Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi
Surah At-Tawba
Tafseer Al-Baghawi · The Repentance · 129 ayat · ayat 31–60 · Quran text →
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ أَيْ: عُلَمَاءَهُمْ وَقُرَّاءَهُمْ، وَالْأَحْبَارُ: الْعُلَمَاءُ، وَاحِدُهَا حِبْرٌ، وَحَبْرٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا، وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوا الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَاسْتَحَلُّوا مَا أَحَلُّوا وَحَرَّمُوا مَا حَرَّمُوا، فَاتَّخَذُوهُمْ كَالْأَرْبَابِ. رُوِيَ عَنْ عُدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لِي: "يَا عُدَيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ"، فَطَرَحْتُهُ ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، قُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ"؟ قَالَ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ" [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٤ / ٢١٠. ورواه مختصرا الترمذي في تفسير سورة براءة: ٨ / ٤٩٢-٤٩٤، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. وعزاه السيوطي أيضا: لابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي. انظر: الدر المنثور: ٤ / ١٧٤، الكافي الشاف ص (٧٥) ، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص (٤٣٧) .]] .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: وَهَلْ بَدَّلَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ ... وَأَحْبَارُ سَوْءٍ وَرُهْبَانُهَا
﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أَيِ: اتَّخَذُوهُ إِلَهًا، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أَيْ: يُبْطِلُوا دِينَ اللَّهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: النُّورُ الْقُرْآنُ، أَيْ: يُرِيدُونَ أَنْ يَرُدُّوا الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَكْذِيبًا، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أَيْ: يُعْلِيَ دِينَهُ وَيُظْهِرَ كَلِمَتَهُ وَيُتِمَّ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: الَّذِي يَأْبَى إِلَّا إِتْمَامَ دِينِهِ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿بِالْهُدَى﴾ قِيلَ: بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: بِبَيَانِ الْفَرَائِضِ، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾
لِيُعْلِيَهُ وَيَنَصُرَهُ، ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: لِيُعَلِّمَهُ شَرَائِعَ الدِّينِ كُلَّهَا فَيُظْهِرَهُ عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى دِينِ الْحَقِّ، وَظُهُورُهُ عَلَى الْأَدْيَانِ هُوَ أَنْ لَا يُدَانَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا بِهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالضَّحَّاكُ: وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى بن مَرْيَمَ لَا يَبْقَى أَهْلُ دِينٍ إِلَّا دَخَلَ في الإسلام. ١٥٦ / ب وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: "وَيَهْلَكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ" [[قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٢ / ٤٣٧. وقال الحافظ ابن حجر: رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مرفوعا.]] وَرَوَى الْمِقْدَادُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ إِمَّا بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ" [[أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٦ / ٤. وذكره الهيثمي من رواية المقداد وتميم الداري وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح. مجمع الزوائد: ٦ / ١٤. هذا، وفي نسخة "أ" جاء في الرواية: "يعز عزيزا ويذل ذليلا".]] إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهِ، فَيَعِزُّ بِهِ، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ سُلَيْمَانَ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَجِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى"، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ". ثُمَّ قَالَ: "يَكُونُ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَقْبِضُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، ثُمَّ يَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ" [[أخرجه مسلم في الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة برقم (٢٩٠٧) : ٤ / ٢٢٣٠ والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٩١-٩٢.]] .
قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: مَعْنَى الْآيَةِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ بِالْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ.
وَقِيلَ: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ الَّتِي حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَغْلِبَهُمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا بِأَنْ أَبَانَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ الْحُقُّ، وَمَا خَالَفَهُ مِنَ الْأَدْيَانِ بَاطِلٌ، وَقَالَ: وَأَظْهَرُهُ بِأَنَّ جِمَاعَ الشِّرْكِ دِينَانِ: دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَدِينُ أُمِّيِّينَ فَقَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأُمِّيِّينَ حَتَّى دَانُوا بِالْإِسْلَامِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَقَتَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَسَبَى، حَتَّى دَانَ بَعْضُهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَأَعْطَى بَعْضُهُمُ الْجِزْيَةَ صَاغِرِينَ، وَجَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، فَهَذَا ظُهُورُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أَيْ: يُبْطِلُوا دِينَ اللَّهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: النُّورُ الْقُرْآنُ، أَيْ: يُرِيدُونَ أَنْ يَرُدُّوا الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَكْذِيبًا، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أَيْ: يُعْلِيَ دِينَهُ وَيُظْهِرَ كَلِمَتَهُ وَيُتِمَّ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: الَّذِي يَأْبَى إِلَّا إِتْمَامَ دِينِهِ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿بِالْهُدَى﴾ قِيلَ: بِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ: بِبَيَانِ الْفَرَائِضِ، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾
لِيُعْلِيَهُ وَيَنَصُرَهُ، ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَاءُ عَائِدَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: لِيُعَلِّمَهُ شَرَائِعَ الدِّينِ كُلَّهَا فَيُظْهِرَهُ عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى دِينِ الْحَقِّ، وَظُهُورُهُ عَلَى الْأَدْيَانِ هُوَ أَنْ لَا يُدَانَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا بِهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالضَّحَّاكُ: وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى بن مَرْيَمَ لَا يَبْقَى أَهْلُ دِينٍ إِلَّا دَخَلَ في الإسلام. ١٥٦ / ب وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: "وَيَهْلَكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ" [[قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٢ / ٤٣٧. وقال الحافظ ابن حجر: رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مرفوعا.]] وَرَوَى الْمِقْدَادُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ إِمَّا بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ" [[أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٦ / ٤. وذكره الهيثمي من رواية المقداد وتميم الداري وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح. مجمع الزوائد: ٦ / ١٤. هذا، وفي نسخة "أ" جاء في الرواية: "يعز عزيزا ويذل ذليلا".]] إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهِ، فَيَعِزُّ بِهِ، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ سُلَيْمَانَ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَجِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى"، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ". ثُمَّ قَالَ: "يَكُونُ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَقْبِضُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، ثُمَّ يَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ" [[أخرجه مسلم في الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة برقم (٢٩٠٧) : ٤ / ٢٢٣٠ والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٩١-٩٢.]] .
قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: مَعْنَى الْآيَةِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ بِالْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ.
وَقِيلَ: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ الَّتِي حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَغْلِبَهُمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا بِأَنْ أَبَانَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ الْحُقُّ، وَمَا خَالَفَهُ مِنَ الْأَدْيَانِ بَاطِلٌ، وَقَالَ: وَأَظْهَرُهُ بِأَنَّ جِمَاعَ الشِّرْكِ دِينَانِ: دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَدِينُ أُمِّيِّينَ فَقَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأُمِّيِّينَ حَتَّى دَانُوا بِالْإِسْلَامِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَقَتَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَسَبَى، حَتَّى دَانَ بَعْضُهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَأَعْطَى بَعْضُهُمُ الْجِزْيَةَ صَاغِرِينَ، وَجَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، فَهَذَا ظُهُورُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ يَعْنِي، الْعُلَمَاءَ وَالْقُرَّاءَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [يُرِيدُ: لَيَأْخُذُونَ] [[في "أ": (يريدون يأخذون) .]] الرِّشَا فِي أَحْكَامِهِمْ، وَيُحَرِّفُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَكْتُبُونَ بِأَيْدِيهِمْ كُتُبًا يَقُولُونَ: هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَأْخُذُونَ بِهَا ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ سَفَلَتِهِمْ، وَهِيَ الْمَآكِلُ الَّتِي يُصِيبُونَهَا مِنْهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ، يَخَافُونَ لَوْ صَدَّقُوهُمْ لَذَهَبَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْمَآكِلُ، ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ وَيَصْرِفُونَ النَّاسَ، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُلُّ مَالٍ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا. وَكُلُّ مَالٍ لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُونًا. وَمِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ أَبَا صَالِحِ بْنَ ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرُدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَلَا صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" [[أخرجه مسلم في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة -برقم (٩٨٧) : ٢ / ٦٨٠-٦٨١، والمصنف في شرح السنة: ٥ / ٤٨٠.]] .
وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَعْنِي: شِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ الْآيَةَ [[أخرجه البخاري في الزكاة: باب إثم مانع الزكاة: ٣ / ٢٦٨، والمصنف في شرح السنة: ٥ / ٤٧٨.]] .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَالٍ زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ كَنْزٌ أَدَّيْتَ مِنْهُ الزَّكَاةَ أَوْ لَمْ تُؤَدِّ، وَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ [[أخرجه الطبري في التفسير: ١٤ / ٢١٩-٢٢٠.]] .
وَقِيلَ: مَا فَضُلَ عَنِ الْحَاجَةِ فَهُوَ كَنْزٌ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"، قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمَنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ" [[أخرجه البخاري في الأيمان -باب كيف كان يمين النبي ﷺ: ١١ / ٥٢٤، ومسلم في الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة- برقم (٩٩٠) : ٢ / ٦٨٦.]]
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ تَرَكَ بَيْضَاءَ، أَوْ حَمْرَاءَ، كُوِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [[أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٥ / ١٦٨، والطبري: ١٤ / ٢٢٠. وعزاه ابن حجر أيضا للبخاري في التاريخ - وابن مردويه من طريق عبد الله بن عبد الواحد الثقفي عن أبي النجيب الشامي عن أبي ذر، وعن ثوبان أخرجه ابن مردويه والطبراني في مسند الشاميين بلفظ أخر. انظر: الكافي الشاف ص (٧٥-٧٦) .]] .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "كَيَّةٌ"، ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارَانِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَيَّتَانِ" [[أخرجه الإمام أحمد: ١ / ١٠١. قال ابن حجر: رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني والطبري - من طريق شهر بن حوشب.. ورواه ابن حبان من حديث ابن مسعود بالشطر الثاني. انظر: الكافي الشاف ص (٧٦) .]] .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ لَا فِي جَمْعِ الْمَالِ الْحَلَالِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ" [[أخرجه الإمام أحمد: ٤ / ١٩٧، ٢٠٢، والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٩١.]] .
وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَدَعَ لِوَلَدِهِ شَيْئًا، فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب حقوق المال: ٢ / ٢٥٠، وصححه الحاكم: ٢ / ٣٣٣، والبيهقي: ٤ / ٨٣، وذكره المصنف في المصابيح: ٢ / ١٠. وذكره الهيثمي في المجمع: ٧ / ٣٠ وقال: رواه أبو يعلى وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف. وانظر: الدر المنثور: ٤ / ١٧٨.]] .
وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا أُبَالِي لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أعلم عدده ١٥٧/أأُزَكِّيهِ وَأَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: وَلَا يُنْفِقُونَهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ جَمِيعًا. قِيلَ: أَرَادَ الْكُنُوزَ وَأَعْيَانَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَقِيلَ: رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْفِضَّةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ "الْبَقَرَةِ -٤٥"، رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى التِّجَارَةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ، ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أَيْ: أَنْذِرْهُمْ.
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أَيْ: تُدْخَلُ النَّارُ فَيُوقَدُ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْكُنُوزِ، ﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾ فَتُحْرَقُ بِهَا، ﴿جِبَاهُهُمْ﴾ أَيْ: جِبَاهُ كَانِزِيهَا، ﴿وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُوضَعُ دِينَارٌ عَلَى دِينَارٍ وَلَا دِرْهَمٌ عَلَى دِرْهَمٍ، وَلَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدُهُ حَتَّى يُوضَعَ كُلُّ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ فِي مَوْضِعٍ عَلَى حِدَةٍ.
وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: لِمَ خَصَّ الْجِبَاهَ وَالْجَنُوبَ وَالظُّهُورَ بِالْكَيِّ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْغَنِيَّ صَاحِبَ الْكَنْزِ إِذَا رَأَى الْفَقِيرَ قَبَضَ وَجْهَهُ، وَزَوَى مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ بِكَشْحِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ: هَذَا مَا كَنَزْتُمْ، ﴿لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أَيْ: تَمْنَعُونَ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَمْوَالِكُمْ. وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: هِيَ عَامَّةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أَيْ: عَدَدَ الشُّهُورِ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وَهِيَ الْمُحَرَّمُ وَصَفْرٌ وَرَبِيعٌ الْأَوَّلُ وَشَهْرُ رَبِيعٍ الثَّانِي وَجُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الْآخِرَةُ وَرَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ وَشَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ. وَقِيلَ: فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: اثْنَا عَشْرَ، وَتِسْعَةَ عَشْرَ، وَأَحَدَ عَشْرَ، بِسُكُونِ الشِّينِ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِفَتْحِهَا، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ: الشُّهُورُ الْهِلَالِيَّةُ، وَهِيَ الشُّهُورُ الَّتِي يَعْتَدُّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ فِي صِيَامِهِمْ وَحَجِّهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ وَسَائِرِ أُمُورِهِمْ، وَبِالشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ تكون السنة ثلاث مائة وَخَمْسَةً وَسِتِّينَ يَوْمًا وَرُبْعَ يَوْمٍ، وَالْهِلَالِيَّةُ تنقص عن ثلاث مائة وَسِتِّينَ يَوْمًا بِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ. وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ مِنَ الشُّهُورِ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وَهِيَ: رَجَبٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَاحِدٌ فَرْدٌ وَثَلَاثَةٌ سَرْدٌ، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أَيِ: الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ.
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قِيلَ: قَوْلُهُ "فِيهِنَّ" يَنْصَرِفُ إِلَى جَمِيعِ شُهُورِ السَّنَةِ، أَيْ: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بِفِعْلِ الْمَعَاصِي وَتَرْكِ الطَّاعَةِ. وَقِيلَ: "فِيهِنَّ" أَيْ: فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. قَالَ قَتَادَةُ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَعْظَمُ أَجْرًا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَالظُّلْمُ فِيهِنَّ أَعْظَمُ مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهُنَّ، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ يُرِيدُ اسْتِحْلَالَ الْحَرَامِ وَالْغَارَةَ فِيهِنَّ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: لَا تَجْعَلُوا حَلَالَهَا حَرَامًا، وَلَا حَرَامَهَا حَلَالًا كَفِعْلِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَهُوَ النَّسِيءُ.
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ جَمِيعًا عَامَّةً، ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ كَبِيرًا ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ كَأَنَّهُ يَقُولُ فِيهِنَّ وَفِي غَيْرِهِنَّ. وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَزَا هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ، وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ، وَحَاصَرَهُمْ فِي شَوَّالٍ وَبَعْضِ ذِي الْقِعْدَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَلَفَ بِاللَّهِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الْحَرَمِ، وَلَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، إِلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا فِيهَا وَمَا نُسِخَتْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ كَالسَّعِيرِ وَالْحَرِيقِ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ كَالْجَرِيحِ وَالْقَتِيلِ، وَهُوَ مِنَ التَّأْخِيرِ. وَمِنْهُ النَّسِيئَةُ فِي الْبَيْعِ، يُقَالُ: أَنْسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِهِ أَيْ أَخَّرَ، وَهُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ، وَقَرَأَ وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَقَدْ قِيلَ: أَصْلُهُ الْهَمْزَةُ فَخُفِّفَ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النِّسْيَانِ عَلَى مَعْنَى الْمَنْسِيِّ أَيِ: الْمَتْرُوكِ. وَمَعْنَى النَّسِيءِ: هُوَ تَأْخِيرُ تَحْرِيمِ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَمَسَّكَتْ بِهِ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَتْ عَامَّةُ مَعَايِشِهِمْ مِنَ الصَّيْدِ وَالْغَارَةِ، فَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عَلَى التَّوَالِي، وَرُبَّمَا وَقَعَتْ لَهُمْ حَرْبٌ فِي بَعْضِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَيَكْرَهُونَ تأخير حربهم، فنسؤوا أَيْ: أَخَّرُوا تَحْرِيمَ ذَلِكَ الشَّهْرِ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ، وَكَانُوا يُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ، فَيُحَرِّمُونَ صَفَرَ وَيَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ، فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى تَأْخِيرِ تَحْرِيمِ صَفَرَ أَخَّرُوهُ إِلَى رَبِيعٍ، هَكَذَا شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ، حَتَّى اسْتَدَارَ التَّحْرِيمُ عَلَى السَّنَةِ كُلِّهَا. فَقَامَ الْإِسْلَامُ وَقَدْ رَجَعَ الْمُحَرَّمُ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ.
كَمَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْرَيْنَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يوم خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ". وَقَالَ: "أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ الْبَلَدُ الْحَرَامُ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوَعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ" [[أخرجه البخاري في الأضاحي - باب من قال: الأضحى يوم النحر: ١٠ / ٧-٨، ومسلم في القيامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض، برقم (١٦٧٩) : ٣ / ١٣٠٥، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٢١٥-٢١٦.]] ؟
قَالُوا: وَكَانَ قَدِ اسْتَمَرَّ النَّسِيءُ بِهِمْ، فَكَانُوا رُبَّمَا يَحُجُّونَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ في شهر ١٥٧/ب وَيَحُجُّونَ مَنْ قَابَلٍ فِي شَهْرٍ آخَرَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ، فَحَجُّوا فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرَ عَامَيْنِ، وَكَذَلِكَ فِي الشُّهُورِ، فَوَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَوَافَقَ حَجُّهُ شَهْرَ الْحَجِّ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ ذُو الْحِجَّةِ، فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ التَّاسِعِ، وَخَطْبَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ بِمِنًى، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَشْهُرَ النَّسِيءِ قَدْ تَنَاسَخَتْ بِاسْتِدَارَةِ الزَّمَانِ، وَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى مَا وَضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَ الْأَشْهُرِ يَوْمَ خَلْقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَبَدَّلَ فِي مُسْتَأْنَفِ الْأَيَّامِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ مَنْ نَسَأَ النَّسِيءَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: أَوَّلُ مَنْ نَسَأَ النَّسِيءَ بَنُو مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً: أَبُو ثُمَامَةَ جُنَادُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أُمَيَّةَ الْكِنَانِيُّ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِيَ كِنَانَةَ يُقَالُ: لَهُ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبةَ، وَكَانَ يَكُونُ أَمِيرًا عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْسِمِ، فَإِذَا هَمَّ النَّاسُ بِالصَّدَرِ، قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لَا مَرَدَّ لِمَا قَضَيْتُ، أَنَا الَّذِي لَا أُعَابُ وَلَا أُجَابُ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَبَّيْكَ، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُنْسِأَهُمْ شَهْرًا يُغِيرُونَ فِيهِ، فيقول: فإن صفرًا الْعَامَ حَرَامٌ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ حَلُّوا الْأَوْتَارَ، وَنَزَعُوا الْأَسِنَّةَ وَالْأَزِجَّةَ، وَإِنْ قَالَ حَلَالٌ عَقَدُوا الْأَوْتَارَ وَشَدُّوا الْأَزِجَّةَ، وَأَغَارُوا. وَكَانَ مِنْ بَعْدِ نُعَيْمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جَنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وَهُوَ الَّذِي أَدْرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ: الْقَلَمَّسُ، قَالَ شَاعِرُهُمْ: "وَفِينَا نَاسِئُ الشَّهْرِ الْقَلَمَّسُ"، وَكَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِلَّا فِي ذِي الْحِجَّةِ إِذَا اجْتَمَعَتِ الْعَرَبُ لِلْمَوْسِمِ.
وَقَالَ جُوَيْبِرُ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ النَّسِيءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِفٍ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِفٍ أَبَا بَنِي كَعْبٍ، وَهُوَ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ" [[سبق تخريجه في سورة المائدة ٣ / ١٠٨. وليس في الحديث ما يدل على أن عمرو بن لحي أول من سنَّ النسيء.]] .
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَنَا هُوَ النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ يُرِيدُ زِيَادَةَ كُفْرٍ عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: ﴿يُضَلُّ﴾ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ عَلَى مَعْنَى " يُضِلُّ " بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا النَّاسَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الضَّالُّونَ لِقَوْلِهِ: ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ يَعْنِي النَّسِيءَ ﴿عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا﴾ أَيْ: لِيُوَافِقُوا، وَالْمُوَاطَأَةُ: الْمُوَافَقَةُ، ﴿عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُحِلُّوا شَهْرًا مِنَ الْحَرَامِ إِلَّا حَرَّمُوا مَكَانَهُ شَهْرًا مِنَ الْحَلَالِ، وَلَمْ يُحَرِّمُوا شَهْرًا مِنَ الْحَلَالِ إِلَّا أَحَلُّوا مَكَانَهُ شَهْرًا مِنَ الْحَرَامِ، لِئَلَّا يَكُونَ الْحَرَامُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيَكُونُ مُوَافَقَةَ الْعَدَدِ، ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: زَيَّنَّ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أَيْ: عَدَدَ الشُّهُورِ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وَهِيَ الْمُحَرَّمُ وَصَفْرٌ وَرَبِيعٌ الْأَوَّلُ وَشَهْرُ رَبِيعٍ الثَّانِي وَجُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الْآخِرَةُ وَرَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ وَشَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ: فِي حُكْمِ اللَّهِ. وَقِيلَ: فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: اثْنَا عَشْرَ، وَتِسْعَةَ عَشْرَ، وَأَحَدَ عَشْرَ، بِسُكُونِ الشِّينِ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِفَتْحِهَا، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ: الشُّهُورُ الْهِلَالِيَّةُ، وَهِيَ الشُّهُورُ الَّتِي يَعْتَدُّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ فِي صِيَامِهِمْ وَحَجِّهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ وَسَائِرِ أُمُورِهِمْ، وَبِالشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ تكون السنة ثلاث مائة وَخَمْسَةً وَسِتِّينَ يَوْمًا وَرُبْعَ يَوْمٍ، وَالْهِلَالِيَّةُ تنقص عن ثلاث مائة وَسِتِّينَ يَوْمًا بِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ. وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ مِنَ الشُّهُورِ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وَهِيَ: رَجَبٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَاحِدٌ فَرْدٌ وَثَلَاثَةٌ سَرْدٌ، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أَيِ: الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ.
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قِيلَ: قَوْلُهُ "فِيهِنَّ" يَنْصَرِفُ إِلَى جَمِيعِ شُهُورِ السَّنَةِ، أَيْ: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بِفِعْلِ الْمَعَاصِي وَتَرْكِ الطَّاعَةِ. وَقِيلَ: "فِيهِنَّ" أَيْ: فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. قَالَ قَتَادَةُ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَعْظَمُ أَجْرًا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَالظُّلْمُ فِيهِنَّ أَعْظَمُ مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهُنَّ، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ يُرِيدُ اسْتِحْلَالَ الْحَرَامِ وَالْغَارَةَ فِيهِنَّ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: لَا تَجْعَلُوا حَلَالَهَا حَرَامًا، وَلَا حَرَامَهَا حَلَالًا كَفِعْلِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَهُوَ النَّسِيءُ.
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ جَمِيعًا عَامَّةً، ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ كَبِيرًا ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ كَأَنَّهُ يَقُولُ فِيهِنَّ وَفِي غَيْرِهِنَّ. وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَزَا هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ، وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ، وَحَاصَرَهُمْ فِي شَوَّالٍ وَبَعْضِ ذِي الْقِعْدَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَلَفَ بِاللَّهِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الْحَرَمِ، وَلَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، إِلَّا أَنْ يُقَاتَلُوا فِيهَا وَمَا نُسِخَتْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ كَالسَّعِيرِ وَالْحَرِيقِ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ كَالْجَرِيحِ وَالْقَتِيلِ، وَهُوَ مِنَ التَّأْخِيرِ. وَمِنْهُ النَّسِيئَةُ فِي الْبَيْعِ، يُقَالُ: أَنْسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِهِ أَيْ أَخَّرَ، وَهُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ، وَقَرَأَ وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَقَدْ قِيلَ: أَصْلُهُ الْهَمْزَةُ فَخُفِّفَ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النِّسْيَانِ عَلَى مَعْنَى الْمَنْسِيِّ أَيِ: الْمَتْرُوكِ. وَمَعْنَى النَّسِيءِ: هُوَ تَأْخِيرُ تَحْرِيمِ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَمَسَّكَتْ بِهِ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَتْ عَامَّةُ مَعَايِشِهِمْ مِنَ الصَّيْدِ وَالْغَارَةِ، فَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عَلَى التَّوَالِي، وَرُبَّمَا وَقَعَتْ لَهُمْ حَرْبٌ فِي بَعْضِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَيَكْرَهُونَ تأخير حربهم، فنسؤوا أَيْ: أَخَّرُوا تَحْرِيمَ ذَلِكَ الشَّهْرِ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ، وَكَانُوا يُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرَ، فَيُحَرِّمُونَ صَفَرَ وَيَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ، فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى تَأْخِيرِ تَحْرِيمِ صَفَرَ أَخَّرُوهُ إِلَى رَبِيعٍ، هَكَذَا شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ، حَتَّى اسْتَدَارَ التَّحْرِيمُ عَلَى السَّنَةِ كُلِّهَا. فَقَامَ الْإِسْلَامُ وَقَدْ رَجَعَ الْمُحَرَّمُ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ.
كَمَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْرَيْنَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يوم خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ". وَقَالَ: "أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ الْبَلَدُ الْحَرَامُ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوَعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ" [[أخرجه البخاري في الأضاحي - باب من قال: الأضحى يوم النحر: ١٠ / ٧-٨، ومسلم في القيامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض، برقم (١٦٧٩) : ٣ / ١٣٠٥، والمصنف في شرح السنة: ٧ / ٢١٥-٢١٦.]] ؟
قَالُوا: وَكَانَ قَدِ اسْتَمَرَّ النَّسِيءُ بِهِمْ، فَكَانُوا رُبَّمَا يَحُجُّونَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ في شهر ١٥٧/ب وَيَحُجُّونَ مَنْ قَابَلٍ فِي شَهْرٍ آخَرَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ، فَحَجُّوا فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرَ عَامَيْنِ، وَكَذَلِكَ فِي الشُّهُورِ، فَوَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَوَافَقَ حَجُّهُ شَهْرَ الْحَجِّ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ ذُو الْحِجَّةِ، فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ التَّاسِعِ، وَخَطْبَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ بِمِنًى، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَشْهُرَ النَّسِيءِ قَدْ تَنَاسَخَتْ بِاسْتِدَارَةِ الزَّمَانِ، وَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى مَا وَضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَ الْأَشْهُرِ يَوْمَ خَلْقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَبَدَّلَ فِي مُسْتَأْنَفِ الْأَيَّامِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ مَنْ نَسَأَ النَّسِيءَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: أَوَّلُ مَنْ نَسَأَ النَّسِيءَ بَنُو مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً: أَبُو ثُمَامَةَ جُنَادُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أُمَيَّةَ الْكِنَانِيُّ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِيَ كِنَانَةَ يُقَالُ: لَهُ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبةَ، وَكَانَ يَكُونُ أَمِيرًا عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْسِمِ، فَإِذَا هَمَّ النَّاسُ بِالصَّدَرِ، قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: لَا مَرَدَّ لِمَا قَضَيْتُ، أَنَا الَّذِي لَا أُعَابُ وَلَا أُجَابُ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَبَّيْكَ، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُنْسِأَهُمْ شَهْرًا يُغِيرُونَ فِيهِ، فيقول: فإن صفرًا الْعَامَ حَرَامٌ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ حَلُّوا الْأَوْتَارَ، وَنَزَعُوا الْأَسِنَّةَ وَالْأَزِجَّةَ، وَإِنْ قَالَ حَلَالٌ عَقَدُوا الْأَوْتَارَ وَشَدُّوا الْأَزِجَّةَ، وَأَغَارُوا. وَكَانَ مِنْ بَعْدِ نُعَيْمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جَنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وَهُوَ الَّذِي أَدْرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ: الْقَلَمَّسُ، قَالَ شَاعِرُهُمْ: "وَفِينَا نَاسِئُ الشَّهْرِ الْقَلَمَّسُ"، وَكَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِلَّا فِي ذِي الْحِجَّةِ إِذَا اجْتَمَعَتِ الْعَرَبُ لِلْمَوْسِمِ.
وَقَالَ جُوَيْبِرُ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ النَّسِيءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِفٍ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِفٍ أَبَا بَنِي كَعْبٍ، وَهُوَ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ" [[سبق تخريجه في سورة المائدة ٣ / ١٠٨. وليس في الحديث ما يدل على أن عمرو بن لحي أول من سنَّ النسيء.]] .
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَنَا هُوَ النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ يُرِيدُ زِيَادَةَ كُفْرٍ عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ: ﴿يُضَلُّ﴾ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ عَلَى مَعْنَى " يُضِلُّ " بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا النَّاسَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الضَّالُّونَ لِقَوْلِهِ: ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ يَعْنِي النَّسِيءَ ﴿عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا﴾ أَيْ: لِيُوَافِقُوا، وَالْمُوَاطَأَةُ: الْمُوَافَقَةُ، ﴿عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُحِلُّوا شَهْرًا مِنَ الْحَرَامِ إِلَّا حَرَّمُوا مَكَانَهُ شَهْرًا مِنَ الْحَلَالِ، وَلَمْ يُحَرِّمُوا شَهْرًا مِنَ الْحَلَالِ إِلَّا أَحَلُّوا مَكَانَهُ شَهْرًا مِنَ الْحَرَامِ، لِئَلَّا يَكُونَ الْحَرَامُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيَكُونُ مُوَافَقَةَ الْعَدَدِ، ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: زَيَّنَّ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي الْحَثِّ عَلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ أُمِرَ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ الرُّومِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ، حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَاوِزَ هَائِلَةً، وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدوِّهُمْ، فَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْخُرُوجُ وَتَثَاقَلُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾ [[انظر، الطبري: ١٤ / ٢٥٣، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٣) ، الدر المنثور: ٤ / ١٩٠.]] أَيْ: قَالَ لَكُمْ رسول الله صلى اللَّهِ: ﴿انْفِرُوا﴾ اخْرُجُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أَيْ: لَزِمْتُمْ أَرْضَكُمْ وَمَسَاكِنَكُمْ، ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أَيْ: بِخَفْضِ الدُّنْيَا وَدِعَتِهَا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ.
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ .
ثُمَّ أَوعَدَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: هُوَ احْتِبَاسُ الْمَطَرِ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا. وَسَأَلَ نَجْدَةُ بْنُ نُفَيْعٍ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَتَثَاقَلُوا عَلَيْهِ، فَأَمْسَكَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ، فَكَانَ ذَلِكَ عَذَابَهُمْ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٢٥٤-٢٥٥، وصححه الحاكم في المستدرك: ٢ / ١١٨، وأخرجه أبو داود في السنن مختصرا: ٣ / ٣٦٧، والبيهقي في السنن: ٩ / ٤٨. وانظر: الدر المنثور: ٤ / ١٩٣-١٩٤.]] ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ خَيْرًا مِنْكُمْ وَأُطَوَعَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمْ أَبْنَاءُ فَارِسَ. وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ بِتَرْكِكُمُ النَّفِيرَ.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي الْحَثِّ عَلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ أُمِرَ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ الرُّومِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ، حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَاوِزَ هَائِلَةً، وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدوِّهُمْ، فَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْخُرُوجُ وَتَثَاقَلُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾ [[انظر، الطبري: ١٤ / ٢٥٣، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٣) ، الدر المنثور: ٤ / ١٩٠.]] أَيْ: قَالَ لَكُمْ رسول الله صلى اللَّهِ: ﴿انْفِرُوا﴾ اخْرُجُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أَيْ: لَزِمْتُمْ أَرْضَكُمْ وَمَسَاكِنَكُمْ، ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أَيْ: بِخَفْضِ الدُّنْيَا وَدِعَتِهَا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ.
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ .
ثُمَّ أَوعَدَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: هُوَ احْتِبَاسُ الْمَطَرِ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا. وَسَأَلَ نَجْدَةُ بْنُ نُفَيْعٍ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَتَثَاقَلُوا عَلَيْهِ، فَأَمْسَكَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ، فَكَانَ ذَلِكَ عَذَابَهُمْ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٢٥٤-٢٥٥، وصححه الحاكم في المستدرك: ٢ / ١١٨، وأخرجه أبو داود في السنن مختصرا: ٣ / ٣٦٧، والبيهقي في السنن: ٩ / ٤٨. وانظر: الدر المنثور: ٤ / ١٩٣-١٩٤.]] ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ خَيْرًا مِنْكُمْ وَأُطَوَعَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمْ أَبْنَاءُ فَارِسَ. وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ بِتَرْكِكُمُ النَّفِيرَ.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ هَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ الْمُتَكَفِّلُ بِنَصْرِ رَسُولِهِ وَإِعْزَازِ دِينِهِ، أَعَانُوهُ أَوْ لَمْ يُعِينُوهُ، وَأَنَّهُ قَدْ نَصَرَهُ عِنْدَ قِلَّةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَكَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ، فَكَيْفَ بِهِ الْيَوْمَ وَهُوَ فِي كَثْرَةٍ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ؟ ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنْ مَكَّةَ حِينَ مَكَرُوا بِهِ وَأَرَادُوا تَبْيِينَهُ وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ، ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أَيْ هُوَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ، وَالِاثْنَانِ: أَحَدُهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَالْآخَرُ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ وَهُوَ نَقْبٌ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ بِمَكَّةَ، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ قَالَ الشَّعْبِيُّ: عَاتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ الْأَرْضِ جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ، أَنْبَأَنَا خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ، وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ" [[أخرجه الترمذي في المناقب، باب بشارة لأبي بكر وعمر: ١٠ / ١٥٤، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٨٢. وقال: هذا حديث حسن غريب. وفي الحديث: كثير بن إسماعيل أو ابن نافع النَّواء: ضعيف من السادسة. (تقريب) .]] .
قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: مَنْ قَالَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ لِإِنْكَارِهِ نَصَّ الْقُرْآنِ. وَفِي سَائِرِ الصَّحَابَةِ إِذَا أَنْكَرَ يَكُونُ مُبْتَدِعًا، لَا يَكُونُ كَافِرًا.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ لَمْ يَكُنْ حُزْنُ أَبِي بَكْرٍ جُبْنًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ إِشْفَاقًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ: إِنْ أُقْتَلُ فَأَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَإِنْ قُتِلْتَ هلكت الأمة ١٥٨/أ وَرُوِيَ أَنَّهُ حِينَ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْغَارِ جَعَلَ يَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَاعَةً خَلْفَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَالَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَذْكُرُ الطَّلَبَ فَأَمْشِي خَلْفَكَ، ثُمَّ أَذْكُرُ الرَّصْدَ فَأَمْشِي بَيْنَ يَدَيْك، فَلَّمَا انْتَهَيَا إِلَى الْغَارِ قَالَ مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أسْتَبْرِئَ الْغَارَ، فَدَخَلَ فَاسْتَبْرَأَهُ ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَزَلَ فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتِلْكَ اللَّيْلَةُ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ [[عزاه السيوطي في الدر المنثور: (٤ / ١٩٧-١٩٨) للبيهقي في الدلائل، ولابن عساكر عن ضبة بن محصن. قال ابن كثير في البداية والنهاية: (٣ / ١٨٠) في هذا السياق غرابة ونكارة. وأخرجه ابن إسحاق مختصرا: ١ / ٤٨٦. وقال ابن كثير عن هذه الرواية: وهذا فيه انقطاع من طرفيه، وساقه من رواية أبي القاسم البغوي مطولا، وقال: وهذا مرسل، وقد ذكرنا له شواهد.]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي النَّظَرِ، أَخْبَرَنَا خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَّاشِيُّ، حَدَّثَنَا حَيَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ فَوْقَ رُؤُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنٍ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟ [[أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب المهاجرين: ٧ / ٨-٩، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر رضي الله عنه، برقم (٢٣٨١) : ٤ / ١٨٥٤، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٣٦٥.]] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، فَلِمَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ.. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: "إِنِّي أُرِيْتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ، بَيْنَ لَابَّتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ". فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَصْحَبهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ -كَانَتَا عِنْدَهُ-وَرَقَ السَّمُرِ، وَهُوَ الْخَبْطُ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءً لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "بِالثَّمَنِ" قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَمَكَثَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، كَبَائِتٍ فِيهَا، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفُهُمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عُدَيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَالْخِرِّيتُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ، قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ العاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ عَلَى طَرِيقِ السَّوَاحِلِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ يَقُولُ: جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالَسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أَرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفَتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلَتُ الْبَيْتَ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذَتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَخَطَّطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ، وَخَفَّضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَدَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ، فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهَ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ، تَقْرُبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعَتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، فَسَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا غُبَارٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَّانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهَ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيَتُ مَا لَقِيَتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَلَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ وَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ، فَلَمَّ يَرْزُآنِي وَلَمْ يَسْأَلَانِي شَيْئًا إِلَّا أَنْ قَالَا أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تُجَّارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّامِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ، وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَمَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطْمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصَرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبْيَضِّيْنَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فَتَلَقُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَعَدِلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَسَّسَ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ، غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَنْزِلُ. ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغُلَامَيْنِ، فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَا بَلْ نَهِبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرْ هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وأَطْهَرْ
وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
فَتَمَثَّلَ بِبَيْتِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ [[أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة: ٧ / ٢٣٠-٢٣٣ والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٣٥٤-٣٦٢. وقد اختصر جملا منه في التفسير، أشرنا إليها بنقاط.]] .
قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ الْغَارَ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ حَتَّى بَاضَا فِي أَسْفَلِ النَّقْبِ، وَالْعَنْكَبُوتَ حَتَّى نَسَجَتْ بَيْتًا، وَفِي الْقِصَّةِ: أَنْبَتَ يَمَامَةً عَلَى فَمِ الْغَارِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ أعمِ أبصارهم ١٥٨/ب عَنَّا فَجُعِلَ الطُّلَّبُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا حَوْلَ الْغَارِ يَقُولُونَ: لَوْ دَخَلَا هَذَا الْغَارَ لَتَكَسَّرَ بَيْضُ الْحَمَامِ وَتَفَسَّخَ بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [[ذكر ذلك ابن عساكر عن زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة. وهو حديث غريب جدا، من هذا الوجه كما قال الحافظ ابن كثير في البداية: ٣ / ١٨٢.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قِيلَ: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ مِنْ قَبْلُ، ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ نَزَلُوا يَصْرِفُونَ وَجُوهَ الْكَفَّارِ وَأَبْصَارَهُمْ عَنْ رُؤْيَتِهِ. وَقِيلَ: أَلْقَوُا الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ حَتَّى رَجَعُوا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ: أَعَانَهُ بِالْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، أَخْبَرَ أَنَّهُ صَرَفَ عَنْهُ كَيْدَ الْأَعْدَاءِ فِي الْغَارِ ثُمَّ أَظْهَرَ نَصْرَهُ بِالْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ وَكَلِمَتُهُمُ الشِّرْكُ، وَهِيَ السُّفْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ كَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا: مَا قَدَّرُوا بَيْنَهُمْ فِي الْكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ: وَعْدُ اللَّهِ أَنَّهُ نَاصِرُهُ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: ﴿وَكَلِمَةَ اللَّهِ﴾ بِنَصْبِ التَّاءِ عَلَى الْعَطْفِ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: شُبَّانًا وَشُيُوخًا. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَشَاطًا وَغَيْرَ نَشَاطٍ. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: رُكْبَانَا وَمُشَاةً. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: خِفَافًا مِنَ الْمَالِ، أَيْ فُقَرَاءَ، وَثِقَالًا أَيْ: أَغْنِيَاءَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الثَّقِيلُ الَّذِي لَهُ الضَّيْعَةُ، فَهُوَ ثَقِيلٌ يَكْرَهُ أَنْ يَدَعَ ضَيْعَتَهُ، وَالْخَفِيفُ الَّذِي لَا ضَيْعَةَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خِفَافًا أَهْلُ الْمَيْسَرَةِ مِنَ الْمَالِ، وَثِقَالًا أَهْلُ الْعَسْرَةِ. وَقِيلَ: خِفَافًا مِنَ السِّلَاحِ، أَيْ: مُقِلِّينَ مِنْهُ، وَثِقَالًا أَيْ: مُسْتَكْثِرِينَ مِنْهُ. وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: مَشَاغِيلُ وَغَيْرُ مَشَاغِيلَ. وَقَالَ مُرَّةُ الْهَمَذَانِيُّ: أَصِحَّاءُ وَمَرْضَى. وَقَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: عُزَّابًا وَمُتَأَهِّلِينَ. وَقِيلَ: خِفَافًا مِنْ حَاشِيَتِكُمْ وَأَتْبَاعِكُمْ، وَثِقَالًا مُسْتَكْثِرِينَ بِهِمْ. وَقِيلَ: خِفَافًا مُسْرِعِينَ خَارِجِينَ سَاعَةَ سَمَاعِ النَّفِيرِ، وَثِقَالًا بَعْدَ التَّرَوِّي فِيهِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ.
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قَالَ الزُّهْرِيُّ: خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَى الْغَزْوِ وَقَدْ ذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ عَلِيلٌ صَاحِبُ ضُرٍّ، فَقَالَ: اسْتَنْفَرَ اللَّهُ الْخَفِيفَ وَالثَّقِيلَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِّي الْحَرْبَ كَثَّرْتُ السَّوَادَ وَحَفِظْتُ الْمَتَاعَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [[انظر: الناسخ والمنسوخ لابن سلامة ص (٥٢) ، أسباب النزول (٢٨٣-٢٨٤) ابن كثير: ٢ / ٣٦٠.]] .
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ اشْتَدَّ شَأْنُهَا عَلَى النَّاسِ فَنَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْزَلَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [[أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي. الدر المنثور: ٤ / ٢٠٨.]] الْآيَةَ.
ثُمَّ نَزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ: [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .]] .
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ وَاسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ، أَيْ: لَوْ كَانَ مَا تَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا، أَيْ: غَنِيمَةً قَرِيبَةَ الْمُتَنَاوَلِ، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أَيْ قَرِيبًا هَيِّنًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ لَخَرَجُوا مَعَكَ، ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أَيِ: الْمَسَافَةُ، وَالشُّقَّةُ: السَّفَرُ الْبَعِيدُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ. وَقِيلَ: الشُّقَّةُ الْغَايَةُ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فِي أَيْمَانِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ، وَأَخْذُهُ الْفِدْيَةَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا اللُّطْفِ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَّرَهُ وَرَفَعَ مَحَلَّهُ بِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِالدُّعَاءِ لَهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّجْلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ إِذَا كَانَ كَرِيمًا عِنْدَهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَتِي؟ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ أَلَا زُرْتَنِي. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَدَامَ اللَّهُ لَكَ الْعَفْوَ.
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فِي أَعْذَارِهِمْ، ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِيهَا، أَيْ: تَعْلَمَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: لَا يَسْتَأْذِنُكَ فِي التَّخَلُّفِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ .
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ شَكَّتْ وَنَافَقَتْ، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مُتَحَيِّرِينَ.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ إِلَى الْغَزْوِ، ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ أي: لهيؤوا لَهُ ﴿عُدَّةً﴾ أُهْبَةً وَقُوَّةً مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ خُرُوجَهُمْ، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ مَنَعَهُمْ وَحَبَسَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ فِي بُيُوتِكُمْ، ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ يَعْنِي: مَعَ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى. وَقِيلَ: مَعَ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقِيلَ﴾ أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْعُدُوا. وَقِيلَ: أَوْحَى إِلَى قُلُوبِهِمْ وَأُلْهِمُوا أَسْبَابَ الْخُذْلَانِ.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ وَاسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ، أَيْ: لَوْ كَانَ مَا تَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا، أَيْ: غَنِيمَةً قَرِيبَةَ الْمُتَنَاوَلِ، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أَيْ قَرِيبًا هَيِّنًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ لَخَرَجُوا مَعَكَ، ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أَيِ: الْمَسَافَةُ، وَالشُّقَّةُ: السَّفَرُ الْبَعِيدُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ. وَقِيلَ: الشُّقَّةُ الْغَايَةُ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فِي أَيْمَانِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ، وَأَخْذُهُ الْفِدْيَةَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا اللُّطْفِ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَّرَهُ وَرَفَعَ مَحَلَّهُ بِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِالدُّعَاءِ لَهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّجْلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ إِذَا كَانَ كَرِيمًا عِنْدَهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَتِي؟ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ أَلَا زُرْتَنِي. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَدَامَ اللَّهُ لَكَ الْعَفْوَ.
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فِي أَعْذَارِهِمْ، ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِيهَا، أَيْ: تَعْلَمَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: لَا يَسْتَأْذِنُكَ فِي التَّخَلُّفِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ .
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ شَكَّتْ وَنَافَقَتْ، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مُتَحَيِّرِينَ.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ إِلَى الْغَزْوِ، ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ أي: لهيؤوا لَهُ ﴿عُدَّةً﴾ أُهْبَةً وَقُوَّةً مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ خُرُوجَهُمْ، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ مَنَعَهُمْ وَحَبَسَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ فِي بُيُوتِكُمْ، ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ يَعْنِي: مَعَ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى. وَقِيلَ: مَعَ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقِيلَ﴾ أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْعُدُوا. وَقِيلَ: أَوْحَى إِلَى قُلُوبِهِمْ وَأُلْهِمُوا أَسْبَابَ الْخُذْلَانِ.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ وَاسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ، أَيْ: لَوْ كَانَ مَا تَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا، أَيْ: غَنِيمَةً قَرِيبَةَ الْمُتَنَاوَلِ، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أَيْ قَرِيبًا هَيِّنًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ لَخَرَجُوا مَعَكَ، ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أَيِ: الْمَسَافَةُ، وَالشُّقَّةُ: السَّفَرُ الْبَعِيدُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ. وَقِيلَ: الشُّقَّةُ الْغَايَةُ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فِي أَيْمَانِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ، وَأَخْذُهُ الْفِدْيَةَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا اللُّطْفِ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَّرَهُ وَرَفَعَ مَحَلَّهُ بِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِالدُّعَاءِ لَهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّجْلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ إِذَا كَانَ كَرِيمًا عِنْدَهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَتِي؟ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ أَلَا زُرْتَنِي. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَدَامَ اللَّهُ لَكَ الْعَفْوَ.
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فِي أَعْذَارِهِمْ، ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِيهَا، أَيْ: تَعْلَمَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: لَا يَسْتَأْذِنُكَ فِي التَّخَلُّفِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ .
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ شَكَّتْ وَنَافَقَتْ، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مُتَحَيِّرِينَ.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ إِلَى الْغَزْوِ، ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ أي: لهيؤوا لَهُ ﴿عُدَّةً﴾ أُهْبَةً وَقُوَّةً مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ خُرُوجَهُمْ، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ مَنَعَهُمْ وَحَبَسَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ فِي بُيُوتِكُمْ، ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ يَعْنِي: مَعَ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى. وَقِيلَ: مَعَ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقِيلَ﴾ أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْعُدُوا. وَقِيلَ: أَوْحَى إِلَى قُلُوبِهِمْ وَأُلْهِمُوا أَسْبَابَ الْخُذْلَانِ.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ وَاسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ، أَيْ: لَوْ كَانَ مَا تَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا، أَيْ: غَنِيمَةً قَرِيبَةَ الْمُتَنَاوَلِ، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أَيْ قَرِيبًا هَيِّنًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ لَخَرَجُوا مَعَكَ، ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أَيِ: الْمَسَافَةُ، وَالشُّقَّةُ: السَّفَرُ الْبَعِيدُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ. وَقِيلَ: الشُّقَّةُ الْغَايَةُ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فِي أَيْمَانِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ، وَأَخْذُهُ الْفِدْيَةَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا اللُّطْفِ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَّرَهُ وَرَفَعَ مَحَلَّهُ بِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِالدُّعَاءِ لَهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّجْلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ إِذَا كَانَ كَرِيمًا عِنْدَهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَتِي؟ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ أَلَا زُرْتَنِي. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَدَامَ اللَّهُ لَكَ الْعَفْوَ.
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فِي أَعْذَارِهِمْ، ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِيهَا، أَيْ: تَعْلَمَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: لَا يَسْتَأْذِنُكَ فِي التَّخَلُّفِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ .
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ شَكَّتْ وَنَافَقَتْ، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مُتَحَيِّرِينَ.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ إِلَى الْغَزْوِ، ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ أي: لهيؤوا لَهُ ﴿عُدَّةً﴾ أُهْبَةً وَقُوَّةً مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ خُرُوجَهُمْ، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ مَنَعَهُمْ وَحَبَسَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ فِي بُيُوتِكُمْ، ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ يَعْنِي: مَعَ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى. وَقِيلَ: مَعَ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقِيلَ﴾ أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْعُدُوا. وَقِيلَ: أَوْحَى إِلَى قُلُوبِهِمْ وَأُلْهِمُوا أَسْبَابَ الْخُذْلَانِ.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ وَاسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ، أَيْ: لَوْ كَانَ مَا تَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا، أَيْ: غَنِيمَةً قَرِيبَةَ الْمُتَنَاوَلِ، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أَيْ قَرِيبًا هَيِّنًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ لَخَرَجُوا مَعَكَ، ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أَيِ: الْمَسَافَةُ، وَالشُّقَّةُ: السَّفَرُ الْبَعِيدُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ. وَقِيلَ: الشُّقَّةُ الْغَايَةُ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فِي أَيْمَانِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ، وَأَخْذُهُ الْفِدْيَةَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا اللُّطْفِ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَّرَهُ وَرَفَعَ مَحَلَّهُ بِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِالدُّعَاءِ لَهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّجْلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ إِذَا كَانَ كَرِيمًا عِنْدَهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَتِي؟ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ أَلَا زُرْتَنِي. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَدَامَ اللَّهُ لَكَ الْعَفْوَ.
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فِي أَعْذَارِهِمْ، ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِيهَا، أَيْ: تَعْلَمَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: لَا يَسْتَأْذِنُكَ فِي التَّخَلُّفِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ .
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ شَكَّتْ وَنَافَقَتْ، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مُتَحَيِّرِينَ.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ إِلَى الْغَزْوِ، ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ أي: لهيؤوا لَهُ ﴿عُدَّةً﴾ أُهْبَةً وَقُوَّةً مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ خُرُوجَهُمْ، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ مَنَعَهُمْ وَحَبَسَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ فِي بُيُوتِكُمْ، ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ يَعْنِي: مَعَ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى. وَقِيلَ: مَعَ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقِيلَ﴾ أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْعُدُوا. وَقِيلَ: أَوْحَى إِلَى قُلُوبِهِمْ وَأُلْهِمُوا أَسْبَابَ الْخُذْلَانِ.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلَى [ذِي جَدَّةَ [[في "أ": (ذي حلوة) . و"ذو جدة" الطريق الواضح المسلوك.]] ] أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .]] ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ﴿فِيكُمْ﴾ أَيْ مَعَكُمْ، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا. وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ، ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أَسْرَعُوا، ﴿خِلَالَكُمْ﴾ وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَسَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ عَدْوُكُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يَعْنِي: الْعَيْبَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ لَهُ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُحِبُّونَ لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بالتخذيل عنك ١٥٩/أوَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دِينُ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٢٨٧-٢٨٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤-٢٨٥) .]] : ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بِنِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [مُطْبِقَةٌ بِهِمْ] [[في "ب": (مطيفة بهم) .]] وَجَامِعَةٌ لَهُمْ فِيهَا.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وَغَنِيمَةٌ، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ وَيُدْبِرُوا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
﴿قُلْ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم": ٦ / ٢٢٠، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين إِمَّا: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّكُمْ، ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " يُقْبَلَ " بِالْيَاءِ لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى جَمْعٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ النَّفَقَاتُ، فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَنَّثٌ، ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صَدَقَاتُهُمْ، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [ذَمَّ] [[في "أ": ذكر.]] الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ، وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلَى [ذِي جَدَّةَ [[في "أ": (ذي حلوة) . و"ذو جدة" الطريق الواضح المسلوك.]] ] أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .]] ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ﴿فِيكُمْ﴾ أَيْ مَعَكُمْ، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا. وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ، ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أَسْرَعُوا، ﴿خِلَالَكُمْ﴾ وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَسَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ عَدْوُكُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يَعْنِي: الْعَيْبَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ لَهُ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُحِبُّونَ لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بالتخذيل عنك ١٥٩/أوَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دِينُ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٢٨٧-٢٨٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤-٢٨٥) .]] : ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بِنِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [مُطْبِقَةٌ بِهِمْ] [[في "ب": (مطيفة بهم) .]] وَجَامِعَةٌ لَهُمْ فِيهَا.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وَغَنِيمَةٌ، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ وَيُدْبِرُوا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
﴿قُلْ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم": ٦ / ٢٢٠، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين إِمَّا: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّكُمْ، ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " يُقْبَلَ " بِالْيَاءِ لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى جَمْعٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ النَّفَقَاتُ، فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَنَّثٌ، ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صَدَقَاتُهُمْ، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [ذَمَّ] [[في "أ": ذكر.]] الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ، وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلَى [ذِي جَدَّةَ [[في "أ": (ذي حلوة) . و"ذو جدة" الطريق الواضح المسلوك.]] ] أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .]] ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ﴿فِيكُمْ﴾ أَيْ مَعَكُمْ، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا. وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ، ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أَسْرَعُوا، ﴿خِلَالَكُمْ﴾ وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَسَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ عَدْوُكُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يَعْنِي: الْعَيْبَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ لَهُ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُحِبُّونَ لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بالتخذيل عنك ١٥٩/أوَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دِينُ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٢٨٧-٢٨٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤-٢٨٥) .]] : ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بِنِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [مُطْبِقَةٌ بِهِمْ] [[في "ب": (مطيفة بهم) .]] وَجَامِعَةٌ لَهُمْ فِيهَا.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وَغَنِيمَةٌ، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ وَيُدْبِرُوا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
﴿قُلْ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم": ٦ / ٢٢٠، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين إِمَّا: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّكُمْ، ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " يُقْبَلَ " بِالْيَاءِ لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى جَمْعٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ النَّفَقَاتُ، فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَنَّثٌ، ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صَدَقَاتُهُمْ، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [ذَمَّ] [[في "أ": ذكر.]] الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ، وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلَى [ذِي جَدَّةَ [[في "أ": (ذي حلوة) . و"ذو جدة" الطريق الواضح المسلوك.]] ] أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .]] ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ﴿فِيكُمْ﴾ أَيْ مَعَكُمْ، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا. وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ، ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أَسْرَعُوا، ﴿خِلَالَكُمْ﴾ وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَسَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ عَدْوُكُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يَعْنِي: الْعَيْبَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ لَهُ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُحِبُّونَ لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بالتخذيل عنك ١٥٩/أوَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دِينُ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٢٨٧-٢٨٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤-٢٨٥) .]] : ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بِنِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [مُطْبِقَةٌ بِهِمْ] [[في "ب": (مطيفة بهم) .]] وَجَامِعَةٌ لَهُمْ فِيهَا.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وَغَنِيمَةٌ، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ وَيُدْبِرُوا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
﴿قُلْ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم": ٦ / ٢٢٠، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين إِمَّا: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّكُمْ، ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " يُقْبَلَ " بِالْيَاءِ لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى جَمْعٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ النَّفَقَاتُ، فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَنَّثٌ، ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صَدَقَاتُهُمْ، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [ذَمَّ] [[في "أ": ذكر.]] الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ، وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلَى [ذِي جَدَّةَ [[في "أ": (ذي حلوة) . و"ذو جدة" الطريق الواضح المسلوك.]] ] أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .]] ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ﴿فِيكُمْ﴾ أَيْ مَعَكُمْ، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا. وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ، ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أَسْرَعُوا، ﴿خِلَالَكُمْ﴾ وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَسَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ عَدْوُكُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يَعْنِي: الْعَيْبَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ لَهُ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُحِبُّونَ لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بالتخذيل عنك ١٥٩/أوَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دِينُ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٢٨٧-٢٨٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤-٢٨٥) .]] : ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بِنِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [مُطْبِقَةٌ بِهِمْ] [[في "ب": (مطيفة بهم) .]] وَجَامِعَةٌ لَهُمْ فِيهَا.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وَغَنِيمَةٌ، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ وَيُدْبِرُوا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
﴿قُلْ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم": ٦ / ٢٢٠، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين إِمَّا: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّكُمْ، ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " يُقْبَلَ " بِالْيَاءِ لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى جَمْعٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ النَّفَقَاتُ، فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَنَّثٌ، ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صَدَقَاتُهُمْ، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [ذَمَّ] [[في "أ": ذكر.]] الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ، وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلَى [ذِي جَدَّةَ [[في "أ": (ذي حلوة) . و"ذو جدة" الطريق الواضح المسلوك.]] ] أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .]] ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ﴿فِيكُمْ﴾ أَيْ مَعَكُمْ، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا. وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ، ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أَسْرَعُوا، ﴿خِلَالَكُمْ﴾ وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَسَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ عَدْوُكُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يَعْنِي: الْعَيْبَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ لَهُ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُحِبُّونَ لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بالتخذيل عنك ١٥٩/أوَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دِينُ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٢٨٧-٢٨٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤-٢٨٥) .]] : ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بِنِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [مُطْبِقَةٌ بِهِمْ] [[في "ب": (مطيفة بهم) .]] وَجَامِعَةٌ لَهُمْ فِيهَا.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وَغَنِيمَةٌ، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ وَيُدْبِرُوا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
﴿قُلْ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم": ٦ / ٢٢٠، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين إِمَّا: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّكُمْ، ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " يُقْبَلَ " بِالْيَاءِ لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى جَمْعٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ النَّفَقَاتُ، فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَنَّثٌ، ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صَدَقَاتُهُمْ، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [ذَمَّ] [[في "أ": ذكر.]] الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ، وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلَى [ذِي جَدَّةَ [[في "أ": (ذي حلوة) . و"ذو جدة" الطريق الواضح المسلوك.]] ] أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .]] ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ﴿فِيكُمْ﴾ أَيْ مَعَكُمْ، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا. وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ، ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أَسْرَعُوا، ﴿خِلَالَكُمْ﴾ وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَسَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ عَدْوُكُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يَعْنِي: الْعَيْبَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ لَهُ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُحِبُّونَ لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بالتخذيل عنك ١٥٩/أوَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دِينُ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٢٨٧-٢٨٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤-٢٨٥) .]] : ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بِنِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [مُطْبِقَةٌ بِهِمْ] [[في "ب": (مطيفة بهم) .]] وَجَامِعَةٌ لَهُمْ فِيهَا.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وَغَنِيمَةٌ، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ وَيُدْبِرُوا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
﴿قُلْ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم": ٦ / ٢٢٠، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين إِمَّا: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّكُمْ، ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " يُقْبَلَ " بِالْيَاءِ لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى جَمْعٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ النَّفَقَاتُ، فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَنَّثٌ، ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صَدَقَاتُهُمْ، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [ذَمَّ] [[في "أ": ذكر.]] الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ، وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا.
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلَى [ذِي جَدَّةَ [[في "أ": (ذي حلوة) . و"ذو جدة" الطريق الواضح المسلوك.]] ] أَسْفَلَ مِنْ ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤) .]] ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ﴿فِيكُمْ﴾ أَيْ مَعَكُمْ، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أَيْ: فَسَادًا وَشَرًّا. وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِيقَاعُ الْجُبْنِ وَالْفَشَلِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ، ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أَسْرَعُوا، ﴿خِلَالَكُمْ﴾ وَسَطَكُمْ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَكُمْ بِالنَّمِيمَةِ وَنَقْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ. وَقِيلَ: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ أَيْ: أَسْرَعُوا فِيمَا يُخِلُّ بِكُمْ.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: لَقَدْ جُمِعَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَسَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ عَدْوُكُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يَعْنِي: الْعَيْبَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْفِتْنَةُ الشِّرْكُ، وَيُقَالُ: بَغَيْتُهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ، يَعْنِي: بَغَيْتُ لَهُ.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُحِبُّونَ لَهُمْ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَهُمُ الْجَوَاسِيسُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ وَفِيكُمْ مُطِيعُونَ لَهُمْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُونَهُمْ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ .
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِأَصْحَابِهِ.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ دِينِكَ الرَّأْيَ، بالتخذيل عنك ١٥٩/أوَتَشْتِيتِ أَمْرِكَ، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دِينُ اللَّهِ، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ: يَا أَبَا وَهْبٍ هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ يَعْنِي الرُّومَ، تَتَّخِذُ مِنْهُمْ سِرَارِيَ وَوُصَفَاءَ، فَقَالَ جَدٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّسَاءِ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ بَنَاتَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهُنَّ، ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنِي بِهِنَّ وَأُعِينُكَ بِمَالِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَلَّ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ إِلَّا النِّفَاقُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٢٨٧-٢٨٨، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٤-٢٨٥) .]] : ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ فِي التَّخَلُّفِ ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَلَا تُؤْثِمْنِي: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَيْ: فِي الشِّرْكِ وَالْإِثْمِ وَقَعُوا بِنِفَاقِهِمْ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [مُطْبِقَةٌ بِهِمْ] [[في "ب": (مطيفة بهم) .]] وَجَامِعَةٌ لَهُمْ فِيهَا.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نُصْرَةٌ وَغَنِيمَةٌ، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهُمْ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حَذَرَنَا، أَيْ: أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ وَيُدْبِرُوا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ بِمَا نَالَكَ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
﴿قُلْ﴾ لِهَمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ تَنْتَظِرُونَ بِنَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ، ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إِمَّا النَّصْرَ وَالْغَنِيمَةَ أَوِ الشَّهَادَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" [[أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم": ٦ / ٢٢٠، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (١٨٧٦) : ٣ / ١٤٩٦.]] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين إِمَّا: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ أَيْ: بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: فَتَرَبَّصُوا مَوَاعِيدَ الشَّيْطَانِ إِنَّا مُتَرَبِّصُونَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِئْصَالِ مَنْ خَالَفَهُ.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَمْرٌ بِمَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. نَزَلَتْ فِي جَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ، قَالَ أُعِينُكُمْ بِمَالِي، يَقُولُ: إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّكُمْ، ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " يُقْبَلَ " بِالْيَاءِ لِتُقَدِّمِ الْفِعْلِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى جَمْعٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ النَّفَقَاتُ، فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَنَّثٌ، ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صَدَقَاتُهُمْ، ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أَيِ: الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ كُفْرُهُمْ، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَلَى أَدَائِهَا ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُونَ عَلَى تَرْكِهَا عِقَابًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ [ذَمَّ] [[في "أ": ذكر.]] الْكَسَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ أَصْلًا؟ قِيلَ: الذَّمُّ وَاقِعٌ عَلَى الْكَفْرِ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْكَسَلِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ مُكَسِّلٌ، وَالْإِيمَانَ مُنَشِّطٌ، ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لِأَنَّهُمْ يُعِدُّونَهَا مَغْرَمًا وَمَنْعَهَا مَغْنَمًا.
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ وَالْإِعْجَابُ هُوَ السُّرُورُ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، يَقُولُ: لَا تَسْتَحْسِنُ مَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّهِ فِي اسْتِدْرَاجٍ كَثَّرَ اللَّهُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فَإِنْ قِيلَ: أَيْ تَعْذِيبٌ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَهُمْ يَتَنَعَّمُونَ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟
قِيلَ: قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَقِيلَ: التَّعْذِيبُ بِالْمَصَائِبِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يُعَذِّبُهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهَا وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقِيلَ: يُعَذِّبُهُمْ بِالتَّعَبِ فِي جَمْعِهِ، وَالْوَجَلِ فِي حِفْظِهِ، وَالْكُرْهِ فِي إِنْفَاقِهِ، وَالْحَسْرَةِ عَلَى تَخْلِيفِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ، ثُمَّ يُقْدِمُ عَلَى مَلِكٍ لَا يَعْذُرُهُ.
﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ أَيْ: تَخْرُجَ، ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ أَيْ: يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْرِ.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ، ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [يَخَافُونَ أَنْ يُظْهِرُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ] [[ساقط من "أ".]] .
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حِرْزًا وَحِصْنًا وَمَعْقِلًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَهْرَبًا. وَقِيلَ: قَوْمًا يَأْمَنُونَ فِيهِمْ.
﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ غِيرَانًا فِي الْجِبَالِ، جَمْعُ مَغَارَةٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ فِيهِ، أَيْ يَسْتَتِرُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: سَرَادِيبَ.
﴿أَوْ مُدْخَلًا﴾ مَوْضِعُ دخول فيه، وأصل: مُدْتَخَلٌ مُفْتَعَلٌ، مِنْ أَدْخَلَ يُدْخِلُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَحْرَزًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: سِرْبًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَفَقًا فِي الْأَرْضِ كَنَفَقِ الْيَرْبُوعِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَجْهًا يَدْخُلُونَهُ عَلَى خِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقُرِئَ: ﴿مَدْخَلًا﴾ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ يَعْقُوبُ، ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ لَأَدْبَرُوا إِلَيْهِ هَرَبًا مِنْكُمْ، ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ فِي إِبَاءٍ وَنُفُورٍ لَا يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ شَيْءٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ لَوْ يَجِدُونَ مَخْلَصًا مِنْكُمْ وَمُهْرَبًا لَفَارَقُوكُمْ.
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ وَالْإِعْجَابُ هُوَ السُّرُورُ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، يَقُولُ: لَا تَسْتَحْسِنُ مَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّهِ فِي اسْتِدْرَاجٍ كَثَّرَ اللَّهُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فَإِنْ قِيلَ: أَيْ تَعْذِيبٌ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَهُمْ يَتَنَعَّمُونَ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟
قِيلَ: قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَقِيلَ: التَّعْذِيبُ بِالْمَصَائِبِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يُعَذِّبُهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهَا وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقِيلَ: يُعَذِّبُهُمْ بِالتَّعَبِ فِي جَمْعِهِ، وَالْوَجَلِ فِي حِفْظِهِ، وَالْكُرْهِ فِي إِنْفَاقِهِ، وَالْحَسْرَةِ عَلَى تَخْلِيفِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ، ثُمَّ يُقْدِمُ عَلَى مَلِكٍ لَا يَعْذُرُهُ.
﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ أَيْ: تَخْرُجَ، ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ أَيْ: يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْرِ.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ، ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [يَخَافُونَ أَنْ يُظْهِرُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ] [[ساقط من "أ".]] .
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حِرْزًا وَحِصْنًا وَمَعْقِلًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَهْرَبًا. وَقِيلَ: قَوْمًا يَأْمَنُونَ فِيهِمْ.
﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ غِيرَانًا فِي الْجِبَالِ، جَمْعُ مَغَارَةٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ فِيهِ، أَيْ يَسْتَتِرُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: سَرَادِيبَ.
﴿أَوْ مُدْخَلًا﴾ مَوْضِعُ دخول فيه، وأصل: مُدْتَخَلٌ مُفْتَعَلٌ، مِنْ أَدْخَلَ يُدْخِلُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَحْرَزًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: سِرْبًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَفَقًا فِي الْأَرْضِ كَنَفَقِ الْيَرْبُوعِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَجْهًا يَدْخُلُونَهُ عَلَى خِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقُرِئَ: ﴿مَدْخَلًا﴾ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ يَعْقُوبُ، ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ لَأَدْبَرُوا إِلَيْهِ هَرَبًا مِنْكُمْ، ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ فِي إِبَاءٍ وَنُفُورٍ لَا يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ شَيْءٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ لَوْ يَجِدُونَ مَخْلَصًا مِنْكُمْ وَمُهْرَبًا لَفَارَقُوكُمْ.
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ وَالْإِعْجَابُ هُوَ السُّرُورُ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، يَقُولُ: لَا تَسْتَحْسِنُ مَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّهِ فِي اسْتِدْرَاجٍ كَثَّرَ اللَّهُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فَإِنْ قِيلَ: أَيْ تَعْذِيبٌ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَهُمْ يَتَنَعَّمُونَ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟
قِيلَ: قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَقِيلَ: التَّعْذِيبُ بِالْمَصَائِبِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَالِ وَالْوَلَدِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يُعَذِّبُهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهَا وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقِيلَ: يُعَذِّبُهُمْ بِالتَّعَبِ فِي جَمْعِهِ، وَالْوَجَلِ فِي حِفْظِهِ، وَالْكُرْهِ فِي إِنْفَاقِهِ، وَالْحَسْرَةِ عَلَى تَخْلِيفِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ، ثُمَّ يُقْدِمُ عَلَى مَلِكٍ لَا يَعْذُرُهُ.
﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ أَيْ: تَخْرُجَ، ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ أَيْ: يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْرِ.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ، ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [يَخَافُونَ أَنْ يُظْهِرُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ] [[ساقط من "أ".]] .
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حِرْزًا وَحِصْنًا وَمَعْقِلًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَهْرَبًا. وَقِيلَ: قَوْمًا يَأْمَنُونَ فِيهِمْ.
﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ غِيرَانًا فِي الْجِبَالِ، جَمْعُ مَغَارَةٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ فِيهِ، أَيْ يَسْتَتِرُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: سَرَادِيبَ.
﴿أَوْ مُدْخَلًا﴾ مَوْضِعُ دخول فيه، وأصل: مُدْتَخَلٌ مُفْتَعَلٌ، مِنْ أَدْخَلَ يُدْخِلُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَحْرَزًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: سِرْبًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَفَقًا فِي الْأَرْضِ كَنَفَقِ الْيَرْبُوعِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَجْهًا يَدْخُلُونَهُ عَلَى خِلَافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقُرِئَ: ﴿مَدْخَلًا﴾ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ يَعْقُوبُ، ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ لَأَدْبَرُوا إِلَيْهِ هَرَبًا مِنْكُمْ، ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ فِي إِبَاءٍ وَنُفُورٍ لَا يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ شَيْءٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ لَوْ يَجِدُونَ مَخْلَصًا مِنْكُمْ وَمُهْرَبًا لَفَارَقُوكُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيِّ، وَاسْمُهُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، أَصْلُ الْخَوَارِجِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا فِينَا، أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اعْدِلْ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خَبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ"، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ لَهُ: "دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مع صيامهم، يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يَنْظُرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى نَضِيِّهِ، وَهُوَ قِدْحُهُ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ آيَتُهُمْ: رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبِضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ، فَوُجِدَ، فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ [[أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: ٦ / ٦١٧-٦١٨، ومسلم في الزكاة، باب ذكر قتال الخوارج وصفاتهم، برقم (١٠٦٤) ٢ / ٧٤٤-٧٤٥. والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٢٢٤.]] .
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قال رجل ١٥٩/ب مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُقَالُ لَهُ [أَبُو الْجَوَّاظِ] [[في "ب": (ذو الحواط) .]] : لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَمْ تَقْسِمْ بِالسَّوِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٦) .]] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أَيْ: يَعِيبُكَ فِي أَمْرِهَا وَتَفْرِيقِهَا وَيَطْعَنُ عَلَيْكَ فِيهَا. يُقَالُ: لَمَزَهُ وَهَمَزَهُ، أَيْ: عَابَهُ، يَعْنِي أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّدًا لَا يُعْطِي إِلَّا مَنْ أَحَبِّ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ ﴿يَلْمُزُكَ﴾ حَيْثُ كَانَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَلْمُزُكَ أَيْ: يَرُوزُكَ يَعْنِي: يَخْتَبِرُكَ.
﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ قِيلَ: إِنْ أُعْطُوا كَثِيرًا فَرِحُوا وَإِنْ أُعْطُوا قَلِيلًا سَخِطُوا.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أَيْ: قَنَعُوا بِمَا قَسَمَ لَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كَافِينَا اللَّهُ، ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فِي أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلِهِ، فَيُغْنِينَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. وَجَوَابُ "لَوْ " مَحْذُوفٌ أَيْ: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَعْوَدَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الْآيَةُ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَهْلَ سُهْمَانِ الصَّدَقَاتِ وَجَعَلَهَا لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ. وَرُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُدَائِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعْتُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة: ٢ / ٢٣٠-٢٣١، والدارقطني في الزكاة ٢ / ١٣٧، والبيهقي في السنن: ٤ / ١٧٤. وقال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وقد تكلم فيه غير واحد.]]
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فَأَحَدُ أَصْنَافِ الصَّدَقَةِ: الْفُقَرَاءُ، وَالثَّانِي: الْمَسَاكِينُ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِفَةِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسْنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ، وَالْمِسْكِينُ: الَّذِي يَسْأَلُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِفَقِيرٍ مَنْ جَمَعَ الدِّرْهَمَ إِلَى الدِّرْهَمِ وَالتَّمْرَةَ إِلَى التَّمْرَةِ، وَلَكِنْ مَنْ أَنْقَى نَفْسَهُ وَثِيَابَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الْفَقِيرُ: الْمُحْتَاجُ الزَّمِنُ، وَالْمِسْكِينُ: الصَّحِيحُ الْمُحْتَاجُ.
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْفُقَرَاءُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسَاكِينُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا حِرْفَةَ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا، زَمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ زَمِنٍ، والمسكين من كال لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ وَلَا يُغْنِيهِ، سَائِلًا أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ. فَالْمِسْكِينُ عِنْدَهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ" ﴿الْكَهْفِ -٧٩﴾ أَثْبَتَ لَهُمْ مِلْكًا مَعَ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ.
وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ: الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ.
وَقَالَ القُتَيْبِيُّ: الْفَقِيرُ: الَّذِي لَهُ الْبُلْغَةُ مِنَ الْعَيْشِ، وَالْمِسْكِينُ: الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ.
وَقِيلَ: الْفَقِيرُ مِنْ لَهُ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ، وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَا مِلْكَ لَهُ. وَقَالُوا: كُلُّ مُحْتَاجٍ إِلَى شَيْءٍ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ١٥] ، وَالْمِسْكِينُ الْمُحْتَاجُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ أَلَا تَرَى كَيْفَ حَضَّ عَلَى إِطْعَامِهِ، وَجَعَلَ طَعَامَ الْكَفَّارَةِ لَهُ وَلَا فَاقَةَ أَشَدُّ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى سَدِّ الْجَوْعَةِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْفُقَرَاءُ هُمُ الْمُهَاجِرُونَ، وَالْمَسَاكِينُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ: الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ عِبَارَتَانِ عَنِ الْحَاجَةِ وَضَعْفِ الْحَالِ، فَالْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ الَّذِي كَسَرَتِ الْحَاجَةُ فِقَارَ ظَهْرِهِ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي ضَعُفَتْ نَفْسُهُ وَسَكَنَتْ عَنِ الْحَرَكَةِ فِي طَلَبِ الْقُوتِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، أَنْبَأَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ، يَعْنِي: ابْنَ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُدَيِّ بْنِ الْخِيَارِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ [فَصَعَّدَ فِيهِمَا وَصَوَّبَ] [[ما بين القوسين من مسند الشافعي.]] فَقَالَ: "إِنْ شئتما أعطيتكما ولاحظّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي قُوَّةٍ مُكْتَسِبٍ" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب فيمن يعطى من الصدقة: ٢ / ٢٣٣، والنسائي في الزكاة، باب مسألة الغني المكتسب: ٥ / ٩٩-١٠٠، والشافعي في المسند: ١ / ٢٤٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢ / ١٥، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٨١. قال الإمام أحمد: ما أجوده من حديث! انظر: التلخيص الحبير: ٣ / ١٠٨.]] .
وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْغَنِىِّ الَّذِي يُمْنَعُ أَخْذَ الصَّدَقَةِ: فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: حَدُّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: حَدُّهُ أَنْ يَمْلِكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: مَنْ مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، لِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كَدَوحٌ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى: ٢ / ٢٢٦، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء من تحل له الزكاة: ٣ / ٣١٣-٣١٤ وقال: حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. وأخرجه النسائي في الزكاة، باب حد الغنى: ٥ / ٩٧، وابن ماجه في الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى، برقم (١٨٤٠) : ١ / ٥٨٩، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٨٣.]] . وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالُوا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ مِنَ الزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا. وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا لِمَا رُوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة: ٢ / ٢٢٨-٢٢٩، والنسائي في الزكاة، باب إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها: ٥ / ٩٨-٩٩، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٨٤.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وَهُمُ السُّعَاةُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ قَبْضَ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَهْلِهَا وَوَضْعَهَا فِي حَقِّهَا، فَيُعْطَوْنَ مَنْ مَالِ الصَّدَقَةِ، فُقَرَاءً كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءً، فَيُعْطَوْنَ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِمْ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ: لَهُمُ الثُّمُنُ مِنَ الصَّدَقَةِ.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فَالصِّنْفُ الرَّابِعُ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلصَّدَقَةِ هُمُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ مُسْلِمُونَ، وَقِسْمٌ كُفَّارٌ. فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ: فَقِسْمَانِ، قِسْمٌ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَنِيَّتُهُمْ ضَعِيفَةٌ فِيهِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِيهِمْ تَأَلُّفًا كَمَا أَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ، أَوْ أَسْلَمُوا وَنِيَّتُهُمْ قَوِيَّةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُمْ شُرَفَاءُ فِي قَوْمِهِمْ مِثْلُ: عُدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَالزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ، فَكَانَ يُعْطِيهِمْ تَأَلُّفًا لِقَوْمِهِمْ، وَتَرْغِيبًا لِأَمْثَالِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَهَؤُلَاءِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ خُمْسِ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ، وَالْفَيْءِ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُعْطِيهِمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ مُؤَلَّفَةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِإِزَاءِ قَوْمٍ كَفَّارٍ فِي مَوْضِعٍ مُتَنَاطٍ [[متناط: متناءٍ بعيد.]] لَا تَبْلُغُهُمْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِمُؤْنَةٍ كَثِيرَةٍ وَهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ، إِمَّا لِضَعْفِ نِيَّتِهِمْ أَوْ لِضَعْفِ حَالِهِمْ، فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ. وَقِيلَ: مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ. وَمِنْهُمْ قَوْمٌ بِإِزَاءِ جَمَاعَةٍ مِنْ مَانِعِي الزَّكَاةِ يَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الزَّكَاةَ يَحْمِلُونَهَا إِلَى الْإِمَامِ، فَيُعْطِيهِمُ الْإِمَامُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلِّفَةِ مِنَ الصَّدَقَاتِ. وَقِيلَ: مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ.
رُوِيَ أَنَّ عُدَيَّ بْنَ حَاتِمٍ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ بِثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ مِنْ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ بَعِيرًا.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ: فَهُوَ مَنْ يُخْشَى شَرُّهُ مِنْهُمْ، أَوْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، فَيُرِيدُ الْإِمَامُ أَنَّ يُعْطِيَ هَذَا حَذَرًا مِنْ شَرِّهِ، أَوْ يُعْطِيَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُ في الإسلام ١٦٠/أفَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِيهِمْ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ، كَمَا أَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ لِمَا يَرَى مِنْ مَيْلِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فَلَهُ الْحَمْدُ، وَأَغْنَاهُ أَنْ يُتَأَلَّفَ عَلَيْهِ رِجَالٌ، فَلَا يُعْطَى مُشْرِكٌ تَأَلُّفًا بِحَالٍ، وَقَدْ قَالَ بِهَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُؤَلَّفَةَ مُنْقَطِعَةٌ وَسَهْمَهُمْ سَاقِطٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: سَهْمُهُمْ ثَابِتٌ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُعْطَونَ إِنِ احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وَالصِّنْفُ الْخَامِسُ: هُمُ الرِّقَابُ، وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ، لَهُمْ سَهْمٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يُشْتَرَى بِسَهْمِ الرِّقَابِ عَبِيدٌ فَيُعْتَقُونَ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ الصِّنْفُ السَّادِسُ هُمْ: الْغَارِمُونَ، وَهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ دَانُوا لِأَنْفُسِهِمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ الْمَالِ مَا يَفِي بِدُيُونِهِمْ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ وَفَاءٌ فَلَا يُعْطَوْنَ، وَقِسْمٌ أَدَانُوا فِي الْمَعْرُوفِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ مَا يَقْضُونَ بِهِ دُيُونَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرْخَسِيُّ، أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا" [[رواه مرسلا: مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة ومن يجوز له أخذها: ١ / ٢٦٨، وأبو داود في الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني: ٢ / ٢٣٤-٢٣٥.]] .
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّصِلًا بِمَعْنَاهُ [[أخرجه أبو داود في الموضع السابق نفسه، وابن ماجه في الزكاة برقم (١٨٤١) : ١ / ٥٩٠. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٨٩.]] .
أَمَّا مَنْ كَانَ دَيْنُهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَرَادَ بِهَا: الْغُزَاةَ، فَلَهُمْ سَهْمٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، يُعْطَوْنَ إِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ إِلَى الْغَزْوِ، وَمَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى أَمْرِ الْغَزْوِ مِنَ: النَّفَقَةِ، وَالْكُسْوَةِ، وَالسِّلَاحِ، وَالْحُمُولَةِ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَلَا يُعْطَى مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْحَجِّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أَنْ يُصَرَفَ سَهْمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى الْحَجِّ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الصِّنْفُ الثَّامِنُ: هُمْ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ، فَكُلُّ مَنْ يُرِيدُ سَفَرًا مُبَاحًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَقْطَعُ بِهِ الْمَسَافَةَ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ مَا يَقْطَعُ بِهِ تِلْكَ الْمَسَافَةَ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ فِي الْبَلَدِ الْمُنْتَقِلِ إِلَيْهِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ابْنُ السَّبِيلِ هُوَ الضَّيْفُ.
وَقَالَ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ: ابْنُ السَّبِيلِ: الْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرِيضَةً﴾ أَيْ: وَاجِبَةً ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: فَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَرِيضَةً.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ، وَفِي جَوَازِ صَرْفِهَا إِلَى بَعْضِ الْأَصْنَافِ:
فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا كُلُّهَا إِلَى بَعْضِهِمْ مَعَ وُجُودِ سَائِرِ الْأَصْنَافِ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: يَجِبُ أَنْ تُقَسَّمَ زَكَاةُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنَ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ، الَّذِينَ سُهْمَانُهُمْ ثَابِتَةٌ قِسْمَةً عَلَى السَّوَاءِ، لِأَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ سَاقِطٌ، وَسَهْمَ الْعَامِلِ إِذَا قُسِّمَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ حِصَّةُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ تُصْرَفَ إِلَى أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ إِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكَثُرُ، فَلَوْ فَاوَتَ بَيْنَ أُولَئِكَ الثَّلَاثِ يَجُوزُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ بَعْضِ الْأَصْنَافِ إِلَّا وَاحِدٌ صُرِفَ حِصَّةُ ذَلِكَ الصِّنْفِ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنِ انْتَهَتْ حَاجَتُهُ وَفَضُلَ شَيْءٌ رَدَّهُ إِلَى الْبَاقِينَ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ صَرَفَ الْكُلَّ إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، أَوْ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ، وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى هَذِهِ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ إِعْلَامًا مِنْهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تُخْرَجُ عَنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، لَا إِيجَابًا لِقَسْمِهَا بَيْنَهُمْ جَمِيعًا. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَضَعَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ وَتَفْرِيقُهَا أَوْلَى.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَحْتَمِلُ الْإِجْزَاءَ قَسَّمَهُ عَلَى الْأَصْنَافِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جَازَ وَضْعُهُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَتَحَرَّى مَوْضِعَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ، وَيُقَدِّمُ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْخُلَّةِ وَالْحَاجَةِ، فَإِنْ رَأَى الْخُلَّةَ فِي الْفُقَرَاءِ فِي عَامٍ أَكْثَرَ قَدَّمَهُمْ، وَإِنْ رَآهَا فِي عَامٍ فِي صِنْفٍ آخَرَ حَوَّلَهَا إِلَيْهِمْ.
وَكُلُّ مَنْ دُفِعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الصَّدَقَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ عَلَى قَدْرِ غِنَاهُ، فَإِذَا حَصَلَ أَدْنَى اسْمُ الْغِنَى لَا يُعْطَى بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَرِفًا لَكِنَّهُ لَا يَجِدُ آلَةَ حِرْفَتِهِ: فَيُعْطَى قَدْرَ مَا يُحَصِّلُ بِهِ آلَةَ حِرْفَتِهِ، وَلَا يُزَادُ الْعَامِلُ عَلَى أَجْرِ عَمَلِهِ، وَالْمُكَاتَبُ عَلَى قَدْرِ مَا يُعْتَقُ بِهِ، وَلِلْغَرِيمِ عَلَى قَدْرِ دَيْنِهِ، وَلِلْغَازِي عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ لِلذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ وَالْمَقَامِ فِي مَغْزَاهُ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ، وَلِابْنِ السَّبِيلِ عَلَى قَدْرِ إِتْيَانِهِ مَقْصِدَهُ أَوْ مَآلَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْلِ الصَّدَقَةِ عَنْ بَلَدِ الْمَالِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِيهِ: فَكَرِهَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّيْفِيِّ عَنْ أَبِي مِعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتَرُدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ" [[أخرجه الشيخان وقد تقدم.]] .
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ أَغْنِيَاءِ كُلِّ قَوْمٍ تُرَدُّ عَلَى فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْقَوْمِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نُقِلَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ أُدِّيَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَسَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ ذِمَّتِهِ، إِلَّا ما حُكي ١٦٠/ب عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ رَدَّ صَدَقَةً حُمِلَتْ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الشَّامِ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ خُرَاسَانَ.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أَيْ: قَنَعُوا بِمَا قَسَمَ لَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كَافِينَا اللَّهُ، ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فِي أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلِهِ، فَيُغْنِينَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. وَجَوَابُ "لَوْ " مَحْذُوفٌ أَيْ: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَعْوَدَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الْآيَةُ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَهْلَ سُهْمَانِ الصَّدَقَاتِ وَجَعَلَهَا لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ. وَرُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُدَائِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعْتُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة: ٢ / ٢٣٠-٢٣١، والدارقطني في الزكاة ٢ / ١٣٧، والبيهقي في السنن: ٤ / ١٧٤. وقال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وقد تكلم فيه غير واحد.]]
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فَأَحَدُ أَصْنَافِ الصَّدَقَةِ: الْفُقَرَاءُ، وَالثَّانِي: الْمَسَاكِينُ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِفَةِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسْنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ، وَالْمِسْكِينُ: الَّذِي يَسْأَلُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ بِفَقِيرٍ مَنْ جَمَعَ الدِّرْهَمَ إِلَى الدِّرْهَمِ وَالتَّمْرَةَ إِلَى التَّمْرَةِ، وَلَكِنْ مَنْ أَنْقَى نَفْسَهُ وَثِيَابَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الْفَقِيرُ: الْمُحْتَاجُ الزَّمِنُ، وَالْمِسْكِينُ: الصَّحِيحُ الْمُحْتَاجُ.
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْفُقَرَاءُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسَاكِينُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا حِرْفَةَ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا، زَمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ زَمِنٍ، والمسكين من كال لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ وَلَا يُغْنِيهِ، سَائِلًا أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ. فَالْمِسْكِينُ عِنْدَهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ" ﴿الْكَهْفِ -٧٩﴾ أَثْبَتَ لَهُمْ مِلْكًا مَعَ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ.
وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ: الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ.
وَقَالَ القُتَيْبِيُّ: الْفَقِيرُ: الَّذِي لَهُ الْبُلْغَةُ مِنَ الْعَيْشِ، وَالْمِسْكِينُ: الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ.
وَقِيلَ: الْفَقِيرُ مِنْ لَهُ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ، وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَا مِلْكَ لَهُ. وَقَالُوا: كُلُّ مُحْتَاجٍ إِلَى شَيْءٍ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ١٥] ، وَالْمِسْكِينُ الْمُحْتَاجُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ أَلَا تَرَى كَيْفَ حَضَّ عَلَى إِطْعَامِهِ، وَجَعَلَ طَعَامَ الْكَفَّارَةِ لَهُ وَلَا فَاقَةَ أَشَدُّ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى سَدِّ الْجَوْعَةِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْفُقَرَاءُ هُمُ الْمُهَاجِرُونَ، وَالْمَسَاكِينُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ: الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ عِبَارَتَانِ عَنِ الْحَاجَةِ وَضَعْفِ الْحَالِ، فَالْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ الَّذِي كَسَرَتِ الْحَاجَةُ فِقَارَ ظَهْرِهِ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي ضَعُفَتْ نَفْسُهُ وَسَكَنَتْ عَنِ الْحَرَكَةِ فِي طَلَبِ الْقُوتِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، أَنْبَأَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ، يَعْنِي: ابْنَ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُدَيِّ بْنِ الْخِيَارِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلَاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ [فَصَعَّدَ فِيهِمَا وَصَوَّبَ] [[ما بين القوسين من مسند الشافعي.]] فَقَالَ: "إِنْ شئتما أعطيتكما ولاحظّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي قُوَّةٍ مُكْتَسِبٍ" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب فيمن يعطى من الصدقة: ٢ / ٢٣٣، والنسائي في الزكاة، باب مسألة الغني المكتسب: ٥ / ٩٩-١٠٠، والشافعي في المسند: ١ / ٢٤٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢ / ١٥، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٨١. قال الإمام أحمد: ما أجوده من حديث! انظر: التلخيص الحبير: ٣ / ١٠٨.]] .
وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْغَنِىِّ الَّذِي يُمْنَعُ أَخْذَ الصَّدَقَةِ: فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: حَدُّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ سَنَةً، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: حَدُّهُ أَنْ يَمْلِكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: مَنْ مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، لِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كَدَوحٌ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى: ٢ / ٢٢٦، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء من تحل له الزكاة: ٣ / ٣١٣-٣١٤ وقال: حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. وأخرجه النسائي في الزكاة، باب حد الغنى: ٥ / ٩٧، وابن ماجه في الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى، برقم (١٨٤٠) : ١ / ٥٨٩، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٨٣.]] . وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَقَالُوا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ مِنَ الزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا. وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا لِمَا رُوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا" [[أخرجه أبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة: ٢ / ٢٢٨-٢٢٩، والنسائي في الزكاة، باب إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها: ٥ / ٩٨-٩٩، والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٨٤.]] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وَهُمُ السُّعَاةُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ قَبْضَ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَهْلِهَا وَوَضْعَهَا فِي حَقِّهَا، فَيُعْطَوْنَ مَنْ مَالِ الصَّدَقَةِ، فُقَرَاءً كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءً، فَيُعْطَوْنَ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِمْ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ: لَهُمُ الثُّمُنُ مِنَ الصَّدَقَةِ.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فَالصِّنْفُ الرَّابِعُ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلصَّدَقَةِ هُمُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ مُسْلِمُونَ، وَقِسْمٌ كُفَّارٌ. فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ: فَقِسْمَانِ، قِسْمٌ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَنِيَّتُهُمْ ضَعِيفَةٌ فِيهِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِيهِمْ تَأَلُّفًا كَمَا أَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ، أَوْ أَسْلَمُوا وَنِيَّتُهُمْ قَوِيَّةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُمْ شُرَفَاءُ فِي قَوْمِهِمْ مِثْلُ: عُدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَالزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ، فَكَانَ يُعْطِيهِمْ تَأَلُّفًا لِقَوْمِهِمْ، وَتَرْغِيبًا لِأَمْثَالِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَهَؤُلَاءِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ خُمْسِ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ، وَالْفَيْءِ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُعْطِيهِمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ مُؤَلَّفَةِ الْمُسْلِمِينَ: أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِإِزَاءِ قَوْمٍ كَفَّارٍ فِي مَوْضِعٍ مُتَنَاطٍ [[متناط: متناءٍ بعيد.]] لَا تَبْلُغُهُمْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِمُؤْنَةٍ كَثِيرَةٍ وَهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ، إِمَّا لِضَعْفِ نِيَّتِهِمْ أَوْ لِضَعْفِ حَالِهِمْ، فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ. وَقِيلَ: مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ. وَمِنْهُمْ قَوْمٌ بِإِزَاءِ جَمَاعَةٍ مِنْ مَانِعِي الزَّكَاةِ يَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الزَّكَاةَ يَحْمِلُونَهَا إِلَى الْإِمَامِ، فَيُعْطِيهِمُ الْإِمَامُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلِّفَةِ مِنَ الصَّدَقَاتِ. وَقِيلَ: مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ.
رُوِيَ أَنَّ عُدَيَّ بْنَ حَاتِمٍ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ بِثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ مِنْ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ بَعِيرًا.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ: فَهُوَ مَنْ يُخْشَى شَرُّهُ مِنْهُمْ، أَوْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، فَيُرِيدُ الْإِمَامُ أَنَّ يُعْطِيَ هَذَا حَذَرًا مِنْ شَرِّهِ، أَوْ يُعْطِيَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُ في الإسلام ١٦٠/أفَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِيهِمْ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ، كَمَا أَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ لِمَا يَرَى مِنْ مَيْلِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فَلَهُ الْحَمْدُ، وَأَغْنَاهُ أَنْ يُتَأَلَّفَ عَلَيْهِ رِجَالٌ، فَلَا يُعْطَى مُشْرِكٌ تَأَلُّفًا بِحَالٍ، وَقَدْ قَالَ بِهَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُؤَلَّفَةَ مُنْقَطِعَةٌ وَسَهْمَهُمْ سَاقِطٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: سَهْمُهُمْ ثَابِتٌ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُعْطَونَ إِنِ احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وَالصِّنْفُ الْخَامِسُ: هُمُ الرِّقَابُ، وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ، لَهُمْ سَهْمٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يُشْتَرَى بِسَهْمِ الرِّقَابِ عَبِيدٌ فَيُعْتَقُونَ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ الصِّنْفُ السَّادِسُ هُمْ: الْغَارِمُونَ، وَهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ دَانُوا لِأَنْفُسِهِمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ الْمَالِ مَا يَفِي بِدُيُونِهِمْ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ وَفَاءٌ فَلَا يُعْطَوْنَ، وَقِسْمٌ أَدَانُوا فِي الْمَعْرُوفِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ مَا يَقْضُونَ بِهِ دُيُونَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرْخَسِيُّ، أَنْبَأَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا" [[رواه مرسلا: مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة ومن يجوز له أخذها: ١ / ٢٦٨، وأبو داود في الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني: ٢ / ٢٣٤-٢٣٥.]] .
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّصِلًا بِمَعْنَاهُ [[أخرجه أبو داود في الموضع السابق نفسه، وابن ماجه في الزكاة برقم (١٨٤١) : ١ / ٥٩٠. والمصنف في شرح السنة: ٦ / ٨٩.]] .
أَمَّا مَنْ كَانَ دَيْنُهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَرَادَ بِهَا: الْغُزَاةَ، فَلَهُمْ سَهْمٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، يُعْطَوْنَ إِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ إِلَى الْغَزْوِ، وَمَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى أَمْرِ الْغَزْوِ مِنَ: النَّفَقَةِ، وَالْكُسْوَةِ، وَالسِّلَاحِ، وَالْحُمُولَةِ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَلَا يُعْطَى مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْحَجِّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أَنْ يُصَرَفَ سَهْمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى الْحَجِّ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الصِّنْفُ الثَّامِنُ: هُمْ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ، فَكُلُّ مَنْ يُرِيدُ سَفَرًا مُبَاحًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَقْطَعُ بِهِ الْمَسَافَةَ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ مَا يَقْطَعُ بِهِ تِلْكَ الْمَسَافَةَ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ فِي الْبَلَدِ الْمُنْتَقِلِ إِلَيْهِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ابْنُ السَّبِيلِ هُوَ الضَّيْفُ.
وَقَالَ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ: ابْنُ السَّبِيلِ: الْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرِيضَةً﴾ أَيْ: وَاجِبَةً ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: فَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَرِيضَةً.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ، وَفِي جَوَازِ صَرْفِهَا إِلَى بَعْضِ الْأَصْنَافِ:
فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا كُلُّهَا إِلَى بَعْضِهِمْ مَعَ وُجُودِ سَائِرِ الْأَصْنَافِ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: يَجِبُ أَنْ تُقَسَّمَ زَكَاةُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنَ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ، الَّذِينَ سُهْمَانُهُمْ ثَابِتَةٌ قِسْمَةً عَلَى السَّوَاءِ، لِأَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ سَاقِطٌ، وَسَهْمَ الْعَامِلِ إِذَا قُسِّمَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ حِصَّةُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ تُصْرَفَ إِلَى أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ إِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكَثُرُ، فَلَوْ فَاوَتَ بَيْنَ أُولَئِكَ الثَّلَاثِ يَجُوزُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ بَعْضِ الْأَصْنَافِ إِلَّا وَاحِدٌ صُرِفَ حِصَّةُ ذَلِكَ الصِّنْفِ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنِ انْتَهَتْ حَاجَتُهُ وَفَضُلَ شَيْءٌ رَدَّهُ إِلَى الْبَاقِينَ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ صَرَفَ الْكُلَّ إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، أَوْ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ، وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى هَذِهِ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ إِعْلَامًا مِنْهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تُخْرَجُ عَنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، لَا إِيجَابًا لِقَسْمِهَا بَيْنَهُمْ جَمِيعًا. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَضَعَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ وَتَفْرِيقُهَا أَوْلَى.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَحْتَمِلُ الْإِجْزَاءَ قَسَّمَهُ عَلَى الْأَصْنَافِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جَازَ وَضْعُهُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَتَحَرَّى مَوْضِعَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ، وَيُقَدِّمُ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْخُلَّةِ وَالْحَاجَةِ، فَإِنْ رَأَى الْخُلَّةَ فِي الْفُقَرَاءِ فِي عَامٍ أَكْثَرَ قَدَّمَهُمْ، وَإِنْ رَآهَا فِي عَامٍ فِي صِنْفٍ آخَرَ حَوَّلَهَا إِلَيْهِمْ.
وَكُلُّ مَنْ دُفِعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الصَّدَقَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ عَلَى قَدْرِ غِنَاهُ، فَإِذَا حَصَلَ أَدْنَى اسْمُ الْغِنَى لَا يُعْطَى بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَرِفًا لَكِنَّهُ لَا يَجِدُ آلَةَ حِرْفَتِهِ: فَيُعْطَى قَدْرَ مَا يُحَصِّلُ بِهِ آلَةَ حِرْفَتِهِ، وَلَا يُزَادُ الْعَامِلُ عَلَى أَجْرِ عَمَلِهِ، وَالْمُكَاتَبُ عَلَى قَدْرِ مَا يُعْتَقُ بِهِ، وَلِلْغَرِيمِ عَلَى قَدْرِ دَيْنِهِ، وَلِلْغَازِي عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ لِلذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ وَالْمَقَامِ فِي مَغْزَاهُ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ، وَلِابْنِ السَّبِيلِ عَلَى قَدْرِ إِتْيَانِهِ مَقْصِدَهُ أَوْ مَآلَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْلِ الصَّدَقَةِ عَنْ بَلَدِ الْمَالِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِيهِ: فَكَرِهَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّيْفِيِّ عَنْ أَبِي مِعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتَرُدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ" [[أخرجه الشيخان وقد تقدم.]] .
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ أَغْنِيَاءِ كُلِّ قَوْمٍ تُرَدُّ عَلَى فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْقَوْمِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نُقِلَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ أُدِّيَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَسَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ ذِمَّتِهِ، إِلَّا ما حُكي ١٦٠/ب عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ رَدَّ صَدَقَةً حُمِلَتْ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الشَّامِ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ خُرَاسَانَ.