John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah An-Naml

Tafsir Ibn Kathir · The Ant · 93 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ قِيلِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلْهُدْهُدِ حِينَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَهْلِ سَبَأٍ وَمَلِكَتِهِمْ: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أَيْ: أَصْدَقْتَ [[في ف: "صدقت".]] فِي إِخْبَارِكَ هَذَا، ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِي مَقَالَتِكَ، فَتَتَخَلَّصَ [[في ف: "لتتخلص".]] مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي أَوْعَدْتُكَ؟.

﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَتَبَ كِتَابًا إِلَى بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا. وَأَعْطَاهُ لِذَلِكَ الْهُدْهُدِ فَحَمَلَهُ، قِيلَ: فِي جَنَاحِهِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الطَّيْرُ، وَقِيلَ: بِمِنْقَارِهِ. وَذَهَبَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَجَاءَ إِلَى قَصْرِ بِلْقِيسَ، إِلَى الْخَلْوَةِ الَّتِي كَانَتْ تَخْتَلِي فِيهَا بِنَفْسِهَا، فَأَلْقَاهُ إِلَيْهَا مِنْ كُوّة هُنَالِكَ [[في ف، أ: "هناك".]] بَيْنَ يَدَيْهَا، ثُمَّ تَوَلَّى نَاحِيَةً أَدَبًا وَرِيَاسَةً، فَتَحَيَّرَتْ مِمَّا رَأَتْ، وَهَالَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى الْكِتَابِ فَأَخَذَتْهُ، فَفَتَحَتْ خَتْمَهُ وَقَرَأَتْهُ، فَإِذَا فِيهِ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَجَمَعَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أُمَرَاءَهَا وَوُزَرَاءَهَا وَكُبَرَاءَ دَوْلَتِهَا وَمَمْلَكَتِهَا، ثُمَّ قَالَتْ لَهُمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ تَعْنِي بِكَرَمِهِ: مَا رَأَتْهُ مِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ، كَوْنُ طَائِرٍ أَتَى بِهِ [[في ف، أ: "جاء به".]] فَأَلْقَاهُ إِلَيْهَا، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهَا أَدَبًا. وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأَتْهُ عَلَيْهِمْ.

﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .فَعَرَفُوا أَنَّهُ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّهُ لَا قبَل لَهُمْ بِهِ. وَهَذَا الْكِتَابُ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ وَالْوَجَازَةِ وَالْفَصَاحَةِ، فَإِنَّهُ حَصّل الْمَعْنَى بِأَيْسَرِ عِبَارَةٍ وَأَحْسَنِهَا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَمْ يَكْتُبْ أَحَدٌ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَبْلَ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا فِي تَفْسِيرِهِ، حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْفَضْلِ [[في أ: "المفضل".]] أَبُو يَعْلَى الْحَنَّاطُ [[في ف، أ: "الخياط".]] ، حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَالِحٍ، [عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ] [[زيادة من ف، أ.]] أَبِي أُمَيَّةَ، عَنِ ابْنِ بُرَيدة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنِّي أَعْلَمُ آية لم تَنْزِلْ عَلَى نَبِيٍّ قَبْلِي بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: "سَأُعلِمُكَهَا قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ". قَالَ: فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ، فَأَخْرَجَ إِحْدَى قَدَمَيْهِ، فَقُلْتُ: نَسِيَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [[ورواه أبو نعيم في تاريخ أصفهان (٢/١٨٧) من طريق الحسين بن حفص عن أبي يوسف به.]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَان: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَكَتَبَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ : يَقُولُ [[في ف: "قال".]] قَتَادَةُ: لَا تُجِيرُوا عَلَيَّ ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: لَا تَمْتَنِعُوا وَلَا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ.

﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُوَحِّدِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مُخْلِصِينَ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: طَائِعِينَ.

لَمَّا قَرَأَتْ عَلَيْهِمْ كِتَابَ سُلَيْمَانَ اسْتِشَارَتْهُمْ فِي أَمْرِهَا، وَمَا قَدْ نَزَلَ بِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أَيْ: حَتَّى تَحْضُرُونَ وَتُشِيرُونَ.

﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أَيْ: مَنوا إِلَيْهَا بعَدَدهم وَعَدَدِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، ثُمَّ فَوَّضُوا إِلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْأَمْرَ فَقَالُوا: ﴿وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ أَيْ: نَحْنُ لَيْسَ لَنَا عَاقَةٌ [وَلَا بِنَا بَأْسٌ، إِنْ شِئْتِ أَنْ تَقْصِدِيهِ وَتُحَارِبِيهِ، فَمَا لَنَا عَاقَةٌ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنْهُ. وَبَعْدَ هَذَا فَالْأَمْرُ [[في أ: "وبعدها فالأمر".]] إِلَيْكِ، مُرِي فِينَا بِرَأْيِكِ [[في ف: "رأيك".]] نَمْتَثِلُهُ وَنُطِيعُهُ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: فَوَّضُوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِلْجة تَضْطَرِبُ ثَدْيَاهَا، فَلَمَّا قَالُوا لَهَا مَا قَالُوا، كَانَتْ هِيَ أَحْزَمَ رَأْيًا مِنْهُمْ، وَأَعْلَمَ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّهُ [[في ف: "وأنها".]] لَا قِبَلَ لَهَا بِجُنُودِهِ وَجُيُوشِهِ، وَمَا سُخّر لَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ، وَقَدْ شاهَدَت مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ مَعَ الْهُدْهُدِ أَمْرًا عَجِيبًا بَدِيعًا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ نُحَارِبَهُ وَنَمْتَنِعَ عَلَيْهِ، فَيَقْصِدَنَا بِجُنُودِهِ، وَيُهْلِكَنَا بِمَنْ مَعَهُ، وَيَخْلُصَ إِلَيَّ وَإِلَيْكُمُ الْهَلَاكُ وَالدَّمَارُ دُونَ غَيْرِنَا؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ إِذَا دَخَلُوا بَلَدًا [[في أ: "بلدة".]] عنْوَة أَفْسَدُوهُ، أَيْ: خَرّبوه، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ أَيْ: وَقَصَدُوا مَنْ فِيهَا مِنَ الْوُلَاةِ وَالْجُنُودِ، فَأَهَانُوهُمْ غَايَةَ الْهَوَانِ، إِمَّا بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْأَسْرِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ بِلْقِيسُ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [[في ف، أ: "أذلة وكذلك يفعلون".]] ، قَالَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . ثُمَّ عَدَلَتْ إِلَى الْمُهَادَنَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْمُسَالَمَةِ وَالْمُخَادَعَةِ وَالْمُصَانَعَةِ، فَقَالَتْ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أَيْ: سَأَبْعَثُ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ تَلِيقُ بِهِ [[في ف: "بمثله".]] وَأَنْظُرُ مَاذَا يَكُونُ جَوَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَعَلَّهُ يَقْبَلُ ذَلِكَ وَيَكُفُّ عَنَّا، أَوْ يَضْرِبُ عَلَيْنَا خَرَاجا نَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَنَلْتَزِمُ لَهُ بِذَلِكَ وَيَتْرُكُ قِتَالَنَا وَمُحَارَبَتَنَا. قَالَ قَتَادَةُ: رَحِمَهَا اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهَا، مَا كَانَ أَعْقَلَهَا فِي إِسْلَامِهَا وَفِي شِرْكِهَا!! عَلِمَتْ أَنَّ الْهَدِيَّةَ تَقَعُ مَوْقِعًا مِنَ النَّاسِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: قَالَتْ لِقَوْمِهَا: إِنْ قَبِلَ الْهَدِيَّةَ فَهُوَ مَلِكٌ فَقَاتِلُوهُ، وَإِنْ لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.

لَمَّا قَرَأَتْ عَلَيْهِمْ كِتَابَ سُلَيْمَانَ اسْتِشَارَتْهُمْ فِي أَمْرِهَا، وَمَا قَدْ نَزَلَ بِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أَيْ: حَتَّى تَحْضُرُونَ وَتُشِيرُونَ.

﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أَيْ: مَنوا إِلَيْهَا بعَدَدهم وَعَدَدِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، ثُمَّ فَوَّضُوا إِلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْأَمْرَ فَقَالُوا: ﴿وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ أَيْ: نَحْنُ لَيْسَ لَنَا عَاقَةٌ [وَلَا بِنَا بَأْسٌ، إِنْ شِئْتِ أَنْ تَقْصِدِيهِ وَتُحَارِبِيهِ، فَمَا لَنَا عَاقَةٌ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنْهُ. وَبَعْدَ هَذَا فَالْأَمْرُ [[في أ: "وبعدها فالأمر".]] إِلَيْكِ، مُرِي فِينَا بِرَأْيِكِ [[في ف: "رأيك".]] نَمْتَثِلُهُ وَنُطِيعُهُ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: فَوَّضُوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِلْجة تَضْطَرِبُ ثَدْيَاهَا، فَلَمَّا قَالُوا لَهَا مَا قَالُوا، كَانَتْ هِيَ أَحْزَمَ رَأْيًا مِنْهُمْ، وَأَعْلَمَ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّهُ [[في ف: "وأنها".]] لَا قِبَلَ لَهَا بِجُنُودِهِ وَجُيُوشِهِ، وَمَا سُخّر لَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ، وَقَدْ شاهَدَت مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ مَعَ الْهُدْهُدِ أَمْرًا عَجِيبًا بَدِيعًا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ نُحَارِبَهُ وَنَمْتَنِعَ عَلَيْهِ، فَيَقْصِدَنَا بِجُنُودِهِ، وَيُهْلِكَنَا بِمَنْ مَعَهُ، وَيَخْلُصَ إِلَيَّ وَإِلَيْكُمُ الْهَلَاكُ وَالدَّمَارُ دُونَ غَيْرِنَا؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ إِذَا دَخَلُوا بَلَدًا [[في أ: "بلدة".]] عنْوَة أَفْسَدُوهُ، أَيْ: خَرّبوه، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ أَيْ: وَقَصَدُوا مَنْ فِيهَا مِنَ الْوُلَاةِ وَالْجُنُودِ، فَأَهَانُوهُمْ غَايَةَ الْهَوَانِ، إِمَّا بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْأَسْرِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ بِلْقِيسُ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [[في ف، أ: "أذلة وكذلك يفعلون".]] ، قَالَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . ثُمَّ عَدَلَتْ إِلَى الْمُهَادَنَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْمُسَالَمَةِ وَالْمُخَادَعَةِ وَالْمُصَانَعَةِ، فَقَالَتْ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أَيْ: سَأَبْعَثُ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ تَلِيقُ بِهِ [[في ف: "بمثله".]] وَأَنْظُرُ مَاذَا يَكُونُ جَوَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَعَلَّهُ يَقْبَلُ ذَلِكَ وَيَكُفُّ عَنَّا، أَوْ يَضْرِبُ عَلَيْنَا خَرَاجا نَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَنَلْتَزِمُ لَهُ بِذَلِكَ وَيَتْرُكُ قِتَالَنَا وَمُحَارَبَتَنَا. قَالَ قَتَادَةُ: رَحِمَهَا اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهَا، مَا كَانَ أَعْقَلَهَا فِي إِسْلَامِهَا وَفِي شِرْكِهَا!! عَلِمَتْ أَنَّ الْهَدِيَّةَ تَقَعُ مَوْقِعًا مِنَ النَّاسِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: قَالَتْ لِقَوْمِهَا: إِنْ قَبِلَ الْهَدِيَّةَ فَهُوَ مَلِكٌ فَقَاتِلُوهُ، وَإِنْ لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.

لَمَّا قَرَأَتْ عَلَيْهِمْ كِتَابَ سُلَيْمَانَ اسْتِشَارَتْهُمْ فِي أَمْرِهَا، وَمَا قَدْ نَزَلَ بِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أَيْ: حَتَّى تَحْضُرُونَ وَتُشِيرُونَ.

﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أَيْ: مَنوا إِلَيْهَا بعَدَدهم وَعَدَدِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، ثُمَّ فَوَّضُوا إِلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْأَمْرَ فَقَالُوا: ﴿وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ أَيْ: نَحْنُ لَيْسَ لَنَا عَاقَةٌ [وَلَا بِنَا بَأْسٌ، إِنْ شِئْتِ أَنْ تَقْصِدِيهِ وَتُحَارِبِيهِ، فَمَا لَنَا عَاقَةٌ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنْهُ. وَبَعْدَ هَذَا فَالْأَمْرُ [[في أ: "وبعدها فالأمر".]] إِلَيْكِ، مُرِي فِينَا بِرَأْيِكِ [[في ف: "رأيك".]] نَمْتَثِلُهُ وَنُطِيعُهُ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: فَوَّضُوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِلْجة تَضْطَرِبُ ثَدْيَاهَا، فَلَمَّا قَالُوا لَهَا مَا قَالُوا، كَانَتْ هِيَ أَحْزَمَ رَأْيًا مِنْهُمْ، وَأَعْلَمَ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّهُ [[في ف: "وأنها".]] لَا قِبَلَ لَهَا بِجُنُودِهِ وَجُيُوشِهِ، وَمَا سُخّر لَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ، وَقَدْ شاهَدَت مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ مَعَ الْهُدْهُدِ أَمْرًا عَجِيبًا بَدِيعًا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ نُحَارِبَهُ وَنَمْتَنِعَ عَلَيْهِ، فَيَقْصِدَنَا بِجُنُودِهِ، وَيُهْلِكَنَا بِمَنْ مَعَهُ، وَيَخْلُصَ إِلَيَّ وَإِلَيْكُمُ الْهَلَاكُ وَالدَّمَارُ دُونَ غَيْرِنَا؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ إِذَا دَخَلُوا بَلَدًا [[في أ: "بلدة".]] عنْوَة أَفْسَدُوهُ، أَيْ: خَرّبوه، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ أَيْ: وَقَصَدُوا مَنْ فِيهَا مِنَ الْوُلَاةِ وَالْجُنُودِ، فَأَهَانُوهُمْ غَايَةَ الْهَوَانِ، إِمَّا بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْأَسْرِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ بِلْقِيسُ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [[في ف، أ: "أذلة وكذلك يفعلون".]] ، قَالَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . ثُمَّ عَدَلَتْ إِلَى الْمُهَادَنَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْمُسَالَمَةِ وَالْمُخَادَعَةِ وَالْمُصَانَعَةِ، فَقَالَتْ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أَيْ: سَأَبْعَثُ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ تَلِيقُ بِهِ [[في ف: "بمثله".]] وَأَنْظُرُ مَاذَا يَكُونُ جَوَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَعَلَّهُ يَقْبَلُ ذَلِكَ وَيَكُفُّ عَنَّا، أَوْ يَضْرِبُ عَلَيْنَا خَرَاجا نَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَنَلْتَزِمُ لَهُ بِذَلِكَ وَيَتْرُكُ قِتَالَنَا وَمُحَارَبَتَنَا. قَالَ قَتَادَةُ: رَحِمَهَا اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهَا، مَا كَانَ أَعْقَلَهَا فِي إِسْلَامِهَا وَفِي شِرْكِهَا!! عَلِمَتْ أَنَّ الْهَدِيَّةَ تَقَعُ مَوْقِعًا مِنَ النَّاسِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: قَالَتْ لِقَوْمِهَا: إِنْ قَبِلَ الْهَدِيَّةَ فَهُوَ مَلِكٌ فَقَاتِلُوهُ، وَإِنْ لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.

لَمَّا قَرَأَتْ عَلَيْهِمْ كِتَابَ سُلَيْمَانَ اسْتِشَارَتْهُمْ فِي أَمْرِهَا، وَمَا قَدْ نَزَلَ بِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أَيْ: حَتَّى تَحْضُرُونَ وَتُشِيرُونَ.

﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أَيْ: مَنوا إِلَيْهَا بعَدَدهم وَعَدَدِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، ثُمَّ فَوَّضُوا إِلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْأَمْرَ فَقَالُوا: ﴿وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ أَيْ: نَحْنُ لَيْسَ لَنَا عَاقَةٌ [وَلَا بِنَا بَأْسٌ، إِنْ شِئْتِ أَنْ تَقْصِدِيهِ وَتُحَارِبِيهِ، فَمَا لَنَا عَاقَةٌ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنْهُ. وَبَعْدَ هَذَا فَالْأَمْرُ [[في أ: "وبعدها فالأمر".]] إِلَيْكِ، مُرِي فِينَا بِرَأْيِكِ [[في ف: "رأيك".]] نَمْتَثِلُهُ وَنُطِيعُهُ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: فَوَّضُوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِلْجة تَضْطَرِبُ ثَدْيَاهَا، فَلَمَّا قَالُوا لَهَا مَا قَالُوا، كَانَتْ هِيَ أَحْزَمَ رَأْيًا مِنْهُمْ، وَأَعْلَمَ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّهُ [[في ف: "وأنها".]] لَا قِبَلَ لَهَا بِجُنُودِهِ وَجُيُوشِهِ، وَمَا سُخّر لَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ، وَقَدْ شاهَدَت مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ مَعَ الْهُدْهُدِ أَمْرًا عَجِيبًا بَدِيعًا، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ نُحَارِبَهُ وَنَمْتَنِعَ عَلَيْهِ، فَيَقْصِدَنَا بِجُنُودِهِ، وَيُهْلِكَنَا بِمَنْ مَعَهُ، وَيَخْلُصَ إِلَيَّ وَإِلَيْكُمُ الْهَلَاكُ وَالدَّمَارُ دُونَ غَيْرِنَا؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ إِذَا دَخَلُوا بَلَدًا [[في أ: "بلدة".]] عنْوَة أَفْسَدُوهُ، أَيْ: خَرّبوه، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ أَيْ: وَقَصَدُوا مَنْ فِيهَا مِنَ الْوُلَاةِ وَالْجُنُودِ، فَأَهَانُوهُمْ غَايَةَ الْهَوَانِ، إِمَّا بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْأَسْرِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ بِلْقِيسُ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [[في ف، أ: "أذلة وكذلك يفعلون".]] ، قَالَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . ثُمَّ عَدَلَتْ إِلَى الْمُهَادَنَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْمُسَالَمَةِ وَالْمُخَادَعَةِ وَالْمُصَانَعَةِ، فَقَالَتْ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أَيْ: سَأَبْعَثُ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ تَلِيقُ بِهِ [[في ف: "بمثله".]] وَأَنْظُرُ مَاذَا يَكُونُ جَوَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَعَلَّهُ يَقْبَلُ ذَلِكَ وَيَكُفُّ عَنَّا، أَوْ يَضْرِبُ عَلَيْنَا خَرَاجا نَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَنَلْتَزِمُ لَهُ بِذَلِكَ وَيَتْرُكُ قِتَالَنَا وَمُحَارَبَتَنَا. قَالَ قَتَادَةُ: رَحِمَهَا اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهَا، مَا كَانَ أَعْقَلَهَا فِي إِسْلَامِهَا وَفِي شِرْكِهَا!! عَلِمَتْ أَنَّ الْهَدِيَّةَ تَقَعُ مَوْقِعًا مِنَ النَّاسِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: قَالَتْ لِقَوْمِهَا: إِنْ قَبِلَ الْهَدِيَّةَ فَهُوَ مَلِكٌ فَقَاتِلُوهُ، وَإِنْ لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.

ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهَا بَعَثَتْ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَجَوَاهِرَ وَلَآلِئَ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْسَلَتْ بلَبِنَة مِنْ ذَهَبٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا أَرْسَلَتْ [إِلَيْهِ] [[زيادة من ف، أ.]] بِآنِيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ.

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمَا: وَأَرْسَلَتْ جِوَارِيَ فِي زي الغلمان، وغلمان فِي زِيِّ الْجَوَارِي، وَقَالَتْ: إِنْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ فَهُوَ نَبِيٌّ. قَالُوا: فَأَمَرَهُمْ [سُلَيْمَانُ] [[زيادة من ف، أ.]] عليه السلام، أن يتوضؤوا، فَجَعَلَتِ الْجَارِيَةُ تُفرغ عَلَى يَدِهَا مِنَ الْمَاءِ، وَجَعَلَ الْغُلَامُ يَغْتَرِفُ، فَمَيَّزَهُمْ بِذَلِكَ.

وَقِيلَ: بَلْ جَعَلَتِ الْجَارِيَةُ تَغْسِلُ بَاطِنَ [[في ف: "بطن".]] يَدِهَا قَبْلَ ظَاهِرِهَا، وَالْغُلَامُ بِالْعَكْسِ.

وَقِيلَ: بَلْ جَعَلَتِ الْجَوَارِي يَغْتَسِلْنَ [[في ف: "يغسلن".]] مِنْ أَكُفِّهِنَّ إِلَى مُرَافِقِهِنَّ، وَالْغِلْمَانُ مِنْ مَرَافِقِهِمْ إِلَى أَكُفِّهِمْ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ لِيَمْلَأَهُ مَاءً رِوَاءً، لَا مِنَ السَّمَاءِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ، فَأَجْرَى الْخَيْلَ حَتَّى عَرِقَتْ، ثُمَّ مَلَأَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَبِخَرَزَةٍ وَسِلْكٍ لِيَجْعَلَهُ فِيهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَكَانَ ذَلِكَ أَمْ لَا وَأَكْثَرَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمْ يَنْظُرْ إِلَى ما جَاءُوا بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا اعْتَنَى بِهِ، بَلْ أعرض عنه، وقال منكرًا عليهم: ﴿أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ﴾ أَيْ: أَتُصَانِعُونَنِي بِمَالٍ لِأَتْرُكَكُمْ عَلَى شِرْكِكُمْ وَمُلْكِكُمْ؟! ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ أَيِ: الَّذِي أَعْطَانِي اللَّهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالْمَالِ وَالْجُنُودِ خَيْرٌ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أَيْ: أَنْتُمُ الَّذِينَ [[في أ: "الذي".]] تَنْقَادُونَ لِلْهَدَايَا وَالتُّحَفِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَقْبَلُ مِنْكُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ.

قَالَ الْأَعْمَشِ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَرَ سُلَيْمَانُ الشَّيَاطِينَ فَمَوَّهُوا لَهُ أَلْفَ قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. فَلَمَّا رَأَتْ رُسُلُهَا ذَلِكَ قَالُوا: مَا يَصْنَعُ هَذَا بِهَدِيَّتِنَا. وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَهَيُّؤِ الْمُلُوكِ وَإِظْهَارِهِمُ الزِّينَةَ لِلرُّسُلِ وَالْقُصَّادِ.

﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ: بِهَدِيَّتِهِمْ، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أَيْ: لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِقِتَالِهِمْ، ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ أَيْ: مِنْ بَلَدِهِمْ، ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أَيْ: مُهَانُونَ مَدْحُورُونَ.

فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهَا رسلُها بِهَدِيَّتِهَا، وَبِمَا قَالَ سُلَيْمَانُ، سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ هِيَ وَقَوْمُهَا، وَأَقْبَلَتْ تَسِيرُ إِلَيْهِ فِي جُنُودِهَا خَاضِعَةً ذَلِيلَةً، مُعَظِّمَةً لِسُلَيْمَانَ، نَاوِيَةً مُتَابَعَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ. وَلَمَّا تَحَقَّقَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قُدُومَهُمْ عَلَيْهِ وَوُفُودَهُمْ إِلَيْهِ، فَرِحَ [[في ف: "ففرح".]] بِذَلِكَ وسَرّه.

ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهَا بَعَثَتْ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَجَوَاهِرَ وَلَآلِئَ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْسَلَتْ بلَبِنَة مِنْ ذَهَبٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا أَرْسَلَتْ [إِلَيْهِ] [[زيادة من ف، أ.]] بِآنِيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ.

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمَا: وَأَرْسَلَتْ جِوَارِيَ فِي زي الغلمان، وغلمان فِي زِيِّ الْجَوَارِي، وَقَالَتْ: إِنْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ فَهُوَ نَبِيٌّ. قَالُوا: فَأَمَرَهُمْ [سُلَيْمَانُ] [[زيادة من ف، أ.]] عليه السلام، أن يتوضؤوا، فَجَعَلَتِ الْجَارِيَةُ تُفرغ عَلَى يَدِهَا مِنَ الْمَاءِ، وَجَعَلَ الْغُلَامُ يَغْتَرِفُ، فَمَيَّزَهُمْ بِذَلِكَ.

وَقِيلَ: بَلْ جَعَلَتِ الْجَارِيَةُ تَغْسِلُ بَاطِنَ [[في ف: "بطن".]] يَدِهَا قَبْلَ ظَاهِرِهَا، وَالْغُلَامُ بِالْعَكْسِ.

وَقِيلَ: بَلْ جَعَلَتِ الْجَوَارِي يَغْتَسِلْنَ [[في ف: "يغسلن".]] مِنْ أَكُفِّهِنَّ إِلَى مُرَافِقِهِنَّ، وَالْغِلْمَانُ مِنْ مَرَافِقِهِمْ إِلَى أَكُفِّهِمْ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ لِيَمْلَأَهُ مَاءً رِوَاءً، لَا مِنَ السَّمَاءِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ، فَأَجْرَى الْخَيْلَ حَتَّى عَرِقَتْ، ثُمَّ مَلَأَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَبِخَرَزَةٍ وَسِلْكٍ لِيَجْعَلَهُ فِيهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَكَانَ ذَلِكَ أَمْ لَا وَأَكْثَرَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمْ يَنْظُرْ إِلَى ما جَاءُوا بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا اعْتَنَى بِهِ، بَلْ أعرض عنه، وقال منكرًا عليهم: ﴿أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ﴾ أَيْ: أَتُصَانِعُونَنِي بِمَالٍ لِأَتْرُكَكُمْ عَلَى شِرْكِكُمْ وَمُلْكِكُمْ؟! ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ أَيِ: الَّذِي أَعْطَانِي اللَّهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالْمَالِ وَالْجُنُودِ خَيْرٌ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أَيْ: أَنْتُمُ الَّذِينَ [[في أ: "الذي".]] تَنْقَادُونَ لِلْهَدَايَا وَالتُّحَفِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَقْبَلُ مِنْكُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ.

قَالَ الْأَعْمَشِ، عَنِ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَرَ سُلَيْمَانُ الشَّيَاطِينَ فَمَوَّهُوا لَهُ أَلْفَ قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. فَلَمَّا رَأَتْ رُسُلُهَا ذَلِكَ قَالُوا: مَا يَصْنَعُ هَذَا بِهَدِيَّتِنَا. وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَهَيُّؤِ الْمُلُوكِ وَإِظْهَارِهِمُ الزِّينَةَ لِلرُّسُلِ وَالْقُصَّادِ.

﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ: بِهَدِيَّتِهِمْ، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أَيْ: لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِقِتَالِهِمْ، ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ أَيْ: مِنْ بَلَدِهِمْ، ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أَيْ: مُهَانُونَ مَدْحُورُونَ.

فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهَا رسلُها بِهَدِيَّتِهَا، وَبِمَا قَالَ سُلَيْمَانُ، سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ هِيَ وَقَوْمُهَا، وَأَقْبَلَتْ تَسِيرُ إِلَيْهِ فِي جُنُودِهَا خَاضِعَةً ذَلِيلَةً، مُعَظِّمَةً لِسُلَيْمَانَ، نَاوِيَةً مُتَابَعَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ. وَلَمَّا تَحَقَّقَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قُدُومَهُمْ عَلَيْهِ وَوُفُودَهُمْ إِلَيْهِ، فَرِحَ [[في ف: "ففرح".]] بِذَلِكَ وسَرّه.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَان قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهَا الرُّسُلُ بِمَا قَالَ سُلَيْمَانُ قَالَتْ: قَدْ -وَاللَّهِ -عرفتُ، مَا هَذَا بِمَلِكٍ، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ طَاقَةٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِمُكَاثَرَتِهِ [[في هـ: "بمكابرته" والمثبت من ف، أ، والطبري (١٩/١٠٠) .]] شَيْئًا. وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ: إِنِّي قَادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي، لِأَنْظُرَ مَا أَمْرُكَ وَمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ دِينِكَ. ثُمَّ أَمَرَتْ بِسَرِيرِ مُلْكِهَا الَّذِي كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَيْهِ -وَكَانَ مِنْ ذَهَبٍ مُفصَّص بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ -فَجُعِلَ فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ، بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، ثُمَّ أَقْفَلَتْ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ، ثُمَّ قَالَتْ لِمَنْ خَلفت عَلَى سُلْطَانِهَا: احْتَفِظْ بِمَا قِبَلَكَ، وَسَرِيرِ مُلْكِي، فَلَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَلَا يَرَينَّه أَحَدٌ حَتَّى آتِيَكَ. ثُمَّ شَخَصَت إِلَى سُلَيْمَانَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ قَيْل مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ قَيْل مِنْهُمْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ. فَجَعَلَ سُلَيْمَانُ يَبْعَثُ الْجِنَّ يَأْتُونَهُ بِمَسِيرِهَا وَمُنْتَهَاهَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، حَتَّى إِذَا دَنت جَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مِمَّنْ تَحْتَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .

وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا بَلَغَ سُلَيْمَانَ أَنَّهَا جَائِيَةٌ، وَكَانَ قَدْ ذُكِرَ لَهُ عرشها فأعجبه، وكان من ذهب، وَقَوَائِمُهُ لُؤْلُؤٌ وَجَوْهَرٌ، وَكَانَ مُسَتَّرًا بِالدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ تِسْعَةُ مَغَالِيقَ [[في ف: "معاليق".]] ، فَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ. وَقَدْ عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أَنَّهُمْ مَتَى أَسْلَمُوا تَحْرُمُ أَمْوَالُهُمْ مَعَ دِمَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .

وَهَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، والسُّدِّي، وزُهير بْنُ مُحَمَّدٍ: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَتَحْرُمُ عَلَيَّ أَمْوَالُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ.

﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ مَارِدٌ مِنَ الْجِنِّ.

قَالَ شُعَيب الْجِبَائِيُّ: وَكَانَ اسْمُهُ كَوْزَنَ. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ. وَكَذَا قَالَ أَيْضًا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

قَالَ أَبُو صَالِحٍ: وَكَانَ كَأَنَّهُ جَبَلٌ.

﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْعَدِكَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُ: كَانَ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ لِلْقَضَاءِ وَالْحُكُومَاتِ وَلِلطَّعَامِ [[في ف، أ: "والطعام".]] مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ تَزول الشَّمْسُ.

﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ قَوِيٌّ عَلَى حَمْلِهِ، أَمِينٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْجَوْهَرِ.

فَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْ هَاهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ سُلَيْمَانَ أَرَادَ بِإِحْضَارِ هَذَا السَّرِيرِ إِظْهَارَ عَظَمَةِ مَا وَهَبَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ، وسَخَّر لَهُ مِنَ الْجُنُودِ، الَّذِي لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. وَلِيَتَّخِذَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَ بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا خَارِقٌ عَظِيمٌ أَنْ يَأْتِيَ بِعَرْشِهَا كَمَا هُوَ مِنْ بِلَادِهَا قَبْلَ أَنْ يَقْدموا عَلَيْهِ. هَذَا وَقَدْ حَجَبَتْهُ بِالْأَغْلَاقِ وَالْأَقْفَالِ وَالْحَفَظَةِ. فَلَمَّا قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ، ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ. وَكَذَا رَوَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: أَنَّهُ آصِفُ بْنُ بَرْخِيَاءَ، وَكَانَ صِدِّيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مُؤْمِنًا مِنَ الْإِنْسِ، وَاسْمُهُ آصِفُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْإِنْسِ -زَادَ قَتَادَةُ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ اسْمُهُ أَسْطُومَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: كَانَ اسْمُهُ بُلَيْخَا.

وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ [[في أ: "الإنس".]] يُقَالُ لَهُ: ذُو النُّورِ.

وَزَعْمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعة: أَنَّهُ الْخَضِرُ. وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أَيِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ وَانْظُرْ مُدّ بَصَرِكَ مِمَّا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّكَ لَا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك.

وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: امْدُدْ بَصَرَكَ، فَلَا يَبْلُغْ مَدَاهُ حَتَّى آتِيَكَ بِهِ.

فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ نَحْوَ الْيَمَنِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْعَرْشُ الْمَطْلُوبُ، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ، وَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ: يَا إِلَهَنَا وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَهًا وَاحِدًا، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، ائْتِنِي بِعَرْشِهَا. قَالَ: فَتَمَثَّلَ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمْ: لَمَّا دَعَا اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِعَرْشِ بِلْقِيسَ -وَكَانَ فِي الْيَمَنِ، وَسُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ -غَابَ السَّرِيرُ، وَغَاصَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَبَعَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، لَمْ يَشْعُرْ سُلَيْمَانُ إِلَّا وَعَرْشُهَا يُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عُبَّاد الْبَحْرِ، فَلَمَّا عَايَنَ سُلَيْمَانُ ومَلَؤه ذَلِكَ، وَرَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أَيْ: هَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ أَيْ: لِيَخْتَبِرَنِي، ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: هُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعِبَادِ وَعِبَادَتِهِمْ، ﴿كَرِيمٌ﴾ أَيْ: كَرِيمٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْبُدْهُ أَحَدٌ، فَإِنَّ عَظَمَتَهُ لَيْسَتْ مُفْتَقِرَةً [[في أ: "تفتقر".]] إِلَى أَحَدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] .

وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ [ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا] [[زيادة من ف، أ، وصحيح مسلم.]] فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلك فلا يلومن إلا نفسه" [[صحيح مسلم برقم (٢٥٧٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍ الْغِفَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَان قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهَا الرُّسُلُ بِمَا قَالَ سُلَيْمَانُ قَالَتْ: قَدْ -وَاللَّهِ -عرفتُ، مَا هَذَا بِمَلِكٍ، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ طَاقَةٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِمُكَاثَرَتِهِ [[في هـ: "بمكابرته" والمثبت من ف، أ، والطبري (١٩/١٠٠) .]] شَيْئًا. وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ: إِنِّي قَادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي، لِأَنْظُرَ مَا أَمْرُكَ وَمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ دِينِكَ. ثُمَّ أَمَرَتْ بِسَرِيرِ مُلْكِهَا الَّذِي كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَيْهِ -وَكَانَ مِنْ ذَهَبٍ مُفصَّص بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ -فَجُعِلَ فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ، بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، ثُمَّ أَقْفَلَتْ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ، ثُمَّ قَالَتْ لِمَنْ خَلفت عَلَى سُلْطَانِهَا: احْتَفِظْ بِمَا قِبَلَكَ، وَسَرِيرِ مُلْكِي، فَلَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَلَا يَرَينَّه أَحَدٌ حَتَّى آتِيَكَ. ثُمَّ شَخَصَت إِلَى سُلَيْمَانَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ قَيْل مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ قَيْل مِنْهُمْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ. فَجَعَلَ سُلَيْمَانُ يَبْعَثُ الْجِنَّ يَأْتُونَهُ بِمَسِيرِهَا وَمُنْتَهَاهَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، حَتَّى إِذَا دَنت جَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مِمَّنْ تَحْتَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .

وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا بَلَغَ سُلَيْمَانَ أَنَّهَا جَائِيَةٌ، وَكَانَ قَدْ ذُكِرَ لَهُ عرشها فأعجبه، وكان من ذهب، وَقَوَائِمُهُ لُؤْلُؤٌ وَجَوْهَرٌ، وَكَانَ مُسَتَّرًا بِالدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ تِسْعَةُ مَغَالِيقَ [[في ف: "معاليق".]] ، فَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ. وَقَدْ عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أَنَّهُمْ مَتَى أَسْلَمُوا تَحْرُمُ أَمْوَالُهُمْ مَعَ دِمَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .

وَهَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، والسُّدِّي، وزُهير بْنُ مُحَمَّدٍ: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَتَحْرُمُ عَلَيَّ أَمْوَالُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ.

﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ مَارِدٌ مِنَ الْجِنِّ.

قَالَ شُعَيب الْجِبَائِيُّ: وَكَانَ اسْمُهُ كَوْزَنَ. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ. وَكَذَا قَالَ أَيْضًا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

قَالَ أَبُو صَالِحٍ: وَكَانَ كَأَنَّهُ جَبَلٌ.

﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْعَدِكَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُ: كَانَ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ لِلْقَضَاءِ وَالْحُكُومَاتِ وَلِلطَّعَامِ [[في ف، أ: "والطعام".]] مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ تَزول الشَّمْسُ.

﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ قَوِيٌّ عَلَى حَمْلِهِ، أَمِينٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْجَوْهَرِ.

فَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْ هَاهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ سُلَيْمَانَ أَرَادَ بِإِحْضَارِ هَذَا السَّرِيرِ إِظْهَارَ عَظَمَةِ مَا وَهَبَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ، وسَخَّر لَهُ مِنَ الْجُنُودِ، الَّذِي لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. وَلِيَتَّخِذَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَ بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا خَارِقٌ عَظِيمٌ أَنْ يَأْتِيَ بِعَرْشِهَا كَمَا هُوَ مِنْ بِلَادِهَا قَبْلَ أَنْ يَقْدموا عَلَيْهِ. هَذَا وَقَدْ حَجَبَتْهُ بِالْأَغْلَاقِ وَالْأَقْفَالِ وَالْحَفَظَةِ. فَلَمَّا قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ، ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ. وَكَذَا رَوَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: أَنَّهُ آصِفُ بْنُ بَرْخِيَاءَ، وَكَانَ صِدِّيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مُؤْمِنًا مِنَ الْإِنْسِ، وَاسْمُهُ آصِفُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْإِنْسِ -زَادَ قَتَادَةُ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ اسْمُهُ أَسْطُومَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: كَانَ اسْمُهُ بُلَيْخَا.

وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ [[في أ: "الإنس".]] يُقَالُ لَهُ: ذُو النُّورِ.

وَزَعْمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعة: أَنَّهُ الْخَضِرُ. وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أَيِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ وَانْظُرْ مُدّ بَصَرِكَ مِمَّا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّكَ لَا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك.

وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: امْدُدْ بَصَرَكَ، فَلَا يَبْلُغْ مَدَاهُ حَتَّى آتِيَكَ بِهِ.

فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ نَحْوَ الْيَمَنِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْعَرْشُ الْمَطْلُوبُ، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ، وَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ: يَا إِلَهَنَا وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَهًا وَاحِدًا، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، ائْتِنِي بِعَرْشِهَا. قَالَ: فَتَمَثَّلَ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمْ: لَمَّا دَعَا اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِعَرْشِ بِلْقِيسَ -وَكَانَ فِي الْيَمَنِ، وَسُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ -غَابَ السَّرِيرُ، وَغَاصَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَبَعَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، لَمْ يَشْعُرْ سُلَيْمَانُ إِلَّا وَعَرْشُهَا يُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عُبَّاد الْبَحْرِ، فَلَمَّا عَايَنَ سُلَيْمَانُ ومَلَؤه ذَلِكَ، وَرَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أَيْ: هَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ أَيْ: لِيَخْتَبِرَنِي، ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: هُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعِبَادِ وَعِبَادَتِهِمْ، ﴿كَرِيمٌ﴾ أَيْ: كَرِيمٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْبُدْهُ أَحَدٌ، فَإِنَّ عَظَمَتَهُ لَيْسَتْ مُفْتَقِرَةً [[في أ: "تفتقر".]] إِلَى أَحَدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] .

وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ [ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا] [[زيادة من ف، أ، وصحيح مسلم.]] فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلك فلا يلومن إلا نفسه" [[صحيح مسلم برقم (٢٥٧٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍ الْغِفَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَان قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهَا الرُّسُلُ بِمَا قَالَ سُلَيْمَانُ قَالَتْ: قَدْ -وَاللَّهِ -عرفتُ، مَا هَذَا بِمَلِكٍ، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ طَاقَةٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِمُكَاثَرَتِهِ [[في هـ: "بمكابرته" والمثبت من ف، أ، والطبري (١٩/١٠٠) .]] شَيْئًا. وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ: إِنِّي قَادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي، لِأَنْظُرَ مَا أَمْرُكَ وَمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ دِينِكَ. ثُمَّ أَمَرَتْ بِسَرِيرِ مُلْكِهَا الَّذِي كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَيْهِ -وَكَانَ مِنْ ذَهَبٍ مُفصَّص بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ -فَجُعِلَ فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ، بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، ثُمَّ أَقْفَلَتْ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ، ثُمَّ قَالَتْ لِمَنْ خَلفت عَلَى سُلْطَانِهَا: احْتَفِظْ بِمَا قِبَلَكَ، وَسَرِيرِ مُلْكِي، فَلَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَلَا يَرَينَّه أَحَدٌ حَتَّى آتِيَكَ. ثُمَّ شَخَصَت إِلَى سُلَيْمَانَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ قَيْل مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ قَيْل مِنْهُمْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ. فَجَعَلَ سُلَيْمَانُ يَبْعَثُ الْجِنَّ يَأْتُونَهُ بِمَسِيرِهَا وَمُنْتَهَاهَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، حَتَّى إِذَا دَنت جَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مِمَّنْ تَحْتَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .

وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا بَلَغَ سُلَيْمَانَ أَنَّهَا جَائِيَةٌ، وَكَانَ قَدْ ذُكِرَ لَهُ عرشها فأعجبه، وكان من ذهب، وَقَوَائِمُهُ لُؤْلُؤٌ وَجَوْهَرٌ، وَكَانَ مُسَتَّرًا بِالدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ تِسْعَةُ مَغَالِيقَ [[في ف: "معاليق".]] ، فَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ. وَقَدْ عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ أَنَّهُمْ مَتَى أَسْلَمُوا تَحْرُمُ أَمْوَالُهُمْ مَعَ دِمَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ .

وَهَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، والسُّدِّي، وزُهير بْنُ مُحَمَّدٍ: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَتَحْرُمُ عَلَيَّ أَمْوَالُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ.

﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ مَارِدٌ مِنَ الْجِنِّ.

قَالَ شُعَيب الْجِبَائِيُّ: وَكَانَ اسْمُهُ كَوْزَنَ. وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ. وَكَذَا قَالَ أَيْضًا وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

قَالَ أَبُو صَالِحٍ: وَكَانَ كَأَنَّهُ جَبَلٌ.

﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْعَدِكَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُ: كَانَ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ لِلْقَضَاءِ وَالْحُكُومَاتِ وَلِلطَّعَامِ [[في ف، أ: "والطعام".]] مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ تَزول الشَّمْسُ.

﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ قَوِيٌّ عَلَى حَمْلِهِ، أَمِينٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْجَوْهَرِ.

فَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْ هَاهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ سُلَيْمَانَ أَرَادَ بِإِحْضَارِ هَذَا السَّرِيرِ إِظْهَارَ عَظَمَةِ مَا وَهَبَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ، وسَخَّر لَهُ مِنَ الْجُنُودِ، الَّذِي لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. وَلِيَتَّخِذَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَ بِلْقِيسَ وَقَوْمِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا خَارِقٌ عَظِيمٌ أَنْ يَأْتِيَ بِعَرْشِهَا كَمَا هُوَ مِنْ بِلَادِهَا قَبْلَ أَنْ يَقْدموا عَلَيْهِ. هَذَا وَقَدْ حَجَبَتْهُ بِالْأَغْلَاقِ وَالْأَقْفَالِ وَالْحَفَظَةِ. فَلَمَّا قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ، ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ. وَكَذَا رَوَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: أَنَّهُ آصِفُ بْنُ بَرْخِيَاءَ، وَكَانَ صِدِّيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مُؤْمِنًا مِنَ الْإِنْسِ، وَاسْمُهُ آصِفُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْإِنْسِ -زَادَ قَتَادَةُ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ اسْمُهُ أَسْطُومَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: كَانَ اسْمُهُ بُلَيْخَا.

وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ [[في أ: "الإنس".]] يُقَالُ لَهُ: ذُو النُّورِ.

وَزَعْمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعة: أَنَّهُ الْخَضِرُ. وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أَيِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ وَانْظُرْ مُدّ بَصَرِكَ مِمَّا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّكَ لَا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك.

وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: امْدُدْ بَصَرَكَ، فَلَا يَبْلُغْ مَدَاهُ حَتَّى آتِيَكَ بِهِ.

فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ نَحْوَ الْيَمَنِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْعَرْشُ الْمَطْلُوبُ، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ، وَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ: يَا إِلَهَنَا وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَهًا وَاحِدًا، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، ائْتِنِي بِعَرْشِهَا. قَالَ: فَتَمَثَّلَ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمْ: لَمَّا دَعَا اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِعَرْشِ بِلْقِيسَ -وَكَانَ فِي الْيَمَنِ، وَسُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ -غَابَ السَّرِيرُ، وَغَاصَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَبَعَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، لَمْ يَشْعُرْ سُلَيْمَانُ إِلَّا وَعَرْشُهَا يُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عُبَّاد الْبَحْرِ، فَلَمَّا عَايَنَ سُلَيْمَانُ ومَلَؤه ذَلِكَ، وَرَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أَيْ: هَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ أَيْ: لِيَخْتَبِرَنِي، ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ، كَقَوْلِهِ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: هُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعِبَادِ وَعِبَادَتِهِمْ، ﴿كَرِيمٌ﴾ أَيْ: كَرِيمٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْبُدْهُ أَحَدٌ، فَإِنَّ عَظَمَتَهُ لَيْسَتْ مُفْتَقِرَةً [[في أ: "تفتقر".]] إِلَى أَحَدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] .

وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ [ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا] [[زيادة من ف، أ، وصحيح مسلم.]] فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلك فلا يلومن إلا نفسه" [[صحيح مسلم برقم (٢٥٧٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍ الْغِفَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .

لَمَّا جِيءَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِعَرْشِ بِلْقِيسَ قَبْلَ قُدُومِهَا، أَمَرَ بِهِ أَنْ يُغَيَّرَ بَعْضُ صِفَاتِهِ، لِيَخْتَبِرَ مَعْرِفَتَهَا وَثَبَاتَهَا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، هَلْ تُقْدِمُ عَلَى أَنَّهُ عَرْشُهَا أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ، فَقَالَ: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَعَ عَنْهُ فُصُوصَهُ وَمَرَافِقَهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَمَرَ بِهِ فَغُيِّرَ مَا كَانَ أَحْمَرَ جُعِلَ أَصْفَرَ، وَمَا كَانَ أَصْفَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ: وَمَا كَانَ أَخْضَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ، غَيَّر كُلُّ شَيْءٍ عَنْ حَالِهِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: زَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا.

[وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ وَمُقَدَّمَهُ مُؤَخَّرَهُ، وَزَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا] [[زيادة من ف، أ.]] .

﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أَيْ: عُرِضَ عَلَيْهَا عَرْشُهَا، وَقَدْ غُيِّرَ ونُكِّر، وَزِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ مِنْهُ، فَكَانَ فِيهَا ثَبَاتٌ وَعَقْلٌ، وَلَهَا لُب وَدَهَاءٌ وَحَزْمٌ، فَلَمْ تُقْدِمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ لِبُعْدِ مَسَافَتِهِ عَنْهَا، وَلَا أَنَّهُ غَيْرُهُ، لِمَا رَأَتْ مِنْ آثَارِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِنْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ وَنُكِّرَ، فَقَالَتْ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أَيْ: يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ. وَهَذَا غَايَةٌ فِي الذَّكَاءِ وَالْحَزْمِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: سُلَيْمَانُ يَقُولُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ : هَذَا مِنْ تَمَامِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ -فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ -أَيْ: قَالَ سُلَيْمَانُ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ، وَهِيَ كَانَتْ قَدْ صَدَّهَا، أَيْ: مَنَعَهَا مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ. ﴿مَا [[في ف: "بل" وهو خطأ.]] كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدٌ حَسَنٌ [[في أ: "سعيد بن جبير أيضا".]] ، وَقَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَدَّهَا﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى سُلَيْمَانَ، أَوْ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، تَقْدِيرُهُ: وَمَنَعَهَا ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: صدَّها عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ .

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا إِنَّمَا أَظْهَرَتِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ دُخُولِهَا إِلَى الصَّرْحِ، كَمَا سَيَأْتِي.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهَا قَصْرًا عَظِيمًا مِنْ قَوَارِيرَ، أَيْ: مِنْ زُجَاجٍ، وَأَجْرَى تَحْتَهُ الْمَاءَ، فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ أَمْرَهُ يَحْسَبُ أَنَّهُ مَاءٌ، وَلَكِنَّ الزُّجَاجَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاشِي وَبَيْنَهُ. وَاخْتَلَفُوا في السبب الذي دعا سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى [[في ف: "في".]] اتِّخَاذِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى تَزْوِيجِهَا وَاصْطِفَائِهَا لِنَفْسِهِ؛ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُهَا وَحُسْنُهَا، وَلَكِنْ فِي سَاقَيْهَا هُلْبٌ [[في أ: "هلف".]] عَظِيمٌ، وَمُؤَخَّرُ أَقْدَامِهَا كَمُؤَخَّرِ الدَّابَّةِ. فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَاتَّخَذَ هَذَا لِيَعْلَمَ صِحَّتَهُ أَمْ لَا؟ -هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي، وَغَيْرِهِ -فَلَمَّا دَخَلَتْ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، رَأَى أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَحْسَنَهُ قَدَمًا، وَلَكِنْ رَأَى عَلَى رِجْلَيْهَا شَعْرًا؛ لِأَنَّهَا مَلِكَةٌ لَيْسَ لَهَا بَعْلٌ [[في ف، أ: "زوج".]] فَأَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهَا: الْمُوسَى؟ فَقَالَتْ: لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. وَكَرِهَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ، وَقَالَ [[في ف: "وقال سليمان".]] لِلْجِنِّ: اصْنَعُوا شَيْئًا غَيْرَ الْمُوسَى يَذْهَبُ بِهِ هَذَا الشَّعْرُ، فَصَنَعُوا لَهُ النُوْرَةَ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتُّخِذَتْ لَهُ النّورَة، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْج، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَالَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومان: ثُمَّ قَالَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا. فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرّد مِنْ قَوَارِيرَ. فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ [[في ف، أ: "الشيطان".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَمَّا رَأَتِ العلْجَةُ الصَّرْحَ عَرَفَتْ -وَاللَّهِ -أَنَّ قَدْ رَأَتْ مُلْكًا أَعْظَمَ مِنْ مُلْكِهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِالصَّرْحِ، وَقَدْ عَمِلَتْهُ لَهُ الشَّيَاطِينُ مِنْ زُجَاجٍ، كَأَنَّهُ الْمَاءُ بَيَاضًا. ثُمَّ أَرْسَلَ الْمَاءَ تَحْتَهُ، ثُمَّ وُضِعَ لَهُ فِيهِ سَرِيرُهُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، ثُمَّ قَالَ: ادْخُلِي الصَّرْحَ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ، قِيلَ لَهَا: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَقَالَتْ بِقَوْلِ الزَّنَادِقَةِ، فَوَقَعَ سُلَيْمَانُ سَاجِدًا إِعْظَامًا لِمَا قَالَتْ، وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ، فَسَقَطَ فِي يَدَيْهَا حِينَ رَأَتْ سُلَيْمَانَ صَنَعَ مَا صَنَعَ، فَلَمَّا رَفَعَ سُلَيْمَانُ رَأْسَهُ قَالَ: وَيْحَكِ! مَاذَا قُلْتِ؟ -قَالَ: [[في ف: "قالت".]] وَأُنْسِيَتْ مَا قَالَتْ [[في ف: "ما قلت".]] فَقَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذَا أَثَرًا غَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: [[في ف: فقال.]] حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، وَنَحْنُ فِي الْأَزْدِ -قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ تُوضَعُ كَرَاسِيُّ حَوْلَهُ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا الْإِنْسُ، ثُمَّ يَجْلِسُ [[في ف: "تجلس".]] الْجِنُّ، ثُمَّ الشَّيَاطِينُ، ثُمَّ تَأْتِي الريح فترفعهم، ثم تظلهم الطير، ثم يَغْدُونَ قَدْرَ مَا يَشْتَهِي الرَّاكِبُ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرًا وَرَوَاحَهَا شَهْرًا، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسِيرٍ لَهُ، إِذْ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَفَقَدَ الْهُدْهُدَ فَقَالَ: [[في ف: "قال وتفقد الهدهد قال".]] ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ، قَالَ: فَكَانَ عَذَابُهُ إِيَّاهُ أَنْ يَنْتِفَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ نَمْلَةٍ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ.

قَالَ عَطَاءٌ: وَذَكَرَ سَعِيدِ بْنِ جُبَير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ -فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ وَكَتَبَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، إِلَى بِلْقِيسَ: ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ، فَلَمَّا أَلْقَى الْهُدْهُدُ بِالْكِتَابِ [[في ف، أ: "هذا الكتاب".]] إِلَيْهَا، أُلْقِيَ فِي رُوعها: إِنَّهُ كِتَابٌ كَرِيمٌ، وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأَتَوْنِي مُسْلِمِينَ. قَالُوا: نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ. قَالَتْ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ. فَلَمَّا جَاءَتِ الْهَدِيَّةُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ -أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: وَكَانَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَبَيْنَ مَلِكَةِ سَبَأٍ ومَنْ مَعَهَا حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ كَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحِيرَةِ، قَالَ عَطَاءٌ: وَمُجَاهِدٌ حِينَئِذٍ فِي الْأَزْدِ -قَالَ سُلَيْمَانُ: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا؟ قَالَ: وَبَيْنَ عَرْشِهَا وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ، ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ . قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ مَجْلِسٌ يَجْلِسُ فِيهِ لِلنَّاسِ، كَمَا يَجْلِسُ الْأُمَرَاءُ ثُمَّ يَقُومُ -قَالَ: [[في ف، أ: "فقال".]] ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ . قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ: أَنَا أَنْظُرُ فِي كِتَابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ. قَالَ: [فَنَظَرَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ فَلَمَّا قَطَعَ كَلَامَهُ رَدَّ سُلَيْمَانُ بَصَرَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] ، فَنَبَعَ عَرْشُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمِ سُلَيْمَانَ، مِنْ تَحْتِ كُرْسِيٍّ كَانَ سُلَيْمَانُ يَضَعُ عَلَيْهِ رِجْلَهُ، ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَى السَّرِيرِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَى سُلَيْمَانُ عَرْشَهَا [مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ ، ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ لَهَا: أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟ قَالَتْ: كَأَنَّهُ هُوَ. قَالَ: فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَمْرَيْنِ، قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ: أُرِيدُ مَاءً [مِنْ زَبَدٍ رِوَاءً] [[زيادة من ف.]] لَيْسَ مِنْ أَرْضٍ وَلَا مِنْ سَمَاءٍ -وَكَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، سَأَلَ الْإِنْسَ ثُمَّ الْجِنَّ ثُمَّ الشَّيَاطِينَ. [قَالَ] [[زيادة من ف.]] فَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ: هَذَا هَيِّنٌ، أجْرِ الخيلَ ثُمَّ خُذْ عَرَقَهَا، ثُمَّ امْلَأْ مِنْهُ الْآنِيَةَ. قَالَ: فَأَمَرَ بِالْخَيْلِ [[في ف: "أمر الخيل".]] فَأُجْرِيَتْ، ثُمَّ أَخَذَ عَرَقَهَا فَمَلَأَ مِنْهُ الْآنِيَةَ. قَالَ: وَسَأَلَتْ عَنْ لَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَوَثَبَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَرِيرِهِ، فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ، لَقَدْ سألَتْني عَنْ أَمْرٍ إِنَّهُ يَتَكَايَدُ [[في ف، أ: "ليتكابر".]] ، أَيْ: يَتَعَاظَمُ فِي قَلْبِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ. قَالَ: ارْجِعْ فَقَدْ كَفَيتكهم، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: مَا سَأَلْتِ عَنْهُ؟ قَالَتْ: مَا سَأَلْتُكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ. فَقَالَ لِجُنُودِهِ: مَا سَأَلَتْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: مَا سَأَلَتْكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ. قَالَ: ونَسوه كُلُّهُمْ. قَالَ: وَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ لسُلَيمان: تُريدُ أَنْ تَتَّخِذَهَا لِنَفْسِكَ [[في ف، أ: "يريد أن يتخذها لنفسه".]] ، فَإِنِ اتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ وُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ نَنْفَكَّ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ. قَالَ: فَجَعَلُوا صَرْحًا مُمَرَّدًا مِنْ قَوَارِيرَ، فِيهِ السَّمَكُ. قَالَ: فقيل لها: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، فَإِذَا هِيَ شَعْرَاء. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: هَذَا قَبِيحٌ، مَا يُذْهِبُهُ؟ فَقَالُوا: تُذْهِبُهُ [[في ف، أ:"يذهبه".]] الْمَوَاسِي. فَقَالَ: أَثَرُ الْمُوسَى [[في أ: "المواسي".]] قَبِيحٌ! قَالَ: فَجَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ النورَة. قَالَ: فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُعلت لَهُ النُّورَةُ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ.

قُلْتُ: بَلْ هُوَ مُنْكَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَعَلَّهُ مِنْ أَوْهَامِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْأَقْرَبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ أَنَّهَا مُتَلَقَّاةٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِمَّا يُوجَدُ فِي صُحُفِهِمْ، كَرِوَايَاتِ كَعْبٍ وَوَهْبٍ -سَامَحَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -فِيمَا نَقَلَاهُ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ الْأَوَابِدِ [[في أ: "النوادر".]] وَالْغَرَائِبِ وَالْعَجَائِبِ، مِمَّا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ، وَمِمَّا حُرِّفَ وَبُدِّلَ وَنُسِخَ. وَقَدْ أَغْنَانَا اللَّهُ، سُبْحَانَهُ، عَنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَنْفَعُ وَأَوْضَحُ وَأَبْلَغُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

أَصْلُ الصَّرْحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْقَصْرُ، وَكُلُّ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ، قَالَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ -أَنَّهُ قَالَ لِوَزِيرِهِ هَامَانَ ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ [غَافِرٍ:٣٦، ٣٧] . وَالصَّرْحُ: قَصْرٌ فِي الْيَمَنِ عَالِي الْبَنَّاءِ، وَالْمُمَرَّدُ أَيِ: الْمَبْنِيُّ بَنَّاءً مُحْكَمًا أَمْلَسَ ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أَيْ: زُجَاجٍ. وَتَمْرِيدُ الْبِنَاءِ تَمْلِيسُهُ. وَمَارِدٌ: حِصْنٌ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ.

وَالْغَرَضُ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، اتَّخَذَ قَصْرًا عَظِيمًا مَنِيفًا مِنْ زُجَاجٍ لِهَذِهِ الْمَلِكَةِ؛ لِيُرِيَهَا عَظَمَةَ سُلْطَانِهِ وَتَمَكُّنِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا آتَاهُ اللَّهُ، تَعَالَى، وَجَلَالَةَ مَا هُوَ فِيهِ، وَتَبَصَّرَتْ فِي أَمْرِهِ انْقَادَتْ لِأَمْرِ اللَّهِ [[في أ: "لأوامر الله".]] وعَرَفت أَنَّهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، وَمَلِكٌ عَظِيمٌ، فَأَسْلَمَتْ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أَيْ: بِمَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهَا وَشِرْكِهَا وَعِبَادَتِهَا وَقَوْمِهَا الشَّمْسَ [[في ف: "للشمس".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مُتَابَعَةً لِدِينِ سُلَيْمَانَ فِي عِبَادَتِهِ لِلَّهِ [[في ف: "في عبادة الله".]] وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.

لَمَّا جِيءَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِعَرْشِ بِلْقِيسَ قَبْلَ قُدُومِهَا، أَمَرَ بِهِ أَنْ يُغَيَّرَ بَعْضُ صِفَاتِهِ، لِيَخْتَبِرَ مَعْرِفَتَهَا وَثَبَاتَهَا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، هَلْ تُقْدِمُ عَلَى أَنَّهُ عَرْشُهَا أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ، فَقَالَ: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَعَ عَنْهُ فُصُوصَهُ وَمَرَافِقَهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَمَرَ بِهِ فَغُيِّرَ مَا كَانَ أَحْمَرَ جُعِلَ أَصْفَرَ، وَمَا كَانَ أَصْفَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ: وَمَا كَانَ أَخْضَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ، غَيَّر كُلُّ شَيْءٍ عَنْ حَالِهِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: زَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا.

[وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ وَمُقَدَّمَهُ مُؤَخَّرَهُ، وَزَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا] [[زيادة من ف، أ.]] .

﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أَيْ: عُرِضَ عَلَيْهَا عَرْشُهَا، وَقَدْ غُيِّرَ ونُكِّر، وَزِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ مِنْهُ، فَكَانَ فِيهَا ثَبَاتٌ وَعَقْلٌ، وَلَهَا لُب وَدَهَاءٌ وَحَزْمٌ، فَلَمْ تُقْدِمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ لِبُعْدِ مَسَافَتِهِ عَنْهَا، وَلَا أَنَّهُ غَيْرُهُ، لِمَا رَأَتْ مِنْ آثَارِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِنْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ وَنُكِّرَ، فَقَالَتْ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أَيْ: يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ. وَهَذَا غَايَةٌ فِي الذَّكَاءِ وَالْحَزْمِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: سُلَيْمَانُ يَقُولُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ : هَذَا مِنْ تَمَامِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ -فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ -أَيْ: قَالَ سُلَيْمَانُ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ، وَهِيَ كَانَتْ قَدْ صَدَّهَا، أَيْ: مَنَعَهَا مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ. ﴿مَا [[في ف: "بل" وهو خطأ.]] كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدٌ حَسَنٌ [[في أ: "سعيد بن جبير أيضا".]] ، وَقَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَدَّهَا﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى سُلَيْمَانَ، أَوْ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، تَقْدِيرُهُ: وَمَنَعَهَا ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: صدَّها عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ .

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا إِنَّمَا أَظْهَرَتِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ دُخُولِهَا إِلَى الصَّرْحِ، كَمَا سَيَأْتِي.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهَا قَصْرًا عَظِيمًا مِنْ قَوَارِيرَ، أَيْ: مِنْ زُجَاجٍ، وَأَجْرَى تَحْتَهُ الْمَاءَ، فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ أَمْرَهُ يَحْسَبُ أَنَّهُ مَاءٌ، وَلَكِنَّ الزُّجَاجَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاشِي وَبَيْنَهُ. وَاخْتَلَفُوا في السبب الذي دعا سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى [[في ف: "في".]] اتِّخَاذِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى تَزْوِيجِهَا وَاصْطِفَائِهَا لِنَفْسِهِ؛ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُهَا وَحُسْنُهَا، وَلَكِنْ فِي سَاقَيْهَا هُلْبٌ [[في أ: "هلف".]] عَظِيمٌ، وَمُؤَخَّرُ أَقْدَامِهَا كَمُؤَخَّرِ الدَّابَّةِ. فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَاتَّخَذَ هَذَا لِيَعْلَمَ صِحَّتَهُ أَمْ لَا؟ -هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي، وَغَيْرِهِ -فَلَمَّا دَخَلَتْ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، رَأَى أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَحْسَنَهُ قَدَمًا، وَلَكِنْ رَأَى عَلَى رِجْلَيْهَا شَعْرًا؛ لِأَنَّهَا مَلِكَةٌ لَيْسَ لَهَا بَعْلٌ [[في ف، أ: "زوج".]] فَأَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهَا: الْمُوسَى؟ فَقَالَتْ: لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. وَكَرِهَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ، وَقَالَ [[في ف: "وقال سليمان".]] لِلْجِنِّ: اصْنَعُوا شَيْئًا غَيْرَ الْمُوسَى يَذْهَبُ بِهِ هَذَا الشَّعْرُ، فَصَنَعُوا لَهُ النُوْرَةَ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتُّخِذَتْ لَهُ النّورَة، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْج، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَالَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومان: ثُمَّ قَالَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا. فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرّد مِنْ قَوَارِيرَ. فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ [[في ف، أ: "الشيطان".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَمَّا رَأَتِ العلْجَةُ الصَّرْحَ عَرَفَتْ -وَاللَّهِ -أَنَّ قَدْ رَأَتْ مُلْكًا أَعْظَمَ مِنْ مُلْكِهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِالصَّرْحِ، وَقَدْ عَمِلَتْهُ لَهُ الشَّيَاطِينُ مِنْ زُجَاجٍ، كَأَنَّهُ الْمَاءُ بَيَاضًا. ثُمَّ أَرْسَلَ الْمَاءَ تَحْتَهُ، ثُمَّ وُضِعَ لَهُ فِيهِ سَرِيرُهُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، ثُمَّ قَالَ: ادْخُلِي الصَّرْحَ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ، قِيلَ لَهَا: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَقَالَتْ بِقَوْلِ الزَّنَادِقَةِ، فَوَقَعَ سُلَيْمَانُ سَاجِدًا إِعْظَامًا لِمَا قَالَتْ، وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ، فَسَقَطَ فِي يَدَيْهَا حِينَ رَأَتْ سُلَيْمَانَ صَنَعَ مَا صَنَعَ، فَلَمَّا رَفَعَ سُلَيْمَانُ رَأْسَهُ قَالَ: وَيْحَكِ! مَاذَا قُلْتِ؟ -قَالَ: [[في ف: "قالت".]] وَأُنْسِيَتْ مَا قَالَتْ [[في ف: "ما قلت".]] فَقَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذَا أَثَرًا غَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: [[في ف: فقال.]] حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، وَنَحْنُ فِي الْأَزْدِ -قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ تُوضَعُ كَرَاسِيُّ حَوْلَهُ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا الْإِنْسُ، ثُمَّ يَجْلِسُ [[في ف: "تجلس".]] الْجِنُّ، ثُمَّ الشَّيَاطِينُ، ثُمَّ تَأْتِي الريح فترفعهم، ثم تظلهم الطير، ثم يَغْدُونَ قَدْرَ مَا يَشْتَهِي الرَّاكِبُ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرًا وَرَوَاحَهَا شَهْرًا، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسِيرٍ لَهُ، إِذْ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَفَقَدَ الْهُدْهُدَ فَقَالَ: [[في ف: "قال وتفقد الهدهد قال".]] ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ، قَالَ: فَكَانَ عَذَابُهُ إِيَّاهُ أَنْ يَنْتِفَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ نَمْلَةٍ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ.

قَالَ عَطَاءٌ: وَذَكَرَ سَعِيدِ بْنِ جُبَير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ -فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ وَكَتَبَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، إِلَى بِلْقِيسَ: ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ، فَلَمَّا أَلْقَى الْهُدْهُدُ بِالْكِتَابِ [[في ف، أ: "هذا الكتاب".]] إِلَيْهَا، أُلْقِيَ فِي رُوعها: إِنَّهُ كِتَابٌ كَرِيمٌ، وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأَتَوْنِي مُسْلِمِينَ. قَالُوا: نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ. قَالَتْ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ. فَلَمَّا جَاءَتِ الْهَدِيَّةُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ -أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: وَكَانَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَبَيْنَ مَلِكَةِ سَبَأٍ ومَنْ مَعَهَا حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ كَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحِيرَةِ، قَالَ عَطَاءٌ: وَمُجَاهِدٌ حِينَئِذٍ فِي الْأَزْدِ -قَالَ سُلَيْمَانُ: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا؟ قَالَ: وَبَيْنَ عَرْشِهَا وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ، ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ . قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ مَجْلِسٌ يَجْلِسُ فِيهِ لِلنَّاسِ، كَمَا يَجْلِسُ الْأُمَرَاءُ ثُمَّ يَقُومُ -قَالَ: [[في ف، أ: "فقال".]] ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ . قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ: أَنَا أَنْظُرُ فِي كِتَابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ. قَالَ: [فَنَظَرَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ فَلَمَّا قَطَعَ كَلَامَهُ رَدَّ سُلَيْمَانُ بَصَرَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] ، فَنَبَعَ عَرْشُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمِ سُلَيْمَانَ، مِنْ تَحْتِ كُرْسِيٍّ كَانَ سُلَيْمَانُ يَضَعُ عَلَيْهِ رِجْلَهُ، ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَى السَّرِيرِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَى سُلَيْمَانُ عَرْشَهَا [مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ ، ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ لَهَا: أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟ قَالَتْ: كَأَنَّهُ هُوَ. قَالَ: فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَمْرَيْنِ، قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ: أُرِيدُ مَاءً [مِنْ زَبَدٍ رِوَاءً] [[زيادة من ف.]] لَيْسَ مِنْ أَرْضٍ وَلَا مِنْ سَمَاءٍ -وَكَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، سَأَلَ الْإِنْسَ ثُمَّ الْجِنَّ ثُمَّ الشَّيَاطِينَ. [قَالَ] [[زيادة من ف.]] فَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ: هَذَا هَيِّنٌ، أجْرِ الخيلَ ثُمَّ خُذْ عَرَقَهَا، ثُمَّ امْلَأْ مِنْهُ الْآنِيَةَ. قَالَ: فَأَمَرَ بِالْخَيْلِ [[في ف: "أمر الخيل".]] فَأُجْرِيَتْ، ثُمَّ أَخَذَ عَرَقَهَا فَمَلَأَ مِنْهُ الْآنِيَةَ. قَالَ: وَسَأَلَتْ عَنْ لَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَوَثَبَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَرِيرِهِ، فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ، لَقَدْ سألَتْني عَنْ أَمْرٍ إِنَّهُ يَتَكَايَدُ [[في ف، أ: "ليتكابر".]] ، أَيْ: يَتَعَاظَمُ فِي قَلْبِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ. قَالَ: ارْجِعْ فَقَدْ كَفَيتكهم، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: مَا سَأَلْتِ عَنْهُ؟ قَالَتْ: مَا سَأَلْتُكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ. فَقَالَ لِجُنُودِهِ: مَا سَأَلَتْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: مَا سَأَلَتْكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ. قَالَ: ونَسوه كُلُّهُمْ. قَالَ: وَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ لسُلَيمان: تُريدُ أَنْ تَتَّخِذَهَا لِنَفْسِكَ [[في ف، أ: "يريد أن يتخذها لنفسه".]] ، فَإِنِ اتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ وُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ نَنْفَكَّ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ. قَالَ: فَجَعَلُوا صَرْحًا مُمَرَّدًا مِنْ قَوَارِيرَ، فِيهِ السَّمَكُ. قَالَ: فقيل لها: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، فَإِذَا هِيَ شَعْرَاء. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: هَذَا قَبِيحٌ، مَا يُذْهِبُهُ؟ فَقَالُوا: تُذْهِبُهُ [[في ف، أ:"يذهبه".]] الْمَوَاسِي. فَقَالَ: أَثَرُ الْمُوسَى [[في أ: "المواسي".]] قَبِيحٌ! قَالَ: فَجَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ النورَة. قَالَ: فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُعلت لَهُ النُّورَةُ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ.

قُلْتُ: بَلْ هُوَ مُنْكَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَعَلَّهُ مِنْ أَوْهَامِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْأَقْرَبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ أَنَّهَا مُتَلَقَّاةٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِمَّا يُوجَدُ فِي صُحُفِهِمْ، كَرِوَايَاتِ كَعْبٍ وَوَهْبٍ -سَامَحَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -فِيمَا نَقَلَاهُ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ الْأَوَابِدِ [[في أ: "النوادر".]] وَالْغَرَائِبِ وَالْعَجَائِبِ، مِمَّا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ، وَمِمَّا حُرِّفَ وَبُدِّلَ وَنُسِخَ. وَقَدْ أَغْنَانَا اللَّهُ، سُبْحَانَهُ، عَنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَنْفَعُ وَأَوْضَحُ وَأَبْلَغُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

أَصْلُ الصَّرْحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْقَصْرُ، وَكُلُّ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ، قَالَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ -أَنَّهُ قَالَ لِوَزِيرِهِ هَامَانَ ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ [غَافِرٍ:٣٦، ٣٧] . وَالصَّرْحُ: قَصْرٌ فِي الْيَمَنِ عَالِي الْبَنَّاءِ، وَالْمُمَرَّدُ أَيِ: الْمَبْنِيُّ بَنَّاءً مُحْكَمًا أَمْلَسَ ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أَيْ: زُجَاجٍ. وَتَمْرِيدُ الْبِنَاءِ تَمْلِيسُهُ. وَمَارِدٌ: حِصْنٌ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ.

وَالْغَرَضُ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، اتَّخَذَ قَصْرًا عَظِيمًا مَنِيفًا مِنْ زُجَاجٍ لِهَذِهِ الْمَلِكَةِ؛ لِيُرِيَهَا عَظَمَةَ سُلْطَانِهِ وَتَمَكُّنِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا آتَاهُ اللَّهُ، تَعَالَى، وَجَلَالَةَ مَا هُوَ فِيهِ، وَتَبَصَّرَتْ فِي أَمْرِهِ انْقَادَتْ لِأَمْرِ اللَّهِ [[في أ: "لأوامر الله".]] وعَرَفت أَنَّهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، وَمَلِكٌ عَظِيمٌ، فَأَسْلَمَتْ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أَيْ: بِمَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهَا وَشِرْكِهَا وَعِبَادَتِهَا وَقَوْمِهَا الشَّمْسَ [[في ف: "للشمس".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مُتَابَعَةً لِدِينِ سُلَيْمَانَ فِي عِبَادَتِهِ لِلَّهِ [[في ف: "في عبادة الله".]] وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.

لَمَّا جِيءَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِعَرْشِ بِلْقِيسَ قَبْلَ قُدُومِهَا، أَمَرَ بِهِ أَنْ يُغَيَّرَ بَعْضُ صِفَاتِهِ، لِيَخْتَبِرَ مَعْرِفَتَهَا وَثَبَاتَهَا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، هَلْ تُقْدِمُ عَلَى أَنَّهُ عَرْشُهَا أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ، فَقَالَ: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَعَ عَنْهُ فُصُوصَهُ وَمَرَافِقَهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَمَرَ بِهِ فَغُيِّرَ مَا كَانَ أَحْمَرَ جُعِلَ أَصْفَرَ، وَمَا كَانَ أَصْفَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ: وَمَا كَانَ أَخْضَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ، غَيَّر كُلُّ شَيْءٍ عَنْ حَالِهِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: زَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا.

[وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ وَمُقَدَّمَهُ مُؤَخَّرَهُ، وَزَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا] [[زيادة من ف، أ.]] .

﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أَيْ: عُرِضَ عَلَيْهَا عَرْشُهَا، وَقَدْ غُيِّرَ ونُكِّر، وَزِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ مِنْهُ، فَكَانَ فِيهَا ثَبَاتٌ وَعَقْلٌ، وَلَهَا لُب وَدَهَاءٌ وَحَزْمٌ، فَلَمْ تُقْدِمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ لِبُعْدِ مَسَافَتِهِ عَنْهَا، وَلَا أَنَّهُ غَيْرُهُ، لِمَا رَأَتْ مِنْ آثَارِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِنْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ وَنُكِّرَ، فَقَالَتْ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أَيْ: يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ. وَهَذَا غَايَةٌ فِي الذَّكَاءِ وَالْحَزْمِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: سُلَيْمَانُ يَقُولُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ : هَذَا مِنْ تَمَامِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ -فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ -أَيْ: قَالَ سُلَيْمَانُ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ، وَهِيَ كَانَتْ قَدْ صَدَّهَا، أَيْ: مَنَعَهَا مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ. ﴿مَا [[في ف: "بل" وهو خطأ.]] كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدٌ حَسَنٌ [[في أ: "سعيد بن جبير أيضا".]] ، وَقَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَدَّهَا﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى سُلَيْمَانَ، أَوْ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، تَقْدِيرُهُ: وَمَنَعَهَا ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: صدَّها عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ .

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا إِنَّمَا أَظْهَرَتِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ دُخُولِهَا إِلَى الصَّرْحِ، كَمَا سَيَأْتِي.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهَا قَصْرًا عَظِيمًا مِنْ قَوَارِيرَ، أَيْ: مِنْ زُجَاجٍ، وَأَجْرَى تَحْتَهُ الْمَاءَ، فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ أَمْرَهُ يَحْسَبُ أَنَّهُ مَاءٌ، وَلَكِنَّ الزُّجَاجَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاشِي وَبَيْنَهُ. وَاخْتَلَفُوا في السبب الذي دعا سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى [[في ف: "في".]] اتِّخَاذِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى تَزْوِيجِهَا وَاصْطِفَائِهَا لِنَفْسِهِ؛ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُهَا وَحُسْنُهَا، وَلَكِنْ فِي سَاقَيْهَا هُلْبٌ [[في أ: "هلف".]] عَظِيمٌ، وَمُؤَخَّرُ أَقْدَامِهَا كَمُؤَخَّرِ الدَّابَّةِ. فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَاتَّخَذَ هَذَا لِيَعْلَمَ صِحَّتَهُ أَمْ لَا؟ -هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي، وَغَيْرِهِ -فَلَمَّا دَخَلَتْ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، رَأَى أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَحْسَنَهُ قَدَمًا، وَلَكِنْ رَأَى عَلَى رِجْلَيْهَا شَعْرًا؛ لِأَنَّهَا مَلِكَةٌ لَيْسَ لَهَا بَعْلٌ [[في ف، أ: "زوج".]] فَأَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهَا: الْمُوسَى؟ فَقَالَتْ: لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. وَكَرِهَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ، وَقَالَ [[في ف: "وقال سليمان".]] لِلْجِنِّ: اصْنَعُوا شَيْئًا غَيْرَ الْمُوسَى يَذْهَبُ بِهِ هَذَا الشَّعْرُ، فَصَنَعُوا لَهُ النُوْرَةَ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتُّخِذَتْ لَهُ النّورَة، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْج، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَالَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومان: ثُمَّ قَالَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا. فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرّد مِنْ قَوَارِيرَ. فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ [[في ف، أ: "الشيطان".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَمَّا رَأَتِ العلْجَةُ الصَّرْحَ عَرَفَتْ -وَاللَّهِ -أَنَّ قَدْ رَأَتْ مُلْكًا أَعْظَمَ مِنْ مُلْكِهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِالصَّرْحِ، وَقَدْ عَمِلَتْهُ لَهُ الشَّيَاطِينُ مِنْ زُجَاجٍ، كَأَنَّهُ الْمَاءُ بَيَاضًا. ثُمَّ أَرْسَلَ الْمَاءَ تَحْتَهُ، ثُمَّ وُضِعَ لَهُ فِيهِ سَرِيرُهُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، ثُمَّ قَالَ: ادْخُلِي الصَّرْحَ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ، قِيلَ لَهَا: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَقَالَتْ بِقَوْلِ الزَّنَادِقَةِ، فَوَقَعَ سُلَيْمَانُ سَاجِدًا إِعْظَامًا لِمَا قَالَتْ، وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ، فَسَقَطَ فِي يَدَيْهَا حِينَ رَأَتْ سُلَيْمَانَ صَنَعَ مَا صَنَعَ، فَلَمَّا رَفَعَ سُلَيْمَانُ رَأْسَهُ قَالَ: وَيْحَكِ! مَاذَا قُلْتِ؟ -قَالَ: [[في ف: "قالت".]] وَأُنْسِيَتْ مَا قَالَتْ [[في ف: "ما قلت".]] فَقَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذَا أَثَرًا غَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: [[في ف: فقال.]] حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، وَنَحْنُ فِي الْأَزْدِ -قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ تُوضَعُ كَرَاسِيُّ حَوْلَهُ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا الْإِنْسُ، ثُمَّ يَجْلِسُ [[في ف: "تجلس".]] الْجِنُّ، ثُمَّ الشَّيَاطِينُ، ثُمَّ تَأْتِي الريح فترفعهم، ثم تظلهم الطير، ثم يَغْدُونَ قَدْرَ مَا يَشْتَهِي الرَّاكِبُ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرًا وَرَوَاحَهَا شَهْرًا، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسِيرٍ لَهُ، إِذْ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَفَقَدَ الْهُدْهُدَ فَقَالَ: [[في ف: "قال وتفقد الهدهد قال".]] ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ، قَالَ: فَكَانَ عَذَابُهُ إِيَّاهُ أَنْ يَنْتِفَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ نَمْلَةٍ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ.

قَالَ عَطَاءٌ: وَذَكَرَ سَعِيدِ بْنِ جُبَير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ -فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ وَكَتَبَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، إِلَى بِلْقِيسَ: ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ، فَلَمَّا أَلْقَى الْهُدْهُدُ بِالْكِتَابِ [[في ف، أ: "هذا الكتاب".]] إِلَيْهَا، أُلْقِيَ فِي رُوعها: إِنَّهُ كِتَابٌ كَرِيمٌ، وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأَتَوْنِي مُسْلِمِينَ. قَالُوا: نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ. قَالَتْ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ. فَلَمَّا جَاءَتِ الْهَدِيَّةُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ -أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: وَكَانَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَبَيْنَ مَلِكَةِ سَبَأٍ ومَنْ مَعَهَا حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ كَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحِيرَةِ، قَالَ عَطَاءٌ: وَمُجَاهِدٌ حِينَئِذٍ فِي الْأَزْدِ -قَالَ سُلَيْمَانُ: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا؟ قَالَ: وَبَيْنَ عَرْشِهَا وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ، ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ . قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ مَجْلِسٌ يَجْلِسُ فِيهِ لِلنَّاسِ، كَمَا يَجْلِسُ الْأُمَرَاءُ ثُمَّ يَقُومُ -قَالَ: [[في ف، أ: "فقال".]] ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ . قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ: أَنَا أَنْظُرُ فِي كِتَابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ. قَالَ: [فَنَظَرَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ فَلَمَّا قَطَعَ كَلَامَهُ رَدَّ سُلَيْمَانُ بَصَرَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] ، فَنَبَعَ عَرْشُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمِ سُلَيْمَانَ، مِنْ تَحْتِ كُرْسِيٍّ كَانَ سُلَيْمَانُ يَضَعُ عَلَيْهِ رِجْلَهُ، ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَى السَّرِيرِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَى سُلَيْمَانُ عَرْشَهَا [مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ ، ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ لَهَا: أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟ قَالَتْ: كَأَنَّهُ هُوَ. قَالَ: فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَمْرَيْنِ، قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ: أُرِيدُ مَاءً [مِنْ زَبَدٍ رِوَاءً] [[زيادة من ف.]] لَيْسَ مِنْ أَرْضٍ وَلَا مِنْ سَمَاءٍ -وَكَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، سَأَلَ الْإِنْسَ ثُمَّ الْجِنَّ ثُمَّ الشَّيَاطِينَ. [قَالَ] [[زيادة من ف.]] فَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ: هَذَا هَيِّنٌ، أجْرِ الخيلَ ثُمَّ خُذْ عَرَقَهَا، ثُمَّ امْلَأْ مِنْهُ الْآنِيَةَ. قَالَ: فَأَمَرَ بِالْخَيْلِ [[في ف: "أمر الخيل".]] فَأُجْرِيَتْ، ثُمَّ أَخَذَ عَرَقَهَا فَمَلَأَ مِنْهُ الْآنِيَةَ. قَالَ: وَسَأَلَتْ عَنْ لَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَوَثَبَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَرِيرِهِ، فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ، لَقَدْ سألَتْني عَنْ أَمْرٍ إِنَّهُ يَتَكَايَدُ [[في ف، أ: "ليتكابر".]] ، أَيْ: يَتَعَاظَمُ فِي قَلْبِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ. قَالَ: ارْجِعْ فَقَدْ كَفَيتكهم، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: مَا سَأَلْتِ عَنْهُ؟ قَالَتْ: مَا سَأَلْتُكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ. فَقَالَ لِجُنُودِهِ: مَا سَأَلَتْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: مَا سَأَلَتْكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ. قَالَ: ونَسوه كُلُّهُمْ. قَالَ: وَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ لسُلَيمان: تُريدُ أَنْ تَتَّخِذَهَا لِنَفْسِكَ [[في ف، أ: "يريد أن يتخذها لنفسه".]] ، فَإِنِ اتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ وُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ نَنْفَكَّ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ. قَالَ: فَجَعَلُوا صَرْحًا مُمَرَّدًا مِنْ قَوَارِيرَ، فِيهِ السَّمَكُ. قَالَ: فقيل لها: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، فَإِذَا هِيَ شَعْرَاء. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: هَذَا قَبِيحٌ، مَا يُذْهِبُهُ؟ فَقَالُوا: تُذْهِبُهُ [[في ف، أ:"يذهبه".]] الْمَوَاسِي. فَقَالَ: أَثَرُ الْمُوسَى [[في أ: "المواسي".]] قَبِيحٌ! قَالَ: فَجَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ النورَة. قَالَ: فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُعلت لَهُ النُّورَةُ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ.

قُلْتُ: بَلْ هُوَ مُنْكَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَعَلَّهُ مِنْ أَوْهَامِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْأَقْرَبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ أَنَّهَا مُتَلَقَّاةٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِمَّا يُوجَدُ فِي صُحُفِهِمْ، كَرِوَايَاتِ كَعْبٍ وَوَهْبٍ -سَامَحَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -فِيمَا نَقَلَاهُ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ الْأَوَابِدِ [[في أ: "النوادر".]] وَالْغَرَائِبِ وَالْعَجَائِبِ، مِمَّا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ، وَمِمَّا حُرِّفَ وَبُدِّلَ وَنُسِخَ. وَقَدْ أَغْنَانَا اللَّهُ، سُبْحَانَهُ، عَنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَنْفَعُ وَأَوْضَحُ وَأَبْلَغُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

أَصْلُ الصَّرْحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْقَصْرُ، وَكُلُّ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ، قَالَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ -أَنَّهُ قَالَ لِوَزِيرِهِ هَامَانَ ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ [غَافِرٍ:٣٦، ٣٧] . وَالصَّرْحُ: قَصْرٌ فِي الْيَمَنِ عَالِي الْبَنَّاءِ، وَالْمُمَرَّدُ أَيِ: الْمَبْنِيُّ بَنَّاءً مُحْكَمًا أَمْلَسَ ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أَيْ: زُجَاجٍ. وَتَمْرِيدُ الْبِنَاءِ تَمْلِيسُهُ. وَمَارِدٌ: حِصْنٌ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ.

وَالْغَرَضُ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، اتَّخَذَ قَصْرًا عَظِيمًا مَنِيفًا مِنْ زُجَاجٍ لِهَذِهِ الْمَلِكَةِ؛ لِيُرِيَهَا عَظَمَةَ سُلْطَانِهِ وَتَمَكُّنِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا آتَاهُ اللَّهُ، تَعَالَى، وَجَلَالَةَ مَا هُوَ فِيهِ، وَتَبَصَّرَتْ فِي أَمْرِهِ انْقَادَتْ لِأَمْرِ اللَّهِ [[في أ: "لأوامر الله".]] وعَرَفت أَنَّهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، وَمَلِكٌ عَظِيمٌ، فَأَسْلَمَتْ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أَيْ: بِمَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهَا وَشِرْكِهَا وَعِبَادَتِهَا وَقَوْمِهَا الشَّمْسَ [[في ف: "للشمس".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مُتَابَعَةً لِدِينِ سُلَيْمَانَ فِي عِبَادَتِهِ لِلَّهِ [[في ف: "في عبادة الله".]] وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.

لَمَّا جِيءَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِعَرْشِ بِلْقِيسَ قَبْلَ قُدُومِهَا، أَمَرَ بِهِ أَنْ يُغَيَّرَ بَعْضُ صِفَاتِهِ، لِيَخْتَبِرَ مَعْرِفَتَهَا وَثَبَاتَهَا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، هَلْ تُقْدِمُ عَلَى أَنَّهُ عَرْشُهَا أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ، فَقَالَ: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَعَ عَنْهُ فُصُوصَهُ وَمَرَافِقَهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَمَرَ بِهِ فَغُيِّرَ مَا كَانَ أَحْمَرَ جُعِلَ أَصْفَرَ، وَمَا كَانَ أَصْفَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ: وَمَا كَانَ أَخْضَرَ جُعِلَ أَحْمَرَ، غَيَّر كُلُّ شَيْءٍ عَنْ حَالِهِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: زَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا.

[وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ وَمُقَدَّمَهُ مُؤَخَّرَهُ، وَزَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا] [[زيادة من ف، أ.]] .

﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أَيْ: عُرِضَ عَلَيْهَا عَرْشُهَا، وَقَدْ غُيِّرَ ونُكِّر، وَزِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ مِنْهُ، فَكَانَ فِيهَا ثَبَاتٌ وَعَقْلٌ، وَلَهَا لُب وَدَهَاءٌ وَحَزْمٌ، فَلَمْ تُقْدِمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ لِبُعْدِ مَسَافَتِهِ عَنْهَا، وَلَا أَنَّهُ غَيْرُهُ، لِمَا رَأَتْ مِنْ آثَارِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِنْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ وَنُكِّرَ، فَقَالَتْ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أَيْ: يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ. وَهَذَا غَايَةٌ فِي الذَّكَاءِ وَالْحَزْمِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: سُلَيْمَانُ يَقُولُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ : هَذَا مِنْ تَمَامِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ -فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ -أَيْ: قَالَ سُلَيْمَانُ: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ، وَهِيَ كَانَتْ قَدْ صَدَّهَا، أَيْ: مَنَعَهَا مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ. ﴿مَا [[في ف: "بل" وهو خطأ.]] كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدٌ حَسَنٌ [[في أ: "سعيد بن جبير أيضا".]] ، وَقَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَدَّهَا﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى سُلَيْمَانَ، أَوْ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، تَقْدِيرُهُ: وَمَنَعَهَا ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: صدَّها عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ .

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا إِنَّمَا أَظْهَرَتِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ دُخُولِهَا إِلَى الصَّرْحِ، كَمَا سَيَأْتِي.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهَا قَصْرًا عَظِيمًا مِنْ قَوَارِيرَ، أَيْ: مِنْ زُجَاجٍ، وَأَجْرَى تَحْتَهُ الْمَاءَ، فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ أَمْرَهُ يَحْسَبُ أَنَّهُ مَاءٌ، وَلَكِنَّ الزُّجَاجَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاشِي وَبَيْنَهُ. وَاخْتَلَفُوا في السبب الذي دعا سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى [[في ف: "في".]] اتِّخَاذِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى تَزْوِيجِهَا وَاصْطِفَائِهَا لِنَفْسِهِ؛ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُهَا وَحُسْنُهَا، وَلَكِنْ فِي سَاقَيْهَا هُلْبٌ [[في أ: "هلف".]] عَظِيمٌ، وَمُؤَخَّرُ أَقْدَامِهَا كَمُؤَخَّرِ الدَّابَّةِ. فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَاتَّخَذَ هَذَا لِيَعْلَمَ صِحَّتَهُ أَمْ لَا؟ -هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي، وَغَيْرِهِ -فَلَمَّا دَخَلَتْ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، رَأَى أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَحْسَنَهُ قَدَمًا، وَلَكِنْ رَأَى عَلَى رِجْلَيْهَا شَعْرًا؛ لِأَنَّهَا مَلِكَةٌ لَيْسَ لَهَا بَعْلٌ [[في ف، أ: "زوج".]] فَأَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهَا: الْمُوسَى؟ فَقَالَتْ: لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. وَكَرِهَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ، وَقَالَ [[في ف: "وقال سليمان".]] لِلْجِنِّ: اصْنَعُوا شَيْئًا غَيْرَ الْمُوسَى يَذْهَبُ بِهِ هَذَا الشَّعْرُ، فَصَنَعُوا لَهُ النُوْرَةَ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتُّخِذَتْ لَهُ النّورَة، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْج، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَالَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومان: ثُمَّ قَالَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا. فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرّد مِنْ قَوَارِيرَ. فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ [[في ف، أ: "الشيطان".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَمَّا رَأَتِ العلْجَةُ الصَّرْحَ عَرَفَتْ -وَاللَّهِ -أَنَّ قَدْ رَأَتْ مُلْكًا أَعْظَمَ مِنْ مُلْكِهَا.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِالصَّرْحِ، وَقَدْ عَمِلَتْهُ لَهُ الشَّيَاطِينُ مِنْ زُجَاجٍ، كَأَنَّهُ الْمَاءُ بَيَاضًا. ثُمَّ أَرْسَلَ الْمَاءَ تَحْتَهُ، ثُمَّ وُضِعَ لَهُ فِيهِ سَرِيرُهُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، ثُمَّ قَالَ: ادْخُلِي الصَّرْحَ، لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ ، لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ، قِيلَ لَهَا: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ، دَعَاهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَعَاتَبَهَا فِي عِبَادَتِهَا الشَّمْسَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَقَالَتْ بِقَوْلِ الزَّنَادِقَةِ، فَوَقَعَ سُلَيْمَانُ سَاجِدًا إِعْظَامًا لِمَا قَالَتْ، وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ، فَسَقَطَ فِي يَدَيْهَا حِينَ رَأَتْ سُلَيْمَانَ صَنَعَ مَا صَنَعَ، فَلَمَّا رَفَعَ سُلَيْمَانُ رَأْسَهُ قَالَ: وَيْحَكِ! مَاذَا قُلْتِ؟ -قَالَ: [[في ف: "قالت".]] وَأُنْسِيَتْ مَا قَالَتْ [[في ف: "ما قلت".]] فَقَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذَا أَثَرًا غَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: [[في ف: فقال.]] حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، وَنَحْنُ فِي الْأَزْدِ -قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ تُوضَعُ كَرَاسِيُّ حَوْلَهُ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا الْإِنْسُ، ثُمَّ يَجْلِسُ [[في ف: "تجلس".]] الْجِنُّ، ثُمَّ الشَّيَاطِينُ، ثُمَّ تَأْتِي الريح فترفعهم، ثم تظلهم الطير، ثم يَغْدُونَ قَدْرَ مَا يَشْتَهِي الرَّاكِبُ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرًا وَرَوَاحَهَا شَهْرًا، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسِيرٍ لَهُ، إِذْ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَفَقَدَ الْهُدْهُدَ فَقَالَ: [[في ف: "قال وتفقد الهدهد قال".]] ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ، قَالَ: فَكَانَ عَذَابُهُ إِيَّاهُ أَنْ يَنْتِفَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ نَمْلَةٍ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ.

قَالَ عَطَاءٌ: وَذَكَرَ سَعِيدِ بْنِ جُبَير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ -فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ وَكَتَبَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، إِلَى بِلْقِيسَ: ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ، فَلَمَّا أَلْقَى الْهُدْهُدُ بِالْكِتَابِ [[في ف، أ: "هذا الكتاب".]] إِلَيْهَا، أُلْقِيَ فِي رُوعها: إِنَّهُ كِتَابٌ كَرِيمٌ، وَإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأَتَوْنِي مُسْلِمِينَ. قَالُوا: نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ. قَالَتْ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ. فَلَمَّا جَاءَتِ الْهَدِيَّةُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ -أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: وَكَانَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَبَيْنَ مَلِكَةِ سَبَأٍ ومَنْ مَعَهَا حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ كَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحِيرَةِ، قَالَ عَطَاءٌ: وَمُجَاهِدٌ حِينَئِذٍ فِي الْأَزْدِ -قَالَ سُلَيْمَانُ: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا؟ قَالَ: وَبَيْنَ عَرْشِهَا وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ حِينَ نَظَرَ إِلَى الْغُبَارِ مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ، ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ . قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ مَجْلِسٌ يَجْلِسُ فِيهِ لِلنَّاسِ، كَمَا يَجْلِسُ الْأُمَرَاءُ ثُمَّ يَقُومُ -قَالَ: [[في ف، أ: "فقال".]] ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ . قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ: أَنَا أَنْظُرُ فِي كِتَابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ. قَالَ: [فَنَظَرَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ فَلَمَّا قَطَعَ كَلَامَهُ رَدَّ سُلَيْمَانُ بَصَرَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] ، فَنَبَعَ عَرْشُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمِ سُلَيْمَانَ، مِنْ تَحْتِ كُرْسِيٍّ كَانَ سُلَيْمَانُ يَضَعُ عَلَيْهِ رِجْلَهُ، ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَى السَّرِيرِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَى سُلَيْمَانُ عَرْشَهَا [مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ] [[زيادة من ف، أ.]] قَالَ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ ، ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ، فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ لَهَا: أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟ قَالَتْ: كَأَنَّهُ هُوَ. قَالَ: فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَمْرَيْنِ، قَالَتْ لِسُلَيْمَانَ: أُرِيدُ مَاءً [مِنْ زَبَدٍ رِوَاءً] [[زيادة من ف.]] لَيْسَ مِنْ أَرْضٍ وَلَا مِنْ سَمَاءٍ -وَكَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، سَأَلَ الْإِنْسَ ثُمَّ الْجِنَّ ثُمَّ الشَّيَاطِينَ. [قَالَ] [[زيادة من ف.]] فَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ: هَذَا هَيِّنٌ، أجْرِ الخيلَ ثُمَّ خُذْ عَرَقَهَا، ثُمَّ امْلَأْ مِنْهُ الْآنِيَةَ. قَالَ: فَأَمَرَ بِالْخَيْلِ [[في ف: "أمر الخيل".]] فَأُجْرِيَتْ، ثُمَّ أَخَذَ عَرَقَهَا فَمَلَأَ مِنْهُ الْآنِيَةَ. قَالَ: وَسَأَلَتْ عَنْ لَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَوَثَبَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَرِيرِهِ، فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ، لَقَدْ سألَتْني عَنْ أَمْرٍ إِنَّهُ يَتَكَايَدُ [[في ف، أ: "ليتكابر".]] ، أَيْ: يَتَعَاظَمُ فِي قَلْبِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ. قَالَ: ارْجِعْ فَقَدْ كَفَيتكهم، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: مَا سَأَلْتِ عَنْهُ؟ قَالَتْ: مَا سَأَلْتُكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ. فَقَالَ لِجُنُودِهِ: مَا سَأَلَتْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: مَا سَأَلَتْكَ إِلَّا عَنِ الْمَاءِ. قَالَ: ونَسوه كُلُّهُمْ. قَالَ: وَقَالَتِ الشَّيَاطِينُ لسُلَيمان: تُريدُ أَنْ تَتَّخِذَهَا لِنَفْسِكَ [[في ف، أ: "يريد أن يتخذها لنفسه".]] ، فَإِنِ اتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ وُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ نَنْفَكَّ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ. قَالَ: فَجَعَلُوا صَرْحًا مُمَرَّدًا مِنْ قَوَارِيرَ، فِيهِ السَّمَكُ. قَالَ: فقيل لها: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، فَإِذَا هِيَ شَعْرَاء. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: هَذَا قَبِيحٌ، مَا يُذْهِبُهُ؟ فَقَالُوا: تُذْهِبُهُ [[في ف، أ:"يذهبه".]] الْمَوَاسِي. فَقَالَ: أَثَرُ الْمُوسَى [[في أ: "المواسي".]] قَبِيحٌ! قَالَ: فَجَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ النورَة. قَالَ: فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُعلت لَهُ النُّورَةُ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ.

قُلْتُ: بَلْ هُوَ مُنْكَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَعَلَّهُ مِنْ أَوْهَامِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْأَقْرَبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ أَنَّهَا مُتَلَقَّاةٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِمَّا يُوجَدُ فِي صُحُفِهِمْ، كَرِوَايَاتِ كَعْبٍ وَوَهْبٍ -سَامَحَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -فِيمَا نَقَلَاهُ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ الْأَوَابِدِ [[في أ: "النوادر".]] وَالْغَرَائِبِ وَالْعَجَائِبِ، مِمَّا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ، وَمِمَّا حُرِّفَ وَبُدِّلَ وَنُسِخَ. وَقَدْ أَغْنَانَا اللَّهُ، سُبْحَانَهُ، عَنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَنْفَعُ وَأَوْضَحُ وَأَبْلَغُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

أَصْلُ الصَّرْحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْقَصْرُ، وَكُلُّ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ، قَالَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ -أَنَّهُ قَالَ لِوَزِيرِهِ هَامَانَ ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ [غَافِرٍ:٣٦، ٣٧] . وَالصَّرْحُ: قَصْرٌ فِي الْيَمَنِ عَالِي الْبَنَّاءِ، وَالْمُمَرَّدُ أَيِ: الْمَبْنِيُّ بَنَّاءً مُحْكَمًا أَمْلَسَ ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أَيْ: زُجَاجٍ. وَتَمْرِيدُ الْبِنَاءِ تَمْلِيسُهُ. وَمَارِدٌ: حِصْنٌ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ.

وَالْغَرَضُ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، اتَّخَذَ قَصْرًا عَظِيمًا مَنِيفًا مِنْ زُجَاجٍ لِهَذِهِ الْمَلِكَةِ؛ لِيُرِيَهَا عَظَمَةَ سُلْطَانِهِ وَتَمَكُّنِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا آتَاهُ اللَّهُ، تَعَالَى، وَجَلَالَةَ مَا هُوَ فِيهِ، وَتَبَصَّرَتْ فِي أَمْرِهِ انْقَادَتْ لِأَمْرِ اللَّهِ [[في أ: "لأوامر الله".]] وعَرَفت أَنَّهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، وَمَلِكٌ عَظِيمٌ، فَأَسْلَمَتْ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أَيْ: بِمَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهَا وَشِرْكِهَا وَعِبَادَتِهَا وَقَوْمِهَا الشَّمْسَ [[في ف: "للشمس".]] مِنْ دُونِ اللَّهِ، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مُتَابَعَةً لِدِينِ سُلَيْمَانَ فِي عِبَادَتِهِ لِلَّهِ [[في ف: "في عبادة الله".]] وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ ثَمُودَ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا مَعَ نَبِيِّهَا صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ -كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥، ٧٦] .

﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ ، أَيْ: لِمَ تَدْعُونَ بِحُضُورِ الْعَذَابِ، وَلَا تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أَيْ: مَا رَأَيْنَا عَلَى وَجْهِكَ وَوُجُوهِ مَنْ اتَّبَعَكَ خَيْرًا. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ -لِشَقَائِهِمْ -كَانَ لَا يُصِيبُ أَحَدًا مِنْهُمْ سوءٌ إِلَّا قَالَ: هَذَا مِنْ قِبَلِ صَالِحٍ وَأَصْحَابِهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: تَشَاءَمُوا بِهِمْ. وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣١] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] أَيْ: بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ [[في ف، أ: "بقدر الله وقضائه".]] . وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨، ١٩] . وَقَالَ هَؤُلَاءِ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيِ: اللَّهُ يُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: تُبْتَلُونَ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿تُفْتَنُونَ﴾ أَيْ: تُسْتَدْرَجُونَ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ ثَمُودَ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا مَعَ نَبِيِّهَا صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ -كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥، ٧٦] .

﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ ، أَيْ: لِمَ تَدْعُونَ بِحُضُورِ الْعَذَابِ، وَلَا تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أَيْ: مَا رَأَيْنَا عَلَى وَجْهِكَ وَوُجُوهِ مَنْ اتَّبَعَكَ خَيْرًا. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ -لِشَقَائِهِمْ -كَانَ لَا يُصِيبُ أَحَدًا مِنْهُمْ سوءٌ إِلَّا قَالَ: هَذَا مِنْ قِبَلِ صَالِحٍ وَأَصْحَابِهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: تَشَاءَمُوا بِهِمْ. وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣١] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] أَيْ: بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ [[في ف، أ: "بقدر الله وقضائه".]] . وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨، ١٩] . وَقَالَ هَؤُلَاءِ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيِ: اللَّهُ يُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: تُبْتَلُونَ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿تُفْتَنُونَ﴾ أَيْ: تُسْتَدْرَجُونَ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ ثَمُودَ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا مَعَ نَبِيِّهَا صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ -كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥، ٧٦] .

﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ ، أَيْ: لِمَ تَدْعُونَ بِحُضُورِ الْعَذَابِ، وَلَا تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَتَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ أَيْ: مَا رَأَيْنَا عَلَى وَجْهِكَ وَوُجُوهِ مَنْ اتَّبَعَكَ خَيْرًا. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ -لِشَقَائِهِمْ -كَانَ لَا يُصِيبُ أَحَدًا مِنْهُمْ سوءٌ إِلَّا قَالَ: هَذَا مِنْ قِبَلِ صَالِحٍ وَأَصْحَابِهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: تَشَاءَمُوا بِهِمْ. وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣١] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٨] أَيْ: بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ [[في ف، أ: "بقدر الله وقضائه".]] . وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨، ١٩] . وَقَالَ هَؤُلَاءِ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أَيِ: اللَّهُ يُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: تُبْتَلُونَ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿تُفْتَنُونَ﴾ أَيْ: تُسْتَدْرَجُونَ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الَّذِينَ كَانُوا دُعَاةَ قَوْمِهِمْ إِلَى الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ صَالِحٍ، وَآلَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنَّهُمْ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ صَالِحٍ أَيْضًا، بِأَنْ يُبَيِّتُوهُ فِي أَهْلِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ غيْلَة، ثُمَّ يَقُولُوا لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَقْرَبِيهِ: إِنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنَّهُمْ لَصَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مَدِينَةِ ثَمُودَ، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أَيْ: تِسْعَةُ نَفَرٍ، ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ وَإِنَّمَا غَلَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَمْرِ ثَمُودَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُبَرَاءَ فِيهِمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ.

قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، أَيِ: الَّذِي صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ آرَائِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ -وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.

وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَسْمَاءُ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةِ: دعمى، ودعيم، وَهِرْمَا، وَهُرَيْمٌ، وَدَابٌ، وَصَوَابٌ، وَرِيَابٌ، وَمِسْطَعٌ، وَقَدَارُ بْنُ سَالِفٍ عَاقِرُ النَّاقَةِ، أَيِ: الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [الْقَمَرِ: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١٢] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، سَمِعْتُ عَطَاءً -هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ -يَقُولُ: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٧٠) .]] ، يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهَا، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا، كَمَا كَانَ الْعَرَبُ يَتَعَامَلُونَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَطْع الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [[الموطأ (٢/٦٣٥) .]] .

وَفِي الْحَدِيثِ -الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرِهِ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ [[سنن أبي داود برقم (٣٤٤٩) .]] .

وَالْغَرَضُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ الْفَسَقَةَ، كَانَ مِنْ صِفَاتِهِمُ الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أَيْ: تَحَالَفُوا وَتَبَايَعُوا عَلَى قَتْلِ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَنْ لَقِيَهُ لَيْلًا غِيلَةً. فَكَادَهُمُ اللَّهُ، وَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: تَقَاسَمُوا وَتَحَالَفُوا [[في ف: "تحالفوا".]] عَلَى هَلَاكِهِ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: تَوَافَقُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوهُ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ مَعَانيق إِلَى صَالِحٍ لِيَفْتِكُوا بِهِ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَخْرَةً فَأَهْمَدَتْهُمْ.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، قَالُوا حِينَ عَقَرُوهَا: نُبَيِّت صَالِحًا [وَأَهْلَهُ] [[زيادة من أ.]] وَقَوْمَهُ فَنَقْتُلُهُمْ، ثُمَّ نَقُولُ لِأَوْلِيَاءِ صَالِحٍ: مَا شَهِدْنَا مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ عِلْمٍ. فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةُ بَعْدَمَا عَقَرُوا النَّاقَةَ: هَلُم فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَاهُ قَبْلَنَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كُنَّا قَدْ أَلْحَقْنَاهُ بِنَاقَتِهِ! فَأَتَوْهُ لَيْلًا ليبيِّتوه فِي أَهْلِهِ، فَدَمْغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا أَبَطَؤُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ، أَتَوْا مَنزل صَالِحٍ، فَوَجَدُوهُمْ مُنْشَدِخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالْحِجَارَةِ، فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، ثُمَّ هَمُّوا بِهِ، فَقَامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ، وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَقَالُوا لَهُمْ: وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَهُ أَبَدًا، وَقَدْ وَعَدَكُمْ أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَنْتُمْ مِنْ وَرَاءِ مَا تُرِيدُونَ. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ وَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هُودٍ: ٦٥] ، قَالُوا: زَعَمَ صَالِحٌ أَنَّهُ يُفْرُغُ مِنَّا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَنَحْنُ نَفْرُغُ مِنْهُ وَأَهْلِهِ قَبْلَ ثَلَاثٍ. وَكَانَ لِصَالِحٍ مَسْجِدٌ فِي الحجْر عِنْدَ شِعْبٍ هُنَاكَ يُصَلِّي فِيهِ، فَخَرَجُوا إِلَى كَهْفٍ، أَيْ: غَارٍ هُنَاكَ لَيْلًا فَقَالُوا: إِذَا جَاءَ يُصَلِّي قَتَلْنَاهُ [[في ف، أ: "فقلناه".]] ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِذَا فَرَغْنَا مِنْهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَفَرَغْنَا مِنْهُمْ. فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً مِنَ الهضَب حِيَالَهُمْ، فَخَشُوا أَنْ تَشْدَخَهُمْ فَتَبَادَرُوا [[في ف، أ: "فبادروا".]] فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْغَارِ، فَلَا يَدْرِي قَوْمُهُمْ أَيْنَ هُمْ، وَلَا يَدْرُونَ مَا فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ. فَعَذَّبَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَهَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَأَنْجَى اللَّهُ صَالِحًا وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أَيْ: فَارِغَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ﴿بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

يُخْبِرُ تَعَالَى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الَّذِينَ كَانُوا دُعَاةَ قَوْمِهِمْ إِلَى الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ صَالِحٍ، وَآلَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنَّهُمْ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ صَالِحٍ أَيْضًا، بِأَنْ يُبَيِّتُوهُ فِي أَهْلِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ غيْلَة، ثُمَّ يَقُولُوا لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَقْرَبِيهِ: إِنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنَّهُمْ لَصَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مَدِينَةِ ثَمُودَ، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أَيْ: تِسْعَةُ نَفَرٍ، ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ وَإِنَّمَا غَلَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَمْرِ ثَمُودَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُبَرَاءَ فِيهِمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ.

قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، أَيِ: الَّذِي صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ آرَائِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ -وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.

وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَسْمَاءُ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةِ: دعمى، ودعيم، وَهِرْمَا، وَهُرَيْمٌ، وَدَابٌ، وَصَوَابٌ، وَرِيَابٌ، وَمِسْطَعٌ، وَقَدَارُ بْنُ سَالِفٍ عَاقِرُ النَّاقَةِ، أَيِ: الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [الْقَمَرِ: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١٢] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، سَمِعْتُ عَطَاءً -هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ -يَقُولُ: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٧٠) .]] ، يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهَا، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا، كَمَا كَانَ الْعَرَبُ يَتَعَامَلُونَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَطْع الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [[الموطأ (٢/٦٣٥) .]] .

وَفِي الْحَدِيثِ -الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرِهِ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ [[سنن أبي داود برقم (٣٤٤٩) .]] .

وَالْغَرَضُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ الْفَسَقَةَ، كَانَ مِنْ صِفَاتِهِمُ الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أَيْ: تَحَالَفُوا وَتَبَايَعُوا عَلَى قَتْلِ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَنْ لَقِيَهُ لَيْلًا غِيلَةً. فَكَادَهُمُ اللَّهُ، وَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: تَقَاسَمُوا وَتَحَالَفُوا [[في ف: "تحالفوا".]] عَلَى هَلَاكِهِ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: تَوَافَقُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوهُ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ مَعَانيق إِلَى صَالِحٍ لِيَفْتِكُوا بِهِ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَخْرَةً فَأَهْمَدَتْهُمْ.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، قَالُوا حِينَ عَقَرُوهَا: نُبَيِّت صَالِحًا [وَأَهْلَهُ] [[زيادة من أ.]] وَقَوْمَهُ فَنَقْتُلُهُمْ، ثُمَّ نَقُولُ لِأَوْلِيَاءِ صَالِحٍ: مَا شَهِدْنَا مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ عِلْمٍ. فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةُ بَعْدَمَا عَقَرُوا النَّاقَةَ: هَلُم فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَاهُ قَبْلَنَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كُنَّا قَدْ أَلْحَقْنَاهُ بِنَاقَتِهِ! فَأَتَوْهُ لَيْلًا ليبيِّتوه فِي أَهْلِهِ، فَدَمْغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا أَبَطَؤُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ، أَتَوْا مَنزل صَالِحٍ، فَوَجَدُوهُمْ مُنْشَدِخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالْحِجَارَةِ، فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، ثُمَّ هَمُّوا بِهِ، فَقَامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ، وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَقَالُوا لَهُمْ: وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَهُ أَبَدًا، وَقَدْ وَعَدَكُمْ أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَنْتُمْ مِنْ وَرَاءِ مَا تُرِيدُونَ. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ وَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هُودٍ: ٦٥] ، قَالُوا: زَعَمَ صَالِحٌ أَنَّهُ يُفْرُغُ مِنَّا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَنَحْنُ نَفْرُغُ مِنْهُ وَأَهْلِهِ قَبْلَ ثَلَاثٍ. وَكَانَ لِصَالِحٍ مَسْجِدٌ فِي الحجْر عِنْدَ شِعْبٍ هُنَاكَ يُصَلِّي فِيهِ، فَخَرَجُوا إِلَى كَهْفٍ، أَيْ: غَارٍ هُنَاكَ لَيْلًا فَقَالُوا: إِذَا جَاءَ يُصَلِّي قَتَلْنَاهُ [[في ف، أ: "فقلناه".]] ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِذَا فَرَغْنَا مِنْهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَفَرَغْنَا مِنْهُمْ. فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً مِنَ الهضَب حِيَالَهُمْ، فَخَشُوا أَنْ تَشْدَخَهُمْ فَتَبَادَرُوا [[في ف، أ: "فبادروا".]] فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْغَارِ، فَلَا يَدْرِي قَوْمُهُمْ أَيْنَ هُمْ، وَلَا يَدْرُونَ مَا فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ. فَعَذَّبَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَهَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَأَنْجَى اللَّهُ صَالِحًا وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أَيْ: فَارِغَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ﴿بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

يُخْبِرُ تَعَالَى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الَّذِينَ كَانُوا دُعَاةَ قَوْمِهِمْ إِلَى الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ صَالِحٍ، وَآلَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنَّهُمْ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ صَالِحٍ أَيْضًا، بِأَنْ يُبَيِّتُوهُ فِي أَهْلِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ غيْلَة، ثُمَّ يَقُولُوا لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَقْرَبِيهِ: إِنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنَّهُمْ لَصَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مَدِينَةِ ثَمُودَ، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أَيْ: تِسْعَةُ نَفَرٍ، ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ وَإِنَّمَا غَلَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَمْرِ ثَمُودَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُبَرَاءَ فِيهِمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ.

قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، أَيِ: الَّذِي صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ آرَائِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ -وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.

وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَسْمَاءُ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةِ: دعمى، ودعيم، وَهِرْمَا، وَهُرَيْمٌ، وَدَابٌ، وَصَوَابٌ، وَرِيَابٌ، وَمِسْطَعٌ، وَقَدَارُ بْنُ سَالِفٍ عَاقِرُ النَّاقَةِ، أَيِ: الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [الْقَمَرِ: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١٢] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، سَمِعْتُ عَطَاءً -هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ -يَقُولُ: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٧٠) .]] ، يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهَا، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا، كَمَا كَانَ الْعَرَبُ يَتَعَامَلُونَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَطْع الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [[الموطأ (٢/٦٣٥) .]] .

وَفِي الْحَدِيثِ -الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرِهِ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ [[سنن أبي داود برقم (٣٤٤٩) .]] .

وَالْغَرَضُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ الْفَسَقَةَ، كَانَ مِنْ صِفَاتِهِمُ الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أَيْ: تَحَالَفُوا وَتَبَايَعُوا عَلَى قَتْلِ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَنْ لَقِيَهُ لَيْلًا غِيلَةً. فَكَادَهُمُ اللَّهُ، وَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: تَقَاسَمُوا وَتَحَالَفُوا [[في ف: "تحالفوا".]] عَلَى هَلَاكِهِ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: تَوَافَقُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوهُ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ مَعَانيق إِلَى صَالِحٍ لِيَفْتِكُوا بِهِ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَخْرَةً فَأَهْمَدَتْهُمْ.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، قَالُوا حِينَ عَقَرُوهَا: نُبَيِّت صَالِحًا [وَأَهْلَهُ] [[زيادة من أ.]] وَقَوْمَهُ فَنَقْتُلُهُمْ، ثُمَّ نَقُولُ لِأَوْلِيَاءِ صَالِحٍ: مَا شَهِدْنَا مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ عِلْمٍ. فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةُ بَعْدَمَا عَقَرُوا النَّاقَةَ: هَلُم فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَاهُ قَبْلَنَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كُنَّا قَدْ أَلْحَقْنَاهُ بِنَاقَتِهِ! فَأَتَوْهُ لَيْلًا ليبيِّتوه فِي أَهْلِهِ، فَدَمْغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا أَبَطَؤُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ، أَتَوْا مَنزل صَالِحٍ، فَوَجَدُوهُمْ مُنْشَدِخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالْحِجَارَةِ، فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، ثُمَّ هَمُّوا بِهِ، فَقَامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ، وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَقَالُوا لَهُمْ: وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَهُ أَبَدًا، وَقَدْ وَعَدَكُمْ أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَنْتُمْ مِنْ وَرَاءِ مَا تُرِيدُونَ. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ وَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هُودٍ: ٦٥] ، قَالُوا: زَعَمَ صَالِحٌ أَنَّهُ يُفْرُغُ مِنَّا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَنَحْنُ نَفْرُغُ مِنْهُ وَأَهْلِهِ قَبْلَ ثَلَاثٍ. وَكَانَ لِصَالِحٍ مَسْجِدٌ فِي الحجْر عِنْدَ شِعْبٍ هُنَاكَ يُصَلِّي فِيهِ، فَخَرَجُوا إِلَى كَهْفٍ، أَيْ: غَارٍ هُنَاكَ لَيْلًا فَقَالُوا: إِذَا جَاءَ يُصَلِّي قَتَلْنَاهُ [[في ف، أ: "فقلناه".]] ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِذَا فَرَغْنَا مِنْهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَفَرَغْنَا مِنْهُمْ. فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً مِنَ الهضَب حِيَالَهُمْ، فَخَشُوا أَنْ تَشْدَخَهُمْ فَتَبَادَرُوا [[في ف، أ: "فبادروا".]] فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْغَارِ، فَلَا يَدْرِي قَوْمُهُمْ أَيْنَ هُمْ، وَلَا يَدْرُونَ مَا فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ. فَعَذَّبَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَهَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَأَنْجَى اللَّهُ صَالِحًا وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أَيْ: فَارِغَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ﴿بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

يُخْبِرُ تَعَالَى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الَّذِينَ كَانُوا دُعَاةَ قَوْمِهِمْ إِلَى الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ صَالِحٍ، وَآلَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنَّهُمْ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ صَالِحٍ أَيْضًا، بِأَنْ يُبَيِّتُوهُ فِي أَهْلِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ غيْلَة، ثُمَّ يَقُولُوا لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَقْرَبِيهِ: إِنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنَّهُمْ لَصَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مَدِينَةِ ثَمُودَ، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أَيْ: تِسْعَةُ نَفَرٍ، ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ وَإِنَّمَا غَلَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَمْرِ ثَمُودَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُبَرَاءَ فِيهِمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ.

قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، أَيِ: الَّذِي صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ آرَائِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ -وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.

وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَسْمَاءُ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةِ: دعمى، ودعيم، وَهِرْمَا، وَهُرَيْمٌ، وَدَابٌ، وَصَوَابٌ، وَرِيَابٌ، وَمِسْطَعٌ، وَقَدَارُ بْنُ سَالِفٍ عَاقِرُ النَّاقَةِ، أَيِ: الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [الْقَمَرِ: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١٢] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، سَمِعْتُ عَطَاءً -هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ -يَقُولُ: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٧٠) .]] ، يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهَا، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا، كَمَا كَانَ الْعَرَبُ يَتَعَامَلُونَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَطْع الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [[الموطأ (٢/٦٣٥) .]] .

وَفِي الْحَدِيثِ -الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرِهِ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ [[سنن أبي داود برقم (٣٤٤٩) .]] .

وَالْغَرَضُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ الْفَسَقَةَ، كَانَ مِنْ صِفَاتِهِمُ الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أَيْ: تَحَالَفُوا وَتَبَايَعُوا عَلَى قَتْلِ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَنْ لَقِيَهُ لَيْلًا غِيلَةً. فَكَادَهُمُ اللَّهُ، وَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: تَقَاسَمُوا وَتَحَالَفُوا [[في ف: "تحالفوا".]] عَلَى هَلَاكِهِ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: تَوَافَقُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوهُ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ مَعَانيق إِلَى صَالِحٍ لِيَفْتِكُوا بِهِ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَخْرَةً فَأَهْمَدَتْهُمْ.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، قَالُوا حِينَ عَقَرُوهَا: نُبَيِّت صَالِحًا [وَأَهْلَهُ] [[زيادة من أ.]] وَقَوْمَهُ فَنَقْتُلُهُمْ، ثُمَّ نَقُولُ لِأَوْلِيَاءِ صَالِحٍ: مَا شَهِدْنَا مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ عِلْمٍ. فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةُ بَعْدَمَا عَقَرُوا النَّاقَةَ: هَلُم فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَاهُ قَبْلَنَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كُنَّا قَدْ أَلْحَقْنَاهُ بِنَاقَتِهِ! فَأَتَوْهُ لَيْلًا ليبيِّتوه فِي أَهْلِهِ، فَدَمْغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا أَبَطَؤُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ، أَتَوْا مَنزل صَالِحٍ، فَوَجَدُوهُمْ مُنْشَدِخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالْحِجَارَةِ، فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، ثُمَّ هَمُّوا بِهِ، فَقَامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ، وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَقَالُوا لَهُمْ: وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَهُ أَبَدًا، وَقَدْ وَعَدَكُمْ أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَنْتُمْ مِنْ وَرَاءِ مَا تُرِيدُونَ. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ وَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هُودٍ: ٦٥] ، قَالُوا: زَعَمَ صَالِحٌ أَنَّهُ يُفْرُغُ مِنَّا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَنَحْنُ نَفْرُغُ مِنْهُ وَأَهْلِهِ قَبْلَ ثَلَاثٍ. وَكَانَ لِصَالِحٍ مَسْجِدٌ فِي الحجْر عِنْدَ شِعْبٍ هُنَاكَ يُصَلِّي فِيهِ، فَخَرَجُوا إِلَى كَهْفٍ، أَيْ: غَارٍ هُنَاكَ لَيْلًا فَقَالُوا: إِذَا جَاءَ يُصَلِّي قَتَلْنَاهُ [[في ف، أ: "فقلناه".]] ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِذَا فَرَغْنَا مِنْهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَفَرَغْنَا مِنْهُمْ. فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً مِنَ الهضَب حِيَالَهُمْ، فَخَشُوا أَنْ تَشْدَخَهُمْ فَتَبَادَرُوا [[في ف، أ: "فبادروا".]] فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْغَارِ، فَلَا يَدْرِي قَوْمُهُمْ أَيْنَ هُمْ، وَلَا يَدْرُونَ مَا فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ. فَعَذَّبَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَهَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَأَنْجَى اللَّهُ صَالِحًا وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أَيْ: فَارِغَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ﴿بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

يُخْبِرُ تَعَالَى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الَّذِينَ كَانُوا دُعَاةَ قَوْمِهِمْ إِلَى الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ صَالِحٍ، وَآلَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنَّهُمْ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ صَالِحٍ أَيْضًا، بِأَنْ يُبَيِّتُوهُ فِي أَهْلِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ غيْلَة، ثُمَّ يَقُولُوا لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَقْرَبِيهِ: إِنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنَّهُمْ لَصَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مَدِينَةِ ثَمُودَ، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أَيْ: تِسْعَةُ نَفَرٍ، ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ وَإِنَّمَا غَلَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَمْرِ ثَمُودَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُبَرَاءَ فِيهِمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ.

قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، أَيِ: الَّذِي صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ آرَائِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ -وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.

وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَسْمَاءُ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةِ: دعمى، ودعيم، وَهِرْمَا، وَهُرَيْمٌ، وَدَابٌ، وَصَوَابٌ، وَرِيَابٌ، وَمِسْطَعٌ، وَقَدَارُ بْنُ سَالِفٍ عَاقِرُ النَّاقَةِ، أَيِ: الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [الْقَمَرِ: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١٢] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، سَمِعْتُ عَطَاءً -هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ -يَقُولُ: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٧٠) .]] ، يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهَا، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا، كَمَا كَانَ الْعَرَبُ يَتَعَامَلُونَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَطْع الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [[الموطأ (٢/٦٣٥) .]] .

وَفِي الْحَدِيثِ -الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرِهِ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ [[سنن أبي داود برقم (٣٤٤٩) .]] .

وَالْغَرَضُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ الْفَسَقَةَ، كَانَ مِنْ صِفَاتِهِمُ الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أَيْ: تَحَالَفُوا وَتَبَايَعُوا عَلَى قَتْلِ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَنْ لَقِيَهُ لَيْلًا غِيلَةً. فَكَادَهُمُ اللَّهُ، وَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: تَقَاسَمُوا وَتَحَالَفُوا [[في ف: "تحالفوا".]] عَلَى هَلَاكِهِ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: تَوَافَقُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوهُ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ مَعَانيق إِلَى صَالِحٍ لِيَفْتِكُوا بِهِ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَخْرَةً فَأَهْمَدَتْهُمْ.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، قَالُوا حِينَ عَقَرُوهَا: نُبَيِّت صَالِحًا [وَأَهْلَهُ] [[زيادة من أ.]] وَقَوْمَهُ فَنَقْتُلُهُمْ، ثُمَّ نَقُولُ لِأَوْلِيَاءِ صَالِحٍ: مَا شَهِدْنَا مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ عِلْمٍ. فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةُ بَعْدَمَا عَقَرُوا النَّاقَةَ: هَلُم فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَاهُ قَبْلَنَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كُنَّا قَدْ أَلْحَقْنَاهُ بِنَاقَتِهِ! فَأَتَوْهُ لَيْلًا ليبيِّتوه فِي أَهْلِهِ، فَدَمْغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا أَبَطَؤُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ، أَتَوْا مَنزل صَالِحٍ، فَوَجَدُوهُمْ مُنْشَدِخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالْحِجَارَةِ، فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، ثُمَّ هَمُّوا بِهِ، فَقَامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ، وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَقَالُوا لَهُمْ: وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَهُ أَبَدًا، وَقَدْ وَعَدَكُمْ أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَنْتُمْ مِنْ وَرَاءِ مَا تُرِيدُونَ. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ وَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هُودٍ: ٦٥] ، قَالُوا: زَعَمَ صَالِحٌ أَنَّهُ يُفْرُغُ مِنَّا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَنَحْنُ نَفْرُغُ مِنْهُ وَأَهْلِهِ قَبْلَ ثَلَاثٍ. وَكَانَ لِصَالِحٍ مَسْجِدٌ فِي الحجْر عِنْدَ شِعْبٍ هُنَاكَ يُصَلِّي فِيهِ، فَخَرَجُوا إِلَى كَهْفٍ، أَيْ: غَارٍ هُنَاكَ لَيْلًا فَقَالُوا: إِذَا جَاءَ يُصَلِّي قَتَلْنَاهُ [[في ف، أ: "فقلناه".]] ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِذَا فَرَغْنَا مِنْهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَفَرَغْنَا مِنْهُمْ. فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً مِنَ الهضَب حِيَالَهُمْ، فَخَشُوا أَنْ تَشْدَخَهُمْ فَتَبَادَرُوا [[في ف، أ: "فبادروا".]] فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْغَارِ، فَلَا يَدْرِي قَوْمُهُمْ أَيْنَ هُمْ، وَلَا يَدْرُونَ مَا فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ. فَعَذَّبَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَهَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَأَنْجَى اللَّهُ صَالِحًا وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أَيْ: فَارِغَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ﴿بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

يُخْبِرُ تَعَالَى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الَّذِينَ كَانُوا دُعَاةَ قَوْمِهِمْ إِلَى الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ صَالِحٍ، وَآلَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنَّهُمْ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ صَالِحٍ أَيْضًا، بِأَنْ يُبَيِّتُوهُ فِي أَهْلِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ غيْلَة، ثُمَّ يَقُولُوا لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَقْرَبِيهِ: إِنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنَّهُمْ لَصَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أَيْ: مَدِينَةِ ثَمُودَ، ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أَيْ: تِسْعَةُ نَفَرٍ، ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ وَإِنَّمَا غَلَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَمْرِ ثَمُودَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُبَرَاءَ فِيهِمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ.

قَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، أَيِ: الَّذِي صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ آرَائِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ -وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ.

وَقَالَ السُّدِّي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَسْمَاءُ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةِ: دعمى، ودعيم، وَهِرْمَا، وَهُرَيْمٌ، وَدَابٌ، وَصَوَابٌ، وَرِيَابٌ، وَمِسْطَعٌ، وَقَدَارُ بْنُ سَالِفٍ عَاقِرُ النَّاقَةِ، أَيِ: الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [الْقَمَرِ: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ١٢] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، سَمِعْتُ عَطَاءً -هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ -يَقُولُ: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٧٠) .]] ، يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهَا، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا، كَمَا كَانَ الْعَرَبُ يَتَعَامَلُونَ.

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَطْع الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [[الموطأ (٢/٦٣٥) .]] .

وَفِي الْحَدِيثِ -الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرِهِ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ [[سنن أبي داود برقم (٣٤٤٩) .]] .

وَالْغَرَضُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ الْفَسَقَةَ، كَانَ مِنْ صِفَاتِهِمُ الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أَيْ: تَحَالَفُوا وَتَبَايَعُوا عَلَى قَتْلِ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَنْ لَقِيَهُ لَيْلًا غِيلَةً. فَكَادَهُمُ اللَّهُ، وَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: تَقَاسَمُوا وَتَحَالَفُوا [[في ف: "تحالفوا".]] عَلَى هَلَاكِهِ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: تَوَافَقُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوهُ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ مَعَانيق إِلَى صَالِحٍ لِيَفْتِكُوا بِهِ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَخْرَةً فَأَهْمَدَتْهُمْ.

وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، قَالُوا حِينَ عَقَرُوهَا: نُبَيِّت صَالِحًا [وَأَهْلَهُ] [[زيادة من أ.]] وَقَوْمَهُ فَنَقْتُلُهُمْ، ثُمَّ نَقُولُ لِأَوْلِيَاءِ صَالِحٍ: مَا شَهِدْنَا مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ عِلْمٍ. فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةُ بَعْدَمَا عَقَرُوا النَّاقَةَ: هَلُم فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَاهُ قَبْلَنَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كُنَّا قَدْ أَلْحَقْنَاهُ بِنَاقَتِهِ! فَأَتَوْهُ لَيْلًا ليبيِّتوه فِي أَهْلِهِ، فَدَمْغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا أَبَطَؤُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ، أَتَوْا مَنزل صَالِحٍ، فَوَجَدُوهُمْ مُنْشَدِخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالْحِجَارَةِ، فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، ثُمَّ هَمُّوا بِهِ، فَقَامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ، وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَقَالُوا لَهُمْ: وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَهُ أَبَدًا، وَقَدْ وَعَدَكُمْ أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَنْتُمْ مِنْ وَرَاءِ مَا تُرِيدُونَ. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ وَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هُودٍ: ٦٥] ، قَالُوا: زَعَمَ صَالِحٌ أَنَّهُ يُفْرُغُ مِنَّا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَنَحْنُ نَفْرُغُ مِنْهُ وَأَهْلِهِ قَبْلَ ثَلَاثٍ. وَكَانَ لِصَالِحٍ مَسْجِدٌ فِي الحجْر عِنْدَ شِعْبٍ هُنَاكَ يُصَلِّي فِيهِ، فَخَرَجُوا إِلَى كَهْفٍ، أَيْ: غَارٍ هُنَاكَ لَيْلًا فَقَالُوا: إِذَا جَاءَ يُصَلِّي قَتَلْنَاهُ [[في ف، أ: "فقلناه".]] ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِذَا فَرَغْنَا مِنْهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَفَرَغْنَا مِنْهُمْ. فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً مِنَ الهضَب حِيَالَهُمْ، فَخَشُوا أَنْ تَشْدَخَهُمْ فَتَبَادَرُوا [[في ف، أ: "فبادروا".]] فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْغَارِ، فَلَا يَدْرِي قَوْمُهُمْ أَيْنَ هُمْ، وَلَا يَدْرُونَ مَا فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ. فَعَذَّبَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَهَؤُلَاءِ هَاهُنَا، وَأَنْجَى اللَّهُ صَالِحًا وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أَيْ: فَارِغَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ﴿بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَنْذَرَ قَوْمَهُ نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ، فِي فِعْلِهِمُ الْفَاحِشَةَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهِيَ إِتْيَانُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَذَلِكَ فَاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ، اسْتَغْنَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ -قَالَ [[في ف: "فقال".]] ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: يَرَى بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ؟

﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أَيْ: لَا تَعْرِفُونَ شَيْئًا لَا طَبْعًا وَلَا شَرْعًا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٦٥، ١٦٦] .

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: يَتَحَرَّجُونَ [[في أ: "يخرجون".]] مِنْ فِعْلِ مَا تَفْعَلُونَهُ، وَمِنْ إِقْرَارِكُمْ عَلَى صَنِيعِكُمْ، فَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِمُجَاوَرَتِكُمْ فِي بِلَادِكُمْ. فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْهَالِكِينَ مَعَ قَوْمِهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ رِدْءًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَعَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي رِضَاهَا بِأَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، فَكَانَتْ [[في ف: "وكانت".]] تَدُلُّ قَوْمَهَا عَلَى ضِيفَانِ لُوطٍ، لِيَأْتُوا إِلَيْهِمْ، لَا أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُ الْفَوَاحِشَ [[في أ: "الفاحشة".]] تَكْرِمَةً لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ [[في ف: "صلوات الله عليه وسلامه".]] لَا كَرَامَةً لها [[في أ: "بها".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أَيْ: حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمُ الْإِنْذَارُ، فَخَالَفُوا الرَّسُولَ وَكَذَّبُوهُ، وَهمُّوا بِإِخْرَاجِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَنْذَرَ قَوْمَهُ نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ، فِي فِعْلِهِمُ الْفَاحِشَةَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهِيَ إِتْيَانُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَذَلِكَ فَاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ، اسْتَغْنَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ -قَالَ [[في ف: "فقال".]] ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: يَرَى بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ؟

﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أَيْ: لَا تَعْرِفُونَ شَيْئًا لَا طَبْعًا وَلَا شَرْعًا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٦٥، ١٦٦] .

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: يَتَحَرَّجُونَ [[في أ: "يخرجون".]] مِنْ فِعْلِ مَا تَفْعَلُونَهُ، وَمِنْ إِقْرَارِكُمْ عَلَى صَنِيعِكُمْ، فَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِمُجَاوَرَتِكُمْ فِي بِلَادِكُمْ. فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْهَالِكِينَ مَعَ قَوْمِهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ رِدْءًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَعَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي رِضَاهَا بِأَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، فَكَانَتْ [[في ف: "وكانت".]] تَدُلُّ قَوْمَهَا عَلَى ضِيفَانِ لُوطٍ، لِيَأْتُوا إِلَيْهِمْ، لَا أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُ الْفَوَاحِشَ [[في أ: "الفاحشة".]] تَكْرِمَةً لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ [[في ف: "صلوات الله عليه وسلامه".]] لَا كَرَامَةً لها [[في أ: "بها".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أَيْ: حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمُ الْإِنْذَارُ، فَخَالَفُوا الرَّسُولَ وَكَذَّبُوهُ، وَهمُّوا بِإِخْرَاجِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَنْذَرَ قَوْمَهُ نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ، فِي فِعْلِهِمُ الْفَاحِشَةَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهِيَ إِتْيَانُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَذَلِكَ فَاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ، اسْتَغْنَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ -قَالَ [[في ف: "فقال".]] ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: يَرَى بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ؟

﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أَيْ: لَا تَعْرِفُونَ شَيْئًا لَا طَبْعًا وَلَا شَرْعًا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٦٥، ١٦٦] .

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: يَتَحَرَّجُونَ [[في أ: "يخرجون".]] مِنْ فِعْلِ مَا تَفْعَلُونَهُ، وَمِنْ إِقْرَارِكُمْ عَلَى صَنِيعِكُمْ، فَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِمُجَاوَرَتِكُمْ فِي بِلَادِكُمْ. فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْهَالِكِينَ مَعَ قَوْمِهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ رِدْءًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَعَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي رِضَاهَا بِأَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، فَكَانَتْ [[في ف: "وكانت".]] تَدُلُّ قَوْمَهَا عَلَى ضِيفَانِ لُوطٍ، لِيَأْتُوا إِلَيْهِمْ، لَا أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُ الْفَوَاحِشَ [[في أ: "الفاحشة".]] تَكْرِمَةً لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ [[في ف: "صلوات الله عليه وسلامه".]] لَا كَرَامَةً لها [[في أ: "بها".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أَيْ: حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمُ الْإِنْذَارُ، فَخَالَفُوا الرَّسُولَ وَكَذَّبُوهُ، وَهمُّوا بِإِخْرَاجِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَنْذَرَ قَوْمَهُ نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ، فِي فِعْلِهِمُ الْفَاحِشَةَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهِيَ إِتْيَانُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَذَلِكَ فَاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ، اسْتَغْنَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ -قَالَ [[في ف: "فقال".]] ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: يَرَى بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ؟

﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أَيْ: لَا تَعْرِفُونَ شَيْئًا لَا طَبْعًا وَلَا شَرْعًا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٦٥، ١٦٦] .

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: يَتَحَرَّجُونَ [[في أ: "يخرجون".]] مِنْ فِعْلِ مَا تَفْعَلُونَهُ، وَمِنْ إِقْرَارِكُمْ عَلَى صَنِيعِكُمْ، فَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِمُجَاوَرَتِكُمْ فِي بِلَادِكُمْ. فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْهَالِكِينَ مَعَ قَوْمِهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ رِدْءًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَعَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي رِضَاهَا بِأَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، فَكَانَتْ [[في ف: "وكانت".]] تَدُلُّ قَوْمَهَا عَلَى ضِيفَانِ لُوطٍ، لِيَأْتُوا إِلَيْهِمْ، لَا أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُ الْفَوَاحِشَ [[في أ: "الفاحشة".]] تَكْرِمَةً لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ [[في ف: "صلوات الله عليه وسلامه".]] لَا كَرَامَةً لها [[في أ: "بها".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أَيْ: حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمُ الْإِنْذَارُ، فَخَالَفُوا الرَّسُولَ وَكَذَّبُوهُ، وَهمُّوا بِإِخْرَاجِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ أَنْذَرَ قَوْمَهُ نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ، فِي فِعْلِهِمُ الْفَاحِشَةَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهِيَ إِتْيَانُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَذَلِكَ فَاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ، اسْتَغْنَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ -قَالَ [[في ف: "فقال".]] ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أَيْ: يَرَى بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ؟

﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أَيْ: لَا تَعْرِفُونَ شَيْئًا لَا طَبْعًا وَلَا شَرْعًا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٦٥، ١٦٦] .

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أَيْ: يَتَحَرَّجُونَ [[في أ: "يخرجون".]] مِنْ فِعْلِ مَا تَفْعَلُونَهُ، وَمِنْ إِقْرَارِكُمْ عَلَى صَنِيعِكُمْ، فَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِمُجَاوَرَتِكُمْ فِي بِلَادِكُمْ. فَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْهَالِكِينَ مَعَ قَوْمِهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ رِدْءًا لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَعَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي رِضَاهَا بِأَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، فَكَانَتْ [[في ف: "وكانت".]] تَدُلُّ قَوْمَهَا عَلَى ضِيفَانِ لُوطٍ، لِيَأْتُوا إِلَيْهِمْ، لَا أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُ الْفَوَاحِشَ [[في أ: "الفاحشة".]] تَكْرِمَةً لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ [[في ف: "صلوات الله عليه وسلامه".]] لَا كَرَامَةً لها [[في أ: "بها".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أَيْ: حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَوَصَلَ إِلَيْهِمُ الْإِنْذَارُ، فَخَالَفُوا الرَّسُولَ وَكَذَّبُوهُ، وَهمُّوا بِإِخْرَاجِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ.

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُولَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أَيْ: عَلَى نعَمه عَلَى عِبَادِهِ، مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَعَلَى مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ العُلى وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَنْ يُسَلِّم عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ وَاخْتَارَهُمْ، وَهُمْ رُسُلُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ الْكِرَامُ، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ: وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٨٠ -١٨٢] .

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، رَضِيَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَلَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، فَالْأَنْبِيَاءُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَالْقَصْدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ بعد ما ذَكَرَ لَهُمْ [[في ف: "بعد ذكره لهم".]] مَا فَعَلَ بِأَوْلِيَائِهِ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ، وَمَا أَحَلَّ بِأَعْدَائِهِ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالْقَهْرِ، أَنْ يَحْمَدُوهُ عَلَى جَمِيعِ [[في ف: "جميل".]] أَفْعَالِهِ، وَأَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى عِبَادِهِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ.

وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ صَبِيح، حَدَّثَنَا طَلْق بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْر، عَنِ السُّدِّيِّ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ -عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[مسند البزار برقم (٢٢٤٣) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨٧) : "وفيه الحكم بن ظهير، وهو متروك".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ﴾ : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى.

ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى يُبَيِّنُ [[في ف: "شرع يبين تعالى".]] أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ، فَقَالَ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ﴾ أَيْ: تِلْكَ السَّمَوَاتُ بِارْتِفَاعِهَا وَصَفَائِهَا، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ وَالنُّجُومِ الزَّاهِرَةِ وَالْأَفْلَاكِ الدَّائِرَةِ، وَالْأَرْضُ بِاسْتِفَالِهَا وَكَثَافَتِهَا، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ وَالْأَوْعَارِ وَالسُّهُولِ، وَالْفَيَافِي وَالْقِفَارِ، وَالْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ، وَالثِّمَارِ وَالْبُحُورِ [[في ف: "والبحار".]] وَالْحَيَوَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْنَافِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أَيْ: جَعَلَهُ رِزْقًا لِلْعِبَادِ، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾ أَيْ: بَسَاتِينَ ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ أَيْ: مَنْظَرٍ حَسَنٍ وَشَكْلٍ بَهِيٍّ، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ أَيْ: لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَى إِنْبَاتِ شَجَرِهَا، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، الْمُسْتَقِلُّ بِذَلِكَ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ، دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، كَمَا يَعْتَرِفُ [[في ف: "كما يعرف".]] بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٧] ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٣] أَيْ: هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ هُمْ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ مِمَّا يَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفرَدَ بِالْعِبَادَةِ مَن هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أَيْ: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ يُعْبَدُ. وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ، وَلِكُلِّ ذِي لُبٍّ مِمَّا يَعْرِفُونَ [[في ف، أ: "يعترفون".]] بِهِ أَيْضًا أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ.

وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [أَيْ: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] فَعَلَ هَذَا. وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْجَوَابِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ ثَمَّ أحدٌ فَعَلَ هَذَا مَعَهُ، بَلْ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ. فَيُقَالُ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ؟ كَمَا قَالَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النَّحْلِ: ١٧] .

* *

وَقَوْلُهُ هَاهُنَا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ﴾ : ﴿أَمَّنْ﴾ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ [كُلِّهَا] [[زيادة من ف، أ.]] تَقْدِيرُهُ: أَمَّنْ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا؟ هَذَا مَعْنَى السِّيَاقِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ فِي قُوَّةِ الْكَلَامِ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .

ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أَيْ: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عِدْلًا وَنَظِيرًا. وَهَكَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] أَيْ: أَمَّنْ هُوَ هَكَذَا كَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] ، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] ، وَقَالَ ﴿أَفَمَنْ [[في جميع النسخ: "أمن" والصواب ما أثبتناه.]] هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٣] أَيْ: أمَنْ هُوَ شَهِيدٌ عَلَى أَفْعَالِ الْخَلْقِ، حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ، يَعْلَمُ الْغَيْبَ جَلِيلَهُ وَحَقِيرَهُ، كَمَنْ هُوَ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي عَبَدُوهَا؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٣] ، وَهَكَذَا هَذِهِ الآيات الكريمات كلها.

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُولَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أَيْ: عَلَى نعَمه عَلَى عِبَادِهِ، مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَعَلَى مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ العُلى وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَنْ يُسَلِّم عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ وَاخْتَارَهُمْ، وَهُمْ رُسُلُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ الْكِرَامُ، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ: وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٨٠ -١٨٢] .

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالسُّدِّيُّ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، رَضِيَ [اللَّهُ] [[زيادة من ف، أ.]] عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَلَا مُنَافَاةَ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، فَالْأَنْبِيَاءُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَالْقَصْدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ بعد ما ذَكَرَ لَهُمْ [[في ف: "بعد ذكره لهم".]] مَا فَعَلَ بِأَوْلِيَائِهِ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ، وَمَا أَحَلَّ بِأَعْدَائِهِ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالْقَهْرِ، أَنْ يَحْمَدُوهُ عَلَى جَمِيعِ [[في ف: "جميل".]] أَفْعَالِهِ، وَأَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى عِبَادِهِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ.

وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ صَبِيح، حَدَّثَنَا طَلْق بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْر، عَنِ السُّدِّيِّ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ -عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[مسند البزار برقم (٢٢٤٣) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨٧) : "وفيه الحكم بن ظهير، وهو متروك".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ﴾ : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى.

ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى يُبَيِّنُ [[في ف: "شرع يبين تعالى".]] أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ، فَقَالَ: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ﴾ أَيْ: تِلْكَ السَّمَوَاتُ بِارْتِفَاعِهَا وَصَفَائِهَا، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ وَالنُّجُومِ الزَّاهِرَةِ وَالْأَفْلَاكِ الدَّائِرَةِ، وَالْأَرْضُ بِاسْتِفَالِهَا وَكَثَافَتِهَا، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ وَالْأَوْعَارِ وَالسُّهُولِ، وَالْفَيَافِي وَالْقِفَارِ، وَالْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ، وَالثِّمَارِ وَالْبُحُورِ [[في ف: "والبحار".]] وَالْحَيَوَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْنَافِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أَيْ: جَعَلَهُ رِزْقًا لِلْعِبَادِ، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾ أَيْ: بَسَاتِينَ ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ أَيْ: مَنْظَرٍ حَسَنٍ وَشَكْلٍ بَهِيٍّ، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ أَيْ: لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَى إِنْبَاتِ شَجَرِهَا، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، الْمُسْتَقِلُّ بِذَلِكَ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ، دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، كَمَا يَعْتَرِفُ [[في ف: "كما يعرف".]] بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٧] ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٣] أَيْ: هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ هُمْ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ مِمَّا يَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفرَدَ بِالْعِبَادَةِ مَن هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أَيْ: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ يُعْبَدُ. وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ، وَلِكُلِّ ذِي لُبٍّ مِمَّا يَعْرِفُونَ [[في ف، أ: "يعترفون".]] بِهِ أَيْضًا أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ.

وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [أَيْ: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] فَعَلَ هَذَا. وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْجَوَابِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ ثَمَّ أحدٌ فَعَلَ هَذَا مَعَهُ، بَلْ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ. فَيُقَالُ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ وَهُوَ الْمُسْتَقِلُّ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ؟ كَمَا قَالَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النَّحْلِ: ١٧] .

* *

وَقَوْلُهُ هَاهُنَا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ﴾ : ﴿أَمَّنْ﴾ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ [كُلِّهَا] [[زيادة من ف، أ.]] تَقْدِيرُهُ: أَمَّنْ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا؟ هَذَا مَعْنَى السِّيَاقِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ فِي قُوَّةِ الْكَلَامِ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .

ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أَيْ: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عِدْلًا وَنَظِيرًا. وَهَكَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] أَيْ: أَمَّنْ هُوَ هَكَذَا كَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] ، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] ، وَقَالَ ﴿أَفَمَنْ [[في جميع النسخ: "أمن" والصواب ما أثبتناه.]] هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٣] أَيْ: أمَنْ هُوَ شَهِيدٌ عَلَى أَفْعَالِ الْخَلْقِ، حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ، يَعْلَمُ الْغَيْبَ جَلِيلَهُ وَحَقِيرَهُ، كَمَنْ هُوَ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي عَبَدُوهَا؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٣] ، وَهَكَذَا هَذِهِ الآيات الكريمات كلها.

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com