِ العَجَاج، وَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ، تَجْرِي الْفُلْكُ بِأَهْلِهَا [[في أ: "بأمرها".]] بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، فَيَحْمِلُونَ فِيهَا مَا شاءوا من تجائر وبضائع وَمَنَافِعَ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَيَأْتُونَ بِمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ، كَمَا ذَهَبُوا بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ، مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذِنَ لِلسَّمَاءِ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، فَهَلَكَ مَنْ فِيهَا، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ [مَعَ] [[زيادة من ت، ف.]] اللَّهِ أَنْدَادًا وَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّصَرُّفِ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أَيْ: خَلَقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، فَأَوْجَدَكُمْ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أَيْ: جَحُودٌ.

وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، فَإِنَّهُ يُرْسِلُ [[في أ: "وأنه مرسل".]] الرِّيَاحَ، فَتُثِيرُ سَحَابًا، فَيُمْطِرُ عَلَى الْأَرْضِ الجُرُز الَّتِي [[في أ: "الذي".]] لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَهِيَ هَامِدَةٌ يَابِسَةٌ سَوْدَاءُ قَحْلَةٌ، ﴿فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الْحَجِّ: ٥] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، الْفَاءُ هَاهُنَا لِلتَّعْقِيبِ، وَتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٤] ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَنَّ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" وَمَعَ هَذَا هُوَ مُعَقَّبٌ [[في أ: "تعقيب".]] بِالْفَاءِ، وَهَكَذَا هَاهُنَا قَالَ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أَيْ: خَضْرَاءَ بَعْدَ يُبْسِهَا ومُحُولها [[في أ: "وقحوطا".]] .

وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ [[في هـ ت: "أرض" والمثبت من ف، أ.]] الْحِجَازِ: أَنَّهَا تُصْبِحُ عَقِبَ الْمَطَرِ خَضْرَاءَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا وَأَجْزَائِهَا مِنَ الْحَبِّ وَإِنْ صَغُرَ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْمَاءِ فَيُنْبِتُهُ بِهِ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٦١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ [أَبِي] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلْتِ-أَوْ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفيل-فِي قَصِيدَتِهِ:

وَقُولا لَه: مَن يُنْبِتُ الحبَّ فِي الثَّرَى ... فَيُصبحَ منْهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابيَا؟ ...

ويُخْرجُ منْهُ حَبَّه في رُؤُوسه ... فَفي ذَاك آيَاتٌ لمَنْ كَانَ وَاعيا [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: مُلْكُهُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، عَبْدٌ لَدَيْهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنْ حَيَوَانٍ، وَجَمَادٍ، وَزُرُوعٍ، وَثِمَارٍ. كَمَا قَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٣] أَيْ: مِنْ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أَيْ: بِتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ، أَيْ: فِي الْبَحْرِ العَجَاج، وَتَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ، تَجْرِي الْفُلْكُ بِأَهْلِهَا [[في أ: "بأمرها".]] بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ، فَيَحْمِلُونَ فِيهَا مَا شاءوا من تجائر وبضائع وَمَنَافِعَ، مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَيَأْتُونَ بِمَا عِنْدَ أُولَئِكَ إِلَى هَؤُلَاءِ، كَمَا ذَهَبُوا بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ، مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَيَطْلُبُونَهُ وَيُرِيدُونَهُ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذِنَ لِلسَّمَاءِ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، فَهَلَكَ مَنْ فِيهَا، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٦] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غَافِرٍ: ١١] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ [مَعَ] [[زيادة من ت، ف.]] اللَّهِ أَنْدَادًا وَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّصَرُّفِ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أَيْ: خَلَقَكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، فَأَوْجَدَكُمْ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أَيْ: جَحُودٌ.

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ قَوْمٍ [[في ت: "أمة".]] مَنْسَكًا.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: لِكُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ مَنْسَكًا. قَالَ: وَأَصِلُ الْمَنْسَكِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْتَادُهُ الْإِنْسَانُ، وَيَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ، إِمَّا لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. قَالَ: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَنَاسِكُ الْحَجِّ بِذَلِكَ، لِتَرْدَادِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَعُكُوفِهِمْ عَلَيْهَا [[تفسير الطبري (١٧/١٣٨) .]] .

فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا جَعْلًا قَدَرِيًّا -كَمَا قَالَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٨] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أَيْ: فَاعِلُوهُ-فَالضَّمِيرُ هَاهُنَا عَائِدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَاسِكُ وَطَرَائِقُ، أَيْ: هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ هَذَا عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا تَتَأَثَّرْ بِمُنَازَعَتِهِمْ لَكَ، وَلَا يَصْرِفْكَ ذَلِكَ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: طَرِيقٍ وَاضِحٍ مُسْتَقِيمٍ مُوصِلٍ إِلَى الْمَقْصُودِ.

وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٨] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اللَّهُ [[في ت: "والله" وهو خطأ.]] يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١٥] .

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ قَوْمٍ [[في ت: "أمة".]] مَنْسَكًا.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: لِكُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ مَنْسَكًا. قَالَ: وَأَصِلُ الْمَنْسَكِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْتَادُهُ الْإِنْسَانُ، وَيَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ، إِمَّا لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. قَالَ: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَنَاسِكُ الْحَجِّ بِذَلِكَ، لِتَرْدَادِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَعُكُوفِهِمْ عَلَيْهَا [[تفسير الطبري (١٧/١٣٨) .]] .

فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا جَعْلًا قَدَرِيًّا -كَمَا قَالَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٨] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أَيْ: فَاعِلُوهُ-فَالضَّمِيرُ هَاهُنَا عَائِدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَاسِكُ وَطَرَائِقُ، أَيْ: هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ هَذَا عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا تَتَأَثَّرْ بِمُنَازَعَتِهِمْ لَكَ، وَلَا يَصْرِفْكَ ذَلِكَ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: طَرِيقٍ وَاضِحٍ مُسْتَقِيمٍ مُوصِلٍ إِلَى الْمَقْصُودِ.

وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٨] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اللَّهُ [[في ت: "والله" وهو خطأ.]] يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١٥] .

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ قَوْمٍ [[في ت: "أمة".]] مَنْسَكًا.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي: لِكُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ مَنْسَكًا. قَالَ: وَأَصِلُ الْمَنْسَكِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْتَادُهُ الْإِنْسَانُ، وَيَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ، إِمَّا لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. قَالَ: وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَنَاسِكُ الْحَجِّ بِذَلِكَ، لِتَرْدَادِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَعُكُوفِهِمْ عَلَيْهَا [[تفسير الطبري (١٧/١٣٨) .]] .

فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا جَعْلًا قَدَرِيًّا -كَمَا قَالَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٨] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أَيْ: فَاعِلُوهُ-فَالضَّمِيرُ هَاهُنَا عَائِدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَاسِكُ وَطَرَائِقُ، أَيْ: هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ هَذَا عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا تَتَأَثَّرْ بِمُنَازَعَتِهِمْ لَكَ، وَلَا يَصْرِفْكَ ذَلِكَ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: طَرِيقٍ وَاضِحٍ مُسْتَقِيمٍ مُوصِلٍ إِلَى الْمَقْصُودِ.

وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٨] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اللَّهُ [[في ت: "والله" وهو خطأ.]] يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١٥] .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كَمَالِ عِلْمِهِ بِخَلْقِهِ، وَأَنَّهُ محيط بما في السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ الْكَائِنَاتِ كُلَّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا، وَكَتَبَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ خلق السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٦٥٣) بلفظ "كتب الله مقادير الخلائق".]] .

وَفِي السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[جاء من حديث عبادة بن الصامت: أخرجه أبو داود في السنن برقم (٤٧٠٠) والترمذي في السنن برقم (٣٣١٩) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وجاء من حديث ابن عباس: رواه البيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣٧٨) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَلَقُ اللَّهُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ مَسِيرَة مِائَةِ عَامٍ، وَقَالَ لِلْقَلَمِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ -وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: اكْتُبْ. قَالَ الْقَلَمُ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: عِلْمِي فِي خَلْقِي إِلَى يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ. فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾

وَهَذَا مِنْ تَمَامِ عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ عَلِمَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا، وَقَدَّرَهَا وَكَتَبَهَا أَيْضًا، فَمَا الْعِبَادُ عَامِلُونَ قَدْ عَلِمَهُ تَعَالَى قَبْلَ ذَلِكَ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، فَيَعْلَمُ قَبْلَ الْخَلْقِ أَنَّ هَذَا يُطِيعُ بِاخْتِيَارِهِ، وَهَذَا يَعْصِي بِاخْتِيَارِهِ، وَكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَهُوَ سَهْلٌ عَلَيْهِ، يَسِيرٌ لَدَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا جَهِلُوا وَكَفَرُوا، وَعَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، يَعْنِي: حُجَّةً وَبُرْهَانًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٧] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: وَلَا عِلْمَ لَهُمْ فِيمَا اخْتَلَقُوهُ وَائْتَفَكُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَلَقَّوْهُ عَنْ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ، بِلَا دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ، وَأَصْلُهُ مِمَّا سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ وَزَيَّنَهُ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا تَوَعَّدَهُمْ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أَيْ: مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فِيمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ: وَإِذَا ذُكِرَتْ لَهُمْ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَالْحُجَجُ وَالدَّلَائِلُ الْوَاضِحَاتُ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ رُسُلَهُ الْكِرَامَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أَيْ: يَكَادُونَ يُبَادِرُونَ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِالدَّلَائِلِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَبْسُطُونَ إِلَيْهِمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ! ﴿قُلْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ. ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[في ت، ف، أ: "كفروا وبئس المصير".]] ﴾ أَيِ: النَّارُ وَعَذَابُهَا وَنَكَالُهَا أَشَدُّ وَأَشَقُّ وَأَطَمُّ وَأَعْظَمُ مِمَّا تُخَوِّفُونَ بِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابُ الْآخِرَةِ عَلَى صَنِيعِكُمْ هَذَا أَعْظَمُ مِمَّا تَنَالُونَ مِنْهُمْ، إِنْ نِلْتُمْ بِزَعْمِكُمْ وَإِرَادَتِكُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: وَبِئْسَ النَّارُ مَنْزِلًا وَمَقِيلًا وَمَرْجِعًا وَمَوْئِلًا وَمُقَامًا، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] .

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا جَهِلُوا وَكَفَرُوا، وَعَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، يَعْنِي: حُجَّةً وَبُرْهَانًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٧] . وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أَيْ: وَلَا عِلْمَ لَهُمْ فِيمَا اخْتَلَقُوهُ وَائْتَفَكُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَلَقَّوْهُ عَنْ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ، بِلَا دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ، وَأَصْلُهُ مِمَّا سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ وَزَيَّنَهُ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا تَوَعَّدَهُمْ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أَيْ: مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فِيمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ: وَإِذَا ذُكِرَتْ لَهُمْ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَالْحُجَجُ وَالدَّلَائِلُ الْوَاضِحَاتُ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ رُسُلَهُ الْكِرَامَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أَيْ: يَكَادُونَ يُبَادِرُونَ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِالدَّلَائِلِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَبْسُطُونَ إِلَيْهِمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ! ﴿قُلْ﴾ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ. ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [[في ت، ف، أ: "كفروا وبئس المصير".]] ﴾ أَيِ: النَّارُ وَعَذَابُهَا وَنَكَالُهَا أَشَدُّ وَأَشَقُّ وَأَطَمُّ وَأَعْظَمُ مِمَّا تُخَوِّفُونَ بِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابُ الْآخِرَةِ عَلَى صَنِيعِكُمْ هَذَا أَعْظَمُ مِمَّا تَنَالُونَ مِنْهُمْ، إِنْ نِلْتُمْ بِزَعْمِكُمْ وَإِرَادَتِكُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: وَبِئْسَ النَّارُ مَنْزِلًا وَمَقِيلًا وَمَرْجِعًا وَمَوْئِلًا وَمُقَامًا، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] .

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى حَقَارَةِ الْأَصْنَامِ وَسَخَافَةِ عُقُولِ عَابِدِيهَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أَيْ: لِمَا يَعْبُدُهُ الْجَاهِلُونَ بِاللَّهِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أَيْ: أَنْصِتُوا وَتَفَهَّمُوا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أَيْ: لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ مَا تَعْبُدُونَ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ عَلَى أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى خَلْقِ ذُبَابٍ وَاحِدٍ مَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ. كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شَرِيك، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَفَعَ الْحَدِيثَ-قَالَ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ خَلَقَ [خَلْقًا] [[زيادة من ت، ف، والمسند.]] كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا مِثْلَ خَلْقِي ذَرّة، أَوْ ذُبَابَةً، أَوْ حَبَّة" [[المسند (٢/٣٩١)]] .

وَأَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ، مِنْ طَرِيقِ عُمَارة، عَنْ أَبِي زُرْعةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، فَلْيَخْلُقُوا شُعَيْرَةً" [[صحيح البخاري برقم (٥٩٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢١١١) .]] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أَيْ: هُمْ عَاجِزُونَ عَنْ خَلْقِ ذُبَابٍ وَاحِدٍ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ عَاجِزُونَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ وَالِانتِصَارِ مِنْهُ، لَوْ سَلَبَهَا شَيْئًا مِنَ الَّذِي عَلَيْهَا مِنَ الطِّيبِ، ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَسْتَنْقِذَهُ مِنْهُ لَمَا قَدَرَتْ عَلَى ذَلِكَ. هَذَا وَالذُّبَابُ مِنْ أَضْعَفِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَأَحْقَرِهَا وَلِهَذَا [قَالَ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ] [[زيادة، ت، ف.]] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّالِبُ: الصَّنَمُ، وَالْمَطْلُوبُ: الذُّبَابُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: الطَّالِبُ: الْعَابِدُ، وَالْمَطْلُوبُ: الصَّنَمُ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أَيْ: مَا عَرَفُوا قَدْرَ اللَّهِ وَعَظَمَتَهُ حِينَ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، مِنْ هَذِهِ [[في أ: "هذا الذي".]] الَّتِي لَا تُقَاوِمُ الذُّبَابَ لِضَعْفِهَا وَعَجْزِهَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْقَوِيُّ الَّذِي بِقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [الْبُرُوجِ: ١٢، ١٣] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿عَزِيزٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَزَّ [[في ف: "قدر".]] كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ، فَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، لِعَظْمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى حَقَارَةِ الْأَصْنَامِ وَسَخَافَةِ عُقُولِ عَابِدِيهَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أَيْ: لِمَا يَعْبُدُهُ الْجَاهِلُونَ بِاللَّهِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أَيْ: أَنْصِتُوا وَتَفَهَّمُوا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أَيْ: لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ مَا تَعْبُدُونَ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ عَلَى أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى خَلْقِ ذُبَابٍ وَاحِدٍ مَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ. كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شَرِيك، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَفَعَ الْحَدِيثَ-قَالَ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ خَلَقَ [خَلْقًا] [[زيادة من ت، ف، والمسند.]] كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا مِثْلَ خَلْقِي ذَرّة، أَوْ ذُبَابَةً، أَوْ حَبَّة" [[المسند (٢/٣٩١)]] .

وَأَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ، مِنْ طَرِيقِ عُمَارة، عَنْ أَبِي زُرْعةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، فَلْيَخْلُقُوا شُعَيْرَةً" [[صحيح البخاري برقم (٥٩٥٣) وصحيح مسلم برقم (٢١١١) .]] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أَيْ: هُمْ عَاجِزُونَ عَنْ خَلْقِ ذُبَابٍ وَاحِدٍ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ عَاجِزُونَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ وَالِانتِصَارِ مِنْهُ، لَوْ سَلَبَهَا شَيْئًا مِنَ الَّذِي عَلَيْهَا مِنَ الطِّيبِ، ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَسْتَنْقِذَهُ مِنْهُ لَمَا قَدَرَتْ عَلَى ذَلِكَ. هَذَا وَالذُّبَابُ مِنْ أَضْعَفِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَأَحْقَرِهَا وَلِهَذَا [قَالَ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ] [[زيادة، ت، ف.]] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّالِبُ: الصَّنَمُ، وَالْمَطْلُوبُ: الذُّبَابُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: الطَّالِبُ: الْعَابِدُ، وَالْمَطْلُوبُ: الصَّنَمُ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أَيْ: مَا عَرَفُوا قَدْرَ اللَّهِ وَعَظَمَتَهُ حِينَ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، مِنْ هَذِهِ [[في أ: "هذا الذي".]] الَّتِي لَا تُقَاوِمُ الذُّبَابَ لِضَعْفِهَا وَعَجْزِهَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أَيْ: هُوَ الْقَوِيُّ الَّذِي بِقُدْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] ، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [الْبُرُوجِ: ١٢، ١٣] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿عَزِيزٌ﴾ أَيْ: قَدْ عَزَّ [[في ف: "قدر".]] كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ، فَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، لِعَظْمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا فِيمَا يَشَاءُ مِنْ شَرْعِهِ وقَدَره، وَمِنَ النَّاسِ لِإِبْلَاغِ رِسَالَاتِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أَرْسَلَهُمْ بِهِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ] [[زيادة من ف، أ. وفي ت: "إلى قوله".]] وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الْجِنِّ: ٢٦ -٢٨] ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، شَهِيدٌ عَلَى مَا يُقَالُ لَهُمْ، حَافِظٌ لَهُمْ، نَاصِرٌ لِجَنَابِهِمْ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] .

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا فِيمَا يَشَاءُ مِنْ شَرْعِهِ وقَدَره، وَمِنَ النَّاسِ لِإِبْلَاغِ رِسَالَاتِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ، بَصِيرٌ بِهِمْ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أَرْسَلَهُمْ بِهِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ] [[زيادة من ف، أ. وفي ت: "إلى قوله".]] وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الْجِنِّ: ٢٦ -٢٨] ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، شَهِيدٌ عَلَى مَا يُقَالُ لَهُمْ، حَافِظٌ لَهُمْ، نَاصِرٌ لِجَنَابِهِمْ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] .

اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ الثَّانيَةِ مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ: هَلْ هِيَ مَشْرُوعٌ السجودُ فِيهَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عِنْدَ الْأُولَى حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "فُضلت سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أَيْ: بِأَمْوَالِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أَيْ: يَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، اللَّهُ اصْطَفَاكُمْ وَاخْتَارَكُمْ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَفَضَّلَكُمْ وَشَرَّفَكُمْ وَخَصَّكُمْ بِأَكْرَمِ رَسُولٍ، وَأَكْمَلِ شَرْعٍ.

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: مَا كَلَّفَكُمْ مَا لَا تُطِيقُونَ، وَمَا أَلْزَمَكُمْ بِشَيْءٍ فَشَقَ عَلَيْكُمْ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، فَالصَّلَاةُ -الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ-تَجِبُ فِي الحَضَر أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ تُقْصَر إِلَى ثِنْتَين، وَفِي الْخَوْفِ يُصَلِّيهَا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ رَكْعَةً، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وتُصَلى رِجَالًا وَرُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. وَكَذَا فِي النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقِيَامُ فِيهَا يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، فَيُصَلِّيهَا الْمَرِيضُ جَالِسًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرُّخْصِ وَالتَّخْفِيفَاتِ، فِي سَائِرِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "عليه الصلاة والسلام"، وفي ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".]] : "بُعِثْتُ بالحنِيفيَّة السَّمحة" [[رواه أحمد في مسنده (٥/٢٦٦) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.]] وَقَالَ لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى، حِينَ بَعَثَهُمَا أميرَين إِلَى الْيَمَنِ: "بَشِّرا ولا تُنَفِّرَا، ويَسِّرا وَلَا تُعسِّرَا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٠٣٨) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٣٢) .]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يَعْنِي: مِنْ ضِيقٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نُصِبَ عَلَى تَقْدِيرِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: مِنْ ضِيقٍ، بَلْ وَسَّعه عَلَيْكُمْ كَمِلَّةِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ. [قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ: الْزَمُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ت، ف.]] .

قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] .

وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي: إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكََ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٨] .

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يُسَمِّ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي الْقُرْآنِ مُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: اللَّهُ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَفِي الذِّكْرِ، ﴿وَفِي هَذَا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ثُمَّ حَثَّهُمْ وَأَغْرَاهُمْ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ مِلَّةُ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَا نَوّه بِهِ مِنْ ذِكْرِهَا وَالثَّنَاءِ عَلَيْهَا فِي سَالِفِ الدَّهْرِ وَقَدِيمِ الزَّمَانِ، فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، يُتْلَى عَلَى الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ، فَقَالَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ﴿وَفِي هَذَا﴾ ، وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ:

أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيب، أَنْبَأَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ [[في ت: "سالم".]] أَنَّ أَخَاهُ زَيْدَ بْنَ سَلَّامٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جِثيّ جَهَنَّمَ". قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، فَادْعُوَا بِدَعْوَةِ اللَّهِ الَّتِي سَمَّاكُمْ بِهَا الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ" [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٩) .]] .

وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [الْآيَةَ: ٢١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾

أَيْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاكُمْ هَكَذَا أُمَّةً وَسَطًا عُدولا [[في أ: "عدلا".]] خِيَارًا، مَشْهُودًا بِعَدَالَتِكُمْ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ، لِتَكُونُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ مُعْتَرِفَةٌ يَوْمَئِذٍ بِسِيَادَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في أ: "بسيادتهم وفضلهم".]] عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ سِوَاهَا؛ فَلِهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي أَنَّ الرُّسُلَ بَلَّغَتْهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَالرَّسُولُ يَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ بَلَّغَهَا ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] ، وَذَكَرْنَا حَدِيثَ نُوحٍ وَأُمَّتِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: قَابِلُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ بِالْقِيَامِ بِشُكْرِهَا، وَأَدُّوا حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ، وَطَاعَةِ مَا أَوْجَبَ، وَتَرْكِ مَا حَرَّمَ. وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ إقامُ الصَّلَاةِ وإيتاءُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ، بِمَا أَوْجَبَ، لِلْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، مِنْ إِخْرَاجِ جُزْءٍ نَزَرَ مِنْ مَالِهِ فِي السَّنة لِلضُّعَفَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ مِنْ سُورَةِ "التَّوْبَةِ" [[انظر تفسير الآية: ٦٠ من سورة التوبة.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أَيِ: اعْتَضِدُوا بِاللَّهِ [[في أ: "به".]] ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ، وَتَوَكَّلُوا [[في أ: "اتكلوا".]] عَلَيْهِ، وتَأيَّدوا بِهِ، ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ أَيْ: حَافِظُكُمْ وَنَاصِرُكُمْ ومُظفركُم عَلَى أَعْدَائِكُمْ، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ يَعْنِي: [نِعْمَ] [[زيادة من ت.]] الْوَلِيُّ وَنِعْمَ النَّاصِرُ مِنَ الْأَعْدَاءِ.

قَالَ وُهَيْب بْنُ الْوَرْدِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إِذَا غضبتَ أَذْكُرُكَ إِذَا غضبتُ، فَلَا أَمْحَقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ، وَإِذَا ظُلمتَ فَاصْبِرْ، وَارْضَ بِنُصْرَتِي، فَإِنَّ نُصْرَتِي لَكَ خَيْرٌ مِنْ نُصْرَتِكَ لِنَفْسِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَالنِّعْمَةُ، وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ، فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ.

هَذَا آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْحَجِّ"، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بإحسان إلى يوم الدين [[في ت: "وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل".]] .

اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ الثَّانيَةِ مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ: هَلْ هِيَ مَشْرُوعٌ السجودُ فِيهَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عِنْدَ الْأُولَى حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "فُضلت سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أَيْ: بِأَمْوَالِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أَيْ: يَا هَذِهِ الْأُمَّةُ، اللَّهُ اصْطَفَاكُمْ وَاخْتَارَكُمْ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَفَضَّلَكُمْ وَشَرَّفَكُمْ وَخَصَّكُمْ بِأَكْرَمِ رَسُولٍ، وَأَكْمَلِ شَرْعٍ.

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: مَا كَلَّفَكُمْ مَا لَا تُطِيقُونَ، وَمَا أَلْزَمَكُمْ بِشَيْءٍ فَشَقَ عَلَيْكُمْ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، فَالصَّلَاةُ -الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ-تَجِبُ فِي الحَضَر أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ تُقْصَر إِلَى ثِنْتَين، وَفِي الْخَوْفِ يُصَلِّيهَا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ رَكْعَةً، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وتُصَلى رِجَالًا وَرُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. وَكَذَا فِي النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقِيَامُ فِيهَا يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، فَيُصَلِّيهَا الْمَرِيضُ جَالِسًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرُّخْصِ وَالتَّخْفِيفَاتِ، فِي سَائِرِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [[في ت: "عليه الصلاة والسلام"، وفي ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".]] : "بُعِثْتُ بالحنِيفيَّة السَّمحة" [[رواه أحمد في مسنده (٥/٢٦٦) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.]] وَقَالَ لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى، حِينَ بَعَثَهُمَا أميرَين إِلَى الْيَمَنِ: "بَشِّرا ولا تُنَفِّرَا، ويَسِّرا وَلَا تُعسِّرَا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٠٣٨) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٣٢) .]] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يَعْنِي: مِنْ ضِيقٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نُصِبَ عَلَى تَقْدِيرِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أَيْ: مِنْ ضِيقٍ، بَلْ وَسَّعه عَلَيْكُمْ كَمِلَّةِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ. [قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ: الْزَمُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ت، ف.]] .

قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] .

وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي: إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكََ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٢٨] .

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يُسَمِّ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي الْقُرْآنِ مُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: اللَّهُ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَفِي الذِّكْرِ، ﴿وَفِي هَذَا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ثُمَّ حَثَّهُمْ وَأَغْرَاهُمْ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ مِلَّةُ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَا نَوّه بِهِ مِنْ ذِكْرِهَا وَالثَّنَاءِ عَلَيْهَا فِي سَالِفِ الدَّهْرِ وَقَدِيمِ الزَّمَانِ، فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، يُتْلَى عَلَى الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ، فَقَالَ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ﴿وَفِي هَذَا﴾ ، وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ:

أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيب، أَنْبَأَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ [[في ت: "سالم".]] أَنَّ أَخَاهُ زَيْدَ بْنَ سَلَّامٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جِثيّ جَهَنَّمَ". قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، فَادْعُوَا بِدَعْوَةِ اللَّهِ الَّتِي سَمَّاكُمْ بِهَا الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ" [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٩) .]] .

وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [الْآيَةَ: ٢١] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾

أَيْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاكُمْ هَكَذَا أُمَّةً وَسَطًا عُدولا [[في أ: "عدلا".]] خِيَارًا، مَشْهُودًا بِعَدَالَتِكُمْ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ، لِتَكُونُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ مُعْتَرِفَةٌ يَوْمَئِذٍ بِسِيَادَتِهَا وَفَضْلِهَا [[في أ: "بسيادتهم وفضلهم".]] عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ سِوَاهَا؛ فَلِهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي أَنَّ الرُّسُلَ بَلَّغَتْهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَالرَّسُولُ يَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ بَلَّغَهَا ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣] ، وَذَكَرْنَا حَدِيثَ نُوحٍ وَأُمَّتِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: قَابِلُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ بِالْقِيَامِ بِشُكْرِهَا، وَأَدُّوا حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فِي أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ، وَطَاعَةِ مَا أَوْجَبَ، وَتَرْكِ مَا حَرَّمَ. وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ إقامُ الصَّلَاةِ وإيتاءُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ، بِمَا أَوْجَبَ، لِلْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، مِنْ إِخْرَاجِ جُزْءٍ نَزَرَ مِنْ مَالِهِ فِي السَّنة لِلضُّعَفَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ مِنْ سُورَةِ "التَّوْبَةِ" [[انظر تفسير الآية: ٦٠ من سورة التوبة.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أَيِ: اعْتَضِدُوا بِاللَّهِ [[في أ: "به".]] ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ، وَتَوَكَّلُوا [[في أ: "اتكلوا".]] عَلَيْهِ، وتَأيَّدوا بِهِ، ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ أَيْ: حَافِظُكُمْ وَنَاصِرُكُمْ ومُظفركُم عَلَى أَعْدَائِكُمْ، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ يَعْنِي: [نِعْمَ] [[زيادة من ت.]] الْوَلِيُّ وَنِعْمَ النَّاصِرُ مِنَ الْأَعْدَاءِ.

قَالَ وُهَيْب بْنُ الْوَرْدِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إِذَا غضبتَ أَذْكُرُكَ إِذَا غضبتُ، فَلَا أَمْحَقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ، وَإِذَا ظُلمتَ فَاصْبِرْ، وَارْضَ بِنُصْرَتِي، فَإِنَّ نُصْرَتِي لَكَ خَيْرٌ مِنْ نُصْرَتِكَ لِنَفْسِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَالنِّعْمَةُ، وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ، فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ.

هَذَا آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "الْحَجِّ"، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بإحسان إلى يوم الدين [[في ت: "وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل".]] .

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com