John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Hud

Tafsir al-Tabari · Hud · 123 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول: ﴿ويا قوم من ينصرني﴾ ، فيمنعني من الله إن هو عاقبني على طردي المؤمنين الموحِّدين الله إن طردتهم؟ = ﴿أفلا تذكرون﴾ ، يقول: أفلا تتفكرون فيما تقولون: فتعلمون خطأه، فتنتهوا عنه؟.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) ﴾

قال أبو جعفر: وقوله: ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله﴾ ، عطف على قوله: ﴿ويا قوم لا أسألكم عليه أجرًا﴾ .

* *

ومعنى الكلام: ﴿ويا قوم لا أسألكم عليه أجرًا﴾ ، ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله﴾ ، التي لا يفنيها شيء، فأدعوكم إلى اتباعي عليها. ولا أعلم أيضًا الغيب = يعني: ما خفي من سرائر العباد، فإن ذلك لا يعلمه إلا الله = فأدّعي الربوبية وأدعوكم إلى عبادتي. ولا أقول أيضًا: إني ملك من الملائكة، أرسلت إليكم، فأكون كاذبًا في دعواي ذلك، بل أنا بشر مثلكم كما تقولون، أمرت بدعائكم إلى الله، وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم = ﴿ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرًا﴾ يقول: ولا أقول للذين اتبعوني وآمنوا بالله ووحَّدوه، الذين تستحقرهم أعينكم، وقلتم: إنهم أراذلكم = ﴿لن يؤتيهم الله خيرًا﴾ ، وذلك الإيمان بالله = ﴿الله أعلم بما في أنفسهم﴾ ، يقول: الله أعلم بضمائر صدورهم، واعتقاد قلوبهم، وهو وليّ أمرهم في ذلك، وإنما لي منهم ما ظهر وبدا، وقد أظهُروا الإيمان بالله واتبعوني، فلا أطردهم ولا أستحل ذلك = ﴿إني إذا لمن الظالمين﴾ ، يقول: إنّي إن قلت لهؤلاء الذين أظهروا الإيمان بالله وتصديقي: ﴿لن يؤتيهم الله خيرًا﴾ ، وقضيت على سرائرهم بخلاف ما أبدته ألسنتهم لي على غير علم منّي بما في نفوسهم، وطردتهم بفعلي ذلك، لمن الفاعلين ما ليس لهم فعله، المعتدين ما أمرهم الله به، وذلك هو "الظلم".

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨١١٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله﴾ التي لا يفينها شيء، فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها = ولا أقول إني ملك نزلت من السماء برسالة، ما أنا إلا بشر مثلكم. ﴿ولا أعلم الغيب﴾ ، ولا أقول اتبعوني على علم الغيب.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال قوم نوح لنوح عليه السلام: قد خاصمتنا فأكثرت خصومتنا، [[انظر تفسير " الجدال " فيما سلف ١٢: ٥٢٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فأتنا بما تعدنا من العذاب، إن كنت من الصادقين في عِداتك ودَعواك أنك لله رسول. يعني: بذلك أنه لن يقدر على شيء من ذلك.

* *

١٨١١٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿جادلتنا﴾ ، قال: ماريتنا.

١٨١١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨١١٩- وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨١٢٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا﴾ ، قال: ماريتنا = ﴿فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا﴾ = قال ابن جريج: تكذيبًا بالعذاب، وأنه باطلٌ ﴿فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا﴾ ، قال ابن جريج: تكذيبًا بالعذاب، وأنه باطلٌ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال نوح لقومه حين استعجلوه العذاب: يا قوم، ليس الذي تستعجلون من العذاب إليّ، إنما ذلك إلى الله لا إلى غيره، هو الذي يأتيكم به إن شاء = ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ = يقول: ولستم إذا أراد تعذيبكم بمعجزيه، أي بفائتيه هربًا منه، لأنكم حيث كنتم في ملكه وسلطانه وقدرته، حكمهُ عليكم جارٍ [[انظر تفسير " الإعجاز " فيما سلف ص: ٢٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿ولا ينفعكم نصحي﴾ ، يقول: ولا ينفعكم تحذيري عقوبته، ونزولَ سطوته بكم على كفركم به = ﴿إن أردت أن أنصح لكم﴾ ، في تحذيري إياكم ذلك، لأن نصحي لا ينفعكم، لأنكم لا تقبلونه. [[انظر تفسير " نصحت لك " فيما سلف ٣: ٢١٢.]] = ﴿إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ ، يقول: إن كان الله يريد أن يهلككم بعذابه = ﴿هو ربكم وإليه ترجعون﴾ ، يقول: وإليه تردُّون بعد الهلاك. [[انظر تفسير " المرجع " فيما سلف من فهارس اللغة (رجع) .]]

* *

حكي عن طيئ أنها تقول: "أصبح فلان غاويًا": أي مريضًا.

وحكي عن غيرهم سماعًا منهم: "أغويت فلانًا"، بمعنى أهلكتَه = و"غَوِيَ الفصيل"، إذا فقد اللبن فمات.

وذكر أن قول الله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ، [سورة مريم: ٥٩] ، أي هلاكًا. [[انظر تفسير " غوى " فيما سلف ١٢:٣٣٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال نوح لقومه حين استعجلوه العذاب: يا قوم، ليس الذي تستعجلون من العذاب إليّ، إنما ذلك إلى الله لا إلى غيره، هو الذي يأتيكم به إن شاء = ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ = يقول: ولستم إذا أراد تعذيبكم بمعجزيه، أي بفائتيه هربًا منه، لأنكم حيث كنتم في ملكه وسلطانه وقدرته، حكمهُ عليكم جارٍ [[انظر تفسير " الإعجاز " فيما سلف ص: ٢٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿ولا ينفعكم نصحي﴾ ، يقول: ولا ينفعكم تحذيري عقوبته، ونزولَ سطوته بكم على كفركم به = ﴿إن أردت أن أنصح لكم﴾ ، في تحذيري إياكم ذلك، لأن نصحي لا ينفعكم، لأنكم لا تقبلونه. [[انظر تفسير " نصحت لك " فيما سلف ٣: ٢١٢.]] = ﴿إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ ، يقول: إن كان الله يريد أن يهلككم بعذابه = ﴿هو ربكم وإليه ترجعون﴾ ، يقول: وإليه تردُّون بعد الهلاك. [[انظر تفسير " المرجع " فيما سلف من فهارس اللغة (رجع) .]]

* *

حكي عن طيئ أنها تقول: "أصبح فلان غاويًا": أي مريضًا.

وحكي عن غيرهم سماعًا منهم: "أغويت فلانًا"، بمعنى أهلكتَه = و"غَوِيَ الفصيل"، إذا فقد اللبن فمات.

وذكر أن قول الله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ، [سورة مريم: ٥٩] ، أي هلاكًا. [[انظر تفسير " غوى " فيما سلف ١٢:٣٣٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيقول يا محمد هؤلاء المشركون من قومك: افترى محمد هذا القرآن؟ وهذا الخبر عن نوح؟ = قل لهم: إن افتريته فتخرصته واختلقته [[انظر تفسير " الافتراء "، فيما سلف من فهارس اللغة (فري) .]]

﴿فعليّ إجرامي﴾ يقول: فعلي إثمي في افترائي ما افتريت على ربّي دونكم، لا تؤاخذون بذنبي ولا إثمي، ولا أؤاخذ بذنبكم. ﴿وأنا بريء مما تجرمون﴾ ، يقول: وأنا بريء مما تذنبون وتأثَمُون بربكم، من افترائكم عليه.

* *

ويقال منه: "أجرمت إجرامًا"، و"جرَمْت أجرِم جَرْمًا"، [[انظر تفسير " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة (جرم) .]] كما قال الشاعر: [[هو الهيردان بن خطار بن حفص السعدي، اللص، وضبط اسمه بفتح الهاء، وسكون الياء، وضم الراء.]]

طَرِيدُ عَشِيرَةٍ وَرَهِينُ ذَنْبٍ ... بِمَا جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِسَانِي [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٨٨، واللسان (جرم) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأوحَى الله الله إلى نوح، لمّا حَقّ على قومه القولُ، وأظلَّهم أمرُ الله، أنه لن يؤمن، يا نوح، بالله فيوحِّده، ويتبعك على ما تدعوه إليه = ﴿من قومك إلا من قد آمن﴾ ، فصدّق بذلك واتبعك. ﴿فلا تبتئس﴾ ، يقول: فلا تستكن ولا تحزن = ﴿بما كانوا يفعلون﴾ ، فإني مهلكهم، ومنقذك منهم ومن اتبعك. وأوحى الله ذلك إليه، بعد ما دعا عليهم نوحٌ بالهلاك فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ، [سورة نوح: ٢٦] .

* *

= وهو "تفتعل" من "البؤس"، يقال: "ابتأس فلان بالأمر يبتئس ابتئاسًا": كما قال لبيد بن ربيعة:

فِي مَأْتَمٍ كَنِعَاجِ صَا ... رَةَ يَبْتَئِسْنَ بِمَا لَقَيْنا [[ديوانه ٢: ٤٦ (القصيدة: ٣٥، البيت: ٢١) ، اللسان (يأس) قصيدة له، يذكر بنته أو امرأته وحالها بعد موته: وَحَذِرْتُ بَعْدَ المَوْتِ يَوْ ... مَ تَشِينُ أَسْمَاءُ الجَبِينَا

فِي رَبْرَبٍ كَنِعَاجِ صَارَ ... ةَ يَبْتَئِسْنَ بِمَا لَقِينَا

مُتَسَلِّبَاتٍ فِي مُسُوحِ ... الشَّعْرِ أَبْكَارًا وَعُونَا

وهذا شعر، حسبك به من شعر! .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٢١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فلا تبتئس﴾ ، قال: لا تحزن.

١٨١٢٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد = وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد مثله.

١٨١٢٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فلا تبتئس بما كانوا يفعلون﴾ ، يقول: فلا تحزن.

١٨١٢٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فلا تبتئس بما كانوا يفعلون﴾ ، قال: لا تأسَ ولا تحزن.

١٨١٢٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ ، وذلك حين دعا عليهم قال ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ، [سورة نوح: ٢٦] = قوله: ﴿فلا تبتئس﴾ ، يقول: فلا تأسَ ولا تحزن.

١٨١٢٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ ، فحينئذ دعا على قومه، لما بيَّن الله له أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأحي إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وأن اصنع الفلك، وهو السفينة، [[انظر تفسير " الفلك " فيما سلف ١٢: ٥٠٣ / ١٥: ٥٠، ١٥٣.]] كما:

١٨١٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الفلك: السفينة.

* *

وقوله: ﴿بأعيننا﴾ ، يقول: بعين الله ووحيه كما يأمرك، كما:-

١٨١٢٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ ، وذلك أنه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ الطائر. [[" جؤجؤ الطائر " (بضم الجيم، ثم سكون الهمزة، ثم ضم الجيم) : هو صدره.]]

١٨١٢٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ووحينا﴾ ، قال: كما نأمرك.

١٨١٢٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد = وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بأعيننا ووحينا﴾ ، كما نأمرك.

١٨١٣٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ ، قال: بعين الله، قال ابن جريج، قال مجاهد: ﴿ووحينا﴾ ، قال: كما نأمرك.

١٨١٣١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿بأعيننا ووحينا﴾ ، قال: بعين الله ووحيه.

* *

وقوله: ﴿ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون﴾ ، يقول تعالى ذكره: ولا تسألني في العفو عن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم من قومك، فأكسبوها تعدّيًا منهم عليها بكفرهم بالله = الهلاك بالغرق، إنهم مغرقون بالطوفان، كما:-

١٨١٣٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿ولا تخاطبني﴾ ، قال: يقول: ولا تراجعني. قال: تقدَّم أن لا يشفع لهم عنده. [[" تقدم "، يعني أمره بذلك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويصنع نوح السفينة، وكلما مرّ عليه جماعة من كبراء قومه [[انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص: ٢٩٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿سخروا منه﴾ ، يقول: هزئوا من نوح، ويقولون له: أتحوّلت نجارًا بعد النبوّة، وتعمل السفينة في البر؟ = فيقول لهم نوح: ﴿إن تسخروا منا﴾ ، إن تهزءوا منا اليوم، فإنا نهزأ منكم في الآخرة، كما تهزءون منا في الدنيا [[انظر تفسير " سخر " فيما سلف ١٤: ٣٨٢، تعليق: ٢.]] = ﴿فسوف تعلمون﴾ ، إذا عاينتم عذابَ الله، مَن الذي كان إلى نفسه مُسِيئًا منَّا.

* *

وكانت صنعة نوح السفينة، كما:-

١٨١٣٣- حدثني المثنى وصالح بن مسمار قالا حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا موسى بن يعقوب قال، حدثني فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع: أنّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره: أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ قال: لو رحم الله أحدًا من قوم نوح لرحم أم الصبي! قال رسول الله ﷺ: كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، حتى كان آخر زمانه غَرس شجرةً، فعظمت وذهبت كلَّ مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعمل سفينة، ويمرُّون فيسألونه، فيقول: أعملها سفينة! فيسخرون منه ويقولون: تعمل سفينةً في البر فكيف تجري! فيقول: سوف تعلمون. فلما فرغ منها، وفارَ التنور، وكثر الماء في السكك، خشيت أمُّ الصبيِّ عليه، وكانت تحبّه حبًّا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثُلُثه. فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل. فلما بلغها الماء خرجت، حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعتْه بين يديها، حتى ذهب بها الماء. فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أمّ الصبيّ. [[الأثر: ١٨١٣٣ - " ابن أبي مريم "، هو: " سعيد بن أبي مريم "، ثقة: روى له الجماعة، سلف مرارًا، آخرها: ١٢٧٧١." وموسى بن يعقوب بن يعقوب الزمعي "، ثقة، متكلم فيه، مضى توثيقه برقم: ٩٩٢٣، ورقم: ١٥٧٥٦، ١٥٨٢٢، وقال علي بن المديني: " ضعيف الحديث، منكر الحديث "، وقال الأثرم: سألت أحمد عنه، فكأنه لم يعجبه. " وفائد، مولى عبيد الله بن بن علي بن أبي رافع، عبادل "، وهو " فائد، مولى عبادل "، ثقة لا باس به. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ١٣١، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٨٤. " وإبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة المخزومي "، هو " إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة "، ثقة، روى عن خالته عائشة، مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ٢٩٦، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ١١١.هذا إسناد " حسن ". ورواه الطبري بهذا الإسناد نفسه في تاريخه ١: ٩١. وقد رواه من هذه الطريق نفسها، الحاكم في المستدرك ٢: ٣٤٢، ٥٤٧ ثم قال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، ولكن الذهبي قال: " إسناده مظلم. وموسى، ليس بذاك "، وهذا شديد، وأقرب منه ما قاله ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٦٧، ٣٦٨، ورواه عن هذا الموضع من تفسير الطبري، ومن تفسير الحبر أبي محمد بن أبي حاتم، ثم قال: " وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد روى عن كعب الأحبار، ومجاهد بن جبير، قصة هذا الصبي وأمه بنحو هذا ". وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٨: ٢٠٠، وقال: " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه ابن المديني، وبقية رجاله ثقات ".]]

١٨١٣٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن طول السفينة ثلاث مائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعًا، وبابها في عرضها

١٨١٣٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ست مائة ذراع.

١٨١٣٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مفضل بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال الحواريُّون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدَّثنا عنها! قال: فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًّا من ذلك التراب بكفه، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله! فإذا هو قائمٌ ينفُض التراب عن رأسه قد شَابَ، قال له عيسى: هكذا هلكت؟ قال: لا ولكن مِتُّ وأنا شابّ، ولكني ظننت أنها الساعة، فمن ثَمَّ شِبتُ. قال: حدثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألف ذرع ومائتي ذراع، وعرضها ست مائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدوابُّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرواث الدوابِّ، أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذَنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الرَّوْث. فلما وقع الفأر بجَرَز السفينة يقرضه، [[في المطبوعة " بحبل السفينة "، وفي المخطوطة: " يحرر " غير منقوطة، ورأيت أن أقرأها كذلك، و " الجرز " (بفتح الجيم والزاي) صدر الإنسان أو وسطه، كما قالوا له: " الجؤجؤ "، وهو صدر الطائر. وفي تاريخ الطبري " بخرز "، كأن جمع " خرزة ".]] أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سِنَّور وسنّورة، فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى: كيف علم نوح أنّ البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغرابَ يأتيه بالخبر، فوجد جيفةً فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوَّقَها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنسٍ وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا، فيجلس معنا، ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عُدْ بإذن الله، قال: فعاد ترابًا. [[الأثر ١٨١٣٦ - " المفضل بن فضالة بن أبي أمية القرشي " ليس بذاك، وقيل: في حديثه نكارة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٤٠٥، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٣١٧، وميزان الاعتدال ٣: ١٩٥." وعلي بن زيد بن جدعان "، سلف مرارًا، آخرها رقم: ١٧٨٦١، وقد ذكرت هناك توثيق أخي السيد أحمد رحمه الله، له. وذكرت تضعيف الأئمة لحديثه، ورجحت أن يعتبر بحديثه. وهذا خبر لا شك أنه من بقية أخبار بني إسرائيل وأشباههم، لا يبلغ أن يكون شيئا.

ورواه الطبري في تاريخه ١: ٩١، ٩٢.]]

١٨١٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق عمن لا يتَّهم عن عبيد بن عمير الليثي: أنه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به = يعني قوم نوح = فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، حتى إذا تمادوا في المعصية، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر النَّجْل بعد النَّجْل، فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من القرن الذي قبله، حتى إن كان الآخر منهم ليقول: "قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونًا"! لا يقبلون منه شيئًا. حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله تعالى، كما قص الله علينا في كتابه: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا﴾ ، إلى آخر القصة، حتى قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ، إلى آخر القصة [سورة نوح: ٥ -٢٧] . فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله واستنصره عليهم، أوحى الله إليه ﴿أن اصطنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا﴾ ، أي: بعد اليوم، ﴿إنهم مغرقون﴾ . فأقبل نوح على عمل الفلك، ولَهِيَ عن قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد، ويهيئ عدة الفلك من القَار وغيره مما لا يصلحه إلا هو، وجعل قومه يمرُّون به وهو في ذلك من عمله، فيسخرون منه ويستهزئون به، فيقول: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمونَ من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم) ، قال: ويقولون فيما بلغني: يا نوح قد صرت نجَّارًا بعد النبوّة! قال: وأعقم الله أرحام النساء، فلا يولد لهم ولد. قال: ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب السّاج، وأن يصنعه أزْوَر، [[" أزور "، من " الزور "، (بفتح فسكون) وهو الصدر، و " الزور " (بفتحتين) ، وهو عوج الزور، وهو أن يستدق جوشن الصدر، ويخرج الكلكل، كأنه عصر من جانبيه.]] وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعًا، وأن يجعله ثلاثة أطباق: سفلا ووسطًا وعلوًا، وأن يجعل فيه كُوًى. ففعل نوح كما أمره الله، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه ﴿إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾ وقد جعل التَّنُّور آية فيما بينه وبينه، فقال: ﴿إذا جاء أمرنا وفار التَّنُّور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين﴾ ، واركب. فلما فار التنور، حمل نوح في الفلك من أمره الله، وكانوا قليلا كما قال الله، وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر، ذكر وأنثى، فحمل فيه بنيه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر: نوح وبنوه وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره به من الدوابّ، وتخلف عنه ابنه يَام، وكان كافرًا. [[الأثر: ١٨١٣٧ - رواه الطبري في تاريخه ١: ٩٢، ٩٣.]]

١٨١٣٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: سمعته يقول: كان أوّل ما حمل نوح في الفلك من الدوابّ الذرّة، وآخر ما حمل الحمار، فلما أدخل الحمار وأدخَل صدره، تعلق إبليس بذنبه، [[في المطبوعة: " فلما دخل الحمار وأدخل رأسه مسك إبليس "، وفي المخطوطة: " فلما أدخل الحمار، وأدخل صدره إبليس بذنبه "، الأولى " أدخل "، وبين الكلامين بياض، وأثبت الصواب من تاريخ الطبري.]] فلم تستقلّ رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك ادخل! فينهض فلا يستطيع. حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك! قال: كلمة زلَّت عن لسانه، فلما قالها نوح خلَّي الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطانُ معه، فقال له نوح: ما أدخلك عليّ يا عدوَّ الله؟ فقال: ألم تقل: "ادخل وإن كان الشيطان معك"؟ قال: اخرج عنّي يا عدوّ الله! فقال: ما لك بدٌّ من أن تحملني! فكان، فيما يزعمون، في ظهر الفلك، فلما اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه من آمن به، وكان ذلك في الشهر. . . . [[سقط من المخطوطة والمطبوعة عدد الشهر الذي ذكره، وساق الكلام سياقًا واحدًا، فوضعت النقط دلالة على هذا السقط، ولكن هكذا جاء أيضًا في التاريخ.]] من السنة التي دخل فيها نوح بعد ست مائة سنة من عمره، لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلما دخل وحمل معه من حمل، تحرك ينابيع الغوط الأكبر، [[" الغوط " (بفتح فسكون) و" الغائط "، المتسع من الأرض من طمأنينة، وهو هنا: عمق الأرض الأبعد.]] وفتح أبواب السماء، كما قال الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ، [سورة القمر: ١١-١٢] . فدخل نوح ومن معه الفلك، وغطاه عليه وعلى من معه بطَبَقه، [[" الطبق "، غطاء كل شيء. وكان في المطبوعة: " بطبقة "، وهو خطأ.]] فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يومًا وأربعون ليلة، ثم احتمل الماء كما تزعم أهل التوراة، وكثر الماء واشتد وارتفع، يقول الله لمحمد: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ ، [سورة القمر: ١٣] ، و"الدسر"، المسامير، مسامير الحديد = فجعلت الفلك تجري به، وبمن معه في موج كالجبال، ونادي نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك، وكان في معزلٍ حين رأى نوحٌ من صدق موعد ربه ما رَأى، فقال: ﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾ ، وكان شقيًّا قد أضمر كفرًا. ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ ، وكان عَهِد الجبال وهي حِرْزٌ من الأمطار إذا كانت، فظنّ أن ذلك كما كان يعهد. قال نوح: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ ، وكثر الماء حتى طغى، وارتفع فوق الجبال، كما تزعم أهل التوراة، بخمسة عشر ذراعًا، فباد ما على وجه الأرض من الخلق، من كل شيء فيه الروح أو شجر، فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك، وإلا عُوج بن عُنُق فيما يزعم أهل الكتاب، فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليالٍ. [[الأثر: ١٨١٣٨ - رواه الطبري في تاريخه ١: ٩٣، ٩٤.]]

١٨١٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان = قال ابن حميد، قال سلمة، وحدثني علي بن زيد عن يوسف بن مهران، قال: سمعته يقول: لما آذى نوحًا في الفلك عَذِرة الناس، أمر أن يمسح ذنب الفيل، فمسحه، فخرج منه خنزيران، وكفي ذلك عنه. وإن الفأر توالدت في الفلك، فلما آذته، أمر أن يأمر الأسد يعطس، فعطس، فخرج من منخريه هِرّان يأكلان عنه الفأر.

١٨١٤٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: لما كان نوح في السفينة، قرض الفأر حبالَ السفينة، فشكا نوح، فأوحى الله إليه، فمسح ذنب الأسد، فخرج سِنَّوران. وكان في السفينة عذرة، فشكا ذلك إلى ربه، فأوحى الله إليه، فمسح ذنب الفيل، فخرج خنزيران

١٨١٤١- حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال، حدثنا الأسود بن عامر قال، أخبرنا سفيان بن سعيد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، بنحوه. [[الأثر: ١٨١٤١ - " إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، السعدي، شيخ الطبري، كان من الحفاظ، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ١٤٨ "." والأسود بن عامر، شاذان "، ثقة، مضى برقم: ١٣٩٢٧.]]

١٨١٤٢- حدثت عن المسيب بن أبي روق، عن الضحاك، قال: قال سليمان القراسي: عمل نوح السفينة في أربع مائة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة، حتى كان طوله أربع مائة ذراع، والذراع إلى المنكب. [[الأثر: ١٨١٤٢ - " المسيب "، هو " المسيب بن شريك التميمي "، متروك سلف برقم: ١٦٨٠٦. " وسليمان القراسي "، لم أعرف من يكون.وكان في المخطوطة والمطبوعة: " المسيب بن أبي روق "، وهو خطأ صرف وسيأتي على الصواب برقم: ١٨١٧٣.قلت: وهذه الأخبار الآنفة، كلها رجم من رجم أصحاب الكتب السالفة، لا خير فيها، إلا أنهم ربما أثبتوها في كتبهم، لأنه كان هكذا يروى، ولكن ما من أحد من أهل العلم يعدها حجة على شيء، أو مظنة اعتقاد بصحتها.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَليهِ عَذابٌ مُقيمٌ ٣٩ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ (٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل نوح لقومه: ﴿فسوف تعلمون﴾ ، أيها القوم، إذا جاء أمر الله، من الهالك، ﴿من يأتيه عذاب يخزيه﴾ ، يقول: الذي يأتيه عذابُ الله منا ومنكم يهينه ويذله [[انظر تفسير " الخزى " فيما سلف من فهارس اللغة (خزى) .]] = ﴿ويحل عليه عذاب مقيم﴾ ، يقول: وينزل به في الآخرة، مع ذلك، عذابٌ دائم لا انقطاع له، مقيم عليه أبدًا. [[انظر تفسير " عذاب مقيم " فيما سلف ١٠: ٢٩٣ / ١٤: ١٧٤، ٣٤٠.]]

* *

وقوله: ﴿حتى إذا جاء أمرُنا﴾ ، يقول: "ويصنع نوح الفلك" (حتى إذا جاء أمرنا) الذي وعدناه أن يجيء قومه من الطوفان الذي يغرقهم.

* *

وقوله: ﴿وفار التنور﴾ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: انبجس الماء من وجه الأرض = ﴿وفار التنور﴾ ، وهو وجه الأرض.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٤٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: ﴿التنور﴾ ، وجه الأرض. قال: قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت ومن معك. قال: والعرب تسمى وجه الأرض: "تنور الأرض".

١٨١٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن العوام، عن الضحاك، بنحوه.

١٨١٤٥- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا الشيباني، عن عكرمة، في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: وجه الأرض

١٨١٤٦- حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة وسفيان بن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس، عن الشيباني، عن عكرمة: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: وجه الأرض.

* *

وقال آخرون: هو تنويرُ الصبح، من قولهم: "نوَّرَ الصبح تنويرًا".

ذكر من قال ذلك:

١٨١٤٧- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا محمد بن فضيل قال، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عباس مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن علي رضى الله عنه قوله: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ ، قال: هو تنوير الصبح.

١٨١٤٨- حدثنا ابن وكيع وإسحاق بن إسرائيل قالا حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن علي في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: تنوير الصبح.

١٨١٤٩- حدثنا حماد بن يعقوب، قال: أخبرنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن مولى أبي جحيفة = أراه قد سماه = عن أبي جحيفة، عن علي: ﴿وفار التنور﴾ قال: تنوير الصبح.

١٨١٥٠- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا هشيم، عن ابن إسحاق، عن رجل من قريش، عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: طلع الفجر.

* *

١٨١٥١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل قد سمّاه، عن علي بن أبي طالب قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: إذا طلع الفجر.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: وفار أعلى الأرض وأشرف مكانٍ فيها بالماء. وقال: "التنور" أشرف الأرض.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٥٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ ، كنا نحدّث أنه أعلى الأرض وأشرَفُها، وكان عَلَمًا بين نوح وبين ربّه

١٨١٥٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، سمعت قتادة قوله: ﴿وفار التنور﴾ قال: أشرف الأرض وأرفعها فار الماء منه.

* *

وقال آخرون: هو التنور الذي يُخْتَبز فيه.

ذكر قال ذلك:

١٨١٥٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ ، قال: إذا رأيت تنُّور أهلك يخرج منه الماءُ، فإنه هلاك قومك.

١٨١٥٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن أبي محمد، عن الحسن قال: كان تنورًا من حجارة كان لحوّاء حتى صار إلى نوح. قال: فقيل له: إذا رأيت الماء يفورُ من التنور فاركب أنتَ وأصحابك.

١٨١٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: حين انبجس الماء، وأمر نوحٌ أن يركب هو ومن معه في الفلك.

١٨١٥٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: انبجس الماء منه، آيةً، أن يركب بأهله ومن معه في السفينة.

١٨١٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه = إلا أنه قال: آيةً، أن يركب أهله ومن معه في السفينة.

١٨١٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: آية بأن يركب بأهله ومن معهم في السفينة.

١٨١٦٠- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد قال، نبع الماء في التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته قال، وكان ذلك في ناحية الكُوفة.

١٨١٦١-. . .. قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا علي بن ثابت، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي: أنه كان يحلف بالله، ما فار التّنُّور إلا من ناحية الكوفة.

١٨١٦٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: فار التنُّور بالهند.

١٨١٦٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، كان آيةً لنوح، إذا خرج منه الماء فقد أتى الناسَ الهلاكُ والغرق.

* *

وكان ابن عباس يقول في معنى "فار" نبع.

١٨١٦٤- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: نبع.

* *

قال أبو جعفر: و"فوران الماء" سَوْرَة دفعته، يقال منه: "فار الماء يَفُور فَوْرًا وفَؤُورًا وفَوَرَانًا "، [[قوله: " وفؤورا "، حذفها من المطبوعة، وهي ثابتة في المخطوطة.]] وذلك إذا سارت دفعته.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: ﴿التنور﴾ ، قول من قال: "هو التنور الذي يخبز فيه"، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجَّة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها. وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهامهم معنى مَا خاطبهم به.

* *

= ﴿قلنا﴾ ، لنوح حين جاء عذابنا قومه الذي وعدنا نوحًا أن نعذبهم به، وفار التنور الذي جعلنا فورَانه بالماء آيةَ مجيء عذابنا بيننا وبينه لهلاك قومه = ﴿احمل فيها﴾ ، يعني في الفلك ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، يقول: من كل ذكر وأنثى، كما:-

١٨١٦٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.

١٨١٦٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨١٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، فالواحد "زوج"، و"الزوجين" ذكر وأنثى من كل صنف.

١٨١٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.

١٨١٦٩-. . . . قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٨١٧٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾ ، يقول: من كل صنف اثنين.

١٨١٧١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، يعني بالزوجين اثنين: ذكر أو أنثى.

* *

وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين، "الزوجان"، في كلام العرب: الاثنان. قال، ويقال: "عليه زوجَا نِعال"، إذا كانت عليه نعلان، ولا يقال: "عليه زوجُ نعال"، وكذلك: "عنده زوجا حمام"، و"عليه زوجَا قيود". وقال: ألا تسمع إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى﴾ [سورة النجم: ٤٥] ، فإنما هما اثنان. [[انظر تفسير " الزوجين " فيما سلف ١٢: ١٨٣، ١٨٤.]]

* *

وقال بعض البصريين من أهل العربية في قوله: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾ ، قال: فجعل "الزوجين"، "الضربين"، الذكور والإناث. قال: وزعم يونس أن قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

وَأَنْتَ امْرُؤٌ تَغْدُو عَلَى كُلِّ غِرَّة ... فَتُخْطِئُ فِيهَا مَرَّةً وَتُصِيبُ [[اللسان (مرأ) ، ويعني أنه سمى الذئب " امرءا "، جعله إنسانا، فهذا شذوذه.]]

يعني به الذئب. قال: فهذا أشذّ من ذلك.

* *

وقال آخر منهم: "الزوج"، اللون. قال: وكل ضرب يدعى "لونًا"، واستشهد ببيت الأعشى في ذلك:

وَكُلُّ زَوْجٍ مِنَ الدِّيبَاجِ يَلْبَسُهُ ... أَبُو قُدَامَةَ مَحْبُوًّا بِذَاكَ مَعَا [[ديوانه: ٨٦، اللسان (زوج) ، من قصيدته في " هوذة بن علي الحنفي "، وهو " أبو قدامة "، وقبله: مَنْ يَلْقَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيْرَ مُتَّئِبٍ ... إذا تَعَصَّبَ فَوْقَ التَّاجِ أوْ وَضَعَا

لَهُ أَكَالِيلُ بِالْيَاقُوتِ زَيَّنَها ... صُوَّاغُها، لاَ تَرَى عَيْبًا ولَا طَبَعَا.]]

ويقول لبيد:

وَذِي بَهْجَةٍ كَنَّ المقَانِبُ صَوْتَهُ ... وَزَيَّنَهُ أَزْوَاجُ نَوْرٍ مُشَرَّبِ [[ديوانه: قصيدة ٩، البيت: ٢٥، يصف غيثًا تبرجت به الأرض، يقول قبله: وَغَيْثٍ بِدَكْدَاكٍ يَزِينُ وِهَادَهُ ... نَبَاتٌ كوَشْي العَبْقَرِيِّ المُخَلَّبِ

أَرَبَّتْ عَلَيْهِ كُلُّ وَطْفَاءَ جَوْنَةٍ ... هَتُوفٍ مَتَى يُنْزِفُ لَهَا الوَبْلُ تَسْكُبِ

بِذِي بَهْجَةٍ كَنَّ المَقَانِبَ صَوْبُهُ ... وَزَيَّنَهُ أَطْرَافُ نَبْتٍ مُشَرَّبِ

هذه رواية الديوان، وروى أيضًا: " ألوان نور مشرب ". و"الدكداك " ما ارتفع واستوى من الأرض، و " الوهاد "، ما اطمأن من الأرض، و " المخلب "، المخطط، يصف النبت وزهره، كأنه برود مخططة منشورة على الربى والوهاد. و" أربت "، أقامت، و" الوطفاء "السحابة الدانية من الأرض، و" الجونة "، السوداء، وذلك لكثرة مائها، و" هتوف "، يهتف رعدها ويصوت. و" أنزف الشيء "، أذهبه. يقول: أقامت عليه هذه السحابة الكثيرة الماء ترعد، فلما ذهب الوبل، جاءت بمطر سكب. و"البهجة "، زهو النبات، و" كن "، منع وستر، و" المقانب "، جماعة الخيل. و" الصوب " المطر. و"مشرب " أشرب ألوانًا من حمرة وصفرة وخضرة. يقول: جاء المطر فاستتروا به لطوله وارتفاعه. وأما رواية أبي جعفر، فمعناها: أن المقانب منعته أن يرعاه أحد سواهم، فلم يسمع به صوت.]]

* *

وذكر أن الحسن قال في قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [سورة الذاريات: ٤٩] : السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء.

* *

وقوله: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول﴾ ، يقول: واحمل أهلك أيضًا في الفلك، يعني ب"الأهل"، ولده ونساءه وأزواجه [[انظر تفسير " الأهل " فيما سلف ٨: ١٩٢.]] = ﴿إلا من سبق عليه القول﴾ ، يقول: إلا من قلت فيهم إني مهلكه مع مَنْ أُهْلِكُ من قومك.

* *

ثم اختلفوا في الذي استثناه الله من أهله.

فقال بعضهم: هو بعض نساء نوح.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول﴾ ، قال: العذاب، هي امرأته كانت في الغابرين في العذاب. [[في المطبوعة: " من الغابرين "، غير ما في المخطوطة وهو صواب محض.]]

* *

وقال آخرون: بل هو ابنه الذي غرق.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٣- حدثت عن المسيب، عن أبي روق. عن الضحاك في قوله: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول﴾ ، قال: ابنه، غرق فيمن غرق.

* *

وقوله: ﴿ومن آمن﴾ ، يقول: واحمل معهم من صدقك واتبعك من قومك = يقول الله: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ ، يقول: وما أقرّ بوحدانية الله مع نوح من قومه إلا قليل.

* *

واختلفوا في عدد الذين كانوا آمنوا معه فحملهم معه في الفلك، فقال بعضهم في ذلك: كانوا ثمانية أنفس.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾ ، قال: ذكر لنا أنه لم يتمّ في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه، ونساؤهم، فجميعهم ثمانية.

١٨١٧٥- حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة قالا حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ ، قال: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه.

١٨١٧٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: حُدّثت أن نوحًا حَمَل معه بنيه الثلاثة، وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح، فهم ثمانية بأزواجهم. وأسماء بنيه: يافث، وسام، وحام، وأصاب حام زوجته في السفينة، فدعا نوحٌ أن يغيّر نُطْفته، فجاء بالسُّودان.

* *

وقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ ، قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن له، وثلاثة بنين.

* *

وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما فار التنور، حمل نوح في الفلك من أمره الله به، وكانوا قليلا كما قال الله، فحمل بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناسي ممن كان آمن، فكانوا عشرة نفر، بنوح وبنيه وأزواجهم. [[الأثر: ١٨١٧٨ - سلف مختصرًا برقم ١٤٧٩٢، وانظر التعليق عليه هناك.]]

* *

وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسًا.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانًا.

١٨١٨٠- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، كان بعضهم يقول: كانوا ثمانين = يعني "القليل" الذي قال الله: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ .

١٨١٨١- حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثني حسين بن واقد الخراساني قال، حدثني أبو نهيك قال: سمعت ابن عباس يقول: كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم جُرْهُم.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ ، يصفهم بأنهم كانوا قليلا ولم يحُدّ عددهم بمقدار، ولا خبر عن رسول الله ﷺ صحيح، فلا ينبغي أن يُتَجاوز في ذلك حدُّ الله، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حدٌّ من كتاب الله، أو أثر عن رسول الله ﷺ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَليهِ عَذابٌ مُقيمٌ ٣٩ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ (٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل نوح لقومه: ﴿فسوف تعلمون﴾ ، أيها القوم، إذا جاء أمر الله، من الهالك، ﴿من يأتيه عذاب يخزيه﴾ ، يقول: الذي يأتيه عذابُ الله منا ومنكم يهينه ويذله [[انظر تفسير " الخزى " فيما سلف من فهارس اللغة (خزى) .]] = ﴿ويحل عليه عذاب مقيم﴾ ، يقول: وينزل به في الآخرة، مع ذلك، عذابٌ دائم لا انقطاع له، مقيم عليه أبدًا. [[انظر تفسير " عذاب مقيم " فيما سلف ١٠: ٢٩٣ / ١٤: ١٧٤، ٣٤٠.]]

* *

وقوله: ﴿حتى إذا جاء أمرُنا﴾ ، يقول: "ويصنع نوح الفلك" (حتى إذا جاء أمرنا) الذي وعدناه أن يجيء قومه من الطوفان الذي يغرقهم.

* *

وقوله: ﴿وفار التنور﴾ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: انبجس الماء من وجه الأرض = ﴿وفار التنور﴾ ، وهو وجه الأرض.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٤٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: ﴿التنور﴾ ، وجه الأرض. قال: قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت ومن معك. قال: والعرب تسمى وجه الأرض: "تنور الأرض".

١٨١٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن العوام، عن الضحاك، بنحوه.

١٨١٤٥- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا الشيباني، عن عكرمة، في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: وجه الأرض

١٨١٤٦- حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة وسفيان بن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس، عن الشيباني، عن عكرمة: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: وجه الأرض.

* *

وقال آخرون: هو تنويرُ الصبح، من قولهم: "نوَّرَ الصبح تنويرًا".

ذكر من قال ذلك:

١٨١٤٧- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا محمد بن فضيل قال، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عباس مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن علي رضى الله عنه قوله: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ ، قال: هو تنوير الصبح.

١٨١٤٨- حدثنا ابن وكيع وإسحاق بن إسرائيل قالا حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد مولى أبي جحيفة، عن أبي جحيفة، عن علي في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: تنوير الصبح.

١٨١٤٩- حدثنا حماد بن يعقوب، قال: أخبرنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن مولى أبي جحيفة = أراه قد سماه = عن أبي جحيفة، عن علي: ﴿وفار التنور﴾ قال: تنوير الصبح.

١٨١٥٠- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا هشيم، عن ابن إسحاق، عن رجل من قريش، عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: طلع الفجر.

* *

١٨١٥١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل قد سمّاه، عن علي بن أبي طالب قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: إذا طلع الفجر.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: وفار أعلى الأرض وأشرف مكانٍ فيها بالماء. وقال: "التنور" أشرف الأرض.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٥٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ ، كنا نحدّث أنه أعلى الأرض وأشرَفُها، وكان عَلَمًا بين نوح وبين ربّه

١٨١٥٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، سمعت قتادة قوله: ﴿وفار التنور﴾ قال: أشرف الأرض وأرفعها فار الماء منه.

* *

وقال آخرون: هو التنور الذي يُخْتَبز فيه.

ذكر قال ذلك:

١٨١٥٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ ، قال: إذا رأيت تنُّور أهلك يخرج منه الماءُ، فإنه هلاك قومك.

١٨١٥٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن أبي محمد، عن الحسن قال: كان تنورًا من حجارة كان لحوّاء حتى صار إلى نوح. قال: فقيل له: إذا رأيت الماء يفورُ من التنور فاركب أنتَ وأصحابك.

١٨١٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: حين انبجس الماء، وأمر نوحٌ أن يركب هو ومن معه في الفلك.

١٨١٥٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: انبجس الماء منه، آيةً، أن يركب بأهله ومن معه في السفينة.

١٨١٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه = إلا أنه قال: آيةً، أن يركب أهله ومن معه في السفينة.

١٨١٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: آية بأن يركب بأهله ومن معهم في السفينة.

١٨١٦٠- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد قال، نبع الماء في التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته قال، وكان ذلك في ناحية الكُوفة.

١٨١٦١-. . .. قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا علي بن ثابت، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي: أنه كان يحلف بالله، ما فار التّنُّور إلا من ناحية الكوفة.

١٨١٦٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: فار التنُّور بالهند.

١٨١٦٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، كان آيةً لنوح، إذا خرج منه الماء فقد أتى الناسَ الهلاكُ والغرق.

* *

وكان ابن عباس يقول في معنى "فار" نبع.

١٨١٦٤- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وفار التنور﴾ ، قال: نبع.

* *

قال أبو جعفر: و"فوران الماء" سَوْرَة دفعته، يقال منه: "فار الماء يَفُور فَوْرًا وفَؤُورًا وفَوَرَانًا "، [[قوله: " وفؤورا "، حذفها من المطبوعة، وهي ثابتة في المخطوطة.]] وذلك إذا سارت دفعته.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: ﴿التنور﴾ ، قول من قال: "هو التنور الذي يخبز فيه"، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجَّة على شيء منه بخلاف ذلك فيسلم لها. وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهامهم معنى مَا خاطبهم به.

* *

= ﴿قلنا﴾ ، لنوح حين جاء عذابنا قومه الذي وعدنا نوحًا أن نعذبهم به، وفار التنور الذي جعلنا فورَانه بالماء آيةَ مجيء عذابنا بيننا وبينه لهلاك قومه = ﴿احمل فيها﴾ ، يعني في الفلك ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، يقول: من كل ذكر وأنثى، كما:-

١٨١٦٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.

١٨١٦٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨١٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، فالواحد "زوج"، و"الزوجين" ذكر وأنثى من كل صنف.

١٨١٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، قال: ذكر وأنثى من كل صنف.

١٨١٦٩-. . . . قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٨١٧٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾ ، يقول: من كل صنف اثنين.

١٨١٧١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿من كل زوجين اثنين﴾ ، يعني بالزوجين اثنين: ذكر أو أنثى.

* *

وقال بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين، "الزوجان"، في كلام العرب: الاثنان. قال، ويقال: "عليه زوجَا نِعال"، إذا كانت عليه نعلان، ولا يقال: "عليه زوجُ نعال"، وكذلك: "عنده زوجا حمام"، و"عليه زوجَا قيود". وقال: ألا تسمع إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى﴾ [سورة النجم: ٤٥] ، فإنما هما اثنان. [[انظر تفسير " الزوجين " فيما سلف ١٢: ١٨٣، ١٨٤.]]

* *

وقال بعض البصريين من أهل العربية في قوله: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾ ، قال: فجعل "الزوجين"، "الضربين"، الذكور والإناث. قال: وزعم يونس أن قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

وَأَنْتَ امْرُؤٌ تَغْدُو عَلَى كُلِّ غِرَّة ... فَتُخْطِئُ فِيهَا مَرَّةً وَتُصِيبُ [[اللسان (مرأ) ، ويعني أنه سمى الذئب " امرءا "، جعله إنسانا، فهذا شذوذه.]]

يعني به الذئب. قال: فهذا أشذّ من ذلك.

* *

وقال آخر منهم: "الزوج"، اللون. قال: وكل ضرب يدعى "لونًا"، واستشهد ببيت الأعشى في ذلك:

وَكُلُّ زَوْجٍ مِنَ الدِّيبَاجِ يَلْبَسُهُ ... أَبُو قُدَامَةَ مَحْبُوًّا بِذَاكَ مَعَا [[ديوانه: ٨٦، اللسان (زوج) ، من قصيدته في " هوذة بن علي الحنفي "، وهو " أبو قدامة "، وقبله: مَنْ يَلْقَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيْرَ مُتَّئِبٍ ... إذا تَعَصَّبَ فَوْقَ التَّاجِ أوْ وَضَعَا

لَهُ أَكَالِيلُ بِالْيَاقُوتِ زَيَّنَها ... صُوَّاغُها، لاَ تَرَى عَيْبًا ولَا طَبَعَا.]]

ويقول لبيد:

وَذِي بَهْجَةٍ كَنَّ المقَانِبُ صَوْتَهُ ... وَزَيَّنَهُ أَزْوَاجُ نَوْرٍ مُشَرَّبِ [[ديوانه: قصيدة ٩، البيت: ٢٥، يصف غيثًا تبرجت به الأرض، يقول قبله: وَغَيْثٍ بِدَكْدَاكٍ يَزِينُ وِهَادَهُ ... نَبَاتٌ كوَشْي العَبْقَرِيِّ المُخَلَّبِ

أَرَبَّتْ عَلَيْهِ كُلُّ وَطْفَاءَ جَوْنَةٍ ... هَتُوفٍ مَتَى يُنْزِفُ لَهَا الوَبْلُ تَسْكُبِ

بِذِي بَهْجَةٍ كَنَّ المَقَانِبَ صَوْبُهُ ... وَزَيَّنَهُ أَطْرَافُ نَبْتٍ مُشَرَّبِ

هذه رواية الديوان، وروى أيضًا: " ألوان نور مشرب ". و"الدكداك " ما ارتفع واستوى من الأرض، و " الوهاد "، ما اطمأن من الأرض، و " المخلب "، المخطط، يصف النبت وزهره، كأنه برود مخططة منشورة على الربى والوهاد. و" أربت "، أقامت، و" الوطفاء "السحابة الدانية من الأرض، و" الجونة "، السوداء، وذلك لكثرة مائها، و" هتوف "، يهتف رعدها ويصوت. و" أنزف الشيء "، أذهبه. يقول: أقامت عليه هذه السحابة الكثيرة الماء ترعد، فلما ذهب الوبل، جاءت بمطر سكب. و"البهجة "، زهو النبات، و" كن "، منع وستر، و" المقانب "، جماعة الخيل. و" الصوب " المطر. و"مشرب " أشرب ألوانًا من حمرة وصفرة وخضرة. يقول: جاء المطر فاستتروا به لطوله وارتفاعه. وأما رواية أبي جعفر، فمعناها: أن المقانب منعته أن يرعاه أحد سواهم، فلم يسمع به صوت.]]

* *

وذكر أن الحسن قال في قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [سورة الذاريات: ٤٩] : السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء.

* *

وقوله: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول﴾ ، يقول: واحمل أهلك أيضًا في الفلك، يعني ب"الأهل"، ولده ونساءه وأزواجه [[انظر تفسير " الأهل " فيما سلف ٨: ١٩٢.]] = ﴿إلا من سبق عليه القول﴾ ، يقول: إلا من قلت فيهم إني مهلكه مع مَنْ أُهْلِكُ من قومك.

* *

ثم اختلفوا في الذي استثناه الله من أهله.

فقال بعضهم: هو بعض نساء نوح.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول﴾ ، قال: العذاب، هي امرأته كانت في الغابرين في العذاب. [[في المطبوعة: " من الغابرين "، غير ما في المخطوطة وهو صواب محض.]]

* *

وقال آخرون: بل هو ابنه الذي غرق.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٣- حدثت عن المسيب، عن أبي روق. عن الضحاك في قوله: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول﴾ ، قال: ابنه، غرق فيمن غرق.

* *

وقوله: ﴿ومن آمن﴾ ، يقول: واحمل معهم من صدقك واتبعك من قومك = يقول الله: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ ، يقول: وما أقرّ بوحدانية الله مع نوح من قومه إلا قليل.

* *

واختلفوا في عدد الذين كانوا آمنوا معه فحملهم معه في الفلك، فقال بعضهم في ذلك: كانوا ثمانية أنفس.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾ ، قال: ذكر لنا أنه لم يتمّ في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه، ونساؤهم، فجميعهم ثمانية.

١٨١٧٥- حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة قالا حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ ، قال: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه.

١٨١٧٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: حُدّثت أن نوحًا حَمَل معه بنيه الثلاثة، وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح، فهم ثمانية بأزواجهم. وأسماء بنيه: يافث، وسام، وحام، وأصاب حام زوجته في السفينة، فدعا نوحٌ أن يغيّر نُطْفته، فجاء بالسُّودان.

* *

وقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ ، قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن له، وثلاثة بنين.

* *

وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما فار التنور، حمل نوح في الفلك من أمره الله به، وكانوا قليلا كما قال الله، فحمل بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناسي ممن كان آمن، فكانوا عشرة نفر، بنوح وبنيه وأزواجهم. [[الأثر: ١٨١٧٨ - سلف مختصرًا برقم ١٤٧٩٢، وانظر التعليق عليه هناك.]]

* *

وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسًا.

ذكر من قال ذلك:

١٨١٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانًا.

١٨١٨٠- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، كان بعضهم يقول: كانوا ثمانين = يعني "القليل" الذي قال الله: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ .

١٨١٨١- حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثني حسين بن واقد الخراساني قال، حدثني أبو نهيك قال: سمعت ابن عباس يقول: كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم جُرْهُم.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ ، يصفهم بأنهم كانوا قليلا ولم يحُدّ عددهم بمقدار، ولا خبر عن رسول الله ﷺ صحيح، فلا ينبغي أن يُتَجاوز في ذلك حدُّ الله، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حدٌّ من كتاب الله، أو أثر عن رسول الله ﷺ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال نوح: اركبوا في الفلك، "بسم الله مجراها ومرساها".

* *

وفي الكلام محذوف قد استغني بدلالة ما ذكر من الخبر عليه عنه، وهو قوله: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل﴾ = فحملهم نوح فيها = "وقال" لهم، " اركبوا فيها". فاستغني بدلالة قوله: ﴿وقال اركبوا فيها﴾ ، عن حمله إياهم فيها، فتُرك ذكره.

* *

واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿بسم الله مجراها ومرساها﴾ ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿بِسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ، بضم الميم في الحرفين كليهما. وإذا قرئ كذلك كان من "أجرى" و"أرسى"، وكان فيه وجهان من الإعراب: أحدهما: الرفع بمعنى: بسم الله إجراؤها وإرساؤها = فيكون "المجرى" و"المرسى" مرفوعين حينئذ بالباء التي في قوله: ﴿بسم الله﴾ .

والآخر: النصب، بمعنى: بسم الله عند إجرائها وإرسائها، أو وقت إجرائها وإرسائها = فيكون قوله: ﴿بسم الله﴾ ، كلامًا مكتفيًا بنفسه، كقول القائل عند ابتدائه في عمل يعمله: "بسم الله"، ثم يكون "المجرى" و"المرسى" منصوبين على ما نصبت العرب قولهم: "الحمد لله سِرارَك وإهلالك"، يعنون الهلال أوّله وآخره، كأنهم قالوا: "الحمد لله أوّل الهلال وآخره"، ومسموع منهم أيضا: "الحمدُ لله ما إهلالك إلى سِرارِك". [[قال الفراء في معاني القرآن، بعد ذلك: " يريدون: ما بين إهلالك إلى سرارك ".]]

* *

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ، بفتح الميم من "مجراها"، وضمها من "مرساها"، فجعلوا "مجراها" مصدرًا من "جري يجري مَجْرَى"، و"مرساها" من "أرسَى يُرْسي إرساء". [[انظر تفسير " الإرساء " فيما سلف ١٣: ٢٩٣.]]

وإذا قرئ ذلك كذلك، كانَ في إعرابهما من الوجهين، نحو الذي فيهما إذا قرئا: ﴿مُجراها ومُرساها﴾ ، بضم الميم فيهما، على ما بيَّنتُ.

* *

وروي عن أبي رجاء العطاردي أنه كان يقرأ ذلك: ﴿بِسْمِ اللهِ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا﴾ ، بضم الميم فيهما، ويصيرهما نعتًا لله. وإذا قرئا كذلك، كان فيهما أيضًا وجهان من الإعراب، غير أن أحدهما الخفضُ، وهو الأغلب عليهما من وجهي الإعراب، لأن معنى الكلام على هذه القراءة: بسم الله مُجْرى الفلك ومرسيها = ف"المجرى" نعت لاسم الله. وقد يحتمل أن يكون نصبًا، وهو الوجه الثاني، لأنه يحسن دخول الألف واللام في "المجري" و"المرسي"، كقولك: "بسم الله المجريها والمرسيها"، وإذا حذفتا نصبتا على الحال، إذ كان فيهما معنى النكرة، وإن كانا مضافين إلى المعرفة.

* *

وقد ذكر عن بعض الكوفيين أنه قرأ ذلك: ﴿مَجْرَاهَا ومَرْسَاهَا﴾ ، بفتح الميم فيهما جميعا، من "جرى" و"رسا"، كأنه وجهه إلى أنه في حال جَرْيها وحال رُسُوّها، وجعل كلتا الصفتين للفلك، كما قال عنترة:

فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفَسُ الجبَانِ تَطَلّعُ [[ديوانه: ٨٩ من أبيات، يقول قبله، يذكر الغراب، ويتشاءم به. إنَّ الَّذِينَ نَعَبْتَ لِي بِفِرَاقِهِمْ ... قَدْ أَسْهَرُوا لَيْلَ التِّمَامِ وأوْجَعُوا

وَعَرَفْتُ أنَّ مَنِيَّتِي إنْ تَأتِنِي ... لا يُنْجِنِي مِنْهَا الفِرَارُ الأسْرَعُ

فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لذَلِكَ حُرَّةً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و" نفس عارفة "، حاملة الشدائد صبور، إذا حملت على أمر احتملته، من طول مكابدتها لأهوال هذه الحياة. و" ترسو "، تثبت. و" تطلع "، تنزو متلفتة إلى مهرب، أو ناصر، من الجزع والرعب.]]

* *

قال أبو جعفر: والقراءة التي نختارها في ذلك قراءة من قرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾ ، بفتح الميم ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ ، بضم الميم، بمعنى: بسم الله حين تَجْري وحين تُرْسي.

وإنما اخترت الفتح في ميم "مجراها" لقرب ذلك من قوله: ﴿وهي تَجْري بهم في موج كالجبال﴾ ، ولم يقل: "تُجْرَى بهم". ومن قرأ: ﴿بسم الله مُجْراها﴾ ، كان الصواب على قراءته أن يقرأ: "وهي تُجْرى بهم". وفي إجماعهم على قراءة ﴿تَجْرِي﴾ ، بفتح التاء دليل واضع على أن الوجه في ﴿مجراها﴾ فتح الميم. وإنما اخترنا الضم في ﴿مرساها﴾ ، لإجماع الحجة من القراء على ضمّها.

ومعنى قوله ﴿مجراها﴾ ، مسيرها = ﴿ومرساها﴾ ، وقفها، من وقَفَها الله وأرساها.

* *

وكان مجاهد يقرأ ذلك بضم الميم في الحرفين جميعًا.

١٨١٨٢- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =

١٨١٨٣-. . .. قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بِسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ، قال: حين يركبون ويجرون ويرسون.

١٨١٨٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: بسم الله حين يركبون ويجرون ويرسون.

١٨١٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بِسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ، قال: بسم الله حين يجرون وحين يرسون.

١٨١٨٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، في قوله: ﴿اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها﴾ قال: إذا أراد أن ترسي قال: "بسم الله " فأرست، وإذا أراد أن تجري قال "بسم الله " فجرت.

* *

وقوله: ﴿إن ربي لغفور رحيم﴾ ، يقول: إن ربي لساتر ذنوب من تاب وأناب إليه، رحيم بهم أن يعذبهم بعدَ التوبة. [[انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وهي تجري بهم﴾ ، والفلك تجري بنوح ومن معه فيها = ﴿في موج كالجبال ونادى نوح ابنه﴾ ، يام = ﴿وكان في معزل﴾ ، عنه، لم يركب معه الفلك: ﴿يا بني اركب معنا﴾ ، الفلك = ﴿ولا تكن مع الكافرين﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفًا عليه من الغرق: ﴿ساوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ يقول: سأصير إلى جبل أتحصّن به من الماء، [[انظر تفسير " أوى " فيما سلف ١٣: ٤٧٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فيمنعني منه أن يغرقني.

* *

ويعني بقوله: ﴿يعصمني﴾ يمنعني، مثل "عصام القربة "، الذي يشدُّ به رأسها، فيمنع الماء أن يسيل منها. [[انظر تفسير " يعصم " فيما سلف ١٠: ٤٧٢، تعليق: ٢ / ١٥: ٧٣.]]

* *

وقوله: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ ، يقول: لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك، إلا من رحمنا فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم.

* *

= ف "من" في موضع رفع، لأن معنى الكلام: لا عاصم يَعصم اليوم من أمر الله إلا الله.

* *

وقد اختلف أهل العربية في موضع "من" في هذا الموضع.

فقال بعض نحويي الكوفة: هو في موضع نصب، لأن المعصوم بخلاف العاصم، والمرحوم معصوم. قال: كأن نصبه بمنزلة قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [سورة النساء: ١٥٧] ، قال: ومن استجاز: ﴿اتِّباعُ الظَّنِّ﴾ ، والرفع في قوله: [[هو جران العود.]]

وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلا الْيَعَافِيرُ وَإِلا العِيسُ [[سلف البيت وتخريجه فيما مضى ٩: ٢٠٣.]]

لم يجز له الرفع في "من"، لأن الذي قال: "إلا اليعافير"، جعل أنيس البرِّ، اليعافير وما أشبهها. وكذلك قوله: ﴿إلا اتباع الظن﴾ ، يقول علمهم ظنٌّ. قال: وأنت لا يجوز لك في وجه أن تقول: "المعصوم " هو "عاصم " في حال، ولكن لو جعلت "العاصم " في تأويل " معصوم"، [كأنك قلت] : " لا معصوم اليوم من أمر الله"، [[الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء، وهو نص كلامه.]] لجاز رفع "من". قال: ولا ينكر أن يخرج "المفعول" على "فاعل"، ألا ترى قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ ، [سورة الطارق: ٦] ، معناه، والله أعلم: مدفوق = وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ، معناها: مرضية؟ قال الشاعر: [[هو الحطيئة.]]

دَعِ الْمَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي [[ديوانه: ٥٤، وطبقات فحول الشعراء: ٩٨، واللسان (طعم) ، (كسا) ، ومعاني القرآن للفراء، وغيرها كثير، في خبره المشهور لما ذم الزبرقان، واستعدى عليه عمر بن الخطاب، وقال عمر لحسان: أهجاه؟ قال: لا، ولكنه ذرق عليه! وقد فسرته على أن " الطاعم " و" الكاسي "، على النسب، أي: ذو الطعام، يشتهيه ويستجيده من شرهه = وذو الكسوة، يتخيرها ويتأنق فيها، لا هم له في المكارم. ولذلك قال الزبرقان لعمر: أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس! ! ومثل هذا قول عبد الرحمن بن حسان: إنِّي رأَيْتُ مِنَ المَكَارِمِ حَسْبَكُم ... أَن تَلْبَسُوا حُرَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا

.]]

ومعناه: المكسوُّ.

* *

وقال بعض نحويّي البصرة: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ ، على: "لكن من رحم"، ويجوز أن يكون على: لا ذا عصمة: أي: معصوم، ويكون ﴿إلا من رحم﴾ ، رفعًا بدلا من "العاصم".

* *

قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه الأقوال التي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالى إنما يُوَجَّه إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه، ما وُجِد إلى ذلك سبيل.

ولم يضطرَّنا شيء إلى أن نجعل "عاصمًا" في معنى "معصوم"، ولا أن نجعل "إلا" بمعنى "لكن"، إذ كنا نجد لذلك في معناها الذي هو معناه في المشهور من كلام العرب مخرجًا صحيحًا، وهو ما قلنا من أنَّ معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله، إلا من رحمَنا فأنجانا من عذابه، كما يقال: "لا مُنجي اليوم من عذاب الله إلا الله" = " ولا مطعم اليومَ من طعام زيد إلا زيد".

فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم.

* *

وقوله: ﴿وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ ، يقول: وحال بين نوح وابنه موجُ الماء فغرق، [[انظر تفسير " حال " فيما سلف ١٣: ٤٧٢.]] فكان ممن أهلكه بالغرق من قوم نوح ﷺ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وهي تجري بهم﴾ ، والفلك تجري بنوح ومن معه فيها = ﴿في موج كالجبال ونادى نوح ابنه﴾ ، يام = ﴿وكان في معزل﴾ ، عنه، لم يركب معه الفلك: ﴿يا بني اركب معنا﴾ ، الفلك = ﴿ولا تكن مع الكافرين﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفًا عليه من الغرق: ﴿ساوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ يقول: سأصير إلى جبل أتحصّن به من الماء، [[انظر تفسير " أوى " فيما سلف ١٣: ٤٧٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فيمنعني منه أن يغرقني.

* *

ويعني بقوله: ﴿يعصمني﴾ يمنعني، مثل "عصام القربة "، الذي يشدُّ به رأسها، فيمنع الماء أن يسيل منها. [[انظر تفسير " يعصم " فيما سلف ١٠: ٤٧٢، تعليق: ٢ / ١٥: ٧٣.]]

* *

وقوله: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ ، يقول: لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك، إلا من رحمنا فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم.

* *

= ف "من" في موضع رفع، لأن معنى الكلام: لا عاصم يَعصم اليوم من أمر الله إلا الله.

* *

وقد اختلف أهل العربية في موضع "من" في هذا الموضع.

فقال بعض نحويي الكوفة: هو في موضع نصب، لأن المعصوم بخلاف العاصم، والمرحوم معصوم. قال: كأن نصبه بمنزلة قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [سورة النساء: ١٥٧] ، قال: ومن استجاز: ﴿اتِّباعُ الظَّنِّ﴾ ، والرفع في قوله: [[هو جران العود.]]

وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلا الْيَعَافِيرُ وَإِلا العِيسُ [[سلف البيت وتخريجه فيما مضى ٩: ٢٠٣.]]

لم يجز له الرفع في "من"، لأن الذي قال: "إلا اليعافير"، جعل أنيس البرِّ، اليعافير وما أشبهها. وكذلك قوله: ﴿إلا اتباع الظن﴾ ، يقول علمهم ظنٌّ. قال: وأنت لا يجوز لك في وجه أن تقول: "المعصوم " هو "عاصم " في حال، ولكن لو جعلت "العاصم " في تأويل " معصوم"، [كأنك قلت] : " لا معصوم اليوم من أمر الله"، [[الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء، وهو نص كلامه.]] لجاز رفع "من". قال: ولا ينكر أن يخرج "المفعول" على "فاعل"، ألا ترى قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ ، [سورة الطارق: ٦] ، معناه، والله أعلم: مدفوق = وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ، معناها: مرضية؟ قال الشاعر: [[هو الحطيئة.]]

دَعِ الْمَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا ... وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي [[ديوانه: ٥٤، وطبقات فحول الشعراء: ٩٨، واللسان (طعم) ، (كسا) ، ومعاني القرآن للفراء، وغيرها كثير، في خبره المشهور لما ذم الزبرقان، واستعدى عليه عمر بن الخطاب، وقال عمر لحسان: أهجاه؟ قال: لا، ولكنه ذرق عليه! وقد فسرته على أن " الطاعم " و" الكاسي "، على النسب، أي: ذو الطعام، يشتهيه ويستجيده من شرهه = وذو الكسوة، يتخيرها ويتأنق فيها، لا هم له في المكارم. ولذلك قال الزبرقان لعمر: أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس! ! ومثل هذا قول عبد الرحمن بن حسان: إنِّي رأَيْتُ مِنَ المَكَارِمِ حَسْبَكُم ... أَن تَلْبَسُوا حُرَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا

.]]

ومعناه: المكسوُّ.

* *

وقال بعض نحويّي البصرة: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ ، على: "لكن من رحم"، ويجوز أن يكون على: لا ذا عصمة: أي: معصوم، ويكون ﴿إلا من رحم﴾ ، رفعًا بدلا من "العاصم".

* *

قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه الأقوال التي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالى إنما يُوَجَّه إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه، ما وُجِد إلى ذلك سبيل.

ولم يضطرَّنا شيء إلى أن نجعل "عاصمًا" في معنى "معصوم"، ولا أن نجعل "إلا" بمعنى "لكن"، إذ كنا نجد لذلك في معناها الذي هو معناه في المشهور من كلام العرب مخرجًا صحيحًا، وهو ما قلنا من أنَّ معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله، إلا من رحمَنا فأنجانا من عذابه، كما يقال: "لا مُنجي اليوم من عذاب الله إلا الله" = " ولا مطعم اليومَ من طعام زيد إلا زيد".

فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم.

* *

وقوله: ﴿وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾ ، يقول: وحال بين نوح وابنه موجُ الماء فغرق، [[انظر تفسير " حال " فيما سلف ١٣: ٤٧٢.]] فكان ممن أهلكه بالغرق من قوم نوح ﷺ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وقال الله للأرض بعد ما تناهَى أمرُه في هلاك قوم نوح بما أهلكهم به من الغرق: ﴿يا أرض ابلعي ماءك﴾ ، أي: تشرَّبي.

* *

= من قول القائل: "بَلِعَ فلان كذا يَبْلَعُه"، أو بَلَعَه يَبْلَعُه"، إذا ازدَردَه. [[الذي في المعاجم " بلع " (بفتح فكسر) ، أما " بلع " (بفتحتين) ، فقد ذكرها ابن القطاع في كتاب الأفعال ١: ٨٥ وفرق بينهما وقال: " بَلِعَ الطعام بَلْعًا، وبَلَعَ الماء والربق بَلْعًا "، وذكر أيضا ابن القوطية في كتاب الأفعال: ٢٨١، مثل ذلك.]]

* *

= ﴿ويا سماء أقلعي﴾ ، يقول: أقلعي عن المطر، أمسكي = ﴿وغيض الماء﴾ ، ذهبت به الأرض ونَشِفته، ﴿وقضي الأمر﴾ ، يقول: قُضِي أمر الله، فمضى بهلاك قوم نوح [[انظر تفسير " قضى " فيما سلف من فهارس اللغة (قضى) .]] = ﴿واستوت على الجوديّ﴾ ، يعني الفلك = "استوت": أرست = "على الجودي"، وهو جبل، فيما ذكر بناحية الموصل أو الجزيرة، = ﴿وقيل بعدًا للقوم الظالمين﴾ ، يقول: قال الله: أبعد الله القوم الظالمين الذين كفروا بالله من قوم نوح. [[انظر تفسير " استوى " فيما سلف ص: ١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

١٨١٨٧- حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي قال، حدثنا المحاربي، عن عثمان بن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الغفور، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة، فصام هو وجميع من معه، وجرت بهم السفينة ستةَ أشهر، فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست السفينة على الجوديّ يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه من الوحش والدوابّ فصامُوا شكرًا لله. [[الأثر: ١٨١٨٧ - " عباد بن يعقوب الأسدي "، شيخ الطبري، ثقة في الحديث، شيعي الرأي، مضى برقم: ٥٤٧٥." والمحاربي "، هو " عبد الرحمن بن محمد المحاربي "، ثقة، من شيوخ أحمد، مضى مرارًا." وعثمان بن مطر الشيباني "، ضعيف منكر الحديث، متروك. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ١٦٩.وأما "عبد العزيز بن عبد الغفور "، فهذا اسم مقلوب، وإنما هو " عبد الغفور بن عبد العزيز " ويقال: " عبد الغفار بن عبد العزيز " ويروى عنه " عثمان بن مطر ". وهو كذاب خبيث كان يضع الحديث، ومضى برقم: ١٤٧٧٦. ولكن العجب أن أبا جعفر رواه في تاريخه مقلوبًا أيضًا.وأبوه " عبد العزيز الشامي "، لم أجد له ذكرًا، كما أسلفت في رقم: ١٤٧٧٦، وأخشى أن يكون هذا الإسناد: " عن أبيه، عن أبيه "، كما سلف.وهذا خبر هالك من نواحيه جميعًا، ووقع فيه الخلط في اسم " عبد الغفور " جزاء ما خلط في أحاديثه ومناكيره.ورواه أبو جعفر في تاريخه أيضًا ١: ٩٦.]]

١٨١٨٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كانت السفينة أعلاها للطير، ووسطها للناس، وفي أسفلها السباع، وكان طولها في السماء ثلاثين ذراعًا، ودفعت من عَين وردة يوم الجمعة لعشر ليالٍ مضين من رجب، وأرست على الجوديّ يوم عاشوراء، ومرت بالبيت فطافت به سبعًا، وقد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت اليمن، ثم رجعت. [[الأثر: ١٨١٨٨ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٩٦.]]

١٨١٨٩- حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم، فقال لمن معه: من كان منكم اليوم صائما فليتم صومه، ومن كان مفطرًا فليصم. [[الأثر: ١٨١٨٩ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٩٦.]]

١٨١٩٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال: [ما] كان زَمَن نوحٍ شبر من الأرض، إلا إنسانٌ يَدَّعيه. [[الأثر: ١٨١٩٠ - كان في المخطوطة: " قال: كان زمن نوح شبر عن الأرض لإنسان يدعيه "، وكان في المطبوعة:" كان في زمن نوح شبر عن الأرض لا إنسان يدعيه" فزاد، وأساء القراءة، وأفسد الكلام. والصواب من تاريخ الطبري ١: ٩٦. وقوله: " إلا إنسان يدعيه "، أي: يدعى أن الماء لم يعم الأرض كلها.]]

١٨١٩١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنَّها = يعني الفُلك = استقلَّت بهم في عشر خلون من وجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت على الجودي شهرًا، وأهبط بهم في عشر [خَلَوْن] من المحرم يوم عاشوراء. [[الأثر: ١٨١٩١ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٩٦، والزيادة بين القوسين منه.]]

* *

وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: ﴿وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي﴾ ، قال أهل التأويل.

* *

ذكر من قال ذلك:

١٨١٩٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وغيض السماء﴾ ، قال: نقص = ﴿وقضي الأمر﴾ ، قال: هلاك قوم نوح

١٨١٩٣- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. -

١٨١٩٤ حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. قال: قال ابن جريج ﴿وغيض الماء﴾ ، نَشِفَتهُ الأرض. [[" نشفت الأرض الماء، نشفًا " (بفتح النون وكسر الشين، في الفعل) ، شربته.]]

١٨١٩٥- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿يا سماء أقلعي﴾ ، يقول: أمسكي ﴿وغيض الماء﴾ ، يقول: ذهب الماء.

١٨١٩٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وغيض الماء﴾ ، والغُيوض ذهاب الماء = ﴿واستوت على الجودي﴾ .

١٨١٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واستوت على الجودي﴾ ، قال: جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال من الغَرَق، وتواضع هو لله فلم يغرق، فأرسيتْ عليه.

١٨١٩٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واستوت على الجودي﴾ ، قال: الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغَرَق وتطاولت، وتواضع هو لله فلم يغرق، وأرسيت سفينة نوح عليه

١٨١٩٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٨٢٠٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿واستوت على الجودي﴾ ، يقول: على الجبل؛ واسمه "الجودي"

١٨٢٠١- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان: ﴿واستوت على الجودي﴾ ، قال: جبل بالجزيرة، شمخت الجبال، وتواضعَ حين أرادت أن ترفأ عليه سفينة نوح. [[" رفأ السفينة يرفؤها "، أدناها من الشط، فعل متعد، و" أرفأت السفينة نفسها "، لازم، ولكن هكذا جاء في المخطوطة " أرادت أن ترفأ "، وعندي أنه جائز أن يقال: " رفأت السفينة نفسها "، لازما.]]

١٨٢٠٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿واستوت على الجودي﴾ ، أبقاها الله لنا بوادي أرض الجزيرة عبرة وآية.

١٨٢٠٣- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: ﴿واستوت على الجودي﴾ ، هو جبل بالموصل.

١٨٢٠٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نوحًا بعث الغراب لينظر إلى الماء، فوجد جيفة فوقع عليها، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون، فأعْطيت الطوقَ الذي في عنقها، وخضابَ رجليها.

١٨٢٠٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما أراد الله أن يكفّ ذلك = يعني الطوفان = أرسل ريحًا على وجه الأرض، فسكن الماء، واستدَّت ينابيع الأرضِ الغمرَ الأكبر، وَأبوابُ السماء. [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة: " الغمر الأكبر "، وأنا أرجح أنه خطأ محض، وأن الصواب: " الغوط الأكبر "، وبهذا اللفظ رواه صاحب اللسان في مادة (غوط) . وقد سبق تفسير " الغوط الأكبر" في الأثر رقم: ١٨١٣٨ ص: ٣١٥، تعليق: ٢.]] يقول الله تعالى: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي﴾ ، إلى: ﴿بعدًا للقوم الظالمين﴾ ، فجعل ينقص ويغيض ويُدبر. وكان استواء الفلك على الجودي، فيما يزعم أهل التوراة، في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، في أول يوم من الشهر العاشر، رئي رءوس الجبال. فلما مضى بعد ذلك أربعون يومًا، فتح نوح كُوَّة الفلك التي صنع فيها، ثم أرسلَ الغراب لينظر له ما فعل الماءُ، فلم يرجع إليه. فأرسل الحمامةَ، فرجعت إليه، ولم يجد لرجليها موضعًا، فبسط يده للحمامة، فأخذها. ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست، وفي فيها ورَق زيتونة، فعلم نوح أن الماء قد قلَّ عن وجه الأرض. ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برَزَت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة، ودخل يوم واحد من الشهر الأوّل من سنة اثنتين، برز وجه الأرض، فظهر اليبس، وكشف نوح غطاء الفلك، ورأى وجه الأرض. وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في سبع وعشرين ليلة منه قيل لنوح: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

١٨٢٠٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: تزعُم أناسٌ أن من غرق من الولدان مع آبائهم، وليس كذلك، إنما الولدان بمنزلة الطير وسائر من أغرق الله بغير ذنب، ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم، والمدرِكون من الرجال والنساء كان الغرق عقوبة من الله لهم في الدنيا، ثم مصيرهم إلى النار.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونادى نوح ربه فقال: ربِّ إنك وعدتني أن تنجيني من الغرق والهلاك وأهلي، وقد هلك ابني، وابني من أهلي [[انظر تفسير " الأهل " فيما سلف ص. . .، تعليق:. . .، والمراجع هناك.]] = ﴿وإن وعدك الحقُّ﴾ ، الذي لا خلف له = ﴿وأنت أحكم الحاكم﴾ ، بالحق، فاحكم لي بأن تفي بما وعدتني، من أنْ تنجّي لي أهلي، وترجع إليَّ ابني، كما:-

١٨٢٠٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ ، قال: أحكم الحاكمين بالحق.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: قال الله يا نوح إن الذي غرقته فأهلكته الذي تذكر أنه من أهلك ليس من أهلك.

* *

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿ليس من أهلك﴾ .

فقال بعضهم: معناه: ليس من ولدك، هو من غيرك. وقالوا: كان ذلك من حِنْثٍ. [[" الحنث " (بكسر الحاء وسكون النون) ، الذنب والمعصية. وفي الحديث " يكثر فيهم أولاد الحنث "، أي: أولاد الزنا. ويروى " الخبث " (بالخاء مضمومة والثاء) ، من " الخبث "، وهو الفساد والفجور. وفي الحديث: " إذا كثر الخبث كان كذا وكذا "، أي: الفسق والفجور. وفي الحديث " أنه أتى برجل مخدج سقيم، وجد مع أمة يخبث بها "، أي: يزني بها. ويقال: " هو ابن خبثة "، لابن الزنية، ولد لغير رشدة.]]

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٠٨- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، في قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ ، قال: لم يكن ابنه.

١٨٢٠٩- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ ، قال: ابن امرأته.

١٨٢١٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن أصحاب ابن أبي عروبة فيهم، [عن] الحسن قال: لا والله، ما هو بابنه. [[الأثر: ١٨٢١٠ - كان في المطبوعة: " عن أصحاب ابن أبي عروبة فيهم الحسن "، وهو كلام لا معنى له، وخاصة بعد تصرفه في نص المخطوطة، لأنه لم يفهم معنى هذا الإسناد، إذ كان فيها: " عن أصحاب ابن أبي عروبة فيهم الحسن "، وهذا أيضًا فاسد، يصلحه ما زدته بين القوسين، فإن " ابن علية " يروي عن " سعيد بن أبي عروبة "، و " ابن أبي عروبة " روى عن " الحسن البصري ".]]

١٨٢١١-. . . . قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ ، قال: هذه بلغة طيّ لم يكن ابنه، كان ابن امرأته.

١٨٢١٢- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن عوف، ومنصور، عن الحسن في قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ ، قال: لم يكن ابنه. وكان يقرؤها: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [[الأثر: ١٨٢١٢ - انظر ما سيأتي رقم: ١٨٢٤٦.]]

١٨٢١٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كنت عند الحسن فقال: "نادى نوح ابنه"، لعمْر الله ما هو ابنه! قال: قلت: يا أبا سعيد يقول: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ ، وتقول: ليس بابنه؟ قال: أفرأيت قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ ؟ قال: قلت إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، [[في المخطوطة: " إنه ليس من أهلي "، وفوقها حرف (ط) دلالة على الخطأ.]] ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه. قال: إن أهل الكتاب يكذبون.

١٨٢١٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: سمعت الحسن يقرأ هذه الآية: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ ، فقال عند ذلك: والله ما كان ابنه. ثم قرأ هذه الآية: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ ، [سورة التحريم: ١٠] قال سعيد: فذكرت ذلك لقتادة، قال: ما كان ينبغي له أن يحلف!

١٨٢١٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فلا تسألن ما ليس لك به علم﴾ ، قال: تبيّن لنوح أنه ليس بابنه.

١٨٢١٦- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فلا تسألن ما ليس لك به علم﴾ ، قال: بين الله لنوح أنه ليس بابنه.

١٨٢١٧- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد مثله.

١٨٢١٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

قال ابن جريج في قوله: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ ، قال: ناداه وهو يحسبه أنه ابنه وكان وُلد على فراشه

١٨٢١٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبي جعفر: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ ، قال: لو كان من أهله لنجا. [[الأثر: ١٨٢١٩ - " ثوير "، هو " ثوير بن أبي فاختة "، ضعيف، مضى مرارًا، آخرها برقم: ٩٨٣٣. وكان في المطبوعة: " ثور "، والصواب من المخطوطة.]]

١٨٢٢٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع عبيد بن عمير يقول: نرى أن ما قضى رسول الله ﷺ "الولد للفراش"، من أجل ابن نوح.

١٨٢٢١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن قال: لا والله ما هو بابنه.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿ليس من أهلك﴾ الذين وعدتك أن أنجيهم.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٢٢- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي عامر، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ ، قال: هو ابنه.

١٨٢٢٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان قال، حدثنا أبو عامر، عن الضحاك قال: قال ابن عباس: هو ابنه، ما بغت امرأة نبيٍّ قطُّ.

١٨٢٢٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا الثوري، عن أبي عامر الهمدانيّ، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال، ما بغت امرأة نبي قط. قال: وقوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ ، الذين وعدتك أن أنجيهم معك.

١٨٢٢٥- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هو ابنه: غير أنه خالفه في العمل والنية = قال عكرمة في بعض الحروف: ﴿إِنَّهُ عَمِلَ عَمَلا غَيْرَ صَالِحٍ﴾ ، والخيانة تكون على غير بابٍ.

١٨٢٢٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، كان عكرمة يقول: كان ابنه، ولكن كان مخالفًا له في النية والعمل، فمن ثم قيل له: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ .

١٨٢٢٧- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري وابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة قال: سمعت ابن عباس يُسْأل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ ، [سورة التحريم: ١٠] ، قال: أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل، على الأضياف. ثم قرأ: ﴿إنه عملٌ خير صالح﴾ = قال ابن عيينة: وأخبرني عمار الدُّهني: أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كانَ ابن نوح، إن الله لا يكذب! قال: (ونادى نوح ابنه) ، قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرَأة نبيٍّ قط.

١٨٢٢٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير قال: قال الله، وهو الصادق، وهو ابنه: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ .

١٨٢٢٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبن يمان، عن سعيد، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: ما بَغَت امرأة نبي قط.

١٨٢٣٠- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال: سألت أبا بشر عن قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ ، قال: ليس من أهل دينك، وليس ممن وعدتك أن أنجيهم = قال يعقوب: قال هشيم: كان عامة ما كان يحدِّثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير.

١٨٢٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن عبيد، عن يعقوب بن قيس قال: أتى سعيد بن جبير رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله، الذي ذكر الله في كتابه "ابن نوح" أبنُه هو؟ قال: نعم، والله إن نبيَّ الله أمره أن يركب معه في السفينة فعصى، فقال: ﴿سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ ، قال: ﴿يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ ، لمعصية نبي الله.

١٨٢٣٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير: أنه جاء إليه رجل فسأله. فقال: أرأيتك ابن نُوح أبنه؟ فسبَّحَ طويلا ثم قال: لا إله إلا الله، يحدِّث الله محمدًا: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ وتقول ليس منه؟ ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن.

١٨٢٣٣- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة في قوله: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ ، قال: أشهد أنه ابنه، قال الله: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ .

١٨٢٣٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة قالا هو ابنه.

١٨٢٣٥- حدثني فضالة بن الفضل الكوفي قال، قال بزيع: سأل رجل الضحاك عن ابن نوح، فقال: ألا تعجبون إلى هذا الأحمق! يسألني عن ابن نوح، وهو ابن نوح كما قال الله: قال نوح لابنه. [[الأثر: ١٨٢٣٥ - " فضالة بن الفضل بن فضالة التميمي الطهوي الكوفي "، شيخ الطبري، صدوق ربما أخطأ. مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٧٩.

و" بزيع " هو اللحام، أبو حازم، وهو "بزيع بن عبد الله " سمع الضحاك. كان أبو نعيم يتكلم فيه، وضعفه النسائي وغيره. وقال ابن عدي: " إنما أنكروا عليه ما يحكيه عن الضحاك من التفسير ولا يتابع عليه ". مترجم في الكبير ١ / ٢ / ١٣٠، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٤٢٠، ولسان الميزان ٢: ١٢، وميزان الاعتدال ١: ١٤٣. وهكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة في آخر الخبر: " كما قال الله، قال نوح لابنه "، والآية: " ونادى نوح ابنه "، وأخشى أن يكون أراد: " قال نوح لابنه: يا بني اركب معنا ".]]

١٨٢٣٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد، عن الضحاك أنه قرأ: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ ، وقوله: ﴿ليس من أهلك﴾ ، قال: يقول: ليس هو من أهلك. قال: يقول: ليس هو من أهل ولايتك، ولا ممن وعدتك أن أنجى من أهلك = ﴿إنه عمل غير صالح﴾ ، قال: يقول كان عمله في شرك.

١٨٢٣٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك قال، هو والله ابنه لصُلْبه.

١٨٢٣٨- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿ليس من أهلك﴾ ، قال: ليس من أهل دينك، ولا ممن وعدتك أن أنجيه، وكان ابنه لصلبه.

١٨٢٣٩- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك﴾ ، يقول: ليس ممن وعدناه النجاة.

١٨٢٤٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ ، يقول: ليس من أهل ولايتك، ولا ممن وعدتك أن أنجي من أهلك = ﴿إنه عمل غير صالح﴾ ، يقول: كان عمله في شرك.

١٨٢٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا خالد بن حيان، عن جعفر بن برقان، عن ميمون، وثابت بن الحجاج قالا هو ابنه، ولد على فراشه.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم، لأنه كان لدينك مخالفًا، وبي كافرًا = وكان ابنه لأن الله تعالى ذكره قد أخبر نبيه محمدًا ﷺ أنه ابنه فقال: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ ، وغير جائز أن يخبر أنه ابنه فيكون بخلاف ما أخبر. وليس في قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ ، دلالةٌ على أنه ليس بابنه، إذ كان قوله: ﴿ليس من أهلك﴾ ، محتملا من المعنى ما ذكرنا، ومحتملا أنه ليس من أهل دينك، ثم يحذف "الدين" فيقال: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ ، كما قيل: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ ، [سورة يوسف: ٨٢] .

* *

وأما قوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ ، فإن القراء اختلفت في قراءته.

فقرأته عامة قراء الأمصار: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ بتنوين "عمل" ورفع "غير".

* *

واختلف الذين قرءوا ذلك كذلك في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: إن مسألتك إياي هذه عمل غير صالح.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٤٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ ، قال: إن مسألتك إياي هذه عملٌ غير صالح.

١٨٢٤٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ ، أي سوء [[أخشى أن يكون الصواب: " أي سؤالك إياي "، ولكن هكذا هو في المخطوطة والمطبوعة.]] = ﴿فلا تسألن ما ليس لك به علم﴾ .

١٨٢٤٤- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ ، يقول: سؤالك عما ليس لك به علم.

١٨٢٤٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن مجاهد قوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ ، قال: سؤالك إياي، عمل غير صالح = ﴿فلا تسألن ما ليس لك به علمٌ﴾ .

* *

وقال آخرون: بل معناه: إن الذي ذكرت أنّه ابنك فسألتني أن أنجيه، عملٌ غير صالح، أي: أنه لغير رشدة. وقالوا: "الهاء"، في قوله: "إنه" عائدة على "الابن".

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٤٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن أنه قرأ: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ، قال: ما هو والله بابنه. [[الأثر: ١٨٢٤٦ - انظر ما سلف رقم: ١٨٢١٢.]]

* *

وروي عن جماعة من السلف أنهم قرءوا ذلك: ﴿إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾ ، على وجه الخبر عن الفعل الماضي، وغير منصوبة. وممن روي عنه أنه قرأ ذلك كذلك، ابنُ عباس.

١٨٢٤٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عينة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة، عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾ .

* *

ووجَّهوا تأويل ذلك إلى ما:-

١٨٢٤٨- حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا غندر، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾ ، قال: كان مخالفًا في النية والعمل.

* *

قال أبو جعفر: = ولا نعلم هذه القراءة قرأ بها أحد من قراء الأمصار، إلا بعض المتأخرين، واعتلَّ في ذلك بخبر روي عن رسول الله ﷺ أنه قرأ ذلك كذلك، غيرِ صحيح السند. وذلك حديث روي عن شهر بن حوشب، فمرة يقول: "عن أم سلمة"، ومرة يقول: "عن أسماء بنت يزيد"، ولا نعلم أبنت يزيد [يريد] ؟ [[في المطبوعة: " ولا نعلم لبنت يزيد، ولا نعلم لشهر. . . "، وفي المخطوطة مثله، إلا أن فيها: " أبنت يريد "، ورأيت أن أبا جعفر أراد ما أثبت، بهذه الزيادة بين القوسين، وكأنه يقول: إنه يقول مرة " أم سلمة " ومرة " أسماء بنت يزيد "، ولا نعلم أهي التي يريد بقوله: " أم سلمة "، أم غيرها، وانظر التعليق التالي.]] ولا نعلم لشهر سماعًا يصح عن أمّ سلمة.

[[. . . حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد، أو " أم سلمة "، لم يذكر أبو جعفر إسناده، وسأفصل القول فيه في هذا الموضع، فإن أبا جعفر لم يوف الأمر حقه، ولم يبينه بيانًا شافيًا.

١ - وهذا الحديث، رواه أحمد في مسنده في ثلاثة مواضع ٦: ٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠، كلها من طريق: حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن شهر بن حوشب، عن " أسماء بنت يزيد "، والطريق الأولى والثالثة، مطولة، فيها قراءة آية سورة الزمر: ٥٣

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَلاَ يُبَالِي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

٢ - ومن هذه الطريق نفسها، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص: ٢٢٦، رقم: ١٦٣١، مقتصرًا على الآية الأولى، " شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ".

٣ - ورواه أبو داود في سننه ٤: ٤٧، من طريقين، رقم: ٣٩٨٢، ٣٩٨٣. الأولى: حماد، عن ثابت، عن شهر، عن أسماء بنت يزيد.

الثانية: عبد العزيز بن المختار، عن ثابت، عن شهر قال: سألت أم سلمة: كيف كان رسول الله يقرأ هذه الآية؟

٤ - ورواه الترمذي في " القراءات "، من طريق عبد الله بن حفص، عن ثابت البناني، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة.

وقال: وقد روي هذا الحديث أيضًا عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد.

٥ - ورواه أبو نعيم في الحلية ٨: ٣٠١، من طريق محمد بن ثابت البناني، عن ثابت البناني، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة. " وقال: حديث مشهور من حديث ثابت "، وانظر رقم (٨) ، فإن الطيالسي جعله من حديث أم سلمة أم المؤمنين.

٦ - ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٤٩، مقتصرًا على آية " سورة الزمر "، التي ذكرتها في رقم: ١، من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر، عن أسماء بنت يزيد، ثم قال: " هذا حديث غريب عال، ولم أذكر في كتابي هذا عن شهر، غير هذا الحديث الواحد ".

٧ - ورواه أحمد في مسنده ٦: ٢٩٤، ٣٢٢، من طريق هارون النحوي، عن ثابت البناني، عن أبيه، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة (وذلك في مسند أم سلمة أم المؤمنين. (وظني أن أبا جعفر ذهب إلى أن شهرًا دلس في هذا الحديث، فلا يعلم أأراد " أسماء بنت يزيد الأنصارية "، أم " أم سلمة " أم المؤمنين، ولذلك قال بعد: "ولا نعلم لشهر سماعًا يصح عن أم سلمة "، ولا شك أن الطبري عنى هنا " أم سلمة " أم المؤمنين." وأسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية "، هي مولاة " شهر بن حوشب "، وكنيتها " أم سلمة "، فلذلك صرح باسمها مرة، وكناها أخرى، وهذا لا يضر. و" شهر بن حوشب "، كان أروى الناس عن مولاته " أم سلمة "، "أسماء بنت يزيد " وقال أحمد: " ما أحسن حديثه "، ووثقه، وقال: " روى عن أسماء أحاديث حسانًا ".وقال الترمذي، بعد أن ساق الخبر، " وسمعت عبد بن حميد يقول: أسماء بنت يزيد، هي أم سلمة الأنصارية، كلا الحديثين عندي واحد. وقال روى شهر بن حوشب غير حديث عنه أم سلمة الأنصارية، وهي أسماء بنت يزيد. وقد روى عن عائشة عن النبي ﷺ، نحو هذا " وسنذكر حديث عائشة بعد. ومع ذلك، فرواية شهر بن حوشب، عن " أم سلمة " أم المؤمنين قد ذكر البخاري في الكبير ٢ / ٢ / ٢٥٩، فقال: " سمع أم سلمة "، ولم يزد، ولم يذكر " أسماء بنت يزيد "، ومن أجل ذلك خشيت أن يكون البخاري أراد " أم سلمة، " أسماء بنت يزيد "، لا أم المؤمنين. وأما ابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٨٢ فذكر أنه: " روى عن أم سلمة، وأسماء بنت يزيد "، ففرق، ودل التفريق على أنه أراد " أم سلمة "، أم المؤمنين. صرح الحافظ ابن حجر في ترجمته، بسماعه عن " أم سلمة " أم المؤمنين. وروايته عن أم المؤمنين جائزة، فإن " أم سلمة " زوج رسول الله ﷺ، توفيت على الصحيح سنة ٦١ أو سنة: ٦٢. وشهر بن حوشب عاش ثمانين سنة، ومات سنة ١٠٠، ويقال سنة ١١١، أو سنة ١١٢. فسماعه منها لا ينقضه شيء من شبهة العمر. أما الرواية، فقد صحح العلماء أنه روى عنها. فرد الطبري روايته بأنه لا يعلم له سماعًا عن أم المؤمنين، لا يقوم على شيء، فقد عرف ذلك غيره. بيد أن الحافظ بن حجر، نقل في ترجمة " شهر بن حوشب "، فذكر عن صالح بن محمد، بعد توثيقه شهرًا، وأنه لم يوقف له على كذب، ثم قال: "ويروى عن النبي ﷺ أحاديث في القراءات، لا يأتي بها غيره ". وقد كان شهر قارئا، ذكر ذلك الطبري نفسه، حتى قال أيوب بن أبي حسين: " ما رأيت أحدًا أقرأ لكتاب الله منه "، فإن يكن في حديث شهر شيء، فإنما هو غرابة خبره، وهذا لا يضر إذا صح الإسناد. ولكن يبقى الإشكال من ناحية أخرى، رواية أحمد من طريق هارون النحوي، عن ثابت البناني نفسه (كما في رقم ٧) ، والذي رواه الطيالسي رقم (٨) من طريق محمد بن ثابت، عن ثابت، يضم إليه رقم (٥) من رواية أبي نعيم، ويضم إليها، الطريق الثانية من رقم (٣) ، ثم رقم (٤) من رواية الترمذي، وإن كان قد نقل عن " عبد بن حميد "، أنهما واحد. كما سلف. ورواية هذه الأخبار كلها تدور على " ثابت البناني، عن شهر "، فكأن ثابتًا البناني، رواه عن شهر عن: أم سلمة أسماء بنت يزيد = وعنه عن أم سلمة أم المؤمنين، فهما حديثان لا شك في ذلك، لا كما قال " عبد بن حميد "، ولكن هل روى ذلك أحد عن أم سلمة أم المؤمنين، غير شهر بن حوشب؟ لا أدري. فإذا صح أن شهرًا قد انفرد به عن أم المؤمنين، فهل وقع الخطأ في ترك الفصل بينهما، من ثابت أم من الذي يليه؟ لا أدري أيضًا. وإذا كانا حديثًا واحدًا، فكيف وقع التفريق في المسانيد، فجعل حديثين، وكيف وقع هذا التفريق؟ ولم وقع؟ ألمجرد الشبهة من قبل الكنية " أم سلمة "؟ هذا موضع يحتاج إلى تفصيل دقيق. وهذا، فيما أظن، هو الذي جعل أبا جعفر الطبري، يشكك في رواية الخبر، لاختلاطه، ولكنه علله بغير علة الاختلاط والاضطراب كما رأيت.

* *

وأما حديث عائشة، الموافق لحديث أم سلمة، في هذه القراءة، فقد رواه البخاري في الكبير ١ / ١ / ٢٨٦، ٢٨٧، من طريق إبراهيم بن الزبرقان، عن أبي روق، عن محمد بن جحادة، عن أبيه، عن عائشة، ثم رواه أيضًا منها ١ / ٢ / ٢٥١.ورواه الحاكم في المستدرك من هذه الطريق نفسها، وقال الذهبي تعليقا عليه " إسناده مظلم ". وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ١٥٥، وقال: " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حميد بن الأزرق، ولم أعرفه. وبقية رجاله ثقات ". والكلام في حديث عائشة يطول، ففي رواية محمد بن جحادة الإيامي، عن أبيه، كلام ليس هذا موضع تحقيقه.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وذلك رفع ﴿عَمَلٌ﴾ بالتنوين، ورفع ﴿غَيْرُ﴾ ، يعني: إن سؤالك إياي ما تسألنيه في أبنك = المخالفِ دينَك، الموالي أهل الشرك بي من النجاة من الهلاك، وقد مضت إجابتي إياك في دعائك: ﴿لا تَذَر على الأرض مع الكافرين ديَّارًا﴾ ، ما قد مضى من غير استثناء أحد منهم = [[السياق: " إن سؤالك إياي. . . عمل غير صالح "، فقوله " عمل "، خبر " إن " في صدر الجملة.]] عملٌ غير صالح، لأنَّه مسألة منك إليّ أن لا أفعل ما قد تقدّم مني القول بأني أفعله، في إجابتي مسألتك إياي فعله. فذلك هو العمل غير الصالح.

* *

وقوله: ﴿فلا تسألن ما ليس لك به علم﴾ ، نهيٌ من الله تعالى ذكرهُ نبيه نوحًا أن يسأله أسباب أفعاله التي قد طوى علمها عنه وعن غيره من البشر. يقول له تعالى ذكره: إني يا نوح قد أخبرتك عن سؤالك سبب إهلاكي ابنك الذي أهلكته، فلا تسألن بعدها عما قد طويتُ علمه عنك من أسباب أفعالي، وليس لك به علم= "إني أعظك أن تكون من الجاهلين" في مسألتك إياي عن ذلك.

* *

وكان ابن زيد يقول في قوله: ﴿إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ ، ما:-

١٨٢٤٩- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ ، أنْ تبلغ الجهالة بك أن لا أفي لك بوعد وعدتك، حتى تسألني ما ليس لك به علم = ﴿وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ .

* *

واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿فلا تسألن ما ليس لك به علم﴾ ، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾ ، بكسر النون وتخفيفها = ونحْوًا بكسرها إلى الدلالة على "الياء" التي هي كناية اسم الله [في] : فلا تسألني. [[في المخطوطة والمطبوعة: " كناية اسم الله فلا تسألن " وبنون مفردة في آخرها. والصواب، إن شاء الله، ما أثبت، بزيادة " في "، وزيادة الياء في " تسألني ".]]

وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض أهل الشام: ﴿فَلا تَسْأَلَنَّ﴾ ، بتشديد النون وفتحها بمعنى: فلا تسألنَّ يا نوح ما ليس لك به علم.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، تخفيفُ النون وكسرها، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب المستعمل بينهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا نبيَّه محمدًا ﷺ، عن إنابة نوح عليه السلام بالتوبة إليه من زلَّته، في مسألته التي سألَها ربَّه في ابنه: ﴿قال ربّ إني أعوذ بك﴾ ، أي: أستجير بك أن أتكلف مسألتك ما ليس لي به علم، [[انظر تفسير " عاذ " فيما سلف ١٣: ٣٣٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] مما قد استأثرت بعلمه، وطويت علمه عن خلقك، فاغفر لي زلتي في مسألتي إياك ما سألتك في ابني، وإن أنت لم تغفرها لي وترحمني فتنقذني من غضبك = ﴿أكن من الخاسرين﴾ ، يقول: من الذين غبنوا أنفسهم حظوظَها وهلكوا. [[انظر تفسير " الخسران " فيما سلف من فهارس اللغة (خسر) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا نوح، اهبط من الفلك إلى الأرض [[انظر تفسير " الهبوط " فيما سلف ١٢: ٣٢٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

﴿بسلام منا﴾ ، يقول: بأمن منا أنت ومن معك من إهلاكنا [[انظر تفسير " السلام " فيما سلف من فهارس اللغة (سلم) .]] = ﴿وبركات عليك﴾ ، يقول: وببركات عليك [[في المطبوعة والمخطوطة: " وبركات عليه "، مرة أخرى، ولم يفسرها أيضًا، فإن لم يكن سقط من التفسير شيء، فالصواب ما أثبت بزيادة الباء، دلالة على العطف على ما قبله.]] = ﴿وعلى أمم ممن معك﴾ ، يقول: وعلى قرون تجيء من ذرية من معك من ولدك. فهؤلاء المؤمنون من ذرية نوح الذين سبقت لهم من الله السعادة، وبارك عليهم قبل أن يخلقهم في بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم. ثم أخبر تعالى ذكره نوحًا عما هو فاعل بأهل الشقاء من ذريته، فقال له: ﴿وأمم﴾ ، يقول: وقرون وجماعة [[انظر تفسير " الأمة " فيما سلف ص: ٢٥٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿سنمتعهم﴾ في الحياة في الدنيا، يقول: نرزقهم فيها ما يتمتعون به إلى أن يبلغوا آجالهم [[انظر تفسير " المتاع " فيما سلف من فهارس اللغة (متع) .]] = ﴿ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ ، يقول: ثم نذيقهم إذا وردوا علينا عذابًا مؤلمًا موجعًا. [[انظر تفسير " المس " فيما سلف ص: ٢٥٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم من معك) ، إلى آخر الآية، قال: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة.

١٨٢٥١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم من معك﴾ ، قال: دخل في الإسلام كل مؤمن ومؤمنة، وفي الشرك كل كافر وكافرة. [[في المطبوعة: " دخل في السلام "، غير ما في المخطوطة، وأساء.]]

١٨٢٥٢- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، قراءةً عن ابن جريج: ﴿وعلى أمم ممن معك﴾ ، يعني: ممن لم يولد. قد قضى البركات لمن سبق له في علم الله وقضائه السعادة = ﴿وأمم سنمتعهم﴾ ، من سبق له في علم الله وقضائه الشِّقوة. [[في المطبوعة " الشقاوة "، وأثبت ما في المخطوطة، هنا وفي سائر المواضع الآتية.]]

١٨٢٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج بنحوه = إلا أنه قال: ﴿وأمم سنمتعهم﴾ ، متاع الحياة الدنيا، ممن قد سبق له في علم الله وقضائه الشقوة. قال: ولم يهلك الوَلَد يوم غرق قوم نُوح بذنب آبائهم، كالطير والسباع، ولكن جاء أجلهم مع الغرق.

١٨٢٥٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم﴾ ، قال: هبطوا والله عنهم راض، هبطوا بسلام من الله. كانوا أهل رحمة من أهل ذلك الدهر، ثم أخرج منهم نسلا بعد ذلك أممًا، منهم من رحم، ومنهم من عذب. وقرأ: ﴿وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم﴾ ، وذلك إنما افترقت الأمم من تلك العصابة التي خرجت من ذلك الماء وسلمت.

١٨٢٥٥- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ ، الآية، يقول: بركات عليك وعلى أمم ممن معك لم يولدوا، أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة = ﴿وأمم سنمتعهم﴾ ، يعني: متاع الحياة الدنيا = ﴿ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ ، لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة.

١٨٢٥٦- حدثني المثني قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن: أنه كان إذا قرأ "سورة هود"، فأتى على: ﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك﴾ ، حتى ختم الآية، قال الحسن: فأنجى الله نوحًا والذين آمنوا، وهلك المتمتعون! حتى ذكر الأنبياء كل ذلك يقول: أنجاه الله وهلك المتمتعون.

١٨٢٥٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ ، قال: بعد الرحمة.

١٨٢٥٨- حدثنا العباس بن الوليد قال، أخبرني أبي قال، اخبرنا عبد الله بن شوذب قال، سمعت داود بن أبي هند يحدث، عن الحسن: أنه أتى على هذه الآية: ﴿اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ ، قال: فكان ذلك حين بعث الله عادًا، فأرسل إليهم هودًا، فصدقه مصدقون، وكذبه مكذبون، حتى جاء أمر الله. فلما جاء أمر الله نجّى الله هودًا والذين آمنوا معه، وأهلك الله المتمتعين، ثم بعث الله ثمود، فبعث إليهم صالحًا، فصدقه مصدقون وكذبه مكذبون، حتى جاء أمر الله. فلما جاء أمر الله نجى الله صالحًا والذين آمنوا معه وأهلك الله المتمتعين. ثم استقرأ الأنبياء نبيًّا نبيًّا، على نحو من هذا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد ﷺ: هذه القصة التي أنبأتك بها من قصة نوح وخبره وخبر قومه = ﴿من أنباء الغيب﴾ ، يقول: هي من أخبار الغيب التي لم تشهدها فتعلمها [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .]] = ﴿نوحيها إليك﴾ ، يقول: نوحيها إليك نحن، فنعرفكها = ﴿ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ ، الوحي الذي نوحيه إليك، = ﴿فاصبر﴾ ، على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته، وما تلقى من مشركي قومك، كما صبر نوح = ﴿إن العاقبة للمتقين﴾ ، يقول: إن الخير من عواقب الأمور لمن اتقى الله، [[انظر تفسير " العاقبة " فيما سلف ص: ١٥٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] فأدَّى فرائضه، واجتنب معاصيه، فهم الفائزون بما يؤمِّلون من النعيم في الآخرة، والظفر في الدنيا بالطلبة، كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله، أنْ نجَّاه من الهلكة مع من آمن به، وأعطاه في الآخرة ما أعطاه من الكرامة، وغرَّق المكذبين به فأهلكهم جميعهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٥٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ ، القرآن، وما كان عَلم محمدٌ ﷺ وقومه ما صنع نوحٌ وقومه، لولا ما بيَّن الله في كتابه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ (٥٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هودًا، فقال لهم: "يا قوم اعبدوا الله" وحده لا شريك له، دون ما تعبدون من دونه من الآلهة والأوثان. ﴿ما لكم إله غيره﴾ ، يقول: ليس لكم معبود يستحق العبادة عليكم غيره، فأخلصوا له العبادة وأفردوه بالألوهة = ﴿إن أنتم إلا مفترون﴾ ، يقول: ما أنتم في إشراككم معه الآلهة والأوثان إلا أهل فرية مكذبون، تختلقون الباطل، لأنه لا إله سواه. [[انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة (فرى) .]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هود لقومه: يا قوم لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من إخلاص العبادة لله وخلع الأوثان والبراءة منها، جزاءً وثوابًا = ﴿إن أجري إلا على الذي فطرني﴾ ، يقول: إن ثوابي وجزائي على نصيحتي لكم، ودعائكم إلى الله، إلا على الذي خلقني [[انظر تفسير " فطر " فيما سلف ١١: ٢٨٣، ٢٨٤، ٤٨٧.]] = ﴿أفلا تعقلون﴾ ، يقول: أفلا تعقلون أني لو كنت ابتغي بدعايتكم إلى الله غير النصيحة لكم، وطلب الحظ لكم في الدنيا والآخرة، لالتمست منكم على ذلك بعض أعراض الدنيا، وطلبت منكم الأجر والثواب؟

* *

١٨٢٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إن أجري إلا على الذي فطرني﴾ ، أي خلقني

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ (٥٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هودًا، فقال لهم: "يا قوم اعبدوا الله" وحده لا شريك له، دون ما تعبدون من دونه من الآلهة والأوثان. ﴿ما لكم إله غيره﴾ ، يقول: ليس لكم معبود يستحق العبادة عليكم غيره، فأخلصوا له العبادة وأفردوه بالألوهة = ﴿إن أنتم إلا مفترون﴾ ، يقول: ما أنتم في إشراككم معه الآلهة والأوثان إلا أهل فرية مكذبون، تختلقون الباطل، لأنه لا إله سواه. [[انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة (فرى) .]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هود لقومه: يا قوم لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من إخلاص العبادة لله وخلع الأوثان والبراءة منها، جزاءً وثوابًا = ﴿إن أجري إلا على الذي فطرني﴾ ، يقول: إن ثوابي وجزائي على نصيحتي لكم، ودعائكم إلى الله، إلا على الذي خلقني [[انظر تفسير " فطر " فيما سلف ١١: ٢٨٣، ٢٨٤، ٤٨٧.]] = ﴿أفلا تعقلون﴾ ، يقول: أفلا تعقلون أني لو كنت ابتغي بدعايتكم إلى الله غير النصيحة لكم، وطلب الحظ لكم في الدنيا والآخرة، لالتمست منكم على ذلك بعض أعراض الدنيا، وطلبت منكم الأجر والثواب؟

* *

١٨٢٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إن أجري إلا على الذي فطرني﴾ ، أي خلقني

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هود لقومه: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم﴾ ، يقول: آمنوا به حتى يغفر لكم ذنوبكم.

* *

= والاستغفار: هو الإيمان بالله في هذا الموضع، لأن هودًا ﷺ إنما دعا قومه إلى توحيد الله ليغفر لهم ذنوبهم، كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [سورة نوح: ٣: ٤]

* *

وقوله: ﴿ثم توبوا إليه﴾ ، يقول: ثم توبوا إلى الله من سالف ذنوبكم وعبادتكم غيره بعد الإيمان به = ﴿يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ ، يقول: فإنكم إن آمنتم بالله وتبتم من كفركم به، أرسل قَطْر السماء عليكم يدرَّ لكم الغيثَ في وقت حاجتكم إليه، وتحَيَا بلادكم من الجدب والقَحط. [[انظر تفسير " مدرار " فيما سلف ١١: ٢٦٣.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٦١- حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿مدرارا﴾ ، يقول: يتبع بعضها بعضا.

١٨٢٦٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾ قال: يدر ذلك عليهم قطرًا ومطرًا.

* *

وأما قوله: ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ ، فإن مجاهدًا كان يقول في ذلك ما:-

١٨٢٦٣- حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ ، قال: شدة إلى شدتكم

١٨٢٦٤- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد= وإسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد=

١٨٢٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد، فذكر مثله.

١٨٢٦٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ويزدكم قوة إلى قوّتكم﴾ ، قال: جعل لهم قوة، فلو أنهم أطاعوه زادهم قوة إلى قوتهم. وذكر لنا أنه إنما قيل لهم: ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ ، قال: إنه قد كان انقطع النسل عنهم سنين، فقال هود لهم: إن آمنتم بالله أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد، لأن ذلك من القوة.

* *

وقوله: ﴿ولا تتولوا مجرمين﴾ ، يقول: ولا تدبروا عما أدعوكم إليه من توحيد الله، والبراءة من الأوثان والأصنام = ﴿مجرمين﴾ ، يعني: كافرين بالله. [[انظر تفسير " التولي " و " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) ، (جرم) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال قوم هود لهود، يا هود ما أتيتنا ببيان ولا برهان على ما تقول، فنسلم لك، ونقر بأنك صادق فيما تدعونا إليه من توحيد الله والإقرار بنبوتك = ﴿وما نحن بتاركي آلهتنا﴾ ، يقول: وما نحن بتاركي آلهتنا، يعني: لقولك: أو من أجل قولك. ﴿ما نحن لك بمؤمنين﴾ ، يقول: قالوا: وما نحن لك بما تدعي من النبوة والرسالة من الله إلينا بمصدِّقين.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي (٥٥) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره، عن قول قوم هود: أنهم قالوا له، إذ نصح لهم ودعاهم إلى توحيد الله وتصديقه، وخلع الأوثان والبراءة منها: لا نترك عبادة آلهتنا، وما نقول إلا أن الذي حملك على ذمِّها والنهي عن عبادتها، أنه أصابك منها خبَلٌ من جنونٌ. فقال هود لهم: إني أشهد الله على نفسي وأشهدكم أيضًا أيها القوم، أني بريء مما تشركون في عبادة الله من آلهتكم وأوثانكم من دونه = ﴿فكيدوني جميعا﴾ ، يقول: فاحتالوا أنتم جميعًا وآلهتكم في ضري ومكروهي [[انظر تفسير " الكيد " فيما سلف ١٣: ٤٤٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ثم لا تنظرون﴾ ، يقول: ثم لا تؤخرون ذلك، [[انظر تفسير " الإنظار " فيما سلف ص: ١٥١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] فانظروا هل تنالونني أنتم وهم بما زعمتم أن آلهتكم نالتني به من السوء؟

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: أصابتك الأوثان بجنون.

١٨٢٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: أصابك الأوثان بجنون.

١٨٢٦٩- حدثني المثني قال، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا سفيان، عن عيسى، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: سببتَ آلهتنا وعبتها، فأجنَّتك.

١٨٢٧٠-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن نجيح، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، أصابك بعض آلهتنا بسوء، يعنون الأوثان.

١٨٢٧١-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ قال: أصابك الأوثان بجنون.

١٨٢٧٢- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: تصيبك آلهتنا بالجنون.

١٨٢٧٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: ما يحملك على ذمّ آلهتنا، إلا أنه أصابك منها سوء.

١٨٢٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: إنما تصنع هذا بآلهتنا أنها أصابتك بسوء.

١٨٢٧٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: أصابتك آلهتنا بشر.

١٨٢٧٦- حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، يقولون: نخشى أن يصيبك من آلهتنا سوء، ولا نحب أن تعتريك، يقولون: يصيبك منها سوء.

١٨٢٧٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، يقولون: اختلَط عقلك فأصابك هذا مما صنعت بك آلهتنا.

* *

وقوله: ﴿اعتراك﴾ ، ا"فتعل"، من "عراني الشيء يعروني":، إذا أصابك، كما قال الشاعر: [[هو أبو خراش الهذلي.]]

مِنَ القَوْمِ يَعْرُوهُ اجْتِرَاءٌ وَمَأْثَمُ [[ديوان الهذليين ٢: ١٤٧، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٠، من قصيدته التي ذكر فيها فراره من فائد وأصحابه الخزاعيين، وكان لهم وتر عنده. فلما لقوه فر وعدا، فذكر ذلك في شعره، ثم انتهى إلى ذكر رجل كان يتبعه وهو يعدو فقال: أُوائِلُ بالشَّدِّ الذَّلِيقِ، وَحَثَّنِي ... لَدَى المَتْنِ مَشْبُوحُ الذِّرَاعَينِ خَلْجَمُ

تَذَكَّر ذَخْلاً عِنْدَنَا، وهو فاتِكٌ ... مِنَ القَوْمِ يَعْرُوهُ اجْتِرَاءٌ وَمَأْثَمُ

يقول: " أوائل بالشد "، أطلب النجاة بالعدو السريع، و" الذليق "، الحديد السريع الشديد، و" حثني لدى المتن "، يحثني على عدوى، رجل من ورائي، كأنه من قربه قد ركب متني، " مشبوح الذراعين "، من صفة هذا الرجل أنه عريض الذراعين، " خلجم "، طويل شديد. و" تذكر ذحلا "، أي ثأرًا، فكان تذكره للثأر أحفز له على طلب أبي خراش. ثم قال: إنه فاتك من فتاكهم، لا يرهب، ويدفعه على ذلك " اجتراء "، أي جرأة لا تكفها المخافة، و" مأثم "، أي طلب الأثام، وهو المجازاة والعقوبة على إثمي الذي سلف إليهم. و" المأثم " و"الأثام "واحد.

وكان في المطبوعة: " اجترام "، وفي المخطوطة: " اجترامًا "، وهما خطأ، صوابه ما أثبت من ديوانه.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي (٥٥) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره، عن قول قوم هود: أنهم قالوا له، إذ نصح لهم ودعاهم إلى توحيد الله وتصديقه، وخلع الأوثان والبراءة منها: لا نترك عبادة آلهتنا، وما نقول إلا أن الذي حملك على ذمِّها والنهي عن عبادتها، أنه أصابك منها خبَلٌ من جنونٌ. فقال هود لهم: إني أشهد الله على نفسي وأشهدكم أيضًا أيها القوم، أني بريء مما تشركون في عبادة الله من آلهتكم وأوثانكم من دونه = ﴿فكيدوني جميعا﴾ ، يقول: فاحتالوا أنتم جميعًا وآلهتكم في ضري ومكروهي [[انظر تفسير " الكيد " فيما سلف ١٣: ٤٤٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ثم لا تنظرون﴾ ، يقول: ثم لا تؤخرون ذلك، [[انظر تفسير " الإنظار " فيما سلف ص: ١٥١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] فانظروا هل تنالونني أنتم وهم بما زعمتم أن آلهتكم نالتني به من السوء؟

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: أصابتك الأوثان بجنون.

١٨٢٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: أصابك الأوثان بجنون.

١٨٢٦٩- حدثني المثني قال، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا سفيان، عن عيسى، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: سببتَ آلهتنا وعبتها، فأجنَّتك.

١٨٢٧٠-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن نجيح، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، أصابك بعض آلهتنا بسوء، يعنون الأوثان.

١٨٢٧١-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ قال: أصابك الأوثان بجنون.

١٨٢٧٢- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: تصيبك آلهتنا بالجنون.

١٨٢٧٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: ما يحملك على ذمّ آلهتنا، إلا أنه أصابك منها سوء.

١٨٢٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: إنما تصنع هذا بآلهتنا أنها أصابتك بسوء.

١٨٢٧٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: أصابتك آلهتنا بشر.

١٨٢٧٦- حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، يقولون: نخشى أن يصيبك من آلهتنا سوء، ولا نحب أن تعتريك، يقولون: يصيبك منها سوء.

١٨٢٧٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، يقولون: اختلَط عقلك فأصابك هذا مما صنعت بك آلهتنا.

* *

وقوله: ﴿اعتراك﴾ ، ا"فتعل"، من "عراني الشيء يعروني":، إذا أصابك، كما قال الشاعر: [[هو أبو خراش الهذلي.]]

مِنَ القَوْمِ يَعْرُوهُ اجْتِرَاءٌ وَمَأْثَمُ [[ديوان الهذليين ٢: ١٤٧، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٠، من قصيدته التي ذكر فيها فراره من فائد وأصحابه الخزاعيين، وكان لهم وتر عنده. فلما لقوه فر وعدا، فذكر ذلك في شعره، ثم انتهى إلى ذكر رجل كان يتبعه وهو يعدو فقال: أُوائِلُ بالشَّدِّ الذَّلِيقِ، وَحَثَّنِي ... لَدَى المَتْنِ مَشْبُوحُ الذِّرَاعَينِ خَلْجَمُ

تَذَكَّر ذَخْلاً عِنْدَنَا، وهو فاتِكٌ ... مِنَ القَوْمِ يَعْرُوهُ اجْتِرَاءٌ وَمَأْثَمُ

يقول: " أوائل بالشد "، أطلب النجاة بالعدو السريع، و" الذليق "، الحديد السريع الشديد، و" حثني لدى المتن "، يحثني على عدوى، رجل من ورائي، كأنه من قربه قد ركب متني، " مشبوح الذراعين "، من صفة هذا الرجل أنه عريض الذراعين، " خلجم "، طويل شديد. و" تذكر ذحلا "، أي ثأرًا، فكان تذكره للثأر أحفز له على طلب أبي خراش. ثم قال: إنه فاتك من فتاكهم، لا يرهب، ويدفعه على ذلك " اجتراء "، أي جرأة لا تكفها المخافة، و" مأثم "، أي طلب الأثام، وهو المجازاة والعقوبة على إثمي الذي سلف إليهم. و" المأثم " و"الأثام "واحد.

وكان في المطبوعة: " اجترام "، وفي المخطوطة: " اجترامًا "، وهما خطأ، صوابه ما أثبت من ديوانه.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول: إني على الله الذي هو مالكي ومالككم، والقيِّم على جميع خلقه، توكلت من أن تصيبوني، أنتم وغيركم من الخلق بسوء، [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف من فهارس اللغة (وكل) .]] فإنه ليس من شيء يدب على الأرض، [[انظر تفسير " دابة " فيما سلف ص: ٢٤٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] إلا والله مالكه، وهو في قبضته وسلطانه. ذليلٌ له خاضعٌ.

* *

فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿هو آخذ بناصيتها﴾ ، فخص بالأخذ "الناصية " دون سائر أماكن الجسد.

قيل: لأن العرب كانت تستعمل ذلك في وصفها من وصفته بالذلة والخضوع، فتقول: "ما ناصية فلان إلا بيد فلان"، أي: أنه له مطيع يصرفه كيف شاء. وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمنّ عليه، جزُّوا ناصيته، ليعتدّوا بذلك عليه فخرًا عند المفاخرة. فخاطبهم الله بما يعرفون في كلامهم، والمعنى ما ذكرت.

* *

وقوله: ﴿إن ربي على صراط مستقيم﴾ ، يقول: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدًا منهم شيئًا ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان به، [[انظر تفسير " صراط مستقيم " فيما سلف من فهارس اللغة (سرط) ، (قوم) .]] كما:-

١٨٢٧٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إن ربي على صراط مستقيم﴾ ، الحقّ.

١٨٢٧٩- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٢٨٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٨٢٨١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هود لقومه: ﴿فإن تولوا﴾ ، يقول: فإن أدبروا معرضين عما أدعوهم إليه من توحيد الله وترك عبادة الأوثان [[كان حق الكلام أن يقول: " فإن أدبرتم معرضين عما أدعوكم إليه "، فهو خطاب من هود لقومه، أي: " فإن تتولوا "، وحذف إحدى التاءين. وكأن هذا سهو من أبي جعفر رحمه الله وغفر له.]] = ﴿فقد أبلغتكم﴾ أيها القوم = ﴿ما أرسلت به إليكم﴾ ، وما على الرسول إلا البلاغ = ﴿ويستخلف ربي قوما غيركم﴾ ، يهلككم ربي، ثم يستبدل ربي منكم قومًا غيركم، [[انظر تفسير " الاستخلاف " فيما سلف من فهارس اللغة (خلف) .]] يوحِّدونه ويخلصون له العبادة = ﴿ولا تضرونه شيئًا﴾ ، يقول: ولا تقدرون له على ضرّ إذا أراد إهلاككم أو أهلككم.

* *

وقد قيل: لا يضره هلاككُم إذا أهلككم، لا تنقصونه شيئًا، لأنه سواء عنده كُنتم أو لم تكونوا.

* *

= ﴿إن ربي على كل شيء حفيظ﴾ ، يقول: إن ربي على جميع خلقه ذو حفظ وعلم. [[انظر تفسير " حفيظ " فيما سلف ٨: ٥٦٢ / ١٢: ٢٥، ٣٣.]]

يقول: هو الذي يحفظني من أن تنالوني بسوء.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاء قوم هود عذابُنا، نجينا منه هودًا والذين آمنوا بالله معه = ﴿برحمة منا﴾ ، يعني: بفضل منه عليهم ونعمة = ﴿ونجيناهم من عذاب غليظ﴾ ، يقول: نجيناهم أيضًا من عذاب غليظ يوم القيامة، كما نجيناهم في الدنيا من السخطة التي أنزلتها بعادٍ. [[انظر تفسير " الغلظة " فيما سلف ١٤: ٥٧٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين أحللنا بهم نقمتنا وعذابنا، عادٌ، جحدوا بأدلة الله وحججه، [[انظر تفسير " الجحد " فيما سلف ١١: ٣٣٤ / ١٢: ٤٧٦.]] وعصوا رسله الذين أرسلهم إليهم للدعاء إلى توحيده واتباع أمره = ﴿واتبعوا أمر كل جبار عنيد﴾ ، يعني: كلّ مستكبر على الله، [[انظر تفسير " الجبار " فيما سلف ١٠: ١٧٢.]] حائد عن الحق، لا يُذعن له ولا يقبله.

* *

يقال منه: "عَنَد عن الحق، فهو يعنِد عُنُودًا"، و"الرجل عَاند وعَنُود". ومن ذلك قيل للعرق الذي ينفجر فلا يرقأ: "عِرْق عاند": أي ضَارٍ، [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩١، ففيه زيادة بيان.]]

ومنه قول الراجز: [[لم أعرف قائله.]]

إِنِّي كَبِيرٌ لا أَطِيقُ العُنَّدَا [[مجاز القرآن ١: ٢٩١، البطليوسي: ٤١٥، الجواليقي: ٣٣٦، اللسان (عند) ، وسيأتي في التفسير ٢٩: ٩٧ (بولاق) ، وغيرها، وهي أبيات لشواهد الإكفاء، يقول: إذَا رَحَلْتُ فَاجْعَلُونِي وَسَطَا ... إِنِّي كَبِيرٌ لاَ أَطِيقُ العُنَّدَا

وَلاَ أُطِيقُ البَكرَاتِ الشُّرَّدَا.]]

* *

١٨٢٨٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿واتبعوا أمر كل جبار عنيد﴾ ، المشرك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاء قوم هود عذابُنا، نجينا منه هودًا والذين آمنوا بالله معه = ﴿برحمة منا﴾ ، يعني: بفضل منه عليهم ونعمة = ﴿ونجيناهم من عذاب غليظ﴾ ، يقول: نجيناهم أيضًا من عذاب غليظ يوم القيامة، كما نجيناهم في الدنيا من السخطة التي أنزلتها بعادٍ. [[انظر تفسير " الغلظة " فيما سلف ١٤: ٥٧٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين أحللنا بهم نقمتنا وعذابنا، عادٌ، جحدوا بأدلة الله وحججه، [[انظر تفسير " الجحد " فيما سلف ١١: ٣٣٤ / ١٢: ٤٧٦.]] وعصوا رسله الذين أرسلهم إليهم للدعاء إلى توحيده واتباع أمره = ﴿واتبعوا أمر كل جبار عنيد﴾ ، يعني: كلّ مستكبر على الله، [[انظر تفسير " الجبار " فيما سلف ١٠: ١٧٢.]] حائد عن الحق، لا يُذعن له ولا يقبله.

* *

يقال منه: "عَنَد عن الحق، فهو يعنِد عُنُودًا"، و"الرجل عَاند وعَنُود". ومن ذلك قيل للعرق الذي ينفجر فلا يرقأ: "عِرْق عاند": أي ضَارٍ، [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩١، ففيه زيادة بيان.]]

ومنه قول الراجز: [[لم أعرف قائله.]]

إِنِّي كَبِيرٌ لا أَطِيقُ العُنَّدَا [[مجاز القرآن ١: ٢٩١، البطليوسي: ٤١٥، الجواليقي: ٣٣٦، اللسان (عند) ، وسيأتي في التفسير ٢٩: ٩٧ (بولاق) ، وغيرها، وهي أبيات لشواهد الإكفاء، يقول: إذَا رَحَلْتُ فَاجْعَلُونِي وَسَطَا ... إِنِّي كَبِيرٌ لاَ أَطِيقُ العُنَّدَا

وَلاَ أُطِيقُ البَكرَاتِ الشُّرَّدَا.]]

* *

١٨٢٨٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿واتبعوا أمر كل جبار عنيد﴾ ، المشرك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأتبع عاد قوم هود في هذه الدنيا غضبًا من الله وسخطةً يوم القيامة، مثلها، لعنةً إلى اللعنة التي سلفت لهم من الله في الدنيا [[انظر تفسير " اللعنة " فيما سلف من فهارس اللغة (لعن) .]] = ﴿ألا إن عادًا كفروا ربهم ألا بعدًا لعاد قوم هود﴾ ، يقولُ: أبعدهم الله من الخير. [[انظر تفسير " البعد " فيما سلف ص: ٣٣٥.]]

* *

يقال: "كفر فلان ربه وكفر بربه"، "وشكرت لك، وشكرتك". [[انظر ما سلف ٣: ٢١٢، مثله.]]

* *

وقيل = إن معنى: ﴿كفروا ربهم﴾ ، كفروا نعمةَ ربهم.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com