Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Yunus
Tafsir al-Tabari · Jonas · 109 ayat · ayat 61–90 · Quran text →
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وما تكون﴾ ، يا محمد= ﴿في شأن﴾ ، يعني: في عمل من الأعمال= ﴿وما تتلوا منه من قرآن﴾ ، يقول: وما تقرأ من كتاب الله من قرآن [[انظر تفسير " التلاوة " فيما سلف من فهارس اللغة (تلا.) .]]
﴿ولا تعملون من عمل﴾ ، يقول: ولا تعملون من عمل أيها الناس، من خير أو شر= ﴿إلا كنَّا عليكم شهودًا﴾ ، يقول: إلا ونحن شهود لأعمالكم وشئونكم، إذ تعملونها وتأخذون فيها. [[انظر تفسير " الإفاضة " فيما سلف ٤: ١٧٠.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك رُوي القول عن ابن عباس وجماعة.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿إذ تفيضون فيه﴾ ، يقول: إذ تفعلون.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تشيعون في القرآن الكذبَ.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٩٧- حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك: ﴿إذ تفيضون فيه﴾ ، يقول: تشيعون في القرآن من الكذب. [[في المطبوعة: " فتشيعون " بالفاء، لم يحسن قراءة المخطوطة.]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تفيضون في الحق.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيقة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إذ تفيضون فيه﴾ ، في الحق ما كان.
١٧٦٩٩-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٧٠٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* *
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه، لأنه تعالى ذكره أخبر أنه لا يعمل عباده عملا إلا كان شاهدَه، ثم وصل ذلك بقوله: ﴿إذ يفيضون فيه﴾ ، فكان معلومًا أن قوله: ﴿إذ تفيضون فيه﴾ إنما هو خبرٌ منه عن وقت عمل العاملين أنه له شاهد= لا عن وَقْت تلاوة النبي ﷺ القرآن، لأن ذلك لو كان خبرًا عن شهوده تعالى ذكره وقتَ إفاضة القوم في القرآن، لكانت القراءة بالياء: "إذ يفيضون فيه" خبرًا منه عن المكذبين فيه.
فإن قال قائل: ليس ذلك خبرًا عن المكذبين، ولكنه خطاب للنبي ﷺ، [[في المطبوعة: " ولكن خطاب "، بحذف الهاء، وأثبتها من المخطوطة.]] أنه شاهده إذْ تلا القرآن.
=فإن ذلك لو كان كذلك لكان التنزيل: ﴿إذ تفيضون فيه﴾ ، لأن النبي ﷺ واحدٌ لا جمع، كما قال: ﴿وما تتلوا منه من قرآن﴾ ، فأفرده بالخطاب= ولكن ذلك في ابتدائه خطابَه ﷺ بالإفراد، ثم عَوْده إلى إخراج الخطاب على الجمع نظير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ، [سورة الطلاق: ١] ، وذلك أن في قوله: ﴿إذا طلقتم النساء﴾ ، دليلا واضحًا على صرفه الخطابَ إلى جماعة المسلمين مع النبي ﷺ مع جماعة الناس غيره، لأنه ابتدأ خطابه، ثم صرف الخطابَ إلى جماعة الناس، والنبي ﷺ فيهم.
=وخبرٌ عن أنه لا يعمل أحدٌ من عباده عملا إلا وهو له شاهد، [[قوله: " وخبر عن أنه لا يعمل أحد " معطوف على قوله في أول هذه الفقرة: " إنما هو خبر عن وقت عمل العاملين. . . ".]] يحصى عليه ويعلمه كما قال: ﴿وما يعزب عن ربك﴾ ، يا محمد، عمل خلقه، ولا يذهب عليه علم شيء حيث كان من أرض أو سماء.
* *
وأصله من "عزوب الرجل عن أهله في ماشيته"، وذلك غيبته عنهم فيها، يقال منه: "عزَبَ الرَّجل عن أهله يَعْزُبُ ويَعْزِبُ".
* *
=لغتان فصيحتان، قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء. وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، لاتفاق معنييهما واستفاضتهما في منطق العرب، غير أني أميل إلى الضم فيه، لأنه أغلب على المشهورين من القراء.
* *
وقوله: ﴿من مثقال ذرة﴾ ، يعني: من زنة نملة صغيرة.
* *
يحكى عن العرب: "خذ هذا فإنه أخف مثقالا من ذاك، أي: أخفُّ وزنًا. [[انظر تفسير " المثقال " فيما سلف ٨: ٣٦٠، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٧٨، وهو نص كلامه.]]
* *
و"الذرّة" واحدة: "الذرّ"، و"الذرّ"، صغار النمل. [[انظر تفسير " الذرة " فيما سلف ٨: ٣٦٠، ٣٦١.]]
* *
قال أبو جعفر: وذلك خبَرٌ عن أنه لا يخفى عليه جل جلاله أصغر الأشياء، وإن خف في الوزن كلّ الخفة، ومقاديرُ ذلك ومبلغه، ولا أكبرها وإن عظم وثقل وزنه، وكم مبلغ ذلك. يقول تعالى ذكره لخلقه: فليكن عملكم أيها الناس فيما يرضي ربَّكم عنكم، فإنّا شهود لأعمالكم، لا يخفى علينا شيء منها، ونحن محصُوها ومجازوكم بها.
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾ .
فقرأ ذلك عامة القراء بفتح الراء من ﴿أَصْغَرَ﴾ و ﴿أَكْبَرَ﴾ على أن معناها الخفض، عطفًا بالأصغر على الذرة، وبالأكبر على الأصغر، ثم فتحت راؤهما، لأنهما لا يُجْرَيان.
* *
وقرأ ذلك بعض الكوفيين: [وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ] رفعًا، عطفًا بذلك على معنى المثقال، لأن معناه الرفع. وذلك أن ﴿مِنْ﴾ لو ألقيت من الكلام، لرفع المثقال، وكان الكلام حينئذٍ: "وما يعزُب عن ربك مثقالُ ذرة ولا أصغرُ من مثقال ذرة ولا أكبرُ"، وذلك نحو قوله: ﴿مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ اللهِ﴾ ، و ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ ، [سورة فاطر: ٣] . [[لم يذكر أبو جعفر قراءة الرفع في هذه الآية، في موضعها من تفسير " سورة فاطر "، فيما سيأتي ٢٢: ٧٧ (بولاق) ، وسأشير إلى ذلك في موضعه هناك. وهذا دليل آخر على اختصار أبي جعفر، تفسيره في مواضع، كما أشرت إليه في كثير من تعليقاتي.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب، قراءةُ من قرأ بالفتح، على وجه الخفض والردّ على الذرة، لأن ذلك قراءة قراء الأمصار، وعليه عَوَامٌّ القراء، وهو أصحُّ في العربية مخرجًا، وإن كان للأخرى وجهٌ معروفٌ.
* *
وقوله: ﴿إلا في كتاب﴾ ، يقول: وما ذاك كله إلا في كتاب عند الله = ﴿مبين﴾ ، عن حقيقة خبر الله لمن نظر فيه. [[انظر تفسير " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]] أنه لا شيء كان أو يكون إلا وقد أحصاه الله جل ثناؤه فيه، وأنه لا يعزُب عن الله علم شيء من خلقه حيث كان من سمائه وأرضه.
* *
١٧٧٠١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وما يعزب﴾ ، يقول: لا يغيب عنه.
١٧٧٠٢- حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا عبد الله قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وما يعزب عن ربك﴾ ، قال: ما يغيب عنه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من عقاب الله، لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه = ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا.
* *
و"الأولياء" جمع "ولي"، وهو النصير، وقد بينا ذلك بشواهده. [[انظر تفسير " الولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) ، ولكن ههنا تفصيل في معنى " أولياء الله "، لم يسبق له نظير.]]
* *
واختلف أهل التأويل فيمن يستحق هذا الاسم.
فقال بعضهم: هم قومٌ يُذْكَرُ الله لرؤيتهم، لما عليهم من سيما الخير والإخبات.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٠٣- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن يمان قال، حدثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ، قال: الذين يُذْكَرُ الله لرؤيتهم.
١٧٧٠٤- حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا حدثنا ابن يمان، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن النبي ﷺ، مثله. [[الأثر: ١٧٧٠٤ - " أشعث بن سعد بن مالك القمي "، ثقة، مضى برقم: ٧٨، وهذا خبر مرسل.]]
١٧٧٠٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن العلاء بن المسيب، عن أبي الضحى، مثله.
١٧٧٠٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ، قال: الذي يُذْكَر الله لرؤيتهم.
١٧٧٠٧-. . . . قال، حدثنا ابن مهدي وعبيد الله، عن سفيان، عن العلاء بن المسيب، عن أبي الضحى قال: سمعته يقول في هذه الآية: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ، قال: من الناس مَفَاتِيح، [[" مفاتيح "، جمع " مفتاح "، وهو الذي يفتح به الباب. وهذا مجاز، إنما أراد أنهم يفتحون باب الخير للناس، وأعظم الخير ذكر الله سبحانه وتعالى.]] إذا رُؤُوا ذُكِر الله لرؤيتهم.
١٧٧٠٨-. . . . قال، حدثنا أبي، عن مسعر، عن سَهْل أبي الأسد، عن سعيد بن جبير، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن "أولياء الله"، فقال: الذين إذا رُؤُوا ذُكر الله. [[الأثر: ١٧٧٠٨ - " سهل أبو الأسد القراري الحنفي " ثقة، مترجم في الكبير ٢ / ٢ / ١٠٠، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٠٦، وكان في المطبوعة: " سهل بن الأسد "، وهو تصرف من الناشر وفساد، غير ما في المخطوطة. و " القراري "، بالقاف، قال البخاري: " وقرار، قبيلة "، وهي من حنيفة، من بكر ومما يذكر في كتب الرجال " سهل الفزاري " بالفاء " وسهل بن قلان القراري بالقاف وهو عندهم مجهول، وأخشى أن يكون هو " سهل القراري "، انظر أيضًا ابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٠٦، وميزان الاعتدال ١: ٤٣١، ولسان الميزان ٣: ١٢٣. ومهما يكن، فهذا خبر مرسل، عن سعيد بن جبير.]]
١٧٧٠٩-. . . . قال، حدثنا زيد بن حباب، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن عبد الله: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ، قال: الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله لرؤيتهم
١٧٧١٠-. . . . قال، حدثنا أبو يزيد الرازي، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن النبي ﷺ قال: هم الذين إذا رُؤُوا ذُكِر اللهُ.
١٧٧١١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا فرات، عن أبي سعد، عن سعيد بن جبير قال: سئل النبي ﷺ عن "أولياء الله"، قال: هم الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله.
١٧٧١٢-. . . . قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام، عن عبد الله بن أبي الهذيل في قوله: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ، الآية، قال: إن ولي الله إذا رُئِي ذُكِر الله.
* *
وقال آخرون في ذلك بما:-
١٧٧١٣- حدثنا أبو هاشم الرفاعي قال، حدثنا ابن فضيل قال، حدثنا أبي عن عمارة بن القعقاع الضبي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إن من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء! قيل: من هم يا رسول الله؟ فلعلنا نحبُّهم! قال: هم قوم تحابُّوا في الله من غير أموالٍ ولا أنساب، وجوههم من نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس. وقرأ: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ . [[الأثر: ١٧٧١٣ - " ابن فضيل "، هو " محمد بن فضيل بن غزوان الضبي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة، آخرها رقم: ١٤٢٤٧. وكان في المطبوعة والمخطوطة " أبو فضيل " وهو خطأ، صوابه من تفسير ابن كثير ٤: ٣١٤، إذ نقل هذا الخبر عن هذا الموضع من التفسير. وأبوه: " فضيل بن غزوان الضبي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٤٢٤٧. و" عمارة بن القعقاع الضبي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٤٢٠٣، ١٤٢٠٩، ١٤٧١٥. و" أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي "، تابعي ثقة، روى له الجماعة. مضى مرارًا آخرها رقم: ١٤٧١٥، وكان في المطبوعة والمخطوطة: " أبو زرعة، عن عمرو بن حمزة "، ومثله في المخطوطة، و"حمزة " سيئة الكتابة وإنما هي " جرير "، دخل حرف منها على حرف. وقد مضى الخطأ في اسمه مرارًا. وهذا إسناد صحيح.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٣١٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي.]]
١٧٧١٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله! قالوا: يا رسول الله، أخبرنا من هم وما أعمالهم؟ فإنا نحبهم لذلك! قال: هم قوم تحابُّوا في الله بروح الله، على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوا الله إن وجوههم لنورٌ، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس. وقرأ هذه الآية: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ . [[الأثر: ١٧٧١٤ - سلف بيان رجاله في الإسناد السابق، إلا أن أبا زرعة بن عمرو بن جرير، لم يرو عن عمر إلا مرسلا، فهو إسناد جيد إلا أنه منقطع.]]
١٧٧١٥- حدثنا بحر بن نصر الخولاني قال، حدثنا يحيى بن حسان قال، حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال، حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: "يأتي من أفْنَاء الناس ونوازع القبائل، [["أفناء الناس" أخلاطهم، ومن لا يدري من أي قبيلة هو. و"نوازع القبائل" جمع "نازع" على غير قياس، وهم الغرباء الذين يجاورون قبائل ليسوا منهم. وإنما قلت: "جمع على غير قياس " لأن المشهور "نزاع القبائل" كما ورد في حديث آخر. و"فاعل" الصفة للمذكر، لا يجمع عندهم على "فواعل" إلا سماعًا، نحو "فوارس" و"هوالك".]] قوم لم تَصل بينهم أرحام متقاربة، [[في المطبوعة: "لم يتصل "، والصواب من المخطوطة ومسند أحمد]] تحابُّوا في الله، وتصافَوْا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسهم عليها، يفزع الناس فلا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. [[الأثر: ١٧٧١٥- " بحر بن نصر بن سابق الخولاني المصري " شيخ الطبري، ثقة مضى برقم: ٣٨٤١، ١٠٥٨٨، ١٠٦٤٧، وكان في المطبوعة هنا " الحسن بن نصر الخولاني " لا أدري من أين جاء به هكذا، فأصاب بعض الصواب؟ وهذا عجب. أما المخطوطة، ففيها ا"لحسن بن الخولاني "، والصواب ما أثبت. وروايته عن "يحيى بن حسان" مضت برقم: ٢٦٤٣، إلا أنه وقع هناك خطأ أيضًا في اسمه، فكتب " يحيى بن نصر"، وقد خبطنا في تصحيفه خبط عشواء، والصواب " بحر بن نصر " فليصحح هناك. و"يحيى بن حسان التنيسي المصري "، ثقة، مضى برقم: ٢٦٤٣، والراوي عنه هناك " بحر بن نصر" أيضًا، كما سلف. و"عبد الحميد بن بهرام الفزاري "، ثقة، وثقه أحمد وغيره، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٤١٧. و"شهر بن حوشب" مضى مرارًا كثيرة، ومضى توثيقه، وثقه أخي أحمد السيد، رحمه الله وغفر له. و" عبد الرحمن بن غنم الأشعري "، مختلف في صحبته، ويعد من الطبقة الأولى من التابعين، بعثه عمر بن الخطاب يفقه الناس، ولازم معاذ بن جبل، وكان أفقه أهل الشام، وهو الذي فقه عامة التابعين بالشام، وكان له جلالة وقدر. وأبو مالك الأشعري " هو المشهور بكنيته، والمختلف في اسمه، صحابي، مترجم في الإصابة والتهذيب وسائر الكتب. وهذا خبر صحيح الإسناد. رواه أحمد في مسنده مطولا ٥: ٣٤٣، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٣١٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: "الولي" = أعني "ولي الله"= هو من كان بالصفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى، كما قال الله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول:
١٧٧١٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ، من هم يا ربّ؟ قال: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ ، قال: أبى أن يُتَقَبَّل الإيمان إلا بالتقوى. [[في المطبوعة والمخطوطة " أن يتقبل"، والصواب ما أثبت.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين صدقوا لله ورسوله، وما جاء به من عند الله، وكانوا يتَّقون الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
* *
وقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ من نعت "الأولياء"، ومعنى الكلام: ألا إن أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
* *
فإن قال قائل: فإذ كان معنى الكلام ما ذكرت عندك، أفي موضع رفع ﴿الذين آمنوا﴾ أم في موضع نصب؟
قيل: في موضع رفع. وإنما كان كذلك، وإن كان من نعت "الأولياء"، لمجيئه بعد خبر "الأولياء"، والعرب كذلك تفعل خاصة في "إنّ"، إذا جاء نعت الاسم الذي عملت فيه بعد تمام خبره رفعوه فقالوا: "إن أخاك قائم الظريفُ"، كما قال الله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ ، [سورة سبأ: ٤٨] ، وكما قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ، [سورة ص: ٦٤] . [[انظر معاني القرآن ١: ٤٧٠، ٤٧١.]]
* *
وقد اختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك، مع أن إجماع جميعهم على أن ما قلناه هو الصحيح من كلام العرب. وليس هذا من مواضع الإبانة عن العلل التي من أجلها قيل ذلك كذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: البشرى من الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لأولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون. [[انظر تفسير " البشرى " فيما سلف ١٤: ٥٠٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
ثم اختلف أهل التأويل في "البشرى"، التي بشر الله بها هؤلاء القوم ما هي؟ وما صفتها؟ فقال بعضهم: هي الرؤية الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧١٧- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن شيخ، عن أبى الدرداء، قال: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، قال النبي ﷺ: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧١٧ - حديث أبي الدرداء، رواه أبو جعفر من طرق، أصنفها في هذا الموضع لأحيل عليها في تخريج الآثار، أثرًا أثرًا.
١ - طريق ذكوان (أبي صالح السمان) ، عن شيخ، عن أبي الدرداء، رقم: ١٧٧١٧، ١٧٧٣٣.
٢ - طريق ذكوان (أبي صالح السمان) ، عن أبي الدرداء، بلا واسطة، رقم: ١٧٧٣٥، ١٧٧٤١.
٣ - طريق عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء، بخمسة أسانيد، رقم: ١٧٧٢٢، ١٧٧٢٣، ١٧٧٢٤، ١٧٧٣٤، ١٧٧٣٧.
٤ - طريق عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء، بلا واسطة، رقم: ١٧٧٣٦، ١٧٧٤٣.
٥ - طريق عمرو بن دينار، عن فقيه من أهل مصر، عن أبي الدرداء، رقم: ١٧٧٣٨.
٦ - طريق عمرو بن دينار، عن أبي الدرداء، بلا واسطة، رقم: ١٧٧٤٣.
وهذا تفسير الإسناد رقم: ١٧٧١٧.
" سليمان "، هو الأعمش "، " سليمان بن مهران "، تابعي ثقة، مضى مرارًا.
و" شيخ "، مجهول، وظاهر أنه تابعي. وعلة هذا الإسناد، جهالة " الشيخ " الذي روى عنه أبو صالح السمان، وسائر الإسناد صحيح حسن. وسيأتي في رقم: ١٧٧٢٢، ١٧٧٣٤، ١٧٧٣٦، ١٧٧٣٧، برواية أبي صالح، عن عطاء بن يسار في الطريق الثانية، والثالثة كما فصلتها آنفا.]]
١٧٧١٨- حدثنا العباس بن الوليد قال، أخبرني أبي قال: أخبرنا الأوزاعي قال، أخبرني يحيى بن أبي كثير قال، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سأل عبادةُ بن الصامت رسول الله ﷺ، عن هذه الآية: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، فقال رسول الله ﷺ: "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك =أو قال: غيرك=. قال: هي الرؤية الصالحة يراها الرجل الصالح، أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧١٨ - حديث عبادة بن الصامت من ثلاث طرق:
١ - طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بسبعة أسانيد، رقم:
١٧٧١٨، ١٧٧١٩، ١٧٧٢٠، ١٧٧٢١، ١٧٧٣١، ١٧٧٣٩، ١٧٧٤٠.
٢ - طريق حميد بن عبد الله المزني، عن عبادة بن الصامت، بإسنادين، رقم: ١٧٧٢٥، ١٧٧٥٦.٣ - طريق أيوب بن خالد بن صفوان، عن عبادة رقم: ١٧٧٣٠. وهذا تفسير إسنادنا هذا." العباس بن الوليد بن مزيد الآملي البيروتي "، شيخ الطبري، ثقة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٣٤٦١. وأبوه: " الوليد بن مزيد الآملي البيروتي " ثقة، قال الأوزاعي شيخه: " كتبه صحيحة "، مضى برقم: ١١٨٢١، ١٣٤٦١. و" الأوزاعي "، هو الإمام المشهور." ويحيى بن أبي كثير الطائي "، ثقة، مضى برقم: ٩١٨٩، ١١٥٠٥، ١٢٧٦٠." وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري "، ثقة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٢٨٢٢.وانظر التعليق على رقم: ١٧٧٢٠ في سماع أبي سلمة من عبادة بن الصامت.وهذا إسناد لم أجده عن طريق الأوزاعي، وانظر التعليق على سائر حديث عبادة بن الصامت في الأرقام التي ذكرتها آنفا.]]
١٧٧١٩- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو داود عمن ذكره، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، فقال رسول الله ﷺ: هي الرؤية الصالحة يراها المسلم أو تُرى له. [[الأثر: ١٧٧١٩ - هذا الإسناد لم أجده في سنن أبي داود، يضعفه جهالة الراوي عن يحيى بن أبي كثير، ويسنده سائر الآثار التي رويت عن ثقات، عن يحيى بن أبي كثير.]]
١٧٧٢٠- حدثنا أبو قلابة قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبادة عن النبي ﷺ، نحوه. [[الأثر: ١٧٧٢٠ - " أبو قلابة "، هو " عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي الضرير " شيخ الطبري، ثقة. مضى برقم: ٤٣٣١، ٥٦٢٣."ومسلم، " هو " مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة، آخرها رقم: ١٣٥١٨." وأبان "، هو " أبان بن يزيد العطار "، ثقة. مضى مرارًا آخرها رقم: ١٣٥١٨." وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف "، لم يسمع من عبادة بن الصامت، يدل على ذلك الأثر التالي، وقوله فيه: " نبئت عن عبادة بن الصامت ". فقد ذكر المزي: " أنه لم يسمع من طلحة، وعبادة بن الصامت. فأما عدم سماعه من طلحة فرواه ابن أبي خيثمة والدوري عن ابن معين. وأما عدم سماعه من عبادة، فقاله ابن خراش. ولئن كان كذلك، فلم يسمع أيضًا من عثمان ولا من أبي الدرداء، فإن كلا منهما مات قبل طلحة "، التهذيب في ترجمته.فإذا صح هذا، وهو صحيح عن الأرجح، فأخبار أبي سلمة هذه من عبادة بن الصامت أخبار ضعاف لانقطاعها. ولذلك لم يخرج منها شيء في الصحاح.ومن هذه الطريق، رواه أحمد في مسنده ٥: ٣١٥، عن عفان، عن أبان، عن يحيى.ورواه الدارمي في سننه ٢: ١٢٣، من طريق مسلم بن إبراهيم، عن أبان، وانظر التعليق على رقم: ١٧٧١٨، وسيأتي رقم: ١٧٧٤٠.]]
١٧٧٢١- حدثنا ابن المثنى، وأبو عثمان بن عمر قالا حدثنا علي بن يحيى، عن أبي سلمة قال: نُبّئت أن عبادة بن الصامت سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، فقال: سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك! هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٢١ - هذا إسناد مختل في المطبوعة والمخطوطة على السواء، وهو باطل لا شك في بطلانه. وأظنه اضطراب على الناسخ من أصل أبي جعفر.
فقوله " قالا "، يدل على أن الخبر روي عن " ابن المثنى " وعن " أبي عثمان بن عمر "، وأن هذا الثاني شيخ الطبري. ولم أجد في شيوخه من هذه كنيته منسوبًا إلى أبيه " عمر ".
وأخرى أنه قال " حدثنا علي بن يحيى "، وهو باطل أيضًا، فليس في الرواة عن أبي سلمة " علي بن يحيى ".
ولا أكاد أشك أن " أبا عثمان " شيخ الطبري، هو " أبو عثمان "، " أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي "، مضى برقم: ٨٧٦، ٣٠٣٠.
وأن الذي روى عنه " محمد بن المثنى "، هو فيما أرجح، " عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدي "، وقد سلفت روايته عنه في رقم: ١٥٢٢٥.
ولكن لست أدري، أروى أيضًا " أبو عثمان المقدمي" شيخ الطبري، عن " عثمان بن عمر بن فارس " أم لم يرو عنه، وإن كنت أرجح أنه خليق أن يروى عنه.
وأما قوله: " علي بن يحيى "، فظاهر أن صوابه: " علي، عن يحيى، عن أبي سلمة "، يعني " علي بن المبارك "، عن " يحيى بن أبي كثير " كما سيأتي في الإسناد رقم: ١٧٧٣٩.
وإذن، فأخشى أن يكون صواب هذا الإسناد هو:
" حدثنا ابن المثنى، وأبو عثمان قالا، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي، عن يحيى، عن أبي سلمة ".
وبذلك يستقم هذا الإسناد الهالك الذي وقع في المطبوعة والمخطوطة.
وتجد هذا الإسناد نفسه، عن محمد بن المثنى، عن عثمان بن عمر بن فارس إلى أبي سلمة، في تاريخ الطبري ٢: ٢٠٨.
ومهما يكن من شيء، فهو بعد ذلك إسناد منقطع، لأن أبا سلمة لم يسمع من عبادة بن الصامت، كما سلف في رقم: ١٧٧٢٠.
ثم انظر التعليق على رقم: ١٧٧٣٩، فيما سيأتي.]]
١٧٧٢٢- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، قال: سأل رجلٌ أبا الدرداء عن هذه الآية فقال: لقد سألتني عن شيء ما سمعت أحدًا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسولَ الله ﷺ، فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له، بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة. [[الأثر: ١٧٧٢٢ - هذا حديث أبي الدرداء من الطريق الثالثة، التي ذكرتها في التعليق على رقم: ١٧٧١٧.
" أبو معاوية " الضرير هو " محمد بن خازم "، إمام ثقة، مضى مرارًا.
و" الأعمش "، هو " سليمان بن مهران " الإمام. مضى قريبًا رقم: ١٧٧١٧.
و"أبو صالح" هو "ذكوان"، مضى برقم: ١٧٧١٧
و" عطاء بن يسار " تابعي ثقة، مضى مرارًا، يروي عن أبي الدرداء مباشرة. ولكنه روى الخبر هنا عن رجل من أهل مصر، وكان عطاء قد قدم مصر، ومات بالإسكندرية.
فهذا خبر في إسناده علة، لجهالة الذي روى عنه أبو الدرداء. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٢: ٣٣١، رواية الخبر عن عطاء بن يسار، وقال: " ذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه أن هذا الرجل ليس بمعروف "، ولكن في نسخة " الفتح " خطأ، فإنه كتب " من طريق عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن عبادة "، والصواب " عن أبي الدرداء ".
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده من طريق أبي معاوية عن الأعمش في موضعين من مسنده ٦: ٤٤٧، ٤٥٢.
وانظر التعليق على رقم: ١٧٧١٧.]]
١٧٧٢٣- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن سفيان، عن ابن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، فقال: ما سألني عنها أحدٌ منْذ سألت رسول الله ﷺ غيرَك، إلا رجلًا واحدًا! سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ما سألني عنها أحدٌ منذ أنزلها الله غيرك إلا رجلًا واحدًا، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٢٣ - " سعيد بن عمرو بن سعيد السكوني "، شيخ الطبري، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٤٢٦٦. وكان في المخطوطة سيئ الكتابة، يشبه أن يكون " محمد بن عمرو "، والصواب ما في المطبوعة.
و" عثمان بن سعيد "، لعله: " عثمان بن سعيد بن دينار القرشي "، ثقة مترجم في التهذيب.
و" سفيان "، هو " سفيان بن عيينة ".
و" ابن المنكدر "، هو " محمد بن المنكدر "، أحد الأئمة الأعلام مضى مرارًا برقم: ٣٨٢٩، ١٠٨٦٩.
وهذا إسناد صحيح إلى عطاء، كسائر الأسانيد السالفة، إلا ما فيه من جهالة الرجل من أهل مصر.
رواه أحمد في مسنده ٦: ٤٤٧، من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر.
ورواه الترمذي في كتاب التفسير من سننه، وفي كتاب الرؤيا، من طريق ابن أبي عمر العدني، عن سفيان.
وانظر التعليق على رقم: ١٧٧١٧، وسيأتي من طريق أخرى بعد هذه رقم: ١٧٧٢٤، وانظر أيضًا التعليق على رقم: ١٧٧٤٣.]]
١٧٧٢٤- حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر، سمع عطاء بن يسار يخبر، عن رجل من أهل مصر: أنه سأل أبا الدرداء عن: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، ثم ذكر نحو حديث سعيد بن عمرو السكوني، عن عثمان بن سعيد. [[الأثر: ١٧٧٢٤ - هو مكرر الأثر السالف.
" عمرو بن عبد الحميد الآملي "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٣٧٥٩، ١٠٣٧٨.]]
١٧٧٢٥- حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة قال، حدثني يحيى بن سعيد قال، حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأحموسيّ، عن حميد بن عبد الله المزني قال: أتَى رجلٌ عبادةَ بن الصامت فقال: آية في كتاب الله أسألك عنها، قول الله تعالى: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"؟ فقال عبادة: ما سألني عنها أحدٌ قبلك! سألت عنها رسول الله ﷺ فقال مثل ذلك: ما سألني عنها أحدٌ قبلك، الرؤيا الصالحة يراها العبدُ المؤمن في المنام أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٢٥ - حديث عبادة بن الصامت، هذه هي الطريق الثانية التي أشرت إليها في التعليق على رقم: ١٧٧١٨، وسيأتي من طريق أخرى رقم: ١٧٧٥٦.
" أبو حميد الحمصي "، " أحمد بن المغيرة "، هو " أحمد بن محمد بن المغيرة بن سيار " أو " أحمد بن محمد بن سيار "، هكذا يذكر في التفسير أحيانًا، شيخ الطبري، مضى مرارًا منها: ٣٤٧٣، ٥٧٥٣، ٨١٦٤، ٨٩٨٤.
و" يحيى بن سعيد "، هو العطار الشامي الدمشقي، ضعفوه، مضى برقم: ٥٧٥٣، ٩٢٢٤، ولكن أخي السيد أحمد في التعليق على رقم: ٥٧٥٣، مال إلى توثيقه.
و" عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي " ويقال في اسمه: " عمرو "، صالح الحديث، من ثقات الشاميين، أدرك عبد الله بن بسر، ويروي عن أبي عمرو الأنصاري، والمخارق بن أبي المخارق الذي يروي عن ابن عمر، روى عنه يحيى بن سعيد العطار، مترجم في ابن أبي حاتم ٣ \ ١ \ ١٢٧، وتعجيل المنفعة: ٣١٣.
و" الأحموسي "، ضبطه الحافظ بالضم، والواو بعد الميم.
وأما " حميد بن عبد الله المزني "، فهكذا هو في المخطوطة، وفي مسند أحمد ٥: ٣٢٥ " حميد بن عبد الرحمن اليزني "، وفي ابن أبي حاتم " حميد بن عبد الله المدني ". وأما في التاريخ الكبير للبخاري، فاقتصر على " حميد بن عبد الله " غير منسوب إلى بلدة أو قبيلة. وأمر نسبته، لم أستطع أن أفصل فيه، لقلة ما ذكر عنه. وأما الاختلاف في اسم أبيه، فلم أجده في غير مسند أحمد، فلا أدري أهو خطأ في نسخة المسند أم لا. قال البخاري: " حميد بن عبد الله، سمع عبد الرحمن بن أبي عوف، ومالك بن أبي رشيد، سمع منه محمد بن الوليد الزبيدي، وصفوان بن عمرو، وعمر الأحموسي "، ومثله في ابن أبي حاتم.
مترجم في الكبير ١ \ ٢ \ ٣٥٢، وابن أبي حاتم ١ \ ٢ \ ٢٢٤، ولم يذكر فيه جرحًا.
وهذا خبر منقطع بين حميد، وعبادة بن الصامت.]]
١٧٧٢٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الرؤيا الحسنة، هي البشرى، يراها المسلم، أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٢٦ - حديث أبي هريرة، رواه الطبري من: طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة، وطريق أبي صالح، عن أبي هريرة.
"أبو بكر "، هو "أبو بكر بن عياش". ثقة مضى مرارًا، آخرها رقم ١٤٨٠٥.
و"هشام" هو " هشام بن حسان الأزدي القردوسي "، أحد الأعلام، مضى مرارًا كثيرة، كان من أحفظ الناس عن ابن سيرين.
فهذا خبر صحيح الإسناد. وانظر التخريج في الخبرين التاليين.]]
١٧٧٢٧-. . . . قال، حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح قال، قال أبو هريرة: الرؤيا الحسنة بشرى من الله، وهي المبشِّرات. [[الأثر: ١٧٧٢٧ - هذا حديث موقوف على أبي هريرة.
"أبو بكر " هو " أبو بكر بن عياش "، كما سلف.
و" أبو حصين " هو: " عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة.
و" أبو صالح " هو " ذكوان" السمان، مضى قريبًا برقم: ١٧٧١٧. وهذا خبر موقوف صحيح الإسناد، وسيأتي بعده مرفوعًا.]]
١٧٧٢٨- حدثنا محمد بن حاتم المؤدب قال، حدثنا عمار بن محمد قال، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "لهم البشرى في الحياة الدنيا"، الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو تُرَى له = وهي في الآخرة الجنة. [[الأثر: ١٧٧٢٨ - " محمد بن حاتم بن سليمان الزمي "، المؤدب، شيخ أبي جعفر، ثقة، روى عنه الترمذي، والنسائي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم. مترجم في التهذيب،وابن أبي حاتم ٣ \ ٢ \ ٢٣٨، وتاريخ بغداد ٢: ٢٦٨.
و"عمار بن محمد الثوري "، ابن أخت " سفيان الثوري "، لا بأس به، روى عنه أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو كريب، وثقه ابن سعد وابن معين، والبخاري وقال: " كان أوثق من سيف "، وسيف أخوه، كان شيخًا كذابًا خبيثًا يضع الحديث. وقال ابن حبان في عمار: " فحش خطأه وكثر وهمه، فاستحق الترك " وظني أن ابن حبان قد غالى فيه علوا شديدًا. ومع ذلك فأخشى أن يكون قوله هذا تفسيرا لقول البخاري إنه أوثق من سيف أخيه الكذاب، وكأنه ضعفه شيئًا، لا يبلغ منه مبلغ الترك والإسقاط، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ \ ١ \ ٢٩، وابن أبي حاتم ٣ \ ١ \ ٣٩٣.
وإسناد هذا الخبر، إسناد صالح. وأما الإسناد الجيد الصحيح، فهو إسناد مسلم في صحيحه ١٥: ٢٣، حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: " رؤيا المسلم يراها أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ".]]
١٧٧٢٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن يزيد قال، حدثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن أبي السَّمْح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "لهم البشرى في الحياة الدنيا" الرؤيا الصالحة يُبَشَّر بها العبد جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوّة. [[الأثر: ١٧٧٢٩ - حديث عبد الله بن عمرو، سيأتي من طريق أخرى رقم: ١٧٧٥٤.
و" محمد بن يزيد " الذي روى عنه أبو كريب، لم يبين هنا، وأظنه " محمد بن يزيد الحزامي البزاز " روى عن ابن المبارك، والوليد بن مسلم، وضمرة بن ربيعة، وشريك، وابن عيينة. روى عنه البخاري في التاريخ، وأبو كريب، مترجم في التهذيب، والكبير ١ \ ١ \ ٢٦١، وابن أبي حاتم ٤ \ ١ \ ١٢٨، وميزان الاعتدال ٣: ١٥٠، ولم يذكر فيه البخاري جرحًا.
وأما " رشدين بن سعد المصري "، فهو ضعيف الحديث، مضى تضعيفه برقم: ١٩، ١٩٣٨، ٢١٧٦، ٢١٩٥. و " أبو كريب " يروي عن " رشدين " مباشرة، كما سلف في الآثار التي ذكرتها.
و" عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري "، ثقة حافظ، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٣٥٧٠.
وأما " أبو السمح "، فهو " دراج بن سمعان "، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص. ثقة، متكلم فيه، ورجح أخي السيد أحمد رحمه الله توثيقه فيما سلف، رقم: ٣١٨٧، ٥٥١٨. وكان في المطبوعة: " عن أبي الشيخ " وهو خطأ صرف. وفي المخطوطة مثله رسمًا غير منقوط. والصواب ما أثبت، كما سيأتي في رقم: ١٧٧٥٤.
و" عبد الرحمن بن جبير المصري "، الفقيه، ثقة، روى عن عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر، وعمرو بن غيلان بن سلمة الثقفي، وأبي الدرداء،. كان عبد الله بن عمرو به معجبًا. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ٢٢١.
وهذا خبر ضعيف الإسناد، لضعف " رشدين بن سعد ": وسيأتي بإسناد صالح فيما سيأتي رقم: ١٧٧٥٤.]]
١٧٧٣٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان، عن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول الله ﷺ: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، فقد عرفنا بشرى الآخرة، فما بشرى الدنيا؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، وهي جزء من أربعة وأربعين جزءًا = أو ستين جزءًا = من النبوة. [[الأثر: ١٧٧٣٠ - حديث عبادة بن الصامت، هذا هو الطريق الثالث من طرقه.
" موسى بن عبيدة الربذي "، ضعيف لا تحل الرواية عنه، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٦٢٢٩.
و" أيوب بن خالد بن صفوان الأنصاري "، ثقة، متكلم فيه. روى عن جابر بن عبد الله، وعن التابعين، مترجم في التهذيب، والكبير ١ \ ١ \ ٤١٢، وابن أبي حاتم ١ \ ١ \ ٢٤٥، وفرق البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم بينه وبين " أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري، " وكذلك فرق بينهما أبو زرعة، قال الحافظ ابن حجر " وجعلها ابن يونس واحدًا. قلت: وسبب ذلك أن خالد بن صفوان والد أيوب، وأمه عمرة بنت أبي أيوب الأنصاري، فهو جده لأمه، فالأشبه قول ابن يونس، فقد سبق إليه البخاري ". وقد رأيت أن البخاري قد فرق بينهما في تاريخه، فلا أدري من أين قال ذلك الحافظ ابن حجر؟
وهذا إسناد ضعيف، لضعف " موسى بن عبيدة "، وهو إسناد منقطع أيضًا، لأن " أيوب بن خالد " لم يرو عن عبادة بن الصامت.
وكان في المطبوعة: " أو سبعين جزءًا من النبوة "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٧٧٣١- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو عمرو قال، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت، أنه سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: "لهم البشرى في الحياة الدنيا"، فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ من أمتي قبلك! هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة. [[الأثر: ١٧٧٣١ - حديث عبادة بن الصامت، هذه هي الطريق الأول من طرقه، كما فصلتها في رقم: ١٧٧١٨، وهو إسناد آخر للخبر رقم: ١٧٧١٨.]]
١٧٧٣٢- حدثنا أحمد بن حماد الدولابي قال، حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز الكعبية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ذهبت النبوّة وبقيت المبشّرات. [[الأثر: ١٧٧٣٢ - " أحمد بن حماد بن سعيد الدولابي "، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ٢٥٩٣، ٣٥٧١.
و" سفيان "، هو " ابن عيينة ".
و" عبيد الله بن أبي يزيد المكي "، ثقة، مضى برقم: ٢٠، ٣٧٧٨، ١٠٢٧٤، ١٤٦٧٣ - ١٤٦٧٧.
وأبوه " أبو يزيد المكي "، ثقة، مضى برقم: ٢٠.
و" سباع بن ثابت "، حليف لبني زهرة، عدّه ابن حجر وابن الأثير في الصحابة، مترجم، فيهما، وفي ابن أبي حاتم ٢ \ ١ \ ٣١٢، ولم يذكر له صحبة. وكان في المخطوطة وحدها " سباع بن أبي ثابت "، والصواب ما في المطبوعة.
وهذا الخبر من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد، ورواه ابن ماجة في سننه ص: ١٢٨٣، رقم: ٣٨٩٦، والدارمي في سننه ٢: ١٢٣، بمثله. ورواه أحمد في مسنده ٦: ٣٨١، من طريق سفيان بن عيينة أيضًا، وروى معه ثلاثة أحاديث بالإسناد نفسه وفيه " عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه عن سباع بن ثابت "، فقال أبو عبد الرحمن ولده: " سمعت أبي يقول: سفيان يهم في هذه الأحاديث. عبيد الله، سمعها من سباع بن ثابت "، ثم ساق أحد الأحاديث الأربعة من طريق عفان، عن حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال حدثني سباع بن ثابت "، مصرحًا بالتحديث.
وذكر ابن أبي حاتم في ترجمة " سباع بن ثابت " أن عبيد الله بن أبي يزيد، روى عن سباع بن ثابت " من رواية ابن جريج، وحماد بن زيد، عنه. وقال: " وأما ابن عيينة، فيروى عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه عن سباع بن ثابت ".
وهذا خبر صحيح، على ما فيه من الاختلاف، وإنما الوهم فيه من سفيان.]]
١٧٧٣٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن رجل، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ في قوله: "لهم البشرى في الحياة الدنيا"، قال: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة. [[الأثر: ١٧٧٣٣ - حديث أبي الدرداء، من الطريق الأولى التي بينتها في التعليق على رقم: ١٧٧١٧، وروايته هنا من طريق الأعمش، عن أبي صالح ذكوان. وانظر التعليق على رقم: ١٧٧١٧.
ومن هذه الطريق رواها أحمد في مسنده ٦: ٤٤٥، بإسناده عن عبد الرازق، عن سفيان.]]
١٧٧٣٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل كان بمصر، قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، فقال أبو الدرداء: ما سألني عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله ﷺ! فقال النبي ﷺ: ما سألني عنها أحدٌ قبلك، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، وفي الآخرة الجنة. [[الأثر: ١٧٧٣٤ - حديث أبي الدرداء، من الطريق الثالثة التي بينتها في رقم: ١٧٧١٧، وهو مكرر رقم ١٧٧٢٢، وقد خرجته هناك.]]
١٧٧٣٥-. . . . قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي الدرداء قال: سألت النبي ﷺ عن قوله: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، قال: ما سألني عنها أحد غيرُك، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٣٥ - هذه هي الطريق الثانية لحديث أبي الدرداء أيضًا، ولكنه رواية أبي صالح ذكوان، عن أبي الدرداء مباشرة، كما سيأتي برقم: ١٧٧٤١، وقد فصلت ذلك في التعليق على رقم ١٧٧١٧. وهذه هي الطريق التي أشار إليها الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، تذييلا على الخبر الذي رواه أبو جعفر برقم: ١٧٧٢٤.
و" عاصم "، هو " عاصم بن بهدلة "، و" عاصم بن أبي النجود "، وهو ثقة، روى له الجماعة، روى له الشيخان مقرونًا بغيره، لأنه كان في حفظه شيء. فأخشى أن يكون هذا الذي انفرد به مما ساء حفظه فيه. وانظر التعليق على سائر حديث أبي الدرداء.]]
١٧٧٣٦-. . . . قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء في قوله: "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، قال: سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ما سألني عنها أحدٌ قبلك، هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له، وفي الآخرة الجنة. [[الأثر: ١٧٧٣٦ - هذه هي الطريق الرابعة لحديث أبي الدرداء، وهي رواية أبي صالح السمان " ذكوان "، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء، بلا واسطة. و" عطاء بن يسار "، يروي عن أبي الدرداء.
وإسناده حسن. وانظر ما قلته في التعليق على رقم: ١٧٧١٧، وما سيأتي في رقم: ١٧٧٤٣.]]
١٧٧٣٧-. . . . قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح = قال ابن عيينة: ثم سمعته من عبد العزيز، عن أبي صالح السمان= عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية: "لهم البشرى في الحياة الدنيا"، قال: ما سألني عنها أحدٌ منذ سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال: ما سألني عنها أحدٌ منذ أنزلت عليَّ إلا رجلٌ واحدٌ، هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٣٧ - حديث أبي الدرداء من الطريق الثالثة التي بينتها في رقم: ١٧٧١٧.
وهذا الخبر سمعه ابن عيينة من عمرو بن دينار، عن عبد العزيز بن رفيع، ثم سمعه من عبد العزيز بن رفيع مباشرة.
" وعبد العزيز بن رفيع الأسدي "، تابعي ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٤٨١٠.
ومن هذه الطريق، رواه الترمذي في السنن، في كتاب التفسير، تعقيبًا للأثر السالف برقم: ١٧٧٢٤. ورواه أحمد في مسنده ٦: ٤٤٧، من حديث سفيان بن عيينة، عن عبد العزيز بن رفيع، ليس بينهما " عمرو بن دينار ".]]
١٧٧٣٨-. . . . قال، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار: أنه سأل رجلا من أهل مصر فقيهًا، قدم عليهم في بعض تلك المواسم، قال قلت: ألا تخبرني عن قول الله تعالى ذكره: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ؟ قال: سألت عنها أبا الدرداء، فأخبرني أنه سأل عنها رسول الله ﷺ فقال: هي الرؤيا الحسنة يراها العبد أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٣٨ - هذه هي الطريق الخامسة، لحديث أبي الدرداء.
" عبد الله بن أبي بكر بن حبيب السهمي "، ثقة، مضى برقم: ١٠٨٨٥.
و" حاتم بن أبي صغيرة "، ثقة، مضى برقم: ١٧٤١٠، ١٧٤١١.
و" عمرو بن دينار "، لم يسمع من أبي الدرداء، ولكنه رواه هنا عن مجهول، وهو " فقيه من أهل مصر ". فهو حديث ضعيف.]]
١٧٧٣٩-. . . . قال، حدثنا أبي، عن علي بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت، قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ قال: "هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له. [[الأثر: ١٧٧٣٩ - " حديث عبادة بن الصامت، من الطريق الأولى التي بينتها في رقم: ١٧٧١٨.
وقد فصلت الحديث عنه في التعليق على رقم: ١٧٧٢١، ذلك الإسناد المختل، وفي رقم: ١٧٧٢٠، وبينت علته هناك.
ومن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده ٥: ٣١٥.
وابن ماجه في سننه ص: ١٢٨٣، رقم: ٣٨٩٨.
والحاكم في المستدرك ٢: ٣٤٠، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. وقد بينت قبل أن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من عبادة بن الصامت، فهو إسناد منقطع. فهذه علته، وإن كان سائر الإسناد صحيحًا.]]
١٧٧٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم وأبو الوليد الطيالسي قالا حدثنا أبان قال، حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت، قال: قلت: يا رسول الله، قال الله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك = أو: أحدٌ من أمتي = قال: "هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٤٠ - حديث عبادة من الطريق الأولى، كالذي قبله، وهو مكرر رقم: ١٧٧٢٠، وقد خرجته هناك.]]
١٧٧٤١-. . . . قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، قال: سمعت أبا الدرداء، وسئل عن: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ، قال: ما سألني عنها أحدٌ قبلك منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: ما سألني عنها أحدٌ قبلك، هي الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له. [[الأثر: ١٧٧٤١ - حديث أبي الدرداء من الطريق الثانية، وهو مكرر رقم: ١٧٧٣٥، وخرجته هناك.]]
١٧٧٤٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، في قوله: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ، قال: هي الرؤيا الحسنة يراها الإنسان أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٤٢ - " عبيد الله بن أبي يزيد المكي "، ثقة، مضى قريبًا رقم: ١٧٧٣٢ ونافع بن جبير بن مطعم النوفلي" تابعي مشهور وأحد الأئمة. مضى برقم ١٧٤٢٩. وهذا الخبر، رواه نافع عن صحابي لم يصرح باسمه، لعله أبو هريرة، وجهالة الصحابي لا تضر. فهو حديث صحيح إن شاء الله.]]
١٧٧٤٣-. . . . وقال: ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن أبي الدرداء = أو ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء قال: سألت النبي ﷺ عنها فقال: هي الرؤيا الصالحة. [[الأثر: ١٧٧٤٣ - حديث أبي الدرداء هذا من طريقين:طريق عمرو بن دينار عن أبي الدرداء، بلا واسطة، وهي الطريق السادسة التي بينتها في رقم: ١٧٧١٧." وعمرو بن دينار " لم يسمع من أبي الدرداء، كما بينت في رقم: ١٧٧٣٨، فهو ضعيف لانقطاعه.
وطريق محمد بن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء، وهي الطريقة الرابعة. وقد سلف بيانها في تخريج الخبر رقم: ١٧٧٣٦، وانظر أيضًا حديث محمد بن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء، رقم: ١٧٧٢٣، ١٧٧٢٤.]]
١٧٧٤٤-. . . . وقال ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: هي الرؤيا يراها الرجل.
١٧٧٤٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له.
١٧٧٤٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ، قال: هي الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح.
١٧٧٤٧-. . . . قال، حدثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له.
١٧٧٤٨-. . . . قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن طلحة القناد، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ، قال: هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه. [[الأثر: ١٧٧٤٨ - هذا خبر موقوف على ابن عباس.]]
١٧٧٤٩- قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: الرؤيا من المبشِّرات.
١٧٧٥٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد: أن رجلا سأل النبي ﷺ عنها، فقال: "ما سألني عنها أحدٌ من أمتي منذ أنزلت عليّ قبلك! قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل لنفسه أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٥٠ - هذا خبر مرسل.]]
١٧٧٥١-. . . . قال، حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن العوام، عن إبراهيم التيمي، أن ابن مسعود قال: ذهبت النبوة، وبقيت المبشِّرات! قيل: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له. [[الأثر: ١٧٧٥١ - هذا خبر موقوف على ابن مسعود، صحيح الإسناد.]]
١٧٧٥٢- قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ، فهو قوله لنبيه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ، [سورة الأحزاب: ٤٧] . قال: هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو تُرَى له.
١٧٧٥٣-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن عطاء في قوله: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ، قال: هي رؤيا الرجل المسلم يبشَّر بها في حياته.
١٧٧٥٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث أن درَّاجًا أبا السمح حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ : الرؤيا الصالحة يبشَّر بها المؤمن، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة. [[الأثر: ١٧٧٥٤ - حديث عبد الله بن عمرو، مضى من طريق أخرى ضعيفة، برقم: ١٧٧٢٩. " عمرو بن الحارث المصري "، ثقة، مضى برقم: ١٧٧٢٩.
و" دراج بن سمعان "، " أبو السمح "، ثقة، مضى أيضًا برقم: ١٧٧٢٩، وتوثيق أخي السيد أحمد رحمه الله، له. وقد رواه أحمد مطولا في سنده، برقم: ٧٠٤٤، من طريق حسن بن الأشيب، عن لهيعة، عن دراج أبي السمح، وقال أخي: " إسناده صحيح ".وخرجه في مجمع الزوائد ٧: ١٧٥، وقال: " رواه أحمد من طريق ابن لهيعة عن دراج " وحديثهما حسن، وفيهما ضعف. وبقية رجاله ثقات ". وهذه الطريق الأخرى من رواية ابن وهب، أوثق من طريق ابن لهيعة. وخرجه الهيثمي أيضًا في مجمع الزوائد ٧: ٣٦، وقال نحوه.]]
١٧٧٥٥- حدثني يونس قال، أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه في هذه الآية: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرَى له.
١٧٧٥٦- حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا أبو المغيرة قال، حدثنا صفوان قال، حدثنا حميد بن عبد الله: أن رجلا سأل عبادة بن الصامت عن قول الله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ ، فقال عبادة: لقد سألتني عن أمر ما سألني عنه أحدٌ قبلك، ولقد سألت رسول الله ﷺ عما سألتني فقال لي: يا عبادة لقد سألتني عن أمر ما سألني عنه أحدٌ من أمتي! تلك الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو تُرى له. [[الأثر: ١٧٧٥٦ - هذه هي الطريق الثانية لحديث عبادة بن الصامت، التي ذكرتها في رقم: ١٧٧١٨.
" محمد بن عوف بن سفيان الطائي "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٥٤٤٥، ١٢١٩٤، ١٣١٠٨ " وأبو المغيرة "، هو " عبد القدوس بن الحجاج الخولاني "، ثقة، مضى برقم: ١٠٣٧١، ١٢١٩٤، ١٣١٠٨. " وصفوان " هو: " صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي "، ثقة، مضى برقم: ٧٠٠٩، ١٢٨٠٧، ١٣١٠٨ رواه أحمد من هذا الطريق نفسها في السند ٥: ٣٢٥، عن أبي المغيرة، عن صفوان، عن حميد بن عبد الرحمن اليزني. " وحميد بن عبد الله "، مضى برقم: ١٧٧٢٥، ويشبه هناك " المزني "، وذكرت أن في ابن أبي حاتم " المدني "، وفي المسند " اليزني "، كما رأيت. ثم اختلاف آخر، في المسند " حميد بن عبد الرحمن اليزني "، ولكني لم أجد هذا الاختلاف في شيء من الدواوين، فأخشى أن يكون خطأ ناسخ من نساخ المسند. وسلف في رقم: ١٧٧٢٥. أن هذا إسناد منقطع بين " حميد بن عبد الله "، وعبادة بن الصامت.]]
* *
وقال آخرون: هي بشارة يبشَّر بها المؤمن في الدنيا عند الموت.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٥٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، وقتادة: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ، قال: هي البشارة عند الموت في الحياة الدنيا.
١٧٧٥٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يعلى، عن أبي بسطام، عن الضحاك: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ، قال: يعلم أين هو قبل الموت.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له = ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما روي عن النبي ﷺ: "أن الملائكة التي تحضره عند خروج نفسه، تقول لنفسه: اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه". [[حديث بغير إسناد، لم أستطع أن أجده بلفظه في مكان قريب.]]
ومنها: بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الثواب الجزيل، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ الآية، [سورة البقرة: ٢٥] .
وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمه جل ثناؤه: أن ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ ، وأما في الآخرة فالجنة.
* *
وأما قوله: ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ ، فإن معناه: إن الله لا خُلْفَ لوعده، ولا تغيير لقوله عما قال، ولكنه يُمْضي لخلقه مواعيدَه وينجزها لهم، [[انظر تفسير " تبديل الكلمات " فيما سلف ٢: ٦٢، تعليق: ١، ٣، والمراجع هناك.]] وقد:-
١٧٧٥٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع قال: أطال الحجاج الخطبة، فوضع ابن عمر رأسَه في حِجْري، فقال الحجاج: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله! فقعد ابن عمر فقال: لا تستطيع أنت ذاك ولا ابن الزبير! لا تبديل لكلمات الله! فقال الحجاج: لقد أوتيت علمًا إن نفعك! [[في المطبوعة والمخطوطة: " لقد أوتيت علما أن تفعل "، وهو بين الفساد، صوابه من المستدرك للحاكم.]] = قال أيوب: فلما أقبل عليه في خاصّة نفسه سكَتَ. [[الأثر: ١٧٧٥٩ - رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٣٩، ٣٤٠، من طريق أبي النعمان، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، بمثله، ليس فيه كلمة أيوب. وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. وهذا خبر عظيم القدر فيه أخلاق أصحاب رسول الله ﷺ، ظاهرة كما علمهم رسولهم، من ترك هيبة الجبابرة، ومن إنكار المنكر من القول والعمل، ومن اليقظة لمعاني الكلام ومقاصد الأعمال، ومن تعليم الناس جهرة أخطاء أمرائهم والولاة عليهم، ومن الصبر على أذى هؤلاء الجبابرة إذا كان الأذى يمسهم في خاصة أنفسهم. فأما إذا كان الأمر أمر الله وأمر رسوله، وأمر الكتاب المنزل بالحق إلى الديانين والجبابرة جميعًا، يأمرهم وينهاهم على السواء، فهم لا يخافون جبارًا قد عود سيفه سفح الدماء، ودرب لسانه على اللذع والقرص واللجاجة. فرحم الله أمة كان هؤلاء النبلاء، أئمتها وهداتها!]]
* *
وقوله: ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾ ، يقول تعالى ذكره: هذه البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة = "وهي الفوز العظيم"، يعني الظفر بالحاجة والطَّلبة والنجاة من النار. [[انظر تفسير " الفوز " فيما سلف ١٤: ٤٣٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لا يحزنكَ، يا محمد، قول هؤلاء المشركين في ربهم ما يقولون، وإشراكهم معه الأوثان والأصنام [[انظر تفسير " الحزن " فيما سلف ١٠: ١٠٨، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]] = فإنّ العزة لله جميعًا، يقول تعالى ذكره: فإن الله هو المنفرد بعزة الدنيا والآخرة، لا شريك له فيها، وهو المنتقم من هؤلاء المشركين القائلين فيه من القول الباطل ما يقولون، فلا ينصرهم عند انتقامه منهم أحدٌ، لأنه لا يُعَازُّه شيء [[انظر تفسير " العزة " فيما سلف ١٠: ٤٢١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿هو السميع العليم﴾ ، يقول: وهو ذو السمع لما يقولون من الفرية والكذب عليه، وذو علم بما يضمرونه في أنفسهم ويعلنونه، مُحْصًى ذلك عليهم كله، وهو لهم بالمرصاد. [[انظر تفسير " السميع " و " العليم " فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) ، (علم) .]]
* *
وكسرت "إن" من قوله: ﴿إن العزة لله جميعًا﴾ لأن ذلك خبرٌ من الله مبتدأ، ولم يعمل فيها "القول"، لأن "القول"، عني به قول المشركين، وقوله: ﴿إن العزة لله جميعًا﴾ ، لم يكن من قِيل المشركين، ولا هو خبرٌ عنهم أنهم قالوه. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧١، ٤٧٢ وفيه تفصيل موقع " إن " بعد " القول " وشبهه.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (٦٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ألا إن لله يا محمد كلَّ من في السموات ومن في الأرض، ملكًا وعبيدًا، لا مالك لشيء من ذلك سواه. يقول: فكيف يكون إلهًا معبودًا من يعبُده هؤلاء المشركون من الأوثان والأصنام، وهي لله ملك، وإنما العبادة للمالك دون المملوك، وللرب دون المربوب؟ = ﴿وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء﴾ ، يقول جل ثناؤه: وأيُّ شيء يتبع من يدعو من دون الله = يعني: غير الله وسواه = شركاء. ومعنى الكلام: أيُّ شيءٍ يتبع من يقول لله شركاء في سلطانه وملكه كاذبًا، والله المنفرد بملك كل شيء في سماء كان أو أرض؟ = ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ ، يقول: ما يتبعون في قيلهم ذلك ودعواهم إلا الظن، يقول: إلا الشك لا اليقين [[انظر تفسير " الظن " فيما سلف من فهارس اللغة (ظنن) .]] = ﴿وإن هم إلا يخرصون﴾ ، يقول: وإن هم إلا يتقوّلون الباطل تظنِّيًا وتَخَرُّصا للإفك، [[في المطبوعة: " تظننا " وأثبت ما في المخطوطة معجما، على قلة إعجام الحروف فيها.
" والتظني "، هو " التظنن "، وإنما قلبت نونه الآخرة ياء لتوالي النونات وثقل تواليها، وهو كثير فاش في كلام العرب.]] عن غير علمٍ منهم بما يقولون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنّ ربكم أيها الناس الذي استوجب عليكم العبادة، هو الرب الذي جعل لكم الليل وفصله من النهار، لتسكنوا فيه مما كنتم فيه في نهاركم من التَّعب والنَّصب، وتهدءوا فيه من التصرف والحركة للمعاش والعناء الذي كنتم فيه بالنهار [[انظر تفسير " جعل " فيما سلف في فهارس اللغة (جعل) .]] = ﴿والنهار مبصرًا﴾ ، يقول: وجَعَل النهار مبصرًا، فأضاف "الإبصار" إلى "النهار"، وإنما يُبْصَر فيه، وليس "النهار" مما يبصر، ولكن لما كان مفهوما في كلام العرب معناه، خاطبهم بما في لغتهم وكلامهم،
وذلك كما قال جرير:
لَقَدْ لُمْتِنَا يَا أُمَّ غَيْلانَ فِي السُّرَى ... وَنِمتِ، وَمَا لَيْلُ الْمَطِيِّ بِنَائِمِ [[ديوانه: ٥٥٤، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٧٩، من قصيدة له طويلة، أجاب بها الفرزدق.]]
فأضاف "النوم" إلى "الليل" ووصفه به، ومعناه نفسه، أنه لم يكن نائمًا فيه هو ولا بَعِيره.
* *
يقول تعالى ذكره: فهذا الذي يفعل ذلك هو ربكم الذي خلقكم وما تعبدون، لا ما لا ينفع ولا يضر ولا يفعل شيئًا.
* *
وقوله: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن في اختلاف حال الليل والنهار وحال أهلهما فيهما، دلالةً وحججًا على أن الذي له العبادة خالصا بغير شريك، هو الذي خلق الليل والنهار، وخالف بينهما، بأن جعل هذا للخلق سكنًا، وهذا لهم معاشًا، دون من لا يخلق ولا يفعل شيئًا، ولا يضر ولا ينفع.
* *
وقال: ﴿لقوم يسمعون﴾ ، لأن المراد منه: الذين يسمعون هذه الحجج ويتفكرون فيها، فيعتبرون بها ويتعظون. ولم يرد به: الذين يسمعون بآذانهم، ثم يعرضون عن عبره وعظاته.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٦٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون بالله من قومك، يا محمد: ﴿اتخذ الله ولدًا﴾ ، وذلك قولهم: "الملائكة بنات الله". يقول الله منزهًا نفسه عما قالوا وافتروا عليه من ذلك: "سبحان الله"، تنزيهًا لله عما قالوا وادَّعوا على ربهم [[انظر تفسير " سبحان " فيما سلف ص: ٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = "هو الغني" يقول: الله غنيٌّ عن خلقه جميعًا، فلا حاجة به إلى ولد، [[انظر تفسير " الغني " فيما سلف ١٢: ١٢٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] لأن الولد إنما يَطْلُبه من يطلبه، ليكون عونًا له في حياته وذكرًا له بعد وفاته، والله عن كل ذلك غنيٌّ، فلا حاجة به إلى معين يعينه على تدبيره، ولا يبيدُ فيكون به حاجة إلى خلف بعده = ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ ، يقول تعالى ذكره: لله ما في السموات وما في الأرض مِلْكًا، والملائكةُ عباده وملكه، فكيف يكون عبد الرجل وملكه له ولدًا؟ يقول: أفلا تعقلون أيها القوم خطأ ما تقولون؟ = ﴿إن عندكم من سلطان بهذا﴾ ، يقول: ما عندكم أيها القوم، بما تقولون وتدّعون من أن الملائكة بنات الله، من حجة تحتجون بها = وهي السلطان [[انظر تفسير " السلطان " فيما سلف ١٢: ٥٢٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = أتقولون على الله قولا لا تعلمون حقيقته وصحته، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه، جهلا منكم بما تقولون، بغير حجة ولا برهان؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ يا محمد، لهم ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب﴾ ، فيقولون عليه الباطل، ويدّعون له ولدًا [[انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة (فرى) .]] = ﴿لا يفلحون﴾ ، يقول: لا يَبْقَون في الدنيا [[انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص: ٤٦،، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
، ولكن لهم متاع في الدنيا يمتعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كُتِب فناؤهم فيه [[انظر تفسير " المتاع " فيما سلف ص: ٥٣،، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ثم إلينا مرجعهم﴾ ، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم، إلينا مصيرهم ومنقلبهم [[انظر تفسير " المرجع " فيما سلف ص: ٩٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
= ﴿ثم نذيقهم العذاب الشديد﴾ ، وذلك إصلاؤهم جهنم [[انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ص: ١٠٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿بما كانوا يكفرون﴾ بالله في الدنيا، فيكذبون رسله، ويجحدون آياته.
* *
ورفع قوله: ﴿متاع﴾ بمضمر قبله إما "ذلك"، وإما "هذا". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٢، وفيه ": إما (هو) ، وإما (ذاك) ".]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ يا محمد، لهم ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب﴾ ، فيقولون عليه الباطل، ويدّعون له ولدًا [[انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة (فرى) .]] = ﴿لا يفلحون﴾ ، يقول: لا يَبْقَون في الدنيا [[انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص: ٤٦،، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
، ولكن لهم متاع في الدنيا يمتعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كُتِب فناؤهم فيه [[انظر تفسير " المتاع " فيما سلف ص: ٥٣،، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ثم إلينا مرجعهم﴾ ، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم، إلينا مصيرهم ومنقلبهم [[انظر تفسير " المرجع " فيما سلف ص: ٩٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
= ﴿ثم نذيقهم العذاب الشديد﴾ ، وذلك إصلاؤهم جهنم [[انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ص: ١٠٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿بما كانوا يكفرون﴾ بالله في الدنيا، فيكذبون رسله، ويجحدون آياته.
* *
ورفع قوله: ﴿متاع﴾ بمضمر قبله إما "ذلك"، وإما "هذا". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٢، وفيه ": إما (هو) ، وإما (ذاك) ".]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿واتل﴾ على هؤلاء المشركين الذي قالوا: ﴿اتخذ الله ولدًا﴾ ، من قومك [[انظر تفسير " التلاوة " فيما سلف من فهارس اللغة (تلا) .]] = ﴿نبأ نوح﴾ ، يقول: خبر نوح [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ص: ١٠٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ﴿إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي﴾ ، يقول: إن كان عظم عليكم مقامي بين أظهركم وشقّ عليكم، [[انظر تفسير " كبر " فيما سلف ١١: ٣٣٦، ٣٣٧.]] = ﴿وتذكيري بآيات الله﴾ ، يقول، ووعظي إياكم بحجج الله، وتنبيهي إياكم على ذلك [[انظر تفسير " التذكير " فيما سلف من فهارس اللغة (ذكر) .]] = ﴿فعلى الله توكلت﴾ ، يقول: إن كان شق عليكم مقامي بين أظهركم، وتذكيري بآيات الله، فعزمتم على قتلي أو طردي من بين أظهركم، فعلى الله اتكالي وبه ثقتي، وهو سَنَدي وظهري [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ١٤: ٥٨٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿فأجمعوا أمركم﴾ ، يقول: فأعدُّوا أمركم، واعزموا على ما تنوُون عليه في أمري. [[في المطبوعة: " وما تقدمون عليه "، وفي المخطوطة: " وما سومون " غير منقوطة، وهو وهم من الناسخ، والصواب الذي أرجحه، ما أثبت، لأن " الإجماع " هو إحكام النية والعزيمة.]]
* *
يقال منه: "أجمعت على كذا"، بمعنى: عزمت عليه، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٣، وقد فصل القول فيه هناك.]]
ومنه قول النبي ﷺ: "من لم يُجْمِع على الصوم من الليل فلا صَوْم له"، بمعنى: من لم يعزم، [[هذا حديث رواه بلا إسناد. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث حفصة أم المؤمنين. انظر سنن أبي داود ٢: ٤٤١، ٤٤٢، رقم: ٢٤٥٤.]] ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله، ولكني أظنه لأبي النجم، هكذا أذكر.]]
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ [[نوادر أبي زيد: ١٣٣، معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٣، اللسان (جمع) ، (زفا) ، وبعده فيما روى أبو زيد: وَتَحْتَ رَحْلِي زَفَيَانٌ مَيْلَعُ
حَرْفٌ، إذَا مَا زُجِرَتْ تَبَوَّعُ.]]
* *
وروي عن الأعرج في ذلك ما:-
١٧٧٦٠- حدثني بعض أصحابنا، عن عبد الوهاب، عن هارون، عن أسيد، عن الأعرج: ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾ ، يقول: أحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم. [[الأثر: ١٧٧٦٠ - " عبد الوهاب "، هو " عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي "، مضى مرارًا كثيرة، آخرها رقم: ١٤٢٢٩. " وهارون " هو " هارون بن موسى " الأعور النحوي، مضى برقم: ٤٩٨٥، ١١٦٩٣، ١٥٥١٤، ١٥٥١٥." وأسيد "، هو " أسيد بن أبي أسيد، يزيد "، البراد. روى الحروف عن الأعرج، مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ١/ ٤٩، ولم يزد على أن قال " أسيد، حدثنا موسى، حدثنا هارون، عن أسيد سمع عكرمة، وعن الأعرج في القراءة "، لم يذكر له نسبًا. وفي ابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣١٦، في ترجمة " أسيد بن يزيد المدني "، وقال: " روى عن الأعرج، روى عنه هارون النحوي". ثم أتبعه بترجمة " أسيد بن أبي أسيد البراد "، وقال: " واسم أبي أسيد يزيد "، ولم يذكر له رواية عن الأعرج، ولا في الرواة عنه هارون النحوي، فجعلهما رجلين. بيد أني رأيت ابن الجزري في طبقات القراء ١: ٣٨١ في ترجمة " الأعرج "، وهو " عبد الرحمن بن هرمز " قال: " وروى عنه الحروف أسيد بن أبي أسيد ". وانظر هذا الاختلاف في التهذيب، وما قاله الحافظ ابن حجر هناك.]]
ونصب قوله: ﴿وشركاءكم﴾ ، بفعل مضمر له، وذلك: "وادعوا شركاءكم"، وعطف ب"الشركاء" على قوله: ﴿أمركم﴾ ، على نحو قول الشاعر:
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا [[مضى البيت وتخريجه في مواضع، آخرها ١٣: ٤٣٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك، وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٣.]]
فالرمح لا يُتَقلَّد، ولكن لما كان فيما أظهر من الكلام دليلٌ على ما حذف، اكتفي بذكر ما ذكر منه مما حذف، [[في المطبوعة والمخطوطة: " فاكتفى " بالفاء، والصواب حذفها، وإنما خلط الناسخ.]] فكذلك ذلك في قوله: ﴿وشركاءكم﴾ .
* *
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته قراء الأمصار: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ نصبًا، وقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ ، بهمز الألف وفتحها، من: "أجمعت أمري فأنا أجمعه إجماعًا.
* *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ ، بفتح الألف وهمزها = ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ ، بالرفع على معنى: وأجمعوا أمركم، وليجمع أمرَهم أيضًا معكم شركاؤكم. [[انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٣.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك قراءةُ من قرأ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ، بفتح الألف من "أجمعوا"، ونصب "الشركاء"، لأنها في المصحف بغير واو، ولإجماع الحجة على القراءة بها، ورفض ما خالفها، ولا يعترض عليها بمن يجوز عليه الخطأ والسهو.
* *
وعني ب"الشركاء"، آلهتهم وأوثانهم.
* *
وقوله: ﴿ثم لا يكن أمركم عليكم غمة﴾ ، يقول: ثم لا يكن أمركم عليكم ملتبسًا مشكلا مبهمًا.
* *
= من قولهم: "غُمَّ على الناس الهلال"، وذلك إذا أشكل عليهم فلم يتبيَّنوه، ومنه قول [العجاج] : [[في المطبوعة والمخطوطة: " ومنه قول رؤبة "، وأنا أرجح أنه خطأ من الناسخ، فلذلك وضعته بين القوسين، وإنما نقل هذا أبو جعفر من مجاز القرآن لأبي عبيدة، وهو فيه على الصواب " العجاج ".]]
بَلْ لَوْ شَهِدْتِ النَّاسَ إِذْ تُكُمُّوا ... بِغُمّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا [[ديوانه: ٦٣، واللسان (غمم) ، (كمم) ، وغيرها. أول رجز له طويل في ديوانه، ذكر فيه مسعود بن عمرو العتكي، وما أصابه وقومه من تميم رهط العجاج، وسلف بيان ذلك ١٣: ٧٥، تعليق: ٢، في شرح بيت من هذا الرجز. وقوله: " تكموا " من قوله: " تكممه "، أي غطاه وغشاه، ثم لما توالت الميمات في " تكمموا "، قلبت الأخيرة ياء، كما قيل في " التظنن " و " التظني "، فلما أسند إليه الواو، قال: " تكموا ".]]
وقيل: إن ذلك من "الغم"، لأن الصدر يضيق به، ولا يتبين صاحبه لأمره مَصدرًا يَصْدُرُه يتفرَّج عليه ما بقلبه، [[في المطبوعة: " يتفرج عنه "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] ومنه قول خنساء:
وَذِي كُرْبَةٍ رَاخَى ابْنُ عَمْرٍو خِنَاقَه ... وَغُمَّتَهُ عَنْ وَجْهِهِ فَتَجَلَّتِ [[ديوانها: ٢٢، وروايته " ومُخْتَنِقٍ رَاخَى ابنُ عَمْرٍو " من رثائها في أخيها صخر.]]
* *
وكان قتادة يقول في ذلك ما:
١٧٧٦١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أمركم عليكم غمة﴾ ، قال: لا يكبر عليكم أمركم.
* *
وأما قوله: ﴿ثم اقضوا إليّ﴾ ، فإن معناه: ثم امضوا إليّ ما في أنفسكم وافرغوا منه، كما:-
١٧٧٦٢- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون﴾ ، قال: اقضوا إليّ ما كنتم قاضين.
١٧٧٦٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون﴾ ، قال: اقضوا إليّ ما في أنفسكم.
١٧٧٦٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* *
واختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى قوله: ﴿ثم اقضوا إليّ﴾ . [[انظر تفسير " قضى " فيما سلف ص: ٣٣، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] .
فقال بعضهم: معناه: امضوا إلي، كما يقال: "قد قضى فلان"، يراد: قد مات ومَضَى.
* *
وقال آخرون منهم: بل معناه: ثم افرغوا إليّ، وقالوا: "القضاء"، الفراغ، والقضاء من ذلك. قالوا: وكأنّ "قضى دينه " من ذلك، إنما هو فَرَغ منه.
* *
وقد حُكي عن بعض القراء أنه قرأ ذلك: ﴿ثُمَّ أَفْضُوا إِلَيَّ﴾ ، بمعنى: توجَّهوا إليّ حتى تصلوا إليّ، من قولهم: "قد أفْضَى إليّ الوَجَع وشبهه". [[انظر بيان هذه القراءة في معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٤.]]
* *
وقوله: ﴿ولا تنظرون﴾ ، يقول: ولا تؤخرون.
* *
=من قول القائل: "أنظرت فلانًا بما لي عليه من الدين". [[انظر تفسير " الإنظار " فيما سلف ١٣: ٣٢٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
* *
قال أبو جعفر: وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول نبيه نوح عليه السلام لقومه: إنه بنُصرة الله له عليهم واثق، ومن كيدهم وبوائقهم غير خائف [[في المطبوعة: " من كيدهم وتواثقهم "، وهي قراءة فاسدة، صوابها ما أثبت. والمخطوطة غير منقوطة. و " البوائق "، جمع " بائقة ". يعني: غوائلهم وشرهم وظلمهم وبغيهم عليه.]] =وإعلامٌ منه لهم أن آلهتهم لا تضرّ ولا تنفع، يقول لهم: أمضوا ما تحدّثون أنفسكم به فيَّ، على عزم منكم صحيح، واستعينوا من شايعكم عليّ بآلهتكم التي تدْعون من دون الله، ولا تؤخروا ذلك، فإني قد توكلت على الله، وأنا به واثق أنكم لا تضروني إلا أن يشاء ربي.
وهذا وإن كان خبرًا من الله تعالى عن نوح، فإنه حثٌّ من الله لنبيه محمد ﷺ على التأسّي به، وتعريفٌ منه سبيلَ الرشاد فيما قلَّده من الرسالة والبلاغ عنه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) ﴾
يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل نبيه نوح عليه السلام لقومه: ﴿فإن توليتم﴾ ، أيها القوم، عني بعد دعائي إياكم، وتبليغ رسالة ربي إليكم، مدبرين، فأعرضتم عمّا دعوتكم إليه من الحقّ، والإقرار بتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، وترك إشراك الآلهة في عبادته، فتضيعٌ منكم وتفريطٌ في واجب حق الله عليكم، لا بسبب من قبلي، فإني لم أسألكم على ما دعوتكم إليه أجرًا، ولا عوضًا أعتاضه منكم بإجابتكم إياي إلى ما دعوتكم إليه من الحق والهدى، ولا طلبت منكم عليه ثوابًا ولا جزاءً = ﴿إن أجري إلا على الله﴾ يقول جل ثناؤه: إن جزائي وأجر عملي وثوابه إلا على ربي، لا عليكم، أيها القوم، ولا على غيركم = ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ ، وأمرني ربي أن أكون من المذعنين له بالطاعة، المنقادين لأمره ونهيه، المذللين له، ومن أجل ذلك أدعوكم إليه، وبأمره آمركم بترك عبادة الأوثان. [[انظر تفسير " التولي " و " الأجر "، و " الإسلام " فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) ، (أجر) ، (سلم) .]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فكذب نوحًا قومه فيما أخبرهم به عن الله من الرسالة والوحي = "فنجيناه ومن معه " ممن حمل معه = في "الفلك"، يعني في السفينة [[انظر تفسير " الفلك " فيما سلف ١٢: ٥٠٢ / ١٥: ٥٥.]] = "وجعلناهم خلائف"، يقول: وجعلنا الذين نجينا مع نوح في السفينة خلائف في الأرض من قومه الذين كذبوه [[انظر تفسير "الخلافة" فيما سلف ص: ٣٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] بعد أن أغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، = يعني حججنا وأدلتنا على توحيدنا، ورسالة رسولنا نوح.
يقول الله لنبيه محمد ﷺ: "فانظر"، يا محمد = كيف كان عاقبة المنذرين" وهم الذين أنذرهم نوحٌ عقابَ الله على تكذيبهم إياه وعبادتهم الأصنام. يقول له جل ثناؤه: انظر ماذا أعقبهم تكذيبهم رسولَهم، فإن عاقبة من كذَّبك من قومك إن تمادوا في كفرهم وطغيانهم على ربهم، نحو الذي كان من عاقبة قوم نوح حين كذبوه. [[انظر تفسير " العاقبة " فيما سلف ص: ٩٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
يقول جل ثناؤه: فليحذروا أن يحلّ بهم مثل الذي حلّ، بهم إن لم يتوبوا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم، فأتوهم ببينات من الحجج والأدلّة على صدقهم، وأنهم لله رسل، وأن ما يدعونهم إليه حقّ = ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل﴾ ، يقول: فما كانوا ليصدّقوا بما جاءتهم به رسلهم بما كذب به قوم نوح ومن قبلَهم من الأمم الخالية من قبلهم = ﴿كذلك نطبع على قلوب المعتدين﴾ ، يقول تعالى ذكره: كما طبعنا على قلوب أولئك فختمنا عليها، فلم يكونوا يقبَلون من أنبياء الله نصيحتَهم، ولا يستجيبون لدعائهم إيّاهم إلى ربهم، بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام [[انظر تفسير " الطبع " فيما سلف ١٤: ٤٢٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = كذلك نطبع على قلوب من اعتدى على ربّه فتجاوز ما أمره به من توحيده، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته، [[انظر تفسير " الاعتداء " فيما سلف من فهارس اللغة (عدا) .]] عقوبة لهم على معصيتهم ربَّهم من هؤلاء الآخرين من بعدهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الذين أرسلناهم من بعد نوح إلى قومهم، موسى وهارون ابني عمران، إلى فرعون مصر وملئه، يعني: وأشراف قومه وسادتهم [[انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ١٣: ٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿بآياتنا﴾ ، يقول: بأدلتنا على حقيقة ما دعوهم إليه من الإذعان لله بالعُبُودة، والإقرار لهما بالرسالة = ﴿فاستكبروا﴾ ، يقول: فاستكبروا عن الإقرار بما دعاهم إليه موسى وهارون [[انظر تفسير " الاستكبار " فيما سلف ١٣: ١١٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وكانوا قومًا مجرمين﴾ ، يعني: آثمين بربهم، بكفرهم بالله. [[قوله " آثمين بربهم "، تعبير سلف مرارًا في كلام أبي جعفر، وبينته وفسرته فيما سلف انظر ١٢: ٣٠٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم، فأتوهم ببينات من الحجج والأدلّة على صدقهم، وأنهم لله رسل، وأن ما يدعونهم إليه حقّ = ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل﴾ ، يقول: فما كانوا ليصدّقوا بما جاءتهم به رسلهم بما كذب به قوم نوح ومن قبلَهم من الأمم الخالية من قبلهم = ﴿كذلك نطبع على قلوب المعتدين﴾ ، يقول تعالى ذكره: كما طبعنا على قلوب أولئك فختمنا عليها، فلم يكونوا يقبَلون من أنبياء الله نصيحتَهم، ولا يستجيبون لدعائهم إيّاهم إلى ربهم، بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام [[انظر تفسير " الطبع " فيما سلف ١٤: ٤٢٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = كذلك نطبع على قلوب من اعتدى على ربّه فتجاوز ما أمره به من توحيده، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته، [[انظر تفسير " الاعتداء " فيما سلف من فهارس اللغة (عدا) .]] عقوبة لهم على معصيتهم ربَّهم من هؤلاء الآخرين من بعدهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الذين أرسلناهم من بعد نوح إلى قومهم، موسى وهارون ابني عمران، إلى فرعون مصر وملئه، يعني: وأشراف قومه وسادتهم [[انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ١٣: ٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿بآياتنا﴾ ، يقول: بأدلتنا على حقيقة ما دعوهم إليه من الإذعان لله بالعُبُودة، والإقرار لهما بالرسالة = ﴿فاستكبروا﴾ ، يقول: فاستكبروا عن الإقرار بما دعاهم إليه موسى وهارون [[انظر تفسير " الاستكبار " فيما سلف ١٣: ١١٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وكانوا قومًا مجرمين﴾ ، يعني: آثمين بربهم، بكفرهم بالله. [[قوله " آثمين بربهم "، تعبير سلف مرارًا في كلام أبي جعفر، وبينته وفسرته فيما سلف انظر ١٢: ٣٠٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿فلما جاءهم الحق من عندنا﴾ ، يعني: فلما جاءهم بيانُ ما دعاهم إليه موسى وهارون، وذلك الحجج التي جاءهم بها، وهي الحق الذي جاءهم من عند الله = ﴿قالوا إن هذا لسحر مبين﴾ ، يعنون أنه يبين لمن رآه وعاينه أنه سحر لا حقيقة له [[انظر تفسير " السحر " فيما سلف ١٣: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿قال موسى﴾ ، لهم: = ﴿أتقولون للحق لما جاءكم﴾ ، من عند الله = ﴿أسحر هذا﴾ ؟ .
* *
واختلف أهل العربية في سبب دخول ألف الاستفهام في قوله: ﴿أسحر هذا﴾ ؟ فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت فيه على الحكاية لقولهم، لأنهم قالوا: ﴿أسحر هذا﴾ ؟ فقال: أتقولون: ﴿أسحر هذا﴾ ؟
* *
وقال بعض نحويي الكوفة: إنهم قالوا: "هذا سحر"، ولم يقولوه بالألف، لأن أكثر ما جاء بغير ألف. قال: فيقال: فلم أدخلت الألف؟ فيقال: قد يجوز أن تكون من قِيلهم وهم يعلمون أنه سحر، كما يقول الرجل للجائزة إذا أتته: أحقٌّ هذا؟ وقد علم أنه حق. قال: وقد يجوز أن تكون على التعجّب منهم: أسحر هذا؟ ما أعظمه! [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٤.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى ذلك في هذا بالصواب عندي أن يكون المفعولُ محذوفًا، ويكون قوله: ﴿أسحر هذا﴾ ، من قيل موسى، منكرًا على فرعون وملئه قولَهم للحق لما جاءهم: " سحر"، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قال موسى لهم: ﴿أتقولون للحق لما جاءكم﴾ = وهي الآيات التي أتاهم بها من عند الله حجة له على صدقه = سحرٌ، أسحرٌ هذا الحقّ الذي ترونه؟ فيكون "السحر" الأوّل محذوفًا، اكتفاءً بدلالة قول موسى ﴿أسحر هذا﴾ ، على أنه مرادٌ في الكلام، كما قال ذو الرمة.
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ، أَوْ حِينَ نَصَّبَت ... لَهُ مِنْ خَدَّا آذَانِهَا وَهْوَ جَانِحُ [[مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ١: ٣٢٧، تعليق: ٢.]]
يريد: أو حين أقبل، ثم حذف اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، وكما قال جل ثناؤه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [سورة الإسراء: ٧] ، والمعنى: بعثناهم ليسوءوا وجوهكم = فترك ذلك اكتفاء بدلالة الكلام عليه، في أشباه لما ذكرنا كثيرة، يُتْعب إحصاؤها.
* *
وقوله: ﴿ولا يفلح الساحرون﴾ ، يقول: ولا ينجح الساحرون ولا يَبْقون. [[انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص: ١٤٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿فلما جاءهم الحق من عندنا﴾ ، يعني: فلما جاءهم بيانُ ما دعاهم إليه موسى وهارون، وذلك الحجج التي جاءهم بها، وهي الحق الذي جاءهم من عند الله = ﴿قالوا إن هذا لسحر مبين﴾ ، يعنون أنه يبين لمن رآه وعاينه أنه سحر لا حقيقة له [[انظر تفسير " السحر " فيما سلف ١٣: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿قال موسى﴾ ، لهم: = ﴿أتقولون للحق لما جاءكم﴾ ، من عند الله = ﴿أسحر هذا﴾ ؟ .
* *
واختلف أهل العربية في سبب دخول ألف الاستفهام في قوله: ﴿أسحر هذا﴾ ؟ فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت فيه على الحكاية لقولهم، لأنهم قالوا: ﴿أسحر هذا﴾ ؟ فقال: أتقولون: ﴿أسحر هذا﴾ ؟
* *
وقال بعض نحويي الكوفة: إنهم قالوا: "هذا سحر"، ولم يقولوه بالألف، لأن أكثر ما جاء بغير ألف. قال: فيقال: فلم أدخلت الألف؟ فيقال: قد يجوز أن تكون من قِيلهم وهم يعلمون أنه سحر، كما يقول الرجل للجائزة إذا أتته: أحقٌّ هذا؟ وقد علم أنه حق. قال: وقد يجوز أن تكون على التعجّب منهم: أسحر هذا؟ ما أعظمه! [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٤.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى ذلك في هذا بالصواب عندي أن يكون المفعولُ محذوفًا، ويكون قوله: ﴿أسحر هذا﴾ ، من قيل موسى، منكرًا على فرعون وملئه قولَهم للحق لما جاءهم: " سحر"، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قال موسى لهم: ﴿أتقولون للحق لما جاءكم﴾ = وهي الآيات التي أتاهم بها من عند الله حجة له على صدقه = سحرٌ، أسحرٌ هذا الحقّ الذي ترونه؟ فيكون "السحر" الأوّل محذوفًا، اكتفاءً بدلالة قول موسى ﴿أسحر هذا﴾ ، على أنه مرادٌ في الكلام، كما قال ذو الرمة.
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ، أَوْ حِينَ نَصَّبَت ... لَهُ مِنْ خَدَّا آذَانِهَا وَهْوَ جَانِحُ [[مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ١: ٣٢٧، تعليق: ٢.]]
يريد: أو حين أقبل، ثم حذف اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، وكما قال جل ثناؤه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [سورة الإسراء: ٧] ، والمعنى: بعثناهم ليسوءوا وجوهكم = فترك ذلك اكتفاء بدلالة الكلام عليه، في أشباه لما ذكرنا كثيرة، يُتْعب إحصاؤها.
* *
وقوله: ﴿ولا يفلح الساحرون﴾ ، يقول: ولا ينجح الساحرون ولا يَبْقون. [[انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص: ١٤٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال فرعون وملأه لموسى: ﴿أجئتنا لتلفتنا﴾ ، يقول: لتصرفنا وتلوينا = ﴿عمّا وجدنا عليه آباءنا﴾ ، من قبل مجيئك، من الدين.
* *
= يقال منه: "لفت فلانٌ [عنق فلان" إذا لواها، كما قال رؤبة] : [[كان في المخطوطة والمطبوعة: " كما قال ذو الرمة "، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه ما أثبت، كما دل عليه مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٨٠، وأنا أرجح أن ذلك من الناسخ، لا من أبي جعفر، لأنه نقل عن أبي عبيدة. وانظر مثل هذا فيما سلف ص: ١٥٠، تعليق: ١: فوضعت الصواب بين القوسين.]]
لَفْتُا وَتْهِزِيعًا سَواءَ اللَّفْتِ* [[ديوانه ٢٤، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٨٠، اللسان (هزع) ، من رجز ذكر فيه نفسه، يقول قبله، مشبها نفسه بالأسد: فَإنْ تَرَيْنِي أَحْتَمِي بِالسَّكْتِ
فَقَدْ أَقُومُ بِالْمَقَامِ الثَّبْتِ
أشْجَعَ مِنْ ذي لِبَدٍ بِخَبْتِ
يَدُقُّ صُلْباتِ العِظَامِ رَفْتِي
و" الرفت "، الدق والكسر. وقوله " سواء اللفت "، أي " سوى اللفت " " سواء " (بفتح السين) و " سوى " (بكسر السين) ، بمعنى: غير.]]
"التهزيع": الدق، و"اللفت"، اللّي، كما:-
١٧٧٦٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لتلفتنا﴾ ، قال: لتلوينا عما وجدنا عليه آباءنا.
* *
وقوله: ﴿وتكون لكما الكبرياء في الأرض﴾ ، يعني العظمة، وهي "الفعلياء" من "الكبر". ومنه قول ابن الرِّقاع:
سُؤْدَدًا غَيْرَ فَاحِش لا يُدَا ... نِيهِ تِجِبَّارَةٌ وَلا كِبْرِياءُ [[لم أجد البيت في مكان آخر، وكان في المطبوعة: " تجباره "، ومثله في المخطوطة، أما ضبطه فقد شغلني، لأن أصحاب اللغة لم يذكروا في مصادر " الجبروت " سوى " التجبار " (بفتح فسكون) بمعنى الكبر. فكأن قارئه يقرؤه كما في المطبوعة والمخطوطة " تجباره " (بفتح فسكون) ، مضافا إلى الهاء. وظني أن الضبط الذي ذهبت إليه أجود، وإن لم يذكروه في المصادر في كتب اللغة التي بين أيدينا. ومصدر " تِفِعَّال " (بكسر التاء والفاء وتشديد العين) ، هو قياس التصدير في " تَفَعَّل " لكنها صارت مسموعة لا يقاس على ما جاء منها الشافية ١: ١٦٦) ، نحو " تِمِلَّاق " ودخول التاء في مثله في المصادر جائز في العربية. وبالضبط الذي ضبطته يستقيم وزن الشعر، فأخشى أن يكون هذا المصدر على هذا الميزان، مما أغفلته كتب اللغة.]]
* *
١٧٧٦٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وتكون لكما الكبرياء في الأرض﴾ ، قال: الملك.
١٧٧٦٧-. . . . قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد: ﴿وتكون لكما الكبرياء في الأرض﴾ ، قال: السلطان في الأرض.
١٧٧٦٨-. . . . قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني، عن مجاهد قال: الملك في الأرض.
١٧٧٦٩-. . . . قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وتكون لكما الكبرياء في الأرض﴾ ، قال: الطاعة.
١٧٧٧٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وتكون لكما الكبرياء في الأرض﴾ قال: الملك.
١٧٧٧١-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٧٧٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٧٧٧٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد قال: السلطان في الأرض.
* *
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال كلها متقارباتُ المعاني، وذلك أن الملك سلطان، والطاعة ملك، غير أن معنى "الكبرياء"، هو ما ثبت في كلام العرب، ثم يكون ذلك عظمة بملك وسلطان وغير ذلك.
* *
وقوله: ﴿وما نحن لكما بمؤمنين﴾ ، يقول: "وما نحن لكما" يا موسى وهارون "بمؤمنين"، يعني بمقرِّين بأنكما رسولان أرسلتما إلينا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لقومه: ائتوني بكل من يسحر من السحرة، عليم بالسحر [[انظر تفسير " السحر " فيما سلف ص: ١٥٥: تعليق: ٤، والمراجع هناك.
= وتفسير " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .]] = ﴿فلما جاء السحرة﴾ ، فرعونَ = قال موسى: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ ، من حبالكم وعصيِّكم.
* *
وفي الكلام محذوف قد ترك، وهو: "فأتوه بالسحرة، فلما جاء السحرة"، ولكن اكتفى بدلالة قوله: ﴿فلما جاء السحرة﴾ ، على ذلك، فترك ذكره.
وكذلك بعد قوله: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ ، محذوفٌ أيضًا قد ترك ذكرُه، وهو: ﴿فألقوا حبالهم وعصيهم﴾ = ﴿فلما ألقوا قال موسى﴾ ، ولكن اكتفى بدلالة ما ظَهَر من الكلام عليه، فتُرك ذكره.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لقومه: ائتوني بكل من يسحر من السحرة، عليم بالسحر [[انظر تفسير " السحر " فيما سلف ص: ١٥٥: تعليق: ٤، والمراجع هناك.
= وتفسير " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .]] = ﴿فلما جاء السحرة﴾ ، فرعونَ = قال موسى: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ ، من حبالكم وعصيِّكم.
* *
وفي الكلام محذوف قد ترك، وهو: "فأتوه بالسحرة، فلما جاء السحرة"، ولكن اكتفى بدلالة قوله: ﴿فلما جاء السحرة﴾ ، على ذلك، فترك ذكره.
وكذلك بعد قوله: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ ، محذوفٌ أيضًا قد ترك ذكرُه، وهو: ﴿فألقوا حبالهم وعصيهم﴾ = ﴿فلما ألقوا قال موسى﴾ ، ولكن اكتفى بدلالة ما ظَهَر من الكلام عليه، فتُرك ذكره.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما ألقوا ما هم ملقوه، قال لهم موسى: ما جئتم به السحر.
* *
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون، أنه سحرٌ. كأن معنى الكلام على تأويلهم: قال موسى: الذي جئتم به أيّها السحرة، هو السحر.
* *
وقرأ ذلك مجاهد وبعض المدنيين البصريين: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ﴾ على وجه الاستفهام من موسى إلى السحرة عما جاؤوا به، أسحر هو أم غيره؟ [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٥، وفيه تفصيل مفيد.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على الاستفهام، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه، لم يكن شاكا فيما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له، فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه، أي شيء هو؟
وأخرى أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحق الذي كان الله آتاه، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدِّقونه في الخبر عمّا جاءوه به من الباطل، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه، ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم ببطول ما جاؤوا به من ذلك بالحق الذي أتاه، [[في المخطوطة: " ما جاؤوا به من ذلك الحق الذي أتاه "، وأرجح أن ناسخ المخطوطة قد أسقط شيئًا من الكلام، ولكن ما في المطبوعة يؤدي عن معناه، وذلك بزيادة الباء في " بالحق "، وإن كانت الجملة عندي ضعيفة.]]
ومبطلٌ كيدهم بحَدِّه. [[في المطبوعة: " بجده " بالجيم، والصواب بالحاء. و " الحد " الشدة والبأس والسطوة.]]
وهذه أولى بصفة رسول الله ﷺ من الأخرى.
* *
فإن قال قائل: فما وجه دخول الألف واللام في "السحر" إن كان الأمر على ما وصفت، وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا: "ما جاءني به عمرو درهمٌ = والذي أعطاني أخوك دينار"، ولا يكادون أن يقولوا [[هكذا في المخطوطة " لا يكادون أن يقولوا "، وبعد " يقولوا " حرف " ط " دلالة على الخطأ، وليس خطأ. وقد عقد ابن هشام في شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح: ٩٨ - ١٠٢، فصلا جيدًا في وقوع خبر " كاد " مقرونا به " أن "، وذكر شواهده في الحديث وفي الشعر، واحتج لذلك أحسن الاحتجاج.]]
: الذي أعطاني أخوك الدرهم = وما جاءني به عمرو الدينار؟
قيل له: بلى، كلام العرب إدخال "الألف واللام " في خبر "ما" و"الذي" إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطَب والمخاطِب، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا بالألف واللام، لأنّ الخبر حينئذ خبرٌ عن شيء بعينه معروف عند الفريقين، وإنما يأتي ذلك بغير "الألف واللام"، [[في المطبوعة والمخطوطة أسقط " واللام ".]] إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصدَ شيء بعينه، فحينئذ لا تدخل الألف واللام في الخبر. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٥.]] وخبرُ موسى كان خبرًا عن معروف عنده وعند السحرة، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله عَلَمًا له على صدقه ونبوته، إلى أنه سحرٌ، فقال لهم موسى: السحرُ الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم، لا ما جئتكم به أنا. ثم أخبرهم أن الله سيبطله. فقال: ﴿إن الله سيبطله﴾ ، يقول: سيذهب به، فذهب به تعالى ذكره، بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعبانًا يتلقَّفه، حتى لم يبق منه شيء = ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ ، يعني: أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه، وعمل فيها بمعاصيه. [[انظر تفسير " الإفساد " فيما سلف من فهارس اللغة (فسد) .]]
* *
وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب: ﴿مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ﴾ .
* *
وفي قراءة ابن مسعود: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ﴾ ، [[انظر هاتين القراءتين في معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٥.]] وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ بنحو الذي اخترنا من القراءة فيه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن موسى أنه قال للسحرة: ﴿ويحق الله الحق﴾ ، يقول: ويثبت الله الحق الذي جئتكم به من عنده، فيعليه على باطلكم، ويصححه = "بكلماته"، يعني: بأمره [[انظر تفسير " يحق الحق بكلماته " فيما سلف ١٣: ٤٠٧، تعليق: ٢، ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ولو كره المجرمون﴾ ، يعني الذين اكتسبوا الإثم بربِّهم، [[انظر بيان معنى " أثم بربه " فيما سلف ص: ١٥٥، تعليق: ٣:، والمراجع هناك.]] بمعصيتهم إياه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلم يؤمن لموسى، مع ما أتاهم به من الحجج والأدلّة ﴿إلا ذرية من قومه﴾ خائفين من فرعون وملئهم.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى الذرية في هذا الموضع.
فقال بعضهم: الذرية في هذا الموضع: القليل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه﴾ ، قال، كان ابن عباس يقول: "الذرية": القليل.
١٧٧٧٥- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾ ، "الذرية"، القليل، كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٣٣]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل لطول الزمان، لأن الآباء ماتوا وبقي الأبناء، فقيل لهم "ذرية"، لأنهم كانوا ذرية من هلك ممن أرسل إليهم موسى عليه السلام. [[انظر تفسير " الذرية " فيما سلف ١٢: ١٢٧، ١٢٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
وانظر تفسير بمعنى " القليل " في معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٦.]]
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾ ، قال: أولاد الذين أرسل إليهم من طول الزمان، ومات آباؤهم.
١٧٧٧٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد=
١٧٧٧٨- وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٧٧٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾ ، قال: أولاد الذين أرسل إليهم موسى، من طول الزمان ومات آباؤهم.
١٧٧٨٠- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم﴾ ، قال: أبناء أولئك الذين أرسل إليهم، فطال عليهم الزمان وماتت آباؤهم.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من قوم فرعون.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٨١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم﴾ ، قال: كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل، من قوم فرعون يسير، منهم: امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه.
* *
وقد روي عن ابن عباس خبرٌ يدل على خلاف هذا القول، وذلك ما:-
١٧٧٨٢- حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذرية من قومه﴾ ، يقول: بني إسرائيل.
* *
=فهذا الخبر، ينبئ عن أنه كان يرى أن "الذرية" في هذا الموضع، [[في المطبوعة: " ينبئ عنه "، وأثبت ما في المخطوطة.]] هم بنو إسرائيل دون غيرهم من قوم فرعون.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بتأويل الآية، القولُ الذي ذكرته عن مجاهد، وهو أن "الذرية"، في هذا الموضع أريد بها ذُرّية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل، فهلكوا قبل أن يقرُّوا بنبوته لطول الزمان، فأدركت ذريّتهم، فآمن منهم من ذكر الله، بموسى.
وإنما قلت: "هذا القولُ أولى بالصواب في ذلك"، لأنه لم يجر في هذه الآية ذكرٌ لغير موسى، فَلأن تكون "الهاء"، في قوله: "من قومه"، من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون، لبعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليلٌ، من خبرٍ ولا نظرٍ.
وبعدُ، فإن في قوله: ﴿على خوف من فرعون وملئهم﴾ ، الدليلُ الواضح على أن الهاء في قوله: ﴿إلا ذرية من قومه﴾ ، من ذكر موسى، لا من ذكر فرعون، لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام، "على خوف منه"، ولم يكن ﴿على خوف من فرعون﴾ .
* *
وأما قوله: ﴿على خوف من فرعون﴾ ، فإنه يعني على حال خوف ممن آمن من ذرية قوم موسى بموسى = فتأويل الكلام: فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، من بني إسرائيل، وهم خائفون من فرعون وملئهم أن يفتنوهم.
* *
وقد زعم بعض أهل العربية أنه إنما قيل: "فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه"، لأن الذين آمنوا به إنما كانت أمهاتهم من بني إسرائيل، وآباؤهم من القبط، فقيل لهم "الذرية"، من أجل ذلك، كما قيل لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب وآباؤهم من العجم: "أبناء". [[هو الفراء في معاني القرآن ١: ٤٧٦.]] .
والمعروف من معنى "الذرية" في كلام العرب: أنها أعقاب من نسبت إليه من قبل الرجال والنساء، كما قال جل ثناؤه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ، [سورة الإسراء: ٣] ، وكما قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾ ثم قال بعد: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ ، [سورة الأنعام: ٨٤، ٨٥] ، فجعل من كان من قبل الرجال والنساء من ذرية إبراهيم.
* *
وأما قوله: ﴿وملئهم﴾ ، فإن "الملأ": الأشراف. [[انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص: ١٥٥ تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وتأويل الكلام: على خوف من فرعون ومن أشرافهم.
* *
واختلف أهل العربية فيمن عُني بالهاء والميم اللتين في قوله: ﴿وملئهم﴾ ، فقال بعض نحويي البصرة: عُني بها الذرية. وكأنّه وجَّه الكلام إلى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، على خوف من فرعون﴾ وملأ الذرِّية من بني إسرائيل.
* *
وقال بعض نحويي أهل الكوفة: [[في المطبوعة: " نحويي الكوفة "، وأثبت ما في المخطوطة ".]]
عني بهما فرعون. قال: وإنما جاز ذلك وفرعون واحد، لأن الملك إذا ذكر بخوفٍ أو سفر أو قدوم من سفر، [[في المطبوعة: "الخوف"، والصواب من معاني القرآن للفراء. أما المخطوطة فقد أسقط ناسخها وكتب: "لأن الملك، وقال: ألا ترى".]] ذهب الوهم إليه وإلى من معه. وقال: ألا ترى أنك تقول: "قدم الخليفة فكثر الناس"، تريد، بمن معه = "وقدم فغلت الأسعار"، لأنك تنوي بقدومه قدوم من معه. [[في المطبوعة ": لأنا ننوي بقدومه. . . "، وفي المخطوطة: " لأنا ننوي بقدومه وقدوم من معه "، وهو خطأ، وأثبت ما في معاني القرآن للفراء.]]
* *
قال: وقد يكون أن تريد أن بـ "فرعون" آل فرعون، وتحذف "الآل"، [[في المطبوعة، " وبحذف "، وفي المخطوطة: " فتحذف آل فرعون "، وهو خطأ، صوابه من معاني القرآن.]] فيجوز، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ، [سورة يونس: ٨٢] ، يريد أهل القرية، والله أعلم. قال: ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، [سورة الطلاق: ١] . [[هذا الذي مضى نص مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٤٧٦، ٤٧٧.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: "الهاء والميم" عائدتان على "الذرية". ووجَّه معنى الكلام إلى أنه: على خوف من فرعون، وملأ الذرية = لأنه كان في ذرية القرن الذين أرسل إليهم موسى من كان أبوه قبطيًا وأمه إسرائيلية. فمن كان كذلك منهم، كان مع فرعون على موسى.
* *
وقوله: ﴿أن يفتنهم﴾ ، يقول: كان إيمان من آمن من ذرية قوم موسى على خوف من فرعون = "أن يفتنهم" بالعذاب، فيصدّهم عن دينهم، ويحملهم على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله. [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف من فهارس اللغة (فتن) .]]
وقال: ﴿أن يفتنهم﴾ ، فوحَّد ولم يقل: "أن يفتنوهم"، لدليل الخبر عن فرعون بذلك: أن قومه كانوا على مثل ما كان عليه، لما قد تقدم من قوله: ﴿على خوف من فرعون وملئهم﴾ .
* *
وقوله: ﴿وإن فرعون لعال في الأرض﴾ ، يقول تعالى ذكره: وإن فرعون لجبّارٌ مستكبر على الله في أرضه = "وإنه لمن المسرفين"، وإنه لمن المتجاوزين الحقّ إلى الباطل، [[انظر تفسير " الإسراف " فيما سلف ص: ٣٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وذلك كفره بالله وتركه الإيمان به، وجحودُه وحدانية الله، وادّعاؤه لنفسه الألوهة، وسفكه الدماء بغير حِلِّها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن موسى أنه قال للسحرة: ﴿ويحق الله الحق﴾ ، يقول: ويثبت الله الحق الذي جئتكم به من عنده، فيعليه على باطلكم، ويصححه = "بكلماته"، يعني: بأمره [[انظر تفسير " يحق الحق بكلماته " فيما سلف ١٣: ٤٠٧، تعليق: ٢، ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ولو كره المجرمون﴾ ، يعني الذين اكتسبوا الإثم بربِّهم، [[انظر بيان معنى " أثم بربه " فيما سلف ص: ١٥٥، تعليق: ٣:، والمراجع هناك.]] بمعصيتهم إياه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلم يؤمن لموسى، مع ما أتاهم به من الحجج والأدلّة ﴿إلا ذرية من قومه﴾ خائفين من فرعون وملئهم.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى الذرية في هذا الموضع.
فقال بعضهم: الذرية في هذا الموضع: القليل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه﴾ ، قال، كان ابن عباس يقول: "الذرية": القليل.
١٧٧٧٥- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾ ، "الذرية"، القليل، كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٣٣]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل لطول الزمان، لأن الآباء ماتوا وبقي الأبناء، فقيل لهم "ذرية"، لأنهم كانوا ذرية من هلك ممن أرسل إليهم موسى عليه السلام. [[انظر تفسير " الذرية " فيما سلف ١٢: ١٢٧، ١٢٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
وانظر تفسير بمعنى " القليل " في معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٦.]]
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾ ، قال: أولاد الذين أرسل إليهم من طول الزمان، ومات آباؤهم.
١٧٧٧٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد=
١٧٧٧٨- وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٧٧٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾ ، قال: أولاد الذين أرسل إليهم موسى، من طول الزمان ومات آباؤهم.
١٧٧٨٠- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم﴾ ، قال: أبناء أولئك الذين أرسل إليهم، فطال عليهم الزمان وماتت آباؤهم.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من قوم فرعون.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٨١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم﴾ ، قال: كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل، من قوم فرعون يسير، منهم: امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه.
* *
وقد روي عن ابن عباس خبرٌ يدل على خلاف هذا القول، وذلك ما:-
١٧٧٨٢- حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذرية من قومه﴾ ، يقول: بني إسرائيل.
* *
=فهذا الخبر، ينبئ عن أنه كان يرى أن "الذرية" في هذا الموضع، [[في المطبوعة: " ينبئ عنه "، وأثبت ما في المخطوطة.]] هم بنو إسرائيل دون غيرهم من قوم فرعون.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بتأويل الآية، القولُ الذي ذكرته عن مجاهد، وهو أن "الذرية"، في هذا الموضع أريد بها ذُرّية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل، فهلكوا قبل أن يقرُّوا بنبوته لطول الزمان، فأدركت ذريّتهم، فآمن منهم من ذكر الله، بموسى.
وإنما قلت: "هذا القولُ أولى بالصواب في ذلك"، لأنه لم يجر في هذه الآية ذكرٌ لغير موسى، فَلأن تكون "الهاء"، في قوله: "من قومه"، من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون، لبعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليلٌ، من خبرٍ ولا نظرٍ.
وبعدُ، فإن في قوله: ﴿على خوف من فرعون وملئهم﴾ ، الدليلُ الواضح على أن الهاء في قوله: ﴿إلا ذرية من قومه﴾ ، من ذكر موسى، لا من ذكر فرعون، لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام، "على خوف منه"، ولم يكن ﴿على خوف من فرعون﴾ .
* *
وأما قوله: ﴿على خوف من فرعون﴾ ، فإنه يعني على حال خوف ممن آمن من ذرية قوم موسى بموسى = فتأويل الكلام: فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، من بني إسرائيل، وهم خائفون من فرعون وملئهم أن يفتنوهم.
* *
وقد زعم بعض أهل العربية أنه إنما قيل: "فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه"، لأن الذين آمنوا به إنما كانت أمهاتهم من بني إسرائيل، وآباؤهم من القبط، فقيل لهم "الذرية"، من أجل ذلك، كما قيل لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب وآباؤهم من العجم: "أبناء". [[هو الفراء في معاني القرآن ١: ٤٧٦.]] .
والمعروف من معنى "الذرية" في كلام العرب: أنها أعقاب من نسبت إليه من قبل الرجال والنساء، كما قال جل ثناؤه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ، [سورة الإسراء: ٣] ، وكما قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾ ثم قال بعد: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ ، [سورة الأنعام: ٨٤، ٨٥] ، فجعل من كان من قبل الرجال والنساء من ذرية إبراهيم.
* *
وأما قوله: ﴿وملئهم﴾ ، فإن "الملأ": الأشراف. [[انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص: ١٥٥ تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وتأويل الكلام: على خوف من فرعون ومن أشرافهم.
* *
واختلف أهل العربية فيمن عُني بالهاء والميم اللتين في قوله: ﴿وملئهم﴾ ، فقال بعض نحويي البصرة: عُني بها الذرية. وكأنّه وجَّه الكلام إلى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، على خوف من فرعون﴾ وملأ الذرِّية من بني إسرائيل.
* *
وقال بعض نحويي أهل الكوفة: [[في المطبوعة: " نحويي الكوفة "، وأثبت ما في المخطوطة ".]]
عني بهما فرعون. قال: وإنما جاز ذلك وفرعون واحد، لأن الملك إذا ذكر بخوفٍ أو سفر أو قدوم من سفر، [[في المطبوعة: "الخوف"، والصواب من معاني القرآن للفراء. أما المخطوطة فقد أسقط ناسخها وكتب: "لأن الملك، وقال: ألا ترى".]] ذهب الوهم إليه وإلى من معه. وقال: ألا ترى أنك تقول: "قدم الخليفة فكثر الناس"، تريد، بمن معه = "وقدم فغلت الأسعار"، لأنك تنوي بقدومه قدوم من معه. [[في المطبوعة ": لأنا ننوي بقدومه. . . "، وفي المخطوطة: " لأنا ننوي بقدومه وقدوم من معه "، وهو خطأ، وأثبت ما في معاني القرآن للفراء.]]
* *
قال: وقد يكون أن تريد أن بـ "فرعون" آل فرعون، وتحذف "الآل"، [[في المطبوعة، " وبحذف "، وفي المخطوطة: " فتحذف آل فرعون "، وهو خطأ، صوابه من معاني القرآن.]] فيجوز، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ، [سورة يونس: ٨٢] ، يريد أهل القرية، والله أعلم. قال: ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، [سورة الطلاق: ١] . [[هذا الذي مضى نص مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٤٧٦، ٤٧٧.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: "الهاء والميم" عائدتان على "الذرية". ووجَّه معنى الكلام إلى أنه: على خوف من فرعون، وملأ الذرية = لأنه كان في ذرية القرن الذين أرسل إليهم موسى من كان أبوه قبطيًا وأمه إسرائيلية. فمن كان كذلك منهم، كان مع فرعون على موسى.
* *
وقوله: ﴿أن يفتنهم﴾ ، يقول: كان إيمان من آمن من ذرية قوم موسى على خوف من فرعون = "أن يفتنهم" بالعذاب، فيصدّهم عن دينهم، ويحملهم على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله. [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف من فهارس اللغة (فتن) .]]
وقال: ﴿أن يفتنهم﴾ ، فوحَّد ولم يقل: "أن يفتنوهم"، لدليل الخبر عن فرعون بذلك: أن قومه كانوا على مثل ما كان عليه، لما قد تقدم من قوله: ﴿على خوف من فرعون وملئهم﴾ .
* *
وقوله: ﴿وإن فرعون لعال في الأرض﴾ ، يقول تعالى ذكره: وإن فرعون لجبّارٌ مستكبر على الله في أرضه = "وإنه لمن المسرفين"، وإنه لمن المتجاوزين الحقّ إلى الباطل، [[انظر تفسير " الإسراف " فيما سلف ص: ٣٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وذلك كفره بالله وتركه الإيمان به، وجحودُه وحدانية الله، وادّعاؤه لنفسه الألوهة، وسفكه الدماء بغير حِلِّها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل موسى نبيِّه لقومه: يا قوم إن كنتم أقررتم بوحدانية الله، وصدقتم بربوبيته = ﴿فعليه توكلوا﴾ ، يقول: فبه فثقوا، ولأمره فسلموا، [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص: ١٤٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]]
فإنه لن يخذل وليّه، ولن يسلم من توكل عليه [[في المطبوعة: " ويسلم "، وفي المخطوطة: " ولم يسلم "، والصواب ما أثبت.]] = ﴿إن كنتم مسلمين﴾ ، يقول: إن كنتم مذعنين لله بالطاعة، فعليه توكلوا. [[انظر تفسير " الإسلام " فيما سلف من فهارس اللغة (سلم) .]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فقال قوم يا موسى لموسى: ﴿على الله توكلنا﴾ ، أي به وثقنا، وإليه فوَّضنا أمرنا.
* *
وقوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، يقول جل ثناؤه مخبرًا عن قوم موسى أنهم دعوا ربهم فقالوا: يا ربنا لا تختبر هؤلاء القوم الكافرين، ولا تمتحنهم بنا! [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف من فهارس اللغة (فتن) .]] = يعنون قوم فرعون.
* *
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سألوه ربَّهم من إعاذته ابتلاء قوم فرعون بهم.
فقال بعضهم: سألوه أن لا يظهرهم عليهم، فيظنُّوا أنهم خيرٌ منهم، وأنهم إنما سُلِّطوا عليهم لكرامتهم عليه وهوان الآخرين.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٨٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا يظهروا علينا، فيروا أنهم خير منا.
١٧٧٨٤- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن عمران بن حدير، عن أبى مجلز في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: قالوا: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خيرٌ منّا.
١٧٧٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا تسلّطهم علينا، فيزدادوا فتنة.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٨٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
١٧٧٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا تسلطهم علينا فيضلونا.
١٧٧٨٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله = وقال أيضًا: فيفتنونا.
١٧٧٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: "لو كانوا على حقّ ما سُلِّطنا عليهم ولا عُذِّبوا"، فيفتتنوا بنا.
١٧٧٩٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: "لو كانوا على حق ما سُلِّطنا عليهم ولا عذِّبوا"، فيفتتنوا بنا.
١٧٧٩١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قوله: ﴿لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا تصبنا بعذاب من عندك ولا بأيديهم، فيفتتنوا ويقولوا: "لو كانوا على حق ما سُلِّطنا عليهم ولا عذِّبوا".
١٧٧٩٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، لا تبتلنا ربنا فتجهدنا، وتجعله فتنة لهم، هذه الفتنة. وقرأ: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ ، [سورة الصافات: ٦٣] ، قال المشركون، حين كانوا يؤذون النبي ﷺ والمؤمنين ويرمونهم، أليس ذلك فتنة لهم وسوءًا لهم، وهي بلية للمؤمنين؟.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن القوم رغبوا إلى الله في أن يُجيرهم من أن يكونوا محنة لقوم فرعون وبلاءً، وكلُّ ما كان من أمر كان لهم مصدَّة عن اتباع موسى والإقرار به، وبما جاءهم به، فإنه لا شك أنه كان لهم "فتنة"، وكان من أعظم الأمور لهم إبعادًا من الإيمان بالله ورسوله. وكذلك من المصدَّة كان لهم عن الإيمان: أن لو كان قوم موسى عاجلتهم من الله محنةٌ في أنفسهم، من بلية تنزل بهم، فاستعاذ القوم بالله من كل معنى يكون صادًّا لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل موسى نبيِّه لقومه: يا قوم إن كنتم أقررتم بوحدانية الله، وصدقتم بربوبيته = ﴿فعليه توكلوا﴾ ، يقول: فبه فثقوا، ولأمره فسلموا، [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص: ١٤٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]]
فإنه لن يخذل وليّه، ولن يسلم من توكل عليه [[في المطبوعة: " ويسلم "، وفي المخطوطة: " ولم يسلم "، والصواب ما أثبت.]] = ﴿إن كنتم مسلمين﴾ ، يقول: إن كنتم مذعنين لله بالطاعة، فعليه توكلوا. [[انظر تفسير " الإسلام " فيما سلف من فهارس اللغة (سلم) .]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فقال قوم يا موسى لموسى: ﴿على الله توكلنا﴾ ، أي به وثقنا، وإليه فوَّضنا أمرنا.
* *
وقوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، يقول جل ثناؤه مخبرًا عن قوم موسى أنهم دعوا ربهم فقالوا: يا ربنا لا تختبر هؤلاء القوم الكافرين، ولا تمتحنهم بنا! [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف من فهارس اللغة (فتن) .]] = يعنون قوم فرعون.
* *
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سألوه ربَّهم من إعاذته ابتلاء قوم فرعون بهم.
فقال بعضهم: سألوه أن لا يظهرهم عليهم، فيظنُّوا أنهم خيرٌ منهم، وأنهم إنما سُلِّطوا عليهم لكرامتهم عليه وهوان الآخرين.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٨٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا يظهروا علينا، فيروا أنهم خير منا.
١٧٧٨٤- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن عمران بن حدير، عن أبى مجلز في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: قالوا: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خيرٌ منّا.
١٧٧٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا تسلّطهم علينا، فيزدادوا فتنة.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٨٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
١٧٧٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا تسلطهم علينا فيضلونا.
١٧٧٨٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله = وقال أيضًا: فيفتنونا.
١٧٧٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: "لو كانوا على حقّ ما سُلِّطنا عليهم ولا عُذِّبوا"، فيفتتنوا بنا.
١٧٧٩٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: "لو كانوا على حق ما سُلِّطنا عليهم ولا عذِّبوا"، فيفتتنوا بنا.
١٧٧٩١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قوله: ﴿لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، قال: لا تصبنا بعذاب من عندك ولا بأيديهم، فيفتتنوا ويقولوا: "لو كانوا على حق ما سُلِّطنا عليهم ولا عذِّبوا".
١٧٧٩٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ ، لا تبتلنا ربنا فتجهدنا، وتجعله فتنة لهم، هذه الفتنة. وقرأ: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ ، [سورة الصافات: ٦٣] ، قال المشركون، حين كانوا يؤذون النبي ﷺ والمؤمنين ويرمونهم، أليس ذلك فتنة لهم وسوءًا لهم، وهي بلية للمؤمنين؟.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن القوم رغبوا إلى الله في أن يُجيرهم من أن يكونوا محنة لقوم فرعون وبلاءً، وكلُّ ما كان من أمر كان لهم مصدَّة عن اتباع موسى والإقرار به، وبما جاءهم به، فإنه لا شك أنه كان لهم "فتنة"، وكان من أعظم الأمور لهم إبعادًا من الإيمان بالله ورسوله. وكذلك من المصدَّة كان لهم عن الإيمان: أن لو كان قوم موسى عاجلتهم من الله محنةٌ في أنفسهم، من بلية تنزل بهم، فاستعاذ القوم بالله من كل معنى يكون صادًّا لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونجِّنا يا ربنا برحمتك، فخلِّصنا من أيدي القوم الكافرين، قوم فرعون، لأنهم كان يستعبدونهم ويستعملونهم في الأشياء القَذِرة من خدمتهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذا لقومكما بمصر بيوتًا.
* *
= يقال منه: "تبوَّأ فلان لنفسه بيتًا"، إذا اتخذه. وكذلك تبوَّأ مصْحفًا"، إذا اتخذه، "وبوأته أنا بيتًا": إذا اتخذته له. [[انظر تفسير " بوأ " فيما سلف ٧: ١٦٤ / ١٢: ٥٤١.]]
* *
= ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يقول: واجعلوا بيوتكم مساجدَ تصلُّون فيها.
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ . [[انظر تفسير " القبلة " فيما سلف ٣: ١٣١.]]
فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٩٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: مساجد.
١٧٧٩٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: أمروا أن يتخذوها مساجد.
١٧٧٩٥-. . . . قال حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل قال، حدثنا زهير قال، حدثنا خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا يَفْرَقُون من فرعون وقومه أن يصلُّوا، فقال لهم: ﴿اجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يقول: اجعلوها مسجدًا حتى تصلوا فيها.
١٧٧٩٦- حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: خافوا، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٧٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٧٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شبل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٧٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا لا يصلون إلا في البِيَع، وكانوا لا يصلون إلا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٨٠٠-. . . . قال، حدثنا جرير عن ليث، عن مجاهد قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٨٠١- قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانت بنو إسرائيل تخاف فرعون، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها.
١٧٨٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يقول: مساجد.
١٧٨٠٣-. . . . قال، حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا يصلون في بيوتهم يخافون.
١٧٨٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن أبي سنان، عن الضحاك: ﴿أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا﴾ ، قال: مساجد.
١٧٨٠٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٨٠٦- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: قال أبي [[في المطبوعة وحدها: " قال قال أبو زيد "، يعني، أباه زيدًا، والقائل هو " ابن زيد ". وأثبت ما في المخطوطة.]] اجعلوا في بيوتكم مساجدكم تصلُّون فيها، تلك "القبلة".
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا مساجدكم قِبَل الكعبة.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يعني الكعبة.
١٧٨٠٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ ، قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: لا نستطيع أن نظْهرَ صلاتنا مع الفراعنة! فأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قِبَل القبلة.
١٧٨٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يقول: وجِّهوا بيوتكم، "مساجدكم" نحو القبلة، ألا ترى أنه يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [سورة النور: ٣٦] .
١٧٨١٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: قِبَل القبلة.
١٧٨١١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿بيوتكم قبلة﴾ ، قال: نحو الكعبة، حين خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلُّوا في الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلةً الكعبة يصلون فيها سرًّا.
١٧٨١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، ثم ذكر مثله سواء.
١٧٨١٣-. . . . قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا﴾ ، مساجد.
١٧٨١٤-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن نجيح، عن مجاهد: في قوله: ﴿أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا﴾ ، قال: مصر، "الإسكندرية".
١٧٨١٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: وذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوا نحو القبلة.
١٧٨١٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿بيوتكم قبلة﴾ ، قال: نحو القبلة.
١٧٨١٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق، عن أبي سنان، عن الضحاك: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا﴾ قال: مساجد = ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: قبل القبلة.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضًا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: يقابل بعضها بعضًا.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي قدمنا بيانه، وذلك أن الأغلب من معاني "البيوت" = وإن كانت المساجد بيوتًا = البيوت المسكونة، إذا ذكرت باسمها المطلق دون المساجد. لأن "المساجد" لها اسم هي به معروفة، خاصٌّ لها، وذلك "المساجد". فأمّا "البيوت" المطلقة بغير وصلها بشيء، ولا إضافتها إلى شيء، فالبيوت المسكونة.
وكذلك "القبلة" الأغلب من استعمال الناس إيّاها في قبل المساجد وللصلوات.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به، دون الخفيّ المجهول، ما لم تأت دلالة تدل على غير ذلك = ولم يكن على قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، دلالةٌ تقطع العذرَ بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب = لم يجز لنا توجيهه إلى غير الظاهر الذي وصفنا.
وكذلك القول في قوله ﴿قبلة﴾
* *
= ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ، يقول تعالى ذكره: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها. [[انظر تفسير " إقامة الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) .]] . وقوله: ﴿وبشر المؤمنين﴾ ، يقول جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام: وبشر مقيمي الصلاة المطيعي الله، يا محمد، المؤمنين بالثواب الجزيل منه. [[انظر تفسير " التبشير " فيما سلف ص: ١٢٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونجِّنا يا ربنا برحمتك، فخلِّصنا من أيدي القوم الكافرين، قوم فرعون، لأنهم كان يستعبدونهم ويستعملونهم في الأشياء القَذِرة من خدمتهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذا لقومكما بمصر بيوتًا.
* *
= يقال منه: "تبوَّأ فلان لنفسه بيتًا"، إذا اتخذه. وكذلك تبوَّأ مصْحفًا"، إذا اتخذه، "وبوأته أنا بيتًا": إذا اتخذته له. [[انظر تفسير " بوأ " فيما سلف ٧: ١٦٤ / ١٢: ٥٤١.]]
* *
= ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يقول: واجعلوا بيوتكم مساجدَ تصلُّون فيها.
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ . [[انظر تفسير " القبلة " فيما سلف ٣: ١٣١.]]
فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٩٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: مساجد.
١٧٧٩٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: أمروا أن يتخذوها مساجد.
١٧٧٩٥-. . . . قال حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل قال، حدثنا زهير قال، حدثنا خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا يَفْرَقُون من فرعون وقومه أن يصلُّوا، فقال لهم: ﴿اجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يقول: اجعلوها مسجدًا حتى تصلوا فيها.
١٧٧٩٦- حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: خافوا، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٧٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٧٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شبل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٧٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا لا يصلون إلا في البِيَع، وكانوا لا يصلون إلا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٨٠٠-. . . . قال، حدثنا جرير عن ليث، عن مجاهد قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٨٠١- قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانت بنو إسرائيل تخاف فرعون، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها.
١٧٨٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يقول: مساجد.
١٧٨٠٣-. . . . قال، حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا يصلون في بيوتهم يخافون.
١٧٨٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن أبي سنان، عن الضحاك: ﴿أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا﴾ ، قال: مساجد.
١٧٨٠٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٨٠٦- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: قال أبي [[في المطبوعة وحدها: " قال قال أبو زيد "، يعني، أباه زيدًا، والقائل هو " ابن زيد ". وأثبت ما في المخطوطة.]] اجعلوا في بيوتكم مساجدكم تصلُّون فيها، تلك "القبلة".
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا مساجدكم قِبَل الكعبة.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يعني الكعبة.
١٧٨٠٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ ، قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: لا نستطيع أن نظْهرَ صلاتنا مع الفراعنة! فأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قِبَل القبلة.
١٧٨٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، يقول: وجِّهوا بيوتكم، "مساجدكم" نحو القبلة، ألا ترى أنه يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [سورة النور: ٣٦] .
١٧٨١٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: قِبَل القبلة.
١٧٨١١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿بيوتكم قبلة﴾ ، قال: نحو الكعبة، حين خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلُّوا في الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلةً الكعبة يصلون فيها سرًّا.
١٧٨١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، ثم ذكر مثله سواء.
١٧٨١٣-. . . . قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا﴾ ، مساجد.
١٧٨١٤-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن نجيح، عن مجاهد: في قوله: ﴿أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا﴾ ، قال: مصر، "الإسكندرية".
١٧٨١٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: وذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوا نحو القبلة.
١٧٨١٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿بيوتكم قبلة﴾ ، قال: نحو القبلة.
١٧٨١٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق، عن أبي سنان، عن الضحاك: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا﴾ قال: مساجد = ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: قبل القبلة.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضًا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، قال: يقابل بعضها بعضًا.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي قدمنا بيانه، وذلك أن الأغلب من معاني "البيوت" = وإن كانت المساجد بيوتًا = البيوت المسكونة، إذا ذكرت باسمها المطلق دون المساجد. لأن "المساجد" لها اسم هي به معروفة، خاصٌّ لها، وذلك "المساجد". فأمّا "البيوت" المطلقة بغير وصلها بشيء، ولا إضافتها إلى شيء، فالبيوت المسكونة.
وكذلك "القبلة" الأغلب من استعمال الناس إيّاها في قبل المساجد وللصلوات.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به، دون الخفيّ المجهول، ما لم تأت دلالة تدل على غير ذلك = ولم يكن على قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ، دلالةٌ تقطع العذرَ بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب = لم يجز لنا توجيهه إلى غير الظاهر الذي وصفنا.
وكذلك القول في قوله ﴿قبلة﴾
* *
= ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ، يقول تعالى ذكره: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها. [[انظر تفسير " إقامة الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) .]] . وقوله: ﴿وبشر المؤمنين﴾ ، يقول جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام: وبشر مقيمي الصلاة المطيعي الله، يا محمد، المؤمنين بالثواب الجزيل منه. [[انظر تفسير " التبشير " فيما سلف ص: ١٢٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٨٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال موسى يا ربَّنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه وأشرافهم [[انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص: ١٦٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = وهم "الملأ" = "زينة"، من متاع الدنيا وأثاثها [[انظر تفسير " الزينة " فيما سلف ١٢: ٣٨٩.]] = ﴿وأموالا﴾ من أعيان الذهب والفضة = ﴿في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك﴾ ، يقول موسى لربه: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من ذلك ليضلُّوا عن سبيلك.
* *
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ، بمعنى: ليضلوا الناسَ، عن سبيلك، ويصدّوهم عن دينك.
* *
وقرأ ذلك آخرون: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ، بمعنى: ليضلوا هم عن سبيلك، فيجورُوا عن طريق الهدى. [[انظر هاتين القراءتين في معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٧.]]
* *
فإن قال قائل: أفكان الله جل ثناؤه، أعطَى فرعون وقومه، ما أعطاهم من زينة الدنيا وأموالها، ليضلوا الناس عن دينه = أو ليضلُّوا هم عنه=؟ فإن كان لذلك أعطاهم ذلك، فقد كان منهم ما أعطاهم لذلك، [[في المطبوعة: " ما أعطاه لأجله "، وأثبت ما في المخطوطة.]] فلا عتب عليهم في ذلك؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت. [[في المخطوطة، أسقط الناسخ فكتب: " فلا عتب عليهم في ذلك بخلاف ما توهمت "، وقد أصاب ناشر المطبوعة فيما استظهره من السياق.]]
وقد اختلف أهل العلم بالعربية في معنى هذه "اللام" التي في قوله: ﴿ليضلوا﴾ .
فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ربنا فَضَلوا عن سبيلك، كما قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ، [سورة القصص: ٨] ، أي فكان لهم = وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، وإنما التقطوه فكان لهم. قال: فهذه "اللام" تجيء في هذا المعنى. [[أي معنى العاقبة والمآل.]]
* *
وقال بعض نحويي الكوفة: هذه "اللام"، "لام كي" [[هو الفراء في معاني القرآن ١: ٤٧٧.]] = ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم، كي يضلوا = ثم دعا عليهم.
* *
وقال آخر: هذه اللامات في قوله: ﴿ليضلوا﴾ و ﴿ليكون لهم عدوًا﴾ ، وما أشبهها بتأويل الخفض: آتيتهم ما أتيتهم لضَلالهم = والتقطوه لكونه = لأنه قد آلت الحالة إلى ذلك. والعرب تجعل "لام كي"، في معنى "لام الخفض"، و"لام الخفض" في معنى "لام كي"، لتقارب المعنى، قال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [[في المطبوعة والمخطوطة: " يحلفون بالله " بغير السين، وهذا حق التلاوة.]] [سورة التوبة: ٩٥] أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم، وقال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
سَمَوْتَ وَلَمْ تَكُنْ أَهْلا لِتَسْمُو ... وَلَكِنَّ المُضَيِّعَ قَدْ يُصَابُ
قال: وإنما يقال: "وما كنت أهلا للفعل"، ولا يقال "لتفعل" إلا قليلا. قال: وهذا منه.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنها "لام كي" = ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويضلوا عن سبيلك عبادَك، عقوبة منك. وهذا كما قال جل ثناؤه: ﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ، [سورة الجن: ١٦-١٧] .
* *
وقوله: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم﴾ ، هذا دعاء من موسى، دعا الله على فرعون وملئه أن يغير أموالهم عن هيئتها، ويبدلها إلى غير الحال التي هي بها، وذلك نحو قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ ، [سورة النساء: ٤٧] . يعني به: من قبل أن نغيرها عن هيئتها التي هي بها.
* *
= يقال منه: "طَمَسْت عينَه أَطْمِسْها وأطمُسُها طَمْسًا وطُمُوسا". وقد تستعمل العرب "الطمس" في العفوّ والدثور، وفي الاندقاق والدروس، [[انظر تفسير " الطمس " فيما سلف ٨: ٤٤٤، ٤٤٥.]] كما قال كعب بن زهير:
مِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلامِ مَجْهُول [[سلف البيت وتخريجه وشرحه ٤: ٤٢٤ / ٨: ٤٤٤.]]
* *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك في هذا الموضع. فقال جماعة منهم فيه مثل قولنا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨٢٠- حدثني زكريا بن يحيى بن زائدة قال، حدثنا حجاج قال، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: بلغنا عن القرظي في قوله: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ ، قال: اجعل سُكّرهم حجارة. [[سقط من الترقيم سهوًا، رقم: ١٧٨١٩.]]
١٧٨٢١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي قال: اجعل سكرهم حجارة.
١٧٨٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿اطمس على أموالهم﴾ قال: اجعلها حجارة.
١٧٨٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿اطمس على أموالهم﴾ ، قال: صارت حجارة.
١٧٨٢٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ ، قال: بلغنا أن زروعهم تحوَّلت حجارة.
١٧٨٢٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ ، قال: بلغنا أن حَرْثًا لهم صارت حجارة. [[في المطبوعة: " حروثًا "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب أيضًا.]]
١٧٨٢٦- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ ، قال: يقولون: صارت حجارة.
١٧٨٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق. قال: حدثنا يحيى الحماني قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إسماعيل عن أبي صالح في قوله: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ ، قال: صارت حجارة.
١٧٨٢٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ ، قال: بلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة.
١٧٨٢٩- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (ربنا اطمس على أموالهم) ، قال: جعلها الله حجارةً منقوشة على هيئة ما كانت.
١٧٨٣٠- حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ ، قال: قد فعل ذلك، وقد أصابهم ذلك، طمَس على أموالهم، فصارت حجارةً، ذهبهم ودراهمهم وعَدَسهم، وكلُّ شيء.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أهلكها.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨٣١- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ ، قال: أهلكها.
١٧٨٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٨٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٨٣٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ ، يقول: دمِّر عليهم وأهلك أموالهم.
* *
وأما قوله: ﴿واشدد على قلوبهم﴾ ، فإنه يعني: واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح بالإيمان، كما:-
١٧٨٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: وقال موسى قبل أن يأتي فرعون: "ربنَا اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم"، فاستجاب الله له، وحال بين فرعون وبين الإيمان حتى أدركه الغرق، فلم ينفعه الإيمان.
١٧٨٣٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿واشدد على قلوبهم﴾ ، يقول: واطبع على قلوبهم = ﴿حتى يروا العذاب الأليم﴾ ، وهو الغرق.
١٧٨٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واشدد على قلوبهم﴾ ، بالضلالة.
١٧٨٣٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واشدد على قلوبهم﴾ ، قال: بالضلالة.
١٧٨٣٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٧٨٤٠- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿واشدد على قلوبهم﴾ ، يقول: أهلكهم كفارًا.
* *
وأما قوله: ﴿فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ ، فإن معناه: فلا يصدقوا بتوحيد الله ويقرُّوا بوحدانيته، حتى يروا العذاب الموجع، [[انظر تفسير " الأليم " فيما سلف من فهارس اللغة (ألم) .]] كما:-
١٧٨٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فلا يؤمنوا﴾ ، بالله فيما يرون من الآيات = ﴿حتى يروا العذابَ الأليم﴾ .
١٧٨٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٨٤٣-. .. . قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٧٨٤٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٧٨٤٥- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق، قال: سمعت المنقري يقول: ﴿فلا يؤمنوا﴾ ، يقول: دعا عليهم. [[الأثر: ١٧٨٤٥ - "المنقري "، هكذا في المطبوعة. وفي المخطوطة: " المعري " غير منقوطة، وقد أعياني أن أعرف من يعني.]]
* *
واختلف أهل العربية في موضع: ﴿يؤمنوا﴾ .
فقال بعض نحويي البصرة: هو نصبٌ، لأن جواب الأمر بالفاء، أو يكون دُعاء عليهم إذ عصوا. وقد حكي عن قائل هذا القول أنه كان يقول: هو نصبٌ، عطفًا على قوله: ﴿ليضلوا عن سبيلك﴾ .
* *
وقال آخر منهم، [[هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢٨١.]] وهو قول نحويي الكوفة: موضعه جزمٌ، على الدعاء من موسى عليهم، بمعنى: فلا آمنوا، كما قال الشاعر: [[هو الأعشى.]]
فَلا يَنْبَسِطْ مِنْ بَيْن عَيْنَيْكَ مَا انزوَى ... وَلا تَلْقَنِي إِلا وَأَنْفُكَ رَاغِمُ [[ديوانه: ٥٨، من قصيدته في هجاء يزيد بن مسهر الشيباني، يقول له: فَهَانَ عَلَيْنَا مَا يَقُولُ ابْنُ مُسْهرٍ ... بِرَغْمِكَ إذْ حَلّتْ عَلَيْنَا اللَّهَازِمُ
يَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ دُونِي، كَأَنَّمَا ... زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَلَى المَحَاجِمُ
فَلاَ يَنبَسِطْ. . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأقسم بالله الذي أنا أعبده ... لتصطفقن يوما عليك المآتم
.]]
بمعنى: "فلا انبسط من بين عينيك ما انزوى"، "ولا لقيتني"، على الدعاء.
* *
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هو دعاء، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا. قال: وإن شئت جعلتها جوابًا لمسألته إياه، لأن المسألة خرجت على لفظ الأمر، فتجعل: ﴿فلا يؤمنوا﴾ ، في موضع نصب على الجواب، وليس يسهل. قال: ويكون كقول الشاعر: [[هو أبو النجم.]]
يَا نَاقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحَا ... إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَريحَا [[سيبويه ١: ٤٢١، معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٨، وغيرهما. وسيأتي في التفسير ١٣: ١٥٩ (بولاق) . من أرجوزة له في سليمان بن عبد الملك، لم أجدها مجموعة في مكان. و "العنق "، ضرب من السير. و" الفسيح " الواسع البليغ.]]
قال: وليس الجواب يسهلُ في الدعاء، لأنه ليس بشرط. [[هذا الذي سلف نص كلام الفراء في معاني القرآن ١: ٤٧٧، ٤٧٨.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنه في موضع جزم على الدعاء، بمعنى: فلا آمنوا = وإنما اخترت ذلك لأن ما قبله دعاءٌ، وذلك قوله: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم﴾ ، فإلحاق قوله: ﴿فلا يؤمنوا﴾ ، إذ كان في سياق ذلك بمعناه أشبهُ وأولى.
* *
وأما قوله: ﴿حتى يروا العذاب الأليم﴾ ، فإنّ ابن عباس كان يقول: معناه: حتى يروا الغرق = وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك من بعض وجوهها فيما مضى. [[انظر ما سلف رقم: ١٨٧٣٥، ١٨٧٣٦.]]
١٧٨٤٦- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ ، قال: الغرق.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عن إجابته لموسى ﷺ وهارون دعاءهما على فرعون وأشراف قومه وأموالهم. يقول جل ثناؤه: ﴿قال﴾ الله لهما: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ ، في فرعون وملئه وأموالهم.
* *
فإن قال قائل: وكيف نسبت "الإجابة" إلى اثنين و"الدعاء"، إنما كان من واحد؟
قيل: إن الداعي وإن كان واحدًا، فإن الثاني كان مؤمِّنًا، وهو هارون، فلذلك نسبت الإجابة إليهما، لأن المؤمِّن داعٍ. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٨.]] وكذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨٤٧- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن رجل، عن عكرمة في قوله: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ ، قال: كان موسى يدعو، وهارون يؤمن، فذلك قوله: ﴿قد أجيبت دعواتكما﴾ .
* *
وقد زعم بعض أهل العربية، أن العرب تخاطب الواحد خطاب الاثنين، وأنشد في ذلك: [[هو مضرس بن ربعى الأسدي.]]
فَقُلْتُ لِصَاحِبي لا تُعْجَلانَا ... بِنزعِ أُصُولِهِ وَاجْتَزَّ شِيحَا [[الصاحبي: ١٨٦، ابن يعيش ١٠: ٤٩، واللسان (جزز) ، وسيأتي في التفسير ٢٦: ١٠٣، (بولاق) . من كلمة له، لم أجدها مجموعة في مكان، ومنها أبيات في حماسة ابن الشجري ٢٧، ٢٠٤، يقولها في الشواء، يقول قبل البيت: وَفِتْيَانٍ شَوَيْتُ لَهُمْ شِوَاءً ... سَريعَ الشَّيِّ كنْتُ بِهِ نَجِيحَا
فَطِرْتُ بِمُنْصُلِي في يَعْمَلاَتٍ ... دَوَامِي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا
وقُلْتُ لِصَاحِبي: لا تَحْبِسَانَا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويروى " لا تحبسنا "، ولا شاهد فيها، ويروى " واجدز " (بتشديد الزاي) وقلب " التاء دالا، ورواية الطبري الآتية: " لا تحبسانا " أيضًا.
" النجيح ": المجد السريع. واليعملات: النوق. و" الدوامي ": قد دميت أيديها من طول السير وشدته. و" السريح ": خرق أو جلود تشد على أخفاف الإبل إذا دميت. ويقول لصاحبه: لا تحبسنا عن الشيء = أو: لا تجعلنا نعجل عليك بالدعاء، بطول تلبثك في نزع الحطب من أصوله، بل خذ ما من تيسر قضبانه وعيدانه، وائتنا به لنشوي.]]
* *
١٧٨٤٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زكريا بن عدي، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قال: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ قال: دعا موسى، وأمن هارون.
١٧٨٤٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وزيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب قال: دعا موسى، وأمَّن هارون.
١٧٨٥٠-. . . . قال: حدثنا أبو معاوية، عن شيخ له، عن محمد بن كعب قال: دعا موسى وأمّن هارون.
١٧٨٥١- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ ، قال: دعا موسى، وأمن هارون.
١٧٨٥٢- قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، وعبد الله بن أبي جعفر، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: دعا موسى وأمَّن هارون، فذلك قوله: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ .
١٧٨٥٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن عكرمة في قوله: "قد أجيبت دعوتكما" قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمّن، فذلك قوله: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ .
١٧٨٥٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ لموسى وهارون = قال ابن جريج: قال عكرمة: أمّن هارون على دعاء موسى فقال الله: ﴿قد أجيبت دعوتكما فاستقيما﴾ .
١٧٨٥٥- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: كان هارون يقول: آمين فقال الله: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ فصار التأمين دعوة صار شريكه فيها.
* *
وأما قوله: ﴿فاستقيما﴾ ، فإنه أمرٌ من الله تعالى لموسى وهارون بالاستقامة والثبات على أمرهما، من دعاء فرعون وقومه إلى الإجابة إلى توحيد الله وطاعته، إلى أن يأتيهم عقاب الله الذي أخبرهما أنه أجَابَهما فيه، [[انظر تفسير " الاستقامة "، فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) .]] كما:-
١٧٨٥٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿فاستقيما﴾ : فامضيا لأمري، وهي الاستقامة = قال ابن جريج: يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة. [[هكذا في المطبوعة والدر المنثور: " بعد هذه الدعوة "، وفي المخطوطة: " بعد هذه الآية "، إلا أن " الآية " سيئة الكتابة.]]
* *
وقوله: ﴿ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون﴾ ، [[انظر تفسير " اتبع " و " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة (اتبع) ، (سبل) . وما سيأتي بعد قليل في تفسير الآية التالية.]] يقول: ولا تسلكانّ طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، فإن وعْدي لا خلف له، وإن وعيدي نازلٌ بفرعون وعذابي واقع به وبقومه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقطعنا ببني إسرائيل البحر حتى جاوزوه [[انظر تفسير " جاوز " فيما سلف ٥: ٣٤٥ / ١٣: ٨٠.]] = ﴿فأتبعهم فرعون﴾ ، يقول: فتَبعهم فرعون ﴿وجنوده﴾ .
= يقال منه "أتْبَعته" و"تبعته"، بمعنى واحد.
وقد كان الكسائي فيما ذكر أبو عبيد عنه يقول: إذا أريد أنه أتبعهم خيرًا أو شرًّا فالكلام "أتبعهم" بهمز الألف، وإذا أريد: اتبع أثرهم، أو اقتدى بهم، فإنه من "اتّبعت" مشددة التاء غير مهموزة الألف.
* *
﴿بغيًا﴾ على موسى وهارون ومن معهما من قومهما من بني إسرائيل [[انظر تفسير " البغي " فيما سلف ص: ٥٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿وعدْوًا﴾ ، يقول: واعتداء عليهم،
* *
وهو مصدر من قولهم: "عدا فلان على فلان في الظلم، يعدو عليه عَدْوًا" مثل "غزا يغزو غزوا". [[انظر تفسير " العدوان " فيما سلف ١٤: ١٥١، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]]
* *
وقد روى عن بعضهم أنه كان يقرأ: ﴿بَغْيًا وَعُدُوًّا﴾ ، وهو أيضًا مصدر من قولهم: "عَدَا يَعدُو عُدُوًّا"، مثل: "علا يعلو عُلُوًّا". [[انظر ما سلف ١٢: ٣٥، ٣٦.]]
* *
= ﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ يقول: حتى إذا أحاط به الغرق [[انظر تفسير " الإدراك " فيما سلف ١٢: ١٣ - ٢١.]] = وفي الكلام متروك، قد ترك ذكره لدلالة ما ظهر من الكلام عليه، وذلك: "فأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا فيه"= فغرقناه ﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ .
* *
وقوله: ﴿قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ ، يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل فرعون حين أشفى على الغرق، [[في المطبوعة: " أشرف على الغرق "، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. " أشفى على الموت أو غيره "، أشرف عليه، وهو من " الشفى "، وهو حرف كل شيء وحده.]] وأيقن بالهلكة: ﴿آمنت﴾ ، يقول: أقررت، ﴿أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ .
* *
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأ بعضهم، وهو قراءة عامّة المدينة والبصرة: ﴿أَنَّهُ﴾ بفتح الألف من "أنه"، على إعمال "آمَنْتُ" فيها ونصبها به.
* *
وقرأ آخرون: ﴿آمَنْتُ إِنَّهُ﴾ بكسر الألف من "إنه" على ابتداء الخبر. وهي قراءة عامة الكوفيين. [[انظر هاتين القراءتين في معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٨.]]
* *
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨٥٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد قال: اجتمع يعقوب وبنوه إلى يوسف، وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى من مصر حين خرجوا وهم ست مائة ألف، فلما أدركهم فرعون فرأوه قالوا: يا موسى أين المخرجُ؟ فقد أدركنا، قد كنا نلقى من فرعون البلاء؟ فأوحى الله إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فِرْق كالطود العظيم، [[تضمين آية سورة الشعراء: ٦٣]] ويبس لهم البحرُ، وكشف الله عن وجه الأرض، وخرج فرعون على فرس حِصان أدهَم على لونه من الدُّهم ثمان مائة ألف سوى ألوانها من الدوابّ، وكانت تحت جبريل عليه السلام فرسٌ ودِيق ليس فيها أنثى غيرها، [[" وديق ": مريدة للفحل تشتهيه، وانظر ما سلف ٢: ٥٢.]] وميكائيل يسوقهم، لا يشذُّ رجل منهم إلا ضمّه إلى الناس. فلما خرج آخر بني إسرائيل، دنا منه جبريل ولَصِق به، فوجد الحصان ريح الأنثى، فلم يملك فرعون من أمره شيئًا، وقال: أقدموا، فليس القومُ أحقُّ بالبحر منكم! ثم أتبعهم فرعون، حتى إذا همّ أوّلهم أن يخرجوا، ارتطم ونادى فيها: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ ، ونودي: ﴿آلآن وقد عصيتَ قبلُ وكنت من المفسدين﴾ ،
١٧٨٥٨- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: =
=وعن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يرفعه أحدهما إلى النبي ﷺ فقال: إن جبرائيل كان يدسُّ في فم فرعون الطين مخافة أن يقول لا إله إلا الله. [[الأثران: ١٧٨٥٨، ١٧٨٥٩ - خبر ابن عباس رواه أحمد من هذا الطريق، طريق شعبة، عن عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، في مسنده رقم: ٢١٤٤، ٣١٥٤. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص: ٣٤١ رقم: ٢٦١٨.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٤٠، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس "، وواقفه الذهبي. وانظر الموقوف فيما سيأتي: ١٧٨٦٥، ورواه الترمذي في كتاب التفسير وقال: " حسن غريب صحيح ".
وانظر ما سيأتي رقم: ١٧٨٦٢.]]
١٧٨٥٩- حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "جعل جبرائيل عليه السلام يدسُّ = أو: يحشو = في فم فرعون الطين، مخافة أن تدركه الرحمة.
١٧٨٦٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: قال لي جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا أغطُّه وأدسُّ من الحَالِ في فيه، مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له! = يعني فرعون. [[الأثر: ١٧٨٦٠ - " حكام "، هو " حكام بن سلم الكناني "، ثقة، ولكن قال أحمد فيه: " كان حسن الهيئة قدم علينا، وكان يحدث عن عنبسة أحاديث غرائب "، مضى مرارًا. " وعنبسة "، هو " عنبسة بن سعيد الضريس "، ثقة، لا بأس به. مضى مرارًا. " وكثير بن زاذان النخعي "، قال ابن معين: " لا أعرفه "، وقال أبو حاتم وأبو زرعة، " هذا شيخ مجهول "، لا نعلم أحدًا حدث عنه إلا ما روى ابن حميد، عن هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عنه ". مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٥١،، وميزان الاعتدال ٢: ٣٥٣، وقال: " عن عاصم بن ضمرة، له حديث منكر ".
و" أبو حازم "، هو " سلمان الأشجعي "، ثقة. مضى برقم: ٧٦١٦.
فهذا خبر ضعيف جدا، لضعف كثير بن زاذان. وخرج نحوه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٦، عن أبي هريرة وقال: " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري، وضعفه جماعة ".وقوله: " أغطه "، أي: أغطسه في الماء وأغمسه. و " الحال "، الطين الأسود والحمأة، وهو " حال البحر ". وكان في المطبوعة " وحمئة "، غير ما في المخطوطة، لأنه لم يعرف معناه، فظنه خطأ.]]
١٧٨٦١- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: لما أغرق الله فرعون قال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ ، فقال جبريل: يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حَالِ البحر وأدَسِّيه في فيه، مخافة أن تدركه الرحمة. [[الأثر: ١٧٨٦١ - " علي بن زيد بن جدعان "، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧١٥٤ - ١٧٥١٦، وثقه أخي السيد أحمد رحمه الله في المسند رقم ٧٨٣، وفيما مضى من تعليقه على بعض أحاديث الطبري. ولكني رأيت الأئمة يضعفونه، - لا أنهم يكذبونه - ويرونه إلى اللين أدنى، وأنه كان يقلب الأحاديث وكان يحدث بالحديث اليوم ثم يحدث غدا، فكأنه ليس بذاك، وكان يسوء حفظه، فأخشى أن يكون أخي جازف في توثيقه، ولكني أرجح أنه يعتبر بحديثه، ويكتب حديثه، ولكن لا يحتج به، وإنما روى له مسلم مقرونًا بغيره. فهذا غاية علي بن زيد فيما أرى، والله أعلم. " ويوسف بن مهران "، مضى مرارًا رقم: ١٣٤٩٤. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ٢٢٠٣ من طريق يونس، عن حماد بن سلمة، ورقم: ٢٨٢١ من طريق سليمان بن حرب، عن حماد. وصححه أخي رحمه الله في الموضعين. وخرجه الترمذي في كتاب التفسير من سننه، من هذه الطريق نفسها، وقال: " هذا حديث حسن " وكان في المطبوعة: " آخذ من حمأة البحر "، وأثبت ما في المخطوطة،
وقوله: " وأدسيه في فيه " (بتشديد السين) من قولهم " دساه " إذا غيبه أو أخفاه. وأصله " دسسه " مضعفا، ثم توالت السينات، فقلبت أخراهن ياء. وكذلك جاء في المسند رقم: ٢٨٢١، وهو في المطبوعة " أدسه "، وفي المخطوطة كما أثبتها، إلا أنها غير منقوطة.]]
١٧٨٦٢- حدثني المثنى قال، حدثني عمرو، عن حكام قال، حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: لما قال فرعون "لا إله إلا الله"، جعل جبريل يحشوا في فيه الطين والتراب. [[الأثر: ١٧٨٦٢ - سلف تخريجه في رقم: ١٧٨٥٨، ١٧٨٥٩.]]
١٧٨٦٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: أخبرني من سمع ميمون بن مهران يقول في قوله: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ ، قال: أخذ جبرائيل من حمأة البحر فضرب بها فاه = أو قال: ملأ بها فاه = مخافة أن تدركه رحمه الله.
١٧٨٦٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا الحسين بن علي، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران قال: خطب الضحاك بن قيس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن فرعون كان عبدًا طاغيًا ناسيًا لذكر الله، فلما أدركه الغرق قال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ ، قال الله: ﴿آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ .
١٧٨٦٥-. . . . قال، حدثني أبي، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن فرعون لما أدركه الغرق جعل جبريل يحشو في فيه التراب خشية أن يغفر له. [[الأثر: ١٧٨٦٥ - هذا الخبر الموقوف على ابن عباس، كما سلف في تخريج رقم: ١٧٨٥٨، ١٧٨٥٩. وكان في المطبوعة: " يحثو " بالثاء، وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٧٨٦٦-. . . . قال، حدثنا محمد بن عبيد، عن عيسى بن المغيرة، عن إبراهيم التيمي: أن جبريل عليه السلام قال: ما حسدتُ أحدًا من بني آدم الرحمة إلا فرعون، [[في المطبوعة: " ما خشيت على أحد "، غير ما في المخطوطة، وهو الصواب المحض، وأساء في التغيير.]]
فإنه حين قال ما قال، خشيت أن تصل إلى الربّ فيرحمه، فأخذت من حَمْأة البحر وزَبَده، فضربت به عينيه ووجهه.
١٧٨٦٧-. . . . قال، أخبرنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال جبريل عليه السلام: لقد حشوت فاه الحمأة مخافة أن تدركه الرحمة.