John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Yunus

Tafsir al-Tabari · Jonas · 109 ayat · ayat 91–109 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، معرِّفًا فرعون قبح صَنيعه أيّام حياته وإساءته إلى نفسه أيام صحته، بتماديه في طغيانه، ومعصيته ربه، حين فزع إليه في حال حلول سَخطه به ونزول عقابه، مستجيرًا به من عذابه الواقع به، لما ناداه وقد علته أمواج البحر، وغشيته كرَبُ الموت: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ له، المنقادين بالذلة له، المعترفين بالعبودية = الآن تقرُّ لله بالعبودية، وتستسلم له بالذلة، وتخلص له الألوهة، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك، فأسخطته على نفسك، وكنت من المفسدين في الأرض، الصادِّين عن سبيله؟ فهلا وأنت في مَهَلٍ، وباب التوبة لك منفتح، أقررت بما أنت به الآن مقرٌّ؟

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لفرعون: اليوم نجعلك على نَجْوةٍ من الأرض ببدنك، ينظر إليك هالكًا من كذّب بهلاكك = ﴿لتكون لمن خلقك آية﴾ ، يقول: لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك،، فينزجرون عن معصية الله، والكفر به والسعي في أرضه بالفساد.

= و"النجوة"، الموضع المرتفع على ما حوله من الأرض، ومنه قوله أوس بن حجر:

فَمَنْ بِعَقْوَتِهِ كَمَنْ بِنْجْوَتِهِ ... وَالمُسْتَكِنُّ كَمَنْ يَمْشِي بِقِرْوَاحِ [[ديوانه، قصيدة: ٤، بيت: ١٥، يصف السحاب والمطر بالشدة، يغشي كل مكان وكل أحد. " عقوة الدار "، ساحتها وما حولها. و" المستكن "، الذي اختبأ في كن. و "القرواح "، البارز الذي ليس يستره من السماء والشمس شيء.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر قال ذلك:

١٧٨٦٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد وغيره قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: إنه لم يمت فرعون! قال: فأخرجه الله إليهم ينظرون إليه مثل الثور الأحمر.

١٧٨٦٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد قال = وكان من أكثر الناس = أو: أحدث الناس = عن بنى إسرائيل؛ قال: فحدّثنا أن أول جنود فرعون لما انتهى إلى البحر، هابت الخيلُ اللِّهْبَ. [[في المخطوطة: " اللهث "، والذي في المطبوعة هو الصواب إلا أن ضبطه بكسر اللام وسكون الهاء. و " اللهب " المهواة بين الجبلين، وهو الصدع الذي صدع في البحر، وانظر قوله تعالى: ﴿فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ .]]

قال: ومثل لحصان منها فرس وَديق، [["فرس وديق "، مريدة للفحل تشتهيه، انظر ما سلف ص: ١٩٠، تعليق: ٢.]] فوجد ريحها = أحسبه أنا قال: = فانسلَّ فاتَّبعته. قال: فلما تتامّ آخر جنود فرعون في البحر، وخرج آخرُ بني إسرائيل، أُمر البحر فانطَبق عليهم، فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون، وما كان ليموت أبدًا! فسمع الله تكذيبهم نبيَّه، قال: فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمرُ، يتراءآه بنو إسرائيل.

١٧٨٧٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، قال: "بدنه"، جسده، رمى به البحرُ.

١٧٨٧١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن مجاهد،: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، قال: بجسدك.

١٧٨٧٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٧٨٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٧٨٧٤- حدثنا تميم بن المنتصر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما جاوز موسى البحرَ بجميع من معه، التقى البحرُ عليهم = يعني على فرعون وقومه = فأغرقهم، فقال أصحاب موسى: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه! فدعا ربّه فأخرجه فنبذه البحر، حتى استيقنوا بهلاكه.

١٧٨٧٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾ ، يقول: أنكر ذلك طوائف من بني إسرائيل، فقذفه الله على ساحل البحر ينظرون إليه.

١٧٨٧٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لتكون لمن خلفك آية﴾ ، قال: لما أغرق الله فرعون لم تصدِّق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله آيةً وعظةً.

١٧٨٧٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد، أو غيره، بنحو حديث ابن عبد الأعلى، عن معمر.

١٧٨٧٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، قال: بجسدك.

١٧٨٧٩- قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال، بلغني عن مجاهد: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، قال: بجسدك. [[الأثر: ١٧٨٧٩ - " محمد بن بكر بن عثمان البرساني "، مضى مرارًا، وروايته عن ابن جريج، وفي المطبوعة: " محمد بن بكير "، وهو خطأ، لم يحسن قراءة المخطوطة.]]

١٧٨٨٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كذّب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فرمى به على ساحل البحر ليراه بنو إسرائيل، قال أحمر: كأنه ثور. [[في المطبوعة: " قال: كأنه ثور أحمر "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]]

* *

وقال آخرون: تنجو بجسدك من البحر، فنخرجه منه. [[في المطبوعة: " فتخرج منه "، وأثبت ما في المخطوطة.]]

ذكر من قال ذلك:

١٧٨٨١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾ ، يقول: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر، فنظروا إليه بعد ما غرق.

* *

فإن قال قائل: وما وجه قوله: ﴿ببدنك﴾ ؟ وهل يجوز أن ينجيه بغير بدنه، فيحتاج الكلام إلى أن يقال فيه ﴿ببدنك﴾ ؟

قيل: كان جائزًا أن ينجيه بهيئته حيًّا كما دخل البحر. فلما كان جائزًا ذلك قيل:/ ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، ليعلم أنه ينجيه بالبدن بغير روح، ولكن ميّتًا.

* *

وقوله: ﴿وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾

، يقول تعالى ذكره: ﴿وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا﴾ ، يعني: عن حججنا وأدلتنا على أن العبادة والألوهة لنا خالصةٌ [[انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] = ﴿لغافلون﴾ ، يقول: لساهون، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. [[انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص: ٨٠،، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، معرِّفًا فرعون قبح صَنيعه أيّام حياته وإساءته إلى نفسه أيام صحته، بتماديه في طغيانه، ومعصيته ربه، حين فزع إليه في حال حلول سَخطه به ونزول عقابه، مستجيرًا به من عذابه الواقع به، لما ناداه وقد علته أمواج البحر، وغشيته كرَبُ الموت: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ له، المنقادين بالذلة له، المعترفين بالعبودية = الآن تقرُّ لله بالعبودية، وتستسلم له بالذلة، وتخلص له الألوهة، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك، فأسخطته على نفسك، وكنت من المفسدين في الأرض، الصادِّين عن سبيله؟ فهلا وأنت في مَهَلٍ، وباب التوبة لك منفتح، أقررت بما أنت به الآن مقرٌّ؟

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لفرعون: اليوم نجعلك على نَجْوةٍ من الأرض ببدنك، ينظر إليك هالكًا من كذّب بهلاكك = ﴿لتكون لمن خلقك آية﴾ ، يقول: لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك،، فينزجرون عن معصية الله، والكفر به والسعي في أرضه بالفساد.

= و"النجوة"، الموضع المرتفع على ما حوله من الأرض، ومنه قوله أوس بن حجر:

فَمَنْ بِعَقْوَتِهِ كَمَنْ بِنْجْوَتِهِ ... وَالمُسْتَكِنُّ كَمَنْ يَمْشِي بِقِرْوَاحِ [[ديوانه، قصيدة: ٤، بيت: ١٥، يصف السحاب والمطر بالشدة، يغشي كل مكان وكل أحد. " عقوة الدار "، ساحتها وما حولها. و" المستكن "، الذي اختبأ في كن. و "القرواح "، البارز الذي ليس يستره من السماء والشمس شيء.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر قال ذلك:

١٧٨٦٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد وغيره قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: إنه لم يمت فرعون! قال: فأخرجه الله إليهم ينظرون إليه مثل الثور الأحمر.

١٧٨٦٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد قال = وكان من أكثر الناس = أو: أحدث الناس = عن بنى إسرائيل؛ قال: فحدّثنا أن أول جنود فرعون لما انتهى إلى البحر، هابت الخيلُ اللِّهْبَ. [[في المخطوطة: " اللهث "، والذي في المطبوعة هو الصواب إلا أن ضبطه بكسر اللام وسكون الهاء. و " اللهب " المهواة بين الجبلين، وهو الصدع الذي صدع في البحر، وانظر قوله تعالى: ﴿فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ .]]

قال: ومثل لحصان منها فرس وَديق، [["فرس وديق "، مريدة للفحل تشتهيه، انظر ما سلف ص: ١٩٠، تعليق: ٢.]] فوجد ريحها = أحسبه أنا قال: = فانسلَّ فاتَّبعته. قال: فلما تتامّ آخر جنود فرعون في البحر، وخرج آخرُ بني إسرائيل، أُمر البحر فانطَبق عليهم، فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون، وما كان ليموت أبدًا! فسمع الله تكذيبهم نبيَّه، قال: فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمرُ، يتراءآه بنو إسرائيل.

١٧٨٧٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، قال: "بدنه"، جسده، رمى به البحرُ.

١٧٨٧١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن مجاهد،: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، قال: بجسدك.

١٧٨٧٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٧٨٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٧٨٧٤- حدثنا تميم بن المنتصر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما جاوز موسى البحرَ بجميع من معه، التقى البحرُ عليهم = يعني على فرعون وقومه = فأغرقهم، فقال أصحاب موسى: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه! فدعا ربّه فأخرجه فنبذه البحر، حتى استيقنوا بهلاكه.

١٧٨٧٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾ ، يقول: أنكر ذلك طوائف من بني إسرائيل، فقذفه الله على ساحل البحر ينظرون إليه.

١٧٨٧٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لتكون لمن خلفك آية﴾ ، قال: لما أغرق الله فرعون لم تصدِّق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله آيةً وعظةً.

١٧٨٧٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد، أو غيره، بنحو حديث ابن عبد الأعلى، عن معمر.

١٧٨٧٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، قال: بجسدك.

١٧٨٧٩- قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال، بلغني عن مجاهد: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، قال: بجسدك. [[الأثر: ١٧٨٧٩ - " محمد بن بكر بن عثمان البرساني "، مضى مرارًا، وروايته عن ابن جريج، وفي المطبوعة: " محمد بن بكير "، وهو خطأ، لم يحسن قراءة المخطوطة.]]

١٧٨٨٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كذّب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فرمى به على ساحل البحر ليراه بنو إسرائيل، قال أحمر: كأنه ثور. [[في المطبوعة: " قال: كأنه ثور أحمر "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]]

* *

وقال آخرون: تنجو بجسدك من البحر، فنخرجه منه. [[في المطبوعة: " فتخرج منه "، وأثبت ما في المخطوطة.]]

ذكر من قال ذلك:

١٧٨٨١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾ ، يقول: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر، فنظروا إليه بعد ما غرق.

* *

فإن قال قائل: وما وجه قوله: ﴿ببدنك﴾ ؟ وهل يجوز أن ينجيه بغير بدنه، فيحتاج الكلام إلى أن يقال فيه ﴿ببدنك﴾ ؟

قيل: كان جائزًا أن ينجيه بهيئته حيًّا كما دخل البحر. فلما كان جائزًا ذلك قيل:/ ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ ، ليعلم أنه ينجيه بالبدن بغير روح، ولكن ميّتًا.

* *

وقوله: ﴿وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾

، يقول تعالى ذكره: ﴿وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا﴾ ، يعني: عن حججنا وأدلتنا على أن العبادة والألوهة لنا خالصةٌ [[انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] = ﴿لغافلون﴾ ، يقول: لساهون، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. [[انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص: ٨٠،، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أنزلنا بني إسرائيل منازلَ صِدْق. [[انظر تفسير " بوأ " فيما سلف ص: ١٧١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

قيل: عني بذلك الشأم وبيت المقدس.

وقيل: عُنِي به الشأم ومصر.

ذكر من قال ذلك:

١٧٨٨٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿مبوّأ صدق﴾ ، قال: منازل صدق، مصر والشأم.

١٧٨٨٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿مبوَّأ صدق﴾ ، قال: بوّأهم الله الشأم وبيت المقدس.

١٧٨٨٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق﴾ ، الشام. وقرأ: ﴿إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٧١]

* *

وقوله: ﴿ورزقناهم من الطيبات﴾ ، يقول: ورزقنا بني إسرائيل من حلال الرزق = وهو ﴿الطيب﴾ . [[انظر تفسير " الطيب " فيما سلف من فهارس اللغة (طيب) .]]

* *

وقوله: ﴿فما اختلفوا حتى جاءهم العلم﴾ ، يقول جل ثناؤه: فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل، حتى جاءهم ما كانوا به عالمين. وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد النبيّ ﷺ مجمعين على نبوّة محمدٍ والإقرار به وبمبعثه، غير مختلفين فيه بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعضهم وآمن به بعضهم، والمؤمنون به منهم كانوا عددًا قليلا. فذلك قوله: فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه نبيًّا لله = فوضع ﴿العلم﴾ مكان ﴿المعلوم﴾ .

* *

وكان بعضهم يتأول ﴿العلم﴾ ههنا، كتابَ الله ووحيَه.

ذكر من قال ذلك:

١٧٨٨٥- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فما اختلفوا حتى جاءهم العلم﴾ ، [[في المطبوعة والمخطوطة: ". . . حتى جاءهم العلم بغيا بينهم "، وليس هذا من تلاوة هذه الآية، ولا هو في تفسيرها، فحذفته. وأشباهها من الآيات التي ورد فيها ذكر العلم والبغي فيه في سورة آل عمران: ١٩ / سورة الشورى: ١٤ / سورة الجاثية: ١٧، وآثرت حذف هذه الزيادة من هذا الموضع، لأني لم أجد أبا جعفر ذكر هذا الخبر في تفسير شيء من هذه الآيات، والظاهر أن المعنى أخذ بعضه ببعض، فزاد ابن زيد في التفسير من نظائر الآية في السور الأخرى.]] قال: ﴿العلم﴾ ، كتاب الله الذي أنزله، وأمره الذي أمرهم به، وهل اختلفوا حتى جاءهم العلم بغيًا بينهم؟ أهل هذه الأهواء، هل اقتتلوا إلا على البغي قال: و"البغي" وجهان: وجه النفاسة في الدنيا ومن اقتتل عليها من أهلها، وبغى في "العلم"، يرى هذا جاهلا مخطئًا، ويرى نفسه مصيبًا عالمًا، فيبغي بإصابته وعلمه عَلَى هذا المخطئ.

* *

وقوله: ﴿إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إن ربَّك، يا محمد، يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل فيك يوم القيامة، فيما كانوا فيه من أمري في الدنيا يختلفون، بأن يدخل المكذبين بك منهم النار، والمؤمنين بك منهم الجنة، فذلك قضاؤه يومئذ فيما كانوا فيه يختلفون من أمر محمد ﷺ. [[انظر تفسير " القضاء " فيما سلف من فهارس اللغة (قضى) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإن كنت يا محمد في شك من حقيقة ما اخترناك فأنزلنا إليك، [[في المطبوعة: " ما أخبرناك وأنزل إليك "، وأثبت الصواب من المخطوطة.]] من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوّتك قبل أن تبعث رسولا إلى خلقه، لأنهم يجدونك عندهم مكتوبًا، ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل = ﴿فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ ، من أهل التوراة والإنجيل، كعبد الله بن سلام ونحوه، من أهل الصدق والإيمان بك منهم، دون أهل الكذب والكفر بك منهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٨٨٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس في قوله: ﴿فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ ، قال: التوراة والإنجيل، الذين أدركوا محمدا ﷺ من أهل الكتاب فآمنوا به، يقول: فاسألهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم.

١٧٨٨٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ ، قال: هو عبد الله بن سلام، كان من أهل الكتاب، فآمن برسول الله ﷺ.

١٧٨٨٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ قال: هم أهل الكتاب.

١٧٨٨٩- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول: ﴿فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ ، يعني أهل التقوى وأهلَ الإيمان من أهل الكتاب، ممن أدرك نبيّ الله ﷺ.

* *

فإن قال قائل: أو كان رسول الله ﷺ في شكٍّ من خبَرِ الله أنه حقٌّ يقين، حتى قيل له: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ ؟

قيل: لا وكذلك قال جماعة من أهل العلم.

١٧٨٩٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ ، فقال: لم يشك النبي ﷺ ولم يسأل.

١٧٨٩١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ ، قال: ما شك وما سأل.

١٧٨٩٢- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير = ومنصور، عن الحسن في هذه الآية، قال: لم يشك ﷺ ولم يسأل.

١٧٨٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ ، ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: لا أشك ولا أسأل.

١٧٨٩٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك﴾ ، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لا أشك ولا أسأل.

* *

فإن قال: فما وجه مخرج هذا الكلام، إذنْ، إن كان الأمر على ما وصفت؟ قيل: قد بيّنا في غير موضع من كتابنا هذا، استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه: "إن كنت مملوكي فانته إلى أمري" والعبد المأمور بذلك لا يشكُّ سيدُه القائل له ذلك أنه عبده. كذلك قول الرجل منهم لابنه: "إن كنت ابني فبرَّني"، وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه، وأنّ ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم، وذكرنا ذلك بشواهده، وأنّ منه قول الله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، [سورة المائدة: ١١٦] ، وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك. [[انظر ما سلف ١١: ٢٣٦، ٢٣٧، ومعاني القرآن للفراء ١: ٤٧٩.]] وهذا من ذلك، لم يكن ﷺ شاكًّا في حقيقة خبر الله وصحته، والله تعالى ذكره بذلك من أمره كان عالمًا، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضًا، إذْ كان القرآن بلسانهم نزل.

* *

وأما قوله: ﴿لقد جاءك الحق من ربك﴾ الآية، فهو خبرٌ من الله مبتدأ.

يقول تعالى ذكره: أقسم لقد جاءك الحق اليقين من الخبر بأنك لله رسولٌ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى يعلمون صحّة ذلك، ويجدون نعتك عندهم في كتبهم = ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ ، يقول: فلا تكونن من الشاكين في صحة ذلك وحقيقته. [[انظر تفسير " الامتراء " فيما سلف ١٢: ٦١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

ولو قال قائل: إن هذه الآية خوطب بها النبي ﷺ، والمراد بها بعضُ من لم يكن صحَّت، بصيرته بنبوته ﷺ، ممن كان قد أظهر الإيمان بلسانه، تنبيها له على موضع تعرف حقيقة أمره الذي يزيل اللبس عن قلبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ، [سورة الأحزاب: ١] ، كان قولا غيرَ مدفوعةٍ صحته.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: ويقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، ولا تكونن يا محمدُ، من الذين كذَّبوا بحجج الله وأدلته، فتكون ممن غُبن حظه، وباع رحمةَ الله ورضاه، بسَخَطه وعقابه. [[انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .

= وتفسير " الخسران فيما سلف من فهارس اللغة (خسر) .]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين وجبت عليهم يا محمد = "كلمة ربك"، هي لعنته إياهم بقوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ، [سورة هود: ١٨] ، فثبتت عليهم.

* *

يقال منه: "حق على فلان كذا يحقُّ عليه"، إذا ثبت ذلك عليه ووجب. [[انظر تفسير " حق " فيما سلف ص: ٨٥]]

* *

وقوله: ﴿لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية﴾ ، يقول: لا يصدقون بحجج الله، ولا يقرُّون بوحدانية ربهم، ولا بأنك لله رسول = ﴿ولو جاءتهم كل آية﴾ ، وموعظة وعبرة، فعاينوها، حتى يعاينوا العذاب الأليم، كما لم يؤمن فرعون وملؤه، إذ حقَّت عليهم كلمة ربّك حتى عاينوا العذاب الأليم، فحينئذ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ، [سورة يونس: ٩٠] ، حين لم ينفعه قيلُه، فكذلك هؤلاء الذين حقت عليهم كلمة ربك من قومك من عبدة الأوثان وغيرهم، لا يؤمنون بك فيتبعونك، إلا في الحين الذي لا ينفعهم إيمانهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٨٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿أن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون﴾ ، قال: حقّ عليهم سَخَط الله بما عصوه.

١٧٨٩٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون﴾ ، حقّ عليهم سَخَط الله بما عصوه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: ويقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، ولا تكونن يا محمدُ، من الذين كذَّبوا بحجج الله وأدلته، فتكون ممن غُبن حظه، وباع رحمةَ الله ورضاه، بسَخَطه وعقابه. [[انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .

= وتفسير " الخسران فيما سلف من فهارس اللغة (خسر) .]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين وجبت عليهم يا محمد = "كلمة ربك"، هي لعنته إياهم بقوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ، [سورة هود: ١٨] ، فثبتت عليهم.

* *

يقال منه: "حق على فلان كذا يحقُّ عليه"، إذا ثبت ذلك عليه ووجب. [[انظر تفسير " حق " فيما سلف ص: ٨٥]]

* *

وقوله: ﴿لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية﴾ ، يقول: لا يصدقون بحجج الله، ولا يقرُّون بوحدانية ربهم، ولا بأنك لله رسول = ﴿ولو جاءتهم كل آية﴾ ، وموعظة وعبرة، فعاينوها، حتى يعاينوا العذاب الأليم، كما لم يؤمن فرعون وملؤه، إذ حقَّت عليهم كلمة ربّك حتى عاينوا العذاب الأليم، فحينئذ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ، [سورة يونس: ٩٠] ، حين لم ينفعه قيلُه، فكذلك هؤلاء الذين حقت عليهم كلمة ربك من قومك من عبدة الأوثان وغيرهم، لا يؤمنون بك فيتبعونك، إلا في الحين الذي لا ينفعهم إيمانهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٨٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿أن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون﴾ ، قال: حقّ عليهم سَخَط الله بما عصوه.

١٧٨٩٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون﴾ ، حقّ عليهم سَخَط الله بما عصوه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: ويقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، ولا تكونن يا محمدُ، من الذين كذَّبوا بحجج الله وأدلته، فتكون ممن غُبن حظه، وباع رحمةَ الله ورضاه، بسَخَطه وعقابه. [[انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .

= وتفسير " الخسران فيما سلف من فهارس اللغة (خسر) .]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين وجبت عليهم يا محمد = "كلمة ربك"، هي لعنته إياهم بقوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ، [سورة هود: ١٨] ، فثبتت عليهم.

* *

يقال منه: "حق على فلان كذا يحقُّ عليه"، إذا ثبت ذلك عليه ووجب. [[انظر تفسير " حق " فيما سلف ص: ٨٥]]

* *

وقوله: ﴿لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية﴾ ، يقول: لا يصدقون بحجج الله، ولا يقرُّون بوحدانية ربهم، ولا بأنك لله رسول = ﴿ولو جاءتهم كل آية﴾ ، وموعظة وعبرة، فعاينوها، حتى يعاينوا العذاب الأليم، كما لم يؤمن فرعون وملؤه، إذ حقَّت عليهم كلمة ربّك حتى عاينوا العذاب الأليم، فحينئذ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ، [سورة يونس: ٩٠] ، حين لم ينفعه قيلُه، فكذلك هؤلاء الذين حقت عليهم كلمة ربك من قومك من عبدة الأوثان وغيرهم، لا يؤمنون بك فيتبعونك، إلا في الحين الذي لا ينفعهم إيمانهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٨٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿أن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون﴾ ، قال: حقّ عليهم سَخَط الله بما عصوه.

١٧٨٩٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون﴾ ، حقّ عليهم سَخَط الله بما عصوه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فهلا كانت قرية آمنت؟ [[انظر " لولا " بمعنى " هلا " ٢: ٥٥٢، ٥٥٣ / ١١: ٢٦٦، ٣٤٣، ٣٥٦.]] وهي كذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ.

ومعنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب، ونزول سَخَط الله بها، بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيّه، واستحقاقه سَخَط الله بمعصيته = إلا قوم يونس، فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نزول العقوبة وحلول السخط بهم.

فاستثنى الله قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بساحتهم، وأخرجهم منهم، وأخبر خلقه أنه نفعهم أيمانهم خاصة من بين سائر الأمم غيرهم.

* *

فان قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها﴾ ، بمعنى: فما كانت قرية آمنَت، بمعنى الجحود، فكيف نصب "قوم" وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحدًا كان ما بعده مرفوعًا، وأن الصحيح من كلام العرب: "ما قام أحدٌ إلا أخوك"، و"ما خرج أحدٌ إلا أبوك"؟

قيل: إن ذلك فيما يكون كذلك إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس ما قبله، وذلك أن "الأخ " من جنس "أحد"، وكذلك "الأب"، ولكن لو اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله، كان الفصيح من كلامهم النصبُ، وذلك لو قلت: "ما بقي في الدار أحدٌ إلا الوتدَ"، و"ما عندنا أحدٌ إلا كلبًا أو حمارًا"، لأن "الكلب"، و"الوتد"، و"الحمار"، من غير جنس "أحد"، ومنه قول النابغة الذبياني:

عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ

ثم قال:

إِلا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيَّنُها ... وَالنُّؤْي كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الجَلَدِ [[سلف الشعر وشرحه ٩: ٢٠٣، تعليق: ٣، ٤، والمراجع هناك.]]

فنصب "الأواري" إذ كان مستثنى من غير جنسه. فكذلك نصب ﴿قوم يونس﴾ ، لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم، ومن غير جنسهم وشكلهم، وإن كانوا من بني آدم. وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية الاستثناء المنقطع، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٩، ٤٨٠، وفيه زيادة بيان.]] ولو كان ﴿قوم يونس﴾ بعض "الأمة" الذين استثنوا منهم، كان الكلام رفعًا، ولكنهم كما وصفت.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٨٩٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها﴾ ، يقول: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نزل بها بأس الله، إلا قرية يونس.

قال ابن جريج: قال مجاهد: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس.

١٧٨٩٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾ ، يقول: لم يكن هذا في الأمم قبلهم لم ينفع قريةً كفرت ثم آمنت حين حضرها العذابُ، فتُرِكت، إلا قوم يونس، لما فقدوا نبيَّهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، [وفرقوا] بين كل بهيمة وولدها، [[في المطبوعة: " وألهوا بين كل بهيمة. . . "، ولا معنى له، وفي المخطوطة: " وألفوا " غير منقوطة، وقد أعياني أن أجد لقراءتها وجهًا ارتضيه، فوضعت (وفرقوا) بين قوسين، لأن هذه الكلمة بهذا المعنى ولا شك، كما يتبين من الآثار التالية، ومن رواية هذا الأثر عن قتادة في الدر المنثور ٣: ٣١٧ وفيه مكان هذه الكلمة المبهمة: " وفرقوا " كالتي أثبت بين القوسين.]] ثم عجُّوا إلى الله أربعين ليلةً. فلما عرف الله الصِّدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلَّى عليهم. قال: وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى أرضِ الموصل.

١٧٨٩٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إلا قوم يونس﴾ ، قال: بلغنا أنهم خرجوا فنزلوا على تل، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، يدعون الله أربعين ليلة، حتى تاب عليهم.

١٧٩٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: غشَّى قوم يونس العذابُ، كما يغشِّي الثوبُ القبرَ. [[معنى هذا: كما يغشي القبر بالثوب، إذا أدخل فيه صاحبه، كما جاء في رواية هذا الأثر في الدر المنثور ٣: ٣١٨، باللفظ الذي ذكرته. وانظر ما سيأتي رقم: ١٧٩٠٥.]]

١٧٩٠١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس: إن العذاب كان هبط على قوم يونس، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دَعَوْا كشف الله عنهم.

١٧٩٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد = وإسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا﴾ ، قال: كما نفع قوم يونس. زاد أبو حذيفة في حديثه، قال: لم تكن قرية آمنت حين رأت العذاب فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس متعناهم.

١٧٩٠٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال، حدثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره، في إمارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، [[قوله: " قرأ القرآن في صدره "، أي جمعه، فحفظه جميعًا.]] فحدّث عن قوم يونس حين أنذر قومه فكذّبوه، فأخبرهم أن العذاب يصيبهم، وفارقهم. [[في المطبوعة: " ففارقهم " بالفاء، والصواب من المخطوطة.]] فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب، [لكنهم] خرجوا من مساكنهم، [[في المطبوعة: " لكنهم "، ولا معنى لها، وفي المخطوطة: " لكنهم " غير منقوطة، ولست أدري ما صوابها، والمشكل أنه جاء مثلها فيما يلي، واستعصت علي قراءتها في الموضعين - فوضعتها بين القوسين في الموضوعين.]]

وصعدوا في مكان رفيع، وأنهم جأروا إلى ربهم ودعوه مخلصين له الدين: أن يكشف عنهم العذاب، وأن يرجعَ إليهم رسولهم. قال: ففي ذلك أنزل: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾ ، فلم تكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها، إلا قوم يونس خاصة. فلما رأى ذلك يونس، [لكنه] ذهب عاتبًا على ربه، [[انظر التعليق السالف.]] وانطلق مغاضبًا وظنّ أن لن يُقدرَ عليه، حتى ركب في سفينة، فأصاب أهلَها عاصفُ الريح = فذكر قصة يونس وخبره.

١٧٩٠٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال: " لما رأوا العذاب ينزل، فرَّقوا بين كل أنثى وولدها من الناس والأنعام، ثم قاموا جميعًا فدعوا الله، وأخلصوا إيمانهم، فرأوا العذاب يكشف عنهم. قال يونس حين كشف عنهم العذاب: أرجع إليهم وقد كذَبْتُهم! وكان يونس قد وعدهم العذاب بصبح ثالثةٍ، فعند ذلك خرج مغضبًا وساء ظنُّه. [[انظر تفسير " ساء ظنه " فيما سلف ٣: ٥٨٥، تعليق: ١ / ١٣: ٩٥، تعليق: ٤.]]

١٧٩٠٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: لما أرسل يونس إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه. قال: فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبِّحهم، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبًا، فانظروا، فإن بات فيكم فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم. فلما كان في جوف الليل أخذ عُلاثَةً فتزوّد منها شيئًا، [[في المطبوعة: " أخذ مخلاته فتزود فيها شيئًا "، خالف رسم المخطوطة، وفيها رسم ما أثبته غير منقوط. و " العلاثة " (بضم العين) : الأقط المخلوط بالسمن.]] ثم خرج، فلما أصبحوا تغشَّاهم العذاب، كما يتغشَّى الإنسان الثوبَ في القبر، ففرقوا بين الإنسان وولده، وبين البهيمة وولدها، ثم عجُّوا إلى الله فقالوا: آمنا بما جاء به يونس وصدّقنا! فكشف الله عنهم العذاب، فخرج يونس ينظر العذاب فلم ير شيئًا، قال: جَرَّبوا عليّ كذبًا! فذهب مغاضبًا لربه حتى أتى البحر.

١٧٩٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال، حدثنا ابن مسعود في بيت المال، قال: إن يونس عليه السلام كان قد وعد قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرَّقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه. فكف الله عنهم العذاب، وغدا يونس ينظر العذاب فلم ير شيئًا، وكان من كذب ولم تكن له بيِّنةٌ قُتِل، فانطلق مغاضبًا.

١٧٩٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا صالح المرى، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد جيلان قال: لما غشّى قوم يونس العذاب، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له: إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال: قولوا: "يا حيُّ حين لا حيَّ، ويا حي محييَ الموتى، ويا حيُّ لا إله إلا أنت"! فكشف عنهم العذاب، ومُتِّعوا إلى حين. [[الأثر: ١٧٩٠٧ - " أبو الجلد "، هو " جيلان بن أبي فروة الأسدي "، مضى برقم ٤٣٤، ٧٢٣، ١٩١٣.]]

١٧٩٠٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: بلغني في حرف ابن مسعود: "فلولا"، يقول ﴿فَهَلا﴾ .

* *

وقوله: ﴿لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا﴾ ، يقول: لما صدّقوا رسولهم، وأقروا بما جاءهم به بعد ما أظلّهم العذاب وغشيهم أمْرُ الله ونزل بهم البلاء، كشفنا عنهم عَذَاب الهوان والذلّ في حياتهم الدنيا [[انظر تفسير " الخزي " فيما سلف ١٤: ٣٣٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿ومتعناهم إلى حين﴾ ، يقول: وأخَّرنا في آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبة، وتركناهم في الدنيا يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم، ووقت فناء أعمارهم التي قَضَيْتُ فَنَاءها. [[انظر تفسير " المتاع " فيما سلف من فهارس اللغة (متع) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكر لنبيه: ﴿ولو شاء﴾ ، يا محمد = ﴿ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا﴾ ، بك، فصدَّقوك أنك لي رسول، وأن ما جئتهم به وما تدعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبودة له، حقٌّ، ولكن لا يشاء ذلك، لأنه قد سبق من قضاء الله قبل أن يبعثك رسولا أنه لا يؤمن بك، ولا يتّبعك فيصدقوك بما بعثك الله به من الهدى والنور، إلا من سبقت له السعادةُ في الكتاب الأوّل قبل أن تخلق السموات والأرض وما فيهن، وهؤلاء الذين عجبوا من صِدْق إيحائنا إليك هذا القرآن لتنذر به من أمرتك بإنذاره، ممَّن قد سبق له عندي أنهم لا يؤمنون بك في الكتاب السابق.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٩٠٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا﴾ ، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، [سورة يونس: ١٠٠] ، ونحو هذا في القرآن، فإن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميعُ الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأَوّل [[في المطبوعة: " لا يؤمن من قومه "، زاد ما ليس في المخطوطة، فحذفته.]] ولا يضلّ إلا من سبق له من الله الشقاء في الذّكر الأول.

* *

فإن قال قائل: فما وجه قوله: ﴿لآمن من في الأرض كلهم جميعًا﴾ ، فـ "الكل" يدل على "الجميع"، و"الجميع" على "الكل"، فما وجه تكرار ذلك، وكل واحدة منهما تغني عن الأخرى؟

قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك:

فقال بعض نحويي أهل البصرة: جاء بقوله "جميعًا" في هذا الموضع توكيدًا، كما قال: ﴿لا تتخذوا إلهين اثنين﴾ ، [سورة النحل: ٥١] ، ففي قوله: "إلهين" دليل على "الاثنين".

وقال غيره: جاء بقوله "جميعًا" بعد "كلهم"، لأن "جميعًا" لا تقع إلا توكيدًا، و"كلهم" يقع توكيدًا واسمًا، فلذلك جاء ب "جميعًا" بعد "كلهم". قال: ولو قيل إنه جمع بينهما ليعلم أن معناهما واحد، لجاز ههنا. قال: وكذلك: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ، العدد كله يفسر به، فيقال: "رأيت قومًا أربعة"، فلما جاء "باثنين"، وقد اكتفى بالعدد منه، لأنهم يقولون: "عندي درهم ودرهمان"، فيكفي من قولهم: "عندي درهم واحد، ودرهمان اثنان"، فإذا قالوا: "دراهم" قالوا: "ثلاثة"، لأن الجمع يلتبس، و"الواحد" و"الاثنان" لا يلتبسان، ثم بُنِي الواحد والتثنية على بناء [ما] في الجميع، [[في المطبوعة: " لم يثن الواحدة والتثنية على تنافي الجمع "، وهو لا معنى له. وفي المخطوطة: " ثم بنى الواحد والتثنية على تنافي الجمع "، هكذا غير منقوطة، واستظهرت قراءتها كما أثبتها، بزيادة " ما " بين " بناء "، و" في الجميع ". ومع ذلك فبقى في بيان معنى هذا الكلام، شيء في نفسي، أخشى أن يكون سقط منه شيء، فإنه غير واضح عندي.]] لأنه ينبغي أن يكون مع كل واحدٍ واحدٌ، لأن "درهمًا" يدل على الجنس الذي هو منه، و"واحد" يدل على كل الأجناس. وكذلك "اثنان" يدلان على كل الأجناس، و"درهمان"، يدلان على أنفسهما، فلذلك جاء بالأعداد، لأنه الأصل.

* *

وقوله: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ ، يقولُ جل ثناؤه لنبيّه محمد ﷺ: إنه لن يصدقك يا محمد، ولن يتبعك ويقرّ بما جئت به إلا من شاء ربك أن يصدّقك، لا بإكراهك إياه، ولا بحرصك على ذلك = ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ لك، مصدقين على ما جئتهم به من عند ربك؟ يقول له جل ثناؤه: فاصدَعْ بما تؤْمر، وأعرض عن المشركين الذين حقَّت عليهم كلمة ربّك أنَّهم لا يؤمنون.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وما كان لنفس خلقتُها من سبيل إلى تصديقك، يا محمد، إلا بأن آذن لها في ذلك، [[انظر تفسير " الإذن " فيما سلف ص: ١٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] فلا تجهدنّ نفسك في طلب هداها، وبلِّغها وعيدَ الله، وعرِّفها ما أمرك ربك بتعريفها، ثم خلِّها، فإن هداها بيد خالقها.

* *

وكان الثوري يقول في تأويل قوله: ﴿إلا بإذن الله﴾ ، ما:-

١٧٩١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان في قوله: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾ ، قال: بقضاء الله.

* *

وأما قوله: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ ، فإنه يقول تعالى ذكره: إن الله يهدي من يشاء من خلقه للإيمان بك يا محمد، ويأذن له في تصديقك فيصدقك ويتبعك، ويقرّ بما جئت به من عند ربك = ﴿ويجعل الرجس﴾ ، وهو العذابُ، وغضب الله [[انظر تفسير " الرجس " فيما سلف ١٤: ٥٧٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ﴿على الذين لا يعقلون﴾ ، يعني الذين لا يعقلون عن الله حججه ومواعظه وآياته التي دلّ بها جل ثناؤه على نبوّة محمد ﷺ، وحقيقة ما دعاهم إليه من توحيد الله، وخَلْع الأنداد والأوثان.

١٧٩١١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ويجعل الرجس﴾ ، قال: السَّخَط.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك، السائليك الآياتِ على صحّة ما تدعوهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان: انظروا، أيها القوم، ماذا في السمواتِ من الآيات الدّالة على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله، من شمسها وقمرها، واختلافِ ليلها ونهارِها، ونزول الغيث بأرزاق العبادِ من سحابها = وفي الأرض من جبالها، وتصدُّعها بنباتها، وأقوات أهلها، وسائر صنوف عجائبها، فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبَّرتم موعظة ومعتبرًا، ودلالةً على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك، ولا له على تدبيره وحفظه ظهير يُغْنيكم عما سواه من الآيات.

يقول الله جل ثناؤه: ﴿وما تُغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ ، يقول جل ثناؤه: وما تغني الحجج والعبر والرسل المنذرة عبادة الله عقابه، [[انظر تفسير " أغنى " فيما سلف ص: ٨٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء، وقضى لهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار، لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا يصدِّقون به. ﴿ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ ؟ [[انظر تفسير " النذير " فيما سلف ١٠: ٨٥.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، محذِّرًا مشركي قومه من حلول عاجل نقمه بساحتهم نحوَ الذي حلَّ بنظرائهم من قبلهم من سائر الأمم الخالية من قبلهم، السالكة في تكذيب رسل الله وجحود توحيد ربِّهم سبيلَهم: فهل ينتظر، يا محمد، هؤلاء المشركون من قومك المكذِّبون بما جئتهم به من عند الله، إلا يومًا يعاينون فيه من عذاب الله مثل أيام أسلافهم الذي كانوا على مثل الذي هم عليه من الشرك والتكذيب، الذين مضوا قبلهم فخَلَوْا من قوم نوح وعاد وثمود؟ قل لهم، يا محمد، إن كانوا ذلك ينتظرون: فانتظروا عقابَ الله إياكم، ونزول سخطه بكم، إني من المنتظرين هلاككم وبوارَكم بالعقوبة التي تحلُّ بكم من الله.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٩١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده، قوله: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ ، يقول: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح وعادٍ وثمود.

١٧٩١٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين﴾ ، قال: خوَّفهم عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمرٌ أنجى الله رسله والذين آمنوا معه، فقال الله: ﴿ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقًّا علينا ننجي المؤمنين﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك: انتظروا مثل أيام الذين خلوا من قبلكم من الأمم السالفة الذين هلكوا بعذاب الله، فإن ذلك إذا جاء لم يهلك به سواهم، ومن كان على مثل الذي هم عليه من تكذيبك، ثم ننجّي هناك رسولَنَا محمدًا ﷺ ومن آمن به وصدّقه واتبعه على دينه، كما فعلنا قبل ذلك برُسلنا الذين أهلكنا أممهم، فأنجيناهم ومن آمن به معهم من عذابنا حين حقّ على أممهم = ﴿كذلك حقا علينا ننج المؤمنين﴾ ، يقول: كما فعلنا بالماضين من رسلنا فأنجيناها والمؤمنين معها وأهلكنا أممها، كذلك نفعل بك، يا محمد، وبالمؤمنين، فننجيك وننجي المؤمنين بك، حقًّا علينا غير شك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك الذين عجبوا أن أوحيت إليك: إن كنتم في شك، أيها الناس، من ديني الذي أدعوكم إليه، فلم تعلموا أنه حقّ من عند الله: فإني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عني شيئًا، فتشكُّوا في صحته.

وهذا تعريض ولحنٌ من الكلام لطيفٌ. [[" اللحن "، التعريض والإماء دون التصريح، وذلك بأن تعدل الكلام عن جهته، فيكون أجود له وأشد إثارة لفطنة سامعه.]]

وإنما معنى الكلام: إن كنتم في شك من ديني، فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه، وإنما ينبغي لكم أن تشكوا في الذي أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا تعقل شيئًا ولا تضر ولا تنفع. فأما ديني فلا ينبغي لكم أن تشكُّوا فيه، لأني أعبد الله الذي يقبض الخلق فيميتهم إذ شاء، وينفعهم ويضرُّهم إن شاء. [[في المطبوعة والمخطوطة: " وينفعهم ويضر من يشاء "، وكأنه سهو من الناسخ، فإن السياق يقتضي ما أثبت.]] وذلك أن عبادة من كان كذلك لا يستنكرها ذو فطرة صحيحة. وأما عبادة الأوثان فينكرها كل ذي لبٍّ وعقلٍ صحيح.

* *

وقوله: ﴿ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم﴾ ، يقول: ولكن أعبد الله الذي يقبض أرواحكم فيميتكم عند آجالكم [[انظر تفسير " التوفي " فيما سلف ص: ٩٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وأمرت أن أكون من المؤمنين﴾ ، يقول: وهو الذي أمرني أن أكون من المصدّقين بما جاءني من عنده.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "وأمرت أن أكون من المؤمنين"، و"أن أقم " و"أن" الثانية عطفٌ على "أن" الأولى.

ويعني بقوله: ﴿أقم وجهك للدين﴾ ، أقم نفسك على دين الإسلام، [[انظر تفسير " الوجه " فيما سلف ٢: ٥١٠ - ٥١٢، ٥٢٦ - ٥٤٦ / ١٠: ٢٣، وما بعدها.]] ﴿حنيفًا﴾ مستقيمًا عليه، غير معوَجّ عنه إلى يهوديةٍ ولا نصرانيةٍ، ولا عبادة وثن [[انظر تفسير " الحنيف " فيما سلف ١٢: ٢٨٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ ، يقول: ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه الآلهةَ والأندادَ، فتكون من الهالكين.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تدع، يا محمد، من دون معبودك وخالقك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام. يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفًا ضرَّها، فإنها لا تنفع ولا تضر = "فإن فعلت"، ذلك، فدعوتها من دون الله = ﴿فإنك إذًا من الظالمين﴾ ، يقول: من المشركين بالله، الظالمي أنفُسِهم. [[في المطبوعة والمخطوطة: " الظالم لنفسه "، والسياق لا يليق به هذا، وظني أنه سهو من الناسخ، فلذلك أبدلت به ما أثبت.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "وأمرت أن أكون من المؤمنين"، و"أن أقم " و"أن" الثانية عطفٌ على "أن" الأولى.

ويعني بقوله: ﴿أقم وجهك للدين﴾ ، أقم نفسك على دين الإسلام، [[انظر تفسير " الوجه " فيما سلف ٢: ٥١٠ - ٥١٢، ٥٢٦ - ٥٤٦ / ١٠: ٢٣، وما بعدها.]] ﴿حنيفًا﴾ مستقيمًا عليه، غير معوَجّ عنه إلى يهوديةٍ ولا نصرانيةٍ، ولا عبادة وثن [[انظر تفسير " الحنيف " فيما سلف ١٢: ٢٨٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ ، يقول: ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه الآلهةَ والأندادَ، فتكون من الهالكين.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تدع، يا محمد، من دون معبودك وخالقك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام. يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفًا ضرَّها، فإنها لا تنفع ولا تضر = "فإن فعلت"، ذلك، فدعوتها من دون الله = ﴿فإنك إذًا من الظالمين﴾ ، يقول: من المشركين بالله، الظالمي أنفُسِهم. [[في المطبوعة والمخطوطة: " الظالم لنفسه "، والسياق لا يليق به هذا، وظني أنه سهو من الناسخ، فلذلك أبدلت به ما أثبت.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يصبك الله، يا محمد، بشدة أو بلاء، [[انظر تفسير " المس " فيما سلف ص: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.

وتفسير " الضر " فيما سلف من فهارس اللغة (ضرر) .]] فلا كاشف لذلك إلا ربّك الذي أصابك به، دون ما يعبده هؤلاء المشركون من الآلهة والأنداد [[انظر تفسير " الكشف " فيما سلف ١١: ٣٥٤ / ١٣: ٧٣ / ١٥: ٣٦، ٢٠٥.]] = ﴿وإن يردك بخير﴾ ، يقول: وإن يردك ربك برخاء أو نعمة وعافية وسرور [[انظر تفسير " الخير " فيما سلف من فهارس اللغة (خير) .]] = ﴿فلا رادّ لفضله﴾ ، يقول: فلا يقدر أحدٌ إن يحول بينك وبين ذلك، ولا يردّك عنه ولا يحرمكه؛ لأنه الذي بيده السّرّاء والضرّاء، دون الآلهة والأوثان، ودون ما سواه = ﴿يصيب به من يشاء﴾ ، يقول: يصيب ربك، يا محمد بالرخاء والبلاء والسراء والضراء، من يشاء ويريد [[انظر تفسير " الإصابة " فيما سلف من فهارس اللغة (صوب) .]] ﴿من عباده وهو الغفور﴾ ، لذنوب من تاب وأناب من عباده من كفره وشركه إلى الإيمان به وطاعته = ﴿الرحيم﴾ بمن آمن به منهم وأطاعه، أن يعذبه بعد التوبة والإنابة. [[انظر تفسير " الغفور " و " الرحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ ، يا محمد، للناس: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم﴾ ، يعني: كتاب الله، فيه بيان كل ما بالناس إليه حاجة من أمر دينهم = ﴿فمن اهتدى﴾ ، يقول: فمن استقام فسلك سبيل الحق، وصدّق بما جاء من عند الله من البيان = ﴿فإنما يهتدي لنفسه﴾ ، يقول: فإنما يستقيم على الهدى، ويسلك قصد السبيل لنفسه، فإياها يبغي الخيرَ بفعله ذلك لا غيرها [[انظر تفسير " الاهتداء " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .]] = ﴿ومن ضل﴾ ، يقول: ومن اعوج عن الحق الذي أتاه من عند الله، وخالف دينَه، وما بعث به محمدًا والكتابَ الذي أنزله عليه = ﴿فإنما يضل عليها﴾ ، يقول: فإن ضلاله ذلك إنما يجني به على نفسه لا على غيرها، لأنه لا يؤخذ بذلك غيرها، ولا يورد بضلاله ذلك المهالكَ سوى نفسه. ولا تزر وازرة وزر أخرى [[انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة (ظلل) .]] = ﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ ، يقول: وما أنا عليكم بمسلَّط على تقويمكم، إنما أمركم إلى الله، وهو الذي يقوّم من شاء منكم، وإنما أنا رسول مبلّغ أبلغكم ما أرسلتُ به إليكم. [[انظر تفسير " وكيل " فيما سلف ١٢: ٣٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتبع، يا محمد وحي الله الذي يوحيه إليك، وتنزيله الذي ينزله عليك، فاعمل به، واصبر على ما أصابك في الله من مشركي قومك من الأذى والمكاره، وعلى ما نالك منهم، حتى يقضي الله فيهم وفيك أمره بفعلٍ فاصلٍ = ﴿وهو خير الحاكمين﴾ ، يقول: وهو خير القاضين وأعدل الفاصلين. [[انظر تفسير " الحكم " فيما سلف ١٢: ٥٦١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فحكم جل ثناؤه بينه وبينهم يوم بَدْرٍ،، وقتلهم بالسيف، وأمر نبيه ﷺ فيمن بقي منهم أن يسلك بهم سبيل من أهلك منهم، أو يتوبوا ويُنيبوا إلى طاعته، كما:-

١٧٩١٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وما أنت عليهم بوكيل واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾ ، قال: هذا منسوخ = ﴿حتى يحكم الله﴾ ، حكم الله بجهادهم، وأمره بالغلظة عليهم. [[عند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم، وفي مخطوطتنا بعد هذا ما نصه:

" آخر تفسير سورة يونس عليه السلام والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله.

يتلوه تفسير السورة التي يذكر فيها هود ".

يتلوه:

" بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسِّرْ "]] آخر تفسير سورة يونس

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com