John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi

Surah Al-Hajj

Tafseer Al-Baghawi · The Pilgrimage · 78 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

سُورَةُ الْحَجِّ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [[ما بين القوسين زيادة من "ب".]] يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) ﴾

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أَيْ: احْذَرُوا عِقَابَهُ بِطَاعَتِهِ، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وَالزَّلْزَلَةُ وَالزِّلْزَالُ شِدَّةُ الْحَرَكَةِ عَلَى الْحَالَةِ الْهَائِلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ:

فَقَالَ عَلْقَمَةُ وَالشَّعْبِيُّ: هِيَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. [وَقِيلَ: قِيَامُ السَّاعَةِ] (١) .

وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ قِيَامُهَا فَتَكُونُ مَعَهَا.

﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يَعْنِي السَّاعَةَ، وَقِيلَ: الزَّلْزَلَةُ، ﴿تَذْهَلُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُشْغَلُ، وَقِيلَ: تَنْسَى، يُقَالُ: ذَهَلْتُ عَنْ كَذَا أَيْ تَرَكْتُهُ وَاشْتُغِلْتُ بِغَيْرِهِ.

﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أَيْ: كُلُّ امْرَأَةٍ مَعَهَا وَلَدٌ تُرْضِعُهُ، يُقَالُ: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ، بِلَا هَاءٍ، إِذَا أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ، مِثْلَ حَائِضٍ وَحَامِلٍ، فَإِذَا أَرَادُوا الْفِعْلَ أَدْخَلُوا الْهَاءَ.

﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أَيْ: تُسْقِطُ وَلَدَهَا مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

قَالَ الْحَسَنُ: تَذْهَلُ الْمُرْضِعَةُ عَنْ وَلَدِهَا بِغَيْرِ فِطَامٍ وَتَضَعُ الْحَامِلُ مَا فِي بَطْنِهَا بِغَيْرِ تَمَامٍ [[أخرجه الطبري: ١٧ / ١١٤.]] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ بَعْدَ الْبَعْثِ لَا يَكُونُ حَمْلٌ.

وَمَنْ قَالَ: تَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ، قَالَ هَذَا عَلَى وَجْهِ تَعْظِيمِ الْأَمْرِ لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: أَصَابَنَا أَمْرٌ يَشِيبُ فِيهِ الْوَلِيدُ، يُرِيدُ شِدَّتَهُ.

﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى" بِلَا أَلِفٍ وَهُمَا لُغَتَانِ فِي جَمْعِ السَّكْرَانِ، مِثْلُ كَسْلَى وَكُسَالَى.

قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى مِنَ الْخَوْفِ، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى مِنَ الشَّرَابِ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَتَرَى النَّاسَ كَأَنَّهُمْ سُكَارَى، ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمَشٍ الزِّيَادَيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ الْعَبْسِيُّ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلِفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الْمَوْلُودُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى [النَّاسَ] [[ساقط من "أ".]] سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: وَأَيُّنَا ذَاكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ"، فَقَالَ النَّاسُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ فَكَبَّرَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوِ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ" [[أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: قول الله تعالى (يسألونك عن ذي القرنين) ٦ / ٣٨٢، ومسلم في الإيمان، باب: قوله (يقول الله لآدم أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين برقم (٢٢٢) ١ / ٢٠١ - ٢٠٢ والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ١٣٩ - ١٤٠.]] .

وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا في غزوة ٢٣/ب بَنِي الْمُصْطَلَقِ لَيْلًا فَنَادَى [مُنَادِي] [[ساقط من "أ".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَثُّوا الْمَطِيَّ حَتَّى كَانُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُرَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلِمَا أَصْبَحُوا لَمْ يَحُطُّوا السُّرُوجَ عَنِ الدَّوَابِّ، وَلَمْ يَضْرِبُوا الْخِيَامَ وَلَمْ يَطْبُخُوا قِدْرًا، وَالنَّاسُ مَا بَيْنَ بَاكٍ أَوْ جَالِسٍ حَزِينٍ مُتَفَكِّرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِآدَمَ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ وَلَدِكَ، فَيَقُولُ آدَمُ: مِنْ كُلٍّ كَمْ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إلى النار وواحد فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَكَوْا وَقَالُوا: فَمَنْ يَنْجُو إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبْشِرُوا وَسَدِّدُوا وَقَارَبُوا فَإِنَّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو [أَنْ تَكُونُوا] [[ساقط من "أ".]] ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا، ثَمَانُونَ مِنْهَا أُمَّتِي، وَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، بَلْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ. ثُمَّ قَالَ: وَيَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبْعُونَ أَلْفًا؟ قَالَ: نَعَمْ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنْتَ مِنْهُمْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" [[أخرجه الترمذي: ٩ / ١٢ -١٣ حتى قوله: في ذراع الدابة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والإمام أحمد ٤ / ٤٣٥ حتى قوله: أو الرقمة في ذراع الدابة، والحاكم: ٢ / ٣٨٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص ١١٢ للثعلبي والبغوي، ثم قال: وأما آخره فلم أره.]] .

سُورَةُ الْحَجِّ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [[ما بين القوسين زيادة من "ب".]] يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) ﴾

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أَيْ: احْذَرُوا عِقَابَهُ بِطَاعَتِهِ، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وَالزَّلْزَلَةُ وَالزِّلْزَالُ شِدَّةُ الْحَرَكَةِ عَلَى الْحَالَةِ الْهَائِلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ:

فَقَالَ عَلْقَمَةُ وَالشَّعْبِيُّ: هِيَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. [وَقِيلَ: قِيَامُ السَّاعَةِ] (١) .

وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: زَلْزَلَةُ السَّاعَةِ قِيَامُهَا فَتَكُونُ مَعَهَا.

﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يَعْنِي السَّاعَةَ، وَقِيلَ: الزَّلْزَلَةُ، ﴿تَذْهَلُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُشْغَلُ، وَقِيلَ: تَنْسَى، يُقَالُ: ذَهَلْتُ عَنْ كَذَا أَيْ تَرَكْتُهُ وَاشْتُغِلْتُ بِغَيْرِهِ.

﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أَيْ: كُلُّ امْرَأَةٍ مَعَهَا وَلَدٌ تُرْضِعُهُ، يُقَالُ: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ، بِلَا هَاءٍ، إِذَا أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ، مِثْلَ حَائِضٍ وَحَامِلٍ، فَإِذَا أَرَادُوا الْفِعْلَ أَدْخَلُوا الْهَاءَ.

﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أَيْ: تُسْقِطُ وَلَدَهَا مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

قَالَ الْحَسَنُ: تَذْهَلُ الْمُرْضِعَةُ عَنْ وَلَدِهَا بِغَيْرِ فِطَامٍ وَتَضَعُ الْحَامِلُ مَا فِي بَطْنِهَا بِغَيْرِ تَمَامٍ [[أخرجه الطبري: ١٧ / ١١٤.]] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ بَعْدَ الْبَعْثِ لَا يَكُونُ حَمْلٌ.

وَمَنْ قَالَ: تَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ، قَالَ هَذَا عَلَى وَجْهِ تَعْظِيمِ الْأَمْرِ لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: أَصَابَنَا أَمْرٌ يَشِيبُ فِيهِ الْوَلِيدُ، يُرِيدُ شِدَّتَهُ.

﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى" بِلَا أَلِفٍ وَهُمَا لُغَتَانِ فِي جَمْعِ السَّكْرَانِ، مِثْلُ كَسْلَى وَكُسَالَى.

قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى مِنَ الْخَوْفِ، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى مِنَ الشَّرَابِ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَتَرَى النَّاسَ كَأَنَّهُمْ سُكَارَى، ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمَشٍ الزِّيَادَيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ الْعَبْسِيُّ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلِفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الْمَوْلُودُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى [النَّاسَ] [[ساقط من "أ".]] سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: وَأَيُّنَا ذَاكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ"، فَقَالَ النَّاسُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ فَكَبَّرَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوِ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ" [[أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: قول الله تعالى (يسألونك عن ذي القرنين) ٦ / ٣٨٢، ومسلم في الإيمان، باب: قوله (يقول الله لآدم أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين برقم (٢٢٢) ١ / ٢٠١ - ٢٠٢ والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ١٣٩ - ١٤٠.]] .

وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا في غزوة ٢٣/ب بَنِي الْمُصْطَلَقِ لَيْلًا فَنَادَى [مُنَادِي] [[ساقط من "أ".]] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَثُّوا الْمَطِيَّ حَتَّى كَانُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُرَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلِمَا أَصْبَحُوا لَمْ يَحُطُّوا السُّرُوجَ عَنِ الدَّوَابِّ، وَلَمْ يَضْرِبُوا الْخِيَامَ وَلَمْ يَطْبُخُوا قِدْرًا، وَالنَّاسُ مَا بَيْنَ بَاكٍ أَوْ جَالِسٍ حَزِينٍ مُتَفَكِّرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِآدَمَ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ وَلَدِكَ، فَيَقُولُ آدَمُ: مِنْ كُلٍّ كَمْ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إلى النار وواحد فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَكَوْا وَقَالُوا: فَمَنْ يَنْجُو إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبْشِرُوا وَسَدِّدُوا وَقَارَبُوا فَإِنَّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو [أَنْ تَكُونُوا] [[ساقط من "أ".]] ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا، ثَمَانُونَ مِنْهَا أُمَّتِي، وَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلَّا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، بَلْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ. ثُمَّ قَالَ: وَيَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبْعُونَ أَلْفًا؟ قَالَ: نَعَمْ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنْتَ مِنْهُمْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" [[أخرجه الترمذي: ٩ / ١٢ -١٣ حتى قوله: في ذراع الدابة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والإمام أحمد ٤ / ٤٣٥ حتى قوله: أو الرقمة في ذراع الدابة، والحاكم: ٢ / ٣٨٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص ١١٢ للثعلبي والبغوي، ثم قال: وأما آخره فلم أره.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ [[عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٦ / ٨ لابن أبي حاتم.]] كَانَ كَثِيرَ الْجَدَلِ، وَكَانَ يَقُولُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالْقُرْآنُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَكَانَ يُنْكِرُ الْبَعْثَ وَإِحْيَاءَ مَنْ صَارَ تُرَابًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ أَيْ: يَتَّبِعُ فِي جِدَالِهِ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ وَالْمَرِيدُ: الْمُتَمَرِّدُ الْمُسْتَمِرُّ فِي الشَّرِّ.

﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قُضِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ، ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ اتَّبَعَهُ ﴿فَأَنَّهُ﴾ يَعْنِي الشَّيْطَانَ، ﴿يُضِلُّهُ﴾ أَيْ: يَضِلُّ مَنْ تَوَلَّاهُ، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ثُمَّ أَلْزَمَ الْحُجَّةَ عَلَى مُنْكِرِي الْبَعْثِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ فِي شَكٍّ ﴿مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي: أَبَاكُمْ آدَمَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ النَّسْلِ، ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يَعْنِي: ذُرِّيَّتَهُ، وَالنُّطْفَةُ هِيَ الْمَنِيُّ، وَأَصْلُهَا الْمَاءُ الْقَلِيلُ وَجَمْعُهَا نِطَافٌ، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وَهِيَ الدَّمُ الْغَلِيظُ الْمُتَجَمِّدُ، وَجَمْعُهَا عِلَقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ دَمًا غَلِيظًا ثُمَّ تَصِيرُ لَحْمًا، ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وَهِيَ لَحْمَةٌ قَلِيلَةٌ قَدْرُ مَا يُمْضَغُ، ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: "مُخَلَّقَةٍ" أَيْ تَامَّةِ الْخَلْقِ، "وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" غَيْرِ تَامَّةٍ أَيْ نَاقِصَةِ الْخَلْقِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُصَوَّرَةٍ وَغَيْرِ مُصَوَّرَةٍ، يَعْنِي السَّقْطَ.

وَقِيلَ: "الْمُخَلَّقَةُ" الْوَلَدُ الَّذِي تَأْتِي بِهِ الْمَرْأَةُ لِوَقْتِهِ، "وَغَيْرُ الْمُخَلَّقَةِ" السَّقْطُ.

رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أَخَذَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ وَقَالَ: أَيْ رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، قَذَفَهَا الرَّحِمُ دَمًا وَلَمْ تَكُنْ نَسَمَةً، وَإِنْ قَالَ: مُخَلَّقَةٌ، قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، أَشَقِيٌ أَمْ سَعِيدٌ؟ مَا الْأَجَلُّ مَا الْعَمَلُ مَا الرِّزْقُ وَبِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ فَإِنَّكَ تَجِدُ فِيهَا كُلَّ ذَلِكَ، فَيَذْهَبُ فَيَجِدُهَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ فَيَنْسَخُهَا، فَلَا يَزَالُ مَعَهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخَرَ صِفَتِهِ [[أخرجه الترمذي في "نوادر الأصول" وابن أبي حاتم.]] .

﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ كَمَالَ قُدْرَتِنَا وَحِكْمَتَنَا فِي تَصْرِيفِ أَطْوَارِ خَلْقِكُمْ وَلِتَسْتَدِلُّوا بِقُدْرَتِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ.

وَقِيلَ: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ مَا تأتون وما تذرون وَمَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ.

﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ فَلَا تَمُجُّهُ وَلَا تُسْقِطُهُ، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وَقْتِ خُرُوجِهَا مِنَ الرَّحِمِ تَامَّةَ الْخَلْقِ وَالْمُدَّةِ.

﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴿طِفْلًا﴾ أَيْ: صِغَارًا، وَلَمْ يَقُلْ: أَطْفَالًا لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْجَمْعَ بِاسْمِ الْوَاحِدِ. وَقِيلَ: تَشْبِيهًا بِالْمَصْدَرِ مِثْلَ عَدْلٍ وَزُورٍ.

﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْكَمَالَ وَالْقُوَّةَ.

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ مِنْ قَبْلِ بُلُوغِ الْكِبَرِ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أَيِ: الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ، ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أَيْ: يَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ مَا يَتَغَيَّرُ عَقْلُهُ فَلَا يَعْقِلُ شَيْئًا.

ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ عَلَى الْبَعْثِ فَقَالَ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أَيْ: يَابِسَةً لَا نَبَاتَ فِيهَا، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ الْمَطَرَ، ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تَحَرَّكَتْ بِالنَّبَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ تَرْتَفِعُ بِالنَّبَاتِ فَذَلِكَ تَحَرُّكُهَا، ﴿وَرَبَتْ﴾ أَيِ: ارْتَفَعَتْ وَزَادَتْ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَعْنَاهُ: رَبَتْ وَاهْتَزَّتْ وَرَبَا نَبَاتُهَا، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَالِاهْتِزَازُ فِي النَّبَاتِ أَظْهَرُ، يُقَالُ: اهْتَزَّ النَّبَاتُ أَيْ: طال وإنما أُنِّت لِذِكْرِ الْأَرْضِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: " وَرَبَأَتْ " بِالْهَمْزَةِ، وَكَذَلِكَ فِي حم السَّجْدَةِ، أَيِ: ارْتَفَعَتْ وَعَلَتْ.

﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: صِنْفٍ حَسَنٍ يُبْهَجُ بِهِ مَنْ رَآهُ، أَيْ: يُسَرُّ، فَهَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الْبَعْثِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ [[عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٦ / ٨ لابن أبي حاتم.]] كَانَ كَثِيرَ الْجَدَلِ، وَكَانَ يَقُولُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالْقُرْآنُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَكَانَ يُنْكِرُ الْبَعْثَ وَإِحْيَاءَ مَنْ صَارَ تُرَابًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ أَيْ: يَتَّبِعُ فِي جِدَالِهِ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ وَالْمَرِيدُ: الْمُتَمَرِّدُ الْمُسْتَمِرُّ فِي الشَّرِّ.

﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قُضِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ، ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ اتَّبَعَهُ ﴿فَأَنَّهُ﴾ يَعْنِي الشَّيْطَانَ، ﴿يُضِلُّهُ﴾ أَيْ: يَضِلُّ مَنْ تَوَلَّاهُ، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ثُمَّ أَلْزَمَ الْحُجَّةَ عَلَى مُنْكِرِي الْبَعْثِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ فِي شَكٍّ ﴿مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي: أَبَاكُمْ آدَمَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ النَّسْلِ، ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يَعْنِي: ذُرِّيَّتَهُ، وَالنُّطْفَةُ هِيَ الْمَنِيُّ، وَأَصْلُهَا الْمَاءُ الْقَلِيلُ وَجَمْعُهَا نِطَافٌ، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وَهِيَ الدَّمُ الْغَلِيظُ الْمُتَجَمِّدُ، وَجَمْعُهَا عِلَقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ دَمًا غَلِيظًا ثُمَّ تَصِيرُ لَحْمًا، ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وَهِيَ لَحْمَةٌ قَلِيلَةٌ قَدْرُ مَا يُمْضَغُ، ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: "مُخَلَّقَةٍ" أَيْ تَامَّةِ الْخَلْقِ، "وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" غَيْرِ تَامَّةٍ أَيْ نَاقِصَةِ الْخَلْقِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُصَوَّرَةٍ وَغَيْرِ مُصَوَّرَةٍ، يَعْنِي السَّقْطَ.

وَقِيلَ: "الْمُخَلَّقَةُ" الْوَلَدُ الَّذِي تَأْتِي بِهِ الْمَرْأَةُ لِوَقْتِهِ، "وَغَيْرُ الْمُخَلَّقَةِ" السَّقْطُ.

رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أَخَذَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ وَقَالَ: أَيْ رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، قَذَفَهَا الرَّحِمُ دَمًا وَلَمْ تَكُنْ نَسَمَةً، وَإِنْ قَالَ: مُخَلَّقَةٌ، قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، أَشَقِيٌ أَمْ سَعِيدٌ؟ مَا الْأَجَلُّ مَا الْعَمَلُ مَا الرِّزْقُ وَبِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ فَإِنَّكَ تَجِدُ فِيهَا كُلَّ ذَلِكَ، فَيَذْهَبُ فَيَجِدُهَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ فَيَنْسَخُهَا، فَلَا يَزَالُ مَعَهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخَرَ صِفَتِهِ [[أخرجه الترمذي في "نوادر الأصول" وابن أبي حاتم.]] .

﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ كَمَالَ قُدْرَتِنَا وَحِكْمَتَنَا فِي تَصْرِيفِ أَطْوَارِ خَلْقِكُمْ وَلِتَسْتَدِلُّوا بِقُدْرَتِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ.

وَقِيلَ: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ مَا تأتون وما تذرون وَمَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ.

﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ فَلَا تَمُجُّهُ وَلَا تُسْقِطُهُ، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وَقْتِ خُرُوجِهَا مِنَ الرَّحِمِ تَامَّةَ الْخَلْقِ وَالْمُدَّةِ.

﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴿طِفْلًا﴾ أَيْ: صِغَارًا، وَلَمْ يَقُلْ: أَطْفَالًا لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْجَمْعَ بِاسْمِ الْوَاحِدِ. وَقِيلَ: تَشْبِيهًا بِالْمَصْدَرِ مِثْلَ عَدْلٍ وَزُورٍ.

﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْكَمَالَ وَالْقُوَّةَ.

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ مِنْ قَبْلِ بُلُوغِ الْكِبَرِ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أَيِ: الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ، ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أَيْ: يَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ مَا يَتَغَيَّرُ عَقْلُهُ فَلَا يَعْقِلُ شَيْئًا.

ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ عَلَى الْبَعْثِ فَقَالَ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أَيْ: يَابِسَةً لَا نَبَاتَ فِيهَا، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ الْمَطَرَ، ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تَحَرَّكَتْ بِالنَّبَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ تَرْتَفِعُ بِالنَّبَاتِ فَذَلِكَ تَحَرُّكُهَا، ﴿وَرَبَتْ﴾ أَيِ: ارْتَفَعَتْ وَزَادَتْ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَعْنَاهُ: رَبَتْ وَاهْتَزَّتْ وَرَبَا نَبَاتُهَا، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَالِاهْتِزَازُ فِي النَّبَاتِ أَظْهَرُ، يُقَالُ: اهْتَزَّ النَّبَاتُ أَيْ: طال وإنما أُنِّت لِذِكْرِ الْأَرْضِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: " وَرَبَأَتْ " بِالْهَمْزَةِ، وَكَذَلِكَ فِي حم السَّجْدَةِ، أَيِ: ارْتَفَعَتْ وَعَلَتْ.

﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: صِنْفٍ حَسَنٍ يُبْهَجُ بِهِ مَنْ رَآهُ، أَيْ: يُسَرُّ، فَهَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الْبَعْثِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ [[عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٦ / ٨ لابن أبي حاتم.]] كَانَ كَثِيرَ الْجَدَلِ، وَكَانَ يَقُولُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالْقُرْآنُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَكَانَ يُنْكِرُ الْبَعْثَ وَإِحْيَاءَ مَنْ صَارَ تُرَابًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ أَيْ: يَتَّبِعُ فِي جِدَالِهِ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ وَالْمَرِيدُ: الْمُتَمَرِّدُ الْمُسْتَمِرُّ فِي الشَّرِّ.

﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قُضِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ، ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ اتَّبَعَهُ ﴿فَأَنَّهُ﴾ يَعْنِي الشَّيْطَانَ، ﴿يُضِلُّهُ﴾ أَيْ: يَضِلُّ مَنْ تَوَلَّاهُ، ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ثُمَّ أَلْزَمَ الْحُجَّةَ عَلَى مُنْكِرِي الْبَعْثِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ فِي شَكٍّ ﴿مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ يَعْنِي: أَبَاكُمْ آدَمَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ النَّسْلِ، ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يَعْنِي: ذُرِّيَّتَهُ، وَالنُّطْفَةُ هِيَ الْمَنِيُّ، وَأَصْلُهَا الْمَاءُ الْقَلِيلُ وَجَمْعُهَا نِطَافٌ، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وَهِيَ الدَّمُ الْغَلِيظُ الْمُتَجَمِّدُ، وَجَمْعُهَا عِلَقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ دَمًا غَلِيظًا ثُمَّ تَصِيرُ لَحْمًا، ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وَهِيَ لَحْمَةٌ قَلِيلَةٌ قَدْرُ مَا يُمْضَغُ، ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: "مُخَلَّقَةٍ" أَيْ تَامَّةِ الْخَلْقِ، "وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" غَيْرِ تَامَّةٍ أَيْ نَاقِصَةِ الْخَلْقِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُصَوَّرَةٍ وَغَيْرِ مُصَوَّرَةٍ، يَعْنِي السَّقْطَ.

وَقِيلَ: "الْمُخَلَّقَةُ" الْوَلَدُ الَّذِي تَأْتِي بِهِ الْمَرْأَةُ لِوَقْتِهِ، "وَغَيْرُ الْمُخَلَّقَةِ" السَّقْطُ.

رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أَخَذَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ وَقَالَ: أَيْ رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، قَذَفَهَا الرَّحِمُ دَمًا وَلَمْ تَكُنْ نَسَمَةً، وَإِنْ قَالَ: مُخَلَّقَةٌ، قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، أَشَقِيٌ أَمْ سَعِيدٌ؟ مَا الْأَجَلُّ مَا الْعَمَلُ مَا الرِّزْقُ وَبِأَيِّ أَرْضٍ يَمُوتُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ فَإِنَّكَ تَجِدُ فِيهَا كُلَّ ذَلِكَ، فَيَذْهَبُ فَيَجِدُهَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ فَيَنْسَخُهَا، فَلَا يَزَالُ مَعَهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخَرَ صِفَتِهِ [[أخرجه الترمذي في "نوادر الأصول" وابن أبي حاتم.]] .

﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ كَمَالَ قُدْرَتِنَا وَحِكْمَتَنَا فِي تَصْرِيفِ أَطْوَارِ خَلْقِكُمْ وَلِتَسْتَدِلُّوا بِقُدْرَتِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِعَادَةِ.

وَقِيلَ: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ مَا تأتون وما تذرون وَمَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ.

﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ فَلَا تَمُجُّهُ وَلَا تُسْقِطُهُ، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وَقْتِ خُرُوجِهَا مِنَ الرَّحِمِ تَامَّةَ الْخَلْقِ وَالْمُدَّةِ.

﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴿طِفْلًا﴾ أَيْ: صِغَارًا، وَلَمْ يَقُلْ: أَطْفَالًا لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْجَمْعَ بِاسْمِ الْوَاحِدِ. وَقِيلَ: تَشْبِيهًا بِالْمَصْدَرِ مِثْلَ عَدْلٍ وَزُورٍ.

﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْكَمَالَ وَالْقُوَّةَ.

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ مِنْ قَبْلِ بُلُوغِ الْكِبَرِ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أَيِ: الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ، ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أَيْ: يَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ مَا يَتَغَيَّرُ عَقْلُهُ فَلَا يَعْقِلُ شَيْئًا.

ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ عَلَى الْبَعْثِ فَقَالَ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أَيْ: يَابِسَةً لَا نَبَاتَ فِيهَا، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ الْمَطَرَ، ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تَحَرَّكَتْ بِالنَّبَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ تَرْتَفِعُ بِالنَّبَاتِ فَذَلِكَ تَحَرُّكُهَا، ﴿وَرَبَتْ﴾ أَيِ: ارْتَفَعَتْ وَزَادَتْ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَعْنَاهُ: رَبَتْ وَاهْتَزَّتْ وَرَبَا نَبَاتُهَا، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَالِاهْتِزَازُ فِي النَّبَاتِ أَظْهَرُ، يُقَالُ: اهْتَزَّ النَّبَاتُ أَيْ: طال وإنما أُنِّت لِذِكْرِ الْأَرْضِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: " وَرَبَأَتْ " بِالْهَمْزَةِ، وَكَذَلِكَ فِي حم السَّجْدَةِ، أَيِ: ارْتَفَعَتْ وَعَلَتْ.

﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: صِنْفٍ حَسَنٍ يُبْهَجُ بِهِ مَنْ رَآهُ، أَيْ: يُسَرُّ، فَهَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الْبَعْثِ.

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيْ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ .

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، ﴿وَلَا هُدًى﴾ بَيَانٍ ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيْ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ .

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، ﴿وَلَا هُدًى﴾ بَيَانٍ ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَيْ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ .

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، ﴿وَلَا هُدًى﴾ بَيَانٍ ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾

﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أَيْ: مُتَبَخْتِرًا لِتَكَبُّرِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: لَاوِيَ عُنُقِهِ. قَالَ عَطِيَّةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: مُعْرِضًا عَمَّا يُدْعَى إِلَيْهِ تَكَبُّرًا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُعْرِضُ عَنِ الْحَقِّ تَكَبُّرًا. وَالْعِطْفُ: الْجَانِبُ، وَعِطْفَا الرَّجُلِ: جَانِبَاهُ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْطِفُهُ الْإِنْسَانُ أَيْ يَلْوِيهِ وَيُمِيلُهُ عِنْدَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّيْءِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ (لُقْمَانُ: ٧) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٥) .

﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢٤/أعَنْ دِينِ اللَّهِ، ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ عَذَابٌ وَهَوَانٌ، وَهُوَ الْقَتْلُ بِبَدْرٍ، فَقُتِلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا.

﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وَيُقَالُ لَهُ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فَيُعَذِّبُهُمْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَهُوَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ تَصَرَّفَ فِي عَبْدِهِ، فَحُكْمُهُ عَدْلٌ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ كَانُوا يَقْدَمُونَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرِينَ مِنْ بَادِيَتِهِمْ فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَحَّ بِهَا جِسْمُهُ وَنُتِجَتْ بِهَا فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَكَثُرَ مَالُهُ، قَالَ: هَذَا دِينٌ حَسَنٌ وَقَدْ أَصَبْتُ فِيهِ خَيْرًا وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً وَأُجْهِضَتْ رِمَاكُهُ [[الأنثى من البراذين.]] وَقَلَّ مَالُهُ، قَالَ: مَا أَصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ فِي هَذَا الدِّينِ إِلَّا شَرًّا فَيَنْقَلِبُ عَنْ دِينِهِ، وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ [[ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٥٥ عن المفسرين، وأخرجه الطبري: ١٧ / ١٢٢ - ١٢٣، وأخرج البخاري نحوه في التفسير: ٨ / ٤٤٢ عن ابن عباس.]] فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: عَلَى شَكٍّ وَأَصْلُهُ مِنْ حَرْفِ الشَّيْءِ وَهُوَ طَرَفُهُ، نَحْوُ حَرْفِ الْجَبَلِ وَالْحَائِطِ الَّذِي كَالْقَائِمِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَقِيلَ لِلشَّاكِّ فِي الدِّينِ إِنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ لِأَنَّهُ عَلَى طَرَفٍ وَجَانِبٍ مِنَ الدِّينِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالتَّمَكُّنِ وَأَصْلُهُ كَالْقَائِمِ عَلَى حَرْفِ الْجَبَلِ مُضْطَرِبٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، يَعْرِضُ أَنْ يَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الطَّرَفِ لِضَعْفِ قِيَامِهِ، وَلَوْ عَبَدُوا اللَّهَ فِي الشُّكْرِ عَلَى السَّرَّاءِ وَالصَّبْرِ عَلَى الضَّرَّاءِ لَمْ يَكُونُوا عَلَى حَرْفٍ، قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْمُنَافِقُ يَعْبُدُهُ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ صِحَّةٌ فِي جِسْمِهِ، وَسِعَةٌ فِي مَعِيشَتِهِ، ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ أَيْ: رَضِيَ بِهِ وَسَكَنَ إِلَيْهِ، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ بَلَاءٌ فِي جَسَدِهِ، وَضِيقٌ فِي مَعِيشَتِهِ، ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ارْتَدَّ وَرَجَعَ عَلَى عَقِبِهِ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي هَذَا الشَّاكُّ خَسِرَ الدُّنْيَا بِفَوَاتِ مَا كَانَ يُؤَمِّلُ، ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ بِذَهَابِ الدِّينِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ. قَرَأَ يَعْقُوبُ " خَاسِرَ " بِالْأَلْفِ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ جَرٌّ.

﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الظَّاهِرُ.

﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أَيْ: مُتَبَخْتِرًا لِتَكَبُّرِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: لَاوِيَ عُنُقِهِ. قَالَ عَطِيَّةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: مُعْرِضًا عَمَّا يُدْعَى إِلَيْهِ تَكَبُّرًا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُعْرِضُ عَنِ الْحَقِّ تَكَبُّرًا. وَالْعِطْفُ: الْجَانِبُ، وَعِطْفَا الرَّجُلِ: جَانِبَاهُ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْطِفُهُ الْإِنْسَانُ أَيْ يَلْوِيهِ وَيُمِيلُهُ عِنْدَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّيْءِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ (لُقْمَانُ: ٧) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٥) .

﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢٤/أعَنْ دِينِ اللَّهِ، ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ عَذَابٌ وَهَوَانٌ، وَهُوَ الْقَتْلُ بِبَدْرٍ، فَقُتِلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا.

﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وَيُقَالُ لَهُ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فَيُعَذِّبُهُمْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَهُوَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ تَصَرَّفَ فِي عَبْدِهِ، فَحُكْمُهُ عَدْلٌ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ كَانُوا يَقْدَمُونَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرِينَ مِنْ بَادِيَتِهِمْ فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَحَّ بِهَا جِسْمُهُ وَنُتِجَتْ بِهَا فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَكَثُرَ مَالُهُ، قَالَ: هَذَا دِينٌ حَسَنٌ وَقَدْ أَصَبْتُ فِيهِ خَيْرًا وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً وَأُجْهِضَتْ رِمَاكُهُ [[الأنثى من البراذين.]] وَقَلَّ مَالُهُ، قَالَ: مَا أَصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ فِي هَذَا الدِّينِ إِلَّا شَرًّا فَيَنْقَلِبُ عَنْ دِينِهِ، وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ [[ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٥٥ عن المفسرين، وأخرجه الطبري: ١٧ / ١٢٢ - ١٢٣، وأخرج البخاري نحوه في التفسير: ٨ / ٤٤٢ عن ابن عباس.]] فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: عَلَى شَكٍّ وَأَصْلُهُ مِنْ حَرْفِ الشَّيْءِ وَهُوَ طَرَفُهُ، نَحْوُ حَرْفِ الْجَبَلِ وَالْحَائِطِ الَّذِي كَالْقَائِمِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَقِيلَ لِلشَّاكِّ فِي الدِّينِ إِنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ لِأَنَّهُ عَلَى طَرَفٍ وَجَانِبٍ مِنَ الدِّينِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالتَّمَكُّنِ وَأَصْلُهُ كَالْقَائِمِ عَلَى حَرْفِ الْجَبَلِ مُضْطَرِبٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، يَعْرِضُ أَنْ يَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الطَّرَفِ لِضَعْفِ قِيَامِهِ، وَلَوْ عَبَدُوا اللَّهَ فِي الشُّكْرِ عَلَى السَّرَّاءِ وَالصَّبْرِ عَلَى الضَّرَّاءِ لَمْ يَكُونُوا عَلَى حَرْفٍ، قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْمُنَافِقُ يَعْبُدُهُ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ صِحَّةٌ فِي جِسْمِهِ، وَسِعَةٌ فِي مَعِيشَتِهِ، ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ أَيْ: رَضِيَ بِهِ وَسَكَنَ إِلَيْهِ، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ بَلَاءٌ فِي جَسَدِهِ، وَضِيقٌ فِي مَعِيشَتِهِ، ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ارْتَدَّ وَرَجَعَ عَلَى عَقِبِهِ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي هَذَا الشَّاكُّ خَسِرَ الدُّنْيَا بِفَوَاتِ مَا كَانَ يُؤَمِّلُ، ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ بِذَهَابِ الدِّينِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ. قَرَأَ يَعْقُوبُ " خَاسِرَ " بِالْأَلْفِ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ جَرٌّ.

﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الظَّاهِرُ.

﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أَيْ: مُتَبَخْتِرًا لِتَكَبُّرِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: لَاوِيَ عُنُقِهِ. قَالَ عَطِيَّةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: مُعْرِضًا عَمَّا يُدْعَى إِلَيْهِ تَكَبُّرًا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُعْرِضُ عَنِ الْحَقِّ تَكَبُّرًا. وَالْعِطْفُ: الْجَانِبُ، وَعِطْفَا الرَّجُلِ: جَانِبَاهُ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَعْطِفُهُ الْإِنْسَانُ أَيْ يَلْوِيهِ وَيُمِيلُهُ عِنْدَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّيْءِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ (لُقْمَانُ: ٧) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ (المُنَافِقُونَ: ٥) .

﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢٤/أعَنْ دِينِ اللَّهِ، ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ عَذَابٌ وَهَوَانٌ، وَهُوَ الْقَتْلُ بِبَدْرٍ، فَقُتِلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا.

﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وَيُقَالُ لَهُ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فَيُعَذِّبُهُمْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَهُوَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ تَصَرَّفَ فِي عَبْدِهِ، فَحُكْمُهُ عَدْلٌ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ كَانُوا يَقْدَمُونَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرِينَ مِنْ بَادِيَتِهِمْ فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَحَّ بِهَا جِسْمُهُ وَنُتِجَتْ بِهَا فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَكَثُرَ مَالُهُ، قَالَ: هَذَا دِينٌ حَسَنٌ وَقَدْ أَصَبْتُ فِيهِ خَيْرًا وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً وَأُجْهِضَتْ رِمَاكُهُ [[الأنثى من البراذين.]] وَقَلَّ مَالُهُ، قَالَ: مَا أَصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ فِي هَذَا الدِّينِ إِلَّا شَرًّا فَيَنْقَلِبُ عَنْ دِينِهِ، وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ [[ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٥٥ عن المفسرين، وأخرجه الطبري: ١٧ / ١٢٢ - ١٢٣، وأخرج البخاري نحوه في التفسير: ٨ / ٤٤٢ عن ابن عباس.]] فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: عَلَى شَكٍّ وَأَصْلُهُ مِنْ حَرْفِ الشَّيْءِ وَهُوَ طَرَفُهُ، نَحْوُ حَرْفِ الْجَبَلِ وَالْحَائِطِ الَّذِي كَالْقَائِمِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَقِيلَ لِلشَّاكِّ فِي الدِّينِ إِنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ لِأَنَّهُ عَلَى طَرَفٍ وَجَانِبٍ مِنَ الدِّينِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالتَّمَكُّنِ وَأَصْلُهُ كَالْقَائِمِ عَلَى حَرْفِ الْجَبَلِ مُضْطَرِبٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، يَعْرِضُ أَنْ يَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الطَّرَفِ لِضَعْفِ قِيَامِهِ، وَلَوْ عَبَدُوا اللَّهَ فِي الشُّكْرِ عَلَى السَّرَّاءِ وَالصَّبْرِ عَلَى الضَّرَّاءِ لَمْ يَكُونُوا عَلَى حَرْفٍ، قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْمُنَافِقُ يَعْبُدُهُ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ صِحَّةٌ فِي جِسْمِهِ، وَسِعَةٌ فِي مَعِيشَتِهِ، ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ أَيْ: رَضِيَ بِهِ وَسَكَنَ إِلَيْهِ، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ بَلَاءٌ فِي جَسَدِهِ، وَضِيقٌ فِي مَعِيشَتِهِ، ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ارْتَدَّ وَرَجَعَ عَلَى عَقِبِهِ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي هَذَا الشَّاكُّ خَسِرَ الدُّنْيَا بِفَوَاتِ مَا كَانَ يُؤَمِّلُ، ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ بِذَهَابِ الدِّينِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ. قَرَأَ يَعْقُوبُ " خَاسِرَ " بِالْأَلْفِ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ جَرٌّ.

﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الظَّاهِرُ.

﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ إِنْ عَصَاهُ وَلَمْ يَعْبُدْهُ، ﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ إِنْ أَطَاعَهُ وَعَبَدَهُ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ عَنِ الْحَقِّ وَالرُّشْدِ.

﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ وَفِيهَا أَسْئِلَةٌ:

أَوَّلُهَا قَالُوا: قَدْ قَالَ اللَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى "يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ"، وَقَالَ هَاهُنَا: "لَمَنْ ضُرُّهُ أَقْرَبُ"، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا؟

قِيلَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى "يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ" أَيْ: لَا يَضُرُّهُ تَرْكُ عِبَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَمَنْ ضُرُّهُ أَقْرَبُ﴾ أَيْ: ضَرُّ عِبَادَتِهِ.

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ: "لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ" وَلَا نَفْعَ فِي عِبَادَةِ الصَّنَمِ أَصْلًا؟.

قِيلَ: هَذَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَا لَا يَكُونُ أَصْلًا بَعِيدٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق:٣) أَيْ: لَا رَجْعَ أَصْلًا فَلَمَّا كَانَ نَفْعُ الصَّنَمِ بَعِيدًا، عَلَى مَعْنَى: أَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ أَصْلًا قِيلَ: ضَرُّهُ أَقْرَبُ، لِأَنَّهُ كَائِنٌ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ﴾ مَا وَجْهُ هَذِهِ اللَّامِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ صِلَةٌ، مَجَازُهَا: يَدْعُو مَنْ ضُرُّهُ أَقْرَبُ [[انظر مسائل الرازي وأجوبتها ص ٢٧٢.]] وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقِيلَ: "لَمَنْ ضَرُّهُ" أَيْ إِلَى الَّذِي ضَرُّهُ أَقْرَبُ مَنْ نَفْعِهِ. وَقِيلَ: "يَدْعُو" بِمَعْنَى يَقُولُ: وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ يَقُولُ: لِمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ هُوَ إِلَهٌ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ يَدْعُو، فَحَذَفَ يَدْعُو الْأَخِيرَةَ اجْتِزَاءً بِالْأُولَى، وَلَوْ قَلْتَ: يَضْرِبُ لَمَنْ خَيْرُهُ أَكْثَرُ مِنْ شَرِّهِ يَضْرِبُ، ثُمَّ يُحْذَفُ الْأَخِيرُ جَازَ.

وَقِيلَ: عَلَى التَّوْكِيدِ، مَعْنَاهُ: يَدْعُو وَاللَّهِ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ.

وَقِيلَ: "يَدْعُو مَنْ" صِلَةُ قَوْلِهِ: "ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ" يَقُولُ: ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ يَدْعُو، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: "لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ" فَيَكُونُ "مَنْ" فِي مَحَلِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ أَيِ النَّاصِرُ. وَقِيلَ: الْمَعْبُودُ.

﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ أَيِ: الصَّاحِبُ وَالْمُخَالِطُ، يَعْنِي: الْوَثَنَ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الزَّوْجَ عَشِيرًا لِأَجْلِ الْمُخَالَطَةِ.

﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ إِنْ عَصَاهُ وَلَمْ يَعْبُدْهُ، ﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ إِنْ أَطَاعَهُ وَعَبَدَهُ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ عَنِ الْحَقِّ وَالرُّشْدِ.

﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ وَفِيهَا أَسْئِلَةٌ:

أَوَّلُهَا قَالُوا: قَدْ قَالَ اللَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى "يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ"، وَقَالَ هَاهُنَا: "لَمَنْ ضُرُّهُ أَقْرَبُ"، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا؟

قِيلَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى "يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ" أَيْ: لَا يَضُرُّهُ تَرْكُ عِبَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَمَنْ ضُرُّهُ أَقْرَبُ﴾ أَيْ: ضَرُّ عِبَادَتِهِ.

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ: "لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ" وَلَا نَفْعَ فِي عِبَادَةِ الصَّنَمِ أَصْلًا؟.

قِيلَ: هَذَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَا لَا يَكُونُ أَصْلًا بَعِيدٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق:٣) أَيْ: لَا رَجْعَ أَصْلًا فَلَمَّا كَانَ نَفْعُ الصَّنَمِ بَعِيدًا، عَلَى مَعْنَى: أَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ أَصْلًا قِيلَ: ضَرُّهُ أَقْرَبُ، لِأَنَّهُ كَائِنٌ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ﴾ مَا وَجْهُ هَذِهِ اللَّامِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ صِلَةٌ، مَجَازُهَا: يَدْعُو مَنْ ضُرُّهُ أَقْرَبُ [[انظر مسائل الرازي وأجوبتها ص ٢٧٢.]] وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقِيلَ: "لَمَنْ ضَرُّهُ" أَيْ إِلَى الَّذِي ضَرُّهُ أَقْرَبُ مَنْ نَفْعِهِ. وَقِيلَ: "يَدْعُو" بِمَعْنَى يَقُولُ: وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ يَقُولُ: لِمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ هُوَ إِلَهٌ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ يَدْعُو، فَحَذَفَ يَدْعُو الْأَخِيرَةَ اجْتِزَاءً بِالْأُولَى، وَلَوْ قَلْتَ: يَضْرِبُ لَمَنْ خَيْرُهُ أَكْثَرُ مِنْ شَرِّهِ يَضْرِبُ، ثُمَّ يُحْذَفُ الْأَخِيرُ جَازَ.

وَقِيلَ: عَلَى التَّوْكِيدِ، مَعْنَاهُ: يَدْعُو وَاللَّهِ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ.

وَقِيلَ: "يَدْعُو مَنْ" صِلَةُ قَوْلِهِ: "ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ" يَقُولُ: ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ يَدْعُو، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: "لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ" فَيَكُونُ "مَنْ" فِي مَحَلِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ أَيِ النَّاصِرُ. وَقِيلَ: الْمَعْبُودُ.

﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ أَيِ: الصَّاحِبُ وَالْمُخَالِطُ، يَعْنِي: الْوَثَنَ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الزَّوْجَ عَشِيرًا لِأَجْلِ الْمُخَالَطَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ .

﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ بِحَبْلٍ ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ أَرَادَ بِالسَّمَاءِ سَقْفَ الْبَيْتِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، أَيْ: لِيَشْدُدْ حَبْلًا فِي سَقْفِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ حَتَّى يَمُوتَ، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ الْحَبْلَ بَعْدَ الِاخْتِنَاقِ. وَقِيلَ: "ثُمَّ لْيَقْطَعْ" أَيْ لِيَمُدَّ الْحَبْلَ حَتَّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتُ مُخْتَنِقًا، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ صَنِيعُهُ وَحِيلَتُهُ، ﴿مَا يَغِيظُ﴾ "مَا" بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ وَحِيلَتُهُ غَيْظَهُ، مَعْنَاهُ: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتَّى يَمُوتَ. وَلَيْسَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ أَيْ: أَنْ يَفْعَلَهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَطْعُ وَالنَّظَرُ بَعْدَ الِاخْتِنَاقِ وَالْمَوْتِ، وَلَكِنَّهُ كَمَا يُقَالُ لِلْحَاسِدِ: إِنْ لَمْ تَرْضَ هَذَا فَاخْتَنِقْ وَمُتْ غَيْظًا.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُرَادُ مِنَ السَّمَاءِ السَّمَاءُ الْمَعْرُوفَةُ.

وَمَعْنَى الْآيَةِ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَيَكِيدَ فِي أَمْرِهِ لِيَقْطَعَهُ عَنْهُ فَلْيَقْطَعْهُ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيَ الَّذِي يَأْتِيهِ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَقْدِرُ عَلَى إِذْهَابِ غَيْظِهِ بِهَذَا الْفِعْلِ.

وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ، دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ حِلْفٌ، وَقَالُوا: لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُسْلِمَ لِأَنَّا نَخَافُ أَنْ لَا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ وَلَا يَظْهَرَ أَمْرُهُ فَيَنْقَطِعُ الْحِلْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْيَهُودِ، فَلَا يميروننا ولا +يئوننا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[ذكره الطبري: ١٧ / ١٢٨ بدون سند.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "النَّصْرُ" بِمَعْنَى الرِّزْقِ [[٢٤ / ب.]] وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى ﴿مَنْ﴾ وَمَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. نَزَلَتْ فِيمَنْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَافَ أَلَّا يَرْزُقَهُ اللَّهُ، "فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ"، أَيْ: إِلَى سَمَاءِ الْبَيْتِ، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ فِعْلُهُ ذَلِكَ مَا يَغِيظُ، وَهُوَ خِيفَةُ أَنْ لَا يُرْزَقَ.

وَقَدْ يَأْتِي النَّصْرُ بِمَعْنَى الرِّزْقِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَنْ يَنْصُرْنِي نَصَرَهُ اللَّهُ. أَيْ: مَنْ يُعْطِنِي أَعْطَاهُ اللَّهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَرْضٌ مَنْصُورَةٌ، أَيْ: مَمْطُورَةٌ.

قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ: "ثُمَّ لِيَقْطَعْ" "ثُمَّ لِيَقْضُوا" بِكَسْرِ اللَّامِ، وَالْبَاقُونَ بِجَزْمِهَا لِأَنَّ الْكُلَّ لَامُ الْأَمْرِ، زَادَ ابْنُ عَامِرٍ ﴿وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلِيَطَّوَّفُوا﴾ (الحَجِّ: ٢٩) بِكَسْرِ اللَّامِ فِيهِمَا، وَمَنْ كَسَرَ فِي: "ثُمَّ لِيَقْطَعْ" وَفِي "ثُمَّ لِيَقْضُوا" فَرَّقَ بِأَنَّ ثُمَّ مَفْصُولٌ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْوَاوُ كَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ كَالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: "فَلْيَنْظُرْ".

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ .

﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ بِحَبْلٍ ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ أَرَادَ بِالسَّمَاءِ سَقْفَ الْبَيْتِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، أَيْ: لِيَشْدُدْ حَبْلًا فِي سَقْفِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ حَتَّى يَمُوتَ، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ الْحَبْلَ بَعْدَ الِاخْتِنَاقِ. وَقِيلَ: "ثُمَّ لْيَقْطَعْ" أَيْ لِيَمُدَّ الْحَبْلَ حَتَّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتُ مُخْتَنِقًا، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ صَنِيعُهُ وَحِيلَتُهُ، ﴿مَا يَغِيظُ﴾ "مَا" بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ وَحِيلَتُهُ غَيْظَهُ، مَعْنَاهُ: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتَّى يَمُوتَ. وَلَيْسَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ أَيْ: أَنْ يَفْعَلَهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَطْعُ وَالنَّظَرُ بَعْدَ الِاخْتِنَاقِ وَالْمَوْتِ، وَلَكِنَّهُ كَمَا يُقَالُ لِلْحَاسِدِ: إِنْ لَمْ تَرْضَ هَذَا فَاخْتَنِقْ وَمُتْ غَيْظًا.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُرَادُ مِنَ السَّمَاءِ السَّمَاءُ الْمَعْرُوفَةُ.

وَمَعْنَى الْآيَةِ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَيَكِيدَ فِي أَمْرِهِ لِيَقْطَعَهُ عَنْهُ فَلْيَقْطَعْهُ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيَ الَّذِي يَأْتِيهِ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَقْدِرُ عَلَى إِذْهَابِ غَيْظِهِ بِهَذَا الْفِعْلِ.

وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ، دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ حِلْفٌ، وَقَالُوا: لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُسْلِمَ لِأَنَّا نَخَافُ أَنْ لَا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ وَلَا يَظْهَرَ أَمْرُهُ فَيَنْقَطِعُ الْحِلْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْيَهُودِ، فَلَا يميروننا ولا +يئوننا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [[ذكره الطبري: ١٧ / ١٢٨ بدون سند.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "النَّصْرُ" بِمَعْنَى الرِّزْقِ [[٢٤ / ب.]] وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى ﴿مَنْ﴾ وَمَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. نَزَلَتْ فِيمَنْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَافَ أَلَّا يَرْزُقَهُ اللَّهُ، "فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ"، أَيْ: إِلَى سَمَاءِ الْبَيْتِ، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ فِعْلُهُ ذَلِكَ مَا يَغِيظُ، وَهُوَ خِيفَةُ أَنْ لَا يُرْزَقَ.

وَقَدْ يَأْتِي النَّصْرُ بِمَعْنَى الرِّزْقِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَنْ يَنْصُرْنِي نَصَرَهُ اللَّهُ. أَيْ: مَنْ يُعْطِنِي أَعْطَاهُ اللَّهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَرْضٌ مَنْصُورَةٌ، أَيْ: مَمْطُورَةٌ.

قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ: "ثُمَّ لِيَقْطَعْ" "ثُمَّ لِيَقْضُوا" بِكَسْرِ اللَّامِ، وَالْبَاقُونَ بِجَزْمِهَا لِأَنَّ الْكُلَّ لَامُ الْأَمْرِ، زَادَ ابْنُ عَامِرٍ ﴿وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلِيَطَّوَّفُوا﴾ (الحَجِّ: ٢٩) بِكَسْرِ اللَّامِ فِيهِمَا، وَمَنْ كَسَرَ فِي: "ثُمَّ لِيَقْطَعْ" وَفِي "ثُمَّ لِيَقْضُوا" فَرَّقَ بِأَنَّ ثُمَّ مَفْصُولٌ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْوَاوُ كَأَنَّهَا مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ كَالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: "فَلْيَنْظُرْ".

﴿وَكَذَلِكَ﴾ أَيْ: مِثْلُ ذَلِكَ، يَعْنِي: مَا تَقَدَّمَ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يَعْنِي: عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ،، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أَلَمْ تَعْلَمْ، وَقِيلَ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [تَقْرَأْ] [[زيادة من "ب".]] بِقَلْبِكَ ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾

قَالَ مُجَاهِدٌ: سُجُودُهَا تَحَوُّلُ ظِلَالِهَا. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَا فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ إِلَّا يَقَعُ سَاجِدًا حِينَ يَغِيبُ ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ، فَيَأْخُذَ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَطْلَعِهِ. وَقِيلَ: سُجُودُهَا بِمَعْنَى الطَّاعَةِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ جَمَادٍ إِلَّا وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ خَاشِعٌ لَهُ مُسَبِّحٌ لَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فُصِّلَتْ: ١١) ، وَقَالَ فِي وَصْفِ الْحِجَارَةِ ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الْبَقَرَةُ: ٧٤) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الْإِسْرَاءُ: ٤٤) ، وَهَذَا مَذْهَبٌ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ "وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ"، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ.

﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ وَهُمُ الْكُفَّارُ لِكُفْرِهِمْ وَتَرْكِهِمُ السُّجُودَ وَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ تَسْجُدُ ظِلَالُهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ.

﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ أَيْ: يُهِنْهُ اللَّهُ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ أَيْ: مَنْ يُذِلُّهُ اللَّهُ فَلَا يُكْرِمُهُ أَحَدٌ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أَيْ: يُكْرِمُ وَيُهِينُ فَالسَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.

﴿وَكَذَلِكَ﴾ أَيْ: مِثْلُ ذَلِكَ، يَعْنِي: مَا تَقَدَّمَ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يَعْنِي: عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ،، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أَلَمْ تَعْلَمْ، وَقِيلَ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [تَقْرَأْ] [[زيادة من "ب".]] بِقَلْبِكَ ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾

قَالَ مُجَاهِدٌ: سُجُودُهَا تَحَوُّلُ ظِلَالِهَا. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَا فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ إِلَّا يَقَعُ سَاجِدًا حِينَ يَغِيبُ ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ، فَيَأْخُذَ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَطْلَعِهِ. وَقِيلَ: سُجُودُهَا بِمَعْنَى الطَّاعَةِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ جَمَادٍ إِلَّا وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ خَاشِعٌ لَهُ مُسَبِّحٌ لَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فُصِّلَتْ: ١١) ، وَقَالَ فِي وَصْفِ الْحِجَارَةِ ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الْبَقَرَةُ: ٧٤) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الْإِسْرَاءُ: ٤٤) ، وَهَذَا مَذْهَبٌ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ "وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ"، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ.

﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ وَهُمُ الْكُفَّارُ لِكُفْرِهِمْ وَتَرْكِهِمُ السُّجُودَ وَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ تَسْجُدُ ظِلَالُهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ.

﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ أَيْ: يُهِنْهُ اللَّهُ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ أَيْ: مَنْ يُذِلُّهُ اللَّهُ فَلَا يُكْرِمُهُ أَحَدٌ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أَيْ: يُكْرِمُ وَيُهِينُ فَالسَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.

﴿وَكَذَلِكَ﴾ أَيْ: مِثْلُ ذَلِكَ، يَعْنِي: مَا تَقَدَّمَ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يَعْنِي: عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ،، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أَلَمْ تَعْلَمْ، وَقِيلَ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [تَقْرَأْ] [[زيادة من "ب".]] بِقَلْبِكَ ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾

قَالَ مُجَاهِدٌ: سُجُودُهَا تَحَوُّلُ ظِلَالِهَا. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَا فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ إِلَّا يَقَعُ سَاجِدًا حِينَ يَغِيبُ ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ، فَيَأْخُذَ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَطْلَعِهِ. وَقِيلَ: سُجُودُهَا بِمَعْنَى الطَّاعَةِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ جَمَادٍ إِلَّا وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ خَاشِعٌ لَهُ مُسَبِّحٌ لَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فُصِّلَتْ: ١١) ، وَقَالَ فِي وَصْفِ الْحِجَارَةِ ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الْبَقَرَةُ: ٧٤) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الْإِسْرَاءُ: ٤٤) ، وَهَذَا مَذْهَبٌ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ "وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ"، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ.

﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ وَهُمُ الْكُفَّارُ لِكُفْرِهِمْ وَتَرْكِهِمُ السُّجُودَ وَهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ تَسْجُدُ ظِلَالُهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ.

﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ أَيْ: يُهِنْهُ اللَّهُ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ أَيْ: مَنْ يُذِلُّهُ اللَّهُ فَلَا يُكْرِمُهُ أَحَدٌ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أَيْ: يُكْرِمُ وَيُهِينُ فَالسَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: جَادَلُوا فِي دِينِهِ وَأَمْرِهِ، وَالْخَصْمُ اسْمٌ شَبِيهٌ بِالْمَصْدَرِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (ص"٢١) ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنَ الْخَصْمَيْنِ:

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةَ وَعَلِيٍّ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ ابْنَيْ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ [[أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل: ٧ / ٢٩٧، ومسلم في التفسير، باب: في قوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) برقم: (٣٠٣٣) ٤ / ٢٣٢٣.]] .

وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ، وَعُبَيْدَةُ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ [[أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل: ٧ / ٢٩٦.]] .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ خَرَجَ -يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ -عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَدَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِتْيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ثَلَاثَةٌ: عَوْذٌ وَمُعَوِّذٌ ابْنَا الْحَارِثِ وَأُمُّهُمَا عَفْرَاءُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: رَهْطٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا حِينَ انْتَسَبُوا: أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِمْ: يَا مُحَمَّدُ أَخْرِجْ إِلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ وَيَا حَمْزَةُ بْنَ عَبْدِ الْمَطْلَبِ وَيَا عَلِيُّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا دَنَوْا قَالُوا مَنْ أَنْتُمْ؟ فَذَكَرُوا وَقَالُوا: نَعمْ أَكْفَاءٌ كِرَامٌ فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ وَكَانَ أَسَنَّ الْقَوْمِ عُتْبَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، فَأَمَّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ أَنْ قَتْلَ شَيْبَةَ، وَعَلِيٌّ الْوَلِيدَ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَانِ كِلَاهُمَا [أَثْبَتَ] [[في "ب" أثخن.]] صَاحِبَهُ، فَكَرَّ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ بِأَسْيَافِهِمَا عَلَى عُتْبَةَ فَذَفَّفَا عَلَيْهِ وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَدْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ وَمُخُّهَا يَسِيلُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِعُبَيْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَسْتُ شَهِيدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بَلَى"، فَقَالَ عُبَيْدَةُ: لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيًّا لَعَلِمَ أَنَّا أَحَقُّ بِمَا قَالَ مِنْهُ [[انظر: السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف: ٢ / ٦٧ - ٦٨.]] حَيْثُ يَقُولُ: وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ... وَنُذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ وَأَقْدَمُ مِنْكُمْ كِتَابًا، وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِاللَّهِ آمَنَّا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَنَبِيِّكُمْ وَبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ، وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ نَبِيَّنَا وَكِتَابَنَا وَكَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا، فَهَذِهِ خُصُومَتُهُمْ فِي رَبِّهِمْ [[أخرجه الطبري: ١٧ / ١٣٢ عن ابن عباس.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْكَلْبِيُّ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ كُلُّهُمْ مِنْ أَيِّ مِلَّةٍ كَانُوا [[انظر الطبري: ١٧ / ١٣٢.]] .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَعَلَ الْأَدْيَانَ سِتَّةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ (الْمَائِدَةُ: ٦٩) الْآيَةَ، فَجَعَلَ خَمْسَةً لِلنَّارِ وَوَاحِدًا لِلْجَنَّةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ يَنْصَرِفُ إليهم فالمؤمنون ٢٥/أخَصْمٌ وَسَائِرُ الْخَمْسَةِ خَصْمٌ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمَا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ اخْتَصَمَتَا كَمَا أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ حُسَيْنٍ الْقَطَّانُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ؟ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ فِيهَا رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا" [[أخرجه البخاري في التفسير، باب (وتقول هل من مزيد) ٨ / ٥٩٥، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء برقم (٢٨٤٦) ٤ / ٢١٨٦، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٥٦ - ٢٥٧.]] . ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا لِلْخَصْمَيْنِ فَقَالَ:

﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ثِيَابٌ مِنْ نُحَاسٍ مُذَابٍ، وَلَيْسَ مِنَ الْآنِيَةِ شَيْءٌ إِذَا حَمِيَ أَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ وَسُمِّيَ بِاسْمِ الثِّيَابِ لِأَنَّهَا تُحِيطُ بِهِمْ كَإِحَاطَةِ الثِّيَابِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْبَسُ أَهْلُ النَّارِ مُقَطَّعَاتٍ مِنَ النَّارِ، ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الْحَمِيمُ: هُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ الَّذِي انْتَهَتْ حَرَارَتُهُ.

﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ أَيْ: يُذَابُ بِالْحَمِيمِ، ﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ يُقَالُ: صَهَرْتُ الْأَلْيَةَ وَالشَّحْمَ بِالنَّارِ إِذَا أَذَبْتَهُمَا أَصْهَرُهَا صَهْرًا، مَعْنَاهُ يُذَابُ بِالْحَمِيمِ الَّذِي يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ حَتَّى يَسْقُطَ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنَ الشُّحُومِ وَالْأَحْشَاءِ، ﴿وَالْجُلُودِ﴾ أَيْ: يَشْوِي حرها جلودهم فتتساط.

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي جُحَيْرَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الْجُمْجُمَةَ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ فَيَسْلُتَ مَا فِي جَوْفِهِ حَتَّى يَمْرُقَ مِنْ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ" [[أخرجه الترمذي في صفة أهل جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار ٧ / ٣٠٢ - ٣٠٣ وقال: هذا حديث غريب صحيح، والإمام أحمد: ٢ / ٣٧٤، والحاكم في المستدرك: ٢ / ٣٨٧، والطبري: ١٧ / ١٣٣ - ١٣٤، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٤٤، وقد ضعف الألباني إسناده في تعليقه على المشكاة: ٣ / ١٥٨١.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ سِيَاطٌ مِنْ حَدِيدٍ وَاحِدَتُهَا: مِقْمَعَةٌ، قَالَ اللَّيْثُ: المقمعة شبه الجزر مِنَ الْحَدِيدِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَمَعْتُ رَأْسَهُ، إِذَا ضَرَبْتَهُ ضَرْبًا عَنِيفًا، وَفِي الْخَبَرِ: "لَوْ وُضِعَ مِقْمَعٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الثَّقَلَانِ مَا أَقَلُّوهُ مِنَ الْأَرْضِ" [[أخرجه الحاكم: ٤ / ٦٠٠ من رواية دراج، عن أبي الهيثم، والإمام أحمد: ٣ / ٢٩ قال الهيثمي في المجمع ١٠ / ٣٨٨ رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه ضعفاء وثقوا، وانظر الكافي الشاف ص (١١٢) ، الترغيب والترهيب: ٤ / ٤٧٤.]] .

﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ أَيْ: كُلَّمَا حَاوَلُوا الْخُرُوجَ مِنَ النَّارِ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ الَّذِي يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ أَيْ: رُدُّوا إِلَيْهَا بِالْمَقَامِعِ. وَفِي التَّفْسِيرِ: إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَجِيشُ بِهِمْ فَتُلْقِيهِمْ إِلَى أَعْلَاهَا فَيُرِيدُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَتَضْرِبُهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِمَقَامِعَ مِنَ الْحَدِيدِ فَيَهْوُونَ فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا.

﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، أَيِ: الْمُحْرِقِ، مِثْلُ الْأَلِيمِ وَالْوَجِيعِ.

قَالَ الزَّجَّاجُ: هَؤُلَاءِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جَمْعُ سِوَارٍ، ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ "وَلُؤْلُؤًا" هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ بِالنَّصْبِ وَافَقَ يَعْقُوبُ هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى وَيُحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا، وَلِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ فِي الْمَصَاحِفِ بِالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: "مِنْ ذَهَبٍ"، وَيَتْرُكُ الْهَمْزَةَ الْأُولَى فِي كُلِّ الْقُرْآنِ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ إِثْبَاتِ الْأَلِفِ، فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: أَثْبَتُوهَا كَمَا أَثْبَتُوا فِي: قَالُوا وَكَانُوا، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَثْبَتُوهَا لِلْهَمْزَةِ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ حَرْفٌ مِنَ الْحُرُوفِ ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أَيْ: يَلْبَسُونَ فِي الْجَنَّةِ ثِيَابَ الْإِبْرَيْسَمِ وَهُوَ الَّذِي حَرُمَ لَبْسُهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى الرِّجَالِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ دَاوُدَ السَّرَّاجِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُلْبِسْهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ دَخْلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ هُوَ" [[أخرجه الحاكم: ٤ / ١٩١ وصححه ووافقه الذهبي، وأبو داود الطيالسي ص (٢٩٤) وأخرجه أيضا عن عمر رضي الله عنه ص (١٠) ، وأخرجه الشيخان عن أنس بن مالك بلفظ: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) : البخاري في اللباس، باب: لبس الحرير للرجال: ١٠ / ٢٨٤، ومسلم في اللباس،، باب تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، برقم (٢٠٧٣) ٣ / ١٦٤٥، والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٣٠ - ٣١.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ سِيَاطٌ مِنْ حَدِيدٍ وَاحِدَتُهَا: مِقْمَعَةٌ، قَالَ اللَّيْثُ: المقمعة شبه الجزر مِنَ الْحَدِيدِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَمَعْتُ رَأْسَهُ، إِذَا ضَرَبْتَهُ ضَرْبًا عَنِيفًا، وَفِي الْخَبَرِ: "لَوْ وُضِعَ مِقْمَعٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الثَّقَلَانِ مَا أَقَلُّوهُ مِنَ الْأَرْضِ" [[أخرجه الحاكم: ٤ / ٦٠٠ من رواية دراج، عن أبي الهيثم، والإمام أحمد: ٣ / ٢٩ قال الهيثمي في المجمع ١٠ / ٣٨٨ رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه ضعفاء وثقوا، وانظر الكافي الشاف ص (١١٢) ، الترغيب والترهيب: ٤ / ٤٧٤.]] .

﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ أَيْ: كُلَّمَا حَاوَلُوا الْخُرُوجَ مِنَ النَّارِ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ الَّذِي يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ أَيْ: رُدُّوا إِلَيْهَا بِالْمَقَامِعِ. وَفِي التَّفْسِيرِ: إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَجِيشُ بِهِمْ فَتُلْقِيهِمْ إِلَى أَعْلَاهَا فَيُرِيدُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَتَضْرِبُهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِمَقَامِعَ مِنَ الْحَدِيدِ فَيَهْوُونَ فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا.

﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، أَيِ: الْمُحْرِقِ، مِثْلُ الْأَلِيمِ وَالْوَجِيعِ.

قَالَ الزَّجَّاجُ: هَؤُلَاءِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جَمْعُ سِوَارٍ، ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ "وَلُؤْلُؤًا" هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ بِالنَّصْبِ وَافَقَ يَعْقُوبُ هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى وَيُحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا، وَلِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ فِي الْمَصَاحِفِ بِالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: "مِنْ ذَهَبٍ"، وَيَتْرُكُ الْهَمْزَةَ الْأُولَى فِي كُلِّ الْقُرْآنِ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ إِثْبَاتِ الْأَلِفِ، فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: أَثْبَتُوهَا كَمَا أَثْبَتُوا فِي: قَالُوا وَكَانُوا، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَثْبَتُوهَا لِلْهَمْزَةِ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ حَرْفٌ مِنَ الْحُرُوفِ ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أَيْ: يَلْبَسُونَ فِي الْجَنَّةِ ثِيَابَ الْإِبْرَيْسَمِ وَهُوَ الَّذِي حَرُمَ لَبْسُهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى الرِّجَالِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ دَاوُدَ السَّرَّاجِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُلْبِسْهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ دَخْلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ هُوَ" [[أخرجه الحاكم: ٤ / ١٩١ وصححه ووافقه الذهبي، وأبو داود الطيالسي ص (٢٩٤) وأخرجه أيضا عن عمر رضي الله عنه ص (١٠) ، وأخرجه الشيخان عن أنس بن مالك بلفظ: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) : البخاري في اللباس، باب: لبس الحرير للرجال: ١٠ / ٢٨٤، ومسلم في اللباس،، باب تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، برقم (٢٠٧٣) ٣ / ١٦٤٥، والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٣٠ - ٣١.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ سِيَاطٌ مِنْ حَدِيدٍ وَاحِدَتُهَا: مِقْمَعَةٌ، قَالَ اللَّيْثُ: المقمعة شبه الجزر مِنَ الْحَدِيدِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَمَعْتُ رَأْسَهُ، إِذَا ضَرَبْتَهُ ضَرْبًا عَنِيفًا، وَفِي الْخَبَرِ: "لَوْ وُضِعَ مِقْمَعٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الثَّقَلَانِ مَا أَقَلُّوهُ مِنَ الْأَرْضِ" [[أخرجه الحاكم: ٤ / ٦٠٠ من رواية دراج، عن أبي الهيثم، والإمام أحمد: ٣ / ٢٩ قال الهيثمي في المجمع ١٠ / ٣٨٨ رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه ضعفاء وثقوا، وانظر الكافي الشاف ص (١١٢) ، الترغيب والترهيب: ٤ / ٤٧٤.]] .

﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ أَيْ: كُلَّمَا حَاوَلُوا الْخُرُوجَ مِنَ النَّارِ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ الَّذِي يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ أَيْ: رُدُّوا إِلَيْهَا بِالْمَقَامِعِ. وَفِي التَّفْسِيرِ: إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَجِيشُ بِهِمْ فَتُلْقِيهِمْ إِلَى أَعْلَاهَا فَيُرِيدُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَتَضْرِبُهُمُ الزَّبَانِيَةُ بِمَقَامِعَ مِنَ الْحَدِيدِ فَيَهْوُونَ فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا.

﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أَيْ: تَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، أَيِ: الْمُحْرِقِ، مِثْلُ الْأَلِيمِ وَالْوَجِيعِ.

قَالَ الزَّجَّاجُ: هَؤُلَاءِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جَمْعُ سِوَارٍ، ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ "وَلُؤْلُؤًا" هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ بِالنَّصْبِ وَافَقَ يَعْقُوبُ هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى وَيُحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا، وَلِأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ فِي الْمَصَاحِفِ بِالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: "مِنْ ذَهَبٍ"، وَيَتْرُكُ الْهَمْزَةَ الْأُولَى فِي كُلِّ الْقُرْآنِ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ إِثْبَاتِ الْأَلِفِ، فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: أَثْبَتُوهَا كَمَا أَثْبَتُوا فِي: قَالُوا وَكَانُوا، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَثْبَتُوهَا لِلْهَمْزَةِ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ حَرْفٌ مِنَ الْحُرُوفِ ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أَيْ: يَلْبَسُونَ فِي الْجَنَّةِ ثِيَابَ الْإِبْرَيْسَمِ وَهُوَ الَّذِي حَرُمَ لَبْسُهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى الرِّجَالِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ دَاوُدَ السَّرَّاجِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُلْبِسْهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ دَخْلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ هُوَ" [[أخرجه الحاكم: ٤ / ١٩١ وصححه ووافقه الذهبي، وأبو داود الطيالسي ص (٢٩٤) وأخرجه أيضا عن عمر رضي الله عنه ص (١٠) ، وأخرجه الشيخان عن أنس بن مالك بلفظ: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) : البخاري في اللباس، باب: لبس الحرير للرجال: ١٠ / ٢٨٤، ومسلم في اللباس،، باب تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، برقم (٢٠٧٣) ٣ / ١٦٤٥، والمصنف في شرح السنة: ١٢ / ٣٠ - ٣١.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ [وَسُبْحَانَ اللَّهِ] [[زيادة من "ب".]] . وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيِ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ". (الزُّمَرُ:٧٤) ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، "وَالْحَمِيدُ" هُوَ اللَّهُ الْمَحْمُودُ فِي أَفْعَالِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطَفَ الْمُسْتَقْبَلَ عَلَى الْمَاضِي، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ الْمَاضِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النِسَاءُ: ١٦٧) ، مَعْنَاهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْحَالِ، أَيْ: وَهُمْ يَصُدُّونَ.

﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أَيْ: وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ قِبْلَةً لِصَلَاتِهِمْ وَمَنْسَكًا وَمُتَعَبَّدًا كَمَا قَالَ: ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (آلِ عِمْرَانَ: ٩٦) .

﴿سَوَاءً﴾ قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبُ: "سَوَاءً" نَصْبًا بِإِيقَاعِ الْجَعْلِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْجَعْلَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُسْتَوِيًا فِيهِ، ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرٌ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ " لِلنَّاسِ " وَأَرَادَ بِالْعَاكِفِ: الْمُقِيمَ فِيهِ، وَبِالْبَادِي: الطَّارِئَ الْمُنْتَابَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: "سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ" أَيْ: فِي تَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ وَقَضَاءِ النُّسُكِ فِيهِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالُوا: الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْسُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَمَعْنَى التَّسْوِيَةِ: هُوَ التَّسْوِيَةُ فِي تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَمَعْنَى التَّسْوِيَةِ: أَنَّ الْمُقِيمَ وَالْبَادِيَ سَوَاءٌ فِي النُّزُولِ بِهِ، لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَحَقَّ بالمَنْزِلِ يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْآخَرِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يزعج فيه أحد إِذَا كَانَ قَدْ سَبَقَ إِلَى مَنْزِلٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ، قَالُوا: هُمَا سَوَاءٌ فِي [الْبُيُوتِ] [[في "ب" السوق".]] وَالْمَنَازِلِ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ: كَانَ الْحُجَّاجُ إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِأَحَقَّ بِمَنْزِلِهِ مِنْهُمْ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْهَى النَّاسَ أَنْ يُغْلِقُوا أَبْوَابَهُمْ فِي الْمَوْسِمِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ وَإِجَارَتُهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ -وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ -يَجُوزُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (الحَجِّ: ٤٠) ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ" [[قطعة من حديث أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب: فتح مكة برقم (١٧٨٠) ٣ / ١٤٠٥ - ١٤٠٧.]] فَنَسَبَ الدَّارَ إِلَيْهِ نَسَبَ مِلْكٍ، وَاشْتَرَى عُمْرُ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا. وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ وَهُوَ الْمَيْلُ إِلَى الظُّلْمِ، الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ "بِإِلْحَادٍ" زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ٢٠) ، وَمَعْنَاهُ مَنْ يُرِدْ فِيهِ إِلْحَادًا بِظُلْمٍ، قَالَ الْأَعْشَى: "ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيَالِنَا أَرْمَاحُنَا"، أَيْ: رِزْقَ عِيَالِنَا. وَأَنْكَرَ الْمُبْرَدُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً وَقَالَ: مَعْنَى الْآيَةِ مَنْ تَكُنْ إِرَادَتُهُ فِيهِ بِأَنْ يُلْحِدَ بِظُلْمٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْإِلْحَادِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ.

وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ حَتَّى شَتْمِ الْخَادِمِ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ دُخُولُ الْحَرَمِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، أَوِ ارْتِكَابُ شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَرَمِ، مِنْ قَتْلِ صَيْدٍ، أَوْ قَطْعِ شَجَرٍ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ تَقْتُلَ فِيهِ مَنْ لَا يَقْتُلُكَ، أَوْ تَظْلِمَ فِيهِ مَنْ لَا يَظْلِمُكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الضَّحَّاكِ.

وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ.

وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: وَهُوَ احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ، أَوْ بِبَلَدٍ آخَرَ أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِلَّا أَنْ يَتُوبَ.

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فُسْطَاطَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْحِلِّ وَالْآخَرُ فِي الْحَرَمِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَاتِبَ أَهْلَهُ عَاتَبَهُمْ فِي الْآخَرِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ مِنَ الْإِلْحَادِ فِيهِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ كَلَّا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ [[ذكر هذه الأقوال الطبري: ١٧ / ١٣٨ - ١٤٢، ثم قال: وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب: القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس من أنه معنى بالظلم في هذا الموضع، كل معصية لله، وذلك أن الله عم بقوله: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) ، ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خير ولا عقل، فهو على عمومه.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ [وَسُبْحَانَ اللَّهِ] [[زيادة من "ب".]] . وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيِ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ". (الزُّمَرُ:٧٤) ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، "وَالْحَمِيدُ" هُوَ اللَّهُ الْمَحْمُودُ فِي أَفْعَالِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطَفَ الْمُسْتَقْبَلَ عَلَى الْمَاضِي، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ الْمَاضِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النِسَاءُ: ١٦٧) ، مَعْنَاهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْحَالِ، أَيْ: وَهُمْ يَصُدُّونَ.

﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أَيْ: وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ قِبْلَةً لِصَلَاتِهِمْ وَمَنْسَكًا وَمُتَعَبَّدًا كَمَا قَالَ: ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (آلِ عِمْرَانَ: ٩٦) .

﴿سَوَاءً﴾ قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبُ: "سَوَاءً" نَصْبًا بِإِيقَاعِ الْجَعْلِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْجَعْلَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مُسْتَوِيًا فِيهِ، ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرٌ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ " لِلنَّاسِ " وَأَرَادَ بِالْعَاكِفِ: الْمُقِيمَ فِيهِ، وَبِالْبَادِي: الطَّارِئَ الْمُنْتَابَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: "سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ" أَيْ: فِي تَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ وَقَضَاءِ النُّسُكِ فِيهِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالُوا: الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْسُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَمَعْنَى التَّسْوِيَةِ: هُوَ التَّسْوِيَةُ فِي تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَمَعْنَى التَّسْوِيَةِ: أَنَّ الْمُقِيمَ وَالْبَادِيَ سَوَاءٌ فِي النُّزُولِ بِهِ، لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَحَقَّ بالمَنْزِلِ يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْآخَرِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يزعج فيه أحد إِذَا كَانَ قَدْ سَبَقَ إِلَى مَنْزِلٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ، قَالُوا: هُمَا سَوَاءٌ فِي [الْبُيُوتِ] [[في "ب" السوق".]] وَالْمَنَازِلِ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ: كَانَ الْحُجَّاجُ إِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِأَحَقَّ بِمَنْزِلِهِ مِنْهُمْ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْهَى النَّاسَ أَنْ يُغْلِقُوا أَبْوَابَهُمْ فِي الْمَوْسِمِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ وَإِجَارَتُهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ -وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ -يَجُوزُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (الحَجِّ: ٤٠) ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ" [[قطعة من حديث أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب: فتح مكة برقم (١٧٨٠) ٣ / ١٤٠٥ - ١٤٠٧.]] فَنَسَبَ الدَّارَ إِلَيْهِ نَسَبَ مِلْكٍ، وَاشْتَرَى عُمْرُ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا. وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ وَهُوَ الْمَيْلُ إِلَى الظُّلْمِ، الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ "بِإِلْحَادٍ" زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ٢٠) ، وَمَعْنَاهُ مَنْ يُرِدْ فِيهِ إِلْحَادًا بِظُلْمٍ، قَالَ الْأَعْشَى: "ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيَالِنَا أَرْمَاحُنَا"، أَيْ: رِزْقَ عِيَالِنَا. وَأَنْكَرَ الْمُبْرَدُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً وَقَالَ: مَعْنَى الْآيَةِ مَنْ تَكُنْ إِرَادَتُهُ فِيهِ بِأَنْ يُلْحِدَ بِظُلْمٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْإِلْحَادِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هُوَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ.

وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ حَتَّى شَتْمِ الْخَادِمِ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ دُخُولُ الْحَرَمِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، أَوِ ارْتِكَابُ شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَرَمِ، مِنْ قَتْلِ صَيْدٍ، أَوْ قَطْعِ شَجَرٍ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ تَقْتُلَ فِيهِ مَنْ لَا يَقْتُلُكَ، أَوْ تَظْلِمَ فِيهِ مَنْ لَا يَظْلِمُكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الضَّحَّاكِ.

وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ.

وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: وَهُوَ احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ، أَوْ بِبَلَدٍ آخَرَ أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِلَّا أَنْ يَتُوبَ.

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فُسْطَاطَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْحِلِّ وَالْآخَرُ فِي الْحَرَمِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَاتِبَ أَهْلَهُ عَاتَبَهُمْ فِي الْآخَرِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ مِنَ الْإِلْحَادِ فِيهِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ كَلَّا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ [[ذكر هذه الأقوال الطبري: ١٧ / ١٣٨ - ١٤٢، ثم قال: وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب: القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس من أنه معنى بالظلم في هذا الموضع، كل معصية لله، وذلك أن الله عم بقوله: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) ، ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خير ولا عقل، فهو على عمومه.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ أَيْ: وَطَّأْنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلْنَا. وَقِيلَ: بَيَّنَّا قَالَ الزَّجَّاجُ: جَعَلْنَا مَكَانَ الْبَيْتِ [مُبَوَّءًا لِإِبْرَاهِيمَ.

وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هَيَّأْنَا. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مَكَانَ الْبَيْتِ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] لِأَنَّ الْكَعْبَةَ رُفِعَتْ إِلَى السَّمَاءِ زَمَانَ الطُّوفَانِ، ثُمَّ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ لَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَبْنِي فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا خَجُوجًا فَكَنَسَتْ لَهُ مَا حَوْلَ الْبَيْتِ عَلَى الْأَسَاسِ [[انظر الطبري: ١٧ / ١٤٣.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً بِقَدْرِ الْبَيْتِ فَقَامَتْ بِحِيَالِ الْبَيْتِ وَفِيهَا رَأْسٌ يَتَكَلَّمُ يَا إِبْرَاهِيمُ ابْنِ عَلَى قَدْرِي فَبَنَى عَلَيْهِ [[انظر الدر المنثور: ٦ / ٣٠.]] . قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أَيْ: عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَقُلْنَا لَهُ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أَيِ: الْمُقِيمِينَ، ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أَيِ: الْمُصَلِّينَ.

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ أَيْ: أَعْلِمْ وَنَادِ فِي النَّاسِ، ﴿بِالْحَجِّ﴾ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ فَقَالَ: عَلَيْكَ الْأَذَانُ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْمَقَامِ فَارْتَفَعَ الْمَقَامُ حَتَّى صَارَ كَأَطْوَلِ الْجِبَالِ فَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ بَنَى بَيْتًا وَكَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ فَأَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَأَجَابَهُ كُلُّ مَنْ كَانَ يَحُجُّ مِنْ أَصْلَابِ الْآبَاءِ وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ [[انظر الطبري: ١٧ / ١٤٤.]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ فَهَمْ أَكْثَرُ النَّاسِ حَجًّا.

وَرُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَعِدَ أَبَا قُبَيْسٍ وَنَادَى [[عزاه السيوطي: ٦ / ٣٥ لابن أبي حاتم عن ابن عباس.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِيَ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَهْلَ الْقِبْلَةِ، وَزَعَمَ الْحَسَنُ أَنَّ قَوْلَهُ: "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ" كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهَذَا التَّأْذِينِ مُحَمَّدٌ ﷺ أُمِرَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ.

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا" [[اخرجه مسلم في الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر برقم: (١٣٣٧) ٢ / ٩٧٥ والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٣.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِهِمْ جَمْعُ رَاجِلٍ، مِثْلُ قَائِمٍ وَقِيَامٍ وَصَائِمٍ وَصِيَامٍ، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أَيْ: رُكْبَانًا عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ، وَالضَّامِرُ: الْبَعِيرُ الْمَهْزُولُ.

﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ بَعِيدٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَ "يَأْتِينَ" لِمَكَانِ كُلٍّ وَإِرَادَةِ النُّوقِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ أَيْ: وَطَّأْنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلْنَا. وَقِيلَ: بَيَّنَّا قَالَ الزَّجَّاجُ: جَعَلْنَا مَكَانَ الْبَيْتِ [مُبَوَّءًا لِإِبْرَاهِيمَ.

وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هَيَّأْنَا. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا مَكَانَ الْبَيْتِ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] لِأَنَّ الْكَعْبَةَ رُفِعَتْ إِلَى السَّمَاءِ زَمَانَ الطُّوفَانِ، ثُمَّ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ لَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَبْنِي فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا خَجُوجًا فَكَنَسَتْ لَهُ مَا حَوْلَ الْبَيْتِ عَلَى الْأَسَاسِ [[انظر الطبري: ١٧ / ١٤٣.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً بِقَدْرِ الْبَيْتِ فَقَامَتْ بِحِيَالِ الْبَيْتِ وَفِيهَا رَأْسٌ يَتَكَلَّمُ يَا إِبْرَاهِيمُ ابْنِ عَلَى قَدْرِي فَبَنَى عَلَيْهِ [[انظر الدر المنثور: ٦ / ٣٠.]] . قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أَيْ: عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَقُلْنَا لَهُ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أَيِ: الْمُقِيمِينَ، ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أَيِ: الْمُصَلِّينَ.

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ أَيْ: أَعْلِمْ وَنَادِ فِي النَّاسِ، ﴿بِالْحَجِّ﴾ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ فَقَالَ: عَلَيْكَ الْأَذَانُ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْمَقَامِ فَارْتَفَعَ الْمَقَامُ حَتَّى صَارَ كَأَطْوَلِ الْجِبَالِ فَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ بَنَى بَيْتًا وَكَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ فَأَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَأَجَابَهُ كُلُّ مَنْ كَانَ يَحُجُّ مِنْ أَصْلَابِ الْآبَاءِ وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ [[انظر الطبري: ١٧ / ١٤٤.]] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ فَهَمْ أَكْثَرُ النَّاسِ حَجًّا.

وَرُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَعِدَ أَبَا قُبَيْسٍ وَنَادَى [[عزاه السيوطي: ٦ / ٣٥ لابن أبي حاتم عن ابن عباس.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِيَ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَهْلَ الْقِبْلَةِ، وَزَعَمَ الْحَسَنُ أَنَّ قَوْلَهُ: "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ" كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهَذَا التَّأْذِينِ مُحَمَّدٌ ﷺ أُمِرَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ.

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا" [[اخرجه مسلم في الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر برقم: (١٣٣٧) ٢ / ٩٧٥ والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٣.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِهِمْ جَمْعُ رَاجِلٍ، مِثْلُ قَائِمٍ وَقِيَامٍ وَصَائِمٍ وَصِيَامٍ، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أَيْ: رُكْبَانًا عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ، وَالضَّامِرُ: الْبَعِيرُ الْمَهْزُولُ.

﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ بَعِيدٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَ "يَأْتِينَ" لِمَكَانِ كُلٍّ وَإِرَادَةِ النُّوقِ.

﴿لِيَشْهَدُوا﴾ لِيَحْضُرُوا، ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال سعيد بن المسيب، ومحمد بن علي الباقر: العفو والمغفرة. وقال سعيد بن جبير: التجارة، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْأَسْوَاقُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: التِّجَارَةُ وَمَا يَرْضَى اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [[ذكر هذه الأقوال الطبري: ١٧ / ١٤٦ - ١٤٧ ثم قال مرجحا: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عني بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أن الله عم لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم، ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصص من ذلك شيء من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت.]] .

﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ يَعْنِي عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. قِيلَ لَهَا "مَعْلُومَاتٍ" لِلْحِرْصِ عَلَى عِلْمِهَا بِحِسَابِهَا مِنْ أَجْلِ وَقْتِ الْحَجِّ فِي آخِرِهَا. وَيُرْوَى عن علي ٢٦/أرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهَا يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا يَوْمُ عَرَفَةَ وَالنَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ [[سبق تخريج هذه الأقوال في المجلد الأول صفحة (٢٣٤) هامش (١) .]] .

﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ يَعْنِي: الْهَدَايَا، وَالضَّحَايَا، تَكُونُ مِنَ النَّعَمِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ.

وَاخْتَارَ الزَّجَّاجُ أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ: يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، لِأَنَّ الذِّكْرَ عَلَى بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ يَدُلُّ عَلَى التَّسْمِيَةِ عَلَى نَحْرِهَا، وَنَحْرُ الْهَدَايَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ.

﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أَمْرُ إِبَاحَةٍ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ مِنْ لُحُومِ هَدَايَاهُمْ شَيْئًا، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ إِذَا كَانَ تَطَوُّعًا يَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ أُضْحِيَّةُ التَّطَوُّعِ لِمَا:

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرْقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الكُشْمِيهَنِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فِي قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: وَقَدِمَ عَلِيٌّ بِبَدَنٍ مِنَ الْيَمَنِ وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةٍ فَنَحَرَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ وَنَحَرَ عَلِيٌّ مَا بَقِيَ، ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُؤْخَذَ بِضْعَةٌ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ فَتُجْعَلَ فِي قِدْرٍ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَحَسِيَا مِنْ مَرَقِهَا [[قطعة من حديث جابر، أخرجه مسلم برقم (١٢١٨) : ٢ / ٨٩٣، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ١٥٠.]] .

وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا؟ مِثْلَ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالدَّمِ الْوَاجِبِ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ وَفَوَاتِهِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ؟

فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَكَذَلِكَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَأْكُلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَمِنْ كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ فِدْيَةِ الْأَذَى وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْمَنْذُورِ، وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ يَأْكُلُ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْ وَاجِبٍ سِوَاهُمَا.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ يَعْنِي: الزَّمِنَ الْفَقِيرَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ وَ"الْبَائِسُ" الَّذِي اشْتَدَّ بُؤْسُهُ، وَالْبُؤْسُ شِدَّةُ الْفَقْرِ.

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ التَّفَثُ: الْوَسَخُ وَالْقَذَارَةُ مِنْ طُولِ الشَّعَرِ وَالْأَظَافِرِ وَالشَّعَثِ، تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ تَسْتَقْذِرُهُ: مَا أتْفَثَكَ: أَيْ: مَا أَوَسَخَكَ. وَالْحَاجُّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، لَمْ يَحْلِقْ شَعْرَهُ وَلَمْ يُقَلِّمْ ظُفْرَهُ، فَقَضَاءُ التَّفَثِ: إِزَالَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ، أَيْ: لِيُزِيلُوا أَدْرَانَهُمْ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ، وَالِاسْتِحْدَادِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، وَلُبْسِ الثِّيَابِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: "قَضَاءُ التَّفَثِ": مَنَاسِكُ الْحَجِّ كُلُّهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَأَخْذُ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَقَلْمُ الْأَظْفَارِ. وَقِيلَ: التَّفَثُ هَاهُنَا رَمْيُ الْجِمَارِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا نَعْرِفُ التَّفَثَ وَمَعْنَاهُ إِلَّا مِنَ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ نَذْرَ الْحَجِّ وَالْهَدْيِ وَمَا يُنْذِرُ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْحَجِّ أَيْ: لِيُتِمُّوهَا بِقَضَائِهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْخُرُوجَ. عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ نَذَرَ أَوْ لَمْ يَنْذِرْ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَفَّى بِنَذْرِهِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ "وَلِيُوَفُّوا" بِنَصْبِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ.

﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أَرَادَ بِهِ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ.

وَالطَّوَافُ ثَلَاثَةُ: طَوَافُ الْقُدُومِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا يَرْمُلُ ثَلَاثًا مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ وَيَمْشِي أَرْبَعًا، وَهَذَا الطَّوَافُ سُنَّةٌ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ هُوَ أَبُو عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمْرُ مَثَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ [[أخرجه البخاري في الحج، باب: الطواف على وضوء: ٣ / ٤٩٦، ومسلم في الحج، باب: ما يلزم من طاف بالبيت وسعى برقم: (١٢٣٥) ٢ / ٩٠٦ - ٩٠٧، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ١٠١ - ١٠٢.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَيَمْشِي أَرْبَعًا، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا [[أخرجه البخاري في الحج، باب: من طاف بالبيت إذا قدم مكة: ٣ / ٤٧٧ ومسلم في الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة برقم: (١٢٦١) ٢ / ٩٢٠، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ١٠٤ والشافعي في المسند: ١ / ٣٤٧.]] .

وَالطَّوَافُ الثَّانِي: هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ، وَهُوَ وَاجِبٌ لَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنَ الْإِحْرَامِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْأُسُودِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ فَقَالَتْ: مَا أَرَانِي إِلَّا حَابِسَتُكُمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "عَقْرَى حَلْقَى أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْفِرِي" [[أخرجه البخاري في الحج، باب: الإدلاج من المحصب: ٣ / ٥٩٥، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٢٣٤.]] فَثَبْتَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ يَوْمَ النَّحْرِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ.

وَالطَّوَافُ الثَّالِثُ: هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ لَا رُخْصَةَ فِيهِ لِمَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مَكَّةَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَنْ يُفَارِقَهَا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، فَمَنْ تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ إِلَّا الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ يَجُوزُ لَهَا تَرْكُ طَوَافِ الْوَدَاعِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ أحمد الخلال، ٢٦/ب أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَنَّهُ رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ الْحَائِضِ [[أخرجه البخاري في الحج، باب: طواف الوداع ٣ / ٥٨٥، ومسلم في الحج، باب: وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض برقم (١٣٢٨) ، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٢٣٢. والشافعي في المسند: ١ / ٣٦٤.]] .

وَالرَّمَلُ مُخْتَصٌّ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَلَا رَمَلَ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ.

قَوْلُهُ: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى "الْعَتِيقِ": قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ أَنْ يَصِلُوا إِلَى تَخْرِيبِهِ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبَّارٌ قَطُّ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ قَطُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ: سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ وَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، يُقَالُ: دِينَارٌ عَتِيقٌ أيْ قَدِيمٌ، وَقِيلَ: سَمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنَ الْغَرَقِ، فَإِنَّهُ رُفِعَ أَيَّامَ الطُّوفَانِ [[ذكر هذه الأقوال الطبري: ١٧ / ١٥١ - ١٥٢ ثم قال: ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في قوله: (البيت العتيق) وجه صحيح، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر، غير أن الذي روي عن ابن الزبير أولى بالصحة، إن كان ما حدثني به محمد بن سهل البخاري - قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: أخبرني الليث، عن عبد الرحمن ابن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال: رسول الله ﷺ: "إنما سمي البيت العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه قط - صحيحا".]] .

﴿ذَلِكَ﴾ أَيِ: الْأَمْرُ ذَلِكَ، يَعْنِي مَا ذُكِرَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أَيْ مَعَاصِي اللَّهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ، وَتَعْظِيمُهَا تَرْكُ مُلَابَسَتِهَا. قَالَ اللَّيْثُ: حُرُمَاتُ اللَّهِ مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْحُرْمَةُ مَا وَجَبَ الْقِيَامُ بِهِ وَحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَعْنَى الْحُرُمَاتِ هَاهُنَا: الْمَنَاسِكُ، بِدَلَالَةِ مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْحُرُمَاتُ هَاهُنَا: الْبَيْتُ الْحَرَامُ، وَالْبَلَدُ الْحَرَامُ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَالْإِحْرَامُ [[انظر الطبري: ١٧ / ١٥٣.]] .

﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أَيْ: تَعْظِيمُ الْحُرُمَاتِ، خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ أَنْ تَأْكُلُوهَا إِذَا ذَبَحْتُمُوهَا وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تَحْرِيمُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (المَائِدَةِ: ٣) ، الْآيَةَ، ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ أَيْ: عِبَادَتَهَا، يَقُولُ: كُونُوا عَلَى جَانِبٍ مِنْهَا فَإِنَّهَا رِجْسٌ، أَيْ: سَبَبُ الرِّجْسِ، وَهُوَ الْعَذَابُ، وَالرِّجْسُ: بِمَعْنَى الرِّجْزِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: ﴿مِنْ﴾ هَاهُنَا لِلتَّجْنِيسِ أَيْ: اجْتَنِبُوا الْأَوْثَانَ الَّتِي هِيَ رِجْسٌ، ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ يَعْنِي: الْكَذِبَ وَالْبُهْتَانَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: شَهَادَةُ الزُّورِ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ"، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ [[أخرجه أبو داود في الأقضية، باب في شهادة الزور: ٥ / ٢١٧، والترمذي في الشهادات ٦ / ٥٨٥، وقال: (هذا حديث إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد - يعني حديث خريم بن فاتك - وقد اختلفوا في رواية هذا الحديث عن سفيان بن زياد ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعا من النبي ﷺ) . وابن ماجه في الأحكام، باب: شهادة الزور رقم (٢٣٧٢) ، ٢ / ٧٩٤، والإمام أحمد: ٤ / ١٧٨.]] . وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ.

Source. Tafseer Al-Baghawi, Baghawy — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/27. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com