John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi

Surah At-Tawba

Tafseer Al-Baghawi · The Repentance · 129 ayat · ayat 61–90 · Quran text →

﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﷺ، وَيَقُولُونَ مَا لَا يَنْبَغِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَبْلُغَهُ مَا تَقُولُونَ فَيَقَعُ بِنَا. فَقَالَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدٍ مِنْهُمْ: بَلْ نَقُولُ مَا شِئْنَا، ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنُنْكِرُ مَا قُلْنَا، وَنَحْلِفُ فَيُصَدِّقُنَا بِمَا نَقُولُ، فَإِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ [[أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٦) ، سيرة ابن هشام: ١ / ٥٢١.]] أَيْ: أُذُنٌ سَامِعَةٌ، يُقَالُ: فَلَانٌ أُذُنٌ وأُذُنَةٌ عَلَى وَزْن فُعُلَةٍ إِذَا كَانَ يَسْمَعُ كُلَّ مَا قِيلَ لَهُ وَيَقْبَلُهُ. وَأَصْلُهُ مِنْ أَذِنَ يَأْذَنُ أُذُنًا أَيِ: اسْتَمَعَ. وَقِيلَ: هُوَ أُذُنٌ أَيْ: ذُو أُذُنٍ سَامِعَةٍ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُقَالُ لَهُ نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَكَانَ رَجُلًا أَذْلَمَ، ثَائِرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، أَحْمَرَ الْعَيْنَيْنِ، أَسْفَعَ الْخَدَّيْنِ، مُشَوَّهَ الْخِلْقَةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى نَبْتَلَ بْنِ الْحَارِثِ"، وَكَانَ يَنِمُّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ، فَقَالَ: إِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ فَمَنْ حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَقَهُ، فَنَقُولُ مَا شِئْنَا، ثُمَّ نَأْتِيهِ وَنَحْلِفُ بِاللَّهِ فَيُصَدِّقُنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[ذكره ابن إسحاق بلاغا: ١ / ٥٢١، وانظر: الطبري: ١٤ / ٣٢٤، أسباب النزول ص (٢٨٦) والدر المنثور: ٤ / ٢٢٧.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ قَرَأَهُ الْعَامَّةُ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: مُسْتَمِعُ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ لَكُمْ، لَا مُسْتَمِعَ شَرٍّ وَفَسَادٍ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ والبُرْجُمِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: ﴿أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مَرْفُوعَيْنِ مُنَوَّنَيْنِ، يَعْنِي: أَنْ يَسْمَعَ مِنْكُمْ وَيُصَدِّقَكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ يُكَذِّبَكُمْ وَلَا يَقْبَلُ قَوْلَكُمْ، ثُمَّ كَذَّبَهُمْ فَقَالَ: ﴿يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: لَا بَلْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ وَيَقْبَلُ مِنْهُمْ لَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ. يُقَالُ: أَمِنْتُهُ وَأَمِنْتُ لَهُ بِمَعْنَى صَدَّقْتُهُ.

﴿وَرَحْمَةٌ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ: " وَرَحْمَةٍ " بِالْخَفْضِ عَلَى مَعْنَى أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ، وَأُذُنُ رَحْمَةٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: "وَرَحْمَةٌ" بِالرَّفْعِ، أَيْ: هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ، وَهُوَ رَحْمَةٌ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ إِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ.

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ الْجُلَاسُ بْنُ سُوِيدٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَوَقَعُوا فِي النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حُقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، فَحَقَّرُوهُ وَقَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَغَضِبَ الْغُلَامُ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حُقٌّ وَأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَدَعَاهُمْ وَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَفُوا أَنَّ عَامِرًا كَذَّابٌ. وَحَلَفَ عَامِرٌ أَنَّهُمْ كَذَبَةٌ فَصَدَّقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَجَعَلَ عَامِرٌ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ وَكَذِّبِ الْكَاذِبَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٢٨، أسباب النزول ص: (٢٨٧) ، الطبري: ١٤ / ٣٢٩.]] .

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَوْهُ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ" ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يُخَالِفُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَنْ يَكُونُوا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أَيِ: الْفَضِيحَةُ الْعَظِيمَةُ.

﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ أَيْ: يَخْشَى الْمُنَافِقُونَ، ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: تُنَزَّلُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بِمَا فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا يَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيُسِرُّونَ وَيَخَافُونَ الْفَضِيحَةَ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ فِي شَأْنِهِمْ.

قَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى الْفَاضِحَةَ وَالْمُبَعْثِرَةَ وَالْمُثِيرَةَ، أَثَارَتْ مَخَازِيَهُمْ وَمَثَالِبَهُمْ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ ثُمَّ نَسَخَ ذِكْرَ الْأَسْمَاءِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لِئَلَّا يُعَيِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لِأَنَّ أَوْلَادَهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ.

﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ مُظْهِرٌ ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ كِيسَانَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْعَقَبَةِ لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِهِ إِذَا عَلَاهَا، وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ يُخْفِيهِمْ شَأْنَهُ، وَتَنَكَّرُوا لَهُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَدَّرُوا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاحِلَتَهُ، وَحُذَيْفَةُ يَسُوقُ بِهِ، فَقَالَ لِحُذَيْفَةَ: اضْرِبْ وُجُوهَ رَوَاحِلَهُمْ فَضَرَبَهَا حَتَّى نَحَّاهَا، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: مَنْ عَرَفْتَ مِنَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: لَمْ أَعْرِفْ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنَّهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى عَدَّهُمْ كُلَّهُمْ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَلَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمْ فَتَقْتُلَهُمْ؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ تَقُولَ الْعَرَبُ. لَمَّا ظَفِرَ بِأَصْحَابِهِ أَقْبَلَ يَقْتُلُهُمْ، بَلْ يَكْفِينَاهُمُ اللَّهُ بِالدُّبَيْلَةِ" [[انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٤٤.]] .

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قُلْنَا لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ؟ فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي أُمَّتِي -قَالَ شُعْبَةُ وَأَحْسَبُهُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ قَالَ فِي أُمَّتِي-اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ، حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ" [[أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، برقم (٢٧٧٩) : ٤ / ٢١٤٣.]] .

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ الْجُلَاسُ بْنُ سُوِيدٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَوَقَعُوا فِي النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حُقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، فَحَقَّرُوهُ وَقَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَغَضِبَ الْغُلَامُ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حُقٌّ وَأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَدَعَاهُمْ وَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَفُوا أَنَّ عَامِرًا كَذَّابٌ. وَحَلَفَ عَامِرٌ أَنَّهُمْ كَذَبَةٌ فَصَدَّقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَجَعَلَ عَامِرٌ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ وَكَذِّبِ الْكَاذِبَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٢٨، أسباب النزول ص: (٢٨٧) ، الطبري: ١٤ / ٣٢٩.]] .

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَوْهُ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ" ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يُخَالِفُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَنْ يَكُونُوا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أَيِ: الْفَضِيحَةُ الْعَظِيمَةُ.

﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ أَيْ: يَخْشَى الْمُنَافِقُونَ، ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: تُنَزَّلُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بِمَا فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا يَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيُسِرُّونَ وَيَخَافُونَ الْفَضِيحَةَ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ فِي شَأْنِهِمْ.

قَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى الْفَاضِحَةَ وَالْمُبَعْثِرَةَ وَالْمُثِيرَةَ، أَثَارَتْ مَخَازِيَهُمْ وَمَثَالِبَهُمْ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ ثُمَّ نَسَخَ ذِكْرَ الْأَسْمَاءِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لِئَلَّا يُعَيِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لِأَنَّ أَوْلَادَهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ.

﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ مُظْهِرٌ ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ كِيسَانَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْعَقَبَةِ لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِهِ إِذَا عَلَاهَا، وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ يُخْفِيهِمْ شَأْنَهُ، وَتَنَكَّرُوا لَهُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَدَّرُوا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاحِلَتَهُ، وَحُذَيْفَةُ يَسُوقُ بِهِ، فَقَالَ لِحُذَيْفَةَ: اضْرِبْ وُجُوهَ رَوَاحِلَهُمْ فَضَرَبَهَا حَتَّى نَحَّاهَا، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: مَنْ عَرَفْتَ مِنَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: لَمْ أَعْرِفْ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنَّهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى عَدَّهُمْ كُلَّهُمْ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَلَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمْ فَتَقْتُلَهُمْ؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ تَقُولَ الْعَرَبُ. لَمَّا ظَفِرَ بِأَصْحَابِهِ أَقْبَلَ يَقْتُلُهُمْ، بَلْ يَكْفِينَاهُمُ اللَّهُ بِالدُّبَيْلَةِ" [[انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٤٤.]] .

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قُلْنَا لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ؟ فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي أُمَّتِي -قَالَ شُعْبَةُ وَأَحْسَبُهُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ قَالَ فِي أُمَّتِي-اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ، حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ" [[أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، برقم (٢٧٧٩) : ٤ / ٢١٤٣.]] .

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ الْجُلَاسُ بْنُ سُوِيدٍ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَوَقَعُوا فِي النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حُقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، فَحَقَّرُوهُ وَقَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَغَضِبَ الْغُلَامُ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حُقٌّ وَأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَدَعَاهُمْ وَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَفُوا أَنَّ عَامِرًا كَذَّابٌ. وَحَلَفَ عَامِرٌ أَنَّهُمْ كَذَبَةٌ فَصَدَّقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَجَعَلَ عَامِرٌ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ وَكَذِّبِ الْكَاذِبَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٢٨، أسباب النزول ص: (٢٨٧) ، الطبري: ١٤ / ٣٢٩.]] .

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَوْهُ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ" ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يُخَالِفُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَنْ يَكُونُوا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أَيِ: الْفَضِيحَةُ الْعَظِيمَةُ.

﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ أَيْ: يَخْشَى الْمُنَافِقُونَ، ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: تُنَزَّلُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: بِمَا فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا يَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيُسِرُّونَ وَيَخَافُونَ الْفَضِيحَةَ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ فِي شَأْنِهِمْ.

قَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى الْفَاضِحَةَ وَالْمُبَعْثِرَةَ وَالْمُثِيرَةَ، أَثَارَتْ مَخَازِيَهُمْ وَمَثَالِبَهُمْ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ ثُمَّ نَسَخَ ذِكْرَ الْأَسْمَاءِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لِئَلَّا يُعَيِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لِأَنَّ أَوْلَادَهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ.

﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ مُظْهِرٌ ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾ .

قَالَ ابْنُ كِيسَانَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْعَقَبَةِ لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِهِ إِذَا عَلَاهَا، وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ يُخْفِيهِمْ شَأْنَهُ، وَتَنَكَّرُوا لَهُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَدَّرُوا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاحِلَتَهُ، وَحُذَيْفَةُ يَسُوقُ بِهِ، فَقَالَ لِحُذَيْفَةَ: اضْرِبْ وُجُوهَ رَوَاحِلَهُمْ فَضَرَبَهَا حَتَّى نَحَّاهَا، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: مَنْ عَرَفْتَ مِنَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: لَمْ أَعْرِفْ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإِنَّهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى عَدَّهُمْ كُلَّهُمْ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَلَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمْ فَتَقْتُلَهُمْ؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ تَقُولَ الْعَرَبُ. لَمَّا ظَفِرَ بِأَصْحَابِهِ أَقْبَلَ يَقْتُلُهُمْ، بَلْ يَكْفِينَاهُمُ اللَّهُ بِالدُّبَيْلَةِ" [[انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٤٤.]] .

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قُلْنَا لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ؟ فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي أُمَّتِي -قَالَ شُعْبَةُ وَأَحْسَبُهُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ قَالَ فِي أُمَّتِي-اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ، حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ" [[أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، برقم (٢٧٧٩) : ٤ / ٢١٤٣.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الْآيَةُ، وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَا قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، اثْنَانِ يَسْتَهْزِئَانِ بِالْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ، وَالثَّالِثُ يَضْحَكُ.

قِيلَ: كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَغْلِبُ الرُّومَ وَيَفْتَحُ مَدَائِنَهُمْ مَا أَبْعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ!

وَقِيلَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَزَلَ فِي أَصْحَابِنَا الْمُقِيمِينَ بِالْمَدِينَةِ قُرْآنٌ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ؛ فَقَالَ: احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ، فَدَعَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، فَقَالُوا: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، أَيْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ وَنَخُوضُ فِي الْكَلَامِ كَمَا يَفْعَلُ الرَّكْبُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ بِالْحَدِيثِ وَاللَّعِبِ.

قَالَ عمر [[هكذا في النسختين: "قال عمر". والصواب: "ابن عمر".]] فلقد ١٦١/أرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَشْتَدُّ قُدَّامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحِجَارَةُ تَنْكُبُهُ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٣٣٣-٣٣٤، أسباب النزول للواحدي ص (٢٨٨) ، الدر المنثور: ٤ / ٢٣٠-٢٣١.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ﴾ أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾ كِتَابِهِ، ﴿وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟.

قِيلَ: مَعْنَاهُ: أَظْهَرْتُمُ الْكَفْرَ بَعْدَمَا أَظْهَرْتُمُ الْإِيمَانَ.

﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: نَتُبْ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْكُمْ، وَأَرَادَ بِالطَّائِفَةِ وَاحِدًا، ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بِالِاسْتِهْزَاءِ. قَرَأَ عَاصِمٌ: "نَعْفُ" بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّ الْفَاءِ، "نُعَذِّبْ" بِالنُّونِ وَكَسْرِ الذَّالِ، ﴿طَائِفَةً﴾ نُصِبَ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: "يُعْفَ" بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتَحِ الْفَاءِ، ﴿تُعَذَّبْ﴾ بِالتَّاءِ وَفَتْحِ الذَّالِ، "طَائِفٌ" رُفِعَ عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: الَّذِي عَفَا عَنْهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ، هُوَ مَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ الْأَشْجَعِيِّ، يُقَالُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَضْحَكُ وَلَا يَخُوضُ، وَكَانَ يَمْشِي مُجَانِبًا لَهُمْ وَيُنْكِرُ بَعْضَ مَا يَسْمَعُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَابَ مِنْ نِفَاقِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَزَالُ أَسَمَعُ آيَةً تُقْرَأُ أُعْنَى بِهَا تَقْشَعِرُّ الْجُلُودُ مِنْهَا، وَتَجِبُ [[وجب قلبه يجب وجيبا: خفق واضطرب.]] مِنْهَا الْقُلُوبُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ وَفَاتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ لَا يَقُولُ أَحَدٌ أَنَّا غُسِّلْتُ أَنَا كُفِّنْتُ أَنَا دُفِنْتُ، فَأُصِيبَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَمَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا عُرِفَ مَصْرَعُهُ غَيْرَهُ [[سيرة ابن هشام: ٢ / ٥٢٥. وفيه: مخشِّن بن حمير، ويقال: مَخْشِيّ.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ: هُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى النِّفَاقِ، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بِالشَّرَكِ وَالْمَعْصِيَةِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: يُمْسِكُونَهَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَبْسُطُونَهَا بِخَيْرٍ، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ، فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ رَحْمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَرَكَهُمْ فِي عَذَابِهِ، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ كَافِيَتُهُمْ جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دَائِمٌ.

﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قبلكم بالعدول من أَمْرِ اللَّهِ، فَلُعِنْتُمْ كَمَا لُعِنُوا ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشًا وَمَنَعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ فَتَمَتَّعُوا أَوِ انْتَفَعُوا بِخَلَاقِهِمْ؛ بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَرَضُوا بِهِ عِوَضًا عَنِ الْآخِرَةِ، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ أَيُّهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَهُمْ، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ فِي الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وَبِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أَيْ: كَمَا خَاضُوا. وَقِيلَ: كَالَّذِي يَعْنِي كَالَّذِينِ خَاضُوا، وَذَلِكَ أَنَّ "الَّذِي" اسْمٌ نَاقِصٌ، مِثْلُ "مَا" وَ"مَنْ" يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ثُمَّ قَالَ: "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" [البقرة: ١٧] .

﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيْ: كَمَا حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَخَسِرُوا كَذَلِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُكُمْ وَخَسِرْتُمْ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ"؟ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَهَلِ النَّاسُ إِلَّا هُمْ"، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنْتُمْ أَشْبَهُ الْأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَمْتًا وَهَدْيًا تَتَّبِعُونَ عَمَلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَتَعْبُدُونَ الْعِجْلَ أَمْ لَا؟ " [[أخرجه البخاري في الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم.." ١٣ / ٣٠٠، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم (٢٦٦٩) : ٤ / ٢٠٥٤، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٩٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، ﴿نَبَأُ﴾ خَبَرُ، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنَا، وَخَالَفُوا أَمْرَنَا كَيْفَ عَذَّبْنَاهُمْ وَأَهْلَكْنَاهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَهُمْ، فَقَالَ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالطُّوفَانِ، ﴿وَعَادٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ﴿وَثَمُودَ﴾ بِالرَّجْفَةِ، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ وَهَلَاكِ نَمْرُودَ، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الْمُنْقَلِبَاتِ الَّتِي جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ، ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فَكَذَّبُوهُمْ وَعَصَوْهُمْ كَمَا فَعَلْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ، فَاحْذَرُوا تَعْجِيلَ النِّقْمَةِ، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فِي الدِّينِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ وَالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ.

﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَا لَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الْمَفْرُوضَةَ، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ مَنَازِلَ طَيِّبَةً، ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينُ خُلْدٍ وَإِقَامَةٍ، يُقَالُ: عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ بُطْنَانُ الْجَنَّةِ، أَيْ: وَسَطُهَا.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدَنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: قَصْرٌ مِنْ ذَهَبٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: "عَدَنٌ" نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ [جِنَانُهُ] [[في "ب": (جنباته) .]] عَلَى حَافَّتَيْهِ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: "عَدَنٌ" أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَفِيهَا عَيْنُ التَّسْنِيمِ، وَالْجِنَانُ حَوْلَهَا، مُحْدِقَةٌ بِهَا، وَهِيَ مُغَطَّاةٌ مِنْ حِينِ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِلَهَا أَهْلُهَا: الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِيهَا قُصُورُ الدُّرِّ وَالْيَوَاقِيتُ وَالذَّهَبُ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِمْ كُثْبَانُ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ الْأَبْيَضِ.

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فيقولون: ربنا ومالنا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة: ١٣ / ٤٨٧، وفي الرقاق أيضا، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة برقم (٢٨٢٩) ٤ / ٢١٧٦، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٣١-٢٣٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ: هُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى النِّفَاقِ، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بِالشَّرَكِ وَالْمَعْصِيَةِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: يُمْسِكُونَهَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَبْسُطُونَهَا بِخَيْرٍ، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ، فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ رَحْمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَرَكَهُمْ فِي عَذَابِهِ، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ كَافِيَتُهُمْ جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دَائِمٌ.

﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قبلكم بالعدول من أَمْرِ اللَّهِ، فَلُعِنْتُمْ كَمَا لُعِنُوا ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشًا وَمَنَعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ فَتَمَتَّعُوا أَوِ انْتَفَعُوا بِخَلَاقِهِمْ؛ بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَرَضُوا بِهِ عِوَضًا عَنِ الْآخِرَةِ، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ أَيُّهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَهُمْ، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ فِي الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وَبِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أَيْ: كَمَا خَاضُوا. وَقِيلَ: كَالَّذِي يَعْنِي كَالَّذِينِ خَاضُوا، وَذَلِكَ أَنَّ "الَّذِي" اسْمٌ نَاقِصٌ، مِثْلُ "مَا" وَ"مَنْ" يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ثُمَّ قَالَ: "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" [البقرة: ١٧] .

﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيْ: كَمَا حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَخَسِرُوا كَذَلِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُكُمْ وَخَسِرْتُمْ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ"؟ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَهَلِ النَّاسُ إِلَّا هُمْ"، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنْتُمْ أَشْبَهُ الْأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَمْتًا وَهَدْيًا تَتَّبِعُونَ عَمَلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَتَعْبُدُونَ الْعِجْلَ أَمْ لَا؟ " [[أخرجه البخاري في الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم.." ١٣ / ٣٠٠، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم (٢٦٦٩) : ٤ / ٢٠٥٤، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٩٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، ﴿نَبَأُ﴾ خَبَرُ، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنَا، وَخَالَفُوا أَمْرَنَا كَيْفَ عَذَّبْنَاهُمْ وَأَهْلَكْنَاهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَهُمْ، فَقَالَ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالطُّوفَانِ، ﴿وَعَادٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ﴿وَثَمُودَ﴾ بِالرَّجْفَةِ، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ وَهَلَاكِ نَمْرُودَ، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الْمُنْقَلِبَاتِ الَّتِي جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ، ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فَكَذَّبُوهُمْ وَعَصَوْهُمْ كَمَا فَعَلْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ، فَاحْذَرُوا تَعْجِيلَ النِّقْمَةِ، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فِي الدِّينِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ وَالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ.

﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَا لَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الْمَفْرُوضَةَ، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ مَنَازِلَ طَيِّبَةً، ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينُ خُلْدٍ وَإِقَامَةٍ، يُقَالُ: عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ بُطْنَانُ الْجَنَّةِ، أَيْ: وَسَطُهَا.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدَنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: قَصْرٌ مِنْ ذَهَبٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: "عَدَنٌ" نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ [جِنَانُهُ] [[في "ب": (جنباته) .]] عَلَى حَافَّتَيْهِ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: "عَدَنٌ" أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَفِيهَا عَيْنُ التَّسْنِيمِ، وَالْجِنَانُ حَوْلَهَا، مُحْدِقَةٌ بِهَا، وَهِيَ مُغَطَّاةٌ مِنْ حِينِ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِلَهَا أَهْلُهَا: الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِيهَا قُصُورُ الدُّرِّ وَالْيَوَاقِيتُ وَالذَّهَبُ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِمْ كُثْبَانُ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ الْأَبْيَضِ.

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فيقولون: ربنا ومالنا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة: ١٣ / ٤٨٧، وفي الرقاق أيضا، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة برقم (٢٨٢٩) ٤ / ٢١٧٦، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٣١-٢٣٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ: هُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى النِّفَاقِ، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بِالشَّرَكِ وَالْمَعْصِيَةِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: يُمْسِكُونَهَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَبْسُطُونَهَا بِخَيْرٍ، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ، فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ رَحْمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَرَكَهُمْ فِي عَذَابِهِ، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ كَافِيَتُهُمْ جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دَائِمٌ.

﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قبلكم بالعدول من أَمْرِ اللَّهِ، فَلُعِنْتُمْ كَمَا لُعِنُوا ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشًا وَمَنَعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ فَتَمَتَّعُوا أَوِ انْتَفَعُوا بِخَلَاقِهِمْ؛ بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَرَضُوا بِهِ عِوَضًا عَنِ الْآخِرَةِ، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ أَيُّهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَهُمْ، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ فِي الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وَبِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أَيْ: كَمَا خَاضُوا. وَقِيلَ: كَالَّذِي يَعْنِي كَالَّذِينِ خَاضُوا، وَذَلِكَ أَنَّ "الَّذِي" اسْمٌ نَاقِصٌ، مِثْلُ "مَا" وَ"مَنْ" يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ثُمَّ قَالَ: "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" [البقرة: ١٧] .

﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيْ: كَمَا حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَخَسِرُوا كَذَلِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُكُمْ وَخَسِرْتُمْ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ"؟ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَهَلِ النَّاسُ إِلَّا هُمْ"، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنْتُمْ أَشْبَهُ الْأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَمْتًا وَهَدْيًا تَتَّبِعُونَ عَمَلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَتَعْبُدُونَ الْعِجْلَ أَمْ لَا؟ " [[أخرجه البخاري في الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم.." ١٣ / ٣٠٠، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم (٢٦٦٩) : ٤ / ٢٠٥٤، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٩٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، ﴿نَبَأُ﴾ خَبَرُ، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنَا، وَخَالَفُوا أَمْرَنَا كَيْفَ عَذَّبْنَاهُمْ وَأَهْلَكْنَاهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَهُمْ، فَقَالَ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالطُّوفَانِ، ﴿وَعَادٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ﴿وَثَمُودَ﴾ بِالرَّجْفَةِ، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ وَهَلَاكِ نَمْرُودَ، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الْمُنْقَلِبَاتِ الَّتِي جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ، ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فَكَذَّبُوهُمْ وَعَصَوْهُمْ كَمَا فَعَلْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ، فَاحْذَرُوا تَعْجِيلَ النِّقْمَةِ، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فِي الدِّينِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ وَالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ.

﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَا لَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الْمَفْرُوضَةَ، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ مَنَازِلَ طَيِّبَةً، ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينُ خُلْدٍ وَإِقَامَةٍ، يُقَالُ: عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ بُطْنَانُ الْجَنَّةِ، أَيْ: وَسَطُهَا.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدَنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: قَصْرٌ مِنْ ذَهَبٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: "عَدَنٌ" نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ [جِنَانُهُ] [[في "ب": (جنباته) .]] عَلَى حَافَّتَيْهِ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: "عَدَنٌ" أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَفِيهَا عَيْنُ التَّسْنِيمِ، وَالْجِنَانُ حَوْلَهَا، مُحْدِقَةٌ بِهَا، وَهِيَ مُغَطَّاةٌ مِنْ حِينِ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِلَهَا أَهْلُهَا: الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِيهَا قُصُورُ الدُّرِّ وَالْيَوَاقِيتُ وَالذَّهَبُ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِمْ كُثْبَانُ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ الْأَبْيَضِ.

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فيقولون: ربنا ومالنا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة: ١٣ / ٤٨٧، وفي الرقاق أيضا، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة برقم (٢٨٢٩) ٤ / ٢١٧٦، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٣١-٢٣٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ: هُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى النِّفَاقِ، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بِالشَّرَكِ وَالْمَعْصِيَةِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: يُمْسِكُونَهَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَبْسُطُونَهَا بِخَيْرٍ، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ، فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ رَحْمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَرَكَهُمْ فِي عَذَابِهِ، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ كَافِيَتُهُمْ جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دَائِمٌ.

﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قبلكم بالعدول من أَمْرِ اللَّهِ، فَلُعِنْتُمْ كَمَا لُعِنُوا ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشًا وَمَنَعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ فَتَمَتَّعُوا أَوِ انْتَفَعُوا بِخَلَاقِهِمْ؛ بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَرَضُوا بِهِ عِوَضًا عَنِ الْآخِرَةِ، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ أَيُّهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَهُمْ، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ فِي الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وَبِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أَيْ: كَمَا خَاضُوا. وَقِيلَ: كَالَّذِي يَعْنِي كَالَّذِينِ خَاضُوا، وَذَلِكَ أَنَّ "الَّذِي" اسْمٌ نَاقِصٌ، مِثْلُ "مَا" وَ"مَنْ" يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ثُمَّ قَالَ: "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" [البقرة: ١٧] .

﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيْ: كَمَا حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَخَسِرُوا كَذَلِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُكُمْ وَخَسِرْتُمْ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ"؟ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَهَلِ النَّاسُ إِلَّا هُمْ"، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنْتُمْ أَشْبَهُ الْأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَمْتًا وَهَدْيًا تَتَّبِعُونَ عَمَلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَتَعْبُدُونَ الْعِجْلَ أَمْ لَا؟ " [[أخرجه البخاري في الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم.." ١٣ / ٣٠٠، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم (٢٦٦٩) : ٤ / ٢٠٥٤، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٩٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، ﴿نَبَأُ﴾ خَبَرُ، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنَا، وَخَالَفُوا أَمْرَنَا كَيْفَ عَذَّبْنَاهُمْ وَأَهْلَكْنَاهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَهُمْ، فَقَالَ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالطُّوفَانِ، ﴿وَعَادٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ﴿وَثَمُودَ﴾ بِالرَّجْفَةِ، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ وَهَلَاكِ نَمْرُودَ، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الْمُنْقَلِبَاتِ الَّتِي جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ، ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فَكَذَّبُوهُمْ وَعَصَوْهُمْ كَمَا فَعَلْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ، فَاحْذَرُوا تَعْجِيلَ النِّقْمَةِ، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فِي الدِّينِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ وَالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ.

﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَا لَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الْمَفْرُوضَةَ، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ مَنَازِلَ طَيِّبَةً، ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينُ خُلْدٍ وَإِقَامَةٍ، يُقَالُ: عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ بُطْنَانُ الْجَنَّةِ، أَيْ: وَسَطُهَا.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدَنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: قَصْرٌ مِنْ ذَهَبٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: "عَدَنٌ" نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ [جِنَانُهُ] [[في "ب": (جنباته) .]] عَلَى حَافَّتَيْهِ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: "عَدَنٌ" أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَفِيهَا عَيْنُ التَّسْنِيمِ، وَالْجِنَانُ حَوْلَهَا، مُحْدِقَةٌ بِهَا، وَهِيَ مُغَطَّاةٌ مِنْ حِينِ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِلَهَا أَهْلُهَا: الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِيهَا قُصُورُ الدُّرِّ وَالْيَوَاقِيتُ وَالذَّهَبُ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِمْ كُثْبَانُ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ الْأَبْيَضِ.

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فيقولون: ربنا ومالنا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة: ١٣ / ٤٨٧، وفي الرقاق أيضا، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة برقم (٢٨٢٩) ٤ / ٢١٧٦، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٣١-٢٣٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ: هُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى النِّفَاقِ، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بِالشَّرَكِ وَالْمَعْصِيَةِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: يُمْسِكُونَهَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَبْسُطُونَهَا بِخَيْرٍ، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ، فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ رَحْمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَرَكَهُمْ فِي عَذَابِهِ، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ كَافِيَتُهُمْ جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دَائِمٌ.

﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قبلكم بالعدول من أَمْرِ اللَّهِ، فَلُعِنْتُمْ كَمَا لُعِنُوا ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشًا وَمَنَعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ فَتَمَتَّعُوا أَوِ انْتَفَعُوا بِخَلَاقِهِمْ؛ بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَرَضُوا بِهِ عِوَضًا عَنِ الْآخِرَةِ، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ أَيُّهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَهُمْ، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ فِي الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وَبِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أَيْ: كَمَا خَاضُوا. وَقِيلَ: كَالَّذِي يَعْنِي كَالَّذِينِ خَاضُوا، وَذَلِكَ أَنَّ "الَّذِي" اسْمٌ نَاقِصٌ، مِثْلُ "مَا" وَ"مَنْ" يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ثُمَّ قَالَ: "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" [البقرة: ١٧] .

﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيْ: كَمَا حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَخَسِرُوا كَذَلِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُكُمْ وَخَسِرْتُمْ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ"؟ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَهَلِ النَّاسُ إِلَّا هُمْ"، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنْتُمْ أَشْبَهُ الْأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَمْتًا وَهَدْيًا تَتَّبِعُونَ عَمَلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَتَعْبُدُونَ الْعِجْلَ أَمْ لَا؟ " [[أخرجه البخاري في الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم.." ١٣ / ٣٠٠، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم (٢٦٦٩) : ٤ / ٢٠٥٤، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٩٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، ﴿نَبَأُ﴾ خَبَرُ، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنَا، وَخَالَفُوا أَمْرَنَا كَيْفَ عَذَّبْنَاهُمْ وَأَهْلَكْنَاهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَهُمْ، فَقَالَ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالطُّوفَانِ، ﴿وَعَادٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ﴿وَثَمُودَ﴾ بِالرَّجْفَةِ، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ وَهَلَاكِ نَمْرُودَ، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الْمُنْقَلِبَاتِ الَّتِي جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ، ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فَكَذَّبُوهُمْ وَعَصَوْهُمْ كَمَا فَعَلْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ، فَاحْذَرُوا تَعْجِيلَ النِّقْمَةِ، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فِي الدِّينِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ وَالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ.

﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَا لَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الْمَفْرُوضَةَ، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ مَنَازِلَ طَيِّبَةً، ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينُ خُلْدٍ وَإِقَامَةٍ، يُقَالُ: عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ بُطْنَانُ الْجَنَّةِ، أَيْ: وَسَطُهَا.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدَنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: قَصْرٌ مِنْ ذَهَبٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: "عَدَنٌ" نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ [جِنَانُهُ] [[في "ب": (جنباته) .]] عَلَى حَافَّتَيْهِ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: "عَدَنٌ" أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَفِيهَا عَيْنُ التَّسْنِيمِ، وَالْجِنَانُ حَوْلَهَا، مُحْدِقَةٌ بِهَا، وَهِيَ مُغَطَّاةٌ مِنْ حِينِ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِلَهَا أَهْلُهَا: الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِيهَا قُصُورُ الدُّرِّ وَالْيَوَاقِيتُ وَالذَّهَبُ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِمْ كُثْبَانُ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ الْأَبْيَضِ.

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فيقولون: ربنا ومالنا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة: ١٣ / ٤٨٧، وفي الرقاق أيضا، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة برقم (٢٨٢٩) ٤ / ٢١٧٦، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٣١-٢٣٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ: هُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى النِّفَاقِ، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بِالشَّرَكِ وَالْمَعْصِيَةِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَيْ: يُمْسِكُونَهَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَبْسُطُونَهَا بِخَيْرٍ، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ، فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ رَحْمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَرَكَهُمْ فِي عَذَابِهِ، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ كَافِيَتُهُمْ جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دَائِمٌ.

﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قبلكم بالعدول من أَمْرِ اللَّهِ، فَلُعِنْتُمْ كَمَا لُعِنُوا ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ بَطْشًا وَمَنَعَةً، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ فَتَمَتَّعُوا أَوِ انْتَفَعُوا بِخَلَاقِهِمْ؛ بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَرَضُوا بِهِ عِوَضًا عَنِ الْآخِرَةِ، ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ أَيُّهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَهُمْ، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ فِي الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وَبِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أَيْ: كَمَا خَاضُوا. وَقِيلَ: كَالَّذِي يَعْنِي كَالَّذِينِ خَاضُوا، وَذَلِكَ أَنَّ "الَّذِي" اسْمٌ نَاقِصٌ، مِثْلُ "مَا" وَ"مَنْ" يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ثُمَّ قَالَ: "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" [البقرة: ١٧] .

﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أَيْ: كَمَا حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَخَسِرُوا كَذَلِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُكُمْ وَخَسِرْتُمْ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ"؟ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَهَلِ النَّاسُ إِلَّا هُمْ"، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنْتُمْ أَشْبَهُ الْأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَمْتًا وَهَدْيًا تَتَّبِعُونَ عَمَلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَتَعْبُدُونَ الْعِجْلَ أَمْ لَا؟ " [[أخرجه البخاري في الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم.." ١٣ / ٣٠٠، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم (٢٦٦٩) : ٤ / ٢٠٥٤، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٩٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، ﴿نَبَأُ﴾ خَبَرُ، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنَا، وَخَالَفُوا أَمْرَنَا كَيْفَ عَذَّبْنَاهُمْ وَأَهْلَكْنَاهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَهُمْ، فَقَالَ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالطُّوفَانِ، ﴿وَعَادٍ﴾ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ﴿وَثَمُودَ﴾ بِالرَّجْفَةِ، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ وَهَلَاكِ نَمْرُودَ، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ يَعْنِي قَوْمَ شُعَيْبٍ أُهْلِكُوا بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الْمُنْقَلِبَاتِ الَّتِي جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ، ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فَكَذَّبُوهُمْ وَعَصَوْهُمْ كَمَا فَعَلْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ، فَاحْذَرُوا تَعْجِيلَ النِّقْمَةِ، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فِي الدِّينِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ وَالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ.

﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْخَيْرِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَا لَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الْمَفْرُوضَةَ، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ مَنَازِلَ طَيِّبَةً، ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينُ خُلْدٍ وَإِقَامَةٍ، يُقَالُ: عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ بُطْنَانُ الْجَنَّةِ، أَيْ: وَسَطُهَا.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا يُقَالُ لَهُ: "عَدَنٌ" حَوْلَهُ الْبُرُوجُ وَالْمُرُوجُ، لَهُ خَمْسَةُ آلَافِ بَابٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: قَصْرٌ مِنْ ذَهَبٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: "عَدَنٌ" نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ [جِنَانُهُ] [[في "ب": (جنباته) .]] عَلَى حَافَّتَيْهِ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: "عَدَنٌ" أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَفِيهَا عَيْنُ التَّسْنِيمِ، وَالْجِنَانُ حَوْلَهَا، مُحْدِقَةٌ بِهَا، وَهِيَ مُغَطَّاةٌ مِنْ حِينِ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِلَهَا أَهْلُهَا: الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِيهَا قُصُورُ الدُّرِّ وَالْيَوَاقِيتُ وَالذَّهَبُ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِمْ كُثْبَانُ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ الْأَبْيَضِ.

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فيقولون: ربنا ومالنا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة: ١٣ / ٤٨٧، وفي الرقاق أيضا، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة برقم (٢٨٢٩) ٤ / ٢١٧٦، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٣١-٢٣٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بِالسَّيْفِ وَالْقَتْلِ، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ جِهَادِ الْمُنَافِقِينَ، قال ابن ١٦١/ب مَسْعُودٍ: بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَقَالَ لَا تَلَقَ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ [[أخرجه الطبري عن ابن مسعود: ١٤ / ٣٥٨. ومعنى: بوجه مكفهر: عابس منقبض، لا طلاقة فيه ولا بشر ولا انبساط.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِاللِّسَانِ وَتَرْكِ الرِّفْقِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِتَغْلِيظِ الْكَلَامِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ.

﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ﴾ فِي الْآخِرَةِ،.

﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي ظِلِّ حُجْرَةٍ فَقَالَ: "إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إِنْسَانٌ فَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ، فَإِذَا جَاءَ فَلَا تُكَلِّمُوهُ"، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَعَ رَجُلٌ أَزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ"؟ فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ، مَا قَالُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٣٦٣، وصحح الشيخ شاكر إسناده. وزاد السيوطي نسبته للطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه. الدر المنثور: ٤ / ٢٤١.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوِيدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ بِتَبُوكَ، فَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَسَمَّاهُمْ رِجْسًا وَعَابَهُمْ، فَقَالَ جُلَاسٌ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. فَسَمِعَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: أَجَلْ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ وَأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْجُلَاسُ، فَقَالَ الْجُلَاسُ: كَذَبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِفَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَقَامَ الْجُلَاسُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا قَالَهُ، وَلَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ عَامِرٌ، ثُمَّ قَامَ عَامِرٌ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ قَالَهُ وَمَا كَذَبْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى نَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصَّادِقِ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ: آمِينَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا بِهَذِهِ الْآيَةِ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فَقَامَ الْجُلَاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْمَعُ [اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ] [[ساقط من "ب".]] قَدْ عَرَضَ عَلَيَّ التَّوْبَةَ، صَدَقَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَا قَالَهُ، لَقَدْ قُلْتُهُ وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ مِنْهُ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ أَيْ: أَظْهَرُوا الْكَفْرَ بَعْدَ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: هِيَ سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُ الْجُلَاسِ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُهُمْ "لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ"، [المنافقين: ٨] وَسَتَأْتِي تِلْكَ الْقِصَّةُ [فِي مَوْضِعِهَا فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ] [[زيادة من المطبوع.]] ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: هَمَّ الْمُنَافِقُونَ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ الَّذِي سَمِعَ قَوْلَهُمْ: لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، لِكَيْ لَا يُفْشِيَهُ.

وَقِيلَ: هُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَقَفُوا عَلَى الْعَقَبَةِ فِي طَرِيقِ تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلَهُمْ، فَأَرْسَلَ حُذَيْفَةَ لِذَلِكَ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالُوا إِذَا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَقَدْنَا عَلَى رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ تَاجًا، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ.

﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ وَمَا كَرِهُوا وَمَا أَنْكَرُوا مِنْهُمْ، ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ مَوْلَى الْجُلَاسِ قُتِلَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاسْتَغْنَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ضَنْكٍ مِنَ الْعَيْشِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَغْنَوْا بِالْغَنَائِمِ.

﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ مِنْ نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يُعْرِضُوا عَنِ الْإِيمَانِ، ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بِالْخِزْيِ، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بِالسَّيْفِ وَالْقَتْلِ، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ جِهَادِ الْمُنَافِقِينَ، قال ابن ١٦١/ب مَسْعُودٍ: بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَقَالَ لَا تَلَقَ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ [[أخرجه الطبري عن ابن مسعود: ١٤ / ٣٥٨. ومعنى: بوجه مكفهر: عابس منقبض، لا طلاقة فيه ولا بشر ولا انبساط.]] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِاللِّسَانِ وَتَرْكِ الرِّفْقِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِتَغْلِيظِ الْكَلَامِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ.

﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ﴾ فِي الْآخِرَةِ،.

﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي ظِلِّ حُجْرَةٍ فَقَالَ: "إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إِنْسَانٌ فَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ، فَإِذَا جَاءَ فَلَا تُكَلِّمُوهُ"، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَعَ رَجُلٌ أَزْرَقُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ"؟ فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَجَاءَ بِأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ، مَا قَالُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٣٦٣، وصحح الشيخ شاكر إسناده. وزاد السيوطي نسبته للطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه. الدر المنثور: ٤ / ٢٤١.]] .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْجُلَاسِ بْنِ سُوِيدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ بِتَبُوكَ، فَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ وَسَمَّاهُمْ رِجْسًا وَعَابَهُمْ، فَقَالَ جُلَاسٌ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. فَسَمِعَهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: أَجَلْ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ وَأَنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْجُلَاسُ، فَقَالَ الْجُلَاسُ: كَذَبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِفَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَقَامَ الْجُلَاسُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا قَالَهُ، وَلَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ عَامِرٌ، ثُمَّ قَامَ عَامِرٌ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ قَالَهُ وَمَا كَذَبْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى نَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصَّادِقِ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ: آمِينَ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا بِهَذِهِ الْآيَةِ، حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فَقَامَ الْجُلَاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْمَعُ [اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ] [[ساقط من "ب".]] قَدْ عَرَضَ عَلَيَّ التَّوْبَةَ، صَدَقَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَا قَالَهُ، لَقَدْ قُلْتُهُ وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ مِنْهُ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ أَيْ: أَظْهَرُوا الْكَفْرَ بَعْدَ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: هِيَ سَبُّ النَّبِيِّ ﷺ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُ الْجُلَاسِ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الْكُفْرِ قَوْلُهُمْ "لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ"، [المنافقين: ٨] وَسَتَأْتِي تِلْكَ الْقِصَّةُ [فِي مَوْضِعِهَا فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ] [[زيادة من المطبوع.]] ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: هَمَّ الْمُنَافِقُونَ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ الَّذِي سَمِعَ قَوْلَهُمْ: لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، لِكَيْ لَا يُفْشِيَهُ.

وَقِيلَ: هُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَقَفُوا عَلَى الْعَقَبَةِ فِي طَرِيقِ تَبُوكَ لِيَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَضْرِبُ وُجُوهَ رَوَاحِلَهُمْ، فَأَرْسَلَ حُذَيْفَةَ لِذَلِكَ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالُوا إِذَا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَقَدْنَا عَلَى رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ تَاجًا، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ.

﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ وَمَا كَرِهُوا وَمَا أَنْكَرُوا مِنْهُمْ، ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ مَوْلَى الْجُلَاسِ قُتِلَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاسْتَغْنَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ضَنْكٍ مِنَ الْعَيْشِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَغْنَوْا بِالْغَنَائِمِ.

﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ مِنْ نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يُعْرِضُوا عَنِ الْإِيمَانِ، ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بِالْخِزْيِ، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الْآيَةُ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا مُعَانُ [[في "أ" (معاذ) (بالذال) .]] بْنُ رِفَاعَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ [[في الأصل: (زيد) وهو خطأ.]] عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: جَاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ"، ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَرَدْتُ أَنْ تَسِيرَ الْجِبَالُ مَعِي ذَهَبًا وَفِضَّةً لَسَارَتْ" ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مَالًا لَأُعْطِيَنَ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالًا".

قَالَ: فَاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَنَزَلَ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَتِهَا وَهِيَ تَنْمُو كَالدُّودِ، فَكَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَيُصَلِّي فِي غَنَمِهِ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ كَثُرَتْ وَنَمَتْ حَتَّى تَبَاعَدَ بِهَا عَنِ الْمَدِينَةِ، فَصَارَ لَا يَشْهَدُ إِلَّا الْجُمُعَةَ، ثُمَّ كَثُرَتْ فَنَمَتْ فَتَبَاعَدَ أَيْضًا حَتَّى كَانَ لَا يَشْهَدُ جُمْعَةً وَلَا جَمَاعَةً. فَكَانَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ خَرَجَ يَتَلَقَّى النَّاسَ يَسْأَلُهُمْ عَنِ الْأَخْبَارِ، فَذَكَرَهُ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّخَذَ ثَعْلَبَةُ غَنَمًا مَا يَسَعُهَا وَادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الصَّدَقَاتِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَرَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ وَكَتَبَ لَهُمَا أَسْنَانَ الصَّدَقَةِ، كَيْفَ يَأْخُذَانِ؟ وَقَالَ لَهُمَا: "مُرَّا بِثَعْلَبَةَ بن حاطب، و [بفلان] ، رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَخُذَا صَدَقَاتِهِمَا، فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا ثَعْلَبَةَ فَسَأَلَاهُ الصَّدَقَةَ وَأَقْرَآهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَةٌ مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ، انْطَلِقَا حَتَّى تَفْرُغَا ثُمَّ عُودَا إِلَيَّ، فَانْطَلَقَا وَسَمِعَ بِهِمَا السُّلَمِيُّ فَنَظَرَ إِلَى خِيَارِ أَسْنَانِ إِبِلِهِ فَعَزَلَهَا لِلصَّدَقَةِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمَا بِهَا فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: مَا هَذِهِ عَلَيْكَ. قَالَ: خُذَاهُ فَإِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ، فَمَرَّا عَلَى النَّاسِ فَأَخَذَا الصَّدَقَاتِ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: أَرُوْنِي كِتَابَكُمَا فَقَرَأَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ، اذْهَبَا حَتَّى أَرَى رَأْيِي.

قَالَ فَأَقْبَلَا فَلَمَّا رَآهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَاهُ قَالَ: يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، ثُمَّ دَعَا لِلسُّلَمِيِّ بِخَيْرٍ، فَأَخْبَرَاهُ بِالَّذِي صَنَعَ ثَعْلَبَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ ١٦٢/أالْآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِ ثَعْلَبَةَ فَسَمِعَ ذَلِكَ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ: وَيَحُكَ يَا ثَعْلَبَةُ لِقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ الصَّدَقَةَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ، فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا عَمَلُكَ وَقَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمَّا أَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبِضَ صَدَقَتَهُ، رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ. وَقُبِضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: اقْبَلْ صَدَقَتِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِمَ يَقْبَلْهَا مِنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَنَا أَقْبَلُهَا؟ فَقُبِضَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَقْبَلْهَا. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ أَتَاهُ فَقَالَ: اقْبَلْ صَدَقَتِي، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْكَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا أَبُو بَكْرٍ، أَنَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ؟ فَلَمْ يَقْبَلْهَا فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَتَاهُ فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٣٧٠-٣٧٢، والواحدي في أسباب النزول ص (٢٩٠-٢٩٢) ، وابن الأثير في أسد الغابة: ١ / ٢٨٤-٢٨٥، وأشار إلى أنه مخرج عن ابن منده وأبي نعيم وابن عبد البر في الاستيعاب ١٠ / ٢١٠، وعزاه الهيثمي للطبراني وقال: "فيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك". وعزاه السيوطي في الدر: ٤ / ٢٤٦ والهيثمي في المجمع: ٧ / ٢١ للحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والعسكري في الأمثال وابن مردويه وأبي نعيم في معرفة الصحابة، وابن عساكر. ومعان بن رفاعة السلمي: لين الحديث، وعلي بن يزيد: ضعيف بمرة. فالخبر ضعيف. قال فيه ابن حجر: "وهذا إسناد ضعيف جدا" وقال الشيخ محمود شاكر: "هو ضعيف كل الضعف -ليس له شاهد من غيره- وفي بعض رواته ضعف شديد". وفي كون المراد بالآية ثعلبة بن حاطب. نظر. فإنه بدري. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية" وحكى ﷺ عن ربه تبارك وتعالى أنه قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقا في قلبه، وينزل فيه ما ينزل؟ وثعلبة بن حاطب رضي الله عنه، الذي شهد بدرا، قتل في غزوة أحد، وفي هذ الرواية أنه هلك في عهد عثمان رضي الله عنه، فتأكد أنه ليس هو ثعلبة بن حاطب البدري. وانظر: الكافي الشاف ص (٧٧) ، الإصابة: ١ / ٤٠١، الحاوي للفتاوى: ٢ / ١٨٣.]] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: أَتَى ثَعْلَبَةُ مَجْلِسًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَشْهَدَهُمْ لَئِنْ آتَانِيَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ آتَيْتُ مِنْهُ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقِّهِ، وَتَصَدَّقَتُ مِنْهُ، وَوَصَلْتُ الرَّحِمَ، وَأَحْسَنْتُ إِلَى الْقَرَابَةِ، فَمَاتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ [فَوَرَّثَهُ] [[في (أ) : فورث منه.]] مَالًا فَلَمْ يَفِ بِمَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [[انظر: الطبري: ١٤ / ٣٧٣-٣٧٤، الدر المنثور: ٤ / ٢٤٧.]] .

وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وَهُمَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، خَرَجَا عَلَى مَلَأٍ قُعُودٍ وَقَالَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَزَقَنَا اللَّهُ [مَالًا] [[ساقط من "أ".]] لَنَصَّدَّقَنَّ، فَلَمَّا رَزَقَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَخِلَا بِهِ [[الطبري: ١٤ / ٣٧٤-٣٧٥.]] فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ ﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وَلِنُؤَدِّيَن حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ.

﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ نَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الصَّلَاحِ فِيهِ؛ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْخَيْرِ.

"فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ".

﴿فَأَعْقَبَهُم﴾ فَأَخَلَفَهُمْ، ﴿نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمُ النِّفَاقَ، يُقَالُ: أَعْقَبَ فَلَانَا نَدَامَةً إِذَا صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: عَاقَبَهُمْ بِنِفَاقِ قُلُوبِهِمْ. يُقَالُ: عَاقَبْتُهُ وَأَعْقَبْتُهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ.

﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يُرِيدُ حَرَمَهُمُ التَّوْبَةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَيْسَفُونِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِق ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمِنَ خَانَ" [[أخرجه البخاري في الإيمان، باب علامات المنافق: ١ / ٨٩، ومسلم في الإيمان، باب خصال المنافق، برقم (٥٩) : ١ / ٧٨، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٧٢.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ يَعْنِي: مَا أَضْمَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ وَمَا تَنَاجَوْا بِهِ بَيْنَهُمْ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الْآيَةُ.

قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ جِئْتُكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَاجْعَلْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمْسَكْتُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ لِعِيَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ"، فَبَارَكَ اللَّهُ فِي مَالِهِ حَتَّى إِنَّهُ خَلَّفَ امْرَأَتَيْنِ يَوْم مَاتَ فَبَلَغَ ثُمُنُ مَالِهِ لَهُمَا مِائَةً وَسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَتَصَدَّقَ يَوْمَئِذٍ عَاصِمُ بْنُ عُدَيٍّ الْعَجْلَانِيُّ بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ. وَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ الْأَنْصَارِيُّ وَاسْمُهُ الْحَبَّابُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِتُّ لَيْلَتِي أَجُرُّ بِالْجَرِيرِ الْمَاءَ حَتَّى نِلْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ فَأَمْسَكْتُ أَحَدَهُمَا لِأَهْلِي وَأَتَيْتُكَ بِالْآخَرِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْثُرَهُ فِي الصَّدَقَةِ، فَلَمِزَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالُوا: مَا أَعْطَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَاصِمٌ إِلَّا رِيَاءً، وَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْ صَاعِ أَبِي عَقِيلٍ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُذْكِّرَ بِنَفْسِهِ لِيُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[انظر: الطبري: ١٤ / ٣٨٣-٣٨٨، الدر المنثور: ٤ / ٢٤٩-٢٥٠.]]

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أَيْ: يَعِيبُونَ ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الْمُتَبَرِّعِينَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ يَعْنِي: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَعَاصِمًا.

﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ أَيْ: طَاقَتُهُمْ، يَعْنِي: أَبَا عَقِيلٍ. وَالْجُهْدُ: الطَّاقَةُ، بِالضَّمِّ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ بِالْفَتْحِ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: الْجُهْدُ بِالضَّمِّ الطَّاقَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ.

﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ مِنْهُمْ، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: جَازَاهُمُ اللَّهُ عَلَى السُّخْرِيَةِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

"فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ".

﴿فَأَعْقَبَهُم﴾ فَأَخَلَفَهُمْ، ﴿نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمُ النِّفَاقَ، يُقَالُ: أَعْقَبَ فَلَانَا نَدَامَةً إِذَا صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: عَاقَبَهُمْ بِنِفَاقِ قُلُوبِهِمْ. يُقَالُ: عَاقَبْتُهُ وَأَعْقَبْتُهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ.

﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يُرِيدُ حَرَمَهُمُ التَّوْبَةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَيْسَفُونِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِق ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمِنَ خَانَ" [[أخرجه البخاري في الإيمان، باب علامات المنافق: ١ / ٨٩، ومسلم في الإيمان، باب خصال المنافق، برقم (٥٩) : ١ / ٧٨، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٧٢.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ يَعْنِي: مَا أَضْمَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ وَمَا تَنَاجَوْا بِهِ بَيْنَهُمْ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الْآيَةُ.

قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ جِئْتُكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَاجْعَلْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمْسَكْتُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ لِعِيَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ"، فَبَارَكَ اللَّهُ فِي مَالِهِ حَتَّى إِنَّهُ خَلَّفَ امْرَأَتَيْنِ يَوْم مَاتَ فَبَلَغَ ثُمُنُ مَالِهِ لَهُمَا مِائَةً وَسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَتَصَدَّقَ يَوْمَئِذٍ عَاصِمُ بْنُ عُدَيٍّ الْعَجْلَانِيُّ بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ. وَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ الْأَنْصَارِيُّ وَاسْمُهُ الْحَبَّابُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِتُّ لَيْلَتِي أَجُرُّ بِالْجَرِيرِ الْمَاءَ حَتَّى نِلْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ فَأَمْسَكْتُ أَحَدَهُمَا لِأَهْلِي وَأَتَيْتُكَ بِالْآخَرِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْثُرَهُ فِي الصَّدَقَةِ، فَلَمِزَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالُوا: مَا أَعْطَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَاصِمٌ إِلَّا رِيَاءً، وَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْ صَاعِ أَبِي عَقِيلٍ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُذْكِّرَ بِنَفْسِهِ لِيُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[انظر: الطبري: ١٤ / ٣٨٣-٣٨٨، الدر المنثور: ٤ / ٢٤٩-٢٥٠.]]

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أَيْ: يَعِيبُونَ ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الْمُتَبَرِّعِينَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ يَعْنِي: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَعَاصِمًا.

﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ أَيْ: طَاقَتُهُمْ، يَعْنِي: أَبَا عَقِيلٍ. وَالْجُهْدُ: الطَّاقَةُ، بِالضَّمِّ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ بِالْفَتْحِ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: الْجُهْدُ بِالضَّمِّ الطَّاقَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ.

﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ مِنْهُمْ، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: جَازَاهُمُ اللَّهُ عَلَى السُّخْرِيَةِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

"فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ".

﴿فَأَعْقَبَهُم﴾ فَأَخَلَفَهُمْ، ﴿نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمُ النِّفَاقَ، يُقَالُ: أَعْقَبَ فَلَانَا نَدَامَةً إِذَا صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: عَاقَبَهُمْ بِنِفَاقِ قُلُوبِهِمْ. يُقَالُ: عَاقَبْتُهُ وَأَعْقَبْتُهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ.

﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يُرِيدُ حَرَمَهُمُ التَّوْبَةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَيْسَفُونِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِق ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمِنَ خَانَ" [[أخرجه البخاري في الإيمان، باب علامات المنافق: ١ / ٨٩، ومسلم في الإيمان، باب خصال المنافق، برقم (٥٩) : ١ / ٧٨، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٧٢.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ يَعْنِي: مَا أَضْمَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ وَمَا تَنَاجَوْا بِهِ بَيْنَهُمْ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الْآيَةُ.

قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ جِئْتُكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَاجْعَلْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمْسَكْتُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ لِعِيَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ"، فَبَارَكَ اللَّهُ فِي مَالِهِ حَتَّى إِنَّهُ خَلَّفَ امْرَأَتَيْنِ يَوْم مَاتَ فَبَلَغَ ثُمُنُ مَالِهِ لَهُمَا مِائَةً وَسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَتَصَدَّقَ يَوْمَئِذٍ عَاصِمُ بْنُ عُدَيٍّ الْعَجْلَانِيُّ بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ. وَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ الْأَنْصَارِيُّ وَاسْمُهُ الْحَبَّابُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِتُّ لَيْلَتِي أَجُرُّ بِالْجَرِيرِ الْمَاءَ حَتَّى نِلْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ فَأَمْسَكْتُ أَحَدَهُمَا لِأَهْلِي وَأَتَيْتُكَ بِالْآخَرِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْثُرَهُ فِي الصَّدَقَةِ، فَلَمِزَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالُوا: مَا أَعْطَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَاصِمٌ إِلَّا رِيَاءً، وَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْ صَاعِ أَبِي عَقِيلٍ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُذْكِّرَ بِنَفْسِهِ لِيُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[انظر: الطبري: ١٤ / ٣٨٣-٣٨٨، الدر المنثور: ٤ / ٢٤٩-٢٥٠.]]

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أَيْ: يَعِيبُونَ ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الْمُتَبَرِّعِينَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ يَعْنِي: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَعَاصِمًا.

﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ أَيْ: طَاقَتُهُمْ، يَعْنِي: أَبَا عَقِيلٍ. وَالْجُهْدُ: الطَّاقَةُ، بِالضَّمِّ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ بِالْفَتْحِ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: الْجُهْدُ بِالضَّمِّ الطَّاقَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ.

﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ مِنْهُمْ، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: جَازَاهُمُ اللَّهُ عَلَى السُّخْرِيَةِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

"فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ".

﴿فَأَعْقَبَهُم﴾ فَأَخَلَفَهُمْ، ﴿نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ: صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمُ النِّفَاقَ، يُقَالُ: أَعْقَبَ فَلَانَا نَدَامَةً إِذَا صَيَّرَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: عَاقَبَهُمْ بِنِفَاقِ قُلُوبِهِمْ. يُقَالُ: عَاقَبْتُهُ وَأَعْقَبْتُهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ.

﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يُرِيدُ حَرَمَهُمُ التَّوْبَةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَيْسَفُونِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِق ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمِنَ خَانَ" [[أخرجه البخاري في الإيمان، باب علامات المنافق: ١ / ٨٩، ومسلم في الإيمان، باب خصال المنافق، برقم (٥٩) : ١ / ٧٨، والمصنف في شرح السنة: ١ / ٧٢.]] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ يَعْنِي: مَا أَضْمَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ وَمَا تَنَاجَوْا بِهِ بَيْنَهُمْ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الْآيَةُ.

قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ جِئْتُكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَاجْعَلْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمْسَكْتُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ لِعِيَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ"، فَبَارَكَ اللَّهُ فِي مَالِهِ حَتَّى إِنَّهُ خَلَّفَ امْرَأَتَيْنِ يَوْم مَاتَ فَبَلَغَ ثُمُنُ مَالِهِ لَهُمَا مِائَةً وَسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَتَصَدَّقَ يَوْمَئِذٍ عَاصِمُ بْنُ عُدَيٍّ الْعَجْلَانِيُّ بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ. وَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ الْأَنْصَارِيُّ وَاسْمُهُ الْحَبَّابُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِتُّ لَيْلَتِي أَجُرُّ بِالْجَرِيرِ الْمَاءَ حَتَّى نِلْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ فَأَمْسَكْتُ أَحَدَهُمَا لِأَهْلِي وَأَتَيْتُكَ بِالْآخَرِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْثُرَهُ فِي الصَّدَقَةِ، فَلَمِزَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالُوا: مَا أَعْطَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَاصِمٌ إِلَّا رِيَاءً، وَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْ صَاعِ أَبِي عَقِيلٍ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُذْكِّرَ بِنَفْسِهِ لِيُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [[انظر: الطبري: ١٤ / ٣٨٣-٣٨٨، الدر المنثور: ٤ / ٢٤٩-٢٥٠.]]

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أَيْ: يَعِيبُونَ ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الْمُتَبَرِّعِينَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ يَعْنِي: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَعَاصِمًا.

﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ أَيْ: طَاقَتُهُمْ، يَعْنِي: أَبَا عَقِيلٍ. وَالْجُهْدُ: الطَّاقَةُ، بِالضَّمِّ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ بِالْفَتْحِ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: الْجُهْدُ بِالضَّمِّ الطَّاقَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ.

﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ مِنْهُمْ، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: جَازَاهُمُ اللَّهُ عَلَى السُّخْرِيَةِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لَفْظُهُ أَمْرٌ، وَمَعْنَاهُ خَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ: اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.

﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَذِكْرُ عَدَدِ السَّبْعِينَ لِلْمُبَالِغَةِ فِي الْيَأْسِ عَلَى طَمَعِ الْمَغْفِرَةِ.

قَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَخَّصَ لِي فَلَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [[الطبري: ١٤ / ٣٩٥، الدر المنثور: ٤ / ٢٥٣.]] .

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .

﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَالْمُخَلَّفُ: الْمَتْرُوكُ ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أَيْ بِقُعُودِهِمْ ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقِيلَ: مُخَالَفَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَارَ وَأَقَامُوا، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وَكَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ يَعْلَمُونَ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فِي الْآخِرَةِ. تَقْدِيرُهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا فَسَيَبْكُونَ كَثِيرًا، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنْبَأَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ [الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ] قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِ الشَّرْقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" [[أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله تعالى: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم": ٨ / ٢٨٠، ومسلم في الفضائل، باب توقيره ﷺ، برقم (٢٣٥٩) : ٤ / ١٨٣٢، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٦٨-٣٦٩.]] .

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا [أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ الثَّعْلَبِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ الدُّمُوعُ، فَتَسِيلُ الدِّمَاءُ فَتَقَرَّحُ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُجْرِيَتْ فِيهَا لَجَرَتْ" [[قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وأضعف من فيه يزيد الرقاشي، وقد وُثِّق على ضعفه. انظر: المجمع: ١٠ / ٣٩١، وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٥٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أَيْ: رَدَّكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْمُخَلَّفِينَ. وَإِنَّمَا قَالَ: "طَائِفَةٍ مِنْهُمْ" لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ مُنَافِقًا، ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى، ﴿فَقُلْ﴾ لَهُمْ ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ فِي سَفَرٍ، ﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أَيْ: مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَقِيلَ مَعَ الزَّمْنَى والمرضى.

وقال ١٦٢/ب ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ.

وَقِيلَ: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ: صَاحِبٌ خَالِفٌ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا.

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لَفْظُهُ أَمْرٌ، وَمَعْنَاهُ خَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ: اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.

﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَذِكْرُ عَدَدِ السَّبْعِينَ لِلْمُبَالِغَةِ فِي الْيَأْسِ عَلَى طَمَعِ الْمَغْفِرَةِ.

قَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَخَّصَ لِي فَلَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [[الطبري: ١٤ / ٣٩٥، الدر المنثور: ٤ / ٢٥٣.]] .

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .

﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَالْمُخَلَّفُ: الْمَتْرُوكُ ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أَيْ بِقُعُودِهِمْ ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقِيلَ: مُخَالَفَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَارَ وَأَقَامُوا، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وَكَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ يَعْلَمُونَ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فِي الْآخِرَةِ. تَقْدِيرُهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا فَسَيَبْكُونَ كَثِيرًا، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنْبَأَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ [الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ] قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِ الشَّرْقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" [[أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله تعالى: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم": ٨ / ٢٨٠، ومسلم في الفضائل، باب توقيره ﷺ، برقم (٢٣٥٩) : ٤ / ١٨٣٢، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٦٨-٣٦٩.]] .

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا [أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ الثَّعْلَبِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ الدُّمُوعُ، فَتَسِيلُ الدِّمَاءُ فَتَقَرَّحُ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُجْرِيَتْ فِيهَا لَجَرَتْ" [[قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وأضعف من فيه يزيد الرقاشي، وقد وُثِّق على ضعفه. انظر: المجمع: ١٠ / ٣٩١، وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٥٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أَيْ: رَدَّكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْمُخَلَّفِينَ. وَإِنَّمَا قَالَ: "طَائِفَةٍ مِنْهُمْ" لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ مُنَافِقًا، ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى، ﴿فَقُلْ﴾ لَهُمْ ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ فِي سَفَرٍ، ﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أَيْ: مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَقِيلَ مَعَ الزَّمْنَى والمرضى.

وقال ١٦٢/ب ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ.

وَقِيلَ: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ: صَاحِبٌ خَالِفٌ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا.

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لَفْظُهُ أَمْرٌ، وَمَعْنَاهُ خَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ: اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.

﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَذِكْرُ عَدَدِ السَّبْعِينَ لِلْمُبَالِغَةِ فِي الْيَأْسِ عَلَى طَمَعِ الْمَغْفِرَةِ.

قَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَخَّصَ لِي فَلَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [[الطبري: ١٤ / ٣٩٥، الدر المنثور: ٤ / ٢٥٣.]] .

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .

﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَالْمُخَلَّفُ: الْمَتْرُوكُ ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أَيْ بِقُعُودِهِمْ ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقِيلَ: مُخَالَفَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَارَ وَأَقَامُوا، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وَكَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ يَعْلَمُونَ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فِي الْآخِرَةِ. تَقْدِيرُهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا فَسَيَبْكُونَ كَثِيرًا، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنْبَأَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ [الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ] قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِ الشَّرْقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" [[أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله تعالى: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم": ٨ / ٢٨٠، ومسلم في الفضائل، باب توقيره ﷺ، برقم (٢٣٥٩) : ٤ / ١٨٣٢، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٦٨-٣٦٩.]] .

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا [أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ الثَّعْلَبِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ الدُّمُوعُ، فَتَسِيلُ الدِّمَاءُ فَتَقَرَّحُ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُجْرِيَتْ فِيهَا لَجَرَتْ" [[قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وأضعف من فيه يزيد الرقاشي، وقد وُثِّق على ضعفه. انظر: المجمع: ١٠ / ٣٩١، وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٥٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أَيْ: رَدَّكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْمُخَلَّفِينَ. وَإِنَّمَا قَالَ: "طَائِفَةٍ مِنْهُمْ" لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ مُنَافِقًا، ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى، ﴿فَقُلْ﴾ لَهُمْ ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ فِي سَفَرٍ، ﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أَيْ: مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَقِيلَ مَعَ الزَّمْنَى والمرضى.

وقال ١٦٢/ب ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ.

وَقِيلَ: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ: صَاحِبٌ خَالِفٌ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا.

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لَفْظُهُ أَمْرٌ، وَمَعْنَاهُ خَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ: اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.

﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَذِكْرُ عَدَدِ السَّبْعِينَ لِلْمُبَالِغَةِ فِي الْيَأْسِ عَلَى طَمَعِ الْمَغْفِرَةِ.

قَالَ الضَّحَّاكُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَخَّصَ لِي فَلَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [[الطبري: ١٤ / ٣٩٥، الدر المنثور: ٤ / ٢٥٣.]] .

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .

﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَالْمُخَلَّفُ: الْمَتْرُوكُ ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أَيْ بِقُعُودِهِمْ ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقِيلَ: مُخَالَفَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَارَ وَأَقَامُوا، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وَكَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ يَعْلَمُونَ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فِي الْآخِرَةِ. تَقْدِيرُهُ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا فَسَيَبْكُونَ كَثِيرًا، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنْبَأَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ [الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ] قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِ الشَّرْقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" [[أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله تعالى: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم": ٨ / ٢٨٠، ومسلم في الفضائل، باب توقيره ﷺ، برقم (٢٣٥٩) : ٤ / ١٨٣٢، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٦٨-٣٦٩.]] .

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا [أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ] [[ما بين القوسين ساقط من "أ".]] يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ الثَّعْلَبِيِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ الدُّمُوعُ، فَتَسِيلُ الدِّمَاءُ فَتَقَرَّحُ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُجْرِيَتْ فِيهَا لَجَرَتْ" [[قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وأضعف من فيه يزيد الرقاشي، وقد وُثِّق على ضعفه. انظر: المجمع: ١٠ / ٣٩١، وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٥ / ٢٥٢.]] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أَيْ: رَدَّكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْمُخَلَّفِينَ. وَإِنَّمَا قَالَ: "طَائِفَةٍ مِنْهُمْ" لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ مُنَافِقًا، ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى، ﴿فَقُلْ﴾ لَهُمْ ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ فِي سَفَرٍ، ﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أَيْ: مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَقِيلَ مَعَ الزَّمْنَى والمرضى.

وقال ١٦٢/ب ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ.

وَقِيلَ: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ: صَاحِبٌ خَالِفٌ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا.

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أَهْلَكَكَ حُبُّ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتُؤَنِّبَنِي، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، وَسَأَلَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِي قَمِيصِهِ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلِمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين.. ٣ / ٢٢٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبَدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ فِي فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.

قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ هَارُونُ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [أَلْبِسْ أَبِي] قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ ٣ / ٢١٤.]] .

وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ [[أخرجه البخاري في الجهاد، باب الكسوة للأسارى: ٦ / ١٤٤.]] .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُلِّمَ فِيمَا فَعَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ ﷺ: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وَصَلَاتِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ"، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَسْلَمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ لَمَّا رَأَوْهُ يَتَبَرَّكُ بِقَمِيصِ النَّبِيِّ ﷺ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٤٠٩-٤١٠، والخازن: ٣ / ١٠٨، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٥٩، أسباب النزول للواحدي ص (٢٩٥) .]] .

قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَلَا تَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ فَلَانٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ: إِذَا كَفَاهُ أَمْرَهُ.

﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهَا عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قُبِضَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذَوُو الْغِنَى وَالسَّعَةِ مِنْهُمْ فِي الْقُعُودِ، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ فِي رِحَالِهِمْ.

﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَعْنِي النِّسَاءَ. وَقِيلَ: مَعَ أَدْنِيَاءِ النَّاسِ وَسَفَلَتِهِمْ. يُقَالُ: فَلَانٌ خَالِفَةُ قَوْمِهِ إِذَا كَانَ دُونَهُمْ.

﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ، وَقِيلَ: الْجَوَارِي الْحِسَانُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ، جَمْعُ خَيْرَةٍ [[قال الطبري: "الخيرات": هي خيرات الآخرة، وذلك، نساؤها، وجناتها، ونعيمها. واحدتها: "خَيْرَة"، كما قال الشاعر: ولقد طَعَنْتُ مُجَامِعَ الرَّبَلاَتِ ... رَبَلاَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الْمَلَكَاتِ

"والخيرة" من كل شيء، الفاضلة. انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٤-٤١٥.]] وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ [الْخَيْرَ] [[في "أ": (الخيرات) .]] لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" [السجدة: ١٧] .

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الْآيَةُ، قَرَأَ يَعْقُوبُ وَمُجَاهِدٌ: ﴿َ الْمُعْذِرُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَهُمُ الْمُبَالِغُونَ فِي الْعُذْرِ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "لَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ" أَيْ: بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ قَدَّمَ النِّذَارَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " الْمُعَذِّرُونَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: الْمُقَصِّرُونَ، يُقَالُ: عَذَّرَ أَيْ: قَصَّرَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُعَذِّرُونَ الْمُعْتَذِرُونَ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُعَذِّرُونَ هُمْ رَهْطُ عَامِرِ بن الطفيل جاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ غَزَوْنَا مَعَكَ تُغير أعراب طيء عَلَى حَلَائِلِنَا وَأَوْلَادِنَا وَمَوَاشِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَنْبَأَنِي اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ" [[انظر: البحر المحيط: ٥ / ٨٤.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٨.]] .

﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ.

قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُسِيئًا قَوْمٌ تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِالْبَاطِلِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وَقَوْمٌ تَخْلَّفُوا عَنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ عُذْرٍ فَقَعَدُوا جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ فَأَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أَهْلَكَكَ حُبُّ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتُؤَنِّبَنِي، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، وَسَأَلَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِي قَمِيصِهِ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلِمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين.. ٣ / ٢٢٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبَدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ فِي فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.

قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ هَارُونُ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [أَلْبِسْ أَبِي] قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ ٣ / ٢١٤.]] .

وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ [[أخرجه البخاري في الجهاد، باب الكسوة للأسارى: ٦ / ١٤٤.]] .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُلِّمَ فِيمَا فَعَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ ﷺ: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وَصَلَاتِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ"، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَسْلَمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ لَمَّا رَأَوْهُ يَتَبَرَّكُ بِقَمِيصِ النَّبِيِّ ﷺ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٤٠٩-٤١٠، والخازن: ٣ / ١٠٨، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٥٩، أسباب النزول للواحدي ص (٢٩٥) .]] .

قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَلَا تَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ فَلَانٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ: إِذَا كَفَاهُ أَمْرَهُ.

﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهَا عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قُبِضَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذَوُو الْغِنَى وَالسَّعَةِ مِنْهُمْ فِي الْقُعُودِ، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ فِي رِحَالِهِمْ.

﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَعْنِي النِّسَاءَ. وَقِيلَ: مَعَ أَدْنِيَاءِ النَّاسِ وَسَفَلَتِهِمْ. يُقَالُ: فَلَانٌ خَالِفَةُ قَوْمِهِ إِذَا كَانَ دُونَهُمْ.

﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ، وَقِيلَ: الْجَوَارِي الْحِسَانُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ، جَمْعُ خَيْرَةٍ [[قال الطبري: "الخيرات": هي خيرات الآخرة، وذلك، نساؤها، وجناتها، ونعيمها. واحدتها: "خَيْرَة"، كما قال الشاعر: ولقد طَعَنْتُ مُجَامِعَ الرَّبَلاَتِ ... رَبَلاَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الْمَلَكَاتِ

"والخيرة" من كل شيء، الفاضلة. انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٤-٤١٥.]] وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ [الْخَيْرَ] [[في "أ": (الخيرات) .]] لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" [السجدة: ١٧] .

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الْآيَةُ، قَرَأَ يَعْقُوبُ وَمُجَاهِدٌ: ﴿َ الْمُعْذِرُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَهُمُ الْمُبَالِغُونَ فِي الْعُذْرِ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "لَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ" أَيْ: بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ قَدَّمَ النِّذَارَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " الْمُعَذِّرُونَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: الْمُقَصِّرُونَ، يُقَالُ: عَذَّرَ أَيْ: قَصَّرَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُعَذِّرُونَ الْمُعْتَذِرُونَ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُعَذِّرُونَ هُمْ رَهْطُ عَامِرِ بن الطفيل جاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ غَزَوْنَا مَعَكَ تُغير أعراب طيء عَلَى حَلَائِلِنَا وَأَوْلَادِنَا وَمَوَاشِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَنْبَأَنِي اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ" [[انظر: البحر المحيط: ٥ / ٨٤.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٨.]] .

﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ.

قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُسِيئًا قَوْمٌ تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِالْبَاطِلِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وَقَوْمٌ تَخْلَّفُوا عَنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ عُذْرٍ فَقَعَدُوا جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ فَأَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أَهْلَكَكَ حُبُّ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتُؤَنِّبَنِي، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، وَسَأَلَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِي قَمِيصِهِ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلِمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين.. ٣ / ٢٢٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبَدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ فِي فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.

قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ هَارُونُ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [أَلْبِسْ أَبِي] قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ ٣ / ٢١٤.]] .

وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ [[أخرجه البخاري في الجهاد، باب الكسوة للأسارى: ٦ / ١٤٤.]] .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُلِّمَ فِيمَا فَعَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ ﷺ: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وَصَلَاتِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ"، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَسْلَمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ لَمَّا رَأَوْهُ يَتَبَرَّكُ بِقَمِيصِ النَّبِيِّ ﷺ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٤٠٩-٤١٠، والخازن: ٣ / ١٠٨، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٥٩، أسباب النزول للواحدي ص (٢٩٥) .]] .

قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَلَا تَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ فَلَانٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ: إِذَا كَفَاهُ أَمْرَهُ.

﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهَا عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قُبِضَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذَوُو الْغِنَى وَالسَّعَةِ مِنْهُمْ فِي الْقُعُودِ، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ فِي رِحَالِهِمْ.

﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَعْنِي النِّسَاءَ. وَقِيلَ: مَعَ أَدْنِيَاءِ النَّاسِ وَسَفَلَتِهِمْ. يُقَالُ: فَلَانٌ خَالِفَةُ قَوْمِهِ إِذَا كَانَ دُونَهُمْ.

﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ، وَقِيلَ: الْجَوَارِي الْحِسَانُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ، جَمْعُ خَيْرَةٍ [[قال الطبري: "الخيرات": هي خيرات الآخرة، وذلك، نساؤها، وجناتها، ونعيمها. واحدتها: "خَيْرَة"، كما قال الشاعر: ولقد طَعَنْتُ مُجَامِعَ الرَّبَلاَتِ ... رَبَلاَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الْمَلَكَاتِ

"والخيرة" من كل شيء، الفاضلة. انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٤-٤١٥.]] وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ [الْخَيْرَ] [[في "أ": (الخيرات) .]] لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" [السجدة: ١٧] .

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الْآيَةُ، قَرَأَ يَعْقُوبُ وَمُجَاهِدٌ: ﴿َ الْمُعْذِرُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَهُمُ الْمُبَالِغُونَ فِي الْعُذْرِ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "لَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ" أَيْ: بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ قَدَّمَ النِّذَارَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " الْمُعَذِّرُونَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: الْمُقَصِّرُونَ، يُقَالُ: عَذَّرَ أَيْ: قَصَّرَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُعَذِّرُونَ الْمُعْتَذِرُونَ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُعَذِّرُونَ هُمْ رَهْطُ عَامِرِ بن الطفيل جاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ غَزَوْنَا مَعَكَ تُغير أعراب طيء عَلَى حَلَائِلِنَا وَأَوْلَادِنَا وَمَوَاشِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَنْبَأَنِي اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ" [[انظر: البحر المحيط: ٥ / ٨٤.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٨.]] .

﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ.

قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُسِيئًا قَوْمٌ تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِالْبَاطِلِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وَقَوْمٌ تَخْلَّفُوا عَنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ عُذْرٍ فَقَعَدُوا جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ فَأَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أَهْلَكَكَ حُبُّ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتُؤَنِّبَنِي، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، وَسَأَلَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِي قَمِيصِهِ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلِمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين.. ٣ / ٢٢٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبَدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ فِي فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.

قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ هَارُونُ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [أَلْبِسْ أَبِي] قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ ٣ / ٢١٤.]] .

وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ [[أخرجه البخاري في الجهاد، باب الكسوة للأسارى: ٦ / ١٤٤.]] .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُلِّمَ فِيمَا فَعَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ ﷺ: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وَصَلَاتِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ"، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَسْلَمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ لَمَّا رَأَوْهُ يَتَبَرَّكُ بِقَمِيصِ النَّبِيِّ ﷺ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٤٠٩-٤١٠، والخازن: ٣ / ١٠٨، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٥٩، أسباب النزول للواحدي ص (٢٩٥) .]] .

قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَلَا تَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ فَلَانٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ: إِذَا كَفَاهُ أَمْرَهُ.

﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهَا عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قُبِضَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذَوُو الْغِنَى وَالسَّعَةِ مِنْهُمْ فِي الْقُعُودِ، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ فِي رِحَالِهِمْ.

﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَعْنِي النِّسَاءَ. وَقِيلَ: مَعَ أَدْنِيَاءِ النَّاسِ وَسَفَلَتِهِمْ. يُقَالُ: فَلَانٌ خَالِفَةُ قَوْمِهِ إِذَا كَانَ دُونَهُمْ.

﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ، وَقِيلَ: الْجَوَارِي الْحِسَانُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ، جَمْعُ خَيْرَةٍ [[قال الطبري: "الخيرات": هي خيرات الآخرة، وذلك، نساؤها، وجناتها، ونعيمها. واحدتها: "خَيْرَة"، كما قال الشاعر: ولقد طَعَنْتُ مُجَامِعَ الرَّبَلاَتِ ... رَبَلاَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الْمَلَكَاتِ

"والخيرة" من كل شيء، الفاضلة. انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٤-٤١٥.]] وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ [الْخَيْرَ] [[في "أ": (الخيرات) .]] لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" [السجدة: ١٧] .

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الْآيَةُ، قَرَأَ يَعْقُوبُ وَمُجَاهِدٌ: ﴿َ الْمُعْذِرُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَهُمُ الْمُبَالِغُونَ فِي الْعُذْرِ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "لَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ" أَيْ: بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ قَدَّمَ النِّذَارَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " الْمُعَذِّرُونَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: الْمُقَصِّرُونَ، يُقَالُ: عَذَّرَ أَيْ: قَصَّرَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُعَذِّرُونَ الْمُعْتَذِرُونَ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُعَذِّرُونَ هُمْ رَهْطُ عَامِرِ بن الطفيل جاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ غَزَوْنَا مَعَكَ تُغير أعراب طيء عَلَى حَلَائِلِنَا وَأَوْلَادِنَا وَمَوَاشِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَنْبَأَنِي اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ" [[انظر: البحر المحيط: ٥ / ٨٤.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٨.]] .

﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ.

قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُسِيئًا قَوْمٌ تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِالْبَاطِلِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وَقَوْمٌ تَخْلَّفُوا عَنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ عُذْرٍ فَقَعَدُوا جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ فَأَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أَهْلَكَكَ حُبُّ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتُؤَنِّبَنِي، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، وَسَأَلَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِي قَمِيصِهِ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلِمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين.. ٣ / ٢٢٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبَدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ فِي فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.

قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ هَارُونُ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [أَلْبِسْ أَبِي] قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ ٣ / ٢١٤.]] .

وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ [[أخرجه البخاري في الجهاد، باب الكسوة للأسارى: ٦ / ١٤٤.]] .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُلِّمَ فِيمَا فَعَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ ﷺ: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وَصَلَاتِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ"، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَسْلَمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ لَمَّا رَأَوْهُ يَتَبَرَّكُ بِقَمِيصِ النَّبِيِّ ﷺ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٤٠٩-٤١٠، والخازن: ٣ / ١٠٨، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٥٩، أسباب النزول للواحدي ص (٢٩٥) .]] .

قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَلَا تَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ فَلَانٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ: إِذَا كَفَاهُ أَمْرَهُ.

﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهَا عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قُبِضَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذَوُو الْغِنَى وَالسَّعَةِ مِنْهُمْ فِي الْقُعُودِ، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ فِي رِحَالِهِمْ.

﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَعْنِي النِّسَاءَ. وَقِيلَ: مَعَ أَدْنِيَاءِ النَّاسِ وَسَفَلَتِهِمْ. يُقَالُ: فَلَانٌ خَالِفَةُ قَوْمِهِ إِذَا كَانَ دُونَهُمْ.

﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ، وَقِيلَ: الْجَوَارِي الْحِسَانُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ، جَمْعُ خَيْرَةٍ [[قال الطبري: "الخيرات": هي خيرات الآخرة، وذلك، نساؤها، وجناتها، ونعيمها. واحدتها: "خَيْرَة"، كما قال الشاعر: ولقد طَعَنْتُ مُجَامِعَ الرَّبَلاَتِ ... رَبَلاَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الْمَلَكَاتِ

"والخيرة" من كل شيء، الفاضلة. انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٤-٤١٥.]] وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ [الْخَيْرَ] [[في "أ": (الخيرات) .]] لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" [السجدة: ١٧] .

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الْآيَةُ، قَرَأَ يَعْقُوبُ وَمُجَاهِدٌ: ﴿َ الْمُعْذِرُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَهُمُ الْمُبَالِغُونَ فِي الْعُذْرِ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "لَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ" أَيْ: بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ قَدَّمَ النِّذَارَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " الْمُعَذِّرُونَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: الْمُقَصِّرُونَ، يُقَالُ: عَذَّرَ أَيْ: قَصَّرَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُعَذِّرُونَ الْمُعْتَذِرُونَ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُعَذِّرُونَ هُمْ رَهْطُ عَامِرِ بن الطفيل جاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ غَزَوْنَا مَعَكَ تُغير أعراب طيء عَلَى حَلَائِلِنَا وَأَوْلَادِنَا وَمَوَاشِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَنْبَأَنِي اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ" [[انظر: البحر المحيط: ٥ / ٨٤.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٨.]] .

﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ.

قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُسِيئًا قَوْمٌ تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِالْبَاطِلِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وَقَوْمٌ تَخْلَّفُوا عَنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ عُذْرٍ فَقَعَدُوا جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ فَأَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أَهْلَكَكَ حُبُّ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتُؤَنِّبَنِي، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، وَسَأَلَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِي قَمِيصِهِ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلِمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين.. ٣ / ٢٢٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبَدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ فِي فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.

قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ هَارُونُ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [أَلْبِسْ أَبِي] قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ ٣ / ٢١٤.]] .

وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ [[أخرجه البخاري في الجهاد، باب الكسوة للأسارى: ٦ / ١٤٤.]] .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُلِّمَ فِيمَا فَعَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ ﷺ: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وَصَلَاتِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ"، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَسْلَمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ لَمَّا رَأَوْهُ يَتَبَرَّكُ بِقَمِيصِ النَّبِيِّ ﷺ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٤٠٩-٤١٠، والخازن: ٣ / ١٠٨، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٥٩، أسباب النزول للواحدي ص (٢٩٥) .]] .

قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَلَا تَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ فَلَانٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ: إِذَا كَفَاهُ أَمْرَهُ.

﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهَا عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قُبِضَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذَوُو الْغِنَى وَالسَّعَةِ مِنْهُمْ فِي الْقُعُودِ، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ فِي رِحَالِهِمْ.

﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَعْنِي النِّسَاءَ. وَقِيلَ: مَعَ أَدْنِيَاءِ النَّاسِ وَسَفَلَتِهِمْ. يُقَالُ: فَلَانٌ خَالِفَةُ قَوْمِهِ إِذَا كَانَ دُونَهُمْ.

﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ، وَقِيلَ: الْجَوَارِي الْحِسَانُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ، جَمْعُ خَيْرَةٍ [[قال الطبري: "الخيرات": هي خيرات الآخرة، وذلك، نساؤها، وجناتها، ونعيمها. واحدتها: "خَيْرَة"، كما قال الشاعر: ولقد طَعَنْتُ مُجَامِعَ الرَّبَلاَتِ ... رَبَلاَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الْمَلَكَاتِ

"والخيرة" من كل شيء، الفاضلة. انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٤-٤١٥.]] وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ [الْخَيْرَ] [[في "أ": (الخيرات) .]] لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" [السجدة: ١٧] .

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الْآيَةُ، قَرَأَ يَعْقُوبُ وَمُجَاهِدٌ: ﴿َ الْمُعْذِرُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَهُمُ الْمُبَالِغُونَ فِي الْعُذْرِ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "لَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ" أَيْ: بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ قَدَّمَ النِّذَارَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " الْمُعَذِّرُونَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: الْمُقَصِّرُونَ، يُقَالُ: عَذَّرَ أَيْ: قَصَّرَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُعَذِّرُونَ الْمُعْتَذِرُونَ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُعَذِّرُونَ هُمْ رَهْطُ عَامِرِ بن الطفيل جاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ غَزَوْنَا مَعَكَ تُغير أعراب طيء عَلَى حَلَائِلِنَا وَأَوْلَادِنَا وَمَوَاشِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَنْبَأَنِي اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ" [[انظر: البحر المحيط: ٥ / ٨٤.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٨.]] .

﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ.

قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُسِيئًا قَوْمٌ تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِالْبَاطِلِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وَقَوْمٌ تَخْلَّفُوا عَنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ عُذْرٍ فَقَعَدُوا جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ فَأَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أَهْلَكَكَ حُبُّ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتُؤَنِّبَنِي، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، وَسَأَلَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِي قَمِيصِهِ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلِمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين.. ٣ / ٢٢٨.]] .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبَدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ فِي فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.

قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ هَارُونُ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [أَلْبِسْ أَبِي] قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ [[أخرجه البخاري في الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ ٣ / ٢١٤.]] .

وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ [[أخرجه البخاري في الجهاد، باب الكسوة للأسارى: ٦ / ١٤٤.]] .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُلِّمَ فِيمَا فَعَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ ﷺ: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وَصَلَاتِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ"، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَسْلَمَ بِهِ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ لَمَّا رَأَوْهُ يَتَبَرَّكُ بِقَمِيصِ النَّبِيِّ ﷺ [[أخرجه الطبري: ١٤ / ٤٠٩-٤١٠، والخازن: ٣ / ١٠٨، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: ٤ / ٢٥٩، أسباب النزول للواحدي ص (٢٩٥) .]] .

قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وَلَا تَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَوَلَّ دَفْنَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ فَلَانٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ: إِذَا كَفَاهُ أَمْرَهُ.

﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهَا عَلَى مُنَافِقٍ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى قُبِضَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾

﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذَوُو الْغِنَى وَالسَّعَةِ مِنْهُمْ فِي الْقُعُودِ، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ فِي رِحَالِهِمْ.

﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَعْنِي النِّسَاءَ. وَقِيلَ: مَعَ أَدْنِيَاءِ النَّاسِ وَسَفَلَتِهِمْ. يُقَالُ: فَلَانٌ خَالِفَةُ قَوْمِهِ إِذَا كَانَ دُونَهُمْ.

﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ يَعْنِي: الْحَسَنَاتِ، وَقِيلَ: الْجَوَارِي الْحِسَانُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ، جَمْعُ خَيْرَةٍ [[قال الطبري: "الخيرات": هي خيرات الآخرة، وذلك، نساؤها، وجناتها، ونعيمها. واحدتها: "خَيْرَة"، كما قال الشاعر: ولقد طَعَنْتُ مُجَامِعَ الرَّبَلاَتِ ... رَبَلاَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الْمَلَكَاتِ

"والخيرة" من كل شيء، الفاضلة. انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٤-٤١٥.]] وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ [الْخَيْرَ] [[في "أ": (الخيرات) .]] لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" [السجدة: ١٧] .

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ الْآيَةُ، قَرَأَ يَعْقُوبُ وَمُجَاهِدٌ: ﴿َ الْمُعْذِرُونَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَهُمُ الْمُبَالِغُونَ فِي الْعُذْرِ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "لَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ" أَيْ: بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ قَدَّمَ النِّذَارَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " الْمُعَذِّرُونَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: الْمُقَصِّرُونَ، يُقَالُ: عَذَّرَ أَيْ: قَصَّرَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُعَذِّرُونَ الْمُعْتَذِرُونَ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُعَذِّرُونَ هُمْ رَهْطُ عَامِرِ بن الطفيل جاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ غَزَوْنَا مَعَكَ تُغير أعراب طيء عَلَى حَلَائِلِنَا وَأَوْلَادِنَا وَمَوَاشِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ أَنْبَأَنِي اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ" [[انظر: البحر المحيط: ٥ / ٨٤.]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِعُذْرٍ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٤١٨.]] .

﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ.

قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ مُسِيئًا قَوْمٌ تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِالْبَاطِلِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وَقَوْمٌ تَخْلَّفُوا عَنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ عُذْرٍ فَقَعَدُوا جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ فَأَوْعَدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

Source. Tafseer Al-Baghawi, Baghawy — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/27. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com