Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir
Surah An-Naml
Tafsir Ibn Kathir · The Ant · 93 ayat · ayat 61–90 · Quran text →
يَقُولُ: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا﴾ أَيْ: قَارَّةً سَاكِنَةً ثَابِتَةً، لَا تَمِيدُ وَلَا تَتَحَرَّكُ بِأَهْلِهَا وَلَا تَرْجُفُ بِهِمْ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا طَابَ عَلَيْهَا الْعَيْشُ وَالْحَيَاةُ، بَلْ جَعَلَهَا مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ مِهَادًا بِسَاطًا ثَابِتَةً لَا تَتَزَلْزَلُ وَلَا تَتَحَرَّكُ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [غَافِرٍ: ٦٤] .
﴿وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا﴾ أَيْ: جَعَلَ فِيهَا الْأَنْهَارَ الْعَذْبَةَ الطَّيِّبَةَ تَشُقُّهَا فِي خِلَالِهَا، وَصَرَّفَهَا فِيهَا مَا بَيْنَ أَنْهَارٍ كِبَارٍ وَصِغَارٍ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَسَيَّرَهَا شَرْقًا وَغَرْبًا وَجَنُوبًا وَشَمَالًا بِحَسَبِ مَصَالِحِ عِبَادِهِ فِي أَقَالِيمِهِمْ وَأَقْطَارِهِمْ حَيْثُ ذَرَأَهُمْ فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ، سَيَّرَ لَهُمْ [[في أ: "إليهم".]] أَرْزَاقَهُمْ بِحَسَبِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ أَيْ: جِبَالًا شَامِخَةً تُرْسِي الْأَرْضَ وَتُثَبِّتُهَا؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ أَيْ: جَعَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الْعَذْبَةِ وَالْمَالِحَةِ [[في ف، أ: "والملحة".]] حَاجِزًا، أَيْ: مَانِعًا يَمْنَعُهَا مِنَ الِاخْتِلَاطِ، لِئَلَّا يَفْسُدَ هَذَا بِهَذَا وَهَذَا بِهَذَا، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ تَقْتَضِي بِقَاءَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى صِفَتِهِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ، فَإِنَّ الْبَحْرَ الْحُلْوَ هُوَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا: أن تكون عذبة زلالا تسقى الْحَيَوَانُ وَالنَّبَاتُ وَالثِّمَارُ مِنْهَا. وَالْبِحَارُ الْمَالِحَةُ هِيَ الْمُحِيطَةُ بِالْأَرْجَاءِ وَالْأَقْطَارِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا مِلْحًا أُجَاجًا، لِئَلَّا يَفْسُدَ الْهَوَاءُ بِرِيحِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٥٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَعَلَ هَذَا؟ أَوْ يُعْبَدُ عَلَى [[في ف، أ: "أو بعد هذا".]] الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالْآخَرِ؟ وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ صَحِيحٌ، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: فِي عِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ.
يُنَبِّهُ تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ المدعُوّ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، المرجُوّ عِنْدَ النَّوَازِلِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥٣] . وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ أَيْ: مَنْ هُوَ الَّذِي لَا يَلْجَأُ الْمُضْطَرُّ إِلَّا إِلَيْهِ، وَالَّذِي لَا يَكْشِفُ ضُرَّ الْمَضْرُورِينَ سِوَاهُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْب، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذّاء، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمي، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَلْهُجَيْمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَامَ تَدْعُو؟ قَالَ: "أَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، الَّذِي إِنْ مَسّك ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَ عَنْكَ، وَالَّذِي إِنْ أضْلَلْت بِأَرْضٍ قَفْر فدعوتَه رَدّ عَلَيْكَ، وَالَّذِي إِنْ أَصَابَتْكَ سَنة فدعوتَه أنبتَ لَكَ". قَالَ: قُلْتُ: أَوْصِنِي. قَالَ: "لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا، وَلَا تَزْهَدنّ فِي الْمَعْرُوفِ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهَكَ، وَلَوْ أَنْ تُفرغَ مِنْ دَلوك فِي إِنَاءِ المستقي، وَاتَّزِرْ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ، [وَإِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ تَعَالَى -لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] [[المسند (٥/٦٤) .]] .
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَذَكَرَ اسْمَ الصَّحَابِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ -هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ -حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ الهُجَيْمي [[في هـ، ف، أ: "الهجيمي عن أبيه".]] عَنْ أَبِي تَميمَةَ الهُجَيْمي، عَنْ جَابِرِ بْنِ سُلَيم الهُجَيمي قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْتَبٍ بِشَمْلَة، وَقَدْ وَقَعَ هُدْبها عَلَى قَدَمَيْهِ، فَقُلْتُ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ -أَوْ: رَسُولُ اللَّهِ؟ -فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى نَفْسِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وفِيَّ جَفَاؤُهُمْ، فَأَوْصِنِي. فَقَالَ: "لَا تحقرَنّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ مُنْبَسط، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَقِي، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمك بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلَا تَشْتِمْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَكَ أَجْرُهُ وَعَلَيْهِ وزْرُه. وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنَ المَخيلَة، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَلَا تَسُبَّنّ أَحَدًا". قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ أَحَدًا، وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا [[المسند (٥/٦٣) .]] .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقًا، وَعِنْدَهُمَا طَرَفٌ صَالِحٌ مِنْهُ [[سنن أبي داود برقم (٤٠٨٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٤٩-١٠٥٢) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ [[في أ: "هشام".]] حَدَّثَنَا عبدَةَ بْنُ نُوحٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: دَخَلَ عليَّ طَاوُسٌ يَعُودُنِي، فَقُلْتُ [[في ف، أ: "قال".]] لَهُ: ادْعُ اللَّهَ لِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَقَالَ: ادْعُ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّهُ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: بِعِزَّتِي إِنَّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِي فَإِنْ كَادَتْهُ السَّمَوَاتُ وَمَنْ [[في ف: "بمن".]] فِيهِنَّ، وَالْأَرْضُ بِمَنْ فِيهَا، فَإِنِّي [[في ف: "أن"، وفي أ: "أي".]] أَجْعَلُ لَهُ مِنْ بَيْنِ ذَلِكَ مَخْرَجًا. وَمَنْ لَمْ يَعْتَصِمْ بِي فَإِنِّي [[في ف: "فإنه".]] أَخْسِفُ بِهِ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ الْأَرْضَ، فَأَجْعَلُهُ فِي الْهَوَاءِ، فَأَكِلُهُ إِلَى نَفْسِهِ.
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ رَجُلٍ -حَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الدّينَوَري، الْمَعْرُوفُ بالدّقّيِّ الصُّوفِيُّ -قَالَ هَذَا الرَّجُلُ [[في ف: "بالرجل".]] : كُنْتُ أُكَارِي عَلَى بَغْلٍ لِي مِنْ دِمَشْقَ إِلَى بَلَدِ الزّبَدَاني، فَرَكِبَ مَعِي ذَاتَ مَرَّةٍ رَجُلٌ، فَمَرَرْنَا عَلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ، عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكَةٍ، فَقَالَ لِي: خُذْ فِي هَذِهِ، فَإِنَّهَا أَقْرَبُ. فَقُلْتُ: لَا خبرَةَ لِي فِيهَا، فَقَالَ: بَلْ هِيَ أَقْرَبُ. فَسَلَكْنَاهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَكَانٍ وَعْر وَوَادٍ عَمِيقٍ، وَفِيهِ قَتْلَى كَثِيرٌ، فَقَالَ لِي: أَمْسِكْ رَأْسَ الْبَغْلِ حَتَّى أَنْزِلَ. فَنَزَلَ وَتَشَمَّرَ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، وَسَلَّ سِكِّينًا مَعَهُ وَقَصَدَنِي، فَفَرَرْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَتَبِعَنِي، فَنَاشَدْتُهُ اللَّهَ وَقُلْتُ: خُذِ الْبَغْلَ بِمَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: هُوَ لِي، وَإِنَّمَا أُرِيدُ قَتْلَكَ. فَخَوَّفْتُهُ اللَّهَ وَالْعُقُوبَةَ فَلَمْ يَقْبَلْ، فَاسْتَسْلَمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقُلْتُ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَتْرُكَنِي حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَ: [صَلِّ] [[زيادة من ف.]] وَعَجِّلْ. فقمت أصلي فَأرْتِج عليَّ الْقُرْآنُ فَلَمْ يَحضرني مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ، فَبَقِيتُ وَاقِفًا مُتَحَيِّرًا وَهُوَ يَقُولُ: هِيهِ. افرُغ. فَأَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ، فَإِذَا أَنَا بِفَارِسٍ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ فَمِ الْوَادِي، وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، فَرَمَى بِهَا الرَّجُلَ فَمَا أَخْطَأَتْ فُؤَادَهُ، فَخَرَّ صَرِيعًا، فَتَعَلَّقْتُ بِالْفَارِسِ وَقُلْتُ: بِاللَّهِ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ [اللَّهِ] [[زيادة من ف، أ.]] الَّذِي يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، وَيَكْشِفُ السُّوءَ. قَالَ: فَأَخَذْتُ الْبَغْلَ وَالْحَمْلَ وَرَجَعْتُ سَالِمًا.
وَذُكِرَ فِي تَرْجَمَةِ "فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحَسَنِ أَمِّ أَحْمَدَ الْعِجْلِيَّةِ" قَالَتْ: هَزَمَ الْكَفَّارُ يَوْمًا الْمُسْلِمِينَ فِي غَزَاةٍ، فَوَقَفَ جَوَاد جَيّد بِصَاحِبِهِ، وَكَانَ مِنْ ذَوِي الْيَسَارِ وَمِنَ الصُّلَحَاءِ، فَقَالَ لِلْجَوَادِ: مَا لَكَ؟ وَيْلَكَ. إِنَّمَا كُنْتُ أَعُدُّكَ لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ. فَقَالَ لَهُ الْجَوَادُ: وَمَا لِيَ لَا أُقَصِّرُ وَأَنْتَ تَكلُ عَلُوفَتِي إِلَى السُّوَّاسِ فَيَظْلِمُونَنِي وَلَا يُطْعِمُونَنِي [[في ف، أ: "فيظلموني ولا يطعموني".]] إِلَّا الْقَلِيلَ؟ فَقَالَ: لَكَ عليَّ عَهْدُ اللَّهِ أَنِّي لَا أَعْلُفُكَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَّا فِي حِجْري. فَجَرَى الْجَوَادُ عِنْدَ ذَلِكَ، ونجَّى صَاحِبَهُ، وَكَانَ لَا يَعْلِفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا فِي حِجْره، وَاشْتَهَرَ أَمْرُهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَجَعَلُوا يَقْصِدُونَهُ لِيَسْمَعُوا مِنْهُ ذَلِكَ، وَبَلَغَ مَلِكَ الرُّومِ أمرُه، فَقَالَ: مَا تُضَام [[في ف، أ: "ما نظام".]] بَلْدَةٌ يَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ فِيهَا. وَاحْتَالَ لِيُحَصِّلَهُ فِي بَلَدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلًا مِنَ الْمُرْتَدِّينَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ أَظْهَرَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ حَسُنت نِيَّتُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَقَوْمِهِ، حَتَّى اسْتَوْثَقَ، ثُمَّ خَرَجَا يَوْمًا يَمْشِيَانِ عَلَى جَنْبِ السَّاحِلِ، وَقَدْ وَاعَدَ شَخْصًا آخَرَ مِنْ جِهَةِ مَلِكِ الرُّومِ لِيَتَسَاعَدَا عَلَى أَسْرِهِ، فَلَمَّا اكْتَنَفَاهُ لِيَأْخُذَاهُ رَفَع طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ، إِنَّهُ إِنَّمَا خَدَعني بِكَ فَاكْفِنِيهِمَا بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَخَرَجَ سَبُعَانِ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَاهُمَا، وَرَجَعَ الرَّجُلُ سَالِمًا [[تاريخ دمشق (١٩/٤٨٩ "المخطوط") .]] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ أَيْ: يُخْلفُ قَرنا لِقَرْنٍ قَبْلَهُمْ وخَلَفًا لِسَلَفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] ، أَيْ: قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمَا قَدَّمْنَا تَقْرِيرَهُ. وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ أَيْ: أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَقَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ. وَلَوْ شَاءَ لَأَوْجَدَهُمْ كُلَّهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَجْعَلْ بعضَهم مِنْ ذُرِّيَّةِ بَعْضٍ، بَلْ لَوْ شَاءَ لَخَلَقَهُمْ [[في أ: "لجعلهم".]] كُلَّهُمْ أَجْمَعِينَ، كَمَا خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ. وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُمْ بَعْضَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ بَعْضٍ [[في ف، أ: "من ذرية بعضهم بعضا".]] وَلَكِنْ لَا يُمِيتُ أَحَدًا حَتَّى تَكُونَ وَفَاةُ الْجَمِيعِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَكَانَتْ تَضِيقُ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ [[في ف: "تضيق الأرض عليهم".]] وَتَضِيقُ عَلَيْهِمْ مَعَايِشُهُمْ وَأَكْسَابُهُمْ، وَيَتَضَرَّرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. وَلَكِنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ أَنْ يَخْلُقَهُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يُكْثِرَهُمْ غَايَةَ الْكَثْرَةِ، وَيَذْرَأَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَيَجْعَلَهُمْ قُرُونًا بَعْدَ قُرُونٍ، وَأُمَمًا بَعْدَ أُمَمٍ، حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ وَتَفْرُغَ البَرية، كَمَا قَدَّرَ ذَلِكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكَمَا أَحْصَاهُمْ وعَدّهم عَدًا، ثُمَّ يُقِيمُ [[في ف: "يوم".]] الْقِيَامَةَ، ويُوفي كُلَّ عَامِلٍ عمله إذا بلغ الكتاب أَجَلَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ إِلَهٌ مَعَ اللَّهِ يُعْبد، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِفِعْلِ ذَلِكَ ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [[في ف، أ: "ما تذكرون".]] أَيْ: مَا أَقَلَّ تَذَكُّرَهُمْ فِيمَا يُرْشِدُهُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
يَقُولُ: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أَيْ: بِمَا خَلَقَ مِنَ الدَّلَائِلِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَرْضِيَّةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ٩٧] .
﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أَيْ: بَيْنَ يَدَيِ السَّحَابِ الَّذِي فِيهِ مَطَرٌ، يُغِيثُ بِهِ عِبَادَهُ الْمُجْدِبِينَ الْأَزِلِينَ الْقَنِطِينَ، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
أَيْ: هُوَ الَّذِي بِقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ يَبْدَأُ [[في ف، أ: "بدأ".]] الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [الْبُرُوجِ: ١٢، ١٣] ، وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .
﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: بِمَا يُنْزِلُ مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ، وَيُنْبِتُ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ. وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطَّارِقِ: ١١، ١٢] ، وَقَالَ ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الْحَدِيدِ: ٤] ، فَهُوَ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَيُسْكِنُهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ [مِنْهَا] [[زيادة من ف.]] أَنْوَاعَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْأَزَاهِيرِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانٍ شَتَّى، ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى﴾ [طَهَ: ٥٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أَيْ: فَعَلَ هَذَا. وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ: يُعْبَدُ؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ عَلَى صِحَّةِ مَا تَدَّعُونَهُ [[في أ: "من يدعونه".]] مِنْ عِبَادَةِ آلِهَةٍ أُخْرَى، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ وَلَا بُرْهَانَ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] : [[زيادة من أ.]] ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] .
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُولَ مُعَلِّمًا لِجَمِيعِ الْخَلْقِ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا اللَّهَ﴾ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ: لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِذَلِكَ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٤] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أَيْ: وَمَا يَشْعُرُ الْخَلَائِقُ السَّاكِنُونَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِوَقْتِ السَّاعَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٧] ، أَيْ: ثَقُلَ عِلْمُهَا عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْد، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عن مسروق، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ -مَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الفِرْية؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [[أصله في الصحيحين لكن فيهما الشاهد قوله تعالى: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) بدل هذه الآية: (قل لا يعلم من في السموات) .]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثِ خَصَلَاتٍ [[في ف، أ: "خصال".]] : جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَجَعَلَهَا يُهْتَدَى بِهَا، وَجَعَلَهَا رُجُومًا [لِلشَّيَاطِينِ] [[زيادة من ف، أ.]] ، فَمَنْ تَعَاطَى فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِرَأْيِهِ، وَأَخْطَأَ حَظَّهُ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وتكلَّف مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَإِنَّ نَاسًا جَهَلَة بِأَمْرِ اللَّهِ، قَدْ [[في ف، أ: "فقد".]] أَحْدَثُوا مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً: مَنْ أعْرَس بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا. ومَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا. ومَنْ وُلِدَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَعَمْرِي مَا مِنْ نَجْمٍ إِلَّا يُولَدُ بِهِ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ، وَالْقَصِيرُ وَالطَّوِيلُ، وَالْحَسَنُ وَالدَّمِيمُ، وَمَا علْمُ هَذَا النَّجْمِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّيْرِ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ! وَقَضَى اللَّهُ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ بِحُرُوفِهِ، وَهُوَ كَلَامٌ جَلِيلٌ مَتِينٌ صَحِيحٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [[في أ: "أدرك".]] عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ أَيِ: انْتَهَى عِلْمُهُمْ وَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ وَقْتِهَا.
وَقَرَأَ آخَرُونَ: "بَلْ أَدْرَكَ [[في أ: "ادارك".]] عِلْمُهُمْ"، أَيْ: تَسَاوَى عِلْمُهُمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ لِمُسْلِمٍ: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لِجِبْرِيلَ -وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ -مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ [[صحيح مسلم برقم (٨) .]] أَيْ: تَسَاوَى فِي الْعَجْزِ عَنْ دَرْك ذَلِكَ عِلْمُ الْمَسْؤُولِ والسائل.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَة﴾ أَيْ: غَابَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [[في أ: "أدرك".]] عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: يُجَهِّلهم [[في أ: "بجهلهم".]] رَبُّهُمْ، يَقُولُ: لَمْ يَنْفُذْ [[في ف: "يتقدم".]] لَهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ عِلْمٌ، هَذَا قَوْلٌ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيج، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ" حِينَ لَمْ يَنْفَعِ الْعِلْمُ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالسُّدِّيُّ: أَنَّ عِلْمَهُمْ إِنَّمَا يُدرك وَيَكْمُلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] .
وَقَالَ سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: "بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ" قَالَ: اضْمَحَلَّ عِلْمُهُمْ فِي الدُّنْيَا، حِينَ عَايَنُوا الْآخِرَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ عَائِدٌ عَلَى الْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ الْكَافِرُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٨] أَيِ: الْكَافِرُونَ مِنْكُمْ. [[في ف، أ: "منهم".]] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ أَيْ: شاكُّون فِي وُجُودِهَا وَوُقُوعِهَا، ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ أَيْ: فِي عمَاية وَجَهْلٍ كَبِيرٍ فِي أَمْرِهَا وَشَأْنِهَا.
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُولَ مُعَلِّمًا لِجَمِيعِ الْخَلْقِ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا اللَّهَ﴾ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ: لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِذَلِكَ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٤] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أَيْ: وَمَا يَشْعُرُ الْخَلَائِقُ السَّاكِنُونَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِوَقْتِ السَّاعَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٧] ، أَيْ: ثَقُلَ عِلْمُهَا عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْد، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عن مسروق، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ -مَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الفِرْية؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [[أصله في الصحيحين لكن فيهما الشاهد قوله تعالى: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) بدل هذه الآية: (قل لا يعلم من في السموات) .]] .
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثِ خَصَلَاتٍ [[في ف، أ: "خصال".]] : جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَجَعَلَهَا يُهْتَدَى بِهَا، وَجَعَلَهَا رُجُومًا [لِلشَّيَاطِينِ] [[زيادة من ف، أ.]] ، فَمَنْ تَعَاطَى فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِرَأْيِهِ، وَأَخْطَأَ حَظَّهُ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وتكلَّف مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَإِنَّ نَاسًا جَهَلَة بِأَمْرِ اللَّهِ، قَدْ [[في ف، أ: "فقد".]] أَحْدَثُوا مِنْ هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً: مَنْ أعْرَس بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا. ومَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا. ومَنْ وُلِدَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَعَمْرِي مَا مِنْ نَجْمٍ إِلَّا يُولَدُ بِهِ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ، وَالْقَصِيرُ وَالطَّوِيلُ، وَالْحَسَنُ وَالدَّمِيمُ، وَمَا علْمُ هَذَا النَّجْمِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّيْرِ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ! وَقَضَى اللَّهُ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ بِحُرُوفِهِ، وَهُوَ كَلَامٌ جَلِيلٌ مَتِينٌ صَحِيحٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [[في أ: "أدرك".]] عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ أَيِ: انْتَهَى عِلْمُهُمْ وَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ وَقْتِهَا.
وَقَرَأَ آخَرُونَ: "بَلْ أَدْرَكَ [[في أ: "ادارك".]] عِلْمُهُمْ"، أَيْ: تَسَاوَى عِلْمُهُمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ لِمُسْلِمٍ: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لِجِبْرِيلَ -وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ السَّاعَةِ -مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ [[صحيح مسلم برقم (٨) .]] أَيْ: تَسَاوَى فِي الْعَجْزِ عَنْ دَرْك ذَلِكَ عِلْمُ الْمَسْؤُولِ والسائل.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَة﴾ أَيْ: غَابَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [[في أ: "أدرك".]] عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: يُجَهِّلهم [[في أ: "بجهلهم".]] رَبُّهُمْ، يَقُولُ: لَمْ يَنْفُذْ [[في ف: "يتقدم".]] لَهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ عِلْمٌ، هَذَا قَوْلٌ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيج، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ" حِينَ لَمْ يَنْفَعِ الْعِلْمُ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالسُّدِّيُّ: أَنَّ عِلْمَهُمْ إِنَّمَا يُدرك وَيَكْمُلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٨] .
وَقَالَ سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: "بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ" قَالَ: اضْمَحَلَّ عِلْمُهُمْ فِي الدُّنْيَا، حِينَ عَايَنُوا الْآخِرَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ عَائِدٌ عَلَى الْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ الْكَافِرُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٨] أَيِ: الْكَافِرُونَ مِنْكُمْ. [[في ف، أ: "منهم".]] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ أَيْ: شاكُّون فِي وُجُودِهَا وَوُقُوعِهَا، ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ أَيْ: فِي عمَاية وَجَهْلٍ كَبِيرٍ فِي أَمْرِهَا وَشَأْنِهَا.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُنْكِرِي الْبَعْثِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا إِعَادَةَ الْأَجْسَادِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا عِظَامًا وَرُفَاتًا وَتُرَابًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ بِهَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا، وَلَا نَرَى لَهُ حَقِيقَةً وَلَا وُقُوعًا.
* *
وَقَوْلُهُمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ : يَعْنُونَ: مَا هَذَا الْوَعْدُ بِإِعَادَةِ الْأَبْدَانِ، ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: أَخَذَهُ [[في ف: "يأخذه" وفي أ: "أخذ".]] قَوْمٌ عَمَّن قَبْلَهُمْ، مَنْ قَبْلِهُمْ [[في أ: "كتبهم".]] يَتَلَقَّاهُ بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ عَمَّا ظَنُّوهُ مِنَ الْكُفْرِ وَعَدَمِ الْمَعَادِ: ﴿قُلْ﴾ -يَا مُحَمَّدُ -لِهَؤُلَاءِ: ﴿سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيِ: المكذِّبين بِالرُّسُلِ وَمَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ وَغَيْرِهِ، كَيْفَ حَلَّتْ بِهِمْ نقَمُ اللَّهِ وَعَذَابُهُ وَنَكَالُهُ، ونجَّى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمْ رُسُلَهُ الْكِرَامَ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَصِحَّتِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيِ: الْمُكَذِّبِينَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَلَا تَأْسَفْ عَلَيْهِمْ وَتَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: فِي كَيْدِكَ ورَدّ مَا جِئْتَ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُكَ وَنَاصِرُكَ، ومظهرٌ دِينَكَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَعَانَدَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُنْكِرِي الْبَعْثِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا إِعَادَةَ الْأَجْسَادِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا عِظَامًا وَرُفَاتًا وَتُرَابًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ بِهَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا، وَلَا نَرَى لَهُ حَقِيقَةً وَلَا وُقُوعًا.
* *
وَقَوْلُهُمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ : يَعْنُونَ: مَا هَذَا الْوَعْدُ بِإِعَادَةِ الْأَبْدَانِ، ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: أَخَذَهُ [[في ف: "يأخذه" وفي أ: "أخذ".]] قَوْمٌ عَمَّن قَبْلَهُمْ، مَنْ قَبْلِهُمْ [[في أ: "كتبهم".]] يَتَلَقَّاهُ بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ عَمَّا ظَنُّوهُ مِنَ الْكُفْرِ وَعَدَمِ الْمَعَادِ: ﴿قُلْ﴾ -يَا مُحَمَّدُ -لِهَؤُلَاءِ: ﴿سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيِ: المكذِّبين بِالرُّسُلِ وَمَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ وَغَيْرِهِ، كَيْفَ حَلَّتْ بِهِمْ نقَمُ اللَّهِ وَعَذَابُهُ وَنَكَالُهُ، ونجَّى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمْ رُسُلَهُ الْكِرَامَ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَصِحَّتِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيِ: الْمُكَذِّبِينَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَلَا تَأْسَفْ عَلَيْهِمْ وَتَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: فِي كَيْدِكَ ورَدّ مَا جِئْتَ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُكَ وَنَاصِرُكَ، ومظهرٌ دِينَكَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَعَانَدَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُنْكِرِي الْبَعْثِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا إِعَادَةَ الْأَجْسَادِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا عِظَامًا وَرُفَاتًا وَتُرَابًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ بِهَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا، وَلَا نَرَى لَهُ حَقِيقَةً وَلَا وُقُوعًا.
* *
وَقَوْلُهُمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ : يَعْنُونَ: مَا هَذَا الْوَعْدُ بِإِعَادَةِ الْأَبْدَانِ، ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: أَخَذَهُ [[في ف: "يأخذه" وفي أ: "أخذ".]] قَوْمٌ عَمَّن قَبْلَهُمْ، مَنْ قَبْلِهُمْ [[في أ: "كتبهم".]] يَتَلَقَّاهُ بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ عَمَّا ظَنُّوهُ مِنَ الْكُفْرِ وَعَدَمِ الْمَعَادِ: ﴿قُلْ﴾ -يَا مُحَمَّدُ -لِهَؤُلَاءِ: ﴿سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيِ: المكذِّبين بِالرُّسُلِ وَمَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ وَغَيْرِهِ، كَيْفَ حَلَّتْ بِهِمْ نقَمُ اللَّهِ وَعَذَابُهُ وَنَكَالُهُ، ونجَّى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمْ رُسُلَهُ الْكِرَامَ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَصِحَّتِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيِ: الْمُكَذِّبِينَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَلَا تَأْسَفْ عَلَيْهِمْ وَتَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: فِي كَيْدِكَ ورَدّ مَا جِئْتَ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُكَ وَنَاصِرُكَ، ومظهرٌ دِينَكَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَعَانَدَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُنْكِرِي الْبَعْثِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا إِعَادَةَ الْأَجْسَادِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا عِظَامًا وَرُفَاتًا وَتُرَابًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ بِهَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا، وَلَا نَرَى لَهُ حَقِيقَةً وَلَا وُقُوعًا.
* *
وَقَوْلُهُمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ : يَعْنُونَ: مَا هَذَا الْوَعْدُ بِإِعَادَةِ الْأَبْدَانِ، ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أَيْ: أَخَذَهُ [[في ف: "يأخذه" وفي أ: "أخذ".]] قَوْمٌ عَمَّن قَبْلَهُمْ، مَنْ قَبْلِهُمْ [[في أ: "كتبهم".]] يَتَلَقَّاهُ بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ عَمَّا ظَنُّوهُ مِنَ الْكُفْرِ وَعَدَمِ الْمَعَادِ: ﴿قُلْ﴾ -يَا مُحَمَّدُ -لِهَؤُلَاءِ: ﴿سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيِ: المكذِّبين بِالرُّسُلِ وَمَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ وَغَيْرِهِ، كَيْفَ حَلَّتْ بِهِمْ نقَمُ اللَّهِ وَعَذَابُهُ وَنَكَالُهُ، ونجَّى اللَّهُ مِنْ بَيْنِهِمْ رُسُلَهُ الْكِرَامَ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَصِحَّتِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيِ: الْمُكَذِّبِينَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَلَا تَأْسَفْ عَلَيْهِمْ وَتَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: فِي كَيْدِكَ ورَدّ مَا جِئْتَ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُكَ وَنَاصِرُكَ، ومظهرٌ دِينَكَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَعَانَدَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فِي سُؤَالِهِمْ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ وُقُوعَ ذَلِكَ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ . [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَكُونَ قَرُبَ -أَوْ: أَنْ يُقَرَّبَ -لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] . وَهَكَذَا [[في ف: "وعنده".]] قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥١] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٤] .
وَإِنَّمَا دَخَلَتِ "اللَّامُ" فِي قَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ؛ لِأَنَّهُ ضُمن مَعْنَى "عَجِل لَكُمْ" كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ : عَجِلَ لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: فِي إِسْبَاغِهِ نعمَه عَلَيْهِمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالضَّمَائِرَ، كَمَا يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٠] ، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طَهَ: ٧] ، ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هُودٍ: ٥] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ -وَهُوَ مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ وَمَا شَاهَدُوهُ -فَقَالَ: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: وَمَا مِنْ شَيْءٍ، ﴿فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فِي سُؤَالِهِمْ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ وُقُوعَ ذَلِكَ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ . [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَكُونَ قَرُبَ -أَوْ: أَنْ يُقَرَّبَ -لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] . وَهَكَذَا [[في ف: "وعنده".]] قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥١] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٤] .
وَإِنَّمَا دَخَلَتِ "اللَّامُ" فِي قَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ؛ لِأَنَّهُ ضُمن مَعْنَى "عَجِل لَكُمْ" كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ : عَجِلَ لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: فِي إِسْبَاغِهِ نعمَه عَلَيْهِمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالضَّمَائِرَ، كَمَا يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٠] ، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طَهَ: ٧] ، ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هُودٍ: ٥] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ -وَهُوَ مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ وَمَا شَاهَدُوهُ -فَقَالَ: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: وَمَا مِنْ شَيْءٍ، ﴿فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فِي سُؤَالِهِمْ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ وُقُوعَ ذَلِكَ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ . [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَكُونَ قَرُبَ -أَوْ: أَنْ يُقَرَّبَ -لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] . وَهَكَذَا [[في ف: "وعنده".]] قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥١] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٤] .
وَإِنَّمَا دَخَلَتِ "اللَّامُ" فِي قَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ؛ لِأَنَّهُ ضُمن مَعْنَى "عَجِل لَكُمْ" كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ : عَجِلَ لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: فِي إِسْبَاغِهِ نعمَه عَلَيْهِمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالضَّمَائِرَ، كَمَا يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٠] ، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طَهَ: ٧] ، ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هُودٍ: ٥] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ -وَهُوَ مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ وَمَا شَاهَدُوهُ -فَقَالَ: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: وَمَا مِنْ شَيْءٍ، ﴿فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فِي سُؤَالِهِمْ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ وُقُوعَ ذَلِكَ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ . [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَكُونَ قَرُبَ -أَوْ: أَنْ يُقَرَّبَ -لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] . وَهَكَذَا [[في ف: "وعنده".]] قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥١] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٤] .
وَإِنَّمَا دَخَلَتِ "اللَّامُ" فِي قَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ؛ لِأَنَّهُ ضُمن مَعْنَى "عَجِل لَكُمْ" كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ : عَجِلَ لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: فِي إِسْبَاغِهِ نعمَه عَلَيْهِمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالضَّمَائِرَ، كَمَا يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٠] ، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طَهَ: ٧] ، ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هُودٍ: ٥] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ -وَهُوَ مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ وَمَا شَاهَدُوهُ -فَقَالَ: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: وَمَا مِنْ شَيْءٍ، ﴿فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فِي سُؤَالِهِمْ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاسْتِبْعَادِهِمْ وُقُوعَ ذَلِكَ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ . [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَكُونَ قَرُبَ -أَوْ: أَنْ يُقَرَّبَ -لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] . وَهَكَذَا [[في ف: "وعنده".]] قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥١] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥٤] .
وَإِنَّمَا دَخَلَتِ "اللَّامُ" فِي قَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ؛ لِأَنَّهُ ضُمن مَعْنَى "عَجِل لَكُمْ" كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ : عَجِلَ لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أَيْ: فِي إِسْبَاغِهِ نعمَه عَلَيْهِمْ مَعَ ظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أَيْ: يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالضَّمَائِرَ، كَمَا يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٠] ، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طَهَ: ٧] ، ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هُودٍ: ٥] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ -وَهُوَ مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ وَمَا شَاهَدُوهُ -فَقَالَ: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: وَمَا مِنْ شَيْءٍ، ﴿فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ وَالْفُرْقَانِ [[في ف: "والبيان".]] : إِنَّهُ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ -وَهُمْ حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي عِيسَى وَتَبَايُنِهِمْ فِيهِ، فَالْيَهُودُ افْتَرَوْا، وَالنَّصَارَى غَلَوا، فَجَاءَ [إِلَيْهِمُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْقُرْآنُ بِالْقَوْلِ الْوَسَطِ الْحَقِّ الْعَدْلِ: أَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ [أَفْضَلُ] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: هُدًى لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ لَهُمْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي انْتِقَامِهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ وَأَقْوَالِهِمْ.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي أُمُورِكَ، وبَلّغ رِسَالَةَ رَبِّكَ، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أَيْ: أَنْتَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنْ خَالَفَكَ مَنْ خَالَفَكَ، مِمَّنْ كُتِبَتْ [[في ف، أ: "كتب".]] عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ وحَقَّت عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ: لَا تُسْمِعُهُمْ شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ عَلَى قُلُوبِهِمْ غِشَاوَةٌ، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْر الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف، أ.]] : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ لَكَ مَنْ هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، السَّمْعُ وَالْبَصَرُ النافعُ فِي الْقَلْبِ وَالْبَصِيرَةِ الْخَاضِعُ لِلَّهِ، وَلِمَا جَاءَ عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ وَالْفُرْقَانِ [[في ف: "والبيان".]] : إِنَّهُ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ -وَهُمْ حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي عِيسَى وَتَبَايُنِهِمْ فِيهِ، فَالْيَهُودُ افْتَرَوْا، وَالنَّصَارَى غَلَوا، فَجَاءَ [إِلَيْهِمُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْقُرْآنُ بِالْقَوْلِ الْوَسَطِ الْحَقِّ الْعَدْلِ: أَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ [أَفْضَلُ] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: هُدًى لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ لَهُمْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي انْتِقَامِهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ وَأَقْوَالِهِمْ.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي أُمُورِكَ، وبَلّغ رِسَالَةَ رَبِّكَ، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أَيْ: أَنْتَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنْ خَالَفَكَ مَنْ خَالَفَكَ، مِمَّنْ كُتِبَتْ [[في ف، أ: "كتب".]] عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ وحَقَّت عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ: لَا تُسْمِعُهُمْ شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ عَلَى قُلُوبِهِمْ غِشَاوَةٌ، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْر الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف، أ.]] : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ لَكَ مَنْ هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، السَّمْعُ وَالْبَصَرُ النافعُ فِي الْقَلْبِ وَالْبَصِيرَةِ الْخَاضِعُ لِلَّهِ، وَلِمَا جَاءَ عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ وَالْفُرْقَانِ [[في ف: "والبيان".]] : إِنَّهُ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ -وَهُمْ حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي عِيسَى وَتَبَايُنِهِمْ فِيهِ، فَالْيَهُودُ افْتَرَوْا، وَالنَّصَارَى غَلَوا، فَجَاءَ [إِلَيْهِمُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْقُرْآنُ بِالْقَوْلِ الْوَسَطِ الْحَقِّ الْعَدْلِ: أَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ [أَفْضَلُ] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: هُدًى لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ لَهُمْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي انْتِقَامِهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ وَأَقْوَالِهِمْ.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي أُمُورِكَ، وبَلّغ رِسَالَةَ رَبِّكَ، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أَيْ: أَنْتَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنْ خَالَفَكَ مَنْ خَالَفَكَ، مِمَّنْ كُتِبَتْ [[في ف، أ: "كتب".]] عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ وحَقَّت عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ: لَا تُسْمِعُهُمْ شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ عَلَى قُلُوبِهِمْ غِشَاوَةٌ، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْر الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف، أ.]] : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ لَكَ مَنْ هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، السَّمْعُ وَالْبَصَرُ النافعُ فِي الْقَلْبِ وَالْبَصِيرَةِ الْخَاضِعُ لِلَّهِ، وَلِمَا جَاءَ عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ وَالْفُرْقَانِ [[في ف: "والبيان".]] : إِنَّهُ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ -وَهُمْ حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي عِيسَى وَتَبَايُنِهِمْ فِيهِ، فَالْيَهُودُ افْتَرَوْا، وَالنَّصَارَى غَلَوا، فَجَاءَ [إِلَيْهِمُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْقُرْآنُ بِالْقَوْلِ الْوَسَطِ الْحَقِّ الْعَدْلِ: أَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ [أَفْضَلُ] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: هُدًى لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ لَهُمْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي انْتِقَامِهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ وَأَقْوَالِهِمْ.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي أُمُورِكَ، وبَلّغ رِسَالَةَ رَبِّكَ، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أَيْ: أَنْتَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنْ خَالَفَكَ مَنْ خَالَفَكَ، مِمَّنْ كُتِبَتْ [[في ف، أ: "كتب".]] عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ وحَقَّت عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ: لَا تُسْمِعُهُمْ شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ عَلَى قُلُوبِهِمْ غِشَاوَةٌ، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْر الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف، أ.]] : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ لَكَ مَنْ هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، السَّمْعُ وَالْبَصَرُ النافعُ فِي الْقَلْبِ وَالْبَصِيرَةِ الْخَاضِعُ لِلَّهِ، وَلِمَا جَاءَ عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ وَالْفُرْقَانِ [[في ف: "والبيان".]] : إِنَّهُ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ -وَهُمْ حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي عِيسَى وَتَبَايُنِهِمْ فِيهِ، فَالْيَهُودُ افْتَرَوْا، وَالنَّصَارَى غَلَوا، فَجَاءَ [إِلَيْهِمُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْقُرْآنُ بِالْقَوْلِ الْوَسَطِ الْحَقِّ الْعَدْلِ: أَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ [أَفْضَلُ] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: هُدًى لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ لَهُمْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي انْتِقَامِهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ وَأَقْوَالِهِمْ.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي أُمُورِكَ، وبَلّغ رِسَالَةَ رَبِّكَ، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أَيْ: أَنْتَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنْ خَالَفَكَ مَنْ خَالَفَكَ، مِمَّنْ كُتِبَتْ [[في ف، أ: "كتب".]] عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ وحَقَّت عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ: لَا تُسْمِعُهُمْ شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ عَلَى قُلُوبِهِمْ غِشَاوَةٌ، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْر الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف، أ.]] : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ لَكَ مَنْ هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، السَّمْعُ وَالْبَصَرُ النافعُ فِي الْقَلْبِ وَالْبَصِيرَةِ الْخَاضِعُ لِلَّهِ، وَلِمَا جَاءَ عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ وَالْفُرْقَانِ [[في ف: "والبيان".]] : إِنَّهُ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ -وَهُمْ حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي عِيسَى وَتَبَايُنِهِمْ فِيهِ، فَالْيَهُودُ افْتَرَوْا، وَالنَّصَارَى غَلَوا، فَجَاءَ [إِلَيْهِمُ] [[زيادة من ف، أ.]] الْقُرْآنُ بِالْقَوْلِ الْوَسَطِ الْحَقِّ الْعَدْلِ: أَنَّهُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ الْكِرَامِ، عَلَيْهِ [أَفْضَلُ] [[زيادة من ف، أ.]] الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: هُدًى لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ لَهُمْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي انْتِقَامِهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ وَأَقْوَالِهِمْ.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي أُمُورِكَ، وبَلّغ رِسَالَةَ رَبِّكَ، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أَيْ: أَنْتَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنْ خَالَفَكَ مَنْ خَالَفَكَ، مِمَّنْ كُتِبَتْ [[في ف، أ: "كتب".]] عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ وحَقَّت عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ: لَا تُسْمِعُهُمْ شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ عَلَى قُلُوبِهِمْ غِشَاوَةٌ، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْر الْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف، أ.]] : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ لَكَ مَنْ هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، السَّمْعُ وَالْبَصَرُ النافعُ فِي الْقَلْبِ وَالْبَصِيرَةِ الْخَاضِعُ لِلَّهِ، وَلِمَا جَاءَ عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
هَذِهِ الدَّابَّةُ تَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ وتَرْكِهم أَوَامِرَ اللَّهِ وَتَبْدِيلِهِمُ الدِّينَ الْحَقَّ، يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ -قِيلَ: مِنْ مَكَّةَ. وَقِيلَ: مِنْ غَيْرِهَا. كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ -فَتُكَلِّم النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وقَتَادَةُ -ورُوي عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تُكَلِّمُهُمْ كَلَامًا أَيْ: تُخَاطِبُهُمْ مُخَاطَبَةً.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: تُكَلِّمُهُمْ فَتَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ. وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَفِي هَذَا [الْقَوْلِ] [[زيادة من ف، أ.]] نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَاللَّهُ أعلم.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ -تَجْرَحُهُمْ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ، قَالَ: كُلًّا [[في ف: "كل".]] تَفْعَلُ يَعْنِي هَذَا وَهَذَا، وَهُوَ قولٌ حَسَنٌ، وَلَا مُنَافَاةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذِكْرِ الدَّابَّةِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ، فَلْنَذْكُرْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَات، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيفة بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ أَمْرَ السَّاعَةَ فَقَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوا عَشْرَ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدُّخَانُ، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مَرْيَمَ، وَالدَّجَّالُ، وَثَلَاثَةُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعر عَدَنٍ تَسُوقُ -أَوْ: تَحْشُرُ -النَّاسَ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا" [[رواه الإمام أحمد في المسند (٤/٦) ولكن باختلاف في الألفاظ، وهذا اللفظ هو سياق حديث ابن مهدي عن سفيان وهو في المسند (٤/٧) .]] .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ فُرَات الْقَزَّازِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيفة مَوْقُوفًا [[في ف، أ: "به مرفوعا".]] . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ [[صحيح مسلم برقم (٢٩٠١) وسنن أبي داود برقم (٤٣١١) وسنن الترمذي برقم (٢١٨٣) وسنن ابن ماجه برقم (٤٠٤١) .]] . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْع، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْهُ مَرْفُوعًا [[في ف، أ: "موقوفا".]] [[صحيح مسلم برقم (٢٩٠١) .]] . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، فَأَمَّا طَلْحَةُ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عمَير اللِّيثِيُّ: أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ حَدَّثَهُ، عَنْ حذَيفة بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ أَبِي سَريحَةَ، وَأَمَّا جَرِيرٌ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبيد، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -وَحَدِيثُ طَلْحَةَ أَتَمُّ وَأَحْسَنُ -قَالَ: ذَكَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ الدَّابَّةَ فَقَالَ: "لَهَا ثَلَاثُ خَرْجَاتٍ مِنَ الدَّهْرِ، فَتَخْرُجُ خَرجة مِنْ أَقْصَى الْبَادِيَةِ، وَلَا يَدْخُلُ ذِكْرُهَا الْقَرْيَةَ -يَعْنِي: مَكَّةَ -ثُمَّ تَكْمُنُ زَمَانًا طَوِيلًا ثُمَّ تَخْرُجُ خَرْجة أُخْرَى دُونَ تِلْكَ، فَيَعْلُو ذِكْرُهَا فِي أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَيَدْخُلُ ذِكْرُهَا الْقَرْيَةَ" يَعْنِي: مَكَّةَ. -قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثُمَّ بَيْنَمَا النَّاسُ فِي أَعْظَمِ الْمَسَاجِدِ عَلَى اللَّهِ حُرْمَةً وَأَكْرَمِهَا: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَمْ يَرُعْهم إِلَّا وَهِيَ تَرْغو [[في أ: "تربو".]] بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، تَنْفُضُ عَنْ رَأْسِهَا التُّرَابَ. فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا شتَّى وَمَعًا، وَبَقِيَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يُعْجِزُوا اللَّهَ، فَبَدَأَتْ بِهِمْ فجَلَت وُجُوهَهُمْ حَتَّى جَعَلَتْهَا كَأَنَّهَا الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ، وَوَلَّتْ فِي الْأَرْضِ لَا يُدْرِكُهَا طَالِبٌ، وَلَا يَنْجُو مِنْهَا هَارِبٌ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لِيَتَعَوَّذُ مِنْهَا بِالصَّلَاةِ، فَتَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِهِ فَتَقُولُ: يَا فُلَانُ، الآن تصلي؟ فَيُقْبِلُ عَلَيْهَا فَتَسِمُهُ [[في أ: "فتشمه".]] فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ تَنْطَلِقُ وَيَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي الْأَمْوَالِ، وَيَصْطَحِبُونَ فِي الْأَمْصَارِ، يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ، حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَقُولُ: يَا كَافِرُ، اقْضِنِي حَقِّي. وَحَتَّى إِنَّ الْكَافِرَ لَيَقُولُ: يَا مُؤْمِنُ، اقْضِنِي حَقِّي" [[مسند الطيالسي برقم (١٠٦٩) .]] .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْد مَوْقُوفًا [[تفسير الطبري (٢٠/١٠) .]] فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ مَرْفُوعًا، وَأَنَّ ذَلِكَ فِي زمان عيسى بن مَرْيَمَ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَلَكِنَّ إِسْنَادَهُ لَا يَصِحُّ [[تفسير الطبري (٢٠/١١) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّان، عَنْ أَبِي زُرْعَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَفظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ [[في ف: "لم أنساه".]] بَعْدُ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنْ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحى، وَأَيَّتُهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا، فَالْأُخْرَى [[في ف: "والأخرى".]] عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا" [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤١) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ -مَوْلَى الحُرَقَة -عَنْ أَبِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا [[في ف، أ: "ستة".]] : طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ" [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٧) .]] . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ وخُويّصة أَحَدِكُمْ" [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَاجَةَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَة بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وابن لَهِيعة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سِنَان بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَالدَّجَّالَ، وخُوَيّصة أَحَدِكُمْ، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ". تَفَرَّدَ بِهِ [[سنن ابن ماجه برقم (٤٠٥٦) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٥٦) : "هذا إسناد حسن، سنان بن سعد مختلف فيه وفي اسمه".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَوْسِ [[في هـ، ف، أ: "أويس". والمثبت من المسند.]] بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ، وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَتَخْطِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْعَصَا، وتُجلي وجه المؤمن بِالْخَاتَمِ، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى الْخُوَانِ يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ".
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ بَهْز وَعَفَّانَ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ [[مسند الطيالسي برقم (٢٥٦٤) والمسند (٢/٢٩٥) من حديث عفان ويزيد، و (٢/٢٩١) من حديث بهز.]] . وَقَالَ: "فَتَخْطِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ، وَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْخُوَانِ الْوَاحِدِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذَا: يَا كَافِرُ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شَيْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدَّبِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ [[سنن ابن ماجه برقم (٤٠٦٦) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلة، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عُبَيْد، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيدة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَوْضِعٍ بِالْبَادِيَةِ، قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ، فَإِذَا أَرْضٌ يَابِسَةٌ حَوْلَهَا رَمْلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَإِذَا فِتْر فِي شِبْرٍ".
قَالَ ابْنُ بُرَيدة: فَحَجَجْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ، فَأَرَانَا عَصًا لَهُ، فَإِذَا هُوَ بعَصاي هَذِهِ [[في ف، أ: "هذا".]] ، كَذَا وَكَذَا [[سنن ابن ماجه برقم (٤٠٦٧) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٥٩) : "هذا إسناد ضعيف".]] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ دابةٌ ذَاتُ زَغَب، لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ، تَخْرُجُ مِنْ بَعْضِ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ [[تفسير عبد الرزاق (٢/٧١) .]] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاء، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ صِدْع مِنَ الصَّفَا كجَرْي الْفَرَسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَمْ يَخْرُجْ ثُلُثُهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ: الدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ صَخْرَةٍ بِجِيَادٍ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ مَعَهُمْ -أَوْ لَوْ شِئْتُ بِعَصَايَ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ تَحْتِهَا. قِيلَ: فتصنعُ مَاذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟ قَالَ: تَسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقَ فَتَصْرُخُ صَرْخَةً تنفُذُه، ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الشَّامَ فَتَصْرُخُ [[في أ: "ثم تصرخ".]] صَرْخَةً تُنْفِذُهُ، ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الْمَغْرِبَ فَتَصْرُخُ صَرْخَةً تُنْفِذُهُ، ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الْيَمَنَ فَتَصْرُخُ صَرْخَةً تُنْفِذُهُ، ثُمَّ تَرُوحُ مِنْ مَكَّةَ فَتُصْبِحُ [[في أ: "فتضع".]] بِعُسْفَانَ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: تَخْرُجُ الدَّابَّةُ لَيْلَةَ جَمْع [[ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/١٨٠) من طريق عبد الملك بن المغيرة، عن ابن البيلمان، عن ابن عمر قال: "تخرج الدابة ليلة جمع والناس يسيرون إلى منى فتحملهم بين عجزها وذنبها فلا يبقى منافق إلا خطمته، قال: وتمسح المؤمن، قال: فيصبحون وهم أشر من الدجال".]] . وَرَوَاهُ ابن أبي حاتم. وفي إِسْنَادِهِ ابْنُ الْبَيْلَمَانِ [[في ف: "البيلماني".]] .
وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُ حَكَى مِنْ كَلَامٍ عُزَير، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: وَتَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ سَدُومَ دَابَّةٌ تُكَلِّمُ النَّاسَ كُلٌّ يَسْمَعُهَا، وَتَضَعُ الْحَبَالَى قَبْلَ التَّمَامِ، وَيَعُودُ الْمَاءُ الْعَذْبُ أُجَاجًا، وَيَتَعَادَى الْأَخِلَّاءُ، وتُحرَقُ الْحِكْمَةُ، ويُرفَعُ الْعِلْمُ، وَتُكَلِّمُ الْأَرْضُ الَّتِي تَلِيهَا. وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَرْجُو النَّاسُ مَا لَا يَبْلُغُونَ، وَيَتْعَبُونَ فِيمَا لَا يَنَالُونَ، وَيَعْمَلُونَ فِيمَا لَا يَأْكُلُونَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ -كَاتَبِ اللَّيْثِ -حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنَّ الدَّابَّةَ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، مَا بَيْنَ قَرْنَيْهَا فَرْسَخٌ [[في أ: "فرح".]] لِلرَّاكِبِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ مِثْلُ الْحَرْبَةِ الضَّخْمَةِ.
وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا دَابَّةٌ لَهَا رِيشٌ وَزَغَبٌ وَحَافِرٌ، وَمَا لَهَا ذَنَبٌ، وَلَهَا لِحْيَةٌ، وَإِنَّهَا لَتُخْرِجُ حُضْر الْفَرَسِ الْجَوَادِ ثَلَاثًا، وَمَا خَرَجَ ثُلُثُهَا [[في ف، أ: "ثلثاها".]] . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ وَصَفَ الدَّابَّةَ فَقَالَ: رَأْسُهَا رَأْسُ ثَوْرِ، وَعَيْنُهَا عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وَأُذُنُهَا أُذُنُ فِيلٍ، وَقَرْنُهَا قَرْنُ أيَّل، وَعُنُقُهَا عُنُقُ نَعَامَةٍ، وَصَدْرُهَا صَدْرُ أَسَدٍ، وَلَوْنُهَا لَوْنُ نَمر، وَخَاصِرَتُهَا خَاصِرَةُ هِرّ، وَذَنَبُهَا ذَنَبُ كَبْشٍ، وَقَوَائِمُهَا قَوَائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مَفْصَلَيْنِ اثْنَا [عَشَرَ] [[زيادة من ف، أ.]] ذِرَاعًا، تَخْرُجُ مَعَهَا عَصَا مُوسَى، وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ، فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلَّا نَكتَت فِي وَجْهِهِ بِعَصَا مُوسَى نُكْتَةً بَيْضَاءَ، فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ حَتَّى يَبْيَضَّ لَهَا وَجْهُهُ، وَلَا يَبْقَى كَافِرٌ إِلَّا نَكَتت فِي وَجْهِهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ بِخَاتَمِ سُلَيْمَانَ، فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ حَتَّى يَسْوَدَّ لَهَا وَجْهُهُ، حَتَّى إِنَّ النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فِي الْأَسْوَاقِ: بِكَمْ ذَا يَا مُؤْمِنُ، بِكَمْ ذَا يَا كَافِرُ؟ وَحَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يَجْلِسُونَ عَلَى مَائِدَتِهِمْ، فَيَعْرِفُونَ مُؤْمِنَهُمْ مِنْ كَافِرِهِمْ، ثُمَّ تَقُولُ لَهُمُ الدَّابَّةُ: يَا فُلَانُ، أَبْشِرْ، أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَا فُلَانُ، أَنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [[وهذا من الإسرائيليات مما لا فائدة من ذكره، وأوصاف الدابة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.]] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحَشْرِ الظَّالِمِينَ الْمُكَذِّبِينَ [[في ف، أ: "الظالمين مع المكذبين".]] بِآيَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ إِلَى بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لِيَسْأَلَهُمْ عَمَّا فَعَلُوهُ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا، وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ قَوْمٍ وَقَرْنٍ [[في ف: "قرن وقوم".]] فَوْجًا، أَيْ: جَمَاعَةً، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُدْفَعُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَزَعَةٌ تَرُدُّ [[في ف، أ: "يرد".]] أَوَّلَهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يُسَاقُونَ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ أَيْ: أُوقِفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِي مَقَامِ الْمُسَاءَلَةِ، ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَيُسْأَلُونَ [[في ف: "فيسألون".]] عَنِ اعْتِقَادِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] ، فَحِينَئِذٍ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ يَعْتَذِرُونَ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٧] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ أَيْ: بُهِتُوا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ظَلَمَةً لِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ رُدُّوا إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي لَا تَخْفَى [[في ف: "لا يخفى".]] عَلَيْهِ خَافِيَةٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَشَأْنِهِ الرَّفِيعِ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ وَالِانْقِيَادُ لِأَوَامِرِهِ، وَتَصْدِيقِ أَنْبِيَائِهِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَا مَحيد عَنْهُ، فَقَالَ ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أَيْ: فِيهِ ظَلَامٌ تَسْكُنُ [[في ف: "يسكن".]] بِسَبَبِهِ حَرَكَاتُهُمْ، وَتَهْدَأُ أَنْفَاسُهُمْ، وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ نَصَب التَّعَبِ فِي نَهَارِهِمْ. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أَيْ: مُنِيرًا مُشْرِقًا، فَبِسَبَبِ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْمَعَايِشِ والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحَشْرِ الظَّالِمِينَ الْمُكَذِّبِينَ [[في ف، أ: "الظالمين مع المكذبين".]] بِآيَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ إِلَى بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لِيَسْأَلَهُمْ عَمَّا فَعَلُوهُ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا، وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ قَوْمٍ وَقَرْنٍ [[في ف: "قرن وقوم".]] فَوْجًا، أَيْ: جَمَاعَةً، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُدْفَعُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَزَعَةٌ تَرُدُّ [[في ف، أ: "يرد".]] أَوَّلَهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يُسَاقُونَ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ أَيْ: أُوقِفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِي مَقَامِ الْمُسَاءَلَةِ، ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَيُسْأَلُونَ [[في ف: "فيسألون".]] عَنِ اعْتِقَادِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] ، فَحِينَئِذٍ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ يَعْتَذِرُونَ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٧] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ أَيْ: بُهِتُوا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ظَلَمَةً لِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ رُدُّوا إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي لَا تَخْفَى [[في ف: "لا يخفى".]] عَلَيْهِ خَافِيَةٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَشَأْنِهِ الرَّفِيعِ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ وَالِانْقِيَادُ لِأَوَامِرِهِ، وَتَصْدِيقِ أَنْبِيَائِهِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَا مَحيد عَنْهُ، فَقَالَ ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أَيْ: فِيهِ ظَلَامٌ تَسْكُنُ [[في ف: "يسكن".]] بِسَبَبِهِ حَرَكَاتُهُمْ، وَتَهْدَأُ أَنْفَاسُهُمْ، وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ نَصَب التَّعَبِ فِي نَهَارِهِمْ. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أَيْ: مُنِيرًا مُشْرِقًا، فَبِسَبَبِ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْمَعَايِشِ والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحَشْرِ الظَّالِمِينَ الْمُكَذِّبِينَ [[في ف، أ: "الظالمين مع المكذبين".]] بِآيَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ إِلَى بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لِيَسْأَلَهُمْ عَمَّا فَعَلُوهُ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا، وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ قَوْمٍ وَقَرْنٍ [[في ف: "قرن وقوم".]] فَوْجًا، أَيْ: جَمَاعَةً، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُدْفَعُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَزَعَةٌ تَرُدُّ [[في ف، أ: "يرد".]] أَوَّلَهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يُسَاقُونَ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ أَيْ: أُوقِفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِي مَقَامِ الْمُسَاءَلَةِ، ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَيُسْأَلُونَ [[في ف: "فيسألون".]] عَنِ اعْتِقَادِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] ، فَحِينَئِذٍ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ يَعْتَذِرُونَ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٧] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ أَيْ: بُهِتُوا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ظَلَمَةً لِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ رُدُّوا إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي لَا تَخْفَى [[في ف: "لا يخفى".]] عَلَيْهِ خَافِيَةٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَشَأْنِهِ الرَّفِيعِ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ وَالِانْقِيَادُ لِأَوَامِرِهِ، وَتَصْدِيقِ أَنْبِيَائِهِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَا مَحيد عَنْهُ، فَقَالَ ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أَيْ: فِيهِ ظَلَامٌ تَسْكُنُ [[في ف: "يسكن".]] بِسَبَبِهِ حَرَكَاتُهُمْ، وَتَهْدَأُ أَنْفَاسُهُمْ، وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ نَصَب التَّعَبِ فِي نَهَارِهِمْ. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أَيْ: مُنِيرًا مُشْرِقًا، فَبِسَبَبِ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْمَعَايِشِ والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحَشْرِ الظَّالِمِينَ الْمُكَذِّبِينَ [[في ف، أ: "الظالمين مع المكذبين".]] بِآيَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ إِلَى بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لِيَسْأَلَهُمْ عَمَّا فَعَلُوهُ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا، وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ قَوْمٍ وَقَرْنٍ [[في ف: "قرن وقوم".]] فَوْجًا، أَيْ: جَمَاعَةً، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُدْفَعُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَزَعَةٌ تَرُدُّ [[في ف، أ: "يرد".]] أَوَّلَهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يُسَاقُونَ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ أَيْ: أُوقِفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِي مَقَامِ الْمُسَاءَلَةِ، ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَيُسْأَلُونَ [[في ف: "فيسألون".]] عَنِ اعْتِقَادِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] ، فَحِينَئِذٍ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ يَعْتَذِرُونَ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٧] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ أَيْ: بُهِتُوا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ظَلَمَةً لِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ رُدُّوا إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي لَا تَخْفَى [[في ف: "لا يخفى".]] عَلَيْهِ خَافِيَةٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَشَأْنِهِ الرَّفِيعِ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ وَالِانْقِيَادُ لِأَوَامِرِهِ، وَتَصْدِيقِ أَنْبِيَائِهِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَا مَحيد عَنْهُ، فَقَالَ ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أَيْ: فِيهِ ظَلَامٌ تَسْكُنُ [[في ف: "يسكن".]] بِسَبَبِهِ حَرَكَاتُهُمْ، وَتَهْدَأُ أَنْفَاسُهُمْ، وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ نَصَب التَّعَبِ فِي نَهَارِهِمْ. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أَيْ: مُنِيرًا مُشْرِقًا، فَبِسَبَبِ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْمَعَايِشِ والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَوْلِ يَوْمِ نَفْخَةِ الفَزَع فِي الصُّور، وَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ". وَفِي حَدِيثِ (الصُّور) أَنَّ إِسْرَافِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْفُخُ فِيهِ أَوَّلًا نَفْخَةَ الْفَزَعِ وَيُطَوِّلُهَا، وَذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِ الدُّنْيَا، حِينَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى شَرَارِ النَّاسِ مِنَ الْأَحْيَاءِ، فَيَفْزَعُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ ﴿إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ، وَهُمُ الشُّهَدَاءُ، فَإِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ مُعاذ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَة بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، سَمِعْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تَحدث إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ -أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهُمَا -لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا يُخَرِّبُ الْبَيْتُ، وَيَكُونُ وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ -[لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ] [[زيادة من ف، أ، وصحيح مسلم.]] يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا -فَيَبْعَثُ الله عيسى بن مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ. ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لدخَلَتْه [[في ف، أ: "لدخلت".]] عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ". قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ [[في أ: "وهي في تلك".]] دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حسنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا [وَرَفَعَ لِيتًا] [[زيادة من ف، وصحيح مسلم. وفي أ: "أصغى ليثا ورفع ليثا".]] . قَالَ: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوط حَوْضَ إِبِلِهِ". قَالَ: "فَيَصْعَقُ ويَصعقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّل -أَوْ قَالَ: الظِّلُّ -نُعْمَانُ الشَّاكُّ -فَتَنْبُتُ [[في ف: "فينبت".]] مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ ينفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون. ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ". قَالَ: "فَذَلِكَ [[في أ: "فكذلك".]] يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شَيْبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ" [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ [[في ف، أ: "فقوله".]] : ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا" اللِّيتُ [[في أ: "إلا أصغى ليثا ورفع ليثا الليث".]] : هُوَ صَفْحَةُ الْعُنُقِ، أَيْ: أَمَالَ عُنُقَهُ لِيَسْتَمِعَهُ مِنَ السَّمَاءِ جَيِّدًا.
فَهَذِهِ نَفْخَةُ الْفَزَعِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَهُوَ الْمَوْتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ النُّشُورُ مِنَ الْقُبُورِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ -قُرئ بِالْمَدِّ، وَبِغَيْرِهِ [[في ف: "وغيره".]] عَلَى الْفِعْلِ، وكلٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ -وَ ﴿دَاخِرِينَ﴾ أَيْ: صَاغِرِينَ مُطِيعِينَ، لا يتخلف أحد عَنْ أَمْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٢] ، وَقَالَ ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: أَنَّهُ فِي النَّفْخَةِ الثَّالِثَةِ يَأْمُرُ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ، فَتُوضَعُ فِي ثُقْبٍ [[في أ: "نقب".]] فِي الصُّورِ، ثُمَّ يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ فِيهِ بَعْدَمَا تَنْبُتُ [[في أ: "ما نبتت".]] الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا وَأَمَاكِنِهَا، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ طَارَتِ الْأَرْوَاحُ، تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا، وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ ظُلمة، فَيَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَتَرْجِعَنَّ كُلُّ رُوحٍ [[في ف: "كل ريح".]] إِلَى جَسَدِهَا. فَتَجِيءُ الْأَرْوَاحُ إِلَى أَجْسَادِهَا، فَتَدِبُّ فِيهَا كَمَا يَدب السُّمُّ فِي اللَّدِيغِ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَنْفُضُونَ التُّرَابَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أَيْ: تَرَاهَا كَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، أَيْ: تَزُولُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطُّورِ: ٩، ١٠] ، وَقَالَ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طَهَ: ١٠٥، ١٠٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أَيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّذِي قَدْ أَتْقَنَ كُلَّ مَا خَلَقَ، وَأَوْدَعَ فِيهِ [[في ف: "به".]] مِنَ الْحِكْمَةِ مَا أَوْدَعَ، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: هُوَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُ عِبَادُهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حَالَ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ -قَالَ قَتَادَةُ: بِالْإِخْلَاصِ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -وَقَدْ بيَّن فِي الْمَكَانِ [[في أ: "الموضع".]] الْآخَرِ [[يشير ابن كثير - رحمه الله - إلى الآية: ١٦٠ من سورة الأنعام، وهي قوله تَعَالَى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يظلمون) .]] أَنَّ لَهُ عَشْر أَمْثَالِهَا ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٣] ، وَقَالَ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٠] ، وَقَالَ: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ أَيْ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ مُسِيئًا لَا حَسَنَةَ لَهُ، أَوْ: قَدْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، كُلٌّ بِحَسْبِهِ [[في أ: "الحسنة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَأَبُو وَائِلٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالزُّهْرِيُّ، والسُّدِّي، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: بالشرك.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَوْلِ يَوْمِ نَفْخَةِ الفَزَع فِي الصُّور، وَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ". وَفِي حَدِيثِ (الصُّور) أَنَّ إِسْرَافِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْفُخُ فِيهِ أَوَّلًا نَفْخَةَ الْفَزَعِ وَيُطَوِّلُهَا، وَذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِ الدُّنْيَا، حِينَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى شَرَارِ النَّاسِ مِنَ الْأَحْيَاءِ، فَيَفْزَعُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ ﴿إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ، وَهُمُ الشُّهَدَاءُ، فَإِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ مُعاذ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَة بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، سَمِعْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تَحدث إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ -أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهُمَا -لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا يُخَرِّبُ الْبَيْتُ، وَيَكُونُ وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ -[لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ] [[زيادة من ف، أ، وصحيح مسلم.]] يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا -فَيَبْعَثُ الله عيسى بن مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ. ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لدخَلَتْه [[في ف، أ: "لدخلت".]] عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ". قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ [[في أ: "وهي في تلك".]] دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حسنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا [وَرَفَعَ لِيتًا] [[زيادة من ف، وصحيح مسلم. وفي أ: "أصغى ليثا ورفع ليثا".]] . قَالَ: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوط حَوْضَ إِبِلِهِ". قَالَ: "فَيَصْعَقُ ويَصعقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّل -أَوْ قَالَ: الظِّلُّ -نُعْمَانُ الشَّاكُّ -فَتَنْبُتُ [[في ف: "فينبت".]] مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ ينفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون. ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ". قَالَ: "فَذَلِكَ [[في أ: "فكذلك".]] يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شَيْبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ" [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ [[في ف، أ: "فقوله".]] : ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا" اللِّيتُ [[في أ: "إلا أصغى ليثا ورفع ليثا الليث".]] : هُوَ صَفْحَةُ الْعُنُقِ، أَيْ: أَمَالَ عُنُقَهُ لِيَسْتَمِعَهُ مِنَ السَّمَاءِ جَيِّدًا.
فَهَذِهِ نَفْخَةُ الْفَزَعِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَهُوَ الْمَوْتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ النُّشُورُ مِنَ الْقُبُورِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ -قُرئ بِالْمَدِّ، وَبِغَيْرِهِ [[في ف: "وغيره".]] عَلَى الْفِعْلِ، وكلٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ -وَ ﴿دَاخِرِينَ﴾ أَيْ: صَاغِرِينَ مُطِيعِينَ، لا يتخلف أحد عَنْ أَمْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٢] ، وَقَالَ ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: أَنَّهُ فِي النَّفْخَةِ الثَّالِثَةِ يَأْمُرُ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ، فَتُوضَعُ فِي ثُقْبٍ [[في أ: "نقب".]] فِي الصُّورِ، ثُمَّ يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ فِيهِ بَعْدَمَا تَنْبُتُ [[في أ: "ما نبتت".]] الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا وَأَمَاكِنِهَا، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ طَارَتِ الْأَرْوَاحُ، تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا، وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ ظُلمة، فَيَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَتَرْجِعَنَّ كُلُّ رُوحٍ [[في ف: "كل ريح".]] إِلَى جَسَدِهَا. فَتَجِيءُ الْأَرْوَاحُ إِلَى أَجْسَادِهَا، فَتَدِبُّ فِيهَا كَمَا يَدب السُّمُّ فِي اللَّدِيغِ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَنْفُضُونَ التُّرَابَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أَيْ: تَرَاهَا كَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، أَيْ: تَزُولُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطُّورِ: ٩، ١٠] ، وَقَالَ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طَهَ: ١٠٥، ١٠٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أَيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّذِي قَدْ أَتْقَنَ كُلَّ مَا خَلَقَ، وَأَوْدَعَ فِيهِ [[في ف: "به".]] مِنَ الْحِكْمَةِ مَا أَوْدَعَ، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: هُوَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُ عِبَادُهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حَالَ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ -قَالَ قَتَادَةُ: بِالْإِخْلَاصِ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -وَقَدْ بيَّن فِي الْمَكَانِ [[في أ: "الموضع".]] الْآخَرِ [[يشير ابن كثير - رحمه الله - إلى الآية: ١٦٠ من سورة الأنعام، وهي قوله تَعَالَى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يظلمون) .]] أَنَّ لَهُ عَشْر أَمْثَالِهَا ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٣] ، وَقَالَ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٠] ، وَقَالَ: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ أَيْ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ مُسِيئًا لَا حَسَنَةَ لَهُ، أَوْ: قَدْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، كُلٌّ بِحَسْبِهِ [[في أ: "الحسنة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَأَبُو وَائِلٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالزُّهْرِيُّ، والسُّدِّي، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: بالشرك.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَوْلِ يَوْمِ نَفْخَةِ الفَزَع فِي الصُّور، وَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ". وَفِي حَدِيثِ (الصُّور) أَنَّ إِسْرَافِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْفُخُ فِيهِ أَوَّلًا نَفْخَةَ الْفَزَعِ وَيُطَوِّلُهَا، وَذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِ الدُّنْيَا، حِينَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى شَرَارِ النَّاسِ مِنَ الْأَحْيَاءِ، فَيَفْزَعُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ ﴿إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ، وَهُمُ الشُّهَدَاءُ، فَإِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ مُعاذ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَة بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، سَمِعْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تَحدث إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ -أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهُمَا -لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا يُخَرِّبُ الْبَيْتُ، وَيَكُونُ وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ -[لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ] [[زيادة من ف، أ، وصحيح مسلم.]] يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا -فَيَبْعَثُ الله عيسى بن مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ. ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لدخَلَتْه [[في ف، أ: "لدخلت".]] عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ". قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ [[في أ: "وهي في تلك".]] دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حسنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا [وَرَفَعَ لِيتًا] [[زيادة من ف، وصحيح مسلم. وفي أ: "أصغى ليثا ورفع ليثا".]] . قَالَ: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوط حَوْضَ إِبِلِهِ". قَالَ: "فَيَصْعَقُ ويَصعقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّل -أَوْ قَالَ: الظِّلُّ -نُعْمَانُ الشَّاكُّ -فَتَنْبُتُ [[في ف: "فينبت".]] مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ ينفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون. ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ". قَالَ: "فَذَلِكَ [[في أ: "فكذلك".]] يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شَيْبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ" [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ [[في ف، أ: "فقوله".]] : ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا" اللِّيتُ [[في أ: "إلا أصغى ليثا ورفع ليثا الليث".]] : هُوَ صَفْحَةُ الْعُنُقِ، أَيْ: أَمَالَ عُنُقَهُ لِيَسْتَمِعَهُ مِنَ السَّمَاءِ جَيِّدًا.
فَهَذِهِ نَفْخَةُ الْفَزَعِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَهُوَ الْمَوْتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ النُّشُورُ مِنَ الْقُبُورِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ -قُرئ بِالْمَدِّ، وَبِغَيْرِهِ [[في ف: "وغيره".]] عَلَى الْفِعْلِ، وكلٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ -وَ ﴿دَاخِرِينَ﴾ أَيْ: صَاغِرِينَ مُطِيعِينَ، لا يتخلف أحد عَنْ أَمْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٢] ، وَقَالَ ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: أَنَّهُ فِي النَّفْخَةِ الثَّالِثَةِ يَأْمُرُ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ، فَتُوضَعُ فِي ثُقْبٍ [[في أ: "نقب".]] فِي الصُّورِ، ثُمَّ يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ فِيهِ بَعْدَمَا تَنْبُتُ [[في أ: "ما نبتت".]] الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا وَأَمَاكِنِهَا، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ طَارَتِ الْأَرْوَاحُ، تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا، وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ ظُلمة، فَيَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَتَرْجِعَنَّ كُلُّ رُوحٍ [[في ف: "كل ريح".]] إِلَى جَسَدِهَا. فَتَجِيءُ الْأَرْوَاحُ إِلَى أَجْسَادِهَا، فَتَدِبُّ فِيهَا كَمَا يَدب السُّمُّ فِي اللَّدِيغِ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَنْفُضُونَ التُّرَابَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أَيْ: تَرَاهَا كَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، أَيْ: تَزُولُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطُّورِ: ٩، ١٠] ، وَقَالَ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طَهَ: ١٠٥، ١٠٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أَيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّذِي قَدْ أَتْقَنَ كُلَّ مَا خَلَقَ، وَأَوْدَعَ فِيهِ [[في ف: "به".]] مِنَ الْحِكْمَةِ مَا أَوْدَعَ، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: هُوَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُ عِبَادُهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حَالَ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ -قَالَ قَتَادَةُ: بِالْإِخْلَاصِ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -وَقَدْ بيَّن فِي الْمَكَانِ [[في أ: "الموضع".]] الْآخَرِ [[يشير ابن كثير - رحمه الله - إلى الآية: ١٦٠ من سورة الأنعام، وهي قوله تَعَالَى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يظلمون) .]] أَنَّ لَهُ عَشْر أَمْثَالِهَا ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٣] ، وَقَالَ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٠] ، وَقَالَ: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ أَيْ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ مُسِيئًا لَا حَسَنَةَ لَهُ، أَوْ: قَدْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، كُلٌّ بِحَسْبِهِ [[في أ: "الحسنة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَأَبُو وَائِلٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالزُّهْرِيُّ، والسُّدِّي، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: بالشرك.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَوْلِ يَوْمِ نَفْخَةِ الفَزَع فِي الصُّور، وَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ". وَفِي حَدِيثِ (الصُّور) أَنَّ إِسْرَافِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْفُخُ فِيهِ أَوَّلًا نَفْخَةَ الْفَزَعِ وَيُطَوِّلُهَا، وَذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِ الدُّنْيَا، حِينَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى شَرَارِ النَّاسِ مِنَ الْأَحْيَاءِ، فَيَفْزَعُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ ﴿إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ، وَهُمُ الشُّهَدَاءُ، فَإِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
قَالَ الْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ مُعاذ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَة بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، سَمِعْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تَحدث إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ -أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهُمَا -لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا يُخَرِّبُ الْبَيْتُ، وَيَكُونُ وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ -[لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ] [[زيادة من ف، أ، وصحيح مسلم.]] يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا -فَيَبْعَثُ الله عيسى بن مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ. ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لدخَلَتْه [[في ف، أ: "لدخلت".]] عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ". قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ [[في أ: "وهي في تلك".]] دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حسنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا [وَرَفَعَ لِيتًا] [[زيادة من ف، وصحيح مسلم. وفي أ: "أصغى ليثا ورفع ليثا".]] . قَالَ: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوط حَوْضَ إِبِلِهِ". قَالَ: "فَيَصْعَقُ ويَصعقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّل -أَوْ قَالَ: الظِّلُّ -نُعْمَانُ الشَّاكُّ -فَتَنْبُتُ [[في ف: "فينبت".]] مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ ينفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون. ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ". قَالَ: "فَذَلِكَ [[في أ: "فكذلك".]] يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شَيْبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ" [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ [[في ف، أ: "فقوله".]] : ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا" اللِّيتُ [[في أ: "إلا أصغى ليثا ورفع ليثا الليث".]] : هُوَ صَفْحَةُ الْعُنُقِ، أَيْ: أَمَالَ عُنُقَهُ لِيَسْتَمِعَهُ مِنَ السَّمَاءِ جَيِّدًا.
فَهَذِهِ نَفْخَةُ الْفَزَعِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَهُوَ الْمَوْتُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ النُّشُورُ مِنَ الْقُبُورِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ -قُرئ بِالْمَدِّ، وَبِغَيْرِهِ [[في ف: "وغيره".]] عَلَى الْفِعْلِ، وكلٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ -وَ ﴿دَاخِرِينَ﴾ أَيْ: صَاغِرِينَ مُطِيعِينَ، لا يتخلف أحد عَنْ أَمْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٢] ، وَقَالَ ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] . وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: أَنَّهُ فِي النَّفْخَةِ الثَّالِثَةِ يَأْمُرُ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ، فَتُوضَعُ فِي ثُقْبٍ [[في أ: "نقب".]] فِي الصُّورِ، ثُمَّ يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ فِيهِ بَعْدَمَا تَنْبُتُ [[في أ: "ما نبتت".]] الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا وَأَمَاكِنِهَا، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ طَارَتِ الْأَرْوَاحُ، تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا، وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ ظُلمة، فَيَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَتَرْجِعَنَّ كُلُّ رُوحٍ [[في ف: "كل ريح".]] إِلَى جَسَدِهَا. فَتَجِيءُ الْأَرْوَاحُ إِلَى أَجْسَادِهَا، فَتَدِبُّ فِيهَا كَمَا يَدب السُّمُّ فِي اللَّدِيغِ، ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَنْفُضُونَ التُّرَابَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: ٤٣] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أَيْ: تَرَاهَا كَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، أَيْ: تَزُولُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطُّورِ: ٩، ١٠] ، وَقَالَ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طَهَ: ١٠٥، ١٠٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أَيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّذِي قَدْ أَتْقَنَ كُلَّ مَا خَلَقَ، وَأَوْدَعَ فِيهِ [[في ف: "به".]] مِنَ الْحِكْمَةِ مَا أَوْدَعَ، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ أَيْ: هُوَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُ عِبَادُهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حَالَ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ -قَالَ قَتَادَةُ: بِالْإِخْلَاصِ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ: هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -وَقَدْ بيَّن فِي الْمَكَانِ [[في أ: "الموضع".]] الْآخَرِ [[يشير ابن كثير - رحمه الله - إلى الآية: ١٦٠ من سورة الأنعام، وهي قوله تَعَالَى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يظلمون) .]] أَنَّ لَهُ عَشْر أَمْثَالِهَا ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٣] ، وَقَالَ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٠] ، وَقَالَ: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ أَيْ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ مُسِيئًا لَا حَسَنَةَ لَهُ، أَوْ: قَدْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، كُلٌّ بِحَسْبِهِ [[في أ: "الحسنة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَأَبُو وَائِلٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالزُّهْرِيُّ، والسُّدِّي، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: بالشرك.