Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Yunus
Tafsir al-Tabari · Jonas · 109 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الر﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.
فقال بعضهم تأويله: أنا الله أرى.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥١٨- حدثنا يحيى بن داود بن ميمون الواسطي قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله: ﴿الر﴾ ، أنا الله أرى. [[الأثر: ١٧٥١٨ - " يحيى بن داود بن ميمون الواسطي "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٤٤٥١، ١١٥٤٥.]]
١٧٥١٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قوله: ﴿الر﴾ ، قال: أنا الله أرى.
* *
وقال آخرون: هي حروف من اسم الله الذي هو "الرحمن".
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٢٠- حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا علي بن الحسين قال حدثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿نون﴾ حروف "الرَّحمن" مقطعةً.
١٧٥٢١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عيسى بن عبيد عن الحسين بن عثمان قال: ذكر سالم بن عبد الله: ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿نون﴾ ، فقال: اسم "الرحمن" مقطع = ثم قال: "الرحمن".
١٧٥٢٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا مندل عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿نون﴾ ، هو اسم "الرحمن".
١٧٥٢٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن عامر: أنه سئل عن: ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿ص﴾ ، قال: هي أسماء من أسماء الله مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسمًا من أسماء الله تعالى.
* *
وقال آخرون: هي اسم من أسماء القرآن.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٢٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿الر﴾ ، اسم من أسماء القرآن.
* *
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا اختلاف الناس، وما إليه ذهب كل قائل في الذي قال فيه وما الصواب لدينا من القول في ذلك في نظيره، وذلك في أول "سورة البقرة"، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٢٠٥ - ٢٢٤.]]
وإنما ذكرنا في هذا الموضع القدرَ الذي ذكرنا، لمخالفة من ذكرنا قوله في هذا، قوله في ﴿الم﴾ ، فأما الذين وفَّقوا بيْن معاني جميع ذلك، فقد ذكرنا قولهم هناك، مكتفًي عن الإعادة ههنا. [[في المطبوعة: " ومكتفيًا "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]]
* *
القول في تأويل قوله ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: تلك آيات التوراة.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٢٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجاهد: ﴿تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ ، قال: التوراة والإنجيل.
١٧٥٢٦-. . . . قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: ﴿تلك آيات الكتاب﴾ ، قال: الكُتُب التي كانت قبل القرآن.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آيات القرآن.
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوّله: "هذه آيات القرآن"، ووجّه معنى ﴿تلك﴾ إلى معنى "هذه"، وقد بينا وجه توجيه ﴿تلك﴾ إلى هذا المعنى في "سورة البقرة"، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ١: ٢٢٥ - ٢٢٨.]]
* *
و ﴿الآيات﴾ ، الأعلام= و ﴿الكتاب﴾ ، اسم من أسماء القرآن، وقد بينا كل ذلك فيما مضى قبل. [[انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أي) .
وتفسير " الكتاب " فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .]]
* *
وإنما قلنا: هذا التأويل أولى في ذلك بالصواب، لأنه لم يجيء للْتوراة والإنجيل قبلُ ذكرٌ ولا تلاوةٌ بعدُ، فيوجه إليه الخبر.
فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: والرحمن، هذه آيات القرآن الحكيم.
* *
ومعنى ﴿الحكيم﴾ ، في هذا الموضع، "المحكم"، صرف "مُفْعَل" إلى "فعيل"، كما قيل: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، بمعنى مؤلم، [[انظر تفسير " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .]] وكما قال الشاعر: [[هو عمرو بن معديكرب الزبيدي.]]
أمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ* [[مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ١: ٢٨٣.]]
وقد بينا ذلك في غير موضع من الكتاب. [[انظر ما سلف ١: ٢٨٣، ٢٨٤، وغيره من المواضع في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها.]]
فمعناه إذًا: تلك آيات الكتاب المحكم، الذي أحكمه الله وبينه لعباده، كما قال جل ثناؤه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [سورة هود: ١]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أكان عجبًا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقابَ الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أنَّ الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فتعجَّبوا من وحينا إليه. [[انظر تفسير " الوحي " و " الإنذار " فيما سلف من فهارس اللغة (وحي) ، (نذر) .]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدًا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد! فأنزل الله تعالى: ﴿أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم﴾ ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا﴾ [سورة يوسف: ١٠٩] .
١٧٥٢٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: عجبت قريش أن بُعث رجل منهم. قال: ومثل ذلك: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [سورة الأعراف: ٦٥] ، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ، [سورة الأعراف: ٧٣] ، قال الله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ ، [سورة الأعراف: ٦٩] .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: أما كان عجبًا للناس أن أوحينا إلى رجل منهم: أن أنذر الناس، وأن بشر الذين آمنوا بالله ورسوله: ﴿أن لهم قدم صدق﴾ ، عطفٌ على ﴿أنذر﴾ .
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿قدم صدق﴾ ، فقال بعضهم: معناه: أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: ثواب صِدق.
١٧٥٣٠-. . . . قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: الأعمال الصالحة.
١٧٥٣١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، يقول: أجرًا حسنًا بما قدَّموا من أعمالهم.
١٧٥٣٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن حبان، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن مجاهد: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: صلاتهم وصومهم، وصدقتُهم، وتسبيحُهم. [[الأثر: ١٧٥٣٢ - " زيد بن حباب التميمي "، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١١٤٩٠. وكان في المطبوعة: " يزيد بن حبان "، لم يحسن قراءة المخطوطة، فتصرف أسوأ التصرف.
و" إبراهيم بن يزيد الخوزي "، ضعيف، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٣١٣.
و" الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث "، ثقة، مضى برقم: ١٦٢٥٩، ١٧٣١٣.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: " الوليد بن عبد الله، عن أبي مغيث "، وهو خطأ محض.]]
١٧٥٣٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قدم صدق﴾ ، قال: خير.
١٧٥٣٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قدم صدق﴾ ، مثله.
١٧٥٣٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٧٥٣٦-. . . . قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: ﴿قدم صدق﴾ ، ثواب صدق = ﴿عند ربهم﴾ .
١٧٥٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
١٧٥٣٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق﴾ ، قال: "القدم الصدق"، ثواب الصّدق بما قدّموا من الأعمال.
* *
وقال آخرون: معناه: أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٣٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، يقول: سبقت لهم السعادة في الذِّكر الأَوّل.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك أنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم شفيع لهم، قَدَمَ صدق.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة = أو الحسن =: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: محمدٌ شفيعٌ لهم. [[الأثر: ١٧٥٤٠ - " فضيل بن عمرو بن الجون "، لم أجد له ترجمة. ولا أدري أهو " فضيل بن عمرو الفقيمي "، أو غيره! .]]
١٧٥٤١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ : أي سلَفَ صدقٍ عند ربهم.
١٧٥٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: محمدٌ ﷺ.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثوابَ.
* *
وذلك أنه محكيٌّ عن العرب: "هؤلاء أهْلُ القَدَم في الإسلام" أي هؤلاء الذين قدَّموا فيه خيرًا، فكان لهم فيه تقديم. ويقال: "له عندي قدم صِدْق، وقدم سوء"، وذلك ما قدَّم إليه من خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت:
لَنَا القَدَمُ العُلْيَا إِلَيْكَ وَحَلْفُنَا ... لأَوّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تَابِعُ [[مضى البيت وتخريجه فيما سلف ١٣: ٢٠٩، وروايته هناك: " لنا القدم الأولى ".]]
وقول ذي الرمة:
لَكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَا ... مَعَ الحَسَبِ العَادِيِّ طَمَّتْ عَلَى البَحْرِ [[ديوانه ٢٧٢، من قصيدته في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، يقول بعده: خِلاَلَ النَّبِيِّ المُصْطَفَى عِنْدَ رَبِّهِ ... وَعُثْمَانَ وَالفَارُوقِ بَعْدَ أَبِي بَكْرِ
ورواية ديوانه: " طمت على الفخر ".]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وبشر الذين آمنوا أنّ لهم تقدِمة خير من الأعمال الصالحة عند ربِّهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ، بمعنى: إن هذا الذي جئتنا به= يعنون القرآن= لسحر مبين.
* *
وقرأ ذلك مسروق، وسعيد بن جبير، وجماعة من قراء الكوفيين: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ .
* *
وقد بينت فيما مضى من نظائر ذلك: أن كل موصوف بصفةٍ، يدل الموصوف على صفته، وصفته عليه. [[في المطبوعة: " نزل الموصوف "، وفي المخطوطة: " ترك "، وصواب قراءتها ما أثبت.]]
والقارئ مخيَّرٌ في القراءة في ذلك، وذلك نظير هذا الحرف: ﴿قال الكافرون إن هذا لسحر مبين﴾ ، و "لساحر مبين". [[انظر ما سلف ١١: ٢١٦، ٢١٧.]]
وذلك أنهم إنما وصفوه بأنه "ساحر"، ووصفهم ما جاءهم به أنه "سحر" يدل على أنهم قد وصفوه بالسحر. وإذْ كان ذلك كذلك، فسواءٌ بأيِّ ذلك قرأ القارئ، لاتفاق معنى القراءتين.
* *
وفي الكلام محذوف، استغني بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره، وهو: "فلما بشرهم وأنذرهم وتلا عليهم الوحي"= قال الكافرون: إن هذا الذي جاءنا به لسحرٌ مبين.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم: أن أنذر الناس، وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم؟ فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون توحيد الله ورسالة رسوله: إن هذا الذي جاءنا به محمدٌ لسحر مبين أي: يبين لكم عنه أنه مبطِلٌ فيما يدعيه. [[انظر تفسير " السحر " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (سحر) ، (بين) .]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربكم الذي له عبادة كل شيء، ولا تنبغي العبادة إلا له، هو الذي خلق السموات السبع والأرضين السبع في ستة أيام، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهيرٍ، ثم استوى على عرشه مدبرًا للأمور، وقاضيًا في خلقه ما أحبّ، لا يضادُّه في قضائه أحدٌ، ولا يتعقب تدبيره مُتَعَقِّبٌ، ولا يدخل أموره خلل. [[انظر تفسير " الاستواء " فيما سلف ١: ٤٢٨ - ٤٣١ / ١٢: ٤٨٣ = وتفسير " العرش " فيما سلف ١٢: ٤٨٢ / ١٤: ٥٨٧.]] = ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ ، يقول: لا يشفع عنده شافع يوم القيامة في أحد، إلا من بعد أن يأذن في الشفاعة [[انظر تفسير " الشفاعة " فيما سلف ١٢: ٤٨١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير " الإذن " فيما سلف ١٤: ١١٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] " = ﴿ذلكم الله ربكم﴾ ، يقول جل جلاله: هذا الذي هذه صفته، سيِّدكم ومولاكم، لا من لا يسمع ولا يبصر ولا يدبِّر ولا يقضي من الآلهة والأوثان = ﴿فاعبدوه﴾ ، يقول: فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته، وأخلصوا له العبادة، وأفردوا له الألوهية والربوبية، بالذلة منكم له، دون أوثانكم وسائر ما تشركون معه في العبادة = ﴿أفلا تذكرون﴾ ، يقول: أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الآيات والحجج، [[انظر تفسير " التذكر " فيما سلف ١٢: ٤٩٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فتنيبون إلى الإذعان بتوحيدِ ربكم وإفراده بالعبادة، وتخلعون الأنداد وتبرؤون منها؟
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٤٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يدبر الأمر﴾ ، قال: يقضيه وحدَه.
١٧٥٤٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ﴿يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ ، قال: يقضيه وحده.
١٧٥٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يدبر الأمر﴾ قال: يقضيه وحده.
١٧٥٤٦-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٥٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إلى ربكم الذي صفته ما وصَفَ جل ثناؤه في الآية قبل هذه، معادُكم، أيها الناس، يوم القيامة جميعًا. [[انظر تفسير " المرجع " فيما سلف ١٢: ٢٨٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ﴿وعد الله حقا﴾ = فأخرج ﴿وعد الله﴾ مصدَّرًا من قوله: ﴿إليه مرجعكم﴾ ، لأنه فيه معنى "الوعد"، ومعناه: يعدكم الله أن يحييكم بعد مماتكم وعدًا حقًّا، فلذلك نصب ﴿وعد الله حقا﴾ = ﴿إنه يبدأ لخلق ثم يعيده﴾ يقول تعالى ذكره: إن ربكم يبدأ إنشاء الخلق وإحداثه وإيجاده = ﴿ثم يعيده﴾ ، يقول: ثم يعيده فيوجده حيًّا كهيئته يوم ابتدأه، بعد فنائه وبَلائِه. [[انظر تفسير " البدء " و " العود " فيما سلف ١٢: ٣٨٢ - ٣٨٨.]] كما:-
١٧٥٤٨- حدثني محمد بن عمرو، قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ ، قال: يحييه ثم يميته= قال أبو جعفر: وأحسبه أنا قال: "ثم يحييه".
١٧٥٤٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: ﴿يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ ، قال: يحييه ثم يميته، ثم يحييه.
١٧٥٥٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إنه يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ ،: يحييه، ثم يميته، ثم يبدؤه، ثم يحييه.
١٧٥٥١-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
* *
وقرأت قراء الأمصار ذلك: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ، بكسر الألف من ﴿إنه﴾ ، على الاستئناف.
* *
وذكر عن أبي جعفر الرازي أنه قرأه ﴿أَنَّهُ﴾ بفتح الألف من ﴿أنه﴾ .
* *
= كأنه أراد: حقًّا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، ف "أنّ" حينئذ تكون رفعًا، كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
أحَقًّا عِبَادَ اللهِ أَنْ لَسْتُ زَائِرًا ... رُبَى جَنَّة إِلا عَلَيَّ رَقِيبُ [[في المطبوعة: " أبا حبة إلا على رقيب "، وهو تحريف لما في المخطوطة، وهو فيها هكذا، غير منقوط: " رباحه "، وصواب قراءته ما أثبت.]]
* *
وقوله: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط﴾ ، يقول: ثم يعيده من بعد مماته كهيئته قبل مماته عند بعثه من قبره= ﴿ليجزي الذين آمنوا﴾ ليثيب من صدّق الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به من الأعمال، واجتنبوا ما نهاهم عنه، على أعمالهم الحسنة [[انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) .]] = ﴿بالقسط﴾ يقول: ليجزيهم على الحسن من أعمالهم التي عملوها في الدنيا الحسنَ من الثواب، والصالحَ من الجزاء في الآخرة= وذلك هو "القسط"، و"القسط" العدلُ والإنصاف، [[انظر تفسير " القسط " فيما سلف ١٢: ٣٧٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما:-
١٧٥٥٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بالقسط﴾ ، بالعدل.
* *
وقوله: ﴿والذين كفروا لهم شَرَاب من حميم﴾ ، فإنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عما أعدَّ الله للذين كفروا من العذاب، وفيه معنى العطف على الأول. لأنه تعالى ذكره عمَّ بالخبر عن معادِ جميعهم، كفارهم ومؤمنيهم، إليه. ثم أخبر أن إعادتهم ليجزي كلَّ فريق بما عمل المحسنَ منهم بالإحسان، والمسيءَ بالإساءة. ولكن لما كان قد تقدم الخبر المستأنفُ عما أعدّ للذين كفروا من العذاب، ما يدلُّ سامعَ ذلك على المرادِ، ابتدأ الخبر، والمعنيُّ العطف فقال: والذين جحدوا الله ورسولَه وكذبوا بآيات الله= ﴿لهم شراب﴾ في جهنم ﴿من حميم﴾ وذلك شراب قد أُغلي واشتدّ حره، حتى إنه فيما ذكر عن النبي ﷺ ليتساقطُ من أحدهم حين يدنيه منه فروةُ رأسه، وكما وصفه جل ثناؤه: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ، [سورة الكهف: ٢٩] .
* *
وأصله: "مفعول" صرف إلى "فعيل"، وإنما هو "محموم": أي مسخّن، وكل مسخَّن عند العرب فهو حميم، [[انظر تفسير " حميم " فيما سلف ١١: ٤٤٨، ٤٤٩.]]
ومنه قول المرقش:
وَكُلُّ يَوْمٍ لَهَا مِقْطَرَةٌ ... فِيهَا كِبَاءٌ مُعَدٌّ وَحَمِيمْ [[سلف البيت وتخريجه وشرحه ١١: ٤٤٨، وروايته هناك: " في كل ممسي ".]]
يعني ب "الحميم"، الماء المسخَّن.
* *
وقوله: ﴿عذاب أليم﴾ ، يقول: ولهم مع ذلك عذاب موجع، [[انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة (ألم) .]] سوى الشراب من الحميم، بما كانوا يكفرون بالله ورسوله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض= ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء﴾ ، بالنهار= ﴿والقمر نورًا﴾ بالليل. ومعنى ذلك: هو الذي أضاء الشمسَ وأنار القمر= ﴿وقدّره منازل﴾ ، يقول: قضاه فسوّاه منازلَ، لا يجاوزها ولا يقصر دُونها، على حالٍ واحدةٍ أبدًا. [[انظر تفسير " التقدير " فيما سلف ١١: ٥٦٠.]]
* *
وقال: ﴿وقدّره منازل﴾ ، فوحّده، وقد ذكر "الشمس" و"القمر"، فإن في ذلك وجهين:
أحدهما: أن تكون "الهاء" في قوله: ﴿وقدره﴾ للقمر خاصة، لأن بالأهلة يُعرف انقضاءُ الشهور والسنين، لا بالشمس.
والآخر: أن يكون اكتفي بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال في موضع آخر: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ، [سورة التوبة: ٦٢] ، وكما قال الشاعر: [[هو ابن أحمر، أو: الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي.]]
رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيًّا، وَمِنْ جُولِ الطَّوِيِّ رَمَانِي [[معاني القرآن للفراء ١: ٤٥٨، اللسان (جول) ، وغيرهما. وكانت بينه وبين رجل حكومة في بئر، فقال خصمه: " إنه لص ابن لص "، فقال هذا الشعر، وبعده: دَعَانِي لِصًّا فِي لُصُوصٍ، ومَا دَعَا ... بِهَا وَالِدِي فِيمَا مَضَى رَجُلاَن
ورواية البيت على الصواب: " ومن أجل الطوى "، و " الطوى ": البئر. و " الجول " و " الجال " ناحية من نواحي البئر إلى أعلاها من أسفلها.]]
* *
وقوله: ﴿لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ ، يقول: وقدّر ذلك منازل = ﴿لتعلموا﴾ ، أنتم أيها الناس = ﴿عدد السنين﴾ ، دخول ما يدخل منها، أو انقضاءَ ما يستقبل منها، وحسابها= يقول: وحساب أوقات السنين، وعدد أيامها، وحساب ساعات أيامها= ﴿ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ ، يقول جل ثناؤه: لم يخلق الله الشمس والقمر ومنازلهما إلا بالحق. يقول الحق تعالى ذكره: خلقت ذلك كله بحقٍّ وحدي، بغير عون ولا شريك= ﴿يفصل الآيات﴾ يقول: يبين الحجج والأدلة [[انظر تفسير " التفصيل " فيما سلف: ١٤: ١٥٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير "الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي)]] = ﴿لقوم يعلمون﴾ ، إذا تدبروها، حقيقةَ وحدانية الله وصحةَ ما يدعوهم إليه محمد ﷺ، من خلع الأنداد، والبراءة من الأوثان.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، منبِّهًا عبادَه على موضع الدّلالة على ربوبيته، وأنه خالق كلِّ ما دونه: إن في اعتقاب الليل النهارَ، واعتقاب النهار الليلَ،. إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب هذا، [[وتفسير " اختلاف الليل والنهار " فيما سلف ٣: ٢٧٢، ٢٧٣.]] وفيما خلق الله في السموات من الشمس والقمر والنجوم، وفي الأرض من عجائب الخلق الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء= ﴿لآيات﴾ ، يقول: لأدلة وحججًا وأعلامًا واضحةً= ﴿لقوم يتقون﴾ الله، فيخافون وعيده ويخشون عقابه على إخلاص العبادة لربهم.
فإن قال قائل: أوَ لا دلالة فيما خلق الله في السموات والأرض على صانعه، إلا لمن اتقى الله؟
قيل: في ذلك الدلالة الواضحةُ على صانعه لكل من صحَّت فطرته، وبرئ من العاهات قلبه. ولم يقصد بذلك الخبرَ عن أن فيه الدلالة لمن كان قد أشعرَ نفسه تقوى الله وإنما معناه: إن في ذلك لآيات لمن اتَّقى عقاب الله، فلم يحمله هواه على خلاف ما وضحَ له من الحق، لأن ذلك يدلُّ كل ذي فطرة صحيحة على أن له مدبِّرًا يستحقّ عليه الإذعان له بالعبودة، دون ما سواه من الآلهة والأنداد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين لا يخافون لقاءَنا يوم القيامة، فهم لذلك مكذِّبون بالثواب والعقاب، متنافسون في زين الدنيا وزخارفها، راضُون بها عوضًا من الآخرة، مطمئنين إليها ساكنين [[انظر تفسير " الاطمئنان " فيما سلف ١٣: ٤١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = والذين هم عن آيات الله = وهي أدلته على وحدانيته، وحججه على عباده، في إخلاص العبادة له = ﴿غافلون﴾ ، معرضون عنها لاهون، [[انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ١٣: ٢٨١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] لا يتأملونها تأمُّل ناصح لنفسه، فيعلموا بها حقيقة ما دلَّتهم عليه، ويعرفوا بها بُطُول ما هم عليه مقيمون= ﴿أولئك مأواهم النار﴾ ، يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم = ﴿مأواهم﴾ ، مصيرها إلى النار نار جهنم في الآخرة [[انظر تفسير " المأوى " فيما سلف ١٤: ٤٢٥، تعليق: ٦، والمراجع هناك.]] = ﴿بما كانوا يكسبون﴾ ، في الدنيا من الآثام والأجْرام، ويجْترحون من السيئات. [[انظر تفسير " الكسب " فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) .]]
* *
والعرب تقول: "فلان لا يرجو فلانًا": إذا كان لا يخافه.
ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ . [سورة نوح: ١٣] ، [[انظر تفسير "الرجاء" فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) .]] ومنه قول أبي ذؤيب:
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يُرْج لَسْعَهَا ... وَخَالَفهَا فِي بَيْتِ نُوب عَوَاسِلِ [[مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٩: ١٧٤.]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٥٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واطمأنوا بها﴾ ، قال: هو مثل قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ .
١٧٥٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ ، قال: هو مثل قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [سورة هود: ١٥] .
١٧٥٥٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٧٥٥٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: قوله (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون) ، قال: إذا شئتَ رأيتَ صاحب دُنْيا، لها يفرح، ولها يحزن، ولها يسخط، ولها يرضى.
١٧٥٥٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ ، الآية كلها، قال: هؤلاء أهل الكفر. ثم قال: ﴿أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾ .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين لا يخافون لقاءَنا يوم القيامة، فهم لذلك مكذِّبون بالثواب والعقاب، متنافسون في زين الدنيا وزخارفها، راضُون بها عوضًا من الآخرة، مطمئنين إليها ساكنين [[انظر تفسير " الاطمئنان " فيما سلف ١٣: ٤١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = والذين هم عن آيات الله = وهي أدلته على وحدانيته، وحججه على عباده، في إخلاص العبادة له = ﴿غافلون﴾ ، معرضون عنها لاهون، [[انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ١٣: ٢٨١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] لا يتأملونها تأمُّل ناصح لنفسه، فيعلموا بها حقيقة ما دلَّتهم عليه، ويعرفوا بها بُطُول ما هم عليه مقيمون= ﴿أولئك مأواهم النار﴾ ، يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم = ﴿مأواهم﴾ ، مصيرها إلى النار نار جهنم في الآخرة [[انظر تفسير " المأوى " فيما سلف ١٤: ٤٢٥، تعليق: ٦، والمراجع هناك.]] = ﴿بما كانوا يكسبون﴾ ، في الدنيا من الآثام والأجْرام، ويجْترحون من السيئات. [[انظر تفسير " الكسب " فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) .]]
* *
والعرب تقول: "فلان لا يرجو فلانًا": إذا كان لا يخافه.
ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ . [سورة نوح: ١٣] ، [[انظر تفسير "الرجاء" فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) .]] ومنه قول أبي ذؤيب:
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يُرْج لَسْعَهَا ... وَخَالَفهَا فِي بَيْتِ نُوب عَوَاسِلِ [[مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٩: ١٧٤.]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٥٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واطمأنوا بها﴾ ، قال: هو مثل قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ .
١٧٥٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ ، قال: هو مثل قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [سورة هود: ١٥] .
١٧٥٥٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٧٥٥٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: قوله (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون) ، قال: إذا شئتَ رأيتَ صاحب دُنْيا، لها يفرح، ولها يحزن، ولها يسخط، ولها يرضى.
١٧٥٥٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ ، الآية كلها، قال: هؤلاء أهل الكفر. ثم قال: ﴿أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾ .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ، إن الذين صدَّقوا الله ورسوله= ﴿وعملوا الصالحات﴾ ، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره [[انظر تفسير " الصالحات " فيما سلف من فهارس اللغة (صلح) .]] = ﴿يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ ، يقول: يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة، كما:-
١٧٥٥٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم﴾ بلغنا أن نبيَّ الله ﷺ قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره صُوِّر له عمله في صورة حَسَنة فيقول له: ما أنت؟ فوالله إني لأراك امرأ صِدْقٍ! فيقول: أنا عملك! فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنة. وأما الكافر إذا خرج من قبره صُوِّر له عمله في صورة سيئة وشارة سيئة [[في المطبوعة: " وبشارة "، والصواب ما أثبته من المخطوطة.]] فيقول: ما أنت؟ فوالله إني لأراك امرأ سَوْء! فيقول: أنا عملك! فينطلق به حتى يدخله النار.
١٧٥٥٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ ، قال: يكون لهم نورًا يمشون به.
١٧٥٦٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح. عن مجاهد، مثله.
١٧٥٦١-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٥٦٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله= وقال ابن جريج: ﴿يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ ، قال: يَمْثُل له عمله في صورة حسنة وريحٍ طيبة، يعارِض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك! فيجعل له نورًا من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله: ﴿يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ . والكافر يَمْثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويُلازُّهُ حتى يقذفه في النار. [[في المطبوعة: " ويلاده"؛ بالدال، وأثبت في المخطوطة. " لازه يلازه ملازاة ولزازًا" قارنه ولزمه ولصق به]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: بإيمانهم، يهديهم ربهم لدينه. يقول: بتصديقهم هَدَاهم.
ذكر من قال ذلك:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [[لم يذكر شيئًا بعد قوله: " ذكر من قال ذلك "، وفي هامش المخطوطة " كذا "، وهو دليل على أنه سقط قديم.]]
* *
وقوله: ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ ، يقول: تجري من تحت هؤلاء المؤمنين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم، أنهار الجنة= ﴿في جنات النعيم﴾ ، يقول في بساتين النعيم، الذي نعَّم الله به أهل طاعته والإيمان به. [[انظر تفسير " جنات النعيم " فيما سلف ١٠: ٤٦١، ٤٦٢.]]
* *
فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ ، وإنما وصف جل ثناؤه أنهار الجنة في سائر القرآن أنها تجري تحت الجنات؟ وكيف يمكن الأنهار أن تجري من تحتهم، إلا أن يكونوا فوق أرضها والأنهار تجري من تحت أرضها؟ وليس ذلك من صفة أنهار الجنة، لأن صفتها أنها تجري على وجه الأرض في غير أخاديد؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: تجري من دونهم الأنهار إلى ما بين أيديهم في بساتين النعيم، وذلك نظير قول الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [سورة مريم: ٢٤] . ومعلوم أنه لم يجعل "السري" تحتها وهي عليه قاعدة= إذ كان "السري" هو الجدول= وإنما عني به: جعل دونها: بين يديها، وكما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل فرعون، ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ ، [سورة الزخرف: ٥١] ، بمعنى: من دوني، بين يديّ.
* *
وأما قوله: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ ، فإن معناه: دعاؤهم فيها: سبحانك اللهم، [[انظر تفسير " الدعوى " فيما سلف ١٢: ٣٠٣، ٣٠٤.]] كما:-
١٧٥٦٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرت أن قوله: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ ، قال: إذا مرّ بهم الطيرُ يشتهونه [[في المطبوعة: " فيشتهونه " بالفاء، وأثبت ما في المخطوطة.]]
قالوا: سبحانك اللهم! وذلك دعواهم، فيأتيهم الملك بما اشتهوا، فيسلم عليهم فيردّون عليه، فذلك قوله: ﴿وتحيتهم فيها سلام﴾ . قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربّهم، فذلك قوله: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ .
١٧٥٦٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ ، يقول: ذلك قولهم فيها= ﴿وتحيتهم فيها سلام﴾ .
١٧٥٦٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله الأشجعي قال: سمعت سفيانا يقول: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام﴾ ، قال: إذا أرادوا الشيء قالوا: "اللهم"، فيأتيهم ما دَعَوا به.
* *
وأما قوله: ﴿سبحانك اللهم﴾ ، فإن معناه: تنزيها لك، يا رب، مما أضاف إليك أهل الشرك بك، من الكذب عليك والفِرْية. [[انظر تفسير " سبحان " فيما سلف ١٤، ٢١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٦٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي.
عن غير واحدٍ عطيةُ فيهم: "سبحان الله" تنزيهٌ لله.
١٧٥٦٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: سمعت موسى بن طلحة قال: سئل رسول الله ﷺ عن "سبحان الله"، قال: إبراء الله عن السوء.
١٧٥٦٨- حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، وخلاد بن أسلم قالوا، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا قابوس، عن أبيه: أن ابن الكوّاء سأل عليًّا رضي الله عنه عن "سبحان الله"، قال: كلمة رضيها الله لنفسه.
١٧٥٦٩- حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن عثمان بن عبد الله بن موهب الطلحي، عن موسى بن طلحة قال: سُئل رسول الله ﷺ عن "سبحان الله"، فقال: تنزيهًا لله عن السوء. [[الأثر: ١٧٥٦٧، ١٧٥٦٩ - " سفيان " بن سعيد، هو الثوري الإمام المشهور.
و" عثمان بن عبد الله بن وهب التيمي "، مولى آل طلحة ينسب إلى جده يقال: " عثمان بن وهب " تابعي ثقة، روى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأم سلمة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ١٥٥.
و" موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي "، تابعي ثقة، روى عن أبيه وغيره من الصحابة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٨٦، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٤٧.
وهو خبر مرسل، وسيأتي موصولا في الذي يليه، ولكنها أخبار لا يقوم إسنادها.]]
١٧٥٧٠- حدثني علي بن عيسى البزار قال، حدثنا عبيد الله بن محمد قال، حدثنا عبد الرحمن بن حماد قال، حدثني حفص بن سليمان قال، حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن تفسير "سبحان الله"، فقال: هو تنزيه الله من كل سوء. [[الأثر: ١٧٥٧٠ - " علي بن عيسى البزار "، شيخ الطبري، هو " علي بن عيسى بن يزيد البغدادي الكراجكي، ثقة، مضى برقم: ٢١٦٨.
و" عبيد الله بن محمد بن حفص التميمي، العيشي "، من ولد عائشة بنت طلحة، ثقة، مستقيم الحديث. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٣٣٥.
و" عبد الرحمن بن حماد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله "، منكر الحديث، لا يحتج به.
مترجم في لسان الميزان ٣: ٤١٢، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٢٦، ومي زان الاعتدال ٢: ١٠٢.
و" حفص بن سليمان الأسدي البزار "، ضعيف الحديث، مضى برقم: ٥٧٥٣، ١١٤٥٨.
و" طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي "، وثقه ابن معين وغيره، وقال البخاري: " منكر الحديث "، وقال في كتاب الضعفاء الصغير ص: ٤٦: " وليس بالقوي "، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٧٧.
وأبوه: " يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي "، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٢٨٣، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٦٠.
وهذا خبر هالك الإسناد، كما رأيت.]]
١٧٥٧١- حدثني محمد بن عمرو بن تمام الكلبي قال، حدثنا سليمان بن أيوب قال: حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، قول "سبحان الله"؟ قال: تنزيه الله عن السوء. [[الأثر: ١٧٥٧١ - " محمد بن عمرو بن تمام الكلبي، المصري "، أبو الكروس، شيخ الطبري، مترجم في ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٣٤.
و" سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة " روى نسخة عن أبيه عن آبائه عامة، أحاديثه لا يتابع عليها، وروى أحاديث مناكير. وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم من التهذيب وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١٠١.
وهذا خبر ضعيف الإسناد أيضًا.]]
* *
= ﴿وتحيتهم﴾ ، يقول: وتحية بعضهم بعضًا= ﴿فيها سلام﴾ ، أي: سَلِمْتَ وأمِنْتَ مما ابتُلي به أهل النار. [[انظر تفسير " التحية " فيما سلف ٨: ٥٨٦ - ٥٩٠.]]
* *
والعرب تسمي الملك "التحية"، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:
أَزُورُ بِهَا أَبَا قَابُوسَ حَتَّى ... أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي [[من قصيدة طويلة له، رواها أبو علي القالي في أماليه ٣: ١٤٧ - ١٥٠، واللسان (حيا) ، مع اختلاف في الرواية.]]
ومنه قول زهير بن جناب الكلبي:
مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الفَتَى ... قَدْ نِلْتُهُ إلا التَّحِيَّهْ
* *
وقوله: ﴿وآخر دعواهم﴾ ، يقول: وآخر دعائهم [[انظر تفسير " الدعوى " فيما سلف ص: ٣٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿أن الحمد لله رب العالمين﴾ ، يقول: وآخر دعائهم أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين"، ولذلك خففت "أن" ولم تشدّد لأنه أريد بها الحكاية.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ، إن الذين صدَّقوا الله ورسوله= ﴿وعملوا الصالحات﴾ ، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره [[انظر تفسير " الصالحات " فيما سلف من فهارس اللغة (صلح) .]] = ﴿يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ ، يقول: يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة، كما:-
١٧٥٥٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم﴾ بلغنا أن نبيَّ الله ﷺ قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره صُوِّر له عمله في صورة حَسَنة فيقول له: ما أنت؟ فوالله إني لأراك امرأ صِدْقٍ! فيقول: أنا عملك! فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنة. وأما الكافر إذا خرج من قبره صُوِّر له عمله في صورة سيئة وشارة سيئة [[في المطبوعة: " وبشارة "، والصواب ما أثبته من المخطوطة.]] فيقول: ما أنت؟ فوالله إني لأراك امرأ سَوْء! فيقول: أنا عملك! فينطلق به حتى يدخله النار.
١٧٥٥٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ ، قال: يكون لهم نورًا يمشون به.
١٧٥٦٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح. عن مجاهد، مثله.
١٧٥٦١-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٥٦٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله= وقال ابن جريج: ﴿يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ ، قال: يَمْثُل له عمله في صورة حسنة وريحٍ طيبة، يعارِض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك! فيجعل له نورًا من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله: ﴿يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ . والكافر يَمْثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويُلازُّهُ حتى يقذفه في النار. [[في المطبوعة: " ويلاده"؛ بالدال، وأثبت في المخطوطة. " لازه يلازه ملازاة ولزازًا" قارنه ولزمه ولصق به]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: بإيمانهم، يهديهم ربهم لدينه. يقول: بتصديقهم هَدَاهم.
ذكر من قال ذلك:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [[لم يذكر شيئًا بعد قوله: " ذكر من قال ذلك "، وفي هامش المخطوطة " كذا "، وهو دليل على أنه سقط قديم.]]
* *
وقوله: ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ ، يقول: تجري من تحت هؤلاء المؤمنين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم، أنهار الجنة= ﴿في جنات النعيم﴾ ، يقول في بساتين النعيم، الذي نعَّم الله به أهل طاعته والإيمان به. [[انظر تفسير " جنات النعيم " فيما سلف ١٠: ٤٦١، ٤٦٢.]]
* *
فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ ، وإنما وصف جل ثناؤه أنهار الجنة في سائر القرآن أنها تجري تحت الجنات؟ وكيف يمكن الأنهار أن تجري من تحتهم، إلا أن يكونوا فوق أرضها والأنهار تجري من تحت أرضها؟ وليس ذلك من صفة أنهار الجنة، لأن صفتها أنها تجري على وجه الأرض في غير أخاديد؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: تجري من دونهم الأنهار إلى ما بين أيديهم في بساتين النعيم، وذلك نظير قول الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [سورة مريم: ٢٤] . ومعلوم أنه لم يجعل "السري" تحتها وهي عليه قاعدة= إذ كان "السري" هو الجدول= وإنما عني به: جعل دونها: بين يديها، وكما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل فرعون، ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ ، [سورة الزخرف: ٥١] ، بمعنى: من دوني، بين يديّ.
* *
وأما قوله: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ ، فإن معناه: دعاؤهم فيها: سبحانك اللهم، [[انظر تفسير " الدعوى " فيما سلف ١٢: ٣٠٣، ٣٠٤.]] كما:-
١٧٥٦٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرت أن قوله: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ ، قال: إذا مرّ بهم الطيرُ يشتهونه [[في المطبوعة: " فيشتهونه " بالفاء، وأثبت ما في المخطوطة.]]
قالوا: سبحانك اللهم! وذلك دعواهم، فيأتيهم الملك بما اشتهوا، فيسلم عليهم فيردّون عليه، فذلك قوله: ﴿وتحيتهم فيها سلام﴾ . قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربّهم، فذلك قوله: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ .
١٧٥٦٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم﴾ ، يقول: ذلك قولهم فيها= ﴿وتحيتهم فيها سلام﴾ .
١٧٥٦٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله الأشجعي قال: سمعت سفيانا يقول: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام﴾ ، قال: إذا أرادوا الشيء قالوا: "اللهم"، فيأتيهم ما دَعَوا به.
* *
وأما قوله: ﴿سبحانك اللهم﴾ ، فإن معناه: تنزيها لك، يا رب، مما أضاف إليك أهل الشرك بك، من الكذب عليك والفِرْية. [[انظر تفسير " سبحان " فيما سلف ١٤، ٢١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٦٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي.
عن غير واحدٍ عطيةُ فيهم: "سبحان الله" تنزيهٌ لله.
١٧٥٦٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: سمعت موسى بن طلحة قال: سئل رسول الله ﷺ عن "سبحان الله"، قال: إبراء الله عن السوء.
١٧٥٦٨- حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، وخلاد بن أسلم قالوا، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا قابوس، عن أبيه: أن ابن الكوّاء سأل عليًّا رضي الله عنه عن "سبحان الله"، قال: كلمة رضيها الله لنفسه.
١٧٥٦٩- حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن عثمان بن عبد الله بن موهب الطلحي، عن موسى بن طلحة قال: سُئل رسول الله ﷺ عن "سبحان الله"، فقال: تنزيهًا لله عن السوء. [[الأثر: ١٧٥٦٧، ١٧٥٦٩ - " سفيان " بن سعيد، هو الثوري الإمام المشهور.
و" عثمان بن عبد الله بن وهب التيمي "، مولى آل طلحة ينسب إلى جده يقال: " عثمان بن وهب " تابعي ثقة، روى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأم سلمة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ١٥٥.
و" موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي "، تابعي ثقة، روى عن أبيه وغيره من الصحابة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٨٦، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٤٧.
وهو خبر مرسل، وسيأتي موصولا في الذي يليه، ولكنها أخبار لا يقوم إسنادها.]]
١٧٥٧٠- حدثني علي بن عيسى البزار قال، حدثنا عبيد الله بن محمد قال، حدثنا عبد الرحمن بن حماد قال، حدثني حفص بن سليمان قال، حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن تفسير "سبحان الله"، فقال: هو تنزيه الله من كل سوء. [[الأثر: ١٧٥٧٠ - " علي بن عيسى البزار "، شيخ الطبري، هو " علي بن عيسى بن يزيد البغدادي الكراجكي، ثقة، مضى برقم: ٢١٦٨.
و" عبيد الله بن محمد بن حفص التميمي، العيشي "، من ولد عائشة بنت طلحة، ثقة، مستقيم الحديث. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٣٣٥.
و" عبد الرحمن بن حماد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله "، منكر الحديث، لا يحتج به.
مترجم في لسان الميزان ٣: ٤١٢، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٢٦، ومي زان الاعتدال ٢: ١٠٢.
و" حفص بن سليمان الأسدي البزار "، ضعيف الحديث، مضى برقم: ٥٧٥٣، ١١٤٥٨.
و" طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي "، وثقه ابن معين وغيره، وقال البخاري: " منكر الحديث "، وقال في كتاب الضعفاء الصغير ص: ٤٦: " وليس بالقوي "، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٧٧.
وأبوه: " يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي "، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٢٨٣، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٦٠.
وهذا خبر هالك الإسناد، كما رأيت.]]
١٧٥٧١- حدثني محمد بن عمرو بن تمام الكلبي قال، حدثنا سليمان بن أيوب قال: حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، قول "سبحان الله"؟ قال: تنزيه الله عن السوء. [[الأثر: ١٧٥٧١ - " محمد بن عمرو بن تمام الكلبي، المصري "، أبو الكروس، شيخ الطبري، مترجم في ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٣٤.
و" سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة " روى نسخة عن أبيه عن آبائه عامة، أحاديثه لا يتابع عليها، وروى أحاديث مناكير. وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم من التهذيب وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١٠١.
وهذا خبر ضعيف الإسناد أيضًا.]]
* *
= ﴿وتحيتهم﴾ ، يقول: وتحية بعضهم بعضًا= ﴿فيها سلام﴾ ، أي: سَلِمْتَ وأمِنْتَ مما ابتُلي به أهل النار. [[انظر تفسير " التحية " فيما سلف ٨: ٥٨٦ - ٥٩٠.]]
* *
والعرب تسمي الملك "التحية"، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:
أَزُورُ بِهَا أَبَا قَابُوسَ حَتَّى ... أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي [[من قصيدة طويلة له، رواها أبو علي القالي في أماليه ٣: ١٤٧ - ١٥٠، واللسان (حيا) ، مع اختلاف في الرواية.]]
ومنه قول زهير بن جناب الكلبي:
مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الفَتَى ... قَدْ نِلْتُهُ إلا التَّحِيَّهْ
* *
وقوله: ﴿وآخر دعواهم﴾ ، يقول: وآخر دعائهم [[انظر تفسير " الدعوى " فيما سلف ص: ٣٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿أن الحمد لله رب العالمين﴾ ، يقول: وآخر دعائهم أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين"، ولذلك خففت "أن" ولم تشدّد لأنه أريد بها الحكاية.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو يعجل الله للناس إجابةَ دعائهم في الشرّ، وذلك فيما عليهم مضرّة في نفس أو مال= ﴿استعجالهم بالخير﴾ ، يقول: كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه به= ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ ، يقول: لهلكوا، وعُجِّل لهم الموت، وهو الأجل. [[انظر تفسير " الأجل " فيما سلف ١٣: ٢٩٠، تعليق: ٦، والمراجع هناك.]]
* *
وعني بقوله: ﴿لقضي﴾ ، لفرغ إليهم من أجلهم، [[انظر تفسير " قضى " فيما سلف ١٣: ٢٩٠، تعليق: ٦، والمراجع هناك.]] ونُبذ إليهم، [[في المطبوعة: " وتبدى لهم "، غير ما في المخطوطة إذ لم يحسن قراءته.]] كما قال أبو ذؤيب:
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُدُ، أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ [[سلف البيت وتخريجه وشرحه ٢: ٥٤٢.]]
* *
= ﴿فنذر الذين لا يرجون لقاءنا﴾ ، يقول:
فندع الذين لا يخافون عقابنا، ولا يوقنون بالبعث ولا بالنشور، [[انظر تفسير " يذر " فيما سلف من فهارس اللغة (وذر) .
= وتفسير " الرجاء " فيما سلف ص: ٢٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿في طغيانهم﴾ ، يقول: في تمرّدهم وعتوّهم، [[انظر تفسير " الطغيان " فيما سلف ١٣: ٢٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ﴿يعمهون﴾ يعني: يترددون. [[انظر تفسير " العمه " فيما سلف ١٣: ٢٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
وإنما أخبر جل ثناؤه عن هؤلاء الكفرة بالبعث بما أخبر به عنهم، من طغيانهم وترددهم فيه عند تعجيله إجابة دعائهم في الشرّ لو استجاب لهم، أن ذلك كان يدعوهم إلى التقرُّب إلى الوثن الذي يشرك به أحدهم، أو يضيف ذلك إلى أنه من فعله.
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٧٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير﴾ ، قال: قولُ الإنسان إذا غضب لولده وماله: "لا باركَ الله فيه ولعنه"!
١٧٥٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير﴾ ، قال: قولُ الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: "اللهم لا تبارك فيه والعنه"! فلو يعجّل الله الاستجابة لهم في ذلك، كما يستجاب في الخير لأهلكهم.
١٧٥٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير﴾ ، قال: قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: "اللهم لا تبارك فيه والعنه" = ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته.
١٧٥٧٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير﴾ ، قال: قول الرجل لولده إذا غضب عليه أو ماله: "اللهم لا تبارك فيه والعنه"! قال الله: ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ ، قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته. قال: ﴿فنذر الذين لا يرجون لقاءنا﴾ ، قال يقول: لا نهلك أهل الشرك، ولكن نذرهم في طغيانهم يعمهون.
١٧٥٧٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير﴾ ، قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له.
١٧٥٧٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ ، قال: لأهلكناهم. وقرأ: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ، [سورة فاطر: ٤٥] . قال: يهلكهم كلهم.
* *
ونصب قوله: ﴿استعجالهم﴾ ، بوقوع ﴿يعجل﴾ عليه، كقول القائل: "قمت اليوم قيامَك" بمعنى: قمت كقيامك، وليس بمصدّرٍ من ﴿يعجل﴾ ، لأنه لو كان مصدّرًا لم يحسن دخول "الكاف" = أعني كاف التشبيه = فيه. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٥٨.]]
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ .
فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ ، على وجه ما لم يسمَّ فاعله، بضم القاف من "قضي"، ورفع "الأجل".
* *
وقرأ عامة أهل الشأم: ﴿لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ﴾ ، بمعنى: لقضى الله إليهم أجلهم.
* *
قال أبو جعفر: وهما قراءتان متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني أقرؤه على وجه ما لم يسمَّ فاعله، لأن عليه أكثر القراء.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الإنسان الشدة والجهد [[انظر تفسير " المس " فيما سلف ١٤: ٦٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك. = وتفسير " الضر " فيما سلف من فهارس اللغة (ضرر) .]] = ﴿دعانا لجنبه﴾ ، يقول: استغاث بنا في كشف ذلك عنه = ﴿لجنبه﴾ ، يعني مضطجعًا لجنبه. = ﴿أو قاعدًا أو قائمًا﴾ بالحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضرّ به = ﴿فلما كشفنا عنه ضره﴾ ، يقول: فلما فرّجنا عنه الجهد الذي أصابه [[انظر تفسير " الكشف " فيما سلف ١١: ٣٥٤ / ١٣: ٧٣.]] = ﴿مرّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه﴾ ، يقول: استمرَّ على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، [[انظر تفسير " مر " فيما سلف ١٣: ٣٠٤، ٣٠٥.]] ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء أو تناساه، وترك الشكر لربه الذي فرّج عنه ما كان قد نزل به من البلاء حين استعاذ به، وعاد للشرك ودَعوى الآلهةِ والأوثانِ أربابًا معه. يقول تعالى ذكره: ﴿كذلك زيّن للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ ، يقول: كما زُيِّن لهذا الإنسان الذي وصفنا صفتَه، [[انظر تفسير " التزيين " فيما سلف ١٤: ٢٤٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] استمرارُه على كفره بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضر، كذلك زُيّن للذين أسرفوا في الكذِب على الله وعلى أنبيائه، فتجاوزوا في القول فيهم إلى غير ما أذن الله لهم به، [[انظر تفسير " الإسراف " فيما سلف ١٢: ٤٥٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك وبه.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٧٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿دعانا لجنبه﴾ ، قال: مضطجعًا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أهلكنا الأمم التي كذبت رسل الله من قبلكم أيها المشركون بربهم [[انظر تفسير " القرون " فيما سلف ١١: ٢٦٣.]] = ﴿لما ظلموا﴾ ، يقول: لما أشركوا وخالفوا أمر الله ونهيه [[انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) .]] = ﴿وجاءتهم رسلهم﴾ من عند الله، ﴿بالبينات﴾ ، وهي الآيات والحجج التي تُبين عن صِدْق من جاء بها. [[انظر تفسير " البينات " فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]]
ومعنى الكلام: وجاءتهم رسلهم بالآيات البينات أنها حق = ﴿وما كانوا ليؤمنوا﴾ يقول: فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدِّقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له = ﴿وكذلك نجزي المجرمين﴾ ، يقول تعالى ذكره: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم، أيها المشركون، بظلمهم أنفسَهم، وتكذيبهم رسلهم، وردِّهم نصيحتَهم، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم محمدًا ﷺ، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم، إن أنتم لم تُنيبوا وتتوبوا إلى الله من شرككم فإن من ثواب الكافر بي على كفره عندي، أن أهلكه بسَخَطي في الدنيا، وأوردُه النار في الآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر يقول تعالى ذكره: ثم جعلناكم، أيها الناس، خلائف من بعد هؤلاء القرون الذين أهلكناهم لما ظلموا، تخلفونهم في الأرض، وتكونون فيها بعدهم [[انظر تفسير " الخلائف " فيما سلف ١٣: ١٢٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ﴿لننظر كيف تعملون﴾ ، يقول: لينظر ربكم أين عملكم من عمل من هلك من قبلكم من الأمم بذنوبهم وكفرهم بربهم، تحتذون مثالهم فيه، فتستحقون من العقاب ما استحقوا، أم تخالفون سبيلَهم فتؤمنون بالله ورسوله وتقرّون بالبعث بعد الممات، فتستحقون من ربكم الثواب الجزيل، كما:-
١٧٥٧٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ ، ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: صدق ربُّنا، ما جعلنا خُلفاء إلا لينظر كيف أعمالُنا، فأرُوا الله من أعمالكم خيرًا بالليل والنهار، والسر والعلانية.
١٧٥٨٠- حدثني المثنى قال، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد قال، حدثنا حماد عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عوف بن مالك رضي الله عنه قال لأبي بكر رضي الله عنه: رأيتُ فيما يرى النائم كأن سببًا دُلِّي من السماء، فانتُشِط رسول الله ﷺ، [[" انتشط " (بالبناء للمجهول) ، أي: انتزع، جذب إلى السماء ورفع إليها، من قولهم: " نشط الدلو من البئر "، إذا نزعها وجذبها من البئر صعدا بغير بكرة.]]
ثم دُلِّي فانتُشِط أبو بكر، ثم ذُرِع الناس حول المنبر، [["ذرع الناس"، أي: قدر ما بينهم وبين المنبر بالذراع. يقال: "ذرع الثوب "، إذا قدره بالذراع.]]
ففضَل عمر رضي الله عنه بثلاث أذرع إلى المنبر. فقال عمر: دعنا من رؤياك، لا أرَبَ لنا فيها! فلما استخلف عمر قال: يا عوف، رؤياك! قال: وهل لك في رؤياي من حاجة؟ أو لم تنتهرني! قال: ويحك! إني كرهت أن تنعَى لخليفة رسول الله ﷺ نفسه! فقصّ عليه الرؤيا، حتى إذا بلغ: " ذُرِع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع"، قال: أمّا إحداهن، فإنه كائن خليفةً. وأما الثانية، فإنه لا يخاف في الله لومة لائم. وأما الثالثة، فإنه شهيد. قال: فقال يقول الله: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ ، فقد استخلفت يا ابن أم عمر، فانظر كيف تعمل.
وأما قوله: "فإني لا أخاف في الله لومة لائم" فما شاء الله.
وأما قوله: "فإني شهيد" فأنَّى لعمر الشهادة، والمسلمون مُطِيفون به! ثم قال: إن الله على ما يشاء قدير. [[الأثر: ١٧٥٨٠ - " زيد بن عوف القطعي "، " أبو ربيعة "، " فهد "، متروك، وقد مضى برقم: ٥٦٢٣، ١٤٢١٥، ١٤٢١٨، ١٤٢٢١. وكان في المطبوعة هنا: " يزيد بن عوف، أبو ربيعة، بهذا "، ومثله في تفسير ابن كثير ٤: ٢٨٧، وهو اتفاق غريب على الخطأ! .
وهذا الخبر، رواه ابن سعد بغير هذا اللفظ، بإسناد حسن في كتاب الطبقات الكبير ٣ / ١ / ٢٣٩.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين آيات كتاب الله الذي أنزلنَاه إليك، يا محمد [[انظر تفسير " تلا " فيما سلف ١٣: ٥٠٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿بينات﴾ ، واضحات، على الحق دالاتٍ [[انظر تفسير " بينات " فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]] = ﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا﴾ ، يقول: قال الذين لا يخافون عقابنا، ولا يوقنون بالمعاد إلينا، ولا يصدّقون بالبعث، [[انظر تفسير " الرجاء " فيما سلف ص: ٣٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] لك = ﴿ائت بقرآن غير هذا أو بدّله﴾ ، يقول: أو غيِّره [[انظر تفسير " التبديل " فيما سلف ١١: ٣٣٥ / ١٢: ٦٢، وفهارس اللغة (بدل) .]] = ﴿قل﴾ لهم، يا محمد = ﴿ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ ، أي: من عندي. [[انظر تفسير " تلقاء " فيما سلف ١٢: ٤٦٦.]]
* *
والتبديل الذي سألوه، فيما ذكر، أن يحوّل آية الوعيد آية وعد، وآية الوعد وعيدًا والحرامَ حلالا والحلال حرامًا، فأمر الله نبيَّه ﷺ أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يردّ حكمه، ولا يُتَعَقَّب قضاؤه، وإنما هو رسول مبلّغ ومأمور مُتّبع.
* *
وقوله: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إليّ﴾ ، يقول: قل لهم: ما أتبع في كل ما آمركم به أيها القوم، وأنهاكم عنه، إلا ما ينزله إليّ ربي، ويأمرني به [[انظر تفسير " الوحي " فيما سلف من فهارس اللغة (وحي) .]] = ﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ ، يقول: إني أخشى من الله إن خالفت أمره، وغيَّرت أحكام كتابه، وبدّلت وَحيه، فعصيته بذلك، عذابَ يوم عظيمٍ هَوْلُه، وذلك: يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتَضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى. [[هذا تضمين لآية سورة الحج: ٢.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه، معرِّفَه الحجةَ على هؤلاء المشركين الذين قالوا له: ﴿ائت بقرآن غير هذا أو بدله﴾ = ﴿قل﴾ لهم، يا محمد = ﴿لو شاء الله ما تلوته عليكم﴾ ، أي: ما تلوت هذا القرآن عليكم، أيها الناس، بأن كان لا ينزله عليَّ فيأمرني بتلاوته عليكم [[انظر تفسير " تلا " فيما سلف ص: ٤٠، رقم: ١.]] = ﴿ولا أدراكم به﴾ ، يقول: ولا أعلمكم به= ﴿فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله﴾ يقول: فقد مكثت فيكم أربعين سنة من قبل أن أتلوَه عليكم، ومن قبل أن يوحيه إليّ ربي = ﴿أفلا تعقلون﴾ ، أني لو كنت منتحلا ما ليس لي من القول، كنت قد انتحلته في أيّام شبابي وحَداثتي، وقبل الوقت الذي تلوته عليكم؟ فقد كان لي اليوم، لو لم يوح إليّ وأومر بتلاوته عليكم، مندوحةٌ عن معاداتكم، ومتّسَعٌ، في الحال التي كنت بها منكم قبل أن يوحى إلي وأومر بتلاوته عليكم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٨١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولا أدراكم به﴾ ، ولا أعلمكم.
١٧٥٨٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به﴾ ، يقول: لو شاء الله لم يعلمكموه.
١٧٥٨٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به﴾ ، يقول: ما حذَّرتكم به.
١٧٥٨٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله﴾ ، وهو قول مشركي أهل مكة للنبي ﷺ. ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون﴾ ، لبث أربعين سنة.
١٧٥٨٥- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به﴾ ، ولا أعلمكم به.
١٧٥٨٦- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن، أنه كان يقرأ: ﴿وَلا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ﴾ ، يقول: ما أعلمتكم به. [[في المخطوطة: " ولا أدرأكم "، وفي المطبوعة: " ولا أدراتكم "، بغير همز، والصواب ما أثبت، كما نص عليه ابن خالويه في شواذ القراءات ص: ٥٦: " بالهز والتاء "، ومعاني القرآن للفراء.]]
١٧٥٨٧- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ولا أدراكم به﴾ ، يقول: ولا أشعركم الله به.
* *
قال أبو جعفر: وهذه القراءة التي حكيت عن الحسن، عند أهل العربية غلطٌ.
* *
وكان الفرّاء يقول في ذلك: قد ذكر عن الحسن أنه قال: ﴿وَلا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ﴾ . قال: فإن يكن فيها لغة سوى "دريت" و "أدريت"، فلعل الحسن ذهب إليها. وأما أن تصلح من "دريت" أو "أدريت" فلا لأن الياء والواو إذا انفتح ما قبلهما وسكنتا صحتا ولم تنقلبا إلى ألف، مثل "قضيت" و"دعوت". ولعل الحسن ذهب إلى طبيعته وفصاحته فهمزها، لأنها تضارع "درأت الحد"، وشبهه. وربما غلطت العرب في الحرف إذا ضارعه آخر من الهمز فيهمزون غير المهموز. وسمعت امرأة من طيّ تقول: "رثَأْتُ زوجي بأبيات"، ويقولون: " لبّأتُ بالحجّ" و"حلأت السويق"، فيغلطون، لأن "حلأت"، قد يقال في دفع العطاش، من الإبل، و"لبأت": ذهبت به إلى "اللبأ" لِبَأ الشاء، و "رثأت زوجي"، ذهبت به إلى "رثأت اللبن "، إذا أنت حلبت الحليب على الرائب، فتلك "الرثيثة". [[هذا نص الفراء بتمامه في معاني القرآن ١: ٤٥٩، مع خلاف يسير في حروف قليلة.]]
* *
وكان بعض البصريين يقول: لا وجه لقراءة الحسن هذه لأنها من "أدريت" مثل "أعطيت"، إلا أن لغةً لبني عقيل [[في المطبوعة: " لغة بني عقيل "، والصواب ما في المخطوطة، باللام.]]
: "أعطَأتُ"، يريدون: "أعطيت"، تحوّل الياء ألفًا، قال الشاعر: [[هو حريث بن عناب (بالنون) الطائي.]]
لَقَدْ آذَنَتْ أَهْلُ الْيَمَاَمَةِ طَيِّئٌ ... بِحَرْبٍ كَنَاصَاةِ الأَغَرِّ المُشَهَّرِ [[نوادر أبي زيد: ١٢٤، والمعاني الكبير: ١٠٤٨، واللسان (نصا) .]]
يريد: كناصية، حكي ذلك عن المفضّل، وقال زيد الخيل:
لَعَمْرُكَ مَا أَخْشَى التَّصَعْلُكَ مَا بَقَا ... عَلَى الأَرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأَبَاعِرَا [[نوادر أبي زيد: ٦٨، وقبله أُنْبِئْتُ أَنَّ ابْنًا لِتَيْمَاءَ هَهَنَا ... تَغَنَّى بِنَا سَكْرَانَ أَوْ مُتَسَاكِرًا
يَحُضُّ عَلَيْنَا عَامِرًا، وِإَخالُنَا ... سَنُصْبِحُ أَلْفًا ذَا زَوَائِدَ، عامِرًا
قال أو زيد: " يقول: لا أخشى ما بقي قيس يسوق إبلا، لأني أغير عليهم ".]]
فقال "بقا"، وقال الشاعر: [[هو لبيد.]]
لَزَجَرْتُ قَلْبًا لا يَرِيعُ لِزَاجِرٍ ... إِنَّ الغَوِيَّ إِذَا نُهَا لَمْ يَعْتِبِ [[ديوانه قصيدة رقم: ٦١، والأغاني ١٥: ١٣٤ (ساسي) ، من مرثية أخيه أربد، وقبله: طَرِبَ الفُؤَادُ وَلَيْتَهُ لَمْ يُطْرَبِ ... وَعَنَاهُ ذِكْرَى خُلَّةٍ لم تَصْقَبِ
سَفَهًا، وَلَوْ أنّي أطَعتُ عَوَاذِلِي ... فيما يُشِرْنَ بِهِ بِسَفْحِ المِذْنِبِ
لَزَجَرْتُ قَلْبًا. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والذي أثبته هو نص المخطوطة، أما المطبوعة، فإنه لم يحسن معرفة الشعر، فكتبه هكذا: " زجرت له: و " أعتب "، آب إلى رضى من يعاتبه.]]
يريد "نُهِي". قال: وهذا كله على قراءة الحسن، وهي مرغوب عنها، قال: وطيئ تصيِّر كل ياء انكسر ما قبلها ألفًا، يقولون: "هذه جاراة"، [[يعني في " جارية ".]]
وفي "الترقوة" "ترقاة" و"العَرْقوة" "عرقاة". قال: وقال بعض طيئ: "قد لَقَت فزارة"، حذف الياء من "لقيت" لما لم يمكنه أن يحوّلها ألفًا، لسكون التاء، فيلتقي ساكنان. وقال: زعم يونس أن "نَسَا" و"رضا" لغة معروفة، قال الشاعر: [[لم أعرف قائله، ولم أجد البيت في مكان آخر.]]
وَأُبْنِيْتُ بِالأَعْرَاض ذَا الْبَطْنِ خالِدًا ... نَسَا أوْ تَنَاسَى أَنْ يَعُدَّ المَوَالِيَا
* *
ورُوي عن ابن عباس في قراءة ذلك أيضًا روايةٌ أخرى، وهي ما:-
١٧٥٨٨- حدثنا به المثنى قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا خالد بن حنظلة عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ﴾ .
* *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا نستجيزُ أن نعدوها، [[في المطبوعة: " لا أستجيز أن تعدوها "، وأثبت ما في المخطوطة.]] هي القراءة التي عليها قراء الأمصار: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ، بمعنى: ولا أعلمكم به، ولا أشعركم به.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء المشركين الذين نسبوك فيما جئتهم به من عند ربّك إلى الكذب: أيُّ خلق أشدُّ تعدّيًا، [[في المطبوعة: " أي خلق أشر بعدنا "، وهو كلام ساقط جدًا، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقولة.]] وأوضع لقيله في غير موضعه، [[انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) .]] ممن اختلق على الله كذبًا، وافترى عليه باطلا = [[انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف ١٣: ١٣٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ﴿أو كذب بآياته﴾ يعني بحججه ورسله وآيات كتابه؟ [[انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيى) .]] يقول له جل ثناؤه: قل لهم: ليس الذي أضفتموني إليه بأعجب من كذبكم على ربكم، وافترائكم عليه، وتكذيبكم بآياته = ﴿إنه لا يفلح المجرمون﴾ ، يقول: إنه لا ينجح الذين اجترموا الكفر في الدنيا يوم القيامة، إذا لقوا ربّهم، ولا ينالون الفلاح. [[انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ١٤: ٤١٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
= وتفسير " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة (جرم) .]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويعبُد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك، يا محمد صفتهم، من دون الله الذي لا يضرهم شيئًا ولا ينفعهم، في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها = ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ، يعني: أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله [[انظر تفسير " الشفاعة " فيما سلف ص: ١٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: ﴿قل﴾ لهم ﴿أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض﴾ ، يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السموات ولا في الأرض؟ [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .]] وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السموات ولا في الأرض. وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السموات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟ وذلك باطلٌ لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد، ولا تنفع ولا تضر = ﴿سبحان الله عما يشركون﴾ ، يقول: تنزيهًا لله وعلوًّا عما يفعله هؤلاء المشركون، [[انظر تفسير " سبحان " فيما سلف ص، ٣٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
= وتفسير " تعالى " فيما سلف ١٣: ٣١٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وافترائهم عليه الكذب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما كان الناس إلا أهل دين واحد وملة واحدة فاختلفوا في دينهم، فافترقت بهم السبل في ذلك = ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ ، يقول: ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قوما إلا بعد انقضاء آجالهم = "لقضي بينهم فيما فيه يختلفون" يقول: لقضي بينهم بأن يُهلِك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق. [[انظر تفسير " قضى " فيما سلف من فهارس اللغة (قضى) .]]
* *
وقد بينا اختلاف المختلفين في معنى ذلك في "سورة البقرة"، وذلك في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ ، [سورة البقرة: ٢١٣] ، وبينا الصواب من القول فيه بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ٤: ٢٧٥ - ٢٨٠.]]
١٧٥٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ ، حين قتل أحدُ ابني آدم أخاه.
١٧٥٩٠- حدثني المثنى قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٧٥٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.
القول في تأويل قوله: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون: هلا أنزل على محمد آيةٌ من ربه [[انظر تفسير " لولا " فيما سلف من فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها.]] = يقول: عَلَمٌ ودليلٌ نعلم به أن محمدًا محق فيما يقول؟ [[انظر تفسير " آية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيى) .]] قال الله له: ﴿فقل﴾ يا محمد ﴿إنما الغيب لله﴾ ، أي: لا يُعلم أحدٌ يفعل ذلك إلا هو جل ثناؤه، لأنه لا يعلم الغيب =وهو السرُّ والخفيّ من الأمور [[انظر تفسير " الغيب " فيما سلف من فهارس اللغة (غيب) .]] = إلا الله، فانتظروا أيها القوم، قضاءَ الله بيننا، بتعجيل عقوبته للمبطل منا، وإظهاره المحقَّ عليه، إني معكم ممن ينتظر ذلك. ففعل ذلك جل ثناؤه فقضى بينهم وبينه بأن قتلهم يوم بدرٍ بالسيف.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا رزقنا المشركين بالله فرجًا بعد كرب، ورخاء بعد شدّة أصابتهم.
وقيل: عنى به المطر بعد القحط، و"الضراء": وهي الشدة، و"الرحمة": هي الفرج. يقول: ﴿إذا لهم مكر في آياتنا﴾ ، استهزاء وتكذيبٌ، [[انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ١٤: ٢٣٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير " الضراء " فيما سلف ١٢: ٥٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير " المس " فيما سلف ص: ٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير " المكر " فيما سلف ١٣: ٥٠٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما:-
١٧٥٩٢- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إذا لهم مكر في آياتنا﴾ قال: استهزاء وتكذيب.
١٧٥٩٣-. . . قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٥٩٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* *
وقوله: ﴿قل الله أسرع مكرًا﴾ يقول تعالى ذكره: ﴿قل﴾ لهؤلاء المشركين المستهزئين من حججنا وأدلتنا، يا محمد = ﴿الله أسرع مكرًا﴾ ، أي: أسرع مِحَالا بكم، [[" المحال " (بكسر الميم) : الكيد والمكر.]] واستدراجًا لكم وعقوبةً، منكم، من المكر في آيات الله.
* *
والعرب تكتفي ب "إذا" من "فعلت" و "فعلوا"، فلذلك حُذِف الفعل معها. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٥٩، ٤٦٠.]] وإنما معنى الكلام: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم﴾ ، مكروا في آياتنا فاكتفى من "مكروا"، ب "إذا لهم مكر".
* *
= ﴿إن رسلنا يكتبون ما تمكرون﴾ ، يقول: إن حفظتنا الذين نرسلهم إليكم، أيها الناس، يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله الذي يسيركم، أيها الناس، في البر على الظهر وفي البحر في الفلك = ﴿حتى إذا كنتم في الفلك﴾ ، وهي السفن [[انظر تفسير " الفلك " فيما سلف ١٢: ٥٠٢.]] = ﴿وجرين بهم﴾ يعني: وجرت الفلك بالناس = ﴿بريح طيبة﴾ ، في البحر= ﴿وفرحوا بها﴾ ، يعني: وفرح ركبان الفلك بالريح الطيبة التي يسيرون بها.
* *
و"الهاء" في قوله: "بها" عائدة على "الريح الطيبة".
* *
= ﴿جاءتها ريح عاصف﴾ ، يقول: جاءت الفلك ريحٌ عاصف، وهي الشديدة.
* *
والعرب تقول: " ريح عاصف، وعاصفة"، و "وقد أعصفت الريح، وعَصَفت " و"أعصفت"، في بني أسد، فيما ذكر، قال بعض بني دُبَيْر: [[لم أعرف قائله. و " بنو دبير " من بني أسد.]]
حَتَّى إِذَا أَعْصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌ ... فِيهَا قِطَارٌ وَرَعْدٌ صَوْتُهُ زَجِلُ [[معاني القرآن للفراء ١: ٤٦٠ " مزعزعة "، شديدة الهبوب، تحرك الشجر توشك أن تقتلعه.
و" قطار " جمع " قطر "، وهو المطر. و " رعد زجل " رفيع الصوت متردده عاليه.]]
* *
= ﴿وجاءهم الموج من كل مكان﴾ يقول تعالى ذكره: وجاء ركبانَ السفينة الموجُ من كل مكان = ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ ، يقول: وظنوا أن الهلاك قد أحاط بهم وأحدق [[انظر تفسير " الإحاطة " فيما سلف ١٤: ٢٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿دعوا الله مخلصين له الدين﴾ ، يقول: أخلصوا الدعاء لله هنالك، دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذٍ إلى الله دونها، كما:-
١٧٥٩٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿دعوا الله مخلصين له الدين﴾ ، قال: إذا مسّهم الضرُّ في البحر أخلصوا له الدعاء.
١٧٥٩٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة في قوله: ﴿مخلصين له الدين﴾ ، = "هيا شرا هيا" [[هكذا جاءت الكلمة، ولم أستطع أن أعرف ما هي، وهي أعجمية بلا ريب.]] تفسيره: يا حي يا قوم.
١٧٥٩٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم﴾ إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا كان الضر لم يدعوا إلا الله، فإذا نجاهم إذا هم يشركون.
* *
= ﴿لئن أنجيتنا﴾ من هذه الشدة التي نحن فيها = ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ ، لك على نعمك، وتخليصك إيانا مما نحن فيه، بإخلاصنا العبادة لك، وإفراد الطاعة دون الآلهة والأنداد.
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿هو الذي يسيركم﴾ فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ من "السير" بالسين.
* *
وقرأ ذلك أبو جعفر القاري: ﴿هُوَ الَّذِي يَنْشُرُكُمْ﴾ ، من "النشر"، وذلك البسط، من قول القائل: "نشرت الثوب"، وذلك بسطه ونشره من طيّه.
* *
فوجّه أبو جعفر معنى ذلك إلى أن الله يبعث عباده فيبسطهم برًّا وبحرًا = وهو قريب المعنى من "التسيير".
* *
وقال: ﴿وجرين بهم بريح طيبة﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿في الفلك المشحون﴾ ، فوحد [سورة يس: ٤١] .
* *
والفلك: اسم للواحدة، والجماع، ويذكر ويؤنث. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٦٠.]]
* *
قال: ﴿وجرين بهم﴾ ، وقد قال ﴿هو الذي يسيركم﴾ فخاطب، ثم عاد إلى الخبر عن الغائب. وقد بينت ذلك في غير موضع من الكتاب، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ١٥٤، ١٩٦ / ٣: ٣٠٤، ٣٠٥ / ٦: ٢٣٨، ٤٦٤ / ٨: ٤٤٧ / ١١: ٢٦٤، ومواضع أخر، اطلبها في فهارس النحو والعربية وغيرهما.]]
* *
وجواب قوله: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك﴾ = ﴿وجاءتها ريح عاصف﴾ .
* *
وأما جواب قوله: ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ ف ﴿دعوا الله مخلصين له الدين﴾ .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنُّوا في البحر أنهم أحيط بهم، من الجهد الذي كانوا فيه، أخلفوا الله ما وعدُوه، وبغوا في الأرض، فتجاوزوا فيها إلى غير ما أذن الله لهم فيه، من الكفر به، والعمل بمعاصيه على ظهرها. [[انظر تفسير " البغي " فيما سلف ١٢: ٤٠٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
يقول الله: يا أيها الناس، إنما اعتداؤكم الذي تعتدونه على أنفسكم، وإياها تظلمون. وهذا الذي أنتم فيه = ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ ، يقول: ذلك بلاغ تبلغون به في عاجل دنياكم. [[انظر تفسير " المتاع " فيما سلف ١٤: ٣٤٠، تعليق ٣، والمراجع هناك.]]
* *
وعلى هذا التأويل، "البغي" يكون مرفوعًا بالعائد من ذكره في قوله: (على أنفسكم) [[قراءتنا في مصحفنا اليوم، في مصر وغيرها، بنصب " متاع "، وهي القراءة الأخرى التي سيذكرها أبو جعفر، ولكنه جرى فيما سلف على تفسير قراءة الرفع.]] ويكون قوله ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ ، مرفوعًا على معنى: ذلك متاع الحياة الدنيا، كما قال: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ﴾ ، [سورة الأحقاف: ٣٥] ، بمعنى: هذا بلاغ.
وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك: إنما بغيكم في الحياة الدنيا على أنفسكم، لأنكم بكفركم تكسبونها غضبَ الله، متاع الحياة الدنيا، كأنه قال: إنما بغيكم متاعُ الحياة الدنيا، فيكون "البغي" مرفوعًا ب "المتاع"، و "على أنفسكم" من صلة "البغي".
* *
وبرفع "المتاع" قرأت القراء سوى عبد الله بن أبي إسحاق، فإنه نصبه، بمعنى: إنما بغيكم على أنفسكم متاعًا في الحياة الدنيا، فجعل "البغي" مرفوعًا بقوله: ﴿على أنفسكم﴾ ، و"المتاع" منصوبًا على الحال. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٦١، في تأويل القراءتين.]]
* *
وقوله: ﴿ثم إلينا مرجعكم﴾ يقول: ثم إلينا بعد ذلك معادكم ومصيركم، وذلك بعد الممات [[انظر تفسير " المرجع " فيما سلف ص: ٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = يقول: فنخبركم يوم القيامة بما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله، ونجازيكم على أعمالكم التي سلفت منكم في الدنيا. [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ص: ٤٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنما مثل ما تباهون في الدنيا وتفاخرون به من زينتها وأموالها، مع ما قد وُكِّلَ بذلك من التكدير والتنغيص وزواله بالفناء والموت، = كمثل ماءٍ أنزلناه من السماء، يقول: كمطر أرسلناه من السماء إلى الأرض = ﴿فاختلط به نبات الأرض﴾ ، يقول: فنبت بذلك المطر أنواعٌ من النبات، مختلطٌ بعضها ببعض، كما:-
١٧٥٩٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: ﴿إنما مَثَل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض﴾ ، قال: اختلط فنبت بالماء كل لون مما يأكل الناس، كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار، وما يأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعي. [[انظر تفسير " الأنعام " فيما سلف ١٣: ٢٨٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
وقوله: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها﴾ يعني: ظهر حسنها وبهاؤها [[انظر تفسير " الزخرف " فيما سلف ١٢: ٥٥، ٥٦.]] = ﴿وازينت﴾ ، يقول: وتزينت [[انظر تفسير " الزينة " فيما سلف ص: ٣٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وظن أهلها﴾ ، يعني: أهل الأرض = ﴿أنهم قادرون عليها﴾ ، يعني: على ما أنبتت.
* *
وخرج الخبر عن "الأرض" والمعنى للنبات، إذا كان مفهوما بالخطاب ما عُنِي به.
* *
وقوله: ﴿أتاها أمرنا ليلا أو نهارًا﴾ ، يقول: جاء الأرض= "أمرنا"، يعني: قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات = إما ليلا وإما نهارًا = ﴿فجعلناها﴾ ، يقول: فجعلنا ما عليها = ﴿حصيدًا﴾ يعني: مقطوعة مقلوعة من أصولها. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٧٧.]]
* *
= وإنما هي "محصودة" صرفت إلى "حصيد".
* *
= ﴿كأن لم تغن بالأمس﴾ ، يقول: كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على ظهر الأرض نابتةً قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس.
* *
وأصله: من "غَنِيَ فلان بمكان كذا، يَغْنَى به"، إذا أقام به، [[انظر تفسير " غني بالمكان " فيما سلف ١٢: ٥٦٩، ٥٧٠.]] كما قال النابغة الذبياني:
غَنِيَتْ بِذَلِكَ إِذْ هُمُ لَكَ جِيرَةٌ ... مِنْهَا بِعَطْفِ رِسَالَةٍ وَتَوَدُّد [[ديوانه: ٦٥، وسيأتي في التفسير ١٢: ٦٦ (بولاق) ، وغيرهما، من قصيدته المشهورة التي وصف فيها المتجردة، وقبله: فِي إثْرِ غانيةٍ رَمَتْكَ بِسَهْمِاَ ... فأَصَابَ قَلْبَكَ غَيْرَ أَنْ لَمْ تَقْصِدِ
وكان في المطبوعة: " إذ هم لي جيرة "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لرواية ديوانه.]]
* *
يقول: فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم وزخارفها، فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرُنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها، حتى صارت كأن لم تغن بالأمس، كأن لم تكن قبل ذلك نباتًا على ظهرها.
يقول الله جل ثناؤها: ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون﴾ ، يقول: كما بينَّا لكم أيها الناس، مثل الدنيا وعرّفناكم حكمها وأمرها، كذلك نُبين حججنا وأدلَّتنا لمن تفكَّر واعتبر ونظر. [[انظر تفسير " تفصيل الآيات " فيما سلف ص: ٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
وخصَّ به أهل الفكر، لأنهم أهل التمييز بين الأمور، والفحص عن حقائق ما يعرض من الشُّبَه في الصدور.
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٩٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها﴾ ، الآية،: أي والله، لئن تشبَّثَ بالدنيا وحَدِب عليها، لتوشك الدنيا أن تلفظه وتقضي منه.
١٧٦٠٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وازينت﴾ ، قال: أنبتت وحسُنَت.
١٧٦٠١- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت مروان يقرأ على المنبر هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَّنَ أَهْلُهَا أَنَّهمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيُهْلِكَهَا إِلا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا﴾ ، قال: قد قرأتها، وليست في المصحف. فقال عباس بن عبد الله بن العباس: هكذا يقرؤها ابن عباس. فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أبيُّ بن كعب. [[الأثر: ١٧٦٠١ - " الحارث "، هو: " الحارث بن أبي أسامة "، ثقة، مضى مرارًا.
و" عبد العزيز "، هو: " عبد العزيز " بن أبان الأموي، كذاب خبيث، وضاع للأحاديث، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٤٣٣٣.
وأما " عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام "، فلم أجحد له ذكرا في التوراة.
وأبوه " أبو بكر بن عبد الرحمن "، " راهب قريش "، ثقة، عالم، عاقل، سخي، كثير الحديث، أحد فقهاء المدينة السبعة. ترجم له ابن حجر في التهذيب، وابن سعد في الطبقات ٥: ١٥٣ والزبيري في نسب قريش: ٣٠٣، ٣٠٤. وذكر ابن سعد ولده فقال: " فولد أبو بكر: عبد الرحمن لا بقية له = وعبد الله، وعبد الملك، وهشاما. . . ". ولم يذكر ذلك الزبيري في نسب قريش، ولكنه ذكر قصة قال في أولها " فقال لابنه عبد الله اذهب إلى عمك المغيرة بن عبد الرحمن. . . " ثم قال في نفس القصة بعد قليل: " فذهب عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن ": " وسماه ابن سعد لما عد أولاد، أبي بكر بن عبد الرحمن: عبد الرحمن "، ولكن نص ابن سعد مخالف لما قال الحافظ ابن حجر فهما عنده رجلان بلا شك في ذلك. ولم أجد ما أستقصي من الأخبار حتى أفضل في هذا الاختلاف. و " عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن "، ليس بثقة. و " مروان "، هو: " مروان بن الحكم ". وهذا الخبر كما ترى، هالك الإسناد من نواحيه. والقراءة التي فيه إذا صحت من غير هذا الطريق الهالك، فهي قراءة تفسير، كما هو معروف، وكما أشرنا إليه مرارًا في أشباهها. ولا يجل لقارئ أنة يقرأ بمثلها على أنها نص التلاوة، لشذوذها، ولمخالفتها رسم المصحف بالزيادة، بغير حجة يجب التسليم لها.]]
١٧٦٠٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿كأن لم تغن بالأمس﴾ ، يقول: كأن لم تعشْ، كأن لم تَنْعَم.
١٧٦٠٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: في قراءة أبيّ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ وَمَا أَهْلَكْنَاهَا إِلا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [[الأثر: ١٧٦٠٣ - " أبو أسامة "، هو " حماد بن أسامة بن يزيد القرشي "، ثقة، روى له الجماعة مضى مرارًا.
" وإسماعيل "، هو " إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا. وأما " أبو سلمة بن عبد الرحمن "، فلم يسمع من أبي بن كعب. فهو إسناد مرسل.]]
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿وازينت﴾ .
فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ بمعنى: وتزينت، ولكنهم أدغموا التاء في الزاي لتقارب مخرجيهما، وأدخلوا ألفا ليوصل إلى قراءته، إذ كانت التاء قد سكنت، والساكن لا يُبْتَدأ به.
* *
وحكي عن أبي العالية، وأبي رجاء، والأعرج، وجماعة أخر غيرهم، أنهم قرءوا ذلك: ﴿وَأَزْيَنَتْ﴾ على مثال "أفعلت".
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ لإجماع الحجة من القراء عليها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لعباده: أيها الناس، لا تطلبوا الدنيا وزينتَها، فإن مصيرها إلى فناءٍ وزوالٍ، كما مصير النبات الذي ضربه الله لها مثلا إلى هلاكٍ وبَوَارٍ، ولكن اطلبوا الآخرة الباقية، ولها فاعملوا، وما عند الله فالتمسوا بطاعته، فإن الله يدعوكم إلى داره، وهي جناته التي أعدَّها لأوليائه، تسلموا من الهموم والأحزان فيها، وتأمنوا من فناء ما فيها من النَّعيم والكرامة التي أعدَّها لمن دخلها، وهو يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول إلى رضاه، وطريقًا لمن ركبه وسلك فيه إلى جِنانه وكرامته، [[انظر تفسير " الهداية " و " الصراط المستقيم " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) ، (سرط) ، (قوم) .]] كما:-
١٧٦٠٤- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: "الله"، السلام، ودارُه الجنة.
١٧٦٠٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ ، قال: "الله" هو السلام، ودارُه الجنة.
١٧٦٠٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ قال، قيل لي: "لتنم عينُك، وليعقِل قلبك، ولتسمع أُذُنك" فنامت عيني، وعقل قلبي، وسمعت أذني. ثم قيل: " سيّدٌ بنى دارًا، ثم صنع مأدُبة، ثم أرسل داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ورضي عنه السيد. ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، ولم يرضَ عنه السيد"، فالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد ﷺ". [[الأثر: ١٧٦٠٦ - " أبو قلابة "، هو: " عبد الله بن زيد الجرمي "، أحد أعلام التابعين، مضى مرارًا. فهذا خبر " مرسل "، وسيأتي نحوه متصلا في تخريج الأثر رقم: ١٧٦٠٩.]]
١٧٦٠٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ ، ذكر لنا أن في التوراة مكتوبًا:" يا باغي الخير هلمّ، ويا باغي الشرِّ انتَهِ".
١٧٦٠٨- حدثني الحسين بن سلمة بن أبي كبشة قال، حدثنا عبد الملك بن عمرو قال، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة قال، حدثني خُلَيد العَصَريّ، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجَنَبَتَيْها ملكان يناديان، يسمعُه خلق الله كلهم إلا الثَّقلين [[" الجنبة " (بفتح الجيم والنون، وبفتحها وإسكان النون) الناحية، ورواة الحديث يروون " الجنبة " فتحتين، وأهل اللغة يؤثرون سكون النون. ويستدلون على ذلك بقول أبي صعترة البولاني: فما نُطْفَةٌ مِنْ حَبِّ مُزْنٍ تَقَاذَفَتْ ... به جَنْبَتَا الجُودِيِّ والليلُ دَامِسُ
بِأَطْيَبِ مَنْ فِيهَا، وَمَا ذُقْتُ طَعْمَهُ، ... وَلكِنَّنِي فِيما تَرَى العَيْنُ فَارِسُ
والذي رواه أهل الحديث جيد صحيح.]] : "يا أيها الناس هلمُّوا إلى ربِّكم، إنّ ما قلَّ وكفى خير مما كثر وأَلْهَى". قال: وأنزل ذلك في القرآن في قوله: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ . [[الأثر: ١٧٦٠٨ - " الحسين بن سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن أبي كبشة الأزدي الطحان "، شيخ الطبري، ثقة. روى عنه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، مترجم في التهذيب، وأبي ابن حاتم ١ / ٢ / ٥٤. و " عبد الملك بن عمرو "، هو " أبو عامر العقدي "، ثقة، مضى مرارًا كثيرة، آخرها رقم: ١٢٧٩٥. و" عباد بن راشد التميمي "، ثقة وليس بالقوي، روى له البخاري مقرونا بغيره، مضى برقم: ١١٠٦٠، ١٢٥٢٧. و" خليد بن عبد الله العصري "، روى عن أبي الدرداء، وقال ابن حبان في الثقات، وذكره: يقال إن هذا مولى لأبي الدرداء. وفرق البخاري في الكبير بين " خليد مولى أبي الدرداء "، و " خليد بن عبد الله العصري "، وكذلك ابن أبي حاتم. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ١ / ١٨١، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٣٨٣. وهذا خبر صحيح الإسناد، ورواه أحمد في مسنده مطولا ٥: ١٩٧، من طريق همام، عن قتادة، عن خليد العصري. وزيادته: " وَلَا آبَت شمس قَطُّ إلا بعث بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَان يُناديان، يُسْمِعان أهل الأرض إلا الثَّقلين: اللهمّ أعطِ مُنْفقًا خلفًا، وأعط مُمْسكًا تَلَفًا ". وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٣٠٤، مطولًا، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان.]]
١٧٦٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا فقال: إني رأيت في المنام كأنَّ جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا! فقال: اسْمَع سمعتْ أُذنك، واعقل عَقَل قلبك، إنما مَثَلك ومَثَل أمتك، كمثل ملك اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مأدُبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه.
فالله الملك، والدار الإسلام، والبيتُ الجنَّة، وأنت يا محمد الرسولُ، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها. [[الأثر: ١٧٠٦٩ - " خالد بن يزيد الجمحي المصري " ثقة مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٣٣٧٧. و"سعيد بن أبي هلال الليثي المصري "، ثقة، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٤٢٩، روايته عن جابر مرسلة، وحديثه عن جابر أورده البخاري معلقًا، متابعة. وفي الترمذي: " سعيد بن أبي هلال، لم يدرك جابرًا ". فهذا خبر مرسل عن جابر، وصله الحاكم في المستدرك ٢: ٣٣٨ من طريق " عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال قال: سمعت أبا جعفر محمد بن على بن الحسين، وتلا هذه الآية: " والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" فقال: حدثني جابر بن عبد الله "، ثم قال الحاكم: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ".
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٣٠٤، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، بمثل لفظ الحاكم وإسناده. وكان في المطبوعة: " أكل منها "، وهو موافق لما في سائر المراجع، وأثبت ما في المخطوطة، لأنه واضح لا إشكال في قراءته، ولا في معناه.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: للذين أحسنوا عبادَة الله في الدنيا من خلقه، فأطاعوه فيما أمر ونَهَى، ﴿الحسنى﴾ .
* *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى "الحسنى"، و"الزيادة" اللتين وعدهما المحسنين من خلقه.
فقال بعضهم: "الحسنى"، هي الجنة، جعلها الله للمحسنين من خلقه جزاء = "والزيادة عليها"، النظر إلى الله.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦١٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن أبي بكر الصديق: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: النظر إلى وجه ربهم. [[الأثر: ١٧٦١٠ - " عامر بن سعد البجلي "، تابعي ثقة، له في الصحيح حديث واحد، وروايته عن أبي بكر الصديق، مرسلة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٢١. وهذا الخبر، أخرجه الآجري في الشريعة ص: ٢٥٧، من طرق، مرسلًا.]]
١٧٦١١- حدثنا سفيان قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: النظر إلى وجه الله. [[الأثر: ١٧٦١١ - " سعيد بن نمران الناعطي "، روى عن أبي بكر الصديق، روى عنه عامر بن سعد العجلي، وكان سعيد بن نمران الناعطي، من أصحاب علي بن أبي طالب، وضمه إلى عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، حين ولاه اليمن، وشهد اليرموك، وكان ابنه مسافر بن سعيد بن نمران من أصحاب المختار، مترجم في الكبير ٢ / ١ / ٤٧٣، وابن أبي حاتم، ٢ / ١ / ٦٨، وابن سعد ٦: ٥٦، وقال البخاري " سمع أبا بكر "، ولكن العجيب أن ابن حجر ترجم له في لسان الميزان ٣: ٤٦، وقال: " مجهول "، وكذلك قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١: ٣٩٢. فأخشى أن يكون ذلك تجاوزًا من الذهبي وابن حجر، وأنهما عنيا بقولهما " مجهول " أن حال روايته وسماعه من أبي بكر هو المجهول، لا سعيد بن نمران نفسه. وإلا فكيف يكون مجهولا، وهو مذكور مترجم، وله عند الطبري في تاريخه ذكر ٤: ١٢٦، في حوادث سنة ١٤، في فتح اليرموك ثم في سنة ١٧ (٤: ١٩٤) في خبر سعد بن أبي وقاص وعمر بن الخطاب، وأن سعدًا " أرسل إلى قوم من نساب العرب وذوي رأيهم وعقلائهم منهم سعيد بن نمران، ومشعلة بن نعيم ". وفي باب ذكر الكتاب من بدء أمر الإسلام (تاريخ الطبري ٧: ١٩٨) : " وكان يكتب لعلي، سعيد بن نمران الهمداني، ثم ولّى قضاء الكوفة لابن الزبير ". وذكره وكيع أيضًا في أخبار القضاة ٢: ٣٩٦، ٣٩٧، وقال: " لما قدم علي الكوفة، ولى سعيد بن نمران الهمداني ثم عزله، وولى مكانه عبيدة السلماني" ثم قال في ص ٣٩٧: " فاستقضى ابن الزبير سعيد بن نمران الهمداني، فقضى ثلاث سنين ". وذكر كتابته لعلي، الجهشياري في الوزراء والكتاب ص: ٢٣. فثبت بهذا أنه معروف مشهور، وأما " المجهول "، فهو حال سماعه من أبي بكر، لولا ما قاله البخاري من أنه سمع أبا بكر.
ومهما يكن من أمر، فهذا خبر في إسناده نظر. خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٣٠٦، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن خزيمة، وابن المنذر، وأبي الشيخ، والدارقطني، وابن منده في الرد على الجهمية، واللالكائي والآجري، والبيهقي، كلاهما في الرؤية.]]
١٧٦١٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: النظر إلى وجه ربهم.
١٧٦١٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد قال: في هذه الآية: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: "الزيادة"، النظر إلى وجه الرحمن.
١٧٦١٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن نذير، عن حذيفة: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ قال: النظر إلى وجه ربهم. [[الأثر: ١٧٦١٤ - " مسلم بن نذير السعدي "، ويقال: " مسلم بن يزيد "، ويقال إن " يزيد " جده. روى عن حذيفة، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وهو من أهل الكوفة، كان قليل الحديث، ويذكرون أنه كان يؤمن بالرجعة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٧٣، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٩٧، ١٩٩ في " مسلم بن يزيد السعدي ". وابن سعد ٦: ١٥٩. و " نذير " بضم النون، على التصغير.]]
١٧٦١٥- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا شريك قال: سمعت أبا إسحاق يقول في قول الله: ﴿وزيادة﴾ ، قال: النظر إلى وجه الرحمن.
١٧٦١٦- حدثني علي بن عيسى قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا أبو بكر الهذلي قال: سمعت أبا تميمة الهُجَيْمِيّ، يحدَّث عن أبي موسى الأشعري قال: إذا كان يومُ القيامة بعث الله إلى أهل الجنة مناديًا ينادي: "هل أنجزكم الله ما وعدكم"! فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامة، فيقولون: نعم! فيقول: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، النظرُ إلى وجه الرحمن. [[الأثر: ١٧٦١٦ - " أبو بكر الهذلي "، ضعيف بمرة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٤٦٩٠. و " أبو تميمة الهجيمي "، هو " طريف بن مجالد "، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/٣٥٦، وابن أبي حاتم ٢/١/٤٩٢، وهذا خبر ضعيف الإسناد، وسيأتي في الأثرين التاليين.]]
١٧٦١٧- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهذلي قال: أخبرنا أبو تميمة الهجيمي قال، سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: إن الله يبعث يوم القيامة مَلَكًا إلى أهل الجنة فيقول: "يا أهل الجنة، هل أنجزكم الله ما وعدكم"! فينظرون، [[في المطبوعة: " فينظرون، إلى ما أعد الله لهم من الكرامة، فيرون "، زاد على المخطوطة ما ليس فيها، أظنه فعله متابعًا لما جاء في الأثر السالف.]] فيرون الحليّ والحُلل والثمار والأنهار والأزواجَ المطهَّرة، فيقولون: "نعم، قد أنجزنا الله ما وعدنا"! ثم يقول الملك: "هل أنجزكم الله ما وعدكم"؟ ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئًا مما وُعِدوا، فيقولون: "نعم"! فيقول: "قد بقى لكم شيءٌ، إن الله يقول: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظرُ إلى وجه الله". [[الأثر: ١٧٦١٧ - هو مكرر الذي قبله مطولا، وهو ضعيف بمرة، لضعف " أبي بكر الهذلي "، كما سلف.]]
١٧٦١٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي: أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدّث عن رسول الله ﷺ: إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي أهل الجنة بصوت يسمع أوّلهم وآخرهم: [[في المخطوطة " يسمع ألهم آخرهم "، وكأن الصواب ما في المطبوعة.]] "إن الله وعدكم الحسنى وزيادةً، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن". [[الأثر: ١٧٦١٨ - " شبيب بن سعيد التيمي الحبطي "، أحاديثه مستقيمة، ومضى برقم: ٦٦١٣، ١٢٠٨٥، غير أن ابن وهب حدث عنه بأحاديث مناكير، قال ابن عدي: " ولعل شبيبًا لما قدم مصر في تجارته، كتب عنه ابن وهب من حفظه، فغلط ووهم. وأرجو أن لا يتعمد الكذب وإذا حدث عنه ابنه أحمد، فكأنه شبيب آخر يعني = يجود ". و " أبان "، هو " أبان بن أبي عياش فيروز "، مولى عبد القيس، كان رجلا صالحًا سخيًّا، فيه غفلة، يهم في الحديث ويخطئ فيه حتى أسقطوا روايته، وحتى قال فيه شعبة: " لأن أشرب من بول حماري أحب إلي من أن أقول: حدثني أبان = ولأن يزني الرجل، خير من أن يروى من أبان ". ومضى برقم: ٦٧٢٨. فهذا أيضًا خبر هالك الإسناد. وخبر أبي موسى الأشعري، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٣٠٥، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والدارقطني في الرؤية، وابن مردويه.]]
١٧٦١٩- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: النظر إلى وجه ربهم. وقرأ: ﴿ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة﴾ ، قال: بعد النظر إلى وجْه ربهم.
١٧٦٢٠- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان بن المغيرة قال، أخبرنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿وزيادة﴾ ، قال: قيل له: أرأيت قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ؟ قال: إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فأُعطوا فيها ما أُعْطُوا من الكرامة والنعيم، قال: نودوا: "يا أهل الجنة، إن الله قد وعدكم الزيادة، فيتجلى لهم" = قال ابن أبي ليلى: فما ظنك بهم حين ثَقُلت موازينهم، وحين صارت الصُّحف في أيمانهم، وحين جاوزوا جسر جهنم ودخلوا الجنة، وأعطوا فيها ما أعطوا من الكرامة والنعيم؟ كل ذلك لم يكن شيئًا فيما رأوا!. [[الأثر: ١٧٦٢٠ - الآثار من رقم: ١٧٦١٩ إلى رقم: ١٧٦٢٣، راجع آخر التعليق التالي.]]
١٧٦٢١-. . . . قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، وسليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: النظر إلى وجه ربهم.
١٧٦٢٢-. . . . قال: حدثنا الحجاج، ومعلّى بن أسد قالا حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إذا دخل أهل الجنة الجنةَ قال لهم: إنه قد بقي من حقكم شيءٌ لم تُعْطَوْه! قال: فيتجلى لهم تبارك وتعالى. قال: فيصغر عندهم كل شيء أعطوه. قال: ثم قال: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه ربهم، ولا يرهقُ وجوههم قترٌ ولا ذلةٌ بعد ذلك.
١٧٦٢٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، النظر إلى وجه الله.
١٧٦٢٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هوذة قال، حدثنا عوف، عن الحسن في قول الله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، النظر إلى الربّ.
١٧٦٢٥- حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، نودوا: " يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا "! قالوا: ما هو؟ ألم تبيّض وجوهنا، وتُثْقِل موازيننا، وتُدخلنا الجنة، وتُنْجِنَا من النار؟ فيكشف الحجابُ، فيتجلى لهم، فوالله ما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه = ولفظ الحديث لعمرو.
١٧٦٢٦- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال، تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النار، نادى منادٍ: "يا أهل الجنة، إنّ لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكُمُوه". فيقولون: "وما هو؟ ألم يُثقل الله موازيننا، ويبيِّض وجوهنا؟ ثم ذكر سائر الحديث نحو حديث عمرو بن علي، وابن بشار، عن عبد الرحمن. [[الأثر: ١٧٦٢٦ - هذا خبر صحيح، رواه مسلم في صحيحه ٣: ١٦، ١٧، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، ومن طريق يزيد بن هارون عن حماد. ورواه أبو داود الطياليسي في مسنده ص:١٨٦ رقم ٢٣١٥، روايته عن حماد بن سلمة. ورواه أحمد في مسنده (٤: ٣٣٢، ٣٣٣) من ثلاث طرق، من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد، ومن طريق يزيد بن هارون عن حماد، ومن طريق عفان عن حماد = ثم رواه في مسنده (٦: ١٥) من طريق يزيد، عن حماد. ورواه ابن ماجه في سننه ص ٦٧، رقم: ١٨٧ من طريق حجاج بن المنهال، عن حماد. ورواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد، ثم قال: " حديث حماد بن سلمة، هكذا رواه غير واحد عن حماد بن سلمة مرفوعا، وروى سليمان بن المغيرة هذا الحديث عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله، ولم يذكر فيه: عن صهيب، عن النبي ﷺ ". وهذا الذي أشار إليه الترمذي، هو ما رواه أبو جعفر من رقم: ١٧٦١٩ - ١٧٦٢٣. ورواه الآجري في الشريعة: ٢٦١ من طريق يزيد بن هارون عن حماد، ومن طريق هناد بن السري، عن قبيصة بن عقبة، عن حماد.]]
١٧٦٢٧-. . . . قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى. [[الأثر: ١٧٦٢٧ - " سعيد بن نمران " مضى برقم: ١٧٦١١، ولم يذكر أن أبا إسحاق السبيعي، سمع من سعيد بن نمران، وظاهر أن بينهما " عامر بن سعد "، كما سلف في الآثار من رقم: ١٧٦١٠ - ١٧٦١٣.]]
١٧٦٢٨-. . . . قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، مثله.
١٧٦٢٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، بلغنا أن المؤمنين لما دَخلوا الجنة ناداهم منادٍ: إن الله وعدكم الحسنى وهي الجنة، وأما الزيادة، فالنظر إلى وجه الرحمن.
١٧٦٣٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
١٧٦٣١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: الزيادة، النظرُ إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى. [[الأثر: ١٧٦٣١ - " إبراهيم بن المختار التميمي "، " حبويه "، " أبو إسماعيل الرازي ".
روى عن شعبة، ومالك، وابن جريج، وغيرهم. قال ابن معين: " ليس بذاك "، وقال البخاري: " فيه نظر "، وقال ابن حبان في الثقات: " يتقي حديثه من رواية ابن حميد عنه ". مترجم في التهذيب والكبير ١ / ١ / ٣٢٩، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ١٣٨، وميزان الاعتدال ١: ٣١. و" عطاء "، هو " عطاء بن أبي مسلم الخراساني " وهو " عطاء بن ميسرة "، مضى مرارًا. وروى عن الصحابة مرسلا، كابن عباس، وعدي بن عدي الكندي، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأنس، وكعب بن عجرة، ومعاذ بن جبل، وغيرهم. فهذا خبر ضعيف الإسناد لضعف " إبراهيم بن المختار "، ولأنه من مرسل عطاء عن كعب بن عجرة.]]
١٧٦٣٢-. . . . قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط قال: "الحسني"، النضرة = و"الزيادة"، النظر إلى وجه الله.
١٧٦٣٣- حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال، سمعت زهيرًا، عمن سمع أبا العالية قال، حدثنا أبيّ بن كعب: أنه سأل رسول الله ﷺ، عن قول الله ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: الحسنى: الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله. [[الأثر: ١٧٦٣٣ - هذا خبر ضعيف إسناده، لجهالة من روى عن أبي العالية.]]
* *
وقال آخرون في "الزيادة"، بما:-
١٧٦٣٤- حدثنا به يحيى بن طلحة قال، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن الحكم، عن علي رضي الله عنه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: "الزيادة"، غرفة من لؤلؤة واحدةٍ لها أربعة أبواب. [[الأثر: ١٧٦٣٤ - " الحكم "، هو " الحكم بن عتيبة الكندي " مضى مرارًا، والثابت سماعه من التابعين، فإنه ولد سنة ٥٠، ومات سنة ١١٣، وكان فيه تشيع إلا أن ذلك لم يظهر منه. فهذا حديث ضعيف لإرساله عن علي.]]
١٧٦٣٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن الحكم، عن علي رضي الله عنه، نحوه، إلا أنه قال: فيها أربعة أبواب.
١٧٦٣٦-. . . .قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم بن عتيبة، عن علي رضي الله عنه، مثل حديث يحيى بن طلحة، عن فضيل، سواءً.
* *
وقال آخرون: "الحسنى" واحدةٌ من الحسنات بواحدة =
و"الزيادة"، التضعيف إلى تمام العشر.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٣٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: هو مثل قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ، [سورة ق: ٣٥] ، يقول: يجزيهم بعملهم، ويزيدهم من فضله. وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ، [سورة الأنعام: ١٦٠] .
١٧٦٣٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن علقمة بن قيس: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال قلت: هذه الحسنى، فما الزيادة؟ قال: ألم تر أن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ؟
١٧٦٣٩- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول في هذه الآية: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: الزيادة: بالحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف.
* *
وقال آخرون: "الحسنى" حسنة مثل حسنة = و"الزيادة" زيادة مغفرة من الله ورضوان.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ ، مثلها حسنى = "وزيادة"، مغفرة ورضوان.
* *
وقال آخرون: "الزيادة"، ما أعطوا في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٤١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، قال: "الحسنى"، الجنة = "وزيادة" ما أعطاهم في الدنيا، لا يحاسبهم به يوم القيامة. وقرءوا: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ ، [سورة العنكبوت: ٢٧] ، قال: ما آتاه مما يحب في الدنيا، عجل له أجره فيها.
* *
وكان ابن عباس يقول في قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ ، بما:-
١٧٦٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ ، يقول: للذين شهدوا أن لا إله إلا الله.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وَعَد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى، أن يجزيهم على طاعتهم إيّاه الجنة، وأن تبيض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها. ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غُرفا من لآلئ، وأن يزيدَهم غفرانا ورضوانًا، كل ذلك من زيادات عطاء الله إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعمّ ربنا جل ثناؤه بقوله: ﴿وزيادة﴾ ، الزيادات على "الحسنى"، فلم يخصص منها شيئًا دون شيء، وغير مستنكَرٍ من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم إن شاء الله. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يُعَمَّ، كما عمَّه عز ذكره.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة﴾ ، لا يغشى وجوههم كآبة، ولا كسوف، حتى تصير من الحزن كأنما علاها قترٌ.
* *
و"القتر" الغبار، وهو جمع "قَتَرَةٍ" ومنه قول الشاعر: [[هو الفرزدق.]]
مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرَّاياتِ وَالْقَتَرَا [[ديوانه: ٢٩٠، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٧٧، واللسان (قتر) ، وغيرها، ورواية ديوانه " معتصب برداء الملك "، وهذا بيت من قصيدة مدح فيها بشر بن مروان، وقبله: كُلُّ امْرِئٍ لِلْخَوْفِ أَمَّنَهُ ... بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ وَالمَذْعُورُ مَنْ ذَعَرَا
فَرْعٌ تَفَرَّعَ فِي الأَعْياصِ مَنْصِبُهُ ... والعامِرَيْنِ، لَهُ العِرنَيْنُ مِنْ مُضَرَا]]
يعني ب "القتر" الغبار.
* *
= ﴿ولا ذلة﴾ ، ولا هوان [[انظر تفسير " الذلة " فيما سلف ١٣: ١٣٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿أولئك أصحاب الجنة﴾ ، يقول: هؤلاء الذين وصفت صفتهم، هم أهل الجنة وسكانها، [[انظر تفسير " أصحاب الجنة " فيما سلف من فهارس اللغة (صحب) .]]
ومن هو فيها [[في المطبوعة: " ومن هم فيها "، غير ما في المخطوطة لغير طائل.]] = ﴿هم فيها خالدون﴾ ، يقول: هم فيها ماكثون أبدًا، لا تبيد، فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغَّص عليهم لذَّتُهم. [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* *
وكان ابن أبي ليلى يقول في قوله: ﴿ولا يرهق وجوههم قتر﴾ ما:-
١٧٦٤٣- حدثنا محمد بن منصور الطوسي قال، حدثنا عفان قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ﴿ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة﴾ ، قال: بعد نظرهم إلى ربِّهم. [[الأثر: ١٧٦٤٣ - " محمد بن منصور بن داود الطوسي "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٦٦٥٣.]]
١٧٦٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج، ومعلَّى بن أسد قالا حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بنحوه.
١٧٦٤٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: ﴿ولا يرهق وجوههم قتر﴾ ، قال: سوادُ الوجوه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين عملوا السيئات في الدنيا، فعصوا الله فيها، وكفروا به وبرسوله [[انظر تفسير " كسب " فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) ، (سوأ) .]] = ﴿جزاء سيئة﴾ ، من عمله السيئ الذي عمله في الدنيا = ﴿بمثلها﴾ ، من عقاب الله في الآخرة = ﴿وترهقهم ذلة﴾ ، يقول: وتغشاهم ذلة وهوان، بعقاب الله إياهم [[انظر تفسير " الرهق " فيما سلف قريبًا ص: ٧٢.
= وتفسير " ذلة " فيما سلف ص: ٧٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
= ﴿ما لهم من الله من عاصم﴾ ، يقول: ما لهم من الله من مانع يمنعهم، إذا عاقبهم، يحول بينه وبينهم.
* *
وبنحو الذي قلنا قوله:"وترهقهم ذلة" قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٤٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وترهقهم ذلة﴾ ، قال: تغشاهم ذلة وشدّة.
* *
واختلف أهل العربية في الرافع ل "لجزاء".
فقال بعض نحويي الكوفة: رُفع بإضمار "لهم"، كأنه قيل: ولهم جزاء السَّيئة بمثلها، كما قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ ، [سورة البقرة: ١٩٦] ، والمعنى: فعليه صيام ثلاثة أيام، قال: وإن شئت رفعت الجزاءَ بالباء في قوله: ﴿وجزاء سيئة بمثلها﴾ . [[هذه مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٤٦١، وفي المطبوعة: " وجزاء سيئة بمثلها " بالواو، وفي معاني القرآن للفراء " فجزاء " بالفاء، ولا أجد في القرآن آية فيها مثل ذلك بالواو أو بالفاء، وإنما عني هذه الآية بعينها.]]
* *
وقال بعض نحويي البصرة: "الجزاء" مرفوع بالابتداء، وخبره ﴿بمثلها﴾ . قال: ومعنى الكلام: جزاء سيئة مثلها، وزيدت "الباء"، كما زيدت في قوله: " بحسبك قول السُّوء".
وقد أنكر ذلك من قوله بعضُهم، فقال: يجوز أن تكون "الباء" في "حسب" [زائدة [[الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام.]] ]
لأن التأويل: إن قلت السوء فهو حسبك = فلما لم تدخل في الخبر، [[في المطبوعة والمخطوطة: " لم تدخل في الجزاء "، وهو خطأ لا ريبة فيه.]] أدخلت في "حسب"، "بحسبك أن تقوم": إن قمت فهو حسبك. [[أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.]] فإن مُدح ما بعد "حسب" أدخلت "الباء"، فيما بعدها، كقولك: "حسبك بزيد"، ولا يجوز "بحسبك زيد"، لأن زيدًا الممدوح، فليس بتأويل خبَرٍ. [[في المطبوعة والمخطوطة في هذا الموضع أيضًا: " فليس بتأويل جزاء "، وهو فساد لا شك فيه.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يكون "الجزاء" مرفوعًا بإضمارٍ، بمعنى: فلهم جزاء سيئة بمثلها، لأن الله قال في الآية التي قبلها: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ ، فوصف ما أعدَّ لأوليائه، ثم عقب ذلك بالخبر عما أعدّ الله لأعدائه، فأشبهُ بالكلام أن يقال: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة، وإذا وُجِّه ذلك إلى هذا المعنى، كانت الباء صلة للجزاء.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كأنما ألبست وجوه هؤلاء الذين كسبوا السيئات [[انظر تفسير " الإغشاء " فيما سلف ١٢: ٤٨٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
= ﴿قِطَعًا من الليل﴾ ، وهي جمع "قطعة".
* *
وكان قتادة يقول في تأويل ذلك ما:-
١٧٦٤٧- حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلمًا﴾ ، قال: ظلمة من الليل.
* *
واختلفت القراء في قراءة قوله تعالى: ﴿قطعًا﴾ فقرأته عامة قراء الأمصار: ﴿قِطَعًا﴾ بفتح الطاء، على معنى جمع "قطعة"، وعلى معنى أنَّ تأويل ذلك: كأنما أُغشِيَت وَجْه كل إنسان منهم قطعةٌ من سواد الليل، ثم جمع ذلك فقيل: كأنما أغشيت وجوههم قطعا من سواد، إذ جُمِع "الوجه".
* *
وقرأه بعض متأخري القراء: "قِطْعًا" بسكون الطاء، بمعنى: كأنما أغشيت وجوههم سوادًا من الليل، وبقيةً من الليل، ساعةً منه، كما قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ ، [سورة هود: ٨١ /سورة الحجر: ٦٥] ، أي: ببقية قد بقيت منه.
ويعتلُّ لتصحيح قراءته كذلك، أنه في صحف أبيّ: ﴿وَيَغْشَى وُجُوهَهُمْ قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ﴾ . [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٦٢.]]
* *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا يجوز خلافها عندي، قراءةُ من قرأ ذلك بفتح الطاء، لإجماع الحجة من قراء الأمصار على تصويبها، وشذوذ ما عداها. وحسبُ الأخرى دلالةً على فسادها، خروج قارئها عما عليه قراء أهل أمصار الإسلام. [[في المطبوعة: " أهل الأمصار والإسلام "، وهو عبث سخيف.]]
* *
فإن قال لنا قائل: فإن كان الصواب في قراءة ذلك ما قلت، فما وجه تذكير "المظلم" وتوحيده، وهو من نعت "القطع"، و"القطع"، جمع لمؤنث؟
قيل: في تذكير ذلك وجهان: [[في المطبوعة: " في تذكيره "؛ بالهاء مضافة، وهو عبث أيضًا.]]
أحدهما: أن يكون قَطْعًا من "الليل" [[" القطع " (بفتح فسكون) ، الحال، كما سلف مرارًا شرحه وبيانه، وانظر ما سلف ١١: ٤٥٥ / ١٢: ٤٧٧، وفهارس المصطلحات. وقد بين الطبري في هذا الموضع بأحسن البيان عن معنى " القطع "، وقد سلف كلامنا فيه مرارًا.]] . وإن يكون من نعت "الليل"، فلما كان نكرةً، و"الليل" معرفةً، نصب على القَطْع،
فيكون معنى الكلام حينئذ: كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل المظلم = ثم حذفت الألف واللام من "المظلم"، فلما صار نكرة وهو من نعت "الليل "، نصب على القطع. وتسمي أهل البصرة ما كان كذلك "حالا"، والكوفيون "قطعًا".
والوجه الآخر: على نحو قول الشاعر: [[هو أبو ذؤيب.]]
لَوْ أَنَّ مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا * [[ديوانه: ١١٣، في آخر قصيدة له، ورواية الديوان: لَوْ كان مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا ... أَحْيَى أُبُوَّتَكِ الشُّمَّ الأَمَادِيحُ
وهذا لا شاهد فيه، ويروى: * لَوْ كان مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا *
وهذا شاهد.]]
والوجه الأوّل أحسن وجهيه.
وقوله: ﴿أولئك أصحاب النار﴾ ، يقول: هؤلاء الذين وصفت لك صفتهم أهلُ النار الذين هم أهلها [[انظر تفسير " أصحاب النار " فيما سلف من فهارس اللغة (صحب) .]]
= ﴿هم فيها خالدون﴾ ، يقول: هم فيها ماكثون. [[انظر تفسير " الخلود "، فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويوم نجمع الخلق لموقف الحساب جميعًا، [[انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ١٣: ٥٢٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] ثم نقول حينئذ للذين أشركوا بالله الآلهةَ والأندادَ: = ﴿مكانَكم﴾ ، أي: امكثوا مكانكم، وقفوا في موضعكم، أنتم، أيها المشركون، وشُركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأوثان = ﴿فزيّلنا بينهم﴾ ، يقول: ففرقنا بين المشركين بالله وما أشركوه به.
* *
= [من قولهم: "زِلْت الشيء أزيلُه "، إذا فرّقت بينه] وبين غيره وأبنته منه. [[هذه الزيادة بين القوسين، استظهار من نص اللغة لا بد منه، وكان الكلام في المخطوطة سردًا واحدًا، وهو فساد من الناسخ. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٩٢.]] وقال: "فزيّلنا" إرادة تكثير الفعل وتكريره، ولم يقل: "فزِلْنا بينهم".
* *
وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: ﴿فَزَايَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ ، كما قيل: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ ، [سورة لقمان: ١٨] ، والعرب تفعل ذلك كثيرًا في "فعَّلت"، يلحقون فيها أحيانًا ألفًا مكان التشديد، فيقولون: "فاعلت" إذا كان الفعل لواحدٍ. وأما إذا كان لاثنين، فلا تكاد تقول إلا "فاعلت". [[انظر بيان هذا أيضًا في معاني القرآن للفراء ١: ٤٩٢، فهو نحو منه.]]
* *
= ﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون﴾ ، وذلك حين ﴿تبرَّأ الذين اتَّبعوا من الذين اتُّبعوا ورأوا العذاب وتقطَّعت بهم الأسباب، لما قيل للمشركين: "اتبعوا ما كنتم تعبدون من دون الله"، ونصبت لهم آلهتهم، قالوا: "كنا نعبد هؤلاء"!، فقالت الآلهة لهم: (ما كنتم إيانا تعبدون﴾ ، كما:-
١٧٦٤٨- حدثت عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: يكون يومَ القيامة ساعةٌ فيها شدة، تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون، فيقال: "هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله"، فتقول الآلهة: "والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا"! فيقولون: "والله لإيّاكم كنا نعبد"! فتقول لهم الآلهة: ﴿فكفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم إنْ كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ .
١٧٦٤٩- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم﴾ ، قال: فرّقنا بينهم = ﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون﴾ ! قالوا: بلى، قد كنا نعبدكم! فقالوا: ﴿كفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ ، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نتكلم! فقال الله: ﴿هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت﴾ ، الآية.
* *
وروي عن مجاهد، أنه كان يتأول "الحشر" في هذا الموضع، الموت.
١٧٦٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الأعمش قال: سمعتهم يذكرون عن مجاهد في قوله: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا﴾ ، قال: الحشر: الموت.
* *
قال أبو جعفر: والذي قلنا في ذلك أولى بتأويله، لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه يقول يومئذ للذين أشركوا ما ذكر أنه يقول لهم، ومعلومٌ أن ذلك غير كائن في القبر، وأنه إنما هو خبَرٌ عما يقال لهم، ويقولون في الموقف بعد البعث.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) ﴾
قال أبو جعفر: ويقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل شركاء المشركين من الآلهة والأوثان لهم يوم القيامة، إذ قال المشركون بالله لها: إياكم كنا نعبد = (كفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم) ، أي إنها تقول: حسبُنا الله شاهدًا بيننا وبينكم، أيها المشركون، فإنه قد علم أنّا ما علمنا ما تقولون = ﴿إنا كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ ، يقول: ما كنا عن عبادتكم إيانا دون الله إلا غافلين، لا نشعر به ولا نعلم، [[انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص: ٢٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما:-
١٧٦٥١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ ، قال: كُلُّ شيء يعبد من دون الله. [[في المطبوعة: " قال ذلك كل شيء "، زاد " ذلك " وأثبت ما في المخطوطة، وهو لا بأس به.]]
١٧٦٥٢- حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٦٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: ﴿إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ ، قال: يقول ذلك كُلُّ شيء كان يُعْبد من دون الله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾ ، بالباء، بمعنى: عند ذلك تختبر كلّ نفس ما قدمت من خيرٍ أو شٍّر. [[في المطبوعة: " بما قدمت " بالباء، لم يحسن قراءة المخطوطة. وانظر تفسير " الابتلاء " فيما سلف من فهارس اللغة (بلا)]]
وكان ممن يقرؤه ويتأوّله كذلك، مجاهدٌ.
١٧٦٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت﴾ ، قال: تختبر.
١٧٦٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٦٥٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* *
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة وبعض أهل الحجاز: ﴿تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ ، بالتاء. [[انظر هذه القراءة وتفسيرها فيما سلف ٢: ٤١١.]]
* *
واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله.
فقال بعضهم: معناه وتأويله: هنالك تتبع كل نفس ما قدَّمت في الدنيا لذلك اليوم. [[انظر تفسير " يتلو " فيما سلف من فهارس اللغة (تلا) .]]
وروي بنحو ذلك خبرٌ عن النبي ﷺ، من وجْه وسَنَدٍ غير مرتضى أنه قال: يَمْثُل لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله يوم القيامة، فيتَّبعونهم حتى يوردوهم النار. قال: ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت﴾ . [[" لم أجد نص الخبر في غير هذا المكان. مسندًا ولا غير مسند.]]
* *
وقال بعضهم: بل معناه: يتلو كتاب حسناته وسيئاته. يعني يقرأ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ ، [سورة الإسراء: ١٣] .
* *
وقال آخرون: "تَتْلو" تعاين. [[في المطبوعة في المواضع كلها " تبلو " بالباء، وفي المخطوطة غير منقوطة، والصواب بالتاء، وذلك بين أيضًا من سياق التفسير لهذه القراءة.]]
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٥٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿هنالك تَتْلو كل نفس ما أسلفت﴾ ، قال: ما عملت. تتلو: تعاينه.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء، وهما متقاربتا المعنى. وذلك أن من تبع في الآخرة ما أسلفَ من العمل في الدنيا، هجم به على مَوْرده، فيخبر هنالك ما أسلفَ من صالح أو سيئ في الدنيا، وإنّ مَنْ خَبَر من أسلف في الدنيا من أعماله في الآخرة، فإنما يخبرُ بعد مصيره إلى حيث أحلَّه ما قدم في الدنيا من علمه، فهو في كلتا الحالتين مُتَّبع ما أسلف من عمله، مختبر له، فبأيتهما قرأ القارئ كما وصفنا، فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.
* *
وأما قوله: ﴿وردّوا إلى الله مولاهم الحق﴾ ، فإنه يقول: ورجع هؤلاء المشركون يومئذٍ إلى الله الذي هو ربهم ومالكهم، الحقّ لا شك فيه، دون ما كانوا يزعمون أنهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد = ﴿وضل عنخم ما كانوا يفترون﴾ ، يقول: وبطل عنهم ما كانوا يتخرَّصون من الفرية والكذب على الله بدعواهم أوثانهم أنها لله شركاء، وأنها تقرِّبهم منه زُلْفَى، [[انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]] كما:-
١٧٦٥٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وردوا إلى الله مولاهم الحق وضلّ عنهم ما كانوا يفترون﴾ ، قال: ما كانوا يدعون معه من الأنداد والآلهة، ما كانوا يفترون الآلهة، وذلك أنهم جعلوها أندادًا وآلهة مع الله افتراءً وكذبًا.